{"ً":{"ٌ":23578,"ٍ":"تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/الكشف والبيان تفسير الثعلبي - ت ابن عاشور - ط إحياء التراث العربي  1-10","files":["00_56776.pdf|الغلاف","01_56776.pdf","02_56777.pdf","03_56778.pdf","04_56779.pdf","05_56780.pdf","06_56781.pdf","07_56782.pdf","08_56783.pdf","09_56784.pdf","10_56785.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الكشف والبيان عن تفسير القرآن\nالمؤلف: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (ت ٤٢٧هـ)\nتحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور\nمراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي\nالناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى ١٤٢٢، هـ - ٢٠٠٢ م\nعدد الأجزاء: ١٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1333,"ٕ":3,"ٖ":1770155601,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"الجزء الأول","level":1,"page":1},{"title":"ترجمة الثعلبي","level":2,"page":1},{"title":"الصفدي في\"الوافي بالوفيات\" (٧: ٣٠٧ ترجمة ٣٢٩٩):","level":3,"page":1},{"title":"ياقوت في\"معجم الأدباء\" (٥: ٣٦/ ٥):","level":3,"page":1},{"title":"ابن كثير في\"البداية والنهاية\" (١٢/ ٤٣):","level":3,"page":2},{"title":"السبكي في\"طبقات الشافعية الكبرى\" (٤: ٥٨ - ٥٩/ ترجمة ٢٦٧):","level":3,"page":2},{"title":"ابن العماد الحنبلي في\"شذرات الذهب\" ٢/ ٢٣٠:","level":3,"page":3},{"title":"القفطي في إنباه الرواة على أنباه النحاة (١: ١٥٤/ ترجمة ٥٩):","level":3,"page":3},{"title":"الزركلي في\"الأعلام\" (١/ ٢١٢):","level":3,"page":3},{"title":"كحالة في\"معجم المؤلفين\" (٢/ ٦٠):","level":3,"page":3},{"title":"التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه","level":3,"page":3},{"title":"علمنا في التفسير","level":2,"page":7},{"title":"مقدمة المصنف","level":2,"page":9},{"title":"هذه أسماء الكتب التي عليها مباني كتابنا هذا","level":3,"page":11},{"title":"تفاسير القدماء","level":4,"page":11},{"title":"[تفسير ابن عباس]","level":5,"page":11},{"title":"تفسير عكرمة:","level":5,"page":12},{"title":"تفسير الكلبي:","level":5,"page":13},{"title":"تفسير مجاهد:","level":5,"page":13},{"title":"تفسير الحسن بن أبي الحسن:","level":5,"page":15},{"title":"تفسير أبي العالية والربيع:","level":5,"page":15},{"title":"تفسير القرظي:","level":5,"page":15},{"title":"تفسير مقاتل بن حيان:","level":5,"page":15},{"title":"تفسير مقاتل بن سليمان:","level":5,"page":16},{"title":"تفسير ابن جريح:","level":5,"page":16},{"title":"تفسير سفيان:","level":5,"page":16},{"title":"تفسير وكيع:","level":5,"page":17},{"title":"تفسير هشام بن بشير:","level":5,"page":17},{"title":"تفسير شبل:","level":5,"page":17},{"title":"تفسير ورقاء:","level":5,"page":17},{"title":"تفسير زيد بن أسلم:","level":5,"page":17},{"title":"تفسير روح بن عبادة:","level":5,"page":17},{"title":"تفسير الفراتي:","level":5,"page":17},{"title":"تفسير قبيصة:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير سعيد بن منصور:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير النهدي:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير ابن وهب:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير عبد الحميد:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير محمد بن أيوب:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير ابن كيسان:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير أبي حمزة الثمالي:","level":5,"page":18},{"title":"تفسير المسيب:","level":5,"page":18},{"title":"مصنفات [علماء] العصر:","level":4,"page":19},{"title":"تفسير عبد الله بن حامد:","level":5,"page":19},{"title":"تفسير أبي عمرو الفراتي الملقب بالبستاني:","level":5,"page":19},{"title":"تفسير أبي بكر ابن فورك:","level":5,"page":19},{"title":"تفسير أبي القاسم بن حبيب:","level":5,"page":19},{"title":"تفسير جبريل:","level":5,"page":19},{"title":"تفسير النبي ﷺ:","level":5,"page":19},{"title":"كتاب [ابن المبارك]:","level":5,"page":19},{"title":"حقائق التفسير على لسان أهل الإمارة:","level":5,"page":19},{"title":"كتاب عروة:","level":5,"page":19},{"title":"كتاب مالك بن....:","level":5,"page":20},{"title":"كتب المعاني:","level":4,"page":20},{"title":"معاني الفراء:","level":5,"page":20},{"title":"معاني الكسائي:","level":5,"page":20},{"title":"معاني عبيد:","level":5,"page":20},{"title":"معاني الزجاج:","level":5,"page":20},{"title":"كتاب النظم:","level":5,"page":20},{"title":"كتاب الغرائب:","level":5,"page":20},{"title":"غريب الأخفش:","level":5,"page":20},{"title":"باب [علم القرآن] والترتيب فيه:","level":5,"page":21},{"title":"تفسير فاتحة الكتاب","level":2,"page":24},{"title":"[أسماؤها]","level":3,"page":24},{"title":"نزولها:","level":3,"page":24},{"title":"في فضل التسمية:","level":3,"page":26},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ١]","level":3,"page":27},{"title":"في أن التسمية من الفاتحة أو لا؟","level":4,"page":36},{"title":"الكلام في جزئية البسملة من باقي السور","level":4,"page":40},{"title":"حكم الجهر بالبسملة في الصلاة","level":4,"page":40},{"title":"[سورة الفاتحة (١): الآيات ٢ إلى ٣]","level":3,"page":43},{"title":"قوله تعالى: الحمد لله","level":4,"page":43},{"title":"في إعراب الحمد لله","level":5,"page":44},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٤]","level":3,"page":47},{"title":"الفرق بين ملك ومالك","level":4,"page":49},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٥]","level":3,"page":52},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٦]","level":3,"page":53},{"title":"الإختلاف في قراءة الصراط","level":4,"page":54},{"title":"[سورة الفاتحة (١): آية ٧]","level":3,"page":56},{"title":"في معنى الغضب","level":4,"page":58},{"title":"فأما التفسير:","level":5,"page":59},{"title":"فصل في آمين","level":4,"page":59},{"title":"فصل في أسماء هذه السورة","level":4,"page":61},{"title":"ذكر وجوب قراءتها على المأموم كوجوبها على الإمام واختلاف الفقهاء فيه:","level":4,"page":66},{"title":"سورة البقرة","level":2,"page":70},{"title":"فضلها:","level":3,"page":70},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":71},{"title":"فصل في التقوى","level":4,"page":77},{"title":"فصل في الإيمان","level":4,"page":80},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ إلى ١٦]","level":3,"page":86},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ إلى ٢٠]","level":3,"page":95},{"title":"القول في معنى الآيتين ونظمهما وحكمهما","level":4,"page":100},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":3,"page":101},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":107},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٠ إلى ٣٩]","level":3,"page":109},{"title":"فصل في معنى الخليفة","level":4,"page":112},{"title":"القول في حد الاسم وأقسامه","level":4,"page":114},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٠ إلى ٤٨]","level":3,"page":120},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٩ إلى ٥٤]","level":3,"page":126},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٥ إلى ٥٩]","level":3,"page":133},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٠ إلى ٦٢]","level":3,"page":137},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ إلى ٧٣]","level":3,"page":146},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٤ إلى ٧٩]","level":3,"page":155},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٠ إلى ٨٤]","level":3,"page":160},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٥ إلى ٨٦]","level":3,"page":164},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٧ إلى ٩٠]","level":3,"page":167},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩١ إلى ٩٣]","level":3,"page":170},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ إلى ٩٩]","level":3,"page":172},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٣]","level":3,"page":176},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٦]","level":3,"page":186},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٧ إلى ١٠٩]","level":3,"page":191},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٠ إلى ١١٣]","level":3,"page":193},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٤ إلى ١١٧]","level":3,"page":195},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٨ إلى ١٢٣]","level":3,"page":200},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٤ إلى ١٢٩]","level":3,"page":202},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٤]","level":3,"page":213},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٥ إلى ١٣٧]","level":3,"page":217},{"title":"محتوى الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":220},{"title":"الجزء الثاني","level":1,"page":221},{"title":"تكملة سورة البقرة","level":2,"page":221},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٨ إلى ١٤١]","level":3,"page":221},{"title":"فصل في معنى الإخلاص","level":4,"page":222},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٣]","level":3,"page":223},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٤ إلى ١٤٧]","level":3,"page":226},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٨ إلى ١٥٢]","level":3,"page":229},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٧]","level":3,"page":237},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٨ إلى ١٦٢]","level":3,"page":240},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٣ إلى ١٦٥]","level":3,"page":247},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٦ إلى ١٦٧]","level":3,"page":251},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ إلى ١٧٦]","level":3,"page":253},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٧ إلى ١٧٩]","level":3,"page":265},{"title":"ذكر حكم الآيات","level":4,"page":270},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":271},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٢]","level":3,"page":272},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ إلى ١٨٧]","level":3,"page":277},{"title":"فصل في حكم الآية","level":4,"page":282},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٨ إلى ١٨٩]","level":3,"page":299},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٠ إلى ١٩٣]","level":3,"page":302},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٤ إلى ١٩٧]","level":3,"page":305},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":312},{"title":"في افراد الحج","level":4,"page":313},{"title":"في القران","level":4,"page":314},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":320},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٨ إلى ٢٠٣]","level":3,"page":324},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٤ إلى ٢١٠]","level":3,"page":335},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١١ إلى ٢١٥]","level":3,"page":346},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٦ إلى ٢١٨]","level":3,"page":352},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٩ إلى ٢٢١]","level":3,"page":357},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٢ إلى ٢٢٥]","level":3,"page":371},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ إلى ٢٢٩]","level":3,"page":383},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":387},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٠ إلى ٢٣٢]","level":3,"page":392},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٣ إلى ٢٣٤]","level":3,"page":396},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٥ إلى ٢٣٧]","level":3,"page":401},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":405},{"title":"تفصيل حكم الآية","level":4,"page":407},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٨ إلى ٢٤٢]","level":3,"page":410},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ إلى ٢٤٥]","level":3,"page":418},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]","level":3,"page":424},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٧ إلى ٢٤٨]","level":3,"page":426},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٩ إلى ٢٥٢]","level":3,"page":431},{"title":"صفة قتل داود جالوت","level":4,"page":433},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٣ إلى ٢٥٤]","level":3,"page":441},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٥ إلى ٢٥٧]","level":3,"page":443},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٨ إلى ٢٥٩]","level":3,"page":455},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]","level":3,"page":467},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦١ إلى ٢٦٤]","level":3,"page":473},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٥ إلى ٢٦٧]","level":3,"page":479},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٨ إلى ٢٧١]","level":3,"page":486},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٢ إلى ٢٧٣]","level":3,"page":490},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٤ إلى ٢٧٦]","level":3,"page":495},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٧ إلى ٢٨١]","level":3,"page":500},{"title":"ذكر حكم الآية","level":4,"page":502},{"title":"في فضل إنظار المعسر","level":4,"page":503},{"title":"فصل في الدين","level":4,"page":504},{"title":"فصل في تفصيل آخر ما نزل من القرآن","level":4,"page":505},{"title":"[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]","level":3,"page":506},{"title":"[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٣ إلى ٢٨٦]","level":3,"page":513},{"title":"محتوى الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":527},{"title":"الجزء الثالث","level":1,"page":528},{"title":"سورة آل عمران","level":2,"page":528},{"title":"فضلها:","level":3,"page":528},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":528},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨ إلى ١٤]","level":3,"page":539},{"title":"فصل في الخيل","level":4,"page":549},{"title":"\"صفة خلقها\"","level":5,"page":549},{"title":"فضلها:","level":5,"page":549},{"title":"شأنها:","level":5,"page":550},{"title":"وجوهها:","level":5,"page":550},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥ إلى ٢٢]","level":3,"page":551},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٣ إلى ٣٢]","level":3,"page":560},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ إلى ٤٣]","level":3,"page":574},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٤ إلى ٥٤]","level":3,"page":590},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٥ إلى ٦٤]","level":3,"page":603},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٥ إلى ٧٤]","level":3,"page":609},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ إلى ٨٥]","level":3,"page":617},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٦ إلى ٩٢]","level":3,"page":630},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٣ إلى ١٠٣]","level":3,"page":635},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٤ إلى ١١٥]","level":3,"page":645},{"title":"فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر","level":4,"page":645},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٦ إلى ١٢٩]","level":3,"page":655},{"title":"ذكر مغازي رسول الله ﷺ","level":4,"page":663},{"title":"ذكر سراياه ﷺ","level":4,"page":663},{"title":"فصل في إيجاب الحج","level":4,"page":680},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ إلى ١٣٨]","level":3,"page":688},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٩ إلى ١٤٥]","level":3,"page":694},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٦ إلى ١٥٥]","level":3,"page":702},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٦ إلى ١٦٨]","level":3,"page":711},{"title":"فصل في التوكل","level":4,"page":715},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٩ إلى ١٧٨]","level":3,"page":723},{"title":"ذكر بعض ما ورد في الأخبار في زيادة الإيمان ونقصانه","level":4,"page":734},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٩ إلى ١٨٦]","level":3,"page":740},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٧ إلى ١٩٥]","level":3,"page":750},{"title":"[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ إلى ٢٠٠]","level":3,"page":759},{"title":"سورة النساء","level":2,"page":764},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":764},{"title":"حكم الكلام في الحجر على السفيه","level":4,"page":780},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧ إلى ١٤]","level":3,"page":783},{"title":"فصل في بسط الآية","level":4,"page":788},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥ إلى ٢١]","level":3,"page":794},{"title":"فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر","level":4,"page":800},{"title":"فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر","level":4,"page":801},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٢ إلى ٢٨]","level":3,"page":803},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ إلى ٣٦]","level":3,"page":814},{"title":"فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة","level":4,"page":820},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٣٧ إلى ٤٢]","level":3,"page":829},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٤٣ إلى ٥٣]","level":3,"page":834},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٥٤ إلى ٦٣]","level":3,"page":851},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٦٤ إلى ٧٣]","level":3,"page":862},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧٤ إلى ٧٨]","level":3,"page":867},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٧٩ إلى ٨٤]","level":3,"page":870},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٨٥ إلى ٩١]","level":3,"page":876},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٢ إلى ٩٦]","level":3,"page":881},{"title":"حكم هذه الآية","level":4,"page":885},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ٩٧ إلى ١٠٣]","level":3,"page":894},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":897},{"title":"كيفية صلاة الخوف","level":4,"page":898},{"title":"حديث أبي هريرة في صلاة الخوف","level":4,"page":901},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٤ إلى ١١٣]","level":3,"page":902},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٤ إلى ١١٧]","level":3,"page":907},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١١٨ إلى ١٢٦]","level":3,"page":910},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٧ إلى ١٣٠]","level":3,"page":916},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":919},{"title":"ذكر استدلال من استدل من هذه الآية على تكليف ما لا يطاق","level":4,"page":920},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ إلى ١٣٥]","level":3,"page":921},{"title":"مسألة في اللغة","level":4,"page":923},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٦ إلى ١٤١]","level":3,"page":923},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٧]","level":3,"page":927},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ إلى ١٥٢]","level":3,"page":930},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٩]","level":3,"page":931},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٦]","level":3,"page":936},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ إلى ١٧٣]","level":3,"page":940},{"title":"[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٤ إلى ١٧٦]","level":3,"page":943},{"title":"محتوى الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":946},{"title":"الجزء الرابع","level":1,"page":947},{"title":"سورة المائدة","level":2,"page":947},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":947},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":962},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦ إلى ١٠]","level":3,"page":966},{"title":"وأما فضل الوضوء","level":4,"page":973},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١ إلى ١٣]","level":3,"page":976},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٤ إلى ١٧]","level":3,"page":981},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٨ إلى ١٩]","level":3,"page":982},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٠ إلى ٢٦]","level":3,"page":983},{"title":"قصة وفاة هارون (﵇)","level":4,"page":987},{"title":"وأما وفاة موسى (﵇)","level":4,"page":987},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٢٧ إلى ٣٢]","level":3,"page":990},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٣٣ إلى ٤٠]","level":3,"page":997},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤١ إلى ٤٢]","level":3,"page":1005},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٣ إلى ٤٦]","level":3,"page":1010},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٤٧ إلى ٥٠]","level":3,"page":1015},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥١ إلى ٥٦]","level":3,"page":1017},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٥٧ إلى ٦٣]","level":3,"page":1024},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٤ إلى ٦٦]","level":3,"page":1029},{"title":"[سورة المائدة (٥): آية ٦٧]","level":3,"page":1032},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٦٨ إلى ٧٧]","level":3,"page":1037},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٧٨ إلى ٨١]","level":3,"page":1038},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٨٢ إلى ٨٩]","level":3,"page":1039},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٠ إلى ٩٦]","level":3,"page":1048},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ٩٧ إلى ١٠٤]","level":3,"page":1054},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١٠٥ إلى ١٠٩]","level":3,"page":1057},{"title":"[سورة المائدة (٥): الآيات ١١٠ إلى ١٢٠]","level":3,"page":1064},{"title":"سورة الأنعام","level":2,"page":1073},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":1074},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣ إلى ١٨]","level":3,"page":1079},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٩ إلى ٢٨]","level":3,"page":1081},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٢٩ إلى ٣٥]","level":3,"page":1085},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٣٦ إلى ٤٥]","level":3,"page":1088},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٤٦ إلى ٥٨]","level":3,"page":1090},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٥٩ إلى ٦٧]","level":3,"page":1095},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٦٨ إلى ٧٣]","level":3,"page":1099},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٧٤ إلى ٨٣]","level":3,"page":1102},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٨٤ إلى ٩١]","level":3,"page":1108},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٢ إلى ٩٤]","level":3,"page":1111},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ٩٥ إلى ٩٩]","level":3,"page":1114},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٠ إلى ١٠٧]","level":3,"page":1117},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٠٨ إلى ١١٣]","level":3,"page":1120},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١١٤ إلى ١١٩]","level":3,"page":1125},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٠ إلى ١٢٦]","level":3,"page":1127},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٢٧ إلى ١٣٢]","level":3,"page":1131},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٣٣ إلى ١٤٠]","level":3,"page":1134},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤١ إلى ١٤٤]","level":3,"page":1139},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٤٥ إلى ١٥٠]","level":3,"page":1142},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥١ إلى ١٥٥]","level":3,"page":1145},{"title":"[سورة الأنعام (٦): الآيات ١٥٦ إلى ١٦٥]","level":3,"page":1148},{"title":"سورة الأعراف","level":2,"page":1156},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":1156},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١ إلى ١٨]","level":3,"page":1160},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩ إلى ٢٥]","level":3,"page":1165},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٢٦ إلى ٣٠]","level":3,"page":1167},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣١ إلى ٣٦]","level":3,"page":1171},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٣٧ إلى ٤٣]","level":3,"page":1173},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٤٤ إلى ٥١]","level":3,"page":1176},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٢ إلى ٥٨]","level":3,"page":1180},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٥٩ إلى ٦٤]","level":3,"page":1185},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٦٥ إلى ٧٢]","level":3,"page":1187},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٩]","level":3,"page":1192},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٠ إلى ٨٤]","level":3,"page":1200},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٨٥ إلى ٩٣]","level":3,"page":1202},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ٩٤ إلى ١٠٢]","level":3,"page":1206},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٠٣ إلى ١١٦]","level":3,"page":1208},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١١٧ إلى ١٣٦]","level":3,"page":1211},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٣٧ إلى ١٤١]","level":3,"page":1214},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٢ إلى ١٤٧]","level":3,"page":1216},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٤٨ إلى ١٥٢]","level":3,"page":1226},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٣ إلى ١٥٦]","level":3,"page":1229},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٥٧ إلى ١٥٩]","level":3,"page":1233},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٠ إلى ١٦٢]","level":3,"page":1236},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٣ إلى ١٦٦]","level":3,"page":1237},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٦٧ إلى ١٧١]","level":3,"page":1241},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٧٢ إلى ١٧٩]","level":3,"page":1244},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٠ إلى ١٨٦]","level":3,"page":1252},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٧ إلى ١٨٨]","level":3,"page":1254},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٨٩ إلى ١٩٥]","level":3,"page":1256},{"title":"[سورة الأعراف (٧): الآيات ١٩٦ إلى ٢٠٦]","level":3,"page":1259},{"title":"سورة الأنفال","level":2,"page":1266},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1266},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥ إلى ١٤]","level":3,"page":1270},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ١٥ إلى ٢١]","level":3,"page":1278},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٢ إلى ٢٦]","level":3,"page":1283},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":3,"page":1288},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٢ إلى ٣٥]","level":3,"page":1292},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":3,"page":1296},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤١ إلى ٤٤]","level":3,"page":1299},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٤٥ إلى ٥١]","level":3,"page":1305},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٥٢ إلى ٦٠]","level":3,"page":1309},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦١ إلى ٦٧]","level":3,"page":1312},{"title":"[سورة الأنفال (٨): الآيات ٦٨ إلى ٧٥]","level":3,"page":1314},{"title":"محتوى الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":1318},{"title":"الجزء الخامس","level":1,"page":1319},{"title":"سورة التوبة","level":2,"page":1319},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":1320},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦ إلى ١١]","level":3,"page":1327},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢ إلى ١٨]","level":3,"page":1330},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٩ إلى ٢٣]","level":3,"page":1333},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٤ إلى ٢٧]","level":3,"page":1335},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ إلى ٣٣]","level":3,"page":1340},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٤ إلى ٣٧]","level":3,"page":1351},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٨ إلى ٤١]","level":3,"page":1360},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٢ إلى ٤٩]","level":3,"page":1364},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ إلى ٥٩]","level":3,"page":1367},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٠ إلى ٦٩]","level":3,"page":1371},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٠ إلى ٧٢]","level":3,"page":1381},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ إلى ٧٤]","level":3,"page":1383},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":3,"page":1385},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٩ إلى ٩١]","level":3,"page":1390},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٢ إلى ١٠٥]","level":3,"page":1395},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٦ إلى ١١٠]","level":3,"page":1405},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١١ إلى ١١٤]","level":3,"page":1411},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٥ إلى ١٢١]","level":3,"page":1418},{"title":"[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٢ إلى ١٢٩]","level":3,"page":1425},{"title":"سورة يونس (ع)","level":2,"page":1430},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1430},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ إلى ١٤]","level":3,"page":1433},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٥ إلى ٢٠]","level":3,"page":1437},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢١ إلى ٢٥]","level":3,"page":1440},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٦ إلى ٣٦]","level":3,"page":1443},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ إلى ٥٢]","level":3,"page":1446},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٣ إلى ٦١]","level":3,"page":1449},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ إلى ٧٠]","level":3,"page":1451},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٧١ إلى ٨٧]","level":3,"page":1455},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٨ إلى ٩٢]","level":3,"page":1458},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٣ إلى ٩٧]","level":3,"page":1462},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٨ إلى ١٠٣]","level":3,"page":1465},{"title":"[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ إلى ١٠٩]","level":3,"page":1468},{"title":"سورة هود (ع)","level":2,"page":1470},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":1470},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧ إلى ١٦]","level":3,"page":1472},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١٧ إلى ٢٢]","level":3,"page":1475},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٢٣ إلى ٤٠]","level":3,"page":1478},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤١ إلى ٤٨]","level":3,"page":1484},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٤٩ إلى ٦٠]","level":3,"page":1487},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦١ إلى ٦٨]","level":3,"page":1490},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٦٩ إلى ٧٣]","level":3,"page":1491},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ إلى ٨٣]","level":3,"page":1494},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ٨٤ إلى ١٠٩]","level":3,"page":1499},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٠ إلى ١١٥]","level":3,"page":1505},{"title":"[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ إلى ١٢٣]","level":3,"page":1508},{"title":"سورة يوسف (ع)","level":2,"page":1510},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":1510},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧ إلى ١٨]","level":3,"page":1513},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٩ إلى ٢٢]","level":3,"page":1517},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٣ إلى ٢٩]","level":3,"page":1522},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٠ إلى ٣٥]","level":3,"page":1530},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٦ إلى ٤٩]","level":3,"page":1535},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ إلى ٥٧]","level":3,"page":1542},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٨ إلى ٧١]","level":3,"page":1547},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٢ إلى ٨٣]","level":3,"page":1554},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٤ إلى ٩٣]","level":3,"page":1561},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٤ إلى ١٠١]","level":3,"page":1569},{"title":"[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٢ إلى ١١١]","level":3,"page":1575},{"title":"سورة الرعد","level":2,"page":1581},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":1581},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٥ إلى ١٠]","level":3,"page":1585},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١١ إلى ١٤]","level":3,"page":1588},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٥ إلى ٢٩]","level":3,"page":1596},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٠ إلى ٣٤]","level":3,"page":1605},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٥ إلى ٤٠]","level":3,"page":1609},{"title":"[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤١ إلى ٤٣]","level":3,"page":1613},{"title":"سورة إبراهيم (ع)","level":2,"page":1618},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":1619},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٩ إلى ١٧]","level":3,"page":1620},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٨ إلى ٢٧]","level":3,"page":1625},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٨ إلى ٣٤]","level":3,"page":1633},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ إلى ٤١]","level":3,"page":1635},{"title":"[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ إلى ٥٢]","level":3,"page":1638},{"title":"سورة الحجر","level":2,"page":1644},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ إلى ١٥]","level":3,"page":1644},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ إلى ٢١]","level":3,"page":1647},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٢ إلى ٢٧]","level":3,"page":1650},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ إلى ٥٠]","level":3,"page":1654},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ إلى ٨٦]","level":3,"page":1658},{"title":"[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٧ إلى ٩٩]","level":3,"page":1662},{"title":"محتوى الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":1672},{"title":"الجزء السادس","level":1,"page":1673},{"title":"سورة النحل","level":2,"page":1673},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":1673},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠ إلى ١٩]","level":3,"page":1677},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٠ إلى ٢٩]","level":3,"page":1680},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٠ إلى ٣٤]","level":3,"page":1682},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٥ إلى ٤٠]","level":3,"page":1683},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ إلى ٥٠]","level":3,"page":1685},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ إلى ٦٠]","level":3,"page":1689},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦١ إلى ٦٤]","level":3,"page":1692},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٥ إلى ٧٤]","level":3,"page":1693},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٥ إلى ٧٨]","level":3,"page":1699},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٩ إلى ٨٣]","level":3,"page":1701},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٤ إلى ٨٩]","level":3,"page":1704},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٠ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1705},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ إلى ١٠٦]","level":3,"page":1710},{"title":"حكم الآية","level":4,"page":1714},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٧ إلى ١١٠]","level":3,"page":1715},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١١ إلى ١١٧]","level":3,"page":1715},{"title":"[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٨ إلى ١٢٨]","level":3,"page":1717},{"title":"سورة بني إسرائيل (الإسراء)","level":2,"page":1722},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":1722},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤ إلى ٨]","level":3,"page":1737},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ إلى ١٦]","level":3,"page":1754},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٧ إلى ٢٥]","level":3,"page":1759},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٦ إلى ٤٣]","level":3,"page":1763},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٤ إلى ٥٢]","level":3,"page":1770},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٣ إلى ٥٩]","level":3,"page":1774},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٠ إلى ٧٢]","level":3,"page":1776},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٣ إلى ٧٧]","level":3,"page":1785},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٨ إلى ٨٤]","level":3,"page":1788},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٥ إلى ٨٩]","level":3,"page":1798},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ إلى ١٠٠]","level":3,"page":1800},{"title":"[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ إلى ١١١]","level":3,"page":1805},{"title":"سورة الكهف","level":2,"page":1812},{"title":"في فضلها.","level":3,"page":1812},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":1812},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩ إلى ١٦]","level":3,"page":1813},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٧ إلى ٢٢]","level":3,"page":1827},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ إلى ٣١]","level":3,"page":1831},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٢ إلى ٤٤]","level":3,"page":1837},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٥ إلى ٥٠]","level":3,"page":1840},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥١ إلى ٥٩]","level":3,"page":1845},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٠ إلى ٨٢]","level":3,"page":1847},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٣ إلى ٩٨]","level":3,"page":1857},{"title":"[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٩ إلى ١١٠]","level":3,"page":1868},{"title":"سورة مريم","level":2,"page":1873},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١ إلى ١٥]","level":3,"page":1873},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ١٦ إلى ٤٠]","level":3,"page":1876},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ إلى ٥٥]","level":3,"page":1884},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ إلى ٧٠]","level":3,"page":1887},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ إلى ٨٧]","level":3,"page":1892},{"title":"[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ إلى ٩٨]","level":3,"page":1899},{"title":"سورة طه","level":2,"page":1903},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":1903},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ إلى ٢٣]","level":3,"page":1907},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٤ إلى ٥٢]","level":3,"page":1911},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":1915},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٥ إلى ٧٦]","level":3,"page":1916},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٧ إلى ٩٧]","level":3,"page":1922},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٨ إلى ١١٤]","level":3,"page":1927},{"title":"[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ إلى ١٣٥]","level":3,"page":1930},{"title":"سورة الأنبياء","level":2,"page":1936},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":1936},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١١ إلى ٢٩]","level":3,"page":1938},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٠ إلى ٥٠]","level":3,"page":1941},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ إلى ٧٢]","level":3,"page":1946},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٣ إلى ٨٢]","level":3,"page":1952},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ إلى ٩٤]","level":3,"page":1955},{"title":"[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٥ إلى ١١٢]","level":3,"page":1974},{"title":"محتوى الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":1984},{"title":"الجزء السابع","level":1,"page":1985},{"title":"سورة الحج","level":2,"page":1985},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":1985},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ إلى ١٨]","level":3,"page":1989},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ إلى ٢٦]","level":3,"page":1993},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٧ إلى ٣٧]","level":3,"page":1998},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٨ إلى ٤٧]","level":3,"page":2005},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٨ إلى ٦٠]","level":3,"page":2008},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦١ إلى ٧٢]","level":3,"page":2012},{"title":"[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٣ إلى ٧٨]","level":3,"page":2014},{"title":"سورة المؤمنون","level":2,"page":2017},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2017},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ إلى ٢٦]","level":3,"page":2021},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٧ إلى ٣٥]","level":3,"page":2025},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٦ إلى ٤٤]","level":3,"page":2026},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٥ إلى ٥٩]","level":3,"page":2028},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٠ إلى ٧٤]","level":3,"page":2030},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٥ إلى ٩٨]","level":3,"page":2033},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ إلى ١١١]","level":3,"page":2035},{"title":"[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ إلى ١١٩]","level":3,"page":2039},{"title":"فصل في ذكر وجوه الحكمة في خلق الله سبحانه الخلق","level":4,"page":2040},{"title":"سورة النور","level":2,"page":2042},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":2042},{"title":"ذكر حكم الآية","level":4,"page":2051},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ١١ إلى ٢٠]","level":3,"page":2052},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢١ إلى ٢٦]","level":3,"page":2060},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٧ إلى ٣١]","level":3,"page":2063},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٢ إلى ٣٤]","level":3,"page":2069},{"title":"باب ذكر بعض ما ورد من الأخبار في الترغيب في النكاح","level":4,"page":2070},{"title":"فصل فيمن يستحب ويختار من النساء","level":4,"page":2072},{"title":"فصل في الآداب الواردة في النكاح والزفاف","level":4,"page":2073},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٥ إلى ٣٨]","level":3,"page":2080},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٩ إلى ٤٤]","level":3,"page":2090},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٥ إلى ٥٥]","level":3,"page":2093},{"title":"[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٦ إلى ٦٤]","level":3,"page":2096},{"title":"سورة الفرقان","level":2,"page":2102},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":2102},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١١ إلى ٢٠]","level":3,"page":2105},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢١ إلى ٣٤]","level":3,"page":2108},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ إلى ٥٢]","level":3,"page":2113},{"title":"[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٣ إلى ٧٧]","level":3,"page":2121},{"title":"سورة الشعراء","level":2,"page":2135},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2136},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ إلى ٣٣]","level":3,"page":2139},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٤ إلى ٦٨]","level":3,"page":2143},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ إلى ٨٧]","level":3,"page":2146},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٨ إلى ١٠٤]","level":3,"page":2151},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ إلى ١٢٢]","level":3,"page":2152},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ إلى ١٤٠]","level":3,"page":2154},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤١ إلى ١٥٩]","level":3,"page":2155},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ إلى ١٧٥]","level":3,"page":2157},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ إلى ١٩١]","level":3,"page":2158},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ إلى ٢٢٠]","level":3,"page":2159},{"title":"[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ إلى ٢٢٧]","level":3,"page":2164},{"title":"سورة النمل","level":2,"page":2168},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2168},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧ إلى ١٤]","level":3,"page":2169},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٥ إلى ٢٦]","level":3,"page":2173},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٧ إلى ٤٤]","level":3,"page":2184},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ إلى ٥٣]","level":3,"page":2195},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ إلى ٥٩]","level":3,"page":2198},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٠ إلى ٦٦]","level":3,"page":2199},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ إلى ٨١]","level":3,"page":2201},{"title":"[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]","level":3,"page":2202},{"title":"ذكر الأخبار الواردة في صفة دابة الأرض وكيفية خروجها","level":4,"page":2203},{"title":"[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ إلى ٩٣]","level":3,"page":2206},{"title":"سورة القصص","level":2,"page":2212},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":2212},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧ إلى ١٤]","level":3,"page":2213},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٥ إلى ٢٢]","level":3,"page":2219},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٣ إلى ٢٨]","level":3,"page":2223},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٩ إلى ٣٥]","level":3,"page":2227},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٦ إلى ٤٣]","level":3,"page":2230},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ إلى ٥٠]","level":3,"page":2231},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥١ إلى ٦٠]","level":3,"page":2233},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦١ إلى ٧٥]","level":3,"page":2237},{"title":"[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ إلى ٨٨]","level":3,"page":2239},{"title":"سورة العنكبوت","level":2,"page":2249},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2249},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ إلى ٢١]","level":3,"page":2253},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٢ إلى ٢٧]","level":3,"page":2255},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٨ إلى ٣٥]","level":3,"page":2257},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ إلى ٤٠]","level":3,"page":2259},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤١ إلى ٤٥]","level":3,"page":2259},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٦ إلى ٥٥]","level":3,"page":2264},{"title":"[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٦ إلى ٦٩]","level":3,"page":2267},{"title":"سورة الروم","level":2,"page":2271},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2271},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٨ إلى ١٨]","level":3,"page":2275},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٩ إلى ٢٧]","level":3,"page":2279},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٨ إلى ٣٥]","level":3,"page":2281},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٦ إلى ٥٣]","level":3,"page":2284},{"title":"[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٤ إلى ٦٠]","level":3,"page":2287},{"title":"سورة لقمان","level":2,"page":2289},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2289},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٢ إلى ٢١]","level":3,"page":2292},{"title":"فصل في ذكر بعض ما روي من حكم لقمان","level":4,"page":2296},{"title":"[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٢ إلى ٣٤]","level":3,"page":2301},{"title":"سورة السجدة","level":2,"page":2305},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2305},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٢ إلى ٢٢]","level":3,"page":2309},{"title":"[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٣ إلى ٣٠]","level":3,"page":2314},{"title":"محتوى الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":2316},{"title":"الجزء الثامن","level":1,"page":2317},{"title":"سورة الأحزاب","level":2,"page":2317},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2317},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦ إلى ٨]","level":3,"page":2320},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٩ إلى ١٧]","level":3,"page":2322},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٨ إلى ٢٧]","level":3,"page":2332},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ إلى ٣٢]","level":3,"page":2343},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]","level":3,"page":2346},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٤ إلى ٣٨]","level":3,"page":2357},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٩ إلى ٥٥]","level":3,"page":2362},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٦ إلى ٦٨]","level":3,"page":2373},{"title":"[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٩ إلى ٧٣]","level":3,"page":2377},{"title":"سورة سبأ","level":2,"page":2381},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2381},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":2383},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ إلى ١٤]","level":3,"page":2385},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٥ إلى ٢٧]","level":3,"page":2394},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٨ إلى ٤٨]","level":3,"page":2402},{"title":"[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٩ إلى ٥٤]","level":3,"page":2406},{"title":"سورة الملائكة (فاطر)","level":2,"page":2409},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2409},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٩ إلى ١٤]","level":3,"page":2412},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ إلى ٣٥]","level":3,"page":2416},{"title":"[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ إلى ٤٥]","level":3,"page":2425},{"title":"سورة يس","level":2,"page":2430},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":2432},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":2435},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ إلى ٥٩]","level":3,"page":2441},{"title":"[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٠ إلى ٨٣]","level":3,"page":2445},{"title":"سورة الصافات","level":2,"page":2450},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ إلى ٢٣]","level":3,"page":2450},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٤ إلى ٦١]","level":3,"page":2454},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ إلى ٧٨]","level":3,"page":2457},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٩ إلى ٩٨]","level":3,"page":2459},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٩ إلى ١٠٦]","level":3,"page":2461},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٧ إلى ١٢٢]","level":3,"page":2469},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٣ إلى ١٣٨]","level":3,"page":2470},{"title":"[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ إلى ١٨٢]","level":3,"page":2482},{"title":"سورة ص","level":2,"page":2487},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2487},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٨ إلى ٢١]","level":3,"page":2492},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٢ إلى ٢٨]","level":3,"page":2500},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٩ إلى ٤٤]","level":3,"page":2511},{"title":"وأما صفة كرسي سليمان","level":4,"page":2521},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ إلى ٦٠]","level":3,"page":2524},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٦١ إلى ٧٠]","level":3,"page":2526},{"title":"[سورة ص (٣٨): الآيات ٧١ إلى ٨٨]","level":3,"page":2528},{"title":"سورة الزمر","level":2,"page":2532},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2533},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٩ إلى ١٩]","level":3,"page":2535},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٠ إلى ٢٨]","level":3,"page":2540},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٩ إلى ٣٩]","level":3,"page":2545},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٠ إلى ٥٢]","level":3,"page":2549},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ إلى ٦٤]","level":3,"page":2552},{"title":"[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٥ إلى ٧٥]","level":3,"page":2562},{"title":"سورة المؤمن","level":2,"page":2573},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":2575},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٣ إلى ٢٨]","level":3,"page":2581},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٩ إلى ٣٧]","level":3,"page":2586},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ إلى ٥٧]","level":3,"page":2589},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٨ إلى ٧٤]","level":3,"page":2591},{"title":"[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٥ إلى ٨٥]","level":3,"page":2595},{"title":"سورة فصلت","level":2,"page":2597},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2597},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٢ إلى ٢٠]","level":3,"page":2600},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢١ إلى ٣٢]","level":3,"page":2603},{"title":"[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ إلى ٥٤]","level":3,"page":2608},{"title":"سورة الشورى","level":2,"page":2613},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2613},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٨ إلى ٢٢]","level":3,"page":2617},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]","level":3,"page":2621},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٤ إلى ٢٨]","level":3,"page":2626},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٩ إلى ٣٧]","level":3,"page":2631},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٨ إلى ٥٠]","level":3,"page":2634},{"title":"[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥١ إلى ٥٣]","level":3,"page":2637},{"title":"سورة الزخرف","level":2,"page":2639},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ إلى ١٥]","level":3,"page":2639},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٦ إلى ٣٥]","level":3,"page":2642},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ إلى ٥٠]","level":3,"page":2646},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ إلى ٦٧]","level":3,"page":2651},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٨ إلى ٨٠]","level":3,"page":2654},{"title":"[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨١ إلى ٨٩]","level":3,"page":2657},{"title":"سورة الدخان","level":2,"page":2660},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ إلى ١٦]","level":3,"page":2661},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ إلى ٣٧]","level":3,"page":2664},{"title":"[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ إلى ٥٩]","level":3,"page":2667},{"title":"سورة الجاثية","level":2,"page":2670},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ إلى ٢١]","level":3,"page":2670},{"title":"[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٢ إلى ٣٧]","level":3,"page":2673},{"title":"محتوى الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":2680},{"title":"الجزء التاسع","level":1,"page":2681},{"title":"سورة الأحقاف","level":2,"page":2681},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2681},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٩ إلى ١٢]","level":3,"page":2683},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٣ إلى ٢٥]","level":3,"page":2687},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٦ إلى ٣٢]","level":3,"page":2694},{"title":"[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ إلى ٣٥]","level":3,"page":2700},{"title":"سورة محمد","level":2,"page":2704},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":2704},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٣ إلى ٢٣]","level":3,"page":2708},{"title":"[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٤ إلى ٣٨]","level":3,"page":2712},{"title":"سورة الفتح","level":2,"page":2716},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":2716},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٠ إلى ٢١]","level":3,"page":2720},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٢ إلى ٢٧]","level":3,"page":2729},{"title":"[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٨ إلى ٢٩]","level":3,"page":2740},{"title":"سورة الحجرات","level":2,"page":2745},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":2745},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ إلى ١٠]","level":3,"page":2751},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١١ إلى ١٢]","level":3,"page":2756},{"title":"[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٣ إلى ١٨]","level":3,"page":2762},{"title":"سورة ق","level":2,"page":2768},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١ إلى ١٥]","level":3,"page":2768},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ١٦ إلى ٢٦]","level":3,"page":2774},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٧ إلى ٣٥]","level":3,"page":2778},{"title":"[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٥]","level":3,"page":2781},{"title":"سورة الذاريات","level":2,"page":2785},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ إلى ٢٠]","level":3,"page":2785},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ إلى ٢٣]","level":3,"page":2789},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ إلى ٤٥]","level":3,"page":2792},{"title":"[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٦ إلى ٦٠]","level":3,"page":2794},{"title":"سورة الطور","level":2,"page":2799},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2799},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٩ إلى ٢٤]","level":3,"page":2802},{"title":"[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٥ إلى ٤٩]","level":3,"page":2806},{"title":"سورة النجم","level":2,"page":2810},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":2810},{"title":"ذكر من قال: إنه رآه بعينه","level":4,"page":2816},{"title":"ذكر من قال: لم يره","level":4,"page":2816},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ إلى ٢٣]","level":3,"page":2818},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٤ إلى ٣٢]","level":3,"page":2823},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ إلى ٤٤]","level":3,"page":2826},{"title":"[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٥ إلى ٦٢]","level":3,"page":2832},{"title":"سورة القمر","level":2,"page":2836},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2836},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ إلى ٢١]","level":3,"page":2839},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٢ إلى ٤٩]","level":3,"page":2842},{"title":"[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٠ إلى ٥٥]","level":3,"page":2847},{"title":"سورة الرحمن","level":2,"page":2852},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ إلى ١٣]","level":3,"page":2853},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ إلى ٣٠]","level":3,"page":2856},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ إلى ٣٨]","level":3,"page":2861},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٩ إلى ٦٧]","level":3,"page":2864},{"title":"[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٨ إلى ٧٨]","level":3,"page":2869},{"title":"سورة الواقعة","level":2,"page":2875},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ إلى ١٢]","level":3,"page":2875},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ إلى ٢٩]","level":3,"page":2879},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٠ إلى ٣٧]","level":3,"page":2883},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ إلى ٧٨]","level":3,"page":2887},{"title":"[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٩ إلى ٩٦]","level":3,"page":2894},{"title":"سورة الحديد","level":2,"page":2903},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":2903},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٩ إلى ١١]","level":3,"page":2907},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٢ إلى ١٦]","level":3,"page":2912},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٧ إلى ٢٥]","level":3,"page":2918},{"title":"[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٦ إلى ٢٩]","level":3,"page":2923},{"title":"سورة المجادلة","level":2,"page":2928},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2928},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":2933},{"title":"[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٢ إلى ٢٢]","level":3,"page":2937},{"title":"سورة الحشر","level":2,"page":2942},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":2942},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ إلى ٧]","level":3,"page":2948},{"title":"ذكر حكم هاتين الآيتين","level":4,"page":2950},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٨ إلى ١٠]","level":3,"page":2953},{"title":"[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١١ إلى ٢٤]","level":3,"page":2959},{"title":"سورة الممتحنة","level":2,"page":2966},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":2966},{"title":"[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١٢ إلى ١٣]","level":3,"page":2973},{"title":"سورة الصف","level":2,"page":2977},{"title":"[سورة الصف (٦١): الآيات ١ إلى ١٤]","level":3,"page":2977},{"title":"سورة الجمعة","level":2,"page":2981},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2981},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٨ إلى ٩]","level":3,"page":2983},{"title":"ذكر تلكم الآية","level":4,"page":2988},{"title":"فأما ثواب من شهد الجمعة","level":4,"page":2990},{"title":"فأما فضل يوم الجمعة","level":4,"page":2991},{"title":"[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١٠ إلى ١١]","level":3,"page":2992},{"title":"سورة المنافقون","level":2,"page":2995},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":2995},{"title":"[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٨ إلى ١١]","level":3,"page":2998},{"title":"سورة التغابن","level":2,"page":3001},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":3001},{"title":"[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٩ إلى ١٨]","level":3,"page":3004},{"title":"سورة الطلاق","level":2,"page":3007},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":3007},{"title":"فصل في ذكر بعض الأخبار الواردة في الطلاق","level":4,"page":3009},{"title":"[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٧ إلى ١٢]","level":3,"page":3017},{"title":"سورة التحريم","level":2,"page":3019},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":3019},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): آية ٤]","level":3,"page":3022},{"title":"[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٥ إلى ١٢]","level":3,"page":3025},{"title":"سورة الملك","level":2,"page":3030},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":3030},{"title":"[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٠ إلى ٣٠]","level":3,"page":3034},{"title":"محتوى الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":3039},{"title":"الجزء العاشر","level":1,"page":3040},{"title":"سورة القلم","level":2,"page":3040},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":3040},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ إلى ١٥]","level":3,"page":3046},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٦ إلى ٤١]","level":3,"page":3050},{"title":"[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ إلى ٥٢]","level":3,"page":3053},{"title":"سورة الحاقة","level":2,"page":3060},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ إلى ١٧]","level":3,"page":3060},{"title":"[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ إلى ٥٢]","level":3,"page":3064},{"title":"سورة المعارج","level":2,"page":3069},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":3069},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١١ إلى ٣٥]","level":3,"page":3072},{"title":"[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ إلى ٤٤]","level":3,"page":3075},{"title":"سورة نوح","level":2,"page":3078},{"title":"[سورة نوح (٧١): الآيات ١ إلى ٢٨]","level":3,"page":3078},{"title":"سورة الجن","level":2,"page":3084},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ إلى ١٥]","level":3,"page":3084},{"title":"[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ إلى ٢٨]","level":3,"page":3087},{"title":"سورة المزمل","level":2,"page":3093},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":3093},{"title":"[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٧ إلى ٢٠]","level":3,"page":3097},{"title":"سورة المدثر","level":2,"page":3102},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":3102},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٨ إلى ٣١]","level":3,"page":3105},{"title":"[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٢ إلى ٥٦]","level":3,"page":3110},{"title":"سورة القيامة","level":2,"page":3116},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ إلى ١٣]","level":3,"page":3116},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٤ إلى ٢٨]","level":3,"page":3121},{"title":"[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٩ إلى ٤٠]","level":3,"page":3124},{"title":"سورة الإنسان (الدهر)","level":2,"page":3128},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":3128},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٧ إلى ١٣]","level":3,"page":3131},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٤ إلى ٢٤]","level":3,"page":3137},{"title":"[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٥ إلى ٣١]","level":3,"page":3141},{"title":"سورة المرسلات","level":2,"page":3143},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ إلى ٣٢]","level":3,"page":3143},{"title":"[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٣ إلى ٥٠]","level":3,"page":3146},{"title":"سورة النبأ","level":2,"page":3148},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ إلى ٣٠]","level":3,"page":3148},{"title":"[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ إلى ٤٠]","level":3,"page":3153},{"title":"سورة النازعات","level":2,"page":3157},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ إلى ١٤]","level":3,"page":3157},{"title":"[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ إلى ٤٦]","level":3,"page":3161},{"title":"سورة عبس","level":2,"page":3165},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ إلى ٣٢]","level":3,"page":3165},{"title":"[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ إلى ٤٢]","level":3,"page":3169},{"title":"سورة التكوير","level":2,"page":3171},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":3171},{"title":"[سورة التكوير (٨١): الآيات ١١ إلى ٢٩]","level":3,"page":3175},{"title":"سورة الإنفطار","level":2,"page":3180},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":3180},{"title":"[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٩ إلى ١٩]","level":3,"page":3182},{"title":"سورة المطففين","level":2,"page":3184},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ إلى ١٤]","level":3,"page":3184},{"title":"[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٥ إلى ٣٦]","level":3,"page":3189},{"title":"سورة الإنشقاق","level":2,"page":3193},{"title":"[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ إلى ٢٥]","level":3,"page":3193},{"title":"سورة البروج","level":2,"page":3199},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":3199},{"title":"[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ إلى ٢٢]","level":3,"page":3203},{"title":"سورة الطارق","level":2,"page":3212},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":3212},{"title":"[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ إلى ١٧]","level":3,"page":3214},{"title":"سورة الأعلى","level":2,"page":3217},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ إلى ١٣]","level":3,"page":3218},{"title":"[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ إلى ١٩]","level":3,"page":3219},{"title":"سورة الغاشية","level":2,"page":3222},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ إلى ٢٠]","level":3,"page":3222},{"title":"[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢١ إلى ٢٦]","level":3,"page":3225},{"title":"سورة الفجر","level":2,"page":3226},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":3226},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ إلى ١٤]","level":3,"page":3230},{"title":"[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ إلى ٣٠]","level":3,"page":3235},{"title":"سورة البلد","level":2,"page":3241},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":3241},{"title":"[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ إلى ٢٠]","level":3,"page":3244},{"title":"سورة الشمس","level":2,"page":3247},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ إلى ١٠]","level":3,"page":3247},{"title":"[سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ إلى ١٥]","level":3,"page":3249},{"title":"سورة والليل","level":2,"page":3251},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ إلى ١٣]","level":3,"page":3251},{"title":"[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٤ إلى ٢١]","level":3,"page":3253},{"title":"سورة والضحى","level":2,"page":3257},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":3257},{"title":"[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٩ إلى ١١]","level":3,"page":3264},{"title":"سورة الشرح","level":2,"page":3267},{"title":"[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":3267},{"title":"سورة التين","level":2,"page":3273},{"title":"[سورة التين (٩٥): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":3273},{"title":"سورة العلق","level":2,"page":3277},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":3277},{"title":"[سورة العلق (٩٦): الآيات ٥ إلى ١٩]","level":3,"page":3280},{"title":"سورة القدر","level":2,"page":3282},{"title":"[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":3282},{"title":"الباب الأول: في مأخذ هذا الاسم ومعناه","level":4,"page":3282},{"title":"الباب الثاني: اختلاف العلماء في وقتها، وأي ليلة هي، وذكر اختلاف الصحابة فيها.","level":4,"page":3283},{"title":"الباب الثالث: في علامتها واماراتها","level":4,"page":3289},{"title":"الباب الرابع: في فضائلها وخصائصها.","level":4,"page":3289},{"title":"الباب الخامس: في آدابها وفيما يستحب فيها.","level":4,"page":3290},{"title":"سورة البينة (المنفكين)","level":2,"page":3294},{"title":"[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":3295},{"title":"سورة الزلزلة","level":2,"page":3298},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":3298},{"title":"[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٧ إلى ٨]","level":3,"page":3300},{"title":"سورة العاديات","level":2,"page":3303},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":3303},{"title":"[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٦ إلى ١١]","level":3,"page":3306},{"title":"سورة القارعة","level":2,"page":3309},{"title":"[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ إلى ١١]","level":3,"page":3309},{"title":"سورة التكاثر","level":2,"page":3311},{"title":"[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ إلى ٨]","level":3,"page":3311},{"title":"سورة العصر","level":2,"page":3318},{"title":"[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":3318},{"title":"سورة الهمزة","level":2,"page":3320},{"title":"[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ إلى ٩]","level":3,"page":3320},{"title":"سورة الفيل","level":2,"page":3323},{"title":"[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":3323},{"title":"سورة قريش","level":2,"page":3334},{"title":"[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":3334},{"title":"سورة الماعون","level":2,"page":3339},{"title":"[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ إلى ٧]","level":3,"page":3339},{"title":"سورة الكوثر","level":2,"page":3342},{"title":"[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":3342},{"title":"سورة الكافرون","level":2,"page":3349},{"title":"[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":3350},{"title":"سورة النصر","level":2,"page":3353},{"title":"[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":3353},{"title":"سورة تبت (المسد)","level":2,"page":3358},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ١ إلى ٣]","level":3,"page":3358},{"title":"[سورة المسد (١١١): الآيات ٤ إلى ٥]","level":3,"page":3361},{"title":"سورة الإخلاص","level":2,"page":3365},{"title":"[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ إلى ٤]","level":3,"page":3367},{"title":"سورة الفلق","level":2,"page":3372},{"title":"[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ إلى ٥]","level":3,"page":3374},{"title":"سورة الناس","level":2,"page":3376},{"title":"[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ إلى ٦]","level":3,"page":3376},{"title":"محتوى الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي","level":2,"page":3377}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,73":9,"1,74":10,"1,75":11,"1,76":12,"1,77":13,"1,78":14,"1,79":15,"1,80":16,"1,81":17,"1,82":18,"1,83":19,"1,84":20,"1,85":21,"1,86":22,"1,87":23,"1,89":24,"1,90":25,"1,91":26,"1,92":27,"1,93":28,"1,94":29,"1,95":30,"1,96":31,"1,97":32,"1,98":33,"1,99":34,"1,100":35,"1,101":36,"1,102":37,"1,103":38,"1,104":39,"1,105":40,"1,106":41,"1,107":42,"1,108":43,"1,109":44,"1,110":45,"1,111":46,"1,112":47,"1,113":48,"1,114":49,"1,115":50,"1,116":51,"1,117":52,"1,118":53,"1,119":54,"1,120":55,"1,121":56,"1,122":57,"1,123":58,"1,124":59,"1,125":60,"1,126":61,"1,127":62,"1,128":63,"1,129":64,"1,130":65,"1,131":66,"1,132":67,"1,133":68,"1,134":69,"1,135":70,"1,136":71,"1,137":72,"1,138":73,"1,139":74,"1,140":75,"1,141":76,"1,142":77,"1,143":78,"1,144":79,"1,145":80,"1,146":81,"1,147":82,"1,148":83,"1,149":84,"1,150":85,"1,151":86,"1,152":87,"1,153":88,"1,154":89,"1,155":90,"1,156":91,"1,157":92,"1,158":93,"1,159":94,"1,160":95,"1,161":96,"1,162":97,"1,163":98,"1,164":99,"1,165":100,"1,166":101,"1,167":102,"1,168":103,"1,169":104,"1,170":105,"1,171":106,"1,172":107,"1,173":108,"1,174":109,"1,175":110,"1,176":111,"1,177":112,"1,178":113,"1,179":114,"1,180":115,"1,181":116,"1,182":117,"1,183":118,"1,184":119,"1,185":120,"1,186":121,"1,187":122,"1,188":123,"1,189":124,"1,190":125,"1,191":126,"1,192":127,"1,193":128,"1,194":129,"1,195":130,"1,196":131,"1,197":132,"1,198":133,"1,199":134,"1,200":135,"1,201":136,"1,202":137,"1,203":138,"1,204":139,"1,205":140,"1,206":141,"1,207":142,"1,208":143,"1,209":144,"1,210":145,"1,211":146,"1,212":147,"1,213":148,"1,214":149,"1,215":150,"1,216":151,"1,217":152,"1,218":153,"1,219":154,"1,220":155,"1,221":156,"1,222":157,"1,223":158,"1,224":159,"1,225":160,"1,226":161,"1,227":162,"1,228":163,"1,229":164,"1,230":165,"1,231":166,"1,232":167,"1,233":168,"1,234":169,"1,235":170,"1,236":171,"1,237":172,"1,238":173,"1,239":174,"1,240":175,"1,241":176,"1,242":177,"1,243":178,"1,244":179,"1,245":180,"1,246":181,"1,247":182,"1,248":183,"1,249":184,"1,250":185,"1,251":186,"1,252":187,"1,253":188,"1,254":189,"1,255":190,"1,256":191,"1,257":192,"1,258":193,"1,259":194,"1,260":195,"1,261":196,"1,262":197,"1,263":198,"1,264":199,"1,265":200,"1,266":201,"1,267":202,"1,268":203,"1,269":204,"1,270":205,"1,271":206,"1,272":207,"1,273":208,"1,274":209,"1,275":210,"1,276":211,"1,277":212,"1,278":213,"1,279":214,"1,280":215,"1,281":216,"1,282":217,"1,283":218,"1,284":219,"1,285":220,"2,5":221,"2,6":222,"2,7":223,"2,8":224,"2,9":225,"2,10":226,"2,11":227,"2,12":228,"2,13":229,"2,14":230,"2,15":231,"2,16":232,"2,17":233,"2,18":234,"2,19":235,"2,20":236,"2,21":237,"2,22":238,"2,23":239,"2,24":240,"2,25":241,"2,26":242,"2,27":243,"2,28":244,"2,29":245,"2,30":246,"2,31":247,"2,32":248,"2,33":249,"2,34":250,"2,35":251,"2,36":252,"2,37":253,"2,38":254,"2,39":255,"2,40":256,"2,41":257,"2,42":258,"2,43":259,"2,44":260,"2,45":261,"2,46":262,"2,47":263,"2,48":264,"2,49":265,"2,50":266,"2,51":267,"2,52":268,"2,53":269,"2,54":270,"2,55":271,"2,56":272,"2,57":273,"2,58":274,"2,59":275,"2,60":276,"2,61":277,"2,62":278,"2,63":279,"2,64":280,"2,65":281,"2,66":282,"2,67":283,"2,68":284,"2,69":285,"2,70":286,"2,71":287,"2,72":288,"2,73":289,"2,74":290,"2,75":291,"2,76":292,"2,77":293,"2,78":294,"2,79":295,"2,80":296,"2,81":297,"2,82":298,"2,83":299,"2,84":300,"2,85":301,"2,86":302,"2,87":303,"2,88":304,"2,89":305,"2,90":306,"2,91":307,"2,92":308,"2,93":309,"2,94":310,"2,95":311,"2,96":312,"2,97":313,"2,98":314,"2,99":315,"2,100":316,"2,101":317,"2,102":318,"2,103":319,"2,104":320,"2,105":321,"2,106":322,"2,107":323,"2,108":324,"2,109":325,"2,110":326,"2,111":327,"2,112":328,"2,113":329,"2,114":330,"2,115":331,"2,116":332,"2,117":333,"2,118":334,"2,119":335,"2,120":336,"2,121":337,"2,122":338,"2,123":339,"2,124":340,"2,125":341,"2,126":342,"2,127":343,"2,128":344,"2,129":345,"2,130":346,"2,131":347,"2,132":348,"2,133":349,"2,134":350,"2,135":351,"2,136":352,"2,137":353,"2,138":354,"2,139":355,"2,140":356,"2,141":357,"2,142":358,"2,143":359,"2,144":360,"2,145":361,"2,146":362,"2,147":363,"2,148":364,"2,149":365,"2,150":366,"2,151":367,"2,152":368,"2,153":369,"2,154":370,"2,155":371,"2,156":372,"2,157":373,"2,158":374,"2,159":375,"2,160":376,"2,161":377,"2,162":378,"2,163":379,"2,164":380,"2,165":381,"2,166":382,"2,167":383,"2,168":384,"2,169":385,"2,170":386,"2,171":387,"2,172":388,"2,173":389,"2,174":390,"2,175":391,"2,176":392,"2,177":393,"2,178":394,"2,179":395,"2,180":396,"2,181":397,"2,182":398,"2,183":399,"2,184":400,"2,185":401,"2,186":402,"2,187":403,"2,188":404,"2,189":405,"2,190":406,"2,191":407,"2,192":408,"2,193":409,"2,194":410,"2,195":411,"2,196":412,"2,197":413,"2,198":414,"2,199":415,"2,200":416,"2,201":417,"2,202":418,"2,203":419,"2,204":420,"2,205":421,"2,206":422,"2,207":423,"2,208":424,"2,209":425,"2,210":426,"2,211":427,"2,212":428,"2,213":429,"2,214":430,"2,215":431,"2,216":432,"2,217":433,"2,218":434,"2,219":435,"2,220":436,"2,221":437,"2,222":438,"2,223":439,"2,224":440,"2,225":441,"2,226":442,"2,227":443,"2,228":444,"2,229":445,"2,230":446,"2,231":447,"2,232":448,"2,233":449,"2,234":450,"2,235":451,"2,236":452,"2,237":453,"2,238":454,"2,239":455,"2,240":456,"2,241":457,"2,242":458,"2,243":459,"2,244":460,"2,245":461,"2,246":462,"2,247":463,"2,248":464,"2,249":465,"2,250":466,"2,251":467,"2,252":468,"2,253":469,"2,254":470,"2,255":471,"2,256":472,"2,257":473,"2,258":474,"2,259":475,"2,260":476,"2,261":477,"2,262":478,"2,263":479,"2,264":480,"2,265":481,"2,266":482,"2,267":483,"2,268":484,"2,269":485,"2,270":486,"2,271":487,"2,272":488,"2,273":489,"2,274":490,"2,275":491,"2,276":492,"2,277":493,"2,278":494,"2,279":495,"2,280":496,"2,281":497,"2,282":498,"2,283":499,"2,284":500,"2,285":501,"2,286":502,"2,287":503,"2,288":504,"2,289":505,"2,290":506,"2,291":507,"2,292":508,"2,293":509,"2,294":510,"2,295":511,"2,296":512,"2,297":513,"2,298":514,"2,299":515,"2,300":516,"2,301":517,"2,302":518,"2,303":519,"2,304":520,"2,305":521,"2,306":522,"2,307":523,"2,308":524,"2,309":525,"2,310":526,"2,311":527,"3,5":528,"3,6":529,"3,7":530,"3,8":531,"3,9":532,"3,10":533,"3,11":534,"3,12":535,"3,13":536,"3,14":537,"3,15":538,"3,16":539,"3,17":540,"3,18":541,"3,19":542,"3,20":543,"3,21":544,"3,22":545,"3,23":546,"3,24":547,"3,25":548,"3,26":549,"3,27":550,"3,28":551,"3,29":552,"3,30":553,"3,31":554,"3,32":555,"3,33":556,"3,34":557,"3,35":558,"3,36":559,"3,37":560,"3,38":561,"3,39":562,"3,40":563,"3,41":564,"3,42":565,"3,43":566,"3,44":567,"3,45":568,"3,46":569,"3,47":570,"3,48":571,"3,49":572,"3,50":573,"3,51":574,"3,52":575,"3,53":576,"3,54":577,"3,55":578,"3,56":579,"3,57":580,"3,58":581,"3,59":582,"3,60":583,"3,61":584,"3,62":585,"3,63":586,"3,64":587,"3,65":588,"3,66":589,"3,67":590,"3,68":591,"3,69":592,"3,70":593,"3,71":594,"3,72":595,"3,73":596,"3,74":597,"3,75":598,"3,76":599,"3,77":600,"3,78":601,"3,79":602,"3,80":603,"3,81":604,"3,82":605,"3,83":606,"3,84":607,"3,85":608,"3,86":609,"3,87":610,"3,88":611,"3,89":612,"3,90":613,"3,91":614,"3,92":615,"3,93":616,"3,94":617,"3,95":618,"3,96":619,"3,97":620,"3,98":621,"3,99":622,"3,100":623,"3,101":624,"3,102":625,"3,103":626,"3,104":627,"3,105":628,"3,106":629,"3,107":630,"3,108":631,"3,109":632,"3,110":633,"3,111":634,"3,112":635,"3,113":636,"3,114":637,"3,115":638,"3,116":639,"3,117":640,"3,118":641,"3,119":642,"3,120":643,"3,121":644,"3,122":645,"3,123":646,"3,124":647,"3,125":648,"3,126":649,"3,127":650,"3,128":651,"3,129":652,"3,130":653,"3,131":654,"3,132":655,"3,133":656,"3,134":657,"3,135":658,"3,136":659,"3,137":660,"3,138":661,"3,139":662,"3,140":663,"3,141":664,"3,142":665,"3,143":666,"3,144":667,"3,145":668,"3,146":669,"3,147":670,"3,148":671,"3,149":672,"3,150":673,"3,151":674,"3,152":675,"3,153":676,"3,154":677,"3,155":678,"3,156":679,"3,157":680,"3,158":681,"3,159":682,"3,160":683,"3,161":684,"3,162":685,"3,163":686,"3,164":687,"3,165":688,"3,166":689,"3,167":690,"3,168":691,"3,169":692,"3,170":693,"3,171":694,"3,172":695,"3,173":696,"3,174":697,"3,175":698,"3,176":699,"3,177":700,"3,178":701,"3,179":702,"3,180":703,"3,181":704,"3,182":705,"3,183":706,"3,184":707,"3,185":708,"3,186":709,"3,187":710,"3,188":711,"3,189":712,"3,190":713,"3,191":714,"3,192":715,"3,193":716,"3,194":717,"3,195":718,"3,196":719,"3,197":720,"3,198":721,"3,199":722,"3,200":723,"3,201":724,"3,202":725,"3,203":726,"3,204":727,"3,205":728,"3,206":729,"3,207":730,"3,208":731,"3,209":732,"3,210":733,"3,211":734,"3,212":735,"3,213":736,"3,214":737,"3,215":738,"3,216":739,"3,217":740,"3,218":741,"3,219":742,"3,220":743,"3,221":744,"3,222":745,"3,223":746,"3,224":747,"3,225":748,"3,226":749,"3,227":750,"3,228":751,"3,229":752,"3,230":753,"3,231":754,"3,232":755,"3,233":756,"3,234":757,"3,235":758,"3,236":759,"3,237":760,"3,238":761,"3,239":762,"3,240":763,"3,241":764,"3,242":765,"3,243":766,"3,244":767,"3,245":768,"3,246":769,"3,247":770,"3,248":771,"3,249":772,"3,250":773,"3,251":774,"3,252":775,"3,253":776,"3,254":777,"3,255":778,"3,256":779,"3,257":780,"3,258":781,"3,259":782,"3,260":783,"3,261":784,"3,262":785,"3,263":786,"3,264":787,"3,265":788,"3,266":789,"3,267":790,"3,268":791,"3,269":792,"3,270":793,"3,271":794,"3,272":795,"3,273":796,"3,274":797,"3,275":798,"3,276":799,"3,277":800,"3,278":801,"3,279":802,"3,280":803,"3,281":804,"3,282":805,"3,283":806,"3,284":807,"3,285":808,"3,286":809,"3,287":810,"3,288":811,"3,289":812,"3,290":813,"3,291":814,"3,292":815,"3,293":816,"3,294":817,"3,295":818,"3,296":819,"3,297":820,"3,298":821,"3,299":822,"3,300":823,"3,301":824,"3,302":825,"3,303":826,"3,304":827,"3,305":828,"3,306":829,"3,307":830,"3,308":831,"3,309":832,"3,310":833,"3,311":834,"3,312":835,"3,313":836,"3,314":837,"3,315":838,"3,316":839,"3,317":840,"3,318":841,"3,319":842,"3,320":843,"3,321":844,"3,322":845,"3,323":846,"3,324":847,"3,325":848,"3,326":849,"3,327":850,"3,328":851,"3,329":852,"3,330":853,"3,331":854,"3,332":855,"3,333":856,"3,334":857,"3,335":858,"3,336":859,"3,337":860,"3,338":861,"3,339":862,"3,340":863,"3,341":864,"3,342":865,"3,343":866,"3,344":867,"3,345":868,"3,346":869,"3,347":870,"3,348":871,"3,349":872,"3,350":873,"3,351":874,"3,352":875,"3,353":876,"3,354":877,"3,355":878,"3,356":879,"3,357":880,"3,358":881,"3,359":882,"3,360":883,"3,361":884,"3,362":885,"3,363":886,"3,364":887,"3,365":888,"3,366":889,"3,367":890,"3,368":891,"3,369":892,"3,370":893,"3,371":894,"3,372":895,"3,373":896,"3,374":897,"3,375":898,"3,376":899,"3,377":900,"3,378":901,"3,379":902,"3,380":903,"3,381":904,"3,382":905,"3,383":906,"3,384":907,"3,385":908,"3,386":909,"3,387":910,"3,388":911,"3,389":912,"3,390":913,"3,391":914,"3,392":915,"3,393":916,"3,394":917,"3,395":918,"3,396":919,"3,397":920,"3,398":921,"3,399":922,"3,400":923,"3,401":924,"3,402":925,"3,403":926,"3,404":927,"3,405":928,"3,406":929,"3,407":930,"3,408":931,"3,409":932,"3,410":933,"3,411":934,"3,412":935,"3,413":936,"3,414":937,"3,415":938,"3,416":939,"3,417":940,"3,418":941,"3,419":942,"3,420":943,"3,421":944,"3,422":945,"3,423":946,"4,5":947,"4,6":948,"4,7":949,"4,8":950,"4,9":951,"4,10":952,"4,11":953,"4,12":954,"4,13":955,"4,14":956,"4,15":957,"4,16":958,"4,17":959,"4,18":960,"4,19":961,"4,20":962,"4,21":963,"4,22":964,"4,23":965,"4,24":966,"4,25":967,"4,26":968,"4,27":969,"4,28":970,"4,29":971,"4,30":972,"4,31":973,"4,32":974,"4,33":975,"4,34":976,"4,35":977,"4,36":978,"4,37":979,"4,38":980,"4,39":981,"4,40":982,"4,41":983,"4,42":984,"4,43":985,"4,44":986,"4,45":987,"4,46":988,"4,47":989,"4,48":990,"4,49":991,"4,50":992,"4,51":993,"4,52":994,"4,53":995,"4,54":996,"4,55":997,"4,56":998,"4,57":999,"4,58":1000,"4,59":1001,"4,60":1002,"4,61":1003,"4,62":1004,"4,63":1005,"4,64":1006,"4,65":1007,"4,66":1008,"4,67":1009,"4,68":1010,"4,69":1011,"4,70":1012,"4,71":1013,"4,72":1014,"4,73":1015,"4,74":1016,"4,75":1017,"4,76":1018,"4,77":1019,"4,78":1020,"4,79":1021,"4,80":1022,"4,81":1023,"4,82":1024,"4,83":1025,"4,84":1026,"4,85":1027,"4,86":1028,"4,87":1029,"4,88":1030,"4,89":1031,"4,90":1032,"4,91":1033,"4,92":1034,"4,93":1035,"4,94":1036,"4,95":1037,"4,96":1038,"4,97":1039,"4,98":1040,"4,99":1041,"4,100":1042,"4,101":1043,"4,102":1044,"4,103":1045,"4,104":1046,"4,105":1047,"4,106":1048,"4,107":1049,"4,108":1050,"4,109":1051,"4,110":1052,"4,111":1053,"4,112":1054,"4,113":1055,"4,114":1056,"4,115":1057,"4,116":1058,"4,117":1059,"4,118":1060,"4,119":1061,"4,120":1062,"4,121":1063,"4,122":1064,"4,123":1065,"4,124":1066,"4,125":1067,"4,126":1068,"4,127":1069,"4,128":1070,"4,129":1071,"4,130":1072,"4,131":1073,"4,132":1074,"4,133":1075,"4,134":1076,"4,135":1077,"4,136":1078,"4,137":1079,"4,138":1080,"4,139":1081,"4,140":1082,"4,141":1083,"4,142":1084,"4,143":1085,"4,144":1086,"4,145":1087,"4,146":1088,"4,147":1089,"4,148":1090,"4,149":1091,"4,150":1092,"4,151":1093,"4,152":1094,"4,153":1095,"4,154":1096,"4,155":1097,"4,156":1098,"4,157":1099,"4,158":1100,"4,159":1101,"4,160":1102,"4,161":1103,"4,162":1104,"4,163":1105,"4,164":1106,"4,165":1107,"4,166":1108,"4,167":1109,"4,168":1110,"4,169":1111,"4,170":1112,"4,171":1113,"4,172":1114,"4,173":1115,"4,174":1116,"4,175":1117,"4,176":1118,"4,177":1119,"4,178":1120,"4,179":1121,"4,180":1122,"4,181":1123,"4,182":1124,"4,183":1125,"4,184":1126,"4,185":1127,"4,186":1128,"4,187":1129,"4,188":1130,"4,189":1131,"4,190":1132,"4,191":1133,"4,192":1134,"4,193":1135,"4,194":1136,"4,195":1137,"4,196":1138,"4,197":1139,"4,198":1140,"4,199":1141,"4,200":1142,"4,201":1143,"4,202":1144,"4,203":1145,"4,204":1146,"4,205":1147,"4,206":1148,"4,207":1149,"4,208":1150,"4,209":1151,"4,210":1152,"4,211":1153,"4,212":1154,"4,213":1155,"4,214":1156,"4,215":1157,"4,216":1158,"4,217":1159,"4,218":1160,"4,219":1161,"4,220":1162,"4,221":1163,"4,222":1164,"4,223":1165,"4,224":1166,"4,225":1167,"4,226":1168,"4,227":1169,"4,228":1170,"4,229":1171,"4,230":1172,"4,231":1173,"4,232":1174,"4,233":1175,"4,234":1176,"4,235":1177,"4,236":1178,"4,237":1179,"4,238":1180,"4,239":1181,"4,240":1182,"4,241":1183,"4,242":1184,"4,243":1185,"4,244":1186,"4,245":1187,"4,246":1188,"4,247":1189,"4,248":1190,"4,249":1191,"4,250":1192,"4,251":1193,"4,252":1194,"4,253":1195,"4,254":1196,"4,255":1197,"4,256":1198,"4,257":1199,"4,258":1200,"4,259":1201,"4,260":1202,"4,261":1203,"4,262":1204,"4,263":1205,"4,264":1206,"4,265":1207,"4,266":1208,"4,267":1209,"4,268":1210,"4,269":1211,"4,270":1212,"4,271":1213,"4,272":1214,"4,273":1215,"4,274":1216,"4,275":1217,"4,276":1218,"4,277":1219,"4,278":1220,"4,279":1221,"4,280":1222,"4,281":1223,"4,282":1224,"4,283":1225,"4,284":1226,"4,285":1227,"4,286":1228,"4,287":1229,"4,288":1230,"4,289":1231,"4,290":1232,"4,291":1233,"4,292":1234,"4,293":1235,"4,294":1236,"4,295":1237,"4,296":1238,"4,297":1239,"4,298":1240,"4,299":1241,"4,300":1242,"4,301":1243,"4,302":1244,"4,303":1245,"4,304":1246,"4,305":1247,"4,306":1248,"4,307":1249,"4,308":1250,"4,309":1251,"4,310":1252,"4,311":1253,"4,312":1254,"4,313":1255,"4,314":1256,"4,315":1257,"4,316":1258,"4,317":1259,"4,318":1260,"4,319":1261,"4,320":1262,"4,321":1263,"4,322":1264,"4,323":1265,"4,324":1266,"4,325":1267,"4,326":1268,"4,327":1269,"4,328":1270,"4,329":1271,"4,330":1272,"4,331":1273,"4,332":1274,"4,333":1275,"4,334":1276,"4,335":1277,"4,336":1278,"4,337":1279,"4,338":1280,"4,339":1281,"4,340":1282,"4,341":1283,"4,342":1284,"4,343":1285,"4,344":1286,"4,345":1287,"4,346":1288,"4,347":1289,"4,348":1290,"4,349":1291,"4,350":1292,"4,351":1293,"4,352":1294,"4,353":1295,"4,354":1296,"4,355":1297,"4,356":1298,"4,357":1299,"4,358":1300,"4,359":1301,"4,360":1302,"4,361":1303,"4,362":1304,"4,363":1305,"4,364":1306,"4,365":1307,"4,366":1308,"4,367":1309,"4,368":1310,"4,369":1311,"4,370":1312,"4,371":1313,"4,372":1314,"4,373":1315,"4,374":1316,"4,375":1317,"4,376":1318,"5,5":1319,"5,6":1320,"5,7":1321,"5,8":1322,"5,9":1323,"5,10":1324,"5,11":1325,"5,12":1326,"5,13":1327,"5,14":1328,"5,15":1329,"5,16":1330,"5,17":1331,"5,18":1332,"5,19":1333,"5,20":1334,"5,21":1335,"5,22":1336,"5,23":1337,"5,24":1338,"5,25":1339,"5,26":1340,"5,27":1341,"5,28":1342,"5,29":1343,"5,30":1344,"5,31":1345,"5,32":1346,"5,33":1347,"5,34":1348,"5,35":1349,"5,36":1350,"5,37":1351,"5,38":1352,"5,39":1353,"5,40":1354,"5,41":1355,"5,42":1356,"5,43":1357,"5,44":1358,"5,45":1359,"5,46":1360,"5,47":1361,"5,48":1362,"5,49":1363,"5,50":1364,"5,51":1365,"5,52":1366,"5,53":1367,"5,54":1368,"5,55":1369,"5,56":1370,"5,57":1371,"5,58":1372,"5,59":1373,"5,60":1374,"5,61":1375,"5,62":1376,"5,63":1377,"5,64":1378,"5,65":1379,"5,66":1380,"5,67":1381,"5,68":1382,"5,69":1383,"5,70":1384,"5,71":1385,"5,72":1386,"5,73":1387,"5,74":1388,"5,75":1389,"5,76":1390,"5,77":1391,"5,78":1392,"5,79":1393,"5,80":1394,"5,81":1395,"5,82":1396,"5,83":1397,"5,84":1398,"5,85":1399,"5,86":1400,"5,87":1401,"5,88":1402,"5,89":1403,"5,90":1404,"5,91":1405,"5,92":1406,"5,93":1407,"5,94":1408,"5,95":1409,"5,96":1410,"5,97":1411,"5,98":1412,"5,99":1413,"5,100":1414,"5,101":1415,"5,102":1416,"5,103":1417,"5,104":1418,"5,105":1419,"5,106":1420,"5,107":1421,"5,108":1422,"5,109":1423,"5,110":1424,"5,111":1425,"5,112":1426,"5,113":1427,"5,114":1428,"5,115":1429,"5,116":1430,"5,117":1431,"5,118":1432,"5,119":1433,"5,120":1434,"5,121":1435,"5,122":1436,"5,123":1437,"5,124":1438,"5,125":1439,"5,126":1440,"5,127":1441,"5,128":1442,"5,129":1443,"5,130":1444,"5,131":1445,"5,132":1446,"5,133":1447,"5,134":1448,"5,135":1449,"5,136":1450,"5,137":1451,"5,138":1452,"5,139":1453,"5,140":1454,"5,141":1455,"5,142":1456,"5,143":1457,"5,144":1458,"5,145":1459,"5,146":1460,"5,147":1461,"5,148":1462,"5,149":1463,"5,150":1464,"5,151":1465,"5,152":1466,"5,153":1467,"5,154":1468,"5,155":1469,"5,156":1470,"5,157":1471,"5,158":1472,"5,159":1473,"5,160":1474,"5,161":1475,"5,162":1476,"5,163":1477,"5,164":1478,"5,165":1479,"5,166":1480,"5,167":1481,"5,168":1482,"5,169":1483,"5,170":1484,"5,171":1485,"5,172":1486,"5,173":1487,"5,174":1488,"5,175":1489,"5,176":1490,"5,177":1491,"5,178":1492,"5,179":1493,"5,180":1494,"5,181":1495,"5,182":1496,"5,183":1497,"5,184":1498,"5,185":1499,"5,186":1500,"5,187":1501,"5,188":1502,"5,189":1503,"5,190":1504,"5,191":1505,"5,192":1506,"5,193":1507,"5,194":1508,"5,195":1509,"5,196":1510,"5,197":1511,"5,198":1512,"5,199":1513,"5,200":1514,"5,201":1515,"5,202":1516,"5,203":1517,"5,204":1518,"5,205":1519,"5,206":1520,"5,207":1521,"5,208":1522,"5,209":1523,"5,210":1524,"5,211":1525,"5,212":1526,"5,213":1527,"5,214":1528,"5,215":1529,"5,216":1530,"5,217":1531,"5,218":1532,"5,219":1533,"5,220":1534,"5,221":1535,"5,222":1536,"5,223":1537,"5,224":1538,"5,225":1539,"5,226":1540,"5,227":1541,"5,228":1542,"5,229":1543,"5,230":1544,"5,231":1545,"5,232":1546,"5,233":1547,"5,234":1548,"5,235":1549,"5,236":1550,"5,237":1551,"5,238":1552,"5,239":1553,"5,240":1554,"5,241":1555,"5,242":1556,"5,243":1557,"5,244":1558,"5,245":1559,"5,246":1560,"5,247":1561,"5,248":1562,"5,249":1563,"5,250":1564,"5,251":1565,"5,252":1566,"5,253":1567,"5,254":1568,"5,255":1569,"5,256":1570,"5,257":1571,"5,258":1572,"5,259":1573,"5,260":1574,"5,261":1575,"5,262":1576,"5,263":1577,"5,264":1578,"5,265":1579,"5,266":1580,"5,267":1581,"5,268":1582,"5,269":1583,"5,270":1584,"5,271":1585,"5,272":1586,"5,273":1587,"5,274":1588,"5,275":1589,"5,276":1590,"5,277":1591,"5,278":1592,"5,279":1593,"5,280":1594,"5,281":1595,"5,282":1596,"5,283":1597,"5,284":1598,"5,285":1599,"5,286":1600,"5,287":1601,"5,288":1602,"5,289":1603,"5,290":1604,"5,291":1605,"5,292":1606,"5,293":1607,"5,294":1608,"5,295":1609,"5,296":1610,"5,297":1611,"5,298":1612,"5,299":1613,"5,300":1614,"5,301":1615,"5,302":1616,"5,303":1617,"5,304":1618,"5,305":1619,"5,306":1620,"5,307":1621,"5,308":1622,"5,309":1623,"5,310":1624,"5,311":1625,"5,312":1626,"5,313":1627,"5,314":1628,"5,315":1629,"5,316":1630,"5,317":1631,"5,318":1632,"5,319":1633,"5,320":1634,"5,321":1635,"5,322":1636,"5,323":1637,"5,324":1638,"5,325":1639,"5,326":1640,"5,327":1641,"5,328":1642,"5,329":1643,"5,330":1644,"5,331":1645,"5,332":1646,"5,333":1647,"5,334":1648,"5,335":1649,"5,336":1650,"5,337":1651,"5,338":1652,"5,339":1653,"5,340":1654,"5,341":1655,"5,342":1656,"5,343":1657,"5,344":1658,"5,345":1659,"5,346":1660,"5,347":1661,"5,348":1662,"5,349":1663,"5,350":1664,"5,351":1665,"5,352":1666,"5,353":1667,"5,354":1668,"5,355":1669,"5,356":1670,"5,357":1671,"5,359":1672,"6,5":1673,"6,6":1674,"6,7":1675,"6,8":1676,"6,9":1677,"6,10":1678,"6,11":1679,"6,12":1680,"6,13":1681,"6,14":1682,"6,15":1683,"6,16":1684,"6,17":1685,"6,18":1686,"6,19":1687,"6,20":1688,"6,21":1689,"6,22":1690,"6,23":1691,"6,24":1692,"6,25":1693,"6,26":1694,"6,27":1695,"6,28":1696,"6,29":1697,"6,30":1698,"6,31":1699,"6,32":1700,"6,33":1701,"6,34":1702,"6,35":1703,"6,36":1704,"6,37":1705,"6,38":1706,"6,39":1707,"6,40":1708,"6,41":1709,"6,42":1710,"6,43":1711,"6,44":1712,"6,45":1713,"6,46":1714,"6,47":1715,"6,48":1716,"6,49":1717,"6,50":1718,"6,51":1719,"6,52":1720,"6,53":1721,"6,54":1722,"6,55":1723,"6,56":1724,"6,57":1725,"6,58":1726,"6,59":1727,"6,60":1728,"6,61":1729,"6,62":1730,"6,63":1731,"6,64":1732,"6,65":1733,"6,66":1734,"6,67":1735,"6,68":1736,"6,69":1737,"6,70":1738,"6,71":1739,"6,72":1740,"6,73":1741,"6,74":1742,"6,75":1743,"6,76":1744,"6,77":1745,"6,78":1746,"6,79":1747,"6,80":1748,"6,81":1749,"6,82":1750,"6,83":1751,"6,84":1752,"6,85":1753,"6,86":1754,"6,87":1755,"6,88":1756,"6,89":1757,"6,90":1758,"6,91":1759,"6,92":1760,"6,93":1761,"6,94":1762,"6,95":1763,"6,96":1764,"6,97":1765,"6,98":1766,"6,99":1767,"6,100":1768,"6,101":1769,"6,102":1770,"6,103":1771,"6,104":1772,"6,105":1773,"6,106":1774,"6,107":1775,"6,108":1776,"6,109":1777,"6,110":1778,"6,111":1779,"6,112":1780,"6,113":1781,"6,114":1782,"6,115":1783,"6,116":1784,"6,117":1785,"6,118":1786,"6,119":1787,"6,120":1788,"6,121":1789,"6,122":1790,"6,123":1791,"6,124":1792,"6,125":1793,"6,126":1794,"6,127":1795,"6,128":1796,"6,129":1797,"6,130":1798,"6,131":1799,"6,132":1800,"6,133":1801,"6,134":1802,"6,135":1803,"6,136":1804,"6,137":1805,"6,138":1806,"6,139":1807,"6,140":1808,"6,141":1809,"6,142":1810,"6,143":1811,"6,144":1812,"6,145":1813,"6,146":1814,"6,147":1815,"6,148":1816,"6,149":1817,"6,150":1818,"6,151":1819,"6,152":1820,"6,153":1821,"6,154":1822,"6,155":1823,"6,156":1824,"6,157":1825,"6,158":1826,"6,159":1827,"6,160":1828,"6,161":1829,"6,162":1830,"6,163":1831,"6,164":1832,"6,165":1833,"6,166":1834,"6,167":1835,"6,168":1836,"6,169":1837,"6,170":1838,"6,171":1839,"6,172":1840,"6,173":1841,"6,174":1842,"6,175":1843,"6,176":1844,"6,177":1845,"6,178":1846,"6,179":1847,"6,180":1848,"6,181":1849,"6,182":1850,"6,183":1851,"6,184":1852,"6,185":1853,"6,186":1854,"6,187":1855,"6,188":1856,"6,189":1857,"6,190":1858,"6,191":1859,"6,192":1860,"6,193":1861,"6,194":1862,"6,195":1863,"6,196":1864,"6,197":1865,"6,198":1866,"6,199":1867,"6,200":1868,"6,201":1869,"6,202":1870,"6,203":1871,"6,204":1872,"6,205":1873,"6,206":1874,"6,207":1875,"6,208":1876,"6,209":1877,"6,210":1878,"6,211":1879,"6,212":1880,"6,213":1881,"6,214":1882,"6,215":1883,"6,216":1884,"6,217":1885,"6,218":1886,"6,219":1887,"6,220":1888,"6,221":1889,"6,222":1890,"6,223":1891,"6,224":1892,"6,225":1893,"6,226":1894,"6,227":1895,"6,228":1896,"6,229":1897,"6,230":1898,"6,231":1899,"6,232":1900,"6,233":1901,"6,234":1902,"6,235":1903,"6,236":1904,"6,237":1905,"6,238":1906,"6,239":1907,"6,240":1908,"6,241":1909,"6,242":1910,"6,243":1911,"6,244":1912,"6,245":1913,"6,246":1914,"6,247":1915,"6,248":1916,"6,249":1917,"6,250":1918,"6,251":1919,"6,252":1920,"6,253":1921,"6,254":1922,"6,255":1923,"6,256":1924,"6,257":1925,"6,258":1926,"6,259":1927,"6,260":1928,"6,261":1929,"6,262":1930,"6,263":1931,"6,264":1932,"6,265":1933,"6,266":1934,"6,267":1935,"6,268":1936,"6,269":1937,"6,270":1938,"6,271":1939,"6,272":1940,"6,273":1941,"6,274":1942,"6,275":1943,"6,276":1944,"6,277":1945,"6,278":1946,"6,279":1947,"6,280":1948,"6,281":1949,"6,282":1950,"6,283":1951,"6,284":1952,"6,285":1953,"6,286":1954,"6,287":1955,"6,288":1956,"6,289":1957,"6,290":1958,"6,291":1959,"6,292":1960,"6,293":1961,"6,294":1962,"6,295":1963,"6,296":1964,"6,297":1965,"6,298":1966,"6,299":1967,"6,300":1968,"6,301":1969,"6,302":1970,"6,303":1971,"6,304":1972,"6,305":1973,"6,306":1974,"6,307":1975,"6,308":1976,"6,309":1977,"6,310":1978,"6,311":1979,"6,312":1980,"6,313":1981,"6,314":1982,"6,315":1983,"6,317":1984,"7,5":1985,"7,6":1986,"7,7":1987,"7,8":1988,"7,9":1989,"7,10":1990,"7,11":1991,"7,12":1992,"7,13":1993,"7,14":1994,"7,15":1995,"7,16":1996,"7,17":1997,"7,18":1998,"7,19":1999,"7,20":2000,"7,21":2001,"7,22":2002,"7,23":2003,"7,24":2004,"7,25":2005,"7,26":2006,"7,27":2007,"7,28":2008,"7,29":2009,"7,30":2010,"7,31":2011,"7,32":2012,"7,33":2013,"7,34":2014,"7,35":2015,"7,36":2016,"7,37":2017,"7,38":2018,"7,39":2019,"7,40":2020,"7,41":2021,"7,42":2022,"7,43":2023,"7,44":2024,"7,45":2025,"7,46":2026,"7,47":2027,"7,48":2028,"7,49":2029,"7,50":2030,"7,51":2031,"7,52":2032,"7,53":2033,"7,54":2034,"7,55":2035,"7,56":2036,"7,57":2037,"7,58":2038,"7,59":2039,"7,60":2040,"7,61":2041,"7,62":2042,"7,63":2043,"7,64":2044,"7,65":2045,"7,66":2046,"7,67":2047,"7,68":2048,"7,69":2049,"7,70":2050,"7,71":2051,"7,72":2052,"7,73":2053,"7,74":2054,"7,75":2055,"7,76":2056,"7,77":2057,"7,78":2058,"7,79":2059,"7,80":2060,"7,81":2061,"7,82":2062,"7,83":2063,"7,84":2064,"7,85":2065,"7,86":2066,"7,87":2067,"7,88":2068,"7,89":2069,"7,90":2070,"7,91":2071,"7,92":2072,"7,93":2073,"7,94":2074,"7,95":2075,"7,96":2076,"7,97":2077,"7,98":2078,"7,99":2079,"7,100":2080,"7,101":2081,"7,102":2082,"7,103":2083,"7,104":2084,"7,105":2085,"7,106":2086,"7,107":2087,"7,108":2088,"7,109":2089,"7,110":2090,"7,111":2091,"7,112":2092,"7,113":2093,"7,114":2094,"7,115":2095,"7,116":2096,"7,117":2097,"7,118":2098,"7,119":2099,"7,120":2100,"7,121":2101,"7,122":2102,"7,123":2103,"7,124":2104,"7,125":2105,"7,126":2106,"7,127":2107,"7,128":2108,"7,129":2109,"7,130":2110,"7,131":2111,"7,132":2112,"7,133":2113,"7,134":2114,"7,135":2115,"7,136":2116,"7,137":2117,"7,138":2118,"7,139":2119,"7,140":2120,"7,141":2121,"7,142":2122,"7,143":2123,"7,144":2124,"7,145":2125,"7,146":2126,"7,147":2127,"7,148":2128,"7,149":2129,"7,150":2130,"7,151":2131,"7,152":2132,"7,153":2133,"7,154":2134,"7,155":2135,"7,156":2136,"7,157":2137,"7,158":2138,"7,159":2139,"7,160":2140,"7,161":2141,"7,162":2142,"7,163":2143,"7,164":2144,"7,165":2145,"7,166":2146,"7,167":2147,"7,168":2148,"7,169":2149,"7,170":2150,"7,171":2151,"7,172":2152,"7,173":2153,"7,174":2154,"7,175":2155,"7,176":2156,"7,177":2157,"7,178":2158,"7,179":2159,"7,180":2160,"7,181":2161,"7,182":2162,"7,183":2163,"7,184":2164,"7,185":2165,"7,186":2166,"7,187":2167,"7,188":2168,"7,189":2169,"7,190":2170,"7,191":2171,"7,192":2172,"7,193":2173,"7,194":2174,"7,195":2175,"7,196":2176,"7,197":2177,"7,198":2178,"7,199":2179,"7,200":2180,"7,201":2181,"7,202":2182,"7,203":2183,"7,204":2184,"7,205":2185,"7,206":2186,"7,207":2187,"7,208":2188,"7,209":2189,"7,210":2190,"7,211":2191,"7,212":2192,"7,213":2193,"7,214":2194,"7,215":2195,"7,216":2196,"7,217":2197,"7,218":2198,"7,219":2199,"7,220":2200,"7,221":2201,"7,222":2202,"7,223":2203,"7,224":2204,"7,225":2205,"7,226":2206,"7,227":2207,"7,228":2208,"7,229":2209,"7,230":2210,"7,231":2211,"7,232":2212,"7,233":2213,"7,234":2214,"7,235":2215,"7,236":2216,"7,237":2217,"7,238":2218,"7,239":2219,"7,240":2220,"7,241":2221,"7,242":2222,"7,243":2223,"7,244":2224,"7,245":2225,"7,246":2226,"7,247":2227,"7,248":2228,"7,249":2229,"7,250":2230,"7,251":2231,"7,252":2232,"7,253":2233,"7,254":2234,"7,255":2235,"7,256":2236,"7,257":2237,"7,258":2238,"7,259":2239,"7,260":2240,"7,261":2241,"7,262":2242,"7,263":2243,"7,264":2244,"7,265":2245,"7,266":2246,"7,267":2247,"7,268":2248,"7,269":2249,"7,270":2250,"7,271":2251,"7,272":2252,"7,273":2253,"7,274":2254,"7,275":2255,"7,276":2256,"7,277":2257,"7,278":2258,"7,279":2259,"7,280":2260,"7,281":2261,"7,282":2262,"7,283":2263,"7,284":2264,"7,285":2265,"7,286":2266,"7,287":2267,"7,288":2268,"7,289":2269,"7,290":2270,"7,291":2271,"7,292":2272,"7,293":2273,"7,294":2274,"7,295":2275,"7,296":2276,"7,297":2277,"7,298":2278,"7,299":2279,"7,300":2280,"7,301":2281,"7,302":2282,"7,303":2283,"7,304":2284,"7,305":2285,"7,306":2286,"7,307":2287,"7,308":2288,"7,309":2289,"7,310":2290,"7,311":2291,"7,312":2292,"7,313":2293,"7,314":2294,"7,315":2295,"7,316":2296,"7,317":2297,"7,318":2298,"7,319":2299,"7,320":2300,"7,321":2301,"7,322":2302,"7,323":2303,"7,324":2304,"7,325":2305,"7,326":2306,"7,327":2307,"7,328":2308,"7,329":2309,"7,330":2310,"7,331":2311,"7,332":2312,"7,333":2313,"7,334":2314,"7,335":2315,"7,336":2316,"8,5":2317,"8,6":2318,"8,7":2319,"8,8":2320,"8,9":2321,"8,10":2322,"8,11":2323,"8,12":2324,"8,13":2325,"8,14":2326,"8,15":2327,"8,16":2328,"8,17":2329,"8,18":2330,"8,19":2331,"8,20":2332,"8,21":2333,"8,22":2334,"8,23":2335,"8,24":2336,"8,25":2337,"8,26":2338,"8,27":2339,"8,28":2340,"8,29":2341,"8,30":2342,"8,31":2343,"8,32":2344,"8,33":2345,"8,34":2346,"8,35":2347,"8,36":2348,"8,37":2349,"8,38":2350,"8,39":2351,"8,40":2352,"8,41":2353,"8,42":2354,"8,43":2355,"8,44":2356,"8,45":2357,"8,46":2358,"8,47":2359,"8,48":2360,"8,49":2361,"8,50":2362,"8,51":2363,"8,52":2364,"8,53":2365,"8,54":2366,"8,55":2367,"8,56":2368,"8,57":2369,"8,58":2370,"8,59":2371,"8,60":2372,"8,61":2373,"8,62":2374,"8,63":2375,"8,64":2376,"8,65":2377,"8,66":2378,"8,67":2379,"8,68":2380,"8,69":2381,"8,70":2382,"8,71":2383,"8,72":2384,"8,73":2385,"8,74":2386,"8,75":2387,"8,76":2388,"8,77":2389,"8,78":2390,"8,79":2391,"8,80":2392,"8,81":2393,"8,82":2394,"8,83":2395,"8,84":2396,"8,85":2397,"8,86":2398,"8,87":2399,"8,88":2400,"8,89":2401,"8,90":2402,"8,91":2403,"8,92":2404,"8,93":2405,"8,94":2406,"8,95":2407,"8,96":2408,"8,97":2409,"8,98":2410,"8,99":2411,"8,100":2412,"8,101":2413,"8,102":2414,"8,103":2415,"8,104":2416,"8,105":2417,"8,106":2418,"8,107":2419,"8,108":2420,"8,109":2421,"8,110":2422,"8,111":2423,"8,112":2424,"8,113":2425,"8,114":2426,"8,115":2427,"8,116":2428,"8,117":2429,"8,118":2430,"8,119":2431,"8,120":2432,"8,121":2433,"8,122":2434,"8,123":2435,"8,124":2436,"8,125":2437,"8,126":2438,"8,127":2439,"8,128":2440,"8,129":2441,"8,130":2442,"8,131":2443,"8,132":2444,"8,133":2445,"8,134":2446,"8,135":2447,"8,136":2448,"8,137":2449,"8,138":2450,"8,139":2451,"8,140":2452,"8,141":2453,"8,142":2454,"8,143":2455,"8,144":2456,"8,145":2457,"8,146":2458,"8,147":2459,"8,148":2460,"8,149":2461,"8,150":2462,"8,151":2463,"8,152":2464,"8,153":2465,"8,154":2466,"8,155":2467,"8,156":2468,"8,157":2469,"8,158":2470,"8,159":2471,"8,160":2472,"8,161":2473,"8,162":2474,"8,163":2475,"8,164":2476,"8,165":2477,"8,166":2478,"8,167":2479,"8,168":2480,"8,169":2481,"8,170":2482,"8,171":2483,"8,172":2484,"8,173":2485,"8,174":2486,"8,175":2487,"8,176":2488,"8,177":2489,"8,178":2490,"8,179":2491,"8,180":2492,"8,181":2493,"8,182":2494,"8,183":2495,"8,184":2496,"8,185":2497,"8,186":2498,"8,187":2499,"8,188":2500,"8,189":2501,"8,190":2502,"8,191":2503,"8,192":2504,"8,193":2505,"8,194":2506,"8,195":2507,"8,196":2508,"8,197":2509,"8,198":2510,"8,199":2511,"8,200":2512,"8,201":2513,"8,202":2514,"8,203":2515,"8,204":2516,"8,205":2517,"8,206":2518,"8,207":2519,"8,208":2520,"8,209":2521,"8,210":2522,"8,211":2523,"8,212":2524,"8,213":2525,"8,214":2526,"8,215":2527,"8,216":2528,"8,217":2529,"8,218":2530,"8,219":2531,"8,220":2532,"8,221":2533,"8,222":2534,"8,223":2535,"8,224":2536,"8,225":2537,"8,226":2538,"8,227":2539,"8,228":2540,"8,229":2541,"8,230":2542,"8,231":2543,"8,232":2544,"8,233":2545,"8,234":2546,"8,235":2547,"8,236":2548,"8,237":2549,"8,238":2550,"8,239":2551,"8,240":2552,"8,241":2553,"8,242":2554,"8,243":2555,"8,244":2556,"8,245":2557,"8,246":2558,"8,247":2559,"8,248":2560,"8,249":2561,"8,250":2562,"8,251":2563,"8,252":2564,"8,253":2565,"8,254":2566,"8,255":2567,"8,256":2568,"8,257":2569,"8,258":2570,"8,259":2571,"8,260":2572,"8,261":2573,"8,262":2574,"8,263":2575,"8,264":2576,"8,265":2577,"8,266":2578,"8,267":2579,"8,268":2580,"8,269":2581,"8,270":2582,"8,271":2583,"8,272":2584,"8,273":2585,"8,274":2586,"8,275":2587,"8,276":2588,"8,277":2589,"8,278":2590,"8,279":2591,"8,280":2592,"8,281":2593,"8,282":2594,"8,283":2595,"8,284":2596,"8,285":2597,"8,286":2598,"8,287":2599,"8,288":2600,"8,289":2601,"8,290":2602,"8,291":2603,"8,292":2604,"8,293":2605,"8,294":2606,"8,295":2607,"8,296":2608,"8,297":2609,"8,298":2610,"8,299":2611,"8,300":2612,"8,301":2613,"8,302":2614,"8,303":2615,"8,304":2616,"8,305":2617,"8,306":2618,"8,307":2619,"8,308":2620,"8,309":2621,"8,310":2622,"8,311":2623,"8,312":2624,"8,313":2625,"8,314":2626,"8,315":2627,"8,316":2628,"8,317":2629,"8,318":2630,"8,319":2631,"8,320":2632,"8,321":2633,"8,322":2634,"8,323":2635,"8,324":2636,"8,325":2637,"8,326":2638,"8,327":2639,"8,328":2640,"8,329":2641,"8,330":2642,"8,331":2643,"8,332":2644,"8,333":2645,"8,334":2646,"8,335":2647,"8,336":2648,"8,337":2649,"8,338":2650,"8,339":2651,"8,340":2652,"8,341":2653,"8,342":2654,"8,343":2655,"8,344":2656,"8,345":2657,"8,346":2658,"8,347":2659,"8,348":2660,"8,349":2661,"8,350":2662,"8,351":2663,"8,352":2664,"8,353":2665,"8,354":2666,"8,355":2667,"8,356":2668,"8,357":2669,"8,358":2670,"8,359":2671,"8,360":2672,"8,361":2673,"8,362":2674,"8,363":2675,"8,364":2676,"8,365":2677,"8,366":2678,"8,367":2679,"8,368":2680,"9,5":2681,"9,6":2682,"9,7":2683,"9,8":2684,"9,9":2685,"9,10":2686,"9,11":2687,"9,12":2688,"9,13":2689,"9,14":2690,"9,15":2691,"9,16":2692,"9,17":2693,"9,18":2694,"9,19":2695,"9,20":2696,"9,21":2697,"9,22":2698,"9,23":2699,"9,24":2700,"9,25":2701,"9,26":2702,"9,27":2703,"9,28":2704,"9,29":2705,"9,30":2706,"9,31":2707,"9,32":2708,"9,33":2709,"9,34":2710,"9,35":2711,"9,36":2712,"9,37":2713,"9,38":2714,"9,39":2715,"9,40":2716,"9,41":2717,"9,42":2718,"9,43":2719,"9,44":2720,"9,45":2721,"9,46":2722,"9,47":2723,"9,48":2724,"9,49":2725,"9,50":2726,"9,51":2727,"9,52":2728,"9,53":2729,"9,54":2730,"9,55":2731,"9,56":2732,"9,57":2733,"9,58":2734,"9,59":2735,"9,60":2736,"9,61":2737,"9,62":2738,"9,63":2739,"9,64":2740,"9,65":2741,"9,66":2742,"9,67":2743,"9,68":2744,"9,69":2745,"9,70":2746,"9,71":2747,"9,72":2748,"9,73":2749,"9,74":2750,"9,75":2751,"9,76":2752,"9,77":2753,"9,78":2754,"9,79":2755,"9,80":2756,"9,81":2757,"9,82":2758,"9,83":2759,"9,84":2760,"9,85":2761,"9,86":2762,"9,87":2763,"9,88":2764,"9,89":2765,"9,90":2766,"9,91":2767,"9,92":2768,"9,93":2769,"9,94":2770,"9,95":2771,"9,96":2772,"9,97":2773,"9,98":2774,"9,99":2775,"9,100":2776,"9,101":2777,"9,102":2778,"9,103":2779,"9,104":2780,"9,105":2781,"9,106":2782,"9,107":2783,"9,108":2784,"9,109":2785,"9,110":2786,"9,111":2787,"9,112":2788,"9,113":2789,"9,114":2790,"9,115":2791,"9,116":2792,"9,117":2793,"9,118":2794,"9,119":2795,"9,120":2796,"9,121":2797,"9,122":2798,"9,123":2799,"9,124":2800,"9,125":2801,"9,126":2802,"9,127":2803,"9,128":2804,"9,129":2805,"9,130":2806,"9,131":2807,"9,132":2808,"9,133":2809,"9,134":2810,"9,135":2811,"9,136":2812,"9,137":2813,"9,138":2814,"9,139":2815,"9,140":2816,"9,141":2817,"9,142":2818,"9,143":2819,"9,144":2820,"9,145":2821,"9,146":2822,"9,147":2823,"9,148":2824,"9,149":2825,"9,150":2826,"9,151":2827,"9,152":2828,"9,153":2829,"9,154":2830,"9,155":2831,"9,156":2832,"9,157":2833,"9,158":2834,"9,159":2835,"9,160":2836,"9,161":2837,"9,162":2838,"9,163":2839,"9,164":2840,"9,165":2841,"9,166":2842,"9,167":2843,"9,168":2844,"9,169":2845,"9,170":2846,"9,171":2847,"9,172":2848,"9,173":2849,"9,174":2850,"9,175":2851,"9,176":2852,"9,177":2853,"9,178":2854,"9,179":2855,"9,180":2856,"9,181":2857,"9,182":2858,"9,183":2859,"9,184":2860,"9,185":2861,"9,186":2862,"9,187":2863,"9,188":2864,"9,189":2865,"9,190":2866,"9,191":2867,"9,192":2868,"9,193":2869,"9,194":2870,"9,195":2871,"9,196":2872,"9,197":2873,"9,198":2874,"9,199":2875,"9,200":2876,"9,201":2877,"9,202":2878,"9,203":2879,"9,204":2880,"9,205":2881,"9,206":2882,"9,207":2883,"9,208":2884,"9,209":2885,"9,210":2886,"9,211":2887,"9,212":2888,"9,213":2889,"9,214":2890,"9,215":2891,"9,216":2892,"9,217":2893,"9,218":2894,"9,219":2895,"9,220":2896,"9,221":2897,"9,222":2898,"9,223":2899,"9,224":2900,"9,225":2901,"9,226":2902,"9,227":2903,"9,228":2904,"9,229":2905,"9,230":2906,"9,231":2907,"9,232":2908,"9,233":2909,"9,234":2910,"9,235":2911,"9,236":2912,"9,237":2913,"9,238":2914,"9,239":2915,"9,240":2916,"9,241":2917,"9,242":2918,"9,243":2919,"9,244":2920,"9,245":2921,"9,246":2922,"9,247":2923,"9,248":2924,"9,249":2925,"9,250":2926,"9,251":2927,"9,252":2928,"9,253":2929,"9,254":2930,"9,255":2931,"9,256":2932,"9,257":2933,"9,258":2934,"9,259":2935,"9,260":2936,"9,261":2937,"9,262":2938,"9,263":2939,"9,264":2940,"9,265":2941,"9,266":2942,"9,267":2943,"9,268":2944,"9,269":2945,"9,270":2946,"9,271":2947,"9,272":2948,"9,273":2949,"9,274":2950,"9,275":2951,"9,276":2952,"9,277":2953,"9,278":2954,"9,279":2955,"9,280":2956,"9,281":2957,"9,282":2958,"9,283":2959,"9,284":2960,"9,285":2961,"9,286":2962,"9,287":2963,"9,288":2964,"9,289":2965,"9,290":2966,"9,291":2967,"9,292":2968,"9,293":2969,"9,294":2970,"9,295":2971,"9,296":2972,"9,297":2973,"9,298":2974,"9,299":2975,"9,300":2976,"9,301":2977,"9,302":2978,"9,303":2979,"9,304":2980,"9,305":2981,"9,306":2982,"9,307":2983,"9,308":2984,"9,309":2985,"9,310":2986,"9,311":2987,"9,312":2988,"9,313":2989,"9,314":2990,"9,315":2991,"9,316":2992,"9,317":2993,"9,318":2994,"9,319":2995,"9,320":2996,"9,321":2997,"9,322":2998,"9,323":2999,"9,324":3000,"9,325":3001,"9,326":3002,"9,327":3003,"9,328":3004,"9,329":3005,"9,330":3006,"9,331":3007,"9,332":3008,"9,333":3009,"9,334":3010,"9,335":3011,"9,336":3012,"9,337":3013,"9,338":3014,"9,339":3015,"9,340":3016,"9,341":3017,"9,342":3018,"9,343":3019,"9,344":3020,"9,345":3021,"9,346":3022,"9,347":3023,"9,348":3024,"9,349":3025,"9,350":3026,"9,351":3027,"9,352":3028,"9,353":3029,"9,354":3030,"9,355":3031,"9,356":3032,"9,357":3033,"9,358":3034,"9,359":3035,"9,360":3036,"9,361":3037,"9,362":3038,"9,363":3039,"10,5":3040,"10,6":3041,"10,7":3042,"10,8":3043,"10,9":3044,"10,10":3045,"10,11":3046,"10,12":3047,"10,13":3048,"10,14":3049,"10,15":3050,"10,16":3051,"10,17":3052,"10,18":3053,"10,19":3054,"10,20":3055,"10,21":3056,"10,22":3057,"10,23":3058,"10,24":3059,"10,25":3060,"10,26":3061,"10,27":3062,"10,28":3063,"10,29":3064,"10,30":3065,"10,31":3066,"10,32":3067,"10,33":3068,"10,34":3069,"10,35":3070,"10,36":3071,"10,37":3072,"10,38":3073,"10,39":3074,"10,40":3075,"10,41":3076,"10,42":3077,"10,43":3078,"10,44":3079,"10,45":3080,"10,46":3081,"10,47":3082,"10,48":3083,"10,49":3084,"10,50":3085,"10,51":3086,"10,52":3087,"10,53":3088,"10,54":3089,"10,55":3090,"10,56":3091,"10,57":3092,"10,58":3093,"10,59":3094,"10,60":3095,"10,61":3096,"10,62":3097,"10,63":3098,"10,64":3099,"10,65":3100,"10,66":3101,"10,67":3102,"10,68":3103,"10,69":3104,"10,70":3105,"10,71":3106,"10,72":3107,"10,73":3108,"10,74":3109,"10,75":3110,"10,76":3111,"10,77":3112,"10,78":3113,"10,79":3114,"10,80":3115,"10,81":3116,"10,82":3117,"10,83":3118,"10,84":3119,"10,85":3120,"10,86":3121,"10,87":3122,"10,88":3123,"10,89":3124,"10,90":3125,"10,91":3126,"10,92":3127,"10,93":3128,"10,94":3129,"10,95":3130,"10,96":3131,"10,97":3132,"10,98":3133,"10,99":3134,"10,100":3135,"10,101":3136,"10,102":3137,"10,103":3138,"10,104":3139,"10,105":3140,"10,106":3141,"10,107":3142,"10,108":3143,"10,109":3144,"10,110":3145,"10,111":3146,"10,112":3147,"10,113":3148,"10,114":3149,"10,115":3150,"10,116":3151,"10,117":3152,"10,118":3153,"10,119":3154,"10,120":3155,"10,121":3156,"10,122":3157,"10,123":3158,"10,124":3159,"10,125":3160,"10,126":3161,"10,127":3162,"10,128":3163,"10,129":3164,"10,130":3165,"10,131":3166,"10,132":3167,"10,133":3168,"10,134":3169,"10,135":3170,"10,136":3171,"10,137":3172,"10,138":3173,"10,139":3174,"10,140":3175,"10,141":3176,"10,142":3177,"10,143":3178,"10,144":3179,"10,145":3180,"10,146":3181,"10,147":3182,"10,148":3183,"10,149":3184,"10,150":3185,"10,151":3186,"10,152":3187,"10,153":3188,"10,154":3189,"10,155":3190,"10,156":3191,"10,157":3192,"10,158":3193,"10,159":3194,"10,160":3195,"10,161":3196,"10,162":3197,"10,163":3198,"10,164":3199,"10,165":3200,"10,166":3201,"10,167":3202,"10,168":3203,"10,169":3204,"10,170":3205,"10,171":3206,"10,172":3207,"10,173":3208,"10,174":3209,"10,175":3210,"10,176":3211,"10,177":3212,"10,178":3213,"10,179":3214,"10,180":3215,"10,181":3216,"10,182":3217,"10,183":3218,"10,184":3219,"10,185":3220,"10,186":3221,"10,187":3222,"10,188":3223,"10,189":3224,"10,190":3225,"10,191":3226,"10,192":3227,"10,193":3228,"10,194":3229,"10,195":3230,"10,196":3231,"10,197":3232,"10,198":3233,"10,199":3234,"10,200":3235,"10,201":3236,"10,202":3237,"10,203":3238,"10,204":3239,"10,205":3240,"10,206":3241,"10,207":3242,"10,208":3243,"10,209":3244,"10,210":3245,"10,211":3246,"10,212":3247,"10,213":3248,"10,214":3249,"10,215":3250,"10,216":3251,"10,217":3252,"10,218":3253,"10,219":3254,"10,220":3255,"10,221":3256,"10,222":3257,"10,223":3258,"10,224":3259,"10,225":3260,"10,226":3261,"10,227":3262,"10,228":3263,"10,229":3264,"10,230":3265,"10,231":3266,"10,232":3267,"10,233":3268,"10,234":3269,"10,235":3270,"10,236":3271,"10,237":3272,"10,238":3273,"10,239":3274,"10,240":3275,"10,241":3276,"10,242":3277,"10,243":3278,"10,244":3279,"10,245":3280,"10,246":3281,"10,247":3282,"10,248":3283,"10,249":3284,"10,250":3285,"10,251":3286,"10,252":3287,"10,253":3288,"10,254":3289,"10,255":3290,"10,256":3291,"10,257":3292,"10,258":3293,"10,259":3294,"10,260":3295,"10,261":3296,"10,262":3297,"10,263":3298,"10,264":3299,"10,265":3300,"10,266":3301,"10,267":3302,"10,268":3303,"10,269":3304,"10,270":3305,"10,271":3306,"10,272":3307,"10,273":3308,"10,274":3309,"10,275":3310,"10,276":3311,"10,277":3312,"10,278":3313,"10,279":3314,"10,280":3315,"10,281":3316,"10,282":3317,"10,283":3318,"10,284":3319,"10,285":3320,"10,286":3321,"10,287":3322,"10,288":3323,"10,289":3324,"10,290":3325,"10,291":3326,"10,292":3327,"10,293":3328,"10,294":3329,"10,295":3330,"10,296":3331,"10,297":3332,"10,298":3333,"10,299":3334,"10,300":3335,"10,301":3336,"10,302":3337,"10,303":3338,"10,304":3339,"10,305":3340,"10,306":3341,"10,307":3342,"10,308":3343,"10,309":3344,"10,310":3345,"10,311":3346,"10,312":3347,"10,313":3348,"10,314":3349,"10,315":3350,"10,316":3351,"10,317":3352,"10,318":3353,"10,319":3354,"10,320":3355,"10,321":3356,"10,322":3357,"10,323":3358,"10,324":3359,"10,325":3360,"10,326":3361,"10,327":3362,"10,328":3363,"10,329":3364,"10,330":3365,"10,331":3366,"10,332":3367,"10,333":3368,"10,334":3369,"10,335":3370,"10,336":3371,"10,337":3372,"10,338":3373,"10,339":3374,"10,340":3375,"10,341":3376,"10,343":3377,"10,344":3378},"ٜ":{"1":[5,285],"2":[5,311],"3":[5,423],"4":[5,376],"5":[5,359],"6":[5,317],"7":[5,336],"8":[5,368],"9":[5,363],"10":[5,344]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,359","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,317","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","8,5","8,6","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","9,5","9,6","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,216","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","10,5","10,6","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,28","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,273","10,274","10,275","10,276","10,277","10,278","10,279","10,280","10,281","10,282","10,283","10,284","10,285","10,286","10,287","10,288","10,289","10,290","10,291","10,292","10,293","10,294","10,295","10,296","10,297","10,298","10,299","10,300","10,301","10,302","10,303","10,304","10,305","10,306","10,307","10,308","10,309","10,310","10,311","10,312","10,313","10,314","10,315","10,316","10,317","10,318","10,319","10,320","10,321","10,322","10,323","10,324","10,325","10,326","10,327","10,328","10,329","10,330","10,331","10,332","10,333","10,334","10,335","10,336","10,337","10,338","10,339","10,340","10,341","10,343","10,344"],"ٞ":{"1":[1,2,3,4],"2":[5,6],"3":[7,8,9,10,11],"7":[12],"9":[13],"11":[14,15,16],"12":[17],"13":[18,19],"15":[20,21,22,23],"16":[24,25,26],"17":[27,28,29,30,31,32,33],"18":[34,35,36,37,38,39,40,41,42],"19":[43,44,45,46,47,48,49,50,51,52],"20":[53,54,55,56,57,58,59,60,61],"21":[62],"24":[63,64,65],"26":[66],"27":[67],"36":[68],"40":[69,70],"43":[71,72],"44":[73],"47":[74],"49":[75],"52":[76],"53":[77],"54":[78],"56":[79],"58":[80],"59":[81,82],"61":[83],"66":[84],"70":[85,86],"71":[87],"77":[88],"80":[89],"86":[90],"95":[91],"100":[92],"101":[93],"107":[94],"109":[95],"112":[96],"114":[97],"120":[98],"126":[99],"133":[100],"137":[101],"146":[102],"155":[103],"160":[104],"164":[105],"167":[106],"170":[107],"172":[108],"176":[109],"186":[110],"191":[111],"193":[112],"195":[113],"200":[114],"202":[115],"213":[116],"217":[117],"220":[118],"221":[119,120,121],"222":[122],"223":[123],"226":[124],"229":[125],"237":[126],"240":[127],"247":[128],"251":[129],"253":[130],"265":[131],"270":[132],"271":[133],"272":[134],"277":[135],"282":[136],"299":[137],"302":[138],"305":[139],"312":[140],"313":[141],"314":[142],"320":[143],"324":[144],"335":[145],"346":[146],"352":[147],"357":[148],"371":[149],"383":[150],"387":[151],"392":[152],"396":[153],"401":[154],"405":[155],"407":[156],"410":[157],"418":[158],"424":[159],"426":[160],"431":[161],"433":[162],"441":[163],"443":[164],"455":[165],"467":[166],"473":[167],"479":[168],"486":[169],"490":[170],"495":[171],"500":[172],"502":[173],"503":[174],"504":[175],"505":[176],"506":[177],"513":[178],"527":[179],"528":[180,181,182,183],"539":[184],"549":[185,186,187],"550":[188,189],"551":[190],"560":[191],"574":[192],"590":[193],"603":[194],"609":[195],"617":[196],"630":[197],"635":[198],"645":[199,200],"655":[201],"663":[202,203],"680":[204],"688":[205],"694":[206],"702":[207],"711":[208],"715":[209],"723":[210],"734":[211],"740":[212],"750":[213],"759":[214],"764":[215,216],"780":[217],"783":[218],"788":[219],"794":[220],"800":[221],"801":[222],"803":[223],"814":[224],"820":[225],"829":[226],"834":[227],"851":[228],"862":[229],"867":[230],"870":[231],"876":[232],"881":[233],"885":[234],"894":[235],"897":[236],"898":[237],"901":[238],"902":[239],"907":[240],"910":[241],"916":[242],"919":[243],"920":[244],"921":[245],"923":[246,247],"927":[248],"930":[249],"931":[250],"936":[251],"940":[252],"943":[253],"946":[254],"947":[255,256,257],"962":[258],"966":[259],"973":[260],"976":[261],"981":[262],"982":[263],"983":[264],"987":[265,266],"990":[267],"997":[268],"1005":[269],"1010":[270],"1015":[271],"1017":[272],"1024":[273],"1029":[274],"1032":[275],"1037":[276],"1038":[277],"1039":[278],"1048":[279],"1054":[280],"1057":[281],"1064":[282],"1073":[283],"1074":[284],"1079":[285],"1081":[286],"1085":[287],"1088":[288],"1090":[289],"1095":[290],"1099":[291],"1102":[292],"1108":[293],"1111":[294],"1114":[295],"1117":[296],"1120":[297],"1125":[298],"1127":[299],"1131":[300],"1134":[301],"1139":[302],"1142":[303],"1145":[304],"1148":[305],"1156":[306,307],"1160":[308],"1165":[309],"1167":[310],"1171":[311],"1173":[312],"1176":[313],"1180":[314],"1185":[315],"1187":[316],"1192":[317],"1200":[318],"1202":[319],"1206":[320],"1208":[321],"1211":[322],"1214":[323],"1216":[324],"1226":[325],"1229":[326],"1233":[327],"1236":[328],"1237":[329],"1241":[330],"1244":[331],"1252":[332],"1254":[333],"1256":[334],"1259":[335],"1266":[336,337],"1270":[338],"1278":[339],"1283":[340],"1288":[341],"1292":[342],"1296":[343],"1299":[344],"1305":[345],"1309":[346],"1312":[347],"1314":[348],"1318":[349],"1319":[350,351],"1320":[352],"1327":[353],"1330":[354],"1333":[355],"1335":[356],"1340":[357],"1351":[358],"1360":[359],"1364":[360],"1367":[361],"1371":[362],"1381":[363],"1383":[364],"1385":[365],"1390":[366],"1395":[367],"1405":[368],"1411":[369],"1418":[370],"1425":[371],"1430":[372,373],"1433":[374],"1437":[375],"1440":[376],"1443":[377],"1446":[378],"1449":[379],"1451":[380],"1455":[381],"1458":[382],"1462":[383],"1465":[384],"1468":[385],"1470":[386,387],"1472":[388],"1475":[389],"1478":[390],"1484":[391],"1487":[392],"1490":[393],"1491":[394],"1494":[395],"1499":[396],"1505":[397],"1508":[398],"1510":[399,400],"1513":[401],"1517":[402],"1522":[403],"1530":[404],"1535":[405],"1542":[406],"1547":[407],"1554":[408],"1561":[409],"1569":[410],"1575":[411],"1581":[412,413],"1585":[414],"1588":[415],"1596":[416],"1605":[417],"1609":[418],"1613":[419],"1618":[420],"1619":[421],"1620":[422],"1625":[423],"1633":[424],"1635":[425],"1638":[426],"1644":[427,428],"1647":[429],"1650":[430],"1654":[431],"1658":[432],"1662":[433],"1672":[434],"1673":[435,436,437],"1677":[438],"1680":[439],"1682":[440],"1683":[441],"1685":[442],"1689":[443],"1692":[444],"1693":[445],"1699":[446],"1701":[447],"1704":[448],"1705":[449],"1710":[450],"1714":[451],"1715":[452,453],"1717":[454],"1722":[455,456],"1737":[457],"1754":[458],"1759":[459],"1763":[460],"1770":[461],"1774":[462],"1776":[463],"1785":[464],"1788":[465],"1798":[466],"1800":[467],"1805":[468],"1812":[469,470,471],"1813":[472],"1827":[473],"1831":[474],"1837":[475],"1840":[476],"1845":[477],"1847":[478],"1857":[479],"1868":[480],"1873":[481,482],"1876":[483],"1884":[484],"1887":[485],"1892":[486],"1899":[487],"1903":[488,489],"1907":[490],"1911":[491],"1915":[492],"1916":[493],"1922":[494],"1927":[495],"1930":[496],"1936":[497,498],"1938":[499],"1941":[500],"1946":[501],"1952":[502],"1955":[503],"1974":[504],"1984":[505],"1985":[506,507,508],"1989":[509],"1993":[510],"1998":[511],"2005":[512],"2008":[513],"2012":[514],"2014":[515],"2017":[516,517],"2021":[518],"2025":[519],"2026":[520],"2028":[521],"2030":[522],"2033":[523],"2035":[524],"2039":[525],"2040":[526],"2042":[527,528],"2051":[529],"2052":[530],"2060":[531],"2063":[532],"2069":[533],"2070":[534],"2072":[535],"2073":[536],"2080":[537],"2090":[538],"2093":[539],"2096":[540],"2102":[541,542],"2105":[543],"2108":[544],"2113":[545],"2121":[546],"2135":[547],"2136":[548],"2139":[549],"2143":[550],"2146":[551],"2151":[552],"2152":[553],"2154":[554],"2155":[555],"2157":[556],"2158":[557],"2159":[558],"2164":[559],"2168":[560,561],"2169":[562],"2173":[563],"2184":[564],"2195":[565],"2198":[566],"2199":[567],"2201":[568],"2202":[569],"2203":[570],"2206":[571],"2212":[572,573],"2213":[574],"2219":[575],"2223":[576],"2227":[577],"2230":[578],"2231":[579],"2233":[580],"2237":[581],"2239":[582],"2249":[583,584],"2253":[585],"2255":[586],"2257":[587],"2259":[588,589],"2264":[590],"2267":[591],"2271":[592,593],"2275":[594],"2279":[595],"2281":[596],"2284":[597],"2287":[598],"2289":[599,600],"2292":[601],"2296":[602],"2301":[603],"2305":[604,605],"2309":[606],"2314":[607],"2316":[608],"2317":[609,610,611],"2320":[612],"2322":[613],"2332":[614],"2343":[615],"2346":[616],"2357":[617],"2362":[618],"2373":[619],"2377":[620],"2381":[621,622],"2383":[623],"2385":[624],"2394":[625],"2402":[626],"2406":[627],"2409":[628,629],"2412":[630],"2416":[631],"2425":[632],"2430":[633],"2432":[634],"2435":[635],"2441":[636],"2445":[637],"2450":[638,639],"2454":[640],"2457":[641],"2459":[642],"2461":[643],"2469":[644],"2470":[645],"2482":[646],"2487":[647,648],"2492":[649],"2500":[650],"2511":[651],"2521":[652],"2524":[653],"2526":[654],"2528":[655],"2532":[656],"2533":[657],"2535":[658],"2540":[659],"2545":[660],"2549":[661],"2552":[662],"2562":[663],"2573":[664],"2575":[665],"2581":[666],"2586":[667],"2589":[668],"2591":[669],"2595":[670],"2597":[671,672],"2600":[673],"2603":[674],"2608":[675],"2613":[676,677],"2617":[678],"2621":[679],"2626":[680],"2631":[681],"2634":[682],"2637":[683],"2639":[684,685],"2642":[686],"2646":[687],"2651":[688],"2654":[689],"2657":[690],"2660":[691],"2661":[692],"2664":[693],"2667":[694],"2670":[695,696],"2673":[697],"2680":[698],"2681":[699,700,701],"2683":[702],"2687":[703],"2694":[704],"2700":[705],"2704":[706,707],"2708":[708],"2712":[709],"2716":[710,711],"2720":[712],"2729":[713],"2740":[714],"2745":[715,716],"2751":[717],"2756":[718],"2762":[719],"2768":[720,721],"2774":[722],"2778":[723],"2781":[724],"2785":[725,726],"2789":[727],"2792":[728],"2794":[729],"2799":[730,731],"2802":[732],"2806":[733],"2810":[734,735],"2816":[736,737],"2818":[738],"2823":[739],"2826":[740],"2832":[741],"2836":[742,743],"2839":[744],"2842":[745],"2847":[746],"2852":[747],"2853":[748],"2856":[749],"2861":[750],"2864":[751],"2869":[752],"2875":[753,754],"2879":[755],"2883":[756],"2887":[757],"2894":[758],"2903":[759,760],"2907":[761],"2912":[762],"2918":[763],"2923":[764],"2928":[765,766],"2933":[767],"2937":[768],"2942":[769,770],"2948":[771],"2950":[772],"2953":[773],"2959":[774],"2966":[775,776],"2973":[777],"2977":[778,779],"2981":[780,781],"2983":[782],"2988":[783],"2990":[784],"2991":[785],"2992":[786],"2995":[787,788],"2998":[789],"3001":[790,791],"3004":[792],"3007":[793,794],"3009":[795],"3017":[796],"3019":[797,798],"3022":[799],"3025":[800],"3030":[801,802],"3034":[803],"3039":[804],"3040":[805,806,807],"3046":[808],"3050":[809],"3053":[810],"3060":[811,812],"3064":[813],"3069":[814,815],"3072":[816],"3075":[817],"3078":[818,819],"3084":[820,821],"3087":[822],"3093":[823,824],"3097":[825],"3102":[826,827],"3105":[828],"3110":[829],"3116":[830,831],"3121":[832],"3124":[833],"3128":[834,835],"3131":[836],"3137":[837],"3141":[838],"3143":[839,840],"3146":[841],"3148":[842,843],"3153":[844],"3157":[845,846],"3161":[847],"3165":[848,849],"3169":[850],"3171":[851,852],"3175":[853],"3180":[854,855],"3182":[856],"3184":[857,858],"3189":[859],"3193":[860,861],"3199":[862,863],"3203":[864],"3212":[865,866],"3214":[867],"3217":[868],"3218":[869],"3219":[870],"3222":[871,872],"3225":[873],"3226":[874,875],"3230":[876],"3235":[877],"3241":[878,879],"3244":[880],"3247":[881,882],"3249":[883],"3251":[884,885],"3253":[886],"3257":[887,888],"3264":[889],"3267":[890,891],"3273":[892,893],"3277":[894,895],"3280":[896],"3282":[897,898,899],"3283":[900],"3289":[901,902],"3290":[903],"3294":[904],"3295":[905],"3298":[906,907],"3300":[908],"3303":[909,910],"3306":[911],"3309":[912,913],"3311":[914,915],"3318":[916,917],"3320":[918,919],"3323":[920,921],"3334":[922,923],"3339":[924,925],"3342":[926,927],"3349":[928],"3350":[929],"3353":[930,931],"3358":[932,933],"3361":[934],"3365":[935],"3367":[936],"3372":[937],"3374":[938],"3376":[939,940],"3377":[941]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>[الجزء الأول]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>ترجمة الثعلبي</span>\n(ت ٤٢٧ هـ- ١٠٣٥ م) هو أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري، اقترن واشتهر اسمه باسم تفسيره، حتى عرف تفسيره باسم (تفسير الثعلبي) والذي هو في الحقيقة (الكشف والبيان في تفسير القرآن) وبسبب كثرة شيوع الكتاب وانتشاره في البلدان ولسهولة النسبة لمؤلفه سمّي بالأول، وترجم له كثير من أصحاب التراجم والسير في كتبهم، منهم:\nابن خلكان في «وفيات الأعيان» (١/ ٧٩- ٨٠):\nأبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، النيسابوري، المفسّر المشهور، كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنّف (التفسير الكبير) الذي فاق غيره من التفاسير، وقال السمعاني:\nيقال له: الثعلبي والثعالبي وهو لقب لا نسب، روى عن جماعة، وكان حافظا عالما بارعا في العربية موثّقا، أخذ عنه أبو الحسن الواحدي، وقد جاء عن أبي القاسم القشيري قال: رأيت ربّ العزّة في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الربّ جلّ اسمه: أقبل الرجل الصالح، فالتفّت فإذا أحمد الثعلبي مقبل.\nوذكره عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي في (تاريخ نيسابور) وأثنى عليه وقال: وهو صحيح النقل موثوق به، حدّث عن أبي طاهر بن خزيمة، والإمام أبي بكر بن مهران المقرئ، وكان كثير الحديث كثير الشيوخ، توفّى سنة سبع وعشرين وأربعمائة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الصفدي في «الوافي بالوفيات» (٧: ٣٠٧ ترجمة ٣٢٩٩):</span>\nأحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي صاحب التفسير، كان أوحد زمانه في علم القرآن، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء، وذكر ما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>ياقوت في «معجم الأدباء» (٥: ٣٦/ ٥):</span>\nالمفسّر، صاحب الكتاب المشهور بأيدي الناس، المعروف بتفسير الثعلبي، مات- فيما ذكره عبد الغني بن سعيد الحافظ المصري، ونقلته من حاشية كتاب «الإكمال» لابن ماكولا، في محرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة، فقال: أبو إسحاق الثعلبي المفسّر، جليل، خراساني، وذكر وفاته. وذكره عبد الغفّار في السياق فقال: أحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق الثعلبي،","vol":"1","page":5},{"text":"المقرئ، المفسّر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، من التفسير الحاوي أنواع الفرائد، من المعاني والإشارات، ولكمال أرباب الحقائق، ووجوه الإعراب والقراءات، ثم كتاب العرائس والقصص، وغير ذلك ممّا لا يحتاج إلى ذكره لشهرته، وهو صحيح النقل موثوق به، حدّث عن أبي طاهر بن خزيمة، وأبي بكر بن مهران المقرئ، وأبي بكر بن هانئ، وأبي بكر بن الطرّازي، والمخلدي، والخفاف، وأبي محمد بن الرومي، وطبقتهم. وهو كثير الحديث، كثير الشيوخ- وذكر وفاته كما تقدم-.\nقال: وسمع منه الواحدي التفسير وأخذه منه، وأثنى عليه، وحدّث عنه بإسناد رفعه إلى عاصم، قال: الرياسة بالحديث رئاسة نذلة، إن أصحّ الشيخ وحفظ وصدق فاحمى، قالوا: هذا شيخ كيّس. وإذا وهم قالوا: شيخ كذّاب. وله كتاب ربيع المذكّرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٢/ ٤٣):</span>\nأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعالبي:\nويقال الثعلبي أيضا، وهو لقب وليس بنسبة، النيسابوري المفسر المشهور، له التفسير الكبير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء (﵈) وغير ذلك، وكان كثير الحديث واسع السماع، ولهذا يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير، وذكره عبد الغفار بن إسماعيل الفارسي في تاريخ نيشابور وأثنى عليه وقال: هو صحيح النقل موثوق به، توفّي في سنة سبع وعشرين وأربعمائة، وقال غيره: توفّي يوم الأربعاء لسبع بقين من المحرم منها، ورؤيت له منامات صالحة (﵀)، وقال السمعاني: ونيسابور كانت مغصبة «١» فأمر سابور الثاني ببنائها مدينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>السبكي في «طبقات الشافعية الكبرى» (٤: ٥٨- ٥٩/ ترجمة ٢٦٧):</span>\nأحمد بن محمد بن إبراهيم أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي: صاحب التفسير، كان أوحد زمانه في علم القرآن، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء (﵈) ... إلى أن قال:\nروى عن أبي طاهر محمد بن الفضل بن خزيمة، وأبي محمد المخلدي، وأبي بكر بن هانئ، وأبي بكر بن مهران المقرئ، وجماعة. وعنه أخذ أبو الحسن الواحدي، ثم ذكر رؤيا القشيري ...، ومن شعر الثعلبي:\nوإنّي لأدعو الله والأمر ضيّق عليّ فما ينفكّ أن يتفرّجا\nوربّ فتى سدّت عليه وجوهه أصاب له في دعوة الله مخرجا\nتوفّي في المحرم سنة سبع وعشرين وأربعمائة.\n_________\n(١) المغصبة: قرية صغيرة.","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>ابن العماد الحنبلي في «شذرات الذهب» ٢/ ٢٣٠:</span>\nسنة سبع وعشرين وأربعمائة: فيها توفّي أبو إسحاق الثعالبي أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري المفسّر، روى عن أبي محمد المخلدي وطبقته من أصحاب السراج، وكان حافظا واعظا، رأسا في التفسير والعربية، متين الديانة، قاله في العبر، وقال ابن خلكان: كان أوحد زمانه في علم التفسير، وصنّف التفسير الكبير الذي فاق غيره من التفاسير، وله كتاب العرائس في قصص الأنبياء وغير ذلك ... ثم ذكر قول السمعاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>القفطي في إنباه الرواة على أنباه النحاة (١: ١٥٤/ ترجمة ٥٩):</span>\nأحمد بن محمد بن إبراهيم الأستاذ أبو إسحاق الثعالبي.\nويقال: الثعلبي، المقرئ، المفسّر، الواعظ، الأديب، الثقة، الحافظ، صاحب التصانيف الجليلة، العالم بوجوه الإعراب والقراءات، توفّي سنة سبع وعشرين وأربعمائة.\nوله (التفسير الكبير) و(العرائس) في قصص الأنبياء، ونحو ذلك. وسمع منه الواحدي التفسير، وأخذ عنه. ثم ذكر ما قاله القشيري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الزركلي في «الأعلام» (١/ ٢١٢):</span>\nأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق، مفسّر، من أهل نيسابور، له اشتغال بالتاريخ، من كتبه (عرائس المجالس) في قصص الأنبياء، و(الكشف والبيان في تفسير القرآن) يعرف بتفسير الثعلبي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>كحالة في «معجم المؤلفين» (٢/ ٦٠):</span>\nأحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي النيسابوري (أبو إسحاق) مفسّر، مقرئ، واعظ، أديب، توفّي لسبع بقين من المحرم، من تصانيفه: «الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، «العرائس في قصص الأنبياء»، و«ربيع المذكرين» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه</span>\nألقى مؤلف هذا التفسير ضوءا عليه في مقدمته، وأوضح فيها عن منهجه وطريقته التي سلكها فيه، فذكر أولا اختلافه منذ الصغر إلى العلماء، واجتهاده في الاقتباس من علم التفسير الذي هو أساس الدين ورأس العلوم الشرعية، ومواصلته ظلام الليل بضوء الصباح بعزم أكيد وجهد جهيد، حتى رزقه الله ما عرف به الحق من الباطل، والمفضول من الفاضل، والحديث من القديم، والبدعة من السنّة، والحجة من الشبهة، وظهر له أن المصنفين في تفسير القرآن فرق على طرق مختلفة:","vol":"1","page":7},{"text":"فرقة أهل البدع والأهواء، وعدّ منهم الجبائي والرماني.\nوفرقة من ألّفوا فأحسنوا، إلّا أنّهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين، وعدّ منهم أبا بكر القفال.\nوفرقة اقتصر أصحابها على الرواية والنقل دون الدراية والنقد، وعدّ منهم أبا يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي.\nوفرقة حذفت الإسناد الذي هو الركن والعماد، ونقلت من الصحف والدفاتر، وحررت على هوى الخواطر، وذكرت الغث والسمين، والواهي والمتين، قال: وليسوا في عداد العلماء، فصنت الكتاب عن ذكرهم.\nوفرقة حازوا قصب السبق في جودة التصنيف والحذق، غير أنهم طوّلوا في كتبهم بالمعادات، وكثرة الطرق والروايات، وعدّ منهم ابن جرير الطبري.\nوفرقة جردت التفسير دون الأحكام وبيان الحلال والحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات، كمشايخ السلف الماضين، مثل مجاهد والسدي والكلبي.\nثم بيّن أنّه لم يعثر في كتب من تقدمه على كتاب جامع مهذب يعتمد عليه، ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن وإجابته لمطلوبهم، رعاية منه لحقوقهم، وتقربا به إلى الله ﷾ ...\nثم قال: ثم استخرت الله تعالى في تصنيف كتاب، شامل، مهذّب، ملخّص، مفهوم، منظوم، مستخرج من زهاء مائة كتاب مجموعات مسموعات، سوى ما التقطته من التعليقات والأجزاء المتفرقات، وتلقفته عن أقوام من المشايخ الأثبات، وهم قريب من ثلاثمائة شيخ، نسقته بأبلغ ما قدرت عليه من الإيجاز والترتيب.\nثم قال: وخرّجت فيه الكلام على أربعة عشر نحوا: البسائط والمقدمات، والعدد والترتيلات، والقصص والروايات، والوجوه والقراءات، والعلل والاحتجاجات، والعربية واللغات، والإعراب والموازنات، والتفسير والتأويلات، والمعاني والجهات، والغوامض والمشكلات، والأحكام والفقهيات، والحكم والإشارات، والفضائل والكرامات، والأخبار والمتعلقات. أدرجتها في أثناء الكتاب بحذف الأبواب، وسمّيته (كتاب الكشف والبيان عن تفسير القرآن) .\nثم ذكر في أول الكتاب- كما يأتي- أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف، واكتفى بذلك عن ذكرها في أثناء الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى مصنّفات أهل عصره-","vol":"1","page":8},{"text":"وهي كثيرة- وكتب الغريب والمشكل والقراءات، ثم ذكر بابا في فضل القرآن وأهله، وبابا في معنى التفسير والتأويل، ثم شرع في التفسير.\nوالحق أنّ هذا التفسير من التفاسير المعتبرة، حيث فسّره بما جاء عن السلف مع اختصاره للأسانيد، اكتفاء بذكرها في مقدمة الكتاب، وأنّه يعرض للمسائل النحوية ويخوض فيها بتوسّع ظاهر، كما في الآية (٩٠) من سورة البقرة عند ذكر نعم وبئس.\nكما أنّه يعرض لشرح الكلمات اللغوية وأصولها وتصاريفها، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي، فمثلا عند ما يصل إلى تفسير الآية (١٧١) من سورة البقرة نجده يحلل كلمة (ينعق) تحليلا دقيقا ويصرفها على وجوهها كلها.\nوهكذا عند تفسير الآية (١٧٣) من السورة نفسها يحلل لفظ (البغي) ويتكلم عن أصل المادة بتوسّع.\nويتوسع في الكلام عن الأحكام الفقهية عند ما يتناول آية من آيات الأحكام، فتراه يذكر الأقوال والخلافات والأدلة ويتعرض للمسألة من جميع نواحيها.\nفمثلا عند تفسير الآية (١١) من سورة النساء فإنّه يفيض في الكلام عمّا يفعل بتركة الميّت بعد موته، ثم يذكر جملة الورثة والسهام المحددة، ومن فرضه الربع، ومن فرضه الثمن، والثلثان، والثلث، والسدس ... وهكذا، ثم يعرض لنصيب الجدّ والجدّة والجدّات، ثم يقول بعد هذا: فصل في بساط الآية، وفيه يتكلم عن نظام الميراث عند الجاهلية وقبل مبعث الرسول ﷺ.\nونجده عند تفسير الآية (٢٤) من سورة النساء يتوسع في نكاح المتعة ويذكر أقوال العلماء وأدلتهم بتوسع ظاهر.\nوعند ذكر الآية (٣١) من سورة النساء فإنّه يقول: (فصل في أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر، مجموعة من الكتاب والسنّة، مقرونة بالدليل والحجة) ثم يسردها جميعا ويذكر أدلتها على وجه التفصيل.\nوعند تفسير الآية (٤٣) من سورة النساء فإنّه يعرض أقوال السلف في معنى (اللمس والملامسة) ثم يقول:\nواختلف الفقهاء في حكم الآية على خمسة مذاهب.\nويتوسع على الخصوص في بيان مذهب الشافعي ويسرد أدلته ويذكر تفصيل كيفية الملامسة عنده، كما يعرض لأقوال العلماء في التيمم ومذاهبهم وأدلتهم بتوسع ظاهر عند ما يتكلم عن قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.","vol":"1","page":9},{"text":"وذكر فضائل أهل البيت ﵃ عند ذكر الآيات النازلة في حقّهم، وبالخصوص الآيات النازلة في حق علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه عن السلف الصالح.\nوهكذا يتطرق الكتاب إلى نواح علمية متعددة لا يكاد يجدها القارئ في كتاب تفسيري آخر.\nوكان هذا التفسير ولا زال مصدرا من المصادر الإسلامية التي يرجع إليها حتى عند كثير من المفسرين، وأهل التاريخ والحديث وغيرهم.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>علمنا في التفسير</span>\nاعتمدنا في تحقيق التفسير (الكشف والبيان) على أربعة نسخ: الأولى من أول القرآن الكريم الى آخره سورة الكهف وهي مصورة عن مكتبة جستربيتي دبلين في إيرلندا الجنوبية تحت رقم (٣٦١٧)، وخطها قديم جدا وفيها سقط ومسح كثير.\nوالثانية: نسخة مصورة عن مخطوطة المرعشي في قم تحت رقم (٤٢٦) من أول سورة الكهف الى آخر القرآن، باستثناء آخر سورة الرحمن وسورة الواقعة وبداية الحديد، وخطها أفضل من الأولى، مع وجود بعض الكلام غير المقروء.\nوالنسخة الثالثة مصورة عن مخطوطة دار الكتب الظاهرية بدمشق الرقم (٧٨٨١) يعود كتابتها إلى القرن الحادي عشر، وتحتوي على الجزء الثالث وقسم من الجزء الخامس من التفسير، وأخذنا منها نهاية سورة الرحمن وسورة الواقعة وبداية سورة الحديد.\nومن هذه النسخ الثلاثة لفّقنا نسخة الأصل واعتمدنا على إخراج هذا الكتاب.\nوالنسخة الرابعة غير كاملة، من آية ١٨ من سورة الكهف الى آية ٦٩ من سورة المؤمن (غافر)، مصورة عن مكتبة أصفهان، وهي واضحة الألفاظ وبخط جيد نسبيا، يعود كتابتها إلى سنة ١١٠٠ هـ تقريبا، وقد أشرنا إليها في الهامش عند وجود التفاوت بينها وبين النسخة الكاملة الملفقة.\nوواجهتنا مشكلة لقدم المخطوط، وهي أسماء رجال السند المتشابهة، وحاولنا حلها من كتب الرجال، والتفاسير التي تذكر الأسانيد.\nمع وجود كلام كبير غير المقروء أو بياض في نسخة الأصل وبعض النسخ الأخرى، حاولنا تكملته من المصادر التي نقل عنها الثعلبي، أو المصادر التي نقلت عنه، كتفسير ابن جرير الطبري وتفسير القرطبي وتفسير ابن كثير، وزاد المسير لابن الجوزي وغيرها من التفاسير، وكالكتب التي تحدثت عن علوم القرآن ككتاب البرهان وأحكام القرآن للجصاص وللنحاس والإحكام لابن حزم.\nكما وكنا نعرض الحديث الشريف وأقوال الصحابة على كتب الحديث والصحاح والمعاجم لضبط النص وتخريجه.\nوأما الأشعار فكانت فيها صعوبة واضطراب، من ناحية الوزن والضبط، حاولنا بالاستفادة","vol":"1","page":11},{"text":"من بعض الشعراء لحلّ قسم منها، وحاولنا من بعض التفاسير وكتب اللغة والمعاجم حلّ القسم الآخر.\nوأما الألفاظ المبهمة فضبطناها وشرحناها من كتب اللغة والتفاسير الأخرى.\nكما وعرضنا الآيات القرآنية المستشهد بها على المصحف الشريف وخرّجناها منه.\n(كلمة شكر:) هذا ونشكر كل من ساهم في إنجاز هذا العمل المتواضع أمثال الأخ السيد محمد الموسوي الناصري والمحقق الأخ العزيز الشيخ ماجد العطية، والأخ المحقق الشيخ أبو علي فرج الله، والأخ كريم راضي الواسطي، والأخ الشيخ أبو مسلم الساعدي وغيرهم من الإخوة الأفاضل.\nونخصّ بالشكر سماحة السيد محمد رضا الجلالي وسماحة السيد الأبطحي والشيخ محمد باقر المحمودي الذين كانت لهم يد العون في الحصول على بعض صور المخطوط.\nوالحمد لله رب العالمين علي عاشور","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>مقدمة المصنف</span>\nكتاب الكشف والبيان للإمام الهمّام أستاذ الأساتذة أبو إسحاق أحمد المعروف بالإمام الثعلبي. وهذه النسخة الشريفة في غاية الصحة، والإمام المذكور علم في اللغات والأدبيّات والسمعيّات والتصوّف حتى إنّه (قدس سره) كان معاصرا للسلمي صاحب الطبقات وأخذ عنه التصوّف والحديث لأنّه (قدس سره) كان من كبار المحدّثين، كما أنّه من كبار الصوفيّة.\nوأنا الفقير إلى الله الغني عبد الله بن عثمان بن موسى المعروف بمسنجر زاده ناله الحسنى وزاده بمنّه وكرمه.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ربّ أعن وتمّم قال الأستاذ الإمام أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي (﵁): بحمد الله يفتتح الكلام، وبتوفيقه يستنجز المطلب والمرام، ونسأله أن يصلّي على محمد خير الأنام، وعلى آله الكرام وأصحابه نجم الظلام [بحقّ] الملك السلام.\nأما بعد:\nفإنّ الله ﷿ أكرمنا بكريم كتابه وأنعم علينا بعظيم [مطلبه] في القرآن، وجعله مهيمنا على الكتب والأديان، أمر فيه بالحكمة وزجر وأعذر الحجّة وأنذر. ثم لم يرض منا [نسخه] ولا إقامة كلماته دون العمل بمحكماته ولا تلاوته وقراءته دون تدبّر آياته والتفكر في بيناته، وتعلّم حقائقه ومعانيه، وتفهّم دقائقه ومبانيه فقيّض له رجالا موفقين حتّى صنّفوا فيه المصنّفات، وجمعوا علومه المتفرّعات.\nوإني مذ فارقت المهد إلى أن بلغت الأشدّ اختلفت إلى ثقات الناس، واجتهدت في الاقتباس من هذا العلم الذي من الدين أساس والعلوم الشرعية الرأس. «١» .. الظلام بالضياء\n_________\n(١) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":73},{"text":"والصباح ... العزم ... «١» .. حتّى رزقني الله تعالى- وله الحمد- من ذلك ما عرفت به الحقّ من الباطل، والمفضول من الفاضل، والصحيح من السقيم، والحديث من القديم، والبدعة من السنة، والحجّة من الشبهة. فألفيت المصنّفين في هذا الباب فرقا على طرق: فرقة منهم أهل البدع والأهواء وفرقة المسالك والآراء مثل البلخي والجبائي والأصفهاني والرماني، وقد أمرنا بمجانبتهم وترك مخالطتهم، ونهينا عن الاقتداء بأقوالهم وأفعالهم فاختاروا ممّن تأخذون دينكم، وفرقة ألّفوا وقد أحسنوا غير أنّهم خلطوا أباطيل المبتدعين بأقاويل السلف الصالحين كما جمع بين ... «٢» .. لاسفدوانية مثل أبي بكر القفال وأبي حامد المقري. وهما من الفقهاء الكبار، والعلماء الخيار، ولكن لم يكن التفسير حرفتهم، ولا علم التأويل صنعتهم ولكل عمل رجال، ولكل مقام مقال.\nوفرقة اقتصروا على الرواة والنقل دون الدراية والنقد مثل الشيخين أبي يعقوب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق الأنماطي. وبياع الدواء محتاج إلى الأطبّاء.\nوفرقة حرّموا الأسناد الذي هو الركن والعماد، وتملّكوا الصحف والدفاتر وجهدوا على ما هو بين الخواطر، وذكروا الغثّ والسمين، والركيك والمتين، وليسوا في عداد العلماء فصنت الكتاب عن فكرهم، والقراءة والعلم سنة يأخذها الأصاغر عن الأكابر. ولولا الاسناد لقال من شاء ما شاء.\nوفرقة حازوا قصب السبق في عمدة التصنيف والحذق، غير أنّهم طوّلوا كتبهم بالمعادات، وكثرة الطرق والروايات، وحشوها بما منه بدّ، فقطعوا عنها طمع المسترشد مثل الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، وشيخنا أبي محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني. وازدحام العلوم مضلّة للفهوم.\nوفرقة جرّدوا التفسير دون الأحكام، وبيان الحلال من الحرام، والحل عن الغوامض والمشكلات، والرد على أهل الزيغ والشبهات كمشايخ السلف الصالحين، والعلماء القدماء من التابعين وأتباعهم مثل مجاهد ومقاتل، والكلبي والسدّي، ولكل من أهل الحقّ فيه غرض محمود وسعي مشكور.\nفلما لم أعثر في هذا الشأن على كتاب جامع مهذّب يعتمد في علم القرآن عليه.. «٣» ..،\nورأيت رغبة الناس عن هذا العلم ظاهرة، وهممهم عن البحث فيه قاصرة، وطباعهم عن النظر في البسائط نافرة، وانضاف إلى ذلك سؤال قوم من المبرزين، والعلماء المحصّلين، والرؤساء\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":74},{"text":"المحشمين، أردت إسعافهم ... بهم ورعاية معرفتهم فصرنا إلى الله ﷿ ... لبعض موجبات شكره، فإن شكر العلم نشره، وزكاته إنفاقه [ف] استخرت الله تعالى في تصنيف كتاب شامل كامل، مهذب ملخّص، مفهوم منظوم، مستخرج من [نيف و] مائة كتاب مجرّبات مسموعات، سوى ما التقطته من التطبيقات، والأجزاء المتفرّقات وتلقّفنه عن أقوام من المشايخ، وهم قريب من ثلاثمائة مستمع فسقته بأبلغ ما صرت عليه من ... «١» .. والترتيب، وسعة الإثبات بغاية التنسيق والترتيب وسيبقى لكلّ مؤلّف كتابا في فن قد سيق إليه أن لا يعدم كتابة بعض الخلال التي أنا ذاكرها إمّا استنباط شيء إن كان مقفلا أو جمعه إن كان متفرّقا، أو شرحه إن كان غامضا، أو حسن نظم تأليفه، أو إسقاط شيء وتطويل.\nوأرجو أن لا يخلو هذا الكتاب عن هذه الخصال التي ذكرتها والله الموفّق لما نويت وقصدت.\nوخرّجت الكلام فيه على أربعة وعشرين نحوا: البسائط، والمقدّمات، والعدد، والترتيلات، والقصص، والروايات، والوجوه والقراءات، والعلل، والإحتجاجات، والعربية، واللغات، والإعراب، والموازنات، والتفسير، والتأويلات والمعاني، والجهات، والغوامض، والمشكلات، والأحكام، والفقهيات، والإشارات، والفضائل، والكرامات، والأخبار والمتعلقات أدرجتها في أثناء الكتاب، بحذف الأبواب، وسمّيته «كتاب الكشف والبيان عن تفسير القرآن»، والله المستعان، وعليه التكلان.\nو<span data-type=\"title\" id=toc-14>هذه أسماء الكتب التي عليها مباني كتابنا هذا</span>\n[أذكرها] «٢» لئلّا نحتاج إلى تكرار الأسانيد وبالله التوفيق.\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[تفاسير القدماء]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>[تفسير ابن عباس]</span>\nالتفسيران المنصوصان عن ابن عباس (﵁) وهو الجفر والنقاب، والإمام والقدوة في علم الكتاب، وهو ترجمان القرآن، وحبر هذه الأمّة وربانيهم\n[وقد] دعا [له] رسول الله ﷺ، فقال: «اللهم علّمه التأويل، وفقّهه في الدين» «٣» [١] .\nفأجاب الله تعالى فيه دعاءه حتى صار علما في العلم (﵁) .\n.. «٤» .. أخبرنا أبو محمد عبد الله بن الطيّب، وأبو محمد عبد الله بن حامد، وأبو القاسم الحسن ابن محمد قالوا: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن عبدوس الطرائفي قال:\nحدّثنا عثمان بن سعيد الدارمي قال: حدّثنا عبد الله بن صالح حدّثه عن علي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس (﵁) ....\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) كذا الظاهر من المخطوط.\n(٣) المعجم الكبير: ١٠/ ٢٣٨.\n(٤) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":75},{"text":"أخبرنا الإمام أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بقراءته عليّ قال: حدّثنا عبد الله بن محمد الثقفي قال: حدّثنا أبو جعفر المزني قال: حدّثنا محمد بن سعد بن محمد بن الحسن بن عطيّة بن سعد العوفي، قال: حدّثنا عمي الحسين بن الحسن، بن عطيّة بن سعد العوفي، قال: حدّثنا عمي الحسين بن الحسن بن عطيّة العوفي الكوفي عن ابن عباس (﵁) .\nوأخبرنا محمد بن نعيم إجازة قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل ببغداد، قال: حدّثنا محمد بن سعد العوفي، قال: حدثني عمّي، قال: حدثني أبي عن الحسن بن عطيّة عن ابن عباس (﵁) .\nأخبرنا ابن فنجويه بقراءتي عليه في داري سنة ثمان وأربعمائة قال: أخبرنا أبو القاسم سليمان بن محمد بن أحمد الطبراني قال: حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمد قال: حدّثنا عبد العزيز بن سعيد البرقي عن أبي محمد موسى بن عبد الرّحمن الصنعاني عن عبد الملك بن جريح ابن عطاء ابن أبي رباح عن ابن عباس (﵁) .\nوعن موسى بن عبد الرّحمن عن مقاتل بن سليمان عن الضحّاك عن ابن عباس (﵁) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>تفسير عكرمة:</span>\nحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسين النيسابوري لفظا قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الصريمي المروزي قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن جعفر الصيرفي قال:\nحدّثنا أبو داود سليمان بن معبد المنجي قال: حدثني علي بن الحسين بن وافد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس (﵁) .\nطريق محمد بن الفضل: حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق بن أيّوب، قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زياد قال: حدّثنا عبيد بن يعيش عن محمد بن الفضيل عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح المؤذّن مولى أمّ هانئ عن ابن عباس (﵁) .\nوحدّثنا أبو القاسم الحسين قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب البوشنجي قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن معاذ المروزي، قال: حدّثنا عليّ بن الحسن بن عيسى عن محمد بن فضيل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (﵁) .\nطريق يوسف بن بلال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن أحمد الشعبي المقري بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو الحسن بن محمد الورّاق سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة قال:\nأخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد اللبّاد.","vol":"1","page":76},{"text":"إسناد آخر: وأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد بن محمد قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله ابن محمد بن الحسين المعلّم قال: حدّثنا أحمد بن محمد القصّار.\nوحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو علي الحسين بن محمد بن هارون قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن اللبّاد قال: حدّثنا يوسف بن بلال السعدي قال: حدّثنا محمد بن مروان بن السدّي عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (﵁) .\nطريق الحسن: حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر المفسّر لفظا: حدّثنا أبو سعيد نافع ابن محمد بن نافع بمرو الروذ، حدّثنا محمد بن عمران، حدّثنا محمّد بن المغيرة عن عمّار ابن عبد الجبار عن حيّان بن عليّ العبدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (﵁) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>تفسير الكلبي:</span>\nأخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد بن محمد الأصفهاني بقراءتي عليه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان البلخي، حدّثنا حيويه بن محمد حدّثنا صالح بن محمد النهدي من أوّل القرآن إلى سورة المجادلة: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى «١»، ومنها إلى آخر القرآن.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن علي البلخي قال: حدّثنا القاسم بن عبّاد قال: حدّثنا صالح بن محمد بإسناده سواء عن محمد بن هارون عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس (﵁) .\nحدّثنا وأخبرنا علي بن محمد بن سعيد الخطيب كتابة قال: حدّثنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسين السرخسي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر محمد بن علي المفسر المروزي، حدّثنا صالح بن محمد النهدي، وقد زاد فيه صالح أربعة آلاف حديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>تفسير مجاهد:</span>\nطريق ابن أبي نجيح: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن طه، حدّثنا عبد الله بن زكريا، حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعد الأموي، حدّثنا مسلم بن خالد الزنجي عن أبي نجيح عن مجاهد.\nقال: وحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر لفظا: حدّثنا أبو زكريا يحيى بن محمد ابن عبد الله العنبري: حدّثنا محمد بن عبد السلام الورّاق: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي عن ورقاء بن أبي نجيح عن مجاهد.\n_________\n(١) سورة المجادلة: ٨.","vol":"1","page":77},{"text":"طريق ابن جريج: أخبرنا القاسم بن أبي بكر المكتب، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد ابن محمّد البغدادي، حدّثنا المأمون بن أحمد، حدّثنا عبد الله بن الرماح عن الحجّاج بن محمد الجزري عن ابن جريج عن مجاهد.\nطريق ليث: حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو جعفر محمد بن سليمان ابن منصور.\nنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، نا محمد بن حميد، نا جرير عن ليث عن مجاهد المكّي ...» ...\nطريق جويبر- وهو الكتاب الكبير المبسوط-: أخبرنا الإمام أبو القاسم الحسن بن محمد ابن جعفر قراءة، أنا أبو بكر جعفر بن محمد الزعفراني، نا إبراهيم بن عبد المؤمن عن محمد بن أبان بن علي بن أبان عن عبد الرّحمن بن جابر ويحيى بن آدم الأحول عن نصر بن مساور ابن أخي مصلح عن جويبر عن الضحاك بن مزاحم الهلالي.\nطريق ابن الحكم: أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد بن محمد الاصفهاني قال:\nوأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي قال: نا عبد الله بن محمد بن الحسين الشريفي، نا أبو الأزهري، نا وهب بن جرير حدّثني شعبة قال: قرأ عليّ علي بن الحكم عن الضحاك.\nطريق عبيد: حدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد السدوسي لفظا، نا أبو عمر أحمد بن محمّد، بسرخس، نا جعفر بن محمد بن سوار، نا أحمد بن جميل المروزي، نا أبو معاذ عن عبيد بن سليمان الباهلي عن الضحّاك.\nطريق أبي روق: نا الحسن بن محمد بن جعفر، نا أبو موسى عمران بن موسى بن الحسين، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق المهرجاني، نا يوسف ... «٢» ..، أنا عمرو بن طلحة القناد عن أبيه عن أبي روق عن الضحّاك.\nطريق عطاء بن أبي رباح قال: نا أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري بقراءته عليه، أنا أبو عبد الله أحمد بن ياسين الجرّاح الطبري، وأبو الفرج أحمد بن محمد بن سنان النهاوندي قالا: أخبرنا بكر بن سهل بن إسماعيل الدمياطي، نا عبد الغني بن سعيد الثقفي عن أبي محمد موسى ابن عبد الرّحمن الصنعاني عن ابن جريج عن عطاء عن السدي.\nتفسير عطاء الخراساني: نا الحسين بن محمد بن الحسن، نا أبو الحسن محمد بن الحسين ابن نجد البغوي، نا أبو نعيم عبد الملك بن محمّد بن عديّ ببخارى، نا العباس بن الوليد بن\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":78},{"text":"مزيد البيروني، نا محمد بن شعيب بن سابور، أخبرني عطاء بن أبي مسلم الخراساني.\nأخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الضبّي فيما أجاز لي روايته عنه، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله البغدادي، أخبرنا يحيى بن عثمان بن صالح عن يحيى بن بكر عن عبد الله بن لهيعة عن عطاء بن دينار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>تفسير الحسن بن أبي الحسن:</span>\nنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن عبد الله المكتّب، نا أبي، نا أبو الحسن بن أحمد بن الصلت المعروف بابن شنبود المقري، نا سعيد بن محمد، نا السهل بن واصل عن أبي صالح عن محمد بن عبيد عن الحسن بن أبي الحسن البصري.\nطريق خارجة: أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، نا أبي، حدّثنا ابراهيم بن عليّ الذهلي، نا أبو خالد عن أبي صالح اليشكري عن أبي الحجّاج خارجة بن مصعب السرخسي عن سعيد بن عروبة عن قتادة بن دعامة السدوسي، وأخبرنا أبو الحسن علي بن أبي عبيد السرخسي الخطيب فيما كتب إليّ بخط يده: عبد الله بن محمد بن همام، نا أبو جعفر أحمد ابن محمد بن هاشم المروزي، نا المغيث بن بديل ابن أخت خارجة وختنه على ابنته، نا خارجة ابن مصعب، أنا سعيد بن عروبة عن قتادة، وزاد فيه خارجة: جهته مقدار ألف حديث.\nطريق شيبان: أخبرنا أبو محمد بن عبد الله بن حامد بن محمّد الأصفهاني بقراءتي عليه:\nأخبرنا أبو علي حامد بن محمد الهروي: حدّثنا أبو يعقوب إسحاق بن محمد بن ميمون الحربي، أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد المرو الروذي، نا شيبان بن عبد الرّحمن النحوي عن قتادة.\nطريق معمر: نا أبو القاسم الحبيبي، أخبرنا أبو زكريا العنبري، نا جعفر بن محمد بن سواد نا محمّد بن نافع عن عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>تفسير أبي العالية والربيع:</span>\nنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر، نا أبو عمرو أحمد بن محمد بن أبي منصور [السرخسي] بسرخس، نا أبو الحسن أحمد بن إسحاق بن إبراهيم ابن مزين، نا أبو علي الحسن بن محمد بن موسى الأزدي عن عمار بن الحسن بن بشير الهمذاني عن عبد الله بن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع عن أنس عن أبي العالية الرياحي، أخبرنا عبد الله ابن حامد الوزّان، أخبرنا محمد بن جعفر السختياني، نا أبو العبّاس أحمد بن جعفر بن نصر الرازي، نا أحمد بن عبد الرّحمن، نا عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>تفسير القرظي:</span>\nنا الحسن بن محمد بن حبيب، نا أبو العباس محمد بن الحسن الهروي، نا رجاء بن عبد الله، أخبرنا مالك بن سليمان الهروي عن أبي معشر عن محمد بن كعب القرظي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>تفسير مقاتل بن حيّان:</span>\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان بقراءتي عليه، وأبو عبد الله محمد","vol":"1","page":79},{"text":"ابن عبد الله الحافظ قالا: نا أحمد بن محمد بن عبدوس، نا إسماعيل بن قتيبة، وأبو خالد يزيد ابن صالح الفراء نا بكر بن معروف البلخي الأزدي: نا أبو معاذ عن مقاتل بن حيّان.\nوحدّثنا أبو الحسن محمد بن جعفر لفظا، نا عليّ بن محمد بن أحمد بن دلويه، نا أحمد ابن محمد بن يحيى الدهّان، نا محمد بن يزيد السلمي، نا حمّاد بن قيراط، وإبراهيم بن سليمان، وعمرو بن عبد الله بن رضين عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيّان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>تفسير مقاتل بن سليمان:</span>\nأخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المهرجاني، أخبرنا أبو محمّد عبد الخالق بن محمد بن الحسين الثقفي المعروف بابن أبي روبه من كتابه، نا عبد الله بن ثابت ابن يعقوب المقرئ أبو محمد، نا أبي، نا الهذيل بن حبيب أبو صالح بن بديل عن مقاتل بن سليمان عن ثلاثين رجلا منهم اثنان من التابعين.\nطريق التغلبي: أخبرنا أبو القاسم الجيلي، أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن المأمون، نا أبو ياسين عمّار بن عبد المجيد [...] «١»: نا إسحاق بن إبراهيم التغلبي عن مقاتل بن سليمان.\nطريق أبي عصمة، نا أبو القاسم الحبيبي، نا عبد الله بن أحمد بن الصدّيق، أخبرنا ابن أبي روبه، نا أحمد بن جميل عن عليّ بن الحسين بن واقد عن أبي عصمة عن مقاتل بن سليمان.\nطريق السدّي: أخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن المبارك الشجري، أنا أحمد بن محمد بن نصر اللّباد، نا عمرو بن طلحة القنّاد عن أسباط عن السدي عن مقاتل.\nأخبرنا الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ فيما أجاز لي لفظا وخطّا: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن العبّاس الخطيب [السوسقاني المروزي، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم] «٢» ابن هلال، نا علي بن الحسن بن شفيق عن الحسين بن واقد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>تفسير ابن جريح:</span>\nأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ إجازة، أخبرنا محمد بن خلف الصنعاني، نا علي بن محمّد المبارك الصنعاني، نا زيد «٣» بن المبارك الصنعاني عن محمد بن ثور الصنعاني عن ابن جريح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>تفسير سفيان:</span>\nأخبرنا محمد بن حمرويه فيما أذن لي عنه، نا أبو بكر الشافعي، نا إسحاق ابن الحسن الحربي عن أبي حذيفة عن سفيان الثوري.\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) زيادة عن تاريخ بغداد: ٦/ ١٦٩ ترجمة ٣٢٢٤. [.....]\n(٣) في نسخة أصفهان: يزيد.","vol":"1","page":80},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قراءة عليه، أخبرنا محمد بن علي الطوسي أبو الحسن، نا أبو جعفر محمد بن إبراهيم الديلي، نا أبو عبد الله سعد بن عبد الرّحمن المخزومي، نا سفيان ابن عيينة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>تفسير وكيع:</span>\nأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد بقراءتي عليه، أخبرنا يحيى بن محمد بن عبد الله بن العنبري نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يزيد بن خالد المروزي، نا أبو يعقوب يوسف بن عيسى المروزي مولى بني زهرة، نا وكيع بن الجرّاح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>تفسير هشام بن بشير:</span>\nأخبرنا محمد بن نعيم إجازة، أخبرنا محمد بن بطّة، نا عبد الله بن أحمد بن أسيد الأصفهاني، نا زناد «١» بن أيّوب عن هشام بن بشير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>تفسير شبل:</span>\nأخبرنا محمد بن نعيم إجازة، أخبرنا أبو سعد ... «٢» .. بن مصعب الثقفي، نا الحسن بن المثنى، حدّثنا أبو حذيفة عن شبل بن عباد المكي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>تفسير ورقاء:</span>\nأخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله الضبّي، أخبرنا.... «٣» ..\nأبو القاسم بن أحمد بهمدان، أخبرنا إبراهيم بن الهيثم البلوي، نا آدم بن أبي إياس عن ورقاء بن عمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>تفسير زيد بن أسلم:</span>\nأخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن قراءة أخبرنا أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف بن سخبرة أنّ محمد بن جرير الطبريّ حدّثهم: نا يونس بن عبد الأعلى الصدفي، أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرنا عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>تفسير روح بن عبادة:</span>\nأخبرنا أبو صالح شعيب بن محمد بن شعيب البيهقي، وأبو محمد عبد الله بن حامد بن محمد الأصفهاني بقراءتي عليه، حدّثنا أبو حاتم مكيّ بن عبدان بن محمد التميمي، نا أبو الأزهري الأزهر بن منيع العبدي، نا روح بن عبادة العنسي.\nوأخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي بن زياد السمري، أخبرنا أحمد بن محمد ابن الحسن الشرقي، نا أبو الأزهر روح بن عبادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>تفسير الفراتي:</span>\nأخبرنا أبو الحسن عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه النيسابوري وعبد الله بن حامد بن محمد بقراءتي عليهما قالا: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين ابن الحسن بن الخليل القطّان، نا أحمد بن يوسف السلمي حمدان، نا محمد بن يوسف الفراتي.\n_________\n(١) كذا الظاهر ولعلّه: زياد.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>تفسير قبيصة:</span>\nأخبرنا أبو عمرو سعيد بن عبد الله بن سعد بن إسماعيل الحيري، وأبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني قراءة عليهما قالا: أخبرنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري: نا أبو أحمد محمد بن عبد الوهّاب العبدي، نا أبو عامر قبيصة بن عقبة الكوفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>تفسير سعيد بن منصور:</span>\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، نا أحمد بن نجدة بن العريان، حدّثنا سعيد بن منصور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>تفسير النهدي:</span>\nأخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد الوزّان بقراءتي عليه في داره، أخبرنا محمد بن جعفر بن مضر [الميطري] «١»: أخبرنا جعفر بن محمد بن الليث أبو عبد الله الزيادي الجوهري بالبصرة، نا أبو حذيفة موسى بن مسعود النهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>تفسير ابن وهب:</span>\nأخبرنا محمد بن نعيم إجازة، أخبرنا محمد بن عبيد، نا عبد الله بن مسلم، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى عن عبد الله بن وهب القرشي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>تفسير عبد الحميد:</span>\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن، حدّثنا داود بن سليمان، نا عبد الحميد بن حميد إلى سورة (المطفّفين)، ومنها إلى آخر القرآن، قال:\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن يوسف، حدّثنا عمر بن محمد ابن نجير، نا عبد الحميد بن حميد الكشي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>تفسير محمد بن أيوب:</span>\nأخبرنا أبو عبد الله الحافظ إجازة، أخبرنا أبو عبد الله الخازن، نا محمد بن أيّوب الرازي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>تفسير ابن كيسان:</span>\nنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري لفظا، أخبرنا أبو سهل محمد بن محمد بن الأشعث الطالقاني الأنماري، حدّثنا عبيد الله بن محمد القاضي، حدّثنا الفضل بن عباس بن مهران عن علي بن مسلم الطوسي قال: قرأت على أصحاب عبد الرّحمن بن كيسان أبي بكر الأهتم، ثم عد تفسيره بالتمام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>تفسير أبي حمزة الثمالي:</span>\nنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن شاذان الرازي بقراءتي عليه في مرو سنتي ثمان وتسع وثمانين وثلاثمائة فأقرأنيه قال: أخبرنا أبو محمد عبد الرّحمن بن أبي حاتم الرازي، حدّثنا أبو سعيد عبد الله بن سعيد الكندي الأشج، أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي بعض الكتاب بقراءتي عليه، فأجاز لي بالباقي لفظا وخطّا، حدّثنا محمد بن خلف ابن حيّان ببغداد، حدّثنا إسحاق بن محمد، حدثني أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي ابن خليّ عن أبي حمزة الثمالي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>تفسير المسيّب:</span>\nقرأت على الحسين بن محمد بن الحسن بن عبد الله الدينوري بعض\n_________\n(١) زيادة عن أسباب النزول للواحدي: ٦٤.","vol":"1","page":82},{"text":"الكتاب وأجاز لي بالباقي لفظا وخطّا، حدّثنا محمد بن علي بن حريز، حدّثنا الحسين بن علوية القطّان، حدّثنا إسماعيل بن عيسى حدّثنا المسيب بن شريك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>مصنفات [علماء] العصر:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>تفسير عبد الله بن حامد:</span>\nقرأته عليه، تفسير أبي بكر بن فورك: أملاه علينا الى رأس خمسين آية من سورة البقرة في ثلاثة وأربعين جزءا ما حزم دونه (﵀) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>تفسير أبي عمرو الفراتي الملقّب بالبستاني:</span>\nأجاز لي بجميعه لفظا وخطّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>تفسير أبي بكر ابن فورك:</span>\nأملى علينا صدرا ... «١» .. من أوله الى آخره ثم استأنف ولحق واقتصر على الأسئلة والأجوبة حتى فرغ منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>تفسير أبي القاسم بن حبيب:</span>\nسمعته غير مرّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>تفسير جبريل:</span>\nقرأته كلّه على مصنفه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>تفسير النبي ﷺ:</span>\nسمعت بعضه من مصنّفه وأجاز لي بالباقي، ... «٢» .. قرأته كلّه على مصنّفه، صنّفها جميعا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه [الصيدلاني] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>كتاب [ابن المبارك] </span>«٣»:\nأخبرنا أبو حنيفة القزويني: أخبرنا أبو بكر محمد بن يعقوب الاستواني عن أبي محمد عبد الله بن المبارك الدينوري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>حقائق التفسير على لسان أهل الإمارة:</span>\nقرأته كلّه على مصنفه أبي عبد الرّحمن محمد بن الحسن السلمي فأقرّ لي به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>كتاب عروة:</span>\nأخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد بن علي، أخبرنا أبو يحيى عمّار بن محمد ابن مسعود، أخبرنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن الخليل، أخبرنا محمد بن هانئ، حدّثنا الحسين بن معين، حدّثنا الهذيل عن مقاتل بن سليمان بكتاب الوجوه، وأخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد الأصفهاني بقراءتي عليه في مجلس واحد، أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله الحنبلي البغدادي، حدّثنا أبو يعلى محمد بن أحمد بن عبد الله بن مروان الأقطع «٤» بملطية:\nحدّثنا أبو عبد الرّحمن ... «٥» .. بن حسان الملطي: حدثني أبو صالح إسحاق بن نجيح عن جدّ السلم بن سامة الجشطيني «٦» عن عكرمة عن عبد الله بن عباس (﵁) .\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) كذا الظاهر.\n(٤) في تاريخ دمشق (١٩/ ١١٥) عبيد الأقطع.\n(٥) بياض في المخطوط.\n(٦) في تاريخ بغداد (٦/ ٣١٩): حدث عن هشام بن حسان وعطاء الخراساني وابن جريج وأبي المنيب العتكي وعبد العزيز بن أبي رواد.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>كتاب مالك بن</span>.. «١» ..:\nأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، حدّثنا عبد الله ابن أحمد بن الصدّيق، أخبرنا عبد الله بن محمد السعدي، أخبرنا المطهر بن الحكم الكرابيسي عن علي بن الحسين بن واقد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>كتب المعاني:</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>معاني الفرّاء:</span>\nأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس المزني، وأبو محمد عبد الله بن حامد الوزّان، وأبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر، قالوا: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن جهم بن هارون السمري، حدّثنا أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>معاني الكسائي:</span>\nسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن الحسن يقول: سمعت أبو بكر أحمد بن محمد بن عبيد الله الطاهري يقول: سمعت علي بن أحمد المدبّر يقول: سمعت أبا عبيد يحدث عن علي بن حمزة الكسائي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>معاني عبيد:</span>\nأخبرنا عبد الله بن حامد بقراءتي عليه هو أبي القاسم الحبيبي علينا قالا:\nأخبرنا محمد بن محمد بن الحسن، أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكّي، أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>معاني الزجاج:</span>\nقرأت على أبي عثمان سعد بن محمد بن إبراهيم الحيري- وأخبرنا بالجملة-: أخبرنا أبو علي الفسوي وابن مقسم قالا: أخبرنا الزجاج.\nوسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري بها يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن مسعود الفسوي بها يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن السدّي الزجّاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>كتاب النظم:</span>\nقرأ علينا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بلفظه قال: قرأت على أبي نصر محمد بن محمد بن يوسف بطوس عن الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>كتاب الغرائب:</span>\nسمعت أبا القاسم الحسن بن أحمد السدوسي يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد الماداني يقول: سمعت أحمد بن محمد بن المغيرة يقول: سمعت أحمد بن سهل بن يحيى النيسابوري يقول: سمعت سلمة بن رفيع، أخبرنا غسان البصري عن أبي عبيدة معمر بن المثنّى التيمي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>غريب الأخفش:</span>\nسمعت أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر يقول: سمعت أبا سهل محمد بن محمد بن الأشعث الطالقاني يقول: سمعت علي بن فارس الدينوري يقول: سمعت\n_________\n(١) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":84},{"text":"شمر بن حمدويه والحسن بن سفيان، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا الفضل بن دكين، حدّثنا بشير بن المهاجرة، حدّثنا عبد الله بن يزيد عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ فسمعته يقول: «إنّ القرآن يأتي صاحبه يوم القيامة حين ينفلق عنه قبره كالرجل الشاحب فيقول له: هل تعرفني؟\nفيقول: ما أعرفك. فيقول: أنا صاحبك القرآن الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وإن كلّ تاجر من وراء تجارته فإنك اليوم من وراء كل تجارة» «١» [٢] .\nقال: «فيعطى الملك بيمينه والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسي والديه حلتين لا يقوم لهما الدنيا، فيقولان: بم كسينا هذا؟ فيقال لهما: بأخذ ولدكما القرآن، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنة وغرفها. فهو في صعود ما دام يقرأ هذّا كان أو ترتيلا» «٢» [٣] .\nوقال معاذ بن جبل: كنت في سفر مع النبيّ ﷺ، فقلت: يا رسول الله، حدّثنا بحديث ننتفع به، فقال: «إن أردت عيش السعداء، وميتة الشهداء، والنجاة يوم الحشر، والأمن يوم الخوف والنور يوم الظلمات والظل يوم الحرور، والري يوم العطش والوزن يوم الخفّة والهدى يوم الضلالة، فادرس القرآن فإنه ذكر الرّحمن، وحرز من الشيطان، ورجحان في الميزان» «٣» [٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>باب [علم القرآن] والترتيب فيه:</span>\nحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسين النيسابوري لفظا: حدّثنا أبو جعفر محمد بن إبراهيم بن عبدان بن حبلة، نا أبو فراس محمد بن جمعة، حدّثنا محمد بن زينون المكّي، حدّثنا حمّاد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرّحمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرءوننا عن عثمان بن عفّان (﵁)، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب أن النبيّ ﷺ كان يقرئهم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلّموا القرآن والعلم «٤» جميعا «٥» .\nوحدّثنا الحسن بن محمد: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري، أخبرنا محمد بن عبد السلام الورّاق، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، حدّثنا جرير عن الأشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: «ما من قرأ القرآن ولم يعلم تفسيره إلّا بمنزلة الأعرابي يقرأ ولا يدري ما هو» .\nوأخبرنا الحسن بن محمد، حدثني أبي: حدّثنا إبراهيم بن علي الذهلي، حدّثنا يزيد بن\n_________\n(١) سنن الدارمي: ٢/ ٤٥١.\n(٢) سنن الدارمي: ٢/ ٤٥١. [.....]\n(٣) كنز العمال: ١/ ٥٤٥.\n(٤) في المصادر: العلم والعمل.\n(٥) الدر المنثور: ١/ ٣٤٩، ومسند أحمد: ٥/ ٤١٠.","vol":"1","page":85},{"text":"صالح، أخبرنا خارجة عن سعيد عن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: «والله، ما أنزل الله آية إلّا وهو يحب أن نعلم فيم أنزلت، وما معناها» .\nوقال الحسن: «علم القرآن لم يعلمه إلّا الذكور من الرجال» .\nوسمعت الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي يقول: سمعت العباس بن حمزة يقول: سمعت ابن أبي الجوزي يقول: حدّثنا أبو نصر سعيد الرملي قال: أتينا الفضيل بن العياض بمكّة، فسألناه أن يملي علينا فقال: «ضيّعتم كتاب الله وطلبتم كلام فضيل وابن عيينة؟! ولو تفرّغتم لكتاب الله تعالى لوجدتم فيه شفاء لما تريدون» .\nقلنا: قد تعلّمنا القرآن! قال: «إن في تعلم القرآن شغلا لأعماركم وأعمار أولادكم وأولاد أولادكم» «١» . قلنا: كيف؟ قال: «لن تعلموا القرآن حتى تعرفوا إعرابه، ومحكمه ومتشابهه، وحلاله وحرامه، وناسخه ومنسوخه. فإذا عرفتم ذلك استغنيتم عن كلام فضيل وابن عيينة، ثم قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٢» .\nوروى مؤمل بن إسماعيل عن سفيان الثوري أنه قال: «أفنينا عمرنا في الإيلاء والظهار ونبذنا كتاب الله وراء ظهورنا فماذا نقول لربّنا في المعاد؟» .\n[لغة] التفسير:\nسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر يقول: سمعت أبا بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال يقول: سمعت أبا بكر محمد بن الحسن البريدي يقول:\n[أمّا التفسير في اللغة فهو راجع إلى معنى الإظهار والكشف، وأصله في اللغة من التفسرة، وهي القليل] «٣» من الماء الذي ينظر فيه الأطباء، فكما أن الطبيب بالنظر فيه يكشف عن علة المريض فكذلك المفسّر يكشف عن بيان موطنها وشأن الآية وقصصها، ومعناها والسبب الذي نزلت فيه» .\nوسمعت الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا سعد محمد بن سعيد الفارسي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن القاسم الأنباري يقول: سمعت أحمد بن محمد [الخارزنجي] يقول:\nهو من قول العرب: فسرت الفرس إذا ركّضتها مصورة لينطلق حصيرها، وهو يؤول إلى أنّما قد سمعته يقول: سمعت أبا حامد أحمد بن محمد الخارزنجي يقول: من [علوت] «٤» من سفر مثل جذب وحيد وبيت الماء وبصق ووسع لفحل الناقة وبغاها. تقول العرب: فسّرت الناقة، إذا سيّرتها حتى زال شعرها، وظهر جلدها. وأنشدوا فيه لبعض الهذليين:\n_________\n(١) الخبر في تفسير القرطبي ١/ ٢٢، والمصنّف اختصره.\n(٢) سورة يونس: ٥٧.\n(٣) زيادة من البرهان للزركشي لتقويم النص: ٢/ ١٤٧.\n(٤) الموجود في الأصل: عادت.","vol":"1","page":86},{"text":"..... «١» ...\nفيكون معنى التفسير: كشف المنغلق من المراد بلفظه وإطلاق المحتبس عن فهمه.\nوالتأويل: بكون الأول معنى مجمله موافق لما قبلها وما بعدها، وأصله من الأول، وهو من الرجوع، تقول العرب: أوّلته. قال: أي صرفته فانصرف.\nوسمعت أبا القاسم بن أبي بكر السدوسي يقول: سمعت رافع بن عبد الله يقول: سمعت أبا حبيب زيد بن المهتدي يقول: سمعت الحسن بن محمد بن البصري يقول: «٢» ... عن جدّه النضر أنه قال: «أصله من الإيالة، وهي السياسة، تقول العرب: قد ألنا، وإيل علينا، أي سسنا، وساسنا غيرنا، فكأنّ المؤول للكلام [يسوى الكلام ويضع المعنى فيه موضعه] «٣» القادر عليه، وواضعه موضعه. وإنما بنوهما على التفعيل لأنه يدلّ على التكثير، وكأنه تتبع سورة بعد سورة وآية بعد آية\n، وأمّا الفرق بينهما:\nقالت العلماء: التفسير: علم نزول الآية وشأنها وقصّتها، والأسباب التي نزلت فيها. فهذا وأضرابه [محظورة] على الناس القول إلّا باستماع الأثر. فأما التأويل فالأمر فيه أسهل لأنه صرف الآية إلى معنى يحتمله، وليس بمحظور على العلماء استنباطه والقول فيه وإنّما يكون مرآتنا الكتاب والسنّة.\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) زيادة عن البرهان للزركشي: ٢/ ١٤٩.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>تفسير فاتحة الكتاب</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>[أسماؤها]</span>\nأخبرنا عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمّد بن يحيى، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين القطّان، وأخبرنا محمد بن أحمد بن عبدوس، أخبرنا محمد بن المؤمّل بن الحسن بن عيسى، حدّثنا الفضل بن محمد بن المسيّب، حدّثنا خلف بن هشام، حدّثنا محمد بن حسان عن المعافى ابن عمران عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، سبع آيات أوّلهنّ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ)، وهي السبع المثاني، وهي أمّ القرآن، وهي فاتحة الكتاب» «١» [٥] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>نزولها:</span>\nواختلفوا في نزولها\nأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر قراءة، أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمود بن عبد الله المروزي قال: حدّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدّثنا أبو يحيى القصريّ، حدّثنا مروان بن معاوية عن الولاء بن المسيّب عن الفضل بن عمرو عن علي ابن أبي طالب (﵁) قال: «نزلت فاتحة الكتاب بمكّة من كنز تحت العرش» «٢» .\nوعلى هذا أكثر العلماء.\nيدلّ عليه ما\nأخبرنا الحسن بن محمد بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمود، حدّثنا أبو لبابة محمد بن مهدي، حدّثنا أبي عن صدقة بن عبد الرّحمن عن روح بن القاسم [العبري] عن عمر ابن شرحبيل قال: إن أوّل ما نزل من القرآن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وذلك أن رسول الله ﷺ أسرّ إلى خديجة (رض) وقال: «لقد خشيت أن يكون خالطني شيء» . فقالت: وما ذاك؟\nقال: «إني إذا خلوت سمعت النداء فأفرّ» . قال: فانطلق به أبو بكر إلى ورقة بن نوفل، فقال له ورقة: إذا أتاك فاجث له. فأتاه جبريل فقال له: «قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» «٣» [٦] .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ١٠ بتفاوت.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ١١.\n(٣) بتفاوت في أسباب النزول للواحدي: ١١.","vol":"1","page":89},{"text":"وحدّثنا الحسن بن جعفر، حدّثنا محمد بن محمود، حدّثنا عمرو بن صالح عن ابن عباس، حدّثنا أبي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قام النبي ﷺ بمكة فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فقالت قريش: دق «١» الله فاك.\nوأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن يعقوب، حدّثنا أبو زيد، حدّثنا أبو حاتم بن محبوب الشامي، أخبرنا عبد الجبار العلاء عن معن عن منصور عن مجاهد قال: «فاتحة الكتاب أنزلت في المدينة» .\nوقال الحسن بن الفضل: لكل عالم هفوة، وهذه منكرة من مجاهد لأنه تفرّد بها، والعلماء على خلافه.\nوصح الخبر عن النبي ﷺ في حديث أبي بن كعب أنها من: «أوّل ما نزل من القرآن»»\n[٧] وأنها: «السبع المثاني»\n«٣» [٨]، وسورة الحجر مكيّة بلا اختلاف. ومعلوم أن الله تعالى لم يمتنّ عليه بإتيانه السبع المثاني وهو بمكة، ثم أنزلها بالمدينة، ولا يسعنا القول بأن رسول الله ﷺ كان بمكة يصلي عشر [سنوات] «٤» بلا فاتحة الكتاب، هذا ممّا لا تقبله العقول.\nقال الأستاذ: وقلت: قال بعض العلماء وقد لفق بين هذين القولين: أنها مكية ومدنية، نزل بها جبرئيل مرتين مرّة بمكة ومرّة بالمدينة حين حلّها رسول الله ﷺ تعظيما وتفضيلا لهذه السورة على ما سواها ولذلك سميت مثاني، والله أعلم.\nأخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفرات، أخبرنا أبو موسى عمران بن موسى، حدّثنا جعفر ابن محمد بن سوار، أخبرنا أحمد بن نصر، أخبرنا سعيد بن منصور، حدّثنا سلام عن زيد العمّي عن ابن سيرين عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: «فاتحة الكتاب شفاء من السمّ» «٥» [٩] .\nوأخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أيّوب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن صاحب، حدّثنا المأمون بن أحمد، حدّثنا أحمد بن عبد الله، حدّثنا أبو معاوية الضرير عن أبي مالك الأشجعي عن ابن حمران عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن القوم ليبعث الله عليهم العذاب حتما مقضيّا فيقرأ صبيّ من صبيانهم في الكتاب: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فيسمعه الله ﷿ فيرفع عنهم ذلك العذاب أربعين سنة» «٦» [١٠] .\n_________\n(١) في الأصل موجود فوقها: رق. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١١٧.\n(٣) سنن الدارمي: ٢/ ٤٤٥.\n(٤) في المخطوط: سنة.\n(٥) الجامع الصغير: ٢/ ٢٠٧.\n(٦) كشف الخفاء: ١/ ٢٢١.","vol":"1","page":90},{"text":"وحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني، حدّثنا الحسين بن الفضل، حدّثنا عفان بن مسلم الصفّار عن الربيع بن صبيح عن الحسن قال:\nأنزل الله ﷿ مائة وأربعة كتب من السماء أودع علومها أربعة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، ثم أودع علوم هذه الأربعة الفرقان، ثم أودع علوم القرآن المفصّل، ثم أودع علوم المفصّل فاتحة الكتاب. فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع كتب الله المنزلة، ومن قرأها فكأنما قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>في فضل التسمية:</span>\nحدّثنا أبو عبد الله محمد بن علي، حدّثنا أحمد بن سعيد، حدّثنا جعفر بن محمد بن صالح، وحدّثنا محمد بن القاسم الفارسي، حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن أحمد الشيباني، أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف، حدّثنا علي بن حماد بن السكن، أخبرنا أحمد بن عبد الله الهروي حسام بن سليمان المخزومي عن أبي مليكة عن ابن عباس (﵁) قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون فكلما خلق الدين جدّدوه.\nأعطوهم ولا تستأجروهم، فتحرجوهم فإن المعلّم إذا قال للصبي: قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقال الصبي: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كتب الله براءة للصبي، وبراءة لأبويه وبراءة للمعلّم من النار» «١» [١١] .\nوأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل المولى، أخبرنا أبو عليّ الاسفرائيني الحافظ، حدّثنا ابن الحسن البصري، حدّثنا محمد بن مروان أبو جعفر، حدّثنا أبي، حدّثنا عمر بن ذر، عن عطاء عن جابر قال: (لما نزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم بآذانها، ورجمت الشياطين من السماء، وحلف الله بعزته أن لا يسمّى اسمه على شيء إلّا شفاه ولا يسمّى اسمه على شيء إلّا بارك عليه، ومن قرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ دخل الجنة) «٢» .\nوأخبرنا الحسن بن محمد بن الحسن، حدّثنا محمد بن محمد بن الحسن، أخبرنا الحسن ابن علي بن نصر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، أخبرنا وكيع بن الجراح، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: (من أراد أن ينجيه الله من الزبانية التسعة عشر فليقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإنّها تسعة عشر حرفا ليجعل الله له بكل حرف منها جنة من كلّ واحد) «٣» [١٢] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ٣٣٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ١٩ بتفاوت.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٩.","vol":"1","page":91},{"text":"(التفسير وبالله التوفيق)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>[سورة الفاتحة (١): آية ١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١)\nقوله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ اعلم أنّ هذه الباء زائدة، وهي تسمّى باء التضمين أو باء الإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، فالكتابة لاصقة بالقلم. وهي مكسورة أبدا والعلة في ذلك أن الباء حرف ناقص ممال. والإمالة من دلائل الكسر، قال سيبويه: لما لم يكن للباء عمل إلّا الكسر كسرت.\nوقال المبرّد: العلّة في كسرها ردّها إلى الأصل، ألا ترى أنك إذا أخبرت عن نفسك فإنك قلت: بيبيت، فرددتها إلى الياء والياء أخت الكسرة كما أن الواو أخت الضمة والألف أخت الفتحة، وهي خافضة لما بعدها فلذلك كسرت ميم الاسم.\nوطوّلت هاهنا وشبهت بالألف واللام لأنهم لم يريدوا أن يفتتحوا كتاب الله إلّا بحرف مفخّم معظّم. قاله القيسي.\nقال: وكان عمر بن عبد العزيز (﵀) يقول لكتّابه: (طوّلوا الباء، وأظهروا السين، وفرّجوا بينهما، ودوّروا الميم تعظيما لكلام الله تعالى) .\nوقال أبو.... «١» .. خالد بن يزيد المرادي: العلّة فيها إسقاط الألف من الاسم، فلما أسقطوا الألف ردّوا طول الألف الى الباء ليكون دالّا على سقوط الألف منها. ألا ترى أنهم لمّا كتبوا: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٢» بالألف ردّوا الباء إلى صيغتها، فإنما حذفوا الألف من (اسم) هنا فالكثرة دورها على الألسن عملا بالخفّة، ولمّا لم يكثر أضرابها كثرتها أثبتوا الألف بها.\nوفي الكلام إضمار واختصار تقديره: قل، أو ابدأ بسم الله.\nوقال آدم: الاسم فيه صلة، مجازه: «٣» بالله الرّحمن الرحيم هو، واحتجوا بقول لبيد:\nتمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلّا من ربيعة أو مضر «٤»\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر «٥»\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) سورة العلق: ١.\n(٣) أو معناه. (هامش المخطوط) .\n(٤) شرح الرضي على الكافية: ٢/ ٢٤٢.\n(٥) الصحاح: ٢/ ٧٣٨.","vol":"1","page":92},{"text":"أي ثم السلام عليكما.\nومعناه: بالله تكوّنت الموجودات، وبه قامت المخلوقات. وأدخلوا الاسم فيه ليكون فرقا بين المتيمّن والمتيمّن به. فأمّا معنى الاسم، فهو المسمى وحقيقة الموجود، وذات الشيء وعينه ونفسه واسمه، وكلها تفيد معنى واحدا. والدليل على أن الاسم عين المسمّى قوله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى «١»، فأخبر أنّ اسمه يحيى، ثمّ نادى الاسم وخاطبه فقال: يا يَحْيى «٢» . فيحيى هو الاسم، والإسم هو يحيى.\nوقوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها «٣» وأراد الأشخاص المعبودة لأنهم كانوا يعبدون المسمّيات.\nوقوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٤»، وتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ «٥» .\nوقوله ﷺ: «لتضربنّ مضر عباد الله حتّى لا يعبد له اسم»\n«٦» [١٣] أي حتى لا يعبد هو.\nثم يقال: رأينا للتسمية اسم، واستعمالها في التسمية أشهر وأكثر من استعمالها في المسمّى، ولعل الاسم أشهر، وجمعه: أسماء، مثل قنو وأقناء، وحنو وأحناء، فحذفت الواو للاستثقال، ونقلت حركة الواو إلى الميم فأعربت الميم، ونقل سكون الميم إلى السين فسكنت، ثم أدخلت ألف مهموزة لسكون السين لأجل الابتداء يدلّك عليه التصغير والتصريف يقال:\nسميّ وسميّة لأن كل ما سقط في التصغير والتصريف فهو غير أصلي. واشتقاقه من (سما) (يسمو)، فكأن المخبر عنه بأنه معدوم ما دام معدوما فهو في درجة يرتفع عنها إذ وجد، ويعلو بدرجة وجوده على درجة عدمه. والإسم الذي هو العبارة والتسمية للمخبر والصفة للمنظر.\nوأصل الصفة ظهور الشيء وبروزه، والله أعلم.\nفأمّا ما ورد في تفسيرها بتفصيلها فكثير، ذكرت جلّ أقاويلها في حديث وحكاية.\nأخبرنا الأستاذ أبو القاسم بن محمد بن الحسن المفسّر، حدّثنا أبو الطيّب محمد بن أحمد ابن حمدون المذكر، أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد بن يزيد، حدّثنا أحمد بن هشام الأنطاكي، حدّثنا الحكم بن نافع عن إسماعيل بن عبّاس عن إسماعيل عن يحيى عن أبي مليكة عن مسعود بن عطيّة العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن عيسى بن\n_________\n(١) سورة مريم: ٧. [.....]\n(٢) سورة مريم: ١٣.\n(٣) سورة يوسف: ٤٨.\n(٤) الأعلى: ١.\n(٥) الرّحمن: ٧٨.\n(٦) مجمع الزوائد: ٧/ ٣١٣.","vol":"1","page":93},{"text":"مريم أسلمته أمّه إلى الكتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم: قل «١» باسم الله. قال عيسى: وما باسم الله؟ فقال له المعلّم: ما أدري. قال: الباء: بهاء الله، والسين: سناء الله، والميم: مملكة الله» «٢» [١٤] .\nوسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا إسحاق بن ميثم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو يقول: سمعت أبا عبد الله ختن أبي بكر الوراق يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول في بِسْمِ اللَّهِ: إنها روضة من رياض الجنة لكل حرف منها تفسير على حدة:\nفالباء على ستة أوجه:\nبارئ خلقه من العرش الى الثرى، ببيان قوله:\nإِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ «٣» .\nبصير بعباده من العرش الى الثرى، بيانه: إنه على كل شيء بصير «٤» .\nباسط الرزق من العرش الى الثرى، بيانه: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ «٥» .\nوباق بعد فناء خلقه من العرش إلى الثرى: بيانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ «٦» .\nباعث الخلق بعد الموت للثواب والعقاب، بيانه: وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ «٧» .\nبارّ بالمؤمنين من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ «٨» .\nوالسين على خمسة أوجه:\nسميع لأصوات خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ «٩» .\nسيّد قد بلغ سؤدده من العرش إلى الثرى، بيانه: اللَّهُ الصَّمَدُ «١٠» .\nسريع الحساب مع خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ «١١» .\nسلم خلقه من ظلمه من العرش إلى الثرى، بيانه: السَّلامُ الْمُؤْمِنُ «١٢» .\n_________\n(١) في المصدر: أكتب.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١/ ٨١.\n(٣) سورة الطور: ٢٨.\n(٤) سورة الملك: ١٩.\n(٥) سورة الرعد: ٢٦.\n(٦) سورة الرّحمن: ٢٦.\n(٧) سورة الحج: ٧.\n(٨) سورة الطور: ٢٨.\n(٩) سورة الزخرف: ٨٨. [.....]\n(١٠) سورة الإخلاص: ٢.\n(١١) سورة البقرة: ٢٠٢.\n(١٢) سورة الحشر: ٢٤.","vol":"1","page":94},{"text":"غافر ذنوب عباده من العرش إلى الثرى، بيانه: قوله: غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ «١» .\nوالميم على اثني عشر وجها:\nملك الخلق من العرش إلى الثرى، بيانه: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ» .\nمالك خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ «٣» .\nمنّان على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ «٤» .\nمجيد على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ «٥» .\nمؤمّن آمن خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «٦» .\nمهيمن اطّلع على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ «٧» .\nمقتدر على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ «٨» .\nمقيت على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا «٩» .\nمتكرّم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ «١٠» .\nمنعم على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه قوله: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً «١١» .\nمتفضّل على خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ «١٢» .\nمصوّر خلقه من العرش إلى الثرى، بيانه: الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ «١٣» .\nوقال أهل الحقائق:.... «١٤» في بِسْمِ اللَّهِ التيمّن والتبرّك وحثّ الناس على الابتداء في أقوالهم وأفعالهم ب بِسْمِ اللَّهِ لمّا افتتح الله ﷿ كتابه به\n، والله أعلم.\nاللَّهِ، اعلم أن أصل هذه الكلمة (إله) في قول أهل الكوفة، فأدخلت الألف واللام فيها تفخيما وتعظيما لما كان اسم الله ﷿، فصار (الإله)، فحذفت الهمزة استثقالا لكثرة جريانها على الألسن، وحوّلت هويتها إلى لام التعظيم فالتقى لامان، فأدغمت الأولى في الثانية، فقالوا (الله) .\n_________\n(١) سورة غافر: ٣.\n(٢) سورة الحشر: ٢٣.\n(٣) سورة آل عمران: ٢٦.\n(٤) سورة الحجرات: ١٧.\n(٥) سورة البروج: ١٥.\n(٦) سورة قريش: ٤.\n(٧) سورة الحشر: ٢٣.\n(٨) سورة القمر: ٥٥.\n(٩) سورة النساء: ٨٥.\n(١٠) سورة الإسراء: ٧٠.\n(١١) سورة لقمان: ٢٠. [.....]\n(١٢) سورة البقرة: ٢٥١.\n(١٣) سورة الحشر: ٢٤.\n(١٤) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":95},{"text":"وقال أهل البصرة: أصلها (لاه)، فألحقت بها الألف واللام، فقالوا: (الله) . وأنشدوا:\nكحلفة من أبي رباح ... يسمعها الآهه الكبار «١»\nفأخرجه على الأصل.\nوقال بعضهم: أدخلت الألف واللام بدلا من الهمزة المحذوفة في (إله)، فلزمتا الكلمة لزوم تلك الهمزة لو أجريت على الأصل، ولهذا لم يدخل عليه في النداء ما يدخل على الأسماء المعرّفة من حروف التشبيه، فلم يقولوا: يا أيها الله.\nدفع أقاويل أهل التأويل في هذا الاسم مبنيّة على هذين القولين «٢» ... ثمة، واختلفوا فيه فقال الخليل بن أحمد وجماعة: (الله) اسم علم موضوع غير مشتق بوجه، ولو كان مشتقّا من صفة كما لو كان موصوفا بتلك الصفة أو بعضها، قال الله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «٣» .\n(الله): اسم موضوع لله تعالى لا يشركه فيه أحد، قال الله تعالى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، يعني: أن كل اسم مشترك بينه وبين غيره له على الحقيقة ولغيره على المجاز إلّا هذا الاسم فإنه مختص به لأن فيه معنى الربوبيّة. والمعاني كلها تحته، ألا ترى أنك إذا أسقطت منه الألف بقي لله، وإذا أسقطت من لله اللام الأولى بقي (له)، وإذا أسقطت من (له) اللام بقي هو.\nقالوا: وإذا أطلق هذا الاسم على غير الله فإنما يقال بالإضافة كما يقال: لاه كذا أو ينكر فيقال: لله كما قال تعالى إخبارا عن قوم موسى ﵇: اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «٤» . وأما (الله)، و(الإله) فمخصوصان لله تعالى.\nوقال قوم: أصله (لاها) بالسريانية، وذلك أن في آخر أسمائهم مدّة، كقولهم للروح:\n(روحا)، وللقدس: (قدسا)، وللمسيح: (مسيحا)، وللابن: (ابنا)، فلما طرحوا المدّة بقي (لاه)، فعرّبه العرب وأقرّوه.\nولا اشتقاق له، وأكثر العلماء على أنه مشتق واختلفوا في اشتقاقه، فقال النضر بن إسماعيل: هو من التألّه، وهو التنسّك والتعبّد، قال رؤبة:\nلله در الغانيات المدّه ... سبحن واسترجعن من تألهي «٥»\nويقال: أله إلاهة، كما يقال: عبد عبادة. وقرأ ابن عباس: (ويذرك وإلهتك) أي عبادتك فمعناه عبادتك المعبود الذي تحقّ له العبادة.\n_________\n(١) الصحاح: ٦٧/ ٢٢٤٨.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) سورة مريم: ٦٥.\n(٤) سورة الأعراف: ١٣٨.\n(٥) الصحاح: ٦/ ٢٢٤٩.","vol":"1","page":96},{"text":"وقال قوم هو من (الإله)، وهو الاعتماد، يقال: ألهت إلى فلان، آله إلها، أي فزعت إليه واعتمدت عليه، قال الشاعر:\nألهت إليها والركائب وقّف «١»\nومعناه: أن الخلق يفزعون ويتضرعون إليه في الحوادث والحوائج، فهو يألههم، أي يجيرهم، فسمي إلها، كما يقال: إمام للذي يؤتم به، ولحاف ورداء وإزار وكساء للثوب الذي يلتحف به، ويرتدى به «٢»، وهذا معنى قول ابن عباس والضحّاك.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: هو من (ألهت في الشيء) «٣» إذا تحيّرت فيه فلم تهتد إليه، قال زهير:\n... «٤» .. يأله العين وسطها\nمخفّفة وقال الأخطل:\nونحن قسمنا الأرض نصفين نصفها ... لنا ونرامي أن تكون لنا معا\nبتسعين ألفا تأله العين وسطها ... متى ترها عين الطرامة تدمعا «٥»\nومعناه: أن العقول تتحيّر في كنه صفته وعظمته والإحاطة بكيفيته، فهو إله كما قيل للمكتوب: كتاب، وللمحسوب: حساب «٦» .\nوقال المبرّد: هو من قول العرب: (ألهت إلى فلان) أي سكنت إليه، قال الشاعر:\nألهت إليها والحوادث جمّة\nفكأن الخلق يسكنون إليه ويطمئنون بذكره، قال الله تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ «٧» .\nوسمعت أبا القاسم الحسن: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرحيم القناد يقول: أصله من (الوله)، وهو ذهاب العقل لفقدان من يعزّ عليك. وأصله (أله) - بالهمزة- فأبدل من الألف واو فقيل الوله، مثل (إشاح، ووشاح) و(وكاف، وإكاف) و(أرّخت الكتاب، وورّخته) و(ووقّتت، وأقّتت) . قال الكميت:\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٤٦٩.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) يكون مشتق من: الوله، وهو التحيّر.\n(٤) بياض في المخطوط.\n(٥) غريب الحديث: ٢/ ٣٤٧.\n(٦) لسان العرب: ١٣/ ٤٦٩. [.....]\n(٧) سورة الرعد: ٢٨.","vol":"1","page":97},{"text":"ولهت نفسي الطروب إليهم ... ولها حال دون طعم الطعام «١»\nفكأنه سمّي بذلك لأن القلوب تولّه لمحبّته وتضطرب وتشتاق عند ذكره.\nوقيل: معناه: محتجب لأن العرب إذا عرفت شيئا، ثم حجب عن أبصارها سمّته إلها، قال: لاهت العروس تلوه لوها، إذ حجبت.\nقال الشاعر:\nلاهت فما عرفت يوما بخارجة ... يا ليتها خرجت حتّى رأيناها «٢»\nوالله تعالى هو الظاهر بالربوبيّة [بالدلائل والأعلام] وهو المحتجب من جهة الكيفيّة عن الأوهام.\nوقيل: معناه المتعالي، يقال: (لاه) أي ارتفع.\nوقد قيل: من [إلا هتك]، فهو كما قال الشاعر:\nتروّحنا من اللعباء قصرا «٣» ... وأعجلنا الألاهة أن تؤوبا «٤»\nوقيل: هو مأخوذ من قول العرب: ألهت بالمكان، إذا أقمت فيه، قال الشاعر:\nألهنا بدار ما تبين رسومها ... كأن بقاياها وشام على اليد «٥»\nفكأن معناه: الدائم الثابت الباقي.\nوقال قوم: [ان يقال] «٦» ذاته وهي قدرته على الإخضاع.\nوقال الحارث بن أسد المجلسي، أبو عبد الله البغدادي: الله من (ألههم) أي أحوجهم، فالعباد مولوهون إلى بارئهم أي محتاجون إليه في المنافع والمضارّ، كالواله المضطرّ المغلوب.\nوقال شهر بن حوشب: اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وقال أبو بكر الوراق: هو.\nوغلّظ بعض بقراءة اللام من قوله: (اللَّهِ) حتى طبقوا اللسان به الحنك لفخامة ذكره، وليصرف عند الابتداء بذكره وهو الرب.\nالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قال قوم: هما بمعنى واحد مثل (ندمان، ونديم) و(سلمان،\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٥٦١.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠١.\n(٣) في اللسان: عصرا.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ٣٥، ولسان العرب: ١/ ٢١٩.\n(٥) تاج العروس: ٩/ ٣٧٥.\n(٦) كذا في المخطوط.","vol":"1","page":98},{"text":"وسليم)، وهوان وهوين. ومعناهما: ذو الرحمة، والرحمة: إرادة الله الخير بأهله، وهي على هذا القول صفة ذات. وقيل: هي ترك عقوبة من يستحق العقوبة، [وفعل] الخير إلى من لم يستحق، وعلى هذا القول صفة فعل، يجمع بينهما للاتّساع، كقول العرب: جاد مجد. قال طرفة:\nفما لي أراني وابن عمي مالكا ... متى أدن منه ينأ عني ويبعد «١»\nوقال آخر:\nوألفى قولها كذبا ومينا»\nوفرّق الآخرون بينهما فقال: بعضهم الرَّحْمنِ على زنة فعلان، وهو لا يقع إلّا على مبالغة القول. وقولك: رجل غضبان للممتلئ غضبا، وسكران لمن غلب عليه الشراب. فمعنى (الرَّحْمنِ): الذي وسعت رحمته كل شيء.\nوقال بعضهم: (الرَّحْمنِ) العاطف على جميع خلقه كافرهم ومؤمنهم، برّهم وفاجرهم بأن خلقهم ورزقهم، قال الله تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «٣»، و(الرَّحِيمِ) بالمؤمنين خاصّة بالهداية والتوفيق في الدنيا، والجنة والرؤية في العقبى، قال تعالى: وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا «٤» .\nف (الرَّحْمنِ) خاصّ اللفظ عامّ المعنى، و(الرَّحِيمِ) عامّ اللفظ خاصّ المعنى. و(الرَّحْمنِ) خاص من حيث إنه لا يجوز أن يسمى به أحد إلّا الله تعالى، عامّ من حيث إنه يشمل الموجودات من طريق الخلق والرزق والنفع والدفع. و(الرَّحِيمِ) عامّ من حيث اشتراك المخلوقين في المسمّى به، خاص من طريق المعنى لأنه يرجع إلى اللطف والتوفيق. وهذا قول جعفر بن محمد الصادق (﵁) .\nالرَّحْمنِ اسم خاص بصفة عامة، والرَّحِيمِ اسم عام بصفة خاصة، وقول ابن عباس: هما اسمان رقيقان أحدهما أرقّ من الآخر.\nوأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الدّقاق، حدّثنا الحسن بن محمد بن جابر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، أخبرنا وكيع عن سفيان عن منصور عن مجاهد قال: الرَّحْمنِ بأهل الدنيا، والرَّحِيمِ بأهل الآخرة\n. وجاء في الدعاء: يا رحمن الدنيا ورحيم الآخرة.\nوقال الضحّاك: الرَّحْمنِ بأهل السماء حين أسكنهم السماوات، وطوّقهم الطاعات،\n_________\n(١) الفروق اللغوية: ١١٨.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢٢١٠.\n(٣) سورة الأعراف: ١٥٦.\n(٤) سورة الأحزاب: ٤٣.","vol":"1","page":99},{"text":"وجنّبهم الآفات، وقطع عنهم المطاعم واللذات. والرَّحِيمِ بأهل الأرض حين أرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وأعذر إليهم في النصيحة وصرف عنهم البلايا.\nوقال عكرمة: الرَّحْمنِ برحمة واحدة، والرَّحِيمِ بمائة رحمة وهذا المعنى قد اقتبسه من قول النبي ﷺ الذي\nحدّثناه أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي بمرو، حدّثنا أبو هريرة وأحمد بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود ابن معاذ، أخبرنا عمير بن مروان عن عبد الملك أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله تعالى مائة رحمة أنزل منها واحدة إلى الأرض فقسمها بين خلقه، فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وأخّر تسعة وتسعين لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة» «١» [١٥] .\nوفي رواية أخرى: «إن الله تعالى قابض هذه إلى تلك فمكملها مائة يوم القيامة، يرحم بها عباده» «٢» [١٦] .\nوقال ابن المبارك: (الرَّحْمنِ: الذي إذا سئل أعطى، والرَّحِيمِ إذا لم يسأل غضب. يدلّ عليه ما\nحدّثنا أبو القاسم المفسّر، حدّثنا أبو يوسف رافع بن عبد الله بمرو الروذ، حدّثنا خلف ابن موسى: حدّثنا محمود بن خداش، حدّثنا هارون بن معاوية، حدّثنا أبو الملج وليس الرقّي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: من لم يسأل الله يغضب عليه «٣»\n، نظمه الشاعر فقال:\nإن الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبنيّ آدم حين يسأل يغضب «٤» [١٧]\nوسمعت الحسن بن محمد يقول: سمعت إبراهيم بن محمد النسفي يقول: سمعت أبا عبد الله- وهو ختن أبي بكر الوراق- يقول: سمعت أبا بكر محمد بن عمر الورّاق يقول: (الرَّحْمنِ:\nبالنعماء وهي ما أعطي وحبا، والرَّحِيمِ بالآلاء وهي ما صرف وزوى) .\nوقال محمد بن علي المزيدي: الرَّحْمنِ بالانقاذ من النيران، وبيانه قوله تعالى: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها «٥»، والرَّحِيمِ بإدخالهم الجنان، بيانه: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ «٦» .\nوقال المحاسبي: (الرَّحْمنِ: برحمة النفوس، والرَّحِيمِ برحمة القلوب) .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٨/ ٩٦، سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤٣٥ بتفاوت.\n(٢) المستدرك: ٤/ ٢٤٨، بتفاوت.\n(٣) فتح الباري: ١١/ ٧٩. [.....]\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ١٦٤.\n(٥) سورة الحجر: ٤٦.\n(٦) سورة آل عمران: ١٠٣.","vol":"1","page":100},{"text":"وقال السريّ بن مغلس: (الرَّحْمنِ بكشف الكروب، والرَّحِيمِ بغفران الذنوب) .\nوقال عبد الله بن الجرّاح: (الرَّحْمنِ ب ... «١» .. الطريق، والرَّحِيمِ بالعصمة والتوفيق) .\nوقال مطهر بن الوراق: (الرَّحْمنِ بغفران السيّئات وإن كن عظيمات، والرَّحِيمِ بقبول الطاعات وإن كنّ [قليلات] «٢») .\nوقال يحيى بن معاذ الرازي: (الرَّحْمنِ بمصالح معاشهم، والرَّحِيمِ بمصالح معادهم) .\nوقال الحسين بن الفضل: (الرَّحْمنِ الذي يرحم العبد على كشف الضر ودفع الشر، والرَّحِيمِ الذي يرقّ وربما لا يقدر على الكشف) .\nوقال أبو بكر الوراق أيضا: (الرَّحْمنِ بمن جحده والرَّحِيمِ بمن وحّده، والرَّحْمنِ بمن كفر والرَّحِيمِ بمن شكر، والرَّحْمنِ بمن قال ندّا والرَّحِيمِ بمن قال فردا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>في أن التسمية من الفاتحة أو لا</span>؟\nواختلف الناس في أنّ التسمية هل هي من الفاتحة؟ فقال قرّاء المدينة والبصرة وقرّاء الكوفة: إنها افتتاح التيمّن والتبرّك بذكره، وليست من الفاتحة ولا من غيرها من السور، ولا تجب قراءتها وأن الآية السادسة قوله تعالى: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ. وهو قول مالك بن أنس والأوزاعي وأبي حنيفة﵏- ورووا ذلك عن أبي هريرة.\nأخبرنا أبو القاسم الحسين بن محمد بن الحسن النيسابوري، حدّثنا أبو الحسن محمد بن الحسن الكابلي، أخبرنا علي بن عبد العزيز الحلّي، حدّثنا أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي، حدّثنا الحجاج عن أبي سعيد الهذلي عن ... «٣» .. عن أبي هريرة قال (أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) الآية السادسة\n، فزعمت فرقة أنها آية من أمّ القرآن، وفي سائر السور فصل، فليست هاهنا أنها يجب قراءتها.\n[وقال قوم: إنها آية من فاتحة الكتاب] «٤» رووا ذلك عن سعيد بن المسيب، وبه قال قرّاء مكة والكوفة وأكثر قرّاء الحجاز، ولم يعدّوا أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية.\nوقال الشافعي والشعبي وهو رأي عبد الله أنها نزلت في الآية الأولى من فاتحة الكتاب،\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط، وما ذكرناه هو الظاهر.\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) كلام غير مقروء والظاهر ما أثبتناه.","vol":"1","page":101},{"text":"وهي من كل سورة آية إلّا التوبة. والدليل عليه الكتاب والسنة أمّا الكتاب\nسمعت أبا عثمان بن أبي بكر الزعفراني يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن موسى يقول:\nسمعت الحسن بن المفضّل يقول: رأيت الناس..... «١» .. في النمل أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فيها من القرآن فوجدتها بخطها ولو أنها مكرّرات في القرآن، فعرفنا أماكنها منه بل حتى فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «٢»، فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ «٣» لما كانا في القرآن كانت مكرّراتهما من القرآن.\nوبلغنا أن رسول الله ﷺ كتب في بدء الأمر على رسم قريش: «باسمك اللهم» حتى نزلت: وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها «٤» فكتب: بِسْمِ اللَّهِ حتى نزلت:\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ «٥»، فكتب: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ»، حتى نزلت: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٦»، فكتب مثلها فلمّا كانت..... هذه.... وحيث أن يكون.. «٧» .. منه ثم افتخر النبي ﷺ بهذه الآية، وحقّ له ذلك.\nحدّثنا عبد الله بن حامد بن محمد الوراق: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه حدّثنا محمد ابن يحيى بن سهل، حدّثنا آدم بن أبي إياس، حدّثنا سلمة بن الأحمر عن يزيد بن أبي خالد عن عبد الكريم بن أمية عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبرك بآية لم تنزل على أحد بعد سليمان بن داود غيري؟» . فقلت: بلى. قال: «بأي شيء تفتتح إذا افتتحت القرآن؟» . قلت: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقال: «هي هي» «٨» [١٨] .\nوفي هذا الحديث دلّ دليل على كون التسمية آية تامّة من الفاتحة وفواتح السور لأن النبي ﷺ حين لفظ الآية كلها، والتي في سورة النمل ليست بآية وإنما هي بعض الآية، وبالله التوفيق.\nوأمّا الأخبار الواردة فيه،\nفأخبرنا أبو القاسم السدوسي، حدّثنا أبو زكريا يحيى بن محمد ابن عبد الله العنبري، حدّثنا إبراهيم بن إسحاق الأنماطي حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي، حدّثنا أبو سفيان المعمري عن إبراهيم بن يزيد قال: قلت لعمرو بن دينار: إن الفضل الرقاشي زعم أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ليس من القرآن؟ قال: سبحان الله! ما أجرأ هذا الرجل! سمعت سعيد بن جبير يقول: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله ﷺ إذا نزلت آية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ علم أن السورة قد ختمت وفتح غيرها.\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) سورة الرّحمن: ١٣.\n(٣) سورة المرسلات: ١٥.\n(٤) سورة هود: ٤١.\n(٥) سورة الإسراء: ١١٠.\n(٦) سورة النمل: ٣١.\n(٧) بياض في المخطوط. [.....]\n(٨) مجمع الزوائد: ٢/ ١٠٩ بتفاوت.","vol":"1","page":102},{"text":"وحدّثنا الحسن بن محمد: حدّثنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي: حدّثنا أبو محمد إسماعيل ابن عيسى الواسطي: حدّثنا عبد الله بن نافع عن جهم بن عثمان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «كيف تقول إذا قمت إلى الصلاة؟» [١٩] قال: أقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. قال: «قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» «١» .\nوحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو الحسين. «٢» ..، حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو عبيد، حدّثنا عمر بن هارون البلخي عن أبي صالح عن أبي مليكة عن مسلمة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يعني يقطّعها آية آية حتّى عدّ سبع آيات عدّ الأعراب.\nأخبرنا أبو الحسن محمّد بن أحمد، حدّثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، حدّثنا محمد ابن جعفر، حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس، حدّثنا الحسين بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) أنه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وكان يقول: «من ترك قراءتها فقد نقص» . وكان يقول: «هي تمام السبع المثاني والقرآن العظيم» .\nوأخبرنا الحسين بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي، حدّثنا جعفر بن حيّان عن عبد الملك بن جريح عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي «٣» قال: فاتحة الكتاب.\nوقيل لابن عباس: أين السابعة؟ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وعدّها في يديه ثم قال: أخرجها لكم، وما أجد فيها أمركم.\nأخبرنا [محمّد بن الحسين] حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم، حدّثنا يزيد بن سنان، حدّثنا أبو بكر الحنفي، حدّثنا نوح بن أبي بلال قال: سمعت المقبري عن أبي هريرة أنه قال:\nإذا قرأتم أمّ القرآن فلا تبرحوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فإنها إحدى آياتها وإنها السبع المثاني.\nوأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري، حدّثنا جعفر بن أحمد بن نصر الحافظ، حدّثنا أحمد بن نصر، حدّثنا آدم بن إياس عن أبي سمعان عن العلا، عن أبيه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «يقول الله: قسمت الصلاة\n_________\n(١) تاريخ جرجان: ٤٩١.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) سورة الحجر: ٨٧.","vol":"1","page":103},{"text":"بيني وبين عبادي نصفين فإذا قال العبد: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال الله: مجّدني عبدي، وإذا قال العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قال الله: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال الله: فوّض إليّ أمره عبدي، وإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: هذا بيني وبين عبدي، وإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» «١» [٢٠] .\nوأخبرنا علي بن محمد بن الحسن المقري، أخبرنا أبو نصر أحمد بن محمد القصّار، حدّثنا محمد بن بكر البصري، حدّثنا محمد بن علي الجوهري، حدّثنا. «٢» .. حدثني أبو إسماعيل بن يحيى. «٣» ..، حدّثنا سفيان الثوري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: كنت مع النبي ﷺ، والنبي ﷺ يحدّث أصحابه إذ دخل رجل يصلّي، وافتتح الصلاة، وتعوّذ، ثم قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. فسمع النبي ﷺ فقال: «يا رجل، قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من الحمد؟ فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية منه فقد قطعت عليه صلاته» «٤» . لا تكون الصلاة إلّا بفاتحة الكتاب، ومن ترك آية فقد بطلت صلاته [٢١] .\nوأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد الجرجاني، حدّثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، حدّثنا أبو بكر محمد بن عمر بن هشام، أخبرنا محمد بن يحيى، حدّثنا حكيم بن الحسين، حدّثنا سليمان بن مسلم المكّي عن نافع عن أبي مليكة عن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من ترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فقد ترك آية من كتاب الله» «٥» [٢٢] .\nوقد عدّها علي ﵇ فيما عدّ من أمّ الكتاب.\nوأما الإجماع،\nفأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الورّاق، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الضبعي، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا علي بن المديني، حدّثنا عبد الوهّاب بن فليح، عن عبد الله بن ميمون عن عبيد بن رفاعة أن معاوية بن أبي سفيان قدم المدينة فصلّى بالناس صلاة يجهر فيها، ولمّا قرأ أم القرآن ولم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وقضى صلاته، ناداه المهاجرون والأنصار من كل ناحية: أنسيت! أين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حين استفتحت القرآن؟ فأعادها لهم معاوية فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\n_________\n(١) السنن الكبرى: ١/ ٣١٦، أحكام القرآن: ١/ ٨، تفسير ابن كثير: ١/ ١٢، بتفاوت.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) الدر المنثور: ١/ ٧، عن الثعلبي.\n(٥) الدر المنثور: ١/ ٧.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>الكلام في جزئية البسملة من باقي السور</span>\nهذا في الفاتحة، فأما في غيرها من السور،\nفأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا الربيع بن سليمان، أخبرنا الشافعي، أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، أن أبا بكر بن حفص بن عاصم قال: صلى معاوية بالمدينة صلاة يجهر فيها بالقراءة، وقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لأم القرآن ولم يقرأ للسورة التي بعدها حتى قضى صلاته، فلمّا سلّم ناداه المهاجرون من كل مكان: يا معاوية، أسرقت الصلاة أم نسيت؟ فصلى بهم صلاة أخرى وقرأ فيها للسورة التي بعدها.\nوما. «١» ..\nالنظر بآيات [السور] «٢» مقاطع القرآن على ضربين متقاربة ومتشاكلة.\nوالمتشاكلة نحو ما في سورة القمر والرّحمن وأمثالهما، والمتقاربة قيل: في سورة ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ «٣»، وما ضاهاها. ثم نظرنا في قوله: قَبْلِهِمْ، فلم يكن من المتشاكلة ولا من المتقاربة، ووجدنا أواخر آي القرآن على حرفين: ميم ونون أو حرف صحيح قبلها نا مكسورة فأوّلها، أو واو مضموم ما قبلها، أو ألف مفتوح ما قبلها، ووجدنا سبيلهم هو هو مخالف لنظم الكتاب.\nهذا ولم نر غير مبتدأ آية في كتاب الله..»\n.. إذ يقول أيضا: إن التسمية لا [تخلو] «٥» إما أن تكون مكتوبة للفصل بين السور، أو في آخر السور، أو في أوائلها أو حين نزلت كتبت، وحيث لم تنزل لم تكتب، فلو كتبت للفصل لكتبت. «٦» .. وتراخ، ولو كتبت في الابتداء لكتبت في (براءة)، ولو كتبت في الانتهاء لكتبت في آخر قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ «٧» . فلمّا أبطلت هذه الوجوه علمنا أنها كتبت حيث نزلت، وحيث لم تنزل لم تكتب.\nيقول أيضا: إنا وجدناهم كتبوا ما كان غير قرآن من الآي والأخرى، أو خضرة، وكتبوا التسمية بالسواد فعلمنا أنها قرآن، وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>حكم الجهر بالبسملة في الصلاة</span>\nثم الجهر بها في الصلاة سنّة لقول الله تعالى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٨» [فأمر] «٩» رسوله أن يقرأ القرآن بالتسمية، وقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى «١٠» فأوجب الفلاح لمن صلّى بالتسمية.\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.\n(٣) سورة ق: ١- ٢.\n(٤) بياض في المخطوط.\n(٥) بياض في المخطوط والظاهر ما أثبتناه. [.....]\n(٦) بياض في المخطوط.\n(٧) سورة الناس: ١.\n(٨) سورة العلق: ٢.\n(٩) بياض في مصورة المخطوط، والظاهر ما أثبتناه.\n(١٠) سورة الأعلى: ١٤ و١٥.","vol":"1","page":105},{"text":"وأخبرنا أبو القاسم [الحسن بن محمّد بن جعفر] حدّثنا أبو صخر محمد بن مالك السعدي بمرو، حدّثنا عبد الصمد بن الفضل الآملي، حدّثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة الحضرمي بغوطة [دمشق] «١» قال: صليت خلف المهديّ أمير المؤمنين فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقلت: ما هذه القراءة يا أمير المؤمنين؟ [فقال:] حدثني أبي عن أبيه عن عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ جهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، قلت: أآثرها عنك؟ قال: نعم «٢» .\nوحدّثنا الحسن بن محمد بن زكريا العنبري، حدّثنا محمد بن عبد السلام، حدّثنا إسحاق ابن إبراهيم، أخبرنا خيثمة بن سليمان قال: سمعت ليثا قال: كان عطاء وطاوس ومجاهد يجهرون ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nوحدّثنا الحسن بن محمد: حدّثنا أبو بكر أحمد بن عبد الرّحمن المروزي، حدّثنا الحسن ابن علي بن نصير الطوسي، حدّثنا أبو ميثم سهل بن محمد، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الخزاعي، عن عمّار بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، أن العبادلة كانوا يستفتحون القراءة ب بسم اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يجهرون بها: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن صفوان.\nوحدّثنا الحسن بن محمد، حدّثنا أبو نصر منصور بن عبد الله الاصفهاني، حدّثنا أبو القاسم الاسكندراني، حدّثنا أبو جعفر الملطي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد أنه قال: «اجتمع آل محمد على الجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وعلى أن يقضوا ما فاتهم من صلاة الليل بالنهار، وعلى أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن القول وفي صاحبهما» .\nوبهذا الإسناد قال: سئل الصادق عن الجهر بالتسمية، فقال: «الحق الجهر به، وهي التي التي ذكر الله ﷿: وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا «٣»» .\nوحدّثنا الحسن، حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى بن كعب العدل، حدّثنا الحسين ابن أحمد بن الليث، حدّثنا محمد بن المعلّى المرادي، حدّثنا أبو نعيم عن خالد بن\n_________\n(١) بياض في مصورة المخطوط، والظاهر ما أثبتناه.\n(٢) البداية والنهاية: ١٠/ ١٦٢.\n(٣) سورة الإسراء: ٤٦.","vol":"1","page":106},{"text":"إياس عن سعيد ابن أبي سعيد المقرئ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريل فعلمني الصلاة» «١» [٢٣]، ثم قام رسول الله ﷺ وكبّر فجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nوحدّثنا الحسن بن محمد، حدّثنا أبو الطيب محمد بن أحمد بن حمدون، حدّثنا الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا ابن أبي مريم عن يحيى بن أيوب ونافع بن أيوب قالا: حدّثنا عقيل عن الزهري قال: من سنّة الصلاة أن تقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في فاتحة الكتاب [فإن] لم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لم يقرأ السورة. وقال: إن أوّل من ترك بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ عمرو ابن سعيد بن العاص بالمدينة\n، واحتجّ من أنّ إتيان التسمية أنها من الفاتحة، والجهر بها في الصلاة بما\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن بن الخليل النيسابوري القطّان، حدّثنا محمد بن إبراهيم الجرجاني، حدّثنا إبراهيم بن عمّار عن سعيد بن أبي عروبة عن الحجاج بن الحجاج عن قتادة عن أنس بن مالك قال: صليت مع رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن إسماعيل العماريّ، حدّثنا يزيد بن أحمد بن يزيد، حدّثنا أبو عمرو، حدّثنا محمد بن عثمان، حدّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة عن أنس، أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا لا يجهرون، ويخفون بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nفعلم بهذا الحديث أنه لم ينف كون هذه الآية من جملة السورة، لكنه تعرّض لترك الجهر فقط، على أنه أراد بقوله: (لا يجهرون): أنهم لا يتكلفون في رفع الصوت ولم يرد الإسراء والتخافت أو تركها أصلا.\nويدل عليه ما\nأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي، أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، حدّثنا محمد بن عبد السلام الوراق وعبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن قالا:\nحدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا يحيى بن آدم، أخبرنا شريك، عن ياسر، عن سالم الأفطس، عن ابن أبي ليلى، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يجهر ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ جهر بها صوته، فكان المشركون يهزئون بمكّة ويقولون: يذكر إله اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، ويسمونه الرّحمن، فأنزل الله: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيسمع المشركون فيهزؤون، وَلا تُخافِتْ عن أمتك ولا تسمعهم وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا «٢» .\nواحتجّوا أيضا\nبما أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا بشر\n_________\n(١) كنز العمّال: ٧/ ٤٤١.\n(٢) سورة الإسراء: ١١٠.","vol":"1","page":107},{"text":"ابن مطر [عن سفيان عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة] عن أبيه عن قتادة عن أنس أنّ النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون القراءة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وإنما عنى بها أنهم كانوا يستفتحون الصلاة بسورة (الحمد)، فعبّر بهذه الآية عن جميع السورة كما يقول:\nقرأت الْحَمْدُ لِلَّهِ و(البقرة)، أي سورة الْحَمْدُ لِلَّهِ وسورة (البقرة) . «١»\n.. أي رويناها نحكم على هذين الحديثين وأمثالهما وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>[سورة الفاتحة (١): الآيات ٢ الى ٣]</span>\nالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>قوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ</span>\n. «٢» .. على نفسه، نعيما منه على خلقه. ولفظه خبر ومعناه أمر، تقريره: قولوا: الحمد لله. قال ابن عباس: يعني: الشكر منه، وهو من الحمد.. «٣» .. والحمد لله نقيض الذم. وقال ابن الأنباري: هو مقلوب عن المدح كقوله: جبل وجلب، و: بض وضبّ.\nواختلف العلماء في الفرق بين الحمد والشكر، فقال بعضهم: الحمد: الثناء على الرجل بما فيه من الخصال الحميدة، تقول: حمدت الرجل، إذا أثنيت عليه بكرم أو [حلم] أو شجاعة أو سخاوة، ونحو ذلك. والشكر له: الثناء عليه أو لآله.\nفالحمد: الثناء عليه بما هو به، والشكر: الثناء عليه بما هو منه.\nوقد يوضع الحمد موضع الشكر، فيقال: حمدته على معروفه عندي، كما يقال: شكرته، ولا يوضع الشكر موضع الحمد، [ف] لا يقال: شكرته على علمه وحلمه.\nوالحمد أعمّ من الشكر لذلك ذكره الله فأمر به، فمعنى الآية: الحمد لله على صفاته العليا وأسمائه الحسنى، وعلى جميع صنعه وإحسانه إلى خلقه.\nوقيل: الحمد باللسان قولا، قال الله: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا «٤»، وقال:\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى «٥» والشكر بالأركان فعلا، قال الله تعالى:\nاعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا «٦» .\nوقيل: الحمد لله على ما حبا وهو النعماء، والشكر على ما زوى وهو اللأواء.\nوقيل: الحمد لله على النعماء الظاهرة، والشكر على النعماء الباطنة، قال الله تعالى:\nوَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً «٧» .\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) سورة الإسراء: ١١١. [.....]\n(٥) سورة النمل: ٥٩.\n(٦) سورة سبأ: ١٣.\n(٧) سورة لقمان: ٢٠.","vol":"1","page":108},{"text":"وقيل: الحمد ابتداء والشكر «١» ....\nحدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري لفظا، حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يزيد النسفي، حدّثنا محمد بن علي الترمذي، حدّثنا عبد الله بن العباس الهاشمي، حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو [بن العاص] قال: قال رسول الله ﷺ: «الحمد رأس الشكر ما شكر الله عبد لا يحمده» «٢» [٢٤] .\nوحدّثنا الحسن بن محمد، أخبرنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، حدّثنا عبد الله بن محمود السعدي، حدّثنا علي بن حجر، حدّثنا شعيب بن صفوان عن مفضّل بن فضالة عن علي بن يزيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أنه سئل عن الْحَمْدُ لِلَّهِ قال: كلمة شكر أهل الجنة\n.<span data-type=\"title\" id=toc-73> في إعراب الْحَمْدُ لِلَّهِ</span>\nوقد اختلف القرّاء في قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فقرأت العامّة بضمّ الدال على الابتداء، وخبره فيما بعده. وقيل: على التقديم والتأخير، أي لله الحمد.\nوقيل: على الحكاية. وقرأ هارون بن موسى الأعور ورؤبة بن العجاج بنصب الدال على الإضمار، أي أحمد الحمد لأن الحمد مصدر لا يثنّى ولا يجمع. وقرأ الحسن البصري بكسر الدال، أتبع الكسرة الكسرة. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة الشامي بضم الدال واللام، أتبع الضمة الضمّة.\nرَبِّ الْعالَمِينَ قرأ زيد بن علي: رَبَّ الْعالَمِينَ بالنصب على المدح، وقال أبو سعيد ابن أوس الأنصاري: على معنى أحمد ربّ العالمين. وقرأ الباقون رَبِّ الْعالَمِينَ بكسر الباء، أي خالق الخلق أجمعين ومبدئهم ومالكهم والقائم بأمورهم، والرب بمعنى السيّد، قال الله تعالى: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ «٣» أي سيّدك، قال الأعشى «٤»:\nواهلكن يوما ربّ كندة وابنه ... وربّ معبين خبت وعرعر «٥»\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) المصنّف لعبد الرزّاق: ١٠/ ٤٢٤، ح ١٩٥٧٤.\n(٣) سورة يوسف: ٤٢.\n(٤) في المصدر نسبه إلى لبيد بن ربيعة.\n(٥) جامع البيان للطبري: ١/ ٩٣.","vol":"1","page":109},{"text":"وربّ عمر والرومي من رأس حضية ... وأنزلن بالأسباب رب المشقرة\nيعني: رئيسها وسيّدها.\nويكون بمعنى المالك،\nقال النبي ﷺ: «أربّ إبل أنت أم رب غنم؟» «١» [٢٥] . فقال: من كل قد آتاني الله فأكثر وأطنب\nوقال طرفة:\nكقنطرة الرومي أقسم ربها ... لتكتنفنّ حتى تشاد بقرمد «٢»\nوقال النابغة:\nوإن يك ربّ أذواد فحسبي ... أصابوا من لقائك ما أصابوا «٣»\nويكون بمعنى الصاحب، قال أبو ذؤيب:\nفدنا له رب الكلاب بكفّه ... بيض رهاب ريشهن مقزع «٤»\nويكون بمعنى المرعى، يقول: ربّ يربّ ربابة وربوبا، فهو ربّ، مثل برّ وطب، قال الشاعر:\nيربّ الذي يأتي من العرف إنه ... إذا سئل المعروف زاد وتمّما «٥»\nويكون بمعنى المصلح للشيء، قال الشاعر:\nكانوا كسالئة حمقاء إذ حقنت ... سلاءها في أديم غير مربوب «٦»\nأي غير مصلح.\nوقال الحسين بن الفضل: الرب: اللبث من غير إثبات أحد، يقال: ربّ بالمكان وأربّ، ولبث وألبث إذا أقام وفي الحديث أنه كان يتعوّذ بالله من فقر ضرب أو قلب قال الشاعر:\nربّ بأرض تخطّاها الغنم ... لب بأرض ما تخطاها الغنم «٧»\nوهو الاختيار لأن المتكلمين أجمعوا على أنّ الله لم يزل ربّا\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو بكر محمد بن موسى الواسطي عن الرب، فقال: هو الخالق ابتداء، والمربي غذاء، والغافر انتهاء.\nولا يقال للمخلوق: هو الرب، معرّفا بالألف\n_________\n(١) مسند الحميدي: ٢/ ٣٩٠، غريب الحديث: ١/ ١٦٦.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ١١٨، والقرمد: الحجارة.\n(٣) التبيان: ٦/ ١٤٤.\n(٤) لسان العرب: ١/ ٤٣٨.\n(٥) تاج العروس: ١/ ٢٦١.\n(٦) الصحاح: ١/ ٥٥. [.....]\n(٧) لسان العرب: ١/ ٧٣١.","vol":"1","page":110},{"text":"واللام، وإنما يقال على الإضافة: هو رب كذا لأنه لا يملك الكل غير الله، والألف واللام تدلّان على العموم. وأمّا العالمون فهم جمع عالم، ولا واحد له من لفظه «١»، كالأنام والرهط والجيش ونحوها.\nواختلفوا في معناه،\nحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن، أخبرنا أبو إسحاق بن أسعد بن الحسن بن سفيان عن جدّه عن أبي نصر ليث بن مقاتل عن أبي معاذ الفضل بن خالد عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن الربيع بن أنس عن شهر بن حوشب عن أبي بن كعب قال:\nالعالمون هم الملائكة، وهم ثمانية عشر ألف ملكا منهم أربعة آلاف وخمسمائة ملك بالمشرق، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك بالمغرب، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك بالكهف الثالث من الدنيا، وأربعة آلاف وخمسمائة ملك في الكهف الرابع من الدنيا، مع كل ملك من الأعوان ما لا يعلم عددهم إلّا الله ﷿ ومن ورائهم أرض بيضاء كالرخام..» .. مسير الشمس أربعين يوما، طولها لا يعلمه إلّا الله ﷿ مملوءة ملائكة يقال لهم الروحانيون، لهم زجل بالتسبيح والتهليل، لو كشف عن صوت أحدهم لهلك أهل الأرض من هول صوته فهم العالمون، منتهاهم إلى حملة العرش.\nوقال أبو معاذ [النحوي]: هم بنو آدم.\nوقال أبو هيثم خالد بن يزيد: هم الجن والإنس لقوله تعالى: لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا «٣»، وهي رواية عطية العوفي وسعيد بن جبير عن ابن عباس.\nوقال الحسين بن الفضل: العالمون: الناس، واحتجّ بقوله تعالى: أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ «٤» .\nوقال العجاج: بخلاف هذا العالم.\nوقال الفراء وأبو عبيدة: هو عبارة عمن يعقل، وهم أربع أمم: الملائكة، والجن، والإنس، والشياطين، لا يقال للبهائم: عالم. وهو مشتق من العلم، قال الشاعر:\nما إن سمعت بمثلهم في العالمينا\nوقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: هم أهل التنزيه من الخلق. وقال عبد الرّحمن بن زيد ابن أسلم: هم المرتزقون. وقال الخضر بن إسماعيل: هو اسم الجمع الكثير، قال ابن الزبعري:\n_________\n(١) أي من لفظ العالم.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) سورة الفرقان: ١.\n(٤) سورة الشعراء: ١٦٥.","vol":"1","page":111},{"text":"إني وجدتك يا محمد عصمة ... للعالمين من العذاب الكارث «١»\nوقال أبو عمرو بن العلاء: هم الروحانيون. وهو معنى قول ابن عباس: كل ذي روح دبّ على وجه الأرض. وقال سفيان بن عيينة: هو جمع للأشياء المختلفة.\nوقال جعفر بن محمد الصادق: «العالمون: أهل الجنة وأهل النار» .\nوقال الحسن وقتادة ومجاهد: هو عبارة عن جميع المخلوقات، واحتجوا بقوله: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا «٢» .\nواشتقاقه على هذا القول من (العلم) و(العلامة) لظهورهم ولظهور أثر الصنعة فيهم ثم اختلفوا في مبلغ العالمين وكيفيتهم، فقال سعيد بن المسيب: لله ألف عالم منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر. وقال الضحاك: فمنهم ثلاثمائة وستون عالما حفاة عراة لا يعرفون من خالقهم، وستون عالما يلبسون الثياب. وقال وهب: لله تعالى ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا عالم منها، وما العمارة في الخراب إلا كفسطاط في الصحراء. وقال أبو سعيد الخدري: إن لله أربعين ألف عالم، الدنيا من شرقها إلى غربها عالم واحد. وقال أبو القاسم مقاتل بن حيان:\nالعالمون ثمانون ألف عالم أربعون ألفا في البرّ وأربعون ألفا في البحر. وقال مقاتل بن سليمان: لو فسّرت الْعالَمِينَ، لاحتجت إلى ألف جلد كل جلد ألف ورقة. وقال كعب الأحبار: لا يحصي عدد العالمين إلّا الله، قال الله: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>[سورة الفاتحة (١): آية ٤]</span>\nمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)\nمالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «٤» .\nاختلف القراء فيه من عشرة أوجه:\nالوجه الأول: مالِكِ- بالألف وكسر الكاف- على النعت، وهو قراءة النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرّحمن بن عوف وابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأبي ذر وأبي هريرة وأنس ومعاوية، ومن التابعين وأتباعهم عمر بن عبد العزيز ومحمد بن شهاب الزهري ومسلمة بن زيد والأسود بن يزيد وأبو عبد الرّحمن السلمي وسعيد بن جبير وأبو رزين وإبراهيم وطلحة بن عوف وعاصم بن أبي النجود و. «٥» .. بن عمر\n_________\n(١) لم نجده في المصادر نعم هو في مناقب ابن شهر آشوب (١/ ١٤٤) وفيه: العذاب الواصب.\n(٢) سورة الشعراء: ٢٣- ٢٤.\n(٣) سورة المدّثّر: ٣١.\n(٤) سورة الفاتحة: ٤.\n(٥) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":112},{"text":"الهمذاني وشيبان ابن عبد الرّحمن وعلي بن صالح بن حي وابن أبي ليلى وعبد الله بن إدريس وعلي بن حمزة الكسائي وخلف بن هشام والحسين بن أبي الحسن البصري من أهل البصرة وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن سيرين وبكر بن عبد الله المزني وقتادة بن دعامة السدوسي ويحيى بن يعمر.. «١» .. وعيسى بن عمر النفعي وسلام بن سليمان أبو المنذر ويعقوب بن أعين الحضرمي وأيوب بن المتوكل وأبو عبيدة و.. «٢» .. وسعيد بن مسعدة الأخفش وخالد بن معدان والضحاك بن مزاحم.\nأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب وأخبرنا أبو العباس الأصمّ، أخبرنا ابن عبد الحكم: حدّثنا.. «٣» .. بن سويد الحميري عن يونس عن يزيد عن ابن شهاب عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يقرءون: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ.\nوأخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم، أخبرنا محمد بن محمد بن خلف العطار، حدّثنا المنذر بن المنذر الفارسي، حدّثنا هارون بن حاتم، حدّثنا إسحاق بن منصور الأسدي عن أبي إسحاق.. «٤» .. عن مالك بن دينار عن أنس قال: سمعت النبي صلّى الله عليه وآله وأبا بكر وعمر وعثمان وعليّا يقرءون: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وأوّل من قرأها: (ملك يوم الدين) مروان بن الحكم.\nوالوجه الثاني: ملك، بغير ألف وكسر الكاف على التفسير أيضا، وهو قراءة زيد بن ثابت وأبي الدرداء وشعيب بن يزيد والمسور بن المخرمة ومن التابعين وأتباعهم عروة بن الزبير وأبو بكر بن عمر بن حزم ومروان بن الحكم و.. «٥» .. وعبد الرّحمن بن هرمز الأعرج وأبان بن عثمان وأبو جعفر يزيد بن المفضل ونسيبة بن نصّاح ونافع بن نعيم ومجاهد وابن كثير وابن محسن وحميد بن معين ويحيى بن وثاب وحمزة بن حبيب ومحمد بن سيرين وعبد الله بن عمر وأبو عمرو بن العلاء وعمرو بن.. «٦» .. وعبد الله بن عامر النصيبي.\nوروي ذلك أيضا عن رسول الله ﷺ وعن عثمان وعلي ﵇.\nأخبرنا ابن حمدويه، أخبرنا أبن أيوب [المنقري]: أخبرنا ابن حامد «٧» وابن.. «٨» ..\nقالا: أخبرنا حامد بن محمّد، حدّثنا وأخبرنا ابن عمر، حدّثنا الرفاء، قالوا: حدّثنا علي بن عبد العزيز، حدّثنا أبو عبيد، حدّثنا يحيى بن سعيد القطّان، حدّثنا عبد الملك بن جريج عن عبد الله\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) بياض في المخطوط. [.....]\n(٥) بياض في المخطوط.\n(٦) بياض في المخطوط.\n(٧) وهو الوزان.\n(٨) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":113},{"text":"ابن أبي مليكة عن أمّ سلمة قالت: كان رسول الله ﷺ يقطّع قراءة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ.\nوالوجه الثالث: ملك- بجزم اللام- على النعت، وهو رواية الحسن بن عليّ الجعفي وعبد الوارث بن سعيد، وروي عن ابن عمر.\nوالوجه الرابع: أنّ مالكَ- بالألف ونصب الكاف- على النداء، وهي قراءة الأعمش ومحمد بن [السميقع] وعبد الملك قاضي الجند،\nوروي ذلك عن الرسول ﷺ قال في بعض غزواته: «يا مالك يوم الدين» «١» [٢٦] .\nوالوجه الخامس: ملك- بنصب الكاف من غير ألف- على النداء أيضا، وهي قراءة عطية.. «٢» ..\nوالوجه السادس: مالكُ- بالألف ورفع الكاف- على معنى: هو مالك، وهي قراءة عزير العقيلي.\nوالوجه السابع: ملك- برفع الكاف من غير ألف- وهي قراءة أبي حمزة وابن سيرين.\nوالوجه الثامن: مالك، بالإمالة والإضجاع البليغ. روي ذلك عن يحيى بن يعمر. وعن أيوب السختياني بين الإمالة والتفخيم.. «٣» .. عن.. «٤» .. عن الكلبي.\nوالوجه التاسع: (ملك يوم الدين) على الفعل، وهي قراءة الحسن ويحيى بن يعمر وأبي حمزة وأبي حنيفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>الفرق بين ملك ومالِكِ</span>\n[أما] الفرق بين مالِكِ وملك فقال قوم: هما لغتان بمعنى واحد، مثل (فرهين) و(فارِهِينَ) و(حذرين) و(حاذرين) و(فَكِهِينَ) و(فاكِهِينَ) .. «٥» .. بينهما، فقال أبو عبيدة والأصمعي وأبو سالم والأخفش وأبو الهيثم: مالِكِ أجمع وأوسع وأمدح، ألا ترى أنه يقال: الله مالك الطير والدواب والوحش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، وإنما يقال: مَلِكِ النَّاسِ؟ قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلّا هو يملكه ويكون ملك الشيء وهو لا يملكه، كقولهم: ملك العرب والعجم والروم.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٥/ ٣٢٨.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) بياض في المخطوط.\n(٥) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":114},{"text":"وقالوا أيضا: إن (المالك) يجمع الفعل والاسم.\nوقال بعضهم: في (مالِكِ) .. «١» .. ومالِكِ\nقوله ﷺ: «من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات» «٢» [٢٧] .\nوقال أبو عبيد: الذي نختار ملك.. «٣» .. مرويا عن النبي ﷺ أثبت. ومن قرأ بها من أهل العلم أكثر. وهي مع هذا في المعنى أصحّ لقوله تعالى: فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ «٤»، و: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ «٥»، و: مَلِكِ النَّاسِ «٦»، و: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «٧»، ولم يقل: لمن الملك اليوم؟\nوالملك مصدر الملك وغيره، وملك يصلح للمالك والمليك، يقال: ملك الشيء يملكه ملكا، فهو مالك ومليك، و: ملكه يملكه ملكا فهو ملك لا غير. وهما بعد الناس، ومعناهما الربّ لأن العرب تقول: رب الدار والعبد والضيعة بمعنى أنه مالكها، ولا يفرّقون بين قولهم:\nربّها ومالكها ومن.. «٨» .. قال: إن المالك والملك هو القادر على استخراج الأعيان من العدم إلى الوجود، ولا يقدر في الحقيقة على إخراجها إلّا الله المالك،\nقال النبي ﷺ: «لا ملك إلّا الله» «٩» [٢٨] .\nفأما غيره، فيسمى مالكا وملكا على المجاز.\nوالمراد بذلك: أنه مأذون له في التصرّف فيه.\nوقال عبد العزيز بن يحيى: المالك يمكن بما يملكه، منفرد به عن أبناء جنسه، تعود منافعه إليه، والمالك الثاني الذي بيده الشيء، ويستولي عليه، ويصرفه فيما يريده. تقول العرب: ملّكك زمام البعير، وملكت العجين إذا شددته، وأملكت المرأة إملاكا، قال الشاعر:\nوجبرئيل أمين الله أملكها\nمعنى قوله: الدِّينِ وأما معنى قوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فقال ابن عباس والسدي ومقاتل: قاضي يوم الحساب. ودليله قوله ﷿: ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ «١٠»، أي الحساب المستقيم.\nالضحاك وقتادة: الدِّينِ: الجزاء، يعني: يوم يدين الله العباد بأعمالهم. دليله قوله: أَإِنَّا لَمَدِينُونَ «١١»، أي مجرّبون. قال لبيد:\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) البرهان: ١/ ٤٤٥.\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) سورة طه: ١١٤.\n(٥) سورة الحشر: ٢٣. [.....]\n(٦) سورة الناس: ٢.\n(٧) سورة غافر: ١٦.\n(٨) بياض في المخطوط.\n(٩) مجمع الزوائد: ١٠/ ٤٤.\n(١٠) سورة التوبة: ٣٦.\n(١١) سورة الصافّات: ٥٣.","vol":"1","page":115},{"text":"حصادك يوما ما زرعت وإنما ... يدان الفتى يوما كما هو دائن»\nوقال عثمان بن زيات: يوم القهر والغلبة، تقول العرب: مدان فدان، أي قهرته فخضع وذلّ. وقال الأعشى:\nهو دان الرباب إذ كرهوا الدين ... دراكا بغزوة وارتحال\nثم دانت بعد الرباب وكانت ... كعذاب عقوبة الأقوال «٢»\nوسمعت أبا القاسم الحسين بن محمد الأديب يقول: سمعت أبا المضر محمد بن أحمد ابن منصور يقول: سمعت أبا عمر غلام ثعلب يقول: كان الرجل إذا أطاع ودان إذا عصى، ودان إذا عزّ وكان إذا ذلّ، ودان إذا قهر.\nوقال الحسن بن الفضل: يوم الإطاعة، قال زهير:\nلئن حللت بواد في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك «٣»\nأي في طاعة، وكل ما أطيع الله فيه فهو دين.\nوقال بعضهم: يوم العمل، قال الفراء: دين الرجل خلقه وعمله وعادته، وقال المثقب العبدي:\nتقول إذا درأت وضيني لها ... أهذا دينه أبدا وديني «٤»\nوقال محمد بن كعب القرضي: مالك يوم لا ينفع فيه إلّا الدين، وهذه من قول الله تعالى: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ «٥»، وقوله: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا «٦» .\nوإنما خصّ يوم الدين بكونه مالكا له لأن الأملاك في ذلك اليوم زائلة [فينفرد تعالى بذلك] «٧»، وهي باطلة والأملاك خاصة. وقيل: خص يَوْمِ الدِّينِ بالمالك فيه لأن ملك الدنيا قد اندرج في قوله: رَبِّ الْعالَمِينَ «٨»، فأثبت أنه مالك الآخرة بقوله: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ليعلم أن الملك له في الدارين. وقيل: إنما خصّ يَوْمِ الدِّينِ بالذكر تهويلا وتعظيما لشأنه كما قال تعالى: يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ «٩»، ولا خفاء بهم في كل الأوقات عن الله ﷿.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١٤٤.\n(٢) الصحاح: ٥/ ٢١١٨.\n(٣) لسان العرب: ١٠/ ٤٧٣.\n(٤) الصحاح: ٥/ ٢١١٨.\n(٥) سورة الشعراء: ٨٨- ٨٩.\n(٦) سورة سبأ: ٣٧.\n(٧) زيادة لتقويم النص.\n(٨) سورة الحمد: ٢. [.....]\n(٩) سورة غافر: ١٦.","vol":"1","page":116},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>[سورة الفاتحة (١): آية ٥]</span>\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ رجع من الخبر الى الخطاب على التلوين. وقيل فيه إضمار، أي قولوا: إِيَّاكَ. وإيا كلمة ضمير، لكنه لا يكون إلّا في موضع النصب، والكاف في محلّ الخفض بإضافة إيا إليها، وخصّ بالإضافة إلى الضمير لأنه يضاف إلى الاسم المضمر ألا يقول الشاعر:\nفدعني وإيا خالد ... لأقطعن عري نياطه «١»\nوحكى الخليل عن العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإياكم.\nويستعمل مقدّما على الفعل مثل (إياك أعني) و(إياك أسأل)، ولا يستعمل مؤخّرا على الفعل إلّا أنّ ... «٢» .. به حين الفعل، فيقال: ما عبدت إلّا إياك ونحوها. وقال أبو ميثم سهل ابن محمد: إياك ضمير منفصل، والضمير ثلاثة أقسام:\nضمير متّصل نحو الكاف والهاء والياء في قولك: أكرمك، وأكرمني. سمي بذلك لاتصاله بالفعل.\nوضمير منفصل نحو إياك وإياه وإياي. سمي بذلك لانفصاله عن الفعل.\nوضمير مستكن، كالضمير في قولك: قعد وقام. سمي بذلك لأنه استكن في الفعل ولم يستبق في اللفظ ويعمّ أن فيه ضمير الفاعل لأن الفعل لا يقوم إلّا بفاعل ظاهر أو مضمر.\nوقال أبو زيد: إنما هما ياءان: الأولى للنسبة والثانية للنداء، تقديرها: (أي يا)، فأدغمت وكسرت الهمزة لسكون الياء. وقال أبو عبيد: أصله (أوياك)، فقلبت الواو ياء فأدغموه، وأصله من (آوى، يؤوي، إيواء) كأن فيه معنى الانقطاع والقصد. وقرأ الفضل الرقاشي (أياك) بفتح الألف وهي لغة.\nوإنما لم يقل: نعبدك [لأنه] يصحّ في العبارة، وأحسن الإشارة لأنهم إذا قالوا: إياك نعبد، كان نظرهم منه إلى العبادة لا من العبادة إليه. وقوله: نَعْبُدُ أي نوحد ونخلص ونطيع ونخضع، والعبادة رياضة النفس على حمل المشاق في الطاعة. وأصلها الخضوع والانقياد والطاعة والذلة، يقال: طريق معبّد إذا كان مذللا موطوءا بالأقدام. قال طرفة:\nتبارى عتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفا وظيفا فوق مور معبّد «٣»\n_________\n(١) لسان العرب: ١٤/ ٦٠.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) الصحاح: ٢/ ٨٢٠.","vol":"1","page":117},{"text":"وبعير معبد إذا كان مطليا بالقطران، قال طرفة:\nإلى أن تحامتني العشيرة كلّها ... وأفردت إفراد البعير المعبّد «١»\nوسمّي العبد عبدا لذلّته وانقياده لمولاه.\nوَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: نستوفي ونطلب المعونة على عبادتك وعلى أمورنا كلّها، يقال: استعنته واستعنت به، وقرأ يحيى بن رئاب: (نستعين) بكسر النون. قال الفرّاء: تميم وقيس وأسد وربيعة يكسرون علامات المستقبل إلّا الياء، فيقولون إستعين ونستعين ونحوها، ويفتحون الياء لأنها أخت الكسرة. وقريش وكنانة يفتحونها كلّها وهي الأفصح والأشهر.\nوإنّما كرّر إِيَّاكَ ليكون أدلّ على الإخلاص والاختصاص والتأكيد لقول الله تعالى خبرا عن موسى: كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا «٢»، ولم يقل: كي نسبحك ونذكرك كثيرا.\nوقال الشاعر:\nوجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا «٣»\nولم يقل بين النهار والليل. وقال الآخر:\nبين الأشجّ وبين قيس باذخ ... بخ بخ لوالده وللمولود «٤»\nوقال أبو بكر الورّاق: إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنك خلقتنا، وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنك هديتنا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الرّحمن الفرّان، وقد سئل عن الآية فقال:\nإِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنك الصانع، وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأن المصنوع لا غنى به عن الصانع، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لتدخلنا الجنان، وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لتنقذنا من النيران، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنّا عبيد وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأنك كريم مجيد، إِيَّاكَ نَعْبُدُ لأنك المعبود بالحقيقة وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ لأننا العباد بالوثيقة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>[سورة الفاتحة (١): آية ٦]</span>\nاهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)\nاهْدِنَا،\nقال علي بن أبي طالب (كرّم الله وجهه) وأبيّ بن كعب: أرشدتنا\nفهذا كما يقال للرجل الذي يأكل: كل، والذي يقرأ: اقرأ، وللقائم: قم لي حتّى أعود لك أي دم على ما أنت\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٢٧٤.\n(٢) سورة طه: ٣٣- ٣٤.\n(٣) ترتيب إصلاح المنطق: ٣٥٥.\n(٤) الصحاح: ١/ ٤١٨.","vol":"1","page":118},{"text":"عليه. وقال السدّي ومقاتل: أرشدنا، يقال: هديته للدّين وهديته الى الدين هدى وهداية، قال الحسن بن الفضل: الهدى في القرآن على وجهين:\nالوجه الأول: هدى دعاء وبيان كقوله: وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «١»، وقوله:\nوَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ «٢» ووَ أَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ «٣» .\nالوجه الثاني: هدى توفيق وتسديد كقوله: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٤»، وقوله:\nإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ «٥» .\nوالصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ الطريق الواضح المستوي، قال عامر بن الطفيل:\nخشونا أرضهم بالخيل حتّى ... تركناهم أذل من الصراط «٦»\nوقال جرير:\nأمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوجّ الموارد مستقيم «٧»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الإختلاف في قراءة الصِّراطَ</span>\nوفي الصِّراطَ خمس قراءات: بالسين وهو الأصل، سمّي الطريق سراطا لأنّه يسترط المارّة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن حمدويه، حدّثنا محمود بن آدم، حدّثنا سفيان عن عمر عن ثابت قال: سمعت ابن عباس قرأ السراط بالسين\n، وبه قرأ ابن كثير [من] طريق.. «٨» .. ويعقوب [من] طريق.. «٩» ...\nوبإشمام السين وهي رواية أبي حمدون عن الكسائي، وبالزاي وهي رواية أبي حمدون عن سليم عن حمزة.\nوبإشمام الزاي وهي قراءة حمزة في أكثر الروايات والكسائي في رواية نهشل والشيرازي.\nوبالصاد قراءة الباقين من القرّاء.\nوكلّها لغات فصيحة صحيحة إلّا إن الاختيار الصاد لموافقة المصحف لأنها كتبت في جميع المصاحف بالصاد. ولأن آخرتها بالطاء لأنهما موافقتان في الاطباق والاستعلاء.\nواختلف المفسّرون في الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ\nفأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد، وأبو\n_________\n(١) سورة الشورى: ٥٢.\n(٢) سورة الرعد: ٧.\n(٣) سورة فصّلت: ١٧.\n(٤) سورة النحل: ٩٣.\n(٥) سورة القصص: ٥٦.\n(٦) الفروق اللغوية: ٣١٣. [.....]\n(٧) الصحاح: ٢/ ٥٥٠.\n(٨) بياض في المخطوط.\n(٩) بياض في المخطوط.","vol":"1","page":119},{"text":"القاسم الحسن بن محمد النيسابوري قالا: أخبرنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدّثنا الحسين بن علي عن حمزة الزيّات عن أبي المختار الطائي عن [ابن] أبي أخ الحرث الأعسر عن الحرث عن علي قال: سمعت النبي ﷺ [يقول]: «الصراط المستقيم كتاب الله ﷿» «١» [٢٩] .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد بن محمد، حدّثنا محمد بن شاذان الجوهري، حدّثنا زكريا بن عديّ عن مقتضي عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: الصراط المستقيم كتاب الله ﷿.\nوأخبرنا عبد الله، أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد، حدّثنا ليث، حدّثنا عقبة بن سليمان، حدّثنا الحسين بن صالح عن أبي عقيل عن جابر قال: الصراط المستقيم الإسلام، وهو أوسع مما بين السماء والأرض [وإنما كان] الصراط المستقيم الإسلام لأن كل دين وطريق [غير] الإسلام فليس بمستقيم.\nوروى عاصم الأحول عن أبي العالية الرياحي: هو طريق النبي ﷺ وصاحباه «٢» .\nقال عاصم: فذكرت ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح.\nوقال بكر بن عبد الله المزني: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، فسألته عن الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، فقال: سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي.\nوقال سعيد بن جبير: يعني طريق [الحق] .\nوقال السدّي: أرشدنا إلى دين يدخل صاحبه به الجنة ولا يعذب في النار أبدا، ويكون خروجه من قبره إلى الجنة.\nوقال محمد بن الحنفية: هو دين [الله] الذي لا يقبل من عباده غيره.\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله العايني، حدّثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي ببغداد، حدّثنا أبو القاسم [....] «٣» ابن نهار، حدّثنا أبو حفص المستملي، حدّثنا أبي، حدّثنا حامد بن سهل، حدّثنا عبد الله بن محمد العجلي، حدّثنا إبراهيم بن جابر عن مسلم بن حيان عن أبي بريدة في قول الله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ قال: صراط محمد ﷺ وآله (﵈) «٤» .\n_________\n(١) معاني القرآن: ١/ ٧٦، وتفسير القرطبي: ٨/ ٣٢٩.\n(٢) الكامل لابن عدي: ٣/ ١٦٣.\n(٣) بياض في مصورة المخطوط، والظاهر ما أثبتناه.\n(٤) تفسير أبي حمزة الثمالي: ١٦٧، وشواهد التنزيل: ١/ ٧٤ ح ٨٦، ونهج الايمان لابن جبر عن كتاب ابن شاهين: ٥٤.","vol":"1","page":120},{"text":"وقال عبد العزيز بن يحيى: يعني طريق السواد الأعظم. [وقال] أبو بكر الورّاق: يعني صراطا لا تزيغ به الأهواء يمينا وشمالا. وقال محمد بن علي النهدي: يعني طريق الخوف والرجاء. وقال أبو عثمان الداراني: [يعني] طريق العبودية.\nوسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله بهرات يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن واصل العنبري يقول: سمعت [سهل] بن عبد الله التستري يقول: طريق السنّة والجماعة لأن البدعة لا تكون مستقيمة.\nوأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن يعقوب الأصم: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي: أخبرنا أبو بكر بن عيّاش عن عاصم عن زر عن أبي وائل عن عبد الله قال: خطّ رسول الله ﷺ خطّين، خطّا عن يمينه وخطّا عن شماله ثم قال: «هذه السبل، وعلى كلّ سبيل منهما شيطان يدعو إليه، وهذا سبيل الله» [٣٠] «١»، ثم قرأ وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدّثنا معمّر بن سفيان الصغير، حدّثنا يعقوب بن سفيان الكبير، حدّثنا أبو صالح عبد الله بن صالح، حدّثنا معاوية بن صالح أن عبد الرّحمن بن جبير بن نصر حدّثه عن أبيه جبير عن نواس بن معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ضرب الله مثلا (صِراطًا مُسْتَقِيمًا) وعلى جانبي الصراط ستور مرخاة فيها أبواب مفتّحة وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط ولا تعوجوا، وداع يدعو من فوق الصراط، فإذا أراد فتح شيء من تلك الأبواب قال: ويلك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه بالصراط: الإسلام. والستور حدود الله، والأبواب المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على الصراط كتاب الله ﷿، والداعي من فوق واعظ الله في قلب كل مسلم» [٣١] «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>[سورة الفاتحة (١): آية ٧]</span>\nصِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)\nصِراطَ بدل من الأول الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ يعني: طريق الذين أنعمت عليهم بالتوفيق والرعاية، والتوحيد والهداية، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين ذكرهم الله تعالى في قوله:\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٤٦٥، السنن الكبرى: ٦/ ٣٤٣ بتفاوت.\n(٢) سورة الأنعام: ١٥٣.\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ١٨٢، المستدرك: ١/ ٧٣ بتفاوت يسير.\n(٤) سورة النساء: ٦٩.","vol":"1","page":121},{"text":"قال ابن عباس: هم قوم موسى وعيسى من قبل أن يغيّروا نعم الله عليهم.\nوقال شهر بن حوشب هم أصحاب الرسول صلّى الله عليه ورضي عنهم وأهل بيته (﵈) . وقال عكرمة: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) بالثبات على الإيمان والاستقامة.\nوقال علي بن الحسين بن داود: أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ بالشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء. وقال.. «١» .. بن.. «٢» ..: بما قد سنّه محمد ﷺ. وقال الحسين بن الفضل: يعني أتممت عليهم النعمة فكم من منعم عليه.. «٣» ...\nوأصل النعمة المبالغة والزيادة، يقال: دققت الدواء فأنعمت دقّه أي بالغت في دقه، ومنه\nقول العرب النبي صلّى الله عليه وآله «إن أهل الجنة يتراءون الغرفة منها كما يتراءون الكوكب الدرّي الشرقي أو الغربي في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنعما» «٤» [٣٢] .\nأي زادا عليه. وقال أبو عمرو: بالغا في الخير.\nوقرأ الصادق: (صراط من أنعمت عليهم)، وبه قرأ عمرو بن الزبير وعلي\n، حرف اللام يجر ما بعده. وفي عَلَيْهِمْ سبع قراءات:\nالأولى: عَلَيْهِمْ- بكسر الهاء وجزم الميم- وهي قراءة العامّة.\nوالثانية:\nعليهُمْ- بضم الهاء وجزم الميم- وهي قراءة الأعمش وحمزة. وروي ذلك عن النبي ﷺ وعمر (﵁) .\nوالثالثة: عليهُمُ- بضم الهاء والميم وإلحاق الواو- وهي قراءة عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق.\nوالرابعة: عليهمو- بكسر الهاء وضم الميم وإلحاق الواو- وهي قراءة ابن كثير والأعرج.\nوالخامسة: عليهِمِ- بكسر الهاء والميم وإلحاق الياء- وهي قراءة الحسن.\nوالسادسة: عليهِمُ- بكسر الهاء وضم الميم مضمومة مختلسة- وهي رواية عبد الله بن عطاء الخفّاف عن أبي عمرو.\nوالسابعة: عليهِمِ- بكسر الهاء والميم- وهي قراءة عمرو بن حامد.\n_________\n(١) بياض في المخطوط.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) بياض في المخطوط. [.....]\n(٤) الجامع الصغير: ٢/ ٢٠٣.","vol":"1","page":122},{"text":"فمن ضمّ الهاء ردّه إلى الأصل لأنه لو أفرد كان مضموما عند الابتداء به، ومن كسره فلأجل الياء الساكنة. ومن كسر الهاء وجزم الميم فإنه يستثقل الضمّ مع مجاورة الياء الساكنة، والياء أخت الكسرة والخروج من الضم إلى الكسر ثقيل. ومن ضمّ الهاء والميم أتبع فيه الضمّة.\nومن كسر الهاء وضمّ الميم فإنه كسر الهاء لأجل الياء وضمّ الميم على الأصل، والاختلاس للاستخفاف، وإلحاق الواو والياء للإتباع والله أعلم. قال الشاعر في الميم المختلسة:\nوالله لولا شعبة من الكرم ... وسطة في الحي من خال وعم «١»\nلكنت فيهم رجلا بلا قدم\nغَيْرِ الْمَغْضُوبِ غير: صفة الذين. والذين معرفة ولا توصف المعارف بالنكرات ولا النكرات بالمعارف إلّا إن الذين ليس بمعرفة موقتة ولكنّه بمنزلة قولك: إني لأمرّ بالصادق غير الكاذب، كأنك قلت: من يصدق لا من يكذب. ولا يجوز: مررت بعبد الله غير الظريف.\nومعنى كلامه: غير صراط الذين غضبت عَلَيْهِمْ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>في معنى الغضب</span>\nواختلفوا في معنى الغضب من الله ﷿، فقال قوم: هو إرادة الانتقام من العصاة.\nوقيل: هو جنس من العقاب يضادّ والرضا. وقيل: هو ذم العصاة على قبح أفعالهم.\nولا يلحق غضب الله تعالى العصاة من المؤمنين بل يلحق الكافرين.\nوَلَا الضَّالِّينَ عن الهدى.\nوأصل الضلال الهلاك، يقال ضلّ الماء في اللبن إذا خفي وذهب، و: رجل ضالّ إذا أخطأ الطريق، و: مضلّل إذا لم يتوجّه لخير، قال الشاعر:\nألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا «٢»\nقال الزجاج وغيره: وإنما جاز أن يعطف ب (لا) على غير لأن غير متضمّن معنى النفي فهو بمعنى لا، مجازه: غير المغضوب عليهم وغير الضالين كما تقول: فلان غير محسن ولا مجمل. فإذا كان (غير) بمعنى سوى لم يجز أن يعطف عليها ب (لا) لأنه لا يجوز في الكلام عندي سوى عبد الله ولا زيد. وروى الخليل بن أحمد عن ابن كثير: غَيْرَ الْمَغْضُوبِ نصبا.\nوقرأ عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب﵄-: (وغير الضالين)\n، وقرأ السختياني (ولأ الضالئين) بالهمزة لالتقاء الساكنين، والله أعلم.\n_________\n(١) كتاب المنمق للبغدادي: ١٣٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ١/ ١٥٠.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>فأما التفسير:</span>\nفأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، أخبرنا أحمد بن حنبل ومحمد بن دينار قالا: حدّثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن سماك قال: سمعت عباد بن حبيش عن عديّ بن حاتم عن النبي ﷺ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ قال: «اليهود»، وَلَا الضَّالِّينَ قال: «النصارى» «١» [٣٣] .\nوأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، أخبرنا أبو زكريا العنبري، حدّثنا محمد بن عبد الله الوراق، أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عبد الرزاق عن معمر بن عبد الله بن بديل العقيلي عن عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع رسول الله ﷺ، وهو بوادي القرى على فرسه فسأله رجل من القين، فقال: يا رسول الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: «المغضوب عليهم»، وأشار إلى اليهود. فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ فقال: «الضالون»، وأشار إلى النصارى «٢» [٣٤] .\nوتصديق هذا الحديث حكم الله تعالى بالغضب على اليهود في قوله: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ «٣»، وحكم الضلال على النصارى في قوله:\nوَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا «٤» .\nوقال الواقدي: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بالمخالفة والعصيان، وَلَا الضَّالِّينَ عن الدين والإيمان.\nوقال التستري: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ البدعة، وَلَا الضَّالِّينَ عن السنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>فصل في آمين</span>\nوالسنّة المستحبة أن يقول القارئ بعد فراغه من قراءة فاتحة الكتاب: آمين سواء كان في الصلاة أو غير الصلاة لما\nأخبرنا عبد الله بن حامد الاصفهاني، أخبرنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا الحسن بن علي بن عفان العامري، حدّثنا أبو داود عن سفيان، وأخبرنا عبد الله قال: وأخبرنا عبدوس بن الحسين، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا ابن كثير، أخبرنا سفيان عن سلمة عن حجر أبي العنبس الحضرمي عن أبي قايل بن حجر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: وَلَا الضَّالِّينَ، قال: «آمين»، ورفع بها صوته «٥» [٣٥] .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٢ بتفاوت يسير.\n(٣) سورة المائدة: ٦٠.\n(٤) سورة المائدة: ٧٧.\n(٥) مسند أحمد: ٤/ ٣١٦.","vol":"1","page":124},{"text":"وروي عنه ﷺ أنه قال: «لقّنني جبرائيل ﵇ آمين عند فراغي من فاتحة الكتاب» [٣٦] .\nوقال «إنّه كالخاتم على الكتاب» «١»\nوفيه لغتان: أمين بقصر الألف، وأنشد:\nتباعد منّي فعطل إذ سألته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا\nوآمين بمد الألف وأنشد:\nيا ربّ لا تسلبني حبّها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا «٢»\nوهو مبني على الفتح مثل أين.\nواختلفوا في تفسيره\nفأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، أخبرنا أبو العباس محمد ابن إسحاق بن أيوب، أخبرنا الحسن بن علي بن زياد، حدّثنا عبيد بن يعيش عن محمد ابن الفضل عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن معنى «آمين» قال: «ربّ افعل» [٣٧] «٣» .\nوقال ابن عباس وقتادة: معناه: كذلك يكون.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبد الله بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن نمير، أخبرنا سفيان عن منصور عن هلال بن يساف قال: آمين اسم من أسماء الله تعالى، و[بذلك] «٤» قال مجاهد.\nوقال سهل بن عبد الله: معناه: لا يقدر على هذا أحد سواك. وقال محمد بن علي النهدي: معناه لا تخيّب رجانا.\nوقال عطية العوفي: آمين كلمة ليست بعربية، إنما هي عبرية أو سريانية ثمّ تكلمت به العرب فصار لغة لها. وقال عبد الرّحمن بن زيد: آمين كنز من كنوز العرش لا يعلم تأويله أحد إلّا الله ﷿.\nوقال أبو بكر الورّاق: آمين قوة للدعاء واستنزال للرحمة.\nوقال الضحّاك بن مزاحم: آمين أربعة أحرف مقتطعة من أسماء الله تعالى، وهو خاتم رب العالمين يختم به براءة أهل الجنة وبراءة أهل النار، وهي الجائزة التي منها يجوزون إلى الجنة والنار «٥» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١٢٧- ١٢٨.\n(٢) زاد المسير: ١/ ١٢، تفسير القرطبي: ١/ ١٢٨.\n(٣) الدرّ المنثور: ١/ ١٧، فتح القدير: ١/ ٢٦.\n(٤) في المخطوط: ذلك.\n(٥) فيض القدير: ١/ ٨٠، ح ٢٠.","vol":"1","page":125},{"text":"يدلّ عليه ما\nأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر، حدّثنا أبو الحسن محمد بن محمود بن عبد الله، حدّثنا محمد بن علي الحافظ، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حمويه، حدّثنا سعيد بن جبير، حدّثنا المؤمل بن عبد الرّحمن بن عياش الثقفي، عن أبي أمية بن يعلى الثقفي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «آمين خاتم رب العالمين على عباده المؤمنين» [٣٨] «١» .\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون بن الفضل بقراءتي عليه في صفر سنة ثمان وأربعمائة أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين بن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد الرّحمن بن بشر وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا معمّر عن همّام بن منبّه قال: حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله قال: «إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافق إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه» [٣٩] «٢» .\nوحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمّد بن جعفر، أخبرنا محمّد أبو الحسن محمد بن الحسن بهراة، حدّثنا رجاء بن عبد الله، حدّثنا مالك بن سليم، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج عن عطاء قال: آمين دعاء\n[وعنه عن] النبي ﷺ قال: «ما حسدكم اليهود على شيء، كما حسدوكم على آمين، وتسليم بعضكم على بعض» [٤٠] «٣» .\nوقال وهب بن منبه: آمين على أربع أحرف، يخلق الله تعالى من كل حرف ملكا يقول:\nاللهم اغفر لمن قال: آمين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>فصل في أسماء هذه السورة</span>\nهي عشرة، وكثرة الأسماء تدلّ على شرف المسمّى:\nالأول: فاتحة الكتاب، سمّيت بذلك لأنه يفتتح بها في المصاحف والتعليم والقراءة في الصلاة، وهي مفتتحة بالآية التي تفتتح بها الأمور تيمّنا وتبرّكا وهي التسمية. وقيل: سمّيت بذلك لأن الحمد فاتحة كل كتاب كما هي فاتحة القرآن. وقال الحسين بن الفضل: لأنها أول سورة نزلت من السماء.\nوالثاني: سورة الحمد، لأن فيها ذكر الحمد، كما قيل: سورة (الأعراف) و(الأنفال) و(التوبة) ونحوها.\nوالثالث: أمّ الكتاب والقرآن سمّيت بذلك لأنها أوّل القرآن والكتب المنزلة، فجميع ما\n_________\n(١) كتاب الدعاء للطبراني: ٨٩، كنز العمّال: ١/ ٥٥٩، ح ٢٥١٢. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣١٢.\n(٣) المصنّف لعبد الرزّاق: ٢/ ٩٨، ح ٢٦٤٩.","vol":"1","page":126},{"text":"أودعها من العلوم مجموع في هذه السورة فهي أصل لها كالأم للطفل، وقيل: سمّيت بذلك لأنها أفضل سور القرآن كما أن مكة سميت أم القرى لأنها أشرف البلدان. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مقدّمة على سور القرآن، فهي أصل وإمام لما يتلوها من السور، كما أن أم القرى أصل جميع البلدان دحيت الأرض من تحتها. وقيل: سمّيت بذلك لأنها مجمع العلوم والخيرات، كما أن الدماغ يسمى أمّ الرأس لأنها مجمع الحواس والمنافع.\nوسمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد المفسّر يقول: سمعت أبا بكر القفّال يقول: سمعت أبا بكر البريدي يقول: الأم في كلام العرب: الراية ينصبها العسكر.\nقال قيس بن الخطيم:\nنصبنا أمّنا حتى ابذعرّوا ... وصاروا بعد إلفتهم شلالا\nفسمّيت أم القرآن لأن مفزع أهل الإيمان إليها كمفزع العسكر إلى الراية. والعرب تسمي الأرض أمّا لأنّ معاد الخلق إليها في حياتهم وبعد مماتهم، قال أمية بن أبي الصلت:\nوالأرض معقلنا وكانت أمّنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد «١»\nوأنشدني أبو القاسم قال: أنشدنا أبو الحسين المظفّر محمد بن غالب الهمداني قال:\nأنشدنا أبو بكر بن الأنباري قال: أنشدنا أبي قال: أنشدني أحمد بن عبيدة:\nنأوي إلى أمّ لنا تعتصب ... كما ولها أنف عزيز وذنب\nوحاجب ما إن نواريها الغصب ... من السحاب ترتدي وتنتقب «٢»\nيعني: نصبه كما وصف لها. وسميت الفاتحة أمّا لهذه المعاني. وقال الحسين بن الفضل:\nسميت بذلك لأنها إمام لجميع القرآن تقرأ في كل [صلاة و] «٣» تقدم على كل سورة، كما أن أمّ القرى إمام لأهل الإسلام. وقال ابن كيسان: سميت بذلك لأنها تامة في الفضل.\nوالرابع: السبع المثاني، وسيأتي تفسيره في موضعه إن شاء الله.\nوالخامس: الوافية،\nحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد النيسابوري، حدّثنا أبي عن أمّه عن محمد بن نافع السنجري، حدّثنا أبو يزيد محبوب الشامي، حدّثنا عبد الجبار بن العلاء قال:\nكان يسمي سفيان بن عيينة فاتحة الكتاب: الوافية، وتفسيرها لأنها لا تنصف ولا تحتمل الاجتزاء إلّا أن كل سورة من سور القرآن لو قرئ نصفها في ركعة والنصف الآخر في ركعة كان جائزا، ولو نصفت الفاتحة وقرئت في ركعتين كان غير جائز.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ١١٢.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ١٦٨ باختصار.\n(٣) بياض في مصوّرة المخطوط، والأقرب ما أثبتناه.","vol":"1","page":127},{"text":"والسادس: الكافية،\nأخبرنا أبو القاسم السدوسي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن مالك المسوري، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عمران قال: حدّثنا سهيل بن [محمّد] «١»، حدّثنا عفيف بن سالم قال: سألت عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن قراءة الفاتحة خلف الإمام فقال: عن الكافية تسأل؟\nقلت: وما الكافية؟ قال: أما علمت أنها تكفي عن سواها، ولا يكفي سواها عنها. إياك أن تصلي إلّا بها.\nوتصديق هذا الحديث ما\nحدّثنا الحسن بن محمد بن جعفر المفسر، حدّثنا عبد الرّحمن بن عمر ابن مالك الجوهري بمرو، حدّثنا أبي، حدّثنا أحمد بن يسار، عن محمد بن عباد الاسكندراني عن أشهب بن عبد العزيز، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّ القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها منها عوضا» «٢» [٤١] .\nوالسابع: الأساس،\nحدّثنا أبو القاسم الحسين بن محمد المذكر، حدّثنا أبو عمرو بن المعبّر محمد بن الفضل القاضي بمرو، حدّثنا أبو هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي، حدّثنا جارود بن معاد، أخبرنا وكيع قال: إن رجلا أتى الشعبي فشكا إليه وجع الخاصرة، فقال:\nعليك بأساس القرآن. قال: وما أساس القرآن؟ قال: فاتحة الكتاب. قال الشعبي: سمعت عبد الله بن عباس غير مرّة يقول: إن لكل شيء أساسا وأساس العمارة مكة لأنها منها دحيت الأرض وأساس السماوات غريبا «٣»، وهي السماء السابعة، وأساس الأرض عجيبا، وهي الأرض السابعة السفلى، وأساس الجنان جنة عدن، وهي سرّة الجنان، وعليها أسّست الجنان، وأساس النار جهنم، وهي الدركة السابعة السفلى وعليها أسست الدركات، وأساس الخلق آدم ﵇، وأساس الأنبياء نوح ﵇، وأساس بني إسرائيل يعقوب، وأساس الكتب القرآن، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. فإذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالفاتحة تشفى.\nوالثامن: الشفاء،\nحدّثنا أبو القاسم بن أبي بكر المكتّب لفظا، حدّثنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الرفّاء، أخبرنا محمد بن أيوب الواقدي، حدّثنا أبو عمرو بن العلاء، حدّثنا سلام الطويل، عن زيد العمي، عن محمد بن سيرين، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ «فاتحة الكتاب شفاء من كل سمّ» «٤» [٤٢] .\nوأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه، حدّثنا أبو الحسين محمّد بن الحسن الصفار الفقيه،\n_________\n(١) كذا الظاهر.\n(٢) كنز العمّال: ١/ ٥٥٨، إرواء الغليل: ٢/ ١١.\n(٣) في تفسير القرطبي (١/ ١١٣) عريبا.\n(٤) تفسير القرطبي: ١/ ١١٢.","vol":"1","page":128},{"text":"حدّثنا أبو العباس السرّاج، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا معاوية بن صالح، عن أبي سليمان قال:\nمرّ أصحاب رسول الله ﷺ في بعض غزواتهم على رجل مقعد متربّع فقرأ بعضهم في أذنه شيئا من القرآن فبرئ، فقال رسول الله ﷺ: «هي أمّ القرآن، وهي شفاء من كل داء» «١» [٤٣] .\nأخبرنا أحمد بن أبيّ الخوجاني، أخبرنا الهيثم بن كليب الشامي، حدّثنا عيسى بن أحمد العسقلاني، أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا سعيد بن الحجاج، عن عبد الله بن أبي السفر، عن الشعبي عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمّه قال: جاء عمي من عند رسول الله ﷺ، فمرّوا بحيّ من الأعراب، فقالوا: انّا نراكم قد جئتم من عند هذا الرسول، إنّ عندنا رجلا مجنونا مخبولا، فهل عندكم من دواء أو رقية؟ فقال عمّي: نعم. فجيء به، فجعل عمي يقرأ أمّ القرآن وبزاقه فإذا فرغ منها بزق فجعل ذلك ثلاثة أيام، فكأنّما أهبط من جبال، قال عمي: فأعطوني عليه جعلا، فقلت: لا نأكله حتى نسأل رسول الله ﷺ. فسأله، فقال: «كله، فمن الحلّ ترقيه بذلك. لقد أكلت برقية حق» «٢» .\nوالتاسع: الصلاة، قد تواترت الأخبار بأن الله تعالى سمّى هذه السورة، وهو ما يعرف انّه لا صلاة إلّا بها.\nأخبرنا عبد الله بن حامد وأحمد بن يوسف بقراءتي عليهما قالا: أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأته على ابن نافع، وحدّثنا مطرف عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرّحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿: قسمت الصلاة- يعني هذه السورة- بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي، فإذا قرأ العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ يقول الله: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يقول الله تعالى: أثنى عليّ عبدي.\nوإذا قال العبد: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ يقول الله: مجّدني عبدي. وإذا قال العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال الله: هذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخرها قال: هذه لعبدي ولعبدي ما سأل «٣» [٤٤] .\nوالعاشر: سورة تعلم المسألة لأن الله تعالى علّم فيه عباده آداب السؤال، فبدأ بالثناء ثم الدعاء، وذلك سبب النجاح والفلاح.\nالقول في وجوب قراءة هذه السورة في الصلاة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر الطبري، حدّثنا بشر بن مطير، حدّثنا\n_________\n(١) سنن الدارمي: ٢/ ٤٤٥، بتفاوت.\n(٢) بتفاوت في سنن أبي داود: ٢/ ١٢٩، ح ٣٤٢١.\n(٣) تفسير القرطبي: ١/ ١٢١، مسند أحمد: ٢/ ٢٨٥، بتفاوت.","vol":"1","page":129},{"text":"سفيان، حدّثنا العلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه أنه سمع أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: «من صلّى صلاة فلم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب «١» فهي خداج- ثلاث مرات- غير تمام» «٢» [٤٥] .\nوأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا ابن عباس، حدّثنا عبد الرّحمن بن بشر، حدّثنا ابن عيينة عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»»\n[٤٦] .\nأخبرنا عبد الله، أخبرنا عبدوس بن الحسين، حدّثنا أبو حاتم الرازي، حدّثنا أبو قبيصة، حدّثنا سفيان عن جعفر بن علي بيّاع الأنماط عن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي: «لا صلاة إلّا بقراءة فاتحة الكتاب» «٤» [٤٧] .\nوأخبرنا عبد الله، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق، أخبرنا أبو المثنى، حدّثنا مسدّد، حدّثنا عبد الوارث بن حنظلة السدوسي قال: قلت لعكرمة: إنّي ربّما قرأت في المغرب قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وأنّ الناس يعيبون عليّ ذلك، فقال: سبحان الله اقرأ بهما فإنّهما من القرآن، ثمّ قال: حدّثنا ابن عبّاس أنّ النبي ﷺ خرج فصلّى ركعتين لم يقرأ فيهما إلّا بفاتحة الكتاب لم يزد على ذلك غيره.\nوأخبرنا أبو القاسم الحبيبي، حدّثنا أبو العبّاس الأصمّ، أخبرنا الربيع بن سليمان، حدّثنا الشافعي، حدّثنا سفيان عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا صلاة لمن لا يقرأ بفاتحة الكتاب» «٥»\nواحتجّ من أجاز الصلاة بغيرها بقوله: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ.\nوأخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد بقراءتي عليه أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا أبو المثنّى حدّثنا مسدّد، حدّثنا يحيى بن سعيد عن عبد الله بن عمر قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد فدخل رجل وصلّى ثم جاء فسلّم على رسول الله ﷺ فقال: «ارجع فصلّ، فإنك لم تصلّ» حتى فعل ذلك ثلاث مرات. قال الرجل: والذي بعثك بالحق نبيا ما أحسن غير هذا، فعلّمني. قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبّر ثم اقرأ ما تَيَسَّرَ معك مِنَ الْقُرْآنِ ثم اركع» [٤٨] «٦» .\nوهذه اللفظة يحتمل أنه أراد أن كل ما وقع عليه اسم قرآن وجهل إنما يراد سورة بعينها،\n_________\n(١) في المصدر: بأمّ القرآن.\n(٢) شرح مسلم: ٤/ ١٠١، تفسير القرطبي: ١/ ١١٩. [.....]\n(٣) كتاب المسند: ٣٦، مسند أحمد: ٥/ ٣١٤.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٤٢٨.\n(٥) مسند أحمد: ٥/ ٣١٤، وكتاب المسند للشافعي: ٣٦.\n(٦) مسند أحمد: ٢/ ٤٣٧.","vol":"1","page":130},{"text":"فلمّا احتمل الوجهين نظرنا فوجدنا النبي ﷺ صلّى بفاتحة الكتاب وأمر بها [وشدّد على] «١» من تركها، فصار هذا الخبر مجملا، والأخبار التي رويناها مفسرة، والمجمل يدل على المفسر، وهذا كقوله: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ «٢» ثم لم يجز أحد [ترك الهدي] «٣» بل ثبتها رسول الله ﷺ بالصفة أن لا يكون أعور ولا أعرج ولا معيوبا، فكذلك أراد بقوله ﷿ وقول رسول الله ﷺ ما فسّر بالصفة التي بينها أن تكون سورة الحمد إذا أحسنها، وقدرها إذا لم يحسنها. فبالعلة التي أوجبوا قراءة آية تامة مع قوله: «ما تَيَسَّرَ» له وجه ظاهره العلم، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>ذكر وجوب قراءتها على المأموم كوجوبها على الإمام واختلاف الفقهاء فيه:</span>\nقال مالك بن أنس: يجب عليه قراءتها إذا خافت الإمام، فأمّا إذا جهر فليس عليه [شيء] .\nوبه قال الشافعي في القديم وقال في الجديد: يلزمه القراءة أسرّ الإمام أو جهر. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يلزمه القراءة خافت أو جهر.\nواتّفق المسلمون على أن صلاته [صحيحة] إذا قرأ خلف الإمام «٤» .\nوالدليل على وجوب القراءة على المأموم كوجوبها على الإمام ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا مكي بن عبد الله، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي عن أبي إسحاق، حدّثنا مكحول، وأخبرنا عبد الله، أخبرنا أحمد بن عبد الرّحمن بن سهل، حدّثنا سهل بن عمار، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا محمد بن إسحاق عن مكحول عن محمود ابن الربيع عن عبادة ابن الصامت قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح فثقلت عليه القراءة فلمّا انصرف رسول الله ﷺ من صلاته أقبل علينا بوجهه وقال: «إني لأراكم تقرؤون خلفي؟» «٥» . قلنا: أجل والله يا رسول الله هذا. قال: «فلا تفعلوا إلّا بأمّ الكتاب فإنّه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» «٦» [٤٩] .\nوهو قول عمر وعثمان وعلي وابن عباس وجابر وابن مسعود وعمران بن حصين وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبادة بن الصامت وهشام بن عامر ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وعائشة وأبي هريرة وجماعة كبيرة من التابعين وأئمة المسلمين روي عنهم جميعا أنهم رأوا القراءة خلف الإمام واجبة.\n_________\n(١) سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.\n(٢) سورة البقرة: ١٩٦.\n(٣) كذا الظاهر.\n(٤) راجع الشرح الكبير لابن قدامة: ٢/ ١٢.\n(٥) في المصدر: وراء إمامكم.\n(٦) صحيح ابن خزيمة: ٣/ ٣٦.","vol":"1","page":131},{"text":"ووجه القول القديم ما\nروى سفيان عن عاصم بن أبي النجود، عن ذكوان، عن أبي هريرة وعائشة أنهما كانا يأمران بالقراءة وراء الإمام إذا لم يجهر.\nواحتج أبو حنيفة وأصحابه بما\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه، أخبرنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا الوليد ابن حمّاد اللؤلؤي: حدّثنا الحسن بن زياد اللؤلؤي: حدّثنا أبو حنيفة عن الحسن عن عبد الله بن شدّاد بن الماد عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي ﷺ: «من صلّى خلف امام فإنّ قراءة الإمام له قراءة» [٥٠] «١» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أحمد بن يونس، حدّثنا الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ قال: «من كان له إمام فقراءته له قراءة» [٥١] «٢» .\nفأمّا حديث عبد الله بن شدّاد فهو مرسل، رواه شعبة وزائدة وابن عينية وأبو عوانة وإسرائيل وقيس وجرير وأبو الأحوص مرسلا، والمرسل لا تقوم به حجّة، والوليد بن حماد والحسن لا يدرى من هما. وأما خبر جابر الجعفي فهو ساقط، قال زائدة: جابر كذاب، وقال أبو حنيفة: ما رأيت أكذب من جابر. وقال ابن عينية: كان جابر لا يوقن بالرجعة.\nوقال شعبة: قال لي جابر: دخلت إلى محمد بن علي فسقاني شربة وحفظت عشرين ألف حديث.\nولا خلاف بين أهل النقل في سقوط الاحتجاج بحديثه.\nوقد روي عن جابر بن عبد الله ما خالف هذه الأخبار،\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر ابن إسحاق، حدّثنا عبد الله بن محمد، حدّثنا محمد بن يحيى، أخبرنا سعد بن عامر، عن شعبة، عن مسعر عن يزيد بن الفقير، عن جابر بن عبد الله، قال: كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام\n، ومحال أن يروي جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أن قراءة الإمام قراءة المأموم ثم يقرأ خلف الإمام ويأمر به مخالفة للنبي ﷺ.\nواحتجوا أيضا بما\nروي عن عاصم بن عبد العزيز عن أبي سهيل عن عوان عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يكفيك قراءة الإمام جهر أو لم يجهر» [٥٢] «٣» .\nوهذا الحديث أيضا لا يثبته أهل المعرفة بالحديث لأنه غير متن الحديث، وإنما الخبر الصحيح فيه عن أبي هريرة ما\nأخبرنا أبو عمرو الفراتي، أخبرنا الهيثم بن كليب، حدّثنا العباس ابن محمد الدوري، حدّثنا بشر بن كلب، حدّثنا شعبة، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه،\n_________\n(١) نصب الراية: ٢/ ١٦.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٣٣٩.\n(٣) نصب الراية: ٢/ ١٨، سنن الدارقطني: ١/ ٣٢٧، بتفاوت.","vol":"1","page":132},{"text":"عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج خداج خداج غير تمام» «١» . قال: فقلت له: إذا كان خلف الإمام؟ قال: فأخذ بذراعي وقال: «يا فارسي- أو قال: يا ابن الفارسي- اقرأ بها في نفسك» [٥٣] «٢» .\nواحتجوا أيضا بما\nروى أبو إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: كانوا يقرءون خلف النبي ﷺ فقال: «خلطتم عليّ القرآن» «٣» .\nوهذا الخبر فيه نظر، ولو صحّ لكان المنع من القراءة كما\nرواه النضر بن شميل.\nأخبرنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال لقوم يقرءون القرآن ويجهرون به: «خلطتم عليّ القرآن» [٥٤] «٤»\n، فليس في نهيه عن القراءة خلف الإمام جهرا ما يمنع عن القراءة سرّا. ونحن لا نجيز الجهر بالقراءة خلف الإمام لما فيه من سوء الأدب والضرر الظاهر.\nوقد روى يحيى بن عبد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي حازم، عن البياضي قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم يصلّي، فإنه يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» [٥٥] «٥» .\nودليل هذا التأويل حديث عبد الله بن زياد الأشعري قال: صليت إلى جنب عبد الله بن مسعود خلف الإمام فسمعته يقرأ في الظهر والعصر. وكذلك الجواب عن احتجاجهم\nبخبر عمران بن الحصين قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر والعصر فلما انصرف قال: أيّكم قرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) «٦»، قال رجل: أنا ولم أرد به إلّا الخير. فقال رسول الله ﷺ: «قد عرفت أن بعضكم خالجنيها» [٥٦] «٧» .\nواحتجّوا أيضا\nبحديث أبي هريرة: فإذا قرأ فأنصتوا، وليس الإنصات بالسكوت فقط إنّما الإنصات أن تحسن استماع الشيء ثم يؤدى كما سمع\n، يدل عليه قوله تعالى في قصّة الجن:\nفَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قالُوا يا قَوْمَنا «٨» .\nوقد يسمى الرجل منصتا وهو قارئ مسبّح إذا لم يكن جاهرا به، ألا ترى\nأن النبي ﷺ\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث للحاكم النيسابوري: ١٣٢. [.....]\n(٢) مسند الحميدي: ٢/ ٤٣٠.\n(٣) مجمع الزوائد: ٢/ ١١٠.\n(٤) مجمع الزوائد: ٢/ ١١٠.\n(٥) مسند أحمد: ٢/ ١٢٩، مجمع الزوائد: ٢/ ٢٦٥، بتفاوت.\n(٦) سورة الأعلى: ١.\n(٧) مسند أحمد: ٤/ ٤٢٦.\n(٨) سورة الأحقاف: ٢٩- ٣٠.","vol":"1","page":133},{"text":"قال: «من أتى الجمعة فأنصت ولم يلغ حتى يصلي الإمام كان له كذا وكذا» [٥٧] «١» .\nفسمّاه منصتا وإن كان مصلّيا ذاكرا،\nوقيل للنبيّ ﷺ: ما تقول أيضا؟ قال: «أقول اللهمّ اغسلني من خطاياي»\nفدلّ أنّ الإنصات وهو ترك الجهر بالقراءة دون المخافتة بها، يدل عليه ما\nأخبرنا به أبو القاسم الحسين، حدّثنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أبو الدرداء هاشم بن محمد، حدّثنا عبيد بن السكن، حدّثنا إسماعيل بن عباس، أخبرنا محمد بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى صلاة مكتوبة أو سبحة فليقرأ بأمّ القرآن» «٢» .\nقال: قلت: يا رسول الله، إني ربما أكون وراء الإمام.\nقال ﷺ: «اقرأ إذا سكت إنما جعل الإمام ليؤتمّ به» [٥٨] «٣» .\nقد رواه الثقات الأثبات عن أبي هريرة مثل الأعرج وهمام بن منبّه وقيس بن أبي حازم وأبي صالح وسعيد المقبري والقاسم بن محمد وأبي سلمة، ولم يذكروا: (وإذا قرأ فأنصتوا) .\nوأمّا احتجاجهم بقوله تعالى: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا «٤»، فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.\nآخر السورة، وبالله التوفيق.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ١٠، سنن الدارمي: ١/ ٣٦٣، بتفاوت.\n(٢) المصنّف لعبد الرزّاق: ٢/ ١٣٣، وكنز العمّال: ٧/ ٤٤٢، ح ١٩٦٨٨.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٣١٤، وسنن الدارمي: ١/ ٢٨٧، وصحيح البخاري: ١/ ١٠٠.\n(٤) سورة الأعراف: ٢٠٤.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>سورة البقرة</span>\nمدنية: وهي مائتان وست وثمانون آية في العدد الكوفي وهي سند أمير المؤمنين علي ﵇ وهي خمسة وعشرون ألف [حرف] وخمسمائة حرف، وستّة آلاف ومائة وإحدى وعشرون كلمة\nأخبرنا عبد الله بن حامد بقراءتي عليه، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، حدثنا يعقوب ابن سفيان الصغير، حدثنا يعقوب بن سفيان الكبير، حدثنا هشام بن عمّار، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا شعيب بن زرين عن عطاء الخراساني، عن عكرمة، قال: أول سورة نزلت بالمدينة سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>فضلها:</span>\nأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني بها، أخبرنا دعلج بن أحمد الشجري ببغداد، حدثنا محمد بن أحمد بن هارون، حدثنا خندف عن علي، حدثنا حسّان بن إبراهيم، حدثنا خالد بن شعيب المزني، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لكل شيء سناما، وسنام القرآن سورة البقرة، من قرأها في بيته ليلا لم يدخله شيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارا لم يدخل في بيته شيطان ثلاثة أيام» «١» [٥٩] .\nوأخبرنا محمد بن القاسم بن أحمد المرتّب بقراءتي عليه، حدثنا أبو عمرو بن مطرف، حدثنا أبو عبد الله محمد بن المسيب، حدثنا عبد الله بن الحسين، حدثنا يوسف بن الأسباط، حدثنا حسن بن المهاجر عن عبد الله بن يزيد عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «تعلموا البقرة، فإنّ أخذها بركة، وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة» «٢» [٦٠] .\nأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري، حدثنا أبو أحمد عبد الله بن علي الحافظ، أخبرنا محمد بن يحيى بن مندة، حدثنا أبو مصعب، حدثنا عمران بن طلحة الليثي عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: بعث النبي ﷺ بعثا ثم تتبعهم يستقرئهم، فجاء إنسان منهم\n_________\n(١) كنز العمّال: ١/ ٥٦٥، ح ٢٥٤٩.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٥٢.","vol":"1","page":135},{"text":"فقال: «ماذا معك من القرآن؟» حتى أتى على آخرهم، وهو أحدثهم سنّا، فقال: «ما معك من القرآن؟» قال: كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: «اخرجوا وهذا عليكم أمين»، قالوا: يا رسول الله هو أحدثنا سنّا، قال: «معه سورة البقرة» «١» [٦١] .\n(التفسير:)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[سورة البقرة (٢): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧)\nقوله تعالى: الم: اختلف العلماء في الحروف المعجمة المفتتحة بها السور، فذهب كثير منهم إلى أنّها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل إلى الله تأويلها.\nقال أبو بكر الصديق (﵁): في كل كتاب سر، وسر القرآن أوائل السور.\nوقال علي بن أبي طالب ﵇: إنّ لكل كتاب صفوة، وصفوة هذا الكتاب حروف التهجّي.\nوفسّره الآخرون، فقال سعيد بن جبير: هي أسماء الله مقطّعة، لو أحسن الناس تأليفها لعلموا اسم الله الأعظم، ألا ترى أنّك تقول: الر «٢» وتقول: حم «٣» وتقول: ن «٤» فيكون الرَّحْمنُ، وكذلك سائرها على هذا الوجه، إلّا أنّا لا نقدر على وصلها والجمع بينها.\nوقال قتادة: هي أسماء القرآن.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هي أسماء للسور المفتتحة بها.\nوقال ابن عباس: هي أقسام أقسم الله بها، وروي أنّه ثناء أثنى الله به على نفسه.\nوقال أبو العالية: ليس منها حرف إلّا وهو «٥» مفتاح لاسم من أسماء الله ﷿، وليس منها حرف إلّا وهو في الآية وبلائه»\n، وليس منها حرف إلّا في مدّة قوم وآجال آخرين.\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٢٣٤، بتفاوت. [.....]\n(٢) سورة الحجر: ١.\n(٣) سورة الدخان: ١.\n(٤) سورة القلم: ١.\n(٥) في المخطوط: وهي.\n(٦) هكذا في المخطوط.","vol":"1","page":136},{"text":"وقال عبد العزيز بن يحيى: معنى هذه الحروف أنّ الله ذكرها، فقال: اسمعوها مقطعة، حتى إذا وردت عليكم مؤلفة كنتم قد عرفتموها قبل ذلك، وكذلك تعلم الصبيان أولا مقطعة، وكان الله أسمعهم مقطعة مفردة، ليعرفوها إذا وردت عليهم، ثم أسمعهم مؤلّفة.\nوقال أبو روق: إنّها تكتب للكفار، وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان يجهر بالقراءة في الصلوات كلّها، وكان المشركون يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ.\nفربما صفّقوا وربما صفّروا وربما لفظوا ليغلّطوا النبي ﷺ، فلمّا رأى رسول الله ذلك أسرّ في الظهر والعصر وجهر في سائرها، وكانوا يضايقونه ويؤذونه، فأنزل الله تعالى هذه الحروف المقطعة، فلمّا سمعوها بقوا متحيرين متفكّرين، فاشتغلوا بذلك عن إيذائه وتغليطه، فكان ذلك سببا لاستماعهم وطريقا إلى انتفاعهم.\nوقال الأخفش: إنّما أقسم الله بالحروف المعجمة لشرفها وفضلها، ولأنّها مباني كتبه المنزلة بالألسن المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وأصول كلام الأمم بما يتعارفون ويذكرون الله ويوحّدونه، وكأنّه أقسم بهذه الحروف إنّ القرآن كتابه وكلامه لا رَيْبَ فِيهِ.\nوقال النقيب: هي النبهة والاستئناف ليعلم أنّ الكلام الأول قد انقطع، كقولك: ولا إنّ زيدا ذهب.\nوأحسن الأقاويل فيه وأمتنها أنّها إظهار لإعجاز القرآن وصدق محمد ﷺ وذلك أنّ كل حرف من هذه الحروف الثمانية والعشرين.\nوالعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه كقوله تعالى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ «١» أي صلّوا لا يصلّون، وقوله: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ «٢» فعبر بالركوع والسجود عن الصلاة إذ كانا من أركانها، وقال: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ «٣» أراد جميع أبدانكم.\nوقال: سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ أي الأنف فعبّر باليد عن الجسد، وبالأنف عن الوجه.\nوقال الشاعر في امرأته:\nلما رأيت أمرها في خطي ... وفنكت في كذب ولط\nأخذت منها بقرون شمط ... فلم يزل ضربي بها ومعطي «٤»\n_________\n(١) سورة المرسلات: ٤٨.\n(٢) سورة العلق: ١٩.\n(٣) سورة آل عمران: ١٨٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ١٣٢، ولسان العرب: ١٠/ ٤٨٠.","vol":"1","page":137},{"text":"فعبّر بلفظة «خطي» عن جملة حروف أبجد.\nويقول القائل: (أب ت ث) وهو لا يريد هذه الأربعة الأحرف دون غيرها، بل يريد جميعها وقرأت الْحَمْدُ لِلَّهِ، وهو يريد جميع السورة، ونحوها كثير، وكذلك عبّر الله بهذه الحروف عن جملة حروف التهجّي، والإشارة فيه أنّ الله تعالى نبّه العرب وتحدّاهم، فقال: إنّي قد نزّلت هذا الكتاب من جملة الثمانية والعشرين التي هي لغتكم ولسانكم، وعليها مباني كلامكم، فإن كان محمد هو النبي يقوله من تلقاء نفسه، فأتوا بمثله أو بعشر سور مثله أو بسورة مثله، فلمّا عجزوا عن ذلك بعد الإجهاد ثبت أنّه معجزة.\nهذا قول المبرّد وجماعة من أهل المعاني، فإن قيل: فهل يكون حرفا واحدا عودا للمعنى؟\nوهل تجدون في كلام العرب أن يقال: الم زيد قائم؟ وحم عمرو ذاهب؟ قلنا: نعم، هذا عادة العرب يشيرون بلفظ واحد إلى جميع الحروف ويعبّرون به عنه.\nقال الراجز:\nقلت لها قفي فقالت قاف ... لا تحسبي أنّا نسينا الإيجاف «١»\nأي قف أنت.\nوأنشد سيبويه لغيلان:\nنادوهم ألا ألجموا ألا تا ... قالوا جميعا كلّهم ألا فا «٢»\nأي لا تركبون فقالوا: ألا فاركبوا.\nوأنشد قطرب في جارية:\nقد وعدتني أم عمرو أن تا ... تدهن رأسي وتفليني تا\nأراد أن تأتي وتمسح «٣»\nوأنشد الزجّاج:\nبالخير خيرات وإن شرّا فا ... ولا أريد الشرّ إلّا أن تا «٤»\nأراد بقوله (فا): وإن شرا فشر له، وبقوله: تا إلا أن تشاء.\nقال الأخفش: هذه الحروف ساكنة لأنّ حروف الهجاء لا تعرب، بل توقف على كلّ حرف على نيّة السكت، ولا بدّ أن تفصل بالعدد في قولهم واحد- اثنان- ثلاثة- أربعة.\n_________\n(١) شرح شافية ابن الحاجب: ٤/ ٢٦٤، والبيت الأوّل موجود في تفسير القرطبي: ١/ ١٥٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ١/ ١٥٦.\n(٣) لسان العرب: ١/ ١٦٤ وفيه: تفليني وا.\n(٤) لسان العرب: ١٥/ ٢٨٨.","vol":"1","page":138},{"text":"قال أبو النجم:\nأقبلت من عند زياد كالخرف ... تخط رجلاي بخط مختلف «١»\nتكتبان في الطريق لام الألف فإذا أدخلت حرفا من حروف العطف حركتها.\nوأنشد أبو عبيدة:\nإذا اجتمعوا على ألف وواو ... وياء هاج بينهم جدال «٢»\nوهذه الحروف تذكّر على اللفظ وتؤنّث على توهم الكلمة.\nقال كعب الأحبار: خلق الله العلم من نور أخضر، ثم أنطقه ثمانية وعشرين حرفا من أصل الكلام، وهيّأها بالصوت الذي سمع وينطق به، فنطق بها العلم فكان أوّل ذلك كلّه [.....] «٣» فنظرت إلى بعضها فتصاغرت وتواضعت لربّها تعالى، وتمايلت هيبة له، فسجدت فصارت همزة، فلمّا رأى الله تعالى تواضعها مدّها وطوّلها وفضّلها، فصارت ألفا، فتلفظه بها، ثم جعل القلم ينطق حرفا حرفا «٤» إلى ثمانية وعشرين حرفا، فجعلها مدار الكلام والكتب والأصوات واللغات والعبادات كلّها إلى يوم القيامة، وجميعها كلّها في أبجد.\nوجعل الألف لتواضعها مفتاح أول أسمائه، ومقدّما على الحروف كلّها، فأمّا قوله ﷿: الم فقد اختلف العلماء في تفسيرها.\nعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله تعالى: الم قال: أنا الله أعلم.\nأبو روق عن الضحاك في قوله الم: أنا الله أعلم.\nمجاهد وقتادة: الم اسم من أسماء القرآن.\nالربيع بن أنس: (ألف) مفتاح اسم الله، و(لام) مفتاح اسمه لطيف، و(ميم) مفتاح اسمه مجيد.\nخالد عن عكرمة قال: الم قسم.\nمحمد بن كعب: (الألف) آلاء الله، و(اللام) لطفه، و(الميم) ملكه.\n_________\n(١) لسان العرب: ٦٩٨. [.....]\n(٢) شرح الرضي على الكافية: ١/ ٦٨.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) في الأصل: حرف حرف.","vol":"1","page":139},{"text":"وفي بعض الروايات عن ابن عباس: (الألف) الله، و(اللام) جبرئيل، أقسم الله بهم إنّ هذا الكتاب لا رَيْبَ فِيهِ\n، ويحتمل أن يكون معناه على هذا التأويل: أنزل الله هذا الكتاب على لسان جبريل إلى محمد ﷺ.\nوقال أهل الإشارة: (ألف): أنا، (لام): لي، (ميم): منّي.\nوعن علي بن موسى الرضا عن جعفر الصادق، وقد سئل عن قوله: الم فقال: في الألف ست صفات من صفات الله: الابتداء لأنّ الله تعالى ابتدأ جميع الخلق، و(الألف) .\nابتداء الحروف، والاستواء: فهو عادل غير جائر، و(الألف) مستو في ذاته، والانفراد: والله فرد والألف فرد، واتصال الخلق بالله، والله لا يتصل بالخلق، فهم يحتاجون إليه وله غنى عنهم.\nوكذلك الألف لا يتصل بحرف، فالحروف متصلة: وهو منقطع عن غيره، والله باين بجميع صفاته من خلقه، ومعناه من الألفة، فكما أنّ الله سبب إلفة الخلق، فكذلك الألف عليه تألفت الحروف وهو سبب إلفتها.\nوقالت الحكماء: عجز عقول الخلق في ابتداء خطابه، وهو محل الفهم، ليعلموا أن لا سبيل لأحد إلى معرفة حقائق خطابه إلّا بعلمهم، فالعجز عن معرفة الله حقيقة خطابه.\nوأما محل الم من الإعراب فرفع بالابتداء وخبره فيما بعده.\nوقيل: الم ابتداء، وذلِكَ ابتداء آخر والْكِتابُ خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول.\nذلِكَ: قرأت العامة ذلِكَ بفتح الذال، وكذلك هذه وهاتان، وأجاز أبو عمرو الإمالة في هذه، (ذ) للاسم، واللام عماد، والكاف خطاب، وهو إشارة إلى الغائب.\nوالْكِتابُ: بمعنى المكتوب كالحساب والعماد.\nقال الشاعر:\nبشرت عيالي إذ رأيت صحيفة ... أتتك من الحجج تتلى كتابها «١»\nأو مكتوبها، فوضع المصدر موضع الاسم، كما يقال للمخلوق خلق، وللمصور تصوير، وقال: دراهم من ضرب الأمير، أي هي مضروبة، وأصله من الكتب، وهو ضم الحروف بعضها إلى بعض، مأخوذ من قولهم: كتب الخرز، إذا خرزته قسمين، ويقال للخرز كتبة وجمعها كتب.\nقال ذو المرّجة:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٤١.","vol":"1","page":140},{"text":"وفراء غرفية أثاي خوارزها ... مشلشل ضيعته فبينها الكتب «١»\nويقال: كتبت البغل، إذا حرمت من سفرتها الخلقة، ومنه قيل للجند كتيبة، وجمعها كتائب.\nقال الشاعر:\nوكتيبة جاءوا ترفل ... في الحديد لها ذخر\nواختلفوا في هذا الْكِتابُ قال ابن عباس والحسن وقتادة ومجاهد والضحاك ومقاتل:\nهو القرآن، وعلى هذا القول يكون (ذلِكَ) بمعنى (هذا) كقول الله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ «٢» أي هذه.\nوقال خفاف بن ندبه السلمي:\nإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عين تيممت مالكا «٣»\nأقول له الرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إنني أنا ذالكا «٤»\nيريد [هذا] .\nوروى أبو الضحى عن ابن عباس قال: معناه ذلِكَ الْكِتابُ الذي أخبرتك أن أوجّه إليك.\nوقال عطاء بن السائب: ذلِكَ الْكِتابُ الذي وعدتكم يوم الميثاق.\nوقال يمان بن رئاب: ذلِكَ الْكِتابُ الذي ذكرته في التوراة والإنجيل.\nوقال سعيد بن جبير: هو اللوح المحفوظ.\nعكرمة: هو التوراة والإنجيل والكتب المتقدّمة.\nوقال الفراء: إنّ الله تعالى وعد نبيه أن ينزل عليه كتابا لا يمحوه الماء ولا يخلق على كثرة الردّ، فلمّا أنزل القرآن قال: هو الكتاب الذي وعدتك.\nوقال ابن كيسان: تأويله أنّ الله تعالى أنزل قبل البقرة بضع عشرة سورة «٥» كذّب بكلها المشركون ثم أنزل سورة البقرة بعدها فقال: ذلِكَ الْكِتابُ يعني ما تقدم البقرة من القرآن.\nوقيل: ذلِكَ الْكِتابُ الذي كذب به مالك بن الصيف اليهودي.\n_________\n(١) الصحاح: ١/ ٢٠٨.\n(٢) سورة الأنعام: ٨٣.\n(٣) لسان العرب: ٣/ ٣٠٢.\n(٤) جامع البيان للطبري: ١/ ١٤٣.\n(٥) في المخطوط: سورا.","vol":"1","page":141},{"text":"لا رَيْبَ فِيهِ: لا شكّ فيه، إنّه من عند الله.\nقال: هُدىً: أي هو هدى، وتم الكلام عند قوله فِيهِ، وقيل: «هو» نصب على الحال، أي هاديا تقديره لا ريب في هدايته للمتقين.\nقال أهل المعاني: ظاهره نفي وباطنه نهي، أي لا ترتابوا فيه، كقوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ «١»: أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الهدى، والبيان وما يهتدي به ويستبين به الإنسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>فصل في التقوى</span>\nهُدىً لِلْمُتَّقِينَ: اعلم أنّ التقوى أصله وقى «٢» من وقيت، فجعلت الواو تاء، كالتكلان فأصله وكلان من وكلت، والتخمة أصلها وخمة من وخم معدته إذا لم يستمرئ.\nواختلف العلماء في معنى التقوى وحقيقة المتقي،\nفقال رسول الله ﷺ: «جماع التقوى في قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ ... «٣» الآية» «٤» [٦٢] .\nقال ابن عباس: المتقي الذي يتقي الشرك والكبائر والفواحش.\nوقال ابن عمر: التقوى أن لا يرى [نفسه] خيرا من أحد.\nوقال الحسن: المتقي الذي يقول لكل من رآه هذا خير مني.\nوقال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار: حدّثني عن التقوى، فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم، وقال: فما عملت فيه؟ قال: حذرت وتشمّرت، فقال كعب: ذلك التقوى، ونظمه ابن المعتز فقال:\nخلّ الذنوب صغيرها ... وكبيرها ذاك التقى\nواضع كماش فوق أر ... ض الشوك يحذر ما يرى\nلا تحتقرنّ صغيرة ... إنّ الجبال من الحصا «٥»\nوقال عمر بن عبد العزيز: ليس التقوى قيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن التقوى ترك ما حرّم الله وأداء ما افترض الله، فما رزق بعد ذلك فهو خير على خير.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٩٧.\n(٢) في المخطوط: وقوي.\n(٣) سورة النحل: ٩٠.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ١/ ٨٢.\n(٥) تفسير القرطبي: ١/ ١٦٢. [.....]","vol":"1","page":142},{"text":"وقيل لطلق بن حبيب: أجمل لنا التقوى؟ فقال: التقوى عمل يطلبه الله على نور من الله رجاء ثواب الله، والتقوى ترك معصية الله على نور من الله مخافة عقاب الله.\nوقال بكر بن عبد الله: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون يتقي الطمع، ويتقي الغضب.\nوقال عمر بن عبد العزيز: المتقي لمحرم لا تحرم، يعني في الحرم.\nوقال شهر بن حوشب: المتقي الذي يترك ما لا يأتمن به حذرا لما به بأس.\nوروي عن النبي ﷺ أنّه قال: إنّما سمي المتقون؟ لتركهم ما لا بأس به حذرا للوقوع فيما به بأس «١» .\nوقال سفيان الثوري والفضيل: هو الذي يحب للناس ما يحب لنفسه.\nوقال الجنيد بن محمد: ليس المتقي الذي يحب الناس ما يحب لنفسه، إنّما المتقي الذي يحب للناس أكثر مما يحب لنفسه، أتدرون ما وقع لأستاذي سري بن المفلّس؟ سلّم عليه ذات يوم صديق له فردّ عليه، وهو عابس لم يبشّ له، فقلت له في ذلك فقال: بلغني أنّ المرء المسلم إذا سلّم على أخيه وردّ عليه أخوه قسمت بينهما مائة رحمة، فتسعون لأجلهما، وعشرة للآخر فأحببت أن يكون له التسعون.\nمحمد بن علي الترمذي: هو الذي لا خصم له.\nالسري بن المفلّس: هو الذي يبغض نفسه.\nالشبلي: هو الذي يبغي ما دون الله.\nقال جعفر الصادق: أصدق كلمة قالت العرب قول لبيد:\nألا كلّ شيء ما خلا الله باطل «٢»\nالثوري: هو الذي اتّقى الدنيا وأقلها.\nمحمد بن يوسف المقري: مجانبة كل ما يبعدك عن الله.\nالقاسم بن القاسم: المحافظة على آداب الشريعة.\nوقال أبو زيد: هو التورّع عن جميع الشبهات.\nوقال أيضا: المتقي من إذا قال قال لله، وإذا سكت سكت لله، وإذا ذكر ذكر لله تعالى.\nالفضيل: يكون العبد من المتقين حتى يأمنه عدوّه كما يأمنه صديقه.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١/ ٨٣.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٣٥١.","vol":"1","page":143},{"text":"وقال سهل: المتقي من تبرّأ من حوله وقوّته.\nوقال: التقوى أن لا يراك الله حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك.\nوقيل: هو الاقتداء بالنبي ﷺ.\nوقيل: هو أن تتقي بقلبك عن الغفلات، وبنفسك من الشهوات، وبحلقك من اللذات، وبجوارحك من السيئات، فحينئذ يرجى لك الوصول لما ملك الأرض والسموات.\nأبو القاسم (حكيم): هو حسن الخلق.\nوقال بعضهم: يستدل على تقوى الرجل بثلاث: بحسن التوكّل فيما لم ينل، وحسن الرضا فيما قد نال، وحسن الصبر على ما فات.\nوقيل: المتقي من اتّقى متابعة هواه.\nوقال مالك: حدثنا وهب بن كيسان أنّ بعض فقهاء أهل المدينة كتب إلى عبد الله بن الزبير أنّ لأهل التقى علامات يعرفون بها: الصبر عند البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر عند النعمة، والتذلل لأحكام القرآن.\nوقال ميمون بن مهران: لا يكون الرجل تقيا حتى يكون أشدّ محاسبة لنفسه من الشريك الشحيح والسلطان الجائر.\nوقال أبو تراب: بين يدي التقوى عقبات، من لا يجاوزها لا ينالها، اختيار الشدة على النعمة، واختيار القول على الفضول، واختيار الذلّ على العزّ، واختيار الجهد على الراحة، واختيار الموت على الحياة.\nوقال بعض الحكماء: لا يبلغ الرجل سنام التقوى إلّا إذا كان بحيث لو جعل ما في قلبه على طبق، فيطاف به في السوق لم يستحي من شيء عليها.\nوقيل: التقوى أن تزيّن سرّك للحقّ، كما تزيّن علانيتك للخلق.\nوقال أبو الدرداء:\nيريد المرء أن يعطى مناه ... ويأبى الله إلّا ما أرادا\nيقول «١» المرء فائدتي وذخري ... وتقوى الله أفضل ما استفادا «٢»\n_________\n(١) في المخطوط: ويقول.\n(٢) الدرّ المنثور: ١/ ٢٥.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-89>فصل في الإيمان</span>\nالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ اعلم أنّ حقيقة الإيمان هي التصديق بالقلب، لأن الخطاب الذي توجّه عليها بلفظ آمنوا إنّما هو بلسان العرب، ولم يكن العرب يعرفون «١» الإيمان غير التصديق، والنقل في اللغة لم يثبت فيه، إذ لو صح النقل عن اللغة لروي عن ذلك، كما روي في الصلاة التي أصلها الدعاء.\nإذا كان الأمر كذلك وجب علينا أن نمتثل الأمر على ما يقتضيه لسانهم، كقوله تعالى في قصة يعقوب ﵇ وبنيه وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا «٢»: أي بمصدق لنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ، ويدل عليه من هذه الآية أنّه لما ذكر الإيمان علّقه بالغيب، ليعلم أنّه تصديق الخبر فيما أخبر به من الغيب، ثم أفرده بالذكر عن سائر الطاعات اللازمة للأبدان وفي الأموال فقال: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ والدليل عليه أيضا أنّ الله تعالى حيث ما ذكر الإيمان [نسبه] «٣» إلى القلب فقال: مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ «٤»، وقال: وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ»\n، وقال: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ «٦»، ونحوها كثير.\nفأما محل الإسلام من الإيمان فهو كمحل الشمس من الضوء: كل شمس ضوء، وليس كل ضوء شمسا «٧»، وكل مسك طيب، وليس كل طيب مسكا، كذلك كل إيمان إسلام وليس كل إسلام إيمانا، إذا لم يكن تصديقا لأن الإسلام هو الانقياد والخضوع، يدل عليه قوله تعالى:\nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا «٨» من خوف السيف،\nوقول النبي ﷺ:\n«الإيمان سرا» «٩» [٦٣] وأشار إلى صدره «والإسلام علانية» «١٠» [٦٤]\n، وقوله ﷺ: «يا معشر من أسلم بلسانه، ولم يدخل الإيمان في قلبه» «١١» [٦٥] .\nوكذلك اختلف جوابه لجبرائيل في الإسلام والإيمان، فأجاب في الإيمان بالتصديق، وفي الإسلام بشرائع الإيمان، وهو ما\nروى أبو بريده، وهو يحيى بن معمر قال: أول من قال في القدر بالبصرة سعيد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجّين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ فسألناه عما يقول هو: ما في القدر؟ فوافقنا عبد الله ابن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن\n_________\n(١) في المخطوط: يعرف.\n(٢) سورة يوسف: ١٧.\n(٣) زيادة اقتضاها السياق.\n(٤) سورة المائدة: ٤١.\n(٥) سورة النحل: ١٠٦.\n(٦) سورة المجادلة: ٢٢.\n(٧) في المخطوط: شمس.\n(٨) سورة الحجرات: ١٤.\n(٩) تفسير مجمع البيان: ١/ ٨٦.\n(١٠) تفسير مجمع البيان: ١/ ٨٦. [.....]\n(١١) كنز العمّال: ٣/ ٥٨٥، ح ٨٠٢١.","vol":"1","page":145},{"text":"شماله فظننت أن صاحبي سيكل الكلام لي، فقلت: أبا عبد الرحمن، إنّه قد ظهر قبلنا أناس يقرءون القرآن ويفتقرون [إلى] «١» العلم وذكر من لسانهم أنّهم يزعمون أن لا قدر، وأنّ الأمر أنف، فقال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنّهم برءاء مني، والذي يحلف به عبد الله ابن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر.\nثم قال: أخبرنا أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ وأسند ركبته إلى ركبته، ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ قال رسول الله ﷺ: «الإسلام أن يشهد أن لا إله إلّا الله، وأنّ محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت، قال: فعجبنا له يسأله ويصدّقه! قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وتؤمن بالقدر خيره وشره» .\nقال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك»، قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن إماراتها؟ قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاة شاهقون في البنيان»، قال: ثم انطلق، فلبث علينا ثم قال: يا عمر من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنّه جبرائيل ﵇ أتاكم ليعلمكم دينكم» «٢» .\nثم يسمى اقرار اللسان وأعمال الأبدان إيمانا بوجه من المناسبة وضرب من المقاربة لأنها من شرائعه وتوابعه وعلاماته وإماراته كما نقول: رأيت الفرح في وجه فلان، ورأيت علم زيد في تصنيفه وإنّما الفرج والعلم في القلب،\nوقال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون بابا، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها شهادة «٣» أن لا إله إلّا الله» [٦٦] «٤» .\nوعن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، والحياء شعبة من الإيمان» [٦٧] «٥» .\nالحسن بن علي قال: حدثني علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان» [٦٨] «٦» .\n_________\n(١) زيادة اقتضاها السياق.\n(٢) صحيح مسلم: ١/ ٢٨- ٢٩ بطوله.\n(٣) في المصدر: وارفعها قول.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٤٤٥، وكنز العمّال: ١/ ٣٦.\n(٥) صحيح مسلم: ١/ ٤٦.\n(٦) المعجم الأوسط: ٦/ ٢٢٦.","vol":"1","page":146},{"text":"وعن علي بن الحسين زين العابدين قال: حدثنا أبي سيد شباب أهل الجنة قال: حدثنا أبي سيد الأوصياء قال: حدثنا محمّد سيد الأنبياء قال: «الإيمان قول مقول وعمل معمول وعرفان بالعقول واتباع الرسول» [٧٢] «١» .\nوامّا الغيب فهو ما كان مغيّبا عن العيون محصّلا في القلوب وهو مصدر وضع موضع الاسم فقيل للغائب غيب، كما قيل للصائم: صوم، وللزائر: زور، وللعادل: عدل.\nالربيع بن أبي العالية يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: يؤمنون بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث، فهذا غيب كلّه.\nعمر بن الأسود عن عطاء بن أبي رباح: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: بالله، من آمن بالله فقد آمن بالغيب «٢» .\nسفيان عن عاصم بن أبي النجود في قوله يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ قال: الغيب: القرآن. وقال الكلبي: بما نزل من القرآن وبما لم يجيء بعد.\nالضحاك: الغيب لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وما جاء به محمّد ﷺ، وقال زرّ بن حبيش وابن جريج وابن واقد: يعني بالوحي، نظيره قوله تعالى: أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى «٣» وقوله: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا «٤» وقوله: وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ «٥» .\nالحسن: يعني بالآخرة. عبد الله بن هاني: هو ما غاب عنهم من علوم القرآن.\nوروى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب (﵁) انه قال: كنت مع النبي ﷺ جالسا فقال: «أتدرون أي أهل الأيمان أفضل؟» قالوا: يا رسول الله الملائكة، قال:\n«هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم وقد أنزلهم الله تعالى بالمنزلة التي أنزلهم، بل غيرهم» .\nقلنا: يا رسول الله الأنبياء؟ قال: «هم كذلك وحقّ لهم ذلك وما يمنعهم، بل غيرهم»، قلنا: يا رسول الله فمن هم؟ قال: «أقوام يأتون من بعدي هم في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يرونني، يجدون الورق المعلّق فيعملون بما فيه فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا» [٧٣] «٦» .\nوروى حسن إن الحرث بن قيس عن عبد الله بن مسعود: عند الله يحتسب ما سبقتمونا إليه يا أصحاب محمد من رؤية رسول الله ﷺ، فقال عبد الله بن مسعود: نحن عند الله نحتسب إيمانكم بمحمد ﷺ ولم تروه، ثم قال عبد الله: إنّ أمر محمد كان بيّنا لمن رآه والذي لا اله الّا\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١/ ٨٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٣.\n(٣) سورة النجم: ٣٥.\n(٤) سورة الجن: ٢٦.\n(٥) سورة التكوير: ٢٤.\n(٦) مسند أبي يعلى: ١/ ١٤٧.","vol":"1","page":147},{"text":"هو ما آمن مؤمن أفضل من إيمان الغيب، ثمّ قرأ: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يديمونها ويأتمونها ويحافظون عليها بمواقيتها وركوعها وسجودها وحقوقها وحدودها، وكل من واظب على شيء وقام به فهو مقيم له يقال أقام فلان الحجّ بالناس، وأقام القوم [سوقهم] «١» ولم يعطلوها قال الشاعر:\nفلا تعجل بأمرك واستدمه ... فما صلّى عصاك [كمستديم] «٢»\nأي أراد بالصلاة هاهنا الصلوات الخمس، فذكرها بلفظ الواحد، كقوله: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ «٣» أراد الكتب، وأصل الصلاة في اللغة: الدّعاء، ثمّ ضمّت إليها [عبادة] سميت مجموعها صلاة لأن الغالب على هذه العبادة الدّعاء.\nوقال أبو حاتم الخارزمي: اشتقاقها من الصّلا وهو النار، فأصله من الرفق وحسن المعاناة للشيء وذلك إنّ الخشبة المعوجّة إذا أرادوا تقويمها [سحنوها بالنار] قوموها [بين خشبتين] فلذلك المصلّي ينبغي أن يتأنى في صلاته ويحفظ حدودها ظاهرا وباطنا ولا يعجّل فيها ولا يخفّ [ولا يعرف] قال الشاعر:\nفلا تعجّل بأمرك واستدمه ... فما صلّى عصاك كمستديم\nأي ما قوّم أمرك كالمباني.\nوَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم، والرزق عند أهل السنّة: ما صحّ الانتفاع به، فإن كان طعاما فليتغدّى به، وان كان لباسا فلينقى والتوقي، وإن كان مسكنا فللانتفاع به سكنى، وقد ينتفع المنتفع بما هيّئ الانتفاع به على الوجهين: حلالا وحراما، فلذلك قلنا إنّ الله رزق الحلال والحرام، [وأصل الرزق] في اللغة: هو الحظ والبخت.\nيُنْفِقُونَ يتصدقون، وأصل الإنفاق: الإخراج عن اليد أو عن الملك. يقال: نفق المبيع إذا كثر مشتروه وأسرع خروجه، ونفقت الدابة إذا خرجت روحها، ونافقاء اليربوع من ذلك لأنه إذا أتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فانتفق وأنفق إن خرج منه «٤»، والنفق: سرب في الأرض له مخلص إلى مكان آخر يخرج إليه.\nوَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ: أي يصدّقون بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ: يا محمد يعني القرآن وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ: يعني الكتب المتقدمة مثل صحف إبراهيم وموسى والزّبور والإنجيل وغيرها.\n_________\n(١) زيادة عن تفسير الطبري: ١/ ١٥٢ والمخطوط ممسوح. [.....]\n(٢) تاج العروس: ٨/ ٢٩٥.\n(٣) سورة البقرة: ٢١٣.\n(٤) راجع كتاب العين: ٥/ ١٧٨.","vol":"1","page":148},{"text":"وَبِالْآخِرَةِ أي بالدار الآخرة، وسمّيت آخرة لأنّها تكون بعد الدّنيا ولأنّها أخّرت حتى تفنى الدنيا ثم تكون.\nهُمْ يُوقِنُونَ يعلمون ويتيقّنون أنها كائنة، ودخل (هُمْ) تأكيدا، يسمّيه الكوفيون عمادا والبصريون فصلا.\nأُولئِكَ أهل هذه الصفة، وأولاء: اسم مبني على الكسر، ولا واحد له من لفظه، والكاف خطاب، ومحل أُولئِكَ رفع بالابتداء وخبره في قوله: عَلى هُدىً رشد وبيان وصواب. مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ ابتدائان وهُمُ عماد الْمُفْلِحُونَ خبر الابتداء وهم الناجون الفائزون فازوا بالجنّة ونجوا من النار، وقيل: هم الباقون في الثواب والنعيم المقيم.\nوأصل الفلاح في اللغة: البقاء. قال لبيد:\nنحلّ بلادا كلها حل قبلنا ... ونرجو فلاحا بعد عاد وحمير «١»\nوقال آخر:\nلو كان حي مدرك الفلاح ... أدركه ملاعب الرماح\nأبو براء يدرة المسياح «٢»\nوقال مجاهد: أربع آيات من أول هذه السورة نزلت في المؤمنين، وآيتان بعدهما نزلت في الكافرين، وثلاث عشرة آية بعدها نزلت في المنافقين.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا: يعني مشركي العرب، وقال الضحّاك: نزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته. وقال الكلبي: يعني اليهود، وقيل: المنافقون.\nوالكفر: هو الجحود والإنكار.\nوأصله من الكفر وهو التغطية والسّتر، ومنه قيل للحراث: كافر لأنّه [يستر البذر]، قال الله تعالى: أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ «٣»: يعني الزرّاع، وقيل للبحر: كافر، ولليل: كافر. قال لبيد:\nحتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها «٤»\nفي ليلة كفر النجوم غمامها «٥»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١٨٢.\n(٢) تاج العروس: ٢/ ١٤٦ لسان العرب: ٢/ ٤٥٤ وفيه: (أبا براء مدرة السياح)، والمسياح: من يسيح بالنميمة والشر في الأرض.\n(٣) سورة الحديد: ٢٠.\n(٤) لسان العرب: ٥/ ١٤٧.\n(٥) جامع البيان للطبري: ١/ ١٦٢.","vol":"1","page":149},{"text":"ومنه: المتكفّر بالسلاح، وهو الشاكي الذي غطّى السلاح جميع بدنه.\nفيسمى الكافر كافرا لأنه ساتر للحق ولتوحيد الله ونعمه ولنبوّة أنبيائه.\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ: أي واحد عليهم ومتساوي لديهم، وهو اسم مشتق من التساوي.\nأَأَنْذَرْتَهُمْ: أخوّفتهم وحذّرتهم.\nقال أهل المعاني: الإنذار والإعلام مع تحذير، يقال: أنذرتهم فنذروا، أي أعلمتهم فعلموا، وفي المثل: وقد أعذر من أنذر، وفي قوله: أَأَنْذَرْتَهُمْ وأخواتها أربع قراءات:\nتحقيق الهمزتين وهي لغة تميم وقراءة أهل الكوفة لأنها ألف الاستفهام دخلت على ألف القطع وحذف الهمزة التي وصلت بفاء الفعل وتعويض مده منها كراهة الجمع بين الهمزتين وهي لغة أهل الحجاز، وإدخال ألف بين الهمزتين وهي قراءة أهل الشام في رواية هشام وإحدى الروايتين عن أبي عمرو.\nقال الشاعر:\nتطاولت فاستشرقت قرابته ... فقلن له: أأنت زيد لا بل قمر «١»\nوالأخبار اكتفاء بجواب الاستفهام، وهي قراءة الزهري.\nأَمْ: حرف عطف على الاستفهام.\nلَمْ: حرف جزم لا يلي إلّا الفصل لأنّ الجزم مختص بالأفعال.\nتُنْذِرْهُمْ: تحذرهم لا يُؤْمِنُونَ وهذه الآية خاصّة فيمن حقّت عليه كلمة العذاب في سابق علم الله، وظاهرها إنشاء ومعناها إخبار، ثمّ ذكر سبب تركهم للإيمان فقال:\nخَتَمَ اللَّهُ: أي طبع عَلى قُلُوبِهِمْ والختم والطبع بمعنى واحد وهما التغطية للشيء [والاستيثاق] «٢» من أن يدخله شيء آخر.\nفمعنى الآية: طبع الله على قلوبهم وأغلقها وأقفلها فليست تعي خبرا ولا تفهمه. يدل عليه قوله: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها «٣» .\nوقال بعضهم: معنى الطبع والختم: حكم الله عليهم بالكفر والشقاوة كما يقال للرجل:\nختمت عليك أن لا تفلح أبدا.\nوَعَلى سَمْعِهِمْ: فلا يسمعون الحق ولا ينتفعون به، وإنما وحّده لأنه مصدر، والمصادر\n_________\n(١) كذا في المخطوط، ولم نجده.\n(٢) المخطوط غير مقروء وما أثبتناه من تفسير القرطبي: ١/ ١٨٦.\n(٣) سورة محمد: ٢٤.","vol":"1","page":150},{"text":"لا تثنّى ولا تجمع، وقيل: أراد سمع كل واحد منهم كما يقال: آتني برأس كبشين، أراد برأس كل واحد منهما، قال الشاعر:\nكلوا في نصف بطنكم تعيشوا ... فإن زمانكم زمن خميص «١»\nوقال سيبويه: توحيد السمع يدل على الجمع لأنه لا توحيد جمعين كقوله تعالى:\nيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ»\nيعني الأنوار.\nقال الراعي:\nبها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب «٣»\nوقرأ ابن عبلة: وعلى أسماعهم، وتم الكلام عند قوله وَعَلى سَمْعِهِمْ.\nثم قال: وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ: أي غطاء وحجاب، فلا يرون الحق، ومنه غاشية السرج، وقرأ المفضل بن محمد الضبي: غِشاوَةً بالنصب كأنّه أضمر له فعلا أو جملة على الختم: أي وختم على أبصارهم غشاوة. يدل عليه قوله تعالى: وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً «٤» .\nوقرأ الحسن: غُشاوَةٌ بضم الغين، وقرأ الخدري: غَشاوَةٌ بفتح الغين، وقرأ أصحاب عبد الله: غشوة بفتح الغين من غير ألف.\nوَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: القتل والأسر في الدنيا، والعذاب الأليم في العقبى، والعذاب كلّ ما يعنّي الإنسان ويشقّ عليه، ومنه: عذّبه السواط ما فيها من وجود الألم، وقال الخليل:\nالعذاب ما يمنع الإنسان من مراده، ومنه: الماء العذب لأنه يمنع من العطش، ثم نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي بن سلول الخزرجي، ومعتب بن بشر، وجدّ بن قيس وأصحابهم حين قالوا: تعالوا إلى خلة نسلم بها من محمد وأصحابه ونكون مع ذلك مستمسكين بديننا، فأجمعوا على أن يقرّوا كلمة الإيمان بألسنتهم واعتقدوا خلافها وأكثرهم من اليهود. فقال الله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨ الى ١٦]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٢٢.\n(٢) سورة البقرة: ٢٥٧.\n(٣) قائله علقمة بن عبدة راجع ديوانه: ٢٧ وتفسير الطبري: ٤/ ٣٢٤. [.....]\n(٤) سورة الجاثية: ٢٣.","vol":"1","page":151},{"text":"وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا: صدّقنا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ: أي يوم القيامة «١» .\nقال الله تعالى: وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ والناس: هم جماعة من الحيوان المتميّز بالصورة الإنسانية، وهو جمع إنسان، وإنسان في الأصل إنسيان بالياء، فأسقطوا الياء منه ونقلوا حركته إلى السين فصار إنسانا الا ترى إنّك إذا صغرته رددت الياء إليه فقلت: أنيسيان، واختلف العلماء في تسميته بهذا الاسم: فقال ابن عباس: سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. قال الله تعالى وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ «٢»، وقال الشاعر:\nوسمّيت إنسانا لأنك ناسي «٣»\nوقال بعض أهل المعاني: سمّي إنسانا لظهوره وقدس البصير إياه من قولك: آنست كذا:\nأي أبصرت. فقال الله تعالى آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا «٤» وقيل: لأنه استأنس به، وقيل:\nلما خلق الله آدم آنسه بزوجته فسمّي إنسانا.\nيُخادِعُونَ اللَّهَ: أي يخالفون الله ويكذّبونه، وأصل الخدع في اللغة: الإخفاء، ومنه قيل [للبيت الذي يحيا فيه المتاع] مخدع، والمخادع يظهر خلاف ما يضمر، وقال بعضهم: أصل الخداع في لغة: الفساد، قال الشاعر:\nأبيض اللون لذيذ طعمه ... طيّب الرّيق إذا الريق خدع «٥»\nأي فسد.\nفيكون معناه: ليفسدون بما أضمروا بأنفسهم وبما أضمروا في قلوبهم، وقيل معناه:\nيُخادِعُونَ اللَّهَ بزعمهم وفي ظنّهم، يعني إنهم اجترءوا على الله حتى أنهم ظنّوا أنهم يخادعون، وهذا كقوله تعالى: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا «٦» يعني بظنّك وعلى زعمك.\nوقيل: معناه يفعلون في دين الله ما هو خداع فيما بينهم. وقيل: معناه يخادعون رسوله،\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٣ وأسباب النزول للواحدي: ١٧٤.\n(٢) سورة طه: ١١٥.\n(٣) جاء بنحو النثر لا الشعر في لسان العرب: ٦/ ١١.\n(٤) سورة القصص: ٢٩.\n(٥) لسان العرب: ٨/ ٦٥.\n(٦) سورة طه: ٩٧.","vol":"1","page":152},{"text":"كقوله: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ «١» أي أسخطونا، وقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ «٢» أي أولياء الله لأن الله سبحانه لا يؤذى ولا يخادع، فبيّن الله تعالى أنّ من آذى نبيا من أنبيائه ووليا من أوليائه استحق العقوبة كما لو آذى رسوله وخادعه. يدل عليه\nالخبر المروي: إن الله تعالى يقول: من آذى وليا من أوليائي فقد بارزني بالمحاربة «٣» .\nوقيل: إنّ ذكر الله سبحانه في قوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ تحسين وتزيين لسامع الكلام، والمقصد بالمخادعة للذين آمنوا كقوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ «٤» . ثم المخادعة على قدر المعاجلة وأكثر المفاضلة إنّما تجيء في الفعل المشترك بين اثنين، كالمقاتلة والمضاربة والمشاتمة، وقد يكون أيضا من واحد كقولك: طارقت النعل، وعاقبت اللصّ، وعافاك الله، قال الله ﷿: وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ «٥» وقال: قاتَلَهُمُ اللَّهُ «٦» والمخادعة ها هنا عبارة عن الفعل الذي يختص بالواحد في حين الله تعالى لا يكون منه الخداع.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا أي ويخادعون المؤمنين بقولهم إذا رأوهم: آمنا، وهم غير مؤمنين، وقال بعضهم: من خداعهم المؤمنين: هو أنّهم كانوا يجالسون المؤمنين ويخالطونهم حتى يأنس بهم المؤمنون ويعدّونهم من أنفسهم فيبثون إليهم أسرارهم فينقلونها إلى أعدائهم. قال الله تعالى:\nوَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن وبال خداعهم راجع إليهم كأنهم في الحقيقة يخدعون أنفسهم وذلك أنّ الله تعالى لمطلع نبيّه محمدا ﷺ على أسرارهم ونفاقهم، فيفتضحون في الدنيا ويستوجبون العقاب الشديد في العقبى.\nقال أهل الإشارة: إنما يخادع من لا يعرف البواطن، فأما من عرف البواطن فإنّ من خادعه فإنما يخدع نفسه.\nواختلف القرّاء في قوله: وَما يَخْدَعُونَ فقرأ شيبة ونافع وابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمرو بن العلاء: يُخادِعُونَ بالألف جعلوه من المفاعلة التي تختص بالواحد، وقد ذكرنا خبره وتصديقها الحرف الأول، وقوله: يُخادِعُونَ اللَّهَ لم يختلفوا فيه إلّا ما روي عن أبي حمزة الشامي إنه قرأ: (يخدعون الله) وقرأ الباقون وَما يَخْدَعُونَ على أشهر اللغتين وأضبطهما واختاره أبو عبيد.\n_________\n(١) سورة الزخرف: ٥٥.\n(٢) سورة الأحزاب: ٥٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٣٧.\n(٤) سورة الأنفال: ٤١.\n(٥) سورة الأعراف: ٢١.\n(٦) سورة التوبة: ٣٠.","vol":"1","page":153},{"text":"وَما يَشْعُرُونَ «١» وما يعلمون إنها كذلك.\nفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شكّ ونفاق، ومنه يقال: فلان يمرض في الوعد إذا لم يصحّحه، وأصل المرض: الضّعف والفتور. فسمّي الشك في الدّين والنفاق [مرض به] يضعف البدن وينقص قواه ولأنه يؤدي إلى الهلاك بالعذاب، كما أن المرض في البدن يؤدي إلى الهلاك والموت.\nفَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا شكّا ونفاقا وهلاكا.\nوَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وهو بمعنى مؤلم كقول عمرو بن معدي كرب:\nأمن ريحانة الداعي المسيع ... يؤرّقني وأصحابي هجوع «٢»\nأي المسمع: يعني خيالها.\nبِما كانُوا يَكْذِبُونَ: (ما) مصدرية، أي بتكذيبهم على الله ورسوله في السرّ.\nوقرأ أهل الكوفة: بفتح الياء وتخفيف الذال، أي بكذبهم إذ قالوا آمنا وهم غير مؤمنين.\nوَإِذا: حرف توقيت بمعنى حينئذ، وهي تؤذن بوقوع الفعل المنتظر وفيها معنى الجزاء، قِيلَ: فعل ماض مجهول، وكان في الأصل قول مثل قيل، فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت كسرتها إلى فاء الفعل فانقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها، هذه اللغة العالية وعليها العامة وهي اختيار أبي عبيد.\nوقرأ الكسائي ويعقوب: قيل، وغيض، وحيل، وسيق، وجيء، وشيء وشيت بإشمام الضمّة فيها لتكون دالة على الواو المنقلبة، وفاصلة بين الصّدر والمصدر.\nلَهُمْ: يعني المنافقين، وقيل: اليهود. قال لهم المؤمنون: لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والمعصية وتفريق الناس عن الإيمان بمحمد والقرآن، وقال الضحّاك: تبديل الملّة وتغيير السّنة وتحريف كتاب الله.\nقالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا: كلمة تنبيه إِنَّهُمْ: هُمُ عماد وتأكيد الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ: ما أعدّ لهم من العذاب.\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ يعني: [قال] «٣» المؤمنون لليهود: آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ وهم عبد الله ابن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٩. [.....]\n(٢) لسان العرب: ٨/ ١٦٤.\n(٣) زياد لإتمام المعنى.","vol":"1","page":154},{"text":"قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ الجهّال. قال الله: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ بأنهم كذلك، وقيل: لا يؤدون العلم حقّه، وقال المؤرّخ: السفيه: البهّات الكذّاب المتعمّد لخلاف ما يعلم.\nقطرب: السفيه: العجول الظلوم يعمل خلاف الحق.\nواختلف القرّاء في قوله: السُّفَهاءُ أَلا فحقّق بعضهم الهمزتين، وهو مذهب أهل الكوفة ولغة تميم.\nوأما أبو عمرو وأهل الحجاز فإنّهم همزوا الأولى وليّنوا الثانية طلبا للخفّة، واختار الفرّاء حذف الأولى وهمز الثانية، واحتج بأن ما يستأنف- أي بالهمزة- مما يسكت عليه.\nوَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا.\nقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: كان عبد الله بن أبيّ بن سلول الخزرجي عظيم المنافقين من رهط سعد بن عبادة، وكان إذا لقى سعدا قال: نعم الدين دين محمد، وكان إذا رجع إلى رؤساء قومه. قالوا: هل نكفر؟ قال: سدّوا أيديكم بدين آبائكم. فأنزل الله هذه الآية.\nوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبيّ محتجا به، وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: عبد الله بن أبيّ لأصحابه: أنظروا كيف أدرأ هؤلاء السّفهاء عنكم. فذهب وأخذ بيد أبي بكر فقال: مرحبا بالصّدّيق سيّد بني تيم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله ﷺ في الغار، والباذل نفسه وماله له. ثمّ أخذ بيد عمر فقال: مرحبا بسيّد بني عدي بن كعب الفاروق القوي في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله، ثمّ أخذ بيد علي فقال: مرحبا بابن عم رسول الله وختنه سيّد بني هاشم ما خلا رسول الله ﷺ فقال علي: كف لله واتق الله ولا تنافق، فإنّ المنافقين شر خليقة الله، فقال له عبد الله: مهلا أبا الحسن إليّ تقول هذا، والله إنّ إيماننا كإيمانكم وتصدّيقنا كتصديقكم ثمّ افترقوا، فقال عبد الله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت. فأثنوا عليه خيرا، وقالوا: لا نزال معك ما عشت، فرجع المسلمون إلى النبي ﷺ وأخبروه بذلك، فأنزل الله وَإِذا لَقُوا أي رأوا، يعني المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه\n، كان (لَقُوا) في الأصل (لقيوا) فاستثقلت الضمة على الياء فبسطت على القاف وسكنت الواو والياء ساكنة فحذفت لاجتماعهما.\nوقرأ محمد بن السميقع: وإذا لاقوا وهما بمعنى واحد.\nالَّذِينَ آمَنُوا: يعني أبا بكر وأصحابه قالُوا آمَنَّا كأيمانكم. وَإِذا خَلَوْا رجعوا، ويجوز أن تكون من الخلوة، تقول: خلوت به وخلوت إليه، وخلوت معه، كلها بمعنى واحد.","vol":"1","page":155},{"text":"وقال النضر بن شميل: إِلى ها هنا بمعنى (مع) كقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ «١»: أي مع نسائكم، وقوله: لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ «٢» وقوله:\nمَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «٣» النابغة:\nولا تتركنّي بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب «٤»\nأي مع الناس.\nوقال آخر:\nولوح ذراعين في بركة ... إلى جؤجؤ رهل المنكب «٥»\nأي مع جؤجؤ.\nإِلى شَياطِينِهِمْ: أي رؤسائهم وكبرائهم وقادتهم وكهنتهم.\nقال ابن عباس: هم خمسة نفر من اليهود، ولا يكون كاهن إلّا ومعه شيطان تابع له: كعب ابن الأشرف بالمدينة، وأبو بردة في بني أسلم، وعبد الله في جهينة، وعوف بن عامر في بني أسد، وعبد الله بن السّوداء بالشام.\nوالشيطان: المتمرد العاصي من الجن والإنس، ومن كل شيء، ومنه قيل: للحيّة النضناض «٦»: الشيطان، قال الله تعالى: طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ «٧» أي الحيات، وتقول العرب: اتّق تلك الدابة فإنّها شيطان.\nوفي الحديث: «إذا مرّ الرجل بين يدي أحدكم وهو يمتطي فليمنعه فإن أبى فليقاتله فإنّه شيطان» .\nوروي عن النبي ﷺ: إنّه نظر الى رجل يتبع حماما طائرا فقال: «شيطان يتبع شيطانا «٨»»\n[٧٤] «٩» .\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٨٧.\n(٢) سورة النساء: ٢.\n(٣) آل عمران: ٥٢.\n(٤) لسان العرب: ١٥/ ٤٣٥.\n(٥) لسان العرب: ٣/ ١٥٦.\n(٦) النضناض من الحيّات: التي أخرجت لسانها تحركه، أو التي لا تستقر في مكان، أو التي إذا نهشت قتلت من ساعتها.\n(٧) سورة الصافات: ٦٥.\n(٨) وفي بعض المصادر: شيطانه.\n(٩) مسند أحمد: ٢/ ٣٤٥ كنز العمال: ١٥/ ٢١٨.","vol":"1","page":156},{"text":"أراد الراعي الخبيث الداعي.\nويحكى عن بعضهم إنه قال في تضاعيف كلامه: وكل ذلك حين ركبني شيطان قيل له:\nوأي الشياطين ركبك؟ قال: الغضب.\nوقال أبو النجم:\nإنّي وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر «١»\nقالُوا إِنَّا مَعَكُمْ أي على دينكم وأنصاركم.\nإِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ بمحمد وأصحابه.\nاللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ أي يجازيهم جزاء استهزائهم، فسمّي الجزاء باسم الابتداء إذ كان مثله في الصورة كقوله جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «٢» فسمّي جزاء السيئة سيئة.\nوقال عمرو بن كلثوم:\nألا لا يجهلنّ أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا «٣»\nوقال آخر:\nنجازيهم كيل الصواع بما أتوا ... ومن يركب ابن العمّ بالظلم يظلم\nفسمّى الجزاء ظلما.\nوقيل: معناه: الله يوبّخهم ويعرضهم ويخطّئ فعلهم لأنّ الاستهزاء والسخرية عند العرب العيب والتجهيل، كما يقال: إنّ فلانا يستهزأ به منذ اليوم، أي يعاب. قال الله إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها «٤» أي تعاب، وقال أخبارا عن نوح ﵇: إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ «٥» .\nوقال الحسن: معناه: الله يظهر المؤمنين على نفاقهم.\nوقال ابن عباس: هو أن الله يطلع المؤمنين يوم القيامة وهم في الجنة على المنافقين وهم في النار، فيقولون لهم: أتحبّون أن تدخلوا الجنة، فيقولون: نعم فيفتح لهم باب من الجنة، ويقال لهم: ادخلوا فيسبحون ويتقلبون في النار، فإذا انتهوا إلى الباب سدّ عليهم، وردّوا إلى\n_________\n(١) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٩/ ٤٢٥.\n(٢) سورة الشورى: ٤٠.\n(٣) لسان العرب: ٣/ ١٧٧ و٨/ ٦٤. [.....]\n(٤) سورة النساء: ١٤٠.\n(٥) سورة هود: ٣٨.","vol":"1","page":157},{"text":"النار ويضحك المؤمنون منهم، فذلك قوله: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ»\nإلى قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ «٢» .\nالأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤمر بناس من الناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى ما أعدّ الله فيها لأهلها من الكرامة، نودوا: أن اصرفوهم عنها. قال: ويرجعون بحسرة وندامة لم يرجع الخلائق بمثلها. فيقولون: يا ربّنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا. فيقول الله ﷻ: هذه الذي أردت بكم هبتم الناس ولم تهابوني وأجللتم الناس ولم تجلّوني وكنتم تراؤون الناس بأعمالكم خلاف ما كنتم ترونني من قلوبكم. فاليوم أذيقكم من عذابي مع ما حرمتكم من ثوابي» [٧٥] «٣» .\nوقيل: هو خذلانه إياهم وحرمانهم التوفيق والهداية.\nوهو قوله فيما بعد: وَيَمُدُّهُمْ يتركهم، ويمهلهم ويطيل لهم، وأصله: الزيادة، ويقال:\nمدّ النهر، ومدّة: زمن آخر.\nوقرأ ابن محيصن وشبل: وَيُمِدُّهُمْ بضم الياء وكسر الميم وهما لغتان بمعنى واحد لأنّ المد أكثر ما يأتي في الشر والإمداد في الخير. قال الله ﷿ في المد: وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا «٤»، وقال في الإمداد: وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ «٥» وقال: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ «٦»، وقال: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ «٧» .\nفِي طُغْيانِهِمْ كفرهم وضلالتهم وجهالتهم، وأصل الطغيان: مجاوزة القدر، يقال:\nميزان فيه طغيان، أي مجاوزة للقدر في الإستواء. قال الله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ «٨» أي جاوز حدّه الذي قدّر له، وقال لفرعون: إِنَّهُ طَغى «٩» أي أسرف في الدعوى حينما قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «١٠» .\nيَعْمَهُونَ يمضون، يترددون في الضلالة متحيرين.\nيقال: عمه يعمه عمها وعموها، وعمها فهو عمه، وعامه: إذا كان جائرا عن الحق. قال رؤبة:\nومهمه أطرافه في مهمه ... أعمى الهدى بالجاهلين العمّه «١١»\n_________\n(١) سورة المطففين: ٢٩.\n(٢) سورة المطففين: ٣٤.\n(٣) كنز العمال: ٣/ ٤٨٤ بتفاوت.\n(٤) سورة مريم: ٧٩.\n(٥) سورة الإسراء: ٦.\n(٦) سورة المؤمنون: ٥٥.\n(٧) سورة نوح: ١٢.\n(٨) سورة الحاقة: ١١.\n(٩) سورة طه: ٢٤.\n(١٠) سورة النازعات: ٢٤.\n(١١) لسان العرب: ١٣/ ٥١٩.","vol":"1","page":158},{"text":"أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى:\nقال ابن عباس: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، ومعناه: إنهم استبدلوا الكفر على الإيمان، وإنّما أخرجه بلفظ الشّرى والتجارة توسّعا لأن الشرى والتجارة راجعان إلى الاستبدال والإختيار وذلك أنّ كل واحد من البيعين يختار ما في يدي صاحبه على ما في يديه، وقال الشاعر:\nأخذت بالجمّة رأسا إزعرا ... وبالثنايا الواضحات الدّردرا\nوبالطويل العمر عمرا جيدرا ... كما اشترى المسلم إذ تنصّرا «١»\nأي اختار النصرانية على الإسلام.\nوقرأ يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق: اشْتَرَوِا الضَّلالَةَ بكسر الواو لأنّ الجزم يحرّك الى الكسرة العدوى بفتحها حركة إلى أخف الحركات.\nفَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ: أي فما ربحوا في تجارتهم.\nتقول العرب: ربح بيعك، وخسرت صفقتك، ونام ليلك. أي ربحت وخسرت في بيعك، ونمت في ليلك.\nقال الله ﷿: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ «٢»، وقال: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ «٣» .\nقال الشاعر:\nوأعور من نيهان أمّا نهاره ... فأعمى وأمّا ليله فبصير «٤»\nوقال آخر:\nحارث قد فرّجت عنّي همّي ... فنام ليلي وتجلّى غمّي «٥»\nوقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة: (فما ربحت تجاراتهم) بالجمع.\nوَما كانُوا مُهْتَدِينَ: من الضلالة، وقال: مصيبين في تجاراتهم.\nقال سفيان الثوري: كلكم تاجر فلينظر امرؤ ما تجارته؟ قال الله فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وقال: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ «٦» .\n_________\n(١) التبيان- الطوسي-: ١/ ٨٣. [.....]\n(٢) سورة محمد: ٢١.\n(٣) سورة سبأ: ٣٣.\n(٤) جامع البيان للطبري: ١/ ٢٠٢.\n(٥) جامع البيان للطبري: ١/ ٢٠٢.\n(٦) سورة الصف: ١٠.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧ الى ٢٠]</span>\nمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)\nمَثَلُهُمْ شبههم. كَمَثَلِ الَّذِي بمعنى الذين، دليله سياق الآية نظير قوله تعالى:\nوَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ثم قال أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ «١» .\nوقال الشاعر:\nوانّ الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كلّ القوم يا أمّ خالد «٢»\nاسْتَوْقَدَ: أوقد نارا كما يقال: أجاب واستجاب.\nقال الشاعر:\nوداع دعانا من يجيب الى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب «٣»\nفَلَمَّا أَضاءَتْ النار ما حَوْلَهُ يقال: ضاء القمر يضوء ضوءا، وأضاء يضيء إضاءة وأضاء غيره: فَلَمَّا أَضاءَتْ النار يكون لازما ومتعدّيا.\nوقرأ محمد بن السميقع (ضاءت) بغير ألف. و(حَوْلَهُ) نصب على الظرف.\nذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ أي أذهب الله نورهم، وإنما قال: (بِنُورِهِمْ) والمذكور في أوّل الآية النار لأنّ النار شيئان النّور والحرارة فذهب نورهم وبقيت الحرارة عليهم.\nوَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ: قال ابن عباس وقتادة والضحّاك ومقاتل والسدي:\nنزلت هذه الآية في المنافقين. يقول: مثلهم في كفرهم ونفاقهم كمثل رجل أوقد نارا في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء بها فاستدفأ ورأى ما حوله فاتّقى ما يحذر ويخاف فأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره فبقي مظلما خائفا متحيّرا، كذلك المنافقون إذا أظهروا كلمة الإيمان استناروا بنورها واعتزّوا بعزّها وناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم الغنائم وأمّنوا على أموالهم وأولادهم، فإذا ماتوا عادوا الى الخوف والظلمة وهووا في العذاب والنقمة.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٧٧.\n(٢) كتاب العين: ٨/ ٢٠٩، بدل (بفلح) كلمة (بفلج) .\n(٣) لسان العرب: ١/ ٢٨٣.","vol":"1","page":160},{"text":"وقال مجاهد: إضاءة النار: إقبالهم الى المسلمين والهدى، وذهاب نورهم: إقبالهم الى المشركين والضّلالة.\nسعيد بن جبير ومحمد بن كعب وعطاء، ويمان بن رئاب: نزلت في اليهود وانتظارهم خروج النبي ﷺ وإيمانهم به واستفتاحهم به على مشركي العرب، فلمّا خرج كفروا به، وذلك بأنّ قريظة والنضير وبنو قينقاع قدموا من الشام الى يثرب حتى انقطعت النبوة من بني إسرائيل وأفضت الى العرب، فدخلوا المدينة يشهدون لمحمد ﷺ بالنبوة وأنّ أمّته خير الأمم وكان يغشاهم رجل من بني إسرائيل يقال له: عبد الله بن هيبان قبل أن يوحي الى رسول الله ﷺ كلّ سنة فيعظهم على طاعة الله تعالى وإقامة التوراة والإيمان بمحمد ﷺ رسول إذا خرج: فلا تفرّقوا عنه وانصروه وقد كنت أطمع أن أدركه، ثمّ مات قبل خروج النبي ﷺ فقبلوا منه، ثم لمّا خرج رسول الله ﷺ كفروا به فضرب الله لهم هذا المثل.\nوقال الضحاك: لمّا أضاءت النار أرسل الله عليه ريحا قاصفا فأطفأها، فكذلك اليهود كلّما أوقدوا نارا لحرب محمد ﷺ أَطْفَأَهَا اللَّهُ.\nثم وصفهم جميعا فقال: صُمٌّ: أي هم صمّ عن الهدى فلا يسمعون.\nبُكْمٌ: عنه فلا يقولون.\nعُمْيٌ: عنه فلا يرونه.\nوقيل: صُمٌّ يتصاممون عن سماع الحقّ، بُكْمٌ يتباكمون عن قول الحقّ، عُمْيٌ يتعامون عن النظر الى الحق بغير اعتبار.\nوقرأ عبد الله: صمّا بكما عميا على معنى وتركهم كذلك، وقيل: على الذّم، وقيل:\nعلى الحال.\nفَهُمْ لا يَرْجِعُونَ عن الضلالة والكفر الى الهداية والإيمان.\nثم قال: أَوْ كَصَيِّبٍ هذا مثل آخر ضربه الله لهم أيضا معطوف على المثل الأوّل مجازه: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ومثلهم أيضا كَصَيِّبٍ.\nقال أهل المعاني: (أَوْ) بمعنى الواو، يريد وكصيّب، كقوله تعالى: أَمْ تُرِيدُونَ «١» وأنشد الفرّاء:\nوقد زعمت سلمى بأنّي فاجر ... لنفسي تقاها أو عليها فجورها «٢»\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٠٨.\n(٢) لسان العرب: ١٤/ ٥٥.","vol":"1","page":161},{"text":"وأنشد أبو عبيدة:\nيصيب قد راح يروي الغدرا ... [فاستوعب] الأرض لمّا أن سرا\nوأصله من صاب يصوب صوبا إذا نزل.\nقال الشاعر:\nفلست لإنسي ولكن لملاك ... تنزّل من جوّ السماء يصوب «١»\nوقال امرأ القيس:\nكأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر «٢»\nفسمّي المطر صيّبا لأنّه ينزل من السماء.\nواختلف النّحاة في وزنه من الفعل، فقال البصريون: هو على وزن فيعل بكسر العين، ولا يوجد هذا المثال إلّا في المعتل نحو سيّد وميّت وليّن وهيّن وضيّق وطيّب، وأصله صهيوب، فجعلت الواو ياء فأدغمت إحدى الياءين في الأخرى.\nوقال الكوفيون: هو وأمثاله على وزن فعيل بكسر العين وأصله: صييب فاستثقلت الكسرة على الياء فسكّنت وأدغمت إحداهما في الأخرى وحرّكت الى الكسر.\nوالسماء: كلّ ما علاك فأظلك «٣» وأصله: سماو لأنه من سما يسمو، فقلبت الواو همزة لأنّ الألف لا تخلو من مدّة وتلك المدّة كالحركة، وهو من أسماء الأجناس، يكون واحدا أو جمعا، قال الله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ «٤» ثم قال: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ «٥» .\nوقيل: هو جمع واحدتها سماوة، والسموات جمع الجمع.\nقال الرّاجز:\nسماوة الهلال حتى احقوقفا ... طي الليالي زلفا فزلفا «٦»\nفِيهِ أي في الصيّب، وقيل: في الليل كناية عن [ضمير] مذكور، وقيل: في السماء لأنّ المراد بالسماء السّحاب، وقيل: هو عائد الى السماء على لغة من يذكرها.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٠/ ٣٩٤، وتاج العروس: ١/ ٣٣٩.\n(٢) تاج العروس: ٣/ ٥٦٥.\n(٣) لسان العرب: ١٤/ ٣٩٨.\n(٤) سورة البقرة: ٢٩. [.....]\n(٥) سورة البقرة: ٢٩.\n(٦) لسان العرب: ٩/ ٥٢، ولكن العبارة هكذا:\nطي الليالي زلفا فزلفا ... سماوة الهلال حتى احقوقفا","vol":"1","page":162},{"text":"قال الشاعر:\nفلو رفع السماء إليه قوما ... لحقنا بالسماء مع السّحاب «١»\nوالسماء يذكّر ويؤنّث. قال الله تعالى: السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ «٢» . وقال: إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ «٣» .\nظُلُماتٌ: جمع ظلمة، وضمّت اللام على الإتباع بضمّ الظاء.\nوقرأ الأعمش: (ظُلْماتٌ) بسكون اللام على أصل الكلام لأنّها ساكنة في التوحيد.\nكقول الشاعر وهو ذو الرّمّة:\nأبت ذكر من عوّدن أحشاء قلبه ... خفوقا ورفصات الهوى في المفاصل «٤»\nونزّل الفاء ساكنة على حالها في التوحيد.\nوقرأ أشهب العقيلي: (ظُلَماتٌ) بفتح اللام، وذلك إنّه لمّا أراد تحريك اللام حرّكها الى أخفّ الحركات.\nكقول الشاعر:\nفلمّا رأونا باديا ركباتنا ... على موطن لا نخلط «٥» الجدّ بالهزل «٦»\nوَرَعْدٌ: وهو الصوت الذي يخرج من السحاب.\nوَبَرْقٌ: وهو النار الذي تخرج منه.\nقال مجاهد: الرعد ملك يسبّح بحمده، يقال لذلك الملك: رعد، والصّريم أيضا رعد.\nوالبرق: ملك يسوق السحاب.\nوقال عكرمة: الرعد ملك موكّل بالسحاب يسوقها كما يسوق الراعي الإبل «٧» .\nشهر بن حوشب: الرعد ملك يزجي السحاب كما يحثّ الراعي الإبل فإذا انتبذت السحاب ضمّها فإذا اشتدّ غضبه طار من فيه النار فهي الصواعق.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٤/ ٣٩٨.\n(٢) سورة المزمل: ١٨.\n(٣) سورة الإنفطار: ١.\n(٤) لسان العرب: ١/ ٤٧٥.\n(٥) في تفسير القرطبي: «نخلط» بدلا من «يخلط» .\n(٦) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣١٠.\n(٧) زاد المسير: ١/ ٣٤.","vol":"1","page":163},{"text":"ربيعة بن الأبيض عن علي ﵇ قال: البرق مخاريق الملائكة «١» .\nوقال أبو الدرداء: الرعد للتسبيح، والبرق للخوف والطمع، والبرد عقوبة، والصواعق للخطيئة، والجراد رزق لقوم وزجر لآخرين، والبحر بمكيال، والجبال بميزان.\nوأصل البرق من البريق والضوء، والصواعق: المهالك، وهو جمع صاعقة، والصاعقة والصاقعة والصّعقة: المهلكة، ومنه قيل: صعق الإنسان، إذا غشي عليه، وصعق، إذا مات.\nحَذَرَ الْمَوْتِ أي مخافة الموت، وهو نصب على المصدر، وقيل لنزع حرف الصفة.\nوقرأ قتادة: حذار الموت.\nوَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ أي عالم بهم، يدل عليه قوله: وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا «٢» .\nوقيل: معناه: والله مهلكهم وجامعهم، دليله قوله: إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ «٣»: أي تهلكوا جميعا.\nوأمال أبو عمرو والكسائي (الكافرين) في حال الخفض والنّصب ولكسرة الفاء والراء.\nيَكادُ الْبَرْقُ أي يقرب. يقال: كاد، أي قرب ولم يفعل، والعرب تقول: كاد يفعل- بحذف أن- فإذا سببّوه بقي قالوا: كاد أن يفعل، والأوّل أوضح وأظهر. قال الشاعر:\nقد كاد من طول البلى أن تمسحا\nيَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ: أي يخطفها ويشغلها، ومنه الخطّاف.\nوقرأ أبيّ: يتخطف.\nوقرأ ابن أبي إسحاق: نصب الخاء والتشديد (يخطّف) فأدغم. وقرأ الحسن: كسر الخاء والطّاء مع التشديد أتبع الكسرة الكسرة.\nوقرأ العامة: التخفيف لقوله: فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ «٤» وقوله: إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ «٥» .\nكُلَّما: حرف علة ضمّ إليه (ما) الجزاء فصار أداة للتكرار، وهي منصوبة بالظرف، ومعناهما: متى ما.\n_________\n(١) السنن الكبرى (البيهقي): ٣/ ٣٦٣ الصحاح (الجوهري): ٤/ ١٤٦٧.\n(٢) سورة الطلاق: ١٢.\n(٣) سورة يوسف: ٦٦.\n(٤) سورة الحج: ٣١.\n(٥) سورة الصافات: ١٠. [.....]","vol":"1","page":164},{"text":"أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ: وفي حرف عبد الله [.....] «١» .\nوَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا: أي أقاموا ووقفوا متحيّرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>القول في معنى الآيتين ونظمهما وحكمهما</span>\nقوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ أي كأصحاب صيّب، كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٢» شبههم الله في كفرهم ونفاقهم وحيرتهم وتردّدهم بقوم كانوا في مفازة في ليلة مظلمة فأصابهم مطر فيه ظلمات من صفتها إنّ الساري لا يمكنه المشي من ظلمته، فذلك قوله: إِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا.\nورعد من صفته أن يضع السامع يده الى أذنه من الهول والفرق مخافة الموت والصعق، ذلك قوله تعالى: يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ.\nوبرق من صفته أن يقرب من أن يخطف أبصارهم ويذهب بضوئها ونعيمها من كثرته وشدّة توقّده، وذلك قوله يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ.\nوهذا مثل ضربه الله تعالى للقرآن واجماع الناس والكافرين معه:\nفالمطر: هو القرآن لأنه حياة الجنان كما أن المطر حياة الأبدان.\nفِيهِ ظُلُماتٌ وهو ما في القرآن من ذكر الكفر والشرك والشك وبيان الفتن والمحن.\nوَرَعْدٌ: وهو ما خوّفوا به من الوعيد وذكر النار والزّواجر والنواهي.\nوَبَرْقٌ: وهو ما في القرآن من الشفاء والبيان والهدى والنّور والرعد وذكر الجنة.\nفكما أنّ أصحاب الرعد والبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم حذر الموت كذلك المنافقون واليهود والكافرون يسدّون آذانهم عند قراءة القرآن ولا يصغون إليه مخافة ميل القلب الى القرآن فيؤدّي ذلك الى الإيمان لأنّ الإيمان بمحمد ﷺ عندهم كفر والكفر موت.\nوقال قتادة: هذا مثل ضربه الله للمنافق لجبنه، لا يسمع صوتا إلّا ظنّ أنه قد أتي ولا يسمع صياحا إلّا ظنّ إنه ميّت أجبن قوم وأخذ له للحق «٣» كما قال في آية أخرى: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ «٤» .\n_________\n(١) غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) سورة يوسف: ٨٢.\n(٣) تفسير الدر المنثور: ١/ ٣٣.\n(٤) سورة المنافقون: ٤.","vol":"1","page":165},{"text":"وقوله: كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا يعني المنافقين إذا أظهروا كلمة الإيمان أمنوا وصارت لهم نورا فإذا ماتوا عادوا الى الخشية والظلمة.\nقتادة: والمنافق إذا كثر ماله وحسن حاله وأصاب في الإسلام رخاء وعافية ثبت عليه فقال: أنا معكم، وإذ ذهب ماله وأصابته شدّة، قام متحيرا وخفق عندها فلم يصبر على بلائها ولم يحتسب أجرها. وتفسيره في سورة الحجّ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ «١» الآية.\nالوالبي عن ابن عباس: هم اليهود لما نصر رسول الله ﷺ ببدر طمعوا وقالوا: هذا والله النبي الذي بشرّنا به موسى لا تردّ له راية، فلمّا نكب بأحد ارتدّوا وسكتوا.\nوَلَوْ: حرف تمنّي وشك وفيه معنى الجزاء وجوابه اللام.\nومعنى الآية: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ: أي أسماعهم وأبصارهم الظاهرة كما ذهب بأسماعهم وأبصارهم الباطنية حتى صاروا صمّا بكما عميا.\nإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قادر، وكان حمزة يكسر شِاء، وجِاء وأمثالها لانكسار فاء الفعل، إذا أخبرت عن نفسك قلت: شئت وجئت وزدتّ وطبت وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١ الى ٢٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (٢٤) وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ: قال ابن عباس: يا أَيُّهَا النَّاسُ خطاب أهل مكة، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خطاب أهل المدينة، وهو هاهنا عام.\nاعْبُدُوا وحّدوا وأطيعوا. رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ أوجدكم وأنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا. وَالَّذِينَ أي وخلق الذين مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: لكي تنجوا من السحت والعذاب.\nقال سيبويه: لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله [.....] «٢» .\n_________\n(١) سورة الحج: ١١.\n(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"1","page":166},{"text":"الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشًا بساطا ومقاما ومناما. وَالسَّماءَ بِناءً سقفا مرفوعا محفوظا.\nوَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ: من السحاب. ماءً وهو المطر فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ من ألوان الثمرات وأنواع النبات.\nرِزْقًا طعاما. لَكُمُ وعلفا لدوابكم.\nفَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا أي أمثالا [وأعدالا] وقرأ ابن المسيقع: ندّا على الواحد، كقول جرير:\nأتيما تجعلون إليّ ندّا ... وما تيم لذي حسب نديد «١»\nوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إنّه واحد وأنّه خالق هذه الأشياء.\nقال ابن مسعود في قوله: فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا قال: أكفّاء من الرجال تطيعوهم في معصية الله.\nوقال عكرمة: هو قول الرجل: لولا كلبنا لدخل اللص دارنا.\nوَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ الآية نزلت في الكفّار، وذلك أنهم قالوا لما سمعوا القرآن: ما يشبه هذا كلام الله وإنّا لفي شكّ منه، فأنزل الله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ يا معشر الكفّار، [وإن] «٢» لفظة جزاء وشرط، ومعناه: إذ لأنّ الله تعالى علم إنهم شاكّون كقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٣» وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٤» .\nقال الأعشى:\nبانت وقد أسفرت في النفس حاجتها ... بعد ائتلاف وخير الودّ ما نفعا «٥»\nقال المؤرّخ: أصلها من السّورة وهي الوثبة: تقول العرب سرت إليه وثبت إليه.\nقال العجاج:\nوربّ ذي سرادق محجور ... سرت إليه في أعالي السّور\nقال الأعشى:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ١٨٢.\n(٢) غير موجودة في المخطوط، أضفناها لزيادة بيان المطلب.\n(٣) سورة آل عمران: ١٣٩.\n(٤) سورة البقرة: ٢٧٨.\n(٥) جامع البيان للطبري: ١/ ٧٢.","vol":"1","page":167},{"text":"وسمعت حلفتها التي حلفت ... إن كان سمعك غير ذي وقر «١»\nفِي رَيْبٍ أي في شك وتهمة.\nمِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا محمد يعني القرآن.\nفَأْتُوا لم يأتوا بمثله، لأنّ الله علم عجزهم عنه.\nبِسُورَةٍ أصلها في قول بعضهم: من أسارت، أي أفضلت فحذفت الهمزة كأنّها قطعة من القرآن، وقيل: هي الدرجة الرفيعة، وأصلها من سورة البناء، أي منزلة بعد منزلة. قال النابغة:\nألم تر أنّ الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب «٢»\nمِنْ مِثْلِهِ يعني مثل القرآن، و(من) صلة كقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ «٣» .\nكقول النابغة:\nولا أرى ملكا في الناس يشبهه ... ولا أخا [لي] من الأقوام من أحد\nأي أحدا.\nوقيل في قوله: (مِثْلِهِ): راجعة الى محمد ﷺ ومعناه: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أي من رجل أمّي لا يحسن الخط والكتابة.\nوَادْعُوا شُهَداءَكُمْ يعني استعينوا بآلهتكم التي تعبدونها من دون الله.\nوقال مجاهد والقرظي: ناسا يشهدون لكم.\nوإنما ذكر الاستعانة بلفظ الدعاء على عادة العرب في دعائهم القائل في الحروب والشدائد: [ياك.....] «٤» .\nقال الشاعر:\nفلمّا التقت فرساننا ورجالهم ... دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر «٥»\n_________\n(١) لسان العرب: ٥/ ٤٤.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٣٨٦.\n(٣) سورة النور: ٣٠- ٣١. [.....]\n(٤) كذا في المخطوط.\n(٥) لسان العرب: ١٥/ ٥٣.","vol":"1","page":168},{"text":"إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّ محمدا أسرّ قوله من تلقاء نفسه، فلما تحدّاهم وعجزوا [قال الله تعالى]: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي فإن لم تجيئوا بمثل القرآن.\nوَلَنْ تَفْعَلُوا: ولن تقدروا على ذلك.\nوقيل فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فيما مضى وَلَنْ تَفْعَلُوا فيما بقي.\nفَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا حطبها وعلفها النَّاسُ وَالْحِجارَةُ قال الحسن ومجاهد:\n(وُقُودُهَا) بضم الواو حيث كان وهو رديء، لأن الوقود بضم الراء المصدر وهو الالتهاب، والوقود بالفتح وهو ما يوقد به النار كالظهور والبرود، ومثليهما ومثل الوضوء والوضوء.\nوقرأ عبيد بن عمير: وقيدها الناس والحجارة.\nقيل: تلك الحجارة [كجت الأرض النائية] مثل الكبريت يجعل في أعناقهم إذا اشتعلت فيها النار أحرق توهجها وجوههم، فذلك قوله تعالى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ «١» .\nاختلفوا في الحجارة، فقال ابن عباس وأكثر المفسّرين: إنها حجارة الكبريت [الأسود وهي أشد الأشياء حرا]، وقال حفص ابن المعلى: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت معمولة من الحجر، دليله قوله: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ «٢» .\nوقيل: هي أن أهل النار إذا عيل صبرهم بكوا وشكوا فتنشأ سحابة سوداء مظلمة فيرجون الفرج ويرفعون رؤوسهم إليها فتمطرهم حجارة عظاما كحجارة الرّحا، فتزداد النار اتّقادا والتهابا كنار الدنيا إذا زيد حطبها زاد لهيبها.\nوقيل: ذكر الحجارة ها هنا تعظيما لأمر النار لأنها لا تأكل الحجارة إلّا إذا كانت فظيعة وهائلة.\nأُعِدَّتْ: خلقت وهيئت لِلْكافِرِينَ، وفي هذه الآية دليل على أنّ النار مخلوقة لأنّ المعدّ لا يكون إلّا موجودا.\nوَبَشِّرِ أي وأخبر.\nالَّذِينَ آمَنُوا وأصل التبشير: إيصال الخبر السار على [مسامع الناس] ويستبشر به، وأصله من البشرة لأنّ الإنسان إذا فرح بان ذلك في وجهه وبشرته، ثمّ كثر حتى وضع موضع الخبر فيما [ساء وسرّ] قال الله تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «٣» .\n_________\n(١) سورة الزمر: ٢٤.\n(٢) سورة الأنبياء: ٩٨.\n(٣) سورة آل عمران: ٢١.","vol":"1","page":169},{"text":"وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الخصال والفعلات الصَّالِحاتِ نعت لاسم مؤنث محذوف.\nوقال عثمان بن عفان ﵁ في وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ: معناه أخلصوا الأعمال، يدلّ عليه قوله: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا «١» أي خالصا لأن المنافق والمرائي لا يكون عمله خالصا، وقال: أقاموا الصلوات المفروضات، دليله قوله تعالى: وَأَقامُوا الصَّلاةَ.\nإِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ «٢» من المسلمين.\nوقال ابن عباس: عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فيما بينهم وبين ربّهم، وقال: العمل الصالح يكون فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، والإخلاص.\nوقال سهل بن عبد الله: لزموا السنّة لأنّ عمل المبتدع لا يكون صالحا.\nوقيل: أدّوا الأمانة، يدل عليه قوله: وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا «٣» أي أمينا.\nوقيل: تابوا، ودليله قوله تعالى: وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ «٤» أي التائبين.\nأَنَّ لَهُمْ: محل (أن) نصب بنزع حرف الصّفة، أي بأنّ لهم.\nجَنَّاتٍ: في محل النصب فخفض لأنها جمع التأنيث، وهي جمع الجنّة وهي البستان، سمّيت جنّة لاجتنانها بالأشجار.\nتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ: أي من تحت شجرها ومساكنها. وقيل: بأمرهم، كقوله:\nوَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «٥» أي بأمري.\nوالأنهار: جمع نهر، سمّي نهرا لسعته وضيائه ومنه النهار.\nوأنشد أبو عبيدة:\nملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها «٦»\nأي وسعتها، يصف طعنة.\nوأراد بالأنهار المياه على قرب الجوار لأن النهر لا يجري.\nوقد جاء في الحديث: «أنهار الجنّة تجري في غير أخدود» [٧٦] .\n_________\n(١) سورة الكهف: ١١٠.\n(٢) سورة الأعراف: ١٧٠.\n(٣) سورة الكهف: ٨٢.\n(٤) سورة يوسف: ٩.\n(٥) سورة الزخرف: ٥١.\n(٦) لسان العرب: ٥/ ٢٣٧.","vol":"1","page":170},{"text":"كُلَّما متى ما رُزِقُوا أطعموا مِنْها من الجنّة مِنْ ثَمَرَةٍ: أي ثمره، و(من) صلة.\nرِزْقًا طعاما. قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا أطعمنا مِنْ قَبْلُ: طعامهما، وقيل معناه:\nهذا الذي رزقنا من قبل، أي وعدنا الله في الدنيا وهو قول عطاء، و(قَبْلُ) رفع على الغاية، قال الله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ «١» .\nوَأُتُوا وجيئوا بِهِ بالرزق.\nقرأ هارون بن موسى: (وأتوا) بفتح الألف، أراد أتاهم الخدم به.\nمُتَشابِهًا اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس ومجاهد والربيع والسّدي: مُتَشابِهًا في الألوان، مختلفا في الطعوم.\nالحسن وقتادة: مُتَشابِهًا في الفضل، خيارا كلّه لأنّ ثمار الدنيا [تبقى] ويرذل منها، وإن ثمار الجنة لا يرذل منها شيء.\nمحمد بن كعب وعلي بن زيد: بمعنى يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب.\nوقال بعضهم: مُتَشابِهًا في الإسم مختلفا في الطعم.\nقال ابن عباس: ليس في الجنة شيء ممّا في الدنيا غير الأسماء.\nوَلَهُمْ فِيها في الجنّات. أَزْواجٌ نساء وجوار، يعني الحور العين.\nقال ثعلب: الزوج في اللغة: المرأة والرجل، والجمع والفرد، والنوع واللون، وجميعها أزواج.\nمُطَهَّرَةٌ من الغائط والبول والحيض والنفاس والمخاط والبصاق والقيء والمني والولد وكل قذر ودنس.\nوقال إبراهيم النخعي: في الجنة جماع ما شئت ولا ولد «٢» .\nوقيل: مطهّرة عن مساوئ الأخلاق.\nوقال يمان: مطهّرة من الإثم والأذى.\nقال النبي ﷺ: «إنّ أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتفلون ولا يتغوّطون ولا يبولون ولا يتمخطون» . قيل: فما بال الطعام؟ قال: «جشأ ورشح تجري من أعرافهم كريح المسك يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس» [٧٧] «٣» .\n_________\n(١) سورة الروم: ٤.\n(٢) الدر المنثور: ١/ ٤٠.\n(٣) كنز العمال: ١٤/ ٤٦٩ بتفاوت. [.....]","vol":"1","page":171},{"text":"وَهُمْ فِيها خالِدُونَ دائمون مقيمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها.\nالحسن عن ابن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن الجنة: كيف هي؟\nقال: «من يدخل الجنة يحيى ولا يموت وينعم ولا يبؤس ولا تبلى ثيابه ولا شبابه» .\nقيل: يا رسول الله كيف بناؤها؟ قال: «لبنة من فضّة ولبنة من ذهب، بلاطها مسك أذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران» [٧٨] «١» .\nوقال يحيى بن أبي كثير: إنّ الحور العين لتنادينّ أزواجهنّ بأصوات حسان، فيقلن: طالما انتظرناكم، نحن الراضيات الناعمات الخالدات، أنتم حبّنا ونحن حبّكم ليس دونكم مقصد ولا وراءكم معذر.\nوقال الحسن في هذه الآية: هنّ عجائزكم الغمض الرّمض العمش طهّرن من قذرات الدنيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nإِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)\nإِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا هذه الآية نزلت في اليهود، وذلك أنّ الله تعالى ذكر في كتابه العنكبوت والذباب فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا «٢» الآية.\nوقال: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ «٣» الآية، ضحكت اليهود وقالوا: ما هذا الكلام وماذا أراد الله بذكر هذه الأشياء الخبيثة في كتابه وما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا أي لا يترك ولا يمنعه الحياء أن يضرب مثلا أن تصف للحق شبها. ما بَعُوضَةً. (ما) صلة، وبعوضة نصب يدلّ على المثل.\nفَما فَوْقَها: ابن عباس يعني الذباب والعنكبوت. وقال أبو عبيدة: يعني فما دونها.\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بمحمد والقرآن فَيَعْلَمُونَ يعني أنّ هذا المثل هو أَنَّهُ الْحَقُّ الصدق الصحيح. مِنْ رَبِّهِمْ.\n_________\n(١) الدر المنثور: ١/ ٣٦.\n(٢) سورة الحج: ٧٣.\n(٣) العنكبوت: ٤١.","vol":"1","page":172},{"text":"وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بمحمد ﷺ والقرآن. فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا: أي بهذا المثل. فلمّا حذف الألف واللام نصب على الحال والقطع والتمام، كقوله: وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا «١» .\nفأجابهم الله تعالى فقال: أراد الله بهذا المثل يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا من الكافرين ذلك أنهم ينكرونه ويكذّبونه وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا من المؤمنين يعرفونه ويصدّقون.\nوَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الكافرين، وأصل الفسق: الخروج، قال الله تعالى: فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ «٢» أي خرج. تقول العرب: فسقت الرّطبة عن القشر، أي خرجت.\nثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ أي يتركون ويخالفون، وأصل النقض: الكسر.\nعَهْدَ اللَّهِ أمره الذي عهد إليهم يوم الميثاق بقوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «٣» وما عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد ﷺ [وضمّنه] نعته وصفته.\nمِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ توكيده وتشديده، وهو مفعال من الوثيقة.\nوَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني الأرحام، وقيل: هو الإيمان بجميع الرّسل والكتب، وهو نوع من الصّلة لأنهم قالوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ «٤» فقطعوا، وقال المؤمنون: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «٥» فوصلوا.\nوَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ والقرآن.\nأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ: أي المغبونون بالعقوبة وفوت المثوبة، ثمّ قال: لمشركي مكة على التعجّب:\nكَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ واو الحال أَمْواتًا نطفا في أصلاب آبائكم فَأَحْياكُمْ في الأرحام في الدنيا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم. ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تأتون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.\nوقرأ يعقوب: تَرْجِعُونَ، وبيانه بفتح الأول وكسر الجيم جعل الفعل لهم.\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ لأجلكم. ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي قصد وعمد الى خلق السماء.\n_________\n(١) سورة النحل: ٥٢.\n(٢) سورة الكهف: ٥٠.\n(٣) سورة الأعراف: ١٧٢.\n(٤) سورة النساء: ١٥٠.\n(٥) سورة البقرة: ٢٨٥.","vol":"1","page":173},{"text":"فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ أي خلق سبع سماوات مستويات بلا فطور ولا شطور ولا عمد تحتها ولا علامة فوقها. وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ: عالم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>[سورة البقرة (٢): الآيات ٣٠ الى ٣٩]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاَّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٣٤)\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (٣٦) فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٣٩)\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ يعني: وقد قال، وقيل معناه: واذكر إذ قال ربّك، وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله.\nو(إذ) و(إذا) حرفا توقيت، إلّا أنّ (إذ) للماضي و(إذا) للمستقبل، وقد يوضع أحدهما موضع الآخر.\nقال المبرّد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه ماضيا نحو قوله: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ «١» وإِذْ يَقُولُ، يريد وإذ مكر وإذ قال، وإذا إذ جاء مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله: فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى «٢» فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ «٣» إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ «٤» أي يجيء، وقال الشاعر:\nثمّ جزاه الله عنا إذ جزا ... جنّات عدن والعلا إلى العلا «٥»\nأي يجزيه.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٣٠.\n(٢) سورة النازعات: ٣٤.\n(٣) سورة عبس: ٣٣.\n(فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى: النازعات- ٣٤) .\n(٤) سورة النصر: ١.\n(٥) لسان العرب: ١٥/ ٤٦٣، وتاج العروس: ١/ ٤٢٤.","vol":"1","page":174},{"text":"لِلْمَلائِكَةِ الذين كانوا في الأرض، والملائكة: الرسل، واحدها ملك، وأصله: مالك، وجمعه: ملائكة، وهي من الملكة والمالكة والألوك الرسالة ويقال: ألكني الى فلان، أي كن رسولي إليه فقلبت، فقيل: ملاك. قال الشاعر:\nفلست لإنسي لكن لملاك ... تنزّل من جوّ السماء يصوب «١»\nثمّ حذف الهمزة للخفّة وكثير استعماله فقيل: ملك.\nقال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات علمه.\nإِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً أي بدلا منكم ورافعكم إليّ، سمّي (خليفة) لأنه يخلف الذاهب ويجيء بعده، فالخليفة من يتولى إمضاء الأمر عن الآمر، وقرأ [زيد بن علي] «٢»:\n(خليقة) بالقاف.\nقال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجنّ الأرض، فعبدوا دهرا طويلا في الأرض ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم: الجن، رأسهم عدو الله إبليس وهم خزّان الجنان اشتق لهم اسم من الجنّة فهبطوا إلى الأرض، وطردوا الجنّ عن وجهها فالحقوهم بشعوب الجبال، وجزائر البحر، وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة، وأحبّوا البقاء في الأرض لذلك، وأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك سماء الدنيا وخزانة الجنان، فكان يعبد الله تارة في الأرض، وتارة في السماء، وتارة في الجنة.\nفلما رأى ذلك دخله الكبر والعجب، وقال في نفسه: أعطاني الله هذا الملك إلّا لأني أكرم الملائكة عليه، وأعظمهم منزلة لديه فلما ظهر الكبر جاء العزل، فقال الله له ولجنده:\nإِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فلما قال لهم ذلك كرهوا لأنّهم كانوا أهون في الملائكة عبادة، ولأنّ العزل شديد.\nقالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها بالمعاصي. وَيَسْفِكُ يصبّ الدِّماءَ بغير حق.\nفإن قيل: كيف علموا ذلك وهو غيب؟\nوالجواب عنه ما قال السّدي: لما قال الله لهم ذلك، قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟\nقال: تكون له ذرية، يفسدون في الأرض [ويتحاسدون] «٣» ويقتل بعضهم بعضا «٤» . قالوا عند ذلك: أَتَجْعَلُ فِيها ومعناه: فقالوا، فحذف فاء التنسيق. كقول الشاعر:\n_________\n(١) الصحاح: ١/ ١٦٥. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٢٦٣.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) تفسير الطبري: ١/ ٢٨٩.","vol":"1","page":175},{"text":"لما رأيت نبطا أنصارا ... شمرّت عن ركبتي الإزارا\nكنت لهم من النّصارى جارا «١»\nأي فكنت لهم.\nوقال أكثر المفسرين: أرادوا كما فعل بنو الجانّ قاسوا بالشاهد على الغائب، وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار معناه: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ؟ أم تجعل فيها من لا يفسد ولا يسفك الدماء؟ لقوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ «٢» يعني كمن هو غير قانت، وهو اختيار الحسن بن الفضل.\nوَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ.\nقال الحسن: يقولون: سبحان الله وبحمده، وهو صلاة الخلق وتسبيحهم وعليها يرزقون.\nيدل عليه\nالحديث المروي عن أبي ذر إنه قال لرسول الله ﷺ: أي الكلام أفضل؟ قال: «ما اصطفاه الله تعالى لملائكته: سبحان الله وبحمده» [٧٩] «٣» .\nوقيل: معناه: ونحن نصلي لك بأمرك، والتسبيح يكون بمعنى التنزيه ويكون بمعنى الصلاة، ومنه قيل: للصلاة سبحة، وقيل: معناه: نصلي، ونقرأ فيها فاتحة الكتاب.\nوَنُقَدِّسُ لَكَ وننزهك واللام صلة، وقيل: هي لام الأجل، أي ونطهّر لأجلك قلوبنا من الشرك بك [وأبداننا] من معصيتك.\nوقال بعض العلماء: في الآية تقديم وتأخير مجازها: ونحن نسبّح ونقدّس لك بحمدك لأنّه إذا حملت الآية على التأويل الأول تنافي قول الملائكة المتزكية بالإدلال بالعمل، وإذا حملت على هذا التأويل ضاهى قولهم التحدّث بنعمة الله واضافة [.....] «٤» إلى الله فكأنّهم قالوا: وأن سبّحنا وقدّسنا وأطعنا وعبدنا فذلك كله بحمدك لا بأنفسنا، قال الله:\nإِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ من استخلافي في الأرض ووجه المصلحة فيه، فلا تعترضوا عليّ في حكمي وتدبيري، وقيل: أراد أني أعلم أنّ في من استخلفه في الأرض: أنبياء وأولياء وعلماء وصلحاء، وقيل: أني أعلم إنّهم يذنبون وأغفر لهم.\nقال بعض الحكماء: إنّ الله تعالى أخرج [أدم] من الجنّة قبل أن يدخله فيها «٥» . لقوله\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١/ ٤٥٤.\n(٢) سورة الزمر: ٩.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ١٤٨.\n(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٥) الدر المنثور: ١/ ٤٤.","vol":"1","page":176},{"text":"إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ثم كان خروجه من الجنّة بذنبه يدل أنه كان بقضاء الله وقدره.\nابن نجيح عن مجاهد في قوله: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.\nابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «احتج آدم وموسى. فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنّة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله لرسالته وكلامه، ثم تلومني على أمر قدّر قبل أن أخلق. فحج آدم موسى» [٨٠] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>فصل في معنى الخليفة</span>\nقيل: سأل أمير المؤمنين الخطاب، طلحة والزبير وكعبا وسلمان: ما الخليفة من الملك؟\nفقال طلحة والزبير: ما ندري. فقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرّعية ويقسم بينهم بالسّويّة ويشفق عليهم شفقة الرّجل على أهله ويقضي بكتاب الله، فقال كعب: ما كنت أحسب أن في المجلس أحدا يعرف الخليفة من الملك غيري، ولكنّ الله ﷿ ملأ سلمان حكما وعلما وعدلا.\nوروى زاذان عن سلمان: إنّ عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال سلمان: إن أنت جبيت من أرض المسلمين درهما أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقّه فأنت ملك. قال: فاستعبر عمر ﵁.\nوعن يونس: إنّ معاوية كان يقول إذا جلس على المنبر: أيّها الناس إنّ الخلافة ليست لجمع المال ولا تفريقه، ولكنّ الخلافة بالحقّ والحكم بالعدل وأخذ الناس بأمر الله ﷿.\nوَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها وذلك إنّ الله تعالى لمّا قال للملائكة: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالوا فيما بينهم: ليخلق ربّنا ما شاء فلن يخلق خلقا أفضل ولا أكرم عليه منّا، وإن كان خيرا منّا فنحن أعلم منه لأنّا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، فلما أعجبوا بعلمهم وعبادتهم، فضّل الله تعالى عليهم آدم ﵇ بالعلم فعلّمه الأسماء كلّها وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة.\nواختلف العلماء في هذه الأسماء، فقال الربيع وابن أنس: أسماء الملائكة، وقال عبد الرحمن بن زيد: أسماء الذّرّية.\nوقال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحّاك: علّمه الله اسم كلّ شيء حتى القصعة والقصيعة.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٦٤.","vol":"1","page":177},{"text":"قال مقاتل: خلق الله كلّ شيء- الحيوان والجماد وغيرها- ثمّ علّم آدم أسماءها كلها.\nفقال له: يا آدم هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار حتى أتى على آخرها ثم عرض تلك الأشياء كما عرض الموجودات على الملائكة. فكذلك قال: ثُمَّ عَرَضَهُمْ ولم يقل: عرضها، وردّه الى الشخوص والمسمّيات لأنّ الأعراض لا تعرض.\nوقيل: علّم الله آدم ﵇ صنعة كل شيء.\nجويبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: علّم الله آدم أسماء الخلق والقرى والمدن والجبال والسباع وأسماء الطير والشجر وأسماء ما كان وما يكون وكل نسمة الله ﷿ بارئها إلى يوم القيامة، وعرض تلك الأسماء على الملائكة.\nفَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّ الخليفة الذي أجعله في الأرض يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ. أراد الله تعالى بذلك: كيف تدّعون علم ما لم يكن بعد، وأنتم لا تعلمون ما ترون وتعاينون.\nوقال الحسن وقتادة:\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إني لا أخلق خلقا إلّا كنتم أعلم وأفضل منه، قالت الملائكة: إقرارا بالعجز واعتذارا.\nقالُوا سُبْحانَكَ: تنزيها لك عن الاعتراض لعلمك في حكمك وتدبيرك، وهو نصب على المصدر، أي نسبح سبحانا في قول الخليل.\nوقال الكسائي: خارج عن الوصف، وقيل: على النداء المضاف أي: يا سبحانك.\nلا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ بخلقك الْحَكِيمُ في أمرك.\nوللحكيم معنيان: أحدهما: المحكم للفعل، كقوله: عَذابٌ أَلِيمٌ، وحز وجيع. قال الشاعر:\nأمن ريحانة الداعي السّميع ... يؤرّقني وأصحابي هموع «١»\nأي المؤلم والموجع، والمسمع «٢» فعيل بمعنى: مفعل وعلى هذا التأويل هو صفة فعل.\nوالآخر: بمعنى (الحاكم العالم) وحينئذ يكون صفة ذات، وأصل الحكمة في كلام العرب: المنع. يقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمته، أي منعته.\nقال جرير:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ١٧٩، وهو لعمرو بن معد يكرب.\n(٢) هذا تفسير للشعر فقوله فيه: السميع: أي المسمع كما في تفسير الطبري.","vol":"1","page":178},{"text":"أبني حنيفة احكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا «١»\nويقال للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة لأنها تمنع الدابة من الاعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، ومالا يجمل فلا يحلّ في المحكم من الأمر بمنعه من الخلل، وفي هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يطاق حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء ما لم يعلموا، وهو عالم بعجزهم عنه.\nفلما ظهر عجزهم، قال الله تعالى: يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فسمّى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه.\nفَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ أخبرهم. بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ يا ملائكتي. إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ما كن فيها وما يكون. وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ من الخضوع والطاعة لآدم.\nوَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ تخفون في أنفسكم من العداوة له. وقيل: ما تُبْدُونَ من الإقرار بالعجز والاعتذار، وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ من الكراهية في استخلاف آدم.\nقال ابن عباس: هو أنّ إبليس مرّ على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه، فقال: لأمر ما خلق هذا، ثمّ دخل من فيه وخرج من دبره، وقال: إنّه لا يتماسك إلّا بالجوف، ثمّ قال للملائكة الذين معه: أرأيتم أن فضّل هذا عليكم، وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا:\nنطيع أمر ربّنا. فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلطت عليه لأهلكته، ولئن سلّط عليّ لأعصينّه.\nفقال الله تعالى: وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ يعني الملائكة من الطاعة وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعني إبليس من المعصية.\nقال الحسن وقتادة: ما تُبْدُونَ يعني قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ... وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ يعني قولهم لن يخلق خلقا أفضل ولا أعلم ولا أكرم عليه منّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>القول في حدّ الاسم وأقسامه</span>\nفقال أصحابنا: الاسم: كل لفظة دلت على معنى ما وشيء ما، وهو مشتق من السّمة، وهي العلامة التي يعرف بها الشيء، وأقسامه ثمانية منها: اسم علم مثل زيد، وعمرو، وفاطمة، وعائشة، ودار، وفرس.\nومنها: اسم لازم كقولك: رجل، وامرأة، وشمس، وقمر، وحجر، ومدر ونحوها سمّي لازما لأنّه لا ينقلب ولا يفارق، فلا يقال للشمس قمر ولا للقمر حجر.\nومنها: اسم مفارق مثل: صغير، وكبير، وطفل، وكهل، وقليل، وكثير، وقيل له مفارق لأنّه كان ولم يكن له هذا الاسم ويزول عنه المعنى المسمّى به.\nومنها: اسم مشتق: ككاتب، وخياط، وصائغ، وصبّاغ فالاسم مشتق من فعله.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ١٤٤.","vol":"1","page":179},{"text":"ومنها: اسم مضاف مثل: غلام جعفر، وركوب عمرو، ودار زيد.\nومنها: اسم مشبهة كقولك: فلان أسد وحمار وشعلة نار.\nومنها: اسم منسوب يثبت بنفسه ويثبت غيره، كقولك: أب، وأمّ، وأخ، وأخت، وابن، وبنت، وزوج، وزوجة، فإذا قلت أب فقد أثبته وأثبت له الولد، وإذا قلت: أخ أثبته وأثبت له الأخت.\nومنها: اسم الجنس: وهو اسم واحد ويدل على أشياء كثيرة، كقولك: حيوان، وناس ونحوهما.\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ سجدة تعظيم وتحية لا سجود صلاة وعبادة، نظيره قوله في قصة يوسف: وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا «١» وكان ذلك تحيّة الناس، ويعظم بعضهم بعضا، ولم يكن وضع الوجه على الأرض [وإنما] كان الانحناء والتكبير والتقبيل. فلما جاء الإسلام بطّل ذلك بالسّلام.\nوفي الحديث إنّ معاذ بن جبل رجع من اليمن فسجد لرسول الله ﷺ فتغيّر وجه رسول الله فقال: ما هذا؟ قال: رأيت اليهود يسجدون لأحبارهم والنصارى يسجدون لقسّيسيهم.\nفقال رسول الله ﷺ: «مه يا معاذ كذب اليهود والنصارى إنّما السجود لله تعالى»\n[٨١] «٢» .\nوقال بعضهم: كان سجودا على الحقيقة جعل آدم قبلة لهم والسجود لله، كما جعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين والصلاة لله تعالى.\nقال ابن مسعود: أمرهم الله تعالى أن يأتوا بآدم فسجدت الملائكة وآدم لله ربّ العالمين.\nوقال أبيّ بن كعب: معناه: أقروا لآدم إنّه خير وأكرم عليّ منكم فأقروا بذلك، والسجود على قول عبد الله وأبيّ بمعنى الخضوع والطاعة والتذلل، كقول الشاعر:\nترى الأكم فيه سجّدا للحوافر «٣»\nوآدم على وزن افعل.\nفلذلك لم يصرفه.\nالسّدي عمّن حدّثه عن ابن عباس قال: إنّما سمّي آدم لأنّه خلق من أديم الأرض\n، ومنهم من قال: سمّي بذلك لأنه خلق من التراب، والتراب بلسان العبرانية آدم، وبعضهم من قال:\n_________\n(١) سورة يوسف: ١٠٠.\n(٢) المعجم الكبير: ٨/ ٣١. بتفاوت. [.....]\n(٣) جامع البيان للطبري: ١/ ٤٢٧. والعبارة كالتالي:\nبجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الاكم فيه سجدا للحوافر","vol":"1","page":180},{"text":"سمّي بذلك لأدمته لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد وأبو البشر.\nسعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ليس في الجنة أحد يكنّى إلّا آدم فإنّه يكنى أبا محمد.\nوقرأ العامة: لِلْمَلائِكَةِ بخفض التاء، وقرأ أبو جعفر بضم التاء تشبها لتاء التأنيث بألف الوصل في قوله: اسْجُدُوا لأنّ ألف الوصل يذهب في الوصل ولأنّها زائدة غير أصلية، وكذلك تاء التأنيث زائدة غير أصلية، ولا ثابت جواب ألف اسْجُدُوا.\nوقيل: كره ضمّة الجيم بعد كسرة التاء لأنّ العرب تكره الضمة بعد الكسرة لثقلها، وهي قراءة ضعيفة جدا وأجمع النحاة على تغليطه فيها.\nفَسَجَدُوا يعني الملائكة. إِلَّا إِبْلِيسَ وكان اسمه عزازيل، فلمّا عصى غيّرت صورته وغيّر اسمه فقيل إبليس لأنّه أبلس من رحمة الله، كما يقال: يا خبيث ويا فاسق، وهو منصوب على الاستثناء، ولا يصرف لاجتماع العجمة والمعرفة.\nأَبى أي امتنع ولم يسجد. وَاسْتَكْبَرَ أي تكبّر وتعظّم عن السجود وَكانَ أي فصار مِنَ الْكافِرِينَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ «١» .\nوقال أكثر المفسّرين: معناه فكان في علمه السابق من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة.\nالأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان عنه يبكي فيقول: يا ويلتي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنّة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النّار» [٨٢] «٢» .\nزياد بن الحصين عن أبي العالية قال: لمّا ركب نوح السفينة إذا هو بإبليس على كوثلها «٣» فقال له: ويحك قد شقّ أناس من أجلك، قال: فما تأمرني؟ قال: تب، قال: سل ربّك هل لي من توبة؟ قال: فقيل له أنّ توبته أن يسجد لقبر آدم، قال: تركته حيّا واسجد له ميّتا.\nوَقُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وذلك أن آدم ﵇ كان في الجنّة وحشا ولم يكن له من يجالسه ويؤانسه، فنام نومة فخلق الله تعالى زوجته من قصيراه من شقّه الأيسر من غير أن يحسّ آدم بذلك ولا وجد له ألما ولو ألم من ذلك لما عطف رجل على امرأة، فلمّا هبّ آدم من نومه إذا هو بحواء جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله تعالى، فقال لها: من أنت؟\nقالت أنا زوجتك خلقني الله لك لتسكن إليّ وأسكن إليك. فقالت الملائكة عند ذلك امتحانا لعلم آدم: يا آدم ما هذه؟ قال: امرأة، قالوا: ما اسمها؟ قال: حوّاء، قالوا: لم سمّيت حوّاء؟\nقال: لأنها خلقت من حيّ، قالوا: تحبّها يا آدم؟ قال: نعم، فقالوا لحوّاء: أتحبّينه؟ قالت: لا،\n_________\n(١) سورة هود: ٤٣.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٤٤٣.\n(٣) الكوثل: مؤخّر السفينة.","vol":"1","page":181},{"text":"وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حبّه، قالوا: فلو صدقت امرأة في حبّها لزوجها لصدقت حوّاء.\n(مسألة:) قالت القدريّة: إنّ الجنّة التي أسكنها الله آدم وحوّاء لم تكن جنّة الخلد وإنما كان بستانا من بساتين الدنيا، واحتجّوا بأن الجنة لا يكون فيها إبتلاء وتكليف.\n(والجواب:) إنّا قد أجمعنا على أنّ أهل الجنّة مأمورون فيها بالمعرفة ومكلّفون بذلك.\nوجواب آخر: إنّ الله تعالى قادر على الجمع بين الأضداد، فأرى آدم المحنة في الجنّة وأرى إبراهيم النعمة في النار لئلّا يأمن العبد ربّه ولا يقنط من رحمته وليعلم أنّ له أن يفعل ما يشاء.\nواحتجّوا أيضا بأنّ من دخل الجنة يستحيل الخروج منها، قال الله تعالى: وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ «١» .\nوالجواب عنه: إنّ من دخلها للثواب لا يخرج منها أبدا، وآدم لم يدخلها للثواب، ألا ترى أنّ رضوان خازن الجنة يدخلها ثم يخرج منها، وإبليس أيضا كان داخل الجنّة وأخرج منها.\nوَكُلا مِنْها رَغَدًا واسعا كثيرا. حَيْثُ شِئْتُما: كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما.\nوَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ قال بعض العلماء: وقع النهي على جنس من الشجر. وقال آخرون: بل وقع على شجرة مخصوصة واختلفوا فيها،\nفقال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه):\nهي شجرة الكافور.\nوقال قتادة: شجرة العلم وفيها من كلّ شيء.\nومحمد بن كعب ومقاتل: هي السنبلة.\nوقيل: هي الحبلة وهي الأصلة من أصول الكرم.\nأبو روق عن الضحّاك: أنها شجرة التين.\nفَتَكُونا فتصيرا مِنَ الظَّالِمِينَ لأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه.\nفَأَزَلَّهُمَا يعني [استمال] آدم وحوّاء فأخرجهما ونحّاهما.\nوقرأ حمزة: (فأزالهما الشيطان) وهو إبليس، وهو فيعال من شطن أي بعد.\n_________\n(١) سورة الحجر: ٤٨.","vol":"1","page":182},{"text":"وقيل: إنه من شاط والنون فيه غير أصلية [ونودي] شيطان سمّي بذلك لتمرّده وبعده عن الخير وعن رحمة الله تعالى.\nعَنْها عن الجنة وقيل عن الطاعة.\nفَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم، وذلك إن إبليس أراد أن يدخل الجنّة ويوسوس لآدم ولحواء فمنعته الخزنة، فأتى الحيّة وكانت من أحسن الدّواب لها أربع قوائم كقوائم البعير وكان من خزّان الجنّة وكان لإبليس صديقا، فسألها أن تدخله في فمها فأدخلته في فمها ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة، وكان آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة قال: لو أن خلدا، فاغتنم الشيطان ذلك منه وأتاه من قبل الخلد، ولما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحوّاء لا يعلمان إنه إبليس، فناح عليهما نياحة أحزنهما وبكى وهو أوّل من ناح فقالا لم تبكي قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعيم والكرامة، فوقع ذلك في أنفسهما واغتمّا، ومضى ثم أتاهما بعد ذلك وقال: يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى «١»، فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إنه لهما لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فاغترّا وما كانا يظنّان أنّ أحدا يحلف بالله كاذبا، فبادرت حوّاء الى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها.\nوروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسط قال: سمعت سعيد بن المسيّب يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حوّاء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته إليها فأكل، فلمّا أكلا تهافتت عنهما ثيابهما وبدت سوءاتهما وأخرجا من الجنة، وذلك قوله تعالى: وَقُلْنَا يعني لآدم وحوّاء وإبليس والحية اهْبِطُوا أي أنزلوا الى الأرض بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نودة، وقيل:\nواشم، وحوّاء بجدّة، وإبليس بالأبلّة وقيل بميسان، والحيّة بأصفهان.\nوَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ بلغة ومستمتع.\nإِلى حِينٍ الى حين اقتضاء آجالكم ومنتهى أعماركم.\nوعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا.\nفَتَلَقَّى فلقّن. آدَمُ حفّظ حين لقّن، وأفهم حين ألهم.\nوقرأ العامّة: آدَمُ برفع الميم، كَلِماتٍ بخفض التّاء.\nوقرأ ابن كثير: بنصب الميم، بمعنى جاءت الكلمات لآدم ﵇.\nمِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ كانت سبب قبول توبته، واختلفوا في تلك الكلمات:\n_________\n(١) سورة طه: ١٢٠.","vol":"1","page":183},{"text":"قال ابن عباس: هي أنّ آدم قال: يا ربّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك بي غضبك؟ قال: بلى، قال: ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى، قال: فلم أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك، قال: أي ربّ أرأيت لو تبت [وأصلحت] أراجعي أنت الى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو الكلمات.\nقال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته على نفسي أم شيء قدّرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليّ فأغفر لي «١» .\nهمام بن منبّه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تحاجّ آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنّة الى الأرض؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله علم كلّ شيء واصطفاك على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: أتلومني على أمر كان قد كتب عليّ أن أفعله من قبل أن أخلق. قال: فحجّ آدم موسى» [٨٣] «٢» .\nوقال محمد بن كعب القرظي: هي قوله: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ وبحمدك قد عملت سوءا ولَمْتُ نَفْسِي\nفتب عليّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ وبحمدك قد عملت سوءا وظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إنّك أنت الغفور الرحيم، لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ وبحمدك ربّ عملت سوءا ولَمْتُ نَفْسِي\nفارحمني انّك أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.\nعكرمة عن سعيد بن جبير في قوله: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ قالا: قوله: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «٣»، وكذلك قاله الحسن ومجاهد.\nوقال بعضهم: نظر آدم ﵇ الى العرش فرأى على ساقه مكتوبا لا اله الّا الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أن تغفر لي فغفر له.\nوقيل: هذا التأويل ما\nروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «٤»\n: عرّج بي الى السماء رأيت على ساق العرش مكتوبا لا إله إلّا الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق «٥» .\n_________\n(١) تفسير الدر المنثور: ١/ ٥٩.\n(٢) المصنف (عبد الرزاق الصنعاني): ١١/ ١١٣.\n(٣) سورة الأعراف: ٢٣.\n(٤) ذكره ابن الجوزي في الموضوعات: ١/ ٣٢٨.\n(٥) روي المتقي الهندي عن علي قول آدم: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلّا أنت عملت سوء ولَمْتُ نَفْسِي فتب عليّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. كنز العمال: ٢/ ٣٥٩ ح ٤٢٣٧ مورد الآية، والدر المنثور: ١/ ٦٠ ذيل الآية. وأخرج السيوطي عن أبن عباس قال: سألت النبي ﷺ عن الكلمات فقال: سأل بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت علي. الدر المنثور: ١/ ٦٠.","vol":"1","page":184},{"text":"وقيل: هي ثلاثة أشياء: الخوف، الرجاء، البكاء.\nأبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب قال: بلغني أنّ آدم لما أهبط الى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى.\nوقال ابن عباس: بكاء آدم وحوّاء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوما، ولم يقرب آدم [حواء] مائة سنة.\nفَتابَ عَلَيْهِ فتجاوز عنه إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ يقبل توبة عباده الرَّحِيمُ بخلقه.\nقُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها يعني آدم وحواء، وقيل: آدم وحوّاء وإبليس والحيّة فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ يا ذرّية آدم مِنِّي هُدىً كتاب ورسول. فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: فيما يستقبلهم وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ: على ما خلّفوا.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا جحدوا. وَكَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القرآن. أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يخرجون منها ولا يموتون فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٠ الى ٤٨]</span>\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١) وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)\nوَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ أولاد يعقوب، ومعنى إسرائيل: صفوة الله، وإيل هو الله ﷿، وقيل: معناه: عبد الله،\nوقيل: سمّي بذلك لأنّ يعقوب وعيصا كانا توأمين واقتتلا في بطن أمهما، فأراد يعقوب أن يخرج فمنعه عيص وقال: والله لئن خرجت قبلي لأعترضنّ في بطن أمّي، فلأقتلنّها، فتأخّر يعقوب وخرج عيص وأخذ يعقوب يعقب عيص فخرج عيص قبل يعقوب.\nوسمّي عيص لما عصى فخرج قبل يعقوب، وكان عيص أحبّهما الى أبيه وكان يعقوب أحبّهما الى أمه، وكان عيص [ويعقوب أبناء] إسحاق وعمي، قال لعيص: يا بنيّ وأطعمني لحم صيد واقترب مني أدع لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلا أشعر وكان [يعقوب] رجلا أمرد، فخرج عيص بطلب الصيد، فقالت أمّه ليعقوب: يا بنيّ اذهب إلى الغنم فاذبح منه شاة ثمّ اشوه والبس جلدها وقدمها الى أبيك فقل له: أنّك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلمّا جاء قال: يا أبتاه كل، قال: من أنت، قال: ابنك عيص [قال: خمسه فقال: المس مسّ عيص والريح ريحة","vol":"1","page":185},{"text":"يعقوب، قالت أمه: هو ابنك، فادع له، قال: قدم طعامك فقدّمه فأكل منه، ثم قال: أدن مني، فدنا منه، فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك. وقام يعقوب وجاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذي أمرتني به. فقال: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب عيص وقال: والله لأقتلنه، قال: يا بني قد بقيت لك دعوة، فهلم أدع لك بها، فدعا له فقال: تكون ذريتك عددا كثيرا كالتراب ولا يملكهم أحد غيرهم ...] «١» .\nاذْكُرُوا....\nروى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والمحدث بنعمة الله شاكر وتاركها كافر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب» [٨٤] «٢» .\nنِعْمَتِيَ أراد نعمي أعطها وهي واحد [بمعنى الجمع] وهو قوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «٣» والعدد لا يقع على الواحد.\nالَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أي على أجدادكم، وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر وأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم فأورثهم ديارهم وأموالهم، وظلل عَلَيْهِمُ الْغَمامَ في التيه من حر الشمس، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وفجّر لهم اثني عشرة عينا [وأنزل] «٤» عليهم التوراة فيها بيان كلّ شيء يحتاجون إليه في نعم من الله كثيرة لا تحصى.\nأَوْفُوا بِعَهْدِي الذي عهدت إليكم أُوفِ بِعَهْدِكُمْ أدخلكم الجنّة وأنجز لكم ما وعدتكم.\nفقرأ الزهري: أوفّ بالتّشديد على التأكيد يقال: ووفّى وأوفى كلّها بمعنى [واحد] وأصلها الإتمام.\nقال الكلبي: عهد الى بني إسرائيل على لسان موسى: إنّي باعث من بني إسماعيل نبيّا أميّا فمن اتّبعه [وآمن] «٥» به عفوت عن ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين إثنين، وهو قوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ «٦» يعني أمر محمد ﷺ.\n_________\n(١) في المخطوط بياض وأكملنا القصة من تاريخ الطبري: ١/ ٢٤٤- ٢٢٥.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٢٧٨ والشكر لله لابن أبي الدنيا: ٧.\n(٣) سورة إبراهيم: ٣٤. [.....]\n(٤) بياض في المخطوط وما أثبتناه هو الظاهر.\n(٥) سقط في أصل المخطوط وما أثبتناه منا.\n(٦) سورة آل عمران: ١٨٧.","vol":"1","page":186},{"text":"قتادة: هو العهد الذي أخذ الله عليهم في قوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ «١» وقوله تعالى: قَرْضًا حَسَنًا «٢» فهذا قوله: أَوْفُوا بِعَهْدِي ثم قال: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ «٣» الآية. فهذا قوله أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.\nفقال: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ «٤» الآية.\nالحسن: هو قوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ «٥» الآية.\nإسماعيل بن زياد: ولا تفرّوا من الزحف أدخلكم الجنة، دليله قوله تعالى: وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ «٦» .\nوقيل: أَوْفُوا بشرط العبوديّة، أُوفِ بشرط الربوبيّة.\nوقال أهل الإشارة: أَوْفُوا في دار محنتي على بساط خدمتي، [أُوفِ عهدكم] في دار نعمتي على بساط كرامتي بقربي ورؤيتي.\nوَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ فخافوني في نقض العهد [وسقطت الياء بعد النون في] هذه الآيات وفي كلّ القرآن على الأصل، وحذفها الباقون على الخط اتّباعا للمصحف.\nوَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا موافقا لِما مَعَكُمْ يعني التوراة في التوحيد والنبوّة والأخبار، وبعض الشرائع نزلت في كعب وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم.\nوَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ يعني أوّل من يكفر بالقرآن «٧» وقد بايعتنا اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم.\nوَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي أي ببيان صفة محمد ونعته. ثَمَنًا قَلِيلًا شيئا يسيرا، وذلك أنّ رؤساء اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامّهم يأخذون منهم شيئا معلوما كلّ عام من زروعهم [فخافوا أن تبينوا] صفة محمد ﷺ وبايعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرّياسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة.\nوَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ فاخشوني في أمر محمد لا فيما يفوتكم من الرياسة والمأكل.\nوَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ ولا تخلطوا، يقال: [لبست عليهم الأمر ألبسه لبسا إذا خلطته عليهم] «٨» أي خلطت وشبهت الحقّ الذي أنزل إليكم من صفة محمد ﷺ.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٧٠.\n(٢) سورة البقرة: ٢٤٥.\n(٣) سورة المائدة: ١٢.\n(٤) سورة البقرة: ٨٣.\n(٥) سورة البقرة: ٦٣.\n(٦) سورة الأحزاب: ١٥.\n(٧) تفسير الطبري: ١/ ٣٦٠.\n(٨) زيادة عن تفسير الطبري ١/ ٣٦٢.","vol":"1","page":187},{"text":"بِالْباطِلِ، الذي تكتمونه، وهو تجدونه في كتبكم من نعته وصفته.\nوقال مقاتل: إنّ اليهود أقرّوا ببعض صفه محمد ﷺ وكتموا بعضا واختلفوا في ذلك، فقال الله ﷿: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ الذي تقرّون به وتبيّنونه بِالْباطِلِ، يعني بما تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم.\nوقيل: معناه وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ [.... من الباطل] صفة أو حال.\nوَتَكْتُمُوا الْحَقَّ يعني ولا تكتموا الحق كقوله تعالى: لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ «١» .\nوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إنّه نبيّ مرسل.\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها.\nوَآتُوا الزَّكاةَ يعني وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة، وأصل الزكاة: الطهارة والنّماء والزيادة.\nوَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ يعني وصلّوا مع المصلين محمّد وأصحابه، يخاطب اليهود فعبّر بالركوع عن الصلاة إذ كان ركنا من أركانها كما عبّر باليد عن العطاء كقوله: ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ «٢» وقوله: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «٣» وبالعنق عن البدن في قوله: أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ «٤» والأنف عن [.............] «٥» .\n[أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ الطاعة والعمل الصالح، وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ تتركون وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ توبيخ عظيم أَفَلا تَعْقِلُونَ أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم] «٦» .\nوَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ.......\nوَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ [عليهما ولكنه كنّى عن الأغلب وهو الصلاة كقوله]: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقوله: إِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها فرد\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٢٧.\n(٢) سورة آل عمران: ١٨١.\n(٣) سورة الشورى: ٣٠. [.....]\n(٤) سورة الإسراء: ١٣.\n(٥) سقط في المخطوط.\n(٦) بياض في المخطوط، وتفسير الآيات من تفسير القرطبي: ١/ ٣٦٥.","vol":"1","page":188},{"text":"الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم وإلى التجارة لأنها الأفضل والأهم ... وَإِنَّها واحد منهما، أراد بأن كل خصلة منهما لَكَبِيرَةٌ وقيل: رد الكناية إلى كل واحد منهما قال تعالى:\nوَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً «١» ولم يقل: آيتين، أراد: جعلنا كل واحد منهما آية.\nحسن من علم يزينه حلم ... ومن ناله قد فاز بالفرج\nأي من نال كل واحد منهما.\nوقال آخر:\nلكل همّ من الهموم سعة ... والمسى والصبح لا فلاح معه «٢»\nوقيل: ردّ الهاء الى الصلاة لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «٣» ولم يقل يرضوهما لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله.\nوقال الشاعر وهو حسّان:\nإنّ شرخ الشباب والشعر الأسود ... ما لم يعاص كان جنونا «٤»\nولم يقل يعاصيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه. وقال الحسين بن الفضل:\nردّ الكناية إلى الاستعانة، معناه: وأن الاستعانة بالصبر والصلاة لكبيرة ثقيلة شديدة إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ يعني المؤمنين، وقال ابن عباس: يعني المصلّين. الوراق: العابدين المطيعين.\nمقاتل بن حيان: المتواضعين، الحسن: الخائفين. قال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذل والخنوع عليه، وكخشوع الدار بعد الإقواء، هذا هو الأصل «٥» .\nوقال النابغة:\nرماد ككحل العين ما أن تبينه ... ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع\nالَّذِينَ يَظُنُّونَ يعلمون ويستيقنون، كقوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ «٦» أي أيقنت به.\nوقال دريد بن الصمة:\nفقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرّد «٧»\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ٥٠.\n(٢) شرح الرضي على الكافية: ٤/ ٤٩٤ وفيه: لا بقاء معه.\n(٣) سورة التوبة: ٦٢.\n(٤) الصحاح: ١/ ٤٢٤.\n(٥) تفسير القرطبي: ١/ ٣٧٤.\n(٦) سورة الحاقة: ٢١.\n(٧) الصحاح: ٦/ ٢١٦٠.","vol":"1","page":189},{"text":"يعني أيقنوا.\nوالظن من الأضداد يكون شكّا ويقينا كالرّجاء يكون أملا وخوفا.\nأَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ معاينو ربّهم في الآخرة وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ فيجزيهم بأعمالهم.\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ يعني عالمي زمانكم.\nوَاتَّقُوا يَوْمًا أي واحذروا يوما واخشوا يوم.\nلا تَجْزِي أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني.\nومنه\nالحديث عن أبي بردة بن ديّان في الأضحية: لا تجزي عن أحد بعدك.\nوقرأ أبو السماك العدوي: لا تُجزئ مضمومة التّاء مهموزة الياء من أجزأ يجزي إذا كفي.\nقال الشاعر:\nوأجزأت أمر العالمين ولم يكن ... ليجزي إلّا كامل وابن كامل «١»\nوقال الزجاج: وفي الآية إضمار معناه: لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا من الشدائد والمكاره.\nوأنشد الشاعر:\nويوم شهدناه سليما وعامرا\nأي شهدنا فيه.\nوقيل: معناه: ولا تغني نفس مؤمنة ولا كافرة عن نفس كافرة.\nوَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ إذا كانت كافرة.\nقرأ أهل مكّة والبصرة: بالتّاء لتأنيث الشفاعة. وقرأ الباقون: بالياء لتقديم الفعل.\nوقرأ قتادة: (وَلا يَقْبَلُ مِنْها شَفاعَةً) بياء مفتوحة، ونصب الشفاعة أي لا يقبل الله.\nوَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ فداءً كانوا يأخذون في الدنيا، وسمّي الفداء عدلا لأنّه يعادل المفدّى ويماثله قال الله ﷿: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا «٢» .\nوَلا هُمْ يُنْصَرُونَ أي يمنعون من عذاب الله.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ٣٧٨.\n(٢) سورة المائدة: ٩٥.","vol":"1","page":190},{"text":"قال الزجاج: كانت اليهود تزعم أنّ آباءها الأنبياء تشفع لهم عند الله ﷿، فأيأسهم الله من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>[سورة البقرة (٢): الآيات ٤٩ الى ٥٤]</span>\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)\nوَإِذْ نَجَّيْناكُمْ يعني أسلافكم وآباءكم فاعتدّها منّة عليهم لأنّهم نجوا بنجاتهم، ومآثر الآباء مفاخر الأبناء.\nوقوله: فَأَنْجَيْناكُمْ «١»: أصله ألقيناكم على النّجاة وهو ما ارتفع واتّسع من الأرض هذا، هو الأصل، ثم سمّي كلّ فائز ناجيا كأنّه خرج من الضيق والشدة الى الرخاء والراحة.\nوقرأ إبراهيم النخعي: وإذ نجّاكم على الواحد.\nمِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: أي أشياعه وأتباعه وأسرته وعزّته وأهل دينه، وأصله من الأول وهو الرجوع كأنّه يؤول إليك، وكان في الأصل همزتان فعوّضت من إحداهما مدّ وتخفيف.\nوفرعون: هو الوليد بن مصعب بن الريّان، وكان من العماليق.\nيَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يعني يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه، وذلك أنّ فرعون جعل بني إسرائيل خدما وعبيدا وصنّفهم في أعمالهم. فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمون، ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال فعليه الجزية.\nيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ.\nوقرأ ابن محيصن: بالتخفيف فتح الياء والباء من الذبح، والتشديد على التكثير، وذلك أنّ فرعون رأى في منامه كأنّ نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فهاله ذلك، ودعا بالسحرة والكهنة وسألهم عن رؤياه فقالوا: إنّه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك وتبديل دينك، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل، وجمع القوابل من أهل مملكته فقال لهنّ: لا\n_________\n(١) سورة البقرة: ٥٠.","vol":"1","page":191},{"text":"يسقطنّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلّا قتل ولا جارية إلّا تركت، ووكّل بهنّ من يفعلن ذلك، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له: إنّ الموت قد وقع في بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم [ويموت كبارهم، فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها فترك، وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها] .\nوَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ في إنجائكم منهم نعمة عظيمة، والبلاء تنصرف على وجهين:\nالنعماء والنقماء [.............] «١» .\nوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ....... «٢» ..\nالْبَحْرَ: وذلك إنّه لما دنا هلاك فرعون أمر الله ﷿ موسى أن يسري ببني إسرائيل، وأمرهم أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله ﷿ كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إليهم وأخرج [من بني إسرائيل كل ولد زنا منهم] «٣» إلى القبط حتى رجع كل واحد منهم الى أبيه، وألقى الله ﷿ على القبط الموت فمات كل بكرا، فاشتغلوا بدفنهم [عن طلبهم حتى] «٤» طلعت الشمس وخرج موسى ﵇ في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يتعدّون ابن العشرين أصغرهم، ولا ابن الستين أكبرهم، سوى الذرية. فلما أرادوا السير ضرب عليهم التّيه فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى ﵇ مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك.\nفقالوا: إنّ يوسف ﵇ لما حضرته الوفاة أخذ على إخوته عهدا أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسدّ علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا.\nفقام موسى ينادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف إلّا أخبرني به، ومن لم يعلم فصمّت أذناه عن قولي. فكان يمرّ بين الرّجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كلّما سألتك، فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربّي، فأمره الله ﷿ بإيتاء سؤلها، فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر هذا في الدّنيا، وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل بغرفة من الجنة إلّا نزلتها معك، قال: نعم، قالت: إنّه في جوف الماء في النيل، فادع الله حتى يحبس عنه الماء. فدعا الله فحبس عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف، فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من المرمر فحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق.\n_________\n(١) بياض في المخطوط. [.....]\n(٢) كلام غير مقروء.\n(٣) استدراك عن الدر المنثور: ٥/ ٨٤ والمخطوط بياض.\n(٤) استدراك عن تفسير الطبري: ١/ ٣٩٦.","vol":"1","page":192},{"text":"فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدّمتهم، وعلم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الدّيك. فو الله ما صاح ديك في تلك الليلة.\nفخرج فرعون في طلب بني إسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألف من دهم الخيل سوى سائر الشّيات، وسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر، والماء في غاية الزيادة.\nنظروا فإذا هم بفرعون وذلك حين أشرقت الشمس، فبقوا متحيرين وقالوا: يا موسى كيف نصنع؟ وما الحيلة؟ فرعون خلفنا والبحر أمامنا. قال موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ «١» فأوحى إليه: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ «٢» فضربه فلم يطعه، فأوحى الله إليه أن كنّه، فضربه موسى بعصاه وقال: انفلق أبا خالد بإذن الله، فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ «٣» وظهر فيها اثنا عشر طريقا لكلّ سبط طريق، وأرسل الله ﷿ الريح والشمس على مقر البحر حتى صار يبسا.\nوقال سعيد بن جبير: أرسل معاوية الى ابن عباس فسأله عن مكان لم تطلع فيه الشمس إلّا مرة واحدة؟ فكتب إليه: إنه المكان الذي انفلق منه البحر لبني إسرائيل «٤» .\nفخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبه الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا، فخافوا وقال كل سبط قد غرق كل إخواننا. فأوحى الله إلى حال الماء أن تشبّكي، فصار الماء شبكات يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين. فذلك قوله تعالى وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ أي فقلنا وميّزنا الماء يمينا وشمالا.\nفَأَنْجَيْناكُمْ من آل فرعون والغرق.\nوَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وذلك إنّ فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقا، قال لقومه:\nانظروا إلى البحر انفلق لهيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي الذين أبقوا وأقتلهم، أدخلوا البحر، فهاب قومه أن يدخلوه ولم يكن في خيل فرعون أنثى، وإنما كانت كلها ذكور، فجاء جبرائيل ﵇ على فرس أنثى وديق فتقدّمهم فخاض البحر، فلما شمّت الخيول ريحها اقتحمت البحر في أثرها حتى خاضوا كلهم في البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويقول لهم: الحقوا بأصحابكم، حتى إذا خرج جبرائيل من البحر وهمّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى البحر أن يأخذهم والتطم عليهم فأغرقهم أجمعين وذلك بمرأى من بني إسرائيل، وذلك قوله: وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ.\n_________\n(١) سورة الشعراء: ٦٢.\n(٢) سورة الشعراء: ٦٣.\n(٣) سورة الشعراء: ٦٣.\n(٤) البداية والنهاية: ٨/ ٣٣٤، وذكر تمام القصة.","vol":"1","page":193},{"text":"وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى مصارعهم.\nوَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وذلك أنّ بني إسرائيل لما أمنوا من عدوهم، ودخلوا مصر، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله ﷿ موسى أن ينزّل عليهم التوراة، فقال موسى لقومه: إنّي ذاهب إلى ميقات ربي، وآتيكم بكتاب فيه تبيان ما تأتون وما تذرون، فواعدهم أربعين ليلة- ثلاثين من ذي القعدة وعشرا من ذي الحجة- واستخلف عليهم أخاه هارون.\nفلما أتى الوعد جاء جبرئيل على فرس يقال لها فرس الحياة لا يصيب شيئا إلّا حييّ ليذهب بموسى إلى ربه، فلمّا رآه السامري وكان رجلا صائغا من أهل باجرو واسمه ميخا- وقال ابن عباس: اسمه موسى بن ظفر، وكان رجلا منافقا قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل قلبه حبّ البقر- فلما رأى جبرئيل على ذلك الفرس، قال: إنّ لهذا شأنا، وأخذ قبضة من تربة حافر فرس جبرئيل، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرا من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لغلة عرس لهم فأهلك الله ﷿ قوم فرعون فبقيت تلك الحلي في يد بني إسرائيل. فلما وصل موسى. قال السامري: إنّ الأمتعة والحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة، ولا تحلّ لكم. فاحفروا حفرة وادفنوها فيها حتى يرجع موسى، ويرى فيها رأيه، ففعلوا ذلك.\nفلما اجتمعت الحلي صاغها السامري، ثم ألقى القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرئيل فيه، فخرج عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون وخار خورة. قال السّدي: كان يخور ويمشي [ويقول:] هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ، أي تركه هاهنا وخرج بطلبه.\nوكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يوما ولم يرجع موسى ﵇ ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، أفتتن بالعجل ثمانية ألف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه من دون الله ﷿.\nوَإِذْ واعَدْنا مُوسى: قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب: (وعدنا) بغير ألف في جميع القرآن، وقرأ الباقون: (واعَدْنا) بالألف، وهي قراءة ابن مسعود. فمن قرأ بغير ألف قال: لأنّ الله ﷿ هو المتفرد بالوعد والقرآن ينطق به كقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ «١» وقوله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ «٢»، ومن قرأ بالألف قال: قد يجيء المفاعلة من واحد كقولهم: عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل.\n_________\n(١) سورة النساء: ٩٥.\n(٢) سورة إبراهيم: ٢٢.","vol":"1","page":194},{"text":"قال الزجاج: (واعَدْنا) جيد لأن بالطاعة والقبول بمنزلة المواعدة فكان من الله الوعد ومن موسى القبول.\nوموسى: هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب.\nأَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقرأ زيد بن علي: (أَرْبِعِينَ) بكسر الباء وهي لغة، و(لَيْلَةً) نصب على التمييز والتفسير، وإنّما قرن التاريخ بالليل دون النهار لأن شهور العرب وضعت على مسير القمر، والهلال إنّما يهلّ بالليل، وقيل لأنّ الظلمة أقدم من الضوء، والليل خلق قبل النهار. قال الله ﷿: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ «١» الآية.\nثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ يقول أبو العالية: إنّما سمّي العجل لأنّهم تعجّلوه قبل رجوع موسى ﵇.\nمِنْ بَعْدِهِ من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد.\nوَأَنْتُمْ ظالِمُونَ مشّاؤون لأنفسكم بالمعصية، وواضعون العبادة في غير موضعها.\nثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ أي تركناكم فلم نستأصلكم،\nمن قول له ﵇: أحفوا الشّوارب واعفوا اللحي\n، وقيل: محونا ذنوبكم، من قول العرب: عفت الرّيح المنازل فعفت.\nمِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد عبادتكم العجل.\nلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لكي تشكروا عفوي عنكم، وصنيعي إليكم.\nواختلف العلماء في ماهيّة الشكر، فقال ابن عباس: هو الطاعة بجميع الجوارح لربّ الخلائق في السر والعلانية.\nوقال الحسن: شكر النعمة ذكرها، قال الله تعالى: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ «٢» .\nالفضل: شكر كل نعمة ألّا يعصى الله بعد تلك النعمة.\nأبو بكر بن محمد بن عمر الوراق: حقيقة الشكر: معرفة المنعم، وأن لا تعرف لنفسك في النعمة حظّا بل تراها من الله ﷿. قال الله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ «٣» يدل عليه ما\nروى سيف بن ميمون عن الحسين: إنّ رسول الله ﷺ قال: «قال موسى ﵇: يا ربّ كيف استطاع آدم أن يؤدي شكر ما أجريت عليه من نعمك، خلقته بيدك وأسجدت له ملائكتك واسكنته جنّتك؟ فأوحى الله إليه: إنّ آدم علم إنّ ذلك كله منّي ومن عندي فذلك شكر» [٨٥] «٤» .\n_________\n(١) سورة يس: ٣٧.\n(٢) سورة الضحى: ١١.\n(٣) سورة النحل: ٥٣.\n(٤) روضة الواعظين (الفتال النيسابوري): ص: ٤٧٣، الشكر لله- ابن أبي الدنيا- ص: ٧٠.","vol":"1","page":195},{"text":"وعن إسحاق بن نجيح الملطي عن عطاء الخرساني عن وهب بن منبّه قال: قال داود ﵇:\nإلهي كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكرك إلّا بنعمتك؟ فأوحى الله تعالى إليه: ألست تعلم أنّ الذي بك من النعم منّي؟ قال: بلى يا ربّ، قال: أرضى بذلك لك شكرا.\nوقال وهب: وكذلك قال موسى: يا ربّ أنعمت عليّ بالنعم السوابغ وأمرتني بالشكر لك عليها، وإنما شكري لكل نعمة منك عليّ، فقال الله: يا موسى تعلّمت العلم الذي لا يفوته علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو منّي ومن عندي.\nقال الجنيد: حقيقة الشكر: العجز عن الشكر.\nوروى ذلك عن داود ﵇ إنّه قال: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكرا، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة.\nوقال بعضهم: الشكر أن لا يرى النعمة البتة بل يرى المنعم.\nأبو عثمان الخيري: صدق الشكر: لا تمدح بلسانك غير المنعم.\nأبو عبد الرحمن السلمي عن أبي بكر الرازي عن الشبلي: الشكر: التواضع تحت رؤية المنّة.\nوقيل: الشكر خمسة أشياء: مجانبة السيئات، والمحافظة على الحسنات، ومخالفة الشهوات، وبذل الطاعات، ومراقبة ربّ السموات.\nقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سئل أبو الحسن علي بن عبد الرحيم القناد في الجامع بحضرة أبي بكر بن عدوس وأنا حاضر: من أشكر الشاكرين؟ قال: الطاهر من الذنوب، يعدّ نفسه من المذنبين، والمجتهد في النوافل بعداد الفرائض، يعدّ نفسه من المقصّرين، والراضي بالقليل من الدّنيا، يعد نفسه من المفلسين، فهذا أشكر الشاكرين.\nبكر بن عبد الرحمن عن ذي النّور: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال.\nوَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ قال مجاهد والفراء: هما شيء واحد، والعرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه على التوهم، وأنشد الفراء:\nوقدّمت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا «١»\n_________\n(١) تاج العروس: ٩/ ٣٥٥. [.....]","vol":"1","page":196},{"text":"وقال عنترة:\nحيّيت من طلل تقادم «١» عهده ... أقوى «٢» وأقفر بعد أمّ الهيثم «٣»\nوقال الزجاج: وهذا هو القول لأنّ الله ﷿ ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع فقال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ «٤» .\nوقال الكسائي: الفرقان: نعت للكتاب، يريد: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ فرّق بين الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والوعد والوعيد. فزيدت الواو فيه كما يزاد في النعوت من قولهم: فلان حسن وطويل، وأنشد:\nإلى الملك العزم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم «٥»\nودليل هذا التأويل قوله: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَمامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ «٦» .\nوقال قطرب: أراد به الفرقان، وفي الآية إضمار، ومعناه: وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَمحمّد الْفُرْقانَ.\nلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لهذين الكتابين، فترك أحد الاسمين، كقول الشاعر:\nتراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه بات له وفر «٧»\nوقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء، نصر الله ﷿ موسى وأهلك فرعون وقومه، يدلّ عليه قوله ﷿: وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ «٨» يوم بدر.\nيمان بن رباب: الفرقان: انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى:\nوَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ.\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ الذين اتخذوا العجل. يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أي ضررتم أنفسكم بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ إلها، فقالوا: فأي شيء نصنع وما الحيلة؟ قال: فَتُوبُوا\n_________\n(١) كذا في القرطبي.\n(٢) كذا في تفسير القرطبي.\n(٣) تفسير القرطبي: ١/ ٣٩٩.\n(٤) سورة الأنبياء: ٤٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٥.\n(٦) سورة الأنعام: ١٥٤.\n(٧) لسان العرب: ٨/ ٤١.\n(٨) سورة الأنفال: ٤١.","vol":"1","page":197},{"text":"فارجعوا. إِلى بارِئِكُمْ أي خالقكم، وكان أبو عمرو يختلس الهمزة الى الجزم في قوله:\nبارِئِكُمْ و(يَأْمُرُكُمْ) ويَنْصُرْكُمُ طلبا للخفة «١» كقول امرؤ القيس:\nفاليوم أشرب غير مستحقب ... إثما من الله ولا واغل «٢»\nوأنشد:\nوإذا اعوججن قلت صاحب قوّم ... بالدوّ أمثال السفين العوم «٣»\nقال: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ليقتل البريء المجرم. ذلِكُمْ القتل. خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ قال ابن جرير: فأبى الله ﷿ أن يقبل توبة بني إسرائيل إلّا بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل.\nوقال قتادة: [جعل عقوبة] عبدة العجل القتل لأنّهم ارتدّوا، والكفر يبيح الدّم.\nوقرأ قتادة: (فأقيلوا أنفسكم) من الإقالة أي استقيلوا العثرة بالتوبة، فلما أهمّ موسى بالقتل قالوا: نصير لأمر الله تعالى فجلسوا بالأفنية مختبئين وأصلت القوم عليهم الخناجر وكان الرّجل يرى ابنه وأباه وعمّه وقومه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله وقالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا وقيل لهم من حلّ حبوته أو مدّ طرفه الى قاتله أو اتّقى بيد أو رجل فهو طعون مردود توبته، فكانوا يقتلونهم الى المساء، فلمّا كثر فيهم القتل دعا هارون وموسى وبكيا وجزعا وتضرّعا وقالا: يا ربّ هلكت بنو إسرائيل البقيّة البقيّة، فكشف الله ﷿ السحاب وأمرهم أن يرفعوا السلاح عنهم ويكفّوا عن القتل.\nفتكشّفت عن ألوف من القتلى، فاشتدّ ذلك على موسى، فأوحى الله إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنّة، وكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي منهم نكفّر عنه ذنوبه، فذلك قوله: فَتابَ عَلَيْكُمْ يعني ففعلتم بأمره فتاب عليكم وتجاوز عنكم.\nإِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>[سورة البقرة (٢): الآيات ٥٥ الى ٥٩]</span>\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)\n_________\n(١) أي باختلاس الحركة، وروي عنه السكون وقرأ الباقون بغير اختلاس.\n(٢) لسان العرب: ١٠/ ٤٢٦.\n(٣) شرح شافية ابن الحاجب: ٤/ ٢٢٥، ولسان العرب: ١٢/ ٤٣٢.","vol":"1","page":198},{"text":"وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً الآية، وذلك أنّ الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار سبعين رجلا من خيارهم، وقال لهم: صوموا وتطهّروا وطهّروا ثيابكم، ففعلوا ذلك، فخرج بهم موسى الى طور سيناء لميقات ربّه، فلمّا وصل ذلك الموضع قالوا: اطلب لنا نسمع كلام ربّنا، فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشّى الجبل كلّه فدخل في الغمام وقال القوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلّمه ربّه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام وخرّوا سجّدا، وسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه، وأسمعهم الله تعالى: إنّي أنا الله لا اله إلّا أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري.\nفلمّا فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم، فقالوا له: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعا.\nوقال وهب: أرسل الله ﷿ عليهم جندا من السماء فلما سمعوا بحسّها ماتوا يوما وليلة. والصاعقة: المهلكة، فذلك قوله: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لن نصدّقك حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً «١» .\nقرأه العامّة بجزم الهاء، وقرأ ابن عباس: (جَهَرَةً) بفتح الهاء وهما لغتان مثل زهره وزهره.\nجَهْرَةً أي معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف.\nقال الشاعر:\nيجهر أجواف المياه السّدم «٢» ... [وانتحابها على الحان]\nفَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ\nقرأ عمر وعثمان وعلي (﵃): (الصعقة) بغير ألف،\nوقرأ الباقون (الصَّاعِقَةُ) بالألف وهما لغتان.\nوَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ وذلك أنهم لما هلكوا جعل [موسى] «٣» يبكي\n_________\n(١) بتفاوت في قصص الأنبياء لابن كثير: ٢/ ١٢٦.\n(٢) سيرة النبي ﷺ- ابن هشام الحميري-: ٢/ ٣٧٧، والسدم: الندم.\n(٣) سقطت في أصل المخطوط والظاهر ما أثبتناه. [.....]","vol":"1","page":199},{"text":"ويتضرّع ويقول: يا ربّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ولَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ، ويا ربّي أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا «١» فلم يزل يناشد ربّه حتى أحياهم الله تعالى جميعا رجلا بعد رجل ينظر بعضهم الى بعض كيف يحيون، فذلك قوله تعالى:\nثُمَّ بَعَثْناكُمْ أحييناكم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم، وأصل البعث: إثارة الشيء من [مكمنه] .\nيقال: بعثت البعير، وبعثت النائم فانبعث.\nلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ في التيه تقيكم حرّ الشمس، وذلك أنّهم كانوا في التّيه ولم يكن لهم كنّ يسترهم فشكوا ذلك الى موسى، فأنزل الله عليهم غماما أبيضا رقيقا وليس بغمام المطر بل أرقّ وأطيب وأبرد- والغمام: ما يغمّ الشيء أي يستره- وأظلّهم فقالوا: هذا الظّل قد جعل لنا فأين الطعام، فأنزل الله عليهم المنّ.\nواختلفوا فيه، فقال مجاهد: وهو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد.\nالضحّاك «٢»: هو الطرنجبين «٣» .\nوقال وهب: الخبز الرّقاق. السدي: عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه.\nعكرمة: شيء أنزله الله عليهم مثل الزّيت الغليظ، ويقال: هو الزنجبيل.\nوقال الزجاج: جملة المنّ ما يمنّ الله مما لا تعب فيه ولا نصب.\nوروي عن النبي ﷺ: «الكمأة من المنّ وماؤها شفاء للعين» «٤» [٨٦] .\nوكان ينزل عليهم هذا المنّ كل ليلة تقع على أشجارهم مثل الملح، لكلّ إنسان منهم صاع كل ليلة قالوا يا موسى: مللنا هذا المنّ بحلاوته، فادع لنا ربّك أن يطعمنا اللحم، فدعا ﵇، فأنزل الله عليهم السلوى.\nواختلفوا فيه، فقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو طائر يشبه السّماني.\nأبو العالية ومقاتل: هو طير أحمر، بعث الله سحابة فمطرت ذلك الطير في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضه على بعض.\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٥٥.\n(٢) نسبه في زاد المسير (١/ ٧١): الى ابن عباس ومقاتل، وذكر بقية الأقوال.\n(٣) ويصح بالتاء (الترنجبين) راجع لسان العرب: ١٠/ ٩٦، وهو طل ينزل من الهواء ويجتمع على أطراف الشجر في بعض البلدان، وقيل: هو ندى شبيه العسل جامد متحبب ينزل من السماء، وقيل: يشبه الكمأة.\nأقول: ولعله ما يجنيه النحل من الشجر وهو ما يسمى ب (غبار الطلع) إلى صغارها على شكل حبوب صغيرة بأرجلها، وهو غير العسل وغير الهلام الملكي.\n(٤) مسند أحمد: ١/ ١٨٧.","vol":"1","page":200},{"text":"عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من عصفور، المؤرّخ: هو [المعسل] بلغه كنانه.\nوقال شاعرهم:\nوقاسمها بالله حقّا لأنتم ... ألذّ من السلوى إذا ما نشورها «١»\nوكان يرسل عليهم المنّ والسلوى، فيأخذ كل واحد منه ما يكفيه يوما وليلة، وإذا كان يوم الجمعة أخذ ما يكفيه ليومين لأنّه لم يكن ينزل إليهم يوم السبت، فذلك قوله: وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا أي وقلنا لهم كلوا.\nمِنْ طَيِّباتِ حلالات. ما رَزَقْناكُمْ ولا تدّخروا لغد فخبأوا لغد فقطع الله ﷿ ذلك عنهم ودوّد وفسد ما ادّخروا، فذلك قوله ﷿ وَما ظَلَمُونا ضرّونا بالمعصية.\nوَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يصرّون باستيجابهم عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزّل عليهم بلا كلفة ولا مؤونة، ولا مشقّة في الدنيا، ولا تبعه ولا حساب في العقبى.\nخلاس بن عمرو عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا بني إسرائيل لم يخنز الطعام ولم يخبث اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها» «٢» [٨٧] .\nوَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ ابن عباس: هي أريحا وهي قرية الجبّارين، وكان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عناق، وقيل: هي بلقا.\nوقال ابن كيسان: هي الشام.\nالضّحاك: هي الرّملة والأردن وفلسطين وتدمر.\nمجاهد: بيت المقدس. مقاتل: إيليا.\nفَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا موسعا عليكم.\nوَادْخُلُوا الْبابَ يعني بابا من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب.\nسُجَّدًا منحنين متواضعين وأصل السجود الخضوع.\nقال الشاعر:\nبجمع يضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجّدا للحوافر «٣»\nوقال وهب: قيل لهم ادخلوا الباب، فإذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله ﷿، وذلك\n_________\n(١) كتاب العين: ٧/ ٢٩٨.\n(٢) صحيح ابن حبان: ٩/ ٤٧٧.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١/ ٤٢٧.","vol":"1","page":201},{"text":"أنّهم أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا من التيه أحبّ الله ﷿ أن يستنقذهم من الخطيئة.\nوَقُولُوا حِطَّةٌ قال قتادة: حطّ عنّا خطايانا وهو أمر بالاستغفار «١» .\nوقال ابن عباس: يعني لا اله الّا الله لأنّها تحطّ الذنوب، وهي رفع على الحكاية في قول أبي عبيدة.\nوقال الزجاج: سألتنا حطّة.\nنَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وقرأ أهل المدينة بياء مضمومة وأهل الشام بتاء مضمومة.\nوَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ إحسانا وثوابا والسلام.\nفَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا.\nوقال مجاهد: كموطيء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولم يسجدوا، فدخلوا مترجعين على أشباههم.\nقَوْلًا يعني وقالوا قولا. غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ وذلك إنّهم أمروا أن يقولوا (حطّة) فقالوا: (حطا) [......] «٢» يعنون حنطه حمراء استخفافا بأمر الله.\nفَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا عذابا مِنَ السَّماءِ وذلك أنّ الله تعالى أرسل الله عليهم ظلمة وطاعونا فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا.\nبِما كانُوا يَفْسُقُونَ يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٠ الى ٦٢]</span>\nوَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)\n_________\n(١) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٣٩.\n(٢) كلمة غير مقروءة.","vol":"1","page":202},{"text":"وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ السين فيه: سين المسألة، مثل استعلم واستخبر ونحوهما، أي سأل السّقيا لقومه وذلك أنّهم عطشوا في التيه فقالوا: يا موسى من أين لنا الشراب، فاستسقى لهم موسى فأوحى الله ﷿ إليه:\nفَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ وكان من آس الجنّة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله شعبتان متّقدتان في الظلمة نورا واسمه غليق، وكان آدم ﵇ حمله معه من الجنة الى الأرض فتوارثته الأصاغر عن الأكابر حتى وصل الى شعيب فأعطاه لموسى.\nالْحَجَرَ واختلفوا فيه، فقال وهب بن منبّه: كان موسى ﷺ يقرع لهم أقرب حجر من عرض الحجارة فيتفجّر منها لكلّ سبط عين وكانوا اثني عشر سبطا، ثمّ يسيل في كلّ عين جدول الى السبط الذي أمر سقيهم، ثمّ أنّهم قالوا: إن فقد موسى عصاه، فأوحى الله تعالى الى موسى لا تقرعنّ الحجارة ولكن كلّمها تطعك لعلّهم يعتبرون.\nفقالوا: كيف بنا لو أفضينا الى الرّمل والى الأرض التي ليست فيها حجارة، فحمل موسى معه حجرا فحيث نزلوا ألقاه.\nوقال الآخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه، والدليل عليه قوله تعالى: الْحَجَرَ فأدخل الألف واللام للتعريف مثل قولك: رأيت الرجل، ثم اختلفوا فيه ما هو.\nفقال ابن عباس: كان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرجل أمر أن يحمله وكان يضعه في مخلاته فإذا احتاجوا الى الماء وضعه وضربه بعصاه.\nوفي بعض الكتب: إنّها كانت رخاما.\nوقال أبو روق: كان الحجر من الكدان وكان فيه اثنا عشرة حفرة ينبع من كلّ حفرة عين ماء عذب فرات فيأخذوه، فإذا فرغوا وأراد موسى حمله ضربه بعصاه فيذهب الماء وكان يستسقي كل يوم ستمائة ألف.\nوقال سعيد بن جبير: هو الحجر الذي وضع موسى ثوبه عليه ليغتسل حين رموه بالأدرة «١» ففرّ الحجر بثوبه ومرّ به على ملأ من بني إسرائيل حتى ظهر إنه ليس بآدر، فلما وقف الحجر أتاه جبرئيل فقال لموسى: إن الله يقول ارفع هذا الحجر فانّ فيه قدرة، فلك فيه معجزة، وقد ذكره الله تعالى في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا «٢» . فحمله موسى ووضعه في مخلاته فكان إذا احتاج الى الماء ضربه بالعصا، وهو ما\nروي عن أبي هريرة إنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر\n_________\n(١) الأدرة: نفخ في الخصيتين.\n(٢) سورة الأحزاب: ٦٩.","vol":"1","page":203},{"text":"بعضهم الى سوأة بعض وكان موسى يغتسل وحده فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلّا إنه آدر قال: فذهب مرّة يغتسل فوضع موسى ثوبه على حجر ففرّ الحجر بثوبه قال: فجمع موسى في أثره يقول ثوبي يا حجر ثوبي يا حجر حتى نظر بنو إسرائيل الى سوأة موسى فقالوا والله ما بموسى من بأس قال فقام الحجر بعد ما نظر إليه وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا» [٨٨] «١» .\nفقال أبو هريرة: وقد رأينا بالحجر ندبا ستة أو سبعة أثر ضرب موسى.\nوقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: كانت ضربة موسى اثني عشرة ضربة، وظهر على موضع كل ضربة مثل ثدي المرأة، ثم انفجر بالأنهار المطرّدة وهو قوله: فَانْفَجَرَتْ.\nوفي الآية إضمار واختصار تقديرها: ضرب فانفجرت أي سالت، وأصل الانفجار:\nالانشقاق والانتشار، ومنه فجر النهار.\nمِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قرأ العامة بسكون الشّين على التخفيف، وقرأ العباس بن الفضل الأنصاري بفتح الشين على الأصل، وقرأ أبو [.....] «٢» بكسر الشين.\nقَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم ويكون بمعنى المصدر مثل المدخل، المخرج.\nكُلُوا وَاشْرَبُوا أي قلنا لهم: كلوا من المنّ، واشربوا من الماء فهذا كلّه من رزق الله الذي بلا مشقة ولا مؤنة ولا تبعة.\nوَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ: يقال: عثى يعثي عثيا، وعثا يعثو عثوا، وعاث يعث عيثا وعيوثا [بثلاث لغات] وهو شدة الفساد.\nقال ابن الرّقاع:\nلولا الحياء وأنّ رأسي قد عثا ... فيه المشيب لزرت أمّ القاسم «٣»\nوَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ الآية، وذلك أنهم ملّوا المنّ والسلوى وسئموها. قال الحسن: كانوا نتانى أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى عكرهم عكر السوء «٤»، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عاداتهم عليه، فقالوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ وكفّوا عن المنّ والسلوى، وإنما قالوا (واحد) وهما اثنان لأن العرب تعبّر عن اثنين بلفظ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣١٥.\n(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٣) زاد المسير: ٢/ ١٥٥. [.....]\n(٤) العكر: الأصل، وقيل العادة والديدن، والعكر بالتحريك: الصدأ على السيف، راجع لسان العرب: ٤/ ٦٠١.","vol":"1","page":204},{"text":"الواحد، وبلفظ الواحد عن الاثنين كقوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «١»، وإنما يخرجان من المالح منهما دون العذب.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كانوا يعجنون المنّ والسلوى فيصير طعاما واحدا فيأكلونه.\nفَادْعُ فسأل وادع. لَنا لأجلنا. رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها قراءة العامة بكسر القاف.\nوقرأ يحيى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، والأشيب العقيلي: وَقُثَّائِها بضم القاف، وهي لغة تميم.\nوَفُومِها: قال ابن عباس: الفوم: الخبز، تقول العرب: فوّموا لنا، أي اختبزوا لنا.\nعطاء وأبو مالك: هو الحنطة وهي لغة قديمة، قال الشاعر:\nقد كنت أحسبني كأغنى واحد ... نزل المدينة عن زراعة فوم «٢»\n[...] «٣»: هو الحبوب كلّها.\nالكلبي والنضر بن شميل والكسائي والمعرّج: هو الثوم، وأنشد المعرّج لحسّان:\nوأنتم أناس لئام الأصول ... طعامكم الفوم والحوقل «٤»\nيعني الثوم والبصل فالعرب تعاقب بين الفاء والثاء فتقول للصمغ العرفط: مغاثير ومغافير، وللقبر جدف وجدث، ودليل هذا التأويل أنها في مصحف عبد الله: وثومها.\nوَعَدَسِها وَبَصَلِها\nعن الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب (﵄) قال: قال رسول الله ﷺ: «عليكم بالعدس فإنّه مبارك مقدّس وإنه يرقق القلب ويكثر الدمعة، وإنه بارك فيه سبعون نبيا آخرهم عيسى ﵇» [٨٩] «٥» .\nفقال لهم موسى عند ذلك: أَتَسْتَبْدِلُونَ وفي مصحف أبيّ: أتبدلون.\nالَّذِي هُوَ أَدْنى أخس وأردى.\nحكى الفراء عن زهير العرقي: إنه قرأ (أدناء) بالهمزة، والعامة على ترك الهمزة، وقال بعض النحاة: هو أدون فقدّمت النون وحوّلت الواو ياء كقولهم: أولى من الويل.\n_________\n(١) سورة الرحمن: ٢٢.\n(٢) تاج العروس: ٩/ ١٥.\n(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٤) تفسير القرطبي: ١/ ٤٢٥.\n(٥) تفسير القرطبي: ١/ ٤٢٧.","vol":"1","page":205},{"text":"بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ أشرف وأفضل، ومعناه: أتتركون الذي هو خير وتريدون الذي هو شر، ويجوز أن يكون هذا الخير والشر منصرفين إلى أجناس الطعام وأنواعه، ويجوز أن يكونا منصرفين إلى اختيار الله لهم، واختيارهم لأنفسهم.\nاهْبِطُوا مِصْرًا يعني فإن أبيتم إلّا ذلك فاهبطوا مصرا من الأمصار، ولو أراد مصر بعينها لقال: (مصر) ولم يصرفه كقوله ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ «١» وهذا معنى قول قتادة.\nالضحاك: هي مصر موسى وفرعون.\nوقال الأعمش: هي مصر التي عليها صالح بن علي ودليل هذا القول: قراءة الحسن وطلحة: (مصر) بغير تنوين جعلاها معرفة، وكذلك هو في مصحف عبد الله وأبيّ بغير ألف، وإنّما صرف على هذا القول لخفّته وقلّة حروفه مثل: دعد وهند وحمل ونحوها. قال الشاعر:\nوجاعل الشمس مصرا لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا «٢»\nفَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ من نبات الأرض.\nوَضُرِبَتْ جعلت. عَلَيْهِمُ وألزموا. الذِّلَّةُ الذل والهوان. قالوا: بالجزية، يدل عليه قوله: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ «٣» وقال [.....] «٤»: هو الكستيبنج وزنة اليهودية.\nوَالْمَسْكَنَةُ يعني ذي الفقر. [فتراهم] كأنّهم فقراء وأن كانوا مياسير، وقيل: المذلة وفقر القلب فلا يرى في أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود، والمسكنة مفعلة من السكون، ومنه سمّي الفقير مسكينا لسكونه وقلّة حركاته. يقال: ما في بني فلان أسكن من فلان، أي أفقر.\nوَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي رجعوا في قول الكسائي وغيره. أبو روق: استحقوا والباء صلة.\nأبو عبيدة: احتملوا وأقرّوا به، ومنه الدعاء المأثور: (أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنّه لا يغفر الذنوب إلّا أنت)، وغضب الله عليهم: ذمّه لهم وتوعّده إياهم في الدنيا، وإنزال العقوبة عليهم في العقبى، وكذلك بغضه وسخطه.\n_________\n(١) سورة يوسف: ٩٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ١٩٣، لسان العرب: ٥/ ١٧٥: والعبارة: (وجعل الشمس ... إلخ) .......\nفصلا.\n(٣) سورة التوبة: ٢٩.\n(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"1","page":206},{"text":"ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ بصفة محمد ﷺ وإنه الرحيم في التوراة والإنجيل والفرقان.\nوَيَقْتُلُونَ قراءة العامة بالتخفيف من القتل، وقرأ السّلمي بالتشديد من التقتيل.\nالنَّبِيِّينَ القراءة المشهورة بالتشديد من غيرهم، وتفرّد نافع بهمز النبيئين، [ومدّه] فمن همز معناه: المخبر، من قول العرب: أنبأ النبي إنباءا، ونبّأ ينبئ تنبئة بمعنى واحد، فقال الله ﷿: فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا «١» ومن حذف الهمز فله وجهان: أحدهما: إنه أراد الهمز فحذفه طلبا للخفّة لكثرة استعمالها، والوجه الآخر: أن يكون بمعنى الرّفيع مأخوذ من النبؤة وهي المكان المرتفع، يقال: نبيء الشيء عن المكان، أي ارتفع «٢» .\nقال الشاعر:\nإنّ جنبي عن الفراش لناب ... كتجافي الأسرّ فوق الظراب «٣»\nوفيه وجه آخر: قال الكسائي: النبي بغير همز: الطريق، فسمّي الرسول نبيا، وإنما دقائق الحصا لأنّه طريق إلى الهدى، ومنه قول الشاعر:\nلأصبح رتما دقاق الحصى ... مكان النبي من الكاثب «٤»\nومعنى الآية: ويقتلون النبيّين.\nبِغَيْرِ الْحَقِّ مثل أشعيا وزكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء،\nوفي الخبر: إنّ اليهود قتلوا سبعين «٥» نبيا من أوّل النهار [في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل فأمروا من قتلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر فقتلوا جميعا من] آخر النهار [في ذلك اليوم] «٦» .\nذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا يعني اليهود، واختلف العلماء في سبب تسميتهم به. فقال بعضهم: سمّوا بذلك لأنهم هادوا أي تابوا من عبادة العجل، كقوله أخبارا عنهم: إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ «٧» .\n_________\n(١) سورة التحريم: ٣.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ١/ ٤٣١.\n(٣) كتاب العين: ٦/ ١٩٠.\n(٤) كتاب العين: ٥/ ٣٥٢، والصحاح: ٦/ ٢٥٠١. [.....]\n(٥) في المصدر: ثلاث وأربعين.\n(٦) ما بين معكوفين زيادة عن تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٤، وفي المخطوط العبارة مشوشة ولعلها: (وقامت عبادهم بقتلهم في) .\n(٧) سورة الأعراف: ١٥٦.","vol":"1","page":207},{"text":"وأنشد أبو عبيدة:\nإنّي امرؤ من مدحه هائد «١»\nأي تائب.\nوقال بعضهم: لأنّهم هادوا أي مالوا عن الإسلام وعن دين موسى. يقال: هاد يهود هودا: إذا مال. قال امرؤ القيس:\nقد علمت سلمى وجاراتها «٢» ... أنّي من الناس لها هائد\nأي إليها مائل.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: لأنّهم يتهوّدون أي يتحرّكون عند قراءة التوراة، ويقولون: إنّ السموات والأرض تحرّكت حين أتى الله موسى التوراة.\nوقرأ أبو السمّاك العدوي واسمه قعنب: هادَوا بفتح الدال من المهاداة، أي مال بعضهم الى بعض في دينهم.\nوَالنَّصارى واختلفوا في سبب تسميتهم بهذا الاسم، فقال الزهري: سمّوا نصارى لأنّ الحواريّين قالوا: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ.\nمقاتل: لأنّهم تولوا قرية يقال لها: ناصرة، فنسبوا إليها.\nوقال الخليل بن أحمد: النصارى: جمع نصران، كقولهم: ندمان وندامى.\nوأنشد:\nتراه إذا دار العشيّ محنّفا ... ويضحى لربّه وهو نصران شامس «٣»\nفنسبت فيه ياء النسبة كقولهم لذي اللحية: لحياني، ورقابي لذي الرقبة.\nفقال الزجاج: يجوز أن يكون جمع نصري كما يقال: بعير حبري، وإبل حبارى، وإنما سمّوا نصارى لاعتزائهم إلى نصرة وهي قرية كان ينزلها عيسى وأمّه.\nوَالصَّابِئِينَ قرأ أهل المدينة بترك الهمزة من الصَّابِئِينَ والصَّابِئُونَ الصّابين والصّابون في جميع القرآن، وقرأ الباقون بالهمزة وهو الأصل، يقال: صبا يصبوا صبوءا، إذا مال وخرج من دين إلى دين.\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٤٣٩.\n(٢) كتاب العين: ٥/ ٩٦: والعبارة كالتالي:\nقد علمت سلمى وجاراتها ... ما قطر الفارس إلّا أنا\n(٣) جامع البيان للطبري: ١/ ٤٥٤.","vol":"1","page":208},{"text":"قال الفرّاء: يقال لكل من أحدث دينا: قد صبأ وأصبأ بمعنى واحد، وأصله الميل، وأنشد:\nإذا أصبأت هوادي الخيل عنّا ... حسبت بنحرها شرق البعير\nواختلفوا في الصّابئين من هم:\nقال عمر: هم طائفة من أهل الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب، وبه قال السدي.\nوقال ابن عباس: لا تحل ذبائحهم ولا مناكحة نسائهم.\nوقال مجاهد: هم قبيلة نحو الشّام بين اليهود والمجوس لا دين لهم «١» .\nوقال السدي: هم طائفة من أهل الكتاب، وهو رأي أبي حنيفة.\nوقال قتادة ومقاتل: هم قوم يقرّون بالله ﷿، ويعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور ويصلّون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين شيئا.\nالكلبي: هم قوم بين اليهود والنصارى، يحلقون أوساط رؤوسهم ويحبّون ذاكرهم.\nعبد العزيز بن يحيى: درجوا وانقرضوا فلا عين ولا أثر.\nمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ اختلفوا في حكم الآية ومعناها، ولهم فيها طريقان:\nأحدهما: إنّه أراد بقوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا على التحقيق وعقد التصديق، ثم اختلفوا في هؤلاء المؤمنين من هم؟ فقال قوم: هم الذين آمنوا بعيسى ثم لم يتهوّدوا ولم يتنصّروا ولم يصبئوا، وانتظروا خروج محمد ﷺ.\nوقال آخرون: هم طلّاب الدين، منهم: حبيب النجّار، وقيس بن ساعدة، وزيد بن عمرو ابن نفيل، وورقة بن نوفل، والبراء السّندي، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ويحيى الراهب، ووفد النجاشي. آمنوا بالنبي ﷺ قبل مبعثه، فمنهم من أدركه وتابعه، ومنهم من لم يدركه.\nوقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية.\nوقيل: المؤمنون من هذا الأمة.\nوَالَّذِينَ هادُوا يعني الذين كانوا على دين موسى ﵇ ولم يبدّلوا ولم يغيّروا.\nوَالنَّصارى: الذين كانوا على دين عيسى ﵇ ولم يبدّلوا وماتوا على ذلك.\nقالوا: وهذان اسمان لزماهم زمن موسى وعيسى (﵉)، حيث كانوا على الحق\n_________\n(١) الدر المنثور: ١/ ٧٥.","vol":"1","page":209},{"text":"فبقي الاسم عليهم كما بقي الإسلام على أمّة محمد ﷺ والصابئين زمن استقامتهم من آمن منهم أي مات منهم وهو مؤمن لأنّ حقيقة الإيمان المؤاخاة.\nقال: ويجوز أن تكون الواو فيه مضمرا: أي ومن آمن بعدك يا محمد إلى يوم القيامة.\nوالطريق الآخر: إنّ المذكورين في أول الآية بالإيمان إنّما هو على طريق المجاز والتسمية دون الحكم والحقيقة، ثمّ اختلفوا فيه:\nفقال بعضهم: إنّ الذين آمنوا بالأنبياء الماضين والكتب المتقدمة ولم يؤمنوا بك ولا بكتابك.\nوقال آخرون: يعني به المنافقين أراد: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم ولم يؤمنوا بقلوبهم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالَّذِينَ هادُوا: أي اعتقدوا اليهودية وهي الدين المبدّل بعد موسى ﵇، وَالنَّصارى: هم الذين اعتقدوا النصرانية والدّين المبدّل بعد عيسى، وَالصَّابِئِينَ: يعني أصناف الكفّار مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ من جملة الأصناف المذكورين في الآية.\nوفيه اختصار وإضمار تقديره: من آمن منهم بالله واليوم الآخر لأنّ لفظ (من) يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث.\nقال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ «١» وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ «٢» وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ «٣» . قال وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ «٤»، وقال الفرزدق في التشبيه:\nتعال فإن عاهدتني لا تخونني ... تكن مثل من ناديت يصطحبان «٥»\nوَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما قدّموا.\nوَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلّفوا، وقيل: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ بالخلود في النار، ولا يحزنون بقطيعه الملك الجبّار، ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من الكبائر وإنّي أغفرها، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على الصغائر فإنّي أكفّرها.\nوقيل: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فيما تعاطوا من الإجرام، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما اقترفوا من الآثام لما سبق لهم من الإسلام الآثام.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٢٥.\n(٢) سورة يونس: ٤٣.\n(٣) سورة يونس: ٤٢.\n(٤) سورة الأحزاب: ٣١.\n(٥) لسان العرب: ١٣/ ٤١٩.","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>[سورة البقرة (٢): الآيات ٦٣ الى ٧٣]</span>\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٦٧)\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ (٦٨) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)\nفَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ يا معشر اليهود. وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ وهو الجبل بالسريانية في قول بعضهم. وقالوا: ليس من لغة في الدنيا إلّا وهي في القرآن.\nوقال أبو عبيدة والحذّاق من العلماء: لا يجوز أن تكون في القرآن لغة غير لغة العرب لأن الله تعالى قال: قُرْآنًا عَرَبِيًّا «١» وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «٢» وإنّما هذا وأشباهه وفاق بين اللّغتين.\nوقد وجدنا الطّور في كلام العرب، وقال جرير:\nفإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل\nوقال المفسّرون: وذلك أنّ الله تعالى أنزل التوراة على موسى وأمر قومه بالعمل بأحكامه فأبوا أن يقبلوها ويعملوا بما فيها للأضرار والأثقال الّتي فيها، وكانت شريعته ثقيلة فأمر الله تعالى جبرئيل ﵇ يضع جبلا على قدر عسكره وكان فرسخا في فرسخ ورفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرّجل.\nأبو صالح عن ابن عبّاس: أمر الله تعالى جبلا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتّى قام على رؤوسهم مثل الظلّة.\nعطاء عن ابن عبّاس: رفع الله فوق رؤوسهم الطّور وبعث نارا من قبل وجوههم وأتاهم\n_________\n(١) سورة يوسف: ٢، سورة طه: ١١٣، سورة الزمر: ٢٨، سورة فصّلت: ٣، سورة الشورى: ٧، سورة الزخرف: ٣.\n(٢) سورة الشعراء: ١٩٥. [.....]","vol":"1","page":211},{"text":"البحر الملح من خلفهم وقيل لهم: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ أي أعطيناكم.\nبِقُوَّةٍ بجدّ ومواظبة. وفيه إضمار، أي: وقلنا لهم: خذوا.\nوَاذْكُرُوا ما فِيهِ أي احفظوه واعلموه واعملوا به و(في) حرف أولي فاذّكروا بذال مشددة وكسر الالف المشددة و(في) حرف وانه وتذكروا ما فيه ومعناهما اتعظوا به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تنجوا من الهلاك في الدّنيا والعذاب في العقبى فإن قبلتموه وفعلتم ما أمرتم به وإلّا رضختكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر وأحرقتكم بهذه النّار، فلمّا رأوا أن لا مهرب لهم قبلوا لك وسجدوا خوفا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فصارت سنّة في اليهود لا يسجدون إلّا على أنصاف وجوههم فلمّا زال الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما أطعناك.\nثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم وعصيتم.\nمِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل.\nفَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ بتأخير العذاب عنكم.\nلَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ لصرتم من المغلوبين بالعقوبة وذهاب الدّنيا والآخرة.\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ وذلك أنهم كانوا من داود ﵇ بأرض يقال لها أيلة حرّم الله عليهم صيد السّمك يوم السبت فكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلّا اجتمع هناك حتّى يخرجن خراطيمهنّ من الماء لأمنها، فإذا مضى السبت تفرّقن ولزمن البحر فذلك قوله تعالى: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ فعمد رجال فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه إليها الأنهار فإذا كانت عشيّة الجمعة فتحوا تلك الأنهار فأقبل الموج بالحيتان إلى الحياض فلا تطيق الخروج لبعد عمقها وقلّة الماء فإذا كان يوم الأحد أخذوها، وقيل: كانوا ينصبون الحبائل والشّصوص يوم الجمعة ويخرجونها يوم الأحد، ففعلوا ذلك زمانا فكثرت أموالهم ولم تنزل عليهم عقوبة، فقست قلوبهم وأصرّوا على الذّنب، وقالوا: ما نرى السّبت إلّا قد أحلّ لنا، فلمّا فعلوا ذلك صار أهل القرية- وكانوا سبعين ألفا- ثلاثة أصناف: صنف أمسك ونهى وصنف أمسك ولم ينه، وصنف انتهك الحرمة، وكان الّذين نهوا إثنا عشر ألفا فلمّا أبى المجرمون قبول نصحهم قال الناهون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسّموا القرية بجدار وغيروا بذلك سنتين فلعنهم داود وغضب الله ﷿ عليهم لإصرارهم على المعصية فخرج الناهون ذات يوم من بابهم والمجرمون لم يفتحوا أبوابهم ولا خرج منهم أحد فلمّا أبطئوا تسوّروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة فمكثوا ثلاثة أيام ثمّ هلكوا، ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيّام ولم يتوالدوا فذلك قول ﷿ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً أمر تحويل.\nخاسِئِينَ مطرودين صاغرين بلغة كنانة، قاله مجاهد وقتادة والربيع.","vol":"1","page":212},{"text":"قال أبو روق: يعني خرسا لا يتكلّمون، دليله قوله ﷿ قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ «١» .\nوقيل: مبعدون من كلّ خير.\nفَجَعَلْناها أي القردة، وقيل: القرية، وقيل: العقوبة.\nنَكالًا عقوبة وعبرة وفضيحة شاهرة، وأصله من النكل وهو القيد، وجمعه أنكال، ويقال للّجام نكل.\nلِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها قال أبو العالية والرّبيع: معناه عقوبة لما مضى من ذنوبهم وعبرة لما بعدهم.\nقتادة: جعلنا تلك العقوبة جزاء لما تقدّم من ذنوبهم قبل نهيهم عن الصّيد وَما خَلْفَها من العصيان بأخذ الحيتان بعد النّهي.\nوقيل: لِما بَيْنَ يَدَيْها من عقوبة الآخرة وَما خَلْفَها من نصيحتهم في دنياهم فيذكّرون بها إلى يوم قيام السّاعة.\nوقيل: في الآية تقديم وتأخير وتقديرها: فجعلناها وما خلفها ممّا أعدّ لهم من العذاب في الآخرة نكالا وجزاء لما بين يديها: أي لما تقدّم من ذنوبهم في اعتدائهم يوم السّبت.\nوَمَوْعِظَةً عظة وعبرة. لِلْمُتَّقِينَ للمؤمنين من أمّة محمّد ﷺ فلا يفعلون مثل فعلهم.\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً الآية: وذلك إنّه وجد قتيل في بني إسرائيل اسمه عاميل ولم يدروا قاتله واختلفوا في قاتله والسبب في قتله فقال عطاء والسّدي:\nكان في بني إسرائيل رجل كثير المال وله ابن عم مسكين لا وارث له غيره فلمّا طال عليه موته قتله ليرثه.\nوقال بعضهم: وكان تحت عاميل بنت عم له لم يكن لها مثلا في بني إسرائيل بالحسن والجمال فقتله ابن عمّه لينكحها.\nوقال ابن الكلبي: قتله ابن أخيه لينكح ابنته فلمّا قتله حمله من قريته إلى قرية أخرى وألقاه هناك.\nوقيل: ألقاه بين قريتين.\nعكرمة: كان لبني إسرائيل مسجد له إثنا عشر بابا لكلّ سبط منهم باب فوجد قتيل على باب سبط.\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ١٠٨.","vol":"1","page":213},{"text":"قيل: وجرّ إلى باب سبط آخر فاختصم فيه السبطان.\nوقال ابن سيرين: قتله القاتل ثمّ احتمله فوضعه على باب رجل منهم ثمّ أصبح يطلب بثأره ودمه ويدّعيه عليه. قال: فجاء أولياء القتيل إلى موسى وأتوه بناس وادّعوا عليهم القتل وسألوا القصاص فسألهم موسى عن ذلك فجحدوا فاشتبه أمر القتيل على موسى ووقع بينهم خلاف.\nوقال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة فسألوا موسى أن يدعوا الله ليبيّن لهم ذلك فسأل موسى ربّه فأمرهم بذبح بقرة. فقال لهم موسى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً.\nقالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُوًا يا موسى أي أتستهزئ بنا حين نسألك عن القتيل وتأمرنا بذبح البقرة وإنّما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظّاهر، ولم يدروا ما الحكمة فيه.\nوقرأ ابن محيصن: أيتّخذنا بالياء قال: يعنون الله ولا يستبعد هذا من جهلهم لأنّهم الّذين قالوا اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «١» .\nوفي هذا ثلاثة لغات هزؤا: بالتخفيف والهمز ومثله كفؤا وهي قراءة الأعمش وحمزة وخلف وإسماعيل.\nوهزؤا وكفؤا مثقلان مهموزان وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز والشام واختيار الكسائي وأبي عبيد وأبي حاتم.\nوهزوا وكفوا مثقلان بغير همزة وفي رواية حفص بن سليمان البزّاز عن عاصم وكلّها لغات صحيحة معناها الاستهزاء فقال لهم موسى ﵇: قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من المستهزئين بالمؤمنين فلمّا علم القوم إنّ ذبح البقرة عزم من الله ﷿ سألوه الوصف.\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ولو أنّهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم وإنّما كان تشديدهم تقديرا من الله ﷿ وحكمة، وكان السبب في ذلك على ما ذكره السّدي وغيره.\nإنّ رجلا في بني إسرائيل كان بارّا بأبيه وبلغ من برّه به إنّ رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا وكان فيها فضل فقال للبائع أبي نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه فأمهلني حتّى يستيقظ وأعطيك الثمن. قال: فأيقظ أباك واعطني المال. قال: ما كنت لأفعل ولكن أزيدك عشرة آلأف فانتظرني حتّى ينتبه أبي.\nفقال الرّجل: فأنا أعط عنك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجلت النقد. قال: وأنا أزيدك عشرين ألفا إن انتظرت انتباه أبي. ففعل ولم يوقظ الرجل أباه فأعقبه برّه بأبيه أن جعل تلك البقرة عنده وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها.\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٣٨.","vol":"1","page":214},{"text":"قال ابن عبّاس ووهب وغيرهما: كان في بني إسرائيل رجل صالح له ابن طفل وكان له عجل فأتى بالعجل الى غيضة وقال: اللهمّ إنّي استودعك هذه العجلة لا بني حتّى يكبر ومات الرّجل فسبيت العجلة في الغيضة وصارت عوانا وكانت تهرب من كل من رامها. فلمّا كبر الابن كان بارّا بوالدته وكان اللّيلة يقسّم ثلاثة أثلاث: يصلّي ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس أمّه ثلثا فإذا أصبح انطلق واحتطب على ظهره ويأتي به السّوق فيبيعه بما شاء الله ثمّ يتصدّق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطي والدته ثلثا، وقالت له أمّه يوما: إنّ أباك ورّثك عجلة وذهب بها إلى غيضه كذا واستودعها الله ﷿ فانطلق إليها فأدع اله ابراهيم وإسماعيل وإسحاق بأن يردّها عليك، وان من علامتها إنّك إذا نظرت إليها يخيّل إليك إنّ شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تسمى المذهّبة لحسنها وصفرتها وصفاء لونها فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى وقال: أعزم عليك بآله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فأقبلت تسعى حتّى قامت بين يديه فقبض على عنقها وقادها فتكلمت البقرة بأذن الله وقالت: أيّها الفتى البارّ بوالدته اركبني فإنّ ذلك أهون عليك. فقال الفتى، إنّ أمي لم تأمرني بذلك ولكن قالت: خذها بعنقها فقالت البقرة: بإله بني إسرائيل لو ركبتني ما كنت تقدر عليّ أبدا فأنطلق فإنّك لو أمرت الجبل أن ينقلع من أصله وينطلق معك لفعل لبرّك بوالدتك. وسار الفتى فاستقبله عدوّ الله إبليس في صورة راع فقال: أيّها الفتى إنّي رجل من رعاة البقر اشتقت إلى أهلي فأخذت ثورا من ثيراني فحملت عليه زادي ومتاعي حتّى إذا بلغت شطر الطّريق ذهبت لأقضي حاجتي صعدا وسط الجبل وما قدرت عليه وإنّي أخشى على نفسي الهلاك، فأن رأيت أن تحملني على بقرتك وتنجني من الموت وأعطيك أجرها بقرتين مثل بقرتك فلم يفعل الفتى وقال: اذهب فتوكّل على الله فلو علم الله منك اليقين بلغك بلا زاد ولا راحلة فقال إبليس: فأن شئت فبعنيها بحكمك، وإن شئت فاحملني عليها وأعطيك عشرة مثلها فقال الفتى: إنّ امّي لم تأمرني بهذا فبينا الفتى كذلك إذ طار طائر من بين يدي البقرة ونفرت البقرة هاربة في الفلاة وغاب الرّاعي فدعاها الفتى باسم آله إبراهيم فرجعت إليه البقرة فقالت أيّها الفتى البار بوالدته ألم تر إلى الطائر الذي طار إنّه إبليس عدو الله اختلسني أمّا إنّه لو ركبني لما قدرت عليّ أبدا فلمّا دعوت آله إبراهيم جاء ملك فانتزعني من يد إبليس وردّني إليك لبرّك بوالدتك وطاعتك لها.\nفجاء بها الفتى إلى أمّه، فقالت له: إنّك فقير لا مال لك ويشقّ عليك الاحتطاب بالنّهار والقيام باللّيل فانطلق فبع هذه البقرة وخذ ثمنها. قال بكم أبيعها؟\nقالت: بثلاثة دنانير ولا تبعها بغير رضاي ومشورتي وكانت ثمن البقرة في ذلك الوقت فانطلق بها الفتى إلى السّوق فبعث الله ملكا إنسانا خلقه بقدرته ليخبر الفتى كيف برّه بوالدته وكان الله به خبيرا فقال له الملك: بكم تبيع هذه البقرة؟\nقال: بثلاثة دنانير واشترط عليك رضا والدتي. فقال الملك: ستّة دنانير ولا تستأمر أمّك.","vol":"1","page":215},{"text":"فقال الفتى: لو أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلّا برضا أمّي فردّها إلى امّه وأخبرها بالثّمن فقالت:\nارجع فبعها ستّة على رضاي فانطلق الفتى بالبقرة إلى السوق وأتى الملك وقال: استأمرت والدتك؟\nفقال الفتى: انّها أمرتني أن لا أنقصها من ستة على أن أستأمرها. قال الملك: فإنني أعطيك اثني عشر على أن لا تستأمرها.\nفأتى الفتى ورجع إلى أمّه وأخبرها بذلك قالت: إنّ ذلك الرجل الّذي يأتيك ويعطيك هو ملك من الملائكة يأتيك في صورة آدمي ليجرّبك فإذا أتاك فقل له أتأمرنا أن نبيع هذه البقرة أم لا؟\nففعل ذلك فقال له الملك: اذهب إلى أمّك وقل لها بكم هذه البقرة؟ فإنّ موسى بن عمران يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل فلا تبيعوها إلّا بملء مسكها دنانير فأمسكوا البقرة، وقدر الله على بني إسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها وأمرهم بها فقالوا يستوصفون ويصف لهم حتّى وصف تلك البقرة بعينها موافاة له على برّه بوالدته فضلا منه.\nفضلا منه ورحمة وذلك قوله ﷿ ادْعُ لَنا رَبَّكَ أيّ سل وهكذا هو في مصحف عبد الله، سلّ لنّا ربّك يبين لنا ما هي؟ وما سنّها؟ قالَ موسى: إِنَّهُ يعني إن الله يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ لا كبيرة ولا صغيرة وارتفع البكر والفارض بإضمار هي إذ لا هي فارض ولا هي بكر.\nمجاهد وأبو عبيدة والأخفش: الفارض الكبيرة المسنّة التي لا تلد يقال له: فرضت- تفرض- فروضا.\nقال الشاعر:\nكميت بهيم اللون ليس بفارض ... ولا بعوان ذات لون مخصف «١»\nوقال الرّاجز:\nيا ربّ ذي ضغن عليّ فارض ... له قروء كقروء الحائض «٢»\nأيّ حقد قديم، والبكر: الفتية الصغيرة التي لم تلد قط.\nوقال السّدي: البكر: التي لم تلد إلّا ولدا واحدا وحذف الحاء منها للاختصاص.\nعَوانٌ نصف بين سنّين، وقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارا وجمعه عون، ويقال منه: عونت تعوينا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١/ ٤٤٩،. لسان العرب: ٧/ ٢٠٤.\n(٢) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٤٤١.","vol":"1","page":216},{"text":"فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ من ذبح البقرة ولا تكرّروا السؤال.\nقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها محل (ما) رفع بالابتداء ولَوْنُها خبر، وقرأ الضّحاك لَوْنُها نصبا كانّه عمل فيه لسببين وجعل ما صلة.\nقالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها.\nقال ابن عبّاس: شديد الصفرة وقال عدي بن زيد:\nواني لأسقي الشرب صفرا فاقعا ... كأن ذكيّ المسك فيها يعبّق\nقتادة وأبو العالية والربيع: صاف.\nسعيد بن جبير: صفراء اللون والظلف.\nالحسن: السوداء، والعرب تسمي الأسود أصفر. قال الأعشى:\nتلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب «١»\nقال القتيبي: غلط من قال الصفراء هاهنا السوداء لأنّ هذا غلط في نعوت البقر.\nوإنّما هو في نعوت الإبل وذلك أنّ السّوداء من الإبل شربت سوادها صفرة، والآخرة إنّه لو أراد السّوداء لما أكده بالفقوع لأنّ الفاقع المبالغ في الصّفرة. كما يقال: أبيض يفق وأسود حالك وأحمر قاني وأخضر ناضر.\nتَسُرُّ النَّاظِرِينَ إليها وتعجبهم من حسنها وصفاء لونها لأنّ العين تسر وتولع بالنظر إلى الشيء.\nالحسن قال: من لبس نعلا صفراء قلّ همّه «٢» لأنّ الله يقول: صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أسائمة أم عاملة.\nإِنَّ الْبَقَرَ هذه قراءة العامة، قرأ محمد ذو الشامة الأموي إن الباقر وهو جمع البقر كالجامل لجماعة الجمل وقال الشاعر:\nمالي رأيتك بعد عهدك موحشا ... خلقا كحوض الباقر المتهدّم\nقال قطرب: تجمع البقرة- بقر، وباقر، وبقير، وبقور، وباقور. فأن قيل: لما قال تشابه والبقر جمع فلم لم يقل تشابهت؟ قيل فيه ثلاثة أقاويل:\nأحدها: إنّه ذكر لتذكير بلفظ البقر، كقوله كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ «٣» .\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ٣٥٥.\n(٢) نسبه في تذكرة الموضوعات لابن عباس: ١٥٨.\n(٣) سورة القمر: ٢٠.","vol":"1","page":217},{"text":"وقال المبرّد: سئل سيبويه عن هذه الآية؟\n[فقال:] كل جمع حروفه أقل من حروف واحد فإنّ العرب تذكّره، واحتج بقول الأعشى:\nودّع هريرة إن الرّكب مرتحل\nولم يقل مرتحلون، وقال الزّجاج: معناه إنّ جنس البقر تشابه علينا.\nتَشابَهَ عَلَيْنا وفي تشابه سبع قراءات:\nتَشابَهَ: بفتح التاء والهاء وتخفيف الشّين وهي قراءة العامة وهو فعل ماض ويذكر موحد.\nوقرأ الحسن: تَشابهُ: بتاء مفتوحة وهاء مضمومة وتخفيف الشّين أراد تشابه.\nوقرأ الأعرج: تَشّابهُ: بفتح التاء وتشديد الشّين وضم الهاء على معنى يتشابه.\nوقرأ مجاهد: تشبّه، كقراءة الأعرج إلّا إنّه بغير ألف لقولهم: تحمل وتحامل.\nوفي مصحف أبي: تشابهت على وزن تفاعلت [فالتاء] لتأنيث البقر.\nوقرأ ابن أبي إسحاق: تشّابهت بتشديد الشين قال أبو حاتم: هذا غلط لأن التاء لا تدغم في هذا الباب إلّا في المضارعة «١» .\nوقرأ الأعمش: متشابه علينا- جعله اسما.\nومعنى الآية: التبس واشتبه أمره علينا فلا نهتدي إليه.\nوَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ إلى وصفها.\nقال رسول الله ﷺ: «وأيم الله لئن لم يستبينوا لما تبينت لهم آخر الأبد» [٩٠] .\nقالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ مذلّلة بالعمل- يقال: رجل ذليل بيّن الذّل، ودابة ذلولة بيّنة الذّل.\nتُثِيرُ الْأَرْضَ أي مثلها للزراعة.\nوَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ بريئة من العيوب، وقال الحسن: مسلّمة القوائم ليس فيها أثر العمل.\nلا شِيَةَ فِيها قال عطاء: لا عيب فيها.\nقال قتادة: لا بياض فيها أصلا.\nمجاهد: لا بياض فيها ولا سواد.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١/ ٤٥٢.","vol":"1","page":218},{"text":"محمّد بن كعب: لا لون فيها يخالف معظم لونها.\nفلما قال هذا قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي بالوصف التام البين.\nقيل: كانت البقرة التي أحيا بها القتيل لوارثه الذي قتله، وكان أوّل من فتح السؤال عنها رجاء أن لا يجدوها فطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلّا عند الفتى البار. فاشتروها منه بملء مسكنها ذهبا.\nوقال السدّي: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا.\nفَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ من غلاء ثمنها.\nوقال محمّد بن كعب: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها.\nوَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا يعني عاميل، وهذه الآية أوّل القصّة.\nفَادَّارَأْتُمْ فاختلفتم فِيها قاله ابن عبّاس ومجاهد ومنه قول القائل في رسول الله ﷺ:\nكان يزكي فكان خير شريك لا يداري ولا يماري.\nقال الضّحاك: اختصمتم.\nعبد العزيز بن يحيى: شككتم.\nالربيع بن أنس: تدافعتم، وأصل الدراء: الدفع يعني ألقى ذلك على هذا وهذا على ذاك فدافع كل واحد عن نفسه كقوله تعالى وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ «١»، وقوله وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ «٢»، وأصل قوله [..........] «٣» والباء صلة.\nأبو عبيدة: احتملوا وأقروا به، ومنه الدّعاء المأثور [...........] «٤» وأصل: فادارأتم فتدارأتم فأدغمت التاء في الدّال وادخلت الألف ليسلم سكون الحرف الأولي بمثل قوله اثَّاقَلْتُمْ «٥» .\nوَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ تخفون.\nفَقُلْنا اضْرِبُوهُ\nيعني القتيل.\nبِبَعْضِها\nأي ببعض البقرة: فاختلفوا في هذا البعض ما هو؟\n_________\n(١) سورة الرعد: ٢٢، سورة القصص: ٥٤.\n(٢) سورة النور: ٨.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) كلمة غير مقروءة.\n(٥) سورة التوبة: ٣٩.","vol":"1","page":219},{"text":"فقال ابن عبّاس: اضربوه بالعظم الذي يلي الفخذين وهو المقتل.\nالضحّاك: بلسانها. قال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل لأنّ المراد كان من احياء القتيل كلامه واللسان آلته.\nسعيد بن جبير: ضربت بذنبها. قال يمان: وهو أولى التأويلات بالصواب لأنّ العصعص أساس البدن الذي ركب عليه الخلق وأنّه أوّل ما يخلق وآخر ما يبلى.\nمجاهد: بذنبها.\nعكرمة والكلبي: بفخذها الأيمن.\nالسّدي: بالبضعة التي بين كتفيها، وقيل: باذنها.\nففعلوا ذلك فقام القتيل حيّا بإذن الله وأوداجها تشخب دما وقال: قتلني فلان. ثمّ سقط ومات مكانه، وفي الآية اختصار، وتقديرها: فقلنا اضربوه ببعضها فضرب فحيي كقوله تعالى وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ «١» يعني فأفطر فعدة، وقوله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ «٢» أي فحلق ففدية.\nكَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى\nكما أحيا عاميل بعد موته كذلك يحيي الله الموتى.\nوَيُرِيكُمْ آياتِهِ\nدلائل آياته. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ\nوقال الواقدي: كل شيء في القرآن فهو بمعنى لكي غير التي في الشعراء: وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ «٣» فإنه بمعنى: كأنّكم تخلدون فلا تموتون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>[سورة البقرة (٢): الآيات ٧٤ الى ٧٩]</span>\nثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٧) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨)\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٨٥. [.....]\n(٢) سورة البقرة: ١٩٦.\n(٣) سورة الشعراء: ١٢٩.","vol":"1","page":220},{"text":"ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ قال الكلبي: قالوا بعد ذلك لم نقتله، وأمكروا فلم يكونوا قط أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا لنبيّهم منهم عند ذلك قال الله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ الكلبي وأبو روق: يبست واشتدت وقال سائق البربري:\nولا ارى أثرا للذكر في جسدي ... والحبل في الجبل القاسي له أثر\nأبو عبيدة: جفّت.\nالواقدي: جفّت من الشّدة فلم تلن.\nالمؤرّخ: غلظت، وقيل: اسودّت.\nقال الزجاج: تأويل القسوة ذهاب اللّين، [وقال سيبويه] والخشوع والخضوع.\nذلِكَ أي بعد ظهور الدلالات.\nفَهِيَ غلظها وشدتها.\nكَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أي بل أشد قسوة كقول الشاعر:\n[بدت] مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أو أنت في العين أملح «١»\nأي بل، وقيل: هو بمعنى الواو والألف صلة أي وأشد قسوة. كقوله تعالى آثِمًا أَوْ كَفُورًا «٢» أيّ وكفورا.\nوقرأ أبو حياة: أو أشد قساوة، وقال الكسائي: القسوة والقساوة واحد كالشقوة والشّقاوة ثمّ عذر الحجارة وفضلها على القلب القاسي فقال وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وقرأ مالك بن دينار ينفجر بالنون كقوله فَانْفَجَرَتْ «٣»، وفي مصحف أبي: منها الأنهار- ردّ الكناية إلى الحجارة-.\nوَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ أي يتشقق هكذا قرأها الأعمش.\nفَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله.\nمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﷿ وقلوبكم يا معاشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير.\nوَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد وتهديد أي بتارك عقوبة ما تعملون بل يجازيكم به.\nأَفَتَطْمَعُونَ أي فترجون يعني محمّد ﷺ وأصحابه.\n_________\n(١) مجمع البيان: ١/ ٢٨١.\n(٢) سورة الإنسان: ٢٤.\n(٣) سورة البقرة: ٦٠.","vol":"1","page":221},{"text":"أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ لن يصدّقكم اليهود.\nوَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ طائفة منهم.\nيَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ يعني التوراة.\nثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ أي يغيرونه أي ما فيه من الأحكام.\nمِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ علموه وفهموه كما غيّروا آية الرّجم وصفه محمّد ﷺ.\nوَهُمْ يَعْلَمُونَ إنهم كاذبون- هذا قول مجاهد وقتادة وعكرمة ووهب والسّدي.\nوقال ابن عبّاس ومقاتل: نزلت هذه الآية في السبعين المختارين وذلك إنّهم لما ذهبوا مع موسى إلى الميقات وسمعوا كلام الله وما يأمره وما ينهاه رجعوا إلى قومهم فأمّا الصّادقون فأدّوا كما سمعوه وقالت طائفة منهم: سمعنا الله في آخر كلامه يقول: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا فأن شئم فلا تفعلوا ولا بأس.\nوَإِذا لَقُوا قرأ ابن السّميقع لاقوا: يعني منافقي اليهود.\nالَّذِينَ آمَنُوا بألسنتهم لا بقلوبهم أبا بكر وأصحابه من المؤمنين.\nقالُوا آمَنَّا كأيمانكم وشهدنا أنّ محمدا صادق نجده في كتابنا بنعته وصفته.\nوَإِذا خَلا رجع بعضهم إلى بعض أي كعب بن الأشراف وكعب بن أسيد ووهب بن يهودا وغيرهم من رؤساء اليهود ولاموهم على ذلك وقالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قال الكلبي: بما قضى الله عليكم في كتابكم أنّ محمّدا حق وقوله صدق، وقال القاضي الفتاح الكسائي: بما بيّنه لكم في كتابكم [من العلم ببعث محمد والبشارة به] .\nالواقدي: بما أنزل الله في الدنيا والآخرة عليكم نظير لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «١» أي أنزلناه.\nأبو عبيدة والأخفش: بما منّ الله عليكم وأعطاكم.\nلِيُحَاجُّوكُمْ ليخاصموكم ويحتجوا بقولكم عليكم [يعني أصحاب محمد] .\nبِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ وقال بعضهم: هو أنّ الرجل من المسلمين كلما يلقي قرينه وحليفه وصديقه من اليهود فيسأله عن أمر محمّد ﷺ فيقولون إنّه لحق [فيقولون قد أقررتم أنه نبي حق في كتابكم ثمّ تتبعونه] وهو نبيّ. فيرجعون إلى رؤسائهم فيلومونهم على ذلك.\nقال السّدي: كان ناس من اليهود آمنوا ثمّ نافقوا وكان يحدثون المؤمنين بما عذبوا به-\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٩٦.","vol":"1","page":222},{"text":"فقال لهم رؤسائهم: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي أنزل من العذاب ليعيروكم به ويقولوا:\nنحن أكرم على الله منكم.\n[ابن جرير عن] القاسم بن أبي برة: هذا قول يهود قريظة بعضهم لبعض حين سبّهم النبيّ ﷺ: فقال: يا إخوان القردة والخنازير وعبدة الطّاغوت، فقالوا: من أخبر محمّدا بهذا؟ ما خرج هذا إلّا منكم.\nأَفَلا تَعْقِلُونَ أفليس لكم ذهن الإنسانيّة.\nقال الله أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ما يخفون وما يبدون يعني اليهود، وقرأ ابن محيصن «ما» ! على الخطاب وَمِنْهُمْ من اليهود.\nأُمِّيُّونَ قال ابن عبّاس وقتادة: يعني غير عارفين معاني الكتاب. يعلمونه حفظا وقراءة بلا فهم ولا يدرون ما فيه.\nوقال الكلبي: لا يحسنون قراءة الكتاب ولا كتابته ودليل هذا التأويل\nقول النبيّ ﷺ: «إنّا أمّة أمّيّة لا نكتب ولا نحاسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا»\n[٩١] .\nوقال أهل المعاني: الأمّي منسوب إلى الأمة وما عليه العامة معنى الأمي: العامي الذي لا تمييز له، أو هو جمع أمي منسوب إلى الأم كأنّه باق على [الحقيقة] حذفت منه هاء التأنيث لأنّها زائدة وياء النسبة زائدة، ونقلت فرقا بينها وبين ياء الإضافة.\nلا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ قرأ العامّة بتشديد الياء.\nوقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعرج أَمانِيَ بتخفيف الياء في كلّ القرآن حذفوا إحدى الياءين استحفافا وهي ياء الجمع مثل مفاتح ومفاتيح.\nوقال أبو حاتم: كل جمع من هذا الجنس واحد مشدّد فلك فيه التّضعيف والتشديد مثل فخاتي وأماني وأغاني وغيرها واختلفوا في معنى الأمانيّ، وقال الكلبي بمعنى لا يعلمون إلّا ما تحدّثهم بهم علماؤهم.\nأبو روق وأبو عبيدة: تلاوة وقراءة على ظهر القلب ولا يقرءونها في الكتب، يدلّ عليه قوله تعالى: إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «١» وقرآنه.\nقال الشاعر:\nتمنّى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخرها لاقى حمام المقادر\n_________\n(١) سورة الحجّ: ٥٢.","vol":"1","page":223},{"text":"مجاهد وقتادة: كذبا وباطلا.\nالفرّاء: الأماني: الأحاديث المفتعلة.\nقال بعض العرب لابن [دلب]: أهذا شيء رويته أم تمنيته؟\nوأراد بأماني الأنبياء الّتي كتبها علماؤهم من قبل أنفسهم ثمّ أضافوها إلى الله ﷿ من تغيير نعت محمّد ﷺ.\nالحسن وأبو العالية: يعني يتمنّون على الله الباطل والكذب مثل قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً «١» وقولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا «٢»، وقولهم نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «٣» .\nوَإِنْ هُمْ ما هم. إِلَّا يَظُنُّونَ ظنّا ووهما لا حقيقة ويقينا قاله قتادة والرّبيع.\nوقال مجاهد: [... يكذبون] .\nفَوَيْلٌ\nروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «الويل واد في جهنّم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ إلى قعره» [٩٢] .\nسعيد بن المسيب: واد في جهنّم لو سرت فيه جبال الدّنيا لماعت من شدّة حرّها.\nابن بريدة: جبل من قيح ودم.\nابن عبّاس: شدّة العذاب.\nابن كيسان: كلمة يقولها كلّ مكروب.\nالزجّاج: كلمة يستغلّها كل واقع في الهلكة وأصلها العذاب والهلاك.\nوقيل: هو دعاء الكفّار على أنفسهم بالويل والثّبور.\nلِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وذلك إنّ أحبار اليهود خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم حين قدم النبيّ ﷺ المدينة واحتالوا في تعويق اليهود عن الإيمان به فعمدوا إلى صفته في التوراة وكان صفته فيها حسن الوجه، حسن الشعر، أكحل العين، ربعة فغيروها وكتبوا مكانها طويل أزرق، سبط الشعر. فإذا سألهم سفلتهم عن محمّد ﷺ قرءوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفة محمّد ﷺ فيكذبونه قال الله تعالى:\nفَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من تغيير نعت محمّد.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٨٠.\n(٢) سورة البقرة: ١١١.\n(٣) سورة المائدة: ١٨.","vol":"1","page":224},{"text":"وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ من المأكول ولفظة الأيدي للتأكيد كقولهم مشيت برجلي ورأيت بعيني. قال الله تعالى: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ «١» .\nقال الشّاعر:\nنظرت فلم تنظر بعينك منظرا\nوقال أبو مالك: نزلت هذه الآية في الكاتب الّذي يكتب لرسول الله ﷺ وقد كان قرأ البقرة وآل عمران، وكان النبيّ ﷺ يملي: غَفُورًا رَحِيمًا، فيكتب: عليما حكيما، فيقول له النبيّ ﷺ: «اكتب كيف شئت» ويملي عليه: عَلِيمًا حَكِيمًا، فيكتب: سميعا بصيرا، فيقول النبيّ ﷺ: «اكتب كيف شئت» قال: فارتدّ ذلك الرّجل عن الإسلام ولحق بالمشركين.\nقال: أما يعلمكم محمّد ﷺ أن كنت لأكتب ما شئت أنا، فمات ذلك الرّجل فقال النبيّ ﷺ: «إنّ الأرض لا تقبله» [٩٣] .\nقال: فأخبرني أبو طلحة: إنّه أتى الأرض الّتي بات فيها فوجده منبوذا، فقال أبو طلحة:\nما شأن هذا؟ قالوا: دفنّاه مرارا فلم تقبله الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٠ الى ٨٤]</span>\nوَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)\nوَقالُوا يعني اليهود.\nلَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قدرا مقدّرا ثمّ يزول عنّا العذاب وينقطع، واختلفوا في هذه الأيّام ما هي.\nوقال ابن عبّاس ومجاهد: قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهود يقولون: مدّة الدّنيا سبعة آلاف سنة وإنّما نعذّب بكل ألف سنة يوما واحدا ثمّ ينقطع العذاب بعد سبعة أيّام، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٣٨.","vol":"1","page":225},{"text":"قتادة وعطاء: يعنون أربعين يوما التي عبد آباؤهم فيها العجل وهي مدّة غيبة موسى ﵇ عنهم.\nالحسن وأبو العالية: قالت اليهود: إنّ ربّنا عتب علينا في أمرنا أقسم ليعذّبنا أربعين ليلة ثمّ يدخلنا الجنّة فلن تمسّنا النار إلّا أربعين يوما تحلّة القسم فقال الله تعالى تكذيبا لهم: قل يا محمّد قُلْ أَتَّخَذْتُمْ ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل.\nعِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا موثقا ألّا يعذّبكم إلّا هذه المدّة.\nفَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ وعده، وقال ابن مسعود: بالتوعّد يدلّ عليه قوله تعالى إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا «١» يعني قال: لا إله إلّا الله مخلصا أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قال بَلى «بل وبلى» حرفا استدراك ولهما معنيان لنفي الخبر الماضي واثبات الخبر المستقبل، قال الكسائي: الفرق بين (بلى ونعم)، إنّ بلى: إقرار بعد جحود، ونعم: جواب استفهام بغير جحد، فإذا قال: ألست فعلت كذا، فيقول: بلى، وإذا قال: ألم تفعل كذا؟\nفيقول: بلى، وإذا قال: أفعلت كذا؟ فيقول: نعم.\nقال الله تعالى أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى «٢» وقال أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «٣» وقال في غير الجحود فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ «٤» وقالوا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ «٥» قل نعم وإنّما قال هاهنا بلى للجحود الّذي قبله وهو قوله لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً يعني الشرك.\nوَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قرأ أهل المدينة خطيّاته بالجمع، وقرأ الباقون خَطِيئَتُهُ على الواحدة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم والاحاطة الاحفاف بالشيء من جميع نواحيه واختلفوا في معناها هاهنا.\nوقال ابن عبّاس والضحاك وعطاء وأبو العالية والربيع وابن زيد: هي الشرك يموت الرجل عليه فجعلوا الخطيئة الشّرك.\nقال بعضهم: هي الذّنوب الكثيرة الموجبة لأهلها النّار.\n_________\n(١) سورة مريم: ٨٧.\n(٢) سورة الملك: ٨.\n(٣) سورة الأعراف: ١٧٢. [.....]\n(٤) سورة الأعراف: ٤٤.\n(٥) سورة الصافات: ١٧.","vol":"1","page":226},{"text":"أبو زرين عن الربيع بن خيثم في قوله تعالى: وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قال: هو الّذي يموت على خطيئته قبل أن يتوب ومثله قال عكرمة وقال مقاتل: أصرّ عليها.\nمجاهد: هي الذّنوب تحيط بالقلب كلّما عمل ذنبا ارتفعت حتّى تغشى القلب وهو الرّين.\nوعن سلام بن مسكين أنّه سأل رجل الحسن عن هذه الآية؟\nفقال السّائل: يا سبحان الله إلّا أراك ذا لحية وما تدري ما محاطة الخطيئة! انظر في المصحف فكل آية نهى الله ﷿ عنها وأخبرك إنّه من عمل بها أدخله النّار فهي الخطئية المحيطة.\nالكلبي: أوبقته ذنوبه دليله قوله تعالى إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ «١»: أي تهلكوا جميعا.\nوعن ابن عبّاس: أحيطت بما له من حسنة فأحبطته.\nفَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ [وهذا من العام المخصوص بصور منها إلّا من تاب بعد أن حمل على ظاهره] «٢» وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ في التّوراة. قال ابن عبّاس: الميثاق: العهد الجديد.\nلا تَعْبُدُونَ بالياء قرأه ابن كثير وحميد وحمزة والكسائي.\nالباقون: بالتّاء وهو إختيار أبي عبيد وأبو حاتم.\nقال أبو عمرو: ألا تراه يقول وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا «٣» فذلك المخاطبة على التّاء.\nقال الكسائي: إنّما ارتفع لا يعبدون لأنّ معناه أخذنا ميثاق بني إسرائيل أن لا تعبدوا إلّا الله فلمّا ألقى أن رفع الفعل ومثله قوله لا تَسْفِكُونَ، نظير قوله ﷿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ\n«٤»: يريد أن أعبد فلمّا حذفت النّاصبة عاد الفعل إلى المضارعة.\nوقال طرفة:\nألا أيّهذا الزاجري احضر الوغى ... وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي «٥»\nيريد أن أحضر، فلمّا نزع (أن) رفعه.\n_________\n(١) سورة يوسف: ٦٦.\n(٢) عن هامش المخطوط.\n(٣) سورة البقرة: ٨٣.\n(٤) سورة الزمر: ٦٤.\n(٥) مجمع البيان: ١/ ٢٩٧.","vol":"1","page":227},{"text":"وقرأ أبي بن كعب: لا تعبدوا جزما على النهي أي وقلنا لهم لا تعبدوا الّا الله وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا ووصّيناهم بالوالدين إحسانا برّا بهما وعطفا عليهما.\nوانّما قال بِالْوالِدَيْنِ وأحدهما والدة لأنّ المذكّر والمؤنّث إذا اقتربا غلب المذكّر لخفّته وقوّته.\nوَذِي الْقُرْبى أي وبذي القرابة، والقربى مصدر على وزن فعلى كالحسنى والشّعرى.\nقال طرفة:\nوقربت بالقربى وجدك له يني ... فتحايك امر للنكيثة أشهد.\nوَالْيَتامى جمع يتيم مثل ندامى ونديم وهو الطفل الذي لا أبّ له.\nوَالْمَساكِينِ يعني الفقراء.\nوَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا اختلفت القراءة فيه فقرأ زيد بن ثابت وأبو العالية وعاصم وأبو عمرو حُسْنًا بضم الحاء وجزم السّين وهو اختيار أبي حاتم دليله قوله ﷿: بِوالِدَيْهِ حُسْنًا «١» وقوله تعالى: ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا «٢» .\nوقرأ ابن مسعود وخلف حَسَنًا بفتح الحاء والسّين وهو اختيار أبي عبيد وقوله: إنّما اخترناها لأنها نعت بمعنى قولا حسنا.\nوقرأ ابن عمر: حُسُنًا بضم الحاء والسّين والتنوين مثل الرّعب والنّصب والسّحت والسحق ونحوها.\nوقرأ عاصم والجحدري: إحسانا بالألف.\nوقرأ أبي بن كعب وطلحة بن مصرف: حسنى وقرنت بالقربى بالتأنيث مرسلة.\nقال الثعلبي: سمعت القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس يقول: مجازه كلمة حسنى ومعناه قولوا للنّاس صدقا وحقّا في شأن محمّد ﷺ فمن سألكم عنه فأصدقوه وبينوا له صفته ولا تكتموا أمره ولا تغيروا نعته هذا قول ابن عبّاس وابن جبير وابن جريج ومقاتل دليله قوله أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا «٣» أي صدقا.\nوقال محمّد بن الحنفية: هذه الآية تشمل البرّ والفاجر.\nوقال سفيان الثّوري: ائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر.\n_________\n(١) سورة العنكبوت: ٨.\n(٢) سورة النمل: ١١.\n(٣) سورة طه: ٨٦.","vol":"1","page":228},{"text":"وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن العهد والميثاق إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ نصب على الاستثناء.\nوَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ وذلك أن قوما منهم آمنوا.\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ لا تريقون دِماءَكُمْ وقرأ طلحة بن مصرف تُسْفِكُونَ بضم الفاء وهما لغتان مثل يَعْرِشُونَ ويَعْكُفُونَ.\nوقرأ أبو مجلز: تُسَفِّكُونَ بالتشديد على التكثير.\nوقال ابن عبّاس وقتادة: معناه لا يسفك بعضكم دم بعض بغير حق وإنّما قال (دِماءَكُمْ) لمعنيين: أحدهما إن كلّ قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس واحدة.\nوالآخر: هو أنّ الرجل إذا قتل غيره كأنّما قتل نفسه لأنّه يقاد ويقتصّ منه وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره [ولا تسبوا من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج بسوء جواركم] «١» .\nثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بهذا العهد إنّه حقّ.\nوَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ اليوم على ذلك يا معشر اليهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٥ الى ٨٦]</span>\nثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)\nثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ يعني يا هؤلاء فحذف النّداء للاستغناء بدلالة الكلام عليه كقوله: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا «٢» فهؤلاء للتنبيه ومبني على الكسرة مثل أنتم تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ قراءة العامّة بالتخفيف من القتل.\nوقرأ الحسن: تُقَتِّلُونَ بالتثقيل من التقتيل.\nوَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ قراءة العامّة وهم أهل الحجاز والشّام وأبو عمرو ويعقوب: تَظَّاهَرُونَ بتشديد الظاء، واختاره أبو حاتم ومعناه تتظاهرون فأدغم التّاء في الظاء مثل: اثَّاقَلْتُمْ وادَّارَكُوا.\n_________\n(١) عن هامش المخطوط.\n(٢) سورة الإسراء: ٣.","vol":"1","page":229},{"text":"وقرأ عاصم والأعمش وحمزة وطلحة والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء والكسائي:\nتَظاهَرُونَ بتخفيف الظاء، واختاره أبو عبيد ووجه هذه القراءة: إنّهم حذفوا تاء الفاعل وأبقوا تاء الخطاب كقوله وَلا تَعاوَنُوا «١» وقوله ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ «٢» .\nوقال الشّاعر:\nتعاطسون جميعا حول داركم ... فكلّكم يا بني حمّان مزكوم.\nوقرأ أبي ومجاهد: تظهّرون مشددا بغير ألف أي تتظهّرون [.....] «٣» جميعا تعاونون، والظهر: العون سمّي بذلك لإسناد ظهره إلى ظهر صاحبه.\nوقال الشّاعر:\nتكثر من الاخوان ما اسطعت ... [.....] «٤» إذا استنجدتهم فظهير\nوما بكثير ألف خل وصاحب ... وانّ عدوّا واحدا لكثير\nبِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ بالمعصية والظلم.\nوَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ قرأ عبد الرحمن السّلمي ومجاهد وابن كثير وابن محيصن وحميد وشبل والجحدري وأبو عمرو وابن عامر: (أسارى تفدوهم) بغير ألف، وقرأ الحسن:\n(أسرى) بغير ألف (تُفادُوهُمْ) بالألف، وقرأ النخعي وطلحة والأعمش ويحيى بن رئاب وحمزة وعيسى بن عمرو وابن أبي إسحاق: (أسرى تفدوهم) كلاهما بغير ألف وهي إختيار أبي عبيدة.\nوقرأ أبو رجاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم وقتادة والكسائي ويعقوب: (أُسارى تُفادُوهُمْ) كلاهما بالألف، واختاره أبو حاتم.\nفالأسرى: جمع أسير مثل جريح وجرحى، ومريض ومرضى، وصريع وصرعى، والأسارى: جمع أسير أيضا مثل كسالى وسكارى، ويجوز أن يكون جمع أسرى نحو قولك:\nامرأة سكرى ونساء سكارى، ولم يفرق بينهما أحد من العلماء الأثبات إلّا أبو عمرو.\nروى أبو هشام عن جبير الجعفي عن أبي عمرو قال: ما أسر فهو أسارى وما لم يؤسر فهو أسرى، وروي عنه من وجه آخر قال: ما صار في أيديهم فهم أسارى، وما جاء مستأسرا فهو أسرى.\nعن أبي بكر النقاش قال: سمعت أحمد بن يحيى ثعلب وقد قيل له هذا الكلام عن أبي عمرو فقال: هذا كلام المجانين. يعني لا فرق بينهما.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٢.\n(٢) سورة الصافات: ٢٥. [.....]\n(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"1","page":230},{"text":"وحكي عن أبي سعيد الضرير إنّه قال: الأسارى: هم المقيّدون المشدّدون والأسرى: هم المأسورون غير المقيدين. فأما قولهم تفدوهم بالمال وتنقذوهم بفدية أو بشيء آخر، وتُفادُوهُمْ:\nتبادلوهم أراد مفاداة الأسير بالأسير، وأسرى: في محل نصب على الحال.\nفأما معنى الآية- قال السّدي: إنّ الله ﷿ أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا، ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم فأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام ثمنه فأعتقوه. فكانت قريظة خلفاء الأوس، والنّضير خلفاء الخزرج وكانوا يقتتلون في حرب نمير. فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم، وبنو النّضير مع حلفائهم، وإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم منها فإذا أسر رجل من الفريقين كليهما جمعوا له حتّى يفدوه وإن كان الأسير من عدوهم فيعيّرهم العرب بذلك وتقول: كيف يقاتلونهم ويفدونهم..! ويقولن:\nإنّا قد أمرنا أن نفديهم وحرّم علينا قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟\nقالوا: نستحي أن تستذل حلفاؤنا فذلك حين عيّرهم الله تعالى فقال: ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ الآية، وفي الآية تقديم وتأخير نظمها: وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ... وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ ... وأن يأتوكم أسارى تفدوهم.\nوكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة عليهم مع أعدائهم وفداء أسرائهم. فأعرضوا عن كل ما أمروا إلّا الفداء. فقال الله ﷿:\nأَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فأيمانهم بالفداء وكفرهم بالقتل والإخراج والمظاهرة. قال مجاهد: يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك، وقيل: معناه يستعملون البعض ويتركون البعض، تفادون أسراء قبيلتكم وتتركون أسراء أهل ملّتكم فلا تفادونهم.\nقال الله ﷿ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ يا معشر اليهود إِلَّا خِزْيٌ عذاب هوان.\nفِي الْحَياةِ الدُّنْيا فكان خزي قريظة القتل والسّبي، وخزي بني النضير الجلاء والنفي عن منازلهم وجنانهم إلى أذرعات وريحا من الشّام.\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وهو عذاب النّار وقرأ أبو عبد الرحمن السّلمي وأبو رجاء والحسن: تردّون بالتاء، لقوله أَفَتُؤْمِنُونَ.\nوَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالتاء مدني وأبو بكر ويعقوب الباقون: بالتاء.\nأُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا استبدلوا.","vol":"1","page":231},{"text":"الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ يهوّن ويرفّه.\nعَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ يمنعون من عذاب الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>[سورة البقرة (٢): الآيات ٨٧ الى ٩٠]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ (٨٨) وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٩٠)\nوَلَقَدْ آتَيْنا أعطينا.\nمُوسَى الْكِتابَ التوراة جملة واحدة.\nوَقَفَّيْنا أردفنا واتبعنا.\nمِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ رسولا بعد رسول. يقال: مضى أثره وقفا غيره في التعدية وهو مأخوذ من قفا الإنسان قال الله وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ «١»، وقال أمية بن الصّلت:\nقالت لأخت له قصيه عن جنب ... وكيف تقفو ولا سهل ولا جدد\nوَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ العلامات الواضحات والدلالات اللائحات وهي التي ذكرها الله ﷿ في سورة آل عمران والمائدة.\nوَأَيَّدْناهُ قويناه وأعناه من الآد والأيد «٢»، مجاهد: أيدناه بالمد وهما لغتان مثل كرّم وأكرم.\nبِرُوحِ الْقُدُسِ خفف ابن كثير الْقُدْسِ في كل القرآن، وثقله الآخرون، وهما لغتان مثل الرّعب والسّحت ونحوهما، واختلفوا في روح القدس فقال الربيع وعكرمة: هو الرّوح الذي نفخ فيه إضافة إلى نفسه تكريما وتخصيصا نحو بيت الله، وناقَةُ اللَّهِ وعَبْدُ اللَّهِ، والقدس: هو الله ﷿ يدلّ عليه قوله تعالى وَرُوحٌ مِنْهُ «٣» وقوله فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا والآخرون: أرادوا بالقدس الطهارة يعني الرّوح الطاهر سمّى روحه قدسا لأنّه لم يتضمنه\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٣٦.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ١/ ٥٦٨.\n(٣) سورة النساء: ١٧١.","vol":"1","page":232},{"text":"أصلاب الفحولة ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث إنّما كان أمرا من الله تعالى.\nالسّدي والضّحاك وقتادة وكعب: الروح القدس: جبرئيل قال الحسن: القدس: هو الله وروحه جبرئيل.\nالسّدي: القدس: البركة وقد عظّم الله بركة جبرئيل إذ أنزل الله عامة وحيه إلى أنبيائه على لسانه وتأييد عيسى ﵇ بجبرئيل هو إنّه كان قرينه يسير معه حيثما شاء والآخر إنّه صعد به إلى السّماء، ودليل هذا التأويل قوله تعالى قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ «١» .\nوقال ابن عبّاس وسعيد بن جبير وعبيد بن عمير: هو اسم الله الأعظم وبه كان يحيي الموتى ويري النّاس تلك العجائب.\nوقال ابن زيد: هو الإنجيل جعل له روحا كما جعل القرآن لمحمّد ﷺ روحا، يدلّ عليه قوله تعالى وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا «٢» فلمّا سمعت اليهود بذكر عيسى ﵇ قالوا:\nيا محمّد لا مثل عيسى كما زعمت ولا كما يقصّ علينا من الأنبياء (﵈) قالوا: فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا.\nفأنزل الله ﷿ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ يا معشر اليهود رَسُولٌ بِما لا تَهْوى لا تحب ولا توافق.\nأَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ تكبّرتم وتعظمتم عن الأيمان به.\nفَفَرِيقًا طائفة سمّيت بذلك لأنّها فرقت من الحملة.\nكَذَّبْتُمْ عيسى ومحمّدا.\nفَرِيقًا تَقْتُلُونَ أيّ قتلتم زكريا ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء.\nوَقالُوا يعني اليهود قُلُوبُنا غُلْفٌ قرأ ابن محيصن بضم اللام، وقرأ الباقون بجزمه.\nفمن خففه فهو جمع الأغلف مثل أصفر وصفر- وأحمر وحمر وهو الذي عليه غطاء وغشاء بمنزلة الأغلف غير المختون فالأغلف والأعلف واحد ومعناه عليها غشاوة فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمّد.\nقاله مجاهد وقتادة نظيره قوله ﷿ وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ «٣»، ومن ثقّل فهو جمع غلاف مثل حجاب وحجب وكتاب وكتب، ومعناه: قلوبنا أوعية لكلّ علم فلا نحتاج إلى علمك وكتابك. قاله عطاء وابن عبّاس.\n_________\n(١) سورة النحل: ١٠٢.\n(٢) سورة الشورى: ٥٢.\n(٣) سورة فصّلت: ٥.","vol":"1","page":233},{"text":"وقال الكلبي: يريدون أوعية لكلّ علم فهي لا تسمع حديثا إلّا وعته إلّا حديثك لا تفقهه ولا تعيه ولو كان فيه خيرا لفهمته ووعته.\nقال الله ﷿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ وأصل اللعن الطرد والأبعاد تقول العرب [نماء] ولعين أي بعد. قال الشّماخ:\nذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذنب كالرّجل اللعين «١»\nفمعنى قوله: لعنهم الله طردهم وأبعدهم من كل خير، وقال النضر بن شميل: الملعون المخزي المهلك.\nفَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ معناه لا يؤمن منهم إلّا قليلا لأنّ من آمن من المشركين أكثر ممن آمن من اليهود، قاله قتادة، وعلى هذا القول ما: صلة معناه فقليلا يؤمنون، ونصب قليلا على الحال.\nوقال معمر: معناه لا يؤمنون إلّا بقليل بما في أيديهم ويكفرون بأكثره، وعلى هذا القول يكون فَقَلِيلًا منصوبا بنزع حرف الصّفة وما صلة أيّ فبقليل يؤمنون.\nوقال الواقدي وغيره: معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا، وهذا كقول الرّجل لآخر: ما قل ما تفعل وكذا يريد لا تفعله البتة.\nوروى الفراء عن الكسائي: مررنا بأرض قلّ ما ينبت الكراث والبصل يريدون لا ينبت شيئا.\nوَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني القرآن.\nمُصَدِّقٌ موافق لِما مَعَهُمْ وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة مصدقا بالنّصب على الحال.\nوَكانُوا يعني اليهود مِنْ قَبْلُ أي من قبل بعث محمّد ﷺ يَسْتَفْتِحُونَ يستنصرون، قال الله تعالى إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ «٢» أيّ أن تستنصروا فقد جاءكم النّصر.\nوفي الحديث عن النبيّ ﷺ [أنه] كان يستفتح القتال بصعاليك المهاجرين.\nعَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا مشركي العرب وذلك إنّهم كانوا يقولون إذا حزم أمر ودهمهم عدو:\n«اللهمّ انصرنا عليهم بالنبيّ المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة» [٩٤] «٣»، وكانوا يقولون زمانا لاعدائهم من المشركين قد أطل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا، ونقتلكم معه قبل عاد وأرم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٥٧٤.\n(٢) سورة الأنفال: ١٩.\n(٣) تفسير الجلالين للسيوطي: ١٩.","vol":"1","page":234},{"text":"فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا يعني محمّدا ﷺ من غير بني إسرائيل، وعرفوا نعته وصفته.\nكَفَرُوا بِهِ بغيا وحسدا.\nفَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ بئس ونعم فعلان ماضيان وضعا للمدح والذم لا يتصرفان تصرف الأفعال ومعنى الآية: بئس الذي اختاروا لأنفسهم حين استبدلوا الباطل بالحق، والكفر بالأيمان.\nوقيل: معناه بئس ما باعوا به حظ أنفسهم.\nأَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني القرآن.\nبَغْيًا بالبغي وأصل البغي الفساد. يقال: بغى الجرح إذا أمد وضمد.\nأَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ النبوة والكتاب.\nعَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ محمّد ﷺ.\nفَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ أي مع غضب.\nقال ابن عبّاس: الغضب الأوّل بتضييعهم التوراة، والغضب الثاني بكفرهم بهذا النبيّ الذي اتخذه الله تعالى.\nفيهم قتادة وأبو العالية: الغضب الأوّل- بكفرهم بعيسى ﵇ والإنجيل- والثاني: كفرهم بمحمّد ﷺ والقرآن.\nالسّدي: الغضب الأوّل بعبادتهم العجل، والثاني بكفرهم بمحمّد ﷺ وتبديل نعته.\nوَلِلْكافِرِينَ وللجاحدين [لدين] محمّد ﷺ من النّاس كلهم.\nعَذابٌ مُهِينٌ يهانون فلا يعزون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩١ الى ٩٣]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ (٩٢) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني القرآن.","vol":"1","page":235},{"text":"قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا يعني التوراة.\nوَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ أي بما سواه وبعده.\nوَهُوَ الْحَقُّ يعني القرآن.\nمُصَدِّقًا نصب على الحال. لِما مَعَهُمْ قُلْ لهم يا محمّد: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ ولم أصله ولما فحذفت الألف فرقا بين الخبر والاستفهام كقولهم: فيم وبم ولم وممّ وعلام وحتام، وهذا جواب لقولهم: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا.\nفقال الله ﷿ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ.\nإِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بالتوراة وقد خنتم فيها من قتل الأنبياء وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ بالدلالات اللائحات- والعلامات الواضحات.\nثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد انطلاقه إلى الجبل وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ.\nوَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا أي استجيبوا وأطيعوا سميت الطاعة سمعا على المجاز لأنّه سبب الطّاعة والإجابة ومنه قولهم: سمع الله لمن حمده أي أجابه، وقال الشاعر:\nدعوت الله حتّى خفت ألّا ... يكون الله يسمع ما أقول\nأي يجب.\nقالُوا سَمِعْنا قولك. وَعَصَيْنا أمرك [أو سمعنا بالآذان وعصينا بالقلوب] «١» .\nقال أهل المعاني: إنّهم لم يقولوا هذا بألسنتهم، ولكن لما سمعوا الأمر وتلقوه بالعصيان نسب ذلك عنهم إلى القول أتساعا، كقول الشاعر\nومنهل ذبّابة في عيطل ... يقلن للرائد عشبت أنزل\nوَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي حبّ العجل، كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٢»، وقال النابغة:\nفكيف يواصل من أصبحت ... خلالة كأني مرحب\nأي لخلاله أني مرحب، ومعناه أدخل في قلوبهم حبّ العجل، وخالطها ذلك كاشراب اللون لشدة الملازمة.\n_________\n(١) عن هامش المخطوط.\n(٢) سورة يوسف: ٨٢.","vol":"1","page":236},{"text":"بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أن تعبدوا العجل من دون الله [فالله لا يأمر بعبادة العجل] «١» .\nإِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بزعمكم وذلك إنّهم قالوا: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا، فكذبهم الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>[سورة البقرة (٢): الآيات ٩٤ الى ٩٩]</span>\nقُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (٩٨)\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلاَّ الْفاسِقُونَ (٩٩)\nقُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ الآية قال المفسّرون: سبب نزول هذه الآية: إنّ اليهود أدعوا دعاوى باطلة، حكاها الله تعالى عنهم في كتابه كقوله تعالى وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً «٢» .\nوقوله: وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى «٣» .\nوقوله: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «٤» فكذبهم الله تعالى، وألزمهم الحجة. فقال: قُلْ يا محمّد إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ خاصّة لقوله تعالى خالِصَةٌ لِذُكُورِنا «٥»، قوله خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ «٦»، قوله خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ «٧» أي خاصّة من دون النّاس.\nفَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أي فأريدوا وحلّوه لأنّ من علم أنّ الجنّة مآبه حنّ إليها ولا سبيل إلى دخولها إلّا بعد الموت فاستعجلوه بالتمني.\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم محقين في دعواكم، وقيل في قوله تعالى فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ أيّ أدعوا بالموت على الفرقة الكاذبة.\nروى ابن عبّاس عن النبيّ ﷺ قال: «لو تمنّوا الموت لغصّ كل إنسان منهم بريقه، وما بقي\n_________\n(١) عن هامش المخطوط. [.....]\n(٢) سورة البقرة: ٨٠.\n(٣) سورة البقرة: ١١١.\n(٤) سورة المائدة: ١٨.\n(٥) سورة الأنعام: ١٣٩.\n(٦) سورة الأعراف: ٣٢.\n(٧) سورة الأحزاب: ٥٠.","vol":"1","page":237},{"text":"على وجه الأرض يهودي إلّا مات» [٩٥] .\nفقال الله تعالى وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ لعلمهم إنّهم في دعواهم كاذبون.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ يعني اليهود. هذا من أعجاز القرآن لأنّه تحداهم ثمّ أخبر أنّهم لا يفعلون بعد أن قال لهم هذه المقالة فكان على ما أخبر.\nوَلَتَجِدَنَّهُمْ اللام لام القسم والنون تأكيد القسم تقديره: والله لتجدنهم يا محمد يعني اليهود أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وفي مصحف أبيّ على الحياة.\nوَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا قيل إنّه متصل بالكلام الأوّل.\nمعناه وأحرص من الذين أشركوا. قال الفراء: وهذا كما يقال هو أسخى النّاس ومن حاتم: أي وأسخى من حاتم.\nوقيل: هو ابتداء وتمام الكلام عند قوله: على حياتهم ابتدأ بواو الاستئناف وأضمر (ليودّ) اسما تقديره: ومن الذين أشركوا من يَوَدُّ أَحَدُهُمْ كقول ذو الرّمة.\nفظلوا ومنهم دمعه سابق له ... وآخر يذري دمعة العين بالهمل\nأراد ومنهم من دمعه سابق، وأراد ب الَّذِينَ أَشْرَكُوا المجوس.\nيَوَدُّ يريد ويتمنى.\nأَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ تقديره تعمير ألف.\nأَلْفَ سَنَةٍ قال المفسّرون: هو تحيّة المجوس فيما بينهم عشر ألف سنة وكلمة ألف نيروز ومهرجان.\nقال الله تعالى: وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ من النّار.\nأَنْ يُعَمَّرَ أي تعميره: زحزحته فزحزح: أي بعدّته فتباعد يكون لازما ومتعديا. قال ذو الرّمة في المتعدي:\nيا قابض الرّوح من نفسي إذا احتضرت ... وغافر الذّنب زحزحني عن النّار «١»\nوقال الراجز، في اللازم: خليلي ما بال الدجى لا يزحزح وما بال ضوء الصبح لا يتّوضح. قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ الآية.\nقال ابن عبّاس: إن حبرا من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا كان قد حاج النبيّ ﷺ وسأله عن أشياء. فلما اتجهت الحجّة عليه قال: أيّ ملك يأتيك من السّماء؟\nقال: «جبرئيل ولم يبعث الكتاب لأنبياء قط إلّا وهو وليه» [٩٦] . قال: ذلك عدونا من\n_________\n(١) تفسير البغوي: ١/ ٩٥، وتفسير الكشاف: ١/ ١٦٧.","vol":"1","page":238},{"text":"الملائكة ولو كان ميكائيل مكانه لآمنّا بك لأنّ جبرئيل ينزل بالعذاب والقتال والشقوة وإنّه عادانا مرارا كثيرة، وكان أشد ذلك علينا أنّ الله تعالى أنزله على نبينا ﵇ إنّ بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له: بخت نصّر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل في طلب بخت نصّر ليقتله فانطلق يطلبه حتّى لقيه ببابل غلاما مسكينا ليست له قوة. فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل ﵇ وقال لصاحبنا: إنّ كان ربكم هو الذي أذن في هلاككم فلن تسلّط عليه، وإن لم يكن هذا فعلى أي حق تقتله. فصدقه صاحبنا ورجع ﵇: فكبر بخت نصّر وقوي وغزانا وخرّب بيت المقدّس فلهذا نتخذه عدوا. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقال مقاتل: قالت اليهود ان جبرئيل عدونا أمرنا أن تجعل النبوّة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقتادة وعكرمة والسّدي: فكان لعمر بن الخطاب (﵁) أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود، وكان عمر إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم ويكلمهم. فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمّد أحب إلينا منك. إنّهم يمرّون هنا فيأذونا وأنت لا تؤذينا وأنّا لنطمع فيك فقال عمر: والله ما أحبكم لحبكم، ولا أسألكم لأنّي شاك في ديني، وإنّما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمّد ﷺ وأرى آثاره في كتابكم. فقالوا: من نصّب محمّد من الملائكة؟\nقال: جبريل. فقالوا: ذلك عدوّنا يطلع محمّد على سرنا، وهو صاحب عذاب وخسف وسنة وشدة، وإنّ ميكائيل جاء بالخصب والسّلم. فقال لهم عمر: أتعرفون جبرئيل وتنكرون محمّدا..! قالوا: نعم.\nقال: فاخبروني عن منزلة جبرئيل وميكائيل من الله ﷿؟\nقالوا: جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدّو لجبرئيل فقال عمر: وإنّي أشهد أنّ من كان عدوّا لجبرئيل فهو عدوّا لميكائيل ومن كان عدوا لميكائيل فهو عدوّ لجبرئيل، ومن كان عدوا لهما فإنّ الله عدوّ له، ثمّ رجع عمر إلى رسول الله ﷺ فوجد جبرئيل قد سبقه بالوحي فقرأ عليه رسول الله ﷺ هذه الآية وقال: «لقد وافقك ربّك يا عمر» فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.\nقال الله تعالى تصديقا لعمر (﵁) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ وفي جبرئيل سبع لغات:\n(جبرئيل) مهموز، مشبع مفتوح الجيم والراء، وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر وخلف واختيار أبي عبيد، وقال: رأيت في مصحف عثمان الذي يقال له: الإمام بالياء في جبريل وميكايل [والياء قبل] الياء تدلّ على الهمزة، وقال الشاعر:\nشهدنا فما يلقى لنا من كتيبة ... مدى الدّهر إلّا جبرئيل امامها","vol":"1","page":239},{"text":"(وجبرائيل) ممدود، مهموز، مشبع، على وزن جبراعيل، وهي قراءة ابن عبّاس وعلقمة وابن وثاب.\n(وجبرائل) ممدود، مهموز، مختلس على وزن جبراعل وهي قراءة طلحة بن مصرف.\n(وجبرئل) مهموز، مقصور مختلس على وزن جبرعل، وهي قراءة يحيى بن آدم.\n(وجبرالّ) مهموز، مقصور، مشدّد اللام من غير ياء، وهي قراءة يحيى بن يعمر، وعيسى ابن عمر، والأعمش.\n(وجَبريل) بفتح الجيم وكسر الرّاء من غير همز، وهي قراءة ابن كثير وأنشد لحسان:\nوجبريل أمين الله فينا ... وروح القدس ليس به خفاء\n(وجِبْرِيلَ) بكسر الجيم والراء من غير همزة وهي قراءة علي، وأبي عبد الرّحمن، وأبي رجاء، وأبي العالية، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومعظم أهل البصرة والمدينة، واختيار أبي حاتم، وقد روي عن النبيّ ﷺ ذلك.\nوعن شبل عن عبد الله بن كثير قال: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقرأ جِبْرِيلَ بكسر الجيم والراء من غير همز. فلا أقرأها إلّا هكذا.\nقال الثعلبي: والصّحيح المشهور عن كثير ما تقدّم والله أعلم.\nأما التفسير فقال العلماء: جبر هو العبد بالسريانية وأيل هو الله ﷿ يدلّ عليه ما روى إسماعيل عن رجاء عن معاوية برفعه قال: إنّما جبرئيل وميكائيل كقولك عبد الله وعبد الرّحمن، وقيل جبرئيل مأخوذ من جبروت الله، وميكائيل من ملكوت الله.\nفَإِنَّهُ يعني جبرئيل. نَزَّلَهُ يعني القرآن كتابه عن غير مذكور كقوله وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ «١» يعني الأرض، وقوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ «٢» يعني الشمس.\nعَلى قَلْبِكَ يا محمد بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر الله.\nمُصَدِّقًا موافقا.\nلِما بَيْنَ يَدَيْهِ لما قبله من الكتب.\nوَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ أخرجهما بالذّكر من جملة الملائكة ومواضعهم على جهة التفضيل والتخصيص، كقوله تعالى فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ «٣» وميكائيل أربع لغات:\n_________\n(١) سورة فاطر: ٤٥.\n(٢) سورة ص: ٣٢.\n(٣) سورة الرحمن: ٦٨.","vol":"1","page":240},{"text":"ممدود، مهموز، مشبع على وزن ميكاعيل، وهي قراءة أهل مكّة والكوفة والشّام.\nوَمِيكالَ ممدود، مهموز مختلس مثل ميكاعل، وهي قراءة أهل المدينة.\nو(ميكيل) مهموز مقصور على وزن ميكعل، وهي قراءة الأعمش وابن محيصن.\n(ومِيْكال) على وزن مفعال وهي قراءة أهل البصرة. قال الشاعر:\nويوم بدر لقيناكم لنا مدد ... فيه مع النّصر جبريل وميكال\nوقال جرير:\nعبدوا الصّليب وكذّبوا بمحمّد ... وبجبرئيل وكذّبوا ميكالا «١»\nومعنى الآية من كان عدوا لأحد هؤلاء فإن الله عدو له والواو فيه بمعنى أو. كقوله تعالى وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ الآية لأن الكافر بالواحد كافر بالكل. فقال ابن صوريا: يا محمّد ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل الله عليك من آية بينة فنتبعك بها. فأنزل الله ﷿:\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ واضحات مفصلات بالحلال والحرام والحدود والأحكام.\nوَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ الحادون عن أمر الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٠ الى ١٠٣]</span>\nأَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٠) وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)\nأَوَكُلَّما واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام. كما يدخل على الفاء في قوله أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ «٢» أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ «٣» وعلى ثمّ كقوله تعالى أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ «٤» ونحوها.\n_________\n(١) مجمع البيان: ١/ ٣٢٤.\n(٢) سورة يونس: ٤٢.\n(٣) سورة الكهف: ٥٠.\n(٤) سورة يونس: ٥١. [.....]","vol":"1","page":241},{"text":"وقرأ ابن السّماك العدوي: ساكنة الواو على النسق و(كُلَّما) نصب على الظرف. عاهَدُوا عَهْدًا يعني اليهود.\nقال ابن عبّاس: لما ذكر رسول الله ﷺ ما أخذ الله عليهم وما عهد إليهم فيه.\nقال مالك بن الصّيف: إنّ الله ما عهد إلينا في محمد عهد ولا ميثاق فأنزل الله تعالى هذه الآية يوضحه قراءة أبي رجاء العطاردي: أوكلما عوهدوا عهدا لعنهم الله، دليل هذا التأويل قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ «١» الآية.\nوقال بعضهم: هو أنّ اليهود تعاهدوا لئن خرج محمّد ليؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب، وننفيهم من بلادهم، فلما بعث نقضوا العهد وكفروا به دليله ونظيره قوله ﷿ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ «٢» .\nوقال عطاء: هي العهود التي كانت بين رسول الله وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنّضير دليله قوله الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ «٣» .\nنَبَذَهُ أي رفضه وفي قول عبد الله: نقضه.\nفَرِيقٌ مِنْهُمْ طوائف من اليهود.\nبَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فأصل النبذ الرّمي والرفض له، وأنشد الزجاج:\nنظرت إلى عنوانه فنبذته ... كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا\nوهذا مثل من يستخف بالشيء ولا يعمل به، تقول العرب: أجعل هذا خلف ظهرك، ودبر اذنك، وتحت قدمك: أي أتركه واعرض عنه قال الله تعالى: وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا «٤»، وأنشد الفراء:\nتميم بن قيس لا تكونن حاجتي ... بظهر ولا يعبأ عليّ جوابها\nقال الشعبي: هو بين أيديهم يقرءونه ولكن نبذوا العمل به:\nوقال سفيان بن عيينة: أدرجوه في الحرير والدّيباج وحلّوه بالذّهب والفضّة ولم يحلّوا حلاله ولم يحرّموا حرامه فذلك النبذ.\nوَاتَّبَعُوا يعني اليهود.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٨٧.\n(٢) سورة البقرة: ١٠١.\n(٣) سورة الأنفال: ٥٦.\n(٤) سورة هود: ٩٢.","vol":"1","page":242},{"text":"ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ أي ما تلت الشياطين.\nكقول الشّاعر:\nفإذا مررت بقبره فأعقر به ... كؤم الحجان وكلّ طرف سالح\nوانضح جوانب قبره بدمائها ... فلقد بكوه أخادم وذبائح\nوحكي عن الحسين بن الفضل إنّه سئل عن هذه الآية فقال: هو مختصر مضمر تقديره واتبعوا ما كانت تتلوا الشياطين أي تقرأه.\nقال ابن عبّاس: يتبع ويعمل به.\nعطاء وأبو عبيدة: يحدّث ويتكلّم به.\nيمان: ترويه.\nوقرأ الحسن: الشياطون بالواو في موضع الرفع في كل القرآن.\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخارزنجي يقول:\nوسئل عن قراءة الحسن؟\nقال: هو فن وحسن عند أكثر أهل الأدب.\nغير أن الأصمعي زعم إنّه سمع أعرابيا يقول: بستان فلان حوله بساتون.\nعَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ أي في ملكه وعهده كقول أبي النّجم:\nفهي على الأفق كعين الأحول\nأي في الأفق.\nوالملك تمام القدرة واستحكامها.\nقال [... الزجاج] «١»: في قصّة الآية هي أنّ الشياطين كتبوا السّحر والنيرنجات على لسان آصف. هذا ما علّم آصف ابن برخيا سليمان الملك ثمّ وضعوها تحت مصلاه حين نزع الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان فلمّا مات استخرجوها من تحت مصلّاه.\nوقالوا النّاس: إنّما ملككم سليمان بهذا فتعلّموه فأمّا علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون هذا علم سليمان وإنّ كان هذا علمه لقد هلك سليمان.\nوأمّا السفلة فقالوا: هذا علم سليمان فأقبلوا على تعلّمه ورفضوا كتب أنبياءهم وفشت الملامة لسليمان فلم تزل هذه حالهم حتّى بعث الله تعالى محمّدا ﷺ وأنزل عذر سليمان ﵇\n_________\n(١) كلمة سقط في أصل المخطوط.","vol":"1","page":243},{"text":"على لسانه وأظهر براءته عمّا رمي به فقالوا: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ الآية. هذا قول الكعبي.\nوقال السّدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد السّمع فيستمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره فيأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا كذبا وزورا في كلّ سبعين كلمة سبعين كلمة ويخبرونهم بذلك فاكتتب الناس ذلك وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب فبعث في النّاس فجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ودفنها تحت كرسيّه وقال: لا أسمع أحدا يقول إنّ الشياطين تعلم الغيب إلّا ضربت عنقه فلمّا مات سليمان وذهب العلماء الّذين كانوا يعرفون أمر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثّل الشيطان على صورة إنسان فأتى نفرا من بني إسرائيل فقال: هل أدلّكم على كنز لا ينفذ أبدا.\nقالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي وذهب معهم فأراهم المكان وقام ناحية وقالوا:\nأدن. فقال: لا ولكن هاهنا فان لم تجدوه فاقتلوني وذلك إنّهم لم يكن أحد من الشياطين يدنو من الكرسي إلّا احترق فحفروا فوجدوا تلك الكتب فلمّا أخرجوها. قال الشيطان: إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والأنس والطّير بهذا ثمّ طار الشيطان وذهب وفشا في النّاس أنّ سليمان كان ساحرا فاتّخذ بنو إسرائيل تلك الكتب ولذلك فكثير ما يوجد السحر في اليهود فلمّا جاء محمّد ﷺ خاصمه اليهود بها فبرأ الله تعالى سليمان من ذلك وأنزل هذه الآية «١» .\nوقال عكرمة: كان سليمان ﵇ لا يصبح يوما إلّا نبتت في محرابه في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟\nفتقول الشجرة: اسمي كذا، فيقول: لأيّ داء أنت؟\nفتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع وترفع في الخزانة وتغرس منها في البساتين حتّى بعثت الخرنوبة الشّامية فقال لها: ما أنت؟\nقالت أنا الخرنوبة. قال: لأي شيء نبتّ؟ قالت: لخراب مسجدك. قال سليمان: ما كان الله ليخرّبه وأنا حي أنت الّذي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها فغرسها في حائط له فلم تنبت إلى أن توفّي فجعل النّاس يقولون في رضاهم: لو كان لنا مثل سليمان، وكتبت الشياطين كتابا فجعلوه في مصلّى سليمان. فقالوا للنّاس: من يدلّكم على ما كان يداوي به فانطلقوا فاستخرجوا ذلك الكتاب فإذا فيه سحر ورقيّ فأنزل الله في هذه الآية ما تفعل الشياطين واليهود على نبيّه محمّد ﷺ: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ.\nوَما كَفَرَ سُلَيْمانُ بالسحر فانّ السحر كفر.\n_________\n(١) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٠٦.","vol":"1","page":244},{"text":"وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا قرأ أهل الكوفة والشام بتخفيف النون ورفع الشياطين وكذلك في الأيمان وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ «١» وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «٢» .\nالباقون: بالتشديد ونصب ما بعده، ولكن كلمة لها معنيان نفي الخبر الماضي واثبات الخبر المستقبل، وهي مبنية من ثلاث كلمات أصلها لا كان لا نفي والكاف خطاب وإنّ نصب ونسق فذهبت الهمزة استثقالا وهي تثقّل وتخفف فإذا ثقلت نصب بها ما بعدها من الأسماء كما تنصب بإن الثقيلة فإذا خففها رفعت بها ما ترفع بأن الخفيفة.\nيُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ قال بعضهم: السحر العلم والخطابة دليله قوله: بان السّاحر:\nأي العالم.\nوقال بعضهم: هو التمويه بالشيء حتّى يتوهم المتوّهم إنّه شيء ولا حقيقة له كالسراب غير من رآه وأخلف من رجاه قال الله تعالى: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى «٣» .\nوَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ محل ما بعد اتباع التعليم عليه معناه لا يعلمون الذي أنزل على الملكين أي [......] «٤» ويجوز أن يكون نصبا بالاتباع تقديره: واتبعوا ما أنزل على الملكين، وجعل بعضهم ما جحدا وحينئذ لا محل له يعني لم ينزل السّحر على الملكين كما زعم اليهود، وإنّما يعلّمونهم [..... من ذات] «٥» أنفسهم والقول الأوّل أصح.\nوقرأ ابن عبّاس والحسن والضحّاك ويحيى بن أبي كثير: ملكين بكسر اللام، وقالوا: هما رجلان ساحران كانا ببابل من الملائكة لا يعلمون النّاس السحر، وفسرهما الحسن فقال:\nعلجان ببابل وهي بابل عراق وسمّي بابل لتبلبل الألسنة بها عند سقوط صرح نمرود أي تفرقها.\nأو ان الله تعالى امتحن الناس بالملكين في ذلك الوقت فمن شقي بتعلم السحر منهما فيكفر به ومن سعد بتركه فيبقى على الإيمان فيزداد المعلمان بالتعليم عذابا ففيه ابتلاء المعلم والمتعلّم والله تعالى يمتحن عباده بما يشاء كما يشاء فله الأمر والحكم.\nوقال الخليل بن أحمد: إنّما سمّيت بابل لأنّ الله تعالى حين أراد أن يخالف بين ألسنة بني آدم بعث ريحا فحفرتهم من كل أفق إلى بابل فبلبل الله ألسنتهم فلم يدري أحد ما يقول الآخر، ثمّ فرقتهم تلك الرّيح في البلاد وهو لا ينصرف لأنّه اسم موضع معروف.\nهارُوتَ وَمارُوتَ اسمان سريانيان في محل الخفض على تفسير الملكين بدلا منهما إلّا أنّهما نصبا لعجمتهما ومعرفتهما وكانت قصتيهما على ما ذكره ابن عبّاس والمفسرون: إنّ\n_________\n(١) و(٢) سورة الأنفال: ١٧.\n(٣) سورة طه: ٦٦.\n(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٥) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"1","page":245},{"text":"الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم الكثيرة وذلك في زمن إدريس فعيروهم بذلك، ودعت عليهم قالوا: هؤلاء الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم فهم يعصونك.\nفقال الله ﷿ لهم: لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ارتكبوه.\nفقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنّا أن نعصيك. قال الله تعالى: اختاروا ملكين من خياركم ثمّ اهبطوهما إلى الأرض. فاختاروا هاروت وماروت وكانا من أصلح الملائكة وأخصهم.\nقال الكلبي: قال الله تعالى لهم: اختاروا ثلاثة: عزّا وهو هاروت وعزايا وهو ماروت.\nغيّر اسمهما لما قارفا الذنب كما غير اسم إبليس وعزائيل فركب الله فيهم الشهوة التي ركبها في بني آدم. فاهبطهم إلى الأرض وأمرهم أن يحكموا بين النّاس بالحقّ، ونهاهم عن الشرك والقتل بغير الحقّ والزنا وشرب الخمر- وأما عزائيل فإنّه لما وقعت الشهوة في قلبه استقال ربّه، وسأله أن يرفعه إلى السّماء، فأقاله ورفعه، فسجد أربعين سنة، ثمّ رفع رأسه ولم يزل بعد ذلك مطأطئا رأسه حياء من الله ﷿.\nوأما الآخران فإنهما ثبتا على ذلك وكانا يغضبان من النّاس يومهما فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم وصعدا إلى السماء.\nقال قتادة: فما مر عليهما شهر حتّى افتتنا قالوا جميعا وذلك انهم اختصم عليهما ذات يوم الزهرة، وكانت من أجمل النّساء.\nقال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) وكانت من أهل فارس، وكانت ملكة في بلدها. فلمّا رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها وانصرفت، ثمّ عادت في اليوم الثاني. ففعلا مثل ذلك. فأبت وقالت: لا إلّا أن تعبدا ما أعبد وتصليا لهذا الصّنم وتقتلا النّفس وتشربا الخمر فقالا: لا سبيل إلى هذه الأشياء فإن الله قد نهانا عنها. فانصرفت ثمّ عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من خمر وفي أنفسهما من الميل إليها ما فيها. فراوداها عن نفسها.\nفعرضت عليهما ما قالت بالأمس. فقالا: الصلاة لغير الله عظيم، وقتل النّفس عظيم وأهون الثلاثة شرب الخمر فانتعشا ووقعا بالمرأة وزنيا. فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه.\nقال الربيع بن أنس: سجدا للصنم فمسخ الله الزهرة كوكبا\nوقال عليّ بن أبي طالب (كرم الله وجهه) والسّدي والكلبي: إنّها قالت لهما: لن تدركاني حتّى تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء. فقالا: بسم الله الأكبر. قالت: فما أنتما تدركاني حتّى تعلمانيه. فقال أحدهما لصاحبه:\nعلّمها. قال: فإنّي أخاف الله.\nقال الآخر: فأين رحمة الله فعلماهما ذلك. فتكلّمت به وصعدت إلى السّماء فمسخها الله كوكبا.\nفعلى قول هؤلاء هي الزّهرة بعينها وقيدوها. فقالوا: هي هذه الكوكبة الحمراء واسمها بالفارسيّة ناهيد، وبالنبطية بيذخت يدلّ على صحة هذا القول ما\nروى جابر عن الطفيل عن علي","vol":"1","page":246},{"text":"(﵁) قال: كان النبيّ ﷺ إذا رأى سهيلا قال: لعن الله سهيلا إنّه كان عشارا باليمن ولعن الله الزّهرة فإنّها فتنت ملكين.\nوقال مجاهد: كنت مع ابن عمر ذات ليلة فقال لي: أرمق بالكوكبة يعني الزّهرة فإذا طلعت فأيقظني. فلما طلعت أيقظته فجعل ينظر إليها ويسبّها سبّا شديدا. فقلت: رحمك الله سببت نجما سامعا مطيعا ما له ليسبّ؟ فقال: إنّ هذه كانت بغيا. فلقى ملكان منها ما لقيا.\nوقال ابن عمر إذا رأى الزهرة قال: لا مرحبا بها ولا أهلا وروى أبو عثمان [المرندي] عن ابن عبّاس: إنّ المرأة التي فتنت بها الملكان مسخت فهي هذه الكوكبة الحمراء يعني الزهرة قال: وكان يسميها بيذخت. وأنكر الآخرون هذا القول. قالوا: ان الزهرة من الكواكب السبعة السّيارة الّتي جعلها الله تعالى قواما للعالم وأقسم بها فقال: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ «١» . قلنا كانت هذه الّتي فتنت هاروت وماروت امرأة كانت تسمى زهرة من جمالها فلمّا بغت مسخها الله تعالى شهابا فلمّا رأى رسول الله ﷺ الزهرة ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين فلعنها، وكذلك سهيل العشار ولمّا رأى رسول الله ﷺ النجم ذكره فلعنه ويدلّ عليه ما روى قيس ابن عبّاد عن ابن عبّاس في هذه القصّة:\nقال: كانت امرأة فضّلت على النّاس كما فضّلت الزّهرة على سائر الكواكب، ومثله قال كعب الأحبار والله أعلم.\nقالوا: فلمّا أمسى هاروت وماروت بعد ما قارفا الذنب همّا بالصعود إلى السّماء فلم تطاوعهما أجنحتهما فعلما ما حلّ بهما فقصدا إدريس النبيّ ﷺ فأخبراه بأمرهما وسألاه أن يشفع لهما إلى الله ﷿ فقالا له: إنّا رأيناك يصعد لك من العبادة مثل ما يصعد لجميع أهل الأرض فاستشفع لنا إلى ربّك؟\nففعل ذلك إدريس فخيّرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدّنيا إذ علما إنّه ينقطع فهما ببابل يعذّبان.\nواختلف العلماء في كيفية عذابهما فقال عبد الله بن مسعود: هما معلّقان بشعورهما إلى قيام السّاعة.\nقتادة: كبّلا من أقدامهما إلى أصول أفخاذهما.\nمجاهد: إنّ جبّا ملئت نارا فجعلا فيها حضيف معلّقان منكسان في السلاسل.\nعمير بن سعد: منكوسان يضربان بسياط الحديد.\nويروى إنّ رجلا أراد تعلّم السحر فقصد هاروت وماروت فوجدهما معلّقين بأرجلهما\n_________\n(١) سورة التكوير: ١٦.","vol":"1","page":247},{"text":"مزرقّة عيونهما مسودّة جلودهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء إلّا قدر أربع أصابع وهما يعذبان بالعطش فلما رأى ذلك هاله مكانهما فقال: لا إله الّا الله وقد نهي عن ذكر الله فلمّا سمعا كلامه قالا له: من أنت؟ قال: رجل من النّاس. قالا: ومن أيّ أمّة أنت؟\nقال: من أمّة محمّد ﷺ. قالا: وقد بعث محمّد؟ قال: نعم قالا: الحمد لله وأظهرا الاستبشار. فقال الرجل: وممّ استبشاركما؟\nقالا: لأنّه نبي السّاعة وقد دنا انقضاء عذابنا. قالوا ومن ثمّ استغفار الملائكة لبني آدم.\nوعن الأوزاعي قال: المعنى\nإنّ جبرئيل أتى النبيّ ﷺ فقال له: «يا جبرئيل صف لي النّار؟\nفقال: إنّ الله أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتّى احمرّت ثمّ أوقد عليها ألف عام حتّى اصفرّت ثمّ أوقد عليها ألف عام حتّى اسودّت فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهيبها ولا جمرها، والّذي بعثك بالحقّ لو أنّ ثوبا من ثياب أهل النّار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعا ولو أنّ ذنوبا من سرابها صبّت في الأرض جميعا لقتل من ذاقه، ولو أنّ ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعا لذابت وما استقلّت ولو إنّ رجلا دخل النّار ثمّ أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه فبكى النبيّ ﷺ وبكى جبرئيل لبكائه وقال: أتبكي يا محمّد وقد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» [٩٧]، ولم بكيت يا جبريل وأنت الرّوح الأمين أمين الله على وحيه؟ قال: أخاف أن أبتلي بما ابتلي هاروت وماروت. فهو الّذي منعني عن اتكالي على منزلتي عند ربّي فأكون قد آمنت مكره فلم يزالا يبكيان حتّى نوديا من السّماء أن يا جبرئيل ويا محمّد إنّ الله قد أمنكما أن تعصياه فيعذبكما «١» ففضل محمّد على الأنبياء كفضل جبرائيل على ملائكة السّماء.\nوَما يُعَلِّمانِ يعني الملكين مِنْ أَحَدٍ من صلة لا يعلّمان السحر أحدا حتّى ينصحاه أولا وينهياه ويقولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ إبتلاء ومحنة.\nفَلا تَكْفُرْ بتعلم السّحر وأصل الفتنة الاختبار.\nتقول العرب: فتنت الذّهب إذا أدخلته النّار لتعرف جودته من رداءته.\nوفتنت الشمس الحجر إذا سوّدته.\nوإنّما وحّد الفتنة وهما اثنان لأنّ الفتنة مصدر والمصادر لا تثنّى ولا تجمع كقولهم:\nوَعَلى سَمْعِهِمْ وفي مصحف أبي: وما يعلّم الملكان من أحد حتّى يقولا إنّما نحن فتنة فلا تكفر سبع مرّات.\n_________\n(١) إلى هنا في بحار الأنوار: ٨/ ٣٠٦ ح ٦٤.","vol":"1","page":248},{"text":"قال السّدي وعطاء: فإن أبى إلّا التعلّم قالا له: ائت هذا الرّماد فبل عليه فيخرج منه نور ساطع في السّماء فتلك المعرفة وينزل شيء أسود حتّى يدخل مسامعه يشبه الدّخان وذلك غضب الله ﷿.\nقال مجاهد: إنّ هاروت وماروت لا يصل إليهما أحد ويختلف فيما بينهما شيطان في كل مسألة اختلافة واحدة.\nوقال يزيد بن الأصم: سئل المختار: هل يرى اليوم أحد هاروت وماروت؟\nقال: أما منذ اؤتفكت بابل ائتفاكها الآخر لم يرهما أحد.\nقال قتادة: السحر سحران: سحر تعلّمهم الشياطين وسحر يعلّمه هاروت وماروت وهو قوله تعالى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وهو أن يؤخذ كلّ واحد منهما عن صاحبه ويبغّض كل واحد إلى صاحبه.\nوفي (المرء) أربع قراءات: قرأ الحسن: المرّ بفتح الميم وتشديد الرّاء جعله عوضا عن الهمزة.\nوقرأ الزهري: المُرء بضم الميم والهمزة.\nوحكى يعقوب عن جدّه: بكسر الميم والهمزة.\nوقرأ الباقون: بفتح الميم والهمزة.\nوأمّا كيفية تعليمهما السّحر فقد ورد فيه خبر جامع وهو ما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النّبي ﷺ: أنّها قالت: قدمت عليّ امرأة من أهل دومة الجندل جاءت تبتغي رسول الله ﷺ بعد موته حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السّحر قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله ﷺ وكانت تبكي حتّى إنّي لأرحمها بقولي واني لأخاف أن تكون قد هلكت، قالت كان لي زوج فغاب عنّي فدخلت على عجوز وشكوت إليها ذلك فقالت: إن فعلت ما أمرتك به فأجعله يأتيك فلمّا كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الأخر فلم يكن حتّى وقفنا على بابل، فإذا برجلين معلّقين بأرجلهما فقالا: ما جاء بك؟ فقلت أتعلم السحر.\nفقالا: إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فلا تكفري وارجعي فأبيت فقلت: لا.\nقالا: فاذهبي إلى ذلك التنوّر فبولي فيه فذهبت ففزعت ولم أفعل فرجعت إليهما فقالا:\nفعلت، قلت: نعم. فقالا هل رأيت شيئا؟ قلت: لم أر شيئا.\nفقالا: لم تفعلي ارجعي إلى بلدك ولا تكفري فأبيت، فقالا: اذهبي إلى التنوّر فبولي فيه.\nفذهبت فاقشعرّ جلدي وخفت ثمّ رجعت إليهما فقلت قد فعلت. قالا: فما رأيتي؟","vol":"1","page":249},{"text":"قلت: لم أر شيئا.\nفقالا: كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك فلا تكفري فإنّك على رأس أمرك. فأبيت.\nفقالا: اذهبي إلى ذلك التنوّر فبولي فيه فذهبت إليه فبلت فيه، فرأيت فارسا مقنعا بالحديد خرج منّي حتّى ذهب في السّماء وقد غاب عنّي حتّى لم أره فجئتهما فقلت قد فعلت قالا: فما رأيت؟\nقلت: رأيت فارسا مقنّعا بالحديد خرج منّي فذهب في السّماء حتّى ما أراه. قالا: صدقت ذلك إيمانك خرج منك اذهبي إلى المرأة وقول لها: والله ما أعلم شيئا وما قال لي شيئا، قالت بلى، قالا: لن تريدي شيئا إلّا كان. خذي هذا القمح فأبذري فبذرت فقلت: اطلعي فطلعت فقلت: احقلي فحقلت ثمّ قلت إفركي فأفركت ثمّ قلت اطحني فطحنت ثمّ قلت اخبزي فخبزت فلمّا رأيت إنّي لا أريد شيئا إلّا كان سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئا قط ولا أفعله أبدا.\nفأما كيفية جواز تعليم السّحر على الملائكة ووجه الآية وحملها على التأويل الصحيح:\nفقال بعضهم: إنّهما كانا لا يتعمّدان تعليم السحر ولكنّهما يصفانه ويذكران بطلانه ويأمران باجتنابه واعلم وعلّم بمعنى واحد وفي هذا حكمة: وهي إنّ سائلا لو سأل عن الزّنا لوجب أن يوقف عليه ويعلّم أنّه حرام، وكذلك إعلام الملكين النّاس وأمرهما باجتنابه بعد الأعلام والأخبار إنّه كفر حرام فيتعلّم الشقي منهما وفي حلال صفتهما وترك موعظتهما ونصيحتهما ولا يكون على هذا التأويل تعلّم السحر كفرا وإنّما يكون العمل به كفرا كما إنّ من عرف الزّنا لم يأثم إنّما يأثم العامل به، والقول الآخر والأصح: إنّ الله تعالى امتحن النّاس بالملكين في ذلك الوقت وجعل المحنة في الكفر والإيمان أن يقبل القابل تعلّم السّحر فيكفر بتعلّمه ويؤمن بترك التعلّم، لأنّ السّحر كان قد كثر في كلّ الأمة ويزداد المعلّمان عذابا بتعليمه فيكون ذلك إبتلاء للمعلّم والمتعلّم ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن بني إسرائيل بالنّهر في قوله:\nإِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ «١» يدلّ عليه قوله إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ وهذان حكاهما الزجّاج واعتمدهما. قال الله تعالى:\nوَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ أي أحدا ومن صلة.\nإِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [أو إلّا بقضاء الله أو إلّا بإذن الله أي بمرأى ومسمع] «٢» أي بعلمه وقضائه ومشيئته وتكوينه [والساحر يسحر ولا يكون شيء] «٣» .\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٤٩.\n(٢) عن هامش المخطوط. [.....]\n(٣) عن هامش المخطوط.","vol":"1","page":250},{"text":"وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ أي السحر وقرأ عبيد بن عمير: مَا يُضِرُّهُمْ من أضرّ يضرّ.\nوَلَقَدْ عَلِمُوا يعني اليهود لَمَنِ اشْتَراهُ اختار السّحر.\nما لَهُ فِي الْآخِرَةِ أي في الجنّة مِنْ خَلاقٍ من نصيب.\nوقال الحسن: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ من دين ولا وجه عند الله.\nابن عبّاس: من قوام، وقيل من خلاص.\nقال أميّة: يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم إلّا السرابيل من قطر وإغلال، أي لا خلاص لهم.\nوَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ باعوا به حظّ أَنْفُسَهُمْ حين اختاروا السّحر والكفر على الدين والحق.\nلَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بمحمّد ﷺ والقرآن.\nوَاتَّقَوْا اليهودية والسّحر.\nلَمَثُوبَةٌ [ويجوز المثوبة بفتح الميم وفتح الواو كمشورة وكمشورة وهي مصدر من الثواب] «١» مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لكان ثواب الله ﷿ إياهم.\nخَيْرٌ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٤ الى ١٠٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وَاسْمَعُوا وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥) ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا الآية: وذلك\nإنّ المسلمين كانوا يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك يعنون من المراعاة، وكانت هذه اللفظة سبّا مبيحا بلغة اليهود، وقيل:\nكان معناه عندهم: اسمع لا سمعت، وقيل: هو إلحاد إلى الرعونة لما سمعتها اليهود اغتنموها، وقالوا فيما نسب بعضهم إلى محمّد سرا. فاعلنوا الآن بالشّتم، وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمّد ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها، وكان يعرف لغتهم. فقال لليهود: عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود إن سمعنا من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لضربت عنقه. فقالوا: أولستم تقولونها؟\n_________\n(١) عن هامش المخطوط.","vol":"1","page":251},{"text":"فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا لكي لا يجد اليهود بذلك سبيلا إلى شتم رسول الله ﷺ.\nوفي هذه اللفظة ثلاث قراءات:\nقرأ الحسن راعنًا بالتنوين أراد قولا راعنا: أي حقا من الرعونة فحذف الاسم وأبقى الصّفة. كقول الشاعر:\nولا مثل يوم في قدار ظله ... كأني وأصحابي على قرن أعفرا\nأراد قرن ظبي أعفر. حذف الاسم وأبقى النعت.\nوقرأ أبي بن كعب: راعونا بالجمع.\nوقرأت العامّة: راعِنا بالواحد من المراعاة. يقال: أرعى إلى الشيء وأرعاه وراعاه. إذا أصغى إليه واستمعه. مثل قولهم: عافاه الله وأعفاه.\nقال مجاهد: لا تقولوا راعنًا: يعني خلافا.\nيمان: هجرا.\nالكسائي: شرّا.\nوَقُولُوا انْظُرْنا قال أبي بن كعب: أَنظرنا بقطع الألف أي أخرنا، وقرأت العامّة موصولة أي انظر إلينا. فحذف حرف التعدية كقول قيس بن الحطيم:\nظاهرات الجمال والحسن ينظرن ... كما ينظر الأراك الظّبا\nأي إلى الأراك، وقيل: معناه انتظرنا وتأننا. كقول امرؤ القيس:\nفإنكما أن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب\nوقال مجاهد: معناه فهّمنا، وقال يمان: بيّن لنّا وَاسْمَعُوا ما تؤمرون به، والمراد به أطيعوا لأنّ الطّاعة تحت السّمع.\nوَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني اليهود.\nما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الآية: وذلك إنّ المسلمين كانوا إذا قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمّد قالوا: ما هذا الّذي تدعوننا إليه بخير مما نحن عليه ولو [هدانا] «١» لكان خيرا. فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم (ما يَوَدُّ): يريد ويتمنى الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني اليهود.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.","vol":"1","page":252},{"text":"وَلَا الْمُشْرِكِينَ «١» مجرور في اللفظ بالنسق على من مرفوع المعنى بفعله كقوله ﷿ وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ «٢» أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ أي خبر كما نقول: ما أتاني من أحد من فيه، وفي جوابها صلة، وهي كثيرة في القرآن.\nوَاللَّهُ يَخْتَصُّ والاختصاص أوكد من الخصوص لأن الاختصاص لنفسك والخصوص لغيرك.\nبِرَحْمَتِهِ بنبوّته. مَنْ يَشاءُ يخص بها محمّدا ﷺ.\nوَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [أي ابتداء لعلى ... خبر علة أو المراد من الرحمة الإسلام والهداية «٣»] ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها الآية وذلك إنّ المشركين قالوا: ألّا ترون إلى محمّد يأمر أصحابه بأمر لم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولا ويرجع فيه غدا، ما هذا القرآن إلّا كلام محمّد يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا. فأنزل الله وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ «٤»، وأنزل أيضا ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ ثمّ بيّن وجه الحكمة في النّسخ بهذه الآية.\nوأعلم إنّ النسخ في اللغة شيئان:\nالوجه الأول: بمعنى التغيير والتحويل قال الفراء: يقال: مسخه الله قردا ونسخه قردا، ومنه نسخ الكتاب وهو أن يحول من كتاب إلى كتاب فينقل ما فيه إليه قال الله تعالى إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ «٥»: أي نأمر الملائكة بنسخها.\nقال ابن عبّاس في هذه الآية: ألستم قوما عربا هل يكون نسخة إلّا من أصل كان قبل ذلك؟ وعلى هذا الوجه القرآن كلّه منسوخ لأنّه نسخ من اللوح المحفوظ فأنزل على النبيّ ﷺ.\nروى عبد الوهاب بن عطاء عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس: أنزل الله تعالى القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السّماء الدّنيا ثمّ أنزله جبرائيل على محمّد آيا بعد آي، وكان فيه ما قال المشركون وردّ عليهم.\nوالوجه الثاني: بمعنى رفع الشيء وإبطاله يقال: نسخت الشّمس الظل: أي ذهبت به وأبطلته [...] عنّى بقوله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ وعلى هذا الوجه يكون بعض القرآن ناسخا ومنسوخا وهي ما تعرفه الأمّة من ناسخ القرآن ومنسوخه وهذا أيضا يتنوّع نوعين:\n_________\n(١) في هامش المخطوطة: والمراد مشركو العرب كأبي سفيان.\n(٢) سورة الأنعام: ٣٨.\n(٣) عن هامش المخطوط.\n(٤) سورة النحل: ١٠١.\n(٥) سورة الجاثية: ٢٩.","vol":"1","page":253},{"text":"أحدهما: إن يثبت خط الآية، وينسخ علمها والعمل بها. كقول ابن عبّاس في قوله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قال: ثبت خطها وتبدل حكمها. ومنها رفع تلاوتها وبقاء حكمها مثل آية الرجم.\nالثاني: أنّ ترفع الآية أصلا أي تلاوتها وحكمها معا فتكون خارجة من خط الكتاب، وبعضها من قلوب الرّجال أيضا، والشّاهد له ما\nروي أبو أمامة سهل بن حنيف في مجلس سعيد ابن المسيب: إنّ رجلا كانت معه سور فقام يقرأها من الليل فلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها.\nفلم يقدر عليها، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها. فأصبحوا فأتوا رسول الله ﷺ فقال بعضهم:\nيا رسول الله قمت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها، وقال الآخر: يا رسول الله ما جئت إلّا لذلك، وقال الآخر: وأنا يا رسول الله.\nفقال رسول الله ﷺ: «إنّها نسخت البارحة» [٩٨] «١» .\nثمّ اعلم أنّ النّسخ إنّما يعترض على الأوامر والنواهي دون الأخبار إذا نسخ صار المخبر كذابا، وإنّ اليهود حاولوا نسخ الشرائع وزعموا إنّه بداء فيقال لهم: أليس قد أباح الله تزويج الاخت من الأخ ثمّ حظره وكذلك بنت الأخ وبنت الأخت؟ أليس قد أمر إبراهيم ﵇ بذبح ابنه، ثمّ قال له لا تذبحه؟\nأليس قد أمر موسى بني إسرائيل أن يقتلوا من عبد العجل منهم وأمرهم برفع السّيف عنهم؟\nأليست نبوة موسى غير متعبد بها، ثمّ تعبّد بذلك؟ أليس قد أمر حزقيل النبيّ بالختان، ثمّ نهاه عنه؟ فلما لم يلحقه بهذه الأشياء بداء فكذلك في نسخ الشرائع لم يلحقه بداء بل هو نقل العباد من عبادة إلى عبادة، وحكم إلى حكم لضرب من المصلحة إظهار لحكمته وكمال مملكته وله ذلك وبه التوفيق.\nفهذه من علم النّسخ وهو نوع كثير من علوم القرآن، لا يسع جهله لمن شرع إلى التفسير.\nوعن أبي عبد الرحمن السّلمي: إنّ عليا ﵇ مرّ بقاص يقصّ في جامع الكوفة بباب كندة فقال: هل تعلم النّاسخ من المنسوخ؟\nقال: لا. قال: هلكت وأهلكت «٢» .\nوأمّا معنى الآية لقوله ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ قرأت العامّة بفتح النون والسين من النّسخ.\nوقرأ ابن عامر: بضم النون وكسر السّين.\nقال أبو حاتم: هو غلط وقال: بعضهم له وجهان، أحدهما نجعله نسخه من قولك نسخت الكتاب إذا كتبته وأ نسخته غيري إذا جعلته نسخة له ومعناها ما مسختك.\n_________\n(١) نواسخ القرآن لابن الجوزي: ٣٤، والدر المنثور: ١/ ١٠٥.\n(٢) المصنف لعبد الرزاق: ٣/ ٢٢١ ح ٥٤٠٧، والناسخ والمنسوخ لابن حزم: ٥.","vol":"1","page":254},{"text":"والوجه الثاني: تجعله في جملة المنسوخ كقولك: طردت الرّجل إذا نفيته وأطردته جعلته طريدا. قال الشاعر:\nطردتني حسد الهجاء حيفاء ... واللّات والأصنام ما قالوا تنل\nأو ننسها «١»: فيه تسع قراءات:\nقرأ سعيد بن المسيب وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب: نُنْسِها بضمّ النون وكسر السّين. وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم أي: ننسها نسيا قاله أكثر المفسرين.\nقال الحسن: هو ما أنسى الله رسوله ﷺ.\nقال ابن عبّاس: أي نتركها ولا نبدّلها قال الله: نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ «٢» وقال الله تعالى:\nكَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى «٣» . كلّ هذا من التّرك كانّه جعل أنسى ونسي بمعنى واحد.\nقال الكلبي وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري يقول: معناه أو نأمر بتركها يقال أنسيت الشيء أي أمرت بتركه.\nقال الشّاعر:\nجرت عليّ قصة أقصيتها ... لست بناسيها مجمع ولا منسيها\nأي ولا آمر بتركها.\nوقرأ أبي بن كعب: أو ننسيك.\nوقرأ عبد الله: ننسيك من آية أو ننسخها.\nقرأ سالم مولى حذيفة: أو ننسّكها.\nوقرأ أبو رجاء: أو ننسّها بالتشديد، وقرأ الضحّاك: أو نُنسَها بضم التاء وفتح السين على مجهول، وقرأ سعد بن أبي وقّاص: أو تَنسها بتاء المفتوحة من النسيان، وعن القاسم بن الربيع ابن فائق قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: بالنسخ من آية أو ننسها.\nقال: فقلت له: إنّ سعيد بن المسيّب يقرأ: نُنْسِها. قال: إنّ القرآن لم ينزل على آل المسيّب.\n_________\n(١) في هامش المخطوطة: عن قلبك أي نتركها.\n(٢) سورة التوبة: ٦٧.\n(٣) سورة طه: ١٢٦.","vol":"1","page":255},{"text":"قال الله تعالى لنبيه ﷺ: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى «١» وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ «٢» .\nوقرأ مجاهد: (أو نَنسها) بفتح النون مخففة أي نتركها.\nوقرأ عمر بن الخطّاب وابن عبّاس وعبيد بن عمير وعطاء وابن كثير وابو عمرو والنخعي:\nأو ننساها بفتح النون الأول وفتح السين مهموزة فلا نؤخرها فلا نبدّلها ولا ننسخها، يقال: نسأ الله في أجله وأنسأ الله أجله، ومنه النسيئة في البيع.\nوقال أبو عبيد: ننسأها مجازه نمضيها لذكر ما فيه، قال طرفة:\nأمون كألواح الاران نسأتها ... على لاحب كأنّه ظهر برجد «٣»\nأي لسقتها وأمضيتها، وقال سعيد بن المسيب وعطاء: أما ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ فهو ما قد نزل من القرآن جعلاه من النسخة، أو ننساها نؤخرها فلا يكون وهو ما لم ينزّل.\nنَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها «٤» أيّ بما هو أجدى وأنفع لكم وأسهل عليكم وأكثر لأجركم لا أنّ آية خير من آية لأن كلام الله ﷿ واحد ولكنّها في المنفعة المثوبة وكلّه خير.\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٥» قادر قال الزجاج: لفظه استفهام ومعناه توفيق وتقرير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٠٧ الى ١٠٩]</span>\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧) أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١٠٨) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩)\nأَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ يا معشر الكفّار عند نزول العذاب.\nمِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ قريب وصديق.\nوَلا نَصِيرٍ ناصر يمنعكم من العذاب.\nأَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ الآية.\nقال ابن عبّاس: نزلت في عبد الله بن أميّة\n_________\n(١) سورة الأعلى: ٦. [.....]\n(٢) سورة الكهف: ٢٤.\n(٣) مجمع البيان: ١/ ٣٤٦.\n(٤) في هامش المخطوطة: وكل ما نسخ إلّا اليسير فالناسخ أسهل في العمل.\n(٥) في هامش المخطوطة: من النسخ والتبديل.","vol":"1","page":256},{"text":"المخزومي ورهط من قريش قالوا: يا محمّد أجعل لنا الصّفا ذهبا ووسّع لنّا أرض مكّة، وفجر الأنهار خلالها تفجيرا نؤمن بك.\nفأنزل الله ﷿ أَمْ تُرِيدُونَ يعني أتريدون\nوالميم صلة لأنّ أم إذا كان بمعنى العطف لا تكون أبتداء ولا تأتي إلّا مردودة على استفهام قبلها، وقيل معناه: بل يريدون كقول الشّاعر:\nبدت مثل قرن الشّمس في رونق الضّحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح «١»\nأي بل أنت.\nأَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ محمّدا.\nكَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ سأله قومه فقالوا: أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً،\nوقال مجاهد: لمّا قالت قريش هذا لرسول الله ﷺ قال: «نعم وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن لم تؤمنوا عذّبتم» [٩٩] فأبوا ورجعوا\n، والصّحيح أن شاء الله إنها نزلت في اليهود حين قالوا: يا محمّد ائتنا بكتاب من السّماء تحمله، كما أتى موسى بالتوراة، لأنّ هذه السّورة مدنية، وتصديق هذا القول قوله تعالى:\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ «٢» في سُئِلَ ثلاث قراءات:\nبالهمز: وهي قراءة العامّة، و(سئل) بتليين الهمزة وهي قراءة أبي جعفر و(سيل) مثل (قيل) وهي قراءة الحسن.\nوَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أخطأ وسط الطريق.\nوَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الآية\nنزلت في نفر من اليهود منهم: فنحاص بن عازورا وزيد ابن قيس وذلك إنّهم قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تريا ما أصابكم ولو كنتم على الحقّ ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلا. فقالوا لهم: كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد.\nقال: فإني قد عاهدت ألّا أكفر بمحمّد ﷺ ما عشت. فقالت اليهود: أمّا هذا فقد صبر، وقال حذيفة: وأمّا أنا فقد رضيت بالله ربّا وبمحمّد نبيّا وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخوانا.\nثمّ أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك فقال: «أصبتما الخير وأفلحتما» [١٠٠] «٣» . فأنزل الله تعالى وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أي تمنى وأراد كثير من اليهود.\n_________\n(١) مجمع البيان: ١/ ٢٨١.\n(٢) سورة النساء: ١٥٣.\n(٣) تفسير الكشاف: ١/ ١٧٦.","vol":"1","page":257},{"text":"لَوْ يَرُدُّونَكُمْ يا معشر المؤمنين.\nمِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّارًا في انتصابه وجهان قيل: بالردّ وقيل: بالحال. حَسَدًا وفي نصبه أيضا وجهان: قيل على المصدر أي يحسدونكم حسدا، وقيل: بنزع حرف الصلة تقديره للحسد. وأصل الحسد في اللغة الالظاظ بالشيء حتّى يخدشه وقيل: للمسحاة محسد وللغراد حسدل زيدت فيه اللّام كما يقال للعبد: عبدل.\nمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أي من تلقاء أنفسهم لم يأمر الله ﷿ بذلك.\nمِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ في التوراة إنّ محمّدا صادق ودينه حقّ.\nفَاعْفُوا فاتركوا. وَاصْفَحُوا وتجاوزوا.\nحَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ بعذابه القتل والسّبي لبني قريظة والجلاء والنفي لبني النظير قاله ابن عبّاس.\nوقال قتادة: هو أمره بقتالهم في قوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ «١» .\nوقال ابن كيسان: بعلمه وحكمه فيهم حكم بعضهم بالإسلام ولبعضهم بالقتل والسبي والجزية، وقيل: أراد به القيامة فيجازيهم بأعمالهم.\nإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٠ الى ١١٣]</span>\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠) وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١١١) بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا تسلفوا.\nلِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ طاعة وعمل صالح.\nتَجِدُوهُ تجدوا ثوابه ونفعه. عِنْدَ اللَّهِ وقيل: بالخبر الحال كقوله ﷿\n_________\n(١) سورة التوبة: ٢٩.","vol":"1","page":258},{"text":"إِنْ تَرَكَ خَيْرًا «١» ومعناه وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ من زكاة وصدقة تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي وتجدوا الثمرة واللقمّة مثل أحد إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ\nورد في الحديث: إذا مات العبد قال الله: ما خلّف؟\nوقال الملائكة: ما قدّم؟\nوعن أنس بن مالك قال: لمّا ماتت فاطمة بنت رسول الله ﷺ دخل علي بن أبي طالب ﵇ الدّار فأنشأ يقول:\nلكلّ اجتماع من خليلين فرقة ... وكلّ الّذي دون الفراق قليل\nوإنّ افتقادي واحدا بعد واحد ... دليل على أن لا يدوم خليل\nثمّ دخل المقابر فقال: السلام عليكم يا أهل القبور أموالكم قسّمت ودوركم سكّنت وأزواجكم نكحت فهذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ فهتف هاتف: وعليكم السلام ما أكلنا ربحنا وما قدّمنا وجدنا وما خلّفنا خسرنا «٢» .\nوَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى قال الفرّاء: أراد يهوديا فحذف الياء الزائدة ورجعوا إلى الفعل من اليهوديّة.\nوقال الأخفش: اليهود جمع هائد مثل عائد وعود وحائل وحول وعايط وعوط وعايذ وعوذ، وفي مصحف أبي: إلّا من كان يهوديا أو نصرانيا ومعنى الآية وقالت اليهود: لن يدخل الجنّة إلّا من كان يهوديّا ولا دين إلّا دين اليهوديّة وقالت النصارى: لن يدخل الجنّة إلّا من كان نصرانيّا ولا دين إلّا النصرانية قال الله تعالى: تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ شهواتهم الّتي يشتهوها ويتمنوها على الله ﷿ بغير الحقّ وقيل أباطيلهم بلغة قريش.\nقُلْ يا محمّد. هاتُوا وأصله أتوا فقلبت الهمزة هاء.\nبُرْهانَكُمْ حجتكم على ذلك وجمعه براهين مثل قربان قرابين وسلطان وسلاطين.\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثمّ قال ردّا عليهم وتكذيبا لهم بَلى ليس كما قالوا بل يدخل الجنّة مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ مقاتل: أخلص دينه وعمله لله وقيل: فوض أمره إلى الله.\nوقيل: خضع وتواضع لله.\nوأصل الإسلام والاستسلام: الخضوع والانقياد وإنّما خصّ الوجه لأنّه إذا جاد بوجهه في السّجود لم يبخل بسائر جوارحه.\nقال زيد بن عمرو بن نفيل:\nأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٨٠.\n(٢) الثقات لابن حبان: ٩/ ٢٣٥.","vol":"1","page":259},{"text":"وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن يحمل عذبا زلالا «١»\nوَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله، وقيل: مؤمن، وقيل: مخلص.\nفَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَقالَتِ الْيَهُودُ نزلت في يهود المدينة ونصارى أهل نجران وذلك\nإنّ وفد نجران لمّا قدموا على رسول الله ﷺ أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتّى ارتفعت أصواتهم فقالت لهم اليهود: ما أنتم على شيء من الدّين وكفروا بعيسى والإنجيل، وقالت لهم النّصارى: ما أنتم على شيء من الدّين وكفروا بموسى والتوراة.\nفأنزل الله تعالى وَقالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ.\nوَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ وكلا الفريقين يقرءون الكتاب أي لتبين في كتابكم سر الاختلاف فدل تلاوتهم الكتاب ومخالفتهم ما فيه على أنهم على الباطل.\nوقيل: كان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية قال: صدقوا جميعا والله كذلك.\nقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ «٢» يعني آباءهم الّذين مضوا.\nمِثْلَ قَوْلِهِمْ قال مقاتل يعني مشركي العرب كذلك قالوا في نبيّهم محمّد ﷺ وأصحابه ليسوا على شيء من الدّين.\nوقال ابن جريح: قلت لعطاء: (كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) من هم؟\nقال: أمم كانت قبل اليهود والنّصارى مثل قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب ونحوهم، قالوا في نبيهم إنّه ليس على شيء وأنّ الدّين ديننا.\nفَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يقضي بين المحقّ والمبطل يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٤ الى ١١٧]</span>\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١٤) وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧)\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ نزلت في ططيوس بن استيسانوس\n_________\n(١) مجمع البيان: ١/ ٣٥٦.\n(٢) في هامش المخطوطة: هم عوام اليهود لأنهم غير متعلمين.","vol":"1","page":260},{"text":"الرّومي وأصحابه وذلك إنّهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التّوراة وخرّبوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير وكان خرابا إلى أن بناه المسلمون في أيّام عمر بن الخطّاب.\nقتادة والسّدي: هو بخت نصر وأصحابه غزوا اليهود وخرّبوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك النّصارى ططيوس وأصحابه من أهل الرّوم.\nقال السّدي: من أجل إنّهم قتلوا يحيى بن زكريّا، وقال قتادة: حملهم بعض اليهود على معاونة بخت نصّر البابلي المجوسي فأنزل الله إخبارا عن ذلك: وَمَنْ أَظْلَمُ أيّ أكفر وأغثا مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ يعني بيت المقدس ومحاريبه. (أَنْ يُذْكَرَ) في محل نصب المفعول الثاني لأنّ المنع يتعدّى إلى مفعولين تقديره ممّن منع مساجد الله. الذّكر، وإن شئت جعلت نصبا بنزع حرف الصّفة أي: من أن يذكر.\nوَسَعى فِي خَرابِها أي في عمل خرابها.\nأُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ وفي مصحف أبي الّا خيّفاء.\nقال ابن عبّاس: لا يدخلها بعد عمارتها رومي إلّا خائفا لو علم به قتل.\nقتادة ومقاتل: لا يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلّا متنكرا مشارفه لو قدر عليه عوقب ونهك ضربا.\nالسّدي: أخيفوا بالجزية، وقال أهل المعاني: هذا خبر فيه معنى للأمر كقول: اجهضوهم بالجهاد كي لا يدخلها أحد منهم إلّا خائفا من القتل والسّبي نظيره قوله: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ... إلى أَبَدًا «١» نهاهم عن لفظ الخبر فمعنى الآية: ما ينبغي لهم ولكم وهذا وجه الآية.\nلَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ عذاب وهوان.\nقال قتادة: هو القتل للحربي والجزية للذّمي.\nمقاتل والكلبي: فتح مدائنهم الثلاثة: قسطنطينية وروميّة وعمورية.\nالسّدي: هو إنّه إذا قام المهدي [في آخر الزمان] فتحت قسطنطينية فقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم فذلك خزيهم في الدّنيا.\nوَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ وهو النّار.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٥٣.","vol":"1","page":261},{"text":"إسماعيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: لا تقوم السّاعة حتّى تفتح مدينة هرقل ويؤذّن فيها المؤذنون ويقسّم فيها المال بالترضية فينقلبون بأكثر أموال رآها النّاس قط فبينا هم كذلك إذا أتاهم إنّ الدجّال قد خلفكم في أهليكم فيلقون ما في أيديهم ويجيئونه ويقاتلونه.\nوقال عطاء وعبد الرّحمن بن عوف: نزلت هذه الآية في مشركي عرب مكّة وأراد بالمساجد المسجد الحرام منعوا محمّدا ﷺ وأصحابه من حجّه والصّلاة فيه عام الحديبية وإذا منعوا من تعميره بذكر الله ﷿ فقد سعوا في خرابه يدلّ عليه قوله تعالى: ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ «١» الآية أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلَّا خائِفِينَ يعني أهل مكّة يقول: أفتحها عليكم حتّى تدخلوها أو تكونوا أولى بها منهم ففتحها الله عليهم\nوأمر رسول الله ﷺ: مناديا فنادى: ألا لا يحجّنّ بعد هذا العام مشرك ولا يطوفنّ بالبيت عريان فطفق المشركون يقولون: اللهمّ إنّا قد منعنا أن نشرك بهذا\nلَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ الذّل والقتل والسّبي والنّفي وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ.\nوَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ الآية: اختلفوا في سبب نزولها\nفقال ابن عبّاس: خرج نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضّباب فحضرت الصّلاة فتحروا القبلة وصلّوا فمنهم من صلّى إلى المشرق ومنهم من صلّى إلى المغرب. فلما ذهب الضّباب استبان لهم إنّهم لم يصيبوا. فلمّا قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فنزلت هذه الآية بذلك.\nوقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنّا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة فنزلنا منزلا فجعل الرّجل يتّخذ أحجارا فيعمل مسجدا يصلّي فيه، فلمّا أصبحنا إذا نحن قد صلّينا إلى غير القبلة فقلنا يا رسول الله: لقد صلّينا ليلتنا هذه إلى غير القبلة فأنزل الله هذه الآية.\nقال عبد الله بن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلّي حيثما توجّهت به راحلته تطوعا، وكان رسول الله ﷺ يصلّي على راحلته جائيا من مكّة إلى المدينة.\nوعن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر قال: كان رسول الله ﷺ يصلّي على راحلته في السّفر حيثما توجّهت به «٢» .\nقال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة لما حوّلت إلى الكعبة. فأنزل الله تعالى وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ.\nفَأَيْنَما تُوَلُّوا أيها المؤمنون في سفركم وحضركم.\n_________\n(١) سورة التوبة: ١٧. [.....]\n(٢) كتاب الأم للشافعي: ١/ ١١٨، ومسند أحمد: ٢/ ٦٦.","vol":"1","page":262},{"text":"فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قبلة الله التي وجهكم إليها فاستقبلوها يعني الكعبة، وقال أبو العالية: لما غيّرت القبلة إلى الكعبة عيّرت اليهود المؤمنين في انحرافهم من بيت المقدس. فأنزل الله تعالى هذه الآية جوابا إليهم.\nعطاء وقتادة: نزلت في النجاشي وذلك إنّه توفّي، فأتى جبرئيل النبيّ ﷺ فقال: إنّ أخاكم النجاشي قد مات فصلّوا عليه. فقال أصحاب رسول الله ﷺ: كيف نصلّي على رجل مات وهو يصلي إلى غير قبلتنا؟ وكان النجاشي يصلّي إلى بيت المقدس حتّى مات. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال مجاهد والحسن والضحّاك: لمّا نزلت: وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «١» قالوا أين ندعوه؟ فنزلت وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ملكا وخلقا فَأَيْنَما تُوَلُّوا تحوّلوا وجوهكم فَثَمَّ هناك وَجْهُ اللَّهِ.\nوقال الكلبي والقتيبي: معناه فثمّ الله عليم يرى والوجه صلة كقوله تعالى. يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أيّ يريدونه بالدّعاء، وقوله كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ «٢» . أيّ إلّا هو، وقوله تعالى وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ «٣» أي ويبقى ربّك، وقوله إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ «٤» أيّ لله.\nوقال الحسن ومجاهد وقتادة ومقاتل بن حيان: فثمّ قبلة الله أضافها إلى نفسه تخصيصا وتفصيلا، كما يقال: بيت الله، وناقَةُ اللَّهِ، والوجه والجهة والوجهة: القبلة.\nإِنَّ اللَّهَ واسِعٌ قال الكلبي: واسع المغفرة لا يتعاظم مغفرته ذنب دليله قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ «٥» .\nأبو عبيدة: الواسع الغني يقال: يعطي فلان من سعة أي من غنى قال الله لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ «٦» قال الفراء: الواسع الجواد الذي يسع عطاءه كل شيء. دليله قوله تعالى وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ «٧» وقيل: الواسع العالم الذي يسع علمه كلّ شيء. قال الله وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ «٨» أي علمه.\nعَلِيمٌ بنياتهم حيثما صلّوا ودعوا، وقال بعض السّلف: دخلت ديرا فجاء وقت الصّلاة فقلت لبعض من في الدّير: دلني على بقعة طاهرة أصلي فيها. فقال لي: طهّر قلبك عمّن سواه، وقف حيث شئت. قال: فخجلت منه.\n_________\n(١) سورة غافر: ٦٠.\n(٢) سورة القصص: ٨٨.\n(٣) سورة الرحمن: ٢٧.\n(٤) سورة الإنسان: ٩.\n(٥) سورة النجم: ٣٢.\n(٦) سورة الطلاق: ٧.\n(٧) سورة الأعراف: ١٥٦.\n(٨) سورة البقرة: ٢٥٥.","vol":"1","page":263},{"text":"وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ نزلت في يهود أهل المدينة حيث قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وفي نصارى نجران حيث قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وفي مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله.\n(سُبْحانَهُ) نزّه وعظم نفسه.\nبَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عبيدا وملكا.\nكُلٌّ لَهُ قانِتُونَ مجاهد وعطاء والسّدي: مطيعون دليله قوله تعالى وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ «١» .\nعكرمة ومقاتل ويمان: مقرون بالعبوديّة.\nابن كيسان: قائمون بالشهادة، وأصل القنوت: القيام،\nوسئل رسول الله ﷺ أيّ الصّلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت»\n[١٠١] «٢»، وقيل: مصلّون دليله قوله أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ «٣»\nوقال رسول الله ﷺ: «مثل المجاهد في سبيل الله مثل القانت الصائم»\n[١٠٢] . أيّ المصلّي «٤» .\nوقيل: داعون. دليله قوله تعالى قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ «٥» واختلف العلماء في حكم هذه الآية فقال بعضهم: هو خاص، ثمّ سلكوا في تخصيصه طريقين: أحدهما هو راجع إلى عزير والمسيح والملائكة، وهو قول مقاتل ويمان.\nالقول الثاني قالوا: هو راجع إلى أهل طاعته دون النّاس أجمعين وهذا قول ابن عبّاس والفراء، وقال بعضهم: هو عام في جميع الخلق ثمّ سلكوا في الكفّار الجاحدين طريقتين أحدهما: إنّ ظلالهم تسجد لله وتطيعه، وهذا قول مجاهد دليله قوله ﷿ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ «٦» الآية. قال الله تعالى وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «٧» .\nوالثاني: هذا يوم القيامة قاله السدي وتصديقه قوله تعالى: وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «٨» .\nبَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبتدعها ومنشئها من غير مثال سبق وَإِذا قَضى أَمْرًا أي بيده وأراد خلقه وأصل القضاء إتمام الشيء وإحكامه.\nقال أبو ذؤيب:\nوعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبّع\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٣٥.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٣٠٢، وسنن الدارمي: ١/ ٢٣٩ ح ٣٨٥.\n(٣) سورة الزمر: ٩.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٤٣٨، ومجمع الزوائد: ٥/ ٢٧٥.\n(٥) سورة البقرة: ٢٣٨. [.....]\n(٦) سورة النحل: ٤٨.\n(٧) سورة الرعد: ١٥.\n(٨) سورة طه: ١١١.","vol":"1","page":264},{"text":"فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[سورة البقرة (٢): الآيات ١١٨ الى ١٢٣]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ (١١٩) وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢)\nوَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣)\nوَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يعني اليهود قاله ابن عبّاس.\nمجاهد: هم النّصارى. قتادة: هم مشركو العرب. لَوْلا هلّا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ عيانا بأنك رسوله.\nأَوْ تَأْتِينا آيَةٌ دلالة وعلامة على صدقك.\nقال الله تعالى: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي كفّار الأمم الخالية مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ أشبه بعضها بعضا في الكفر والفرقة والقسوة.\nقَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إِنَّا أَرْسَلْناكَ يا محمّد بِالْحَقِّ بالصدق من قولهم فلان محقّ في دعواه إذا كان صادقا دليله قوله تعالى وَيَسْتَنْبِئُونَكَ «١» أَحَقٌّ هُوَ؟ أي صدق. مقاتل:\nمعناه لن نرسلك عبثا بغير شيء بل أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ، دليله قوله تعالى: وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ «٢» وهو ضد الباطل.\nابن عبّاس: بالقرآن دليله قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ «٣» .\nابن كيسان: بالإسلام دليله قوله ﷿: وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ «٤» بَشِيرًا مبشرا لأوليائي وأهل طاعتي بالثواب الكريم.\nوَنَذِيرًا منذرا مخوفا لأعدائي وأهل معصيتي بالعذاب الأليم.\nوَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ\nعطاء وابن عبّاس: وذلك إنّ النبيّ ﷺ، قال ذات يوم: «ليت شعري ما فعل أبواي» [١٠٣] فنزلت هذه الآية «٥» .\n_________\n(١) سورة يونس: ٥٣.\n(٢) سورة الأحقاف: ٣.\n(٣) سورة ق: ٥.\n(٤) سورة الإسراء: ٨١.\n(٥) تفسير القرآن لعبد الرزاق: ١/ ٥٩، وتفسير الطبري: ١/ ٧١٩.","vol":"1","page":265},{"text":"وقال مقاتل: هو إنّ النّبي ﷺ قال: «لو أنزل الله بأسه باليهود لأمنوا» [١٠٤] «١» . فأنزل الله تعالى: وَلا تُسْئَلُ عَنْ أَصْحابِ الْجَحِيمِ\nوفيه قراءتان: بالجزم على النهي وهي قراءة نافع وشيبة والأعرج ويعقوب ووجهها القول الأول في سبب نزول الآية.\nوقرأ الباقون: بالرفع على النفي يعني: ولست بمسؤول عنهم دليلها قراءة ابن مسعود: ولن تسأل وقراءة أبي: وما نسألك عن أصحاب الجحيم ولا تؤخذ بذنبهم والجحيم وهو الجحم والجحمة: معظم النّار.\nوَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ وذلك إنّهم كانوا يسألون النبيّ ﷺ الهدنة ويطمّعونه ويرون إنّه إن هادنهم اتّبعوه ووافقوه فأنزل الله تعالى هذه الآية وقال ابن عبّاس:\nهذا في القبلة وذلك إنّ يهود أهل المدينة ونصارى نجران كانوا يرجون أن يصلّي النبيّ ﷺ إلى قبلتهم فلمّا صرف الله القبلة إلى الكعبة شقّ ذلك عليهم وأيسوا منه أن يوافقهم على دينهم فأنزل الله: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ دينهم وقبلتهم، وزعم الزجّاج: إنّ الملّة مأخوذة من التأثير في الشيء كما تؤثر الملّة في الموضع الّذي يختبز فيه.\nوَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ البيان بأنّ دين الله هو الإسلام وقبلة إبراهيم ﵇ هي الكعبة.\nما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ قال ابن عباس: نزلت في أهل السفينة الّذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب (﵁) وكانوا أربعين رجلا وإثنا وثلاثون من الحبشة وثمانية من رهبان الشّام منهم بحيرا.\nوقال الضحّاك: من آمن من اليهود عبد الله بن سلام وأصحابه وسعيّة بن عمرو ويمام بن يهودا وأسيد وأسد ابنا كعب وابن يامين وعبد الله بن صوريا.\nقتادة وعكرمة: هم أصحاب محمّد ﷺ.\nوقيل: هم المؤمنون عامّة.\nيَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ الكلبي: يصفونه في كتبهم حقّ صفته لمن سألهم من النّاس وعلى هذا القول الهاء راجعة إلى محمّد ﷺ.\nوقال آخرون: هي عائدة إلى الكتاب ثمّ اختلفوا في معنى قوله يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ سعيد عن قتادة قال: بلغنا عن ابن مسعود في قوله يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ قال: يحلّون حلاله ويحرمون حرامه، ويقرءونه كما أنزل، ولا يحرفونه عن مواضعه، وقال الحسن: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون علم ما أشكل عليهم منه إلى عالمه.\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٢٥، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٢١، وراجع تفسير القرطبي: ٢/ ٩٢.","vol":"1","page":266},{"text":"مجاهد: يتبعونه حقّ اتباعه.\nأُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إلى قوله وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٢٤ الى ١٢٩]</span>\nوَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤) وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)\nرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)\nقرأ أبو الشعثا جابر بن زيد: إِبْراهِيمُ رَبَّهُ إبراهيم رفعا وربه نصبا على معنى سأل ودعا فقيل له ومن اين لك هذا؟ فقال: اقرأنيه ابن عباس. وهذا غير قوي لأجل الباء في قوله بِكَلِماتٍ وقرأ الباقون بالنّصب، وجعلوا معنى الابتلاء الاختيار والامتحان في الأمر، وهو الصحيح، وفي إِبْراهِيمَ أربع لغات: قرأ ابن الزبّير: ابرهام بألف واحد بين الهاء والميم، وقرأ أبو بكر إبراهم وكان زيد بن عمر يقول في صلاته: إني عذت بما عاذ به إبراهيم، إذ قال:\nإني لك اللهم عان راغم «١»\nوقرأ عبد الله بن عامر اليحصبي: ابراهام بألفين، وقرأ الباقون: إِبْراهِيمَ [... قال يحيى بن سعيد] «٢» الأنصاري: أقرأ ابراهام وإِبْراهِيمَ. فأن الله ﷿ أنزلهما كما أنزل يعقوب وإسرائيل، وعيسى والمسيح ومحمّدا وأحمد.\nالربيع ابن عامر: مصحفة مكتوب في مصاحف أهل الشام إبراهام بالألف وفي غيرها بالياء.\nوإبراهيم اسم أعجمي ولذلك لا يجري وهو إبراهيم بن نازح بن ناحور بن ساروخ بن ارخوا بن فالغ بن منابر بن الشالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح. فاختلفوا في مسكنه، فقال بعضهم: كان [بكشكر،] «٣» وقال قوم: حرّان ولكن أباه نقله إلى بابل أرض نمرود بن كنعان\n_________\n(١) ومطلعه: مستقبل القبلة وهو قائم.\n(٢) مجموعة كلمات سقط في المخطوط.\n(٣) كذا في المخطوط.","vol":"1","page":267},{"text":"واختلفوا في الكلمات التي ابتلى إبراهيم ﵇:\nعن ابن عبّاس: هي ثلاثون سهما، وهي شرائع الإسلام، ولم يبتل أحد بهذا الدّين كلّه فأقامه كلّه إلّا إبراهيم (﵊) .\nفَأَتَمَّهُنَّ فكتب له البراءة. فقال: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى وهي عشرة في براءة التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الآية وعشرة في الأحزاب إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية، وعشرة في المؤمنين سَأَلَ سائِلٌ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وقوله إِلَّا الْمُصَلِّينَ.\nوروى طاوس عن ابن عبّاس قال: ابتلاه بعشرة أشياء هي من الفطرة والطّهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد فالّتي في الرأس قصّ الشارب والمضمضة والاستنشاق والسّواك وفرق الرأس، والّتي في الجسد: تقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء.\nمجاهد: هي الآيات الّتي في قوله: قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمامًا إلى آخر القصّة.\nالربيع وقتادة: مناسك الحج.\nالحسن: ابتلاه بسبعة أشياء ابتلاه بالكواكب والقمر والشمس فأحسن في ذلك وعلم أنّ ربّه دائم لا يزول وابتلاه بالنّار فصبر على ذلك، وابتلاه بذبح ابنه فصبر على ذلك وبالختان فصبر على ذلك وبالهجرة فصبر عليه.\nسعيد بن جبير: هي قول إبراهيم وإسماعيل حين يرفعان البيت رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا «١» فرفعاه بسبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر.\nيمان: هي محاجّة قومه قال الله: وَحاجَّهُ قَوْمُهُ إلى قوله تعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ «٢» .\nأبو روق: هي قوله ﵇ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ الآيات وقال بعضهم: هي إنّ الله ابتلاه في ماله وولده ونفسه فسلم ماله إلى الضيفان، وولده إلى القربان، ونفسه إلى النيران، وقلبه إلى الرّحمن فاتخذه خليلا، وقيل: هي سهام الإسلام وهي عشرة: شهادة أن لا اله إلّا الله وهي الملّة والصلاة وهي القنطرة.. قال: [والزكاة] «٣» وهي الطهارة والصّوم وهو الجنّة والحج وهو الشريعة، والغزو وهو النّصرة، والطاعة وهي العصمة، والجماعة وهي الألفة، والأمر بالمعروف وهو الوفاء والنهي عن المنكر وهو الحجّة. فَأَتَمَّهُنَّ.\nقال قتادة: أدّاهن.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٢٧.\n(٢) سورة الأنعام: ٨٣. [.....]\n(٣) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.","vol":"1","page":268},{"text":"الربيع: وفى بهنّ.\nالضّحاك: [... أيمانهن] «١»، يمان: عمل بهن. قال الله إِنِّي جاعِلُكَ يا إبراهيم لِلنَّاسِ إِمامًا ليقتدي بك وأصله من الأم وهو القصد.\nقالَ إبراهيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ومن أولادي أيضا. فاجعل أئمّة يقتدى بهم وأصل الذريّة الأولاد الصغار مشتق من الذر لكثرته، وقيل: من الذرر وهو الخلق فخفف الهمز وأدخل التشديد عوضا عن الهمز كالبرّيّة.\nقيل: من الذرو وفيها ثلاث لغات:\nذريّة بكسر الذال، وهي قراءة زيد بن ثابت، وذريّة بفتحها وهي قراءة أبي جعفر، وذريّة بضمها وهي قراءة العامّة.\nقالَ الله لا يَنالُ أي لا يصيب.\nعَهْدِي الظَّالِمِينَ وفيه ثلاث قراءات: عهدي الظالمون، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة ابن مصرف، وعَهْدِي الظَّالِمِينَ مرتجلة الياء، وهي قراءة أبي رجاء والأعمش وحمزة، وعهديَ الظالمين بفتح الياء وهي قراءة العامّة، واختلفوا في هذا العهد فقال عطاء بن أبي رباح:\nرحمتي.\nالضحّاك: طاعتي دليله قوله: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ «٢» .\nالسّدي: [التوفي] دليله قوله الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ «٣» .\nمجاهد: ليس الظالم أن يطاع في ظلمه.\nأبو حذيفة: أمانتي دليله قوله وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ «٤» .\nأبو عبيد: أماني دليله قوله: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ «٥»، وقيل: إيماني دليله ﷿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ «٦» .\nوَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ يعني الكعبة.\nمَثابَةً مرجعا والمثاب والمثابة واحد كالمقام والمقامة قال ابن عبّاس: يعني معاذا وملجأ.\nمجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك: [يثبون] إليه من كلّ جانب ويحجّون ولا يملّون منه فما من أحد قصده إلّا وهو يتمنى العود إليه.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) سورة البقرة: ٤٠.\n(٣) سورة البقرة: ٢٧.\n(٤) سورة النحل: ٩١.\n(٥) سورة التوبة: ٤.\n(٦) سورة يس: ٦٠.","vol":"1","page":269},{"text":"قتادة وعكرمة: مجمعا، وقرأ طلحة بن مصرف: مثابات على الجمع.\nلِلنَّاسِ وَأَمْنًا مأمنا يأمنون فيه.\nقال ابن عبّاس: فمن أحدث حدثا خارج الحرم ثمّ التجأ إلى الحرم أمن من أن يهاج فيه ولكن لا يؤوى ولا يخالط ولا يبايع ويوكلّ به فإذا خرج منه أقيم عليه الحد ومن أحدث في الحرم أقيم عليه الحدّ فيه.\nوَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قرأ شيبة وابن عامر ونافع والأعرج والحسن وابن أبي إسحاق وسلام: واتَّخَذوا بفتح الخاء على الخبر وقرأ الباقون: بالكسر على الأمر.\nقال ابن كيسان: ذكروا أن رسول الله ﷺ مرّ بالمقام ومعه عمر بن الخطّاب ﵁ فقال: يا رسول الله أليس هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: «بلى» قال: أفلا نتخذه مصلّى؟\nقال: «لم أؤمر بذلك» [١٠٥] «١» .\nفلم تغب الشمس من يومهم حتّى نزلت: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى.\nوعن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطّاب ﵁: وافقني ربي في ثلاث.\nقلت: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلّى فأنزل الله وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وقلت يا رسول الله: يدخل عليك البر والفاجر فلو حجبت أمهات المؤمنين فأنزل الله آية الحجاب قال:\nوبلغني شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبيّ ﷺ فاستنفرتهنّ فجعلت أقول لهنّ: لتكفنّ عن رسول الله أو استبدلته أزواجا خيرا منكنّ حتّى أتيت على آخر أمهات المؤمنين.\nوقالت أمّ سلمة: يا عمر أما في رسول الله ما يغبط نساءه حتّى يعظهن مثلك وأمسكت فأنزل الله تعالى: عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ «٢» الآية.\nواختلفوا في معنى قوله مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ قال إبراهيم النخعي: الحرم كلّه مقام إبراهيم.\nيمان: المسجد كلّه مقام إبراهيم.\nقتادة ومقاتل والسّدي: هو الصّلاة عند مقام إبراهيم أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله.\nوأمّا قصّته وبدء أمره.\nفروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: لما أتى إبراهيم بإسماعيل وهاجر فوضعهما بمكّة ولبث على ذلك مدة، ونزلها الجرهميّون وتزوج إسماعيل امرأة منهم، وماتت هاجر. فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل. فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر\n_________\n(١) مسند أبي الجعد: ٣٧، تفسير ابن كثير: ١/ ١٧٤.\n(٢) سورة التحريم: ٥.","vol":"1","page":270},{"text":"فذهب إلى بيت إسماعيل. فقال لامرأته: أين صاحبك؟\nقال: ليس هاهنا. ذهب للصيد، وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصيد ثمّ يرجع. فقال لها إبراهيم: هل عندك ضيافة؟ هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: ليس عندي ولا عندي أحد.\nقال إبراهيم: إذ جاء زوجك فأقرئيه السّلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه، وذهب إبراهيم، فجاء إسماعيل ووجد ريح أبيه. فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟\nقالت: جاءني شيخ صفته كذا، كالمستخفة بصفته. قال: فما قال لك؟\nقالت: قال لي أقرئي زوجك مني السّلام، وقولي له: فليغير عتبة بابه. فطلّقها، وتزوج أخرى. فلبث إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثمّ استأذن سارة أن يزور إسماعيل فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل، وجاء إبراهيم حتّى أتى إلى بيت إسماعيل.\nفقال إبراهيم لامرأته: أين صاحبك؟\nقالت: ذهب يتصيّد وهو يجيء الآن إنشاء الله فأنزل يرحمك الله.\nقال لها: هل عندك ضيافة؟\nقالت: نعم فجاءت باللّبن واللّحم فدعا لهما بالبركة فلو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير أو تمر لكانت أرض الله برّا وشعيرا وتمرا وقالت له: انزل حتّى أغسل رأسك فلم ينزل فجاء بالمقام فوضعته تحت شقّه الأيمن فوضع قدمه عليه وغسلت شقّ رأسه الأيمن ثمّ حوّلت المقام إلى شقّه الأيسر فبقى أثر قدمه عليه فغسلت شقّ رأسه الأيسر فقال لها: إذا جاء زوجك فأقريه السّلام وقولي له: قد استقامت عتبة بابك. فلمّا جاء إسماعيل وجد ريح أبيه فقال لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: نعم، شيخ أحسن النّاس شبها وأطيبهم ريحا فقال لي كذا وقلت له كذا وغلست رأسه وهذا موضع قدميه على المقام فقال لها: ذلك إبراهيم ﵇ «١» .\nوقال أنس بن مالك: رأيت في المقام أثر أصابعه وعقبه وأخمص قدميه غير إنّه أذهبه مسح النّاس بأيديهم.\nنافع بن شيبة يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: أشهد ثلاث مرّات أنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنّة طمس الله نورهما ولولا أن طمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب» [١٠٦] «٢» .\nعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أي أمرناهما وأوصينا إليهما.\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ١/ ١٨١ ط. الأعلمي بيروت.\n(٢) المجموع للنووي: ٨/ ٣٦، ومسند أحمد: ٢/ ٢١٣.","vol":"1","page":271},{"text":"أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ الكعبة أي ابنياه على الطّهارة والتوحيد.\nوقال سعيد بن جبير وعبيد بن عمر وعطاء ومقاتل: طَهِّرا بَيْتِيَ من الأوثان والرّيب وقول الزور، وسمع عمر ﵁ صوت رجل في المسجد فقال: ما هذا أتدري أين أنت؟\nالأوزاعي عن عهدة بن أبي لبابة عن زر بن حبيش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول:\nقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله أوحى إليّ يا أخ المرسلين يا أخا المنذرين أنذر قومك ألّا يدخلوا بيتا من بيوتي إلّا بقلوب سليمة وألسن صادقة وأيد نقيّة وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة فإنّي ألعنه ما دام قائما بين يديّ يصلّي حتّى يردّ تلك الظلامة إلى أهلها فأكون سمعه الّذي يسمع به وأكون بصره الّذي يبصر به ويكون من أوليائي وأصفيائي ويكون جاري مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ» [١٠٧] «١» .\nوقال يمان بن رئاب: معناه بخّراه وخلقاه «٢» .\nمكحول عن معاذ بن جبل عن رسول الله ﷺ قال: «جنّبوا مساجدكم غلمانكم «٣» - يعني صبيانكم ومجانينكم- وسلّ سيوفكم ورفع أصواتكم وحدودكم وخصومكم وبيعكم وشراءكم وحمّروها يوم جمعتكم واجعلوا على أبوابها بظاهركم» [١٠٨] «٤» .\nوقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وجعفر وأهل المدينة: (بَيْتِيَ) بفتح الياء وقرأ الآخرون:\nباسكانه وإضافته تعالى إلى نفسه سبحانه تخصيصا وتفضيلا.\nلِلطَّائِفِينَ حوله وهم النزاح إليه من آفاق الأرض. وَالْعاكِفِينَ أي المقيمين فيه وهم سكّان الحرم. وَالرُّكَّعِ جمع الرّاكع. السُّجُودِ جمع الساجد مثل قاعد وقعود.\nقال عطاء: إذا كان طائفا فهو من الطائفين وإذا كان جالسا فهو من الْعاكِفِينَ وإذا كان مصلّيا فهو من الرُّكَّعِ السُّجُودِ.\nالأوزاعي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في كلّ يوم وليلة عشرين ومائة رحمة ينزل على هذا البيت فستون للطائفين وأربعون للمصلّين وعشرون للناظرين» [١٠٩] «٥» .\n_________\n(١) كنز العمال: ١٥/ ٩٣٣، وتفسير القرطبي: ٢/ ١١٥.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ١١٤.\n(٣) في المصادر لا يوجد غلمانكم وما هو موجود: جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ... [.....]\n(٤) المجموع للنووي: ٢٠/ ١٣٢، وسنن ابن ماجة: ١/ ٢٤٧ ح ٧٥٠ ز.\n(٥) تاريخ دمشق: ٣٤/ ٣٨٨.","vol":"1","page":272},{"text":"وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا يعني مكّة أو الحرم.\nبَلَدًا آمِنًا أي مأمونا فيه يأمن أهله.\nوَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قال الأخفش: مَنْ آمَنَ بدل من أَهْلَهُ على البيان، كما يقال: أخذت المال ثلثيه ورأيت القوم ناسا منهم، وهذا ابدال البعض من الكلّ كقوله: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «١» .\nقالَ الله. وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا فسأرزقه إلى منتهى أجله لأنه تعالى وعد الرزق للخلق كافة كافرهم ومؤمنهم وقيد بالقلة لأن متاع الدنيا قليل. قرأ معاوية وابن عامر: فَامْتِعْهُ بضم الألف وجزم الميم خفيفة، وقرأ أبي: فنمتعه قليلا ثمّ نضطره بالنون.\nثُمَّ أَضْطَرُّهُ موصولة الألف مفتوحة الراء على عهد الدّعاء من إبراهيم ﵇، وقرأ الباقون: فَأُمَتِّعُهُ بضم الألف مشدّدة ثُمَّ أَضْطَرُّهُ على الخبر أيّ الجنة في الآخرة إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ أيّ المرجع تصير إليه.\nوَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ روى الرواة من أسانيد مختلفة في بناء الكعبة جمعت حديثهم ونسقته ليكون أحسن في المنطق وأقرب إلى الفهم.\nقالوا: خلق الله ﷿ موضع البيت قبل الأرض بألفي عام، فكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحتها. فلما أهبط الله ﷿ آدم إلى الأرض كان رأسه يمسّ السّماء حتّى صلع وأورث أولاده الصّلع ونفرت من طوله دواب الأرض فصارت وحشا من يومئذ، وكان يسمع كلام أهل السّماء ودعاءهم وتسبيحهم، يأنس إليهم فهابته الملائكة واشتكت نفسه. فنقصه الله ﷿ إلى ستين ذراعا بذراعه. فلمّا فقد آدم ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش، وشكا ذلك إلى الله ﷿. فأنزل الله ياقوتة من يواقيت الجنّة الكلام مقطوع له بابان من زمرّد أخضر باب شرقي وباب غربي فأنزل الله فيه قناديل من الجنّة فوضعه على موضع البيت إلى الآن ثمّ قال: يا آدم إنّي أهبطت لك بيتا تطوف به كما يطاف حول عرشي، وتصلّي عنده كما يصلّى عند عرشي.\nفأنزل عليه الحجر. فمسح به دموعه وكان أبيض فلما لمسته الحيّض في الجاهلية أسود.\nوقال النبيّ ﷺ: «إنّما الحجر ياقوتة من يواقيت الجنّة ولولا ما مسه المشركون بأنجاسهم ما مسّه ذو عاهة إلّا شفاه الله تعالى» [١١٠] «٢» .\nفتوجه آدم من أرض الهند إلى مكّة ماشيا وقيّض «٣» الله له ملكا يدلّه على البيت.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ٩٧.\n(٢) في هامش المخطوطة: قيض: تقدير.\n(٣) بتفاوت في الجامع الصغير: ١/ ٥٨٧ ح ٣٨٠٣، والعهود المحمدية: ٢٢٤.","vol":"1","page":273},{"text":"قيل لمجاهد: يا أبا الحجّاج ألّا كان يركب؟\nقال: فأي شيء كان يحمله فوالله إن خطوه مسيرة ثلاثة أيّام وكلّ موضع وضع عليه قدمه عمران وما تعدّاه مفاوز وقفار فأتى مكّة وحجّ البيت وأقام المناسك فلمّا فرغ تلقّته الملائكة فقالوا: برّحجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.\nقال ابن عبّاس: حجّ آدم أربعين حجّة من الهند إلى مكّة على رجليه فهذا بدء أمر الكعبة فكانت على ذلك إلى أيّام الطّوفان فرفعه الله إلى السّماء الرابعة فهو البيت المعمور يدخله كلّ يوم سبعون ألف ملك ثمّ لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وبعث الله جبرائيل حتّى خبّأ الحجر الأسود في جبل أبي قبيس صيانة عن الغرق فكان موضع البيت خاليا إلى زمن إبراهيم ﵇ ثمّ إنّ الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بعد ما ولد له إسماعيل وإسحاق ببناء بيت له يعبد ويذكر فيه فلم يدر إبراهيم أين خبّئ فسأل الله تعالى أن يبيّن له موضعه فبعث الله إليه السكينة ليدلّه على موضع البيت وهي ريح جموح لها رأسان شبه الحيّة فتبعها إبراهيم إلى أن أتيا مكّة فطوّق الله السكينة على موضع البيت كتطويق الحيّة الحجفة وأمر إبراهيم أن يبني حيث تستقر السّكينة فبناه وهذا قول علي والحسن بن أبي الحسن\n، وقال ابن عبّاس: بعث الله سحابة على قدر الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يمشي في ظلمات إلى أن وافت مكّة ووقفت على موضع البيت، ونودي: أن يا إبراهيم ابني على ظلّها لا يزد ولا تنقص فبنى بخيالها.\nوقال بعضهم: أرسل الله جبرائيل ليدلّه على موضع فذلك قوله وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ «١» فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت، جعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة.\nقال الثّعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن محمّد بن أحمد القطان البلخي وكان عالما بالقرآن يقول: كان إبراهيم يفهم بالسريانية وإسماعيل بالعربيّة وكلّ واحد منهما يعرف ما يقول صديقه وما يمكن التفوّه به وكان إبراهيم يقول لإسماعيل: هبلي كنيا يعني: ناولني الحجر، ويقول إسماعيل: هاك الحجر خذه.\nقالوا: فبقي موضع الحجر فذهب إسماعيل إليه فجاء جبرئيل بحجر من السّماء فأتى إسماعيل وقد ركّب إبراهيم الحجر في موضعه فقال له: من آتاك بهذا؟\nفقال: آتاني به من لم يتّكل على بناءك فأقاما البيت فذلك قوله: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ «٢» .\nقال ابن عبّاس: يعني أصول البيت الّتي كانت قبل ذلك.\n_________\n(١) سورة الحج: ٢٦.\n(٢) سورة البقرة: ١٢٧.","vol":"1","page":274},{"text":"الكلبي وأبو عبيدة: أساسه واحدته قاعدة فبنياه من خمسة أجبل طور سيناء [... وطور سينا والجودي] «١» وبنيا قواعده من حراء، فلمّا انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: جئني بحجر حسن يكون للناس علما فأتاه بحجر فقال له: جئني بحجر أحسن من هذا، فمضى إسماعيل بطلبه فصاح أبو قبيس «٢» يا إبراهيم إنّ لك عندي وديعة فخذها فأخذ الحجر الأسود ووضعه مكانه.\nوقيل: إنّ الله تعالى مدّ لإبراهيم وإسماعيل بسبعة أملاك يعينونهما على بناء البيت فلمّا فرغا من بنائه قالا: رَبَّنا تَقَبَّلْ أي تقبل منّا بناءنا البيت. إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بنيّاتنا.\nرَبَّنا وَاجْعَلْنا موحّدين مطيعين مخلصين لَكَ.\nوقرأ عون بن أبي جميلة: مُسْلِمِينَ بكسر الميم على الجمع.\nوَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أولادنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا علمنا نظيره قوله لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي: علّمك الله وفيه أربع قراءات:\nعبد الله بن مسعود: وأرهم مناسكهم ردّه إلى الأمّة.\nوقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وابن كثير ورويس بسكون الرّاء كل القرآن.\nوقرأ أبو عمرو: باختلاس كسره للواو.\nوقرأ الباقون: بكسر الرّاء والأصل فيها أرانا بالهمز فحذفت استخفافا.\nفمن قرأ بالجزم قال: ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الرّاء ساكنة على حالها واستدل بقول السدي: أرنا إداوة عبد الله نملأها من ماء زمزم إنّ القوم قد ظمئوا.\nومن كسر فإنّه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الرّاء.\nوأمّا أبو عمرو فطلب الخفّة.\nوأخبر القاسم بن سلام عن شجاع بن أبي نصر قال، وكان أمينا صدوقا: إنّه رأى النبيّ ﷺ في المنام فذكّره أشياء من حرف أبي عمرو فلم يردّ عليه إلّا حرفين أحدهما هذا والأخر: ما ننسخ من آية أو ننسأها مهموزة.\nمَناسِكَنا شرائع ديننا وإعلام حجّتنا.\nوقال مجاهد: مذابحنا والنسك: الذّبيحة، وأصل النسك: العبادة يقال للعابد ناسك قال\n_________\n(١) كلمات غير مقروءة.\n(٢) في هامش المخطوطة: وهو جبل بمكة.","vol":"1","page":275},{"text":"الشّاعر:\nوقد كنت مستورا كثير تنسّك ... فهتكت أستاري ولم يبق لي نسكا\nفأجاب الله دعاءهما وبعث جبرئيل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلمّا بلغ عرفات قال لإبراهيم: عرفت يا إبراهيم؟\nقال: نعم فسمّي الوقت عرفه والموضع عرفات.\nوَتُبْ عَلَيْنا تجاوز عنّا وارجع علينا بالرأفة والرحمة.\nإِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ المتجاوز الرجّاع بالرحمة على عبادك. الرَّحِيمُ.\nرَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ أي في الأمّة المسلمة من ذريّة إبراهيم وإسماعيل.\nوقيل: في أهل مكّة رَسُولًا أي مرسلا وهو فعول من الرسالة.\nوقال ابن الأنباري: يشبه أن يكون أصله من قولهم ناقة مرسال ورسله إذا كانت سهلة السّير ماضية أمام النواق.\nويقال للجماعة المهملة المرسلة: رسل وجمعه أرسال.\nويقال: جاء القوم إرسالا أيّ: بعضهم في أثر بعض، ومنه قيل للّبن رسلا لأنّه يرسل من الضّرع «١» .\nيَتْلُوا يقرأ عَلَيْهِمْ آياتِكَ كتابك جمع الآية وهي العلامة.\nوقيل: الآية جماعة الحروف.\nوقال الشيباني: هي قولهم: خرج القوم بما فيهم أي بجماعتهم.\nوَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ فقال بعضهم: الآية هاهنا الكتاب فنسّق عليه خلاف اللفظين كقول الحطيئة:\nألا حبّذا هند وأرض بها هند ... وهند تفصيل اتى من دونها النّأي والبعد\nمجاهد: يعني الحكمة فهم القرآن.\nمقاتل: هي مواعظ القرآن وما فيه من الأحكام وبيان الحلال والحرام.\nابن قتيبة: هي العلم والعمل ولا يسمّى الرّجل حكيما حتّى يجمعهما.\nوعن أبي بكر محمّد بن الحسن البريدي: كلّ كلمة وعظتك أو زجرتك أودعتك إلى\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ١٣١.","vol":"1","page":276},{"text":"مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة وحكم، ومنه\nقول النبيّ ﷺ: «إنّ من الشّعر لحكمة»\n[١١١] «١» .\nوعن أبي جعفر محمّد بن يعقوب: الحكمة كلّ صواب من القول ورّث فعلا صحيحا أو حالا صحيحا.\nيحيى بن معاذ: الحكمة جند من جنود الله يرسلها إلى قلوب العارفين حتّى يروّح عنها وهج الدّنيا، وقيل: هي وضع الأشياء مواضعها، وقيل: الحكمة والحكم كلّما وجب عليك فعله.\nقال الشّاعر:\nقد قلت قولا لم يعنّف قائله ... الصمت حكم وقليل فاعله\nأي واجب العمل بالصمت.\nوقيل: هي الشرك والذّنوب، وقيل: أخذ زكاة أموالهم.\nوقال ابن كيسان: يشهد لهم يوم القيامة بالعدالة إذا شهدوا الأنبياء بالبلاغ، دليله قوله تعالى: كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا «٢» .\nإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ ابن عبّاس: العزيز الّذي لا يوجد مثله، بيانه قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٣» .\nالكلبي: العزيز المنتقم ممّن يشاء بيانه قوله وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ «٤» .\nالكسائي: العزيز الغالب بيانه قوله وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ «٥»: أي غلبني.\nوقيل في المثل: من عزيز.\nابن كيسان: العزيز الّذي لا يعجزه شيء بيانه قوله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ «٦» .\nالمفضّل بن سلمة: العزيز المنيع الّذي لا تناله الأيدي فلا يردّ له أمر ولا يغلب فيما أراد بيانه قوله إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ «٧» .\n_________\n(١) كنز العمال: ٣/ ٨٦٥، ولسان العرب: ١٢/ ١٤١.\n(٢) سورة البقرة: ١٤٣.\n(٣) سورة الشورى: ١١.\n(٤) سورة آل عمران: ٤. [.....]\n(٥) سورة ص: ٢٣.\n(٦) فاطر: ٤٤.\n(٧) سورة هود: ١٠٧.","vol":"1","page":277},{"text":"وقيل: بمعنى المعزّ فعيل بمعنى مفعل بيانه قوله وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ «١» .\nوقيل: هو القوي بيانه قوله فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ «٢» أي قوّينا. فأصل العزّة في اللّغة الشدّة يقال تعزز لحم النّاقة إذا اشتدّ ويقال: عزّ عليّ أي شقّ عليّ وأشتد، وأنشد أبو عمرو:\nأجد إذا ضمرت تعزّز لحمها ... وإذا نشد بتسعها لا تيئس\nفاستجاب الله دعاء إبراهيم وبعث فيهم محمّدا سيّد الأنبياء ولذلك\nقال رسول الله ﷺ:\n«إنّي عبد الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيّين وإنّ آدم لمجدل في طينة «٣» وسوف أنبئكم بذلك دعوة إبراهيم وبشارة عيسى (﵉) قومه، ورؤيا أمي التي رأت إنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام وكذلك ترى أمّهات النبيّين» [١١٢] «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٠ الى ١٣٤]</span>\nوَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهًا واحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)\nسعيد بن سويد عن العرياض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ الآية.\nوذلك إن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجر إلى الإسلام فقال لهما: قد علمتما إنّ الله ﷿ قال في التوراة: إنّي باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون، فأسلم سلمة وأبى مهاجرا أن يسلم فأنزل الله تعالى. وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ أي يترك دينه وشريعته.\nيقال: رغب في الشيء إذا أردته ورغبت عنه إذا تركته.\nوأصل الرّغبة: رفع الهمّة عن الشيء وإليه يقال: رغب فلان في فلان وإليه إذا همّت نفسه إليه، والأصل فيه الكرة فمعنى قوله تعالى وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ أي يرفع همّته عنها إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ٢٦.\n(٢) يس: ١٤.\n(٣) في المصادر: طينته.\n(٤) بتفاوت في مسند أحمد: ٤/ ١٢٧، وفتح الباري: ٦/ ٤٢٦.","vol":"1","page":278},{"text":"قال ابن عبّاس: حيّر نفسه.\nحيّان عن الكلبي: ظلّ من [جهة] نفسه «١» .\nأبو روق: عجّز رأيه عن نفسه.\nيمان: حمق رأيه، ونفسه منصوب في هذه الأقاويل بنزع حرف الصّفة.\nوقال الفرّاء: نصب على التفسير، والأصل: سفهت نفسه فلمّا أضاف الفعل إلى صاحبها خرجت النفس مفسّرة ليعلم موضع السفه كما يقال: ضقت به ذرعا معناه: ضاق ذرعي به، ويقال: ألم زيد رأسه ووجع بطنه.\nوقال أبو عبيدة: سفه نفسه: أي أوبق نفسه وأهلكها.\nهشام وابن كيسان: جهل نفسه.\nوحكى المفضّل بن سلمة عن بعضهم سفه. حقّر نفسه.\nوالنفس على هذه الأقوال نصب لوقوع الفعل عليه وهذا كما\nجاء في الخبر: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه»\n[١١٣] «٢» .\nوأصل السفه والسفاهة: الخفّة والجهل وضعف الرأي يقال سفه يسفه وسفه يسفه.\nوَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ اخترناه فِي الدُّنْيا وأصل الطاء فيه تاء حوّلت طاء لقرب مخرجيها ولتطوع اللسان به.\nوَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ الفائزين. قال الزجّاج وقال ابن عبّاس: يعني مع آبائه الأنبياء في الجنّة بيانه قوله: خطابه عن يوسف تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ «٣» .\nوقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها لقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة بأنّه لمن الصالحين نظيرها في سورة النحل. إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ أي استقم على الإسلام أو اثبت عليه لأنّه كان مسلما كقوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «٤» أي أثبت على علمك.\nوقال ابن عبّاس: إنّما قال له ذلك حين ألقي في النّار، وعن ابن كيسان: أخلص دينك لله بالتوحيد.\nعطاء: أسلم نفسك إلى الله، وفوّض أمورك لله، وقيل: اخضع واخشع.\n_________\n(١) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٣٢ ونسبه للزجاج.\n(٢) مناقب الخوارزمي: ٣٧٥، وفيض القدير: ٥/ ٦٤ ح ٦٤١٦.\n(٣) سورة يوسف: ١٠١.\n(٤) سورة محمد: ١٩.","vol":"1","page":279},{"text":"قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَوَصَّى في مصحف عبد الله: فوصّى، وقال أهل المدينة والشام: وأوصى بالألف، وكذلك هو في مصاحفهم.\nقال أبو عبيد: وكذلك رأيت في مصحف عثمان، وقرأ الباقون «وَوَصَّى» مشددا، وهما لغتان، يقال: أوصيته قد وصيته به إذا أمرته به مثل: أنزل ونزّل. قال الله فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا «١»، وتصديق الإيصاء قوله يُوصِيكُمُ اللَّهُ «٢»، وقوله يُوصِينَ «٣»، ودليل التوصية قوله وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا «٤»، وقوله فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً «٥» .\nالكلبي ومقاتل: يعني كلمة الآحاد لا إله إلّا الله، وقال أبو عبيدة: إن شئت رددت الكناية إلى الملّة لأنّه ذكر ملّة إبراهيم وأن شئت رددتها إلى الوصية.\nوقال المفضل: بالطاعة كناية عن غير مذكور، كقوله حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ «٦»، وقال طرفة:\nعلى مثلها الحواء إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك عنها وافتدي\nأي من الفلاة.\nبِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ التمنية: إسماعيل وأمّه هاجر القبطية، وإسحاق وأمّه سارة، ومدين و[... سراين] «٧» ونقشان، وآتون، ويشبق، وشوخ، وأمّهم جميعا- قطورا بنت يقطن الكنعانية تزوّجها إبراهيم بعد وفاة سارة.\nوقوله تعالى وَيَعْقُوبُ وسمي بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدّم عيص في الخروج من بطن أمّه وخرج يعقوب على أثره فأخذ يعقبه. قاله ابن عبّاس وقد مضت القصّة.\nوقيل: سمّي يعقوب لكثرة عقبه،\nوعن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت على أثر ثمانية آلاف نبيّ أربعة آلاف من بني إسرائيل» [١١٤] «٨» .\nومعنى الآية: ووصى بها أيضا، ويعقوب: بنيه الأثني عشر وهم روفيل أكبر ولده وشمعون ولاوي وهودا وفريالون وسجر ودان ومفتالي وجاد واشرب «٩» ويوسف وابن يافين.\n_________\n(١) سورة الطارق: ١٧.\n(٢) سورة النساء: ١١.\n(٣) سورة النساء: ١٢. [.....]\n(٤) سورة العنكبوت: ٨.\n(٥) سورة يس: ٥٠.\n(٦) سورة ص: ٣٢.\n(٧) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٨) كنز العمال: ١١/ ٤٨٣ ح ٣٢٢٨٠، والبداية والنهاية: ٢/ ١٨٣.\n(٩) في تفسير الطبري (١/ ٧٩٠): لاوي ويهوذا وريالون ويشجر ونفثالي وجاد واشرب ويوسف ويعقوب وشمعون ودان وبنيامين.","vol":"1","page":280},{"text":"يا بَنِيَّ معناه أن يا بنيّ، وكذلك في قراءة أبي وابن مسعود، وقال الفراء: إنّما قال ذلك لأنّ الوصية قول وكان تقديره وقال: يا بنيّ كقوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ «١» أي وقال لهم لأنّ العبرة بالقول وقال يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ «٢» معناه ويقول لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ.\nوقال الشاعر:\nإنّي سأبدي لك فيما أبدي ... من شجنان شجن نجد وشجن لي ببلاد الهند\nأي وأقول لأنّ الإبداء في المعنى كالقول باللسان.\nوحكى ابن مجاهد عن بعضهم ويعقوب أيضا نسقا على بنيه لأنه في جملة الموصين.\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ اختار لكم الإسلام.\nفَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ مؤمنون وقيل: مخلصون وقيل: مفوضون وعن الفضيل ابن عياض في قوله: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي محسنون بربّكم الظن.\nأَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ حضورا.\nإِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ الآية نزلت في اليهود حين قالوا للنبيّ ﷺ: ألست تعلم إنّ يعقوب يوم مات أوصى بنيه باليهودية «٣»؟ وعلى هذا القول [.......] «٤» بن الخطاب لليهود.\nوقال الكلبي: لمّا دخل يعقوب مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيّران فجمع ولده وخاف عليهم ذلك.\nإِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قال عطاء: إنّ الله لم يقبض نبيّا حتّى يخيّره بين الموت والحياة فلمّا خيّر يعقوب قال: أنظرني حتّى أسأل ولدي وأوصيهم ففعل الله ذلك به، فجمع ولده وولد ولده وقال لهم: قد حضر أجلي فما تعبدون من بعدي؟ أي من بعد موتي.\nقالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ الآية، وقرأ أبي: إلهك وإله إبراهيم وإسماعيل.\nوقرأ يحيى بن يعمر الجحدري: وإله أبيك على الواحد، قالوا: لأنّ إسماعيل عم يعقوب لا أبوه.\nوقرأ العامّة: آبائِكَ على الجمع وقالوا: عم الرّجل صنو أبيه.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٩.\n(٢) سورة النساء: ١١.\n(٣) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٣٣.\n(٤) كلمة غير مقروءة.","vol":"1","page":281},{"text":"قال النبيّ ﷺ: «هذا بقية آبائي»\n[١١٥]،\nوقال أيضا: «ردّوا عليّ أبي فإني أخشى أن يفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود» [١١٦] . يعني العبّاس.\nوالعرب تسمّي العمّ أبا وتسمّي الخالة أمّا قال الله تعالى وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ «١» يعني يعقوب وليّا وهي خالة يوسف.\nإِلهًا واحِدًا أي نعرفه ونعبده إلها واحدا.\nوَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ جماعة قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ من الدين والعمل.\nوَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ منها.\nوَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٥ الى ١٣٧]</span>\nوَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥) قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)\nوَقالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قال ابن عبّاس: نزلت في رؤوس يهود أهل المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن المصيف ووهب بن يهودا وأبي ياسر بن أخطب وفي نصارى أهل نجران: السيّد والعاقب وأصحابهما وذلك إنّهم خاصموا المسلمين في الدين كلّ فرقة تزعم إنّها أحقّ بدين الله من غيرها فقالت اليهود ديننا خير الأديان ونبيّنا موسى أفضل الأنبياء وكتابنا التوراة أفضل الكتب وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمّد والقرآن.\nوقالت النصارى: نبيّنا عيسى أفضل الأنبياء وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب وديننا أفضل الأديان وكفرت بمحمّد والقرآن، وقال كل واحد من الفريقين للمؤمنين كونوا على ديننا فلا دين إلّا ذلك دعوهم إلى دينهم إلا الحنيفية. فقال الله تعالى: قُلْ يا محمّد بَلْ مِلَّةَ أي بل نتبع ملّة إِبْراهِيمَ وقرأ الأعرج: (بَلْ مِلَّةُ) رفعا على الخبر.\nحَنِيفًا نصب على القطع. أراد بل ملّة إبراهيم الحنيف فلمّا أسقطت الألف واللام لم تتبع النكرة المعرفة. فانقطع منه فنصب قاله نحاة الكوفة، وقال أهل البصرة: نصب على الحال قال ابن عبّاس: الحنيف: المائل عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وأصلها من الحنف وهو ميل وعوج في القدم ومنه سمّي أحنف بن قيس.\n_________\n(١) سورة يوسف: ١٢.","vol":"1","page":282},{"text":"مقاتل: مخلصا.\nكثير بن زياد قال: سألت الحسن عن الحنيفية فقال: هي حج هذا البيت.\nالضحاك: إذا كان مع الحنيف المسلم فهو الحاج، وإذا لم يكن فهو المسلم.\nقتادة: من الحنيفية الختان، وترك نكاح الأخت.\nوَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ علم المسلمين مجرى التوحيد وطريق الأيمان. فقال قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا يعني القرآن وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وهو عشر صحف.\nوَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ يعني أولاد يعقوب واحدهم سبط. سمّوا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة من النّاس وسبط الرّجل حافده، ومنه قيل للحسن والحسين (﵉) سبطا رسول الله ﷺ، والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من العرب، والشعوب من العجم.\nوعن أبي سعيد الضرير: إنّ أصل السّبط في اللغة شجرة ملتفة كثيرة الأغصان فسمّي الأسباط بها لكثرتهم. فكما إنّ الأغصان من شجرة واحدة كذلك الأسباط كانوا من يعقوب، وكان في الأسباط أنبياء، وكذلك قال وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا كلّهم أنبياء.\nوَما أُوتِيَ مُوسى يعني التوراة.\nوَعِيسى الإنجيل. وَما أُوتِيَ أعطي.\nالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ فنؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى.\nوَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ\nفلمّا نزلت هذه الآية قرأها رسول الله ﷺ على اليهود والنصارى وقال: «إنّ الله أمرني بهذا» [١١٧] فلمّا سمعت اليهود بذكر عيسى أنكروا وكفروا به وكفرت النصارى وقالوا: لأنّ عيسى ليس بمنزلة سائر الأنبياء ولكنّه ابن الله فأنزل الله تعالى فَإِنْ آمَنُوا يعني اليهود النصارى.\nبِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ أي بجميع ما آمنتم كإيمانكم\n، وقيل مثل صلة أي بما آمنتم به، وهكذا كان يقرأها ابن عبّاس ويقول: اقرءوا (فإن آمنوا بما آمنتم به) فليس لله مثل ونظيره قوله: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ: أي كهو. قال الشاعر:\nيا عاذلي دعني من عذلكا ... مثلي لا يقبل من مثلكا\nأي أنا لا أقبل منك.","vol":"1","page":283},{"text":"فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ قال ابن عبّاس وعطاء والأخفش: في خلاف يقال: شاقّ يشاقّ مشاقّة إذا خالف كانّ كل واحد أخذ في شقّ غير شقّ صاحبه دليله قوله لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي «١» أي خلافي وأنشد:\nفكان إليها والّذي اصطاد بكرها ... شقاقا وبعضهن أو لطم وأهجرا\nوقال ابن سلمة والسّدي: في عداوة كان كلّ واحد منهما أخذ في شقّ صاحبه أي في جهده وما يشق عليه من قوله إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ «٢» دليله قوله: لِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ\n«٣» أي عادوا الله ورسوله.\nقال بشر بن أبي حازم:\nوإلّا فاعلموا انّا وأنتم ... بغاة ما حيينا في شقاق\nأي في عداوة.\nمقاتل وابو عبيدة: في ضلال واختلاف بيانه قوله وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما «٤» أي اختلاف بينهما.\nقال الشاعر:\nإلى كم نقتل العلماء قسرا ... ونفجر بالشّقاق وبالنفاق\nأي بالضلال والاختلاف.\nالكسائي: هي خلع الطّاعة بيانه قوله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ «٥» .\nالحسن: في بعاد وفراق إلى يوم القيامة.\nفَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ يا محمّد يعني اليهود والنصارى.\nوَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم.\nالْعَلِيمُ بأحوالهم وكفاهم الله تعالى أمرهم بالقتل والسّبي في بني قريظة والجلاء والنفي في بني النضير والجزية والذلّة في نصارى نجران محتوى الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي.\n_________\n(١) سورة هود: ٨٩.\n(٢) سورة النحل: ٧.\n(٣) سورة الأنفال: ١٣. [.....]\n(٤) سورة النساء: ٣٥.\n(٥) سورة النساء: ١١٥.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>محتوى الجزء الأول من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nترجمة الثعلبي ٥ التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه ٧ مقدمة المصنف ٧٣ تفسير فاتحة الكتاب ٨٩ التفسير وبالله التوفيق ٩٢ في أن التسمية من الفاتحة أو لا؟ ١٠١ الكلام في جزئية البسملة من باقي السور ١٠٥ حكم الجهر بالبسملة في الصلاة ١٠٥ في إعراب الحمد لله ١٠٩ الفرق بين ملك ومالك ١١٤ الإختلاف في قراءة الصراط ١١٩ في معنى الغضب ١٢٣ فصل في آمين ١٢٤ فصل في أسماء هذه السورة ١٢٦ سورة البقرة ١٣٥ فصل في التقوى ١٤٢ فصل في الإيمان ١٤٥ القول في معنى الآيتين ونظمهما وحكمهما ١٦٥ فصل في معنى الخليفة ١٧٧ القول في حدّ الاسم وأقسامه ١٧٩","vol":"1","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-119>الجزء الثاني</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>تكملة سورة البقرة</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٣٨ الى ١٤١]</span>\nصِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ (١٣٨) قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)\nصِبْغَةَ اللَّهِ قال أبو العالية: دين الله.\nمجاهد: الإسلام.\nابن عبّاس: هي إنّ النّصارى كانوا إذا ولد لأحدهم ولد، وأتى عليه سبعة أيام غمسوه في ماء لهم يقال له: المعبودي وصبغوه به ليطهّروه بذلك مكان الختان، وإذا فعلوا ذلك به قالوا:\nالآن صار نصرانيا حقا. فأخبر الله تعالى: إنّ دينه الإسلام لا ما يفعل النصارى.\nابن كيسان: صِبْغَةَ اللَّهِ: وجهة الله يعني القبلة. قال: ويقال: حجة الله التي احتج بها على عباده.\nأبو عبيدة والزجاج: خلقة الله من صبغت الثوب إذا غيّرت لونه وخلّقته. فيكون المعنى:\nإنّ الله ابتدأ الخلقة على الإسلام، دليله قول مقاتل في هذه الآية فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها «١» . أي دين الله.\nويوضحه ما\nروى همام بن منبه عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «ما من مولود إلّا وهو على هذه الفطرة. فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه، كما تولد البهيمة [بهيمة جمعاء] «٢» فهل تجدون فيها من جدعا حتّى تكون الأم تجدعونها» . قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟\n_________\n(١) سورة الروم: ٣٠.\n(٢) زيادة عن تفسير ابن كثير: ١/ ٥٦٩.","vol":"2","page":5},{"text":"قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين» [١] .\nأبو عبيدة: سنّة الله، وقيل: هو الختان لأنّه يصبغ صاحبه بالدم، وفي الخبر: الختان سنّة للرجال مكرمة للنساء، وهي نصب على الإغراء تقديره: اتبعوا وألزموا صبغة الله.\nوقال الأخفش: هي بدل من قوله مِلَّةَ إِبْراهِيمَ.\nوَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً دينا.\nوَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ مطيعون.\nقُلْ يا محمّد لليهود والنصارى: أَتُحَاجُّونَنا أتجادلوننا وتخاصمونا، وقرأ الأعمش.\nوالحسن وابن محيصن: بنون واحدة مشدّدة.\nوقرأ الباقون: بنونين خفيفتين اتباعا للخط.\nفِي اللَّهِ في دين الله وذلك بأن قالوا: يا محمّد إنّ الأنبياء كانوا منّا وعلى ديننا.\nوَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ مقاتل والكلبي: لنّا ديننا ولكم دينكم.\nوَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ موحدون، وهذه الآية منسوخة بآية السّيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>فصل في معنى الإخلاص</span>\nسئل الحسن عن الإخلاص ما هو؟\nفقال: سألت حذيفة عن الإخلاص ما هو؟ فقال: سألت رسول الله ﷺ عن الإخلاص ما هو؟\nقال: «سألت ربّ العزة عن الإخلاص ما هو؟» قال: «سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببت من عبادي» [٢] «١» .\nوعن أبي إدريس الخولائي قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لكلّ حق حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتّى لا يحبّ أن يحمد على شيء من عمل الله» [٣] «٢» .\nوقال سعيد بن جبير: الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله لله ولا يشرك به في دينه ولا يرائي بعمله أحدا.\nمحمّد بن عبد ربّه قال: سمعت الفضيل يقول: ترك العمل من أجل النّاس رياء والعمل من\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ١٤٦، وفتح الباري: ٤/ ٩٤ بتفاوت.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١/ ٤١٠، وروضة الواعظين: ٤١٤.","vol":"2","page":6},{"text":"أجل النّاس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما.\nوقال يحيى بن معاذ: الإخلاص تميّز العمل من العيوب كتميّز اللبن من بين الفرث والدم.\nأبو الحسن البوشجي: هو ما لا يكتبه الملكان ولا يفسده الشيطان ولا يطّلع عليه الإنسان.\nرؤيم: هو ارتفاع رؤيتك من الظّل. وقيل: ما يرى به الحق ويقصد به الصدق. وقيل: ما لا يشوبه الآفات ولا تتبعه رخص التأويلات.\nوقيل: ما استتر من الخلائق واستصفى من العلائق.\nحذيفة [الإخلاص]: هو أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن.\nأبو يعقوب المكفوف: أن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته.\nسهل بن عبد الله: ألّا يرائي.\nعن أحمد بن أبي الجماري قال: سمعت أبا سليمان يقول: للمرائي ثلاث علامات يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان في النّاس، ويزيد في العمل إذا أثني عليه.\nأَمْ تَقُولُونَ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف وحفص: بالتاء واختاره أبو عبيد، وقرأ الباقون بالياء، واختاره أبو حاتم. فمن قرأ بالتاء فللمخاطبة التي قبلها قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ والتي بعدها قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ومن قرأ بالياء فهو أخبار عن اليهود والنّصارى.\nإِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُودًا أَوْ نَصارى قال الله:\nقُلْ يا محمّد. أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ بدينهم.\nأَمِ اللَّهُ وقد أخبرني الله إنّه لم يكن يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ...\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ أخفى.\nشَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وهو علمهم إنّ إبراهيم وبنيّه كانوا مسلمين، وأن محمّدا ﷺ حق ورسول.\nوَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٢ الى ١٤٣]</span>\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)\nسَيَقُولُ السُّفَهاءُ الجهال.","vol":"2","page":7},{"text":"مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ صرفهم وحوّلهم.\nعَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها من بيت المقدس. نزلت في اليهود ومشركي العرب بمكّة ومنافقي المدينة طعنوا في تحويل القبلة وقال مشركوا مكّة: قد تردّد على محمّد أمره واشتاق إلى مولده ومولد آباءه قد توجّه نحو قبلتكم وهو راجع إلى دينكم عاجلا.\nقال الله قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ملكا والخلق عبيده يحولهم كيف شاء.\nيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا عدلا خيارا. تقول العرب: انزل وسط الوادي: أي تخيّر موضعا فيه، ويقال لرسول الله ﷺ هو وسط قريش نسبا أي خيرهم: قال الله تعالى قالَ أَوْسَطُهُمْ «١»، أي أخيرهم وأعدلهم، وأصله هو أنّ خير الأشياء أوسطها. قال زهير:\nهم وسط ترضى الأنام لحكمهم ... إذا نزلت احدى الليالي بمعظم\nوقال الكلبي: يعني متوسطة أهل دين وسط بين الغلو والتقصير لأنّهما مذمومان في الدّين.\nقال ثعلب: يقال: جلس وسط القوم ووسط الدّار، وكذلك فيما يحتمل البينونة [واحتمل وسطا له] «٢» بالفتح وكذلك فيما لا يحتمل البينونة.\nنزلت هذه الآية في مرحب وربيع وأصحابهما من رؤساء اليهود قالوا لمعاذ بن جبل: ما ترك محمّد قبلتنا إلّا حسدا، وإنّ قبلتنا قبلة الأنبياء، ولقد علم محمّد إنّا عدل بين النّاس. فقال معاذ: إنّا على حق وعدل. فأنزل الله وَكَذلِكَ أي وهكذا، وقيل الكاف فيه للتشبيه تقديره:\nوكما اخترنا إبراهيم وذريته واصطفيناهم كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا. مردودة على قوله وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا «٣» الآية.\nلِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ يوم القيامة أنّ الرّسل قد أبلغتهم.\nوَيَكُونَ الرَّسُولُ محمّد ﷺ. عَلَيْكُمْ شَهِيدًا معدلا مزكّيا لكم وذلك إنّ الله تعالى جمع الأولين والآخرين في صعيد واحد يسمعهم الدّاعي، وينقذهم البصر ثمّ يقول كفّار الأمم.\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ فتشكرون، ويقولون: ما جاءنا من نذير.\nفيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون: قد كذّبوا، قد بلغناهم وأعذرنا إليهم: فيسألهم البيّنة، وهو أعلم بإقامة الحجة. فيؤتى بأمّة محمّد ﷺ فيشهدون لهم. إنّهم قد بلغوا. فتقول الأمم الماضية: من أين علموا بذلك وبيننا وبينهم مدة مريدة؟\n_________\n(١) سورة القلم: ٢٨.\n(٢) كلام غير مقروء وما أثبتناه هو الظاهر.\n(٣) سورة البقرة: ١٣٠.","vol":"2","page":8},{"text":"فيقولون: علمنا ذلك باخبار الله أيانا في كتابه الناطق على لسان رسوله الصادق. فيؤتى محمّد ﷺ فيسأل عن حال أمّته. فيزكّيهم ويشهد لصدقهم.\nوَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها يعني التحويل عن القبلة الّتي كنت عليها وهي بيت المقدس.\nوقيل: معناه القبلة الّتي أنت عليها أي الكعبة كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ «١» أي أنتم.\nإِلَّا لِنَعْلَمَ لنرى ونميّز مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ في القبلة.\nمِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ فيرتد ويرجع إلى قبلته الأولى هذا قول المفسرين وقال أهل المعاني: معناه إلّا لعلمنا مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ كأنّه سبق ذلك في علمه إنّ تحويل القبلة سبب هداية قوم وضلالة آخرين، وقد تضع العرب لفظ الاستقبال موضع المضي كقوله: فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ «٢» أي قتلتم.\nوأنزل بعض أهل اللّغة: للعلم منزلتين: علما بالشيء قبل وجوده وعلما به بعد وجوده والحكم للعلم الموجود لأنّه يوجب الثواب والعقاب فمعنى قوله لِنَعْلَمَ أي لنعلم العلم الّذي يستحقّ به العامل الثّواب والعقاب وهذا على معنى التقدير كرجل قال لصاحبه: النّار تحرق الحطب، وقال الأخر: لا، فردّ عليه. هات النّار والحطب، ليعلم إنّها تحرقه أي ليتقرر علم ذلك عندك.\nوقوله: لنعلم تقديره ليتقرّر علمنا عندكم، وقيل معناه: ليعلم محمّد ﷺ فأضاف علمه ﵇ إلى نفسه سبحانه تخصيصا وتفصيلا كقوله: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ «٣» وقوله فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا «٤» ونحوهما وَإِنْ كانَتْ وقد كانت توليه القبلة وتحويلها فأنّث الفعل لتأنيث الإسم كقولهم: ذهبت بعض أصابعه وقيل: هذه الكناية راجعة إلى القبلة بعينها أراد وإن كانت الكعبة.\nلَكَبِيرَةً ثقيلة شديدة. إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أي هداهم الله وقال سيبويه: (وانّ) تأكيد منه باليمين ولذلك دخلت اللّام في جوابها.\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ وذلك\nإنّ يحيى بن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم نحو بيت المقدس أكانت هدى أم ضلاله؟ فإن كانت هدى فقد تحولتم عنها وان كانت ضلالة لقد دنتم الله بها فإن من مات منكم عليها لقد مات على الضلالة.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١١٠.\n(٢) سورة البقرة: ٩١.\n(٣) سورة الأحزاب: ٥٧.\n(٤) سورة الزخرف: ٥٥.","vol":"2","page":9},{"text":"قال المسلمون: إنّما الهدى ما أمر الله تعالى به والضلالة ما نهى الله عنه.\nقالوا: فما شهادتكم على من مات منكم على قبلتنا؟ وكان مات قبل أن تحوّل القبلة؟\nأسعد بن زرارة من بني النجّار والبراء بن معرور من بني سلمة وكانا من النقباء ومات رجال آخرون. فانطلقت عشائرهم إلى النبيّ ﷺ فقالوا: يا رسول الله قد صرفك الله إلى قبلة إبراهيم فكيف إخواننا الّذين ماتوا وهم يصلّون إلى بيت المقدس فأنزل الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ «١» أي صلاتكم إلى بيت المقدس.\nإِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ\nوفي رؤوف ثلاث قراءات: مهموز مثقّل وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص واختيار أبو حاتم قال: لأنّ أكثر أسماء الله على فعول وفعيل. قال الشاعر:\nنطيع رسولنا ونطيع ربّا ... هو الرّحمن كان بنا رؤوفا\nوروف غير مهموز مثقّل قراءة أبي جعفر.\nورؤف مهموز مخفف وهي قراءة الباقين واختيار أبي عبيد.\nقال جرير:\nترى للمسلمين عليك حقّا ... كفعل الوالد الرءوف الرّحيم\nفالرأفة أشدّ الرحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٤ الى ١٤٧]</span>\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ إنّ أوّل ما نسخ من أمور الشّرع أمر القبلة وذلك\nإنّ رسول الله ﷺ وأصحابه كانوا يصلّون بمكّة إلى الكعبة فلمّا هاجر النبيّ ﷺ إلى المدينة وقدمها لليلتين خليا من شهر ربيع الأوّل أمره تعالى أن يصلّي نحو الصخرة ببيت المقدس ليكون أقرب إلى تصديق اليهود إيّاه إذا صلّى إلى قبلتهم مع ما يجدون من نعته في التوراة\nهذا قول عامّة المفسّرين.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٤٣. [.....]","vol":"2","page":10},{"text":"وقال عبد الرحمن بن زيد: قال الله لنبيه ﷺ: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ قال رسول الله ﷺ: «هؤلاء يهود يستقبلون بيتا من بيوت الله، فلو [أنّا] استقبلناه» [٤] «١» فاستقبله النبيّ ﷺ، قالوا جميعا: فصلّى النبيّ وأصحابه نحو بيت المقدس سبعة عشر شهرا وكانت الأنصار قد صلّت إلى بيت المقدّس سنتين قبل قدوم النبيّ ﷺ.\nوكانت الكعبة أحبّ القبلتين إلى النبيّ ﷺ\n، واختلفوا في السبب الّذي كان ﷺ يكره من أجله قبلة بيت المقدس ويهوى قبلة الكعبة.\nفقال ابن عبّاس: لأنّها كانت قبلة إبراهيم ﵊.\nمجاهد: من أجل أنّ اليهود قالوا: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا.\nمقاتل بن حيّان: لمّا أمر رسول الله ﷺ أن يصلّي نحو بيت المقدس قالت اليهود: زعم محمّد أنّه نبي وما يراه أحد إلّا في ديننا، أليس يصلّي إلى قبلتنا ويستنّ بسنّتنا فإن كانت هذه نبوّة فنحن أقدم وأوفر نصيبا فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فشقّ عليه وزاده شوقا إلى الكعبة.\nابن زيد: لمّا استقبل النبيّ ﷺ بيت المقدس بلغه أنّ اليهود تقول: والله ما ندري محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم.\nقالوا جميعا فقال رسول الله ﷺ لجبرئيل: «وددت أنّ الله صرفني من قبلة اليهود إلى غيرها فإنّي أبغضهم وأبغض توافقهم» [٥] . فقال جبرئيل: إنما أنا عبد مثلك ليس إليّ من الأمر شيئا فأسأل ربّك «٢»؟\nفعرج جبرئيل وجعل رسول الله يديم النظر إلى السّماء رجاء أن ينزل عليه جبرئيل بما يجيء من أمر القبلة.\nقَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ تحوّل وتصرف وجهك يا محمّد في السّماء.\nفَلَنُوَلِّيَنَّكَ فلنحوّلنّك ولنصرفنّك.\nقِبْلَةً تَرْضاها تحبّها وترضاها.\nفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي نحوه وقصده.\nقال الشاعر:\nواطعن بالقوم شطر الملوك ... حتّى إذا خفق المخدج\n_________\n(١) تفسير الطبري- جامع البيان-: ١/ ٧٠٢.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٢٦، والدر المنثور: ١/ ١٤٢.","vol":"2","page":11},{"text":"أي: نحوهم وهو نصب على الظرف.\nوالمسجد الحرام: المحرّم كالكتاب بمعنى المكتوب والحساب بمعنى المحسوب.\nوَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ في برّ أو بحر أو سهل أو جبل شرق أو غرب فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ فحوّل القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين.\nمجاهد وغيره: نزلت هذه الآية ورسول الله ﷺ في مسجد بني سلمة، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب، وحوّل الرّجال مكان النساء والنساء مكان الرجال فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.\nقال ابن عبّاس: البيت كلّه قبلة وقبلة البيت الباب والبيت قبلة أهل المسجد والمسجد قبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل الأرض كلّها فلمّا حوّلت القبلة إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمّد ما أمرت بهذا- يعنون القبلة. وما هو إلّا شيء تبتدعه من تلقاء نفسك.\nقتادة: فصلّى إلى بيت المقدس وتارة يصلّي إلى الكعبة ولو ثبتّ على قبلتنا لكنّا نرجو أن تكون صاحبنا الّذي ننتظره ورأيناكم تطوفون بالكعبة وهي حجارة مبنية فأنزل الله:\nوَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ يعني أمر الكعبة الحقّ. مِنْ رَبِّهِمْ وإنّها قبلة إبراهيم ثمّ هددهم فقال: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [قرأ ابو جعفر وابن ... والكسائي بالتاء وقال بريد: إنكم يا معشر ... تطلبون وصالي وما ... عن ثوابكم وجوابكم. وقرأ الباقون ... يعني ما الله بغافل عما يعمل اليهود فأجازيهم في الدنيا والآخرة] «١» وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني يهود المدينة، ونصارى نجران. قالوا للنبيّ ﷺ آتنا بآية كما أتى بها الأنبياء قبلك، فأنزل الله تعالى وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ.\nبِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ يعني الكعبة، وقال الأخفش، والزّجاج: أجيئت لئن بما لأنّها بمعنى لو، وقيل: إنّها أجيبت بما لما فيه من معنى اليمين كأنّه قال: والله لئن أتيت الّذين أوتوا الكتاب بكل آية إلى وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنّصارى تستقبل المشرق.\nوَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مرادهم في أمر القبلة.\nمِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إنّها حقّ وإنّها قبلة إبراهيم.\nإِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ الجاحدين الضارين أنفسهم.\nالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه.\n_________\n(١) عن هامش المخطوط.","vol":"2","page":12},{"text":"يَعْرِفُونَهُ يعني محمّدا كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ من بين النصارى.\nالكلبي عن الربيع عن ابن عبّاس قال: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة قال عمر لعبد الله ابن سلام: لقد أنزل الله على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ فكيف يا عبد الله هذه المعرفة؟\nفقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته فيكم حين رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب، وأنا أشدّ معرفة بمحمّد منّي لابني، فقال عمر: وكيف ذاك؟\nفقال: أشهد إنّه رسول حقّ من الله، وقد نعته الله في كتابنا وما أدري ما تصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا بن سلام فقد صدقت وأصبت.\nوَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ يعني صفة محمّد ﷺ وأمر الكعبة.\nوَهُمْ يَعْلَمُونَ ثمّ قال الْحَقُّ ١٤٧ أي هذا الحقّ خبر ابتداء مضمر.\nوقيل: رفع بإضمار فعل أي جاءك الحقّ كما قال وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ «١»\nوقرأ علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه الْحَقَّ مِنْ رَبِّكَ نصبا على الإغراء.\nفَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكّين مفتعل من المرية والخطاب في هذه الآية: وفي ما قبلها للنبيّ ﷺ والمراد به غيره وكلّ ما ورد عليك من هذا النحو فهو سبيله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٤٨ الى ١٥٢]</span>\nوَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠) كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (١٥٢)\nلِكُلٍّ وِجْهَةٌ\nأي ولكلّ أهل ملّة قبلة.\nَ مُوَلِّيها\nمستقبلها ومقبل إليها يقال: ولّيته، وولّيت إليه. إذا أقبلت إليه وولّيت عنه إذا أدبرت عنه.\nوأصل التولية: الانصراف، وقرأ ابن عبّاس وابن عامر وأبو رجاء وسليمان بن عبد الملك:\nهو مولاها: أي مصروف إليها.\n_________\n(١) سورة هود: ١٢٠.","vol":"2","page":13},{"text":"وفي حرف أبي: ولك قبلة هو مولّيها، وفي حرف عبد الله: ولكلّ جعلنا قبلة هو موليها.\nسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ\nوبادروا فعل الخيرات، ومجازه فاستبقوا إلى الخيرات: أي يسبق بعضكم بعضا فحذف حرف الخبر. كقول الشاعر:\nوهو الداعي [......] «١» عليكم بالحرب ... ومن يمل سواكم فإني منه غير مائل\nأراد من يمل إلى سواكم.\nْنَ ما تَكُونُوا\nيريد أهل الكتاب.\nْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا\nيوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم.\nَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\nوَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ حيث حرف بدل على الموضع، وفيه ثلاث لغات: بالياء وحرف الثاء وهي لغة قريش، وقراءة العامّة، واختلفوا في وضع رفعها فقيل:\nهو مبني على الضم مثل: منذ وقط، وقيل: رفع على الغاية كقوله لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ «٢» .\nوحيثَ: بالياء ونصب الثاء وهي قراءة عبيد بن عمير.\nقال الكسائي: إنّما نصب بسبب الياء لأنّها ساكنة وإذا اجتمع ساكنان في حرف حركوا الثاني إلى الفتح لأنّه أخف الحركات مثل: ليت وكيف.\nوحوث: بالواو والضم وهي لغة ابن عمر.\nيروى إنّه سئل أين يضع المصلّى يده في الصلاة، فقال: ارم بهما حوث وقعتا.\nفَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ إلى وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ أيّها المؤمنون.\nفَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ هي لام كي دخلت على أن فكتبت بالكسرة ما قبلها، وترك بعضهم همزها تخفيفا، والحجة فعلة من الحج وهو الفصل، ومنه المحجة وهي الطريق الواضح المسلوك لأنّه مقصود، ويقال: للمخاصمة محاجة لقصد كلّ واحد من الخصمين إلى إقامة بينته، وإبطال ما في يد صاحبه.\nواختلفوا في تأويل هذه الآية ووجه قوله إِلَّا فقال بعض أهل التأويل: ومعنى الآية حوّلت القبلة إلى الكعبة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إذا صلّيتم إليها فيحتجّون عليكم ويقولون:\nلم تركتم التوجه إلى الكعبة وتوجهتم إلى غيرها لولا إنّه ليست لكم قبلة؟\n_________\n(١) كلمة سقط في المخطوط.\n(٢) سورة الروم: ٤.","vol":"2","page":14},{"text":"إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم قريش واليهود وأمّا قريش فتقول إنّما رجع إلى الكعبة لأنّه عليم أنّها قبلة آبائه وهي الحقّ وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنّه الحقّ، وأمّا اليهود فإنّهم يقولون لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنّه حق إلّا إنّه إنّما يفعل برأيه فيزعم إنّه أمر به، وهذا القول اختيار المفضّل بن سلمة الضبي وهو قول صحيح مرضي.\nوقال قوم: معنى الآية لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ يعني لأهل الكتاب عليكم حُجَّةٌ وكانت حجّتهم على رسول الله ﷺ وأصحابه في صلاتهم نحو بيت المقدّس إنّهم كانوا يقولون: ما درى محمّد وأصحابه أين قبلتهم حتّى هديناهم نحن، وقولهم: يخالفنا محمّد في ديننا ويتّبع قبلتنا فهذه الحجّة التي كانوا يحتجّون بها على المؤمنين على وجه الخصومة والتمويه بها على الجّهال من المشركين ثمّ قال إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا وهم مشركوا مكّة وحجّتهم إنّهم قالوا: لمّا صرفت القبلة إلى الكعبة أنّ محمّدا قد تحيّر في دينه فتوجّه إلى قبلتنا وعلم إنّا أهدى سبيلا منه وانّه لا يستغني عنّا ويوشك أن يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والربيع والسّدي واختيار محمد بن جرير.\nوعلى هذين القولين إلّا استثناء صحيح على وجه نحو قولك: ما سافر أحد من النّاس إلّا أخوك فهو إثبات للأخ من السفر، وما هو منفي عن كلّ أحد من النّاس، وكذلك قوله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا من قريش نفي عن أن يكون لأحد حجة قبل رسول الله ﷺ وأصحابه بسبب تحولهم إلى الكعبة إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا.\nومعنى الحجة في هذين القولين: الخصومة والجدل، والدعوى بالباطل كقوله لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ «١»: أي لا خصومة، وقوله أَتُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ «٢» ولِيُحَاجُّوكُمْ وتُحَاجُّونَ وحاجَجْتُمْ كلّها بمعنى المجادلة. والمخاصمة لا بمعنى الدليل والبرهان، وموضع الّذين خفض كأنه قال: إلّا للذين ظلموا. فلما سقطت اللام حلّت (الّذين) محلها قاله الكسائي.\nقال الفراء: موضعه نصب بالاستثناء، وإنّما [......] «٣» منهم ردّ إلى لفظ الناس لأنّه عام، وإن كان كلّ واحد منهم غير الآخر والله أعلم، وقال بعضهم: هو استثناء منقطع من الكلام الأول ومعناه إلّا يكون للنّاس كلّهم عليكم حجة اللهمّ إلّا الّذين ظلموا فإنّهم يحاجونكم في الباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقول للرجل: النّاس كلّهم لك سامرون إلّا الظالم لك: يعني لا [......] «٤» ذلك بتركه حمدك لعداوته لك، وكقولك للرجل: مالك عندي حق\n_________\n(١) سورة الشورى: ١٥.\n(٢) سورة البقرة: ١٣٩.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) سقط في أصل المخطوط.","vol":"2","page":15},{"text":"إلّا أن تظلم، وما لك حجة إلّا الباطل، والباطل لا يكون حجّة، وهذا استثناء من غير الحسن.\nكقول القائل: ليس في الدّار أحد إلّا الوحش. كقول النابغة:\nوما بالرّبع من أحد إلّا وأرى لأيا ما ... أمنّها وننوي كالحوض بالمظلومة الجلد\nوهذا قول الفراء والمؤرخ.\nوقال أبو روق: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ يعني اليهود عليكم حجة وذلك إنّهم كانوا قد عرفوا إنّ الكعبة قبلة إبراهيم وقد كانوا وجدوا في التوراة أنّ محمّدا سيحوّل إليها. فحوّله الله إليها لئلا يكون لهم حجة فيحتجون. بأن هذا النبيّ الّذى نجده في كتابنا سيحوّل إليها ولم تحوّل أنت فلمّا حوّل النبيّ ﷺ ذهبت حجّتهم ثمّ قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا منهم يعني إلّا أن يظلموكم فيكتموا ما عرفوا.\nوقال الأخفش: معناه لكفى الّذي ظلموا ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ يعني: لكن يتبعون الظّن، قوله: وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ «١» يعني لكن تبتغى وجه ربّك فيكون منفردا من الكلام الأوّل.\nوروى أبو عبيد عن أبي عبيدة إنّه قال: ليس موضع إلّا هاهنا موضع الاستثناء لأنّه لا يكون للظالم حجّة إنّما هو في موضع واو العطف كأنّه قال: ولا الّذين ظلموا يعني والّذين ظلموا لا يكون لهم أيضا حجّة.\nوأنشد المفضل:\nما بالمدينة دار غير واحدة ... دار الخليفة إلّا دار مروانا «٢»\nوأنشد أيضا:\nوكلّ أخ مفارقة أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان\nيعني والفرقدان أيضا متفرقان وأنشد الأخفش:\nوارى لها دارا بأغدرة السيدان ... لم يدرس لها رسم\nإلّا رمادا هامدا دفعت ... عنه الرياح خوالد سحم «٣»\nأي: وأرى دارا ورمادا، يؤيّد هذا القول ما روى أبو بكر بن مجاهد عن بعضهم إنّه قرأ\n_________\n(١) سورة الليل: ١٩.\n(٢) مجمع البيان: ١/ ٤٢٧.\n(٣) مجمع البيان: ١/ ٤٢٧.","vol":"2","page":16},{"text":"بعضهم: (إلى الّذين ظلموا) مخفّفا يعني مع الّذين ظلموا.\nومعنى الآية: لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ، يعني اليهود عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ في أمر الكعبة حيث لا يستقبلونها وهي قبلة إبراهيم فيقولون لكم تزعمون إنّكم على دين إبراهيم ولم تستقبلوا قبلته ولا للذين ظلموا وهم مشركوا مكّة لأنّهم قالوا: إنّ الكعبة قبلة جدّنا إبراهيم فما بال محمّد تحوّل عنها فلا يصلّي إليها ويصلّي إلى قبلة اليهود.\nوقال قطرب: معناها إلّا على الّذين ظلموا فيكون ردّه على الكاف والميم أي إلّا على الّذين ظلموا فإنّ عليهم الحجّة فحذف حرف الجر وهذا إختيار أبي منصور الأزهري.\nقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يحكيها عنه وحكى محمّد بن جرير عن بعضهم إنّه قال: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا هاهنا ناس من العرب كانوا يهودا ونصارى وكانوا يحتجّون على النبيّ ﷺ فأمّا سائر العرب فلم يكن لهم حجّة وكانت حجّة من احتجّ أيضا داحضة باطلة لأنّك تقول لمن تريد أن تكسر حجّته عليه: أنّ لك عليّ حجّة ولكن منكسرة إنك لتحتجّ بلا حجّة وحجّتك ضعيفة، فمعنى الآية: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ من أهل الكتاب فإنّ لهم عليكم حجّة واهية.\nفَلا تَخْشَوْهُمْ في انصرافكم إلى الكعبة وفي تظاهرهم عليكم في المحاجة والمجاوبة فانّي وليّكم أظهركم عليهم بالحجّة والنصرة.\nوَاخْشَوْنِي في تركها ومخالفتها.\nوَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ عليكم عطف على قوله لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ولكن أتمّ نعمتي بهدايتي ايّاكم إلى قبلة إبراهيم فتتمّ لكم الملّة الحنيفيّة\nوقال علي (كرّم الله وجهه):\nتمام النعمة: الموت على الإسلام\n،\nوروي عنه أيضا إنّه قال: النّعم ستة: الإسلام والقرآن ومحمّد والستر والعافية والغنى ممّا في أيدي النّاس.\nوَلَعَلَّكُمْ في لعلّ ست لغات: علّ ولعلّ ولعنّ وعنّ ولعّا.\nولها ستة أوجه هي من الله ﷿ واجب، ومن النّاس على معاني قد تكون بمعنى الاستفهام كقول القائل: لعلّك فعلت ذلك مستفهما.\nوتكون بمعنى الظّن كقول القائل: قدم فلان فردّ عليه الرّاد: لعلّ ذلك.\nبمعنى أظنّ وأرى ذلك.\nوتكون بمعنى الإيجاب بمنزلة ما أخلقه كقوله: قد وجبت الصّلاة فيرد الرّاد: لعلّ ذلك أي ما أخلقه.\nوأنشد الفرّاء:","vol":"2","page":17},{"text":"لعلّ المنايا مرّة ستعود ... وآخر عهد الزائرين جديد\nوتكون بمعنى الترجّي والتمنّي كقولك: لعلّ الله أن يرزقني مالا، ولعلّني أحجّ.\nوأنشد الفرّاء:\nلعلّي في هدى أفي وجودي ... وتقطيعي التنوقة واختيالي\nسيوشك أن يتيح إلى كريم ... ينالك بالذّرى قبل السؤال\nويكون بمعنى عسى تكون ما يراد ولا يكون كقوله: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ «١» . أي عسى أبلغ.\nوقال أبو داود:\nفأبلوني بليتكم لعلّي ... أصالحكم واستدرج نويا «٢»\nأي نواي ويكون بمعنى كي على الجزاء كقوله: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ بمعنى لكي يفقهوا ونظائرها كثيرة وقوله: وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لكي تهتدوا من الضّلالة.\nقال الربيع: خاصم يهودي أبا العالية فقال: إنّ موسى كان يصلّي إلى صخرة بيت المقدس، فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام فقال لي: بيني وبينك مسجد صالح فإنه نحته من الجبل فقال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقبلته إلى البيت الحرام.\nقال: فأخبر أبو العالية إنّه مرّ على مسجد ذي القرنين وقبلته الكعبة «٣» .\nكَما أَرْسَلْنا هنا الكاف للتشبيه ويحتاج إلى شيء يرجع إليه واختلفوا فيه فقال بعضهم:\nهو راجع إلى ما قبلها والكاف من ما قبلها تقديره: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي كما أرسلت فيكم رسولا فيكون إرسال الرّسول شرطا للخشية مزيدا بإتمام النّعمة.\nوقيل: معناه وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَما أَرْسَلْنا.\nوقال محمّد بن جرير: إنّ إبراهيم دعا بدعوتين فقال رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ «٤» فهذه الدعوة الأولى.\nوالثانية قوله رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ «٥» فبعث الله الرسول وهو محمّد ﷺ ووعد في هذه الآية أن يجيب الدّعوة الثانية أن يجعل من ذرّيته أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ فمعنى الآية: وَلِأُتِمَ\n_________\n(١) سورة غافر: ٣٦. [.....]\n(٢) النوي: هو الصاحب الذي نيته نيتك.\n(٣) راجع تفسير الطبري: ٢/ ٤٨.\n(٤) سورة البقرة: ١٢٨.\n(٥) سورة البقرة: ١٢٩.","vol":"2","page":18},{"text":"نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ: ببيان شرائع ملّتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم.\nكَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرّسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وهذا على قول من يجعله متصلا بما قبلها وجوابا للآية الأولى وهو إختيار الفرّاء.\nوقال بعضهم: إنّها متعلّقة بما بعدها وهو قوله فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ تقديرها: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ ... فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فيكون جزأ له جوابان مقدّم ومؤخّر كما تقول: إذا جاءك فلان فآته ترضه. فقوله: فآته وترضه جوابان لقوله إذا جاءك وكقولك: إنّ تأتني أحسن إليك أكرمك وهذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل والأخفش وابن كيسان واختيار الزجّاج، وهذه الآية خطاب للعرب وأهل مكّة يعني: كَما أَرْسَلْنا فِيكُمْ يا معشر العرب رَسُولًا مِنْكُمْ محمّد ﷺ.\nيَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِنا يعني القرآن.\nوَيُزَكِّيكُمْ أي يعلّمون من الأحكام وشرائع الإسلام.\nفَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ قال ابن عبّاس: اذكروني بطاعتي أذكركم بمعونتي بيانه قوله:\nوَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا «١» الآية.\nسعيد بن جبير: فَاذْكُرُونِي بطاعتي أَذْكُرْكُمْ بمغفرتي بيانه وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٢» .\nفضيل بن عياض: فَاذْكُرُونِي بطاعتي أَذْكُرْكُمْ بثوابي بيانه إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ «٣»\nوروي عن النبيّ ﷺ:\n«من أطاع الله فقد ذكر الله وإنّ قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن»\n[٦] «٤» .\nوقيل: اذكروني بالتوحيد والإيمان أَذْكُرْكُمْ بالجنّات والدرجات بيانه: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا ... إلى جَنَّاتٍ «٥» .\nوقال ابو بكر الصدّيق ﵁: كفى بالتوحيد عبادة وكفى بالجنّة ثوابا.\nابن كيسان: اذكروني بالشكر أَذْكُرْكُمْ بالزّيادة: بيانه قوله لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ «٦» .\nوقيل: اذكروني على ظهر الأرض أَذْكُرْكُمْ في بطنها.\nقال الأصفى: رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بالموقف وهو يقول: ضجّت إليك الأصوات\n_________\n(١) سورة العنكبوت: ٦٩.\n(٢) سورة آل عمران: ١٣٢.\n(٣) سورة الكهف: ٣٠.\n(٤) مجمع الزوائد: ٢/ ٢٥٨، والدر المنثور: ١/ ١٤٩.\n(٥) سورة البقرة: ٢٥.\n(٦) سورة إبراهيم: ٧.","vol":"2","page":19},{"text":"بضروب اللّغات يسئلونك الحاجات وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلى إذا نسيني أهل الدّنيا.\nوقيل: اذكروني بالطّاعات أَذْكُرْكُمْ بالمعافاة ودليله مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً «١» .\nوقيل: اذكروني في الخلاء والملاء أَذْكُرْكُمْ في الجلاء والملأ بيانه ما\nروي في بعض الكتب إنّ الله قال: أنا عند من عبدني، فليظن بي ما شاء، وأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في الملأ ذكرته في ملأ خير منه، ومن تقرّب إليّ شبرا تقرّبت له ذراعا، ومن تقرّب إليّ ذراعا، تقرّبت إليه باعا ومن أتاني مشيا أتيته هرولة، ومن أتاني بقراب الأرض فضّة أتيته بمثلها مغفرة بعد أن لا يشرك بي شيئا.\nوقيل: اذكروني في النّعمة والرّخاء أَذْكُرْكُمْ في الشّدة والبلاء بيانه قوله فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ «٢» .\nقال سلمان الفارسي: إنّ العبد إذا كان له دعاء في السّر فإذا انزل به البلاء قالت الملائكة: عبدك نزل به البلاء فيشفعون له فينجيه الله، فإذا لم يكن له دعاء قالوا: الآن فلا تشفعون له. بيانه لفظة فرعون آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ «٣» .\nوقيل: اذكروني بالتسليم والتفويض أَذْكُرْكُمْ بأصلح الاختبار. بيانه وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.\nوقيل: اذكروني بالشوق والمحبّة أذكركم بالوصل والقربة.\nوقيل: اذكروني بالحمد والثناء أذكركم بالجزاء، وقيل: اذكروني بالأوبة أذكركم بغفران الحوبة، وقيل: اذكروني بالدّعاء أذكركم بالعطاء، اذكروني بالسؤال أذكركم بالنّوال، اذكروني بلا غفلة أذكركم بلا مهلة، اذكروني بالنّدم أذكركم بالكرم، اذكروني بالمعذرة أذكركم بالمغفرة، اذكروني بالإرادة أذكركم بالإفادة، اذكروني بالتنصّل أذكركم بالتفضل اذكروني بالإخلاص أذكركم بالخلاص، اذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، اذكروني بلا نسيان أذكركم بالأمان، اذكروني بالإفتقار أذكركم بالاقتدار، اذكروني بالأعدام والاستغفار أذكركم بالرّحمة والاغتفار، اذكروني بالإيمان أذكركم بالجنان، اذكروني بالإسلام أذكركم بالإكرام، اذكروني بالقلب أذكركم برفع التعجب، اذكروني ذكرا فانيا أذكركم ذكرا باقيا، اذكروني بالابتهال أذكركم بالإفضال، اذكروني بالظل أذكركم بعفو الزلل، اذكروني بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، اذكروني بصفاء السّر أذكركم بخالص البرّ، اذكروني بالصّدق أذكركم بالرّفق، اذكروني بالصفو\n_________\n(١) سورة النحل: ٩٧.\n(٢) سورة الصافات: ١٤٣.\n(٣) سورة يونس: ٩١.","vol":"2","page":20},{"text":"أذكركم بالعفو، اذكروني بالتعظيم أذكركم بالتكريم، اذكروني بالتكبير أذكركم بالتطهير، اذكروني بالتمجيد أذكركم بالمزيد، اذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، اذكروني بترك الجفاء أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بترك الخطأ أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بالجهد بالخلقة أذكركم بإتمام النعمة، اذكروني من حيث أنتم أذكركم من حيث أنا وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.\nالربيع في هذه الآية: إنّ الله ذاكر من ذكره، وزائدا من شكره، ومعذّب من كفره.\nوقال السّدي: فيها ليس من عبد يذكر الله إلّا ذكره الله. لا يذكره مؤمن إلّا ذكره بالرّحمة، ولا يذكره كافر إلّا يذكره بعذاب.\nوقال سفيان بن عيينة: بلغنا إنّ الله ﷿ قال: أعطيت عبادي ما لو أعطيته جبرئيل وميكائيل كنت قد أجزلت لهما قلت: اذكروني أَذْكُرْكُمْ، وقلت لموسى: قل للظلمة لا يذكروني فإني أذكر من ذكرني، فإنّ ذكري إياهم أن العنهم.\nوقال أبو عثمان النهدي: إنّي لأعلم حين يذكرني ربّي ﷿، قيل: كيف ذلك؟\nقال: إنّ الله ﷿ قال: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وإذا ذكرت الله تعالى ذكرني.\nوَاشْكُرُوا لِي «١» نعمتي.\nوَلا تَكْفُرُونِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٣ الى ١٥٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣) وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦) أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ بالعون والنصرة.\nوَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ نزلت في قتلى بدر مع المسلمين، وكانوا أربعة عشر رجلا منهم ثمانية من الأنصار وستّة من المهاجرين وذلك إنّ النّاس كانوا يقولون: الرّجل يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب منه نعيم الدّنيا ولذّتها، فأنزل الله تعالى وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ أي هم أموات بل إنهم أحياء.\nبَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ إنّهم كذلك\nقال رسول الله ﷺ: «إنّ أرواح الشهداء في\n_________\n(١) في هامش المخطوطة: بالعطية فمن أطاع الله فقد شكر ومن عصاه فقد كفر. [.....]","vol":"2","page":21},{"text":"أجواف طير خضر تسرح في ثمار الجنّة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديل من نور معلقة تحت العرش» [٧] «١» .\nوقال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الرّوح والفرح، كما تعرض النّار على أرواح آل فرعون غداة وعشيا فيصل إليهم الوجع.\nوقال أبو سنان السّلمي: أرواح الشهداء في قباب بيض من باب الجنّة في كلّ قبّة زوجتان، رزقهم في كلّ يوم طلعت فيه الشمس نور وحوت، فأما النور: ففيه طعم كلّ ثمرة في الجنة وامّا الحوت: ففيه طعم كلّ شراب في الجنّة.\nقال قتادة في هذه الآية: كنّا نحدّث إنّ أرواح الشهداء تعارف في طير بيض يأكلن من ثمار الجنّة وإنّ مساكنهم السدرة المنتهى، وإنّ للمجاهد في سبيل الله ﷿ ثلاث خصال: من قتل في سبيل الله منهم صار حيّا مرزوقا، ومن غلب أتاه الله أجرا عظيما، ومن مات رزقه الله رزقا حسنا.\nعن النبيّ ﷺ قال: «يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه يكفّر عنه كل خطيئة ويرى مقعده من الجنّة ويزوّج من الحور العين ويؤمن من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر ويحلّى بحلية الإيمان» [٨] «٢» .\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ولنختبرنّكم يا أمّة محمّد.\nبِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ الآية، قال ابن عبّاس: الخوف يعني خوف العدو، والجوع يعني المجاعة والقحط.\nوَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ يعني الخسران والنّقصان في المال، وهلاك المواشي وَالْأَنْفُسِ يعني الموت والقتل، وقيل: المرض وقيل: الشيب.\nوَالثَّمَراتِ يعني [الحوائج]، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج، وقال الشافعي:\nوَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ يعني خوف الله ﷿ وَالْجُوعِ صيام شهر رمضان، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أداء الزّكاة والصّدقات، وَالْأَنْفُسِ الأمراض، وَالثَّمَراتِ موت الأولاد لأن ولد الرجل ثمرة قلبه يدلّ عليه ما\nروى عبد الله بن المبارك عن حماد بن سلمه عن أبي سنان قال: دفنت ابني سنانا، وأبو طلحه الخولاني على شفير القبر جالس، فلمّا أردت الخروج أخذ بيدي فانشطني وقال: ألا أبشّرك يا أبا سنان؟\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٥/ ٢٩٨، والمعجم الكبير للطبراني: ٩/ ١٨٣.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٢٠٠، ومجمع الزوائد: ٥/ ٢٩٣.","vol":"2","page":22},{"text":"قلت: بلى. قال: حدّثنا الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب عن أبي موسى الأشعري: إنّ رسول ﷺ قال: «إذا مات ولد العبد قال الله ﷿ للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون:\nنعم فيقول: أقبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟\nفيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله ﷿: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسمّوه بيت الحمد» [٩] «١» .\nوَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ على البلايا والرّزايا ثمّ نعتهم فقال: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ عبيدا تجمع وملكا.\nوَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ في الآخرة أمال نصير النّون في قوله إِنَّا لِلَّهِ، فأمال قتيبة النون واللام جميعا فخمها الباقون، وقال أبو بكر الورّاق: إِنَّا لِلَّهِ: اقرار منّا له بالملك وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ: في الآخرة إقرار على أنفسنا بالهلاك.\nقال عكرمة: طفى سراج النبيّ ﷺ فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ فقيل: يا رسول الله أمصيبة هي؟\nقال: نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» [١٠] «٢» .\nقال سعيد بن جبير: ما أعطي أحد في المصيبة ما أعطي هذه الأمة يعني الاسترجاع ولو أعطي لأحد لأعطي يعقوب ﵇ ألّا تسمع إلى قوله في فقد يوسف يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ «٣» .\nوقال رسول الله ﷺ: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا يرضاه» [١١] «٤» .\nوعن فاطمة بنت الحسين عن أمّها قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أصيب بمصيبة فأحدث استرجاعا وان تقادم عهدها كتب الله له من الأجر مثل يوم أصيب» [١٢] «٥» .\nأُولئِكَ أي أهل هذه الصفة.\nعَلَيْهِمْ صَلَواتٌ قال ابن عبّاس: مغفرة مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ونعمة.\nابن كيسان: الصلوات هاهنا الثناء والرّحمة والتزكية وإنّما ذكر الصلاة والرحمة ومعناهما\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٢/ ٢٤٣ ح ١٠٢٦، وتفسير ابن كثير: ١/ ٢٠٤.\n(٢) الجامع الصغير: ٢/ ٢٨٢ ح ٦٣٢٣ وفيه: ساء المؤمن، كنز العمال: ٣/ ٢٩٨ ح ٦٦٣٩.\n(٣) سورة يوسف: ٨٤.\n(٤) العهود المحمدية: ٥٩٧، وكنز العمال: ٣/ ٣٠٠ ح ٦٦٥٠.\n(٥) الجامع الصغير: ٢/ ٥٧٣ ح ٨٤٥٩، وكنز العمال: ٣/ ٢٦٤ ح ٦٤٧١.","vol":"2","page":23},{"text":"واحد لاختلاف اللفظين كقول الحطيئة:\nألا حبّذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد\nوجمع الصلوات لأنّه عنى بها إنّها رحمة بعد رحمة.\nوَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إلى الاسترجاع، وقيل: إلى الجنّة والثواب.\nوقيل: إلى الحقّ والصّواب وكان عمر بن الخطاب إذا قرأ هذه الآية قال: نعم العدلان ونعم العلاوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٥٨ الى ١٦٢]</span>\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الصفا جمع الصّفاة وهي الصخرة الصلبة الملساء، قال امرؤ القيس:\nلها كفل كصفا المسيل ... أبرز عنها جحاف مضر «١»\nيقال: صفاة وصفا مثل حصاة وحصا وقطاة وقطا ونواة ونوى، وقيل: إن الصّفا واحد وتثنيته صفوان مثل عصا وعصوان وجمعه أصفاء مثل رجا وأرجاء، وصفا وصفي مثل عصا وعصي، قال الراجز:\nكأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصّفي «٢»\nوالمروة من الحجارة ما لان وصغر. قال أبو ذؤيب الهذلي:\nحتّى كأنّي للحوادث مروة ... بصفا المشرق كل يوم تقرع\nأي صخرة رخوة صغيرة، وجمع المروة مروان وجمعها للكبير مرو مثل ثمرة وثمرات وثمر وحمرة وحمرات وحمرا. قال الأعشى ميمون بن قيس يصف ناقته:\nوترى الأرض خفا زائلا ... فإذا ما صادف المرو رضخ «٣»\nوإنّما عنى الله تعالى بهما الجبلين المعروفين بمكّة دون سائر الصّفا والمروة فلذلك أدخل\n_________\n(١) مجمع البيان للطبري: ١/ ٤٣٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٥٩.\n(٣) المصدر السابق: ٢/ ٦٠.","vol":"2","page":24},{"text":"فيهما الألف واللام، وشعائر الله: اعلام دينه واحدها شعيرة وكلّ كان معلّما لقربان يتقرّب به إلى الله ﷿ من دعاء وصلاة من ذبيحة وأداء فرض وغير ذلك فهو شعيرة.\nقال الكميت بن زيد:\nنقتلهم جيلا فجيلا تراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب\nوأصلها من الأشعار وهي الأعلام على الشيء.\nوفي الحديث إنّ قائلا قال: حين شجّ عمر في الحجّ: أشعر أمير المؤمنين دما، وأراد بالشعائر هاهنا مناسك الحج التي جعلها الله ﷿ إعلاما لطاعته، وقال مجاهد: يعني من الخبر الّذي أخبركم عنه وأصل الكلمة على هذا القول من شعرت أي: علمت كأنّه أعلام لله عباده أمر الصفا والمروة.\nوتقدير الآية: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، فترك ذكر الطّواف واكتفى بذكرهما [وذلك] معلوما عند المخاطبين.\nفَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أصل الحجّ في اللغة: القصد.\nقال الشاعر:\nكراهب يحجّ بيت المقدس ... ذي موحد ومنقل [وبرنس] «١»\nوقال محمّد بن جرير: من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج.\nوقال المحمل السعدي:\nواشهد من عوف حلولا كثيرة ... يحجون بيت الزبرقان المزعفرا «٢»\nأي يكثرون التردد إليه لوده ورئاسته.\nوقيل للحاج: حاج لأنّه يأتي البيت من عرفة ثمّ يعود إليه للطواف يوم النّحر ثمّ ينصرف عنه إلى منى ثمّ يعود إليه لطوف الصدر. فبتكرار العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج:\nأَوِ اعْتَمَرَ من العمرة وهي الزيارة.\nقال العجاج:\nلقد سما ابن معمر حين اعتمر ... معزى بعيدا من بعيد وضبر\nأي من قصده وزاره، وقال المفضل بن سلمة: أَوِ اعْتَمَرَ أي حلّ بمكّة بعد الطواف والسّعي ففعل ما يفعل الحلال.\n_________\n(١) كلمات غير مقروءة وهذا الظاهر منها.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٦١.","vol":"2","page":25},{"text":"والعمرة: لإقامة الموضع والعمارة: إصلاحه ومرمّته.\nوعن عبد الله بن عامر بن رفيعة قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإن متابعة ما بينهما يزيدان في العمر والرّزق وينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد» [١٣] .\nفَلا جُناحَ عَلَيْهِ الجناح الإثم وأصله من جنح إذا مال عن القصد.\nيقال: جنح اللّيل إذا مال بظلمته.\nوجنحت السفينة: إذا مالت إلى الأرض. قال الله تعالى: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ومنه جناح الطائر.\nأَنْ يَطَّوَّفَ أي يدور وأصله يتطوف فأدغمت التاء في الطّاء.\nوقرأ أبو حيوة الشّامي: يَطُوفَ مخفّفة الطاء واختلفوا في وجه الآية وتأويلها وسبب تنزيلها.\nقال أنس بن مالك: كنّا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله هذه الآية.\nوقال عمر بن حبيش: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: انطلق إلى ابن عبّاس فإنّه أعلم من بقي بما أنزل على محمّد ﷺ، فأتيته فسألته فقال ابن عبّاس: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة، وإنّما ذكروا الصفا لتذكير الأساف وذكروا المروة لتأنيث نائلة.\nوزعم أهل الكتاب إنّهما زنيا في الحرم فمسخهما الله ﷿ حجرين فوضعهما على الصّفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدّة عبدا دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلمّا جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوروى السّدي عن أبي مالك عن ابن عبّاس قال: كان في الجاهلية شياطين تعزف بالليل بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة فلمّا ظهر الإسلام قال المسلمون لرسول الله لا تطوفنّ بين الصفا والمروة فإنّه شرك كنّا نصنعه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .\nقتادة: كان ناس من تهامة في الجاهلية يسعون بين الصفا والمروة فلمّا جاء الإسلام تحوّبوا السعي بينهما كما كانوا يتحوّبونه في الجاهلية فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقتادة: كان [حي من تهامة لا يسعون بينهما] فأخبرهم إنّها كانت سنّة إبراهيم\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٢٨.","vol":"2","page":26},{"text":"وإسماعيل ﵇ «١» .\nوروى الزهري عن عروة بن الزبير قال: قلت لعائشة ما الصفا والمروة؟ قالت: قول الله:\nإِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الآية، والله ما على أحد جناح ألّا يطوف بين الصفا والمروة فقالت: عائشة ليس ما قلت يا ابن اختي إن هذه لو كانت على ما أولها ما كان عليه جناح أن لا يطوف بهما، ولكنّها إنّما نزلت في الأنصار وذلك وأنهم كانوا قبل أن يسلموا يصلون لمناة الطاغية وهي صنم من مكّة والمدينة بالمشلل، وكان من أهل لها تخرّج أن يطوف بين الصفا والمروة. فلمّا أسلموا سألهم رسول الله ﷺ عن ذلك. فقالوا: يا رسول الله إنّا كنا لا نطوف بين الصّفا والمروة لأنّهما صنمان. فهل علينا حرج أن نطوف بهما؟\nفأنزل الله تعالى هذه الآية. ثمّ قالت عائشة (﵂) قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بينهما. فليس لأحد تركه.\nقال الزّهري: قد ذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرّحمن بن الحرث بن هشام.\nفقال: هذا العلم.\nوقال مقاتل بن حيّان: إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطّواف بين الصفا والمروة، غير الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وعامر بن صعصعة سموا حمسا لتشدّدهم في دينهم والحماسة الشّجاعة والصّلابة، فسألت الحمس رسول الله ﷺ عن السعي بين الصفا والمروة أمن شعائر الله أم لا؟، فإنّه لا يطوف بهما غيرنا فنزلت هذه الآية.\nواختلف العلماء في هذه الآية فقال الشافعي ومالك: الطواف بين الصفا والمروة فرض واحد ومن تركه لزمه القضاء والإعادة فلا تجزيه فدية ولا شيء إلّا العود إلى مكّة والطّواف بينهما كما لا يجزي تارك طواف الافاضة إلّا قضاؤه بعينه.\nوقالا: هما طوافان واجبان أمر بهما أحدهما بالبيت والأخر بين الصفا والمروة وحكمها واحد.\nوقال الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمّد: إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن وان لم يعد فعليه دم ورأوا أنّ حكم الطواف منهما حكم رمي بعض الجمرات والوقوف بالمعشر وطواف الصدر وما أشبه ذلك ممّا يجزي تاركه بتركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه.\nوقال أنس بن مالك وعبد الله بن الزّبير ومجاهد وعطاء: الطواف بهما تطوّع إن فعله فاعل يكن محسنا، وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء، واحتج من لم يوجب السّعي والطواف بينهما\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٦٥. [.....]","vol":"2","page":27},{"text":"بقراءة ابن عبّاس وأنس وشهر بن حوشب وابن سيرين: فلا جناح عليه أن لا يطّوف بهما بإثبات لا، وكذلك هو في مصحف عبد الله والجواب عنه أن (لا): زيادة صلة كقوله ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ «١»، وكقوله أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ «٢»، وفَلا أُقْسِمُ «٣»، وقال الشاعر:\nفلا ألوم البيض ألّا تسخرا ... لمّا رأين الشمط القفندرا\nفأركان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه [تمجّح] حجة مع احتمال الكلام ما وصفناه فكيف وهو خلاف رسوم الشّيخ الإمام ومصاحف الإسلام.\nثمّ الدليل على إنّ السّعي بينهما واجب وعلى تاركه إعادة الحج ناسيا تركه أو عامدا بظاهر الأخبار. إنّ رسول الله ﷺ فعل ذلك وأمر به.\nروى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: لما دنا رسول الله ﷺ من الصّفا في حجّته قال: «إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ إبدءوا بما بدء الله به فبدأ بالصّفا فرقى عليه حتّى رأى البيت ثمّ مشى حتّى إذا تصوّبت قدماه في الوادي سعى» [١٤] .\nوروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لعمري ما حجّ من لم يسع بين الصفا والمروة، مفروض في كتاب الله والسنّة، قال الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ.\nوقال رسول الله ﷺ: «يا أيّها النّاس كتب عليكم السّعي فاسعوا» [١٥] .\nقال كليب: رأى ابن عبّاس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا ما أورثتكم أمّكم أمّ إسماعيل انطلقت حين عطش ابنها وجاع فوجدت الصفا أقرب جبل إلى الأرض فقامت عليه ثمّ استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الوادي، ورفعت طرف درعها ثمّ سعت سعي الإنسان المجهود حتّى جاوزت الوادي ثمّ أتت المروة وقامت عليها تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرّات.\nوقال محمّد: حجّ موسى ﷺ على جبل أحمر وعليه عباءتان قطرانيتان فطاف بالبيت ثمّ صعد الصّفا ودعا ثمّ هبط إلى السعي وهو ملبّي فقال: لبيك اللهم لبيك، فقال الله ﷿ لبّيك عبدي وأنا معك، فخرّ موسى ساجدا.\nوَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا قرأ حمزة والكسائي تَطَّوْعَ بالتّاء وتشديد الطّاء وجزم العين وكذلك التاء في بمعنى يتطوع واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبد الله ومن تطوع بالتّاء.\nوقرأ الباقون: تَطَوَّعَ بالتاء وضعف العين على المضي.\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٢.\n(٢) سورة الأنبياء: ٩٥.\n(٣) سورة القيامة: ١. ٢، سورة البلد: ١.","vol":"2","page":28},{"text":"قال مجاهد: فمن تطوّع بالطواف بالصّفا والمروة، وقال: تطوّع رسول الله ﷺ وكان من النبيّين.\nوقال مقاتل والكلبي: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا زاد في الطواف ففيه الواجب.\nوقال ابن زيد: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فاعتمر، والحج فريضة والعمرة تطوّع.\nوقيل: فمن تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه.\nوقال الحسن وغيره: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا يعني به للدّين كلّه. أيّ فعل غير المفترض عليه من طواف وصلاة وزكاة أو نوع من أنواع الطّاعات كلّها.\nفَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ مجاز بعمله.\nعَلِيمٌ بنيّة من يشكر اليسير ويعطي الكثير ويغفر الكبير وأصل الشكر من قول العرب:\nدابّة شكور إذا كان يظهر عليها من السمن فوق ما يعلف.\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعني الرجم والحدود والأحكام والحلال والحرام.\nوَالْهُدى يعني وأمر محمّد ﷺ ونعته.\nمِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ لبني إسرائيل.\nفِي الْكِتابِ في التّوراة نزلت في علماء اليهود ورؤسائهم كتموا صفة محمّد ﷺ وآية الرجم.\nأُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ أصل اللّعن في اللغة الطّرد ولعن الله إبليس بطرده إيّاه حين قال له:\nفَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ «١» .\nقال الشّماخ: وذكر ما ورده:\nذعرت به القطا وبقيت فيه ... مقام الذّئب كالرّجل اللّعين\nوقال النّابغة:\nفبتّ كانّني خرج لعين ... نفاه النّاس أو أدنف طعين\nفمعنى قولنا: لعنه الله: أي طرده وأبعده وأصل اللّعنة ما ذكرنا ثمّ كثر ذلك حتّى صار قولا.\n_________\n(١) سورة الحجر: ٣٤، وسورة ص: ٧٧.","vol":"2","page":29},{"text":"وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهمّ العنهم واختلف المفسّرون في هؤلاء اللّاعنين.\nقال قتادة: هم الملائكة.\nعطاء: الجنّ والأنس.\nالحسن: عباد الله أجمعون.\nابن عبّاس: كلّ شيء إلّا الجنّ والأنس.\nالضحّاك: إن الكافر إذا وضع في حفرته قيل له من ربّك؟ ومن نبيّك؟ وما دينك؟ فيقول:\nلا أدري. فيقول له: لا دريت، ثمّ يضربه ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلّا الثّقلان الأنس والجنّ فلا يسمع صوته شيء إلّا لعنه فذلك قوله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.\nالبراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وضع في قبره أتته دابّة كأنّ عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلّا لعنه ولا يبقى شيء إلّا سمع صوته غير الثقلين.\nابن مسعود: هو الرّجل يلعن صاحبه فترتفع اللّعنة في السماء ثمّ تنحدر فلا تجد صاحبها الّذي قيلت له أهلا لذلك فترجع إلى الّذي يحكم بها فلا تجده لها أهلا فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله ﷿ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. فمن تاب منهم ارتفعت اللّعنة عنه وكانت فيمن لقي من اليهود.\nمجاهد: اللَّاعِنُونَ البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا أسنت السنّة وامسك المطر قالت: هذا بشؤم ذنوب بني آدم.\nعكرمة: دوابّ الأرض وهوامّها حتّى الخنافس والعقارب يقولون منعنا القطر بذنوب بني آدم وإنّما قال لهذه الأشياء اللَّاعِنُونَ ولم يقل اللاعنات لأن من شأن العرب إذا وصفت شيئا من الجمادات والبهائم. وغيرها سوى النّاس بما هو صفة للنّاس من فعل أو قول لن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقولهم وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «١» ولم يقل ساجدات، وقوله للأصنام بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ «٢»، وقوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ «٣»، وقوله وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا «٤» الآية ثمّ استثنى فقال:\n_________\n(١) سورة يوسف: ٤.\n(٢) سورة الأنبياء: ٦٣.\n(٣) سورة النمل: ١٨.\n(٤) سورة فصّلت: ٢١.","vol":"2","page":30},{"text":"إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من الكفر.\nوَأَصْلَحُوا الأعمال فيما بينهم وبين ربّهم.\nوَبَيَّنُوا صفة محمّد ﷺ وآية الرجم.\nفَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم.\nوَأَنَا التَّوَّابُ الرجّاع بقلوب عبادي المنصرفة عني.\nالرَّحِيمُ بهم بعد إقبالهم عليّ. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ واو حال.\nأُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ أي ولعنة الملائكة.\nوَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ قتادة والربيع: يعني النّاس أجمعين: المؤمنين.\nأبو العالية: هذا يوم القيامة يوقّف الكافر فيلعنه الله ﷿ ثمّ تلعنه الملائكة ثمّ يلعنه النّاس أجمعين.\nالسّدي: لا يتلاعن اثنان مؤمنان ولا كافران فيقول أحدهما لعن الله الظالم إلّا وجبت تلك اللعنة على الكافر لأنّه ظالم فكل أحد من الخلق يلعنه.\nخالِدِينَ فِيها مقيمين في اللعنة والنّار.\nلا يُخَفَّفُ لا يرفّه عنهم العذاب.\nوَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يمهلون ويؤجلون.\nوقال أبو العالية، لا ينظرون: فيعذرون كقوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٣ الى ١٦٥]</span>\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (١٦٣) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (١٦٥)\nوَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس:\nنزلت في كفّار قريش قالوا: يا محمّد صف وأنسب لنا ربّك فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص وهذه الآية.\n_________\n(١) سورة المرسلات: ٣٦.","vol":"2","page":31},{"text":"جويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: كان للمشركين في الكعبة ثلاثمائة وستون صنما يعبدون من دون الله إفكا وشرّا فبيّن الله تعالى لهم إنّه واحد فأنزل: وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ.\nسعيد عن أبي الضحى: قال: لمّا نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إنّ محمّدا يقول إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فليأتنا بآية إن كان من الصّادقين فأنزل الله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ\nأي تعاقبهما في الذهاب والمجيء والاختلاف: الافتعال من خلف يخلف خلوفا يعني إنّ كل واحد منهما إذا ذهب أحدهما جاء آخر خلافه أي: بعده، نظير قوله: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً «١» .\nعطاء وابن كيسان: أراد في اختلاف الليل والنّهار في اللّون والطّول والقصر والنّور والظلمة والزيادة والنقصان يكون أحدهما على الآخر، والليل جمع ليلة مثل تمرة وتمر ونحلة ونحل، واللّيالي جمع الجمع والنّهار واحد وجمعه نهر. قال الشّاعر:\nلولا الثّريدان هلكنا بالضّمر ... ثريد ليل وثريد بالنّهر «٢»\nوقدّم الليل على النّهار بالذكر لأنّه الأصل والأقدام قال الله تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ «٣» . خلق الله تعالى الأرض مظلمة ثمّ خلق الشمس والقمر وهذا كتقديمه الصّوامع والبيع والصلوات على المساجد.\nوَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ يعني السفن واحدة وجمعه سواء قال الله تعالى: وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ.\nوقال في الجمع: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ يذكّر ويؤنّث قال الله تعالى: الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ\nوقال في التأنيث الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ فالتذكير على الفظ الواحد والتأنيث على معنى الجمع.\nبِما يَنْفَعُ النَّاسَ يعني ركوبها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وانواع المطلب.\nوَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ يعني المطر.\nفَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بعد يبوستها وجدوبتها.\nوَبَثَّ نشر وفرّق.\nفِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ أي يقلّبها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا.\n_________\n(١) سورة الفرقان: ٦٢.\n(٢) مجمع البيان: ١/ ٤٤٨.\n(٣) سورة يس: ٣٧.","vol":"2","page":32},{"text":"وقيل: تصريفيها مرّة بالرحمة ومرّة بالعذاب.\nوقرأ حمزة والأعمش والكسائي وخلف: الرّيح بغير ألف على الواحد وقرأ الباقون:\nالرِّياحِ بالجمع.\nقال ابن عبّاس: الرّياح للرحمة والريح للعذاب،\nوعن النبيّ ﷺ: إذا هاجت الريح يقول:\n«اللهمّ اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا» [١٦] «١» .\nوالرّيح يذكر ويؤنث.\nوَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ أي الغيم المذلّل بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ سمّي سحابا لأنّه يسحب أي يسير في سرعته كأنّه يسحب: أي يجرّ.\nلَآياتٍ دلالات وعلامات.\nلِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فيعلمون إنّ لهذه الأشياء خالقا وصانعا.\nقال رسول الله ﷺ: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها»\n[١٧] «٢» . أي لم يتفكّر فيها ولم يعتبر بها.\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ يعني الأصنام المعبودة من دون الله قال أكثر المفسّرين.\nوقال السّدي: ساداتهم وقاداتهم الّذين كانوا يطيعونهم في معصية الله ف يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ أي كحبّ المؤمنين الله، وهذا كما يقال: بعت غلامي كبيع غلامك يعني: كبيعك غلامك.\nوأنشد الفرّاء:\nولست مسلّما ما دمت حيّا ... على زيد كتسليم الأمير «٣»\nأي كتسليمي على الأمير هذا قول أكثر العلماء، وقال ابن كيسان والزجّاج: تقدير الآية:\nيحبّونهم كحبّهم الله يعني أنّهم يسوّون بين هذه الأصنام وبين الله في المحبّة ثمّ قال:\nوَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ قال ابن عبّاس: أثبت وأدوم وذلك إن المشركين كانوا يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوا ذلك الوثن وأقبلوا على عبادة الأحسن.\nعكرمة: أَشَدُّ حُبًّا في الآخرة.\n_________\n(١) الفائق في غريب الحديث للزمخشري: ٢/ ٦٥، وتاج العروس: ٢: ١٤٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠١، وتاج العروس: ٢/ ٩٧. [.....]\n(٣) مجمع البيان: ١/ ٤٦٣.","vol":"2","page":33},{"text":"قتادة: إنّ الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله ﷿ لقوله: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «١» .\nقوله تعالى: وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ «٢» .\nوالمؤمن لا يعرض عن الله في الضّراء والسرّاء والرّخاء والبلاء ولا يختار عليه سواه.\nالحسن: إنّ الكافرين عبدوا الله بالواسطة وذلك قولهم للأصنام: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ «٣» .\nوقوله: ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى «٤» .\nوالمؤمنون يعبدونه بلا واسطة ولذلك قال عزّ من قائل: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.\nسعيد بن جبير: إنّ الله يأمر يوم القيامة من أحرف نفسه في الدّنيا على رؤية الأصنام أن يدخلوا جهنّم مع أصنامهم فيأتون لعلمهم إنّ عذاب جهنم على الدّوام ثمّ يقول للمؤمنين بين أيدي الكافرين: إنّ كنتم أحبّائي لا تحبّون النّار فينادي مناد من تحت العرش وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ.\nوقيل: لأنّ حبّ المشركين لأوثانهم مشترك لأنّهم يحبّون الأنداد الكثيرة وحبّ المؤمنين لربّهم غير مشترك لأنّهم يحبّون ربّا واحدا، وقيل: لأنّ حبّهم هوائي وحبّ المؤمنين عقلي.\nوقيل إنّ حبّهم للأصنام بالتقليد وحبّ المؤمنين لله تعالى بالدّليل والتمييز.\nوقيل: لأنّ الكافرين يرون معبودهم ومصنوعهم والمؤمنون يرون الله تعالى صانعهم، وقيل: لأنّ المشركين أحبّوا الأصنام وعاينوها والمؤمنون يحبّون الله ولم يعاينوه بل آمنوا بالغيب في الغيب للغيب.\nوقيل: إنّما قال وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ لأنّ الله أحبّهم أوّلا ثمّ أحبّوه ومن شهد له المعبود بالمحبّة كان محبّته أتم وأصح.\nقال الله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «٥» .\nوقرأ أبو رجاء العطاردي: يَحبونهم بفتح الياء وهي لغة يقال: حببت الرجل فهو محبوب\n_________\n(١) سورة العنكبوت: ٦٥.\n(٢) سورة الإسراء: ٦٧.\n(٣) سورة يونس: ١٨.\n(٤) سورة الزمر: ٣.\n(٥) سورة المائدة: ٥٤.","vol":"2","page":34},{"text":"قال الفرّاء أنشدني أبو تراب:\nأحبّ لحبّها السّودان حتّى ... حببت لحبّها سواد الكلاب\nوَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قرأ أبو عبد الرحمن وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر وشيبه ونافع وقتادة والأعرج وعمرو بن ميمون وسلام ويعقوب وأيّوب وابن عبّاس ولو ترى بالتّاء: أي تبصر يا محمّد وقرأ الباقون بالياء.\nفمن قرأ بالتّاء فهو خطاب للنبيّ ﷺ والجواب محذوف تقديرها ولو ترى: أي تبصر يا محمّد الَّذِينَ ظَلَمُوا: أشركوا.\nإِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ لرأيت أمرا عظيما ولعلمت ما يصيرون إليه أو لتعجّبت منه، ومن قرأ بالياء فمعناه: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا أو لآمنوا أو لعلموا مضرّة الكفر ونظير هذه الآية من المحذوف الجواب قوله تعالى: وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ «١» الآية: يعني لكان هذا القرآن وهو كما يقول: لو رأيت فلانا والسّياط تأخذه. فتستغني عن الجواب لأنّ المعنى مفهوم إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ.\nوقرأ أبو البرخثم وابن عامر: يُرون بضم الياء على التعدي «٢»، وقرأ الآخرون بفتحها على اللزوم.\nأَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا قرأ الحسن وقتادة وأبو جعفر وشيبة وسلام ويعقوب: إنّ القوّة وإن الله بكسر الألف فيهما على الاستئناف. والكلام تام عند قوله يَرَوْنَ الْعَذابَ مع إضمار الجواب، كما ذكرنا.\nوقرأ الباقون: بفتحها على معنى بانّ القوّة وبانّ الله، وقيل: معناه ليروا أنّ القوّة لله. أي لأيقنوا وعاينوا.\nقال عطاء: وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا يوم القيامة إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ حين تخرج إليهم جهنم من مسيرة خمسمائة عام لتلتقطهم كما يلتقط الحمام الحبّة لعلموا أَنَّ الْقُوَّةَ والقدرة والملكوت والجبروت لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٦ الى ١٦٧]</span>\nإِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)\n_________\n(١) سورة الرعد: ٣١.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ٢٠٥ ونسبه لابن عمر وحده.","vol":"2","page":35},{"text":"إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا قرأ مجاهد: بتقديم الفاعل على المفعول.\nوقرأ الباقون: بالضدّ، والمتبوعون هم الجبابرة والقادة في الشرك والشّر، والتابعون هم الأتباع والضّعفاء والسفلة قاله أكثر أهل التفسير.\nالسّدي: هم الشّياطين يتبرءون من الأنس.\nوَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ أي عنهم، والباء بمعنى عن.\nالْأَسْبابُ قال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة: يعني المودّة والوصلة التي صارت بينهم في الدّنيا، أو صارت مخالفتهم عداوة.\nربيع: يعني بالأسباب. المنازل التي كانت لهم من أهل الدّنيا، ابن جريح والكلبي: يعني الأنساب والأرحام كقوله تعالى فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ «١» .\nالسّدي: يعني الأعمال التي كانوا يعملونها في الدّنيا. بيانه قوله وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا «٢» وقوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ «٣» .\nفأهل التقوى أعطوا الأسباب أعمال وثيقة فيأخذون بها وينجون، الآخرون يعطون أسباب أعمالهم الخبيثة فتنقطع بهم أعمالهم فيذهبون إلى النّار.\nأبو روق: العهود التي كانت بينهم في الدنيا، وأصل السّبب كلّ شيء يتوصل به إلى شيء من ذريعة أو قرابة أو مودّة، ومنه قيل للجهاد: سبب وللطريق سبب وللسلّم سبب. قال زهير:\nومن هاب أسباب المنايا ظلته ... لو رام أن يرقى السّماء بسلّم\nوَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا يعني الأتباع.\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ١٠١.\n(٢) سورة الفرقان: ٢٣.\n(٣) سورة محمد ﷺ: ١.","vol":"2","page":36},{"text":"لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة إلى الدّنيا.\nفَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ أي من المتبوعين.\nكَما تَبَرَّؤُا مِنَّا اليوم. أجاب للتمني بالفعل.\nقال الله ﷿ كَذلِكَ أي كما أراهم العذاب كذلك.\nيُرِيهِمُ اللَّهُ وقيل: ليتبرأوا بعضهم من بعضهم يريهم الله أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ ندامات.\nعَلَيْهِمْ قيل: أراد أعمالهم الصّالحة التي ضيّعوها.\nقال السّدي: ترفع لهم الجنّة فينظرون إليها وإلى بيوتهم فسألوا قيل: أراد أعمالهم لو أطاعوا الله فيقال لهم: تلك مساكنكم لو أطعتم الله. ثمّ تقسم بين المؤمنين فيرثوهم فذلك حين يندمون.\nربيع: أراد به أعمالهم السّيئة لم عملوها وهلّا عملوا بغيرها ممّا يرضي الله تعالى.\nابن كيسان: إنّهم أشركوا بالله الأوثان رجاء أن يقرّبهم إلى الله فلمّا عذّبوا على ما كانوا يرجون ثوابه تحسّروا وندموا والحسرات جمع حسرة وكذلك كلّ اسم كان واحدة على فعله مفتوح الأوّل ساكن الثاني فإنّ جمعه على فعلات مثل ثمرة وثمرات وشهوة وشهوات فأمّا إذا كان نعتا فانّك تسكّن ثانية مثل ضخمة وضخمات وعيلة وعيلات وكذلك ما كان من الأسماء مكسور الأوّل مثل نعمة وسدرة.\nوَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٦٨ الى ١٧٦]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (١٦٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)\nإِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣) إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا نزلت في ثقيف وخزاعة وعامر بن صعصعة وبني مدلج فبما حرّموا على أنفسهم من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فقال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ دخل للتبعيض لأنّه ليس كلّ ما في الأرض يمكن أكله أو يحلّ أكله حَلالًا طَيِّبًا طاهرا وهما منصوبان على الحال.","vol":"2","page":37},{"text":"وقيل: على المفعول تقديره: كلوا حلالا طيّبا كما في الأرض.\nوَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ قرأ شيبه ونافع وعاصم والأعمش وحمزة خُطْواتِ:\nبسكون الطّاء في جميع القرآن وهي أكثر الروايات عن أبي عمرو.\nوقرأ أبو جعفر وأبو مجلن وأبو عمرو في بعض الروايات والزهري وابن عامر والكسائي:\nبضم الخاء والطّاء.\nوقرأ علي وعمرو بن ميمون وسلام: بضم الخاء والطّاء وهمزة بعد الطّاء.\nوقرأ أبو السّماك العدوي وعبيد بن عمير: خَطَوات بفتح الخاء والطاء فمن خفّف فإنّه أبقاه على الأصل، وطلب الخفّة لأنّها جمع خطوة ساكنة الطاء، ومن ضم الطاء فيه أتبعها ضمة الخاء، وكل ما كان من الأسماء وزن فعله فجمع على التاء فإنّ الأغلب والأكثر في جمعه التثقيل وتحريك من الفعل بالحركة التي في فاء الفعل في الواحد مثل ظلمة وظلمات، وقربة وقربات، وحجرة وحجرات، وقد يخفف أيضا.\nومن ضمّ الخاء والطاء مع الهمز.\nفقال الأخفش: أراد ذهب بها مذهب الخطيئة فجعل ذلك على مثال خطه من الخطأ.\nوقال ابو حاتم: أرادوا إشباع الضمّة في الواو فانقلبت همزة وهذا شائع في كلّ واو مضمومة ومن نصب الخاء والطّاء فانّه أراد جمع خطوة مثل تمرة وتمرات واختلفوا في معنى قوله خُطُواتِ الشَّيْطانِ فروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: خُطُواتِ الشَّيْطانِ: عمله.\nمجاهد وقتادة والضّحاك: خطاياه.\nالسّدي والكلبي: طاعته.\nعطاء عن ابن عبّاس: زلاته وشهواته.\nأبو مجلن: هي البذور في المعاصي.\nالمورّج: آثاره.\nأبو عبيد: هي المحقّرات من الذنوب.\nالقتيبي والزجاج: طرقه.\nوالخطوة ما بين القدمين، والخطوة بالفتح الفعلة الواحدة من قول القائل: خطوت خطوة واحدة «١» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٠٥.","vol":"2","page":38},{"text":"إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ بيّن العداوة، وقيل: مظهر العداوة، قد أبان عداوته لكم بإبائه السّجود لأبيكم آدم ﵇ وغروره إياه حين أخرجه من الجنّة، وأبان: يكون لازما ومتعديا، ثمّ بيّن عداوته فقال إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ «١»: يعني الإثم، وأصل السّوء كل ما يسوء صاحبه، وهو مصدر: ساءه- يسوءه- سوءا ومساءة إذا حزنه وسوءه شيء أي حزنته فحزن. قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا «٢» . قال الشاعر:\nإنّ يك هذا الدّهر قد ساءني ... فطالما قد سرّني الدّهر\nالأمر عندي فيهما واحد ... لذلك صبر ولذا شكر\nوَالْفَحْشاءِ يعني المعاصي، وما قبح من القول والفعل وهو مصدر كالبأساء والضّراء واللاواء، ويجوز أن يكون نعتا لا فعل له كالعذراء والحسناء، وقال متمم بن نويرة.\nلا يضمر للحشا تحت ثيابه ... خلق شمائله عفيف المبرر\nواختلف المفسرون في معنى الفحشاء المذكور في هذه الآية.\nروى باذان عن ابن عبّاس قال: الفحشاء كلّ ما فيه حدّ في الدّنيا من المعاصي فيكون من القول والفعل، والسّوء من الذنوب ما لا حدّ فيه.\nطاوس: عنه فهو ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة.\nعطاء عنه: البخل. السّدي: الزّنا.\nوزعم مقاتل إنّ جميع ما في القرآن من ذكر الفحشاء فإنّه الزّنا إلّا قوله الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ فإنّه منع الزّكاة.\nوَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من تحريم الحرث والأنعام.\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ اختلفوا في وجه هذه الآية، قال بعضهم: إنّها قصّة مستأنفة وأنّها نزلت في اليهود على هذا القول تكون الهاء والميم في قوله: لَهُمُ كناية عن غير مذكور.\nوروى محمّد بن إسحاق بن يسار عن محمّد بن أبي محمّد مولى زيد بن ثابت عن سعيد بن جبير أو عكرمة عن ابن عبّاس قال: دعا رسول الله ﷺ اليهود إلى الإسلام ورغّبهم فيه وحذّرهم عذاب الله ونقمته فقال له نافع بن خارجة ومالك بن عوف قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا فهم كانوا خيرا واعلم منّا فأنزل الله هذه الآية\n، وقال قوم: بل هذه الآية صلة بما قبلها وهي\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٦٩.\n(٢) سورة الملك: ٢٧. [.....]","vol":"2","page":39},{"text":"نازلة في مشركي العرب وكفّار قريش واختلفوا فيه فقال الضّحاك عن ابن عبّاس: ف إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ يعني كفّار قريش من بني عبد الدّار، قالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا من عبادة الأصنام.\nفقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا من التوحيد ومعرفه الرحمن وَلا يَهْتَدُونَ للحجّة البالغة وعلى هذا القول تكون الهاء والميم عائدة على من في قوله وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا وقال الآخرون: إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ في تحليل ما حرّموه على أنفسهم من الحرث والأنعام والسائبة والوصيلة والبحيرة والحام وسائر الشرائع والأحكام قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا وجدنا عليه آباؤنا من التحريم والتحليل والدّين والمنهاج وعلى هذا القول تكون الهاء والميم راجعة إلى النّاس في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا «١» .\nويكون الرجوع عن الخطاب إلى الخبر، كقوله حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ «٢» وهذا أولى الأقاويل لأنّ هذه القصّة عقب قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ فهو أولى أن يكون خبرا عنهم من أن يكون خبرا عن المتخذين الأنداد بما فيهما من الآيات لطول الكلام.\nوادغم علي بن حمزة الكسائي لام هل وبل في ثمانية أحرف التاء كقوله بَلْ تُؤْثِرُونَ «٣» وهَلْ تَعْلَمُ «٤» والثاء كقوله هَلْ ثُوِّبَ «٥»، والسين في قوله بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ «٦»، والزاي كقوله بَلْ زُيِّنَ «٧»، والضاد كقوله بَلْ ضَلُّوا «٨»، والظاء كقوله بَلْ ظَنَنْتُمْ «٩» والطاء كقوله بَلْ طَبَعَ اللَّهُ «١٠»، والنون نحو قوله بَلْ نَحْنُ «١١»، بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا وإنّما خصّ به لام هل وبل دون سائر اللامات: لأنّها ساكنة بتا، وسائر اللّامات ساكنة بعلل متى ما زالت تلك العلل زال سكونها.\nفقال الله أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ واو العطف، ويقال أيضا واو التعجب دخلت عليها ألف الاستفهام للتوبيخ والتقرير فلذلك نصبت، والمعنى يتبعون آباءهم وإن كانوا جهّالا، وترك جوابه لأنّه معروف.\nقوله تعالى لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا لفظ عام ومعناه الخصوص لأنّهم كانوا يعقلون أمر الدّنيا\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٦٨.\n(٢) سورة يونس: ٢٢.\n(٣) سورة الأعلى: ١٦.\n(٤) سورة مريم: ٦٥.\n(٥) سورة المطفّفين: ٣٦.\n(٦) سورة يوسف: ١٨.\n(٧) سورة الرعد: ٣٣.\n(٨) سورة الأحقاف: ٢٨.\n(٩) سورة الفتح: ١٢.\n(١٠) سورة النساء: ١٥٥.\n: (١١) سورة الواقعة: ٦٧، سورة القلم: ٢٧.","vol":"2","page":40},{"text":"[ومعناه] لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا من أمر الدّين وَلا يَهْتَدُونَ.\nثمّ ضرب لهم مثلا فقال عزّ من قائل وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا.\nوسلكت العلماء في هذه الآية طريقين، وأوّلوها على وجهين: فقال قوم: أراد بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً مثل البهائم التي لا تعقل، مثل الإبل والغنم والبقر والحمير ونحوها، وعلى هذا القول: ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع والسدي وأكثر المفسرين. ثمّ اختلف أهل المعاني في وجه هذا القول وتقدير الآية.\nفقال بعضهم: معنى الآية: ومثلك يا محمّد ومثل الّذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله ﷿ قاله الأخفش والزجّاج.\nوقال الباقون: مثل واعظ الّذين كفروا وداعيهم.\nكَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ فترك ذلك وأضاف المثل إلى الّذين كفروا لدلالة الكلام عليه ويسمّى هذا النوع من الخطاب المضمر ومثله في القرآن كثير كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» قال الشاعر:\nحسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي وثبت غيرك بالعناق\nيعني حسبت بغام راحلتي بغام عناق، وقال الرّاجز:\nولست مسلما ما دمت حيا ... على زيد كتسليم الأمير «٢»\nأي كتسليمي على الأمير. فشبه الله ﷿ واعظ الكفار بالرّاعي الذي ينعق بالغنم أي يصيح ويصوت بها. يقال: ينعق نعيقا ونعاقا ونعقا إذا صاح وزجر، قال الأخطل:\nفانعق بضأنك يا جرير فإنّما ... منّتك نفسك في الخلاء ضلالا «٣»\nفكما أنّ هذه البهائم تسمع الصّوت ولا تفهمه ولا تنتفع به ولا تعقل ما يقال لها، وكذلك الكافر لا ينتفع بوعظك إن أمرته بخير أو زجرته عن سوء، غير أنّه يسمع صوتك.\nقال الحسن: يقول مثلهم فيما قبلوا من آباءهم وفيما أتيتهم به حيث لا يسمعونه ولا يعقلونه، كمثل راعي الغنم الذي نعق بها فإذا سمعت الصّوت رفعت رؤوسها فاستمعت إلى الصّوت والدّعاء ولا تعقل منه شيئا.\nثمّ تعود بعد إلى مراتعها لم تفقه ما يراد لها به، وقال بعضهم: معنى الآية وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قلّة عقلهم وفهمهم عن الله ﷿ وعن رسوله وسوء قبولهم عنهما كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الأمر والنّهي غير الصّوت فكذلك الكافر في قلة فهمه وسوء تفكّره\n_________\n(١) سورة يوسف: ٨٢.\n(٢) مجمع البيان: ١/ ٤٦٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ١١٣. [.....]","vol":"2","page":41},{"text":"وتدبّره فيما أمر به ونهي عنه فيكون المعنى للمنعوق به. الكلام خارج على النّاعق وهو فاش في كلام العرب، يفعلون ذلك ويقبلون الكلام لاتضاح المعنى عندهم. فيقولون. فلان يخافك كخوف الأسد: أي كخوفه الأسد.\nويقولون: أعرض الحوض على النّاقة، وإنّما هو أعرض النّاقة على الحوض. قال الله ﷿ إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ «١» وإنّما العصبة تنوء بالمفاتيح، وقال الشاعر:\nوقد خفت حتّى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل «٢»\nوالمعنى: حتّى ما يزيد مخافتي وجل على مخافتي، وقال الآخر:\nكانت فريضة ما تقول كما ... إنّ الزّنى فريضة الرّجم\nوالمعنى: كما إنّ الرّجم فريضة الزّنا، وأنشد الفراء:\nإن سراجا لكريم مفخره ... تجلى به العين إذا ما تجمره\nوالمعنى: يحلى بالعين، ونظائره كثيرة.\nوعلى هذا القول أبو عبيدة والفراء وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: معنى الآية: ومثل الكفّار في قلة فهمهم وعقلهم، كمثل الرّعاة يكلمون البهم، والبهم لا تعقل عنهم، وعلى هذا التفسير لا تحوّل الآية إلى الضمير، وقال بعضهم: معناها ومثل الّذين كفروا في دعائهم الأصنام التي لا تفقه دعاؤهم كمثل النّاعق بغنمه فلا ينتفع من نعيقه بشيء غير إنّه في عناء من دعاء ونداء، فكذلك الكافر ليس له من دعائه الآلهة وعبادته الأوثان إلّا العناء والبلاء، ولا ينتفع منها بشيء، يدلّ عليه قوله تعالى في صفة الأصنام إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ «٣» . فهذا وجه صحيح.\nوأمّا الوجه الآخر، فقال قوم: معنى الآية ومثل الكفّار في دعائهم الأوثان وعبادتهم الأصنام كمثل الرّجل الذي يصيح في جوف الجبال فيجيب فيها صوت يقال له: الصدى يجيبه ولا ينفعه. فيكون تأويل الآية على هذا القول، ومثل الكفّار في عبادتهم الأصنام كمثل الناعق بِما لا يَسْمَعُ منه إِلَّا دُعاءً وَنِداءً.\nثمّ قال صُمٌّ أي هم صمّ، والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما يسمعه كأنّه أصم.\nقال الشاعر:\nأصم عما يساء سميع\n_________\n(١) سورة القصص: ٧٦.\n(٢) مجمع البيان: ١/ ١٦٤.\n(٣) سورة فاطر: ١٤.","vol":"2","page":42},{"text":"بُكْمٌ عن الخير فلا يقولونه. عُمْيٌ عن الهدي فلا يبصرونه.\nفَهُمْ لا يَعْقِلُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ من حلالات.\nما رَزَقْناكُمْ من الحرث والأنعام وسائر المأكولات والنعم.\nوروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ إنّه قال: «إنّ الله طيب لا يقبل إلّا الطيب، وإنّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين. فقال: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ «١» وقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ ثمّ ذكر الرّجل يطيل السّفر أشعر أغبر يمدّ يديه إلى السماء بيا ربّ يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي في حرام فإنّى يستجاب له» [١٨] .\nوَاشْكُرُوا لِلَّهِ على نعمته.\nإِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ\nقال النبيّ ﷺ: «يقول الله ﷻ إنّي والجنّ والأنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري» [١٩] .\nثمّ بيّن ما حرّم عليكم فقال: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي: إِنَّما حَرُمَ خفيفة الرّاء مضمومة.\nالْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ رفعا على إنّ الفعل لها، وروى عن أبي جعفر: إنّه قرأ حُرِّمَ بضم الحاء وكسر الرّاء وتشديدها ورفع ما بعده وله وجهان:\nأحدهما: إنّ الفاعل غير مسمّى.\nوالثاني: إنّ الّذي حرّم عليكم الميّت على خبر إنّ.\nوقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: حَرَّمَ بنصب الحاء والرّاء مشدّدا ورفع ما بعده جعل ما بمعنى الّذي منفصله عن قوله: إنّ وحينئذ تكون ما نصبا باسم إنّ وما بعدها رفعا على خبرها كما تقول:\nإنّ ما أخذت مالك وإنّ ما ركبت دابّتك أي: إنّ الّذي قال الله إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ «٢» .\nوقرأ الباقون: حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ نصبا على إيقاع الفعل وجعلوا إِنَّما كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا.\nوقرأ أبو جعفر: الميّتة [وأخواتها] بالتشديد في كلّ القرآن، وأمّا الآخرون فخفّفوا بعضا وشدّدوا بعضا فمن شدّد قال أصله: ميوت فعل من الموت فأدغمت الياء في الواو وجعلت الواو ياء مشدّدة للكسرة كما فعلوا في سيّد وحيّد وصيّب ومن لم يشدّد فعلى طلب الخفّة وهما لغتان مثل: هيّن وهين، وليّن ولين. قال الشاعر:\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ٥١.\n(٢) سورة طه: ٦٩.","vol":"2","page":43},{"text":"ليس من مات واستراح بميّت ... إنّما الميت ميّت الأحياء\nفجمع بين اللّغتين.\nوحكى أبو معاذ عن النحويّين وقال: إنّ الميت بالتخفيف الّذي فارقه الرّوح، والميّت بالتشديد الّذي لم يمت بعد وهو يموت قال الله ﷿: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١»: لم يختلفوا في تشديده والله أعلم. والميتة: كلّ ما لم تدرك ذكاته وهو ممّا يذبح، والدّم: أراد به الدّم الجاري يدلّ عليه قوله ﷿: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا «٢» مقيّد.\nوهذه الآية مخصوصة بالسنّة وهو\nقول النبيّ ﷺ: «حلّلت أنا ميّتان ودمان فأمّا الميّتان فالحوت والجراد، وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال»\n[٢٠] «٣» .\nوقوله وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ أراد به جميع أجزائه وكلّ بدنه فعبّر بذلك عن اللّحم لأنّه معظمه وقوامه.\nوَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ أي ما ذبح عن الأصنام والطّواغيت. كما قاله ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحاك، وأصل الإهلال رفع الصّوت ومنه إهلال الحج وهو رفع الصّوت بالتّلبية. قال ابن أحمر:\nنصف فلاة يهلّ بالفرقد ركبانها ... كما يهلّ الراكب المعتمر\nوقال آخر:\nأو درّة صدفية غواصها ... يهيج متى يرها تهلّ وتسجد\nومنه [أهل] الصّبي واستهلاله، وهو صياحه عند خروجه من بطن أمّه،\nوفي الحديث:\n«كيف آذي من لا نطق ولا استهلّ ولا شرب ولا أكل»\n[٢١] فمثل ذلك يطل، ومثل إهلال المطر واستهلاله وانهلاله وهو صوت وقوعه على الأرض.\nقال عمر بن قميئة:\nظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النّطاف له بعيد المقلع «٤»\nوانّما قال: وَما أُهِلَّ بِهِ لأنهم كانوا إذا ذبحوا لآلهتهم الّتي ربّوها جهروا به أصواتهم فجرى ذلك من أمرهم حتّى قيل: لكل ذابح سمّى أو لم يسمّ جهر بالصّوت أو لم يجهر مهلّ.\nالربيع بن أنس وغيره: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر عليه غير اسم الله. وقال الزهري:\n_________\n(١) سورة الزمر: ٣٠.\n(٢) سورة الأنعام: ١٤٥.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٩٧، وسنن ابن ماجة: ٢/ ١١٠٢ ح ٣٣١٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ١١٦.","vol":"2","page":44},{"text":"الإهلال لغير الله أن تقول باسم المسيح وهذه الآية مخصوصة بأهل الكتاب وهو قوله وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ.\nوروى صيوة عن عقبة بن مسلم التجيبي وقيس بن رافع الأشجعي إنهما قالا: إنّما أحلّ لنا ما ذبح لعيد الكنائس وما أهدي لها من خبز أو لحم فإنّما هو طعام أهل الكتاب، وقال صيوة:\nقلت أرأيت قول الله تعالى: وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فقال: انّما ذلك المجوس وأهل الأوثان والمشركون «١» .\nفَمَنِ اضْطُرَّ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وابو عمرو: فَمَنِ اضْطُرَّ بكسر النون فيه وفي أخواته مثل: أَنِ اقْتُلُوا ... أَوِ اخْرُجُوا ونحوها لأنّ الجزم يحرّك إلى الكسر وقرأ الآخرون بضمّ النّون لمّا سكّنوا آخر الفعل الذي يليه لأجل الوصل نقلوا ضمّته إلى النّون، وقرأ ابن محيصن: فمن اضطر بإدغام الضّاد في الطّاء حتّى تكون طاء خالصة، قرأ أبو جعفر بكسر الطاء رد إلى الطّاء كسرت الرّاء المدغمة لأنّ أصله اضطرر على وزن افتعل من الضّرورة.\nقرأ الباقون: بضمّ الطاء على الأصل ومعناه أحرج وأجهد وألجئ إلى ذلك.\nوقال مجاهد: اكره عليه كالرجل يأخذه العدوّ فيكرهه على أكل لحم الخنزير وغيره من معصية الله.\nغَيْرَ نصب على الحال، وقيل على الاستثناء فإذا رأيت غيره لا يصلح في موضعها إلّا فهي حال وإذا صلح في موضعها إلّا، فهي: استثناء فقس على هذا ما ورد عليك من هذا الباب.\nباغٍ وَلا عادٍ أصل البغي في اللّغة قصد الفساد يقال: بغى الجرح يبغي بغيا إذا ترامى إلى الفساد ومنه قيل: للزّنا بغاء.\nقال الله تعالى: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ «٢» والزّانية بغي.\nقال الله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا «٣» .\nوأصل العدوان الظلم ومجاوزة الحد يقال: عدا عليه عدوا وعدوّا وعدوانا وعداء إذا ظلم، واختلف المفسرون في معنى قوله: غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فقال بعضهم: غَيْرَ باغٍ: أي غير قاطع للطّريق، وَلا عادٍ: مفرّق للائمة شاقّ للأمّة خارج عليهم بسيفه فمن خرج يقطع الرحم أو يخيف ابن السبيل أو يفسد في الأرض أو ابق من سيّده أو فرّ من غريمه أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطرّ إلى ميتة لم يحلّ له أكلها أو اضطرّ إلى الخمر عند العطش لم يحلّ له شربه ولا\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١١٧.\n(٢) سورة النور: ٣٣.\n(٣) سورة مريم: ٢٨.","vol":"2","page":45},{"text":"رخصة له ولا كرامة فأمّا إذا خرج مطيعا ومباحا له ذلك فانه يرخّص فيه له وهذا قول: مجاهد وسعيد بن جبير والضحّاك والكلبي ويمان وهو مذهب الشّافعي، قال: إذا أبحنا له ذلك فقد أعناه على فساده وظلمه إلى أن يتوب ولا يستبيح ذلك وقال آخرون: هذا البغي والعدوان راجعان إلى الاكل واليه ذهب أبو حنيفة وأباح تناول الميتة للمضطر وإن كان عاصيا.\nثمّ اختلف أهل التأويل في تفصيل هذا التفسير:\nفقال الحسن وقتادة والرّبيع وابن زيد: غَيْرَ باغٍ: يأكله من غير اضطرار، وَلا عادٍ: متعدي يتعدى الحلال إلى الحرام فيأكلها وهو غني عنها.\nمقاتل بن حيّان: غَيْرَ باغٍ: أي مستحل لها، وَلا عادٍ: متزود منها.\nالسّدي: غَيْرَ باغٍ في أكله شهوة فيأكلها ملذذا، وَلا عادٍ يأكل حتّى يشبع منه ولكن يأكل منها قوتا مقدار ما يمسك رمقا.\nشهر بن حوشب: غَيْرَ باغٍ: أي مجاوز للقدر الّذي يحلّ له، وَلا عادٍ ولا يقصر فيما يحلّ له فيدعه ولا يأكله.\nقال مسروق: بلغني إنّه من اضطر إلى الميتة فلم يأكلها حتّى مات دخل النّار، وقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يحلّ للمضطر أكله من الميتة.\nفقال بعضهم: مقدار ما يمسك به رمقه، وهو أحد قولي الشّافعي واختيار المزني.\nوالقول الآخر: يأكل منها حتّى يشبع، وقال مقاتل بن حيّان: لا يزداد على ثلاث لقم.\nوقال سهل بن عبد الله: غَيْرَ باغٍ مفارق لجماعة، وَلا عادٍ مبتدع مخالف لسنّة، ولم يرخص للمبتدع تناول المحرمات عند الضرورات.\nفَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فلا حرج عليه في أكلها.\nإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما أكل من الحرام في حال الاضطرار.\nرَحِيمٌ به حيث رخص له في ذلك.\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ الآية.\nقال جويبر عن الضّحاك عن ابن عبّاس: سئلت الملوك اليهود قبل مبعث محمّد ﷺ عن الذي يجدونه في التوراة فقالت اليهود: إنّا لنجد في التوراة إنّ الله ﷿ يبعث نبيّا من بعد المسيح يقال له: محمّد، يحرّم الزّنى والخمر والملاهي وسفك الدّماء، فلما بعث الله محمّدا ﷺ ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: أهذا الذي تجدون في كتابكم؟ فقالت اليهود طمعا في أموال الملوك: ليس هذا بذلك النبيّ ﷺ، فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية","vol":"2","page":46},{"text":"إكذابا لليهود.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبيّ المبعث منهم، فلما بعث الله محمّدا ﷺ من غيرهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد ﷺ فغيّروها ثمّ أخرجوها إليهم، وقالوا: هذا نعت النبيّ الذي يخرج في آخر الزّمان ولا يشبه نعت هذا النبيّ الّذي بمكّة.\nفلما نظرت السفلة إلى النعت المغيّر وجدوه مخالفا لصفة محمد ﷺ فلا يتبعونه.\nفأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ يعني صفة محمد ﷺ ونبوّته.\nوَيَشْتَرُونَ بِهِ بالمكتوم.\nثَمَنًا قَلِيلًا عرضا يسيرا يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم.\nأُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ذكر البطن هاهنا للتوكيد لأن الإنسان قد يقول أكل فلان مالي إذا أفسده وبذّره، ويقال: كلمة من فيه لأنّه قد يكلمه مراسلة ومكاتبة، وناوله من يده ونحوها.\nقال الشاعر:\nنظرت فلم تنظر بعينك منظرا\nإِلَّا النَّارَ يعني إلّا ما يوردهم النّار، وهو الرّشوة والحرام وثمن الدّين والإسلام.\nلمّا كانت عاقبته النّار، سماه في الحال نارا.\nكقوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا «١» يعني إنّ عاقبته تؤول إلى النّار،\nوقوله ﷺ في الذي يشرب في آنية الذهب والفضة «إنّما يجرجر في بطنه نار جهنّم»\n«٢» [٢٢]، أخبر عن المال بالحال.\nوَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كلاما ينفعهم ويسرّهم هذا قول أهل التفسير، وقال أهل المعاني: أراد به إنّه يغضب عليهم كما يقول فلان لا يكلم فلانا: أي هو عليه غضبان.\nوَلا يُزَكِّيهِمْ لا يطهّرهم من دنس ذنوبهم.\n_________\n(١) سورة النساء: ١٠.\n(٢) سنن الدارمي: ٢/ ١٢١، وصحيح البخاري: ٦/ ٢٥١. [.....]","vol":"2","page":47},{"text":"وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ أي استبدلوا الضلالة.\nبِالْهُدى وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ.: اختلفوا في «ما» .\nفقال قوم: هي «ما» التعجب، واختلفوا في معناه.\nفقال الحسن وقتادة والرّبيع: والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النّار قال: وهذه لغة يمانية.\nوقال الفراء: اخبرني الكسائي، أخبرني قاضي اليمن: إنّ خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف، فقال خصمه: ما أصبرك على الله ... ! أي ما أجرأك عليه.\nوقال المورج: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النّار لأنّ هؤلاء كانوا علماء.\nفانّ من عاند النّبي ﷺ صار من أهل النّار.\nالكسائي وقطرب: معناه ما أصبرهم على عمل أهل النّار أي ما أدومهم عليه ... كما تقول: ما أشبه سخاك بحاتم: أي بسخاء حاتم.\nمجاهد: ما أعلمهم بأعمال أهل النّار، وقيل: ما أبقاهم في النّار! كما يقال: ما أصبر فلانا على الضرب والحبس ... !\nعطاء والسّدي وابن زيد وأبو بكر بن عبّاس: هي «ما» الاستفهام ومعناه: ما الذي صبرهم وأيّ شيء صبّرهم على النّار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل.\nفقيل هذا على وجه الاستهانة.\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ قال بعضهم معناه ذلِكَ العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ واختلفوا فيه، وحينئذ تكون «ذلك» في محل الرّفع، وقال بعضهم محله نصب.\nمعناه: فعلنا ذلك بهم بأنّ الله ﷿، أو لأنّ الله نزّل الكتاب بالحقّ، واختلفوا فيه، وكفروا به فنزع حرف الصّفة.\nوقال الأخفش: خبر ذلك مضمر معناه: ذلك معلوم لهم بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ.\nوقال بعضهم: معناه «ذلِكَ»: أي فعلهم الذين يفعلون من الكفر والاختلاف والاجتراء على الله تعالى من أجل إنّ الله نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، وتنزيله الكتاب بالحقّ هو اخباره عنهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ «١» .\nوَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٦.","vol":"2","page":48},{"text":"لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ لفي خلاف، وضلال طويل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٧٧ الى ١٧٩]</span>\nلَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)\nلَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ حمزة وحفص: لَيْسَ الْبِرَّ بنصب الرّاء، وقرأ الباقون: بالرّفع فمن رفع البرّ جعله اسم ليس، وجعل خبره في قوله أَنْ تُوَلُّوا تقديره: ليس البرّ توليتكم، وجوهكم، ومن نصب جعل أن وصلتها في موضع الرّفع على اسم ليس تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرّ كلّه. كقوله ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا «١»، وقوله فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ «٢» .\nهارون عن عبد الله وأبي بن كعب: إنّهما قرئا. ليس البرّ بأن تولوا وجوهكم، واختلف المفسرون في هذه الآية:\nفقال قوم: عنى الله بهذه الآية اليهود والنّصارى وذلك إنّ اليهود كانت تصلّي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنّصارى قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم إنّ البرّ في ذلك، فأخبر الله إنّ البرّ غير دينهم وعملهم، ولكنه ما بيّنه في هذه الآية، وعلى هذا القول: قتادة والرّبيع ومقاتل بن حيّان وعوف الأعرابي.\nوقال الآخرون: المراد بهذه الآية المؤمنون وذلك\nإنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية فدعا رسول الله ﷺ ذلك الرّجل فتلاها عليه.\nوقد كان الرّجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا اله إلّا الله وإنّ محمّدا عبده ورسوله وصلّى الصلاة إلى أىّ ناحية ثمّ مات على ذلك وجبت له الجنّة، فلما هاجر رسول الله ﷺ ونزلت الفرائض وحدّد الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة. أنزل الله هذه الآية فقال: ليس البرّ كلّه أن تصلّوا وتعملوا غير ذلك.\n_________\n(١) سورة الجاثية: ٢٥.\n(٢) سورة الحشر: ١٧.","vol":"2","page":49},{"text":"وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ جعل من وهي اسم خبرا للبرّ وهو فعل ولا يقال: البرّ زيد، واختلفوا في وجه الآية:\nفقال بعضهم: لما وقع من في موضع المصدر جعله مضمرا للبرّ. كأنّه قال: ولكن البرّ الأيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم: إنّما البر الصادق الذي يصل من رحمه ويخفي صدقته: يريدون صلة الرّحم، وأخفاء الصّدقة، وعلى هذا القول الفراء والمفضل بن سلمة وأنشد الفراء:\nلعمرك ما الفتيان أن تنبت اللّحى ... ولكنّما الفتيان كل فتى ندي\nفجعل نبات اللحية خبرا للفتى.\nوقيل: معناه ولكنّ البرّ برّ من آمن بالله واستغنى عن النّاس، كقولهم: الجود حاتم، والشجاعة عنترة، والشعر زهير: أي جود حاتم وشجاعة عنترة وشعر زهير، وتقول: العرب: بنو فلان يطأهم الطريق، أي أهل الطريق. قال الله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١»، وقال تعالى: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ «٢» قال النابغة الجعدي:\nوكيف نواصل من أصبحت جلالته كأبي مرحب «٣»\nأي كجلالة أبي مرحب، وعلى هذا القول قطرب والفراء والزّجاج أيضا.\nوقال أبو عبيدة: معناه ولكنّ البار من آمن بالله كقوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى «٤» أي المتقي.\nوقيل: معنى ذو البرّ من آمن بالله حكاه الزّجاج. كقوله هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ «٥»: أي ذو درجات.\nقال المبرّد: لو كنت ممن قرأ القرآن لقرئت: لكنّ البرّ من آمن بالله بفتح الباء تقول العرب: رجل بر وبار والجمع بررة وابرار، والبرّ: العطف والإحسان، والبرّ أيضا: الصدق، والبرّ هنا الإيمان والتقوى، وهو المراد في هذه الآية بذلك عليه قوله مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ.\nوَالْمَلائِكَةِ كلهم.\nوَالْكِتابِ [يعني الكتب] «٦» . وَالنَّبِيِّينَ أجمع.\nوَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ واختلفوا في هذه الحكاية:\n_________\n(١) سورة يوسف: ٨٢.\n(٢) سورة لقمان: ٢٨.\n(٣) مجمع البيان: ١/ ٤٧٤.\n(٤) سورة طه: ١٣٢.\n(٥) سورة آل عمران: ١٦٣.\n(٦) سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.","vol":"2","page":50},{"text":"فقال أكثر المفسرين: في حُبِّهِ راجعة إلى المال يعني أعطى المال في حال صحّته ومحبّته إياه ونفسه به يدلّ عليه قول ابن مسعود في هذه الآية قال: هو أن توصيه وأنت صحيح، تأمل العيش وتخش الفقر ولا تمهل، حتّى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا، ورفع هذا الحديث بعضهم «١» .\nوقيل: هي عائدة على الله ﷿ أي حبّ الله سبحانه.\nقال الحسين بن أبي الفضل: على حبّ الإيتاء، وقيل: الهاء راجعة إلى المعطي أي حبّ المعطي.\nذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى أهل القرابة.\nعن أمّ رابح بنت صليح عن سليمان بن عامر عن النبيّ ﷺ. قال: «صدقتك على مسكين صدقة واحدة وعلى ذي الرّحم إثنين لأنّها صدقة وصلة» «٢» [٢٣] .\nالزهري عن حميد بن عبد الرّحمن عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أفضل الصّدقة على ذي الرّحم الكاشح» «٣» [٢٤] «٤» .\nسليمان بن يسار عن ميمونة زوج النّبيّ ﷺ قالت: أعتقت جارية لي فدخلت على النّبيّ ﷺ فأخبرته بعتقها فقال: «آجرك الله أما إنّك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك» [٢٥] .\nوَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ سمّي المجاز واختلفوا فيه فقال أبو جعفر البارقي ومجاهد:\nيعني المسافر المنقطع عن أهله يمر عليك.\nقتادة: هو الضّيف ينزل بالرجل: قال:\nوذكرنا أنّ النبيّ ﷺ كان يقول: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليكرم ضيفه» «٥» [٢٦] .\nوكان يقول: «حقّ الضيافة ثلاث ليال فكل شيء أضافه فهو صدقة» [٢٧] .\nوإنّما قيل للمسافر والضيف الّذي يحلّ ويرتحل ابن السبيل لملازمته الطريق كما قيل للرّجل الّذي [أتت عليه الدهور] «٦» ابن الأيّام واللّيالي، ولطير الماء: ابن الماء لملازمته إيّاه، قال ذو الرّمة:\n_________\n(١) راجع تفسير مجمع البيان: ١/ ٤٨٦.\n(٢) بتفاوت في الشرح الكبير: ٢/ ٧٠٩، والمصنف لعبد الرزاق: ١٠/ ٤٣٧ ح ١٩٦٢٧.\n(٣) الكاشح: العدو الذي يضمر عداوته ويطوي عليها كشحه أي باطنه.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ٤١٦، ومجمع الزوائد: ٣/ ١١٧.\n(٥) في تفسير الطبري (٢/ ١٣٢) فليقل خيرا أو ليسكت. [.....]\n(٦) كلمات غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.","vol":"2","page":51},{"text":"وردت اعتسافا والثريّا كأنّها ... على قمّة الرأس ابن ماء محلّق «١»\nوَالسَّائِلِينَ المستطعمين الطّالبين.\nعبد الله بن الحسين عن أمّه فاطمة بنت الحسين قالت: قال رسول الله ﷺ: «للسائل حقّ وإن جاء على فرس» [٢٨] «٢» .\nمالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «هدية الله إلى المؤمن السّائل على بابه» [٢٩] .\nوَفِي الرِّقابِ يعني المكاتبين قاله أكثر المفسّرين، وقيل: فداء الأسارى، وقيل: عتق النّسمة وفكّ الرّقبة.\nوَأَقامَ الصَّلاةَ المفروضة.\nوَآتَى الزَّكاةَ الواجبة.\nوَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا فيما بينهم وبين النّاس إذا وعدوا انجزوا وإذا حلفوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا وإذا ائتمنوا أدّوا.\nقال الرّبيع بن أنس: فمن أعطى عهد الله ثمّ نقضه فالله سبحانه مطعم منه ومن أعطى دمه النّبيّ ﷺ ثمّ غدر فالنّبيّ ﷺ خصمه يوم القيامة.\nوفي وجه ارتفاع الموفّين قولان: قال الفرّاء والأخفش: هو عطف على محل (من) في قوله: وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ و(من) في موضع جمع ومحلّه رفع كأنّه قال: ولكن البرّ المؤمنون والموفون.\nوقيل: رفع على الابتداء والخبر تقديره هم الموفون، ثمّ قال:\nوَالصَّابِرِينَ وفي نصبها أربعة أقاويل. قال أبو عبيد: نصب على تطاول الكلام ومن شأن العرب أن في تعيّر الاعراب إذا طال الكلام [والنسق] .\nوقال الكسائي: نصبه نسقا على قوله ذَوِي الْقُرْبى الصابرين.\nوقال بعضهم: معناه وأعني الصابرين.\nوقال الخليل بن أحمد والفرّاء: نصب على المدح والعرب تنصب على المدح وعلى الذّم كانّهم يريدون بذلك إفراد الممدوح والمذموم ولا يتبعونه بأول الكلام فينصبونه.\n_________\n(١) مجمع البيان: ١/ ٤٧٣.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٤.","vol":"2","page":52},{"text":"فأمّا المدح فقوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ «١» وأنشد الكسائي:\nوكلّ قوم أطاعوا أمر مرشدهم ... إلّا نميرا اطاعت أمر غاويها\nوالطاعنين ولما يطعنوا أحدا ... والقائلين لمن دار يخليها\nوأنشد أبو عبيده لحزنق بن عفان:\n[لا يبعدن] «٢» قومي الّذين هم ... سم العداة وانه الجزل\nالنازلين بكل معترك ... والطيبين معاقد الأزل\nوأما الذّم، فقوله تعالى مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أخذوا.\nوقال عروة بن الورد\nتسقوني الخمر ثمّ تكفوني ... عداة الله من كذب وزور «٣»\nفِي الْبَأْساءِ يعني الشدة والفقر وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة وهما اسمان بنيا على فعلا ولا أفعل لهما لأنهما اسمان وليسا بنعت.\nوَحِينَ الْبَأْسِ وقت القتال:\nوقال علي (﵁): كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ فكان أقربنا إلى العدوّ إذا اشتدّ الحرب.\nأُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في دمائهم.\nوَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ\nروى القاسم: إن أبا ذر سئل عن الإيمان؟ فقرأ هذه الآية فقال السائل: انّما سألنا عن الإيمان وتخبرنا عن البرّ، فقال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن الإيمان فقرأ هذه الآية.\nوقال أبو ميسرة: وقرأ هذه الآية ومن عمل بهذه الآية فقد استكمل البرّ.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الآية: قال الشعبي والكلبي وقتادة ومقاتل بن حيّان وأبو الجوزاء وسعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في حيّين من أحياء العرب اقتتلوا في الجاهليّة قبل الإسلام بقليل فكانت بينهما قتلى وجراحات لم يأخذها بعضهم من بعض حتّى جاء الإسلام.\nقال سعيد بن جبير: إنهما كانا حيّين الأوس والخزرج.\nوقال ابن كيسان: قريظة والنّضير، قال: وكان لأحد الحيّين حول على الآخر في الكرم والشّرف، وكانوا ينكحون نسائهم بغير مهور. فاقسموا ليقتلن بالعبد منّا الحرّ منهم، وبالمرأة منّا\n_________\n(١) سورة النساء: ١٦٢.\n(٢) كلمات غير مقروءة والظاهر ذلك.\n(٣) مجمع البيان: ١/ ٤٧٥.","vol":"2","page":53},{"text":"الرّجل منهم، وبالرّجل منّا الرّجلين منهم، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك وهم كذا يعاملونهم في الجاهلية. فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمرهم بالمساواة فرضوا وسلّموا.\nالسّدي وجماعة: نزلت هذه الآية في الدّيات وذلك إنّ أهل حزبين من العرب اقتتلوا أحدهما مسلم والآخر معاهد. فأمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النّساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النّساء من الفريق الآخر، وديات الرّجال بالرّجال، والعبيد بالعبيد، فأنزل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ فرض وكتب عليكم في القتلى «١»\n، والقصاص:\nالمساواة والمماثلة في النفوس والجروح والدّيات، وأصله من قصّ الأثر إذا اتّبعه فكان المفعول به يتبع ما عمل به فيعمل مثله، ثمّ بيّن فقال: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>ذكر حكم الآيات</span>\nإذا تكافأ الدّمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين، أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم قتل من كل صنف منهم: الذكر إذا قتل منهم بالذكر، والأنثى إذا قتلت بالأنثى، والذكر والإجماع واقع إنّ الرّجل يقتل بالمرأة لأنّهما يتساويا في الحرمة والميراث وحد الزّنى والقذف وغير ذلك فلذلك يجب أن يستويا في القصاص ولا يقتل الحرّ بالعبد وعليه قيمته وإن بلغت [ثلث] لما بينهما من المفاضلة، ولا يقتل مؤمن بكافر. بدليل ما\nروى الشّعبي عن أبي حجيفة قال: سألت عليّا كرم الله وجهه هل عندكم من النّبيّ ﷺ سوى القرآن؟\nفقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النّسمة إلّا أن يعطي الله ﷿ عبدا فهما في كتابه وما في الصحيفة. قلت: وما في الصّحيفة؟\nقال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر «٢»، ولا يقتل [سيد] بعبده، ولا والد بولده «٣» .\nيدلّ عليه ما\nروى إن رجلا اسمه قتادة رمى ابنه بسيف فأصاب رجله فنزف فمات. فقال عمر (﵁): لولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يقاد والد بولده، وإلّا قدته به.\nفَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ أيّ ترك وله وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص،\nوروي عن علي (﵁) إنّه قتل ثلاثة بواحد في قتل العمد\nهذا قول أكثر المفسرين قالوا: العفو أن يقبل الدّية في قتل العمد، وقال السّدي: هو أن يبقى له بقية من دية أخيه أو من أرش جراحته.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٢/ ١٤٠.\n(٢) إلى هنا موجود في المصدرين.\n(٣) كتاب المسند للشافعي: ١٩٠، والمصنف لعبد الرزاق: ١٠/ ١٠٠ ح ١٨٥٠.","vol":"2","page":54},{"text":"فَاتِّباعٌ أي فعليه اتباع.\nبِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ أمر الطالب أن يطلب بالمعروف ويتبع حق الواجب له عليه من غير أن يطالبه بالزّيادة أو يكلفه ما لم يوجبه الله له أو يشدد عليه كما\nقال النبيّ ﷺ: «من زاد بعيرا في إبل الدّيات وفرائضها فمن أمر الجاهلية»\n[٣٠] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>حكم الآية</span>\nأعلم إنّ أنواع القتل ثلاثة العمد، وشبه العمد، والخطأ: فالعمد: أن يقصد ضربه، بما أنّ الأغلب إنّه يموت منه مثل الحديدة والخشبة العظيمة والحجر الكبير ونحوها أو حرقه أو غرفه أو الشّدة من حبل أو سطح أو في بئر وما يشبه ذلك مما يتعمّد قلبه. ففي هذا القصاص أو الدّية.\nفدية المسلم ألف دينار ومن الورق اثنا عشر ألف درهم ومن الإبل مائة منها أربعون خلفه في بطونها أولادها. وثلاثون حقّه، وثلاثون جذعه، الأصل في الرّجل الإبل أو ديات النّساء على النصف من ذلك.\nوأما شبه العمد: فهو أن يقصد ضربه. بما الأغلب إنّه لا يموت منه مثل: حصى صغير أو عود صغير أو لطمه أو وكزه أو بكسره أو صفعة أو ضربة بالسّيف عمدا أو ما أشبه ذلك فمات منه، فهاهنا يجب الدّية مغلّظة على العاقلة، كما وصفنا في دية العمد.\nوأمّا الخطأ: فهو أن يقصد شيئا فيخطئ ويصوّب غيره. كالرّجل يرمي الهدف أو الصّيد فيخطئ السهم فيقع بإنسان فيقتله فهو الخطأ المحض وفيه الدّية المخفّفة على العاقلة في ثلاث ستين أخماسا: عشرون بنات مخاض وعشرون بنات لبون وعشرون ابنا لبون، وعشرون خناق، وعشرون جذعا، ولا يتعين الورق والذّهب، كما تنقص الإبل الذي ذكرت من العفو والديّة.\nتَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وذلك إنّ الله تعالى كتب على أهل التوراة في النّفس والجرح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدّية ولا يعفوا وعلى أهل الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدّية.\nفخير الله تعالى هذه الأمة بين القصاص والدّية والعفو.\nكما\nروى سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح: إنّ رسول الله ﷺ قال: «ثمّ أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل، وأنا والله عاقله فمن قتل قتيلا بعده فأهله بين خيرتين:\nإن أحبّوا قتلوا وإن أحبّوا أخذوا العقل» [٣١] .\nفَمَنِ اعْتَدى ظلم وتجاوز الحد.\nبَعْدَ ذلِكَ فقيل بعد أخذ الدّية، وقال الحسن: كان الرّجل في الجاهليّة إذا قتل قتيلا فرّ\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢/ ١٥٠.","vol":"2","page":55},{"text":"إلى قومه فيجيء قومه فيصالحون بالدّية فذلك الاعتداء.\nفَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ يقتل في الدّنيا ولا يعفى عنه.\nقال النّبيّ ﷺ: «لا أعافي رجلا قتل بعد أخذه الدّية منه»\n[٣٢]، وفي الآخرة عذاب النّار، وفي هذه الآية دليل على إنّ القاتل لا يصير كافرا ولا يبقى خالدا في النّار لأنّ الله تعالى.\nخاطبهم فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ ولا خلاف إنّ القصاص واقع في العمد فلم يسقط عنه أسم الأيمان بارتكاب هذه الكبيرة، وقال في آخر الآية فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فسمى القاتل أخا المقتول، وقال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وهما [يخصّان] المؤمنين دون الكافرين.\nيروى أنّ مسروقا سئل هل للقاتل توبة؟\nفقال: لا أغلق بابا فتحه الله.\nوَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ بقاء لأنّه إذا علم أنّه إن قتل أمسك وارتدع عن القتل. ففيه حياة للّذي يهمّ بقتله، وحياة للهام ولهذا قيل في المثل: القتل قلّل القتل.\nوقال قتادة: كم رجل قد همّ بداهية لولا مخافة القصاص لوقع بها ولكنّ الله تعالى حجر عباده بعضهم عن بعض هذا قول أكثر المفسّرين.\nوقال السّدي: كانوا يقتلون بالواحد الاثنين والعشرة والمائة فلمّا قصروا بالواحد على الواحد كان في ذلك حياة وقيل: أراد في الآخرة لأنّ من أقيد منه في الدّنيا حيي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتصّ منه في الآخرة ويعني الحياة سلامته من قصاص الآخرة، وقرأ أبو الجوزاء: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ أراد القرآن فيه حياة القلوب.\nقال يا أُولِي الْأَلْبابِ يا ذوي العقول.\nلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ القتل مخافة القود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٠ الى ١٨٢]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)\nكُتِبَ فرض ووجب. عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ جاء.\nأَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يعني اسباب الموت وآثاره ومقدماته من العلل والأمراض ولم يرد المعاينة.","vol":"2","page":56},{"text":"إِنْ تَرَكَ خَيْرًا مالا، نظيره قوله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ «١» الْوَصِيَّةُ في رفعها وجهان:\nأحدهما: اسم ما لم يسم فاعله وهو قوله «كُتِبَ»، والثاني: خبر حرف الصفة، وهو اللام في قوله لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ يعني لا يزيد على الثلث ولا يوصي للغني ويدع الفقير. كما قال ابن مسعود: الوصيّة للأخل فالأخل أي الأحوج فالأحوج.\nحَقًّا واجبا، وهو نصب على المصدر أي حق ذلك حقا وقيل: على المفعول أي جعل الوصيّة حقا، وقيل: على القطع من الوصيّة.\nعَلَى الْمُتَّقِينَ المؤمنين، واختلف العلماء في معنى هذه الآية:\nفقال قوم: كانت الوصيّة للوالدين والأقربين، فرضا واجبا على من مات، وله مال حتّى نزلت آية المواريث في سورة النّساء. فنسخت الوصيّة للوالدين والأقربين الذين يرثون، وبقي فرض الوصيّة للأقرباء الذين لا يرثون والوالدين الذين لا يرثان بكفر أو رق على من كان له مال.\nفخطب رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية فقال: «الآن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصيّة لوارث [٣٣] فبيّن إنّ الميراث والوصيّة لا يجتمعان» «٢» .\nفآية المواريث هي لنّا حجة وقول رسول الله ﷺ هو المبيّن هذا قول ابن عبّاس وطاوس وقتادة والحسن ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد والربيع وابن زيد.\nقال الضحاك: من مات ولم يوص لذي قرابته فقد ختم عمله بمعصية، وقال طاوس: من أوصى لقوم وسمّاهم، وترك ذوي قرابته محتاجين [انتزعت] منهم وردّت إلى ذوي قرابته.\nوقال آخرون: بل نسخ ذلك كلّه بالميراث فهذه الآية منسوخة. ولا يجب لأحد وصيّة على أحد قريب ولا بعيد. فإن أوصى فحسن، وأن لم يوص فلا شيء عليه، وهذا قول عليّ وابن عمر وعائشة وعكرمة ومجاهد والسّدي.\nقال شريح في هذه الآية. كان الرّجل يوصي بماله كلّه حتّى نزلت آية المواريث.\nوقال عروة بن الزّبير: دخل علي (﵁) على مريض يعوده فقال: إنّي أن أوصي. فقال علي ﵇: إنّ الله تعالى يقول إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وإنّما يدع شيئا يسير فدعه لعيالك إنّه أفضل.\nوروى أيوب عن نافع عن ابن عمر: إنّه لم يوص فقال: أمّا مالي والله أعلم ما كنت أصنع به في الخلوة وأما رباعي لن يشرك ولدي فيها أحد.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٧٢.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ١٨٦، وسنن أبي داود: ١/ ٦٥٦ ح ٢٨٧٠.","vol":"2","page":57},{"text":"وروى ابن أبي مليكة: إنّ رجلا قال لعائشة: إنّي أريد أن أوصي، قالت: كم مالك؟ قال:\nثلاثة آلاف. قالت: كم عيالك؟\nقال: أربعة: قالت: إنّما قال: الله تعالى إِنْ تَرَكَ خَيْرًا وهذا شيء يسير فاتركه لعيالك.\nوروى سفيان بن بشير بن دحلوق قال: قال عروة بن ثابت للربيع بن خيثم: أوص لي بمصحفك. قال: فنظر إلى أبيه فقال: أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ.\nوروى سفيان عن الحسين بن عبد الله عن إبراهيم قال: ذكر لنّا إنّ زبيرا وطلحة كانا يشددان في الوصيّة. فقال: ما كان عليهما أن لا يفعلا. مات النّبيّ ﷺ ولم يوصّ وأوصى أبو بكر، أي ذلك فعلت فحسن.\nفَمَنْ بَدَّلَهُ أي فمن غيّر الوصيّة من الأوصياء والأولياء أو الشهود.\nبَعْدَ ما سَمِعَهُ من الميت فإنّما ذكر الكناية عن الوصيّة وهي مؤنثة لأنّها في معنى الإيصاء لقوله فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ «١» ردّه إلى الواعظ ونحوها كثيرة.\nوقال المفضل: لأنّ الوصيّة قول فذهب إلى المعنى وترك اللفظ.\nكقول امرئ القيس.\nبرهرهة رودة رخصة ... كخرعوبة اليانة المنقطر\nالمنقطر: المنتفخ بالورق وهو أنعم ما يكون فذهب إلى القضيب فترك لفظ الخرعوبة.\nفَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ وصي الميت.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لوصاياكم.\nعَلِيمٌ بنيّاتكم.\nفَمَنْ خافَ أي خشي، وقيل: علم وهو الأجود كقوله إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ «٢» .\nوقال ابو محجر الثقفي:\nفلا تدعني بالفلاة فانّني أخاف ... إذا ما متّ أن لا أذوقها\nأراد: أعلم.\nمِنْ مُوصٍ قرأ مجاهد وعطاء وحميد وابن كثير وابو عمرو وابن عامر وأبو جعفر وشيبة ونافع: بالتخفيف واختاره أبو حاتم.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٧٥.\n(٢) سورة البقرة: ٢٢٩. [.....]","vol":"2","page":58},{"text":"لقول النّاس: أوصيكم بتقوى الله.\nقال أبو حاتم: قرأتها بمكّة بالتشديد أوّل ليلة أقمت فعابوها عليّ.\nوقرأ الباقون: موصّ بالتشديد واختاره ابو عبيد كقوله: ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى «١» .\nجَنَفًا جورا وعدولا من الحقّ من الحقّ والجنف: الميل في الكلام والأخذ كلّها يقال:\nجنف وأجنف وتجانف إذا مال. قال لبيد:\nإنّي امرؤ منعت أرومة عامر ... ضيمي وقد جنفت عليّ خصوم «٢»\nوقال آخر:\nهم أقول وقد جنفوا علينا ... وانّا من لقاءهم أزور\nوقال علي ﵇: حيفا بالحاء والياء أي ظلما.\nقال الفراء: الفرق بين الجنف والحيف: أن الجنف عدول عن الشيء والحيف: حمل الشّيء حتّى ينتقصه وعلى الرّجل حتّى ينتقص حقّه.\nيقال: فلان يتحوف ماله أي ينتقصه منّي حافاته.\nوقال المفسّرون: الجنف: الخطأ، والإثم: العمد، واختلفوا في معنى الآية وحكمها فقال قوم: تأويلها من حضر مريضا وهو يوصّي فخاف أن [يحيف] في وصيته فيفعل ما ليس له أو تعمد جورا فيها فيأمر بما ليس له، فلا حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته بأن يأمره بالعدل في وصيّته، وينهاه عن الجنف فينظر للموصي وللورثة، وهذا قول مجاهد: هذا ممّن يحضر الرّجل وهو يموت. فإذا أسرف أمره بالعدل وإذا قصّر قال: أفعل كذا أعط فلانا كذلك.\nوقال آخرون: هو إنّه إذا أخطأ الميت وصيّته أو خاف فيها متعمدا فلا حرج على وليه أو وصيه أو والي أمر المسلمين أن يصلح بعد موته بين ورثته وبين الموصي لهم، ويردّ الوصيّة إلى العدل والحق، وهذا معنى قول ابن عبّاس وقتادة وإبراهيم والرّبيع.\nوروى ابن جريج عن عطاء قال: هو أن يعطي عند حضور أجله بعض ورثته دون بعض مما سيرثونه بعد موته. فلا إثم على من أصلح بين الورثة.\nطاوس: [الحيف] وهو أن يوصي لبني ابنه يريد ابنه أو ولد أبنته يريد ابنته، ويوصي لزوج ابنته ويريد بذلك ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة.\n_________\n(١) سورة الشورى: ١٣.\n(٢) مجمع البيان: ١/ ٤٨٥.","vol":"2","page":59},{"text":"السّدي وابن زيد: هو في الوصيّة للآباء والأقربين بالأثرة يميل إلى بعضهم ويحيف لبعضهم على بعض في الوصيّة. فإنّ أعظم الأجر أن لا ينفذها، ولكن يصلح ما بينهم على ما يرى إنّه الحق فينقص بعضا. ويزيد بعضا.\nقال ابن زيد: فعجز الموصي أن يوصي لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ كما أمره الله، وعجز الوصي أن يصلح فيوزع الله ذلك منه بفرض الفرائض لذلك\nقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى لم يوص بملك مقرب ولا نبي مرسل حتّى تولّى قسم مواريثكم» [٣٤] .\nوقال فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ ولم يجر للورثة ولا للمختلفين في الوصيّة ذكر لأنّ سياق الآية وما تقدّم من ذكر الوصيّة يدلّ عليه.\nقال الكلبي: كان الأولياء والأوصياء يمضون وصيّة الميت بعد نزول الآية فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الآية وإن استغرق المال كلّه ويبقى الورثة بغير شيء، ثمّ نسختها هذه الآية فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا الآية.\nوروى عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه: قال كنت مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع فمرضت مرضا أشرفت على الموت. فعادني رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله ﷺ إنّ لي مالا كثيرا وليس يرثني إلّا بنت لي أفأوصي بثلثي مالي؟\nقال: لا.\nقلت: فبشطر مالي؟\nقال: لا.\nقلت: بثلث مالي؟\nقال: نعم الثلث والثلث كثير إنك يا سعد أن تترك ولدك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون النّاس.\nوقال مسلم بن صبيح: أوصى جار لمسروق فدعا مسروقا ليشهده فوجده قد بذر وأكثر.\nفقال: لا أشهد إنّ الله ﷿ قسم بينكم فأحسن القسمة فمن يرغب برأيه عن أمر الله فقد ضلّ، أوص لقرابتك الذين لا يرثون ودع المال على قسم الله.\nوعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «من حاف في وصيّته ألقي في اللوى- واللوى واد في جهنّم-»\n[٣٥] «١» .\n_________\n(١) لم نجده إلا في لسان العرب: ١٥/ ٢٦٧، وفي النهاية لابن الأثير روي: (٤/ ٢٨٠) من خان في وصيته.","vol":"2","page":60},{"text":"شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الرّجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيّته فيختم له بشر عمله فيدخل النّار، وإنّ الرّجل ليعمل بعمل أهل الشّر سبعين سنة. فإذا أوصى لم يحف في وصيته فيختم له بخير عمله. فيدخل الجنّة» [٣٦] . ثمّ قال أبو هريرة: أقرأوا إن شئتم تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٣ الى ١٨٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فادع لها سمعك فانّها لأمر يؤمر به أو لنهي تنهى عنه.\nوقال جعفر الصّادق (﵁): لذة «يا» في النداء أزال تعب العبادة والعناء.\nكُتِبَ فرض واجب.\nعَلَيْكُمُ الصِّيامُ وهو مصدر قولك: صمت صياما، كما تقول: قمت قياما، وأصل الصوم والصّيام في اللغة: الإمساك، يقال: صامت الرّيح إذا سكنت وأمسكت عن الهبوب، وصامت الخيل إذا وقعت وأمسكت عن السّير. قال النابغة:\nخيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وخيل تعلك اللجما «٢»\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٧٨، والمعجم الأوسط: ٣/ ٢٢٩.\n(٢) مجمع البيان: ١/ ٤٨٩.","vol":"2","page":61},{"text":"فقال: صام النّهار إذا اعتدل، وقام قائم الظهيرة لأنّ الشمس إذا طلعت في كبد السّماء وقفت فأمسكت عن السير سريعة. قال امرؤ القيس:\nفدع ذا وسلّ الهمّ عنك بحسرة ... ذمول إذا صام النّهار وهجرا «١»\nوقال الرّاجز:\nحتّى إذا صام النّهار واعتدل ... وسال للشمس لعاب فنزل\nويقال للرجل إذا صمت وأمسك عن الكلام: صام.\nقال الله تعالى: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا «٢»: أي صمتا.\nفالصوم: هو الإمساك عن المعتاد من الطّعام والشّراب والجماع.\nكَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ من الأنبياء والأمم وأولهم آدم ﵇، وهو ما\nروى عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه عن جده عن علي (﵁) قال: أتيت رسول الله ﷺ ذات يوم عند انتصاف النّهار وهو في الحجر، فسلّمت عليه فردّ عليّ النبيّ ﷺ ثمّ قال: «يا علي هذا جبرئيل يقرئك السلام. فقلت: عليك وعليه السّلام يا رسول الله لم؟\nقال: ادن منّي، فدنوت منه فقال: يا علي يقول لك جبرئيل: صم كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك بأول يوم عشرة آلاف [سنة] وباليوم الثاني ثلاثين ألف [سنة] وباليوم الثالث مائة ألف [سنة] .\nفقلت: يا رسول الله هذا ثواب لي خاصة أم للنّاس عامة؟ قال: يا علي يعطيك الله هذا الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك. قلت: يا رسول الله وما هي؟\nقال: أيام البيض: ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر» [٣٧] «٣» .\nقال عنترة: قلت لعلي (﵁): لأي شيء سميت هذه الأيام البيض؟\nقال: لما أهبط آدم ﵇ من الجنّة إلى الأرض أحرقته الشمس. فاسودّ جسده ثمّ صام اليوم الثالث. فأتاه جبرئيل فقال: يا آدم أتحب أن يبيض جسدك؟\nقال: نعم، قال: فصم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر فصام آدم ﵇ أول يوم فابيض ثلث جسده، ثمّ صام اليوم الثاني فابيض ثلثا جسده، ثمّ صام اليوم الثالث فابيض جسده كلّه. فسميت أيام البيض.\nقال المفسّرون: فرض الله على رسوله محمد ﷺ وعلى المؤمنين صوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر حين قدم المدينة فكانوا يصومونها إلى أن نزل صيام شهر رمضان قبل قتال بدر\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) سورة مريم: ٢٦.\n(٣) شرح الأزهار للإمام أحمد المرتضى: ٢/ ٥٣ (الهامش) ط. صنعاء، وغنية الطالبين: ٧٣٨.","vol":"2","page":62},{"text":"بشهر وأيام.\nوقال الحسن وجماعة من العلماء: أراد بالّذين من قبلنا: النّصارى شبّه صيامنا بصيامهم لاتفاقهم بالوقت والقدر وذلك انّ الله فرض على النّصارى صيام شهر رمضان. فاشتد ذلك عليهم لأنّه ربّما كان في الحر الشديد والبرد الشديد. فكان يضرّ بهم في أسفارهم ومعائشهم، واجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السّنة بين الشّتاء والصّيف فجعلوه في الرّبيع وزادوا فيه عشرة أيّام كفّارة لما صنعوا فصار أربعين ثمّ إنّ ملكا لهم اشتكى فمه فجعل الله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومه أسبوعا فبرأ فزاد فيه أسبوع ثمّ مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال: أتموا خمسين يوما فأتمّوه خمسين يوما، وقال مجاهد أصابهم موتان فقالوا: زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد.\nروى أبو أمية الطّنافسى عن الشعبي قال: لو صمت السّنة كلّها وفطرت اليوم الّذي يشكّ فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان، وذلك أنّ النّصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا فحولوه إلى الفصل وذلك إنّهم ربما كانوا صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوما ثمّ جاء بعدهم قرن منهم فأخذوا بالثّقة في أنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثمّ لم يزل الآخر يستن بسنّة القرن الّذي قبله حتّى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله ﷿: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ «١» .\nلَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع.\nأَيَّامًا مَعْدُوداتٍ يعني شهر رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرون يوما لما\nروى سعيد بن العاص إنّه سمع ابن عمر يحدّث عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّا أمّة أميّة لا تحسب ولا تكتب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» وعقد الإبهام في الثالثة والشّهر هكذا وهكذا وهكذا تمام ثلاثين [٣٨] «٢» .\nونصب أَيَّامًا على الظرف أي: في أيّام، وقيل: على التفسير.\nوقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، وقيل: بإضمار فعل أي صوموا أيّاما معدودات.\nفَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ أي فأفطر فعدّة كقوله: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ «٣»: أي فحلّق أو قصّر ففدية واقصر وقوله: فَعِدَّةٌ أي فعليه عدّة ولذلك رفع.\nوقرأ إبراهيم بن أبي عبلة: فَعِدَّةً نصبا أي فليصم عدّة.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٢/ ١٧٥.\n(٢) السنن الكبرى للنسائي: ٢/ ٧٤.\n(٣) سورة البقرة: ١٩٦.","vol":"2","page":63},{"text":"مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ غير أيّام مرضه أو سفره والعدّة العدد وأخر في موضع خفض ولكنّها لا تنصرف فلذلك نصبت لأنّها معدولة عن جهتها كأنّ حقّها أواخر وأخريات فلمّا عدلت إلى فعل لم تجرّ مثل عمر وزفر.\nوَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ قرأ ابن عبّاس وعائشة وعطاء بن رباح وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد: يُطَيَّقُونَهُ بضمّ الياء وبفتح الطّاء وتخفيفه وفتح الياء وتشديده أي يلفونه ويحملونه.\nوروى عن مجاهد وعكرمة: أيضا يَطَّيقُونَهُ بفتح الياء وتشديد الطّاء أراد يتطوقونه أي يتكلفونه.\nوروى ابن الأنباري عن ابن عبّاس يَطَّيَّقُونَهُ بفتح الياء الأوّل وتشديد الطّاء والياء الثانية وفتحهما بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق واطيق بمعنى واحد.\nفِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ قرأ أهل المدينة والشّام: فديةُ طعامٍ مضافا مساكين جمعا أضافوا الطّعام إلى الفدية وإن كان واحدا لاختلاف اللفظين كقوله وَحَبَّ الْحَصِيدِ «١» وقولهم:\nالمسجد الجامع وبيع الأوّل ونحوها وهي قراءة أبي عمرو ومجاهد، وروى يحيى ابن سعيد عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر إنّه قرأها: طعام مساكين على الجمع، وروى مروان بن معاوية الفزاري عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قرأها كذلك: مساكين.\nوقرأ الباقون: فديةً منصوبة، طَعامُ رفعا، مِسْكِينٍ خفض على الواحد وهي قراءة ابن عبّاس.\n[روي ابن أبي نجيح] عن عمرو بن دينار عن ابن عبّاس أنّه قرأها طَعامُ مِسْكِينٍ، على الواحد، فمن وحّد فمعناه: لكل يوم اطعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى الجميع، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.\nفَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا قرأ عيسى بن عمر ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: يتطوّع بالتاء وتشديد الطاء وجزم العين على معنى يتطوّع، وقرأ الآخرون: تَطَوْعَ بالتاء وفتح العين وتخفيف الطاء على الفعل الماضي.\nواختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها:\nفقالوا قوم: كان ذلك أول ما فرض الصّوم وذلك أنّ الله تعالى لمّا أنزل فرض صيام شهر رمضان على رسوله ﷺ وأمر أصحابه بذلك شق عليهم، وكانوا قوما لم يتعوّدوا الصّيام فخيّرهم الله بين الصّيام والإطعام. فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى بالطّعام، ثمّ نسخ الله\n_________\n(١) سورة ق: ٩.","vol":"2","page":64},{"text":"تعالى ذلك بقوله فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ونزلت العزيمة في إيجاب الصّوم وعلى هذا القول معاذ بن جبل وأنس بن مالك، وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعمرو بن مرّة والشعبي والزهري وإبراهيم وعبيدة والضحاك، وأحدى الروايات عن ابن عبّاس.\nوقال آخرون: بل هو خاص للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة والّذين يطيقان الصّوم ولمن يشقّ عليهما رخص لهما: إن شاء أن يفطر مع القدرة ويطعما لكل يوم مسكينا، ثمّ نسخ ذلك بقوله تعالى فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وثبت الرخصة للذين لا يطيقون، وهذا قول قتادة والرّبيع بن أنس، ورواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس.\nوقال الحسن: هذا في المريض كان إذا وقع عليه اسم المرض وإن كان يستطيع الصّيام الخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم حتّى نسخ ذلك. فعلى هذه الأقاويل الآية منسوخة وهو [قول] أكثر الفقهاء المفسرين.\nوقال قوم: لم تنسخ هذه الآية ولا شيء منها، وإنّما تأويل ذلك أو على الّذين يطيقونه في حال شبابهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثمّ عجزوا عن الصّوم فدية طعام مساكين لأنّ للقوم كان رخص لهم في الإفطار وهم على الصّوم [قادرون إذا اقتدروا، وآخرون أضمروا] في الآية وقالوا: هذه عبارة عن أول حالهم وجعلوا الآية محكمة، وهذا قول سعيد بن المسيب والسّدي، وأحدى الروايتين عن ابن عبّاس، فحمله ما ذكرنا من هذه الأقاويل على قراءة من قرأ يُطِيقُونَهُ:\nمن الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة أهل القرآن ومصاحف البلدان، وأمّا الذين قرءوا يطوقونه: فتأولوا بهم الشيخ الكبير والمرأة العجوز والمريض الذي لا يرجى برؤه فهم يكلفون الصّوم ولا يطيقونه فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم أفطروا مسكينا.\nقالوا: الآية محكمة غير منسوخة، والفدية: الجزاء والبدل من قولك: فديت هذا بهذا أيّ حرمته وأعطيته بدلا منه، يقال: فديت فدية كما يقال: مشيت مشية. فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا: فزاد على مسكين واحد وأطعم مسكينين فصاعدا. قاله مجاهد وعطاء وطاوس والسّدي.\nوقال بعضهم: فمن زاد على القدر الواجب من الإطعام. يزاد الطّعام. رواه ابن جريح وخطيف عن مجاهد، وقال ابن شهاب: يريد فمن صام مع الفدية وجمع بين الصّيام والطّعام فهو خير له.\nفَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (إن) صلة تعني والصوم خَيْرٌ لَكُمْ من الإفطار والفدية إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.","vol":"2","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>فصل في حكم الآية</span>\nاعلم إنّه لا رخصة لأحد من المؤمنين البالغين في إفطار شهر رمضان إلّا لأربعة:\nأحدهم: عليه القضاء والكفارة.\nوالثاني: عليه القضاء دون الكفارة.\nوالثالث: عليه الكفّارة دون القضاء.\nوالرابع: لا قضاء عليه ولا كفارة.\nوأمّا الذي عليه القضاء والكفّارة فمن فرّط في قضاء رمضان حتّى دخل رمضان آخر، والحامل والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وعليهما القضاء والكفّارة، وإن خافتا على أنفسهما فهما كالمريض حكمهما كحكمه هذا قول ابن عمر ومجاهد ومذهب الشّافعي.\nوقال بعضهم: في الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما وولدهما أن عليهما الكفّارة ولا قضاء وهو قول ابن عبّاس.\nوقال قوم: عليهما القضاء ولا كفارة وهو قول إبراهيم والحسن وعطاء والضحّاك ومذهب أهل العراق ومالك والأوزاعي.\nوأمّا الّذي عليه القضاء دون الكفّارة فالمريض والمسافر والحائض والنفساء عليهم القضاء دون الكفّارة.\nقال أنس: أتيت إلى رسول الله ﷺ وهو يتغذّى فقال: «أجلس» فقلت: إنّي صائم. فقال:\n«أجلس أحدّثك: إنّ الله وضع على المسافر الصوم وشطر الصّلاة» [٣٩] «١» .\nوأمّا الّذي عليه الكفّارة دون القضاء فالشّيخ الهرم والشّيخة الكبيرة ومن به مرض دائم لا يرجى برؤه وصاحب العطاش الّذي يخاف منه الموت، عليهم الكفّارة ولا قضاء هذا قول عامّة الفقهاء.\nوروى عن ربيعة بن أبي عبد الرّحمن وخالد بن الدريك إنّهما قالا في الشّيخ والشّيخة: إن استطاعا صاما وإلّا فلا كفّارة عليهما وليس عليهما شيء إذا أفطرا.\nوقال مالك: لا أرى ذلك واجبا عليهما وأحبّ أن يفعلا فأمّا الّذي لا قضاء عليه ولا كفّارة فالمجنون.\nواختلف العلماء في حدّ الإطعام في كفّارة الصّيام فقال بعضهم: القدر الواجب نصف\n_________\n(١) مواهب الجليل للرعيني: ٢/ ٦، وتلخيص الحبير: ٦/ ٤٢٦.","vol":"2","page":66},{"text":"صاع عن كلّ يوم يفطره وهذا قول أهل العراق.\nوقال قوم منهم: نصف صاع من قمح أو صاع من تمرا أو زبيب أو سائر الحبوب.\nوقال بعض الفقهاء: ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي أفطره.\nوقال محمّد بن الحنفية (﵁): يطعم مكان كلّ يوم مدّ الطعامة ومدّ الإدامة.\nوقال ابن عبّاس: يعطي مسكينا واحدا عشاءه حين يفطر وسحوره حين سحره.\nوقال بعضهم: يطعم كلّ يوم مسكينا واحدا مدّا وهو قول ابن هريرة وعطاء ومحمّد بن عمرو بن حزم واللّيث بن سعيد ومالك بن أنس والشّافعي وعامّة فقهاء الحجاز وبالله التّوفيق، ثمّ بيّن أيّام الصّيام فقال:\nشَهْرُ رَمَضانَ قرأه العامّة رفع على معنى أتاكم شهر رمضان.\nوقال الفرّاء: ذلكم شهر رمضان.\nالأخفش: هو شهر رمضان.\nالكسائي: كتب عليكم شهر رمضان، وقيل: ابتداء وما بعده خبره.\nوقرأ الحسن ومجاهد وشهر بن حوشب: شهرَ رمضان نصبا على هو يعني صوموا شهر رمضان قاله المورّج.\nوقال الأخفش: نصب على الظرف أي كتب عليكم الصّيام في شهر رمضان.\nأبو عبيدة: نصب على الإغراء، وقرأ أبو عمرو: مدغما شهر رمضان على مذهب في ادغام كل حرفين يلتقيان من جنس واحد ومخرج واحد او قريبي المخرج طلبا للخفّة وسمّي الشهر شهرا لشهرته.\nوقال الفرّاء: هو مأخوذ من الشّهرة وهي البياض ومنه يقال: شهرت السّيف إذا أسلته وشهر الهلال إذا طلع، واختلفوا في معنى قوله: رمضان فقال بعضهم: رمضان اسم من أسماء الله فيقال شهر رمضان كما يقال: شهر الله\nوروى جعفر الصادق عن آبائه (﵃) عن النبيّ ﷺ قال: «شهر رمضان شهر الله» [٤٠] .\nويدلّ عليه أيضا ما\nروى هشيم عن آبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله تعالى في القرآن فقال: شَهْرُ رَمَضانَ»\n[٤١] «١» .\nوعن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إنّما سمّي رمضان لأنّه رمضت فيه الفعال من الخير.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٢٩١. [.....]","vol":"2","page":67},{"text":"وقال غيره: لأنّ الحجارة كانت ترمض فيه من الحرارة والرّمضاء الحجارة المحماة.\nوقيل: سمّى بذلك لأنّه يرمض الذّنوب أي يحرق.\nوقيل: لأنّ القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والحكمة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرّمل والحجارة من حرّ الشّمس.\nوقال الخليل: مأخوذة من الرمض وهو مطر يأتي في الخريف فسمّي هذا الشّهر رمضان لأنّه يغسل الأبدان من الأنام غسلا وتطهّر قلوبهم تطهيرا.\nالَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ روى هشيم عن داود عن عكرمة عن ابن عبّاس والسّدي عن محمّد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عبّاس ابن عطيّة الأسود سأله: فقال: إنّه وقع الشّك في قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وقوله إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ «١» وقوله:\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ «٢» وقد نزل في سائر الشهور.\nقال الله وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ «٣» الآية وقالوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً «٤» .\nفقال: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ من شهر رمضان. فوضع في بيت العزة في سماء الدّنيا، ثمّ نزل به جبرئيل ﵇ على محمّد ﷺ نجوما نجوما عشرين سنة، فذلك قوله فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ «٥» .\nداود بن أبي هند قال: قلت للشعبي: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ أما كان ينزل عليه في سائر السّنة؟ قال: بلى ولكن جبرئيل كان يعارض محمّدا ﷺ في رمضان ما نزّل الله، فيحكم ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء.\nشهاب بن طارق عن أبي ذرّ الغفاري عن النّبيّ ﷺ قال: أنزلت صحف إبراهيم في ثلاثة ليال مضين من رمضان، وأنزلت توراة موسى في ست ليال مضين من رمضان، وأنزل أنجيل عيسى في ثلاثة عشر مضت من رمضان، وأنزل زبور داود في ثمان عشرة ليلة قضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمّد في الرّابع والعشرين لست مضين بعدها، ثمّ وصف القرآن فقال:\nهُدىً لِلنَّاسِ من الضّلالة وهو في محل النصب على القطع لأنّ القرآن معرفه والهدى نكرة.\nوَبَيِّناتٍ من الحلال والحرام والحدود والاحكام.\n_________\n(١) سورة القدر: ١.\n(٢) سورة الدخان: ٣.\n(٣) سورة الإسراء: ١٠٦.\n(٤) سورة الفرقان: ٣٢.\n(٥) سورة الواقعة: ٧٥.","vol":"2","page":68},{"text":"مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ الفصل بين الحقّ والباطل.\nسعيد بن المسيّب عن سلمان قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيّها النّاس قد أظلكم شهر عظيم، وشهر مبارك، وشهر فيه ليلة خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوّعا، من تقرّب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصّبر والصّبر ثوابه الجنّة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النّار، من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء. قالوا: يا رسول الله ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. فقال رسول الله ﷺ: «يعطي الله هذا الثّواب، من فطّر صائما على مذقة لبن أو تمر أو شربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ حتّى يدخل الجنّة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفّف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النّار، فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتان ترضون بها ربّكم، وخصلتان لا غنى عنهما: فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بها ربّكم فشهادة أن لا إله إلّا الله وتستغفرونه، وأمّا التي لا غنى بكم عنها فتسألون الله ﷿ وتعوذون به من النّار» [٤٢] «١» .\nوعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أبواب السّماء وأبواب الجنّة لتفتح لأوّل ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة منها، وليس لعبد يصلّي في ليلة منها إلّا كتب الله ﷿ بكل سجدة الفا وسبعمائة حسنة، وبنى له بيتا في الجنّة من ياقوتة حمراء لها سبعون ألف باب لكلّ باب منها مصراعان من ذهب موشّح من ياقوتة حمراء، فإذا صام أوّل يوم من شهر رمضان غفر الله له كلّ ذنب إلى آخر يوم من رمضان وكان كفّارة إلى مثلها، وكان له بكلّ يوم يصومه قصر في الجنّة له ألف باب من ذهب، واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوة إلى أن توارت بالحجاب، وكان له بكلّ سجدة يسجدها من ليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلّها مائة عام لا يقطعها» [٤٣] «٢» .\nمحمّد بن يونس الحارثي عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نادى الجليل جلّت عظمته رضوان خازن الجنان فيقول: لبّيك وسعديك فيقول:\nجدّد جنّتي وزينها من أمّة أحمد ثمّ لا تغلقها عليهم حتّى ينقضي شهرهم، ثمّ ينادي مالكا خازن النّار: أن يا مالك، فيقول: لبّيك ربي وسعديك فيقول: أغلق أبواب الجحيم عن الصّائمين من امّة أحمد ثمّ لا تفتحها عليهم حتّى ينقضي شهرهم ثمّ ينادي جبرئيل فيقول: لبّيك ربي وسعديك\n_________\n(١) كنز العمال: ٨/ ٤٧٧ ح ٣٣٧١٤، والدر المنثور: ١/ ١٨٤.\n(٢) كنز العمال: ٨/ ٤٧١ ح ٢٣٧٠٦، والدر المنثور: ١/ ١٨٦.","vol":"2","page":69},{"text":"فيقول: انزل إلى الأرض وغلّ مردة الشياطين لا يفسدوا عليهم صيامهم وإفطارهم، ولله في كل يوم من شهر رمضان عند طلوع الشّمس وعند وقت الإفطار عتقاء يعتقهم من النّار عبيدا وإماءا، وله في كل سماء مناد فيهم، ملك عرفه تحت عرش ربّ العالمين وفرائضه في تخوم الأرض السّابعة السفلى، جناح له بالمشرق مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر، وجناح له بالمغرب مكلل بالمرجان والدّرر والجوهر ينادي: هل تائب يتاب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مظلوم ينصره الله؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل من سائل يعطى سؤله؟ قال: وينادي الرّب تعالى ذكره الشهر كلّه: عبادي وإمائي أبشروا واصبروا [وداوموا] أوشك أن يرفع عنكم في المؤونات، ويفضوا إلى رحمتي وكرامتي. فإذا كان ليلة القدر، نزل جبرئيل في كبكبة «١» من الملائكة يصلون [ويسلمون] على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله ﷿» [٤٤] «٢» .\nإبراهيم بن هدية عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أذن الله للسّماوات والأرض أن يتكلّما بشّرا بمن صام رمضان: الجنّة» [٤٥] .\nعبد الملك بن عمر عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله ﷺ: «نوم الصّائم عبادة وصمته تسبيح ودعاؤه مستجاب وعمله مضاعف» [٤٦] «٣» .\nفَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قرأه العامة بجزم اللام، وقرأ الحسن والأعرج: بكسر اللام وهي لام الأمر، وحقها الكسر إذا أفردت، وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنّما توصل بثلاثة أحرف الفاء كقوله لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ\n«٤» والواو كقوله وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا «٥» وثمّ كقوله ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ «٦» .\nواختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها:\nفقال بعضهم: معناها فمن شهده عاقلا بالغا مقيما صحيحا مكلّفا فليصمه قاله أبو حنيفة وأصحابه، وقال قوم: معناها: إذا دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فليصم الشهر كلّه.\nحتّى لو غاب بعد فسافر أو أقام فلم يبرح قاله النخعي والسّدي.\nوقال قتادة: إنّ عليّا (﵁) كان يقول: إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثمّ سافر فعليه الصّوم.\nوقال محمّد بن سيرين: سألت عبيدة السّلمان عن الرّجل يدركه رمضان ثمّ يسافر فقال: إذا\n_________\n(١) الكبكبة: الجماعة من الشيء.\n(٢) راجع زاد المسير: ٨/ ٢٨٧.\n(٣) الجامع الصغير: ٢: ٦٧٨ بزيادة: وذنبه مغفور، وكذا في الدر المنثور: ١: ١٨٠.\n(٤) سورة قريش: ٣.\n(٥) سورة الحجّ: ٢٩.\n(٦) سورة الحجّ: ٢٩.","vol":"2","page":70},{"text":"شهدت أوّله فصم آخره إلّا تراه يقول: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ قالوا: والمستحب له ألّا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما. إن أدركه. حتّى يقضي الشهر، وروي في ذلك عن ابراهيم بن طلحة إنه جاء إلى عائشة ﵂ يسلم عليها قالت: وأين تريد؟\nقال: أردت العمرة، قالت: جلست حتّى إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟\nقال: قد خرج ثقلي، قالت: اجلس حتّى إذا أفطرت فاخرج، فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له. وقال الآخرون معنى الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ما شهد منه وكان حاضرا وإن سافر فله الإفطار إن يشأ، قاله ابن عبّاس وعامّة أهل التأويل، وهو أصحّ الأقاويل يدلّ عليه ما\nروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عبّاس قال: خرج رسول الله ﷺ عام الفتح صائما في رمضان حتّى إذا بلغ القنطرة دعا بماء فشرب.\nوعن الشعبي: إنّه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر.\nثمّ ذكر فقال: وَمَنْ كانَ مَرِيضًا اختلف العلماء في الزمن الّذي أباح الله تعالى معه الإفطار، فقال قوم: هو كل مرض يسمّى مريضا.\nوقال [طريف بن تمام] العطاردي: دخلت على محمّد بن سيرين يوما في شهر رمضان وهو يأكل فلمّا فرغ قال لا توجّعت إصبعي هذه.\nوقال آخرون: فكل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصّوم الزّيادة في علّته زيادة غير محتملة، وهو اختيار الشّافعي.\nوقال الحسن وإبراهيم: إذا لم يستطع المريض أن يصلّي قائما أفطر، والأصل إنّه إذا لم يمكنه الصّيام وأجهده أفطر فإذا لم يجهده الصّوم فهو بمعنى الصحيح الّذي يطيق الصوم.\nأَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ اختلف العلماء في صيام المسافر\nفقال قوم: الإفطار في السّفر عزيمة واجبة وليس برخصة فمن صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وهو قول عمرو أبي هريرة وابن عبّاس وعلي بن الحسين وعروة بن الزبير والضحّاك\n، واعتلّوا بما\nروت أمّ الدّرداء عن كعب بن عاصم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليس من البرّ الصيام في السفر»\n[٤٧] «١» .\nالزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصّائم في السّفر كالمفطر في الحضر.\nوقال آخرون: الإفطار في السّفر رخصة من الله ﷿ والفرض الصّوم فمن صام ففرضه\n_________\n(١) كتاب الأم للشافعي: ٢/ ١١٢، ومسند الحميدي: ٢/ ٣٨١. [.....]","vol":"2","page":71},{"text":"أدي ومن أفطر فبرخصة الله أخذ ولا قضاء على من صام إذا أقام، وهذا هو الصّحيح وعليه عامّة الفقهاء. ويدلّ عليه: ما\nروى عاصم بن الأحول عن أبي نضرة عن جابر قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ في سفر فمنّا الصّائم ومنّا المفطر فلم يكن بعضنا يعيب على بعض.\nوروى يحيى بن سعيد عن هشام عن أبيه عن عائشة: إنّ حمزة بن عمرو قال: يا رسول الله إنّي كنت أتعوّد الصيام أفأصوم في السّفر قال: «إن شئت فصم وإن شئت فأفطر» [٤٨] «١» .\nوعن عروة بن أبي قراح عن حمزة بن عمرو إنّه قال: يا رسول الله أجد بي قوّة على الصّيام في السّفر فهل عليّ جناح قال: «هي رخصة من الله ﷿ فمن آخذها فحسن ومن أحبّ أن يصوم فلا جناح عليه» [٤٩] «٢» .\nوامّا\nقوله ﷺ: «ليس من البرّ الصّيام في السّفر»\n. فإنّ تمام الخبر يدلّ على تأويله وهو ما\nروى محمّد بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: إنّ رسول الله ﷺ مرّ برجل في ظل شجرة يرش عليه الماء فقال: «ما بال صاحبكم هذا؟» قالوا: يا رسول الله صام، قال: «إنّه ليس من البرّ أن تصوموا في السّفر، وعليكم برخصة الله تعالى التي رخص لكم فاقبلوها»\n، وكذلك تأويل\nقوله ﷺ: «الصائم من السّفر كالمفطر في الحضر»\n[٥٠] «٣» .\nيدلّ عليه حديث مجاهد عن ابن عمر: إنّه مرّ برجل ينضح الماء على وجهه وهو صائم، فقال: أفطر ويحك فإنّي أراك لو متّ على هذا دخلت النّار.\nوالجامع لهذه الأخبار والمؤيد لما قلنا ما روى أيوب عن عروة وسالم إنّهما كانا عند عمر بن عبد العزيز، إذ هو أمير على المدينة. فتذاكروا الصّوم في السّفر. فقال سالم: كان ابن عمر لا يصوم في السّفر، وقال عروة: كانت عائشة تصوم في السّفر. فقال: سالم: إنما أحدّث عن ابن عمر، وقال عروة: إنّما أحدّث عن عائشة، فارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن عبد العزيز:\nاللهمّ اغفر إذا كان يسرا فصوموا وإذا كان عسرا فأفطروا.\nثمّ اختلفوا في المستحب منهم، فقال قوم: الصّوم أفضل، وهو قول معاذ بن جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد.\nويروى إنّ أنس بن مالك أمر غلاما له بالصّوم في السّفر، فقيل له في هذه الآية، فقال:\nنزلت ونحن يومئذ نرحل جياعا وننزل على غير شبع، فمن أفطر فبرخصة، ومن صام فالصّوم أفضل.\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٥٣١ ح ١٦٦٢، وسنن النسائي: ٤/ ١٨٦.\n(٢) المجموع: ٦/ ٢٦٤، صحيح مسلم: ٣/ ١٤٥.\n(٣) سنن النسائي: ٤/ ١٧٦، وصحيح ابن خزيمة: ٣/ ٢٥٩.","vol":"2","page":72},{"text":"وقال آخرون: المستحب الإفطار لما\nروى جعفر بن محمّد عن أبيه عن جابر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى مكّة عام الفتح في رمضان فصام حتّى إذا بلغ كراع الغميم فصام النّاس، فبلغه إنّ الناس قد شقّ عليهم الصّيام فدعا بقدح ماء وشرب بعد العصر والنّاس ينظرون فأفطر بعض النّاس وصام بعضهم فبلغه إنّ النّاس صاموا فقال: «أولئك العصاة» [٥١] «١» .\nعاصم الأحول عن [بريد] العجلي عن أنس بن مالك قال: كنّا مع رسول الله ﷺ فمنّا الصائم ومنا المفطر فنزلنا في يوم حار واتخذنا ظلالا فسقط الصوّام وقام المفطرون فسقوا الرّكاب فقال رسول الله ﷺ: «ذهب المفطرون اليوم بالأجر» [٥٢] «٢» .\nوروى شعبة عن معلّى عن يوسف بن الحكم قال: سألت ابن عمر عن الصّوم في السّفر فقال: أرأيت لو تصدّقت على رجل بصدقة فردّها عليك ألم يغضبك؟\nقال: نعم، قال: فإنّها صدقة من الله ﷿ تصدّق بها عليكم، وحدّ الاسفار التي يجوز فيها الإفطار ستّة عشر فرسخا فصاعدا.\nيُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ حين أرخص في الأسفار للمريض والمسافر.\nوَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وقرأ أبو جعفر يزيد بن القعقاع: الْعُسُرَ والْيُسُرَ مثقّلين في جميع القرآن.\nوقرأ الباقون: بتخفيفهما وهما لغتان جيّدتان ولا حجّة للقدرية في هذه الآية لأنّها مبنية على أوّل الكلام في إيجاب الصّيام فهي خاص في الاحكام لأهل الإسلام.\nوَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ قرأ أبو بكر ورويش: بتشديد الميم.\nوقرأ الباقون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «٣» والواو في قوله وَلِتُكْمِلُوا واو النسق واللّام لام كي تقديره: ويريد لتكملوا العدّة.\nوقال الزجّاج: معناه فعل الله ذلك ليسهّل عليكم وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ.\nوقال عطاء: ولتكمّلوا عدّة أيام الشهر.\nوقال سائر المفسّرين: ولتكملوا عدّة ما أفطرتم في مرضكم وسفركم إذا برأتم وأقمتم وقضيتموها.\nوَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ولتعظموا الله.\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٢/ ١٠٦، وسنن النسائي: ٤/ ١٧٧.\n(٢) المجموع للنووي: ٦/ ٢٦٤، وصحيح البخاري: ٣/ ٢٢٤.\n(٣) سورة المائدة: ٣.","vol":"2","page":73},{"text":"عَلى ما هَداكُمْ لدينه ووفقكم ورزقكم شهر رمضان مخفّفا عليكم وخصّكم به دون سائر أهل الملل.\nوقال أكثر العلماء: أراد به التكبير ليلة الفطر.\nقال الشافعي روى عن ابن المسيّب وعروة بن سلمة: إنّهم كانوا يكبّرون ليلة الفطر ويجهرون بالتكبير قال: وشبّه [......] «١» لنحرها.\nقال ابن عبّاس وزيد بن أسلم: في هذه الآية حقّ على المسلمين إذا رأى هلال شوّال أن يكبّروا إلى أن يخرج الإمام في الطّريق والمسجد فإذا حضر الإمام كفّ فلا يكبّر إلّا بتكبيره والاختيار في لفظ التكبير ثلاثا نسقا.\nوَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ على نعمه.\nوَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ الآية: اختلف المفسّرون في سبب نزول هذه الآية فقال ابن عبّاس: نزلت في عمر بن الخطّاب وأصحابه حين أصابوا من أهاليهم في ليالي شهر رمضان وستأتي قصّتهم فيما بعد إن شاء الله.\nوروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف يسمع ربّنا دعاؤنا وأنت تزعم إنّ بيننا وبين السّماء مسيرة خمسمائة عام وان غلظ كل سماء مثل ذلك»؟ فنزلت هذه الآية.\nوقال الحسن: سأل أصحاب النبيّ ﷺ رسول الله أين ربّنا؟ فأنزل الله هذه الآية.\nوقال قتادة وعطاء: لمّا نزلت وَقالَ رَبُّكُمُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ.\nفقالوا: يا رسول الله كيف ندعوا ربّنا؟ ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية.\nقال الضحّاك: سأل بعض الصحابة النبيّ ﷺ: أقريب ربّنا فنناجيه أم بعيد؟ فسأل ربّه فأنزل الله: وَإِذا سَأَلَكَ يا محمّد عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.\nوقال أهل المعاني: فيه إضمار كأنّه فعل هم وما علمهم أفي قريب منهم بالعلم.\nوقال أهل الإشارة: رفع الواسطة إظهارا للقدرة.\nأُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا فليجيبوا لِي بالطاعة يقال أجاب واستجاب بمعنى واحد.\nوقال كعب بن سعد الغنوي:\nوداع دعا يا من يجيب إلى النّدى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"2","page":74},{"text":"وقال أبو رجاء الخراساني: يعني فليدعوني للاجابة وفي اللغة الطّاعة وإعطاء ما يسأل، يقال: أجابت السماء بالمطر، واجابت الأرض بالنبات، كأنّ الأرض سألت السّماء المطر فأعطت، وسالت السّماء الأرض فأعطت.\nوقال زهير\nوغيث من الأسمي حقّ قلاعه ... أجابت رواسيه النّجا [هواطله] «١»\nيريد أجابت تجمع رواسيه النجا حين سألها المطر وأعطته ذلك.\nوالاجابة من الله تعالى الإعطاء ومن العبد الطّاعة.\nوَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ لكي يهتدوا فان قيل ما وجه قوله: أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ وقوله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقد يدعي كثيرا فلا يستجيب، قلنا: اختلف العلماء في وجه الآيتين وتأويلهما.\nفقال بعضهم: معنى الدّعاء هاهنا الطّاعة ومعنى الاجابة الثواب كأنّه قال: أجيب دعوة الدّاعي بالثواب إذا أطاعني.\nوقال بعضهم: معنى الآيتين خاص، وإن كان لفظهما عاما، تقديرها أجيب دعوة الدّاعي إن شئت وأجيب دعوة الدّاعي إذا وافق القّضاء، وأجيب دعوة الدّاعي إذا لم يسأل محالا، وأجيب دعوة الدّاعي إذا كانت الإجابة له خيرا، يدلّ عليه ما\nروى أبو المتوكّل عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم دعا الله ﷿ بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم إلّا أعطاه الله بها أحدى خصال ثلاث: إمّا أن تعجّل دعوته، وامّا أن يدّخر له في الآخرة، وامّا أن يدفع عنه من السوء مثلها» [٥٣] قالوا: يا رسول الله إذا يكثر قال: «الله أكثر» [٥٤] «٢» .\nوقال بعضهم: هو عام وليس في الآية أكثر من إجابة الدّعوة، فأمّا إعطاء المنية وقضاء الحاجة فليس مذكور في الآية، وقد يجيب السّيّد عبده والوالد ولده ثمّ لا يعطيه سؤله فالاجابة كائنة لا محالة عند حصول الدّعوة لمن قوله: أجيب واستجيب خبر والخبر لا يعترض عليه، لأنّه إذا نسخ صار المخبر كذّابا وتعالى الله عن ذلك، ودليل هذا التأويل: ما\nروى نافع عن ابن عمر عن النّبيّ ﷺ قال: «من فتح له باب في الدّعاء فتحت له أبواب الاجابة، وأوحى الله تعالى إلى داود ﷺ: قل للظّلمة لا تدعوني فإنّي أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإنّي إذا أجبت الظالمين لعنتهم» [٥٥] .\nوقيل: إنّ الله يجيب دعاء المؤمن في الوقت إلّا إنّه يؤخّر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.\n(٢) بتفاوت في مسند الشاميين: ٤/ ٥٣ ح ٢٧١٠، وزاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٧٣.","vol":"2","page":75},{"text":"صوته، يدلّ عليه ما\nروى محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ العبد ليدعو الله وهو يحبه فيقول يا جبرئيل: اقضي لعبدي هذا حاجته وأخّرها فإنّي أحبّ أن لا أزال أسمع صوته، وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه فيقول لجبريل اقض لعبدي حاجته باخلاصه وعجّلها فإني أكره أن أسمع صوته.\nوبلغنا [عن يحيى ذبيح الله] أنه قال: سألت ربّ العزّة في المنام فقلت: يا رب كم أدعوك فلا تستجيب لي؟ فقال: يا يحيى أنّي أحبّ أن أسمع صوتك»\n[٥٦] «١» .\nقال بعضهم: إنّ للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الاجابة ونيل الأمنية فمن راعاها واستكملها كان من أهل الاجابة ومن أغفلها وأخلّ بها [فهو من أهل ...] «٢» في الدّعاء.\nوحكي إنّ إبراهيم بن أدهم قيل له: ما بالنا ندعوا الله فلا يستجيب لنا؟ قال: لأنّكم عرفتم الله فلم تطيعوه وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنّته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدّوا شكرها، وعرفتم الجنّة فلم تطلبوها وعرفتم النّار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه وعرفتم الموت فلم تستعدّوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس.\nوقوله أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ الآية:\nقال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا أفطر حلّ له الطّعام والشراب والجماع إلى أن يأتي العشاء الأخيرة أو يرقد قبلها فإذا صلّى العشاء الأخيرة أو رقد قبل الصلاة ولم يفطر حرّم عليه الطّعام والشراب ومنع ذلك إلى مثلها في القابل «٣» .\nثمّ إنّ عمر بن الخطّاب (﵁) واقع أهله بعد ما صلّى العشاء الأخيرة فلمّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه فأتى النّبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله: إنّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخطيئة إنّي رجعت إلى أهلي بعد أن صلّيت العشاء الاخيرة فوجدت رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعت أهلي فهل تجد لي من رخصة، فقال النّبيّ ﷺ: ما كنت جديرا بهذا يا عمر، فقام رجال فاعترفوا بالّذي كانوا صنعوا بعد العشاء الأخيرة، فنزل في عمر وأصحابه أُحِلَّ لَكُمْ أي أطلق وأبيح لكم لَيْلَةَ الصِّيامِ في ليلة الصيام الرَّفَثُ.\nقرأ ابن مسعود والأعمش: الرّفوث: إِلى نِسائِكُمْ والرّفث والرفوث كناية عن الجماع قال ابن عبّاس: إنّ الله تعالى حي كريم يكني فما ذكر الله في القرآن من المباشرة والملامسة والإفضاء والدّخول والرفث فانّما يعني به الجماع.\n_________\n(١) كتاب الدعاء للطبراني: ٤٥، والمعجم الأوسط: ٨/ ٢١٦.\n(٢) كلمات غير مقروءة.\n(٣) راجع الدر المنثور: ١/ ١٧٧.","vol":"2","page":76},{"text":"قال الشّاعر:\nفظلنا هنالك في نعمّ ... وكل اللذاذة غير الرّفث\nقال القتيبي: الرَّفَثُ هو الإفصاح بما يجب أن يكنّى به من ذكر النكاح وأصله الفحش وقول القبيح. قال العجاج:\nورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم «١» .\nوقال الزجاج: الرَّفَثُ كلمة جامعة لكل ما يريده الرجال من النساء.\nقال الشاعر:\nويزين من أنس الحديث راويا ... وهنّ من رفث الرجال نفار\nهُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ هنّ سكن لكم وأنتم سكن لهنّ قاله أكثر المفسّرين نظيره قوله: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا «٢» اي سكنا دليله قوله وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها «٣» ليسكن إليها.\nوقال أصحاب المعاني: اللّباس الشعار الّذي يلي الجهار من الثياب فسمّي كل واحد من الزوجين لباسا لتجردهما عند النوم واجتماعهما في ثوب واحد وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتّى يصير كلّ واحد منهما لصاحبه كالثوب الّذي يليه.\nقال نابغة بني جعدة:\nإذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تثنّت وكانت لباسا «٤»\nفكنّى عن اجتماعهما متجرّدين في فراش واحد باللّباس يدلّ على صحّة هذا التأويل قول الربيع بن أنس في هذه الآية: هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ.\nوقال بعضهم: يقال لما ستر الشيء وواراه لباس فجائز أن يكون كلّ واحد منهما سترا لصاحبه عمّالا يحلّ كما جاء في الخبر: من تزوّج فقد أحرز دينه، وسترا أيضا فيما يكون بينهما من الجماع عن أبصار الناس، يدلّ عليه: قول أبي زيد في قوله تعالى: هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ قال: للمواقعة.\nوقال أبو عبيدة وغيره: يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وازارك، وقال رجل لعمر بن الخطّاب:\nالا أبلغ أبا حفص رسولا ... فذى لك من اخي ثقة ازاري «٥»\n_________\n(١) الصحاح: ١: ٢٨٣، ولسان العرب: ٢/ ١٥٤.\n(٢) سورة النبأ: ١٠. [.....]\n(٣) سورة الأعراف: ١٨٩.\n(٤) الدر المنثور: ١/ ٤٧٨.\n(٥) مجمع البيان: ١/ ٥٠٢.","vol":"2","page":77},{"text":"قال أبو عبيدة: أي نسائي.\nعَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ تخونونها وتظلمونها بعد العشاء الآخرة في ليالي الصّوم.\nفَتابَ عَلَيْكُمْ فتجاوز عنكم.\nوَعَفا عَنْكُمْ محا ذنوبكم.\nفَالْآنَ وجه حكم زمانين ماض وآت.\nبَاشِرُوهُنَّ جامعوهنّ حلالا سميت المجامعة مباشرة لتلاصق كلّ واحد منهما ببشرة صاحبه.\nوَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي افعلوه وقرأه العامّة الصحيحة وابتغوا أيّ اطلبوا يقال:\nيبغي الشيء يبغيه بغيه وبغا وابتغاه يبتغيه ابتغاء طلبه. ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قضى الله لكم، وقيل: كتب في اللوح المحفوظ.\nوقال أكثر المفسرين: يعني الولد.\nقال مجاهد: ابتغوا الولد إن لم تلد هذه فهذه.\nقال ابن زيد: وابتغوا ما أحل الله لكم من الجماع.\nقتادة: وابتغوا الرّخصة التي كتبت لكم.\nوقال معاذ بن جبل: وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني ليلة القدر وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس وأشبه الأقاويل بظاهر الآية قول من تأوله على الولد لأنّه عقيب قوله فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وهو أمر اباحة وندب\nكقوله ﷺ: «تناكحوا تكثروا فانّي أباهي بكم الأمم يوم القيامة حتّى بالسقط» [٥٧] «١» .\nوقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم، يدلّ عليه ما\nروى زياد بن ميمون عن أنس بن مالك: إنّ امرأة كانت يقال لها: الحولاء عطارة من أهل المدينة، وحلّت على عائشة فقالت: يا أم المؤمنين زوجي فلان أتزيّن له كل ليلة وأتطيب كأنّي عروس زفت إليه فإذا آوى إلى فراشه دخلت عليه في لحافه ألتمس بذلك رضا الله ﷿ حوّل وجهه عني أراه قد أبغضني، قالت:\nأجلسي حتّى يدخل النّبيّ ﷺ قالت: فبينا إنّا كذلك إذ دخل النّبيّ ﷺ فقال: ما هذه الرّيح التي أجدها أتتكم الحولاء أبتعتم منها شيئا؟\n_________\n(١) بتفاوت في كنز العمال: ٢/ ٥٥ ح ٤٧٢٤، والمصنف لعبد الرزاق: ٦/ ١٧٣.","vol":"2","page":78},{"text":"فقالت عائشة: لا والله يا رسول الله. فقصّت الحولاء قصتها. فقال لها: اذهبي واسمعي له وأطيعي، فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من الأجر؟\nقال: «ما من امرأة رفعت في بيت زوجها شيئا ووضعته مكانا تريد الإصلاح إلّا كتب الله لها حسنة ومحا عنها سيئة، ورفع لها درجة، وما من امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلّا لها من الأجر مثل القائم الصّائم نهاره الغازي في سبيل الله، وما من امرأة يأتيها الطلق إلّا لها بكل طلقة عتق نسمة وبكل رضعة عتق رقبة فإذا افطمت ولدها ناداها مناد من السّماء أيتها المرأة قد كفيت العمل فيما مضى فاستأنفي فيما بقي» [٥٨] .\nقالت عائشة: قد أعطى الله النّساء خيرا كثيرا فما بالكم يا معشر الرّجال، فضحك النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلّا كساه نور وله حسنة، وإن عانقها فعشر حسنات وإن قبلها فعشرون، وإن أتاها كان خيرا من الدّنيا وما فيها، فإذا قام يغتسل لم يمرّ الماء على شيء من جسده إلّا يمحى عنه سيئة، ويعطي له [......] «١» يعطى بغسله خير من الدّنيا وما فيها، وإنّ الله ﷿ يباهي الملائكة يقول: انظروا إلى عبدي قام في ليلة مرة باردة يغتسل من الجنابة يتيقن بأني ربّه أشهدكم بأني غفرت له» [٥٩] «٢» .\nكُلُوا وَاشْرَبُوا إلى الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ.\nنزلت في رجل من الأنصار، واختلف في اسمه. فقال معاذ بن جبل: أبو صرمة البراء قيس بن صرمة.\nعكرمة والسّدي: ابو قيس بن صرمه.\nمقاتل بن حيّان: صرمة بن أياس\nالكلبي: أبو قيس صرمة بن أنس بن أبي صرمة بن ملك بن عدي النّجار وذلك إنّه ظل نهاره يعمل في أرض له، وهو صائم، فلما أمسى رجع إلى أهله بتمر وقال: قدّمي الطّعام، وأرادت المرأة أن تطعمه عشاء سخنا، وأخذت تعمل له سخينة، وكان في الصّوم الأول من صلّى العشاء الآخرة أو نام، حرم عليه الطعام والشّراب والجماع، فلما فرغت من طعامه إذا هي به قد نام، وكان متداعيا وكلّ فايقظته فكره أن يعصي الله ورسوله وأبى أن يأكل، وأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتّى غشي عليه، فلمّا أفاق، أتى رسول الله ﷺ فلما رآه رسول الله قال: «يا أبا قيس مالك أمسيت طليقا؟» [٦٠] قال: ظللت أمس في النخيل ونهاري كلّه أجر بالحرير حتّى أمسيت، فأتيت فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا سخنا فأبطأت عليّ، فنمت فايقظوني وقد حرّم عليّ الطعام والشراب، فطويت وأمسيت وقد أجهدني الصّوم، فاغتمّ لذلك\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) لم نجده في المصادر.","vol":"2","page":79},{"text":"رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى وَكُلُوا يعني في ليالي الصّوم وَاشْرَبُوا فيها حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ أي بياض النّهار وضوءه من سواد الليل وظلمته\n، كذا قال المفسرون. قال الشاعر:\nالخيط الأبيض وقت الصّبح منصدع ... والخيط الأسود لون الليل مكموع «١»\nوإنّما سمّي بذلك تشبيها بالخيط لابتداء الضوء والظلمة لامتدادهما.\nوقال ابو داود:\nفلمّا أضاءت لنا غدوة ... ولاح من الصبح خيط أنارا «٢»\nوقد ورد النّص عن رسول الله ﷺ في تفسير هذه الآية.\nوروى مخالد عن عامر عن عدي بن حاتم قال: علمني رسول الله ﷺ الصّلاة والصّيام قال: صل كذا، وصم كذا، فإذا غابت الشمس: فكل واشرب حتّى يتبين لك الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وصم ثلاثين يوما إلى أن ترى الهلال قبل ذلك، قال: فأخذت خيطتين من شعر أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا يتبين لي.\nفذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ، فضحك رسول الله ﷺ: حتّى بدت نواجذه وقال: «يا ابن حاتم إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل» [٦١] «٣» .\nوروى أبو حازم عن سهل بن سعد قال: نزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم يقول: من الفجر.\nكان رجال إذا أرادوا الصوم يضع أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتّى يتبين لهم فأنزل الله تعالى مِنَ الْفَجْرِ فعلموا إنّما يعني بذلك الليل والنهار.\nوالفجر انشقاق عمود الصبح وابتداء ضوءه، وهو مصدر من قولك فجرّ الماء يفجر فجرا إذا انبعث وجرى شبّهه شق الضوء بظلمة الفجر، الماء الحوض إذا شقه وخرج منه وهما فجران، أحدهما: يسطع في السماء مستطيلا كذنب السرحان ولا ينتشر فذلك لا يحل الصلاة ولا يحرم الطعام على الصائم وهو الفجر الكاذب.\nوالثاني: هو المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق ضوء الفجر الصادق الذي يحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم وهو المعني بهذه الآية.\n_________\n(١) الدر المنثور: ١/ ٤٨٠.\n(٢) مجمع البيان: ١/ ٥٠٢.\n(٣) راجع تحفة الأحوذي: ٣/ ٣٢٠، والمعجم للطبراني: ١٧/ ٧٨.","vol":"2","page":80},{"text":"عن سمرة بن جندب قال: قال النبيّ ﷺ «لا يمنعكم من السحور آذان بلال ولا الصبح المستطيل ولكن الصبح المستطير في الأفق» [٦٢] «١» .\nثمّ ذكر وقت الإفطار فقال ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ.\nقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبيّ ﷺ في مسيرة وهو صائم فلمّا غربت الشمس قال لرجل: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: يا رسول الله أمسيت؟ فقال: انزل فاجرح لي، فقال الرجل: لو أمسيت، فقال: انزل فاجرح لي، قال: يا رسول الله ان علينا نهارا فقال له الثالثة فنزل فجرح له. ثمّ قال رسول الله ﷺ: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار وغابت الشمس فقد أفطر الصائم» [٦٣] «٢» .\nوفي بعض الألفاظ: أكل أو لم تأكل.\nوَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، كان مجاهد يقرأ في المسجد، وأصل العكوف والاعتكاف الثبات والاقامة.\nفقال: عكفت بالمكان إذا عكفت، قال الله ﷿ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ «٣» أيّ يقيمون.\nقال الفرزدق يصف القدور:\nيرى حولهن معتفين كأنهم ... على صنم في الجالية عكف\nوقال الطرماح:\nفبات بنات الليل حولي عكّفا ... عكوف البواكي بينهن صريع «٤»\nوقال آخر: تصدّى لها والدجى قد عكف خيال هداه إليه الشغف، والاعتكاف هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى.\nواختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهي المعتكف عنها.\nفقال قوم: هي المجامعة خاصة معناه لا تجامعوهن ما دمتم معتكفين في المساجد، فإن الجماع يفسد الاعتكاف وبه قال ابن عبّاس وعطاء والضحاك والربيع.\nوقال قتادة ومقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب النبيّ ﷺ كانوا يعتكفون في المسجد وإذا عرضت للرجل منهم الحاجة إلى أهله خرج إليها فجامعها ثمّ يغتسل ويرجع إلى المسجد فنهوا أن يجامعوا ليلا ونهارا حتّى يفرغوا من اعتكافهم.\n_________\n(١) المصنف لابن أبي شيبة: ٢/ ٤٢٧.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٤٨- ٥٤.\n(٣) سورة الأعراف: ١٣٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٢٤٥.","vol":"2","page":81},{"text":"وقال أبو زيد: المباشرة الجماع وغير الجماع من اللمس والقبلة وانواع التلذذ، والجماع مفسد للاعتكاف بالإجماع، والمباشرة غير الجماع، فهو على ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء وقال مالك بن أنس: يفسده.\nقال ابن جريج: قلت لعطاء المباشرة هو الجماع؟ قال: الجماع نفسه، قلت له: فالقبلة في المسجد والمسّة؟\nقال: أما الذي حرّم فالجماع وأنا أكره كل شيء من ذلك في المسجد «١» .\nوالضرب الثاني: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو مباح كما\nجاء في الخبر عن عائشة ﵂، إن رسول الله ﷺ كان يخرج إليها رأسه من المسجد فترجّله وهو معتكف.\nفرقد السجني\nعن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إن رسول الله ﷺ قال في المعتكف:\n«هو معتكف «٢» الذنوب وتجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها» [٦٤] «٣» .\nعن علي بن الحسين عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من اعتكف عشرا في رمضان كان بحجتين وعمرتين» [٦٥] «٤» .\nتِلْكَ الأحكام التي ذكرنا في الصيام والاعتكاف حُدُودُ اللَّهِ.\nقال السّدي: شروط الله.\nشهر بن حوشب: فرائض الله.\nالضحاك: معصية الله.\nالمفضل بن سلمة: الحد الموقف الذي يقف الإنسان عليه ويصف له حتّى يميّز من سائر الموصوفات والحد فصل بين الشيئين، والحد منتهى الشيء.\nوقال الخليل: الحد الجامع المانع.\nقال الزجاج: بحدود ما منع الله تعالى من مخالفتها.\nقلت: وأصل الحد في اللغة: المنع ومنه قيل للبواب حداد.\nقال الأعشى:\n_________\n(١) المصدر السابق: ٢/ ٢٤٧. [.....]\n(٢) في المصادر: يعكف.\n(٣) المغني لابن قدامة: ٣/ ١١٨، وسنن ابن ماجة: ١/ ٥٦٧ ح ١٧٨١.\n(٤) الجامع الصغير: ٢: ٥٧٥ ح ٨٤٧٩، وكنز العمال: ٨/ ٥٣٠ ح ٣٤٠٠٦.","vol":"2","page":82},{"text":"فقمنا ولما يصح ديكنا ... إلى جونة عند حدادها «١»\nيعني صاحبها الذي يحفظها ويمنعها.\nقال النابغة: إلّا سليمان إذ قال المليك له قم في البرية فاحددها عن الفند «٢»، ومنه حدود الأرض، والدار هي ما منع غيره أن يدخل فيها، وسمي الحديد حديدا لأنه يمتنع من الأحداء، ويقال أحدّت المرأة على زوجها وحدّت إذا منعت نفسها من الزينة، فحدّد الله هي ما منع فيها أو منع من مخالفتها والتعدّي إلى غيرها.\nفَلا تَقْرَبُوها فلا تأتوها، يقال: قربت الشيء أقربه وقربت منه بضم الراء إذا دنوت منه.\nكَذلِكَ هكذا يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ لكي يتقوها فنجّوا من السخطة والعذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٨٨ الى ١٨٩]</span>\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ الآية.\nقال ابن حيان وابن السائب: نزلت هذه في امرؤ القيس بن عابس الكندي وفي عبدان بن أشرح الحضرمي، وذلك إنهما اختصما إلى النبيّ ﷺ في أرض فأراد امرؤ القيس أن يحلف فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ فقرأها النبيّ ﷺ فأبى أن يحلف وحكم عبدان في أرضه ولا يخاصمه.\nفقرأها النبيّ ﷺ وكان امرؤ القيس المطلوب وعبدان الطالب فأنزل الله ﷿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ الآية أيّ لا يأكل بعضكم مال بعض، (بِالْباطِلِ) أي من غير الوجه الذي أباحه الله تعالى له\n، وأصل الباطل الشيء الذاهب الزائل يقال: بطل يبطل بطولا وبطلانا إذا ذهب.\nوَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ أي تلقون أمور تلك الأموال بينكم وبين أربابها إلى الحكام، وأصل الأدلاء إرسال الدلو وإلقاءه في البئر، يقال أدلى دلوه إذا أرسلها.\n_________\n(١) راجع زاد المسير: ١/ ١٧٦، والجونة: الخابية المطلية بالقار، والمراد ما فيها من الخمر.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ١٤٢، وفيه: الإله، بدل المليك.","vol":"2","page":83},{"text":"قال الله تعالى فَأَدْلى دَلْوَهُ «١» ودلاها إذا أخرجها ثمّ جعل كل إلقاء قول أو فعل إدلاء، ومنه قيل للمحتج بدعواه: أدلى بحجته إذا كانت سببا له يتعلق به في خصومته كتعلق المسقي بدلو قد أرسلها هو سبب وصوله إلى الماء، ويقال: أدلى فلان إلى فلان إذا تناول منه وأنشد يعقوب:\nفقد جعلت إذا حاجة عرضت ... بباب دارك أدلوها أيا قوم\nومنه يقال أيضا: دلا ركابه يدلوها إذا ساقها سوقا رفقا قال الراجز:\nيا ذا الذي يدلوا المطيّ دلوا ... ويمنع العين الرقادا المرا\nواختلف النحاة في محل قوله وَتُدْلُوا.\nفقال بعضهم: جزم بتكرير حرف النهي المعني ولا تأكلوا ولا تدلوا وكذلك هي في حرف أبي بإثبات لا.\nوقيل: وهو نصب على الصرف.\nكقول الشاعر:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nوقيل: نصب بإضمارين الخفيّفة.\nقال الأخفش: نصب على الجواب بالواو.\nلِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ بالباطل.\nوقال المفضل: أصل الإثم التقصير في الأمر.\nقال الأعشى:\nجمالية تعتلي بالرّداف ... إذا كذب الأثمان الهجيرا\nأي المقصرات يصف [ناقته] «٢» ثمّ جعل التقصير في أمر الله ﷿ والذنب إثما.\nوَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ إنكم مبطلون.\nقال ابن عبّاس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس له فيه بينة فيجحد ويخاصمهم فيه إلى الحكام وهو يعرف ان الحق عليه ويعلم إنه آثم أكل حرام.\nقال مجاهد: في هذه الآية لا يخاصم وليست ظالم.\n_________\n(١) سورة يوسف: ١٩.\n(٢) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.","vol":"2","page":84},{"text":"الحسن: هو أن يكون على الرجل لصاحبه حق فإذا طالبه به دعاه إلى الحكام فيحلف له ويذهب بحقه.\nالكلبي: هو أن يقيم شهادة الزور.\nقتادة: لا تدل بمال أخيك إلى الحاكم وأنت تعلم إنك ظالم فإن قضاءه لا يحل حرامه ومن قضى له بالباطل فإن خصومته لم ينقض حتّى يجمع الله ﷿ يوم القيامة بينه وبين خصيمه فيقضي بينهما بالحق.\nوقال شريح: إني لأقضي لك، وإني لأظنك ظالما، ولكن لا يسعني إلّا أن أقضي بما يحضرني من البيّنة، وإن قضائي لا يحل لك حراما.\nمحمّد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّما أَنَا بَشَرٌ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار» [٦٦] «١» .\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ\nنزلت في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنمة الأنصاريين قالا: يا رسول الله ما بال الهلال يبدوا دقيقا مثل الخيط ثمّ يزيد حتّى يمتلئ ويستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدأ لا يكون على حالة واحدة فأنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ يا محمّد عَنِ الْأَهِلَّةِ\nوهي جمع هلال مثل رداء وأردية واشتقاق الهلال من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد.\nوأهل القوم بالحج والعمرة إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية.\nقال الشاعر:\nيهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر\nفسمّي هلالا لأنه حين يري يهل الناس بذكر الله ويذكره.\nقُلْ هِيَ مَواقِيتُ وهو الزمان المحدود للشيء لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ أخبر الله عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه واختلاف أحواله، اعلم إنه فعل ذلك: ليعلم الناس أوقاتهم في حجتهم وعمرتهم وحلّ ديونهم ووعد حلفائهم وأجور أجرائهم ومحيض الحائض ومدة الحامل ووقت الصوم والإفطار وغير ذلك، فلذلك خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حالة واحدة.\nوَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها\nقال المفسّرون: كان الناس في الجاهلية وفي أوّل الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج أو العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فإن كان من أهل المدن نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج، أو يتخذ سلما فيصعد منه وإن\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٣٢، وسنن ابن ماجة: ٢/ ٧٧٧.","vol":"2","page":85},{"text":"كان من أهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل من الباب ولا يخرج منه حتّى يحل من إحرامه، ويرون ذلك برا إلّا أن يكون من الحمس وهم قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة وبنو النضر بن معاوية، سمّوا حمسا لتشددهم في دينهم والحماسة والشدة والصلابة قالوا: فدخل رسول الله ﷺ ذات يوم بيتا لبعض الأنصار فدخل من الأنصار رجل يقال له زعامة بن أيوب، وقال الكلبي: قطبة بن عامر بن حذيفة أحد بني سلمة فدخل على أثره من الباب وهو محرم فأنكروا عليه، فقال له رسول الله ﷺ: لم دخلت من الباب وأنت محرّم؟\nقال: رأيتك دخلت فدخلت على أثرك، فقال رسول الله: إليّ أحمس، قال الرجل: إن كنت أحمس: فإنّ أحمس ديننا واحد، رضيت بهديك وهمتك ودينك، فأنزل الله هذه الآية «١» .\nالزهري: كان ناس من الأنصار إذا أهلّوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء ويتحرجون من ذلك وكان الرجل يخرج مهلا بالعمرة فتبدوا له الحاجة بعد ما يخرج من بيته فيرجع ولا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ثمّ يقوم في حجرته فيأمر بحاجته فيخرج إليه من بيته، حتّى بلغنا أن رسول الله ﷺ أهلّ زمن الحديبية بالعمرة فدخل حجرة ودخل رجل على أثره من الأنصار من بني سلمة، فقال له النبيّ ﷺ: لم فعلت ذلك؟\nقال: لأني رأيتك دخلت، فقال: لأني أحمس. [قال الزهري:] وكانت الحمس لا يبالون بذلك.\nفقال الأنصاري: وأنا أحمس. يقول: وأنا على دينك فأنزل الله تعالى وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها «٢» .\nقرأ حمزة الكسائي وعاصم في رواية أبي بكر ونافع برواية تَأْتُوا الْبِيُوتَ بكسر الباء في جميع القرآن لمكان الياء.\nوقرأ الباقون: بالضم على الأصل.\nوَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى أي برّ من اتقى كقوله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وقد مرّ ذكره وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها في حال الإحرام وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٠ الى ١٩٣]</span>\nوَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٢) وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٥، والدر المنثور: ١/ ٢٠٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٢٥٦.","vol":"2","page":86},{"text":"وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ دين الله وطاعته الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ.\nقال الربيع بن أنس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه أوّل آية نزلت في القتال فلما نزلت كان رسول الله ﷺ يقاتل من يقاتله ويكف عمن كفّ عنه حتّى نزلت: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ فنسخت هذه الآية وَلا تَعْتَدُوا أي لا تقتلوا النساء والصبيان والشيخ الكبير ولا من ألقي إليكم السلم وكف يده فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم\nوهو قول ابن عبّاس ومجاهد.\nوقال يحيى بن عامر: كتبت إلى عمر بن عبد العزيز أسأله عن قوله وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. فكتب إليّ: إن ذلك في النساء والذرية والرهبان ومن لم ينصب الحرب منهم.\nوقال الحسن: لا يعتدوا أي لا تأتوا ما نهيتم عنه.\nوقال بعضهم: الاعتداء ترك قتالهم.\nعلقمة بن مرثد عن سليمان بن يزيد عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا بعث أمرا على سرية أو جيش أوصى في خاصة نفسه بتقوى الله وممن معه من المسلمين خيرا وقال: «اغزوا باسم الله، وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلّوا ولا تغدروا ولا تقتلوا وليدا»\n[٦٧] «١» .\nوعن عطاء بن أبي رباح قال: لما استعمل أبو بكر يزيد بن أبي سفيان على الشام خرج معه يشيعه أبو بكر ماشيا وهو راكب فقال له يزيد: يا خليفة رسول الله إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال أبو بكر: ما أنت بنازل ولا أنا براكب إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، إني أوصّيك وصية إن أنت حفظتها ستمر على قوم قد حبسوا أنفسهم في الصوامع زعموا لله فزعهم وما حبسوا له أنفسهم، وستمر على قوم قد فحصوا عن أوساط رؤسهم وتركوا من شعورهم أمثال العصائب، فاضرب ما فحصوا منه بالسيف.\nثمّ قال: «لا تقتلوا امرأة ولا صبيا ولا شيخا فانيا ولا تعقروا شجرا مثمرا ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوه ولا تذبحوا بقرة ولا شاة إلّا لمأكل ولا تخربوا عامرا» [٦٨] «٢» .\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في صلح الحديبية وذلك أن\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٥/ ١٧٢، وصحيح ابن حبان: ١١/ ٤٢.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي: ٩/ ٩٠ بتقديم وتأخير.","vol":"2","page":87},{"text":"رسول الله ﷺ لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة وكانوا ألفا وأربعمائة فساروا حتّى نزلوا الحديبية فصدهم المشركون عن البيت الحرام فنحروا الهدي بالحديبية ثمّ صالحه المشركون على أن يرجع عامه ذلك على أن يخلي له بكل عام قابل ثلاثة أيام فيطوف بالبيت ويفعل ما يشاء، فصالحهم رسول الله ثمّ رجع من فوره ذلك إلى المدينة فلما كان العام المقبل تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا يفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام ويقاتلوهم، وكره رسول الله ﷺ وأصحابه قتالهم في الشهر الحرام في الحرم فأنزل الله وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ محرمين الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ يعني قريشا وَلا تَعْتَدُوا ولا تظلموا فتبدؤا في الحرم بالقتال محرمين.\nإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ\nثمّ قال وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وجدتموهم وأصل يثقف بحذف والبصر بالأمر، يقال: رجل ثقف لقف إذا كان حاذقا في الحرب بصيرا بمواضعها جيد الحذر فيه، فمعنى الآية: واقتلوهم حيث أبصرتم مقابلتهم وتمكنتم من قتلهم.\nوَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ يعني مكّة وَالْفِتْنَةُ يعني الشرك أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ يعني وشركهم بالله ﷿ أعظم من قتلكم إياهم في الحرم والحرم الإحرام، قاله عامّة المفسّرين.\nوقال الكسائي: الفتنة هاهنا العذاب وكانوا يعذبون من أسلم.\nوَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ.\nقرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ويحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي:\nيَقْتُلُوكُمْ بغير ألف من القتل على معنى لا تقتلوا بعضهم.\nتقول العرب: قتلنا بني فلان وإنّما قتلوا بعضهم، لفظه عام ومعناه خاص.\nوقرأ الباقون: كلها بالألف من القتال، واختلفوا في حكم هذه الآيات.\nفقال قوم: هي منسوخة ونهوا عن الابتداء بالقتال، ثمّ نسخ ذلك بقوله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ هذا قول قتادة والربيع.\nمقاتل بن حيان: وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ أي حيث أدركتم في الحل والحرم، لما نزلت هذه الآية نسخها قوله وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ ثمّ نسختها آية السيف في [براءة] فهي ناسخة ومنسوخة.\nوقال آخرون: هذه الآية محكمة ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم، وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين.\nكَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ فَإِنِ انْتَهَوْا عن القتال والكفر فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لما سلف","vol":"2","page":88},{"text":"رَحِيمٌ بعباده، نظيرها في الأنفال وَقاتِلُوهُمْ يعني المشركين حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ شرك يعني قاتلوهم حتّى يسلموا فليس يقبل من المشرك الوثني جزية ولا يرضى منه إلّا بالإسلام وليسوا كأهل الكتاب بالذين يؤخذ منهم الجزية والحكمة فيه على ما قال المفضل بن سلمة إن مع أهل الكتاب كتبا منزلة فيها الحقّ وإن كانوا قد حرفوها فأمهلهم الله تعالى بحرمة تلك الكتب من القتل [وأهواء] صغارهم بالجزية، ولينظروا في كتبهم ويتدبرونها فيقفوا على الحق منها ويمنعوه كفعل مؤمني أهل الكتاب ولم يكن لأهل الأوثان من يرشدهم إلى الحقّ وكان إمهالهم زائدا في اشراكهم فإنّ الله تعالى لن يرضى منهم إلّا بالإسلام أو القتل عليه.\nوَيَكُونَ الدِّينُ الإسلام لِلَّهِ وحده فلا يعبد دونه شيء،\nقال المقداد بن الأسود:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت [معد] ولا وبر إلّا أدخله الله ﷿ كلمة الإسلام، إما يعزّ عزيز أو يذل ذليل، إما أن يعزهم فيجعلهم الله من أهله فيعزوا به، وإما أن يذلهم فيدينون لها» [٦٩] «١» .\nفَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر والقتال فَلا عُدْوانَ فلا سبيل ولا حجة إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ.\nقال ابن عباس: يدلّ عليه قوله ﷿ قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ «٢» أي فلا سبيل عليّ وقال أهل المعاني: العدوان الظلم، دليله قوله تعالى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ «٣» ولم يرد الله تعالى بهذا أمرا بالظلم أو إباحة له وإنما حمله على اللفظ الأوّل على ظهر [المجادلة] فسمى الجزاء على الفعل فعلا كقوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «٤» وقوله فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ «٥» .\nوقال عمرو بن كلثوم:\nألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا\nقتادة وعكرمة: في هذه الآية، الظالم الذي يأبى أن يقول لا إله إلّا الله، وإنّما سمي الكافر ظالما، لوضعه العبادة في غير موضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٤ الى ١٩٧]</span>\nالشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ (١٩٧)\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ٤، وكنز العمال: ١/ ٩٨ ح ٤٣٧.\n(٢) سورة القصص: ٢٨. [.....]\n(٣) سورة المائدة: ٢.\n(٤) سورة الشورى: ٤٠.\n(٥) سورة البقرة: ١٩٤.","vol":"2","page":89},{"text":"الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ نزلت في عمرة بالقضاء وذلك\nأن رسول الله ﷺ صالح أهل مكّة عام الحديبية على أن ينصرف عامه ذلك ويرجع العام القابل على أن يخلوا له مكّة ثلاثة أيام فيدخلها هو وأصحابه ويعمرون ويطوفون بالبيت ويفعلون ما أحبوا، على أن لا يدخلوها إلّا بسلاح الراكب في عمرة ولا يخرجوا بأحد معهم من أهل مكّة، فانصرف رسول الله ﷺ ذلك العام ورجع العام القابل في ذي القعدة ودخلوا مكّة واعتمروا وطافوا ونحروا وقاموا ثلاثة أيام فأنزل الله الشَّهْرُ الْحَرامُ ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكّة واعتمرتم وقضيتم مناسككم وطوافكم في سنة سبع بِالشَّهْرِ الْحَرامِ ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم من مرادكم في سنة ست.\nوالشَّهْرُ مرفوع بالابتداء وخبره في قوله بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ جمع الحرمة كالظلمات جمع الظلمة والحجرات جمع الحجرة والحرمة ما يجب حفظه وترك انتهاكه وإنّما جمع الحرمات لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام وحرمة الإحرام قِصاصٌ والقصاص المساواة والمماثلة: وهو أن يفعل بالفاعل كما فعل فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ قاتلوه بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فسمي الجزاء باسم الابتداء «١» على مقابلة الشرط وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ الآية، اعلم إن التهلكة: مصدر بمعنى الإهلاك وهو تفعلة من الهلاك.\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرنجي يقول: لا أعلم في كلام العرب مصدرا على تفعلة بضم العين إلّا هذا.\nوقال بعضهم: التهلكة كل شيء تصير عاقبته إلى الهلاك.\nومعنى قوله لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ لا تأخذوا في ذلك.\nويقال: لكل من بدأ بعمل: قد القى يديه فيه.\nقال لبيد يذكر الشمس:\n_________\n(١) في هامش المخطوطة: الاعتداء.","vol":"2","page":90},{"text":"حتّى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجّن عورات الثغور ظلامها «١»\nأي بدأت في المغيب.\nقال المبرد: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ أراد أنفسكم فعبّر بالبعض عن الكلّ كقوله تعالى ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ «٢» فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «٣» والباء في قوله بِأَيْدِيكُمْ زائدة كقوله تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ قال الشاعر:\nولقد ملأت على نصيب «٤» جلده ... مساءة إن الصديق يعاتب «٥»\nيريد ملأت جلده مساءة.\nقالوا: والعرب لا تقول للإنسان ألقى بيده إلّا في الشر.\nواختلف العلماء في تأويل هذه الآية.\nفقال بعضهم: هذا في البخل وترك النفقة، يقول: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا تمسكوا الإنفاق في سبيل الله فان الإمساك عند الانفاق في سبيل الله هو الهلاك وهو قول حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة والضحاك وابن كيسان.\nقال ابن عبّاس: في هذه الآية: أنفق في سبيل الله وإن لم تكن لك إلّا سهم أو مشقص ولا يقولن أحدكم إنى لا أجد شيئا «٦» .\nوقال السّدي: فبما أنفق في سبيل الله ولو بمثقال. وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ لا تقل ليس عندي شيء.\nمجاهد: لا نمنعكم نفقة في حق خيفة العيلة.\nالحسن: إنّهم كانوا يسافرون ويغزون ولا ينفقون من أموالهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس: إن رسول الله ﷺ لما أمر الناس بالجهاز إلى الحج، وقيل: إلى العمرة عام الحديبية، وكان إذا أراد سفر نادى مناديه بذلك فيعلمهم فيعدّوا أهبة السفر، فلمّا أمرهم بالتجهيز قام إليه ناس من اعراب حاضري المدينة فقالوا: يا رسول الله بماذا نتجهز فو الله لا من زاد ولا مال نتجهز به ولا يطعمنا أحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال سعيد بن المسيب ومقاتل بن حيان: لما أمر الله بالإنفاق قال رجال: أمرنا بالنفقة\n_________\n(١) مجمع البيان: ١/ ٥١٥، أجن: أخفى، وعورات الثغور: خللها.\n(٢) سورة الحجّ: ١٠.\n(٣) سورة الشورى: ٣٠.\n(٤) نصيب: اسم رجل.\n(٥) مجمع البيان: ١/ ٥١٥.\n(٦) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ٣٦٢.","vol":"2","page":91},{"text":"في سبيل الله فإن أنفقنا أموالنا بقينا فقراء ذوي مسكنة، فقال الله وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ يعني أنفقوا ولا تخشوا العيلة فإني رازقكم ومخلف عليكم.\nالخليل بن عبد الله عن علي وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن عمرو وجابر وعمران بن حصين كلهم يحدثون عن رسول الله ﷺ إنّه قال: «من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم» [٧٠] «١» ثمّ تلا هذه الآية وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ «٢» .\nوروى النضر بن عزيز عن عكرمة وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قال: لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ.\n[قال] زيد بن أسلم: إن رجالا كانوا يخرجون في بعوث بعثها رسول الله ﷺ بغير نفقة فإما أن يقطع بهم، وإما كانوا عيالا فأمرهم الله بالإنفاق على أنفسهم في سبيل الله، وإذا لم يكن عندك ما ينفق فلا تخرج بنفسك بغير نفقة ولا قوّة فتلقي بيديك إلى التهلكة، والتهلكة: أن يهلك من الجوع أو من العطش ثمّ قال لمن بيده ويبخل وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\nوقال محمّد بن كعب القرظي: كان القوم يكونّون في سبيل الله فيتزود الرجل فيكون أفضل زادا من الآخر فينفق النّاس من زاده حتّى لا يبقى منه شيء يحب أن يواسي صاحبه، فأنزل لله تعالى هذه الآية.\nوقال بعضهم: هذه الآية نزلت في ترك الجهاد.\nزيد بن أبي حبيب عن أسلم بن عمران قال: غزونا القسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر صاحب رسول الله، وعلى أهل الشام فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، قال: فوقفنا صفين لم أر قط أعرض ولا أطول منها والروم ملصقون ظهورهم بحائط المدينة قال: فحمل رجل منّا على صف الروم حتّى خرقه ثمّ خرج إلينا مقبلا فصاح الناس وقالوا: سبحان الله ألقى بيده إلى التهلكة.\nوقال أبو أيوب الأنصاري: إنكم لتؤولون هذه الآية على هذا التأويل ان حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو بلى من نفسه، نحن أعلم بهذه الآية، إنها نزلت فينا معشر الأنصار، إنّا لما أعز الله دينه ونصر رسوله قلنا بيننا [معاشر الأنصار] «٣» سرّا من رسول الله ﷺ، إنا قد تركنا أهلنا وأموالنا حتّى فشى الإسلام ونصر الله ﷿ نبيه، وقد وضعت الحرب أوزارها فلو\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٥، والدر المنثور: ١/ ٢٣٦.\n(٢) سورة البقرة: ٢٦١.\n(٣) هكذا في الأصل.","vol":"2","page":92},{"text":"رجعنا إلى أهلنا وأولادنا وأقمنا فيها فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى فينا وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ.\nوالتهلكة: الاقامة في الأهل والمال وترك الجهاد.\nقال أبو عمران: فما زال أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتّى دفن بالقسطنطينية «١» .\nوروى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس قال: التهلكة عذاب الله ﷿ يقول: لا تتركوا الجهاد فتعذبوا دليله قوله إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا «٢»\nعن [يزيد] بن أبي أنيسة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من أصل الإيمان:\nالكف عمّن قال لا إله إلّا الله لا تكفره بذنب ولا يخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله ﷿ إلى أن يقاتل آخر أمتي الدجال [لا يبطله] جور ولا عدل، والإيمان بالاقدار»\n[٧١] «٣» .\nأبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق»\n[٧٢] «٤» «٥» .\nوقال أبو هريرة وأبو سفيان: هو الرجل يستقبل بين الصفين فيحمل على القوم وحده.\nوقال محمّد بن سيرين وعبيد السلماني: الإلقاء في التهلكة هو القنوط من رحمة الله.\nقال أبو قلابة: هو الرجل يصيب الذنب فيقول قد هلكت ليست توبة فييأس من رحمة الله وينهمك في المعاصي فنهاهم الله عن ذلك.\nقال يمان بن رئاب والمفضل بن سلمة الرجل ألقى بيديه إذا استسلم للهلاك ويئس من النجاة.\nعن شعبة عن أبي إسحاق عن [أبيه] في هذا الآية وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ قيل له: أهو الرجل يحمل على الكتيبة وهم ألف بالسيف؟\nقال: لا ولكنه الرجل يصيب الذنب فيلقي بيديه ويقول لا توبة لي.\nهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: جاء حبيب بن الحرث إلى رسول الله ﷺ فقال: يا\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٢/ ٢٧٩. [.....]\n(٢) سورة التوبة: ٣٩.\n(٣) سنن أبي داود: ١/ ٥٦٩، ونصب الراية: ٤/ ٢٢١.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٥٩.\n(٥) سنن أبي داود: ١/ ٥٦٢، والمستدرك: ٢/ ٧٩.","vol":"2","page":93},{"text":"رسول الله إني رجل معراض الذنوب. قال: «فتب إلى الله يا حبيب، قال: يا رسول الله إني أتوب ثمّ أعود. قال: «فكلّما أذنبت فتب» قال: إذا يا رسول الله تكثر ذنوبي.\nقال: «عفو الله أكثر من ذنوبك يا حبيب بن الحرث» [٧٣] «١» .\nفقال فضيل بن عياض: في هذه الآية وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ بإساءة الظن بالله وأحسنوا الظن بالله إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الظن به.\nوعن محمّد بن إبراهيم الكاتب قال: دخلنا على أبي نؤاس الحسن بن هاني نعوده في مرضه الذي مات فيه ومعنا صالح بن علي الهاشمي فقال له صالح: تب إلى الله يا أبا عليّ فإنك في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وبينك وبين الله هناة، فقال: أسندوني، إياي تخوف بالله، فقد حدثني حماد بن سلمة عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النّبيّ ﷺ قال:\n«إنّما جعلت شفاعتي لأهل الكبائر من [أمتي] أتراني لا أكون منهم» [٧٤] «٢» .\nوحدثنا حماد عن ثابت عن أنس ان النّبيّ ﷺ قال: «يخرج رجلان من النّار فيعرضان على الله ﷿ ثمّ يؤمر بهما إلى النّار فيلتفت أحدهما فيقول: أي ربّ ما كان هذا رجائي، قال الله وما كان رجاءك؟ قال: كان رجائي إذا أخرجتني منها لا تعيدني إليها، فيرحمه الله ﷿ فيدخله الجنّة» [٧٥] «٣» .\nوَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.\nقرأ ابن أبي إسحاق: (الْحِجَّ) بكسر الحاء في جميع القرآن وهي لغة تميم وقيس بن غيلان.\nوذكر عن طلحة بن مصرف: بالكسر هاهنا، وفي سورة آل عمران، وبالفتح في سائر القرآن.\nوقرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم، برواية حفص: بالكسر في آل عمران وبالفتح في سائر القرآن.\nوقرأ الباقون: بالفتح كل القرآن وهي لغة أهل الحجاز. قال الكسائي: هما لغتان ليس بينهما في المعنى شيء مثل رطل ورطل [......] «٤» بنصب وكسر.\nوقال أبو معاذ: (الْحَجَّ) بالفتح مصدر والحِج بالكسر الإسم مثل قسم وقسم وشرب\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ٢٠٠، والمعجم الأوسط: ٥/ ١٢٣.\n(٢) السنن الكبرى: ١٠/ ١٩٠ بتفاوت.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٧٠- ٢٨٥، ومسند أبي يعلى: ٦/ ٩٩.\n(٤) بياض في المخطوط والمعنى تام.","vol":"2","page":94},{"text":"وشرب وسقي وسقي وفي مصحف عبد الله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالبيت.\nوقرأ علقمة وإبراهيم: وأتيموا الحج والعمرة.\nواختلف المفسرون في إتمامهما.\nفقال بعضهم: معنى ذلك وأتموا الحج والعمرة بمناسكهما وحدودهما وسنتهما وهو قول ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: من أحرم بحج أو عمرة ليس له أن يحل حتّى يتمها، وتمام الحج يوم النحر إذا رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت وقد حل من إحرامه كلّه بتمام العمرة، إذا طاف بالبيت وبالصفا والمروة فقد حلّ، وفرائض الحج أربعة:\nالإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الافاضة، والطواف والسعي بين الصفا والمروة، وأعمال العمرة كلها أربعة: فرض الإحرام، والطواف، والسعي، والحلق أو التقصير، وأقله ثلاث شعرات.\nروى سعيد بن جبير وطاوس: تمام الحج والعمرة أن يحرم بهما مفردين.... «١» ..\nوروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة فقال جاء رجل إلى علي فقال: أرأيت قول الله ﷿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ قال: إن تحرم من دويرة أهلك «٢» .\nقال قتادة [إتمام العمرة] أن يعتمر في غير أشهر الحج، وما كان في أشهر الحج ثمّ أقام حتّى يحج فهي متعة، وعليه فيها الهدي إن وجد، أو الصيام، وتمام الحج أن يأتي بمناسكه كلها حتّى لا يلزم عامله دم بسبب قران ولا متعة.\nابن جريح عن عطاء عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله: «عمرة في رمضان تعدل حجّة» [٧٦] «٣» .\nوقال الضحاك: أيامها [إتمامها] أن يكون النفقة حلالا [وينتهي] عما نهى الله عنه.\nوقال سفيان: تمامها أن يخرج من [بلده] لهما لا يريد غيرهما ولا يخرج لتجارة ولا لحاجة حتّى إذا كنت قريبا من مكّة قلت: لو حججت أو اعتمرت، وذلك يجزي ولكن التمام أن يخرج له ولا يخرج لغيره.\nوروى جعفر بن سليمان [البيعي] «٤» عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله: «يأتي على\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) كتاب الأم للشافعي: ٧/ ٢٦٩، ونصب الراية للزيلعي: ٣/ ٨٨.\n(٣) سنن البيهقي: ٤/ ٣٤٦، وتحفة الأحوذى: ٤/ ٧.\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"2","page":95},{"text":"الناس زمان يحج أغنياء الناس للنزهة، وسائلهم للتجارة وقرّاؤهم للرياء والسمعة وفقرائهم للمسألة» [٧٧] «١» .\nوفي هذا المعنى كان يقول عمر بن الخطاب ﵁: الوفّاد كثير والحجاج قليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>حكم الآية</span>\nاختلف الفقهاء في العمرة، فقال قوم: هي سنّة حسنة وليست بفريضة واجبة وهو مذهب أحمد ومالك بن أنس وأبي ثور وقول الشافعي في القديم وهو اختيار جرير بن محمّد الطبري، واحتجوا بقراءة الشعبي وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةُ لِلَّهِ رفعا.\nوبما\nروى محمّد بن المنكدر عن جابر عن النبيّ ﷺ إنّه سأل عن العمرة أواجبة هي أم لا؟\nوأن تعتمروا خير لكم؟ وفي مهاجر الحج فريضة والعمرة تطوع قالوا أيضا لما ذكر الله فرض الحج لم يذكر معه العمرة، وقال عزّ من قائل وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ «٢» .\nوقال الآخرون: ان العمرة فريضة وهي الحج والأصغر، وهو قول علي وابن عبّاس وزيد ابن ثابت وعلي بن الحسين وعطاء وقتادة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة\nوقول الشافعي في الجديد والأصح من مذهبه واختيار أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، واحتجوا في ذلك بقراءة العامة وَالْعُمْرَةَ، نصبا على معنى وأتموا فرض الحج والعمرة.\nوبما\nروي عن النبيّ ﷺ إنّه قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» [٧٨] «٣» .\nوروى عكرمة عن ابن عبّاس إنّه قال: والله إن العمرة لفريضة الحج، في كتاب الله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ وقال ابن عمر: ليس من خلق الله أحد إلّا وعليه حجة وعمرة واجبتان إن استطاع إلى ذلك سبيلا، كما قال الله تعالى. فمن زاد بعد ذلك فهو خير وتطوع.\nوقال مسروق: أمرنا في كتاب الله بأربعة: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحجّ والعمرة فنزّلت العمرة من الحجّ منزلة الزكاة من الصلاة، ثمّ تلا هذه الآية وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ.\nوقال عبد الملك بن سليمان: سأل رجل سعيد بن جبير عن النبيّ ﷺ ان العمرة فريضة هي أم تطوع؟ فقال: فريضة، قال: فإن الشعبي يقول هي تطوع، قال: كذّب الشعبي، ثمّ قرأ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، فمن قال: إن العمرة ليست بفرض يأول الآية على معنى: أتموها إذا دخلتم فيها ولم يرد ابتدأ الدخول فيه فرضا عليه، وذلك كالمتطوع بالحج لا خلاف فيه إذا أحرم أنّ\n_________\n(١) كنز العمال: ٥/ ١٣٣ ح ١٢٣٦٢، وتاريخ بغداد: ١٠/ ٢٩٥.\n(٢) سورة آل عمران: ٩٧. [.....]\n(٣) سنن الترمذي: ٢/ ٢٠٥ ح ٩٢٦، وسنن النسائي: ٥/ ١٨١.","vol":"2","page":96},{"text":"عليه المضي فيه وإتمامه، فإن لم يكن فرضا عليه ابتدأ الدخول فيه وكذلك العمرة «١» .\nومثله روي ابن وهب عن زيد قال: ليست العمرة واجبة على أحد من الناس. قال: فقلت له: قول الله وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ قال: ليس من الخلق أحد ينبغي له إذا شرع في أمر إلّا أن يتمه وإذا خرج فيها لم ينبغي له أن يحل يوما ثمّ يرجع كما لو صام يوما لم ينبغي له أن يفطر في نصف النهار، ودليل هذا التأويل قوله فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ «٢» لم يرد به الابتداء وإنّما أراد به إتمام ما مضى من العهد والعقد، ومن أوجب العمرة تأول الإتمام على معنى الابتداء والإلزام أي أقيموها وافعلوها يدلّ عليه قوله ﷿ وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ «٣» أي فعلهن وقام بهن، وقوله ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ «٤» أيّ ثمّ ابتدئوا الصيام وأتموه لأنه ذكره عقيب الأكل والشرب والصبح، وهذا هو الأصح والأوضح لأنه جمع بين الاثنين، وحمل الآية على عمومها فمعناه ابتدئوا العمرة فإذا دخلتم فيها فأتموها، فيكون جامع بين وجهي الإتمام، ولأن من أوجهها أكثر، والأخبار في إيجاب الحجّ والعمرة مقترنتين أظهر وأشهر.\nعن أبي رزين العقيلي إنّه قال: يا رسول الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجّ والعمرة ولا الطعن، قال: «حجّ عن أبيك واعتمر» [٧٩] «٥» .\nوقال أبو المشفق: لقيت النبيّ ﷺ بعرفة فدنوت منه حتّى اختلفت عنق راحلتي وعنق راحلته فقلت: يا رسول الله انبئني بعمل ينجيني من عذاب الله ويدخلني الجنّة؟ قال: «اعبد الله ولا تشرك به شيئا وأقم الصلاة المكتوبة وأدّ الزكاة المفروضة وحجّ واعتمر وصمّ رمضان وانظر ما تحب من النّاس ان يأتوه إليك فافعله بهم وما تكره من الناس إن يأتوه إليك فذرهم منه» [٨٠] .\nعاصم عن شفيق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «تابعوا بين الحجّ والعمرة فإنّهم لينفيان الفقر والفاقة والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحجّ المبرور ثواب دون الجنّة» [٨١] «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>في افراد الحج</span>\nعبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة إن رسول الله ﷺ أفرد الحج.\nابراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ لا نرى إلّا الحج.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٢/ ٢٨٦.\n(٢) سورة التوبة: ٤.\n(٣) سورة البقرة: ١٢٤.\n(٤) سورة البقرة: ١٨٧.\n(٥) مصنف ابن أبي شيبة: ٤/ ٤٥٩، وصحيح ابن خزيمة: ٤/ ٣٤٦.\n(٦) مسند أحمد: ٣/ ٤٤٦. ٤٤٧، وسنن ابن ماجة: ٢/ ٩٦٤.","vol":"2","page":97},{"text":"حماد عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت خرجنا مع رسول الله ﷺ موافين هلال ذي الحجة فقال رسول الله ﷺ: «من شاء أن يهل بالحج فليهل ومن شاء أن يهل بعمرة فليهل بعمرة\n[٨٢] «١»، والأفراد ان يحرم بالحج من الميقات ويفرغ منه ثمّ يحرم بالعمرة من مكّة» وهو إختيار الشافعي وأصحابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>في القران</span>\nعبد العزيز بن صهيب وحميد الطويل ويحيى بن إسحاق كلهم عن أنس بن مالك قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «لبيك عمرة وحجا لبيك عمرة وحجا» [٨٣] .\nحميد بن هلال قال: سمعت مطرفا يقول: قال لي عمران بن الحصين: جمع رسول الله ﷺ بين حجة وعمرة ثمّ توفي قبل أن ينهي عنهما وقبل أن ينزل القرآن بتحريمه.\nوعن أبي وائل قال: قال قيس بن معبد: كنت أعرابيا نصرانيا فأسلمت فكنت حريصا على الجهاد فوجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ فأتيت رجلا من عشيرتي يقال له، هريم بن عبد الله فسألته فقال: اجمعها ثمّ اذبح ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، فأهللت بهما، ثمّ أتيت العذيب يلقيني سليمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما، فقال أحدهما للآخر: ما هذا بأفقه من بعيرة، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين إني أسلمت وأنا حريص على الجهاد وإني وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ فأتيت هريم بن عبد الله، فقال: اجمعهما ثمّ اذبح ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وأهللت بهما، فلما أتيت العذيب لقيني سليمان بن ربيعة وزيد فقال أحدهما للآخر:\nما هذا بأفقه من بعيرة فقال عمر: هديت سنّة نبيك ﷺ.\nعلي بن الحسن عن عثمان بن الحكم ان عثمان نهى عن المتعة وأن يجمع الحج والعمرة.\nفقال علي: لبيك بحج وعمرة معا، وقال عثمان: أتفعلها وأنا أنهى عنها؟ فقال علي: لم أكن لأدع سنّة رسول الله ﷺ لأحد من الناس «٢» .\nوالقرآن لم يحرم الحج والعمرة معا من الميقات، وهو إختيار أبي حنيفة وأصحابه.\nفَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ واختلف العلماء في معنى الإحصار الذي جعل الله على من ابتلى به في حجته وعمرته ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nوقال قوم: هو كل مانع أو حابس منع المحرم وحبسه عن العمل الذي فرضه الله تعالى عليه في إحرامه ووصوله إلى البيت الحرام أي شيء كان من مرض أو جرح أو كسر أو خوف أو\n_________\n(١) الشرح الكبير: ٣/ ٢٣٠، وشرح معاني الآثار: ٢/ ٢٠٢.\n(٢) رواه البخاري في الصحيح: ٢/ ١٥١ ط: دار الفكر، والنسائي في سننه: ٥/ ١٤٨.","vol":"2","page":98},{"text":"عدو أو لدغ أو ذهاب نفقة أو ضلال راحلته أو غيرها من الاعذار، فإنه يقيم مكانه على إحرامه ويبعث بهديه أو من الهدي فإذا نحر الهدي حل من إحرامه، هذا قول إبراهيم النخعي والحسن ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير ومقاتل والكلبي ومذهب أهل العراق، واحتجوا في أن الإحصار في كلام العرب هو صنع العلة من المرض وأشباهه غير القهر والغلبة، فأما منع العدو بالحبس والقهر من سلطان قاهر فإن ذلك حصر لا إحصار، كذا قال: الكسائي وأبو عبيدة والفراء قالوا: ما كان من مرض وذهاب نفقه قيل فيه حصر فهو محصر، وما كان من خشية عدو أو سجن قيل فيه حصر فهو محصور، يدلّ عليه قوله تعالى وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا أي محبسا، قالوا: وإنما جعلنا حبس العدو إحصارا قياسا على المرض، إذ كان في حكمه [فلا دلالة] «١» ظاهرة.\nوقال الآخرون: بالأخرى أن يمنع عدو أو قاهر من بني آدم من الوصول إلى البيت، وأمّا المرض وسائر الاعذار فغير داخل في هذه الآية.\nهذا قول ابن عمر وابن عبّاس وعبد الله بن الزبير وسعد بن المسيب وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب ومذهب الشافعي وأهل المدينة فاحتجوا بأن نزول هذه الآية في قصة الحديبية وذلك إحصار عدو، يدلّ عليه قوله في سياق الآية فَإِذا أَمِنْتُمْ ولا يكون إلا من الخوف\nوفي الحديث: «لا حصر إلّا من حبس عدو» [٨٤] «٢» .\nوقال ثعلب: تقول العرب حصرت الرجل عن حاجته فهو محصور، وأحصره العدو إذا منعه من السير فهو محصر، وذكر يونس عن أبي عمرو قال: إذا منعته من كل وجه فقد أحصرته.\nقال الشافعي: فإذا أحصر بعدوّ كافر أو مسلم أو سلطان يحبسه في سجن نحر هديا لإحصاره حيث أحصر في حلّ أو حرم وحلّ من إحرامه ولا شيء إلّا أن يكون واجبا فيقضي فإذا لم يجد هديا يشتريه أو كان فقيرا ففيه قولان أحدهما: لا حلّ إلّا لهدي.\nوالآخر: حلّ إذا لم يقدر عليه وأتى به إذا قدر عليه.\nوقال بعض الفقهاء: إذا لم يعتبر اجزاؤه وعليه طعام أو صيام وكلما وجب على المحرم في ماله من بدنه وجزاء وهدي وصدقة فلا يجزي إلّا في الحرم لمساكين أهلها إلّا في موضعين أحدهما: دم المحصر في العدو فإنه ينحر حيث حبس ويحل.\nوالآخر: من ساق هديا لغرض فعطب في طريقه فذبحه وخلى بينه وبين المساكين لم يجز له ولا لرؤسائه أن يأكلوا منه شيئا وإن كانوا مساكين.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٢٩٣.","vol":"2","page":99},{"text":"وإن كان ما ساقه لغرض مثل أن يكون قارنا أو متمتعا جاز له أن يأكل ويطعم غيره، فهذا معنى الإحصار وحكمه، فأما المرض وما أشبهه فان له أن يتداوى فيما لا بد منه ويفدى ثمّ يجعلها عمرة ويحج عام قابل ويهدي، وقوله تعالى فَمَا اسْتَيْسَرَ أي عليه ما تيسر، محلّه رفع، وإن شئت جعلت بها في محل النصب أي قاهر، واما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ مثل جدية السرج- وجمعها جدي- قاله أبو عمرو. قال: لا أعلم في الكلام ثالثهما.\nوقرأ الأعرج: (الْهَدِيِّ) بكسر الدال وتشديد الياء في جميع القرآن على معنى المفعول.\nوروى عصمة عن عاصم: بتشديد الهدي في محل الرفع والجر وتخفيفه في حال النصب نحو قوله هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ «١» وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ «٢» وهما جميعا ما يهدي إلى بيوت الله سمي بذلك لأنه تقرب إلى الله بمنزلة الهدية يهديها الإنسان إلى غيره متقربا بما بعث إليه.\nواختلفوا في تأويل قوله فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nفقال علي وابن عبّاس: شاة.\nوقال ابن عمر: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ: الإبل والبقر ناقة دون ناقة وبقرة دون بقرة سن دون سن وأنكر أن يكون الشاة من الهدي، وأقوى الأقوال بالصواب قول من قال إنه شاة، لأنه أقرب إلى التيسر، ولأن الله سمي الشاة هديا في قوله هَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ «٣» وفي الظبي شاة.\nوَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، واختلفوا في المحل الذي يحل المحصر بلوغ هديه إليه فقال بعضهم: هو ذبحه أو نحره بالموضع الذي يحصر فيه سواء كان في الحل أو الحرم ومعنى محلّه: حين يحل ذبحه وأكله والانتفاع به\nكقوله ﷺ في اللحم الذي تصدق به عليه بريرة قال: «قربوه فقد بلغ محله»\n[٨٥] يعني فقد بلغ محل طيبه وحلاله بالهدية إلينا بعد إن كانت صدقة على بريرة: وهذا على قول من جعل الإحصار إحصار العدو.\nيدلّ عليه فعل النبيّ ﷺ وأصحابه بالحديبية حتّى صدوا عن البيت ونحروا هديهم بها والحديبية ليست من الحرم.\nروى الزهري عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة في قصة الحديبية قال: لما كتب رسول الله ﷺ كتاب القضية بينه وبين مشركي قريش عام الحديبية فقال لأصحابه: «قوموا فانحروا واحلقوا» [٨٦] قال: فو الله ما قام منهم أحد حتّى قال ذلك ثلاث مرات فلما لم يقم أحد منهم قام فدخل على أم سلمة فذكر ذلك لها، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أخرج ثمّ لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتّى تنحر بدنتك وتدعو حلاقك فتحلق فخرج فلم يتكلم حتّى فعل ذلك، فلما رأوا ذلك قاموا ونحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا حتّى كاد بعضهم [يقتل] بعضا غما «٤» .\n_________\n(١) سورة المائدة: ٩٥.\n(٢) سورة المائدة: ٢.\n(٣) سورة المائدة: ٩٥. [.....]\n(٤) نيل الأوطار للشوكانى: ٨/ ١٨٧، ومسند أحمد: ٤/ ٣٣١.","vol":"2","page":100},{"text":"وقال بعضهم: محل هدي المحصر لا يحل له غيره فإن كان حاجا فمحله يوم النحر وإن كان معتمرا يوم مبلغ هديه الحرم.\nروى إبراهيم الجعفي عن عبد الرحمن بن زيد قال: خرجنا مهلين بعمرة وفينا الأسود بن يزيد حتّى نزلنا ذات السقوف فلدغ صاحب لنا فشق ذلك عليه ولم يدر كيف يصنع، فخرج بعضنا إلى الطريق يتشوّف فإذا بركب فيهم عبد الله بن مسعود فسألوه عن ذلك فقال: ليبعث بهدي إلى مكّة، واجعلوا بينكم وبينه إمارة فإذا ذبح الهدي فليحل وعليه قضاء عمرته.\nفَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا معنى الآية وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حال الإحرام إلّا أن يضطر الرجل حلقه إما لمرض يحتاج إلى مداواته.\nأَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ من هوام وصداع فحلق أو فدي فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ نزلت هذه الآية في كعب بن حجر\nقال: مرّ بي رسول الله ﷺ زمن الحديبية ولي وفرة من شعر فيها القمل والصئبان وهو يتناثر على وجهي (وانا أقبح «١») فدبر اليّ.\nفقال رسول الله ﷺ: أيؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم يا رسول الله.\nقال: «فاحلق رأسك» [٨٧] «٢» فأنزل الله فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ ثلاثة أيام.\nأَوْ صَدَقَةٍ على ست مساكين لكل مسكين نصف صاع أَوْ نُسُكٍ أو ذبيحة واحدها نسكة.\nوقرأ الحسن: أَوْ نُسْكٍ تخفيفا وهي لغة تميم.\nقال العلماء: أعلاها بدنه وأوسطها بقرة وأدناها شاة وهو مخير بين هذه الثلاثة إن شاء فعل.\nوقال أنس وعكرمة: فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ عشرة أيام أَوْ صَدَقَةٍ على عشرة مساكين لكل مسكين مد من بر أو مد من تمر أَوْ نُسُكٍ وهي الشاة والقول الأول هو الصحيح وهو المشهور وهذه (الفريضة «٣») أن يأتي بها أجمعوا على أنه يصوم حيث شاء من البلاد.\nواما النسك والطعام، فقال بعضهم: يجب أن تكون مكّة.\nوقال بعضهم: أي موضع شاء وهو الصواب لأنه أبهم في الآية ولم يخصّ مكانا دون مكان.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) صحيح البخاري: ٢/ ٢٠٨، وصحيح مسلم: ٤/ ٢١.\n(٣) هكذا في الأصل.","vol":"2","page":101},{"text":"فَإِذا أَمِنْتُمْ من خوفكم وبرأتم من مرضكم.\nفَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ اختلفوا في هذه المتعة.\nفقال بعضهم: معناه فمن أحصر حتّى [عام] الحجّ ثمّ قدّم مكّة فخرج من إحرامه بعمل عمرة واستمتع بإحلاله ذلك، فيكمل العمرة إلى السنة المستقبلة ثمّ يحج ويهدي فيكون جميعا بذلك الإحلال من [الذي] حلّ إلى إحرامه الثاني من القابل. وهذا قول عبد الله بن الزبير.\nوقال بعضهم: معناه فَإِذا أَمِنْتُمْ وقد حللتم من إحرامكم بعد الإحصار ولم يقولوا عمرة يخرجون بها من إحرامكم لحجتكم ولئن حللتم حين أخبرتم بالهدي وأخرتم العمرة إلى السنة القابلة فاعتمرتم في أشهر الحج حللتم فاستمتعتم باحلالكم إلى حجكم فعليكم ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، وهذا قول علقمة وإبراهيم وسعيد بن جبير.\nوكذلك روى عبد الله بن سلمة عن علي ﵁\nفَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ الآية فإن أخّر العمرة حتّى يجمعها مع الحجّ فعليه الهدي.\nوقال السّدي: معناه فمن فسخ حجة بعمرة فجعله عمرة واستمتع بعمرته إلى حجة فعليه ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ.\nوقال ابن عبّاس وعطاء وجماعة: هو الرجل يقدم معتمرا من أفق من الآفاق في أشهر الحج فإذا قضى عمرته أقام حلالا بمكّة حتّى حان وقت الحج فيحج من عامّة ذلك فيكون مستمتعا بالإحلال إلى إحرامه بالحج فمعنى التمتع الإحلال بالعمرة فيقيم حلالا فيفعل ما يفعل الحلال ثمّ يحج بعد إحلاله من العمرة من غير رجوع إلى الميقات ومعنى التمتع التلذذ وأصله من التزود، والمتاع الزاد ثمّ جعل كلّ تلذذ تمتعا.\nقال الفقهاء: فالتمتع الذي يجب عليه الهدي هو أن يجتمع فيه أربع شرائط وهي: أن يحرم في أشهر الحجّ، ويحل من العمرة في أشهر الحج، وان يحرم بالحج من عامه ذلك من مكّة ولا يرجع إلى الميقات، وزاد بعض أصحابنا: أن يكون من غير الحرم، فمن يحرم بشيء من هذه الشرائط سقط عنه الدم ولا يكون متمتعا.\nفَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ إلى أهلكم.\nقال المفسرون: يصوم يوما قبل التروية ويوم عرفة ولا تجاوز بآخرهنّ يوم عرفة.\nوقال طاوس ومجاهد: إذا صامهنّ في أشهر الحج أجزينّ.\nتِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذكر الكمال على التأكيد.\nكقول الأعشى:","vol":"2","page":102},{"text":"ثلاث بالغداة فذاك حسبي ... وست حين يدركني العشاء\nفذلك تسعة في اليوم ربي ... وشرب المرء فوق الري داء «١»\nوقال الفرزدق:\nثلاث واثنان وهن خمس ... وسادسة تميل إلى سهامي «٢»\nوقال بعضهم: كاملة بالهدي، وقيل بالثواب، وقيل كاملة بشروطها وحدودها، وقيل: لفظه خبر وحكمه أمر، أي: فأكلوها ولا تنقصوها.\nذلِكَ التمتع لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي كمن لم يكن من أهل الحرم.\nعكرمة: هو ما دون المواقيت إلى مكّة.\nوقال ابن جريح: حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أهل عرفة والرجيع يضحيان ويهديان.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ قال الفراء:\nتقديرها وقسط الحج أشهر معلومات، فهذا كما يقال: البرد شهران والحرّ شهران، أيّ [وفيهما] «٣» شهران، وسمعت الكسائي يقول: إنما الصيد شهران [والطيلسان] «٤» شهران وقت الصيد ووقت ليس [الطيلسان] «٥» .\nوقال الزجاج: معناه أشهر الحجّ أشهر معلومات وهو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة.\nقال ابن عبّاس: جعلهن الله للحجّ، وسائر الشهور للعمرة فلا يصلح لأحد أن يحرم بالحج إلّا في أشهر الحج وأما العمرة فإنّه يحرم بها في كلّ شهر. فآخر هذه الأشهر يوم عرفة وقد جاء في بعض الأخبار في تفسير أشهر الحج وعشر من ذي الحجّة وفي بعضها تسع من ذي الحجّة فمن قال تسع فإنّما عبّر به عن الأيام\nلأن النبيّ ﷺ قال: «الحجّ عرفة»\n[٨٨] «٦» فمن وقف بعرفة في يوم عرفة من ليل أو نهار فقدتم حجّه. ومن قال عشرة عبّر به عن الليالي فمن لم يدركه إلى طلوع الفجر من يوم النحر فقد فاته الحجّ والشهور إنّما يؤرخ بالليالي.\nوحكى الفراء: إن العرب تقول صمنا عشرا يذهبون بها إلى الليالي والصوم لا يكون إلّا بالنهار فلا تضاد في هذه الأخبار وإنّما قال أشهر وهي شهران وبعض الثالث، لأنها وقت\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٠٣، وفتح القدير: ١/ ١٩٧.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) هكذا في الأصل.\n(٦) بدائع الصنائع: ٢/ ١٧٦، ونصب الراية: ٣/ ١٨٧.","vol":"2","page":103},{"text":"والعرب تسمي الوقت بقليله وكثيره فيقولون: أتيتك يوم الخميس، وإنّما أتاه في ساعة منه، ويقولون: اليوم يومان منذ لم أره، وإنّما هو يوم وبعض أخر ويقولون: زرتك العام.\nوقال بعض أصحابنا: الاثنان فما فوقهما جماعة لأن الجمع ضم شيء إلى شيء، قلنا:\nجاز ان يسمي الاثنان بانفرادهما جماعة وجاز ان يسمي الاثنان وبعض الثالث جماعة، وقد سمى الله الاثنين جمعا في قوله صَغَتْ قُلُوبُكُما «١» ولم يقل قلبكما.\nوقال عروة بن الزبير وغيره: أراد بالأشهر شوالا وذا القعدة وذا الحجة [كاملا] لأنه يبقى على الحاج أمور بعد عرفة يجب عليه فعلها مثل الرمي والحلق والنحر والبيتوتة بمنى، فكأنها في حكم الحجّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>حكم الآية</span>\nفمن أحرم بالحجّ قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجه ويكون ذلك عمرة، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فتكون نافلة، وهو قول عطاء وطاوس ومجاهد ومذهب الأوزاعي والشافعي.\nوقال مالك والثوري وأبو حنيفة ومحمّد: يكره له ذلك وإن فعل أجزأه، ودليل الشافعي وأصحابه قوله الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فخصّ هذه الأشهر بفرض الحج فيها فلو كان الإحرام بالحج في غير هذه الأشهر منعقدا جائزا لما كان بهذا التخصيص فائدة مثل الصلوات علقها بمواقيت لم يجز تقديمها عليها.\nفَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ أي فمن أوجب على نفسه فيهن الحجّ والإحرام والتلبية فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: الرفث والفسوق بالرفع والتنوين، وجِدالَ بالنصب.\nكقول أمية:\nفلا لغو ولا تأثيم فيها ... [وما قاموا] «٢» به لهم مقيم\nوقرأ أبو رجاء العطاردي، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ نصبا ولا جدالٌ يرفع بالتنوين.\nكقول الأخفش:\nهذا وجدكم [الصّغار] بعينه ... لا أم لي إن كان ذاك ولا أب\nوقرأ أبو جعفر: كلها بالرفع والتنوين. وقرأ الباقون: كلها بالنصب من غير تنوين.\nوالعرب تقول في البرّية هذان الوجهان ومن رفع بعضا ونصب بعضا كان جامعا للوجهين.\n_________\n(١) سورة التحريم: ٤.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"2","page":104},{"text":"وقرأ الأعمش: فلا رفوث على الجميع.\nواختلف أهل التأويل في تفسير الرفث.\nفقال ابن مسعود وابن عبّاس وابن عمر والحسن وعمرو بن دينار وقتادة وإبراهيم والربيع والزهري والسّدي وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والضحاك: الرفث الجماع.\nوقال طاوس وأبو العالية: الرفث التعريض بالنساء بالجماع ويذكره بين [......] «١» .\nعطاء: الرفث قول الرجل للمرأة في حال الإحرام إذا حللت أصبتك.\nقال أبو حصين بن قيس: أصعدت ابن عبّاس في الحاج وكنت له خليلا فلما كان بعد ما أحرمنا قال ابن عبّاس بذنب بعيره فجعل يلويه وهو يرتجز ويقول:\nوهن يمشين بنا هميا ... ان تصدق الطير ننك لميسا «٢»\nفقلت له: أترفث وأنت محرم؟\nفقال: إنّما الرفث ما قيل عند النساء.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس: الرفث غشيان النساء، القبل، والغمز، وأن يعرض لها بالفحشاء من الكلام هو كذلك.\nوقال بعضهم: الرفث الفحش وقول القبيح.\nوأما الفسوق: فقال ابن عبّاس وطاوس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والزهري والقرظي: الفسوق معاصي الله كلها.\nالضحاك: هو التنابز بالألقاب، دليله قول وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ «٣» .\nابن زيد: هو [......] «٤» بالأصنام، منع ذلك بالنبيّ ﷺ حين حجّ فعلّم أمته المناسك. دليله قوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ «٥» وقوله ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ «٦» .\nإبراهيم ومجاهد وعطاء: هو السباب. يدلّ عليه\nقول النبيّ ﷺ: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»\n[٨٩] «٧» .\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) المبسوط للسرخسي: ٤/ ٦. [.....]\n(٣) سورة الحجرات: ١١.\n(٤) كلمة غير مقروءة.\n(٥) سورة الأنعام: ١٢١.\n(٦) سورة المائدة: ٣، وسورة النحل: ١١٥.\n(٧) المعجم الأوسط: ١/ ٢٢٣.","vol":"2","page":105},{"text":"ابن عمر: هو ما نهى الله عنه المحرم في حال الإحرام من قبيل الصيد وتقليم الأظفار وحلق الشعر وما أشبهه.\nوأما الجدال: فقال ابن مسعود وابن عبّاس وعمرو بن محمّد وسعيد بن جبير وعكرمة والزهري وعطاء بن يسار ومعاذ بن أبي رباح وقتادة: الجدال ان تماري صاحبك وتخاصمه حتّى تقضيه.\nابن عمر: هو السبابة والمنازعة.\nالقرظي: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى قال هؤلاء: حجّنا أتم من حجكم، فقال هؤلاء:\nحجّنا أتم من حجكم.\nالقاسم بن محمّد: هو أن يقول بعضهم الحج اليوم، ويقول بعضهم الحجّ غدا.\nابن زيد: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلّهم يدّعى إنه موقف إبراهيم ﵇، فقطعه الله حين علم نبيه ﷺ بمناسكه.\nقال مقاتل: قال النبيّ ﷺ في حجة الوداع: «من لم يكن معه هدي فليحل من إحرامه وليجعلها عمرة» [٩٠] «١» .\nفقالوا للنبيّ ﷺ: انا أهلنا بالحجّ، فذلك جدالهم.\nمجاهد: معناه: ولا شك في الحجّ إنه في ذي الحجّة فأبطل النسيء واستقام الحج كما هو اليوم.\nقال [أهل المعاني]: لفظه نفي ومعناه نهي أيّ لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا، لقوله تعالى لا رَيْبَ فِيهِ «٢» أيّ لا ترتابوا فيه.\nعن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» [٩١] «٣» .\nوعن وهيب بن الورد قال: كنت أطوف أنا وسفيان الثوري فانقلب سفيان وبقيت في الطواف فدخلت الحجر فصليت عند الميزاب فبينما أنا ساجد إذ سمعت كلاما بين [أستار] البيت والحجارة وهو يقول و[أشكو] «٤» إلى الله ثمّ إليك ما يفعل، ولا الطوافون من حولي من تفكههم\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/ ٤٠، ومسند أبي الجعد: ٣٨٤.\n(٢) سورة البقرة: ٢.\n(٣) المجموع لمحيي الدين النووي: ٧/ ٣٥١- ٣، وكنز العمال: ٥/ ٧.\n(٤) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.","vol":"2","page":106},{"text":"في الحديث [ولغطهم وشوقهم] «١» . قال وهيب: فأولت أن البيت يشكوا إلى جبرئيل.\nوَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ فيجازكم به.\nوَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.\nقال المفسّرون: كان ناس من أهل اليمن يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكّلون، ويقولون: نحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا [...] «٢» بدء بما ظلموا الناس وغصبوهم الله، فأمرهم الله أن يتزودوا ولا يظلموا وأن لا يكونوا وبالا على الناس فقال وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى ويكفون به وجوههم.\nقال المفسرون: الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها.\nوروى نافع عن ابن عمر قال: كانوا إذا أحرموا ومعهم أزودة رموها واستبقوا زاد الآخرة، فأنزل الله وَتَزَوَّدُوا نهاهم عن ذلك وأمر بالتحفظ للزاد، والزود لمن لم يتزود فأمرهم بالتقوى بكف الظلم قال فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.\nقال أهل الإشارة: ذكرهم الله سفر الآخرة وحثهم على التزود بالدارين فإن التقوى زاد الآخرة.\nقال الشاعر:\nالموت بحر طامح موجه ... تذهب فيه حيلة المسابح\nقال آخر:\nلا يصحب الإنسان في قبره ... إلا التقى والعمل الصالح\nقال الأعشى:\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\nندمت على ألّا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا «٣»\nقال مالك بن دينار: مات بعض قراء البصرة فمزحنا في جنازة وانصرفنا، فصعد سعدون المجنون وتلا في المقبرة ونادى المتصوفين فأنشأ يقول:\nلا يا عسكر الأحياء هذا عسكر الموتى ... أجابوا الدعوة الصغرى وهم منتظرو الكبرى\nيحنون على الزاد وما الزاد سوى القرى ... يقولون لكم جهزوا فهذا غاية الدنيا\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٢.","vol":"2","page":107},{"text":"قال الله ﷿ وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ذوي العقول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[سورة البقرة (٢): الآيات ١٩٨ الى ٢٠٣]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ (٢٠١) أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٢٠٢)\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)\nلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ الآية قال المفسرون: كان ناس من العرب لا يتّجرون في أيام الحج فإذا دخل العشر كفّوا عن الشراء والبيع فلم يقم لهم سوق وكانوا يسمون من يخرج إلى الحجّ ومعه تجارة: الداج، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأباح التجارة في الحج.\nفقال ابن عبّاس: كانت عكاظ ومجنة وذو الحجاز أسواقا في الجاهلية كانوا يتجرون فيها في الموسم وكان أكثر معايشهم منها فلما جاء الإسلام كأنهم تأثموا منها فسألوا النبيّ ﷺ فأنزل الله هذه الآية «١» .\nوقال أبو أمامة التيمي: قلت لابن عمر: إنّا قوم نكري فيدعمون المؤمنين في الحج.\nفقال: ألستم تحرمون كما يحرمون وتطوفون كما يطوفون وترمون الحجارة كما يرومون؟\nقلت: بلى. قال: أنتم حاج، جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فسأله عن الذي سألتني عنه فلم يدر ما يقول له حتّى نزل جبرئيل بهذه الآية لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ يعني التجارة\nوكان ابن عبّاس يقرأها لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في مواسم الحج.\nالأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم عرفة غفر الله للحاج به الخاص فإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للجار، وإذا كان يوم منى غفر الله للجمالين، وإذا كان عند جمرة العقبة [غفر الله للسؤال] ولا شهد ذلك الموقف خلق ممن قال لا إله إلّا الله إلّا غفر له» [٩٢] «٢» .\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٢/ ٣٨٩.\n(٢) تاريخ دمشق: ٦٢/ ١٢، وتفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٠. [.....]","vol":"2","page":108},{"text":"فَإِذا أَفَضْتُمْ رجعتم ودعيتم بكرة.\nيقال: أفاض القوم في الحديث إذا اندفعوا فيه وأكثروا التصرف «١» .\nقال الشاعر:\nفلما أفضنا في الحديث وأسمحت ... أتتنا عيون بالنميمة تضرب\nوأصلها من قول العرب أفاض الرجل ماءه إذا صبّه، وأفاض البعير [تجرعه] إذا رمى ودفع بها من كرشه.\nقال الراعي:\nفأفضن بعد كظومهن بجرة ... من ذي الابارق إذا رعين حقيلا\nويقال: أفاض الرجل بالقداح إذا ضرب بها لأنها موضع بقع متفرقة.\nقال أبو ذهيب:\nيصف الحمار والأنف وأتته ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع «٢»\nولا تكون الافاضة في اللغة إلّا عن تفرق وكثرة قال عمر بن الخطاب: الافاضة الانصداع.\nمِنْ عَرَفاتٍ القراءة بالكسر والتنوين لأنه جمع عرفة مثل مسلمات ومؤمنات، فسميت بها بقعة واحدة مثل قولهم: أرض سباسب وثوب اخلاق يجمع بها حولها، فلما سميت بها البقعة الواحدة صرفت إذا كانت مصروفة قبل ان يسمى بها البقعة تركا منهم لها على أصلها فإذا كانت في الأصل بقعة واحدة ولم يكن جمعا تركوا إجزاءها ونصبوا تاءها في حال الخفض مثل عانات وأذرعات فرقا بين الاسم وبين الجمع، واختلف العلماء في المعنى الذي لأجله قيل للموقف عرفات وليوم الوقوف بها عرفة.\nفقال الضحاك: إن آدم لما أهبط وقع في الهند وحواء بجدة فجعل آدم يطلب حواء وهي تطلبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا فسمي اليوم عرفة والموضع عرفات.\nأبو حمزة الثمالي عن السّدي قال: إنّها سميت عرفات لأن هاجر حملت إسماعيل ﵇ فأخرجته من عند سارة وكان إبراهيم غائبا فلما قدم لم ير إسماعيل فحدثته سارة بالذي صنعت هاجر فانطلق في طلب إسماعيل فوجده مع هاجر بعرفات فعرفه فسميت عرفات «٣» .\n_________\n(١) زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ١٩٣.\n(٢) لسان العرب: ١/ ٤٠٦، وتفسير الطبري: ١٤/ ٩١.\n(٣) راجع تفسير أبي حمزة الثمالي: ١١٥.","vol":"2","page":109},{"text":"وعن علي بن الأشدق عن عبد الله بن [حراد] «١» قال: قال رسول الله ﷺ: «ان إبراهيم غدا من فلسطين فحلفت سارة إن لا ينزل عن ظهر دابته حتّى يرجع إليها من الغيرة فأتى إسماعيل ثمّ رجع فحبسته سارة سنة ثمّ استأذنها فأذنت له فخرج حتّى بلغ مكّة وجبالها فبات ليلة يسير ويسعى حتّى أذن الله ﷿ له في ثلث الليل الأخير عند سند جبل عرفة، فلما أصبح عرف البلاد والطريق فجعل الله ﷿ عرفة حيث عرف فقال: اجعل بيتك أحبّ بلادك إليك حتّى يهوي الله قلوب المسلمين مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» [٩٣] .\nعبد الملك عن عطاء قال: إنّما سميت عرفات لأن جبرئيل ﵇ كان يري إبراهيم المناسك ويقول: عرفت ثمّ يريه فيقول: عرفت فسميت عرفات.\nوروى سعيد بن المسيب عن علي ﵁ قال: بعث الله ﷿ جبرئيل إلى إبراهيم فحج به حتّى إذا [جاء] عرفات قال: قد عرفت، وكان قد أتاها مرة قبل ذلك فسميت عرفات.\nوروى أبو الطفيل عن ابن عبّاس قال: إنّما سمي عرفة لأن جبرئيل ﵇ أرى إبراهيم فيه بقاع مكّة ومشاهدها وكان يقول يا إبراهيم هذا موضع كذا وهذا موضع كذا ويقول قد عرفت، قد عرفت.\nوروى أسباط عن السّدي قال: لما أذن إبراهيم بالناس فأجابوه بالتلبية وأتاه من أتاه أمره الله أن يخرج إلى عرفات فنعتها له فلمّا خرج وبلغ الشجرة المستقبلة للشيطان فرماه بسبع حصيات يكبّر مع كلّ حصاة فطار فوقع على الجمرة الثانية فرماه وكبّر فطار فوقع على الجمرة الثالثة فرماه وكبّر فلما رأى إنه لا يطيقه ذهب، فانطلق إبراهيم حتّى وقف بعرفات، فلما نظر إليها عرفها بالنعت فقال: عرفت، فسمي عرفات بذلك وسمي ذلك اليوم عرفة لأن إبراهيم رأى ليلة التروية في منامه أن يؤمر بذبح ابنه فلما أصبح يومه أجمع أيّ فكر أمن الله هذا الحكم أمن الشيطان وسمي اليوم من فكرته تروية ثمّ رأى ليلة عرفة ذلك ثانيا فلما أصبح عرف أن ذلك من الله فسمي اليوم يوم عرفة.\nوقال بعضهم: سميت بذلك لأن الناس يعترفون في هذا اليوم على ذلك [الموقف] بالذنوب والأصل نسيان آدم ﵇ لما أمر بالحجّ وقف بعرفات يوم عرفة قال: رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ «٢» .\nوقيل: هي مأخوذة من العرف، قال الله تعالى وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ «٣» أي طيّبها،\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) سورة الأعراف: ٢٣.\n(٣) سورة محمد ﷺ: ٦.","vol":"2","page":110},{"text":"قالوا: فمنى موضع بمنى وفيه الدم أي يصب فلذلك سمّي منى ففيه يكون الفروث والإنذار والدماء وليست بطيبة، وعرفات ليس فيها وهي طيبة فلذلك سميت عرفات ويوم الوقوف بها عرفة. وقيل: لأن الناس يتعارفون بها.\nوقال بعضهم: أصل هذين الأسمين من الصبر، يقال: رجل عارف إذا كان صابرا خاضعا خاشعا ويقال في المثل: النفس عروف وما حمّلتها تتحمل «١» .\nقال الشاعر:\nفصبرت عارفة لذلك حرّة ... ترسوا إذا نفس الجنان تطلع\nأي نفسا صابرة.\nوقال ذو الرمّة:\nعروف لما خطت عليه المقادر\nأي صبور على قضاء الله، فسميا بهذا الاسم لخضوع الحاج وتذللهم وصرفهم على الدعاء وأنواع البلاء واحتمالهم الشدائد والميقات لإقامة هذه العبادة.\nفَاذْكُرُوا اللَّهَ بالتلبية والدعاء عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وهو ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى محسّر، وليس مأزما عرفة من المشعر، وإنّما سمي مشعرا من الشعار وهو العلامة، لأنه معلم للحج، والصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده من [معالم] الحج، والمبيت بالمشعر الحرام فرض واجب ومن تركه كان عليه شاة، والدليل عليه\nأن النبيّ ﷺ بات بها وقال [انحروا] عنى بمناسككم.\nوقال المفضل: سمي مشعرا لأنها شعر المؤمنون أنه حرم كالبيت ومكّة، أيّ اعلموا ذلك، وأصل الحرام المنع، قال الله تعالى [...] «٢» أي الممنوع من المكاسب والشيء المنهي عنه حرام لأنه منع من إتيانه.\nوقال زهير:\nوإن أتاه [خليل] يوم مسألة يقول ... لا غائب مالي ولا حرام\nأي ولا ممنوع، والمشعر الحرام من أن يفعل فيه ما حرم ولم يرض في إتيانه، ويقال له المشعر الحرام والمزدلفة وقدم [...] بغيرهما «٣» والجميع، سمي بذلك لأنه يجمع فيها بين صلاتي العشاء، والافاضة من عرفات بعد غروب الشمس وكان أهل الجاهليّة\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٥.\n(٢) كلام غير مقروء.\n(٣) كلام غير مقروء.","vol":"2","page":111},{"text":"يفيضون منهما قبل غروب الشمس ومن جمع بعد طلوعها، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كيما نغير فأمر الله مخالفتهم في الدفعتين جميعا.\nوروى أبو صالح عن ابن عبّاس أنه نظر إلى الناس ليلا جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة ما ينامون تأولون قول الله تعالى فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ.\nوَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ لدينه ومناسك حجّه وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ يعني وما كنتم من قبله إلّا من الضالين كقوله وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ يعني وان نظنك إلّا من الكاذبين.\nقال الشاعر:\nثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة الرحمن\nأي ما قتلت إلّا مسلما.\nوالهاء في قوله (من قبله) عائدة إلى الهدي «١»، وإن شئت على الرسول ﷺ، كناية عن غير مذكور.\nثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ الآية.\nقال عامّة المفسّرين: كانت قريش وحلفاؤها ومن دان [بدينها] وهم الحمس لا يخرجون من الحرم إلى عرفات وكانوا يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن أهل الله وقطان حرمه فلا يخلو الحرم ولا نخرج منها، فلسنا كسائر الناس وكانوا يتعاظمون ان يقفوا مع سائر العرب بعرفات، ويقول بعضهم لبعض ألا تعظموا إلّا الحرم فإنكم إن عظمتم غير الحرم تهاون الناس بحرمتكم فوقفوا الجميع فإذا أفاض الناس من عرفات أفاضوا من المشعر وهو المزدلفة وأمرهم الله أن يقفوا بعرفات ويفيضوا منها إلى جمع مع سائر الناس وأخبرهم أنها سنّة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵇.\nوقال بعضهم: المخاطبون بهذه الآية المسلمون كلهم والمعنى بقوله مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ جمع أي أفيضوا من جمع إلى منى، وهذا القول أشبه بظاهر القرآن، لأن الافاضة من عرفات قبل الافاضة من جمع بلا شك فكيف يسوغ أن يقول: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وأما الناس في هذه الآية فهم العرب كلهم غير الحمس.\nالكلبي بإسناده: هم أهل اليمن [وربيعة] .\nالضحاك: الناس هاهنا إبراهيم وحده، يدلّ عليه قوله أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ «٢» يعني\n_________\n(١) وقيل إلى القرآن، راجع تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧.\n(٢) سورة النساء: ٥٤.","vol":"2","page":112},{"text":"محمّدا ﷺ وحده وقوله الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعني نعيم بن مسعود الأشجعي إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ يعني أبا سفيان وإنّما يقال هذا للذي يقتدي به ويكون لسان قومه وإمامهم كقوله إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً «١» فذكر الواحد بلفظ الجمع ومثله كثير [وقيل:] الناس هاهنا آدم ﵇، دليله قول سعيد بن جبير: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ، وقيل: هو آدم نسي ما عهد إليه والله أعلم.\nالحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عبّاس قال: أفاض رسول الله ﷺ من عرفه وعليه السكينة والوقار رديفه أمامة وقال: «أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس بإيجاف الخيل والإبل، قال: فما رأيتها رافعة يديها عادية- الخيل فالإبل- حتّى أتى جمعا» [٩٤] «٢» .\nوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عبّاس قال: أمر رسول الله ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ على الحجّ وأمره أن يخرج بالناس جميعا إلى عرفات فيقف بها فإذا غربت الشمس أفاض بالناس منها حتّى يأتي بهم جمعا فيبيت بها حتّى إذا أصبح بها وصلّى الفجر ووقف الناس بالمشعر الحرام ثمّ يفيض منها إلى منى قال: فتوجه أبو بكر نحو عرفات فمرّ بالحمس وهم وقوف بجمع فلمّا ذهب يتجاوزهم قالت له الحمس: يا أبا بكر أين تجاوزنا إلى غيرنا هذا مفيض آبائك فلا تذهب حتّى تفيض أهل اليمن وربيعة من عرفات فمضى أبو بكر لأمر الله وأمر رسوله حتّى أتى عرفات وبها أهل اليمن وربيعة وهم الناس في هذه الآية فوقف بها حتّى غربت الشمس، ثمّ أفاض بالناس إلى المشعر الحرام حتّى وقف بها حتّى إذا كان عند طلوع الشمس أفاض منها.\nوَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nأبي رباح عن أبي طالح السمان عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «الحجاج والعمار وفد الله ﷿ إن دعوه أجابهم وإن استغفروه غفر لهم» [٩٥] «٣» .\nعن مجاهد أن النبيّ ﷺ قال: «اللهمّ اغفر للحاجّ ولمن استغفر له الحاجّ» [٩٦] «٤» .\nوعن علي بن عبد العزيز يقول: كنت عديلا لأبي عبيد بن سلام لسنة من السنين فلما صرت إلى الموقف تصدق إلى [نفسي] حب النخل فتطهرت ونسيت نفقتي عنده، فلما صرت إلى [المارقين] «٥» قال لي أبو عبيدة: لو اشتريت لنا زبدا وتمرا، فخرجت لأبتاعه فذكرت النفقة\n_________\n(١) سورة النحل: ١٢٠.\n(٢) سنن ابن داود: ١/ ٤٣١، والسنن الكبرى: ٥/ ١١٩.\n(٣) سنن ابن ماجة: ٢/ ٩٦٦ ح ٢٨٩٢، ومجمع الزوائد: ٣/ ٢١١. [.....]\n(٤) المستدرك على الصحيحين: ١/ ٤٤١، والسنن الكبرى: ٥/ ٢٦١.\n(٥) هكذا في الأصل.","vol":"2","page":113},{"text":"فرجعت عودي على بدئي إلى أن وافيت الموضع فإذا [نفقتي] بحالها فأخذتها ورجعت وكنت قد صادفت الوادي مملوءة قردة وخنازير وغير ذلك فجزعت عنه، ثمّ إنّي رجعت فإذا هم على حالهم حتّى دخلت على أبي عبيدة قبيل الصبح فسألني عن أمري فخبرته وذكرت القردة، قال:\nتلك ذنوب بني آدم تركوها وانصرفوا.\nفَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ [فرغتم] من حجكم وذبحتم مناسككم يقال منه نسك الرجل ينسك نسكا ونسكا ونسيكة ومنسكا إذا ذبح نسكه، والمنسك المذبح مثل المشرق والمغرب، ويقال من [العهد] «١» نسك ومنسك ومونسكا ونسكا ونساكه إذا ... نظر «٢»، وأبو عمرو يدغم الكاف في الكاف فيه وفي أخواته في كل القرآن مثل قوله ما سَلَكَكُمْ لأنهما مثلان «٣» .\nقال الشاعر:\nولا [نشار] «٤» لك عندي بعد واحدة ... لا والذي أصبحت عندي له نعم\nفَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ.\nقال أكثر المفسرين في هذه الآية: كانت العرب إذا فرغوا من حجهم وقفوا عند البيت وذكروا مآثر آبائهم ومفاخرهم فكان الرجل يقول إن أبي كان يقرى الضيف ويضرب بالسيف ويطعم الطعام وينحر الجزور ويفك العاني ويجز النواصي ويفعل كذا وكذا فيتفاخرون بذلك فأمرهم الله بذكره فقال: فاذكروني فأنا الذي فعلت ذلك بكم وبآبائكم وأحسنت إليكم وإليهم.\nقال السّدي: كانت العرب إذا قضيت مناسكها وأقاموا بمنى يقوم الرجل فيسأل الله ويقول اللهمّ إن أبي كان عظيم [الحجة] عظيم القبة كثير المال فأعطني كلّ ما أعطيت أبي ليس يذكر الله إنّما يذكر ويسأل أن يعطى في دنياه فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال ابن عبّاس وعطاء والربيع والضحاك: معناه فاذكروا الله كذكر الصبيان الصغار الآباء وهو قول الصبي أول ما يفصح ويفقه الكلام (أبه أمه) ثمّ يلهج بأبيه وأمه.\nعن أبي الجوزاء قال: قلت لابن عبّاس أخبرنا عن قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ وقد يأتي على الرجل اليوم لا يذكر أباه فيه. فقال ابن عبّاس: ليس كذلك ولكن من يغضب الله إذا عصى بأشد من غضبك لوالديك إذا أهنتهما.\nالقرظي: في قوله فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ قال كذكركم آباءكم إياكم.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ٤٣١.\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"2","page":114},{"text":"أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا يعني أشد وبل أشد كقوله أَوْ يَزِيدُونَ «١» مقاتل: أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا أي أكثر ذكرا كقوله أَشَدُّ قَسْوَةً «٢» أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً «٣» وأما وجه انتصاب (أَشَدَّ)، فقال الأخفش:\nاذكروه أشد.\nوقال الزجاج: في محل الخفض لكنه لا ينصرف لأنه صفة على مفعال أفعل وصفته ذكرا على التمييز.\nفَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا أي أعطنا إبلا وغنما وبقرا وعبيدا وإماء فحذف المفعول.\nقال أنس: كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون ويقولون اللهمّ اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر وردّنا صالحين إلى صالحين.\nقتادة: هذا عبد نوى الدنيا لها أنفق ولها عمل ولها [قضت] «٤» فهي همه وأمنيته وطلبته.\nوَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ حظ ونصيب وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهم النبيّ والمؤمنون.\nواختلفوا في معنى الحسنتين.\nفقال علي ﵁: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً امرأة صالحة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الحور العين.\nوَقِنا عَذابَ النَّارِ المرأة السوء.\nقال الحسن: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً: العلم والعبادة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً: الجنّة والرضوان.\nالسّدي و[ابن حيان] «٥»: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً رزقا حلالا واسعا وعملا صالحا وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الثواب والمغفرة.\nعطية: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً العلم والعمل وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً تيسير الحساب ودخول الجنّة.\nوقيل: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً التوفيق والعصمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً النجاة والرحمة. وقيل: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أولادا أبرارا وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً موافقة الأنبياء.\nوقيل: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً المال والنعمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً تمام النعمة وهو الفوز والخلاص من النّار ودخول الجنّة.\nوقيل: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً الدين واليقين وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً اللقاء والرضا.\n_________\n(١) سورة الصافات: ١٤٧.\n(٢) سورة البقرة: ٧٤.\n(٣) سورة النساء: ٧٧.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) هكذا في الأصل.","vol":"2","page":115},{"text":"وقيل: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً الثبات على الإيمان وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً السلامة والرضوان.\nوقيل: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً الإخلاص وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الخلاص.\nوقيل: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً حلاوة الطاعة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً لذة الروية.\nقتادة: فِي الدُّنْيا عافية وَفِي الْآخِرَةِ عافية.\nدليل هذا التأويل ما\nروى حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ عاد رجلا قد صار مثل الفرخ المنتوف فقال رسول الله ﷺ: هل كنت تدعوا له بشيء أو تسأله شيئا؟ قال: كنت أقول اللهمّ [ما كنت معاتبي] به في الآخرة فعجّله لي في الدنيا. فقال: «سبحان الله إذا لا تستطيعه ولا تطيقه فهلّا قلت: اللهمّ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ» [٩٧] «١» .\nفدعا الله بها فشفاه الله.\nسهل بن عبد الله: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً السنّة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الجنّة.\nالمسيب عن عوف في هذه الآية قال: من آتاه الله الإسلام والقرآن وأهلا ومالا وولدا فقد أولى فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً.\nحماد عن ثابت إنّهم قالوا لأنس بن مالك: ادع الله لنا، فقال: اللهمّ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.\nقالوا: زدنا، فأعادها، قالوا: زدنا، قال: ما تريدون قد سألت الله تعالى لكم خير الدنيا والآخرة.\nقال أنس: وكان رسول الله ﷺ يكثر أن يدعو بها اللهمّ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.\nسفيان الثوري في هذه الآية: فِي الدُّنْيا حَسَنَةً الرزق الطيب والعلم، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً الجنّة.\nمجاهد عن ابن عبّاس قال: عند الركن اليماني ملك قائم منذ خلق الله السماوات والأرض يقول آمين، فقولوا: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.\nوقال ابن جريح: بلغني إنه كان يؤمر أن يكون أكثر دعاء المسلم في الوقف: اللهمّ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.\nأُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا يعني من حجّ عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت.\n_________\n(١) السنن الكبرى للنسائي: ٦/ ٢٦١ ح ١٠٨٩٢، وصحيح ابن حبان: ٣/ ٢٢١.","vol":"2","page":116},{"text":"عن الفضل بن عبّاس إنه كان ردف النبيّ ﷺ أتاه رجل فقال: إن أمي عجوز كبيرة لا تستمسك على الرحل وان ربطتها [خشيت] أن أقتلها.\nفقال له: أرأيت لو كان على أمك دين كنت قاضيه؟ قال: نعم قال: «فحجّ عنها» «١» [٩٨] «٢» .\nأبو سلمة عن أنس أن رسول الله ﷺ قال في رجل أوصى بحجّة: «كتب له أربع حجات:\nحجّة الذي كتبها، وحجّة الذي نفدها «٣»، وحجّة الذي أخذها، وحجة الذي أمر بها» [٩٩] «٤» .\nوقال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال: إني آجرت نفسي واشترطت عليهم الحجّ [معهم] فهل يجزيني ذلك؟\nقال: أنت من الذين قال الله أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا «٥» .\nوَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ يعني إذا حاسب فحسابه سريع لأنه لا يحتاج إلى تمديد ولا وعي منه ولا روية ولا فكرة.\nوقال الحسن: أسرع من لمح البصر.\nوفي الحديث ان الله تعالى يحسب في قدر حلب شاة وقيل هو إنه إذا حاسب ... واحدا واحدا «٦» حاسب جميع الخلق فمعنى الحساب تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم ما نسوه من ذلك\n، يدلّ عليه قوله يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «٧» .\nوَاذْكُرُوا اللَّهَ يعني التكبير في الصلوات وعند الجمرات يكبّر مع كلّ حصاة وغيرها من الأوقات.\nفِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ وهي أيام التشريق وأيام منى ورمي الجمار والأيام المعلومات عشر ذي الحجّة، نافع ابن عمر: الأيام المعدودات ثلاثة أيام يوم النحر ويومان بعده.\nأبو حنيفة عن حماد بن إبراهيم في قوله وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ قال:\nالمعدودات أيام العشر والمعلومات أيام النحر، والصحيح أن المعدودات أيام التشريق، وعليه أكثر العلماء يدلّ عليه قوله فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ أي منها وإنّما يكون الصدر في أيّام التشريق.\n_________\n(١) في المصدر: فدين الله أحق.\n(٢) في المصدر: أنفقها. [.....]\n(٣) مسند أحمد: ١/ ٢٢٤، وسنن أبي داود: ٢/ ١٠٣.\n(٤) كنز العمال: ٥/ ١٢٦ ح ١٢٣٤٤، ذكر أخبار أصفهان: ٢/ ٣٥٤.\n(٥) المستدرك: ٢/ ٢٧٨.\n(٦) كلمة غير مقروءة.\n(٧) سورة المجادلة: ٦.","vol":"2","page":117},{"text":"قال الزجاج: ويستعمل المعدودات في اللغة الشيء القليل فسميت بذلك لأنها ثلاثة أيام والأيام المعدودات: أيام التشريق والذكر المأمور فيها التكبير.\nقال نافع: كان عمرو وابنه عبد الله يكبران بمنى تلك الأيام جميعا وخلف الصلوات وفي المجلس وعلى الفراش والقسطاط وفي الطريق ويكبر النّاس [بتكبيرهم] ويناولان هذه الآية قلت: واجمعوا على أن التكبير في هذه الأيام سنّة إلّا إنّهم اختلفوا في قدرها ووقتها ... فكان عبد الله بن مسعود يكبّر من صلاة الغداة من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق وإليه ذهب أبو يوسف ومحمّد بن الحسن وهو أجمع الأقاويل.\nكان ابن عبّاس وزيد بن ثابت يكبران من صلاة الظهر من يوم النحر إلى [مدة] العصر من آخر أيام التشريق وهو قول عطاء وهو الأظهر والأشهر من مذهب الشافعي إنه يبتدأ التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق هذا بالحاج آخر صلاة يصليها الحاج بمنى والناس لهم تبع.\nوأما لفظ التكبير فكان سعيد بن جبير يقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر نسقا وهو مذهب الشافعي وأهل المدينة وكان ابن مسعود يكبر [إثنتين] وهو مذهب أبي حنيفة وأهل العراق.\nوروى عن مالك إنه كان يقول الله أكبر الله أكبر ثمّ يقطع فيقول الله أكبر لا إله الّا الله.\nوروى عن قتادة إنّه كان يقول الله أكبر كبيرا الله أكبر على ما هدانا الله أكبر ولله الحمد.\nوروى عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أيام منى أيام أكل وشرب وذكر الله» [١٠٠] «١» .\nعن جعفر بن محمّد: أن رسول الله ﷺ بعث مناديا فنادى في أيام التشريق: إنّها أيام أكل وشرب\n، قال الله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ يعني من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني من أيام التشريق.\nفَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تعجله وَمَنْ تَأَخَّرَ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتّى ينفر في اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تأخره فإن لم ينفر في اليوم الثاني وأقام حتّى تغرب الشمس فليقم إلى الغد من اليوم الثالث فيرمي الجمار ثمّ ينفر مع الناس، هذا قول ابن عمر وابن عبّاس والحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد وقتادة والضحاك والنخعي والسّدي\nقال بعضهم: معناه فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فهو [مغفور له] لا إثم ولا ذنب عليه وَمَنْ تَأَخَّرَ فكذلك، وهكذا قول علي وأبي ذر وابن مسعود والشعبي ومطرف بن الشخير.\n_________\n(١) المصنف لابن أبي شيبة: ٤/ ٤٨٧.","vol":"2","page":118},{"text":"قال معاوية بن [مرة]: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.\nقال إسحاق بن يحيى بن طلحة: سألت مجاهد عن ذلك قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إلى قابل وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ أيضا إلى قابل.\nوقال سعيد بن المسيب: توفي رجل بمنى في آخر أيام التشريق فقيل لعمر: توفي ابن الخنساء أفلا نشهر دفنه، فقال عمر: وما يمنعني أن أدفن رجلا لم يذنب منذ غفر له.\nلِمَنِ اتَّقى اختلفوا في معناه.\nفقال ابن عبّاس في رواية العوفي والكلبي: لِمَنِ اتَّقى قتل الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتّى ينقضي أيام التشريق.\nقتادة: لِمَنِ اتَّقى أن يصيب في حجر شيئا نهاه الله ﷿ عنه فيه.\nأبو العالية: ذهب إثمه كلّه إن اتقى فيما بقي من عمره، وكان ابن مسعود يقول إنّما حطت مغفرة الذنوب لِمَنِ اتَّقى الله في حجّة.\nابن جريح: وهو في مصحف عبد الله لمن اتقى الله، جويبر عن الضحاك عن ابن عبّاس لِمَنِ اتَّقى عبادة الأوثان.\nوروى عن ابن عبّاس أيضا: لِمَنِ اتَّقى معاصي الله قال: ووددت أني من هؤلاء الذين يصيبهم اسم التقوى.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ يجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٠٤ الى ٢١٠]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥) وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ (٢٠٦) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٢٠٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)\nفَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الآية.\nالكلبي والسّدي ومقاتل وعطاء: قالوا نزلت هذه الآية في الأخنس بن شريق «١» الثقفي\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٢/ ٤٢٥.","vol":"2","page":119},{"text":"حليف بني أبي زهرة واسمه أبي، وسمي بالأخنس لأنه خنس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال النبيّ ﷺ وقد تولوا [الجحفة] وقال لهم: يا بني زهرة إن محمّدا ابن أخيكم، فإن يكن صادقا فلن تغلبوه وكنتم أسعد الناس بصدقه، وإن يك كاذبا فإنكم أحق من كف عنه لقرابتكم وكفتكم إياه أوباش العرب.\nقالوا: نعم الرأي رأيت فسر لما شئت فنتبعك. فقال: إذا نودي الناس [في الرحيل فإني] أخنس بكم فاتبعوني، ففعل وفعلوا وسمي لذلك الأخنس، وكان رجلا حلو الكلام حلو المنظر وكان يأتي رسول الله ﷺ [يواله ويظهر] الإسلام ويخبره بأنه يحبّه ويحلف بالله ﷿ على ذلك، وكان منافقا فكان رسول الله ﷺ يدني مجلسه ويقبل عليه ولا يعلم إنه يضمر خلاف ما يظهر ثمّ إنه كان بينه وبين ثقيف خصومة فبيّتهم ليلا وأهلك مواشيهم واحرق زرعهم وكان حسن العلانية سيء السريرة.\nقال السّدي: مرّ بزرع للمسلمين وحمر فأحرق الزرع وعقر الحمر.\nمقاتل: خرج إلى [الطائف] مقتضيا حلاله على غريم فأحرق له ... أرضا «١» وعقر له ...\nأتانا «٢» فأنزل الله فيه هذه الآيات.\nابن عبّاس والضحاك: نزلت هذه الآيات إلى قوله وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ في سرية [الرجيع] وذلك أن كفّار قريش بعثوا إلى رسول الله ﷺ وهو بالمدينة، إنّا أسلمنا فابعث إلينا نفرا من علماء أصحابك يعلموننا دينك، وكان ذلك مكرا منهم فبعث رسول الله ﷺ حبيب بن عدي الأنصاري ومرثد بن أبي مرثد الغنوي وخالد بن بكير وعبد الله بن طارق ابن شهاب البادي وزيد ابن الدثنة وأمّر عليهم عاصم بن ثابت بن الاقلح الأنصاري فساروا يريدون مكّة فنزلوا [بطن الرجيع] بين مكّة والمدينة ومعهم تمر عجرة فأكلوا فمرت عجوزة وأبصرت النوى فرجعت إلى قومها بمكّة وقالت: قد سلك الطريق أهل يثرب من أصحاب محمّد، فركب سبعون رجلا ومعهم الرماح حتّى أحاطوا بهم فحاربوهم فقتلوا مرثدا وخالدا وعبد الله بن طارق ونثر عاصم بن ثابت كتابته وفيها سبعة أسهم فقتل منهم رجلا من عظماء المشركين ثمّ قال اللهمّ إني حميت دينك صدر النهار فاحم لحمي آخر اللّيل، ثمّ أحاط به المشركون فقتلوه، فلمّا قتلوه أرادوا جزّ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن عهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن فيه قحفه الخمر، فأرسل الله رجلا من الدّبر وهي الزنابير فحمت عاصما ولم يقدروا عليه فسمي حمي الدبر فلما حالت بينهم وبينه قال: دعوه حتّى يمسي تذهب عنه فنأخذه فجاءت سحابة سوداء ومطرت مطرا [كالعزالي] فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) كلمة غير مقروءة.","vol":"2","page":120},{"text":"فذهب به [......] «١» وحملته ... خمسين «٢» من المشركين إلى النّار قال: وكان عاصم قد أعطى لله عهدا أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا [تنجسا] «٣» منه وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول حين بلغه الخبر إن الدّبر منعته، عجبا لحفظ الله العبد المؤمن كان عاصم نذر أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركا أبدا فمنعه الله بعد وفاته كما امتنع من حياته، فأسر المشركون خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكّة فأما حبيب فابتاعه بنو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناه ليقتلوه [بأيديهم] وكان حبيب هو الذي قتل الحرث بن عامر بأحد فبينما خبيب عند بنات الحرث إذا استعار من إحداهن موسى يستحل بها للقتل فما راع المرأة ولها صبي يدرج الآباء بحبيب «٤» قد أجلس الصبي على فخذه والموسى في يده فصاحت المرأة فقال حبيب: أتحنثين أن أقتله، إن الغدر ليس من شأننا، فقالت المرأة: ما رأيت أسيرا قط خيرا من حبيب لقد رأيته وما بمكّة من تمرة وإن في يده لقطفا من عنب يأكله إن كان إلّا رزقا رزقه الله حبيبا، ثمّ إنّهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه وأرادوا أن يصلبوه فقال: ذروني أصلي ركعتين فتركوه فصلى ركعتين فجرت [سنة لمن] قتل صبرا أن يصلّي ركعتين، ثمّ قال: لولا أن يقولوا جزع حبيب لزدت وأنشأ يقول:\nولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أي شق كان في الله مصرعي\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك في أوصال شلو ممزع\nأي مقطع.\nثمّ قال: اللهم أحصهم عددا [وخذهم] بددا فصلبوه حيا، فقال: اللهم إنك تعلم إنه ليس أحد حولي يبلغ رسولك سلامي فأبلغه لأمي، قال: ثمّ جاء به رجل من المشركين يقال له أبو سروعة ومعه رمح فوضعه بين ثديي حبيب فقال له حبيب: اتق الله فما زاده إلّا عتوا فطعنه فأنفذه.\nفذلك قوله وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ الآية.\nيعني سلامان وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله [بأبيه] أمية بن خلف الجحمي ثمّ بعثه مع مولى له يسمى قسطاس إلى التنعيم ليقتله فاجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب، فقال أبو سفيان لزيد حين قدم ليقتل أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمّدا عندنا الآن بمكانك نضرب عنقه وإنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمّدا الآن بمكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) هنا سقط في هامش المخطوطة وغير واضح.","vol":"2","page":121},{"text":"فقال: أبو سفيان: ما رأيت من النّاس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمّد محمّدا، ثمّ قتله قسطاس، فلما بلغ النبيّ ﷺ هذا الخبر قال لأصحابه: أيكم يحتمل خبيبا عن خشبته فله الجنة؟ قال الزبير بن العوام: أنا يا رسول الله وصاحبي المقداد بن الأسود فخرجا يمشيان بالليل ويكتمان بالنهار حتّى أتيا التنعيم ليلا فإذا حول الخشبة أربعون من المشركين نيام [نشاوى] فأنزلاه فإذا هو رطب ينثني لم يتغير منه شيء بعد أربعين يوما ويده على جراحته تخضب دما، اللون لون الدم والريح ريح المسك فحمله الزبير على فرسه وسار فانتبه الكفار وقد فقدوا حبيبا فأخبر بذلك قريشا فركب منهم سبعون فلما لحقوهما قذف الزبير حبيبا فابتلعته الأرض فسمي بليع الأرض.\nفقال الزبير: ما جرّأكم علينا يا معشر قريش ثمّ رفع العمامة عن رأسه فقال: أنا الزبير بن العوام وأمي صفية بنت عبد المطلب وصاحبي المقداد بن الأسود أسدان رابضان يدفعان عن شبلهما فإن شئتم ناضلتكم وإن شئتم نازلتكم وإن شئتم انصرفتم، فانصرفوا إلى مكّة، وقدم على رسول الله ﷺ وجبرئيل عنده فقال: يا محمّد إن الملائكة لتباهي بهذين من أصحابك فقال رجال من المنافقين في أصحاب حبيب يا ويح لهؤلاء المقتولين الذين هلكوا لأنهم قعدوا في بيوتهم ولاهم أدّوا رسالة صاحبهم، فأنزل الله في الزبير والمقداد بن الأسود وحبيب وأصحابه المؤمنين وفيمن طعن عليهم من المنافقين «١» وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ يا محمّد قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي تستحسنه ويعظم في قلبك ومنه العجب لأنه تعظم في النفس.\nفقال في الخبر الاستحسان والمحبة: أعجبني كذا، وفي الإنكار والكراهية: عجبت من كذا، وأصل العجب ما لم يكن مثله قاله المفضل.\nوَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ يعني قول المنافق والله إني بك لمؤمن ولك محب.\nوقرأ ابن محيصن: وَيَشْهَدُ اللَّهُ بفتح الياء والهاء ورفع الهاء من قوله أي يظهر أمرا ويقول قولا ويعلم الله خلاف ذلك منه وفي مصحف أبي ويستشهد الله وهي حجة لقراءة العامة.\nوَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ أي شديد الخصومة.\nيقال منه لددت يا هذا وأنت تلد لدّا ولداد، وإذا أردت إنه غلب خصمه قلت لدّه يلدة لدا.\nويقال: رجل الدّ وامرأة لدّاء ورجال ونساء لدّ.\nقال الله تعالى وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا «٢» .\n_________\n(١) بطوله في زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٠١- ١٩٩. [.....]\n(٢) سورة مريم: ٩٧.","vol":"2","page":122},{"text":"وقال النبيّ ﷺ: «إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» [١٠١] «١» .\nقال الشاعر:\nإن تحت الأحجار حزما وجودا ... وخصيما ألدّ ذا مغلاق\nوقال الراجز:\nتلدّ أقران الرجال اللدّ.\nوقال الزجاج: اشتقاقه من لديدي العنق وهما صفحتاه وتأويله إنه في أي وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الخصومة غلب في ذلك.\nوالخصام: مصدر خاصمته خصاما ومخاصمة قاله أبو عبيدة وقال الزجاج: هو جمع خصم يقال: خصم وخصام وخصوم مثل بحر وبحار وبحور، وحقيقة الخصومة التعمق في البحث عن الشيء والمضايقه فيه ولذلك قيل لزوايا الأوعية خصوم. قال السدي: أَلَدُّ الْخِصامِ أعوج الخصام.\nمجاهد: الأخير المستقيم على خصومة.\nالحسن: هو كاذب القول. قتادة: هو شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل عالم باللسان جاهل بالعمل متكلم بالحكمة ويعمل بالخطيئة.\nوَإِذا تَوَلَّى أدبر وأعرض عنك.\nالحسن: تولى عن قوله الذي أعطاه.\nابن جريح: غضب. الضحاك: ملك الأمر وصار واليا سَعى فِي الْأَرْضِ أي عمل فيها يقال: فلان يسعى لعياله أي يعمل فيما يعود عليهم نفقه.\nومنه قول الأعشى:\nوسعى لكندة سعي غير مواكل ... قيس، فضر عدوها وبنى لها\nوقيل سار ومشى.\nلِيُفْسِدَ فِيها.\nقال ابن جريح: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين، والنساء [الفساد] اسم لجميع المعاصي.\nوَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ.\nقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: وَيُهْلِكُ برفع الكاف على الابتداء.\n_________\n(١) مواهب الجليل: ٧/ ١٦٧، ومسند أحمد: ٦/ ٥٥.","vol":"2","page":123},{"text":"وقرأت العامّة: بالنصب، ويصدّقها قراءة أبي: وليهلك.\nقال المفسّرون: الحرث ما تحرثون من النبات، والنسل نسل كل دابة والنّاس منهم.\nالنضر بن عدي عن مجاهد في قوله وَإِذا تَوَلَّى سَعى الآية قال: إذا ولى خاف فعمل بالعدوان والعالم فأمسك الله المطر وأهلك الحرث والنسل.\nوَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ.\nعن سعيد بن المسيب قال: قطع الدرهم من الفساد في الأرض.\nقتادة عن عطاء: إن رجلا يقال له العلاء بن منبه أحرم في جبّة فأمره النبيّ ﷺ أن ينزعها.\nقال قتادة: فقلت لعطاء: إنّا كنا نسمع أن شقّها فقال عطاء: إن الله لا يُحِبُّ الْفَسادَ.\nوَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ خف الله، تكبّر أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ أي حملته العزّة وحمية الجاهليّة على الفعل بالإثم والعزة والقوّة والمنعة، ويقال: معناه أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ الذي في قلبه كما قام الهاء مقام اللام كقول عنترة يشبهه بالرب:\nوكأن ربا أو كحيلا معقدا ... حش الوقود به جوانب قمقم\nأي خلق الإمالة خشية جهنم أي كفاه عذاب جهنم.\nوَلَبِئْسَ الْمِهادُ الفراش.\nقال عبد الله بن مسعود: إن من أكبر الذنب عند الله أن يقال للعبد: اتق الله فيقول: عليك بنفسك.\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي يبيع نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي يطلب رضا الله.\nوالكسائي: يميل مرضاة الله كل القرآن.\nوَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ.\nقال ابن عبّاس والضحاك: نزلت هذه الآية في الزبير والمقداد بن الأسود حين شريا أنفسهما لإنزال حبيب من خشبته التي صلب عليها، وقد مضت القصّة.\nوقال أكثر المفسرين: نزلت في صهيب بن سنان المخزومي مولى عبد الله [بن جدعان] التيمي أخذه المشركون في رهط من المؤمنين فضربوهم فقال لهم صهيب: إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت، أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني، ففعلوا ذلك، وكان قد شرط عليهم راحلة ونفقة فأقام بمكة ما شاء الله ثمّ خرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر ﵄ في رجال.\nقال له ابو بكر: ربح بيعك أبا يحيى فقال صهيب: وبيعك فلا تخسر بأذاك.","vol":"2","page":124},{"text":"فقال: أنزل الله تعالى فيك كذا، وقرأ عليه هذه الآية.\nقال سعيد بن المسيب وعطاء: أقبل صهيب مهاجرا نحو النبيّ ﷺ فأتبعه نفر من مشركي قريش فنزل عن راحلته وهو ما في كنانته ثمّ قال: يا معاشر قريش لقد علمتم إني من أرماكم رجلا، والله لا أصنع سهما مما في كنانتي إلّا في قلب رجل، وأيم الله لا يصلون إليّ حتّى أرمي كل سهم في كنانتي، ثمّ اضرب بسيفي ما بقي في يدي، ثمّ افعلوا ما شئتم، وإن شئتم دللتكم على مالي [وضيعتي] بمكة وخليتم سبيلي.\nقالوا: نعم. ففعل ذلك، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال قتادة: ما هم بأهل الحرور المراق من دين الله تعالى، ولكن هم المهاجرون والأنصار.\nوقال الحسن: أتدرون فيمن نزلت هذه الآية، في أن مسلما لقى كافرا فقال له: قل لا إله إلّا الله وإذا قلتها عصمت مالك ودمك إلا [بحقها] فأبى أن يقولها، قال المسلم: والله لأشرين نفسي لله فتقدم فقاتل حتّى قتل.\nوقال المغيرة: بعث عمر جيشا فحاصروا حصنا فتقدم رجل من بجيلة فقاتل وحده حتّى قتل، فقال النّاس ألقى بيده إلى التهلكة فبلغ ذلك عمر فقال: كذبوا أليس الله يقول وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ الآية.\nوقال بعضهم: نزلت هذه الآية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوقال ابن عبّاس: أرى هاهنا من إذا أمر بتقوى الله أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ. قال: [هذا] وأنا أشري نفسي وأرى مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ يقوم هذا فيأمر هذا بتقوى الله، فإذا لم يقبل أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ثمّ قال: هذا وأنا أشري نفسي لمقاتلته فأقتل الرجلان لذلك،\nوكان علي (﵁) إذا قرأ هذه الآية يقول: اقتتلا ورب الكعبة.\nوقال الخليل: سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ الآية.\nفقال عمر: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل.\nحماد بن سلمة عن أبي غالب عن أبي إمامة إن رسول الله ﷺ قال: «إن أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر» .\nعطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال النبيّ ﷺ: «سيد الشهداء يوم القيامة حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» [١٠٢] .\nوقال الثعلبي: ورأيت في الكتب إن رسول الله ﷺ لما أراد الهجرة خلف علي بن أبي","vol":"2","page":125},{"text":"طالب بمكة لقضاء ديونه ورد الودائع التي كانت عنده فأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه ﷺ وقال له: «اتشح ببردي الحضرمي الأخضر، ونم على فراشي، فإنّه لا يخلص إليك منهم مكروه إن شاء الله، ففعل ذلك علي، فأوحى الله تعالى إلى جبرئيل وميكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من عمر الأخر فأيكما يؤثر صاحبه بالبقاء والحياة؟ فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله تعالى إليهما: أفلا كنتما مثل علي بن أبي طالب ﵇ آخيت بينه وبين محمّد ﷺ فبات على فراشه [يفديه] نفسه ويؤثره بالحياة، اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأس علي وميكائيل عند رجليه، وجبرئيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا بن أبي طالب، فنادى الله ﷿ الملائكة وأنزل الله على رسوله ﷺ وهو متوجه إلى المدينة في شأن علي ﵇ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ» [١٠٣] «١» .\nقال ابن عبّاس: نزلت في علي بن أبي طالب حين هرب النبيّ ﷺ من المشركين إلى الغار مع أبي بكر الصديق ونام عليّ على فراش النبيّ ﷺ.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً نزلت في مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام النضري وأصحابه وذلك إنهم عظموا السبت وكرهوا لحم الإبل وألبانها بعد ما أسلموا وقالوا: يا رسول الله إن التوراة كتاب الله فدعنا فلنقم بها في صلاتنا بالليل فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً أي في الإسلام قاله قتادة والضحاك والسدي وابن زيد، يدلّ عليه قول الكندي: دعوت عشيرتي للسلم لما رأيتهم تولوا مدبرينا. أي دعوتهم إلى الإسلام لما ارتدوا، قال ذلك حين ارتدت كندة مع الأشعث بن قيس بعد وفاة رسول الله ﷺ. وقال طاوس: في الدين.\nمجاهد: في أحكام أهل الإسلام وأعمالهم كافة أي جميعها.\nربيع: في الطاعة.\nسفيان الثوري: في أنواع البر كلها، وكلها متقاربة في المعنى وأصله من الاستسلام والانقياد ولذلك قيل للصلح سلم وقال زهير:\nوقد ملتما إن ندرك السلم واسعا ... بمال ومعروف من الأمر نسلم «٢»\nقال حذيفة بن اليمان: في هذه الآية الإسلام ثمانية أسهم: الصلاة سهم، والزكاة سهم،\n_________\n(١) راجع أسد الغابة: ٤/ ٢٥، والمستدرك على الصحيحين: ٣/ ١٣٢، ومسند أحمد: ١/ ٣٣١، وتفسير الطبري: ٩/ ١٤٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٤٤٠.","vol":"2","page":126},{"text":"والصوم سهم، والحج سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له.\nواختلف القراء في السلم.\nفقرأ الأعمش وابن عبّاس: بكسر السين هاهنا وفي الأنفال وسورة محمّد ﷺ.\nوقرأها أهل الحجاز والكسائي: كلها بالفتح وهو اختيار أبي عبيد. لما روى عبد الرحمن ابن [ابزي] أن النبيّ ﷺ كان يقرأها كلها بالفتح.\nوقرأ حمزة وخلف في الأنفال بالفتح وسائرها بالكسر.\nوقرأ الباقون: هاهنا بالكسر والباقي بالفتح وهو اختيار أبي حاتم، وهما لغتان.\nعاصم الأحول عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الإسلام كمثل الشجرة الثابتة الإيمان بالله، أصلها الصلوات الخمس جذوعها، وصيام شهر رمضان لحاءها، والحج والعمرة جناها، والوضوء وغسل الجنابة شربها، وبر الوالدين وصلة الرحم غصونها، والكف عمّا حرم الله ورقها، والأعمال الصالحة ثمرها، وذكر الله تعالى عروقها» .\nقال رسول الله ﷺ: «كما لا تحسن الشجرة ولا تصلح إلّا بالورق الأخضر، كذلك الإسلام لا يصلح إلّا بالكف عن محارم الله تعالى والأعمال الصالحة» [١٠٤] .\nكَافَّةً جميعا وهي مأخوذة من كففت الشيء إذا منعته وضممت بعضه إلى بعض، ومنه قيل لحاشية القميص كفة، لأنها تمنعه من أن ينتشر وكل مستطيل فحرفه كفة بالضم وكل مستدير فحرفه كفة بالكسر، نحو كفة الميزان، ومنه قيل للراحة مع الأصابع كفة لأنه يكفّ بها عن سائر البدن، ورجل مكفوف أي كفّ بصره من النظر فمعنى الكافة هو ان ينتهي إليه ويكفه من أن يجاوزه.\nوَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ أي أثاره ونزعاته فيما بيّن لكم من تحريم السبت ولحم الجمل وغيره إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.\nالشعبي عن جابر بن عبد الله: إن عمر أتى رسول الله ﷺ فقال: إنّا نسمع أحاديث من يهود [قد أخذت بقلوبنا] «١» أن نكتب بعضها؟ فقال: «أمتهوكون أنتم كما تهوّكت اليهود والنصارى لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو كان موسى حيا ما وسعه إلّا اتباعي» [١٠٥] «٢» .\nفَإِنْ زَلَلْتُمْ. قال ابن حيان: أخطأتم. السدي: ضللتم. يمان: ملتم.\n_________\n(١) عبارة المخطوط لا تقرأ والزيادة من تفسير الدر المنثور: ٥/ ١٤٨.\n(٢) راجع تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٨٤.","vol":"2","page":127},{"text":"قال ابن عبّاس: يعني الشرك.\nقتادة: أنزل الله هذه الآية وقد علم إنه سيزل زالون عن النّاس، فتقدّم في ذلك وأوعد فيه فيكون لله حجة على خلقه.\nوقرأ أبو السماك [العذري] «١»: زَلِلْتُمْ بكسر اللام وهما لغتان وأصل الحرف من الزلق.\nمِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ يعني الإيمان والقرآن والأمر والنهي فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ في نعمته حَكِيمٌ في أمره هَلْ يَنْظُرُونَ أي هل ينظر التاركون الدخول في السلم كافة والمتبعون خطوات الشيطان؟ يقال نظرته وانتظرته بمعنى واحد.\nقال الشاعر:\nفبينا نحن ننظره أتانا ... معلّق شكوة وزناد راع «٢»\nأي ننتظره ونتوقعه فإذا كان النظر مقرونا بذكر الوجه فلا يكون إلّا بمعنى الرؤية.\nإِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ جمع ظلة وقرأ قتادة: في ظلال ولها وجهان أحدهما: جمع ظلة فقال: ظلة وظلال مثل جلة وجلال، وظل ظلال كثر حلة وحلل، والثاني:\nجمع ظل من الغمام وهو السحاب الأبيض الرقيق سمي بذلك لأنه نعم أي يستتر.\nعكرمة عن ابن عبّاس في قوله يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ قال: يأتي الله في ظلله من الغمام قد قطعت طاقات، ورفعه بعضهم «٣»\nسلمة بن وهرام أن عكرمة أخبره أن ابن عبّاس أخبره عن النبيّ ﷺ قال: «إن من الغمام طاقات يأتي الله ﷿ فيها محفوفة بالملائكة»\n[١٠٦] «٤» وذلك قوله إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ.\nقال الحسن: في سترة من الغمام، فلا ينظر إليهم أهل الأرض، الضحاك: في [ضلع] «٥» من السحاب.\nمجاهد: هو غير من السحاب ولم يكن إلّا لبني إسرائيل في تيههم «٦» .\nمقاتل: كهيئة الظبابة أبيض، وذلك قوله وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ «٧» .\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٠.\n(٣) راجع تفسير الطبري: ٢/ ٤٤٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٤٦، وتهذيب الكمال: ٢/ ١٩٦.\n(٥) هكذا في الأصل.\n(٦) المصدر السابق: ٢/ ٤٤٧.\n(٧) سورة الفرقان: ٢٥.","vol":"2","page":128},{"text":"وَالْمَلائِكَةُ.\nقرأ ابن جعفر بالخفض: عطفا على الْغَمامِ وتقديره مع الملائكة، تقول العرب: أقبل الأمير في العسكر أي مع العسكر «١» .\nوقرأها الباقون: بالرفع على معنى إلّا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام، يدلّ عليه قراءة أبي حاتم وعبد الله هل ينظرون إلّا أن يأتيهم الله والملائكة.\nفِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ.\nأبو العالية والربيع: تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ويأتي الله تعالى فيما يشاء.\nقرأ معاذ: في ظلل مع الغمام وقضاء الأمر [بالمد] أراد المصدر ذكر البيان عن مغني الإتيان.\nواختلف الناس في ذلك، فقال بعضهم: (في) بمعنى الباء، وتعاقب حروف الصفات شائع مشهور في كلام العرب، تقدير الآية: إلّا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام وبالملائكة أو مع الملائكة، وبهذا التأويل زال الإشكال وسهل الأمر [وأجرى] الباقون للآية فهي ظاهرة.\nثم اختلفوا في تأويلها ففسّره قوم على الإتيان الذي هو الانتقال من مكان إلى مكان وأدخلوا فيه بلا كيف [يدل عليه] ظواهر أخبار وردت لم يعرفوا تأويلها وهذا غير مرضيّ من القول لأنه إثبات المكان لله سبحانه، وإذا كان متمكنا وجب أن يكون محدودا متناهيا ومحتاجا وفقيرا، وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.\nوقال بعض المحقّقين الموفّقين أظنّه علي بن أبي طالب ﵇: «من زعم أن الله تعالى من شيء أو في شيء أو على شيء فقد ألحد، لأنه لو كان من شيء لكان محدثا، ولو كان في شيء لكان محصورا، ولو كان على شيء لكان محمولا» [١٠٧] «٢» .\nوسكت قوم عن الخوض في معنى الإتيان فقالوا: نؤمن بظاهره ونقف عن تفسيره لأنّا قد نهينا أن نقول في كتاب الله تعالى ما لا نعلم ولم ينبّهنا الله تعالى ولا رسوله على حقيقة معناه.\nقال يحيى: هذه من [المكتوم] الذي لا يفسّر، وكان مالك والأوزاعي ومحمد وإسحاق وجماعة من المشايخ يقولون فيه وفي أمثاله أمرّوها كما جاءت بلا كيف.\nوزعم قوم أن في الآية إضمارا أو اختصارا تقديرها: إلّا أن يأتيهم أمر الله وهو الحساب والعذاب، دلّ عليه قوله: وَقُضِيَ الْأَمْرُ الآية وجب العذاب وفرغ من الحساب، قالوا هذا\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥. [.....]\n(٢) بتفاوت في التوحيد للصدوق: ١٧٨ ح ٩.","vol":"2","page":129},{"text":"كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» ويقول العرب: قطع الوالي اللّص يعني يده وإنما فعل ذلك آخر أنه بأمره.\nويقال: خطبتان مأتينا بنو أمية أي حكمهم.\nوعلى هذا يحمل قوله: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «٢» لأن الله تعالى قال ذلك، وهذا معنى قول الحسن البصري.\nوقالت طائفة من أهل الحقائق: إن الله يحدث فعلا يسميه إتيانا كما سمعت فهلّا سمّاه نزولا وأفعاله بلا آلة ولا علّة.\nقال الثعلبي: قلت: ويحتمل أن يكون معنى الإتيان هاهنا راجعا إلى الجزاء فسمّى الجزاء إتيانا كما سمّى التخويف والتعذيب في قصّة نمرود إتيانا فقال عزّ من قائل: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ «٣» .\nوقال في قصّة بني النضير: فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا «٤» وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى «٥»: وإنّما احتمل الإتيان هذه المعاني لأنّ أصل الإتيان عند أهل اللسان هو القصد إلى المشي في للآية فهل ينظرون إلّا أن يظهر الله خلاف أفعاله مع خلق من خلقه فيقصد إلى مجازاتهم ويقضي في لعنهم ما هو قاض ومجازيهم على فعل ويمضي فيهم ما أراد، يدلّ عليه ما\nروى صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة فإنّ الله ﷿ في ظلال من الغمام والملائكة فيتكلم بكلام طلق ذلق فيقول: انصتوا فطالما أنصت لكم منذ خلقتكم أرى أعمالكم وأسمع أقوالكم وإنّما من عصابتكم بقي أهليكم، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك لا يلومنّ إلّا نفسه»\n[١٠٨] «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١١ الى ٢١٥]</span>\nسَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢) كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤) يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)\n_________\n(١) سورة يونس: ٨٢.\n(٢) سورة الأنفال: ١٧.\n(٣) سورة النحل: ٢٦.\n(٤) سورة الحشر: ٢.\n(٥) سورة الأنبياء: ٤٧.\n(٦) بتفاوت في الأحاديث الطوال: ٩٨ ح ٣٦ ورواه بسنده عن محمد بن كعب عن أبي هريرة.","vol":"2","page":130},{"text":"سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ أي سل يا محمد يهود أهل المدينة كَمْ آتَيْناهُمْ أعطيناهم، آباءهم وأسلافهم مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ علامة واضحة مثل العصا في اليد البيضاء وفلق البحر وغيرها.\nوَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ يغيّر كتاب الله مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا الآية، قال بعضهم: نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي جهل وأصحابه كانوا يتنعّمون بما ينقل لهم في الدنيا من المال ونسوا يوم المعاد وَيَسْخَرُونَ من المؤمنين الذين يعزفون عن الدنيا، ويقبلون على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيّا لاتبعه أشرافنا وإنما تبعه الفقراء مثل أبي عمارة وصهيب وعمار وجابر بن عبد الله وأبي عبيدة بن الجراح وبلال وخبّاب وأمثالهم، وهذا معنى رواية الكلبي عن ابن عباس.\nوقال مقاتل: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وكانوا يتنعمون في الدنيا ويسخرون من ضعفاء المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين يزعم محمد أنه يغلب بهم.\nوقال عطاء: نزلت في رؤساء اليهود ووفدهم من بني قريضة والنضير والقينقاع سخروا من فقراء المهاجرين فوعدهم الله أن يعطيهم أموال بني قريضة والنضير بغير قتال أسهل شيء وأيسره. فقال: أين الذين كفروا في الحياة الدنيا، في قول مجاهد، وحمل (زَيَّنَ) بفتح الزاي والياء على معنى زينها الله وإنّما ذكّر الفعل بمعنيين أحدهما أن تأنيث الحياة ليس بحقيقي لأنّ معنى الحياة والبقاء والعيش واحد، والآخر أنه فصل بين اسم المؤنث والفعل فأعمل المذكر، كقول الشاعر:\nإن امرأ غرّه منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور «١»\nوَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لفقرهم.\nعن علي بن الحسين عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «من استذلّ مؤمنا أو مؤمنة أو حقّره لفقره وقلة ذات يده شهّره الله يوم القيامة ثم فضحه، ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال فيه ما ليس فيه، أقامه الله على تل من نار حتّى يخرج مما قال فيه، وإن المؤمن أعظم عند\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٣٠٥، ولسان العرب: ٥/ ١١.","vol":"2","page":131},{"text":"الله وأكرم عليه من ملك مقرب، وليس شيء أحبّ إلى الله من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة، وإن [الرجل] المؤمن ليعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله وولده» [١٠٩] «١» .\nوعن إبراهيم بن أدهم قال: حدّثنا عباد بن كثير بن قيس، قال: جاء رجل عليه بزّة له فقعد الى رسول الله ﷺ فجاء رجل عليه [لممار] «٢» له فقعد إلى رسول الله ﷺ، قال: ألقى بثيابه فضمّها إليه، فقال رسول الله ﷺ: «أكلّ هذا تقززا من أخيك المسلم، أكنت تخشى أن يصيبه من غناك أو يصيبك من فقره شيء،» فقال للنبي: معذرة إلى الله وإلى رسوله، إن النفس لأمّارة وشيطان يكيدني، أشهد يا رسول الله أن نصف مالي له، فقال الرجل: ما أريد ذلك، فقال له النبي ﷺ: «ولم؟» قال: لا يفسد قلبي كما أفسد قلبه» [١١٠] .\nوقال أبو بكر الصديق (﵁): لا تحقرنّ أحدا من المسلمين فإنّ صغير المسلمين عند الله كبيرا. وقال يحيى بن معاذ: بئس القوم قوم إن استغنى بينهم المؤمن حسدوه، وإذا افتقر بينهم استذلّوه وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ\nعن أبي ذر قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر ارفع بصرك إلى أرفع رجل تراه في المسجد» . فنظرت فإذا رجل جالس وعليه حلّة فقلت:\nهذا. فقال: «يا أبا ذر ارفع بصرك إلى أوضع رجل تراه في المسجد» فنظرت فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق فقلت: هذا، فقال ﷺ: «والذي نفسي بيده لهذا عند الله يوم القيامة أفضل من قراب الأرض من هذا» [١١١] «٣» .\nوَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ قال ابن عباس: يعني كثيرا بغير فوت ولا [هنداز «٤»] لأن كل ما دخل عليه الحساب فهو قليل.\nوقال الضحاك: يعني من غير تبعة، يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه ولا يعاقبه في الآخرة.\nوقيل إنّ هذا راجع إلى الله ثم هو يحتمل على هذا القول معنيين: أحدهما أنه لا يفترض عليه، ولا يحاسب فيما يرزق، ولا يقال له: لما أعطيت هذا، وحرمت هذا؟ ولم أعطيت هذا أكثر مما أعطيت ذاك؟ لأنه لا شريك له بما عنده، ولا قسيم ينازعه.\nوالمعنى الآخر أنه لا يخاف نفاذ خزائنه فيحتاج إلى حساب ما يخرج منها إذا كان الحساب من المعطي، إنما يكون ليعمّ أقدر العطاء لئلا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به فهو لا يحتاج الى الحساب لأنه عالم غني لا يخاف نفاد خزائنه لأنها بين الكاف والنون كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً الآية، قال الحسن وعطاء: كانَ النَّاسُ من وقت وفاة آدم إلى\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٩.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ١٧٠.\n(٤) كذا في المخطوط.","vol":"2","page":132},{"text":"مبعث نوح ﵇ أُمَّةً واحِدَةً على ملّة واحدة وهي الكفر، كانوا كفارا كلّهم أمثال البهائم فَبَعَثَ اللَّهُ نوحا وإبراهيم وغيرهما من النبيين.\nقتادة وعكرمة: كانَ النَّاسُ من وقت آدم إلى مبعث نوح أُمَّةً واحِدَةً، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلّهم على شريعة واحدة من الحق والهدى، ثم اختلفوا في زمن نوح ﵇ فَبَعَثَ اللَّهُ إليهم نوحا وكان أول نبي بعث ثم بعث بعده النَّبِيِّينَ.\nوقال الكلبي والواقدي: أهل سفينة نوح كانوا مؤمنين كلّهم ثم اختلفوا بعد وفاة نوح.\nفَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ وروي عن ابن عباس قال: كانَ النَّاسُ على عهد إبراهيم أُمَّةً واحِدَةً، كفارا كلّهم، وولد إبراهيم في جاهلية فَبَعَثَ اللَّهُ إليهم إبراهيم وغيره من النبيين.\nروى الربيع عن أبي العالية عن أبي قال: كانَ النَّاسُ حين عرضوا على آدم وأخرجوا من ظهره وأقروا بالعبودية أُمَّةً واحِدَةً مسلمين كلّهم، ولم يكونوا أمة واحدة قط غير ذلك اليوم، ثم اختلفوا بعد آدم فبعث الله الرسل وأنزل الكتب، وكذلك في قراءة أبيّ وعبد الله بن إسحاق:\nفاختلفوا فبعث الله النبيين.\nوقال محمد بن يسار ومجاهد: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً يعني آدم وحده، سمّي الواحد بهذا لأنه يحمل النسل وأبو البشر، ثم خلق الله حوّاء ونشر منهما الناس فانتشروا وكثروا وكانوا مسلمين كلّهم إلى أن قتل قابيل هابيل فاختلفوا حينئذ فبعث الله حينئذ.\nقال الثعلبي: ورأيت في بعض التفاسير: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في [الجنة] لا أمر عليهم ولا نهي فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ وجملتهم مائة وأربعة وعشرون ألفا، والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن باسم العلم ثمانية وعشرون نبيا.\nمُبَشِّرِينَ بالثواب من آمن وأطاع وَمُنْذِرِينَ محذّرين بالعذاب من كفر وعصى.\nموسى بن عبيد عن محمد بن ثابت عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «صلّوا على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثني» [١١٢] «١» .\nوَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ أي الكتب فأنزل معهم الكتاب بِالْحَقِّ بالعدل والصدق لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ قراءة العامة بفتح الياء وضم الكاف وهو في القرآن في أربعة مواضع: هاهنا وفي آل عمران وفي النور موضعان.\nوقرأها كلّها أبو جعفر القارئ وعاصم الجحدري بضم الياء وفتح الكاف لأنّ الكتاب الحكم على الحقيقة إنّما يحكم به، ولقراءة العامة وجهان: أحدهما على سعة الكلام كقوله\n_________\n(١) فضل الصلاة على النبي للجهضمي: ٤٨، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٥٢٣.","vol":"2","page":133},{"text":"هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ، والآخر أن معناه: ليحكم كلّ نبيّ بكتابه، وإذا حكم بالكتاب فكأنما حكم الكتاب فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ أي في الكتاب إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ أعطوه وهم اليهود والنصارى مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ يعني أحكام التوراة والإنجيل.\nقال الفرّاء «١»: لاختلافهم معنيان: أحدهما كفر بعضهم بكتاب بعض كقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ «٢» الآية [...] «٣» وتكفير ببعض، والآخر تحريفهم وتبديلهم كتاب الله تعالى كقوله: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ «٤» .\nوقيل: هذه الآية راجعة الى محمد ﷺ وكتابه اختلف فيه أهل الكتاب من بعد ما جاءتهم البينات صفة محمّد ﷺ في كتبهم بَغْيًا ظلما وحسدا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كقوله: هَدانا لِهذا وقوله: يعودون لما قالوا من الحق بإذنه بعلمه وإرادته فيهم.\nوقال ابن زيد في هذه الآية: اختلفوا في الصلاة فمنهم من يصلّي الى المشرق، ومنهم من يصلّي الى المغرب، ومنهم من يصلّي إلى بيت المقدس فهدانا الله للكعبة، واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض يوم، ومنهم من يصوم بعض ليلة، فهدانا الله لشهر رمضان، واختلفوا في يوم الجمعة، أخذت اليهود السبت وأخذت النصارى الأحد، فهدانا الله له، واختلفوا في إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديا، وقالت النصارى: كان نصرانيا، فهدانا الله للحق من ذاك، واختلفوا في عيسى فجعلته اليهود ابنا، وجعلته النصارى ربّا، فهدانا الله منه للحق «٥» وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ الآية، قال قتادة والسّدي: نزلت هذه الآية في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والمشقّة [والحر والبرد] وضيق العيش، وأنواع الأذى كما قال: وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وقيل: أنها نزلت في حرب أحد ونظيرها في آل عمران «٦» .\nوقال: إنّ عبد الله بن أبي وأصحابه قالوا لأصحاب رسول الله ﷺ: إلى متى تقتلون أنفسكم ولا تملكون أموالكم، ولو كان محمد نبيّا لما سلّط عليه الأسر والقتل، فقالوا: لا جرم أنّ من قتل منّا دخل الجنّة، فقالوا: إلى متى تمنون أنفسكم الباطل [وقد استمعتم] إلى هذه الآية.\n_________\n(١) راجع زاد المسير: ١/ ٢٩. [.....]\n(٢) سورة النساء: ١٥٠.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) سورة النساء: ٤٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٢/ ٣٦١.\n(٦) قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ","vol":"2","page":134},{"text":"وقال عطاء: لما دخل رسول الله ﷺ المدينة اشتدّ الضرّ عليهم لأنّهم خرجوا بلا مال فتكون أرضهم وأموالهم في أيدي المشركين فآثروا رضا الله ﷿ ورضا رسوله ﷺ، وأظهر اليهود والعداوة لرسول الله ﷺ، وأسرّ قوم من الأغنياء النفاق فأنزل الله تطييبا لقلوبهم أَمْ حَسِبْتُمْ\nوهو ابتداء بأم من غير استفهام، فالألف والميم صلة معناه: أحسبتم، قاله الفرّاء.\nوقال الزّجاج: معناه: بل حسبتم، كقول الشاعر:\nبدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها أم أنت في العين أملح «١»\nأي بل وأنت، وكل شيء في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وتأويله، ومعنى الآية أظننتم والرسول أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ يعني ولم يأتكم وحاصله كقوله تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وقال النابغة:\nأزف الترحّل غير أنّ ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد «٢»\nأي لم تزل مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مضوا (من قبلكم) من النبيين والمؤمنين [وسنّتهم] «٣» .\nثم ذكر ما أصابهم فقال: مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ يعني الفقر والضرّ والشدّة والبلاء وَالضَّرَّاءُ المرض والزمانة وَزُلْزِلُوا حرّكوا بأنواع البلايا والرزايا وخوّفوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ما تلك البلايا حتّى استبطئوا الرزق، قال الله: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ واختلف القرّاء في قوله تعالى: يَقُولَ الرَّسُولُ فقرأ مجاهد بفتح وضمّة.\nالأعرج: يقول رفعا، وقرأها الآخرون نصبا، فمن نصب فعلى ظاهر الكلام لأن حتّى تنصب الفعل المستقبل، ومن رفع لأنّ معناه حتّى قال الرسول، وإذا كان الفعل الذي يلي حتّى في معنى الماضي ولفظه لفظ المستقبل، فلك فيه دون الرفع والنصب، فالرفع لأنّ حتّى لا بعمل الماضي، والنصب بإضمار أنّ الخفيفة عند البصريين، وبالصرف عند الكوفيين، [مثل قولك:] سرنا حتّى ندخل مكة بالرفع أي حتّى دخلناها، فإذا كان بمعنى المستقبل فالنصب لا غير.\nوقال وهب بن منبه: يوجد فيما بين مكة والطائف سبعون [نبيّا] ميتين كان سبب موتهم الجوع والعمل، وقال وهب أيضا: قرأت في كتاب رجل [من الحواريين] إذا سلك بك سبيل البلاء فقرّ عينا، فإنه سلك بك سبيل الأنبياء والصالحين. وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابك على\n_________\n(١) لسان العرب: ١٤/ ٥٤.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ٣٤٦، أفد، وكذا في المغني: ١/ ١٧١.\n(٣) كذا في المخطوط.","vol":"2","page":135},{"text":"نفسك [لأنّه حاد] بك عن سبيلهم.\n[شعبة عن عاصم بن بهدلة] عن مصعب بن سعد عن أبيه أنه سأل النبي ﷺ: أيّ الناس أشدّ بلاء فقال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل من الناس، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان صلب الدين اشتدّ بلاؤه، وإن كان في دينه رقّة فهي على حسب ذلك، ولا يبرح البلاء عن العبد حتى يدعه يمشي على الأرض وليس عليه خطيّة» [١١٣] «١» .\nوعن عبد الرحمن بن ذهل قال: كان وزير عيسى ﵊ ركب يوما فأخذه السبع فأكله فقال عيسى: يا ربّ! وزيري في دينك، وعوني على بني إسرائيل، وخليفتي من سلّطت عليه كلبك فأكله، قال: نعم كانت له عندي منزلة رفيعة، لم أجد عمله بلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة.\nيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ الآية،\nنزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا ذا مال، فقال: يا رسول الله بماذا أتصدق وعلى من أتصدق؟ فأنزل الله ﷺ: يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ\nوفي قوله (ذا) وجهان من الأعراب: أحدهما أن يكون ماذا بمعنى أيّ شيء وهو [متعلق] بقوله يُنْفِقُونَ وتقديره: يسألونك أي شيء ينفقون، والآخر أن يكون رفعا ب (ما) والمعنى: ويسألونك ما الذي ينفقون؟ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ أي مال فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ عالم به بتعاليم الدين، هذا قبل أن فرض الزكاة فنسخت الزكاة هذه الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٦ الى ٢١٨]</span>\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢١٦) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)\nكُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ فرض عليكم القتال، واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم: عنى بذلك أصحاب رسول الله ﷺ خاصة دون غيرهم، وقال ابن جريج قلت لعطاء: قوله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ أواجب الغزو على الناس من\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ١٧٤.","vol":"2","page":136},{"text":"أجلها أو كتب على أولئك حينئذ؟ وأجرى بعضهم الآية على ظاهرها فقال: الغزو فرض واجب على المسلمين كلّهم إلى قيام الساعة.\nروى ابن أبي أنيسة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من أصل الإيمان: الكفّ عمّن قال: لا إله إلّا الله ما لم يره بذنب، ولا يخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن يقاتل آخر أمتي الدّجال لا يبطنه ضنّ ولا شك، والإيمان بالأقدار» [١١٤] «١» .\nأبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات ولم يغز ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق»\n[١١٥] «٢» وقال بعضهم: هو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط من الباقين.\nعن أحمد بن أنمار: وردّ السلام وتسميت العاطس وهو القول الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور.\nوقال الزهري والأوزاعي: كتب الله الجهاد على الناس غزوا أو قعدوا، فمن غزا فبها ونعمت، ومن قعد فهو حرّ، إن استعين به أعان وإن استنفر نفر وإن استغني عنه قعد «٣»، فإنما يرجح عليه عطاء الواجب المال وإلّا فلا، من شاء غزا ومن شاء لم يغز، ويدلّ على صحة هذا القول قول الله تعالى فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ ... عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، ولو كان القاعدون مضيعين فرضا لكان لهم السوأى لا الحسنى والله أعلم. وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ شاقّ عليكم، واتفق القرّاء على ضم الكاف هاهنا إلّا أبا عبد الرحمن السلمي، فإنه قرأها وَهُوَ كَرْهٌ بفتح الكاف وهما لغتان بمعنى واحد، مثل الغسل والغسل، والضّعف والضّعف، والرّهب والرّهب، وقال أكثر أهل اللغة: الكره بالضم المشقة وبالفتح الإجهاد. بعضهم: الكره بالفتح المصدر، وبالضم الاسم.\nوقال أهل المعاني: هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما يدخل فيه على المال من المؤونة وعلى النفس من المشقّة وعلى الروح من الخطر لأنهم أظهروا الكراهة أو كرهوا أمر الله ﷿.\nقال عكرمة: نسختها هذه الآية وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا يعني أنهم كرهوه ثم أحبّوه وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا قال الله ﷿: وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأن في الغزو أحد الحسنيين إمّا الظفر والغنيمة، وإمّا الشهادة والجنة وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا يعني\n_________\n(١) سنن أبي داود: ١/ ٥٦٩ ح ٢٥٣، وبعد قوله الدجال، فيه: لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وكذا في السنن الكبرى للبيهقي: ٩/ ١٥٦.\n(٢) الدر المنثور: ١/ ٢٤٥، وصحيح مسلم: ٦/ ٩٤.\n(٣) راجع أحكام القرآن للجصّاص: ٣/ ١٤٧.","vol":"2","page":137},{"text":"القعود عن الغزو وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ لما فيه من الذل والصغر وحرمان الغنيمة والأجر وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.\nقال ابن عباس: كنت ردف النبي ﷺ فقال: «يا بن عباس ارض عن الله بما قدّر وإن كان خلاف هواك إنه مثبّت في كتاب الله» .\nقلت: يا رسول الله أين وقد قرأت القرآن، قال: «مكانين» وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ» [١١٦] «١» .\nعاصم بن علي المسعودي قال: قال الحسن: لا تكره الملمات الواقعة والبلايا الحادثة فلربّ أمر تكرهه فيه نجاتك، ولربّ أمر ترجوه فيه عطبك، وأنشد أبو سعيد الضرير:\nربّ أمر تتقيه جرّ أمرا ترتضيه ... خفي المحبوب منه وبدا المكروه فيه «٢»\nوأنشد محمد بن عرفة لعبد الله بن المعتز:\nلا تكره المكروه عند نزوله ... إن الحوادث لم تزل متباينه\nكم نعمة لا تستقل بشكرها ... لله في درج الحوادث كامنه\nعبد الرحمن بن أبي حاتم عن أبيه قال: بعث المتوكل إلى محمد بن الليث رسولا وقد كان بقي مدة في منزله فلمّا أتاه الرسول [امتثل] فركب بلا روح خوفا فمرّ به رجل وهو يقول:\nكم مرّة حفّت بك المكاره ... خار لك الله وأنت كاره\nفلمّا دخل على المتوكل ولّاه مصر وأمر له بمائة ألف وجميع ما يحتاج إليه من الآلات والدواب والغلمان.\nقال الثعلبي: أنشدني الحسن بن محمد قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال: أنشدني محمد بن الفرحان:\nكم فرحة مطوية لك بين أثناء النوائب ... ومضرّة قد أقبلت من حيث تنتظر المصائب «٣»\nقال: وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو عبد الله الوضاحي:\nربّما خيّر الفتى وهو للخير كاره ... ثم يأتي السرور من حيث تأتي المكاره\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ الآية،\nقال المفسّرون: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش وهو ابن عمّة النبي ﷺ في جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس ستة عشر شهرا من مقدمه المدينة، وبعث معه ثمانية رهط من\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٩. [.....]\n(٣) تاريخ مدينة دمشق: ٤٢/ وجاء فيه: وذكر أنه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇.","vol":"2","page":138},{"text":"المهاجرين: سعد بن أبي وقاص الزهري وعكاشة بن محصن الأسدي وعتبة بن غزوان السلمي وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكر وكتب بإمرة عبد الله بن جحش كتابا وقال: سر على اسم الله ولا تنظر في الكتاب حتّى تسير يومين، فإذا نزلت منزلين فافتح الكتاب واقرأه على أصحابك، ثم امض لما أمرتك، ولا تكرهنّ أحدا من أصحابك على السير معك، فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فإذا فيه:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، أما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من أصحابك حتّى تنزل بطن نخلة فترصّد بها عير قريش لعلّك أن تأتينا منه بخبر، فلمّا نظر عبد الله بن جحش قال:\nسمعا وطاعة ثم قال ذلك لأصحابه وقال: إنه قد نهاني أن استكره أحدا منكم، فمن كان يريد الشهادة فلينطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فإني ماض لأمر رسول الله ﷺ.\nثم مضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد حتّى إذا كان بمعدن فوق الفرع يقال له: نجوان أضلّ سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما كانا يتعقبانه فاستأذنا أن يتخلّفا في طلب بعيرهما، فأذن لهما فتخلفا في طلبه، ومضى عبد الله ببقيتهم حتّى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف، فبينا هم كذلك إذ مرّ بهم عير لقريش تحمل زبيبا وأديما وتجارة من تجار الطائف فيهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة ونوفل ابن عبد الله المخزوميان، فلمّا رأوا أصحاب رسول الله ﷺ خافوهم، فقال عبد الله بن جحش: إنّ القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فإذا رأوه محلوقا أمنوا، وقالوا: قوم عمّار، فحلقوا رأس عكاشة ثمّ أشرف عليهم وقالوا: قوم عمّار لا بأس عليكم فأمّنوهم.\nوكان ذلك في آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرون أنّه من جمادى وهو من رجب، فتشاور القوم بينهم وقالوا: لئن تركتموهم هذه الليلة لتدخلنّ الحرم فليمنعنّ منكم فأجمعوا أمركم في مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد الله «١» السهمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، فكان أول قتيل من المشركين واستأسرا الحكم وعثمان «٢» فكانا أول أسيرين في الإسلام وأفلت الآخران فأعجزاهم، واستاق المؤمنون العير والأسيرين حتّى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة، فقالت قريش: قد استحلّ محمد الشهر الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف وينذعر فيه الناس لمعايشهم، فسفك فيه الدماء، وأخذ فيه الحرائر، وعيّر بذلك أهل مكة من كان بها من المسلمين، وقالوا:\nيا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه، وتفاءلت اليهود بذلك وقالوا: واقد: وقدت الحرب وعمروا: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب.\n_________\n(١) في تاريخ المدينة: التميمي.\n(٢) الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله.","vol":"2","page":139},{"text":"وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال لابن جحش وأصحابه: ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام، ودفعت العير والأسيرين فأبى أن يأخذ من ذلك شيئا، فعظم ذلك على أصحاب السريّة وظنّوا أن قد هلكوا وسقطوا في أيديهم وقالوا: يا رسول الله إنّا قتلنا ابن الحضرمي ثم أمسينا فنظرنا إلى هلال رجب فلا ندري أفي رجب أمسينا أم في جمادى، وأكثر الناس في ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس، فكان أول خمس في الإسلام، وقسّم الباقي بين أصحاب السريّة، فكان أول غنيمة في الإسلام، وبعث أهل مكة في فداء أسيرهم فقال: بل نوقفهم حتّى يقدم سعد وعتبة وإن لم يقدما قتلناهما، فلمّا قدما فداهم.\nوأما الحكم بن كيسان فأسلم وأقام مع رسول الله ﷺ بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا، وأمّا عثمان بن عبد الله فرجع إلى مكة ومات فيها كافرا، وأمّا نوفل فضرب بطن فرسه يوم الأحزاب ليدخل الخندق على المسلمين، فوقع في الخندق مع فرسه فتحطّما جميعا، وقتله الله وحجب المشركون جيفته بالثمن فقال رسول الله ﷺ: «خذوه فإنّه خبيث الجيفة خبيث الدية»\n[١١٧] «١» فهذا سبب نزول قوله: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ يعني توخيا، سمّي بذلك لتحريم القتال فيه لعظم حرمته، وكذلك كان يسمّى في الجاهلية، تنزع الأسنّة وتفصل الالّ، لأنهم كانوا ينزعون الأسنّة والنصال عند دخول رجب انطواء على ترك القتال فيه، وكان يدعى الأصمّ لأنه لا تسمع فيه قعقعة السلاح فنسب الصمم إليه، كما قيل: ليل نائم، وسرّ كاتم.\nيدلّ عليه ما\nروى عطاء عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن رجب شهر الله ويدعى الأصمّ، وكان أهل الجاهلية إذا دخل رجب يعطلون أسلحتهم ويضعونها، وكان الناس يأمنون ويأمن السبيل فلا يخاف بعضهم بعضا حتّى ينقضي» [١١٨] «٢» .\nقِتالٍ فِيهِ خفضه على تكرير (عن)، تقديره: وهل قتال فيه وكذلك هي في قراءة عبد الله ابن مسعود والربيع بن أنس قُلْ يا محمد قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ عظيم ثم [كلام] ثم قتال وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ منع عن سبيل الله على الابتداء وخبره أَكْبَرُ، وذلك حين منعوا رسول الله ﷺ عن البيت وَكُفْرٌ بِهِ أي بالله وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي وبالمسجد وَإِخْراجُ أَهْلِهِ أي أهل المسجد مِنْهُ أَكْبَرُ وأعظم وزرا وعقوبة عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أي الشرك أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ، يعني قتل ابن الحضرمي فلمّا نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن جحش الى مؤمني مكّة: إذا عيّركم المشركون بالقتال في الشهر الحرام فعيّروهم أنتم بالكفر وإخراج رسول الله ﷺ من مكّة ومنعهم عن البيت.\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ٤٤.\n(٢) كنز العمال: ١٢/ ٣١١ ح ٣٥١٦٧.","vol":"2","page":140},{"text":"ثم قال: وَلا يَزالُونَ يعني مشركي قريش وهو فعل لا مفعول له مثل عسى يُقاتِلُونَكُمْ يا معشر المؤمنين حَتَّى يَرُدُّوكُمْ يصدّوكم ويصرفوكم عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ جزم بالنسق ولو كان جوابا لكان [...] وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ بطلت أَعْمالُهُمْ حسناتهم فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وأصل الحبط من الحباط [وهو من الحبط وهو فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الحباط «١»] «٢» وهو أن تنتفخ بطنه فيموت، ثم سمّي الهلال حبطا، وقرأ الحسن حَبَطَتْ بفتح الباء في جميع القرآن يحبط بكسر الباء أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ فقال أصحاب السريّة: يا رسول الله هل [نؤثم] «٣» على رجبنا وهل نطمع أن يكون سفرنا هذا غزوا؟ فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هاجَرُوا فارقوا عشائرهم ومنازلهم وأموالهم وَجاهَدُوا المشركين في نصرة الدين فِي سَبِيلِ اللَّهِ في طاعة الله، فجعلها جهادا أُولئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢١٩ الى ٢٢١]</span>\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ\nنزلت في عمر بن الخطاب (﵁) ومعاذ بن جبل ونفر من الأنصار أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله أفتنا في الخمر والميسر فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل الله تعالى هذه الآية وجملة القول أن تحريم الخمر على أقوال المفسرون والحفّاظ مختلفة وبعضها متفقة. هي أن الله أنزل في الخمر أربع آيات نزلت بمكة وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وهو المسكر، وكان المسلمون يشربونها وهي لهم يومئذ حلال، ونزلت في مسألة عمر ومعاذ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما فلمّا نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: «إنّ ربكم تقدم في تحريم الخمر» «٤»\n_________\n(١) وهو ضرب من الكلأ.\n(٢) زيادة عن تفسير القرطبي: ٣/ ٥٣.\n(٣) كنز العمال: ١٢/ ٣١١ ح ٣٥١٦٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٥.","vol":"2","page":141},{"text":"فتركها قوم لقوله فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وقالوا: لا حاجة لنا في شيء فيه إثم كبير [١١٩] لقوله:\nوَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وكانوا يتمتعون بمنافعها ويجتنبون آثامها إلى أن صنع عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعا ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ وأمامهم الخمر فشربوا وسكروا، وحضرت صلاة المغرب فقدّموا بعضهم ليصلّي بهم فقرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ أعبد ما تعبدون إلى آخر السورة فحذف لا فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ\nفحرّم المسكر في أوقات الصلاة فقال عمر: إنّ الله يقارب في النهي عن شرب الخمرة، فلا أراه إلّا وسيحرّمها فلمّا نزلت [حرّم الله] تركها قوم وقالوا: لا خير في شيء يحول بيننا وبين الصلاة.\nوكان قوم يشربونها ويجلسون في بيوتهم، وكانوا يتركونها أوقات الصلاة، ويشربونها في غير حين الصلاة إلى أن شربها رجل «١» من المسلمين فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول:\nتحيّي بالسلامة أم بكر ... وهل لك بعد رهطك من سلام\nذريني اصطبخ بكرا فإني ... ليت الموت يبعد عن خيام\nوودّ بنو المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام\nكأنّي بالطويّ طويّ بدر ... من الشيزي يكلل بالسنام\nكأني بالطويّ طويّ بدر ... من الفتيان والحلل الكرام\nفبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فخرج مسرعا يجرّ رداءه حتّى انتهى إليه ورفع شيئا كان بيده ليضربه، فلمّا عاينه الرجل قال: أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسول الله، والله لا أطعمها أبدا «٢» .\nوكان من حمزة بن عبد المطلب ما\nروى الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده (﵈) قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم ودفع إليّ رسول الله ﷺ نثاره من الخمس، [واعدت رجلا صواغا أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه] «٣» من الصواغين وأستعين بثمنه على الدخول بفاطمة وعرسها.\nقال: فحملت شارفي عند حائط رجل من الأنصار ومضيت لأجمع الحبال والغرائر والأقتاب وجئت وقد بقر بطن شارفي واجتبّ «٤» أسنمتهما قال: فلم أملك عيني أن بكيت ثم\n_________\n(١) ذكر ابن حجر أنه أبو بكر راجع فتح الباري: ١٠/ ٣١ ط. المعرفة بيروت، وكذلك في الإصابة: ٤/ ٢٢، وراجع مجمع الزوائد: ٥/ ٥١.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٣.\n(٣) زيادة عن أسباب النزول.\n(٤) اجتبّ: من الجبّ: قطع.","vol":"2","page":142},{"text":"قلت: من فعل هذا بشارفي؟ قالوا: عمّك حمزة فعله وهذا هو في البيت معه شرب، عندهم قينة وحلفوا فقالت:\nألا يا حمز المشرف النواء ... [وهنّ معقّلات بالفناء]\nزج السكين في اللبات منها ... فضرجهن حمزة بالدماء\nوأطعم من شرائحها كبابا ... مهلوجة على رهج الصلاء\nفأصلح من أطايبها طبيخا ... لشربك من قدير أو سواء\nفأنت أبا عمارة المرجيّ ... لكشف الضرّ عنّا والبلاء\nفقام الى شارفيك فقتلهما، [قال علي:] فجئت رسول الله ﷺ وهو في بيت أم سلمة معه مولاه زيد قال: [ما جاء بك] فداك أبي وأمي يا عليّ، قلت [ما فعل عمّك] بشارفيّ وخبّرته الخبر، فقام رسول الله ﷺ فلبس نعليه ورداءه ثم انطلق يمشي واتبعته أنا وزيد فسلّم وأستأذن ودخل البيت وقال: يا حمزة ما حملك على ما فعلت بشارفيّ ابن أخيك؟ فرفع رأسه وجعل ينظر إلى يديّ رسول الله ﷺ وإلى ساقيه، فصوّب النظر إليه، ثم قال: ألستم وآباؤكم عبيد لأبي، فرجع رسول الله ﷺ القهقرى وقال: إن غنمك وجمالك عليّ [فغرمهما] لي رسول الله ﷺ «١» .\nفلما أصبح غدا حمزة على رسول الله يعتذر فقال: مه يا عمّ فقد سألت الله فعفا عنك.\nقالوا: واتخذ عتبان بن مالك طعاما فدعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقاص وكان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا وشربوا الخمر حتّى أخذت منهم، ثم إنهم افتخروا عند عتبان وانتسبوا وتناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجو الأنصار وفخر لقومه، فقام رجل من الأنصار وأخذ لحيي البعير فضرب به رأس سعد [فشجّه شجّة]، فانطلق سعد إلى رسول الله ﷺ وشكا إليه الأنصاري فقال عمر (﵁): اللهم بيّن لنا رأيك في الخمر بيانا وافيا، فأنزل الله تحريم الخمر في سورة المائدة إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى يَنْتَهُونَ وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام فقال عمر: انتهينا يا ربّ «٢» .\nقال أنس: حرّمت ولم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها إليهم يوم حرّمت عليهم، ولم يكن شيء أثقل عليهم من تحريمها قال: فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيه، فمنّا من كسر حبّه، ومنّا من غسله بالماء والطين، ولقد [غدت] أزقة المدينة بعد ذاك الحين كلّما مطرت استبان بها لون الخمر وفاحت ريحها.\nفأمّا ماهية الخمر فاختلف الفقهاء فيها فقال بعضهم: هو خاص فيما اعتصر من العنبة\n_________\n(١) أسباب النزول بتفاوت: ١٣٩- ١٤٠. [.....]\n(٢) إعانة الطالبين: ٤/ ١٧٤.","vol":"2","page":143},{"text":"والنخلة فغلي بطبعه دون عمل النار فيه فإن ما سوى ذلك ليس بخمر، وهذا مذهب سفيان الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وأكثر أهل الرأي، ثم اختلفوا في المطبوخ فقالوا: كل عصير طبخ حتّى يذهب ثلثاه فهو حلال إلّا أنه يكره، فإن طبخ حتّى يذهب ثلثاه وبقي ثلثه فهو حلال مباح شربه وبيعه إلّا أن المسكر منه حرام، واحتجوا في ذلك بما\nروى أبو كثير عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعنبة» «١» [١٢٠] .\nواختلفوا في المطبوخ بالمشمش [......] «٢» روى نباتة عن سويد بن غفلة قال: كتب عمر بن الخطاب إلى بعض عماله أن رزق المسلمين من الطلاء ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه «٣» .\nوعن ابن سيرين أن عبد الله بن سويد الخطمي قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب: أما بعد فاطبخوا شرابكم حتّى يذهب منه نصيب الشيطان فإن له اثنين ولكم واحد «٤» .\nوعن أنس بن سيرين قال: سمعت أنس بن مالك يقول إن نوحا ﵇ نازعه الشيطان في عود الكرم فقال هذا: هذا لي، وقال: هذا لي فاصطلحا على أن لنوح ثلثها وللشيطان ثلثاها «٥» .\nابن أبيّ وأبيّ عن داود قال: سألت سعيد بن المسيّب ما الرّب الذي أحلّه عمر (﵁)، قال: الذي يطبخ حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.\nوعن قيس بن أبيّ حدّث عن موسى الأموي أنه كان يشرب من الطلاء «٦» ما ذهب ثلثاه وبقي ثلثه.\nوعن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: إذا طبخ الطلاء على الثلث فلا بأس، وبه قال المسوّر.\nوقال الثعلبي: والذي عندي أن هذه الأخبار وردت في ثلث غير مسكر. يدلّ عليه ما روى سويد بن نصير عن عبد الله بن عبد الملك بن الطفيل الجزري قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: لا تشربوا من الطلاء حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، كل مسكر حرام، وقال قوم: إذا طبخ العصير أدنى طبخ فصار طلاء وهو قول إسماعيل بن علية وجماعة من أهل العراق.\nوروي عن عيسى بن إبراهيم أنه لا يحرّم شيئا من الأنبذة لا النيّ منها ولا المطبوخ إلّا شراب واحد وهو عصير العنب النيّ الشديد الذي لم يدخله [ماء وتغيّرات من] الخمر فقط.\nواستدلّ بما\nروى ابن الأحوص عن سماك عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي\n_________\n(١) المصنف لعبد الرزاق: ٩/ ٢٣٤ ح ٧٠٥٣.\n(٢) كلمات غير مقروءة.\n(٣) سنن النسائي: ٨/ ٣٢٨. ٣٢٩.\n(٤) السنن الكبرى للنسائي: ٣/ ٢٤١.\n(٥) تاريخ دمشق: ٦٢/ ٢٥٩.\n(٦) الطلاء: هو ما طبخ من العصير حتّى يغلظ، وشبّه بطلاء الإبل وهو القطران الذي يطلى به الجرب.","vol":"2","page":144},{"text":"بردة بن سهل قال: قال رسول الله ﷺ: «اشربوا في الظروف ولا تسكروا»\n[١٢١] قال أبو عبد الرحمن السّدي الحديث منكر، غلط فيه أبو الأحوص سلام بن سليم، لا نعلم أحدا كان يعوّل عليه من أصحاب سماك، وسماك أيضا ليس بقوي، وكان يقبل التلقين «١» .\nقال أحمد: قيل: كان أبو الأحوص غلى في هذا الحديث. خالفه شريك في إسناده ولفظه،\nرواه شريك عن سماك بن حرب عن أبي بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ نهى عن الدّيّا والحنتم والنقير والمزفت، وأجمعوا أيضا بما أسندوا إلى سماك عن قرصافة امرأة منهم عن عائشة قال: اشربوا ولا تسكروا.\nقال الإمام أبو عبد الرحمن هذا غير ثابت، وقرصافة لا ندري من هي «٢»، والمشهور عن عائشة ما روى سويد بن نصر عن عبد الله عن قدامة العامري أن جسرة بنت دجاجة العامرية حدّثتنا قالت: سمعت عائشة سألها أياس عن النبيذ قالوا: ننبذ الخمر غدوة ونشربه عشيّا، وننبذه عشيّا ونشربه غدوة، قالت: لا أحلّ مسكرا وإن كان خبزا، قالوا: قالته ثلاث مرات «٣» .\nواعتلّوا بما روى هشيم عن ابن شبرمة قال: حدّثني الثقة عن عبد الله بن شدّاد عن ابن عباس قال: حرّمت الخمر منها، قليلها وكثيرها، والمسكر من كل شراب.\nوهذا أولى بالصواب لما روى سفيان عن أبي الجويرية الجرمي قال: سألت ابن عباس عن الباذق قال: ما أسكر فهو حرام، وعن شعبة عن سلمة بن كميل قال: سمعت أبا الحكم يحدّث قال: قال ابن عباس: من سرّه أن يحرّم ما حرّم الله ورسوله فليحرّم النبيذ.\nواعتلّوا أيضا بما\nأسندوه إلى عبد الملك بن نافع قال: رأيت ابن عمر رأيت رجلا جاء الى رسول الله ﷺ بقدح فيها نبيذ وهو عند الركن، فدفع إليه القدح فرفعه إلى فيه فوجده شديدا فردّه الى صاحبه، فقال له رجل من القوم: يا رسول الله أحرام هو؟ قال، عليّ بالرجل فأتي به فأخذ منه القدح، ثم دعاهما فصبّه فيه ثم رفعه إلى فيه فصبّه، ثم دعاهما أيضا فصبّه فيه ثم قال: أما إذا عملت فيكم هذه الأوعية فاكسروا متونها بالماء.\nقال أبو عبد الرحمن: عبد الملك بن رافع هو مشهور ولكن حدّثنيه\nوأخبرنا عن الزبير خلاف حكاية ما روى وهب بن هارون عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر» [١٢٢] «٤» .\n_________\n(١) انظر: سنن النسائي: ٣/ ٢٣٢.\n(٢) راجع المحلّى لابن حزم: ٧/ ٤٨٦.\n(٣) سنن النسائي: ٨/ ٣٢٠. ٣٢١.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٢٩.","vol":"2","page":145},{"text":"وروى ابن سيرين عن ابن عمر قال: المسكر قليله وكثيره حرام\n، وروى أبو عوانة عن زيد ابن عمر قال: سألت ابن عمر عن الأشربة فقال: اجتنب كلّ شيء فيه شيء مسكر، واحتجوا أيضا بما\nأسندوه إلى يحيى بن يمان عن سفيان عن منصور عن مخلد بن سعيد عن ابن مسعود قال: عطش النبي ﷺ حول الكعبة فاستسقى فأتي بنبيذ من السقاية فشمّه وقطب وقال: «عليّ بذنوب من زمزم» فصبّه عليه ثم شرب فقال رجل: أحرام هو يا رسول الله قال:\nلا «١» .\nقال أبو عبد الرحمن: هذا خبر ضعيف لأن يحيى بن يمان انفرد به دون أصحاب سفيان، ويحيى بن يمان لا يحتج بحديثه، لكثرة خطئه وسوء حفظه،\nوعن زيد بن واقد عن خالد بن الحسين قال: سمعت أبا هريرة يقول: علمت أن رسول الله ﷺ كان يصوم في بعض الأيام التي كان يصومها، فتحيّنت فطره بنبيذ صنعته في دباء، فلمّا كان المساء جئته أحملها إليه فقلت: يا رسول الله إني علمت أنك تصوم في هذا اليوم فتحيّنت فطرك بهذا النبيذ فقال:\nادن مني يا أبا هريرة فرفعته إليه فإذا هو [ينش] فقال: «خذ هذه واضرب بها الحائط، فإنّ هذا شراب من لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» «٢» .\nواحتجّوا أيضا بما أسندوه إلى سفيان عن يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: تلقّت ثقيف عمر بشراب فدعا به، فلمّا قرّبه إلى فيه كرهه فخلطه بالماء فقال: هكذا فافعلوا. واحتجّوا بما أسندوه إلى أبي رافع أن عمر بن الخطاب قال: إذا خشيتم من نبيذ لشدّته فأكسره «٣» .\nواحتجوا بما قاله بعض أصحابنا وهو عبد الله بن المبارك معنى أكسره بالماء من قبل أن يشتدّ، ودليل هذا التأويل ما روى ابن شهاب هو سفيان بن يزيد أن عمر خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح الشراب فزعم أنه شرب الطلا فإني سائل عما يشرب فإن كان مسكرا جلدته فجلد عمر الحدّ تامّا.\nوروى إبراهيم عن ابن سيرين قال: يعد عصيرا ممن متّخذه طلا ولا يتخذه خمرا قال أبو سعيد الطلا الذي قد طبخ حتّى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، سمّي بذلك لأنه شبيه بطلاء الإبل في ثخنه وسواده «٤» .\nقال عبيد بن الأبرص:\n_________\n(١) سنن النسائي: ٨/ ٣٢٥.\n(٢) سنن أبي داود: ٢/ ١٩٢، والسنن الكبرى: ٣/ ٢٣٧.\n(٣) المصدر السابق. [.....]\n(٤) السنن الكبرى للبيهقي: ٨/ ٢٩٥.","vol":"2","page":146},{"text":"هي الخمر تكنى الطلاء ... كما الذئب يكنى أبا جعدة «١»\nقال الثعلبي: الطلاء الذي ورد فيه الرخصة إنما هو الرّبّ فإنه إذا طبخ حتّى يرجع إلى الثلث فقد ذهب سكره وشرّه وخلا شيطانه.\nواحتجوا أيضا بما روى هشيم عن المغيرة عن إبراهيم أنه أهدي له بطيخ خاثر فكان تبيّنه ويلغي فيه المسكر.\nوعن مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: لا بأس بنبيذ البطيخ.\nعن أبي أسامة قال: سمعت ابن المبارك يقول: ما وجدت الرخصة في المسكر عن أحد صحيح إلّا عن إبراهيم.\nحماد بن سلمة عن عمر عن أنس قال: كان لأم سلمة قدح فقالت: سقيت رسول الله ﷺ كل الشراب: الماء والعسل واللبن والنبيذ.\nوعن ابن شبرمة قال: قال طلحة بن مصرف لأهل الكوفة في النبيذ فقال: يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير، قال: وكان المقداد والزبير يسقيان اللبن في العسل فقيل لطلحة: ألا نسقيهم النبيذ؟ قال: إني أكره أن يسكر مسلم في سنتي.\nوعن سفيان قال: ذكر قول طلحة عند أبي إسحاق في النبيذ فقال ابن إسحاق: قد سقيته أصحاب عليّ وأصحاب عبد الله في الخوافي قبل أن يولد طلحة، وعن ابن شبرمة قال: رحم الله إبراهيم شدّد الناس في النبيذ ورخّص فيه.\nواحتجّوا أيضا بما\nأسندوه إلى عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ بينما هو يسير إذ حلّ بقوم فسمع لهم لغطا فقال: ما هذا الصوت؟ قالوا: يا نبيّ الله لهم شراب يشربونه، فبعث النبي إليهم فدعاهم فقال: في أي شيء تنبذون؟ قالوا: ننبذ في النقير وفي الدباء وليس لنا ظروف، فقال: لا تشربوا إلّا ما أوكيتم عليه، قال: فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث، فرجع إليهم فإذا هم قد أصابهم وباء وصفروا فقال: ما لي أراكم قد هلكتم؟ قالوا: يا نبيّ الله أرضنا وبيئة وحرّمت علينا إلّا ما أوكينا عليه قال: اشربوا، وكل مسكر حرام «٢» .\nقالوا: أراد بهذا الخمر الذي يحصل منه السكر، لأن التنبّذ ذلك الطرب والنشاط ولا يحصلان إلّا عن شراب مسكر.\nأبو الزبير عن جابر أن النبي ﷺ كان ينبذ له في [قدر من عفاره] «٣» .\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٢٢٦ ح ٥١٦٥.\n(٣) كذا في المخطوط.","vol":"2","page":147},{"text":"قال الثعلبي: ويحتمل أنّ لهذه الأخبار وأمثالها معنيين: أحدهما أنها كانت قبل تحريم الخمر، والمعنى الآخر وهو أقربهما إلى الصواب أنهم أرادوا بالنبيذ الماء الذي ألقي فيه التمر أو الزبيب حتّى أخذ من قوته وحلاوته قبل أن يشتدّ ويسكر، يدلّ عليه ما\nروي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يصنع له النبيذ فيشربه يومه والغد وبعد الغد.\nوروى الأعمش عن يحيى بن أبي عمرو عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ ينبذ له نبيذ الزبيب من الليل ويجعل في سقاء فيشربه يومه ذلك والغد وبعد الغد، فإذا كان من آخر الآنية سقاه أو شربه فإن أصبح منه شيء أراقه.\nوعن عبد الله بن الديلمي عن أبيه فيروز قال: قدمت على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنّا أصحاب كرم وقد أنزل الله تحريم الخمر، فماذا نصنع؟ قال: تتخذونه زبيبا، قلت: فنصنع بالزبيب ماذا؟ قال: تنقعونه على غدائكم، وتشربونه على عشائكم، وتنقعونه على عشائكم، وتشربونه على غدائكم، قلت: أفلا نؤخّره حتّى يشتدّ؟ قال: فلا تجعلوه في السلال واجعلوه في الشنان، فإنه إن تأخّر صار خمرا.\nوعن نافع عن ابن عمر أنه كان ينبذ له في سقاء للزبيب غدوة فيشربه من الليل، وينبذ له عشوة فيشربه غدوة، وكان يغسل الأسقية ولا يجعل فيها نرديّا ولا شيئا، قال نافع: وكنّا نشربه مثل العسل.\nوعن بسام قال: سألت أبا جعفر عن النبيذ قال: كان عليّ بن الحسين ينبذ له من الليل فيشربه غدوة، وينبذ له غدوة فيشربه من الليل.\nوعن عبد الله قال: سمعت سفيان- وسئل عن النبيذ- قال: أنبذ عشاء وأشربه غدوة.\nفهذه الأخبار تدلّ على أنه نقيع الزبيب والتمر قبل أن يشتد، وبالله التوفيق.\nوقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأكثر أهل الآثار: إن الخمر كل شراب مسكر سواء كان عصير العنب ما أريد منها، مطبوخا كان أو نيّا وكل شراب مسكر فهو حرام قليله وكثيره، وعلى شاربه الحدّ إلّا أن يتناول المطبوخ [بعد ذهاب ثلثه] فإنه لا يحدّ وشهادته لا ترد، والذي يدلّ على حجّة هذا المذهب من اللغة أن الخمر أصله الستر، ويقال لكل شيء ستر شيئا من شجر أو حجر أو غيرهما خمر، وقال: وخمر فلان في خمار الناس، ومنه خمار المرأة وخمرة السجادة، والخمر سمّي بذلك لأنه يستر العقل، يدلّ عليه ما روى الشعبي عن ابن عمر قال: خطب عمر فقال: إن الخمر نزل تحريمها، وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل. وقال أنس بن مالك: سمّيت خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدّنان حتّى تختمر وتتغيّر.","vol":"2","page":148},{"text":"وقال سعيد بن المسيّب: إنّما سمّيت الخمر لأنها تركت حتّى صفا صفورها ورسب كدرها.\nوقال أنس: لقد حرّمت الخمر وإنّما عامة خمورهم يومئذ الفضيخ قال: وما كان بالمدينة يصنعون الخمر وما عندهم من العنب ما يتخذون وإنما نسمع الخمور في بلاد الأعاجم وكنا نشرب الفضيخ من التمر والبسر، والفضيخ ما افتضخ من التمر والبسر من غير أن تمسّه النار.\nوفيه روي عن ابن عمر أنه قال: ليس بالفضيخ ولكنه الفضوخ، ودليلهم من السنّة ما\nروى نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «كل مسكر خمر، وكل خمر مسكر حرام» [١٢٣] «١» .\nسالم بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «كل مسكر خمر وما أسكر كثيره فقليله حرام» [١٢٤] «٢» .\nعن أبي عثمان عمرو بن سالم الأنصاري عن القاسم عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال: ما أسكر الغرق منه فملء كفك منه حرام والغرق إناء يحمل ستة عشر رطلا.\nوعن أبي الغصن الملقب بحجى قال: قال لي: هشام بن عروة: هل تشرب النبيذ؟ قلت نعم والله إني لأشربه قال: إن أبي حدّثني عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال:\n«كل مسكر حرام أوّله وآخره» [١٢٥] «٣» .\nوقال رسول الله ﷺ: «إنّ من التمر لخمرا، وإنّ من العنب لخمرا، وإنّ من الزبيب لخمرا، وإنّ من العسل لخمرا، وإنّ من الحنطة لخمرا، وإنّ من الشعير لخمرا، وإنّ من الذرة لخمرا وأنا أنهاكم عن كل مسكر» [١٢٦] .\nوعن ابن سيرين قال: جاء رجل إلى ابن عمر فقال: إنّ أهلنا ينبذون لنا شرابا عشاء فإذا أصبحنا شربناه. فقال: أنهاك عن المسكر قليله وكثيره واعبد الله ﷿، أنا أنهاك عن المسكر قليله وكثيره وأعبد الله ﷿، عليك أن أهل خيبر ينبذون شرابا لهم كذا وكذا يسمّونه كذا وكذا، وأن أبيك ينبذ شرابا من كذا وكذا يسمّونه كذا وكذا وهي الخمر، حتّى عدّ له أربعة أشربة آخرها العسل «٤» .\nوعن عكرمة قال: دخل النبي ﷺ على بعض أزواجه وقد نبذوا العصير لهم في كوز فأراقه وكسر الكوز.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٩.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٩١.\n(٣) تذكرة الحفاظ للذهبي: ٣/ ١٠٠٠.\n(٤) المصنف لابن أبي شيبة: ٥/ ٤٧٤.","vol":"2","page":149},{"text":"روى عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ «ليستحلّنّ ناس من أمتي الخمر باسم يسمّونها إيّاه» [١٢٧] «١» .\nويروى عنه أنه قال ﷺ «أما الخمر لم تحرّم لاسمها إنّما حرّمت لما فيها، وكل شراب عاقبته الخمر فهو حرام» [١٢٨] «٢» .\nوحكي أنّ رجلا من حكماء العرب قيل له: لم لا تشرب النبيذ؟ فقال: الله منحني عقلي صحيحا، فكيف أدخل عليه ما يفسده «٣» .\nوَالْمَيْسِرِ يعني القمار قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يقامره الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوالمسير مفعل من قول القائل: يسر هذا الشيء إذا وجب فهو ييسر يسرا وميسرا، والياسر الرامي بقداح وجب ذلك أو مباحه أو غيرهما، ثم قيل للقمار: ميسر، وللمقامر: ياسر ويسر قال النابغة:\nأو ياسر ذهب القداح بوفره ... أسف نأكله الصديق مخلع\nوقال الآخر:\nفبتّ كأنني يسر غبين ... يقلب بعد ما اختلع القداحا «٤»\nوقال مقاتل: سمّي ميسرا لأنهم كانوا يقولون: يسر هو لنا ثمن الجزور، وكان أصل اليسر في الجزور، وذلك أنّ أهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزورا فيحزّونها ويجزونها اجتزاء.\nواختلفوا في عدد الأجزاء فقال أبو عمرو: عشرة وقال الأصمعي: إنما هي عشرون ثم يضمّون عليها عشرة قداح ويقال: منه الأزلام والأقلام سبعة منها لها أنصباء هي: الفذ وله نصيب واحدة، والتّوأم وله نصيبان، والرفت وله ثلاثة، والجلس وله أربعة، والنافس وله خمسة، والمسيل وله ستة، والمغليّ وله سبعة، وثلاثة منها لا أنصباء لها وهي النسيج والسفنج والوغد.\nثم يجعلون القداح في خريطة تسمى الربابة، قال أبو ذؤيب:\nوكأنّهنّ ربابة وكأنّه ... يسر يفيض على القداح ويصدع «٥»\n_________\n(١) الدر المنثور: ٣٢٤، بتفاوت.\n(٢) سنن الدارقطني: ٤/ ١٧١.\n(٣) كتاب (ذم السكر) لابن أبي الدنيا: ٧٧، وفيه: والله ما أرضى عقلي صحيحا ...\n(٤) تفسير الطبري: ٢/ ٤٧٥.\n(٥) تفسير الطبري: ١٤/ ٩٠، والصحاح: ١/ ١٣٢.","vol":"2","page":150},{"text":"ويضعون الربابة على يد رجل عدل عندهم ويسمى المجيل والمفيض، ثم يجيلها ويخرج قدحا منها باسم رجل منهم، فأيّهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فان خرج له واحد من هذه الثلاثة التي لا أنصباء لها فاختلفوا فيه فكل منهم كان لا يعهد شيئا ويغرّم ثمن الجزور كلّه.\nوقال بعضهم: لا يأخذ ولا يغرّم، ويكون ذلك القداح لغوا فيعاد سهمه ثانيا فهؤلاء الياسرون والايسار ثم يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون بذلك ويذمّون من لم يفعل ذلك منهم ويسمّونه البرم، قال متمم بن نويرة:\nولا برما تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع في برد الشتاء تقعقعا «١»\nفأصل هذا القمار الذي كانت العرب تفعله وإنما نهى الله تعالى في هذه الآية عن أنواع القمار كلّها.\nليث عن طاوس ومجاهد وعطاء قالوا: كل شيء فيه قمار فهو الميسر حتّى لعب الصبيان بالعود والكعاب.\nعن أبي الأحوص عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم وهاتين الكعبتين الموسومتين فإنّهما من ميسر العجم» [١٢٩] «٢» .\nوعن جعفر بن محمد عن أبيه أن عليّا كرّم الله وجهه قال في النرد والشطرنج: هي من الميسر.\nوعن القاسم بن محمد أنه قال: كل شيء ألهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فهو الميسر.\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ ووزر كبير من المخاصمة والمشاتمة وقول الفحش والزور، وزوال العقل والمنع من الصلاة واستحلال مال الغير بغير حق.\nقرأ أهل الكوفة إلّا عاصم: كثير بالثاء، وقرأ الباقون بالباء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما، وقوله: حُوبًا كَبِيرًا ... وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وهي ما كانوا يصيبونها في الخمر من التجارة واللّذة عند شربهما يقول الأعشى:\nلنا من صحاها خبث نفس وكابة ... وذكرى هموم ما تفك أذاتها\nوعند العشاء طيب نفس ولذّة ... ومال كثير عدّة نشواتها «٣»\nومنفعة الميسر ما يصاب من القمار ويرتفق به الفقراء.\n_________\n(١) كتاب العين للفراهيدي: ١/ ٦٥. [.....]\n(٢) الأدب المفرد للبخاري: ٢٧١.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢/ ٤٨٩.","vol":"2","page":151},{"text":"وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما قال المفسّرون: إثم الخمر هو أن الرجل يشرب فيسكر فيؤذي الناس، وإثم الميسر أن يقامر الرجل فيمنع الحق ويظلم.\nوقال الضحّاك والربيع: المنافع قبل التحريم، والإثم بعد التحريم.\nوَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ حثّهم على الصدقة ورغّبهم فيها من غير عزم قالوا: يا رسول الله ماذا ننفق؟ وعلى من نتصدق؟ فأنزل الله تعالى يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ أي شيء ينفقون وللاستفهام قُلِ الْعَفْوَ\nقرأ الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق وأبو عمرو قُلِ الْعَفْوُ بالرفع، واختاره محمد بن السدّي على معنى: الذي ينفقون هو العفو، دليله قوله: وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ «١» وقرأ الآخرون بالنصب واختاره أبو عبيد وأبو حاتم: قل ينفقون العفو «٢» .\nواختلفوا في معنى العفو، فقال عبد الله بن عمرو ومحمد بن كعب وقتادة وعطاء والسدّي وابن أبي ليلى: هو ما فضل من المال عن العيال، وهي رواية مقسم عن ابن عباس.\nالحسن: هو أن لا تجهد مالك في النفقة ثم تقعد تسأل الناس.\nالوالبي عن ابن عباس: ما لا يتبيّن في أموالكم.\nمجاهد: صدقة عن تطهير غني.\nعمرو بن دينار وعطاء: الوسط من النفقة ما لم يكن إسرافا ولا إقتارا. الضحّاك: الطّاقة.\nالعوفي عن ابن عباس: ما أتوك به من شيء قليل أو كثير فاقبله منهم.\nطاوس وعطاء الخراساني: سمعنا [بشرا] قال: العفو اليسر من كل شيء.\nالربيع: العفو الطيب، يقول: أفضل مالك هو النفقة.\nوكلها متقاربة في المعنى، ومعنى العفو في اللغة الزيادة والكثرة قال الله: حَتَّى عَفَوْا أي كثروا،\nوقال النبي ﷺ: «أعفوا اللّحى»\n[١٣٠] . قال الشاعر:\nولكنا يعضّ السيف منا ... بأسوق عافيات الشحم كوم «٣»\nأي كثيرات الشحوم، والعفو ما يغمض الإنسان فيه فيأخذه أو يعطيه سهلا بلا كلف من قول العرب: عفا أي نال سهلا من غير إكراه، ونظير هذه الآية من الأخبار ما\nروى أبو هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله عندي خير، قال: «أنفقه على نفسك» قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على أهلك» قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على ولدك.» قال: عندي آخر، قال: «أنفقه على\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٢٥.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٣/ ٦١.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨.","vol":"2","page":152},{"text":"والديك» قال عندي آخر، قال: «أنفقه على قرابتك» قال: عندي آخر قال: «أنت أبصر» .\nوروى محمود بن سهل عن عامر بن عبد الله قال: أتى رسول الله رجل ببيضة من ذهب [استلّها] من بعض المعادن فقال: يا رسول الله خذها مني صدقة، فو الله ما أمسيت أملك غيرها، فأعرض عنه، فأتاه من ركنه الأيمن فقال له مثل ذلك فأعرض عنه. فأتاه من ركنه الأيسر فقال له مثل ذلك فأعرض عنه، ثم قال له مثل ذلك فقال مغضبا: هاتها فأخذها منه وحذفه بها حذفة لو أصابه لفجّه أو عقره، ثم قال: هل يأتي أحدكم بما يملكه ليتصدق به ويجلس يكفّف الناس، أفضل الناس ما كان عن طهر غنيّ، وليبدأ أحدكم بمن يعول.\nقال الكلبي: فكان الرجل بعد نزول هذه الآية إذا كان له مال من ذهب أو فضة أو زرع أو ضرع نظر إلى ما يكفيه وعياله نفقة سنة أمسكه وتصدّق بسائره، وإن كان ممن يعمل بيده أمسك ما يكفيه وعياله يومه ذلك وتصدّق بالباقي، حتى نزلت آية الزكاة المفروضة فنسخت هذه الآية وكل صدقة أمروا بها قبل نزول الزكاة.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ قال الزجاج: إنما قال: كذلك على الواحد وهو يخاطب جماعة لأن الجماعة معناها القبيل كأنّه قال: أيّها القبيل يبيّن الله لكم، وجائز أن يكون خطابا للنبيّ ﷺ لأن خطابه مشتمل على خطاب أمّته كقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ وقال المفضل بن سلمة: معنى الآية كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ في النفقة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في معاش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في العقبى.\nوقال أكثر المفسّرين: معناها: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ في أمر الدنيا والآخرة لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ في زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا فيها، وفي إقبال الآخرة وذهابها فترغبوا فيها.\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قال الضحّاك والسدّي وابن عباس في رواية عطية: كان العرب في الجاهلية يعظّمون شأن اليتيم ويشدّدون في أمره حتّى كانوا لا يؤاكلونه، ولا يركبون له دابّة، ولا يستخدمون له خادما، وكانوا يتشاءمون بملامسة أموالهم، فلمّا جاء الإسلام سألوا عن ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال قتادة والربيع وابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعلي بن أبي طلحة: لمّا نزل في أمر اليتامى وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ\nوقوله إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا اعتزلوا أموال اليتامى وعزلوا طعامهم من طعامهم، واجتنبوا مخالطتهم في كل شيء حتّى كان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شيء فيتركونه ولا يأكلونه حتّى يفسد واشتدّ ذلك عليهم، وسألوا عنه رسول الله ﷺ فنزلت وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى.","vol":"2","page":153},{"text":"قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وقرأ طاوس: قل إصلاح إليهم خير بمعنى الإصلاح لأموالهم من غير أجرة. ومن غير عوض عنهم خير وأعظم أجرا.\nوَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فتشاركوهم في أموالهم وتخالطوها بأموالكم في نفقاتكم ومطاعمكم ومساكنكم وخدمكم ودوابّكم، فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم وتكافئوهم على ما تصيبون من أموالهم فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم، وقرأ أبو مجلز: فإخوانكم نصيبا أي فخالطوا إخوانكم أو فإخوانكم تخالطون والإخوان يعين بعضهم بعضا ونصب أعينهم.\nيقال: بعض على وجه الإصلاح والرضا قالت عائشة: إنّي لأكره أن يكون مال اليتيم عندي كالغرة حتّى أخلط طعامه بطعامي وشرابه بشرابي.\nثم قال: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ لها فاتقوا الله في مال اليتامى، ولا تجعلوا مخالفتكم إيّاهم ذريعة إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حق وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ لضيّق عليكم وآثمكم في ظلمكم إيّاهم قال ابن عباس: ولو شاء الله لجعل ما أصبتم من أموال اليتامى موبقا.\nوأصل العنت الشدّة والمشقّة يقال: عقبه عنوت أي شاقه كؤود، وقال الزجاج: أصل العنت أن يحدث في رجل البعير كسر بعد جبر حتّى لا يمكنه أن يمشي. قال القطامي:\nفما هم صالحوا من ينتقى عنتي ... ولا هم كدّروا الخير الذي فعلوا «١»\nوَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ الآية نزلت في عمّار بن أبي مرثد الغنوي.\nوقال مقاتل: هو أبو مرثد الغنوي واسمه أيمن،\nوقال عطاء: هو أبو مرثد عمّار بن الحصين، وكان شجاعا قويا، فبعثه رسول الله ﷺ إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين سرّا، فلمّا قدمها سمعت به امرأة مشركة يقال لها عناق، وكانت خليلته في الجاهلية فأتته قالت: يا مرثد ألا تخلو؟ فقال لها: ويحك يا عناق إنّ الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك، فقالت: فهل لك أن تتزوّج بي فقال: نعم ولكن أرجع إلى رسول الله ﷺ فاستأمره ثم أتزوّجك، فقالت: أبيّ تتبرم «٢»، ثمّ استغاثت عليه فضربوه ضربا شديدا ثم خلّوا سبيله، فلمّا قضى حاجته بمكة وانصرف إلى رسول الله ﷺ أعلمه الذي كان من أمره وأمر عناق وما لقي بسببها وقال: يا رسول الله أتحلّ لي أن أتزوجها؟ فأنزل الله تعالى وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ أي لا تتزوجوا منهن حتّى يؤمنّ «٣» .\nقال المفضل: أصل النكاح الجماع، ثم كثر ذلك حتّى قيل للعقد نكاح، كما قيل:\n_________\n(١) أمالي المرتضى: ٣/ ١٠٤.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٢٢١.","vol":"2","page":154},{"text":"عذرة «١» وأصلها فناء الدار لإلقائهم إيّاه بها، ولذبيحة الصبي عقيقة، وأصلها الشعر الذي يولد للصبي، وهو علّة لذبحهم إيّاها عند جلّهم، ونحوها كثير، فحرّم الله نكاح المشركات عقدا ووطئا، ثم استثنى الحرائر الكتابيات فقال: وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ.\nثم قال: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ بجمالها ومالها، نزلت في خنساء وكانت سوداء كانت لحذيفة بن اليمان فقال: يا خنساء قد ذكرت في الملأ الأعلى مع سوادك ودمامتك وأنزل الله ﷿ ذكرك في كتابه فأعتقها حذيفة وتزوجها.\nوقال السدّيّ: نزلت في عبد الله بن رواحة وكانت له أمة سوداء فغضب عليها وآذاها، ثم فزع إلى النبي ﷺ وأخبره بذلك، فقال له النبي ﷺ وما هو يا أبا عبد الله قال: هي تشهد أن لا إله إلّا الله وإنك رسوله وتصوم شهر رمضان وتحسن الوضوء وتصلّي فقال: هذه [مؤمنة]، قال عبد الله: فو الّذي بعثك بالحق لأعتقنّها ولأتزوجنها، ففعل وطعن عليه ناس من المسلمين، قالوا: أتنكح أمة؟ وعرضوا عليه حرّة مشركة، وكانوا يرغبون في نكاح المشركات رجاء إسلامهنّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية «٢» .\nثم قال: وَلا تَنْكِحُوا ولا تزوّجوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ بماله وحسن حاله.\nوعن مروان بن محمد قال: سألت مالك بن أنس عن تزويج العبد فقال: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ.\nأُولئِكَ يَدْعُونَ يعني المشركين إِلَى النَّارِ أي إلى الحال الموجبة للنار وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آياتِهِ أوامره ونواهيه لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ يتّعظون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٢ الى ٢٢٥]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣) وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ الآية عطاء بن السائب عن سعد بشير عن ابن عباس ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ﷺ، ما سألوا النبي عن ثلاث عشرة\n_________\n(١) العذرة: فناء الدار سمّيت بذلك لأن العذرة كانت تلقى في الأفنية.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٥.","vol":"2","page":155},{"text":"مسألة حتّى [نزل ذكرهنّ] في القرآن: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ «١» يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ «٢» وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ «٣» يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ «٤» ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ «٥» يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى «٦» وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ «٧» يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي «٨» وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي «٩» يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ «١٠» يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ «١١» وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ «١٢» وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ «١٣» .\nقال المفسرون: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت ولم يجالسوها على فراش كفعل المجوس واليهود.\nفسأل أبو الدحداح ثابت بن الدحداح رسول الله عن ذلك وقال: يا رسول الله كيف نصنع بالنساء إذا حضن؟ فأنزل الله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ أي الحيض\n، وهو مصدر قولك حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا، مثل السير والمسير، والعيش والمعيش، والكيل والمكيل. وأصل الحيض الانفجار يقال: حاضت الثمرة إذا سال منها شيء كالدم.\nقُلْ هُوَ أَذىً أي قذر، قاله قتادة والسّدّي، وقال مجاهد والكلبي: دم، والأذى ما يعمّ ويكره من شيء فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ اعلم إنّ الحيض يمنع من تسعة أشياء: من الصلاة جوازا ووجوبا ومن الصوم جوازا ثم يلزمها قضاء الصوم ولا يلزمها قضاء الصلاة.\nعاصم الأحول عن معادة العدوية أن امرأة سألت عائشة فقالت: الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة فقالت لها: أحروريّة أنت؟ فقالت: ليست بحروريّة ولكني أسأل، فقالت:\nكان يصيبنا ذلك على عهد رسول الله ﷺ فنؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.\nعياض عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: ما رأيت ناقصات عقل ودين أذهب للبّ الرجل الحازم من إحداهنّ، فقلن له: وما نقصان عقلنا وديننا يا رسول الله؟\nقال: أليس شهادة المرأة على مثل نصف شهادة الرجل فذاك من نقصان عقلها؟ أو ليس إذا\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢١٧.\n(٢) سورة البقرة: ٢١٥.\n(٣) سورة البقرة: ٢١٩.\n(٤) سورة البقرة: ١٨٩. [.....]\n(٥) سورة البقرة: ٢١٩.\n(٦) سورة البقرة: ٢٢٠.\n(٧) سورة البقرة: ٢٢٢.\n(٨) سورة الأعراف: ١٨٧.\n(٩) سورة البقرة: ١٨٦.\n(١٠) سورة الأنفال: ١.\n(١١) سورة الإسراء: ٨٥.\n(١٢) سورة الكهف: ٨٣.\n(١٣) سورة طه: ١٠٥.","vol":"2","page":156},{"text":"حاضت المرأة لم تصلّ ولم تصم؟ فقلن بلى قال: فذلك من نقصان دينها.\nوتمنع أيضا من قراءة القرآن وقد رخص فيها مالك بعض الرخصة إذا طالت المدّة احترازا من نسيان القرآن، والفقهاء على خلافه، وتمنع من مسّ المصحف، ودخول المسجد والاعتكاف فيه، ومن الطواف بالبيت ومن الاحتساب بالعدة ومن الوطء قال الله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ\nفلمّا نزلت هذه الآية عمد المسلمون الى النساء الحيّض فأخرجوهنّ من البيوت واعتزلوهنّ فإذا اغتسلنّ ردّوهن الى البيت، فقدم بعض من أعراب المدينة فشكوا عزل الحيض معهم وقالوا: يا رسول الله إنّ البرد شديد والثياب قليلة فإن آثرناهنّ بالثياب حال بنا وأهل البيت برد، وإن آثرتا بالثياب هلكت الحيض، وليس كلنا يجد سعة لذلك فيوسع عليهم جميعا، فقال لهم رسول الله ﷺ: إنّما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهنّ إذا حضن، ولم يأمركم بإخراجهن من البيوت كفعل الأعاجم، وقرأ عليهم هذه الآية.\nالناصري عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من وطئ امرأته وهي حائض فقضى منهما ولد فأصابه جذام فلا يلومنّ إلّا نفسه، ومن احتجم يوم السبت والأربعاء فأصابه ضرر واضح فلا يلومنّ إلّا نفسه» [١٣١] «١» .\nوإن جامعها أثم ولزمته الكفارة، وهي ما\nروى ابن أبي المخارق عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنّ رجلا جامع امرأته وهي حائض قال: إن كان دما عبيطا فليتصدّق بدينار، وإن كان صفرة فنصف دينار «٢» .\nولا بأس باستخدام الحائض ومباشرة بدنها إذا كانت مؤتزرة وبالاستمتاع بها فوق الإزار.\nقيل لمسروق: ما يحلّ للرجل من امرأته إذا كانت حائضا؟ قال: كل شيء إلّا الجماع.\nوعن ربيعة بن عبد الرحمن أنّ عائشة كانت مع رسول الله ﷺ مضطجعة في ثوب واحد وأنها وثبت وثبة شديدة فقال لها رسول الله ﷺ: «ما لك لعلّك نفست- يعني الحيضة- قالت: نعم، قال: شدّي عليك إزارك ثم عودي لمضجعك» [١٣٢] «٣» .\nمعاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى عن أبي سلمة أنّ زينب بنت أبي سلمة حدّثت أن أم سلمة حدّثتها قالت: بينا أنا مضطجعة مع رسول الله ﷺ في الخميلة إذ حضت فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال رسول الله ﷺ: أنفست؟ قلت: نعم، فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة «٤» .\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٤/ ٢٩٩، والمعجم الأوسط للطبراني: ٣/ ٣٢٦، وليس فيهما مسألة الحجامة.\n(٢) سنن الدارمي: ١/ ٢٥٥.\n(٣) الدر المنثور: ١/ ٢٥٩.\n(٤) السنن للنسائي: ١/ ١٥٠، وصحيح البخاري: ١/ ٧٥. ٨٣.","vol":"2","page":157},{"text":"عن يزيده مولاة ميمونة زوج النبي ﷺ عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ يباشر المرأة من نسائه وهي حائض إذا كان عليها إزار يبلغ إلى أنصاف الفخذين أو الركبتين «١» .\nإبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، ونحن جنبان وكنت أفلي رأس رسول الله ﷺ وهو معتكف في المسجد وأنا حائض، وكان يأمرني إذا كنت حائضا أن أتّزر ثم يباشرني.\nثابت بن عبيدة عن القاسم عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: ناوليني الخمرة فقالت: إني حائض فقال: «إنّ حيضتك ليست في يدك» «٢» .\nوعن شريح قال: قيل لعائشة: هل تأكل المرأة مع زوجها وهي طامث؟ قالت: نعم، كان رسول الله ﷺ يدعوني فآكل معه وأنا حائض، وكان يأخذ العرق فيقسم عليّ فيه فأعرّق منه، ثم أضعه فيأخذ فيعرّق منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من العرق ويدعو بالشراب فيقسم عليّ قبله أن أشرب منه فآخذه وأشرب منه، ثم أضعه فيأخذه ويشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح.\nفدلّت هذه الأخبار على أنّ المراد بالاعتزال عن الحيض جماعهنّ، وذلك أن المجوس واليهود كانوا يجتنبون الحيّض في كل شيء، وكان النصارى يجامعوهن ولا يبالون بالحيض، فأنزل الله تعالى بالاقتصاد بين هذين الأمرين، وخير الأمور أوسطها.\nثابت عن أنس قال: أنزل الله ﷿: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ الآية فقال رسول الله ﷺ: افعلوا كل شيء إلّا الجماع، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل، لم يدع من أمرنا شيئا إلّا خالفنا فيه، فجاء أسد بن حصين وعباد بن شبر إلى رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله إنّ اليهود قالت كذا وكذا، أفلا نجامعهنّ؟ فتغيّر وجه رسول الله ﷺ، فظنّا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلتهما هدية من لبن إلى رسول الله ﷺ، فأرسل في آثارهما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليهما.\nوَلا تَقْرَبُوهُنَّ يعني لا تجامعوهنّ، حَتَّى يَطْهُرْنَ قرأ ابن محيص والأعمش وعاصم وخمرويه والكسائي يطّهّرن بتشديد الطاء والهاء ومعناه يغتسلن، يدلّ عليه قراءة عبد الله حتّى يتطهّرن بالتاء على الأصل، وقرأ الباقون يَطْهُرْنَ مخففا ومعناه حَتَّى يَطْهُرْنَ من حيضهنّ وينقطع الدم.\n_________\n(١) المحلى لابن حزم: ١٠/ ٧٨. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ٤٥. ١١٢، وصحيح مسلم: ١/ ١٦٨.","vol":"2","page":158},{"text":"واختلف الفقهاء في الحائض متى يحلّ وطؤها، فقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا حاضت المرأة بعشرة أيام حلّ وطؤها دون أن تغتسل، فإن طهرت لما دون العشرة لم يحلّ وطؤها إلّا بإحدى ثلاث: قلت أن تغتسل أو يمضي بها أقرب وقت الصلاة، فيحكم لها بذلك حكم الطاهرات في وجوب الصلاة في زمنها أو تيمما عند عدم الماء.\nمجاهد وطاوس وعطاء: إذا طهرت الحائض من الدم وأخذ زوجها شبق، فإن غسلت فرجها وتوضأت ثم أتاها جاز.\nوقال الشافعي: لا يحلّ وطء الحائض إلّا يحين انقطاع الدم والاغتسال، وهو قول سالم ابن عبد الله وسليمان بن يسار والقاسم بن محمد وابن شهاب والليث بن سعد وزفر وقال الحسن البصري: إذا وطئ الرجل امرأته بعد انقطاع الدم قبل أن تغتسل فعليه من الكفارة مثل ما على من يطأ الحائض، فمن قرأ حَتَّى يَطْهُرْنَ بالتشديد فهو حجّة للمبيحين، والدليل على أنّ وطأها لا يجوز ما لم تغتسل أن الله ﷿ علّق جواز وطئها بشرطين فلا تحل قبل حصولهما، وهما: قوله ﷿ حَتَّى يَطْهُرْنَ وقوله فَإِذا تَطَهَّرْنَ أي اغتسلن دليله قوله وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ولا يجهد الإنسان على ما لا صنع له فيه، والاغتسال فعلها وانقطاع الدم ليس من فعلها، ويدلّ عليه أيضا قوله في النساء والمائدة وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا واطّهر واحد وهو الاغتسال فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي من حيث أمركم أن تعتزلوهن منه وهو الفرج، قاله مجاهد وإبراهيم وقتادة وعكرمة.\nالوالبي عن ابن عباس يقول: وطأهنّ في الفرج، ولا تعدوه إلى غيره فمن فعل شيئا من ذلك فقد اعتدى «١» .\nالربيع بن عبيد: نهيتم عنه واتقوا الأدبار، وإنما قال: مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ لأنّ النهي أيضا أمر بترك المنهي عنه.\nوقال قوم: قوله: فَأْتُوهُنَّ من الوجه الذي أَمَرَكُمُ اللَّهُ أن تأتوهنّ وهو الطهر، فكأنه قال: فأتوهنّ من قبل طهرهنّ لا من قبل حيضهنّ، وهو قول ابن رزين والضحّاك ورواية عطية عن ابن عباس.\nابن الحنفية: فأتوهنّ من قبل الحلال دون الفجور.\nابن كيسان: لا تأتوهنّ صائمات ولا معتكفات ولا محرمات، وأتوهنّ، واقربوهنّ وغشيانهنّ لكم حلال.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٢٦.","vol":"2","page":159},{"text":"الفرّاء: مثل قولك: أتيت الأرض من مأتاه أي من الوجه الذي يؤتى منه.\nالواقدي معناه مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ وهو الفرج، نظيره في سورة الملائكة والأحقاف أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أي في الأرض، وقوله إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أي في يوم الجمعة.\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ قال مجاهد عن ابن رزين والكلبي إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الذنوب الْمُتَطَهِّرِينَ من أدبار النساء أن لا يأتوها.\nوقال: من أتى المرأة في دبرها فليس من المتطهّرين، فإن دبر المرأة مثله من الرجل.\nمقاتل بن حيّان التَّوَّابِينَ من الذنوب والْمُتَطَهِّرِينَ من الشرك والجهل.\nكنت عند أبي العالية يوما فتوضأ وضوءا حسنا فقلت إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فقال: الطهور من الماء حسن ولكنهم المتطهرون من الذنوب.\nسعيد بن جبير التَّوَّابِينَ من الشرك والْمُتَطَهِّرِينَ من الذنوب.\nوعن أبي العالية أيضا التَّوَّابِينَ من الكفر والْمُتَطَهِّرِينَ بالإيمان.\nابن جريج عن مجاهد التَّوَّابِينَ من الذنوب لا يعودون لها والْمُتَطَهِّرِينَ هنا لم يصبوها.\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن محمد بن حبيب يقول: سألت أبا الحسن علي بن عبد الرحيم القنّاد عن هذه الآية قال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ من الكبائر والْمُتَطَهِّرِينَ من الصغائر. التَّوَّابِينَ من الأفعال والْمُتَطَهِّرِينَ من الأقوال.\nالتَّوَّابِينَ من الأقوال والأفعال والْمُتَطَهِّرِينَ من العقود والإضمار. التَّوَّابِينَ من الآثام والْمُتَطَهِّرِينَ من الاجرام. التَّوَّابِينَ من الجرائر، والْمُتَطَهِّرِينَ من خبث السرائر. التَّوَّابِينَ من الذنوب والْمُتَطَهِّرِينَ من العيوب.\nوالتواب الذي كلما أذنب تاب، نظيره قوله فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا.\nمحمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «مرّ رجل ممن كان قبلكم في بني إسرائيل بجمجمة فنظر إليها فقال: أي ربّ أنت أنت، وأنا أنا، أنت العوّاد بالمغفرة، وأنا العوّاد بالذنوب، ثم خرّ ساجدا فقيل له: ارفع رأسك فأنا العوّاد بالمغفرة، وأنت العوّاد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له» [١٣٣] «١» .\n_________\n(١) كنز العمال: ٤/ ٢٢٦ ح ١٠٢٧٦.","vol":"2","page":160},{"text":"نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ الآية،\nجعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:\nجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هلكت، قال: ما الذي أهلكك؟ قال: حوّلت رحلي البارحة فلم يردّ عليّ شيئا فأوحى الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ يقول أقبل وأدبر واتق الدّبر والحيضة «١» .\nمحمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: كان اليهود يقولون: من جامع امرأته وهي مجبّية من دبرها في قبلها كان ولدها أحول، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال:\nكذبت اليهود فأنزل الله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ «٢» .\nمجاهد عن ابن عباس قال: كان هذا الحي من الأنصار، وهم أهل وثن مع هذا الحي من اليهود، وهم أهل كتاب، وكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم وكان من شأن أهل الكتاب أن لا يأتوا النساء إلّا على حرف، وذلك أيسر ما يكون للمرأة، فكان هذا الحي من الأنصار يأخذون بذلك من فعلهم، وكان هذا الحي من قريش يشرح عن النساء شرحا منكرا، ويتلذذون بهن مقبلات ومدبرات ومستلقيات، فلمّا قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك فأنكرته عليه وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف فإن شئت فاصنع وإلّا فاجتنبني، حتى انتشر أمرهما فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأنزل الله ﷿ نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ يعني موضع الولد «٣» قالوا: حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ مدبرات ومقبلات ومستلقيات.\nقال الحسن وقتادة والمقاتلان والكلبي تذاكر المهاجرون والأنصار واليهود إتيان النساء في مجلس لهم فقال المهاجرون: إنّا نأتيهن باركات وقائمات ومستلقيات ومن بين أيديهن ومن خلفهن، بعد أن يكون المأتي واحدا في الفرج، فعابت اليهود وقالت: ما أنتم إلّا أمثال البهائم لكنّا نأتيها على هيئة واحدة، فإنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى للنساء غير الاستلقاء دنس عند الله، ومنه يكون الحول والخبل، فذكر المسلمون ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله إنّا كنا في جاهليتنا وبعد ما أسلمنا نأتي النساء كيف شئنا، فإنّ اليهود عابت ذلك علينا وزعمت أنّا كذا وكذا، فكذّب الله ﷿ اليهود، وأنزل رخصة لهم نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أي كيف شئتم وحيث شئتم ومتى شئتم بعد أن يكون في [فرج] واحد «٤» .\n(أَنَّى) حرف استفهام ويكون سؤالا عن الحال والمحلّ.\nوقال سعيد بن المسيب: هذا في العزل يعني إن شئتم فاعزلوا وإن شئتم فلا تعزلوا.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٢٩٧.\n(٢) صحيح مسلم: ٣/ ١٥٦.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٢٦٨.\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ٤٩.","vol":"2","page":161},{"text":"يحيى بن أبي كثير عن رجل قال: قال عبد الله ستامر الحرّة في العزل ولا تستأمر الأمة، وفي هذه الآية دليل على تحريم أدبار النساء لأنها موضع الفرث لا موضع الحرث، وإنما قال الله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ وهذا من لطف كنايات القرآن حيث عبّر بالحرث عن الفرج فقال: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أي مزرع ومنبت الولد، وأراد به المحرث المزدرع، ولكنّهن لما كنّ من أسباب الحرث جعلن حرثا.\nوقال أهل المعاني: تقدير الآية: نساؤكم كحرث لكم، كقوله تعالى: حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا أي كنار، قال الشاعر:\nالنشر مسك والوجوه دنانير ... وأطراف الأكف عنم «١»\nوالعرب تسمي النساء حرثا، قال المفضل بن سلمة: أنشدني أبي:\nإذا أكل الجراد حروث قوم ... فحرثي همّه أكل الجراد «٢»\nوقال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد السدوسي، قال: أنشدني أبو منصور مهلهل بن علي العزّي، قال: أنشدني أبي قال: أنشدنا أحمد بن يحيى:\nحبّذا من حبّة الله النبات الصالحات ... هن النسل والمزروع بهنّ الشجرات\nيجعل الله لنا فيما يشاء البركات ... إنما الأرضون لنا محرثات\nفعلينا الزرع فيها وعلى الله النبات «٣»\nوقد وهم بعض الفقهاء في تأويل هذه الآية وتعلق بظاهر خبر رواه وهو ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين من رواة الدينوري، حدّثنا محمد بن عيسى الهيّاني أبو بكر الطرسوسي وإسحاق الغروي عن مالك بن أنس عن نافع قال: كنت أمسك على ابن عمر المصحف فقرأ هذه الآية نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ قال: أتدري فيما نزلت هذه الآية؟ قلت: لا، قال: نزلت في رجل أتى امرأة في دبرها على عهد رسول الله ﷺ فشقّ ذلك عليه فنزلت نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ الآية «٤»، وأما تأويل حديث ابن عمر فهو ما روى عطاء عن موسى بن عبد الله بن الحسن عن أبيه أنّه لقي سالم بن عبد الله، فقال: يا أبا عمر ما حدّث محدّث نافع عن عبد الله؟ قال: وما هو؟ قال: زعم أنه لم يكن يرى بأسا بإتيان النساء من أدبارهنّ، قال:\nكذب العبد وأخطأ، إنّما قال عبد الله: تؤتى في فروجهنّ من أدبارهنّ، الدليل على تحريم\n_________\n(١) نسبه في تاج العروس لمرقش: ٣/ ٥٦٥.\n(٢) لسان العرب: ٢/ ١٣٥.\n(٣) كذا في المخطوط، وكأن فيها خلل، راجع تفسير القرطبي: ٣/ ٩٣.\n(٤) السنن الكبرى للنسائي: ٣١٦ ح ٨٩٨١.","vol":"2","page":162},{"text":"الأدبار ما\nروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ قال: لا يكون الحرث إلّا حيث يكون النبات\n، وعن عمر بن الخطاب (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: إن الله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لا تأتوا النساء في أدبارهنّ.\nمخرمة بن سليمان عن كريب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: ملعون من أتى امرأته في دبرها.\nوَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ يعني طلب الولد، وقيل: التزوّج بالعفائف ليكون الولد صالحا طاهرا، وقيل: هو لذم الإفراط،\nقال رسول الله ﷺ: من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث لم تمسّه النار إلّا تحلّة القسم، فقيل: يا رسول الله اثنان، قال: واثنان، فقال: فظننا أن لو قيل واحد لقال واحد.\nشهر بن عطية عن عطاء وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ قال: التسمية عند الجماع، وقال مجاهد وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ يعني: إذا أتى أهله فليدع.\nسالم بن أبي الجعد عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإن قدر بينهما منهما ولد لم يضرّه شيطان «١» .\nالسدّي والكلبي يعني الخير والعمل الصالح دليله سياق الآية وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ ابن كيسان قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ في كل ما أحلّ الله لكم، وما تعبّدكم به، فإن تصديقكم الله ورسوله بكل ما أحلّه لكم وحرّم عليكم وما تعبّدتم به قدم صدق لكم عند ربّكم، وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ فيجزيكم بأعمالكم.\nوَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ الآية، قال الكلبي: نزلت في عبد الله ابن رواحة ينهاه عن قطيعة ختنه على أخته بشير بن النعمان الأنصاري، وذلك أنه كان بينهما شيء فحلف عبد الله أن لا يدخل عليه ولا يكلّمه ولا يصلح عنه وعن خصم له، وجعل يقول:\nقد حلفت بالله ألّا أفعل، فلا تحلّ لي الّا أن يبرّ يميني، فأنزل الله هذه الآية.\nقال مقاتل بن حيان: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق (﵁) حين حلف ألّا يصل ابنه عبد الرحمن حتّى يسلم. ابن جريج: حدّثت أنها نزلت في أبي بكر الصديق حين حلف أن لا ينفق على مسيطح حين خاض في حديث الإفك.\nوالعرضة أصلها الشدّة والقوة، ومنه قيل للدابة التي تتخذ للسفر وتعد له: عرضة، لقوتها عليه، يقال: عرضت ناقتي لذلك أي اتخذتها له، قال أوس بن حجر:\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٢١٧، وصحيح البخاري: ٤/ ٩٤.","vol":"2","page":163},{"text":"وأدماء مثل الفحل يوما عرضتها ... لرحلي وفيها هزّة وتقاذف «١»\nثم قيل لكل ما يصلح لشيء هو عرضة له، حتى قالوا للمرأة: هي عرضة للنكاح إذا صلحت له وقويت عليه، ويقال فلان عرضة للسهر والحرب، قال حسّان:\nوقال الله قد يسّرت جندا ... هم الأنصار عرضتها اللقاء «٢»\nقال المفسرون: هذا في الرجل يحلف بالله تعالى لا يصل رحما ولا يكلّم قرابته أولا يتصدق له بالصنع خيرا، أو يصلح بين اثنين فيعصيانه أو يتهمانه أو أحدهما فيحلف بالله لا يصلح بينهما، فأمره الله أن يحنث في يمينه ويفعل ذلك سرّا ويكفّر عن يمينه، فمعنى الآية ولا تجعلوا الله علّة ومانعا لكم من البرّ والتقوى، يقول أحدكم: حلفت بالله فيغلّ يمينه في ترك البرّ والصلاح وهو قوله أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ معناه أن لا تبرّوا كقوله يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٣» أي لئلّا تضلّوا، وقال امرؤ القيس:\nفقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي «٤»\nويبيّن هذه الآية ما\nروى سماك عن الحسين عن عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك» [١٣٤] .\nوقال سنان بن حبيب: قلت لسعد بن حمير: إنّي عصت عليّ مولاة لي كان مسكنها معي فحلفت أن لا تساكنني، فقال: هذا من عمل الشيطان كفّر عن يمينك وأسكنها ثم قرأ وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ.\nلا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ أصل اللغو في كلام العرب ما أسقط فلم يعتد به، قال ذو الرمّة:\nوتطرح بينها المرّي لغوا ... ما ألغيت في الماية الحوارا «٥»\nيريد بالماية التي تساق في الدية إذا وضعت ناقة منها حوارا لا يقدّمه، والمرّي منسوب إلى امرئ القيس بن زيد بن مناة بن تميم، قال المثقب العبدي:\nأو مائة تجعل أولادها ... لغوا وعرض المائة الجلمد «٦»\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٩٨.\n(٢) صحيح مسلم: ٧/ ١٦٥. [.....]\n(٣) سورة النساء: ١٧٦.\n(٤) الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٢٢٢.\n(٥) الصحاح: ٦/ ٢٤٨٤، وفيه: ويهلك بينها المرئي لغوا، وفي اللسان: ويهلك وسطها، والباقي مثل الصحاح.\n(٦) الصحاح: ٣/ ١٠٨٩.","vol":"2","page":164},{"text":"واللغو واللغاء في الكلام ما لا خير فيه ولا معنى له، ونظيره في اللغة صفو فلان معك وصفاه، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وقال تعالى: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا قال أمية:\nفلا لغو ولا تأثيم فيها ... وما فاهوا به لهم مقيم «١»\nوقال العجّاج:\nوربّ أسراب الحجيج الكظّم ... عن اللغا ورفث التكلّم «٢»\nواختلف العلماء في لغو اليمين المذكور في هذه الآية، فقال قوم هو ما يسبق به لسان الإنسان من الايمان على سرعة وعجلة ليصل به كلامه من غير عقد ولا قصد، مثل قول القائل:\nلا والله وبلى والله وكلّا والله ونحوها، فهذا لا كفارة فيه ولا إثم.\nهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ قالت: قول الإنسان لا والله وبلى والله، وعلى هذا القول الشعبي وعكرمة ومجاهد في رواية الحكم، وقال الفرزدق:\nولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد صاغرات العزائم «٣»\nوقال آخرون: لغو اليمين هو أن يحلف الإنسان على الشيء يرى أنه صادق فيه ثم يتبيّن أنه خلاف ذلك، فهو خطأ منه من غير عمد، ولا كفارة عليه ولا إثم، وهو قول الزهري والحسن وسليمان بن يسار وإبراهيم النخعي وأبي مالك وقتادة والربيع وزرارة بن أوفى ومكحول والسدي وابن عباس في رواية الوالبي، وعن أحمد برواية ابن أبي نجيح.\nوقال علي وطاوس: اللغو اليمين في حال الغضب والضجر من غير عزم ولا عقد\n، ومثله روى عطاء عن وسيم عن ابن عباس، يدلّ عليه\nقوله ﷺ: «لا يمين في غضب»\n[١٣٥] «٤» . وقال بعضهم: هو اليمين في المعصية لا يؤاخذ به الله ﷿ في الحنث فيها، بل يحنث في يمينه ويكفّر، قاله سعيد بن جبير، وقال غيره: ليس فيه كفارة.\nوقال مسروق: في الرجل الذي يحلف على المعصية ليس عليه كفّارة. الكفر عن خطوات الشيطان، ومثله روى عكرمة عن ابن عباس، وقال الشعبي: في الرجل الذي يحلف على المعصية كفارته أن يتوب منها، فكل يمين لا يحل لك أن تفي بها فليس فيها كفارة، فلو أمرته بالكفارة لأمرته أن يتم على قوله، يدلّ عليه ما\nروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ٦.\n(٢) الصحاح: ١/ ٢٨٣.\n(٣) مفردات غريب القرآن: ٤٥٢، وفيه: عاقدات العزائم، وكذا في تفسير القرطبي.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢/ ٥٥٦.","vol":"2","page":165},{"text":"الله ﷺ قال: «من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف على معصية الله فلا يمين له»\n[١٣٦] «١» .\nوروت عمرة عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «من حلف على قطيعة رحم أو معصية فبرّه أن يحنث منها ويرجع عن يمينه» [١٣٧] «٢» .\nوروى حماد عن إبراهيم قال: لغو اليمين أن يصل الرجل كلامه بأن يحلف: والله لا آكلنّ أو لا أشربنّ، ونحو هذا لا يتعمد به اليمين ولا يريد حلفا فليس عليه كفارة يدل عليه ما\nروى عوف الأعرابي عن الحسين بن أبي الحسن، قال: مرّ رسول الله ﷺ بقوم ينتضلون ومعه رجل من أصحابه، فرمى رجل من القوم فقال: أصبت والله وأخطأت، فقال الذي مع النبي ﷺ:\nحنث الرجل، قال والله، فقال: «كلا، أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة» [١٣٨] «٣» .\nوقالت عائشة: أيمان اللغو ما كان في الهزل والمراء والخصومة، والحديث الذي لا يعقد القلب عليه.\nوقال زيد بن أسلم: هو دعاء الحالف على نفسه كقوله: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، أخرجني من مالي إن لم أرك غدا، أو تقول: هو كافر إن فعل كذا، فهذا كلّه لغو إذا كان باللسان دون القلب لا يؤاخذه الله بها حتّى يكون ذلك من قلبه ولو واحدة بها لهلك، يدلّ عليه قوله وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ.\nالضحاك: هو اليمين المكفّر وسمي لغوا لأن الكفارة تسقط منه الإثم، تقديره: لا يؤاخذكم الله بالإثم في اليمين إذا كفّرتم. المغيرة عن إبراهيم: هو الرجل يحلف على الشيء ثم ينسى فيحنث [بالله] فلا يؤاخذه الله ﷿ به، دليله\nقوله ﷺ: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» [١٣٩] «٤» .\nوَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي عزمتم وقصدتم وتعمّدتم لأن كسب القلب العقد على الشيء والنيّة.\nوَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ الآية.\nاعلم أنّ الأيمان على وجوه: منها أن يحلف على طاعة كقوله: والله لأصلينّ أو لأصومنّ أو لأحجّنّ أو لأتصدقنّ ونحوها، فإن كان فرضا عليه فالواجب عليه أن لا يحنث، فإن حنث\n_________\n(١) المستدرك: ٤/ ٣٠٠.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢/ ٥٥٨.\n(٣) مجمع الزوائد: ٤/ ١٨٥، وتفسير الطبري: ٢/ ٥٥٩.\n(٤) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٥٩ ح ٢٠٤٢، وفيه: وضع عن أمتي.","vol":"2","page":166},{"text":"فعليه الكفارة، لأنه كان فرضا عليه فزاده تأييدا باليمين، وإن كان ذلك تطوعا ففيه قولان:\nأحدهما أنّ عليه الكفارة بالحنث فيه، والقول الثاني: عليه بالوفاء بما قال ولا يجزيه غيره، ومنها أن يحلف على معصية وقد ذكرنا حكمه والاختلاف فيه، ومنها أن يحلف على مباح، وهو على ضربين: من ماض ومستقبل، فاليمين على المستقبل مثل أن يقول: والله لأفعلنّ كذا، والله لا أفعل كذا، فإنّ هذا إذا حنث فيه لزمته الكفارة بلا خلاف، واليمين على الماضي مثل أن يقول: والله لقد كان كذا ولم يكن، أو لم يكن كذا وقد كان، وهو عالم به فهو اليمين الغموس الذي يغمس صاحبه في الإثم لأنّه تعمد الذنوب، ويلزمه الكفارة عندنا، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الكفارة وتحصيله كاللغو.\nثم اعلم أن المحلوف به على ضروب: ضرب منها يكون يمينا ظاهرا وباطنا، ويلزم المرء الكفارة بالحنث فيها، وهو قول الرجل: والله وبالله وتالله، فهذه أيمان صريحة ولا يعتبر فيها النية، والضرب الثاني أن يحلف بصفة من صفات الله ﷿ كقوله: وقدرة الله وعظمة الله وكلام الله وعلم الله ونحوها، فإنّ حكم هذا كحكم الضرب الأول سواء، والضرب الثالث أن يحلف بكنايات اليمين كقوله: أيم الله وحق الله وقسم الله ولعمرو الله ونحوها، فهذا يعتبر فيها النية، فإن نوى اليمين كان يمينا، وإن قال: لم أرد به اليمين قبلنا قوله فيه، والضرب الرابع: أن يحلف بغير الله مثل أن يقول: والكعبة والصلاة واللوح والقلم وحق محمد وأبي وحياتي ورأس فلان ونحوها، فهذا ليس بيمين، ولا يلزم الكفارة بالحنث فيه، وهو يمين مكروه فيه، قال الشافعي: والمعنى أن يكون [...] «١» .\nعبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر يقول: كانت قريش تحلف بآبائها، فقال رسول الله ﷺ: «من كان حالفا فليحلف بالله، لا تحلفوا بآبائكم» [١٤٠] «٢»\n. وسمع رسول الله ﷺ [عمر] «٣» يقول: وأبي فنهاه عن ذلك، قال عمر: فما حلفت بهذا بعد ذاكرا ولا آثرا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٢٦ الى ٢٢٩]</span>\nلِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧) وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨) الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخافا أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)\n_________\n(١) كلام غير واضح.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣٠. [.....]\n(٣) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"2","page":167},{"text":"لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ قتادة: كان الإيلاء طلاق أهل الجاهلية.\nسعيد بن المسيّب: كان ذلك من ضرار أهل الجاهلية، كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحبّ أن يتزوجها غيره يحلف ألّا يقربها أبدا، وكان يتركها كذلك لا أيّما ولا ذات بعل، وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وفي الإسلام، فجعل الله الأجل الذي يعلم به عند الرجل في المرأة وهي أربعة أشهر، فأنزل الله تعالى لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ وفي حرف عبد الله للذين آلوا من نسائهم على أنها الماضي، وقرأ ابن عباس: للذين يقسمون من نسائهم. الإيلاء: الحلف، يقال: آلى يولي، إيلاء، قالت الخنساء:\nفآليت آسى على هالك ... أو أسأل نائحة مالها «١»\nوالاسم منه الألية، قال الشاعر:\nعليّ ألية وصيام ... أمسك طارها ألّا يكفّ\nوفيه أربع لغات، أليّة وألوة وللوة وآلوة ومعنى الآية لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ أن يعتزلوا من نسائهم، فترك ذكره اكتفى بدلالة الكلام عليه، والتربّص: التريث والتوقف، وزعم بعضهم أنّه من المقلوب، قالوا: التربّص: التصبّر، فمثلا أن يحلف الرجل أن لا يقرب امرأته فيقول لها: والله لا أجامعك أو لا يجتمع فراشي بفراشك، ونحو ذلك من ألفاظ الجماع، وكل حين يحلفها الرجل على امرأته فيصير ممتنعا من جماعها أكثر من أربعة أشهر إلّا بشيء [يكون] في بدنه وماله فهو إيلاء، وما كان دون أربعة شهر فليس بإيلاء.\nوكان علي بن أبي طالب (﵁) يقول: الإيلاء يمين في الغضب فإذا حلف في حال الرضا فليس بإيلاء\n، وعامة الفقهاء يجرونه على العمد، ويلزمون الإيلاء في كل يمين منع من جماعها في حال الرضا والغضب، فإذا آلى تبان فإن هو جامع قبل مضي أربعة أشهر كفّر عن يمينه ولا شيء عليه، والنكل ثابت هو إن هو لم يجامع حتّى تنقضي أربعة أشهر، فاختلف الفقهاء فيه، فقال بعضهم: إذا مضت أربعة أشهر ولم يف بانت منه بتطليقة وهي أملك بنفسها، وهذا قول عبد الله بن مسعود ومحمد بن ثابت وقتادة ومقاتل بن حبّان والكلبي وأبي حنيفة، يدلّ عليه قول ابن عباس: عزيمة الطلاق إمضاء أربعة أشهر.\nوقال بعضهم: إذا مضت أربعة أشهر والرجل ممتنع فإن عفّت المرأة ولم تطلب حقّها من الجماع فلا شيء على الرجل ولا يقع به طلاق وهما على نكاح ما لو قامت على ذلك، وإن\n_________\n(١) زاد المسير: ٤/ ٢٠٤، وكتاب العين: ٨/ ٣٤٩، ولسان العرب: ١٥/ ٤٦٥.","vol":"2","page":168},{"text":"طلبت حقها وقف الحاكم زوجها، فإما أن يفي وإما أن يطلّق، فإن أبى [الفيئة] والطلاق جميعا طلق عليه الحاكم، وقيل: يحبسه أبدا حتّى يطلّق، وجملة هذا القول الذي ذكروا من الوقف قول عمر وعثمان وعليّ وأبي الدرداء وابن عمر وعائشة وسعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد، ومذهب مالك والشافعي وأبي ثور وأبي عبيدة وأحمد وإسحاق وعامة أهل الحديث.\nوقال يونس الصواف: أتيت سعيد بن المسيّب فقال: من أين؟ قلت: من الكوفة، قال:\nوإنّهم يقولون في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر [فلا شيء عليه] ولا أربع سنين حتّى لو [يفيء أن يطلّق] وألغى الجماع فإن كان عاجزا عن الجماع بمرض أو عنّة أو نحوها فاء بلسانه وأشهد.\nوقال: كان إبراهيم النخعي يقول: ألغي باللسان على كل حال، فإذا فاء فعليه الكفارة ليمينه في قول الفقهاء، إلّا الحسن وإبراهيم وقتادة فإنهم أسقطوا الكفارة عن المولى إذا فاء لقوله فَإِنْ فاؤُ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقال إبراهيم: هذا في إسقاط الحق به لا في الكفارة.\nوَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي حققوا وصدّقوا ونووا، وقرأ ابن عباس: وإن عزموا السراح، وهو الطلاق أيضا.\nفَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم عَلِيمٌ بنيّاتهم، وفيه دليل على أنّها لا تطلّق بعد مضي الأربعة الأشهر ما لم يطلقها زوجها أو السلطان لأنه شرط فيه العزم، ولأن السماع يقتضي [...] «١»\nوالقول هو الذي يسمع، والسماع راجع إلى الطلاق والله أعلم.\nوَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ الآية، قال مقاتل بن حيان والكلبي: كان الرجل أول الإسلام إذا طلّق امرأته ثلاثا وهي حبلى فهو أحق برجعتها ما لم تضع ولدها إلى أن نسخ الله ذلك بقوله الطَّلاقُ مَرَّتانِ وقوله فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ الآية، وطلّق إسماعيل بن عبد الله الغفاري امرأته قتيلة وهي حبلى.\nوقال مقاتل: هو مالك بن الأشدق رجل من أهل الطائف، قالوا جميعا: ولم يشعر الرجل بذلك ولم تخبره بذلك، فلمّا علم بحبلها راجعها وردّها إلى بيته، فولدت وماتت ومات ولدها، وفيها أنزل الله تعالى هذه الآية وَالْمُطَلَّقاتُ أي المخلّيات من حبال أزواجهن وهو من قولهم: أطلقت الشيء من يدي وطلقته إذا خلّيته، إلّا أنهم لكثرة استعمالهم اللفظين فرّقوا بينهما ليكون التطليق مقصورا في الزوجات وبذلك أنزل القرآن يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ والاسم منه الطلاق، ويقال: طلق الرجل المرأة وطلّقت وطلقت معا، وأصله من قولهم: انطلق الرجل إذا مضى غير ممنوع، ويقال للشوط الذي يجريه الفرس وغيره من غير أن يمنع طلق.\nيَتَرَبَّصْنَ ينتظرن بِأَنْفُسِهِنَّ ولا يتزوجن ثَلاثَةَ قُرُوءٍ، جمع قرء، مثل قرع وجمعه القليل\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"2","page":169},{"text":"قروء والجمع الكثير أقراء وقرء، واختلف الفقهاء في القروء،\nفقال قوم: هي الحيض، وهو قول علي وعمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري ومجاهد ومقاتل بن حيّان، ومذهب سفيان وأبي حنيفة وأهل الكوفة\n، واحتجوا\nبقول النبي ﷺ للمستحاضة: «دعي الصلاة أيام أقرائك» [١٤١] «١»\nوالصلاة إنما تترك في حال الحيض، يقول الراجز أنشده تغلب عن ابن الأعرابي:\nله قروء كقروء الحائض «٢»\nيعني أنّ عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن المرأة تحيض بأوقات معلومة، فمن قال بهذا القول قال: لا تحلّ المرأة للأزواج ولا تخرج من عدّتها ما لم تنقض الحيضة الثالثة، يدل عليه ما\nروى الزهري عن ابن المسيّب أن عليا قال في الرجل يطلق امرأته واحدة أو ثنتين: [لا] يحل لزوجها الرجعة إليها حتّى تغتسل من الحيضة الثالثة وتحلّ لها الصلاة.\nوقال آخرون: هي الأطهار وهو قول زيد بن ثابت وابن عمر وعائشة ومذهب مالك والشافعي وأهل المدينة، واحتجوا بقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ\nوقال النبي ﷺ- لمّا طلّق ابن عمر امرأة وهي حائض- لعمر: مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك، وتلا النبي ﷺ قوله ﷿ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فأخبر ﷺ أنّ العدّة الأطهار من الحيض وقرأ فَطَلِّقُوهُنَّ لتتم عدتهنّ\n، وهو أن يطلقها طاهرا لأنها حينئذ تستقبل عدّتها، ولو طلقت أيضا لم تكن مستقبلة عدّتها إلّا بعد الحيض، ويدلّ على تلك القروء والأطهار قول الشاعر وهو الأعشى:\nوفي كل عام أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم غزائكا\nمورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا «٣»\nوالقرء في هذا البيت الطهر، لأنّه خرج إلى الغزو ولم يغش نساءه فأضاع اقراءهنّ أي أطهارهن، ومن قال بهذا القول قال: إذا حاضت المرأة الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها وحلّت للزواج، يدلّ عليه ما روى الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة، قالت: إذا دخلت المطلقة في الحيضة الثالثة فقد بانت من زوجها وحلّت للأزواج، قالت عمرة: وكانت عائشة تقول: القرء:\nالطهر ليس الحيض.\nابن شهاب قال: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلّا وهو يقول هذا، يريد قول عائشة الأقراء الأطهار، وإنما وقع هذا الاختلاف لأن القرء في اللغة\n_________\n(١) سنن الدارقطني: ١/ ٢٢٠.\n(٢) لم نجدها بهذه الألفاظ، انظر: جامع البيان للطبري: ١/ ٤٨٤، وتفسير القرطبي: ١/ ٤٤٨، وغريب الحديث: ١/ ٣٤.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢/ ٦٠٣، والصحاح للجوهري: ١/ ٦٤.","vol":"2","page":170},{"text":"من الأضداد يصلح للمعنيين جميعا، يقول أقرأت المرأة إذا حاضت وأقرأت إذا طهرت، فهي تقرى، واختلفوا في أصلها، فقال أبو عمر وأبو عبيدة هو وقت مجيء الشيء وذهابه، يقال:\nرجع فلان لقرئه وقاريه أي لوقته الذي يرجع فيه، وهذا قاري الرياح أي وقت هبوبها «١» .\nقال مالك بن الحرث الهذلي:\nكرهت العقر عقر بني شليل ... إذا هبّت لقارئها الرياح «٢»\nأي لوقتها، ويقال: أقرأت النجوم إذا طلعت، وأقرأت إذا أفلت.\nقال كثير:\nإذا ما الثريا وقد أقرأت ... أحسّ السما كان منها أفولا\nفالقرء للوجهين، لأن الحيض يأتي لوقت والطهر يأتي لوقت، وقيل: هو من [قرء الماء في الحوض، وهو جمعه]، قال عمرو بن كلثوم:\nذراعي عيطل إذماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا «٣»\nأي لم تحمل، ولم تضم في رحمها، وإنما تقول العرب: ما قرأت الناقة بلا قرط أي لا تضمّ رحمها على ولد، ومنه قولهم: قرأت القرآن أي نطقت به مجموعا، هذا اختيار الزجّاج.\nقال: ومنه قريت الماء في المقراة، ترك همزها والأصل فيه الهمز، فالقرء احتباس الدم واجتماعه وهو يكون في حال الطهر والحيض جميعا، إلّا أن الترجيح للطهر لأنّه يجمع الدم ويحبسه، والحيض يرخّيه ويرسله والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>حكم الآية</span>\nاعلم أن لفظها خبر ومعناها أمر، كقوله وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ وأمثاله، والعدّة على ضربين: عدّة المطلقة وعدة المتوفى عنها زوجها، فعدّة المطلقة على ثلاثة أضرب: عدة الحائض ثلاثة قروء، وعدّة الحامل أن تضع حملها، وعدّة الصغيرة التي لم تحض والكبيرة التي آيست ثلاثة أشهر، وعدّة المتوفى عنها زوجها ضربان: إن كانت حاملا فعدّتها أن تضع حملها وإلّا فعدّتها أربعة أشهر وعشرة، وعدّة الإماء فيما له نصف ومن الأقراء قرآن لأنها لا نصف ولا عدّة على متن لم يدخل بها إذا توفي عنها زوجها، فعدّتها أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ...\nوَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحامِهِنَّ قال عكرمة وإبراهيم: يعني الحيض، وهو أن تعتدّ المرأة فيريد الرجل أن يراجعها فتقول: إنّي قد حضت الثالثة. ابن عباس\n_________\n(١) زاد المسير: ١/ ٢٣٢.\n(٢) الصحاح للجوهري: ١/ ٦٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١/ ٦٥، والصحاح: ٥/ ١٧٦٨.","vol":"2","page":171},{"text":"وقتادة ومقاتل: يعني الحمل في الولد، فمعنى الآية لا يحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من الحيض والحمل ليبطلن حق الزوج في الرجعة والولد، فإنّ المرأة أمينة على فرجها.\nإِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أزواجهنّ، وهو جمع بعل، كالفحولة والذكورة والحزولة والخيوطة، ويقال: تبعّلت المرأة إذا تزوجت، ومنه قيل للجماع بعال، وإنما سمي الزوج بعلا لقيامه بأمور زوجته، وأصل البعل السيّد والمالك، قال الله تعالى أَتَدْعُونَ بَعْلًا وقرأ مسلم بن محارب وَبُعُولَتْهُنَّ بإسكان التاء لكثرة الحركات، والاتباع أفصح وأحسن وأوفق وأولى.\nأَحَقُّ أولى بِرَدِّهِنَّ أي برجعتهن فِي ذلِكَ أي في حال العدّة إِنْ أَرادُوا إِصْلاحًا لا إضرارا، وذلك إن الرجل إذا أراد الإضرار بامرأته طلّقها واحدة وتركها حتّى إذا قرب انقضاء عدّتها راجعها، ثم تركها مدّة، ثم طلّقها أخرى وتركها كما فعل في الأولى، ثم راجعها فتركها مدّة ثم طلقها وَلَهُنَّ أي وللنساء على أزواجهنّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ من الحق.\nيروى أن امرأة معاذ قالت: يا رسول الله ما حق الزوجة على زوجها؟ قال: «أن لا يضرب وجهها، وأن لا يقبحها، وأن يطعمها مما يأكل، ويلبسها مما يلبس ولا يهجرها» [١٤٢] «١» .\nالمبارك بن فضالة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «استوصوا بالنساء خيرا فإنّهن عندكم عوان لا يملكنّ لأنفسهن شيئا» «٢» «إنما اتخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله» [١٤٣] «٣» .\nوعن ميمونة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خيار الرجال من أمتي خيرهم لنسائهم، وخير النساء من أمتي خيرهنّ لأزواجهنّ، يرفع لكل امرأة منهنّ كل يوم وليلة أجر ألف شهيد قتلوا في سبيل الله صابرين محتسبين، ولفضل إحداهنّ على الحور العين كفضل محمّد على أدنى رجل منكم، وخير النساء من أمتي من تأتي مسيرة زوجها في كل شيء يهواه ما خلا معصية الله ﷿، وخير الرجال من أمتي من يلطف بأهله لطف الوالدة بولدها، يكتب لكل رجل منهم في كل يوم وليلة أجر مائة شهيد قتلوا في سبيل الله محتسبين صابرين» .\nفقال عمر بن الخطاب (﵁): يا رسول الله فكيف يكون للمرأة أجر ألف شهيد وللرجل مائة شهيد؟ قال: «أو ما علمت أن المرأة أعظم أجرا من الرجل، وأفضل ثوابا، وأنّ الله ﷿ ليرفع الرجل في الجنة درجات فوق درجاته برضا زوجته عنه في الدنيا ودعائها له؟ أوما\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٢/ ١٠٠.\n(٢) سنن ابن ماجة: ١/ ٥٩٤/ من حديث ١٨٥١.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٧٣.","vol":"2","page":172},{"text":"علمت أنّ أعظم وزر بعد الشرك بالله المرأة إذا غشت زوجها؟\nألا فاتقوا الله في الضعيفين، فإنّ الله سائلكم عنهما: اليتيم والمرأة، فمن أحسن إليهما فقد بلغ إلى الله ورضوانه، ومن أساء إليهما فقد استوجب من الله سخطه، حق الزوج على المرأة كحقّي عليكم، فمن ضيّع حقّي فقد ضيّع حق الله، ومن ضيّع حق الله فقد باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ» [١٤٤] .\nبِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ في الفضل.\nقال ابن عباس: بما ساق إليها من المهر، وأنفق عليها من المال، وقيل: بالعقل، وقيل:\nبالميراث، وقيل: بالدرجة، قال قتادة: بالجهاد.\nعن أبي جعفر محمد بن علي عن جابر بن عبد الله، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ وهو في نفر من أصحابه إذ أقبلت امرأة حتّى قامت على رأسه، ثم قالت: السلام عليك يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، ليست من امرأة [سمعت بمخرجي] إليك إلا أعجبها ذلك، يا رسول الله: إن الله ربّ الرجال وربّ النساء، وآدم أب الرجال وأب النساء، وحواء أم الرجال وأم النساء، فالرجال إذا خرجوا في سبيل الله وقتلوا ف أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وإذا خرجوا فلهم من الأمر ما قد علمت، ونحن [نحبس] عليهم ونخدمهم فهل لنا من الأجر شيء؟ قال: «نعم، أقرئي النساء السلام وقولي لهنّ: «إنّ طاعة الزوج واعترافا بحقه يعدل ذلك، وقليل منكنّ يفعله» [١٤٥] «١» .\nثابت عن أنس، قال: جئن إلى رسول الله ﷺ فقلن: يا رسول الله ذهب الرجال بالفضل بالجهاد في سبيل الله، فما لنا عمل بعدك به عمل في سبيل الله.\nبكر بن عبد الله المزني عن عمران بن الحصين قال: سئل رسول الله ﷺ هل على النساء جهاد؟ قال: «نعم، جهادهن الغيرة، يجاهدن أنفسهن فإن صبرن فهنّ مجاهدات، وإن صبرن فهنّ مرابطات ولهنّ أجران اثنان» [١٤٦] «٢» .\nوقيل: بالطلاق والرجعة، وقيل: بالشهادة، وقيل: بقوة العبادة، وقال سفيان وزيد بن أسلم: بالإمارة. وقال القتيبي: معناه: وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ أي فضيلة للحق.\nوَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ الطَّلاقُ مَرَّتانِ\nروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن امرأة أتتها فشكت أنّ زوجها يطلقها ويسترجعها ليضارّها بذلك، وكان الرجل في الجاهلية إذا طلّق امرأته ثم راجعها قبل أن تنقضي عدّتها كان له ذلك، فإن طلّقها ألف مرة لم يكن للطلاق عندهم حدّ، فذكرت ذلك عائشة لرسول الله ﷺ فنزلت الطَّلاقُ مَرَّتانِ فجعل حدّ الطلاق ثلاثا\nوللطلاق الثالث قوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ\nوقيل للنبي ﷺ\n_________\n(١) المصنف لعبد الرزاق: ٨/ ٤٦٣.\n(٢) لم نجده في المصادر. [.....]","vol":"2","page":173},{"text":"الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة؟ قال فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.\nوقال المفسّرون: معنى الآية الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرّتان فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أي عليه إمساك بمعروف أي يراجعها في التطليقة الثالثة أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ بعدها ولا يضارّها فإن طلقها واحدة أو ثنتين فهو أملك برجعتها ما دامت في العدّة، فإذا انقضت العدّة فهي أحق بنفسها، وجاز أن يراجعها عن تراض منهما بنكاح جديد، فإن طلّقها الثالثة بانت منه وكانت أحق بنفسها منه، ولا تحلّ له حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.\nوَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا في حال الاستبدال والطلاق مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا أعطيتموهنّ من المهور وغيرها، ثم استثنى الخلع فقال إِلَّا أَنْ يَخافا أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ\nنزلت هذه الآية في جميلة بنت عبد الله بن أبي أوفى تزوجها ثابت بن قيس بن شماس، وكانت تبغضه بغضا شديدا، وكان يحبّها حبّا شديدا، وكان بينهما كلام فأتت أباها فشكت إليه زوجها وقالت: إنه يسيء إليّ ويضربني، فقال لها: ارجعي إلى زوجك فوالله إنّي لأكره للمرأة أن لا تزال رافعة يدها تشكو زوجها، فرجعت إليه الثانية وبها أثر الضرب، فشكت إليه فقال لها:\nارجعي إلى زوجك، فلمّا رأت أنّ أباها لا يشكيها أتت رسول الله ﷺ، فشكت إليه زوجها وأرته آثارا بها من الضرب وقالت: يا رسول الله لا أنا ولا هو، قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت بن قيس فقال: يا ثابت ما لك ولأهلك؟ قال: والذي بعثك بالحق ما على ظهر الأرض أحبّ إليّ منها غيرك، قال لها: ما تقولين؟ فكرهت أن تكذب رسول الله حين سألها، فقالت:\nصدق يا رسول الله، ولكنّي خشيت أن يهلكني فأخرجني منه يا رسول الله، فقال: إني قد أعطيتها حديقة لي فقل لها فلتردّها عليّ وأنا أخلّي سبيلها، قال لها: ما تقولين تردّين إليه حديقته وتملكين أمرك؟ قالت: نعم، وأنا لا أريده، قال: لا، حديقته فقط.\nثم قالت: يا رسول الله ما كنت أحدّثك اليوم حديثا ينزل عليك خلافه غدا هو من أكرم الناس حبّه لزوجته ولكنّي أبغضه، فلا هو ولا أنا، فقال له النبي ﷺ: «يا ثابت خذ منها ما أعطيتها وخلّ سبيلها» [١٤٧] «١» ففعل، وكان أوّل خلع في الإسلام، فأنزل الله ﷿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخافا يعلما\n، وتصديقه قراءة أبي: إلّا أن يظنّا، وقال محجن:\nفلا تدفننّي بالفلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها «٢»\nأي أعلم، وقرأ أبو جعفر وحمزة ويعقوب: (يُخافا) بضمّ الياء أي يعلم ذلك منهما اعتبارا\n_________\n(١) ذكرها النسائي في سننه: ٦/ ١٨٦، وكذلك جامع البيان للطبري: ٢/ ٦٢٦، والإصابة لابن حجر: ٨/ ٨١، لكن كلها على نحو الاختصار.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢/ ٦٢٥.","vol":"2","page":174},{"text":"بقراءة ابن مسعود: إلّا أن يخافوا، واختاره أبو عبيد لقوله تعالى فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ قال: فجعل الخوف لغيرهما ولم يقل فإن يخافا ألّا يقيما حدود الله وهو أن تخاف المرأة الفتنة على نفسها فتعصي الله في أمر زوجها، ويخاف الزوج إذا لم تطعه امرأته أن يعتدي عليها، فنهى الله تعالى الرجل أن يأخذ من امرأة شيئا بغير رضاها إلّا أن يكون النشوز وسوء الخلق من قبلها فنقول: والله لا أبرّ لك قسما ولا أطيع لك أمرا ولا أطأ لك مضجعا، ونحو ذلك، فإذا فعلت ذلك به حلّ له العقوبة منها إذا دعته إلى ذلك، ويكره أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها، ولكنه في الحكم جائز.\nيبيّن ذلك ما روى الحكم بن عيينة أنّ امرأة نشزت على زوجها في إمارة عمر بن الخطاب، فوعظها عمر (﵁) وأمرها بطاعة زوجها فأبت وقالت: لئن رددتني إليه والله لأقتلنّ نفسي، فأمر بها فحبست في إصطبل الدواب في بيت الزمل ثلاث ليال، ثم دعاها فقال: كيف رأيت مكانك؟ فقالت: ما بتّ ليالي أقرّ لعيني منها، وما وجدت الراحة مذ كنت عنده إلّا هذه الليالي، فقال: هذا وأبيكم النشوز، ثم قال لزوجها: اخلعها ولو من قرطيها، اخلعها بما دون عقاص رأسها فلا خير لك فيها، فذلك قوله ﷿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ المرأة نفسها منه.\nقال الفراء: أراد به الزوج دون المرأة فذكرهما جميعا لأقرانهما كقوله نَسِيا حُوتَهُما وإنما الناسي فتى موسى دون موسى ﵇ وقوله يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ وإنما يخرج من المالح دون العذب، وقال الشاعر:\nفإن تزجراني يا ابن عفّان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنّعا «١»\nوقال قوم معناه: فَلا جُناحَ عَلَيْهِما جميعا، لا جناح على المرأة في النشوز إذا خشيت الهلاك والمعصية، ولا فيما افتدت به وأعطيت من المال، لأنها ممنوعة من إتلاف المال بغير حق، ولا على الرجل فيما أخذ منها من المال إذا أعطته طائعة بمرادها، وللفقهاء في الخلع قولان:\nأحدهما: إنه فسخ بلا طلاق، وهو قول ابن عباس، وقول الشافعي في القديم بالعراق، ثم رجع عنه بمصر.\nوالقول الثاني: إنّ الخلع تطليقة بائنة إلّا أن ينوي أكثر منها، وهو قول عثمان بن عفان (﵁)، والقول الجديد من قول الشافعي.\nتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ هذه أوامر الله ونواهيه فَلا تَعْتَدُوها فلا تجاوزوها\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ٣/ ٨٦٨، والبيت لسويد بن كراع.","vol":"2","page":175},{"text":"وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٠ الى ٢٣٢]</span>\nفَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)\nفَإِنْ طَلَّقَها يعني ثلاثا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ يعني من بعد التطليقة الثالثة، وبعد رفع على الغاية حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ أي غير المطلّق فيجامعها، والنكاح يتناول العقد والوطء جميعا.\nنزلت هذه الآية في تميمة، وقيل: عائشة بنت عبد الرحمن بن عتيك القرطي، كانت تحت رفاعة بن وهب بن عتيك القرطي، وكان ابن عمها فطلّقها ثلاثا، وتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وما معه إلّا مثل هدبة الثوب، وإنه طلقني قبل أن يمسّني أفأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: «أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» .\nقال: وأبو بكر جالس عند النبي ﷺ، وخالد بن سعيد بن العاص جالس بباب الحجرة فطفق خالد ينادي: يا أبا بكر ألا تزجر هذه عما تهجر به عند رسول الله [١٤٨] «١»، والعسيلة اسم للجماع، وأصلها من العسل شبّه للّذة التي ينالها الإنسان في تلك الحال بالعسل يقال منه:\nعسلها يعسلها عسلا إذا جامعها.\nفلبثت ما شاء الله أن تلبث ثم رجعت إلى النبي ﷺ فقالت: إن زوجي كان قد مسّني، فقال لها النبي ﷺ: «كذبت بقولك الأول فلن نصدّقك في الآخر» [١٤٩] فلبثت حتّى قبض النبي ﷺ فأتت أبا بكر، فقالت: يا خليفة رسول الله أرجع إلى زوجي الأول، فإن زوجي الآخر قد مسّني وطلّقني، فقال أبو بكر: قد شهدت رسول الله ﷺ حين أتيته، وقال لك ما قال فلا ترجعي إليه، فلمّا قبض أبو بكر أتت عمر (﵁) وقالت له مثل ما قالت لأبي بكر، فقال عمر: لئن رجعت إليه لأرجمنّك، فإن الله تعالى قد أنزل\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ٣٤، ٣٧، ٢٢٦، وجامع البيان للطبري: ٢/ ٦٢٦.","vol":"2","page":176},{"text":"فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ\nفَإِنْ طَلَّقَها زوجها الثاني أو مات عنها بعد ما جامعها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني على المرأة المطلّقة وعلى الزوج الأول أَنْ يَتَراجَعا بنكاح جديد، فذكر النكاح بلفظ التراجع إِنْ ظَنَّا علما، وقيل: رجوا، قالوا: ولا يجوز أن يكون بمعنى العلم لأنّ أحدا لا يعلم ما هو كائن إلّا الله ﷿ أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ يعني ما بيّن الله من حق أحدهما على الآخر، ومحلّ (أن) في قوله أَنْ يَتَراجَعا نصب بنزع حرف الجر أي في أن يتراجعا، وفي قوله أَنْ يُقِيما نصب بوقوع الظن عليه.\nوقال مجاهد: ومعناه إن علما أنّ نكاحهما على غير دلسة، وأراد بالدلسة التحليل، هذا مذهب سفيان والأوزاعي ومالك وأبي عبيدة وأحمد وإسحاق، قالوا في الرجل يطلّق امرأته ثلاثا فتزّوج زوجا غيره ليحلّها لزوجها الأول: إن النكاح فاسد، وكان الشافعي يقول: إذا تزوّجها ليحلّها فالنكاح ثابت إذا لم يشترط ذلك في عقد النكاح مثل أن يقول: أنكحك حتى أصيبك فتحلّي لزوجك الأول، فإذا اشترط هذا فالنكاح باطل، وما كان من شرط قبل عقد النكاح فلا يفسد النكاح.\nوقال نافع أتى رجل ابن عمر فقال: إنّ رجلا طلّق امرأته ثلاثا، فانطلق أخ له من غير مراجعة فتزوجها ليحلّها للأول فقال: لا، إلّا بنكاح رغبة، كنّا نعدّ هذا سفاحا على عهد رسول الله ﷺ،\nوقال ﵇: «لعن الله المحلّل والمحلّل له» [١٥٠] «١» .\nعقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أدلّكم على التيس المستعار؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هو المحلّل والمحلّل له» [١٥١] «٢» .\nقبيصة بن جابر الأسدي، قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب وهو على المنبر: والله لا أوتى بمحلّل ولا بمحلّل له إلّا رجمتها.\nوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُها روى المفضل وأبان عن عاصم بالنون لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار، طلّقت امرأته حتّى إذا انقضت عدتها إلّا يومين أو ثلاثة وكادت تبين منه، راجعها ثم طلقها، ففعل بها ذلك حتّى مضيت لها تسعة أشهر مضارة لها بذلك، ولم يكن الطلاق يومئذ محصورا، وكان إذا أراد الرجل أن يضارّ امرأته طلقها ثم تركها حتّى تحيض الحيضة الثالثة، ثم راجعها ثم طلّقها فتطويله عليها هو الضرار، فأنزل الله تعالى وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي أمرهنّ في أن تبين بانقضاء العدة، ولم يرد إذا انقضت عدتهنّ لأنها إذا انقضت عدّتها لم يكن للزوج إمساكها، فالبلوغ\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٢٢.\n(٢) كنز العمال: ٩/ ٧٠٦ ح ٢٨٠٦٦.","vol":"2","page":177},{"text":"هاهنا بلوغ مقاربة، وقوله بعد هذا فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ بلوغ انقضاء وانتهاء، والبلوغ يتناول المعنيين جميعا، يقال: بلغ المدينة إذا صار إلى حدّها وإذا دخلها.\nفَأَمْسِكُوهُنَّ أي راجعوهنّ بِمَعْرُوفٍ قال محمد بن جرير: بمعروف أي بإشهاد على الرجعة وعقد لها دون الرجعة بالوطء أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي اتركوهنّ حتّى تنقضي عدّتهنّ، وكنّ أملك لأنفسهنّ.\nوَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا مضارّة وأنتم لا حاجة بكم إليهنّ لِتَعْتَدُوا عليهن بتطويل العدّة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الاعتداء فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ضرّها بمخالفة أمر الله ﷿.\nمرّة الطيب، عن أبي بكر الصديق (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: «ملعون من ضارّ مسلما أو ماكره» [١٥٢] «١» .\nوَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا الحسن عن أبي الدرداء قال: كان الرجل يطلق في الجاهلية ويقول: إنّما طلّقت وأنا لاعب فيرجع فيها ويعتق، فيقول مثل ذلك ويرجع فيه وينكح، ويقول مثل ذلك، فأنزل الله تعالى وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا يقول: حدود الله\nوقرأها رسول الله ﷺ، فقال: من طلق أو حرّر وأنكح وزعم أنّه لاعب فهو جدّ\n، وفي الخبر: خمس جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: الطلاق، والعتاق، والنكاح، والرجعة، والنذر.\nوعن أبي موسى، قال: غضب رسول الله ﷺ على الأشعريين قال: يقول «أحدكم لامرأته: قد طلقتك، قد راجعتك، ليس هذا طلاق المسلمين، طلّقوا المرأة في قبل طمثها «٢»» «٣» .\nوقال الكلبي وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُوًا يعني قوله فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ.\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالإيمان وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ يعني القرآن وَالْحِكْمَةِ يعني مواعظ القرآن والحدود والأحكام.\nيَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ الآية،\nنزلت في جميلة بنت يسار أخت معقل بن يسار المزني، كانت تحت أبي البدّاح عاصم بن عدي بن عجلان، فطلّقها تطليقة واحدة ثم تركها حتّى انقضت عدّتها ثم جاء يخطبها وأراد مراجعتها وكان رجل صدق، وكانت المرأة تحبّ مراجعته، فمنعها أخوها معقل\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٣/ ٢٢٣.\n(٢) في تفسير الطبري والدر المنثور: (١/ ٢٨٦): عدتها.\n(٣) بتفاوت في سنن ابن ماجة: ١/ ٦٥٠ ح ٢٠١٧، والسنن الكبرى: ٧/ ٣٢٢، وتمامه في تفسير الطبري: ٢/ ٦٥٥.","vol":"2","page":178},{"text":"وقال لها: لئن راجعته لا أكلمك أبدا، وقال لزوجها: أفرشتك كريمتي وآثرتك بها على قومي فطلّقتها، ثم لم تراجعها حتّى إذا انقضت عدّتها جئت تخطبها، والله لا أنكحك بها أبدا، وحمى أنفا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فدعا رسول الله معقلا وتلاها عليه، فقال: فإني أؤمن بالله واليوم الآخر، فأنكحها إيّاه وكفّر يمينه\nعلى قول أكثر المفسّرين.\nوقال السدّي: نزلت هذه الآية في جابر بن عبد الله الأنصاري، وكانت له بنت عم فطلّقها زوجها تطليقة واحدة وانقضت عدّتها ثم أراد رجعتها، فأتى جابر فقال: طلّقت ابنة عمي ثم تريد أن تنكحها الثانية، وكانت المرأة تريد زوجها فأنزل الله وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فانقضت عدّتهن قال الزجّاج: الأجل آخر المدة وعاقبة الأمور، قال لبيد:\nفاخرها بالبرّ لله الأجل\nيريد عاقبة الأمور.\nفَلا تَعْضُلُوهُنَّ فلا تمنعوهنّ، والعضل: المنع من التزوّج، وأنشد الأخفش:\nونحن عضلنا بالرماح لسانا ... وما فيكم عن حرمة له عاضل\nوأنشد:\nوأن قصائدي لك فاصطنعني ... كرائم قد عضلن عن النكاح\nوأصل العضل الضيق والشدّة، يقال: عضلت المرأة والشاة إذا تشبث ولدهما في بطنهما فضاق عليه الخروج، وعضلت الدجاجة إذا تشبّث البيض فيها، وعضل الفضاء بالجلّس إذا ضاق عليهم لكثرتهم، ويقال: ذا عضال إذا ضاق علاجه فلا يطاق، ويقال: عضل الأمر إذا اشتدّ وضاق.\nقال عمر (﵁): أعضل أهل الكوفة لا يرضون بأمير ولا يرضاهم أمير، وقال أوس بن حجر:\nوليس أخوك الدائم العهد بالذي ... يذمّك إن ولّى ويرضيك مقبلا\nولكنّه النائي إذا كنت آمنا ... وصاحبك الأدنى إذا الأمر أعضلا «١»\nقال طاوس: لقد وردت عضل أقضية ما قام بها إلّا ابن عباس، وكل مشكل عند العرب معضل ومنه قول الشافعي:\nإذا المعضلات بعدن عني ... كشفت حقائقها بالنظر\nأَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ الأوّل بنكاح جديد إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ بعقد حلال\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢/ ٦٦١.","vol":"2","page":179},{"text":"ومهر جائز، ونظم الآية: فلا تعضلوهنّ أن ينكحن أزواجهنّ بالمعروف إذا تراضوا بينهم، وفي هذه الآية دليل قول من قال: لا نكاح إلّا بولي لأنه تعالى خاطب الأولياء في التزويج، ولو كان للمرأة إنكاح نفسها لم يكن هناك عضل ولا لنهي الله الأولياء عن العضل معنى، يدلّ عليه ما\nروى أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «لا نكاح إلّا بولي» [١٥٣] «١» .\nذلِكَ أي ذلك الذي ذكرت من النهي يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وإنما قال ذلك موحدا والخطاب للأولياء لأنّ الأصل في مخاطبة الجمع ذلكم ثم كثر ذلك حتى توهّموا أنّ الكاف من نفس الحرف، وليس بكاف الخطاب، فقالوا ذلك، وإذا قالوا هذا كانت الكاف موحدة منصوبة في الآيتين والجمع والمذكر والمؤنث.\nوقيل: ها هنا خطاب للنبي ﷺ فلذلك وحّده ثم رجع إلى خطاب المؤمنين، فقال عزّ من قائل ذلِكُمْ أَزْكى خير وأفضل لَكُمْ وَأَطْهَرُ لقلوبكم من الريبة وذلك أنهما إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة حبّ لم يؤمن بأن يتجاوز ذلك إلى غير ما أحلّ الله لهما، ولم يؤمن من أوليائهما إن سبق إلى قلوبهم منهما لعلّهما أن يكونا بريئين من ذلك فيأثمون.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ من خبر كل واحد منهما لصاحبه وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٣ الى ٢٣٤]</span>\nوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)\nوَالْوالِداتُ المطلقات اللاتي لهنّ أولاد من أزواجهنّ المطلقين ولدنهم قبل الطلاق أو بعده يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ يعني أنهنّ أحق برضاعهنّ من غيرهنّ، أمر استحباب لا أمر إيجاب من أنه رضاعهن عليهنّ لأنه ﷾ قال في سورة الطلاق فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ إلى لَهُ أُخْرى «٢» .\nثم بيّن حدّ الرضاع فقال: حَوْلَيْنِ أي سنتين، وأصله من قولهم: حال الشيء إذا انتقل وتغيّر كامِلَيْنِ على التأكيد كقوله تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، وقال أهل المعاني: إنما قال كامِلَيْنِ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٣٩٤.\n(٢) سورة الطلاق: ٦.","vol":"2","page":180},{"text":"لأنّ العرب تقول: أقام فلان مقام كذا حولين أو شهرين وإنما أقام حولا وبعض آخر، ويقولون:\nاليوم يومان مذ لم أره، وإنما يعنون يوما وبعض آخر، ومنه قوله فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ومعلوم أنه يتعجل أو يتأخر في يوم ونصف، ومثلها كثير، فبيّن الله أنهما حولان كاملان أربعة وعشرين شهرا من يوم ولد إلى أن يفطم.\nواختلف العلماء في هذا الحدّ أهو حدّ لكل مولود أو حدّ لبعض دون بعض؟ فروى عكرمة عن ابن عباس: إذا وضعت لستة أشهر فإنها ترضعه حولين كاملين، أربعة وعشرين شهرا، وإذا وضعته لسبعة أشهر أرضعته ثلاثة وعشرين شهرا، وإذا وضعته لتسعة أشهر أرضعته إحدى وعشرين شهرا، كل ذلك تمام ثلاثين شهرا، قال الله تعالى: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا.\nوقال قوم: هو حدّ لكل مولود في وقت وأن لا ينقص من حولين ولا يزيد إلّا أن يشاء الزيادة فإن أراد الأب يفطمه قبل الحولين ولم ترض الأم فليس له ذلك، وإذا قالت الأم: أنا أفطمه قبل الحولين، وقال الأب: لا، فليس لها أن تفطمه حتّى يتفقا جميعا على الرضا، فإن اجتمعا قبل الحولين فطماه وإن اختلفا لم يفطماه قبل الحولين، وذلك قوله عَنْ تَراضٍ مِنْهُما ويشاور هذا قول ابن جريح والثوري ورواية الوالبي عن ابن عباس.\nوقال آخرون: المراد بهذه الآية الدلالة على الرضاع ما كان في الحولين، فإنّ ما بعد الحولين من الرضاع يحرم، وهو قول علي وعبد الله وابن عباس وابن عمر وعلقمة والشعبي والزهري\n، وفي الحديث: لا رضاع بعد الحولين، وإنما يحرم من الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم.\nوقال قتادة والربيع: فرض الله ﷿ على الوالدات أن يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ ثم أنزل الرخصة والتخفيف بعد ذلك فقال: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ أي هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك وقت محدود، وإنما هو على مقدار صلاح الصبي وما يعيش به، وقرأ أبو رجاء لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرِّضاعَةَ بكسر الراء، قال الخليل والفرّاء: هما لغتان، مثل الوكالة والوكالة والدّلالة.\nوقرأ مجاهد وابن محجن لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضْعَةَ وهي فعلة كالمرّة الواحدة، وقرأ عكرمة وحميد وعون العقيلي لمن أراد أن تتم الرضاعة بتاء مفتوحة ورفع الرضاعة على أن الفعل لها، وقرأ ابن عباس يكمل الرضاعة.\nوَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ يعني الأب رِزْقُهُنَّ طعامهنّ وقوتهنّ وَكِسْوَتُهُنَّ لباسهنّ، وقرأ طلحة عن مصرف كُسْوَتُهُنَّ بضم الكاف، وهما لغتان مثل أسوه وإسوة ورشوه ورشوة بِالْمَعْرُوفِ علم الله تفاوت أحوال خلقه في الغنى والفقر، فقال بِالْمَعْرُوفِ أي على قدر الميسرة جعل الرضاعة على الأم والنفقة على الأب لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها والتكليف","vol":"2","page":181},{"text":"الإلزام، قال الشاعر:\nتكلّفني معيشة آل فهر ... ومن لي بالصلائق والصناب «١»\nوالوسع ما يسع الإنسان فيطيقه ولا يضيق عليه، وهو اسم كالجهد والوجد، وقيل: الوسع يعني الطاقة، ورفع (النفس) باسم الفعل المجهول لأنّه وضع موضع الفاعل، وانتصب (الوسع) بخبر الفعل المجهول، لأنّه أقيم مقام المفعول، نظيرها في سورة الطلاق.\nلا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها قرأ ابن محجن وابن كثير وشبل وأبو عمرو وسلام ويعقوب وقتيبة برفع الراء مشددة وأجازه أبو حاتم على الخبر مسبوقا على قوله لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ وأصله فلا يضارر فأدغمت الراء في الراء، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكناني وخلف لا تُضَارَّ مشددة منصوبة الراء، واختاره أبو عبيد على النهي وأصله لا تضارر فأدغمت وحرّكت إلى أخفّ الحركات وهو النصب، ويدلّ عليه قراءة عمر: لا تضارر على إظهار التضعيف، وقرأ الحسن: لا تضارِّ براء مدغمة مكسورة لأنها لمّا أدغمت سكّنت، وبجزمه تحرّك إلى الكسر، وروى أبان عن عاصم: لا تضارر مظهرة مكسورة على أنّ الفعل لها، وقرأ أبو جعفر لا تضارْ بجزم الراء وتخفيفه على الحذف طلبا للخفّة.\nومعنى الآية لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها فينزع الولد منها إلى غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه وألفها الصبي وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ولا تلقيه هي إلى أبيه بعد ما عرفها تضارّه بذلك.\nوقيل: معناه لا تُضَارَّ والِدَةٌ فيكرهها على الرضاعة إذا قبل من غيرها، وكرهت هي إرضاعه لأنّ ذلك ليس بواجب عليها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ فيحمل على أن يعطي الأم إذا لم يرضع الولد إلّا منها أكثر ممّا يحب لها عليه، فهذان القولان على مذهب الفعل المجهول على معنى أنه يفعل ذلك بها وبوالده والمولود له مفعولان، وأصل الكلمة يضارّ بفتح الراء الأولى، ويحتمل أن يكون الفعل لهما، وأن يكون تضارّ على مذهب ما قد سمّي فاعله، والمعنى: لا يضارّ والده فتأبى أن ترضع ولدها لتشقّ على أبيه ولا مولود له، ولا يضارّ الأب أم الصبي فيمنعها من إرضاعه وينزعه منها، وعلى هذا المذهب أصله لا يضارر بكسر الراء الأولى، وعلى هذه الأقوال يرجع الضرار إلى الوالدين بضرّ كل واحد منهما صاحبه بسبب الولد.\nويجوز أن يكون الضرار راجعا إلى الصبي أي لا يضارّ كل واحد منهما الصبي، فلا ترضعه الأم حتّى يموت، أولا ينفق عليها الأب أو ينزعه من أمه حتّى يضرّ بالصبي وبكون الياء زائدة معناه: لا تضارّ الأم ولدها ولا أب ولده، وكل هذه الأقاويل مروية عن المفسّرين.\nوَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ اختلف أهل الفتاوى فيه أي وارث هو؟ ووارث من هو؟ فقال\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ١/ ١٦٤، لسان العرب: ١/ ٥٣١، وفيهما: معيشة آل زيد، والبيت لجرير.","vol":"2","page":182},{"text":"قوم: هو وارث الصبي، معناه: وعلى وارث الصبي الذي لو مات الصبي وله خال ورثه، مثل الذي كان على أبيه في حياته.\nثم اختلفوا أي وارث هو من ورثته؟ فقال بعضهم: هو عصبته كائنا من كان من الرجال دون النساء، مثل الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ونحوهم، وهو قول عمر (﵁) والزهري والحسن ومجاهد وعطاء ومذهب سفيان، قال: إذا لم يبلغ نصيب الصبي ما ينفق عليه أجرت العصبة الذين يرثونه أن يسترضعوه.\nقال ابن سيرين: أتى عبد الله بن عتبة في رضاع صبي يتيم ومنعه وليه فجعل رضاعه في ماله، وقال لوارثه: لو لم يكن له مال لجعلنا رضاعه في مالك، ألا ترى أنّ الله ﷿ يقول وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ؟ قال الضحاك: إن مات أب الصبي وللصبي المال أخذ رضاعه من المال، وإن لم يكن له مال أخذ من العصبة، وإن لم يكن للعصبة مال أجرت عليه أمّه.\nوقال بعضهم: هو ويرث الصبي كائنا من كان من الرجال والنساء، وهو قول قتادة والحسن بن صالح وابن أبي ليلى ومذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور قالوا: يجبر على نفقته كل وارث على قدر ميراثه، عصبة كانوا أو غيرهم.\nوقال بعضهم: هو من كان ذا رحم محرم من ورثة المولود فمن لم يكن بمحرم مثل ابن العم والمولى وما أشبههما فليسوا ممن عناهم الله بقوله وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ وإن كانوا من جملة العصبة لا يجبرون على النفقة، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد، قال: لا يجبر على نفقة الصبي إلّا ذو رحمه المحرم، وقال آخرون عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ يعني الصبي نفسه الذي هو وارث أبيه المتوفى فإنّ عليه أجر رضاعه في ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال أجبر أمّه على رضاعه، ولا يجبر على نفقة الصبي إلّا الوالدان، وهو قول مالك والشافعي.\nوقيل: هو الباقي من والديّ المولود بعد وفاة الآخر منهما عليه مثل ذلك، يعني: مثل ما كان على الأب من أجر الرضاع والنفقة والكسوة، قاله أكثر العلماء، وقال الشعبي والزهري:\nوَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ يعني أن لا يضارّ.\nفَإِنْ أَرادا يعني الوالدان فِصالًا فطاما قبل الحولين وأصل الفصل القطع عَنْ تَراضٍ مِنْهُما جميعا به واتفاقا عليه وَتَشاوُرٍ وهو استخراج الرأي، وأصله من شرت الدابة وشوّرتها إذا استخرجت ما عندها من [الغدد] ويقال لعلم ذلك: المشوار.\nفَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أيها الآباء أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ مراضع غير أمهاتهم إذا أبين مراضاتهم أن يرضعنه، أو لعلّة بهنّ أو انقطاع لبنهنّ، أو أردن النكاح، أو خفتم الضيعة على أولادكم فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ إلى أمهاتهم أجرهن بقدر ما أرضعن، وقيل:","vol":"2","page":183},{"text":"سلّمتم أجور المراضع إليهن.\nوقيل: إذا سلّمتم الاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار وذلك قوله تعالى ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ أي يقبضون ويموتون، وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا،\nوقرأ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بفتح الياء\nأي يتوفون أعمارهم وأرزاقهم وتوفى واستوفى بمعنى واحد وَيَذَرُونَ ويتركون أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ فإن قيل: فأين الخبر عن قوله وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ قيل: هو متروك فإنه لم يقصد الخبر عنهم، وذلك جائز في الاسم يذكر ويكون تمام خبره في اسم آخر، أن يقول الأول ويخبر عن الثاني فيكون معناه وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا كقول الشاعر:\nبني أسد أنّ ابن قيس وقتله ... بغير دم دار المذلّة حلّت «١»\nفألغى ابن قيس وقد ابتدأ بذكره، وأخبر عن قتله أنه ذلّ، وأنشد:\nلعلّي أن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي ذبان أن يتندما «٢»\nفقال: لعلّي ثم قال: يتندما لأن المعنى فيه عدا قول الفرّاء.\nوقال الزجّاج: معناه: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا أزواجهم يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ.\nوقال الأخفش: خبره في قوله يَتَرَبَّصْنَ أي يتربصن بعدهم.\nوقال قطرب: معناه ينبغي لهنّ أن يتربصن أي ينتظرن ويحتبسن بأنفسهن، معتدّات على أزواجهن، تاركات الطيب والزينة والأزواج والنقلة عن المسكن الذي كنّ يسكنّه في حياة أزواجهنّ أربعة أشهر وعشرا إلّا أن يكنّ حوامل فيتربصن إلى أن يضعن حملهن، فإذا ولدن انقضت عدّتهنّ.\nروى الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت تفتي للمتوفى عنها زوجها حتّى تنقضي عدّتها أن لا تلبس مصبوغا، وتلبس البياض ولا تلبس السواد، ولا تتزيّن ولا تلبس حليّا ولا تكتحل بالإثمد ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها، ولكنها تتحلّى بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب.\nوروى نافع عن زينب بنت أم سلمة أنّ امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت:\nإن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها حتّى خفت على عينها وهي تريد الكحل، فقال ﵊: «قد كانت احداكنّ تلبس أطمار ثيابها وتجلس في أخسّ بيوتها وتمكث حولا\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢/ ٦٩٣. [.....]\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢/ ٦٩٣.","vol":"2","page":184},{"text":"في بيتها، فإذا كان الحول خرجت فمن كملت رمته ببعرة «١» أفلا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [١٥٤] «٢» .\nوروى نافع عن صفية بنت عبد الرحمن عن حفصة بنت عمر أن النبي ﷺ قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلّا على زوج، فإنها تحدّ عليه أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا» [١٥٥] «٣» .\nوقال سعيد بن المسيّب: الحكمة في هذه المدّة أن فيها ينفخ الروح في الولد، وإنّما قال وَعَشْرًا بلفظ المؤنث لأنه أراد الليالي لأن العرب إذا أتممت العدد من الليالي والأيام غلّبت عليه الليالي فيقولون: صمنا عشرا، والصوم لا يكون إلّا بالنهار، قال الشاعر:\nوطافت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن يضيف ويجار\nأي يخاف فاضح، ويدلّ عليه قراءة ابن عباس: أربعة أشهر وعشر ليال، وقال المبرّد: إنّما أنّث العشر لأنّه أراد به المدد.\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ يعني انقضاء العدّة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يخاطب الأولياء فِيما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ من البر في أن يتولّوه لهنّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٥ الى ٢٣٧]</span>\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥) لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦) وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا معشر الرجال فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ النساء المعتدّات، وأصل التعريض التلويح بالشيء. قال الشاعر:\nكما خطّ عبرانيّة بيمينه ... بتيماء حبر ثم عرّض أسطرا «٤»\nوالتعريض في الكلام ما كان من لحن الكلام الذي يفهم به السامع من غير تصريح، وأصله\n_________\n(١) في المصادر: ترمي بالبعرة، أو رمت ببعرة وراءها.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢/ ٦٩٦ والسنن الكبرى: ٦/ ٢٠٦ بتفاوت.\n(٣) صحيح البخاري: ٢/ ٧٩.\n(٤) الصحاح للجوهري: ٣/ ١٠٨٧، والبيت أنشده الأصمعي للشمّاخ.","vol":"2","page":185},{"text":"من عرض الشيء وهو جانبه يقال: أضرب به عرض الحائط كأنه يحوم حوله ولا يظهره، وتعريض الخطبة المذكورة في هذه الآية على ما جاء في التفسير هو أن يقول لها وهي في العدة:\nإنّك لجميلة، وإنك لصالحة، وإنّك لنافعة، وإنّ من عزمي أن أتزوج، وإني فيك لراغب، وإني عليك لحريص، ولعلّ الله أن يسوق إليك خيرا، وإن جمع الله بيننا بالحلال أعجبني، ولئن تزوجتك لأعطيتك ولأحسن إليك ونحوها من الكلام من غير أن يقول لها: انكحي.\nقال إبراهيم: لا بأس أن يهدي لها ويقوم بشغلها في العدة إذا كانت من شأنه.\nوروى ابن عوف عن محمد عن عبيدة في هذه الآية قال: يقول لوليّها لا سبقني إليها. قال مجاهد قال رجل لامرأة في جنازة زوجها: لا تسبقيني بنفسك، فقالت: قد سبقت،\nوروى ابن المبارك عن عبد الرحمن بن سليمان عن خالته، أن سكينة بنت حنظلة قالت: دخل عليّ أبو جعفر محمد بن علي وأنا في عدّتي فقال: يا بنت حنظلة، أنا من قد علمت من قرابتي من رسول الله ﷺ وحق جدّي عليّ وقدمه في الإسلام، فقالت: غفر الله لك يا أبا جعفر، أتخطبني في عدّتي وأنت يؤخذ عنك؟ فقال: أو لقد فعلت إنما أجرتك بقرابتي من رسول الله ﷺ وموضعي، قد دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة وكانت عند ابن عمها أبي سلمة وتوفي عنها زوجها، فلم يزل رسول الله ﷺ يذكر لها منزلته من الله وهو متحامل على يده حتّى أثّر الحصير في يده من شدة تحامله على يده فما كانت تلك خطبة «١» .\nوقال ابن يزيد في هذه الآية: كان أبي يقول: كلّ شيء كان دون أن يعزما عقدة النكاح فهو زنا، قال الله ﷿ وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ والخطبة التماس النكاح، وهو مصدر قولك: خطب الرجل المرأة يخطبها خطبة وخطبا.\nوقال قوم: هي مثال الجلسة والقعدة والركبة، ومعنى قولهم خطب فلان فلانة: سألها خطبة إلى ما في نفسها أي حاجاته وأمره من قولهم ما خطبك أي حاجتك وأمرك، قال الله فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ وقال الأخفش: الخطبة: الذكر، والخطبة المشهد، فيكون معناه: فيما عرّضتم به من تخطبون النساء عندهنّ أَوْ أَكْنَنْتُمْ أسررتم وأضمرتم فِي أَنْفُسِكُمْ في خطبتهنّ وزواجهنّ، يقال: كننت الشيء وأكننته لغتان، وقال ثعلب: أكننت الشيء خفيته في نفسي وكننته سترته، وقال السدي: هو أن يدخل فيساويهنّ إن شاء ولا يتكلم بشيء.\nعَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ بقلوبكم، وقال الحسن: يعني الخطبة وَلكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ بيوم، قال بعضهم: هو الزنا وكان الرجل يدخل على المرأة من أجل الريبة وهو يعرّض بالنكاح فيقول لها: دعيني فإذا وفيت عدّتك أظهرت نكاحك، فنهى الله تعالى عن ذلك،\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٧٠٥.","vol":"2","page":186},{"text":"هذا قول الحسن وقتادة وإبراهيم وجابر بن زيد وابن أبي مجلز والضحّاك والربيع وعطاء، وهي رواية عطية عن ابن عباس، يدلّ عليه قول الأعشى:\nولا تقربنّ جارة إنّ سرّها ... عليك حرام [وانكحن أو تأبّدا] «١»\nوقال الحطيئة:\nويحرم سرّ جارتهم عليهم ... ويأكل جارهم أنف القصاع «٢»\nوقال مجاهد: هو قول الرجل للمرأة: لا تفوتيني نفسك، فإنّي أنكحك. الشعبي والسدي:\nلا يأخذ ميثاقها أن لا تنكح غيره. عكرمة: لا يخطبها في العدة. سعيد بن جبير: لا يقايضها على كذا وكذا من المال على أن لا تتزوج غيره، وهذه التأويلات كلها متقاربة، والسرّ على هذه الأقوال النكاح، قال امرؤ القيس:\nألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأن لا يحسن السرّ أمثالي «٣»\nقال الأعشى:\nفلم يطلبوا سرّها للغنى ... ولم يسلموها لإزهادها «٤»\nأي نكاحها، وقال الكلبي: لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي لا تصفوا أنفسكم لهنّ بكثرة الجماع فيقول لها آتيك الأربعة والخمسة وأشباه ذلك، وعلى هذا القول السرّ هو الجماع نفسه، وقال الفرزدق:\nموانع للأسرار إلّا لأهلها ... ويخلفن ما ظنّ الغيور المشفشف «٥»\nيعني أنهنّ عفائف اليد عن الجماع إلّا من أزواجهنّ. قال رؤبة:\nفعفّ عن أسرارها بعد الغسق ... ولم يضعها بين فرك وعشق «٦»\nيعني عفّ عن غشيانها بعد ما لزمته لذلك.\nوقال زيد بن أسلم: لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا أي لا تنكحوهنّ سرّا، ثم يمسكها حتّى إذا حلّت أظهرت ذلك، وأصل السرّ ما أخفيته في نفسك، وإنما قيل للنكاح والزنا والجماع السرّ لأنها تكون بين الرجل والمرأة في خفاء، ويقال أيضا للفرج سرّ لأنّه لا يظهر، وأنشد ثعلب عن ابن الأعرابي:\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٦٢٥.\n(٢) لسان العرب: ٢/ ٦٢٥.\n(٣) غريب الحديث: ١/ ٢٣٨، لسان العرب: ١٥/ ٢٥٩.\n(٤) الصحاح للجوهري: ٢/ ٤٨١.\n(٥) الصحاح للجوهري: ٤/ ١٣٨٣.\n(٦) لسان العرب: ٤/ ٣٥٨.","vol":"2","page":187},{"text":"لمّا رأت سرّي تغيّر وانحنى ... من دون [نهمة] سرّها حين انثنى «١»\nثم استثنى فقال إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا قيل عدة جميلة، وقال مجاهد: هو التعرض من غير أن يصرّح ويبوح، و(أن) في محل نصب بدلا من السرّ، وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كلّه منسوخ بقوله وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ أي لا تصححوا عقدة النكاح، وقال ابن الزجاج:\nولا تعزموا على عقدة النكاح، كما يقال: يضرب يد الطهر واليمن «٢» وقال عنترة:\nولقد أبيت على الطوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المطعم «٣»\nأي وأظل عليه.\nحَتَّى يَبْلُغَ الْكِتابُ أَجَلَهُ حتى تنقضي العدّة وإنما سماها كتابا لأنها فرض من الله تعالى كقوله كُتِبَ عَلَيْكُمُ.\nوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ فخافوا الله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ لا يعجل بالعقوبة، تقول العرب: ضع الهودج على أحلم الجمال.\nلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ الآية،\nنزلت في رجل من الأنصار تزوج بامرأة من بني حنيفة، ولم يسمّ لها مهرا، ثم طلّقها قبل أن يمسّها فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلمّا نزلت قال له رسول الله ﷺ: «متّعها ولو بقلنسوتك»\n[١٥٦] «٤»، فذلك قوله لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ تجامعوهنّ.\nقرأ حمزة والكسائي وخلف: تماسّوهنّ بالألف على المفاعلة لأنّ بدن كل واحد منهما يمسّ بدن صاحبه فيتماسّان جميعا، دليله قوله مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا وقرأ الباقون: تَمَسُّوهُنَّ بغير ألف لأن الغشيان إنما هو من فعل الرجل، دليله قوله وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ.\nأَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً أي توجدوا لهنّ صداقا، يقال فرض السلطان لفلان أي أثبت له صدقة في الديوان، فإن قيل: ما الوجه في نفي الجناح عن المطلق وهل على الرجل جناح لو طلّق بعد المسيس فيوضع عنه قبل المسيس؟ قيل:\nروي عن النبي ﷺ أنه قال: «ما بال أقوام يلعبون بحدود الله يقولون: طلّقتك، راجعتك؟»\n[١٥٧] «٥»،\nوقال ﷺ: «لا تطلّقوا نساءكم إلّا عن ريبة فإنّ الله لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات» [١٥٨] «٦» .\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/ ٣٥٨، ونسبه للأفوه الأودي وفيه:\nلما رأت سري تغير وانثنى ... من دون نهمة ثبرها حين انثنى\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ١٩٢. [.....]\n(٣) لسان العرب: ١١/ ٤١٩، وفيه: كريم المأكل.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٢٤٦.\n(٥) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٥٠ ح ٢٠١٧.\n(٦) مجمع الزوائد: ٤/ ٣٣٥.","vol":"2","page":188},{"text":"وقال ﵇: «أبغض الحلال عند الله الطلاق»\n[١٥٩] «١»،\nوقال ﵇: «إنّ الله يبغض كل مطلاق مذواق» [١٦٠] «٢» .\nفلمّا قال رسول الله هذا ظنّوا أنهم يأثمون في ذلك فأخبر الله تعالى أنه لا جناح في تطليق النساء إذا كان على الوجه المندوب، فربّما كان الفراق أروح من الإمساك، وقيل: معنى قوله لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي لا سبيل عليكم للنساء إن طلّقتموهنّ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ولم تكونوا فرضتم لهنّ فريضة في أتباعكم بصداق ولا نفقة.\nوقيل: معناه لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ في أي وقت شئتم لأنه لا سنّة في طلاقهنّ، فللرجل أن يطلّقهن إذا لم يكن مسّهنّ حائضا أو طاهرا، وفي كل وقت أحبّ، وليس كذلك في المدخول بها لأنّه ليس لزوجها طلاقها إن كانت من أهل الأقراء إلّا العدة ظاهرا في طهر لم يجامعها فيه، فإن طلّقها حائضا آيسا وقع الطلاق.\nوَمَتِّعُوهُنَّ أي زوّدوهنّ وأعطوهنّ من مالكم ما يتمتعن به، والمتعة والمتاع ما تبلغ به من الزاد عَلَى الْمُوسِعِ أي الغني قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ الفقير قَدَرُهُ أي إمكانه وطاقته، قرأ أبو جعفر وحفص وحمزة والكسائي وخلف وابن ذكوان بفتح الدال فيهما، واختاره أبو عبيدة قال: لما فيهما من الفخامة، وقرأ الآخرون بجزم الدال فيهما واختاره أبو حاتم وهما لغتان، قال: نطق بهما القرآن فتصديق الفتح قوله: فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها وتصديق الجزم قوله: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ تقول العرب: القضاء والقدر، وقال أبو يزيد الأنصاري: القضاء والقدر بتسكين الدال، وقال الشاعر وهو الفرزدق:\nوما صبّ رملي في حديد مجاشع ... مع القدر إلّا حاجة لي أريدها\nوقال بعضهم: القدر المصدر والقدر الاسم مَتاعًا نصب على المصدر أي متعوهن متاعا، ويجوز أن يكون نصبا على القطع لأنّ المتاع نكرة والقدر معرفة بِالْمَعْرُوفِ أي ما أمركم الله به من غير ظلم ولا مطل حَقًّا نصب على الحكاية تقديره: أخبركم حقا، وقيل على القطع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>حكم الآية</span>\nقال المفسّرون: قيل: هذا في الرجل يتزوج المرأة ولا يسمّي لها صداقا فطلقها قبل أن يمسها فلها المتعة ولا فريضة لها بإجماع العلماء، واختلفوا في متعة المطلقة فيما عدا ذلك، فقال قوم: لكل مطلقة متعة كائنة من كانت وعلى أي وجه وقع الطلاق، فالمتعة واجبة تقضى لها\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٥٠ ح ٢٠١٨.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٤/ ١٧٢، بتفاوت.","vol":"2","page":189},{"text":"في مال المطلّق كما تقضى عليه سائر الديون الواجبة عليه، سواء دخل بها أو لم يدخل، فرض لها أو لم يفرض إذا كان الطلاق من قبله، فأما إذا كان الفراق من قبلها فلا متعة لها ولا مهر، وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وأبي العالية ومحمد بن جرير، قال: لقوله تعالى:\nوَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فأوجب المتعة لجميع المطلقات ولم يفرّق، ويكون معنى الآية على هذا القول: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضة أو لم تفرضوا لهنّ فريضة، لأنّ كل منكوحة إنما هي احدى اثنتين: مسمّى لها الصداق أو غير مسمّى لها فعلمنا بالذي نقلوا من قوله أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً أن المعنيّة بقوله: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ المفروضات لهن مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وغير المفروض لها إذ لا معنى لقول القائل: لا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ثم قال: وَمَتِّعُوهُنَّ يعني الجميع.\nوقال آخرون: المتعة واجبة لكل مطلّقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طلّقت قبل الدخول فإنه لا متعة لها وإنما لها نصف الصداق المسمّى، وهذا قول عبد الله بن عمر ونافع وعطاء ومجاهد ومذهب الشافعي، ويكون وجه الآية على هذا القول لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة، الألف زائدة كقوله أَوْ يَزِيدُونَ ونحوها، ثم أمر بالمتعة لهنّ.\nويجوز أن يكون قوله وَمَتِّعُوهُنَّ راجعا إلى المطلقات غير المفروضات قبل المسيس دون المفروضات لهنّ، ويكون قوله في عقبه: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ مختصا له، فجرى في أول الآية على ظاهر العموم في المفروضات وغير المفروضات، وفي قوله وَمَتِّعُوهُنَّ على التخصيص في غير المفروضات للآية التي بعدها.\nوقال الزهري: متعتان يقضي بأحدهما السلطان ولا يقضي بالأخرى، بل يلزمه فيما بينه وبين الله، فأمّا التي يقضي بها السلطان فهو فيمن طلق قبل أن يفرض لها ويدخل بها فإنه يؤخذ بالمتعة وهو قوله: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ.\nوالمتعة التي تلزم فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقضي به السلطان هي فيمن طلق بعد ما يدخل بها ويفرض لها وهو قوله: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ وقال بعضهم: ليس شيء من ذلك بواجب، وإنما المتعة إحسان والأمر بها أمر ندب واستحباب لا أمر فرض وإيجاب، وهو قول أبي حنيفة، وروى ابن سيرين أنّ رجلا طلّق امرأة وقد دخل بها، فخاصمته إلى شريح في المتعة فقال شريح: لا تاب أن يكون من المحسنين ولا تاب أن يكون من المتقين ولم يجبره على ذلك.\nواختلفوا في قدر المتعة ومبلغها، فقال ابن عباس والشعبي والزهري والربيع بن أنس:","vol":"2","page":190},{"text":"أعلاها خادم وأوسطها ثلاثة أثواب: درع وخمار [وجلباب] «١» وإزار، ودون ذلك النفقة، ثم دون ذلك الكسوة، شيء من الورق، وهذا مذهب الشافعي قال: أعلاها خادم على الموسع، وأوسطها ثوب، وأقلّها أقلّ ماله ثمن. قال الحسن: ثلاثون درهما، وكان شريح يمتّع بخمسمائة درهم، ومتّع عبد الرحمن بن عوف أم أبي سلمة حين طلّقها جارية سوداء،\nومتّع الحسن بن علي (﵁) امرأة له بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق.\nقال أبو حنيفة: متاعها إذا اختلف الزوج والمرأة فيها قدر نصف مهر مثلها ولا تجاوز ذلك، والصحيح أن الواجب من ذلك على قدر عسر الرجل ويسره كما قال تعالى، ولو كان المعتبر فيه المهر لكان يقول: ومتعوهنّ على قدرهنّ وقدر صداق مثلهنّ، فلمّا قال عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ دلّ على أنّ المعتبر فيه حال الرجل لا حال المرأة، وروى ابن أبي زائدة عن صبيح بن صالح قال: سئل عامر: بكم يمتّع الرجل امرأته؟ قال: على قدر ماله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>تفصيل حكم الآية</span>\nمن تزوّج امرأة على غير مهر مسمّى فالنكاح جائز، فإن طلبت الفرض أمرناه أن يفرض لها، وإن لم يفرض لها ودخل بها فلها مهر مثلها، فإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة ولا مهر لها، وإن مات عنها بعد الدخول فلها مهر مثلها، وإن مات عنها قبل الدخول والتسمية ففيها قولان:\nأحدهما: لها مهر مثلها، وهو مذهب أهل العراق، والدليل عليه\nحديث بروع بنت واسق الأشجعية حين توفي عنها زوجها ولم يفرض لها ولا دخل بها فقضى رسول الله ﷺ بمهر [نسائها] لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث «٢» .\nوالقول الثاني:\nأنّ لها الميراث وعليها العدة ولا مهر لها، بل لها المتعة كما لو طلّقها قبل الدخول والتسمية، وهو قول علي\n، وكان يقول في حديث بروع: لا يقبل قول أعرابي من أشجع على كتاب الله وسنّة رسوله.\nوَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ الآية هنا في الرجل يتزوج المرأة، وقد سمّى لها صداقا، ثم يطلقها قبل أن يمسّها فلها نصف الصداق، وليس لها أكثر من ذلك، ولا عدة عليها، وإن لم يدخل بها حتّى توفي فلا خلاف أنّ لها المهر كاملا والميراث، وعليها العدة، والمسّ هاهنا الجماع.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٨١٩، وأحكام القرآن للجصاص: ١/ ٥٢٦.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٢٨٠.","vol":"2","page":191},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن خلا رجل بامرأة ولم يجامعها حتّى فارقها فإنّ المهر الكامل يلزمه، والعدّة تلزمها لخبر ابن مسعود: قضى الخلفاء الراشدون فيمن أغلق بابا وأرخى سترا أن لها المهر وعليها العدّة، وأما الشافعي فلا يلزم مهرا كاملا ولا عدّة إذ لم يكن دخول بظاهر القرآن.\nقال شريح: لم أسمع الله تعالى ذكر في كتابه بابا ولا سترا، إنما زعم أنه لم يمسّها فلها نصف الصداق، وهو مذهب ابن عباس.\nوهذه الآية ناسخة الآية التي في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ الآية، إلى قوله: فَمَتِّعُوهُنَّ قد كان لها المتاع، فلمّا نزلت هذه الآية نسخت ما كان قبلها وأوجبت للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف مهرها المسمّى، ولا متاع لها كما قال عزّ من قائل: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ تجامعوهنّ.\nوَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً أوجبتم لهنّ صداقا، وسمّيتم لهنّ مهرا، وأصل الفرض القطع، ومنه قيل لحزّ الميزان والقوس: فرضة، وللنصيب فريضة لأنّه قطعه من الشيء فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ أي نصف المهر المستحق، وقرأ السلمي فَنِصْفٌ بضم النون حيث وقع، وهما لغتان.\nثم قال إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ يعني النساء، ومحل يَعْفُونَ نصب بأن إلّا أنّ جمع المؤنث في الفعل المضارع يستوي في الرفع والنصب والجزم، يكون في كل حال بالنون تقول: هنّ يضربن، ولن يضربن، ولم يضربن لأنها لو سقطت النون لاشتبه بالمذكر.\nأَوْ يَعْفُوَا قرأ الحسن ساكنة الواو كأنه استثقل الفتحة في الواو كما استثقلت الضمّة فيها الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: هو الولي، ومعنى الآية\nإِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أي يهبن ويتركن النصف فلا يطالبن الأزواج إذا كنّ ثيّبات بالغات رشيدات جائزات الأمر، أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وهو وليها، فيترك ذلك النصف إذا كانت بكرا أو غير جائزة الأمر، ويجوز عفوه عليها وإن كرهت، فإن عفت المرأة وأبي الولي فالعفو جائز، فإن عفى الولي وأبت المرأة فالعفو جائز بعد أن لا تريد ضرارا، وهذا قول [علي] وأصحاب عبد الله وإبراهيم وعطاء والحسن والزهري والسدي وأبو صالح وأبي زيد وربيعة الرأي، ورواية العوفي عن ابن الحسن.\nوروى معمر عن ابن طاوس عن أبيه وعن إسماعيل بن شرواس قالا: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الولي، وقال عكرمة: أذن الله تعالى هو في العفو ورضي به وأمر به، فأيّ امرأة عفت جاز عفوها وان شحّت وضنّت عفا وليها وجاز عفوه، وهذا مذهب فقهاء الحجاز إلّا أنهم قالوا:\nيجوز عفو ولي البكر فإذا كانت ثيّبا فلا يجوز عفوه عليها.\nوقال بعضهم: الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ هو الزوج، ومعنى الآية:\nإلّا أن تعفو النساء فلا","vol":"2","page":192},{"text":"يأخذن شيئا من المهر، أو يعفو الزوج فيعطيها الصداق كاملا، وهذا قول علي وسعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد ومحمد بن كعب القرضي ونافع والربيع وقتادة وابن حبّان والضحّاك ورواية عمار بن أبي عمار عن ابن عباس\n، وهو مذهب [أهل] العراق لا يرون سبيلا للولي على شيء من صداقها إلّا بإذنها، ثيّبا كانت أو بكرا، قالوا: لإجماع الجميع من أنّ ولي المرأة لو أبرأ زوجها من مهرها قبل الطلاق أنه لا يجوز ذلك، فكذلك إبراؤه وعفوه بعد الطلاق لا يجوز، ولإجماعهم أيضا على أنه لو وهب وليّها من مالها لزوجها درهما بعد البينونة أثم ما لم يكن له ذلك، وكانت تلك الهبة باطلة والمهر مال من أموالها، فوجب أن يكون الحكم كحكم بإبراء، مالها ولإجماعهم أنّ من الأولياء من لا يجوز عفوه عليها بالإجماع، وهم بنو الأخوة وبنو الأعمام وما يفرق الله [بعض] في الآية.\nعن عيسى بن عاصم قال: سمعت شريحا يحدّث قال: سألني علي عن الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ، فقلت: ولي المرأة، فقال: لا، بل الزوج\n، وروي أن رجلا زوّج أخته وطلقها زوجها قبل أن يدخل بها فعفا أخوها عن المهر فأجازه شريح، ثم قال: أنا أعفو عن نساء بني مرّة فقال عامر: لا والله ما قضى شريح قضاء أردأ ولا هو أحمق فيه «١» منه أن يجيز عفو الأخ، قال: رجع بعد شريح عن قوله، وقال: هو الزوج «٢» .\nوعن القاسم قال: كان أشياخ الكوفة ليأتون شريحا فيخاصمونه في قوله الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ حتى يجثو على ركبتيه فيقول شريح: إنه الزوج، إنه الزوج.\nروى شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قالوا: هو الزوج، وقال طاوس ومجاهد: هو الولي فكلّمتهما في ذلك فرجعا عن قولهما وتابعا سعيد وقالا: هو الزوج،\nوروى محمد بن شعيب مرسلا أنّ النبي ﷺ قال: «الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ الزوج، يعفو فيعطي الصداق كاملا»\n[١٦١] «٣» .\nوعن صالح بن كيسان أن جبير بن مطعم تزوّج امرأة ثم طلّقها قبل أن يبني بها فأكمل لها الصداق وقال: أنا أحقّ بالعفو وتأوّل قوله: أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ فيكون وجه الآية على هذا التأويل الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، فلمّا أدخل الألف واللام حذف الهاء كقوله فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى يعني مأواه، وقال النابغة:\nلهم شيمة لم يعطها الله غيرهم ... من الناس فالأحلام غير عوازب «٤»\n_________\n(١) في التفسير: ما قضى شريح قضاء أحق منه أن يجيز، وفي السنن الكبرى: فضاء قط كان أحمق منه حين ترك قوله الأول.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٧٣٦، والسنن الكبرى: ٧/ ٢٥١.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢/ ٧٤٣.\n(٤) جامع البيان: ٢/ ٨٤٥.","vol":"2","page":193},{"text":"يعني وأحلامهم فكذلك قوله عُقْدَةُ النِّكاحِ بمعنى عقدة نكاحه وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى قال سيبويه موضعه رفع بالابتداء أي والعفو أقرب للتقوى وألزم، بمعنى إلى أي، إلى التقوى: والخطاب هاهنا للرجال والنساء، لأنّ المذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر، ومعناه وعفوكم عن بعض أقرب إلى التقوى لأنّ هذا العفو ندب وإذا سارع إليه وأتى به كان معلوما أنه لما كان فرضا أشد استعمالا ولمّا نهى عنه أشد تجنبا وقرأ الشعبي: وأن يعفو بالياء جعله خبرا عن الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ.\nوَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ\nقرأ علي بن أبي طالب وأبو داود والنخعي ولا تناسوا الفضل من المفاعلة بين اثنين كقوله: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ\nوقرأ يحيى بن يعمر وَلا تَنْسَوِا الْفَضْلَ بكسر الواو، وقرأ الباقون وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بضم الواو، ومعنى الفضل إتمام الرجل الصداق أو ترك المرأة النصف، حثّ الله تعالى الزوج والمرأة على الفضل والإحسان وأمرهما جميعا أن يسبقا إلى العفو.\nإِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٣٨ الى ٢٤٢]</span>\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ (٢٣٨) فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْبانًا فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩) وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجًا وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها وحدودها وركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وجميع ما يجب فيها من حقوقها، وكل صلاة في القرآن مقرونة بالمحافظة فالمراد بها الصلوات الخمس، ثم خصّ الصلاة الوسطى من بينها بالمحافظة دلالة على فضلها كقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ وهما من جملة الملائكة، وقوله: فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ أخرجهما بالذكر من الجملة بالواو الدالة على التخصيص والتفصيل، فكذلك قوله: وَالصَّلاةِ الْوُسْطى.\nوقرأت عائشة وَالصَّلاةَ الْوُسْطى بالنصب على الإغراء، وروى قالون عن نافع الْوُصْطى بالصاد لمجاورة الطاء لأنهما من جنس واحد، وهما لغتان كالصراط والسراط، والصدغ والسدغ، والبصاق والبساق، واللصوق واللسوق، والصندوق والسندوق، والصقر والسقر.\nوالوسطى تأنيث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله لأن خير الأمور أوسطها، قال الله","vol":"2","page":194},{"text":"تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي خيارا وعدلا، وقال تعالى: قالَ أَوْسَطُهُمْ أي خيرهم وأفضلهم، وقال أعرابي يمدح النبي ﷺ:\nيا أوسط الناس طرّا في مفاخرهم ... وأكرم الناس أمّا برّة وأبا «١»\nواختلف العلماء في الوسطى وأي صلاة هي، فقال سعيد بن المسيب: كان أصحاب رسول الله ﷺ فيها هكذا في الاختلاف، وشبّك من أصابعه، فقال قوم: هي صلاة الفجر، وهو قول معاذ وعمر وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة والربيع ومجاهد وعبد الله بن شداد بن الهاد، وعن موسى بن وهب قال: سمعت أبا أمامة وقد سئل عن الصَّلاةِ الْوُسْطى قال: لا أحسبها إلّا صلاة الصبح. معمر بن طاوس عن أبيه وإسماعيل بن شروس عن عكرمة قالا: هي الصبح يعني الصلاة الوسطى، وهو اختيار الإمام أبي عبد الله الشافعي، يدلّ عليه ما روى الربيع عن أبي العالية أنه صلّى مع أصحاب رسول الله ﷺ صلاة الغداة، فلمّا أن فرغوا قال: قلت لهم: أيّتهنّ الصلاة الوسطى؟ قالوا: التي صلّيتها، قيل: ولأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.\nوروى عكرمة عن ابن عباس قال: هي صلاة الصبح، وسّطت فكانت بين الليل والنهار، يصلّى في سواد من الليل وبياض من النهار، وهي أكبر الصلوات تفوت الناس، ولأنها لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها، ولأنها بين صلاتين تجمعان، وتصديق هذا التأويل من التنزيل دالا على التخصيص والتفضيل قوله تعالى وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، مكتوب في ديوان الليل وديوان النهار، ودليل آخر من سياق الآية وهو أنه عقبها بقوله وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ يعني وقوموا لله فيها قانتين، قالوا: ولا صلاة مكتوبة فيها قنوت سوى صلاة الفجر فعلم أنها هي، وفيه دليل على ثبوت القنوت.\nوقال أبو رجاء العطاردي: صلّى بنا ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة، فقنت بنا قبل الركوع ورفع يديه، فلمّا فرغ قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين، والدليل عليه ما\nروى حنظلة عن أنس قال: قنت رسول الله ﷺ شهرا وقال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في صلاة الغداة حتّى فارق الدنيا.\nابن أبي ليلى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قنت رسول الله ﷺ حتّى مات، وأبو بكر حتّى مات، وعمر حتّى مات، وعثمان حتّى مات، وعلي حتّى مات\n، وقال آخرون:\nهي صلاة الظهر وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وأسامة بن زيد وعائشة.\nروى عروة عن زيد بن ثابت أن النبي ﷺ كان يصلّي بالهاجرة وكانت أثقل الصلوات على\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٠٩٨.","vol":"2","page":195},{"text":"أصحابه فلا يكون وراءه إلّا الصف والصفّان، وأكثر الناس يكونون في قائلتهم وفي تجاراتهم، فقال رسول الله ﷺ: «لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم» [١٦٢] فنزلت هذه الآية حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى «١»\nودليلهم أنها وسط النهار ما\nروى أبو ذر عن علي كرم الله وجهه قال: قال النبي ﷺ: «إنّ الله في السماء الدنيا حلفة تزول منها الشمس، فإذا مالت الشمس سبّح كل شيء لربّنا، وأمر الله تعالى بالصلاة في تلك الساعة، وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء فلا تغلق حتّى يصلّى الظهر، ويستجاب فيها الدعاء»\n[١٦٣] .\nولأنها أوسط صلوات النهار، ومن خصائصها أنها أول صلاة فرضت، وأول صلاة توجّه فيها رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الكعبة، وهي التي ترفع جميع الصلوات والجماعات [لأجلها] يوم الجمعة.\nوقال بعضهم: هي صلاة العصر، وهو قول علي وعبد الله وأبي هريرة والنخعي وزرّ بن حبيش وقتادة وأبي أيوب والضحّاك والكلبي ومقاتل، واختيار أبي حنيفة\n، يدلّ عليه ما\nروى الحسن عن سمرة بن جندب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «صلاة الوسطى العصر» [١٦٤] «٢» .\nوفي بعض الأخبار هي التي فرّط فيها سليمان ﵇.\nسفيان بن عيينة عن البراء بن عازب قال: نزلت حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وصلاة العصر فقرأناها على عهد رسول الله ﷺ ما شاء الله ثم [نسختها] حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى فقال له بعضهم: فهي صلاة العصر، قال: أعلمتك كيف نزلت وكيف نسختها، والله أعلم.\nنافع عن حفصة زوج النبي ﷺ أنها قالت لكاتب مصحفها: إذا بلغت مواقيت الصلاة فأخبرني حتّى أخبرك بما سمعت من رسول الله ﷺ، فلمّا أخبرها قالت: اكتب إني سمعت رسول الله يقول حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى صلاة العصر.\nهشام عن عروة عن أبيه قال كان في مصحف عائشة حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى صلاة العصر وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ وهكذا كان يقرأها أبي بن كعب وعبيد بن عمير.\nالأعمش عن مسلم عن شتير بن شكل عن علي قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب:\n«شغلونا عن الصَّلاةِ الْوُسْطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم- أو قبورهم- نارا» [١٦٥] «٣» .\nقال ثم صلّاها بين العشاءين\n، وفي بعض الأخبار أن رجلا قال في مجلس عبد العزيز بن مروان: أرسلني أبو بكر وعمر وأنا غلام صغير إلى النبي ﷺ أسأله عن الصَّلاةِ الْوُسْطى، فأخذ\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢/ ٢٦٢. [.....]\n(٢) انظر جامع البيان: ٢/ ٧٥٣ وما بعده.\n(٣) مسند أحمد: ١/ ٧٢، ١٢٦، ١٥١.","vol":"2","page":196},{"text":"اصبعي الصغيرة فقال: «هذه الفجر»، وقبض التي تليها وقال: «هذه الظهر»، ثم قبض الإبهام فقال: «هذه المغرب»، ثم قبض التي تليها فقال: «هذه العشاء»، ثم قال: «أي أصابعك بقيت؟» فقلت: الوسطى، فقال: «أي الصلاة بقيت؟» قلت: العصر، قال: «هي العصر» [١٦٦] «١» .\nقالوا: ولأنها بين صلاتي نهار وصلاتي ليل، [وكان] النبي ﷺ متسامحا فأخذ يصلّيها ويبالغ،\nوروى أبو تميم الحبشاني عن أبي بصرة الغفاري قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر، فلمّا انصرف قال: «إن هذه الصلاة فرضت على من كان قبلكم فتوانوا فيها وتركوها فمن صلّاها منكم وحافظ عليها أوتي أجرها مرّتين ولا صلاة بعدها حتّى يرى الشاهد»\nوالشاهد:\nالنجم «٢» .\nأبو قلابة عن أبي المهاجر عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: «بكّروا بالصلاة في يوم الغيم فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله» [١٦٧] «٣» .\nنافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «الذي يصلّي العصر كافاه في أهله وماله» [١٦٨] .\nوقال قبيصة بن ذؤيب: هي صلاة المغرب، ألا ترى أنها واسطة ليست بأقلها ولا أكثرها وهي لا تقصر في السفر ومن وتر النهار.\nهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن أفضل الصلوات صلاة المغرب، لم يحطها الله عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة الليل، وختم بها النهار، فمن صلّى المغرب وصلّى بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة، ومن صلّى بعدها أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين سنة، أو قال: أربعين سنة» [١٦٩] «٤» .\nوحكى الشيخ أبو ميثم سهل بن محمد عن بعضهم أنها صلاة العشاء الأخيرة، وقال: لأنها بين صلاتين لا تقصران.\nوروى عبد الرحمن بن أبي عمر عن عثمان بن عفان (﵁) عن النبي ﷺ قال:\n«من صلّى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلّى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة»\n[١٧٠] «٥» .\nوقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها عينها، سئل الربيع بن خيثم عن الصَّلاةِ الْوُسْطى فقال للسائل: [أراغب] إن علمتها كنت محافظا عليها ومضيّعا سائرهن؟ قال:\n_________\n(١) جامع البيان: ٢/ ٧٥٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٧٦٨، والمصنف لعبد الرزاق: ٢/ ٣٢٦.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٣٥٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٢١٠.\n(٥) مسند أحمد: ١/ ٥٨.","vol":"2","page":197},{"text":"لا، قال: فإنك إن حافظت عليهنّ فقد حافظت عليها، وبه قال أبو بكر الورّاق، قال: لو شاء الله ﷿ لبيّنها، ولكنه سبحانه أراد تنبيه الخلق على أداء الصلوات.\nقال الثعلبي [ولقد أحسنا] في قوليهما فإن الله تعالى أخفى الصلاة الوسطى في جميع الصلوات المكتوبة ليحافظوا على جميعها رجاء الوسطى، كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، واسمه الأعظم في جميع الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة حكمة منه في فعله ورحمة على خلقه.\nوفي قوله ﷿ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى دليل على أن الوتر ليس بواجب وذلك أن المسلمين اتفقوا على أن الصلوات المفروضات تنقص عن سبعة وتزيد على ثلاثة، وليس من الثلاثة والسبعة فرد إلّا خمسة، والأزواج لا وسطى لها، فثبت أنها خمسة.\nقتادة عن أنس قال: قال رجل: يا رسول الله، كم افترض الله على عباده الصلوات؟ قال:\nخمس صلوات، قال: فهل قبلهنّ وبعدهنّ شيء افترض الله على عباده قال: لا، فحلف الرجل بالله لا يزيد عليهنّ ولا ينقص، فقال النبي ﷺ: «إن صدق الرجل دخل الجنة» [١٧١] «١» .\nوعن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفهم ما يقول، حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال له رسول الله ﷺ: «خمس صلوات في اليوم والليلة» قال: هل عليّ غيرهنّ؟ قال: «لا إلّا أن تتطوع» قال ﷺ: «وصيام شهر رمضان» قال: هل عليّ غيره؟ قال: «لا، إلّا أن تتطوع» وذكر له ﵊ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلّا أن تتطوع» فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، قال رسول الله ﷺ: «أفلح إن صدق» [١٧٢] «٢» .\nعن محمد بن يحيى بن حيان عن ابن جرير أن رجلا من بني كنانة يدعى المحدجي كان يسمع رجلا بالشام يكنى أبا محمد يقول: الوتر واجب، قال المحدجي: فرحت إلى عبادة بن الصامت واعترضت له وهو رايح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد، من جاء بهنّ لم يضيّع منهنّ استخفافا بحقهنّ كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهنّ فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه الله وإن شاء أدخله الجنة» [١٧٣] «٣» .\nوعن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب (﵁) قال: ليس الوتر بحتم لأنه لا تكبير به ولكنه سنّة سنّها رسول الله ﷺ\n، والدليل على أنّ الوتر ليس بواجب ما\nروى نافع\n_________\n(١) سنن الدارقطني: ١/ ٢٣٦.\n(٢) سنن النسائي: ١/ ٢٢٧.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٣١٥.","vol":"2","page":198},{"text":"عن ابن عمر أن النبي ﷺ كان يوتر على راحلته\n، وعن نافع أيضا أن ابن عمر كان يوتر على بعيره، ويذكر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك\n، وأجمع الفقهاء على أن الصلاة المكتوبة على الراحلة في حال الأمن لا تجوز.\nوَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ أي مطيعين، قاله الشعبي وعطاء وجابر بن زيد وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاوس وابن عباس برواية عكرمة وعطية وابن أبي طلحة، قال الضحّاك ومقاتل والكلبي: لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين، فقوموا أنتم في صلواتكم لله مطيعين، ودليل هذا التأويل ما\nروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: «كل قنوت في الظهرين هو الطاعة» [١٧٤] «١» .\nوقال بعضهم: القنوت: السكوت [عمّا] لا يجوز التكلم به في الصلاة،\nقال زيد بن أرقم:\nكنّا نتكلّم على عهد رسول الله ﷺ في الصلاة ويكلّم أحدنا من إلى جانبه، ويدخل الداخل فيسلّم فيردون عليه، ويسألهم: كم صلّيتم؟ فيردّون عليه مخبرين كم صلوا، ويجيء خادم الرجل وهو في الصلاة فيكلّمه بحاجته كفعل أهل الكتاب، فكنّا كذلك إلى أن نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام.\nمجاهد: خاشعين، قال: ومن القنوت طول الركوع وغضّ البصر والركود وخفض الجناح، كان العلماء إذا قام أحدهم يصلّي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلّب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدّث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلّا ناسيا.\nالحسن والربيع: قياما في الصلاة، يدلّ عليه\nحديث جابر أن النبي ﷺ سئل: أيّ الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت» «٢» .\nوقال ابن عباس في رواية رجاء: داعين في صلاتهم، دليله أن النبي ﷺ قنت على رجل وذكر أن أي دعاء عليهم [قد] قيل: مصلّين دليله قوله تعالى أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ أي مصلّ،\nوقال النبي ﷺ: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت الصائم»\n[١٧٥] «٣» أي المصلي الصائم فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أي رجّالة، ويقال: راجل ورجال مثل صاحب وصحاب وصائم وصيام وقائم وقيام، قال الله تعالى يَأْتُوكَ رِجالًا قال الأخطل:\nوبنو غدانة شاخص أبصارهم ... يمشون تحت بطونهنّ رجالا «٤»\nيروى أنهم أحنوا مأسورين وأبصارهم شاخصة إلى ولدهم أَوْ رُكْبانًا على دوابّهم، وهو جمع راكب، قال المفضل: لا يقال راكب إلّا لصاحب الجمل، فأمّا صاحب الفرس فيقال له\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٧٧١.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٣٠٢.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٤٢٤.\n(٤) تاج العروس: ٧/ ٣٣٦. [.....]","vol":"2","page":199},{"text":"فارس، ولراكب الحمار الحمّار، ولراكب البغال بغّال، ونصبت على الحال، أي فصلّوا رجالا أو ركبانا.\nومعنى الآية: فإن لم يمكنكم أن تصلّوا قانتين موفين الصلاة حقّها لخوف فصلّوا رجالا أي مشاة على أرجلكم، أو ركبانا على ظهور دوابّكم، فإن ذلك يجزيكم.\nقال المفسرون: هذا في المسابقة والمطاردة، يصلّي حيث يولي وجهه، مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، راكبا أو راجلا، ويجعل السجود أخفض من الركوع، يومئ إيماء، وهذه صلاة شدّة خوف، والصلاة في حال الخوف على ضربين، وسنذكرها في سورة النساء، وصلاة شدّة الخوف وهي هذه، والخوف الذي يجوز للمصلّي أن يصلي من أجله راكبا أو [راجلا] وحيث ما كان وجهته هو المحاربة والمسابقة في قتال من أسر بقتال من عدوّ أو محارب أو خوف سبع هائج، أو جمل صائل، أو سيل سائل، أو كان الأغلب من شأنه الهلاك، وإن صلّى صلاة الأمن فله أن يصلي صلاة شدة الخوف وهي ركعتان، فإن صلّاها ركعة واحدة جاز لما\nروى مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله ﷿ الصلاة على لسان نبيّكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة.\nوقال سعيد بن جبير: إذا كنت في القتال، والتقى الزحفان، وضرب الناس بعضهم بعضا فقل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، واذكر الله، فتلك صلاتك. قال الزهري: فإن لم يستطع فلا يدع ذكرها في نفسه.\nفَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ أي فصلوا الصلوات الخمس تامّة لحقوقها كَما عَلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ يا معشر الرجال وَيَذَرُونَ ويتركون أَزْواجًا زوجات.\nقال الكسائي: أكثر ما تقول العرب للمرأة زوجة، ولكن في القرآن زوج وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ قرأ الحسن وأبو عمرو وأبو عامر والأعمش وحمزة (وَصِيَّةً) بالنصب على معنى فليوصوا وصية، وقرأ الباقون بالرفع على معنى كتب عليهم الوصية، وقيل: معناه لأزواجهم وصية، وقيل: ولتكن وصية، ودليل هذه القراءة قراءة عبد الله: كتبت عليهم وصية لأزواجهم.\nوقرأ أبي: ويذرون أزواجا متاع لأزواجهم، قال أبو عبيد: ومع هذا رأينا هذا المعنى كلّها في القرآن رفعا مثل قوله فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ، فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ ونحوهما.\nمَتاعًا نصب على المصدر أي متّعوهنّ متاعا، وقيل: جعل الله ﷿ ذلك لهنّ متاعا، وقيل: نصب على الحال، وقيل: نصب بالوصية كقوله أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا. والمتاع: النفقة سنة لطعامها وكسوتها أو سكناها أو ما تحتاج إليه إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ نصب على الحال، وقيل: بنزع حرف الصفة أي من غير إخراج.","vol":"2","page":200},{"text":"فأما تفسير الآية وحكمها،\nفقال ابن عباس وسائر المفسرين: نزلت هذه الآية في رجل من أهل الطائف يقال له: حكيم بن الحرث هاجر إلى المدينة وله أولاد ومعه أبواه وامرأته فمات، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأعطى رسول الله ﷺ والديه وأولاده من ميراثه ولم يعط امرأته غير أنّه أمرهم أن ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا\n، وذلك أن الرجل كان إذا مات وترك امرأة اعتدّت سنة في بيت زوجها لا تخرج، فإذا كان الحول خرجت ورمت كلبا ببعرة تعني بذلك أن قعودها بعد زوجها أهون عليها من بعرة رمي بها كلب، وقد ذكر ذلك الشعراء في شعرهم، قال لبيد:\nوالمرملات إذا تطاول عامها «١»\nوكان سكناها ونفقتها واجبة في مال زوجها هذه السنة ما لم تخرج، وكان ذلك حظّها من تركة زوجها، ولم يكن لها الميراث، وإن خرجت من بيت زوجها فلا نفقة لها، وكان الرجل يوصي بذلك، وكان كذلك حتّى نزلت آية المواريث فنسخ الله نفقة الحول بالربع والثمن، ونسخ عدة الحول بقوله يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قال الله تعالى فَإِنْ خَرَجْنَ يعني من قبل أنفسهنّ قبل الحول من غير إخراج الورثة فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ يا أولياء الميت فِي ما فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ يعني التشوق للنكاح، وفي معنى رفع الجناح عن الرجال بفعل النساء وجهان:\nأحدهما: لا جناح عليكم في قطع النفقة عنهنّ إذا خرجن قبل انقضاء الحول.\nوالوجه الآخر: لا جناح عليكم في ترك منعهنّ من الخروج لأن مقامها حولا في بيت زوجها غير واجب عليها، خيّرها الله في ذلك إلى أن نسخت أربعة أشهر وعشرا، لأن ذلك لو كان واجبا عليها ما كان على أولياء الزوج منعها من ذلك، فرفع الله الجناح عنهم وعنها، وأباح لها الخروج إن شاءت، ثم نسخ النفقة بالميراث، ومقام السنة بأربعة أشهر وعشرا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ قد ذكرنا حكم المتعة بالاستقصاء، فأغنى عن إعادته، وإنّما أعاد ذكرها هاهنا لما فيها من زيادة المعنى على ما سواها وهي أنّ فيما سوى هذا بيان حكم غير الممسوسة إذا طلقت، وهاهنا بيان حكم جميع المطلقات في المتعة.\nوقال ابن زيد: نزلت هذه الآية لأنّ الله تعالى لما أنزل قوله وَمَتِّعُوهُنَّ إلى قوله عَلَى الْمُحْسِنِينَ قال رجل من المسلمين: إن أحسنت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل، قال الله تعالى وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ يعني المؤمنين المتقين الشرك، فبيّن أنّ لكل مطلقة متاعا وقد ذكرنا الخلاف فيها،\nوروى أياس بن عامر عن علي بن أبي طالب (رضي\n_________\n(١) غريب الحديث: ٢/ ٩٧.","vol":"2","page":201},{"text":"الله عنه) قال: لكل مؤمنة مطلقة حرّة أو أمة متعة وتلا قوله وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ الآية.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٣ الى ٢٤٥]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٢٤٣) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا الآية، قال أكثر المفسّرين: كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون، فخرجت طائفة هاربين من الطاعون، وبقيت طائفة فهلك أكثر من بقي في القرية، وسلّم الذين خرجوا، فلمّا ارتفع الطاعون رجعوا سالمين، فقال الذين بقوا: أصحابنا كانوا أحزم منا، لو صنعنا كما صنعوا لبقينا، ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجنّ إلى أرض نأوي بها، فوقع الطاعون من قابل فهرب عامّة أهلها فخرجوا حتّى نزلوا واديا أفيح، فلمّا نزلوا المكان الذي يبتغون فيه النجاة والحياة ناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا جميعا «١» .\nوعن الأصمعي قال: لما وقع الطاعون بالبصرة خرج رجل من أهلها عنها على حمار ومعه أهله وولده وخلفه عبد حبشي يسوق حماره، فطفق العبد يرتجز وهو يقول:\nلن نسبق الله على حمار ... ولا على ذي منعة مطار\nقد يصبح الله أمام الساري\nفرجع الرجل بعياله لمّا سمع قوله،\nوروى عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا سمعتم بهذا الوباء ببلد فلا تقدموا عليه، وإذا وقع وأنتم فيه فلا تخرجوا فرارا منه»\n[١٧٦] «٢» .\nوقال الضحّاك ومقاتل والكلبي: إنما فرّوا من الجهاد وذلك أن ملكا من ملوك بني إسرائيل أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوّهم، فخرجوا فعسكروا ثم جبنوا وكرهوا الموت واعتلّوا، وقالوا لملكهم: إن الأرض التي نأتيها فيها الوباء فلا نأتيها حتّى ينقطع منها الوباء، فأرسل الله تعالى عليهم الموت، فلمّا رأوا أن الموت كثر فيهم خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ فرارا من الموت، فلمّا رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب وإله موسى قد ترى معصية عبادك فأرهم آية في أنفسهم حتّى\n_________\n(١) جامع البيان: ٢/ ٧٩٤.\n(٢) المعجم الكبير للطبراني: ١/ ١٣١.","vol":"2","page":202},{"text":"يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك، فلمّا خرجوا قال لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا، عقوبة لهم، فماتوا جميعا، وماتت دوابهم كموت رجل واحد، فأتى عليهم ثمانية أيام حتّى انتفخوا وأروحت أجسادهم، فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها.\nواختلفوا في مبلغ عددهم، فقال عطاء الخراساني: كانوا ثلاثة آلاف، ابن عباس ووهب:\nأربعة آلاف، مقاتل والكلبي: ثمانية آلاف، أبو روق: عشرة آلاف، أبو مالك: ثلاثون ألفا، الواقدي بضعة ومائتين ألفا، ابن جريج: أربعين ألفا، عطاء بن أبي رياح: سبعين ألفا، الضحّاك: كانوا عددا كبيرا، وأولى الأقاويل بالصواب قول من قال: زادوا على عشرة آلاف، وذلك أنّ الله تعالى قال وَهُمْ أُلُوفٌ وما دون العشرة لا يقال ألوف، إنّما يقال: ثلاثة آلاف فصاعدا إلى عشرة آلاف، فمن الألوف جمع الكثير وجمعه القليل آلاف، مثل يوم وأيام، ووقت وأوقات، وألف على وزن أفعل.\n[وقيل:] كانوا ثلاثة آلاف [وكيسة] «١» اليمان أعجمي من بني الفداحم.\nقالوا: فأتى على ذلك مدة وقد بليت أجسادهم وعريت عظامهم وتقطّعت أوصالهم، فمرّ عليهم نبي يقال له حزقيل بن بوري ثارم أحد خلفاء بني إسرائيل بعد موسى ﵇، وذلك بأنّ القيّم بأمر بني إسرائيل كان بعد موسى ﵇ يوشع بن نون، ثم كالب بن يوفنا، ثم حزقيل، وكان يقال له ابن العجوز وذلك أنّ أمه كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد، وقد كبرت وعقمت فوهبه الله لها فلذلك قيل له: ابن العجوز «٢» .\nقال الحسن ومقاتل: هو ذو الكفل لأنّه تكفل سبعين نبيّا وأنجاهم من القتل، وقال لهم:\nاذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا، فلمّا جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، قال: إنهم ذهبوا ولا أدري أين هم، ومنع الله ذا الكفل من اليهود، فلمّا مرّ حزقيل على أولئك الموتى وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم متعجبا منهم، فأوحى الله إليه: يا حزقيل تريد أن أريك آية، فأريك كيف أحيي الموتى؟ قال: نعم، فأحياهم الله. هذا قول السدي وجماعة من المفسّرين.\nوقال هلال بن يساف وجماعة من العلماء: بل دعا حزقيل ربّه أن يحييهم، فقال: يا ربّ لو شئت أحييت هؤلاء فعمّروا بلادك وعبدوك، فقال الله: أتحب أن أفعل؟ قال: نعم، فأحياهم.\nوقال عطاء ومقاتل والكلبي: بل هم كانوا قوم حزقيل أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام، وذلك أنّهم لما أصابهم ذلك خرج حزقيل في طلبهم فوجدهم موتى وبكى وقال: يا ربّ كنت في\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) تاريخ الطبري: ١/ ٣٢٢.","vol":"2","page":203},{"text":"قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدّسونك ويهللونك ويكبّرونك فبقيت وحيدا لا قوم لي، فأوحى الله إليه: إني قد جعلت حياتهم إليك، فقال حزقيل: أحيوا بأمر الله، فعاشوا.\nوقال: وثمّت أصابهم بلاء وشدّة من الزمان فشكوا ما أصابهم وقالوا: ما لبثنا، متنا واسترحنا مما نحن فيه فأوحى الله تعالى إلى حزقيل: إن قومك قد صاحوا من البلاء وزعموا أنهم ودّوا لو ماتوا واستراحوا وأي راحة لهم في الموت، أيظنون أنّي لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت، فانطلق إلى جبّانة كذا فإن فيها قوما أمواتا، فأتاهم فقال الله: يا حزقيل قم فنادهم، وكانت أجسادهم وعظامهم قد تفرّقت، فنادى حزقيل: أيتها العظام إنّ الله يأمرك أن تكتسي باللحم، فاكتست جميعا باللحم، وبعد اللحم جلدا ودما وعصبا وعروقا وكانت أجسادا، ثم نادى أيّتها الأرواح إنّ الله يأمرك أن تعودي في أجسادك، فقاموا جميعا وعليهم ثيابهم التي ماتوا فيها، وكبّروا تكبيرة واحدة.\nوروى المنصور بن المعتمر عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا: سبحانك ربّنا وبحمدك، لا إله إلّا أنت، فرجعوا إلى قومهم بعد ما أحياهم الله، وتناسلوا وعاشوا دهرا يعرفون أنهم كانوا موتى، سحنة الموت على وجوههم، لا يلبسون ثوبا إلّا عاد دسما مثل الكفن حتّى ماتوا لآجالهم التي كتبت عليهم «١» .\nقال ابن عباس: فإنها لتوجد اليوم في ذلك السبط من اليهود تلك الريح «٢» .\nقال قتادة: مقتهم الله تعالى على فرارهم من الموت، فأماتهم [عقربة] ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليستوفوها، ولو كان آجال القوم جاءت ما بعثوا بعد موتهم «٣»، فذلك قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا ألم تر أي ألم تخبر، ألم تعلم بإعلامي إيّاك وهو رؤية القلب لا رؤية العين فصار تصديق أخبار الله ﷿ كالنظر إليه عيانا.\nوقال أهل المعاني: هو تعجب وتعظيم يقول: هل رأيت مثلهم كما تقول: ألم تر إلى ما يصنع فلان؟ وكلّ لم في القرآن من قوله أَلَمْ تَرَ ولم يعاينه النبي ﷺ فهذا وجهه ومعناه، وقرأها كلّها أبو عبد الرحمن السلمي أَلَمْ تَرْ بسكون الراء وهي لغة قسم من العرب لمّا حذفوا الياء للجزم توهّموا أن الراء آخر الكلمة فسكّنوها، وأنشد الفراء:\nقالت سليمى سر لنا دقيقا\nإِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ واو الحال أُلُوفٌ جمع ألف، وقال ابن زيد:\nمؤتلف قلوبهم جعله جمع ألف مثل جالس وجلوس وقاعد وقعود حَذَرَ الْمَوْتِ أي من خوف\n_________\n(١) بطوله مع تفاوت في تاريخ الطبري: ١/ ٣٢٢. ٣٢٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٢/ ٧٩٨.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"2","page":204},{"text":"الموت فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا أمر تحويل كقوله كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ.\nثُمَّ أَحْياهُمْ من بعد موتهم إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ إلى يَشْكُرُونَ ثم حثّهم على الجهاد فقال: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ طاعة الله، أعداء الله وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ قال أكثر المفسّرين: هذا للذين أحيوا، قال الضحّاك: أمروا أن يقاتلوا في سبيل الله فخرجوا من ديارهم فرارا من الجهاد فأماتهم الله ﷿ ثم أحياهم ثم أمرهم أن يعودوا إلى الجهاد، وقال بعضهم: هذا الخطاب لأمّة محمد ﷺ.\nمَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا الآية،\nقال سفيان: لمّا نزلت مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها قال النبي ﷺ: «رب زد أمتي» [١٧٧] فنزلت مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ الآية، فقال: «زد أمتي» فنزلت إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.\nواختلف العلماء في معنى هذا القرض، فقال الأخفش: قوله يُقْرِضُ ليس لحاجة بالله ولكن تقول العرب: لك عندي قرض صدق وقرض سوء لأمر يأتي فيه مسرّته أو مساءته.\nوقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيّئ، قال أمية بن أبي الصلت:\nلا تخلطنّ خبيثات بطيّبة ... واخلع ثيابك منها وأنج عريانا\nكل امرئ سوف يجزى قرضه حسنا ... أو سيّئا أو مدينا مثل ما دانا\n«١» وأنشد الكسائي:\nتجازى القروض بأمثالها ... فبالخير خيرا وبالشرّ شرّا «٢»\nوقال أيضا: ما أسلفت من عمل صالح أو سيّئ.\nابن كيسان: القرض أن تعطي شيئا ليرجع إليك مثله ويقضى شبهه فشبّه الله عمل المؤمنين لله على ما يرجون من ثوابه بالقرض لأنّهم إنما يعطون ما ينفقون ابتغاء ما عند الله ﷿ من جزيل الثواب، فالقرض اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، قال لبيد:\nوإذا جوزيت قرضا فاجز به ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل «٣»\nقال بعض أهل المعاني: في الآية اختصار وإضمار، مجازها: من ذا الذي يقرض عباد الله [قرضا] كقوله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وقوله فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فأضافه سبحانه هاهنا إلى نفسه للتفضيل وللاستعطاف، كما\nفي الحديث: إن الله تعالى يقول لعبده:\n_________\n(١) البيت الأول في تاريخ الطبري: ٣/ ٤٥٤، والثاني في لسان العرب: ٧/ ٢١٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٩.\n(٣) لسان العرب: ٧/ ٢١٧.","vol":"2","page":205},{"text":"استطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم تسقني، واستكسيتك فلم تكسني، فيقول العبد: وكيف ذلك يا سيدي؟ يقول: مرّ بك فلان الجائع، وفلان العاري فلم [تعطف] عليه من فضلك، فلأمنعنّك اليوم من فضلي كما منعته.\nوقال أهل الإشارة: أمر الله تعالى بالصدقة على لفظ القرض إظهارا لمحبّته لعباده المؤمنين، وذلك أنه إنما يستقرض من الأحبّة، ولذلك قال يحيى بن معاذ: عجبت ممن يبقى له مال ورب العرش يستقرضه، وقال بعضهم: هذا [تلطف] من الله تعالى في المواساة والإقراض لعباده.\nأبو القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت على باب الجنة مكتوبا:\nوالقرض بثمانية عشر، والصدقة بعشر فقلت: يا جبرئيل ما بال القرض أعظم أجرا؟ قال: لأن صاحب القرض لا يأتيك إلّا محتاجا، وربّما وقعت الصدقة في غير أهلها» [١٧٨] «١» .\nأبو سلمة عن أبي هريرة وابن عباس قالا: قال رسول الله ﷺ: «من أقرض أخاه المسلم فله بكل درهم وزن أحد وثبير وطور سيناء حسنات» [١٧٩] «٢» .\nفمعنى الآية: من هذا الذي (مَنْ) استفهام ومحلّه رفع بالابتداء و(الَّذِي) خبره (يُقْرِضُ اللَّهَ) ينفق في طاعة الله، وأصل القرض القطع، ومنه قرض الفأر الثوب وسمّي الشعر قريضا لأنّه يقطعه من كلامه، والدّين قرضا لأنّه يقطعه من ماله.\nقَرْضًا حَسَنًا قال علي بن الحسين الواقدي يعني محتسبا، طيّبة به نفسه. ابن المبارك:\nهو أن يكون المال من الحلال. عمر بن عثمان الصدفي: هو أن لا يمنّ به ولا يؤذي. سهل بن عبد الله: هو أن لا يعتقد بقرضه عوضا فَيُضاعِفَهُ يزيده لَهُ واختلف القرّاء فيه، فقرأ عاصم وابن أبي إسحاق وأبو حاتم فَيُضاعِفَهُ نصبا بالألف، وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب وبالألف، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر بالتشديد والرفع، وقرأ الآخرون بالألف والتخفيف ورفع الفاء، فمن رفع جعله نسقا على قوله يُقْرِضُ، وقيل: فهو يضاعفه، ومن نصبه جعله جوابا للاستفهام بالفاء، وقيل: بإضمار أن والتشديد والتخفيف لغتان، ودليل التشديد قوله أَضْعافًا كَثِيرَةً لأنّ التشديد للتكثير.\nقال الحسن والسدي: هذا التضعيف لا يعلمه إلّا الله مثل قوله وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا وقال أبو هريرة: هذا في نفقة الجهاد، قال: وكنّا نحسب- ورسول الله ﷺ بين أظهرنا- نفقة الرجل على نفسه ورفقائه وظهره ألفي ألف.\nوَاللَّهُ يَقْبِضُ يعني يمسك الرزق عمّن يشاء ويقتر ويضيق عليه، دليله قوله وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ\n_________\n(١) كنز العمال: ٦/ ٢١١ ح ١٥٣٨٢.\n(٢) بغية الباحث: ٧٧.","vol":"2","page":206},{"text":"أي يمسكونها عن النفقة في سبيل الله وَيَبْصُطُ أي يوسع الرزق على من يشاء، نظيره قوله وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ الآية، والأصل في هذا قبض اليد عند البخل وبسطها عند البذل.\nوقيل: هو الإحياء والإماتة فمن أماته فقد قبضه ومن مدّ له في عمره فقد بسط له، وقيل:\nوَاللَّهُ يَقْبِضُ الصدقة وَيَبْصُطُ بالخلف، وروى اليزيدي عن عمرو قال: بالصاد في بعض الروايات، وعن بعضهم كأنّه قال: هذا في القلوب، لمّا أمرهم الله بالصدقة أخبرهم أنه لا يمكنهم ذلك إلّا بتوفيقه، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ يعني يقبض على القلوب فيزويه كيلا ينبسط لخير ويبسط بعضها فيقدّم لنفسه خيرا.\nوَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يعني وإلى الله تعودون فيحسن لكم بأعمالكم، وقال قتادة: الهاء راجعة إلى التراب كناية عن غير مذكور أي من التراب خلقهم وإليه يعودون،\nوعن ابن مسعود وأبي أمامة وزيد بن أسلم- دخل حديث بعضهم في بعض- قالوا: نزلت مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا الآية، فلمّا نزلت قال أبو الدحداح: فداك أبي وأمي يا رسول الله، إنّ الله يستقرض وهو غنيّ عن القرض، قال: «نعم، يريد أن يدخلكم الجنة» قال: فإنّي إن أقرضت ربي قرضا تضمن لي الجنة؟ قال: «نعم، من تصدّق بصدقة فله مثلها في الجنّة»، قال: فزوجي أم الدحداح معي؟ قال: نعم قال [وصبيان] الدحداح معي؟ قال: نعم، قال: ناولني يدك فناوله رسول الله ﷺ يده فقال: إنّ لي حديقتين إحداهما بالسافلة والأخرى بالعالية، والله لا أملك غيرهما وجعلتهما قرضا لله ﷿، فقال رسول الله ﷺ: «اجعل إحداهما لله ﷿ والأخرى معيشة لك ولعيالك» قال: فأشهدك يا رسول الله أني جعلت غيرهما لله تعالى وهو حائط فيه ستمائة نخلة، قال: «يجزيك الله إذا به بالجنة» .\nفانطلق أبو الدحداح حتّى أتى أم الدحداح وهي مع صبيانها في الحديقة تدور تحت النخل فأنشأ يقول:\nهداك ربي سبل الرشاد ... إلى سبيل الخير والسداد\nقرضي من الحائط لي بالواد ... فقد مضى قرضا إلى التناد\nأقرضته الله على اعتماد ... بالطوع لا منّ ولا ارتداد\nإلّا رجاء الضعف في المعاد ... فارتحلي بالنفس والأولاد\nوالبرّ لا شك فخير زاد ... قدّمه المرؤ إلى المعاد\nقالت أم الدحداح: ربح بيعك، بارك الله لك فيما اشتريت، فأنشأ أبو الدحداح يقول:\nمثلك أجدى ما لديه ونصح ... إن لك الحظ إذا الحق وضح\nقد متّع الله عيالي ومنح ... بالعجوة السوداء والزهو البلح","vol":"2","page":207},{"text":"والعبد يسعى وله ما قد كدح ... طول [الليالي] وعليه ما اجترح\nثم أقبلت أم الدحداح على صبيانها تخرج ما في أفواههم وتنفض ما في أكمامهم حتّى أفضت إلى الحائط الآخر فقال النبي ﷺ: «كم من عذق رداح، ودار فياح في الجنة لأبي الدحداح» [١٨٠] «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[سورة البقرة (٢): آية ٢٤٦]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاَّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاَّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ والملأ من القوم وجوههم وأشرافهم، وأصل الملأ الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظ مثل الإبل والخيل والجيش، ولكن جمعه أملاء، قال الشاعر:\n[وسط] «٢» الأملاء وافتتح الدعاءا ... لعلّ الله يكشف ذا البلاءا\nمِنْ بَعْدِ مُوسى أي من بعد موت موسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اختلفوا في ذلك النبي من هو، فقال قتادة: هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وقال السدّي: اسمه شمعون، وإنّما سمّي شمعون لأنّ أمّه دعت الله أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها فولدت غلاما فسمّته شمعون تقول: سمع الله دعائي والسين يصير شينا بلغة العبرانية، وهو شمعون بن صفية بن علقمة بن أبي يأسف بن قارون بن نصهر بن فاحث بن لاوي بن يعقوب.\nوقال سائر المفسّرين: هو إشمويل، وهو بالعربية إسماعيل بن نالي بن علقمة بن حازم بن الهر بن عرصوف بن علقمة بن فاحث بن عموصا بن عرزيا، وقال مقاتل: هو من نسل هارون ﵇. مجاهد: هو اسمويل بن هلفانا ولم ينسبه أكثر من ذلك.\nقال وهب وابن إسحاق والسدي والكلبي وغيرهم: كان سبب مقاتلتهم إيّاه ذلك أنه لما مات موسى ﵇ خلّف بعده في بني إسرائيل يوشع، يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتّى قبضه الله، ثم خلف فيهم كالب يقيم فيهم التوراة وأمر الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى، ثم خلف فيهم حزقيل كذلك، ثم إن الله تعالى قبض حزقيل، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث ونسوا عهد الله حتّى عبدوا الأوثان، فبعث الله تعالى إليهم إلياس نبيّا، فجعل يدعوهم إلى الله، وإنّما كانت\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٣٨، وانظر التفاوت فيه. [.....]\n(٢) كذا في المخطوط ولم نجده.","vol":"2","page":208},{"text":"الأنبياء من بني إسرائيل من بعد موسى يبعثون إليهم لتجديد ما نسوا من التوراة.\nثم خلّف بعد إلياس اليسع وكان فيهم ما شاء الله أن يكون، ثم قبضه الله إليه، وخلفت فيهم الخلوف وعظمت فيهم الخطايا، وظهر لهم عدو يقال له البلثانا وهم قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم من مصر وفلسطين، وهم العمالقة فظهروا على بني إسرائيل وغلبوهم على كثير من أرضهم وسبوا ذراريهم وأسروا من أبنائهم أربعين وأربعمائة غلام وضربوا عليهم الجزية، وأخذوا توراتهم ولقي بنو إسرائيل منهم بلاء وشدة، ولم يكن لهم نبي يدبّر أمرهم، وكانوا يسألون أن يبعث [الله] لهم نبيّا يقاتلون معه.\nوكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم إلّا امرأة حبلى فأخذوها وحبسوها في بيت رهبة أن تلد جارية فتبدّله بغلام لما يرى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، فجعلت المرأة تدعو الله ﷿ أن يرزقها غلاما، فولدت غلاما فسمّته إشمويل تقول سمع الله دعائي، فكبر الغلام فأسلمته يتعلم التوراة في بيت المقدس، وكفله شيخ من علمائهم وتبنّاه، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيا أتاه جبرائيل ﵇ والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأتمن عليه أحدا فدعاه بلحن الشيخ: يا إشمويل فقام الغلام فزعا إلى الشيخ فقال: يا أبتاه دعوتني، فكره الشيخ أن يقول: لا فيفزع الغلام، فقال: يا بني ارجع فنم فرجع الغلام فنام، ثم دعاه الثانية فأتاه الغلام أيضا فقال:\nدعوتني، فقال: ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني، فلمّا كانت الثالثة ظهر له جبرائيل ﵇ فقال له: اذهب إلى قومك فبلّغهم رسالة ربك فإنّ الله قد بعثك فيهم نبيا، فلما أتاهم كذّبوه وقالوا استعجلت النبوة ولم يأن لك.\nوقالوا: إن كنت صادقا ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ آية من نبوتك، وإنما كان قوام أمر بني إسرائيل بالاجتماع على الملوك، وطاعة الملوك أنبياءهم، وكان الملك هو الذي يسير بالجموع، والنبي يقيم له أمره ويشير عليه، يرشده ويأتيه بالخبر من ربه ﷿.\nوقال وهب: بعث الله تعالى إشمويل نبيّا فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال، ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان فقالوا لأشمويل ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي يقاتل، بالياء جعل الفعل للملك وهو جزم على جواب الأمر، فلمّا قالوا له ذلك قال لهم: قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ هل عسيتم استفهام [منك] يقول لعلكم، وقرأ نافع والحسن: عَسِيْتُمْ بكسر السين [في] كل القرآن، وهي لغة، وقرأ الباقون بالفتح وهي اللغة الفصيحة، قال أبو عبد الرحمن: لو جاز عسيتم لقرئ عسى ربكم إن كتب، فرض عليكم القتال مع ذلك الملك أَلَّا تُقاتِلُوا أن لا تفوا بما تقولون ولا تقاتلوا معه.\nقالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إن قيل: ما وجه دخول «أن» في هذا الموضع، والعرب لا تقول: مالك أن لا تفعل، وإنما يقال: مالك لا تفعل","vol":"2","page":209},{"text":"قيل: دخول أن وحذفها لغتان صحيحتان فصيحتان، فأما دخول أنّ فكقوله: ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ «١» وأما حذفها فكقوله وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٢» .\nوقال الكسائي: معناه: وما لنا في أن لا نقاتل، ما لنا وأن لا نقاتل فحذف الواو، حكاه محمد بن جرير وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا وقرأ عبيد بن حميد: قَدْ أَخْرَجَنا بفتح الهمزة والجيم يعني العدو.\nومعنى الكلام: وقد أخرج من كتب عليهم من ديارهم وأبنائهم، ظاهر الكلام العموم وباطنه الخصوص، لأنّ الذين قالوا لنبيهم ابْعَثْ لَنا مَلِكًا نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كانوا في ديارهم وأوطانهم، وإنما من داره من أسر وقهر منهم.\nومعنى الآية: إنهم قالوا مجيبين: إنّا إنما كنّا نزهد في الجهاد إذ كنا ممنوعين في بلادنا لا يطؤنا عدونا ولا يظهر علينا، فأمّا إذا بلغ ذلك منا، فلا بد من الجهاد فنطيع ربنا في الغزو ونمنع نساءنا وأولادنا.\nقال الله تعالى فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الجهاد وضيّعوا أمر الله ﷿ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وفي الكلام حذف معناه: فبعث الله لهم ملكا وكتب عليهم القتال، فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم الذين عبروا النهر وسنذكرهم في موضعها.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٧ الى ٢٤٨]</span>\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧) وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)\nوَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا الآية، وكان السبب فيه على ما ذكره المفسّرون أن أشمويل ﵇ سأل الله ﷿ أن يبعث لهم ملكا فأتى بعصا وقرن فيه دهن القدس وقيل له إنّ صاحبكم الذي يكون ملكا طوله طول هذه العصا، وقيل له: انظر القرن الذي فيه الدهن فإذا دخل عليك رجل فنشّ الدهن الذي في القرن فهو ملك بني إسرائيل، فادهن به رأسه وملّكه عليهم، فقاسوا أنفسهم بالعصا فلم يكونوا مثلها.\n_________\n(١) سورة الحجر: ٣٢.\n(٢) سورة الحديد: ٨.","vol":"2","page":210},{"text":"وكان طالوت- اسمه شادل بن قيس بن أبيال بن ضرار بن يحرب بن أفيح بن أيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇- رجلا دبّاغا يعمل الأدم، قاله وهب «١» .\nوقال عكرمة والسدي: كان سقاء يسقي على حمار له من النيل فضلّ حماره فخرج في طلبه، وقيل: كان خربند شاه.\nوقال وهب: بل ضلّت حمر لأبي طالوت فأرسله وغلاما له يطلبانها فمرّا ببيت إشمويل، فقال الغلام لطالوت: لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن أمر الحمر ليرشدنا ويدعو لنا فيها بخير، فقال طالوت: نعم، فدخلا عليه، فبينا هما عنده يذكران له شأن الحمر إذ نشّ الدهن الذي في القرن، فقام إشمويل وقاس طالوت بالعصا فكانت على طوله فقال لطالوت: قرّب رأسك فقرّبه ودهنه بدهن القدس ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله تعالى أن أملّكه عليهم، فقال طالوت: أنا؟ قال: نعم، قال: أو ما علمت أنّ سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى، قال: أفما علمت أنّ بيتي أدنى بيوت بني إسرائيل؟\nقال: بلى، قال: فبأيّ آية؟ قال: آية أنّك ترجع وقد وجد أبوك حمره فكان كذلك، ثم قال لبني إسرائيل: إِنَّ اللَّهَ تعالى قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا، قال مجاهد: أميرا على الجيش.\nقالُوا أَنَّى من أين يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وإنما قالوا ذلك لأنّه كان في بني إسرائيل سبطان: سبط نبوّة، وسبط مملكة، وكان سبط النبوة سبط لاوي بن يعقوب ومنه موسى وهارون، وسبط المملكة سبط يهود بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان، ولم يكن طالوت من سبط النبوة ولا من سبط الملك، إنّما كان من سبط ابن يامين بن يعقوب، وكانوا عملوا ذنبا عظيما، كانوا ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا، فغضب الله عليهم ونزع الملك والنبوة منهم، فلمّا قال نبيّهم: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكًا، أنكروا لأنّه كان من ذلك السبط فقالوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ ومع ذلك هو فقير وَلَمْ يُؤْتَ يعط سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ اختاره عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فضيلة وسعة فِي الْعِلْمِ وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل في وقته، وذكر أنه أتاه الوحي حين أوتي الملك قال الكلبي وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ بالحرب وَالْجِسْمِ يعني بالطول، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه وإنّما سمّي طالوت لطوله وكذلك كان كالعصا التي قيس بها، ودليل هذا التأويل قوله تعالى وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً يعني طول القامة، وقال ابن كيسان بالجمال، وكان طالوت أجمل رجل في بني إسرائيل وأعلمهم.\nوَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ يعني لا ينكروا ملك طالوت مع كونه من غير أهل بيت\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٨١٥.","vol":"2","page":211},{"text":"المملكة، فإنّ الملك ليس بالوراثة إنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء «١» وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فقالوا له: فما آية ذلك وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ الآية.\nوكانت قصة التابوت وصفتها على ما ذكره أهل التفسير وأصحاب الأخبار: إن الله تعالى أنزل تابوتا على آدم فيه صور الأنبياء من أولاده، وفيه بيوت بعدد الأنبياء كلّهم، وآخر البيوت بيت محمّد ﷺ وصورته موقّرة على صور جميع الأنبياء من ياقوتة حمراء قائم يصلي، وعن يمينه الكهل المطيع مكتوب على جبينه هذا أول من يتّبعه من أمته أبو بكر، وعن يساره الفاروق مكتوب على جبينه قرن من حديد، لا تأخذه في الله لومة لائم، ومن ورائه ذو النورين آخذ بحجزته، مكتوب على جبهته بارّ من البررة، ومن بين يديه علي بن أبي طالب شاهر سيفه على عاتقه مكتوب على جبينه: هذا أخوه وابن عمّه المؤيد بالنصر من عند الله، وحوله عمومته والخلفاء والنقباء والكوكبة الخضراء، وهم أنصار الله وأنصار رسوله، نور حوافر دوابّهم يوم القيامة مثل نور الشمس في دار الدنيا.\nوكان التابوت نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين وكان من عود الشمشار الذي يتّخذ منه الأمشاط مموّه بالذهب، وكان عند آدم ﵇ إلى أن مات ثم عند شيث ثم توارثها أولاد آدم إلى أن بلغ إبراهيم، فلمّا مات كان عند إسماعيل لأنّه أكبر ولده، فلمّا مات إسماعيل كان عند ابنه قيذار فنازعه ولد إسحاق، وقالوا: إن النبوة قد صرفت عنكم فليس لكم إلّا هذا النور الواحد، فأعطنا التابوت، فكان قيذار يمتنع عليهم ويقول: إنّه وصية أبي ولا أعطيه أحدا من العالمين.\nقال: فذهب ذات يوم يفتح ذلك التابوت فعسر عليه فتحه فناداه مناد من السماء: مهلا يا قيذار فليس لك إلى فتح هذا التابوت سبيل، لأنّه وصية نبي فلا يفتحه إلّا نبي فادفعه إلى ابن عمك يعقوب إسرائيل الله.\nفحمل قيذار التابوت على عنقه وخرج يريد أرض كنعان، وكان بها يعقوب، فلمّا قرب منه صرّ التابوت صرّة سمعها يعقوب فقال لبنيه: أقسم بالله لقد جاءكم قيذار بالتابوت فقوموا نحوه، فقام يعقوب وأولاده جميعا إليه، فلمّا نظر يعقوب إلى قيذار استعبر باكيا وقال: يا قيذار ما لي أرى لونك متغيرا وقوتك ضعيفة، أرهقك عدوّ أم أتيت معصية قد رابتك؟ فقال: ما رهقني عدوّ ولا أتيت معصية ولكن نقل من ظهري نور محمد ﷺ فلذلك تغيّر لوني وضعف ركني.\nقال: أفمن بنات إسحاق؟ قال: لا في العربية الجرهمية وهي الغاضرة، قال يعقوب: بخ بخ بشّرها بمحمد، لم يكن الله ﷿ ليخزنه إلّا في العربيات الطاهرات، يا قيذار وأنا مبشّرك ببشارة قال: وما هي؟ قال: اعلم أنّ الغاضرة قد ولدت لك البارحة غلاما، قال قيذار:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٨٢٠.","vol":"2","page":212},{"text":"وما علمك يا ابن عمي وأنت بأرض الشام وهي بأرض الجرهم؟ قال يعقوب: علمت ذلك لأني رأيت أبواب السماء قد فتحت، ورأيت نورا كالقمر الممدود من السماء والأرض، ورأيت الملائكة ينزلون من السماء بالبركات والرحمة، فعلمت أن ذلك من أجل محمد ﷺ.\nفسلّم قيذار التابوت إلى يعقوب ورجع إلى أهله فوجدها قد ولدت غلاما فسمّاه [حمد]، وفيه نور محمد ﵇.\nقالوا: وكان التابوت في بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى وكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه، وكان عنده إلى أن مات، ثم تداولته أنبياء بني إسرائيل إلى وقت إشمويل فوصل إلى إشمويل وقد تكامل أمر التابوت بما فيه، وكان فيه ما ذكر الله.\nفِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ واختلفوا في السكينة ما هي؟\nفقال علي ﵇: السكينة ريح خجوج حفّافة لها رأسان ووجه كوجه الإنسان.\nمجاهد: لها رأس كرأس الهرّة وذنب كذنب الهرّة وجناحان. ابن إسحاق عن وهب عن بعض علماء بني إسرائيل: السكينة هرّة ميّتة كانت إذا صرخت في التابوت بصراخ هرّ أيقنوا بالنصر وجاءهم الفتح «١» .\nالسدّي عن أبي مالك عن ابن عباس: هي طست من ذهب من الجنة كان يغسل فيها قلوب الأنبياء. بكّار بن عبد الله عن وهب بن منبه: روح من الله ﷿ يتكلم، إذا اختلفوا في شيء تكلّم فأخبرهم ببيان ما يريدون.\nعطاء بن أبي رياح: هي ما تعرفون من الآيات فتسكنون إليها. قتادة والكلبي: فعيلة من السكون أي طمأنينة من ربكم وفي أيّ مكان كان التابوت اطمأنوا إليه وسكنوا. الربيع: رحمة من ربّكم.\nوَبَقِيَّةٌ وهي الباقي، فعلية من البقاء والهاء فيه للمبالغة مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ يعني موسى وهارون نفسهما. قال جميل:\nبثينة من آل النساء وإنما ... يكنّ لأدنى لا وصال الغائب\nأي من النساء، والآل الشخص أيضا، وأصله أهل بدّلت الهاء همزة، فإذا صغّروا الآل قالوا: أهيل ردّوه إلى الأصل.\nقال المفسرون: كان فيه عصا موسى ورضاض الألواح أي كسره، وذلك أن موسى لمّا ألقى الألواح انكسرت فرفع بعضها وجمع ما بقي فجعله في التابوت وكان فيه أيضا لوحان من التوراة وقفيز من المنّ الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى وعمامة هارون وعصاه، وقالوا:\nوكان عند بني إسرائيل، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، فإذا حضروا القتال\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ١/ ٣٢٧.","vol":"2","page":213},{"text":"قدّموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوّهم فلمّا عصوا وفسدوا سلّط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه.\nوكان السبب في ذلك أنّه كان لعيلي الذي ربي إشمويل ابنان شابان وكان عيلي خيرهم وصاحب قربانهم ما حدّث ابناه في القربان شيئا لم يكن فيه كان في مشوط القربان الذي كانوا يشوطونه به [كلاليب] فما ما كان عليهما كان للكاهن الذي يشوطه فجعل ابناه كلاليب.\nوكان النساء يصلين في المقدس فجعلا يتشبثان بهنّ أيضا فأوحى الله ﷿ إلى إشمويل انطلق إلى عيلي فقل له: منعك حب الولدان زجر ابنيك أن يحدثا في قرباني وقدسي وأن يعصياني فلأنزعن منك الكهانة ومن ولدك، ولأهلكنّه وإياهما.\nفأخبر إشمويل عيلي بذلك ففزع فزعا شديدا فسار إليهم عدوّ ممن حولهم، فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو فخرجا، وأخرجا معهما التابوت، فلمّا تهيّأوا للقتال جعل عيلي يتوقع الخبر: ماذا صنعوا؟ فجاءه رجل وهو قاعد على كرسيّه أنّ الناس قد هزموا وأن ابنيك قد قتلا، قال: فما فعل بالتابوت، قال: قد ذهب به العدو فشهق ووقع على قفاه من كرسيّه ومات، فمرج أمر بني إسرائيل واختلّ وتفرّقوا إلى أن بعث الله طالوت ملكا، فسألوا البيّنة، وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ «١» .\nوكان قصة إتيان التابوت أنّ الذين سبوا التابوت أتوا به قرية من قرى فلسطين يقال لها أزدود، وجعلوه في بيت صنم لهم، وضعوه تحت الصنم الأعظم، وأصبحوا من الغد والصنم تحته فأخذوه ووضعوه فوقه وشدّدوا قدمي الصنم على التابوت، وأصبحوا من الغد وقد قطّعت يدا الصنم ورجلاه، وأصبح يلقى تحت التابوت، وأصبحت أصنامهم كلّها منكّسة فأخرجوه من بيت الصنم ووضعوه في ناحية من مدينتهم، فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتّى هلك أكثرهم.\nفقال بعضهم لبعض: أليس قد علّمتكم أن إله بني إسرائيل لا يقوم له شيء فأخرجوه من مدينتكم، فأخرجوه إلى قرية أخرى فبعث الله ﷿ على أهل تلك القرية فأرا [تقرص] الفأرة الرجل فيصبح ميّتا قد أكلت ما في جوفه من دبره، وأخرجوه منه إلى الصحراء ودفنوه في مخرأة لهم فكان كل من تبرّز هناك أخذه الناسور والقولنج فبقوا في ذلك فتحيروا فقالت لهم امرأة كانت عندهم من سبي بني إسرائيل من أولاد الأنبياء: لا تزالون ترون ما تكرهون ما دام هذا التابوت فيكم فأخرجوه عنكم «٢» فأتوا بعجلة بإشارة تلك المرأة وحملوا عليها التابوت، ثم علّقوها على ثورين وضربوا جنوبهما فأقبل الثوران يسيران، ووكّل الله ﷿ بها أربعة من\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٨٢٢.\n(٢) عند الطبري تكملة هنا فتراجع: ٢/ ٨٢٣.","vol":"2","page":214},{"text":"الملائكة يسوقونها، فلم يمسّ التابوت بشيء من الأرض إلّا كان مقدّسا، فأقبلا حتّى وقفا على أرض بني إسرائيل فكسرا بقرنهما وطفقا جناحهما، ووضعوا التابوت في أرض فيها حصاد لبني إسرائيل ورجعا إلى أرضهما، فلم تدع بنو إسرائيل إلّا بالتابوت فكبّروا وحمدوا الله ﷿ واستوسقوا على طالوت فذلك قوله: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ أي تسوقه «١» .\nوقال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتّى وضعته عند طالوت.\nوقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش (يحمله الملائكة) بالياء.\nوقال قتادة: بل كان التابوت في التيه جعله موسى عند يوشع بن نون فبقي هنالك فحملته الملائكة حتّى وضعته في دار طالوت فأقرّوا بملكه. وقال ابن زيد: غير راضين.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال ابن عباس: إنّ التابوت وعصا موسى في الجيزة الطبريّة وأنّهما يخرجان قبل يوم القيامة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٤٩ الى ٢٥٢]</span>\nفَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)\nفَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ أي خرج [ورحل] بهم، وأصل الفصل: القطع فمعنى قوله فَصَلَ أي قطع مستقر فتجاوزه شاخصا إلى غيره نظير قوله تعالى: وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ «٢» .\nفخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم يومئذ سبعون ألف مقاتل. وقيل: ثمانون ألفا لم يتخلّف عنه إلّا كبير لهرمه أو مريض لمرضه أو ضرير لضرره أو معذور لعذره «٣» .\nوذلك أنّهم لما رأوا التابوت قالوا: قد أتانا التابوت وهو النور لا شك فيه، فتسارعوا إلى الجهاد.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٨٢٤.\n(٢) سورة يوسف: ٩٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٥٠، وتفسير الطبري: ٢/ ٨٣٤.","vol":"2","page":215},{"text":"فقال طالوت: لا حاجة لي في كلّ ما أرى. لا يخرج معي رجل بني بناء لم يفرغ منه، ولا صاحب تجارة مشتغل بها، ولا رجل عليه دين، ولا رجل تزوّج بامرأة لم يدن لها ولا أبتغي إلّا الشاب النشيط الفارغ.\nفاجتمع ثمانون ألفا ممن شرطه وكان في حرّ شديد فشكوا قلّة المياه بينهم وبين عدوهم، وقالوا: إنّ المياه لا تحملنا فادع الله تعالى أن يجري لنا نهرا.\nف قالَ طالوت: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ مختبركم ليرى طاعتكم وهو أعلم بِنَهَرٍ قرأه العامّة بفتح الهاء، وقرأ حميد وابن محصن بِنَهْرٍ ساكنة الهاء، وهما لغتان مثل شعر وشعر وصخر وصخر وصمغ وصمغ وسمع وسمع وفحم وفحم.\nقال ابن عباس والسدي: هو نهر فلسطين. قتادة والربيع: نهر بين الأردن وفلسطين عذب.\nفَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي أي ليس من أهل ديني وطاعتي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ يشربه فَإِنَّهُ مِنِّي نظير قوله: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا «١» ثم استثنى فقال: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ قرأ ابن عباس، وابن أبي إسحاق، وسليمان التيمي، وابن أبي الجوزاء، وأبو جعفر، وشيبة، ونافع، وأبو مخرمة، وأبو عمرو، وأيوب: غَرْفَةً بفتح الغين وقرأ الباقون بضمّه وهو قراءة عثمان وهما لغتان.\nوقال الكسائي وأبو عبيدة: الغرفة بالضم الذي يحصل في الكف من الماء إذا غرف.\nوالغرفة: الاغتراف، فالضم اسم والفتح مصدر.\nوقال أبو حاتم: الغرفة بالضم ملء الكف أو ملء المغرفة، والغرفة: المرّة الواحدة من القليل والكثير.\nفَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ نصب على الاستثناء. وقرأ ابن مسعود قليل بالرفع كقول الشاعر:\nوكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان\nوكلّ قرينة قرنت بأخرى ... وإن ضنّت بها سيفرّقان «٢»\nواختلفوا في القليل الذي لم يشربوا، فقال السدي: كانوا أربعة آلاف، وقال غيره: ثلاث مائة وبضعة عشر وهو الصحيح، يدلّ عليه\nقول البراء بن عازب قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم بدر: «أنتم اليوم على عدّة أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاء معه إلّا مؤمن»\n«٣» [١٨١]\n_________\n(١) سورة المائدة: ٩٣.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ٤٣٢.\n(٣) كنز العمال: ١٠/ ٤٠٠ ح ٢٩٩٥٥ وجامع البيان: ٢/ ٨٣٩ بتفاوت. [.....]","vol":"2","page":216},{"text":"قال: وكنّا يومئذ ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.\nقالوا: فمن اغْتَرَفَ غُرْفَةً كما أمر الله سبحانه، قوي قلبه وصحّ إيمانه وعبر النهر سالما وكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وحمله ودوابه، والذين شربوا وخالفوا أمر الله، سوّدت شفاههم وغلبهم العطش فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو ولم يشهدوا الفتح.\nفَلَمَّا جاوَزَهُ يعني النهر هُوَ يعني طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ يعني القليل قالُوا الذين شربوا وخالفوا أمر الله ﷿ وكانوا أهل شك ونفاق لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ وانصرفوا عن طالوت ولم يشهدوا قتال جالوت.\nقالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ يوقنون ويعلمون أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ وهم الذين ثبتوا مع طالوت كَمْ وقرأ أبيّ: كائن مِنْ فِئَةٍ جماعة وهي جمع لا واحد له من لفظه، وجمعها فئات وفئون في الرفع، وفئين في النصب والخفض قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ معينهم وناصرهم.\nقال الزجّاج: إنّما قيل للفرقة فئة من فأوت رأسه بالعصا وفائته إذا شققته كأنّها قطعة.\nوَلَمَّا بَرَزُوا يعني طالوت وجنوده المؤمنين لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ المشركين ومعنى بَرَزُوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى قالُوا وهم أهل البصيرة والطاعة رَبَّنا أَفْرِغْ أنزل وأصبب عَلَيْنا صَبْرًا كما يفرغ الدلو وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وقوّ قلوبنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ وفي الآية إضمار تقديرها: فأنزل الله عليهم صبرا ونصرا فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>صفة قتل داود جالوت</span>\nقال المفسّرون بألفاظ متشابهة ومعان متّفقة: عبر النهر فيمن عبر مع طالوت أيضا أبو داود في ثلاثة عشر ابنا وكان داود أصغرهم، فأتاهم ذات يوم فقال: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئا إلّا صرعته فقال: أبشر فإنّ الله جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه مرّة أخرى فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسدا رابضا فركبته وأخذت بأذنيه ولم يهمّني، فقال: أبشر يا بني فإنّ هذا خير أعطاكه الله.\nثم أتاه يوما آخر فقال: يا أبتاه إنّي لأمشي بين الجبال فاسبّح فما يبقى جبل إلّا يسبّح معي، فقال: أبشر يا بني فإنّ هذا خير أعطاكه الله.\nقالوا: فأرسل جالوت إلى طالوت أن ابرز اليّ من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فشقّ ذلك على طالوت فنادى في عسكره من يقتل جالوت زوّجته ابنتي وناصفته ملكي، فخاف الناس جالوت فلم يجبه أحد.","vol":"2","page":217},{"text":"فسأل طالوت نبيّهم اشمويل ان يدعوا الله، فدعا الله ﷿ في ذلك، فأتى بقرن فيه دهن، وتنور من حديد، فقيل: إنّ صاحبكم الذي يقتل جالوت هو الذي يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن حتّى يدهن رأسه منه ولا يسيل على وجهه يكون على رأسه كهيئة إلّا كليل، ويدخل في هذا التنور فيملؤه لا يتقلقل فيه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجرّبهم فلم يوافقه منهم أحد.\nفأوصى الله تعالى إلى نبيهم إنّ في ولد أيشا من يقتل الله به جالوت، فدعا طالوت أيشا وقال: أعرض عليّ نبيك، فأخرج له اثني عشر رجلا أمثال السواري، فجعل يعرضهم على القرن فلا يرى شيئا فيقول لرجل منهم: بادع عليهم جسم ارجع فيردد عليه فأوحى الله تعالى إليه إنا لا نأخذ الرجال على صورهم ولكنّا نأخذ على صلاح قلوبهم، فقال لأيشا: هل بقي لك ولد غيرهم؟ قال: لا.\nفقال النبي ﵇: يا ربّ إنّه زعم أنّ لا ولد له غيرهم، فقال: كذب.\nفقال النبيّ: إنّ ربّي كذّبك، فقال: صدق الله يا نبي الله إنّ لي ابنا صغيرا يقال له: داود، استحييت أن يراه الناس لقصر قامته وحقارته، فخلّفته في الغنم يرعاها وهو في شعب كذا، وكان داود ﵇ رجلا قصيرا مسقاطا مصفارا أزرق أمعد.\nفدعاه طالوت، ويقال: بل خرج طالوت إليه فوجد الوادي قد سال بينه وبين الزرب التي يريح إليها، فوجده يحمل شاتين شاتين يجيزهما السيل ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه النبيّ ﵇ قال: هذا هو لا شك فيه هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم، فدعاه ووضع القرن على رأسه ففاض «١» .\nفقال له طالوت: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك ابنتي وأجري خاتمك في ملكي؟\nقال: نعم.\nقال: وهل أنست من نفسك شيئا تقوى به على قتله؟\nقال: نعم، أنا أرعى فيجيء الأسد والنمر والذئب فيأخذ شاة وأقوم له وأفتح لحييه عنها وأخرقهما إلى قفاه.\nفردّه إلى عسكره، فمرّ داود بحجر فناده: يا داود احملني فإنّي حجر هارون الذي قتل بي ملك كذا، فحمله في مخلاته.\nثم مرّ بحجر آخر فناده: يا داود احملني فإنّي حجر موسى الذي قتل بي ملك كذا، فحمله\n_________\n(١) جامع البيان: ٢/ ٨٥١، وتاريخ الطبري: ١/ ٣٣٧.","vol":"2","page":218},{"text":"في مخلاته.\nفمرّ بحجر آخر فقال: احملني فإنّي حجرك الذي تقتل بي جالوت، وقد خبأني الله لك، فوضعها في مخلاته.\nفلما تصافوا القتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب له داود فأعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا، فلبس السلاح وركب الفرس، فسار قريبا ثم انصرف فرجع إلى الملك، فقال من حوله: جبن الغلام فجاء فوقف على الملك، فقال: ما شأنك؟\nفقال: إنّ الله إن لم ينصرني لا يغني عني السلاح شيئا فدعني أقاتل كما أريد.\nقال: نعم، فأخذ داود مخلاته فتقلّدها وأخذ المقلاع ومضى نحو جالوت، وكان جالوت من أشدّ الناس وأقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاث مائة من حديد، فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه فقال له: أنت تبرز لي؟\nقال: نعم.\nوكان جالوت على فرس أبلق عليه السلاح التام.\nقال: فأتيتني بالمقلاع والحجر كما تؤتى الكلاب؟\nقال: نعم، لأنت شرّ من الكلب.\nقال: لا جرم لأقسّمنّ لحمك بين سباع الأرض وطير السماء.\nقال داود: أو يقسم الله لحمك.\nثم قال داود: باسم إله إبراهيم وأخرج حجرا، ثم أخرج الآخر وقال: باسم إله إسحاق ووضعه في مقلاعه، ثم أخرج الثالث وقال: باسم إله يعقوب ووضعه في مقلاعه فصار كلّها حجرا واحدا، ودوّر المقلاع ورماه به فسخّر الله الريح حتّى أصاب الحجر أنف البيضة فخالط دماغه فخرج من قفاه وقتل من وراءه ثلاثين رجلا، وهزم الله سبحانه الجيش وخرّ جالوت قتيلا فأخذه فجرّه حتّى ألقاه بين يدي طالوت.\nففرح المسلمون فرحا شديدا وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين والناس يذكرون داود فجاء داود طالوت، وقال: أنجز لي ما وعدتني وأعطني امرأتي، فقال له: أتريد ابنة الملك بغير صداق.\nقال داود: ما شرطت عليّ صداقا وليس لي شيء.\nقال: لا أكلّفك إلّا ما تطيق، أنت رجل حربي وفي جبالنا أعداء لنا غلف، فإذا قتلت منهم مائتي رجل وجئتني بغلفهم زوّجتك ابنتي، فأتاهم فجعل كلّما قتل منهم رجلا نظم غلفته في","vol":"2","page":219},{"text":"خيطه حتّى نظم غلفهم فجاء بها إلى طالوت فألقى إليه وقال: ادفع إلى امرأتي، فزوّجه أبنته وأجرى خاتمه في ملكه.\nفمال الناس إلى داود وأحبّوه وأكثروا ذكره، فوجد طالوت من ذلك وحسده فأراد قتله، فأخبر بذلك بنت طالوت رجل يقال له ذو المغنيين، فقالت لداود: إنّك لمقتول الليلة.\nقال: ومن يقتلني؟\nقالت: أبي.\nقال: وهل جزمت جزما؟\nقالت: حدّثني من لا يكذب ولا عليك لن تفوت الليلة حتّى تنظر مصداق ذلك.\nفقال: لئن كان أراد ذلك ما أستطيع خروجا ولكن ائتيني بزق من خمر، فأتته، فوضعه في مضجعه على السرير.\nوسجّاه ودخل تحت السرير فدخل طالوت نصف الليل وأراد أن يقتل داود فقال لها: أين بعلك؟\nفقالت: هو نائم على السرير، فضربه ضربة بالسيف فسال الخمر، فلما وجد ريح الشراب قال: يرحم الله داود ما أكثر شربه الخمر وخرج، فلما أصبح علم أنّه لم يفعل شيئا فقال: إن رجلا طلبت منه ما طلبت لخليق أن لا يدعني حتّى يدرك منّي ثأره، فشدّد حجّابه وحرّاسه وأغلق دونه أبوابه.\nثم إن داود أتاه ليلة وقد هدأت العيون وأعمى الله تعالى الحجبة وفتح له الأبواب فدخل عليه وهو نائم على فراشه فوضع سهما عند رأسه وسهما عند رجليه وسهما عن يمينه وسهما عن شماله ثم خرج. فلما استيقظ طالوت أبصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله داود فهو خير منّي، ظفرت به فقصدت قتله وظفر بي فكفّ عنّي، ولو شاء لوضع هذا السهم في حلقي. وما أنا بالذي آمنه.\nفلما كانت المقابلة أتاه ثانيا فأعمى الله الحجّاب فدخل عليه وهو نائم وأخذ إبريق طالوت الذي كان يتوضأ منه وكوزه الذي كان يشرب منه وقطع شعرات من لحيته وشيئا من هدب ثيابه ثم خرج وهرب وتوارى.\nفلما أصبح طالوت ورأى ذلك، سلّط على داود العيون وطلبه أشدّ الطلب فلم يقدر عليه، ثم إن طالوت ركب يوما فوجد داود يمشي في البريّة، فقال طالوت: اليوم أقتل داود أنا راكب وهو ماش، وكان داود إذا فزع لم يدرك فركض طالوت على أثره، فاشتدّ داود فدخل غارا فأوحى الله تعالى إلى العنكبوت فنسجت عليه بيتا.","vol":"2","page":220},{"text":"فلما انتهى طالوت إلى الغار ونظر إلى بناء العنكبوت، قال: لو كان دخل هاهنا لخرق بناء العنكبوت فتركه ومضى، وانطلق داود وأتى الجبل مع المتعبّدين فتعبّد فيه.\nوطعن العلماء والعبّاد في طالوت في شأن داود، فجعل طالوت لا ينهاه أحد عن قتل داود إلّا قتله وأغرى بقتل العلماء، فلم يكن يقدر على عالم في بني إسرائيل فيطيق قتله إلّا قتله ولم يكن يحارب جيشا إلّا هزم، حتى أتى بامرأة تعلم اسم الله الأعظم فأمر جبّارا بقتلها فرحمها الجبّار فقال: لعلّنا نحتاج إلى عالم فتركها، فوقع في قلب طالوت التوبة وندم على ما فعل وأقبل على البكاء حتّى رحمه.\nفكان كلّ ليلة يخرج إلى القبور فيبكي وينادي: أنشد الله عبدا يعلم أن لي توبة إلّا أخبرني بها.\nفلما أكثر عليهم ناداه مناد من القبور: يا طالوت أما ترضى أن قتلتنا حتّى تؤذينا أمواتا، فازداد بكاء وحزنا، فرحمه الجبّار فكلّمه فقال: مالك أيّها الملك؟\nفقال: هل تعلم لي في الأرض عالما أسأله هل لي من توبة؟\nفقال الجبّار: هل تدري ما مثلك؟ إنّما مثلك مثل ملك نزل قرية عشاء فصاح الديك فتطيّر منه، فقال: لا تتركوا في القرية ديكا إلّا ذبحتموه، فلما أراد أن ينام قال لأصحابه، إذا صاح الديك فأيقضونا حتى ندلج.\nفقالوا: هل تركت ديكا نسمع صوته.\nولكن هل تركت عالما في الأرض، فازداد حزنا وبكاء.\nفلما رأى الجبّار ذلك قال: أرأيتك إن دللتك على عالم لعلّك أن تقتله.\nقال: لا.\nفتوثّق عليه الجبّار فأخبره أن المرأة العالمة عنده قال: انطلق بي إليها أسألها هل لي من توبة؟\nوكان إنّما يعلم ذلك الاسم أهل بيت إذا فنيت رجالهم علمت نساءهم.\nفلما بلغ طالوت الباب قال الجبّار: أيّها الملك إنّها إن رأتك فزعت، فخلّفه خلفه ثم دخل عليها فقال لها: ألست أعظم الناس عليك منّة أن نجّيتك من القتل وآويتك عندي؟\nقالت: بلى.\nقال: فإنّ لي إليك حاجة: هذا طالوت يسأل هل له من توبة، فغشي عليها من الخوف.\nفقال لها: إنّه لا يريد قتلك ولكن يسألك هل له من توبة؟","vol":"2","page":221},{"text":"فقالت: والله لا أعلم لطالوت توبة، ولكن هل تعلمون مكان قبر نبي؟\nفانطلق بها إلى قبر أشمويل، فصلّت ودعت ثم نادت صاحب القبر، فخرج أشمويل من القبر فنفض من رأسه التراب، فلما نظر إليهم ثلاثتهم: المرأة وطالوت والجبّار، قال: ما لكم أقامت القيامة؟\nقالا: لا، ولكن طالوت يسألك هل له من توبة؟\nقال: أشمويل: يا طالوت ما فعلت بعدي؟\nقال: لم أدع من الشرّ شيئا إلّا فعلته وجئت أطلب التوبة.\nقال: كم لك من الولد؟\nقال: عشرة رجال.\nقال: ما أعلم لك توبة إلّا أن تتخلّى من ملكك وتخرج أنت وولدك في سبيل الله ثم تقدّم ولدك حتّى [يقتلوا] «١» بين يديك ثم تقاتل أنت حتّى تقتل آخرهم، ثم رجع أشمويل إلى القبر وسقط ميّتا.\nورجع طالوت أحزن ما كان رهبة إن لا يتابعه ولده، وقد بكى حتّى سقط أشفار عينيه ونحل جسمه، فدخل أولاده عليه، فقال لهم: أرأيتم لو دفعت إلى النار هل كنتم تفدونني؟\nقالوا: بلى، نفديك بما قدرنا عليه.\nقال: فإنّها النار إن لم تفعلوا ما أقول لكم، قالوا: فاعرض علينا، فذكر لهم القصّة، قالوا: وإنّك لمقتول؟\nقال: نعم.\nقالوا: فلا خير لنا في الحياة فقد طابت أنفسنا بالذي سألت. فتجهّز بماله وولده، فقدّم ولده وكانوا عشرة فقاتلوا حتّى قتلوا بين يديه ثم شدّ هو بعدهم حتّى قتل، فجاء قاتله إلى داود النبيّ ﵇ ليبشّره وقال: قد قتلت عدوّك.\nفقال: ما كنت بالذي تحيا بعده فضرب عنقه، وأتى بنو إسرائيل بداود فأعطوه خزائن طالوت وملّكوه على أنفسهم.\nوكان ملك طالوت من أوّله إلى أن قتل في الغزو مع ولده أربعين سنة.\nقال الضحاك والكلبي: ملك داود بعد جالوت تسعا وستين سنة.\n_________\n(١) في المخطوط: تقتل.","vol":"2","page":222},{"text":"ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلّا على داود، فذلك قوله وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وهو داود بن أيشا بن سوئل بن ناغر بن سلمون بن يخشون بن عمّي ابن يا رب بن رام بن حصرون بن فارض بن يهود بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵇، وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ يعني النبوّة.\nوَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ فقال الكلبي وغيره: يعني صنعة الدروع، والتقدير: في السر وكان يصنعها ويبيعها حتّى جمع من ذلك مالا، وكان لا يأكل إلّا من عمل يديه دليله قوله: وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ «١» وقيل: منطق الطير وكلام النحل والنمل، وقيل: الزبور، وقيل: الصوت الطيّب والألحان، ولم يعط الله أحدا من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور يدنوا الوحوش حتّى تؤخذ بأعناقها وتظلّه الطيور مصيخة له. ويركد الماء الجاري ويسكن الريح، وما صنعت المزامير والبرابط والصنوج إلّا على صوته.\nالضحاك عن ابن عباس قال: إنّ الله سبحانه أعطاه سلسلة موصولة بالمجرّة والفلك ورأسها عند صومعة داود ﵇ وكان قوّتها قوّة الحديد ولونها لون النار وحلقها مستدير مفصّلة بالجواهر مدسّرة بقضبان اللؤلؤ الرطب، فلا يحدّث في الهواء حدث إلّا صلصلت السلسلة فعلم داود ذلك الحدث، ولا يمسّها ذو عاهة إلّا برء، وكان علامة دخول قومه في الدين أن يمسّوها بأيديهم ثمّ يمسحون أكفّهم على صدورهم، وكانوا يتحاكمون إليها بعد داود إلى أن رفعت، وكانوا يأتونها فمن تعدّى على صاحبه وأنكر له حقّا أتى السلسلة، فمن كان صادقا محقّا مدّ يده إلى السلسلة فنالتها ومن كان كاذبا ظالما لم ينلها، وكانت كذلك إلى أن ظهر فيهم المكر والخديعة.\nفبلغنا أن بعض ملوكها أودع رجلا جوهرة ثمينة، فلما استردّها منه أنكر فتحاكما إلى السلسلة، فعلم الذي كانت الجوهرة عنده أنّ يده لا تنال السلسلة، فعمد إلى عكازه فنقرها ثم ضمّنها الجوهرة وأعتمد عليها حتّى حضروا السلسلة.\nفقال صاحب الجوهرة: ردّ إلىّ الوديعة.\nفقال صاحبه: ما أعلم لك عندي وديعة، فإنّ كنت صادقا فتناول السلسلة فتناولها بيده، فقيل للمنكر أيضا: قم أنت أيضا فتناولها، فقال لصاحب الجوهرة: خذ عكازتي «٢» هذه فاحفظها حتّى أتناول السلسلة، فأخذها وقال الرجل: اللهمّ إنّ كنت تعلم إنّ هذه الوديعة يدعيها عليّ قد وصلت إليه فقرّب السلسلة، فمدّ يده فتناولها، فتعجّب القوم وشكّوا فيها فأصبحوا وقد رفع الله السلسلة.\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٨٠.\n(٢) والتي فيها جوهرته وهو لا يعلم.","vol":"2","page":223},{"text":"وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع ويعقوب وأيوب (دفاع الله) بالألف هاهنا وفي سورة الحجّ واختاره أبو حاتم، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما وأختاره أبو عبيد قال: لأنّ الله تعالى لا يغالبه أحد وهو الدافع وحده، وقال أبو حاتم: وقد يكون الفعال من واحد مثل قول العرب: أحسن الله عنك الدفاع، وعافاك الله، وعاقبه الله، وناول شيئا.\nابن عباس ومجاهد: لولا دفع الله بجنود المسلمين وسراياهم ومرابطيهم لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المؤمنين وخرّبوا البلاد والمساجد.\nوقال سائر المفسّرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفّار والفجّار لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لهلكت بمن فيها.\nقال رسول الله ﷺ: «يدفع الله العذاب بمن يصلّي، عمّن لا يصلّي، وبمن يزكّي عمّن لا يزكّي، وبمن يصوم عمّن لا يصوم، وبمن يحجّ عمّن لا يحج، وبمن يجاهد عمّن لا يجاهد.\nولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء ما ناظرهم الله طرفة عين» . ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية [١٨٢] «١» .\nوروى مالك بن عبيد عن أبيه عن جدّه إنّ رسول الله ﷺ قال: «لولا عباد لله ركع وصبية رضّع، وبهائم رتّع، لصبّ عليكم العذاب صبّا ثم لترضن رضا» «٢» .\nقال الثعلبي وأنشدني لنفسه:\nلولا عباد للاله ركع ... وصبية من اليتامى رضّع\nومهملات في الفلاة رتّع ... صبّ عليكم العذاب الأوجع «٣»\nوروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله سبحانه ليصلح بصلاح الرجل «٤» ولده وولده ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» [١٨٣] «٥» .\nوقال قتادة: يبتلي الله المؤمن بالكافر ويعافي الكافر بالمؤمن.\n[...] «٦»\nبن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليدفع بالمسلم\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٠.\n(٢) السنن الكبرى: ٣/ ٣٤٥، والمعجم الكبير: ٢٢/ ٣١٠، وفيه: ثمّ رضّ رضا، وفي الآحاد والمثاني للضحّاك (٢/ ٢١٠): ثمّ رصّ رصا، بالصاد.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٠.\n(٤) في المصدر: المسلم.\n(٥) جامع البيان: ٢/ ٨٥٥.\n(٦) غير مقروءة في المخطوط.","vol":"2","page":224},{"text":"الصالح عن مائة من أهل بيت من جيرانه البلاء» [١٨٤] «١»، ثم قرأ ابن عمر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ.\nوَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ أي كلام الله.\nوَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٣ الى ٢٥٤]</span>\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (٢٥٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)\nتِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، قال الأخفش: أي كلّمه الله لقوله: فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ\n«٢» وزان ما تَشْتَهِيهِ «٣» .\nوَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ الربيع بن الهيثم قال: لا أفضّل على نبيّنا أحدا ولا أفضّل بعده على إبراهيم أحدا.\nوَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد الرسل مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وَلكِنِ اخْتَلَفُوا في الدين فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ثبت على إيمانه وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فتهوّد وتنصّر وكانوا يعقوبيّة ونسطوريّة وملكائيّة ثم تحاربوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ فيوفّق من يشاء عدلا ويخذل من يشاء عدلا.\nوعن الحرث الأعور قال: قام رجل إلى عليّ (﵁) فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: طريق مظلم لا تسلكه.\nقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: بحر عميق لا تلجه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، قال: سرّ الله قد خفي عليك فلا تفشه، قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر، فقال عليّ ﵇: أيّها السائل إن الله خلقك كما شاء أو كما شئت؟.\nفقال: كما شاء.\n_________\n(١) كنز العمال: ٩/ ٥ ح ٢٤٦٥٤.\n(٢) سورة فصلت: ٣١.\n(٣) سورة الزخرف: ٧١.","vol":"2","page":225},{"text":"قال: فيبعثك يوم القيامة كما شاء أو كما شئت؟.\nقال: كما شاء.\nقال: أيّها السائل ألك مع الله مشيئة أو فوق الله مشيئة أو دون الله مشيئة؟ فإن زعمت أن لك دون الله مشيئة فقد اكتفيت عن مشيئة الله، وإن زعمت أنّ لك فوق الله مشيئة فقد زعمت أن مشيئتك غالبة على مشيئة الله، وإن زعمت أن لك مع الله مشيئة فقد ادعيت الشركة، ألست تسأل ربّك العافية؟\nقال: بلى.\nقال: فمن أي شيء تسأله، أمن البلاء الذي ابتلاك به، أم من البلاء الذي ابتلاك به غيره؟.\nقال: من البلاء الذي ابتلاني به.\nقال: ألست تقول: لا حول ولا قوّة إلّا بالله؟\nقال: بلى.\nقال: فتعلّم تفسيرها؟\nقال: لا، علّمني يا أمير المؤمنين مما علمك الله.\nقال: تفسيرها: أن العبد لا يقدر على طاعة الله ولا يكون له قوّة على معصية الله في الأمرين جميعا إلّا بالله، أيّها السائل إن الله ﷿ [يصح ويداوي، منه الداء ومنه الدواء] أعقلت عن الله أمره.\nقال: نعم.\nقال علي (﵁): الآن أسلم أخوكم قوموا فصافحوه.\nثم قال: لو وجدت رجلا من القدرية لأخذت برقبته فلا أزال أطأ عنقه حتّى أكسرها فإنّهم يهود هذه الأمّة ونصاراها ومجوسها «١» .\nوقال المزني: سمعت الشافعي يقول:\nوما شئت كان وإن لم أشأ ... وما شئت إن لم تشأ لم يكن «٢»\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ يعني صدقة التطوّع والنفقة في الخير\n_________\n(١) دستور معالم الحكم: ١١٠- ١٠٨، وكنز العمال: ١/ ٣٤٧ ح ١٥٦، وتاريخ دمشق: ٤٢/ ٥١٣. [.....]\n(٢) تاريخ دمشق: ٥٠/ ٣٣٢.","vol":"2","page":226},{"text":"مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ [...] «١» وَلا خُلَّةٌ ولا صداقة وَلا شَفاعَةٌ إلّا بإذن الله، قرأها كلّها بالنصب ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وقرأ الباقون كلّها بالرفع والتنوين، وكلا الوجهين سائغ في [العربيّة] «٢» .\nوَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنّهم وضعوا العبادة في غير موضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٥ الى ٢٥٧]</span>\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦) اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الآية.\nعن أبيّ بن كعب قال: سألني رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا المنذر أي آية في كتاب الله ﷿ أعظم»؟\nقلت: الله ورسوله أعلم.\nقالها ثلاثا ثم سألني، فقلت: الله ورسوله أعلم، ثم سألني فقلت: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فضرب في صدري ثم قال: «هنيئا لك العلم يا أبا المنذر والذي نفسي بيده إنّ لها لسانا تقدّس الملك عند ساق العرش» [١٨٥] «٣» .\nعبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال النبيّ ﷺ: «من قرأ آية الكرسي دبر كلّ صلاة مكتوبة كأن الذي يتولّى قبض نفسه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتّى استشهد» «٤» .\nروى إسماعيل بن مسلم عن أبي المتوكّل الناجي إنّ أبا هريرة كان معه مفتاح بيت الصدقة وكان فيه تمر، فذهب يوما وفتح الباب فإذا التمر قد أخذ منه ملء كفّ، ثم دخل يوما آخر وقد أخذ منه ذلك، ثم دخل يوما آخر فإذا قد أخذ منه مثل ذلك، قال: فذكر ذلك أبو هريرة للنبيّ ﷺ فقال له النبيّ ﷺ: «أيسرّك أن تأخذه»؟\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) فصلها القرطبي في تفسيره: ٣/ ٢٦٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٨، بتفاوت يسير.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ٢/ ١٥٧.","vol":"2","page":227},{"text":"قال: نعم.\nقال: «فإذا فتحت الباب فقل سبحان من سخّرك لمحمد ﷺ» . قال: فذهب ففتح الباب فقال: سبحان من سخّرك لمحمد، فإذا هو قائم بين يديه فقال له: يا عدو الله أنت صاحب هذا؟\nقال: نعم، وقال لي: لا أعود، ما كنت آخذه منك إلّا لأهل بيت فقراء من الجن، ثم عاد فذكره للنبيّ ﷺ فقال له: «أيسرّك أن تأخذه» قال: نعم، قال: «فإذا فتحت فقل مثل ذلك أيضا»، ففتح الباب فقال: سبحان من سخّرك لمحمد، فإذا هو قائم بين يديه، فقال له: يا عدو الله أليس زعمت أنّك لا تعود؟\nقال: دعني هذه المرّة فإنّي لا أعود.\nفأخذه الثالثة فقال له: أليس عاهدتني أن لا تعود، اليوم لا أدعك حتّى أذهب بك إلى النبيّ ﷺ، قال: لا تفعل فإنّك إنّ تدعني علّمتك كلمة إذا أنت قلتها لم يقربك أحد من الجن صغير ولا كبير ذكر ولا أنثى.\nقال له: لتفعلن؟ قال: نعم، قال: فما هي؟ قال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، حتّى ختمها، فتركه فذهب فلم يعد، فذكر ذلك أبو هريرة للنبيّ ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: «أما علمت يا أبا هريرة أنّه كذلك» [١٨٦] «١» .\nعن جعفر بن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵇ عن علي ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «يا عليّ آية نزلت من كنوز العرش خرّ كلّ صنم يعبد في المشرق والمغرب على وجهه» وفزع إبليس. وقال: يحدث في هذه الليلة حدث كبير فانظروني أضرب لكم مشارق الأرض ومغاربها، فأتى يثرب فاستقبله رجل [فتراءى] له إبليس في صورة شيخ.\nقال: يا عبد الله هل حدث هذه الليلة أو في هذا اليوم شيء؟\nقال: نعم، أخبرنا رسول الله ﷺ أنّه نزلت عليه آية أصبح كلّ صنم خارا على وجهه، فانصرف إبليس إلى أصحابه وقال: حدث بيثرب أعظم الحدث [فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي قد نزلت] «٢»، وقال النبيّ ﷺ: «ما قرأت هذه الآية في دار إلّا هجره الشيطان ثلاثة أيام أو قال ثلاثين يوما ولا يدخله ساحر ولا ساحرة أربعين ليلة. يا علي علّم ولدك وأهلك وجيرانك فما نزلت آية أعظم منها» [١٨٧] «٣» .\nوعن عطيّة العوفي عن علي ﵁ قال سمعت نبيّكم ﷺ على أعواد المنبر وهو\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٤.\n(٢) زيادة عن تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٨.\n(٣) مستدرك الوسائل: ٤/ ٣٣٥.","vol":"2","page":228},{"text":"يقول: «من قرأ آية الكرسي في دبر كلّ صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنّة إلّا الموت ولا يواظب عليها إلّا صدّيق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله» [١٨٨] «١» .\nعن أنس وعن جابر رفعا الحديث إلى رسول الله ﷺ: «أوحى الله تعالى إلى موسى بن عمران من دوام على قراءة آية الكرسي دبر كلّ صلاة أعطيته قلوب الشاكرين وأجر النبيين وأعمال الصدّيقين وبسطت عليه يميني بالرحمة ولم أمنعه أن أدخله الجنّة إلّا أن يأتيه الموت.\nقال موسى: إلهي ومن يداوم عليها؟\nقال: لا يداوم عليها إلّا نبي أو صدّيق أو رجل قد رضيت عنه أو رجل أريد قتله في سبيلي» .\nمحمد بن كعب الفرضي عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «من خرج من منزله فقرأ آية الكرسي بعث الله إليه سبعين ألفا من الملائكة يستغفرون له ويدعون له، فإذا رجع إلى منزله ودخل بيته فقرأ آية الكرسي نزع الله الفقر من بين عينيه» .\nنافع عن ابن عمر قال: بينا عمر بن الخطاب جالس في مسجد المدينة في جماعة من أصحاب النبي ﷺ وهم يتذاكرون فضائل القرآن إذ قال قائل منهم: خاتمة براءة، وقال قائل:\nخاتمة بني إسرائيل، وقال قائل: كهيعص [وقال قائل: طه] فقدّم القوم وأخروا، فقال عليّ ﵇:\nوأين أنتم يا أصحاب محمد عن آية الكرسي؟\nفقالوا له: أخبرنا يا أبا الحسن ما سمعت النبيّ ﷺ يقول؟ فقال عليّ (﵁):\nقال النبيّ ﷺ: «يا علي سيّد النبيين آدم، وسيّد العرب محمد ولا فخر، وسيّد الفرس سلمان، وسيّد الروم صهيب، وسيّد الحبشة بلال، وسيّد الجبال الطور، وسيّد الشجر السدر، وسيّد الشهور الأشهر الحرم، وسيّد الأيام يوم الجمعة، وسيّد الكلام القرآن، وسيّد القرآن البقرة، وسيّد البقرة آية الكرسي.\nيا علي إنّ فيها لخمسين كلمة في كل كلمة خمسون بركة» «٢» .\nعمر بن أبي المقدام قال سمعت أبا جعفر الباقر يقول: «من قرأ آية الكرسي مرّة صرف عنه ألف مكروه من مكروه الدنيا وألف مكروه من مكروه الآخرة، أيسر مكروه الدنيا الفقر وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر» .\nقوله تعالى اللَّهُ إلها، رفع بالابتداء وخبره في لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٦٩.\n(٢) مستدرك الوسائل: ٤/ ٣٣٦.","vol":"2","page":229},{"text":"وقيل: هو رفع بالإيجاب والتحقيق كقوله ﷿: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ «١» .\nوالْحَيُّ من له الحياة، وهي الصفة التي يكون الموصوف بها حيّا مخالفا للجمادات والأموات وهو على وزن فعل مثل الحذر والطمع، فسكنت الياء وأدغمت.\nوالْقَيُّومُ فيعول من القيام وفيه ثلاث لغات: القيام وهي قراءة عمر بن مسعود والنخعي والأعمش، والقيّم وهي قراءة علقمة، والْقَيُّومُ وهي قراءة الباقين، وكلّها لغات بمعنى واحد، والأصل: قيوم وقيوام وقيّوم كما يقال: ما في الدار ديّور وديّار ودير. والْقَيُّومُ: المبالغ في القيام على خلقه.\nقال مجاهد: الْقَيُّومُ: القائم على كلّ شيء، سعيد بن جبير: الذي لا نرى له، الضحاك:\nالدائم، أبو روق: الذي لا يلي، الربيع: القيّم على كلّ شيء يحفظه ويرزقه، الكلبي: القائم عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، أبو عبيد: الذي لا يزول.\nقال أحية: لم يخلق السماء والنجوم والشمس معها قمر يقوم قدره المهيمن القيّوم والحشر والجنّة والجحيم إلّا لأمر شأنه عظيم «٢» .\nقتادة عن أنس إنّ النبيّ ﷺ كان يدعوا: يا حيّ يا قيّوم\n، وكان ابن عباس يقول: أعظم أسماء الله ﷿ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وهو دائما أهل الخير.\nيدلّ عليه ما\nروى القاسم عن أبي إمامة عن النبيّ ﷺ، قال: «إنّ اسم الله الأعظم لفي سور من القرآن ثلاث: البقرة وآل عمران وطه» «٣» .\nقال بعضهم: فنظرت في هذه السور الثلاث فرأيت فيها اسما ليس في شيء من القرآن:\nفي آية الكرسي اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.\nوفي آل عمران الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ «٤» .\nوفي طه وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ «٥» .\nلا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ، قال المفسّرون:\nالسّنة: النعاس، وهو النوم الخفيف وهو ريح تجيء من قبل الرأس لينة فتغشي العين، ورجل وسنان إذا كان بين النائم واليقظان يقال له: وسن يوسن وسنا وسنة فهو وسنان.\nقال ابن الرقاع:\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٤٤.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٩.\n(٣) المستدرك: ١/ ٥٠٥ و٥٠٦.\n(٤) سورة آل عمران: ٢. [.....]\n(٥) سورة طه: ١١١.","vol":"2","page":230},{"text":"وسنان أقصده النعاس فرنقت «١» ... في عينه سنة وليس بنائم\nوَلا نَوْمٌ والنوم هو المستثقل المزيل للقوّة والعقل، فنفى الله تعالى عن نفسه النوم لأنّه آفة ولا يجوز عليه الآفات ولأنّه تغيّر ولا يجوز عليه تغيّر الأحوال، ولأنّه قهر والله تعالى قاهر غير مقهور، ولأنّه للاستراحة ولا يناله تعب فيسترح ولأنّه أخ الموت.\nمحمد بن المنكدر عن جابر قال: سئل رسول الله ﷺ: أينام أهل الجنّة؟\nقال: لا: «النوم أخ الموت ولا يموت أهل الجنّة»\n«٢» ولأنّه لو نام العقل ولو غفل لاختلّ ملكه وتدبيره.\nأبو عبيدة عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس «٣» كلمات فقال: «إنّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ولكنّه يرفع القسط ويخفضه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» «٤» .\nعكرمة عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يحكي عن موسى ﵇ على المنبر قال:\n«وقع في نفس موسى هل ينام الله ﷿، فأرسل الله إليه ملكا [فأرّقه «٥» ثلاثا ثم] أعطاه قارورتين في كلّ يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما، قال: فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ويحبس أحدهما عن الأخرى حتّى نام نومه واصطكت يداه فانكسرت القارورتان» «٦» .\nقال: ضرب الله تعالى مثلا أن الله سبحانه لو نام لم يستمسك السماء والأرض.\nلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا. مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ بأمره، قال أهل الإشارة: في هذه الآية جذب بها قلوب عباده إليه عاجلا وآجلا فسبحان من لا وسيلة إليه.\nالآية: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ قال مجاهد وعطاء والحكم والسدي: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدنيا وَما خَلْفَهُمْ من أمر الآخرة.\nالضحاك والكلبي: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني الآخرة لأنّه يقدمون عليها وَما خَلْفَهُمْ الدنيا لأنّهم يخلفونها ابن جريح: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني ما كان قبل خلق الملائكة وَما خَلْفَهُمْ وما يكون بعد خلقهم.\n_________\n(١) رنق النوم في عينيه: خالطها، تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧٢.\n(٢) الدر المنثور: ٦/ ٣٤ بتفاوت يسير.\n(٣) في جميع المصادر: بأربع.\n(٤) المعجم الأوسط: ٢/ ١٤٢ بتفاوت.\n(٥) أرقه: الأرق: السهر، أي: أسهره.\n(٦) تفسير الطبري: ٣/ ١٣.","vol":"2","page":231},{"text":"وقيل: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني ما فعلوه من خير وشرّ وَما خَلْفَهُمْ وأمامهم ما فعلوه.\nوَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أي علم الله إِلَّا بِما شاءَ أن يعلّمهم ويطلعهم عليه وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أي ملأ وأحاط به، واختلفوا في الكرسي، فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: علمه، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب: كراسة.\nومنه قول الراجز في صفة قانص:\nحتى إذا ما جاءه تكرّسا\nيعني: علم.\nويقال للعلماء: الكراسيّ.\nقال الشاعر:\nيحف بهم بيض الوجوه وعصبة ... كراسي بالأحداث حين نتوب «١»\nوقال بعضهم: سلطانه وملكه وقدرته.\nوالعرب تسمّي أصل كلّ شيء الكرسي.\nيقال: فلان كريم الكرسي أي الأصل.\nقال العجاج:\nقد علم القدوس مولى القدس ... أن أبا العباس أولى النفس\nبمعدن الملك الكريم الكرسي «٢»\nقال الثعلبي: رأيت في بعض التفاسير كُرْسِيُّهُ: سرّه.\nوأنشدوا فيه:\nمالي بأمرك كرسيّ أكاتمه ... وهل بكرسيّ علم الغيب مخلوق «٣»\nوزعم محمد بن جرير الطبري أن الكرسي: الأجل، أي وسع [أجله] السماوات والأرض.\nوقال أبو موسى والسدّي وغيرهما: هو الكرسي بعينه، وهو لؤلؤ، وما السماوات السبع في الكرسي إلّا كدراهم سبعة ألقيت في ترس «٤» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٢٧٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٧، ولسان العرب ٦/ ١٦٩.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٢/ ١٥٨.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ١٦.","vol":"2","page":232},{"text":"وقال عليّ ومقاتل: كلّ قامة من الكرسي طولها مثل السماوات السبع والأرضين السبع وهو بين يدي العرش، ويحمل الكرسي أربعة أملاك لكلّ ملك أربعة وجوه أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرض السابعة السفلى مسيرة خمس مائة عام:\nملك على صورة سيّد البشر آدم ﵇ وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة إلى السنة، وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل من دون الله، وملك على صورة سيّد الأنعام وهو الثور وهو يسأل للأنعام الرزق من السنة إلى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل من دون الله، وملك على صورة سيّد السباع وهو الأسد يسأل الرزق للسباع من السنة إلى السنة، وملك على صورة سيّد الطير وهو النسر يسال الله الرزق للطيور من السنة إلى السنة.\nأبو إدريس الخولاني عن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله أيّما آي أنزل عليك أعظم؟\nقال: «آية الكرسي» .\nثم قال: «يا أبا ذر ما السماوات السبع مع الكرسي إلّا كحلقة [من حديد] «١» ملقاة في أرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة» «٢» .\nوفي بعض الأخبار أن بين حملة العرش وبين حملة الكرسي سبعين حجابا من ظلمة وسبعين حجابا من نور، غلظ كلّ حجاب مسيرة خمس مائة عام، لولا ذلك لاحترقت حملة الكرسي من نور حملة العرش.\nقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش بعينه. وحكى الأستاذ أبو سعيد عبد الملك عن أبي عثمان الزاهد عن بعض المتقدّمين: أنّ الكرسي اسم ملك من الملائكة أضافه إلى نفسه تخصيصا وتفضيلا فنبّه به عباده على عظمته وقدرته.\nفقال: إن خلقا من خلقي [وسع] «٣» السماوات والأرض فيكف تقدر قدرتي وتعرف عظمتي. والله أعلم.\nوَلا يَؤُدُهُ أي لا يثقله ولا يجهده ولا يشق عليه.\nقالت الخنساء:\nوحامل الثقل بالأعباء قد علموا ... إذا يؤود رجالا بعض ما حملوا\nوقيل: يَؤُدُهُ أي يسقطه من ثقله.\n_________\n(١) زيادة عن الطبري.\n(٢) صحيح ابن حبان: ٢/ ٧٧ وكنز العمال: ١٦/ ١٣٢ ح ٤٤١٥٨.\n(٣) غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه. [.....]","vol":"2","page":233},{"text":"قال الشاعر:\nإليّ وما سحروا عداة منّا ... عند الحمار يؤودها العقل\nحِفْظُهُما حفظ السماوات والأرض وَهُوَ الْعَلِيُّ الرفيع فوق خلقه في التدبير والقوّة والقدرة لا بالمسافة والمكان والجهة الْعَظِيمُ فلا شيء أعظم منه.\nقال المفسّرون: سبب نزول هذه الآية أنّ الكفّار كانوا يعبدون الأصنام ويقولون هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nلا إِكْراهَ فِي الدِّينِ الآية.\nقال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار يكنّى (أبو الحصين) وكان له ابنان فقدم تجّار الشام إلى المدينة يحملون الزيت فلما أراد الرجوع إلى المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين فدعوهما إلى النصرانيّة فتنصّرا وخرجا إلى الشام، فأخبر أبو الحصين رسول الله ﷺ بذلك فقال لرسول الله ﷺ: اطلبهما، فانزل الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فقال ﷺ: «أبعدهما الله فهما أوّل من كفر» فوجد أبو الحصين في نفسه على النبيّ ﷺ حين لم يبعث في طلبهما فأنزل الله تعالى فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ «١» الآية.\nقال: وكان هذا قبل أن يؤمر رسول الله ﷺ بقتال أهل الكتاب ثم نسخ قوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة.\nوهكذا قال ابن مسعود وابن زيد: أنّها منسوخة بآية السيف، وقال الباقون: هي محكمة.\nسعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قال: كانت المرأة من الأنصار تكون مثقلا لا يعيش لها ولد ونذورا فتنذر لئن عاش لها ولد لتهوّدنّه، فجاء الإسلام وفيهم منهم، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم أناس من الأنصار فقالت الأنصار: يا رسول الله أبناؤنا وإخواننا، فسكت عنهم ﷺ فنزلت: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ. الآية.\nفقال رسول الله ﷺ: «قد خيّر أصحابكم فإن اختاروكم فهم منكم، وإن اختاروهم فاجعلوهم معهم» .\nقال: وكان الفصل ما بين الأنصار واليهود إجلاء بني النضير فمن لحق بهم اختارهم ومن أقام اختار الإسلام. وقال المفسّرون: كان لرجل من الأنصار من بني سالم ابنان فتنصّرا قبل أن يبعث النبيّ ﷺ ثم قدما المدينة في نفر من النصارى يحملون الطعام فأتاهما أبوهما فلزمهما وقال: لا أدعكما حتّى تسلما، فأبيا أن يسلما فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا أنظر؟ فأنزل الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ الآية، فخلّى سبيلهما «٢» .\n_________\n(١) سورة النساء: ٦٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢، وأسباب النزول للواحدي: ٥٣.","vol":"2","page":234},{"text":"ابن أبي [حاتم] عن مجاهد قال: كان ناس مسترضعين في اليهود- قريظة والنظير- فلما أمر النبيّ ﷺ بإجلاء بني النضير فقال نسائهم من الأوس الذين كانوا مسترضعين فيهم: لنذهبن معهم ولتذنبن بذنبهم فمنعهم أهلوهم وأرادوا أن يكرهوهم على الإسلام فنزلت هذه الآية لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.\nقتادة والضحاك وعطاء وأبو روق والواقدي: معنى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ بعد إسلام العرب إذا قبلوا الجزية، وذلك أن العرب كانت أمّة أميّة لم يكن لهم دين ولا كتاب فلم يقبل عنهم إلّا الإسلام أو السيف وأكرهوا على الإسلام فلم يقبل منهم الجزية، ولما أسلموا ولم يبق أحد من العرب إلّا دخل في الإسلام طوعا أو كرها، أنزل الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فأمر أن يقاتل أهل الكتاب والمجوس والصابئين على أن يسلموا أو أن يقرّوا بالجزية فمن أقرّ منهم بالجزية قبلت منه وخلّى سبيله ولم يكره على الإسلام.\nوقال مقاتل: كان النبيّ ﷺ لا يقبل الجزية إلّا من أهل الكتاب، فلما أسلمت العرب طوعا أو كرها، قبل الخراج من غير أهل الكتاب فكتب النبيّ ﷺ إلى المنذر بن ساوي وأهل هجر يدعوهم إلى الإسلام:\n«إن من شهد شهادتنا وصلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا وكان بديننا فذلك المسلم الذي له ذمّة الله وذمّة رسوله، فإن أسلمتم فلكم ما لنا وعليكم ما علينا ومن أبي الإسلام فعليه الجزية» .\nفكتب المنذر إلى النبيّ ﷺ: إنّي قرأت كتابك على أهل هجر فمنهم من أسلم ومنهم من أبى، فأمّا اليهود والمجوس فأقرّوا الجزية وكرهوا الإسلام فرضي النبيّ ﷺ منهم بالجزية، فقال منافقوا أهل المدينة: زعم محمد أنّه لم يؤمر بأخذ الجزية إلّا من أهل الكتاب فما باله قبله من مجوس هجر وقد ردّ ذلك على آبائنا وإخواننا حتّى قتلهم، فشق ذلك على المسلمين، فذكروا ذلك للنبيّ ﷺ، فأنزل الله تعالى لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ يعني بعد إسلام العرب.\nوروى شريك عن عبد الله بن أبي هلال عن وسق قال: كنت مملوكا لعمر بن الخطاب (﵁) وكنت نصرانيّا وكان يقول: يا وسق أسلم فإنّك لو أسلمت لولّيتك بعض أعمال المسلمين فإنّه ليس يصلح أن يلي أمرهم من ليس على دينهم، فأبيت عليه فقال: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ فلما مات أعتقني، وقال ابن أبي نجيح: سمعت مجاهدا يقول لغلام له نصراني: يا جرير أسلم، ثم قال: هكذا كان يقال: [أم لا يكرهون] «١» .\n_________\n(١) المصنف لعبد الرزاق: ١٠/ ٣١٦ ح ١٩٢٢١، وتفسير الطبري: ٣/ ٢٤ وفيهما: كان يقال لهم.","vol":"2","page":235},{"text":"وقال الزجاج وغيره: هو من قول العرب: أكرهت الرجل إذا نسبته إلى الكره كما يقال:\nأكفرته وأفسقته وأظلمته إذا نسبته إليها.\nقال الكميت:\nوطائفة قد أكفروني بحبّكم ... وطائفة قالوا مسيء ومذنب «١»\nومعنى الآية: لا تقولوا لمن دخل بعد الحرب في الإسلام: أنّه دخل مكرها، ولا تنسبوا فمن دخل في الإسلام إلى الكره يدلّ عليه قوله: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا «٢» .\nقَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ قد ظهر الكفر من الإيمان والهدى من الضلالة والحق من الباطل،\nعن ابن مسعود عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «من أطاع الله ورسوله فقد رشد» «٣» .\nوعن مقاتل بن حسّان قال: زعم الضحاك أن الناس لما دخلوا في الإسلام طوعا أو كرها ولم يبق من عدو نبيّ الله من مشركي العرب أحد إلّا دخلوا في الإسلام طوعا أو كرها وأكمل الدين نزل: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ من شاء أسلم ومن شاء أعطى الجزية.\nوقرأ الحسن ومجاهد والأعرج الرَّشَدُ بفتح الراء والشين وهما لغتان كالحزن والحزن والبخل والبخل.\nوقرأ عيسى بن عمر: الرُّشُدُ بضمّتين.\nوقرأ الباقون بضم الراء وجزم الشين وهما لغتان كالرعب والرعب، والسحت والسحت.\nفَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ يعني الشيطان، قاله ابن عمرو ابن عباس ومقاتل والكلبي.\nوقيل: هو الصنم، وقيل: الكاهن، وقيل: هو كلّ ما عبد من دون الله.\nوقال أهل المعاني: الطاغوت: كلّ ما يغطي الإنسان، وهو فاعول من الطغيان زيدت التاء فيه بدلا من لام الفعل، كقوله: حانوت وتابوت.\nوقال أهل الإشارة: طاغوت كلّ امرئ نفسه بيانه قوله إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ «٤» الآية.\nوَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ عن سعيد قال: الإيمان: التصديق، والتصديق أن يعمل العبد مما صدّق به من القرآن.\n_________\n(١) التبيان: ٣/ ٢٨٣ وخزانة الأدب: ٢٣٦.\n(٢) سورة النساء: ٩٤.\n(٣) كتاب المسند للشافعي: ٦٨.\n(٤) سورة يوسف: ٥٣.","vol":"2","page":236},{"text":"وعن ابن عباس قال: أخبر الله تعالى إنّ الإيمان هو العروة الوثقى ولا يقبل عمل إلّا به، وعن ابن عباس أيضا قال: أخبر الله تعالى أنّ الإيمان لا إله إلّا الله.\nفَقَدِ اسْتَمْسَكَ تمسك واعتصم بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى بالعصمة الوثيقة الحكمة لَا انْفِصامَ لَها وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا أي ناصرهم ومعينهم وقيل محبهم وقيل متولي أمرهم لا يكلهم إلى غيره. يقال: توليت أمر فلان وولّيته ولاية بكسر الواو، وقيل: أولى وأحق بهم لأنّه يربّهم، وقال الحسن: ولي هداهم.\nيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهداية، وكذلك كانوا في علم الله ﷿ قبل أنّ يخلقهم، فلما خلقهم مضى فيهم علمه فآمنوا.\nوقال الواقدي: كلّ شيء في القرآن من الظلمات والنور فإنّه أراد به الكفر والإيمان غير التي في سورة الأنعام وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ «١» فإنّه يعني به الليل والنهار.\nقال ابن عباس: هؤلاء قوم كفروا بعيسى ﵇ ثم آمنوا بمحمد ﷺ فأخرجهم [من الكفر] بعيسى إلى إيمانهم بالمصطفى وسائر الأنبياء (﵈)، وقال غيره: هو عام لجميع المؤمنين، وقال ابن عطاء: هذه الآية [تغنيهم من] صفاتهم بصفة فيصيرون قائمين بالحق للحق مع الحق.\nالواسطي: يخرجهم من ظلمات نفوسهم إلى آدابها كالرضا والصدق والتوكّل والمعرفة والمحبّة.\nأبو عثمان: يخرجهم من رؤية الأفعال إلى رؤية المنن والأفضال، وقيل: يخرجهم من ظلمات الوحشة والفرقة إلى نور الوصيلة والقربة.\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ هكذا قرأه العامة وقرأ الحسن الطواغيت على الجمع.\nقال أبو حاتم: العرب تجعل الطاغوت واحدا وجمعا ومذكّرا ومؤنّثا.\nقال الله تعالى في الواحد والمذكّر يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ «٢» .\nوقال في المؤنّث: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها «٣» وقال في الجمع:\nيُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ.\nقال ابن عباس: يعني بالطاغوت الشيطان.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١.\n(٢) سورة النساء: ٦٠.\n(٣) سورة الزمر: ١٧.","vol":"2","page":237},{"text":"قال مقاتل يعني كعب بن الأشرف، ويحيى بن أخطب وسائر رؤوس الضلالة يُخْرِجُونَهُمْ ويدعونهم مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ، دليله قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ «١» يعني أدعوهم.\nفإن قيل: ما وجه قوله يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ وهم كفّار لم يكونوا في نور قط وكيف يخرجونهم ممّا لم يدخلوا فيه.\nفالجواب ما قال مقاتل وقتادة: هم اليهود كانوا مؤمنين بمحمّد ﷺ قبل أن يبعث فلما بعث كفروا به وجحدوا ما وجدوه في كتبهم من نعته وصفته ونبوّته بيانه قوله: فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ «٢» فذلك خروجهم من النور يعني بإيمانهم بمحمد قبل البعث، ويعني بالظلمات كفرهم بمحمد ﷺ بعد البعث، والإدخال والإخراج الى الله ﷿ لا إلى غيره إلّا على سبيل الشريعة والتفريع. قال الله ﷿: وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ «٣»، وأجراها أهل المعاني على العموم في جميع الكفّار.\nوقالوا: منعه إياهم من الدخول فيه إخراج، وهذا كما يقول الرجل لأبيه: أخرجتني من مالك ولم يكن فيه، فقال الله تعالى إخبارا عن يوسف: إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «٤» ولم يكن أبدا على دينهم حتّى تركه قال الله تعالى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ «٥» ولم يكن فيه قط.\nوقال امرؤ القيس:\nويأكلون البدل قد عاد احما قط ... قال له الأصوات ذي كلا نجلى «٦»\nوقال آخر:\nأطعت النفس في الشهوات حتّى ... أعادتني عسيفا عبد عبد «٧»\nولم يكن عبدا قط.\nوقال الغنوي:\nفإنّ تكن الأيام أحسن مرّة ... إليّ فقد عادت لهنّ ذنوب «٨»\n_________\n(١) سورة إبراهيم: ٥.\n(٢) سورة البقرة: ٨٩.\n(٣) سورة الأسراء: ٨٠.\n(٤) سورة يوسف: ٣٧. [.....]\n(٥) سورة النحل: ٧٠.\n(٦) كذا في المخطوط.\n(٧) لسان العرب: ٩/ ٢٤٦.\n(٨) تاريخ دمشق: ٦٣/ ١٧٢، والشاهد أنها لم يكن لها ذنوب قبل ذلك.","vol":"2","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٥٨ الى ٢٥٩]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أي خاصم وجادل وأصلها من الحجّة، وهو نمرود بن كنعان بن سخاريب بن كوش بن سام بن نوح وهو أول من وضع التاج على رأسه وتجبّر في الأرض وادّعى الربوبيّة أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ أي لأنّ أتاه الله الملك فطغى، وموضع (أن) نصب بنزع حرف الصفة.\nالعلاء بن عبد الكريم الأيامي عن مجاهد. قال: ملك الأرض مؤمنان وكافران، فأمّا المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأمّا الكافران فنمرود وبخت نصر.\nواختلفوا في وقت هذه المناظرة، فقال مقاتل: لما كسّر إبراهيم الأصنام سجنه نمرود ثم أخرجه ليحرقه بالنار، فقال له: من ربّك الذي تدعونا إليه؟\nقال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.\nوقال آخرون: كان هذا بعد إلقائه في النار.\nعبد الرزاق عن معمّر بن زيد بن أسلم: أن أوّل جبار في الأرض كان نمرود بن كنعان وكان الناس يخرجون فيمتارون من عنده الطعام.\nقال: فخرج إبراهيم ﵇ يمتار.\nفإذا مرّ به أناس قال: من ربّكم؟\nقالوا: أنت، حتّى مرّ به إبراهيم قال: من ربّك، قال: الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ. كما ذكره الله تعالى.\nقال: فردّه بغير طعام فرجع إبراهيم ﵇ إلى أهله فمرّ على كثيب من رمل أعفر فقال: ألا أخذ من هذا فأتي به أهلي فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم، فأخذ منه فأتى به أهله فوضع متاعه ثم نام فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته فإذا هو أجود طعام رآه أحد فصنعت له منه فقرّبت إليه وكان عهد بأهله ليس لهم طعام.","vol":"2","page":239},{"text":"فقال: من أين هذا؟\nقالت: من الطعام الذي جئت به، فعرف أنّ الله رزقه فحمد الله.\nقال: ثم بعث الله ملكا إلى الجبّار أن آمن بي فأتركك على ملكك، فقال نمرود: وهل ربّ غيري؟! فجاءه الثانية فقال له مثل ذلك، فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه وقال: لا أعرف الذي تقول، ألربك جنود؟\nقال: نعم.\nقال: فليقاتلني إنّ كان ملكا فإنّ الملوك يقاتل بعضهم بعضا.\nقال له الملك: نعم إن شئت، قال: قد شئت.\nقال: فاجمع جندك إلى ثلاثة أيام حتّى تأتيك جنود ربّي.\nقال: فجمع الجبّار جنوده.\nفأوحى الله ﷿ إلى خزنة البعوض أن افتحوا منها ففتحوا بابا من البعوض، فلما أصبح اليوم الثالث نظر نمرود إلى الشمس فقال: ما بالها لا تطلع، وظنّ أنّها أبطئت، فقال الملك: حال دونها جنود ربّي.\nقال: فأحاطت بهم البعوض فأكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق من الناس والدواب إلّا العظام ونمرود كما هو لم [يصبه] «١» شيء.\nفقال له الملك: أتؤمن الآن؟\nقال: لا.\nفأمر الله ﷿ بعوضة فقرصت شفته السفلى فشربت وعظمت، ثم قرصت شفته العليا فشربت وعظمت، ثم دخلت منخره وصارت في دماغه وأكلت من دماغه حتّى صارت مثل الفأرة فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من كان يجمع يده ثم يضرب به رأسه فعذّبه الله أربعمائة سنة كما ملك أربعمائة سنة.\nقال الله ﷿: إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وهو جواب سؤال سابق غير مذكور تقديره: قال له: من ربّك؟\nقال إبراهيم: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.\n_________\n(١) في المخطوط: يصبها.","vol":"2","page":240},{"text":"قرأ الأعمش وحمزة وعيسى: رَبِّي الَّذِي بإسكان الياء، وقرأ الباقون بفتحه لمكان الألف واللام.\nفقال نمرود: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ.\nقرأ أهل المدينة (أنا) بالمدّ في جميع القرآن، وهو لغة قوم يجعلون الوصل فيه كالأصل.\nوأنشد الكسائي:\nأنا سيف العشرة فاعرفوني ... حميد قد تذرّيت السناما «١»\nوقال آخر:\nأنا عبيد الله [يميني] عمر ... خير قريش من مضى ومن غبر\nإلّا رسول الله والشيخ الأغر\nوالأصل في (أنا) أن تفتح النون وابتغي لها الوقت فكتبت ألفا على نيّة الوقف فصار: أنا.\nوأكثر العرب يقول في الوقف: أنّه.\nقال أكثر المفسّرين: دعا نمرود برجلين فقتل أحدهما واستحيا الآخر فسمّى ترك القتل إحياء.\nكقوله: وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا «٢» أي لم يقتلها.\nوقال السدي في قوله تعالى: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قال: أخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا فلا يطعمون ولا يسقون حتّى إذا أشرفوا على الهلاك أطعم اثنين وسقاهما وترك اثنين فماتا، فانتقل إبراهيم إلى حجّة أخرى لا عجزا لأن له أن يقول: فأحي من أمتّ إن كنت صادقا، بل إيضاحا بالحجّة فقال: قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ كلّ يوم مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي تحيّر ودهش وانقطعت حجّته.\nيقال: رجل مبهوت، أي مدهوش.\nقال الشاعر:\nألا إنّ لرئاها فجأة ... فأبهت حتّى ما أكاد أسير\nوقرأ محمد بن السميقع اليماني: فَبَهَتَ بفتح الباء والهاء أي بهته إبراهيم. تصديقه قوله تعالى: بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ «٣» أي تدهشهم.\n_________\n(١) جامع البيان: ١٥/ ٣٠٨، ولسان العرب: ١٣/ ٣٧ باختلاف: جميعا، بدل: حميدا.\n(٢) سورة المائدة: ٣٢.\n(٣) سورة الأنبياء: ٤٠.","vol":"2","page":241},{"text":"وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ إلى الحجّة أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ هذا عطف على معنى الآية الأولى تقديره: هل رأيت كالذي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ، أو هل رأيت كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ.\nقال بعض نحاة البصرة: (الكاف) صلة كأنّه قال: ألم ير إلى الذي أو الذي.\nواختلفوا في ذلك المارّ من هو، فقال قتادة والربيع وعكرمة وناجية بن كعب وسليمان بن بريدة والضحاك والسدي وسليم الخواص: هو عزير بن شرحيا.\nوقال وهب بن منبّه وعبد الله بن عبيد بن عمير: هو أرميا بن خلفيا وكان من سبط هارون ابن عمران، وهو الخضر.\nوقال مجاهد: هو رجل كافر شكّ في البعث.\nواختلفوا في القرية التي عليها، فقال وهب وعكرمة وقتادة والربيع: هي بيت المقدّس، وقال الضحاك: هي الأرض المقدّسة، وقال ابن زيد: الأرض التي أهلك الله فيها الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ.\nوقال الكلبي: هي دير سائداباذ، وقال السدي: هي سلماباذ، وقيل: دير هرافيل، وقيل:\nقرية العنب وهو على فرسخين من بيت المقدس.\nوَهِيَ خاوِيَةٌ ساقطة، يقال: خوى البيت يخوى خوى مقصورا إذا سقط، وخوى البيت بالفتح خواء ممدود إذا خلا.\nعَلى عُرُوشِها سقوفها وأبنيتها واحدها عرش وجمعه القليل: أعرش، وكلّ بناء عرش، يقال: عرش فلان، إذا بنى فهو يعرش ويعرش عرشا، قال الله: وَما كانُوا يَعْرِشُونَ «١» أي يبنون.\nومعنى الآية: إنّ السقوف سقطت ثم وقعت الحيطان عليها.\nوقيل: (على) بمعنى مع، أي خاوية مع عروشها.\nقال الشاعر:\nكأن مصفحات في ذراه ... وأبراجا عليهن المآلي «٢»\nأي معهن.\nنظيرها في سورة الكهف والحجّ «٣» .\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٣٧.\n(٢) لسان العرب: ١٤/ ٤٤.\n(٣) في سورة الكهف الآية: ٤٢، وفي سورة الحجّ الآية: ٤٥ وفيها: (فَهِيَ خاوِيَةٌ) .","vol":"2","page":242},{"text":"قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها وكان السبب في ذلك على ما روى محمد بن إسحاق عن وهب بن منبّه: إن الله ﷾ قال لأرميا ﵇ حين بعثه نبيّا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن خلقتك اخترتك، ومن قبل أن أصوّرك في رحم أمّك قدّستك، ومن قبل أن تبلغ السعي نبّأتك ولأمر عظيم أحببتك. فبعث الله أرميا إلى ناشئة بن أموص ملك بني إسرائيل ليسدده ويأتيه بالخبر من الله تعالى، فعظمت الأحداث في بني إسرائيل فركبوا المعاصي واستحلّوا المحارم، فأوحى الله تعالى إلى أرميا أن ذكّر قومك نعمي وعرّفهم أحداثهم فادعهم إليّ.\nفقال أرميا: إنّي ضعيف إنّ لم تقوّني عاجز إن لم تنصرني.\nفقال الله تعالى: أنا ألهمك، فقام أرميا فيهم ولم يدر ما يقول، فألهمه الله ﷿ في الوقت خطبة بليغة طويلة بيّن لهم فيها ثواب الطاعة وعقاب المعصية.\nوقال في آخرها: وإنّي أنا الله بعزتي لأقضين لهم فتنة يتحيّر فيها الحليم ولأسلطنّ عليهم جبّارا قاسيا ألبسه الهيبة وأنزع من قلبه الرحمة يتّبعه عدد مثل سواد الليل المظلم.\nفأوحى الله تعالى إلى أرميا: إنّي مهلك بني إسرائيل بيافث ويافث، أهل بابل وهم من ولد يافث بن نوح، فلمّا سمع ذلك أرميا صاح وبكى وشقّ ثيابه ونبذ الرماد على رأسه فلما سمع الله تضرّع أرميا وهو الخضر ﵇ وبكاه ناداه: يا أرميا أشق عليك ما أوحيت إليك؟\nقال: نعم يا رب، أهلكني قبل أن أرى في بني إسرائيل ما لا أسرّ به.\nفقال الله ﷿: وعزّتي لا أهلك بني إسرائيل حتّى يكون الأمر في ذلك من قبلك، ففرح بذلك أرميا وطابت نفسه، وقال: والذي بعث موسى بالحق لا أرضى بهلاك بني إسرائيل، ثم أتى الملك فأخبره بذلك. وكان ملكا صالحا. فاستبشر وفرح وقال: إن يعذّبنا ربّنا فبذنوب كثيرة لنا وإنّ عفا عنّا فبرحمته.\nثم إنّهم لبثوا بعد الوحي ثلاث سنين لم يزدادوا إلّا معصية وتماديا في الشر وذلك حين اقترب هلاكهم، فقل الوحي ودعاهم الملك إلى التوبة فلم يفعلوا، فسلّط الله عليهم بخت نصّر فخرج في ستمائة ألف راية تريد أهل بيت المقدس، فلما فصل سائرا أتى الخبر الملك فقال لأرميا: أين ما زعمت أن الله أوحى إليك؟\nفقال أرميا: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ وأنا به واثق.\nفلما قرب الأجل وعزم الله تعالى على هلاكهم، بعث الله إلى أمريا ملكا قد تمثّل له رجلا من بني إسرائيل.","vol":"2","page":243},{"text":"فقال: يا نبي الله أستعينك في أهل رحمي وصلت أرحامهم ولم أت إليهم إلّا حينا ولا يزيدون مع إكرامي إياهم إلّا اسخاطا لي فأفتني فيهم، فقال له: أحسن فيما بينك وبين الله وصلهم وأبشر بخير.\nفانصرف الملك فمكث أياما ثم أقبل إليه في صورة ذلك الرجل فقعد بين يديه، فقال له أرميا: أو ما ظهرت أخلاقهم لك بعد؟\nقال: يا نبي الله والذي بعثك بالحقّ ما أعلم كرامة يأتيها أحد من الناس إلى أهل رحمة إلّا قدّمتها إليهم وأفضل.\nفقال النبيّ: أرجع إلى أهلك وأحسن إليهم واسأل الله تعالى الذي يصلح عباده الصالحين أن يصلحهم، فقام الملك فمكث أياما وقد نزل بخت نصر وجنوده حول بيت المقدس أكثر من الجراد ففزع بني إسرائيل وشقّ عليهم.\nفقال الملك لأرميا: يا نبي الله أين ما وعدك الله؟\nقال: إنّي بربّي واثق.\nثم أقبل الملك إلى أرميا وهو قاعد على جدار بيت المقدس فضحك واستبشر بنصر ربّه الذي وعده فقعد بين يديه وقال: أنا الذي أنبأتك في شأن أهلي مرّتين.\nفقال النبيّ: ألم يأن لهم أن يفيقوا من الذي هم فيه؟\nفقال الملك: يا نبي الله كلّ شيء كان يصيبني منهم قبل اليوم أصبر عليه فاليوم رأيتهم في عمل لا يرضى الله ﷿ به.\nفقال النبيّ: على أي عمل رأيتهم؟\nقال: عمل عظيم من سخط الله فغضبت لله ولك وأتيتك لأخبرك وإنّي أسألك بالله الذي بعثك بالحق إلّا ما دعوت الله عليهم ليهلكهم.\nفقال أرميا: يا مالك السماوات والأرض إنّ كانوا على حق وصواب فابقهم وإن كانوا على سخطك وعمل لا ترضاه فأهلكهم.\nفلما خرجت الكلمة من فم أرميا أرسل الله ﷿ صاعقة من السماء في بيت المقدس والتهب مكان القربان وخسف سبعة أبواب من أبوابها.\nفلما رأى ذلك أرميا صاح وشق ثيابه ونبذ الرماد على رأسه، وقال: يا مالك السماوات والأرض أين ميعادك الذي وعدتني؟، فنودي أنّه لم يصبهم الذي أصابهم إلّا بفتياك ودعائك، فاستيقن النبيّ أنّها فتياه التي أفتى بها، وأنه رسول ربه.","vol":"2","page":244},{"text":"فطار أرميا حتّى خالط الوحوش، ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس ووطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم وخرّب بيت المقدس، ثم أمر جنوده أن يملأ كلّ رجل منهم ترسه ترابا ثم يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتّى ملاؤه، ثم أمرهم أن يجمعوا من كان في بلدان بيت المقدس كلّهم فاجتمع عنده كلّ صغير وكبير من بني إسرائيل واختار منهم مائة ألف صبي فقسّمهم بين الملوك الذين كانوا معه فأصاب كلّ رجل منهم أربعة أغلمة، وفرّق بخت نصّر من بقي من بني إسرائيل ثلاث فرق: فثلثا أقرّ بالشام، وثلثا أسر، وثلثا قتل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزلها الله ببني إسرائيل بظلمهم.\nفلما ولّى بخت نصّر عنهم راجعا إلى بابل ومعه سبايا بني إسرائيل، أقبل أرميا على حمار له معه عصير عنب في زكرة وسلّة تين حتّى أتى إيليا فلما وقف عليها ورأى خرابها قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها؟! وقال الذين قالوا إن هذا المارّ كان عزيزا: إن بخت نصّر لما خرّب بيت المقدس وأقدم بسبي بني إسرائيل إلى أرض بابل كان فيهم عزير وكان من علماء بني إسرائيل، ودانيال وسبعة آلاف من أهل بيت داود.\nفلما نجا عزير من بابل ارتحل على حمار حتّى نزل على دير هرقل على شط دجلة، فطاف في القرية فلم ير فيها أحد وعلم بخبرها، فأكل من الفاكهة وعصر من العنب فشرب منه وجعل فضل الفاكهة في سلّة وفضل العصير في زق فلما رأى خراب القرية وهلاك أهلها قال: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها «١» . لم يشك في البعث ولكن قالها تعجبّا.\nرجعنا إلى حديث وهب: قال: ربط أرميا حماره بحبل جديد فألقى الله عليه النوم، فلمّا نام نزع منه الروح مائة سنة وأمات حماره، وعصيره وتينه عنده، وأعمى الله عنه العيون فلم يره أحد وذلك ضحى، ومنع الله السباع والطير لحمه. فلمّا مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ﷿ ملكا إلى ملك من بني إسرائيل عظيم يقال له: [يوسك] فقال: إنّ الله ﷿ يأمرك أن تنفر قومك فتعمّر بيت المقدس وإيليا وأرضها حتّى تعود أعمر ما كان، فانتدب الملك ألف قهرمان مع كلّ قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمّرونها، وأهلك الله تعالى بخت نصّر ببعوضة دخلت دماغه [...] «٢» الله تعالى من بقي من بني إسرائيل ولم يمت ببابل وردّهم جميعا إلى بيت المقدس ونواحيه، فعمّروه ثلاثين سنة وكثروا حتّى صاروا كأحسن ما كانوا عليه، فلما مضت المائة أحيا الله تعالى منه عينيه وسائر جسده ميّت، ثم أحيا جسده وهو ينظر، ثم نظر إلى حماره وإذا عظامه متفرّقة بيض تلوّح، فسمع صوتا من السماء: أيّها العظام البالية إنّ الله يأمرك\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٥٩.\n(٢) غير مقروءة في المخطوط.","vol":"2","page":245},{"text":"أن تجتمعي، فاجتمع بعضها إلى بعض واتصل بعضها ببعض.\nثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تكتسي لحما وجلدا، فكان كذلك، ثم نودي: إنّ الله يأمرك أن تحيي، فقام بأذن الله ونهق الحمار.\nوعمّر الله أرميا، فهو الذي يرى في الفلوات فذلك قوله تعالى: فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ أي أحياه «١» .\nقالَ كَمْ استفهام عن مبلغ العدد لَبِثْتَ قرأ ابن محيص والأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي: لبثّ ولبثّم بالإدغام في جميع القرآن. الباقون بالإظهار.\nفمن أدغم فلا يجاوره في المخرج والمشاكلة في الهمس، ومن أظهر [فلإظهارها] «٢» في المصحف، وكلاهما غريبان فصيحان ومعناه: كم مكثت وأقمت هاهنا. يقال: لبث يلبث لبثا والباثا «٣» .\nقالَ لَبِثْتُ يَوْمًا وذلك إنّ الله تعالى أماته ضحى في أول النهار وأحياه بعد مائة عام في آخر النهار قبل غيبوبة الشمس، فقال: لَبِثْتُ يَوْمًا وهو يرى إنّ الشمس قد غربت، ثم التفت فرأى بقيّة من الشمس فقال: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ بمعنى بل بعض يوم، لأن قوله بَعْضَ يَوْمٍ رجوع عن قوله: لَبِثْتُ يَوْمًا كقوله: أَوْ يَزِيدُونَ «٤» .\nقالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ يعني التين وَشَرابِكَ يعني العصير لَمْ يَتَسَنَّهْ قرأ حمزة والكسائي بحذف الهاء وصلا وكذلك في قوله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٥» .\nوقرأ الباقون بالهاء فيها وصلا ووقفا. وذكر أبو حاتم عن طلحة لَمْ يَتَسَنَّهْ بإدغام التاء في السين وزعم أنّه في حرف أبيّ كذلك ومعناه: لم تغيّره السنون.\nفمن أسقط الهاء في الوصل حول الهاء صلة زائدة، وقال: أصله لم يتسنّى فحذف الياء بالجزم وأبدل منها هاء في الوقف، وهذا على قول من جعل الهاء في السنة زائدة.\nوقال: أصلها يسنوه وجمعها سنوات والفعل منه سانيت مساناة وتسنّيت تسنّيا، إلّا أن الواو يردّ إلى الباقي التفعّل والتفاعل، كقولهم: التداعي والتداني لأن الياء أخف من الواو.\nوقال أبو عمر: وهو من التسنن بنونين، وهو التغيير كقوله: مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ «٦» أي\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ٣/ ٤٧- ٥٠ وتاريخه: ١/ ٣٩٢ بتفاوت. [.....]\n(٢) الإظهار لتباين مخرج الثاء من مخرج التاء راجع تفسير القرطبي: ٣/ ٢٩٢.\n(٣) راجع مجمع البحرين: ٤/ ١٠٣.\n(٤) سورة الصافّات: ١٤٧.\n(٥) سورة الأنعام: ٩٠.\n(٦) سورة الحجر: ٢٦.","vol":"2","page":246},{"text":"متغيّر ثم عوّضت عن إحدى النونين كقول الشاعر:\nفهلا إذ سمعت بحثت عنه ... ولم تمس الحكومة بالتظنّي\nأراد بالتعيّن.\nقال العجّاج:\nتفصّي البازي إذ البازي كسر\nأراد تفضض.\nوتقول العرب: نتلعى، إذا خرجوا في اجتناء نبت ناعم يقال له المقاع.\nقال الله تعالى: وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها «١» أي دسّسها.\nومن أثبت الهاء في الحالين جعلها هاء أصليّة لام الفعل، وعلى هذا قول من جعل السنة سنهية وتصغيرها سنيهة والفعل منه المسانهة.\nقال الشاعر:\nليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح «٢»\nفإن قيل: أخبر عن شيئين اثنين ثم قال: لَمْ يَتَسَنَّهْ ولم يثنه، قيل: لأن التغيير راجع إلى أقرب اللفظين وهو السنوات، واكتفى بذكر أحد المذكورين عن الآخر لأنّه في موضع الفاني كقوله الشاعر:\n[عقاب عقبناه كان وظيفه ... وخرطوعة إلّا على سنان فلوج] «٣»\nولم يقل سنانان فلوجان، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود: فانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنّه.\nوَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ قال أكثر العلماء: في الآية تقديم وتأخير، أي وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه ولنجعلك آية للناس وأنظر إلى حمارك، ويحتمل أن يكون [المعنى]: فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه وأنظر إلى حمارك.\nوَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا.\nفأمّا تفسير الآية والقراءات فيها فقرأ خارجة والأعرج وعيسى بن عمر وابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي حمارك والحمار بالإمالة، الباقون بالتفخيم، وقوله تعالى: كَيْفَ نُنْشِزُها.\n_________\n(١) سورة الشمس: ١٠.\n(٢) لسان العرب: ١/ ٤١٢ العرية: النخلة يعريها صاحبها، تفسير القرطبي: ٣/ ٢٩٣.\n(٣) كذا في المخطوط.","vol":"2","page":247},{"text":"قرأ أبي بن كعب وعبد الله بن عامر والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: نُنْشِزُها بالزاء وضم النون وكسر الشين.\nوروى أبو العالية عن زيد بن ثابت قال: إنّما هي راء قرؤها زاء أي أنقطها. وكذلك روى معاوية بن قرّة عن ابن عباس بالزاي واختاره أبو عبيدة.\nوانشاز الشيء: رفعه ونقله وإزعاجه، فقال: أنشزته فنشز، أي رفعته فارتفع، ومنه نشز المرأة على زوجها ونشز الغلام، أي ارتفع، فمعنى الآية: كيف نرفعها من الأرض فنردّها إلى أماكنها من الجسد ونركّب بعضها على بعض.\nقال ابن عباس والسدي: نخرجها، والكسائي: فننبتها ونعظّمها.\nقتادة وعطاء وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: ننشرها بالراء وضمّ النون وكسر الشين، وأختاره أبو حاتم، ومعناه: نحييها.\nفقال: أنشر الله الميّت إنشارا فينشر هو نشورا، قال الله تعالى: ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ.\nوقال: هُمْ يُنْشِرُونَ «١»، وقال: بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا «٢» وقال: كَذلِكَ النُّشُورُ «٣» .\nوَإِلَيْهِ النُّشُورُ «٤» . وقال حارثة بن بدر الغداني:\nفأنشر موتاها وأقسط بينها ... فبان وقد ثابت إليها عقولها\nوقال الأعشى في اللازم:\nحتّى يقول الناس ممّا رأوا ... يا عجبا للميّت الناشر «٥»\nوقرأ الحسن والمفضّل ننشرها بالراء وفتح النون وضمّ الشين.\nقال الفرّاء: ذهب إلى النشر والطي.\nوقال بعضهم: هو من الإحياء أيضا، يقال: أنشر الله الميّت ونشره إذا أحياه، قال أبو حاتم: وليس بالمعروف.\nوقرأ النخعي بالزاء وفتح النون وضم الشين.\nقال أبو حاتم ذلك غلط، وقال غيره: يقال نشزه [ونشطه] وأنشزه بمعنى واحد.\nثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا أي نكسوها ونواريها به كما نواري الجسد بالثوب، واختلفوا في معنى الآية، فقال بعضهم: أراد به عظام حماره وذلك أن الله تعالى أمات حماره ثم أحياه خلقا\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٢١.\n(٢) سورة الفرقان: ٤٠.\n(٣) سورة فاطر: ٩.\n(٤) سورة الملك: ١٥.\n(٥) لسان العرب: ٥/ ٢٠٦.","vol":"2","page":248},{"text":"سويّا وهو ينظر.\nقال السدي: إنّ الله أحيا عزيرا ثم قال انظر إلى حمارك قد هلك وبليت عظامه، فبعث الله ﷿ ريحا فجاءت بعظام الحمار من كلّ سهل وجبل ذهبت به الطير والسباع واجتمعت فركّب بعضها في بعض وهو ينظر فصار حمارا من عظام ليس فيه لحم ولا دم، ثم كسا العظام لحما ودما فصار حمارا ليس فيه روح، ثم أقبل ملك يمشي حتّى أخذ منخر الحمّار فنفخ فيه فقام الحمار ونهق بإذن الله.\nومعنى الآية على هذا القول: وانظر إلى لحم حمارك وإلى عظامه كيف ننشزها، فلما حذف الهاء من العظام أبدل الألف و... وعلى هذا أكثر المفسّرين.\nوقال آخرون: أراد به عظام هذا الرجل نفسه، وذلك أنّ الله تعالى لم يمت حماره فأحيا الله عينيه، ورأسه وسائر جسده ميّت، ثم قال له: انظر إلى حمارك، فنظر فرأى حماره قائما واقفا كهيئة يوم ربطه حيّا لم يطعم ولم يشرب مائة عام ونظر إلى الرقية في عنقه جديدا لم تتغيّر.\nوتقدير الآية على هذا القول: فانظر إلى حمارك وانظر إلى عظامك كيف ننشزها. وهذا قول الضحاك وقتادة والربيع وابن زيد.\nوَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ فعلنا ذلك [لنجعلك] . وإن شئت جعلت الواو مفخّمة زائدة، كقول الشاعر الأسود بن جعفر:\nفإذا وذلك لا مهاة لذكره ... والدهر يعقب صالحا بفساد «١»\nأي فإذا ذلك.\nومعنى الآية: فعلنا هذا بك لنجعلك آية للناس، أي عبرة ودلالة على البعث بعد الموت، قاله أكثر المفسّرين.\nوقال الضحاك وغيره: هذه الآية أنّه عاد إلى قريته شابا وإذا أولاده وأولاد أولاده شيوخ وعجائز وهو أسود الرأس واللحية.\nوروى قتادة عن كعب وعن الحسن ومقاتل وجويبر عن الضحاك عن ابن عباس، وعبد الله ابن إسماعيل السدي عن أبيه عن مجاهد عن ابن عباس قالوا: لمّا أحيا الله عزيرا بعد ما أماته مائة سنة ركب حماره حتّى أتى محلّته فأنكره الناس وأنكر الناس وأنكر منازله، فانطلق على وهم منه حتّى أتى منزله فإذا بعجوز عمياء مقعدة قد أتى عليها مائة وعشرون سنة كانت أمة لهم فخرج عنهم عزير وهي بنت عشرين سنة كانت عرفته وكفلته فلما أصابها الكبر أصابها الزمانة فقال لها\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٥٤٢. [.....]","vol":"2","page":249},{"text":"عزير: يا هذه أهذا منزل عزير؟\nقالت: نعم هذا منزل عزير وبكت وقالت: ما رأيت أحدا من كذا وكذا سنة يذكر عزيرا وقد نسيه الناس، قال: فإنّي أنا عزير.\nقالت: سبحان الله إنّ عزيرا قد فقدناه من مائة سنة فلم نسمع بذكره.\nقال: فإنّي أنا عزير كان الله ﷿ أماتني مائة سنة ثم بعثني.\nقالت: فإنّ عزيرا كان مستجاب الدعوة يدعو للمريض وصاحب البلاء بالعافية والشفاء، فادع الله حتّى يردّ عليّ بصري حتّى أراك فإنّ كنت عزيرا عرفتك، قال: فدعا ربّه ومسح يده على عينيها ففتحت وأخذ بيدها وقال: قومي بإذن الله، فأطلق الله ﷿ رجليها فقامت صحيحة بإذن الله كأنّها نشطت من عقال، فنظرت فقالت: أشهد إنّك عزير، فانطلقت إلى محلة بني إسرائيل وهم في أنديتهم ومجالسهم، وابن لعزير شيخ ابن مائة سنة وثمانية عشر سنة وبني بنيه شيوخ في المجلس فنادت: هذا عزير قد جاءكم، فكذّبوها.\nفقالت: أنا فلانة مولاتكم دعا لي ربّه ﷿ فردّ عليّ بصري وأطلق رجلي وزعم إنّ الله تعالى كان أماته مائة سنة ثم بعثه.\nقال: فنهض الناس فأقبلوا إليه، فقال ابنه: كانت لأبي شامة سوداء مثل الهلال بين كتفيه، فكشف عن كتفيه فإذا هو عزير.\nقال [قتادة ومقاتل] والسدي والكلبي: هو أن عزيرا رجع إلى قريته وقد أحرق بخت نصّر التوراة ولم يكن من الله تعالى عهد بين الخلق فبكى عزير على التوراة، فأتاه ملك بإناء فيه ماء فسقاه من ذلك الإناء فمثلت التوراة في صدره، فرجع إلى بني إسرائيل، وقد علّمه الله التوراة وبعثه نبيّا.\nفقال: أنا عزير، ولم يصدّقون.\nوقال: حدّثنا آباؤنا إنّ عزيرا مات بأرض بابل.\nفقال: أنا عزير بعثني الله إليكم لأجدد لكم توراتكم.\nفقالوا: أملها علينا إن كنت صادقا، فأملاها عليهم من ظهر قلبه «١» .\nوقال رجل منهم: حدّثني أبي عن جدّي أنّه دفن التوراة يوم سبينا في خابية في كرم لأبي، فإنّ أريتموني كرم جدي أخرجتها لكم، فأروه، فأخرجها لهم، فعارضوها بما أملى عزير فما اختلفا في حرف، ولم يقرأ التوراة منذ أنزلت عن ظهر قلبه إلى هذا اليوم غير عزير.\n_________\n(١) راجع تاريخ دمشق: ٤٠/ ٣٢٢، وتفسير الدر المنثور: ١/ ٣٣٢.","vol":"2","page":250},{"text":"فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلب رجل بعد ما نسخت وذهبت إلّا أنّه ابنه، فعندها قالوا: عزير ابن الله، وسنذكر هذه القصّة بالاستقصاء في سورة التوبة إن شاء الله.\nفَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ذلك عيانا قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قرأ ابن عباس وأبو رجاء وحمزة والكسائي: قالَ أِعْلَمْ موصولا مجزوما على الأمر بمعنى قال الله له أعلم، يدلّ عليه قراءة عبد الله والأعمش: قل اعلم، وقرأ الباقون قالَ أَعْلَمُ معطوفا مرفوعا على الخبر عن عزير أنّه قال لمّا رأى ذلك: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nعن المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب قال: ليس في الجنّة كلب ولا حمار إلّا كلب أصحاب الكهف وحمار أرميا الذي أماته اللَّهُ مِائَةَ عامٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>[سورة البقرة (٢): آية ٢٦٠]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى الآية إن قيل: ما السبب في مسألة إبراهيم ربّه ﷿ أن يريه كيف يحيي الموتى، وما وجه ذلك، وهل كان إبراهيم شاكّا في إحيائه الموتى حتّى قال: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي؟\nفالجواب عنه من وجوه: قال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والضحاك وابن جريج:\nكان سبب ذلك السؤال أنّ إبراهيم أتى على دابة ميّتة، قال ابن جريج: كانت جيفة حمار بساحل البحر، قال عطاء: بحيرة الطبريّة، قالوا: فرآها وقد توزّعتها [دواب] البر والبحر، وكان إذا مدّ البحر جاءت الحيتان ودواب البحر فأكلت منها فما وقع منها يصير في الماء، وإذا جزر البحر جاءت السباع فأكلت منها فما وقع منها يصير ترابا، فإذا ذهبت السباع جاءت الطيور فأكلن منها فما سقط قطعته الريح في الهواء، فلما رأى ذلك إبراهيم ﵇ تعجّب منها وقال: يا رب قد علمت لتجمعنها من بطون هذه السباع وحواصل الطيور وأجواف دواب البر فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد يقينا، فعاتبه الله ﷿ فقال: قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ بإحياء الموتى قالَ بَلى يا رب علمت وآمنت ولكن ليس الخبر كالمعاينة فذلك قوله: وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي أي يسكن قلبي إلى المعاينة والمشاهدة.\nفعلى هذا القول أراد إبراهيم ﵇ أن يصير له علم اليقين عين اليقين، كما أن الإنسان يعلم الشيء ويتيقنه ولكن يحب أن يراه من غير شك له فيه، كما أن المؤمنين يحبّون رؤية النبيّ ﷺ ورؤية الجنّة ورؤية الله تعالى مع الإيمان بذلك وزوال الشك فيه.\nقال ابن زيد: مرّ إبراهيم ﵇ بحوت ميّت نصفه في البر ونصفه في البحر فما كان في","vol":"2","page":251},{"text":"البحر فدواب البحر تأكله وما كان في البر فدواب البر تأكله، فقال له الخبيث إبليس: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟\nفقال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى، قالَ: أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بذهاب وسوسة إبليس منه ويصير الشيطان خاسرا صاغرا.\nوقال بعضهم: إن إبراهيم ﵇ لما احتجّ على نمرود وقال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.\nوقال: أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ وقتل ذلك الرجل وأطلق الآخر.\nقال إبراهيم: فإنّ الله ﷿ يحيي بأن يقصد إلى جسد ميّت فيحييه ويجعل الروح فيه.\nفقال له نمرود: أنت عاينت هذا، فلم يقدر أن يقول نعم رأيته، فانتقل إلى حجّة أخرى، فقال إنّ الله ﷿ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ «١»، ثم سأل ربّه فقال:\nرَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟\nقالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي حتّى إذا قال لي قائل: أنت عاينت؟ أقول: نعم قد عاينت ولا أحتاج إلى الانصراف لأي حجّة أخرى، وليعلم نمرود إنّ الإحياء كما فعلت لا كما فعل هو. وهذا معنى قول محمد بن إسحاق عن ابن يسارة.\nروى في الخبر: إنّ نمرود قال لإبراهيم ﵇: أنت تزعم إن ربّك يحيي الموتى وتدعوني إلى عبادته فسل لربّك يحيي الموتى إنّ كان قادرا وإلّا قتلتك.\nفقال إبراهيم ﵇: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بقوّة حجّتي ونجاتي من القتل، فإن عدو الله توعدني بالقتل إنّ لم تحيي له ميّتا.\nوقال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: لما اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، سأل ملك الموت أن يأذن له فيبشّر إبراهيم بذلك، فأذن له فأتى إبراهيم ولم يكن في الدار، فدخل داره وكان إبراهيم ﵇ أغير الناس، إذا خرج أغلق بابه، فلمّا دخل وجد في داره رجلا فثار إليه ليأخذه فقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟\nفقال ملك الموت: أذن لي ربّ هذه الدار، قال إبراهيم: صدقت، وعرف أنّه ملك الموت.\nفقال: من أنت؟ قال: ملك الموت جئت أبشّرك بأن الله ﷿ أتخذك خليلا، فحمد\n_________\n(١) راجع أسباب النزول للواحدي: ٥٥.","vol":"2","page":252},{"text":"الله تعالى وقال له: ما علامة ذلك؟\nقال: أن يجيب الله دعائك ويحيي الموتى بسؤالك، ثم أنطلق ملك الموت.\nفقال إبراهيم: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟\nقالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي بعلمي أنّك تجيبني إذا دعوتك وتعطيني إذا سألتك.\nواتخذتني خليلا.\nمحمد بن مسلم عن سعيد بن المسيّب وأبي عبيدة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال:\n«يرحم الله إبراهيم نحن أحق بالشك منه قال: رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ؟\nقالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» ثم قرأ إلى آخر الآية «١» .\nمحمد بن إسحاق بن خزيمة قال سمعت أبا إبراهيم المزني يقول: معنى قوله ﵇ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» إنّما شك إبراهيم أيجيبه الله ﷿ إلى ما يسأل أم لا.\nعبد الرحمن السلمي قال: سمعت أبا القاسم النصرآباذي سئل عن هذه الآية فقال: حنّ الخليل إلى صنع خليله ولم يتهمه، فذلك قوله ﷿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ. يعني أنت مؤمن شهد له بالإيمان، كقول جرير:\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح «٢»\nيعني أنتم كذلك.\nقالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ ليسكن قَلْبِي بزيادة اليقين والحجّة، وحقيقة الخلّة وإجابة الدعوة.\nقال الله تعالى لإبراهيم ﵇: فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ مختلفة أجناسها وطباعها ليكون أبلغ في القدرة، وخصّ الطائر من سائر الحيوان لخاصيّة الطيران، واختلفوا في ذلك الطير ما هي.\nفقال ابن عباس: أخذ طاوسا ونسرا وغرابا وديكا.\nمجاهد وعطاء بن يسار وابن جريج وابن زيد: كانت غرابا وديكا وطاوسا وحمامة.\nسعيد بن أيوب عن سعيد بن الحرث الغراب عن أبي هريرة السناني: أنّها الطاوس والديك والغراب والحمامة.\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٦/ ٣٠٥.\n(٢) البداية والنهاية: ٩/ ٢٨٨ ومغني اللبيب: ١/ ١٧.","vol":"2","page":253},{"text":"قال عطاء الخراساني: أوحى الله ﷿ لنبيّه أن أحضر أربعة من الطير: بطّة خضراء وغرابا أسود وحمامة بيضاء وديكا أحمر.\nفَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ قرأ عليّ بن أبي طالب. كرّم الله وجهه. وأبو الأسود الدؤلي وأبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وعكرمة والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن عامر وعاصم والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: بضم الصاد، وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم: اضممهنّ ووجّههنّ إليك.\nيقال: صرت الشيء أصوره إذا أملته.\nقال امرؤ القيس:\nوأفرع ميّال يكاد يصورها ... وعجز كدعص أثقلته البوايص.\nوقال الطرمّاح:\nعفائف الأذيال أو أن يصورها ... هوى والهوى للعاشقين صروع «١»\nأي يميلها هوى.\nويقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق.\nويقال: إنّي إليكم لأصور، أي مشتاق مائل، وامرأة صوراء، والجمع صور، مثل عوداء وعود.\nقال الشاعر:\nالله يعلم أنا في تلفتنا ... يوم الفراق إلى جيراننا صور «٢»\nوقال عطاء وعطيّة وابن زيد والمؤرخ: معناه: أجمعهن واضممهن، يقال: صار يصور صورا إذا جمع، ومنه قيل: [إني إليكم لأصور] «٣» .\nقال الشاعر:\nوجاءت خلعة دهس صفايا ... يصوّر عنوقها أحوى زنيم «٤»\nأي بضم خلعة والخلعة خيار المال، ودهس على لون الدهاس وهو الرمل. صفايا غزار معجبة «٥» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٧٣.\n(٢) لسان العرب: ١٤/ ٤٣٠.\n(٣) زيادة عن تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠١.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٧٦، والبيت لمعلى بن جمال العبدي.\n(٥) راجع الصحاح: ٣/ ٩٣١.","vol":"2","page":254},{"text":"قال أبو عبيدة وابن الأنباري: معناه: قطّعهن وأصغر القطع.\nقال به ابن الحمير:\nفلما جذبت الحبل أطّت نسوعه ... بأطراف عيدان شديد أسورها\nفأدنت لي الأسباب حتّى بلغتها ... بنهض وقد كاد ارتقائي يصورها\nقال رؤبة:\nصرنا به الحكم واعيا الحكما ... أي قطعنا الحكم به\nوقرأ علقمة وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير وطلحة وقتادة وأبو جعفر ويحيى بن رئاب والأعمش وحمزة وخلف: فَصِرْهُنَّ بكسر الصاد، ومعناه: قطّعهن وفرّقهن. يقال: صار يصير صيرا، إذا قطع، وانصار الشيء ينصار انصارا إذا انقطع.\nقالت الخنساء:\nفلو تلاقي الذي لاقته مضر ... لظلت الشم «١» منها وهي تنصار «٢»\nأي مقطّع مصدّع وتمهيد.\nوأنشد أبو سهيل محمد بن محمد الأشعث الطالقاني في العزائم:\nوغلام رأيته صار كلبا ... [...] «٣» ساعتين صار غزالا\nوقال الفرّاء: هو مقلوب من صرت أصري صريا إذا قطعت فقدمت هاويا كما يقال: عوث وعاث يعني قطعهم ثم قلب فقيل صار. قال الشاعر:\nيقولون إن الشام يقتل أهله ... فمن لي إذ لم آته بخلود «٤» تغرب آبائي فهلا صراهم\nمن الموت إن لم يذهبوا وجدودي «٥»\nوقال بعضهم: معناه أملهنّ، وهي لغة هذيل وسليم. وأنشد الكسائي:\nوفرع يصير الجيد وحف كأنّه ... على الليت قنوان الكروم الدوالح «٦»\nأي الجيد يميله من كثرته.\n_________\n(١) الشم: الجبال، وفي تاج العروس: الشهب.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٧٣، وتاج العروس: ٣/ ٣٤٣.\n(٣) بياض في مصورة المخطوط.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٧٥، ولسان العرب: ١٢/ ٣١٦.\n(٥) تفسير الطبري: ٣/ ٧٥، ومعجم ما استعجم: ٣/ ٧٧٣. [.....]\n(٦) فرع وحف: شعر كثير حسن والليت: صفحة العنق، والكروم الدوالح: المثقلات، والبيت في لسان العرب: ٤/ ٤٧٨.","vol":"2","page":255},{"text":"وعن ابن عباس فيه روايتان: فَصُرْهُنَّ مفتوحة الصاد مشددة الراء مكسورة من التصرية وهي الجمع ومنه المصرّاة.\nوالثاني: فَصُرْهُنَّ بضم الصاد وفتح الراء وتشديدها من الصرّة وهي في معنى الجمع والشدّ أيضا. فمن تأوّله على القطع والتفريق، ففي الكلام تقديم وتأخير تقديره: فخذ أربعة من الطير إليك فصرهن. ومن فسّره على الضم ففيه إضمار معناه: فصرهن إليك، ثم قطعهنّ فحذفه فأكتفى بقوله تعالى: ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا لأنّه يدلّ عليه، وهذا كما يقال: خذ هذا الثوب واجعل على كلّ رمح عندك منه علما، يريد قطّعه واجعل على كلّ رمح علما.\nثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ، لفظه عام ومعناه خاص لأنّ أربعة من الطير لا يبلغ الجبال كلّها، ولا كان إبراهيم ﵇ يصل إلى ذلك فهذا كقوله ﷿: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «١» كقوله تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ «٢» .\nجُزْءًا قرأ عاصم رواية أبي بكر والمفضّل جُزُءًا مثقلا مهموزا حيث وقع.\nوقرأ أبو جعفر جُزُّءًا مشدّدة الزاء، وقرأ الباقون مهموزا مخفّفا، وهي لغات معناها:\nالنصيب والبعض.\nقال المفسّرون: أمر الله تعالى إبراهيم ﵇ أن يذبح تلك الطيور بريشها ويقطّعها ويفرّق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض. ففعل ذلك إبراهيم ثم أمره أن يجعل أجزاءها على الجبال.\nواختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، قال ابن عباس وقتادة والربيع وابن أبي إسحاق: أمر بأن يجعل كلّ طائر أربعة أجزاء ثم يعمد إلى أربعة أجبل فيجعل على كلّ جبل ربعا من كلّ طائر ثم يدعوهن: تعالين بإذن الله. هذا مثل ضربه الله ﷿ لإبراهيم وأراه إياه، يقول: كما بعثت هذه الأطيار من هذه الأجبل الأربعة فكذلك أبعث الناس يوم القيامة من أرباع الأرض ونواحيها.\nوقال ابن جريج والسدي: جزّأها سبعة أجزاء فوضعها على سبعة أجبل ففعل ذلك وأمسك رؤسهن عنده، ثم دعاهن: تعالين بأمر الله سبحانه، فجعل كل قطرة من دم طير تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكلّ عظم يصير إلى الآخر، وكلّ بضعة تذهب إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر حتّى لقيت كلّ جثة بعضها بعضا في السماء بغير رأس، ثم أقبلن إليّ فكلّما جاء طائر مال برأسه فإنّ كان رأسه دنا منه وإن لم يكن رأسه تأخّر حتّى يلقي كلّ طائر برأسه.\n_________\n(١) سورة النمل: ٢٣.\n(٢) سورة الأحقاف: ٢٥.","vol":"2","page":256},{"text":"فذلك قوله: ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا هو مصدر، أي يسعين سعيا، وقيل: نصب بنزع حرف الصفة، أي بالسعي، واختلفوا في معنى السعي، فقال بعضهم: هو الإسراع والعدو، وقال بعضهم: مشيا على أرجلهن كقوله سبحانه في سورة القصص: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى «١» نظيره في سورة الجمعة: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «٢» أي فامضوا.\nوالحكمة في المشي دون الطيران كونه أبلغ في الحجّة وأبعد من الشبهة لأنّها لو طارت لتوهم متوهم أنّها غير تلك الطير أو أن أرجلها غير سليمة والله أعلم.\nوقال بعضهم: هو بمعنى الطيران، وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله يَأْتِينَكَ سَعْيًا هل يقال لطائر إذا طار سعي؟\nقال: لا.\nقلت: فما معنى قوله: يَأْتِينَكَ سَعْيًا؟\nقال: معناه: يأتينّك وأنت تسعى سعيا.\nقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع وكان حكيما يقول: صحّ عن النبيّ ﷺ أنّه قال: «لكلّ آية ظهر وبطن ولكل حرف حدّ ومطلع» [١٨٩] «٣» .\nوظاهر الآية ما ذكره أهل التفسير، وبطنها: إن إبراهيم ﵇ أمر بذبح أربعة أشياء في نفسه بسكين [الأياس] كما ذبح في الظاهر الأربعة الأطيار بسكين الحديد، فالنسر مثل لطول العمر [والأجل]، والطاوس زينة الدنيا وبهجتها، والغراب الحرص، والديك الشهوة.\nقال الله تعالى: وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦١ الى ٢٦٤]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢) قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤)\n_________\n(١) سورة القصص: ٢٠.\n(٢) سورة الجمعة: ٩.\n(٣) كنز العمال: ٢/ ٥٣. وفيه: لكل حرف، بدل: لكل آية.","vol":"2","page":257},{"text":"مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ الآية فيها إضمار واختصار تقديرها: مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم، فإن شئت قلت: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ. فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ زارع حبّة أَنْبَتَتْ أخرجت سَبْعَ سَنابِلَ جمع سنبلة، أدغمها أبو عمرو أبو [غزية] وحمزة والكسائي، وأظهرها الباقون. فمن أدغم فلأن التاء والسين مهموزتان، ألا ترى أنهما متعاقبان.\nأنشد أبو عمرو:\nيا لعن الله بني السعلاة ... عمرو بن ميمون لئام النات «١»\nأراد لئام الناس فحوّل السين تاء. ومن أبرز فلأنهما كلمتان وهو الأصل واللغة الفاشية.\nفِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ أبو جعفر والأعمش: يتركان خمس مائة ومائة، حيث كانت استخفافا «٢» .\nوقرأ الباقون بالمد.\nفإن قلت: هل رأيت سنبلة فيها مائة حبة، أو هل بلغك ذلك؟ قيل: لا ننكر ذلك ولا يستحيل، فإن يكن موجودا فهو ذلك وإلّا فجائز أن يكون [معناه كمثل سنبلة أنبتت سبع سنابل] «٣» في كلّ سنبلة مائة حبّة أن جعل الله سبحانه ذلك فيها، ويحتمل أن يكون معناه: أنّها إذا بذرت أنبتت مائة حبّة، فيكون ما حدث عن البذر الذي كان منها من المائة الحبّة مضاهيا لها، لأنّه كان عنها، وكذلك ما قاله الضحاك قال: أنبتت كلّ سنبلة مائة حبّة.\nوَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ما بين سبع وسبعين وسبعمائة إلى ما شاء الله ﷿ ممّا لا يعلمه إلّا الله.\nوَاللَّهُ واسِعٌ غني لتلك الأضعاف عَلِيمٌ بمن ينفق.\nقال الضحاك في هذه الآية: من أخرج درهما [ابتغاء] مرضاة الله فله في الدنيا لكلّ درهم سبعمائة درهم خلفا عاجلا، ولقي ألف درهم يوم القيامة.\nقال الكلبيّ في قوله الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية: نزلت في عثمان بن عفّان (﵁) وعبد الرحمن بن عوف، أمّا عبد الرحمن فإنّه جاء إلى رسول الله ﷺ بأربعة آلاف درهم صدقة فقال: كانت عندي ثمانية آلاف فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف، وأربعة آلاف أقرضتها ربّي ﷿.\n_________\n(١) السعلاة: أخبث الغيلان (الغول)، وبه تشبه المرأة القبيحة، والبيت في لسان العرب: ٢/ ١٠١ وفيه وكذلك في بقية كتب اللغة: عمرو بن يربوع.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٨٦.","vol":"2","page":258},{"text":"فقال له رسول الله ﷺ: «بارك الله لك في ما أمسكت وفيما أعطيت» «١» . فأمّا عثمان فقال: عليّ جهاز من لا جهاز له في غزوة تبوك، فجهّز المسلمين ألف بعير بأحلاسها وأقتابها وتصدق برومة «٢» ركية كانت له على المسلمين فنزلت فيهما هذه الآية «٣» .\nقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان (﵁) بألف دينار في جيش العسرة فصبّها في حجر النبيّ ﷺ. قال: رأيت النبيّ ﷺ يدخل يده فيها ويقبلها ويقول: «ما ضرّ ابن عفّان ما عمل بعد اليوم» .\nقال أبو سعيد الخدري: رأيت النبيّ ﷺ رافعا يده يدعو لعثمان (﵁) «يا رب عثمان بن عفّان رضيت عنه فأرض عنه» وما زال يدعو رافعا يديه حتّى طلع الفجر فأنزل الله تعالى فيه الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله.\nثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وهو أن يمنّ عليه بعطائه ويعد نعمه عليه يكدّرها يواصل المنّة النعمة.\nيقال: من يمنّ منّة ومنّا ومنيّة إذا أنعم وأعطى. قال الله تعالى: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ «٤» أي أعط ثم كثر ذلك حتّى صار ذكر النعمة والاعتداد بها منّة.\nوَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ بإظهار العطيّة وذكرها لمن لا يجب وقوفه عليها وما أشبه ذلك من القول الذي يؤديه.\nقال سفيان والمفضّل في قوله: مَنًّا وَلا أَذىً: هو أن يقول أعطيتك فما شكرت.\nقال الضحاك: أن لا ينفق الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتّبعه منا وأذى.\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: كان أبي يقول: إذا أعطيت رجلا شيئا وظننت أنّ سلامك يثقل عليه، فكفّ سلامك عنه.\nقال ابن زيد: فشيء خير من السلام؟\nقال: وقالت امرأة لأبي: يا أبا أسامة تدلّني على رجل يخرج في سبيل الله حقّا فإنّهم لا يخرجون إلّا ليأكلوا الفواكه، فعندي جعبة وأسهم فيها فقال: الله لا بارك الله لك في جعبتك ولا في أسهمك فقد أذيتهم قبل أن تعطيهم.\nفحظر الله عن عباده المن بالصنيعة وأختص به صفتا لنفسه لأن منّ العباد تعيير وتكدير\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٨.\n(٢) بئر رومة في عقيق المدينة، راجع معجم البلدان: ١/ ٣٠٠.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ٥٥.\n(٤) سورة ص: ٣٩.","vol":"2","page":259},{"text":"ومنّ الله ﷿ إنعام وإفضال وتذكير. وأنشد معاد بن المثنّى العنبري عن أبيه محمود بن الورّاق:\nأحسن من كلّ حسن ... في كلّ حين وزمن\nصنيعة مربوبة ... خالية من المنن «١»\nقال الثعلبي: أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي قال: أنشدنا أبو ذر القرطبي:\nما تم معروفك عند أمري ... كلّفته المعرف إعظامكا\nإنّ من البر فلا تكذبن ... إكرام من أظهر إكرامكا\nوالمن للمنعم نقص فلا ... تستفسدن بالمنّ إنعامكا\nوالعزّ في الجود وبخل الفتى ... مذلّة أحببت إعلامكا\nقال: وأنشدني محمد بن القاسم قال: أنشدني محمد بن طاهر قال: أنشدني أبو علي البصري:\nوصاحب سلفت منه إليّ يد ... أبطا عليه مكافاتي فعاداني\nلما تيقّن أنّ الدهر حاربني ... أبدى الندامة فيما كان أولاني «٢»\nوقال آخر:\nأفسدت بالمن ما قدّمت من حسن ... ليس الكريم إذا أعطى بمنّان «٣»\nقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أي كلام حسن وردّ على السائل جميل، وقيل: [...] «٤» حسن.\nوقال الكلبي: دعاء صالح يدعو لأخيه بظهر الغيب. قال الضحاك: قول في إصلاح ذات البين. وَمَغْفِرَةٌ أي مغفرة منه عليه لما علم خلّته وفاقته. قاله محمد بن جرير، وقال الكلبي والضحاك: تجاوز عن ظلمه، وقال: يتجاوز عنه إذا استطال عليه عند ردّه علم الله تعالى إنّ الفقير إذا ردّ بغير نوال شقّ عليه ذلك مما يدعو إلى بذاء اللسان أو إظهار الشكوى، وعلم ما يلحق المانع منه، فحثّه على الصفح والعفو وبيّن أن ذلك خَيْرٌ له مِنْ صَدَقَةٍ يدفعها إليه يَتْبَعُها أَذىً أي منّ وتعيير السائل بالسؤال أو شكاية منه أو عيب أو قول يؤذيه.\nوَاللَّهُ غَنِيٌّ عن صدقة العباد، ولو شاء لأغنى جميع الخلق ولكنّه أعطى الأغنياء لينظر كيف شكرهم [وأخلى الفقراء] لينظر كيف صبرهم، وذلك قوله ﷿:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١١. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١١.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١١ وفيه: أسديت، بدل: قدمت، وأسدى بدل: اعطى.\n(٤) غير مقروءة في المخطوط ولعلّها: (التجاوز) على ما في زاد المسير: ١/ ٢٧٦.","vol":"2","page":260},{"text":"وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ «١» بالفرض والصدقة والمعروف «٢» .\nحَلِيمٌ إذ لم يعجّل على من يمنّ ويؤذي بصدقته.\nوعن عبد الرحمان السليماني مولى عمر بن الخطاب (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتّى يفرغ منها ثم ردّوا عليه بوقار ولين أو بذل يسير أو بردّ جميل فإنّه قد يأتيكم من ليس بأنس ولا جان ينظرون كيف صنيعتكم فيما خوّلكم الله ﷿» [١٩٠] «٣» .\nوعن بشر بن الحرث قال: رأيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇ في المنام فقلت:\nيا أمير المؤمنين تقول شيئا لعلّ الله ﷿ ينفعني به.\nفقال: ما أحسن عطف الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء ثقة بالله ﷿.\nفقلت: يا أمير المؤمنين زدني، فولّى وهو يقول:\nقد كنت ميّتا فصرت حيّا ... وعن قليل تصير ميتا\nفاضرب بدار الفناء بيتا ... وابن بدار البقاء بيتا «٤»\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى أي لا تحبطوا أجور صدقاتكم وثواب نفقاتكم بالمنّ على السائل.\nوقال ابن عباس: بالمنّ على الله تعالى والأذى لصاحبها.\nثم ضرب لذلك مثلا فقال: كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ أي كإبطال الذي ينفق ماله رِئاءَ النَّاسِ مراءاة وسمعة ليروا نفقته ويقولوا أنّه كريم سخي صالح وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وهذا للمنافقين لأن الكافر معلن كفره غير مرائي فَمَثَلُهُ أي مثل هذا المنافق المرائي كَمَثَلِ صَفْوانٍ الحجر إلّا ملس.\nقال الشاعر:\nمالي أراك كأنّي قد زرعت حصا ... في عام جدب ووجه الأرض صفوان\nأما لزرعي آبان فأحصده ... كما يكون لوقت الزرع آبان\nوهو واحد وجمع، فمن جعله جمعا قال: واحده صفوانة، بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل.\n_________\n(١) سورة النحل: ٧١.\n(٢) غير مقروءة في المخطوط.\n(٣) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٠٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣١٠، وتاريخ بغداد: ٩/ ٤٣٢.","vol":"2","page":261},{"text":"ومن جعله واحدا قال: جمعه صفي وصفى.\nقال الشاعر:\nمواقع الطير على الصفي\nوقال الزعري: صَفْوانٍ بفتح الفاء، وجمعه صفوان مثل كروان وكروان وورشان وورشان.\nعَلَيْهِ أي على ذلك الصفوان تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ وهو المطر الشديد العظيم القطر فَتَرَكَهُ صَلْدًا وهو الحجر الصلب الأملس الذي لا شيء عليه.\nقال تابّط شرا:\nولست بحلب جلب ريح «١» وقرّة ... ولا بصفا صلد عن الخير معزل «٢»\nوهو من الأرض ما لا ينبت، ومن الرؤوس ما لا شعر عليه.\nقال رؤبة:\nلمّا رأتني حلق المموّه ... براق أصلاد الجبين الأجلة «٣»\nيعني الأجلح.\nوهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن بصدقته ويؤذي، يعني: إن الناس يرون في الظاهر إنّ لهؤلاء أعمالا كما يرى التراب على هذا الصفوان، فإذا كان يوم القيامة اضمحل كلّه وبطل لأنّه لم يكن لله ﷿ كأنّه لم يكن كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب.\nفَتَرَكَهُ صَلْدًا أجرد لا شيء عليه لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ على ثواب شيء مِمَّا كَسَبُوا عملوا في الدنيا لأنّهم لم يعملوه لله تعالى وطلب ما عنده وإنّما عملوه رياء الناس وطلب حمدهم فصار ذلك معظم من أعمالهم «٤» .\nوَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ نظيره قوله تعالى في وصف أعمال الكفّار: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ «٥» . وقوله: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ «٦» الآية.\n_________\n(١) في تفسير الطبري: ليل.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٩٢، والصحاح: ١/ ١٠٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٩٢، وكتاب العين: ٣/ ٣٩١.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٩٢.\n(٥) سورة إبراهيم: ١٨.\n(٦) سورة النور: ٣٩.","vol":"2","page":262},{"text":"عكرمة عن ابن عباس أنّ النبيّ ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد يسمع أهل الجمع: أين الذين يعبدون الناس قوموا وخذوا أجوركم ممن عملتم له فإنّي لا أقبل عملا خالطه شيء من الدنيا» [١٩١] «١» .\nعبد الله المدني قال: بلغني أنّ رجلا دخل على معاوية قال: مررت بالمدينة فإذا أبو هريرة جالس في المسجد، حوله حلقة يحدّثهم فقال: حدّثني أبو القاسم ثم استعبر فبكى فقال: حدّثني خليلي أبو القاسم ثم استعبر فبكى فقال: حدّثني خليلي أبو القاسم ثم بادره الرجل فقال: إنّي رجل غريب لست من أهل البلد وقد أردت أن تحدّث عن النبيّ ﷺ كل ذلك تخنقك العبرة فأخبرني هذا الذي أردت أن تحدّث به، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا كان يوم القيامة يؤتى برجل قد كان خوّله مالا فيقال كيف صنعت فيما خوّلناك؟\nفقال: أنفقت وأعطيت، فقال: أردت أن يقال فلان سخي فقد قيل لك فماذا يغني عنك.\nثم يؤتى برجل شجاع فيقال له: ألم أشجّع قلبك؟\nقال: بلى، فيقال: كيف صنعت؟ قال: قاتلت حتّى أحرقت مهجتي، فيقال له: أردت أن يقال فلان شجاع وقد قيل فماذا يغني عنك، ثم يؤتى برجل قد أوتي علما فيقال له: ألم أستحفظك العلم؟\nقال: بلى، فيقال: كيف صنعت، فيقول: تعلّمت وعلّمت، فيقال: أردت أن يقال فلان عالم وقد قيل فماذا يغني عنك، ثم قال: أذهبوا بهم إلى النار» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٥ الى ٢٦٧]</span>\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥) أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)\nوَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ طلب رضا الله وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قال الشعبي والكلبي والضحاك: يعني تصديقا من أنفسهم يخرجون الزكاة طيبة بها أنفسهم يعلمون أن ما أخرجوا خيرا لهم ممّا تركوا.\nالسدي وأبو صالح وأبو روق وابن زيد والمفضّل: على يقين إخلاف الله عليهم. قتادة:\n_________\n(١) كنز العمال: ٣/ ٤٨٥ ح ٧٥٤٢. [.....]","vol":"2","page":263},{"text":"احتسابا بإيمان من أنفسهم، عطاء ومجاهد: مثبّتون أي لا يضيّعون أموالهم، وكذلك قرأ مجاهد: وتثبيتا لأنفسهم.\nقال الحسن: كان الرجل إذا همّ بصدقة تثبّت إن كان لله أعطى وإن خالطه شيء أمسك، وعلى هذا القول يكون التثبيت بمعنى التثبت كقوله ﷿: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا «١» أي تبتّلا.\nسعيد بن جبير وأبو مالك: تخفيفا في ذنبهم. ابن كيسان: إخلاصا وتوطينا لأنفسهم على طاعة الله ﷿ في نفقاتهم، الزجاج: ينفقونها مقرّين بأن الله ﷿ رقيب عليهم.\nوأصل هذه الكلمة من قول السائل: ثبت فلان في هذا الأمر إذا حققه وثبت عليه وعزمه وقوي عليه بذاته.\nفثبت الله ما آتاك من حسن ... تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا «٢»\nكَمَثَلِ جَنَّةٍ أي بستان. قال الفراء: إذا كان في البستان نخل فهو جنّة، وإذا كان كرم فهو فردوس.\nوقول مجاهد: كمثل حبّة بالحاء والباء بِرَبْوَةٍ قرأ السليمي والعطاردي والحسن وعاصم وابن عامر: بِرَبْوَةٍ بفتح الراء هاهنا وفي سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم.\nوقال أبو جعفر وشيبة ونافع وابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو ويعقوب وأيوب بضم الراء فيهما. واختاره أبو حاتم وأبو عبيد لأنّها أكمل اللغات وأشهرها، وقول ابن عباس وأبو إسحاق السبيعي وابن أبي إسحاق: بربوة، وقرأ أشهب العقيلي: برباوة بالألف وكسر الراء فيها. وهي جميعا المكان المرتفع المستوي الذي تجري فيه الأنهار ولا يخلو من الماء. وإنّما سمّيت ربوة لأنّها ربت [وطابت] وعلت، من قولهم ربا الشيء يربو إذا انتفخ وعظم، وإنّما جعلها بربوة لأن النبات عليها أحسن وأزكى.\nأَصابَها وابِلٌ مطر شديد كثير فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو:\nأُكُلَها بالتخفيف والباقون بالتشديد وهو الثمر.\nقال المفضّل: الأكل: كثرة ما في الشيء ممّا يجود ويقوى به، يقال: ثوب كثير الأكل، أي كثير الغزل. ومعناه: وأعطت ثمرها ضعفين والضعف في الحمل.\nقال عطاء: حملت في سنة من الريع ما تحمل غيرها في سنتين. قال عكرمة: حملت في السنة مرّتين.\nفَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ أي فطشّ وهو أضعف المطر وألينه.\n_________\n(١) سورة المزمل: ٨.\n(٢) البداية والنهاية: ٤/ ٢٧٦.","vol":"2","page":264},{"text":"قال السدي: هو الندى.\nأبو سلام عبد الملك بن سلام عن زيد بن أسلم في قوله فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ قال:\nهي أرض مصر إن لم يصبها مطر زكت وإن أصابها مطر ضعفت، وهذا مثل ضربه الله ﷿ لعمل المؤمن المخلص، يقول: كما أن هذه الجنّة تريع في كلّ حال ولا تخلف ولا تخيّب صاحبها سواء قلّ المطر أو كثر، كذلك يضاعف الله ﷿ ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمنّ ولا يوذي سواء قلّت نفقته وصدقته أو كثرت فلا تخيب بحال.\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ هذه الآية متصلة بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى. الآية أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ.\nتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وإنّما قال: أَصابَهُ فردّ الماضي على المستقبل لأن العرب تلفظ توددت مرّة مع (لو) وهي الماضي فتقول: وددت لو ذهبت عنّا، ومرّة مع (أن) وهي للمستقبل فتقول: وددت أن تذهب عنّا، و(لو) و(أن) مضارعان في معنى الجزاء، ألا ترى أنّ العرب فيما جمعت بين (لو) و(أن) قال الله تعالى:\nوَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ «١» . الآية كما تجمع بين (ما) و(أن) وهما جحد.\nقال الشاعر\nما أن رأيت ولا سمعت بمثله ... كاليوم طالي أينق جرب «٢»\nفلما جاز ذلك صلح أن يقال: فعل بتأويل يفعل ويفعل بتأويل فعل، وان ينطق ب (لو) عنها ما كان (أن) وب (أن) مكان (لو) .\nفمعنى الآية: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ لو كان لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ أولاد صغار ضُعَفاءُ عجزة فَأَصابَها إِعْصارٌ وهي الريح العاصف التي تهب من الأرض إلى السماء كأنّها عمود.\nقال الكميت:\n[تسدي الرياح بها ذيلا وتلحمه ... ذا معتو من دقيق الترب موّار\nفي منخل جاء من هيف يمانيه ... بالسافيات وفي غربال إعصار]\nوجمعه أعاصير.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ٣٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٦/ ٢٦٧ وفيه: سمعت به، بدل: سمعت بمثله.","vol":"2","page":265},{"text":"قال يزيد بن المقرّع الحميري.\nأناس أجارونا وكان جوارهم ... أعاصير من فسو «١» العراق المبذر «٢»\nوهذا مثل ضربه الله تعالى لنفقة المنافق المرائي، يقول: عمل هذا المرائي لي حسنة لحين الجنّة فينتفع بها كما ينتفع صاحب الجنّة بها وإذا كبر وضعف وصار له أولاد صغار أصاب جنته إعصار فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ أخرج ما كان إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف أولاده عن إصلاحها لصغرهم ولم يجد هو ما يعود على أولاده به، ولا أولاده ما يعودون به على أبيهم فينتفي هو وأولاده فقرا عجزه متحيّرين لا يقدرون على حيلة، فكذلك يبطل الله على هذا المنافق والمرائي حين لا مستعتب له ولا توبة ولا إقالة من عبرتهما وديونهما.\nقال عبيد بن عمير: [ضربت مثلا للعمل يبدأ فيعمل عملا صالحا فيكون مثلا للجنة التي من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات، ثم يسيء في آخر عمره]، فيتمادى في الإساءة حتّى يموت على ذلك، فيكون الأعصار الذي فيه نار التي أحرقت الجنة مثلا لإساءته التي مات [وهو] عليها «٣» .\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا تصدّقوا مِنْ طَيِّباتِ خيار وجياد نظير قوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ «٤» . ابن مسعود ومجاهد: حلالات، دليله قوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ «٥» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ «٦» .\nقال النبيّ ﷺ: «قسّم بينكم أخلاقكم كما قسّم بينكم أرزاقكم وإن الله طيّب لا يقبل إلّا طيبا، لا يكسب عبد مالا من حرام فيتصدّق منه، فيقبل منه ولا ينفق منه، فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره إلّا كان زاده إلى النار، وأن لا يمحو السيء بالسيء ولكنّه يمحو السيء بالحسن والخبيث لا يمحو به الخبيث» «٧» .\nما كَسَبْتُمْ بالتجارة والصناعة من الذهب والفضّة.\nقال عبيد بن رفاعة: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر التجّار أنتم فجّار إلا من\n_________\n(١) فسو حي من عبد قيس، وفي الأغاني: قسو.\n(٢) معجم البلدان: ٥/ ١٣٤، وتاريخ الطبري: ٤/ ٢٣٦.\n(٣) تفسير الدر المنثور: ١/ ٣٤٠ وتفسير الطبري: ٣/ ١٠٦، وما بين معكوفين منه.\n(٤) آل عمران: ٩٢.\n(٥) سورة المؤمنون: ٥١.\n(٦) سورة البقرة: ١٧٢.\n(٧) مسند أحمد: ١/ ٣٨٧ ومجمع الزوائد: ١/ ٥٣ بتفاوت.","vol":"2","page":266},{"text":"أتقى وبرّ وصدّق وقال هكذا وهكذا وهكذا» «١» .\nوقال قيس بن عروة الغفاري: كنّا على عهد رسول الله ﷺ بالمدينة نسمّي أنفسنا السماسرة فسمّانا رسول الله ﷺ باسم هو أحسن من اسمنا فقال: «يا معشر التجّار، إنّ هذا البيع يحضره اللهو والكذب واليمين فشوبوه بالصدقة» «٢» .\nمكحول عن أبي إمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «الخير عشرة أجزاء أفضلها التجارة إذا أخذ الحق وأعطاه»\nوقال رسول الله ﷺ: «تسعة أعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي في السابياء «٣»» «٤» .\nابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معشر قريش لا يغلبنّكم هذه الموالي على التجارة وإنّ البركة في التجارة وصاحبها لا يفتقر إلّا تاجر حلّاف مهين» .\nعاصم ابن أبي النجود عن أبي وائل قال: درهم من تجارة أحب إليّ من عشرة من عطائي.\nالأعمش عن أبي إبراهيم عن عائشة قالت: قال النبيّ ﷺ: «أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه» [١٩٢] «٥» .\nوقال سعيد بن عمير: سئل النبيّ ﷺ: أي كسب الرجل أطيب؟\nقال: «عمل الرجل بيده وكلّ بيع مبرور» .\nمحمد بن الراضبي قال: مرّ إبراهيم النخعي على امرأة من مزاد وهي تغزل على بابها فقال: يا أم بكر أما كبرت أما آن لك أن تلقي هذا، قالت: كيف ألقيه وقد سمعت عليّا (﵁) يقول: إنّه من طيّبات الرزق.\nوَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يعني الحبوب والثمار التي تقتات وتدخر مما يجب فيه الزكاة.\nعمر بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: دخل رسول الله ﷺ على أم معبد حائطا، فقال: «يا أم معبد من غرس هذا، أمسلم أم كافر؟» قالت: بل مسلم، قال: «فلا يغرس المسلم غرسا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا طائر إلّا كانت له صدقة إلى يوم القيام» «٦» .\nهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: إنّ النبيّ ﷺ: «قال التمسوا «٧» الرزق في خبايا الأرض» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٢/ ١٩١.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٦.\n(٣) السابياء: النتاج، وقيل: هو الماء الذي يجري على رأس الولد الذي ولد، وقيل بل الجلدة التي يكون بها، راجع غريب الحديث ١/ ٢٩٩. [.....]\n(٤) النهاية: ٢/ ٣٤١.\n(٥) مسند أحمد: ٦/ ٤٢.\n(٦) صحيح مسلم: ٥/ ٢٨.\n(٧) في المصدر: اطلبوا.","vol":"2","page":267},{"text":"قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: طوبى لمن أكل من ثمرة يديه.\nوَلا تَيَمَّمُوا قرأ ابن مسعود: ولا تأمموا بالهمز. وقرأ ابن عباس: وَلا تُيَمِّمُوا مضمومة التاء مكسورة الميم الأولى يعني لا توجّهوا.\nوقرأ ابن كثير: (وَلا تَيَّمَّمُوا) بتشديد الياء وفتحها فيها وفي أخواتها وهي أحدى وثلاثون موضعا في القرآن رد الساقط وأدغم لأن في الأصل تاءان تاء المخاطبة وتاء الأمر فحذفت تاء الفعل.\nوقرأ الباقون: وَلا تَيَمَّمُوا مفتوحة مخففة.\nوهي كلّها لغات بمعنى واحد، يقال: أممت فلانا وتيممته وتأممته، إذا قصدته وعمدته.\nقال الأعشى ميمون بن قيس:\nتيممت قيسا وكم دونه ... من الأرض من مهمه ذي شزن «١»\nالسدي عن علي بن ثابت عن الفراء قال: نزلت هذه الآية في الأنصار كانت تخرج إذا كان جذاذ النخل من حيطانها أقناء من التمر والبسر فيعلقونه على حبل بين أسطوانتين في مسجد رسول الله ﷺ فيأكل منه فقراء المهاجرين، وكان الرجل يعمد فيخرج قنو الحشف «٢» وهو يظن أنّه جائز عنه في كثرة ما يوضع من الأقناء فنزل فيمن فعل ذلك.\nوَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ يعني القنو الذي فيه الحشف ولو كان أهدى لكم ما قبلتموه «٣» .\nعن باذان عن ابن عباس في هذه الآية قال: رسول الله ﷺ قال لهم: «إنّ لله في أموالكم حقّا فإذا بلغ حق الله في أموالكم فأعطوا منه» وكان الناس يأتون أهل الصدقة بصدقاتهم ويضعونها في المسجد فإذا اجتمعت قسّمها رسول الله ﷺ بينهم.\nقال: فجاء رجل ذات يوم. بعد ما رقّ أهل المسجد وتفرّق هامهم. بعذق حشف فوضعه في الصدقة، فلما خرج رسول الله ﷺ أبصره فقال: «من جاء بهذا العذق الحشف» قالوا: لا ندري يا رسول الله.\nقال: «بئسما صنع صاحب هذا الحشف» فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال عليّ بن أبي طالب والحسن ومجاهد والضحاك: كانوا يتصدّقون بشرار ثمارهم\n_________\n(١) المهمه: المغازة البعيدة، وذو شزن: ذو خشونة، والبيت في لسان العرب: ١٢/ ٢٣.\n(٢) الحشف: أردأ التمر.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ٥٦.","vol":"2","page":268},{"text":"ورذالة أموالهم فيعزلون الجيّد ناحية لأنفسهم، فأنزل الله تعالى وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ يعني الردي من أموالكم، والخشف من التمر، والعفن والزوان من الحبوب، والزيوف من الدراهم والدنانير.\nوَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ محل أن نصب بنزع حرف الصفة، يعني: بأن تغمضوا فيه.\nوقرأ الزهري: تَغْمُضُوا بفتح التاء وضم الميم. وقرأ الحسن بفتح التاء وكسر الميم، وهما لغتان غمض يغمض ويغمض. وقرأ قتادة تغمضّوا فيه من التفعيل وقرأ أبو مجلن: تُغمَضوا بفتح الميم وضم التاء يعني إلّا أن تغمض لكم. وقرأ الباقون: تُغْمِضُوا.\nوالإغماض: غض البصر وإطباق جفن على جفن. قال روبة:\nأرق عينيّ عن الإغماض ... برق سرى في عارض نهّاض «١»\nوأراد هاهنا التجويز والترخص والمساهلة، وذلك إن الرجل إذا رأى ما يكره أغمض عينه لئلّا يرى جميع ما يفعل، ثم كثر ذلك حتّى جعل كلّ تجاوز ومساهلة في البيع إغماضا.\nقال الطرمّاح:\nلم يفتنا بالوتر قوم وللضيم ... رجال يرضون بالإغماض «٢»\nقال علي والبراء بن عازب: معناه: لو كان لأحدكم على رجل حقّ فجاءه بهذا، لم يأخذه إلّا وهو يرى أنّه قد أغمض عن بعض حقّه\n. وهي رواية العوفي عن ابن عباس.\nوروى الوالبي عنه: ولستم بآخذي هذا الردي لو كان لأحدكم على الآخر حقّ بحساب الجيّد حتّى تنقصوه.\nالحسن وقتادة: لو وجدتموه بياعا في السوق ما أخذتموه بسعر الجيّد حتّى يغمّض لكم من ثمنه.\nوروي عن الفراء أيضا قال: لو أهدي ذلك لكم ما أخذتموه إلّا على استحياء من صاحبه وغيظ أنّه بعث إليك بما لم يكن فيه حاجة، فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم؟! أخبر الله تعالى أن أهل السهمان شركاء ربّ المال في ماله فإذا كان ماله كلّه جيّدا فهم\n_________\n(١) أراقه: أسهره، عارض نهاض: سحاب مرتفع، والبيت في لسان العرب: ٧/ ١٩٩٥ وفيه: عينيك عن الغماض، وكذا في تاج العروس: ٥/ ٦٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١١٦.","vol":"2","page":269},{"text":"شركائه في الجيّد فأمّا إذا كان المال كلّه ردئا فلا بأس بإعطاء الردي لأن الواجب فيه ذلك إلّا أن تتطوع.\nوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عن نفقاتكم وصدقاتكم حَمِيدٌ محمود في أفعاله.\nوعن معبد بن منقذ ان أبا شريح الكعبي صاحب رسول الله ﷺ قال: إذا رأيتموني أتصدّق شرّ ما عندي فاكووني واعلموا إنّي مجنون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٦٨ الى ٢٧١]</span>\nالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)\nالشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ أي بالفقر فحذف الباء كقول الشاعر:\nأمرتك الخير فافعل ما أمرت به ... فقد تركتك ذا مال وذا نسب «١»\nويقال: وعدته خيرا ووعدته شرّا، قال الله تعالى في الخير: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها «٢» وفي الشر: النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا «٣» فإذا لم يذكر الخير والشرّ قلت في الخير:\nوعدته، وفي الشر: أوعدته وأنشد أبو عمرو:\nوإنّي وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف أيعادي ومنجز موعدي «٤»\nوالفقر: سوء الحال وقلّة اليد، وفيه لغتان: الفقر والفقر كالضعف والضعف.\nوأصله من كسر الفقار، يقال: رجل فقّار وفقير، أي مكسور فقار الظهر. قال الشاعر:\nوإذا تلسنني ألسنتها ... إنني لست بموهون فقر «٥»\nومعنى الآية: إنّ الشيطان يخوّفكم بالفقر ويقول للرجل أمسك مالك فإن تصدّقت افتقرت.\nوَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي البخل ومنع الزكاة.\nوزعم مقاتل [بن حيان] أنّ كلّ فحشاء في القرآن فهو الزنا إلّا في هذه الآية.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١٠١.\n(٢) سورة الفتح: ٢٠.\n(٣) سورة الحج: ٧٢.\n(٤) لسان العرب: ١٤/ ٢٢٣.\n(٥) تاج العروس: ٩/ ٣٣٤. [.....]","vol":"2","page":270},{"text":"وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ أي يجازيكم، وعد الله إلهام وتنزيل، ووعد الشيطان وساوس وتخيّل.\nمَغْفِرَةً مِنْهُ لذنوبكم وَفَضْلًا أي رزقا وخلفا وَاللَّهُ واسِعٌ غني عَلِيمٌ يقال:\nمكتوب في التوراة: عبدي أنفق من رزقي، أبسط عليك من فضلي.\nيُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ قال السدي: هي النبوّة. ابن عباس وقتادة وأبو العالية: علم القرآن: ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدّمه ومؤخّره، وحلاله وحرامه.\nالضحاك: القرآن والحكم فيه. وقال: في القرآن مائة وتسع آيات ناسخة ومنسوخة، وألف [آية] «١» حلال وحرام، ولا يسع المؤمنين تركهن حتّى يتعلّموهن فيعلموهن، ولا تكونوا كأهل النهروان تأوّلوا آيات من القرآن في أهل القبلة وإنّما نزلت في أهل الكتاب، جهلوا علمها فسفكوا بها الدماء وشهدوا علينا بالضلال وانتهبوا الأموال.\nفعليكم بعلم القرآن فإنّه من علم فيما أنزل لم يختلف في شيء منه نفع وأنتفع به. مجاهد:\nأما أنّها ليست بالنبوّة ولكنّها القرآن والعلم والفقه.\nوروى ابن أبي نجيح: الإصابة في القول والفعل. ابن زيد: العقل. ابن المقفّع: كلّ قول أو فعل شهد العقل بصحّته. إبراهيم: الفهم. عطاء: المعرفة بالله ﷿. ربيع: خشية الله.\nسهل بن عبد الله التستري: الحكمة: السنة.\nوقال بعض أهل الإشارة: العلم الرباني. وقيل: إشارة بلا علّة، وقيل: إشهاد الحق تعالى على جميع الأحوال.\nأبو عثمان: هو النور المفرّق بين الإلهام والوسواس. وقيل: تجريد السرّ لورود الإلهام.\nالقاسم: أن يحكم عليك خاطر الحق ولا تحكم عليك شهوتك.\nبندار بن الحسين وقد سئل عن قوله تعالى يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ. فقال: سرعة الجواب مع إصابة الصواب. وقال أهل اللغة: كلّ فضل جرّك من قول أو فعل وهي أحكام الشيء المفضّل.\n[...] «٢» الحكمة الرد إلى الصواب، وحكمة الدابة من ذلك لأنّها تردّها إلى القصد.\nمنصور بن عبد الله قال: سمعت الكتابي يقول: إنّ الله بعث الرسل بالنصح لأنفس خلقه، فأنزل الكتب لتنبيه قلوبهم وأنزل الحكمة لسكون أرواحهم، والرسول داع إلى الله، والكتاب داع\n_________\n(١) في المخطوط: آيات.\n(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"2","page":271},{"text":"إلى أحكامه، والحكمة مشيرة إلى فضله.\nوَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ قرأ الربيع بن خيثم: توتي الحكمة ومن تؤت الحكمة بالتاء فيها.\nوقرأ يعقوب وَمَنْ يُؤْتِ بكسر التاء أراد من يؤته الله. وقرأ الباقون وَمَنْ يُؤْتَ بفتح التاء على الفعل المجهول.\nومَنْ في محل الرفع على اسم ما لم يسم فاعله، والحكمة خبرها. الحسن بن دينار عن الحسن في قوله: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ هو الورع في دين الله ﷿.\nفَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَما يَذَّكَّرُ يتعظ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ذوي العقول، واللب من العقل ما صفا من دواعي الهوى.\nوَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ فيما فرض الله عليكم أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ أو ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم فوفّيتم به.\nوالنذر نذران: نذر في الطاعة، ونذر في المعصية. فإذا كان لله فالوفاء به واجب وفي تركه الكفّارة، وما كان للشيطان فلا وفاء ولا كفارة.\nفَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ويحفظه حتّى يجازيكم به. وإنّما قال يَعْلَمُهُ ولم يقل يعلمها لأنّه ردّه إلى الآخر منها كقوله وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا\n«١» . قاله الأخفش، وإن شئت حملته على ما، كقوله تعالى: ما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ «٢» ولم يقل بها.\nوَما لِلظَّالِمِينَ الواضعين النفقة والنذر في غير موضعها بالرياء والمعصية مِنْ أَنْصارٍ أعوان يدفعون عذاب الله ﷿ عنهم، والأنصار: جمع نصير، مثل شريف وأشراف وحبيب وأحباب.\nإِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وذلك\nأنهم قالوا: يا رسول الله صدقة السر أفضل أم صدقة العلانية؟ فأنزل الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ أي تظهروها وتعلنوها فَنِعِمَّا هِيَ\nأي نعمت الخصلة هي. وما في محل الرفع وهِيَ لفظ في محل النصب كما تقول: نعم الرجل رجلا، فإذا عرفت رفعت فقلت: نعم الرجل زيد.\nفأصله نعم ما فوصلت وأدغمت، وكان الحسن يقرأها فنعم ما مفصولة على الأصل، وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع غير ورش وعاصم برواية أبي بكر. وأبو عمرو وأبو بحرية: فنِعْما بكسر النون وجزم العين ومثله في سورة النساء، واختاره أبو عبيدة ذكر أنّها لغة النبي ﷺ\nقال لعمر بن\n_________\n(١) سورة النساء: ١٢.\n(٢) سورة البقرة: ٢٣١.","vol":"2","page":272},{"text":"العاص: «نعمّا بالمال الصالح للرجل الصالح»\n«١» هكذا روي في الحديث.\nوقرأ ابن عامر ويحيى بن ثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون والعين فيهما.\nوقرأ طلحة وابن كثير ويعقوب وأيوب بكسر النون والعين واختاره أبو حاتم، وهي لغات صحيحة، ونعم ونعم لغتان جيدتان، ومن كسر النون والعين اتبع الكسرة الكسرة لئلا يلتقي ساكنان: سكون العين وسكون الإدغام.\nوَإِنْ تُخْفُوها تسرّوها وَتُؤْتُوهَا تعطوها الْفُقَراءَ في السر فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وأفضل، وكلّ مقبول إذا كانت النيّة صادقة ولكن صدقة السر أفضل.\nوفي الحديث: «صدقة السر تطفي غضب الرب وتطفي الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين بابا من البلاء»\n. حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العدل، وشاب نشأ في عبادة الله ﷿، ورجل قلبه معلّق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله فاجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال: إنّي أخاف الله تعالى، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لم تعلم يمينه ما ينفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» «٢» [١٩٣] .\nوَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ شهر بن حوشب عن ابن عباس أنّه قرأ وَيُكَفِّرُ بالياء والرفع على معنى يكفّر الله. وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو ويعقوب: بالنون ورفع الراء على الاستئناف، أي نحن نكفّر على التعظيم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع والأعمش وحمزة والكسائي وأيوب وأبو حاتم: بالنون والجزم معا على الفاء التي في قوله فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأن موضعها جزم الجزاء.\nمِنْ سَيِّئاتِكُمْ أدخل (من) للتبعيض، وعلّته: المشيئة ليكون العباد فيها على وجل ولا يتّكوا. وقال نحاة البصرة: معناه: الاسقاط، تقديره: ونكفّر عنكم سيئاتكم.\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وقال أهل هذه المعاني: هذه الآية في صدقة التطوّع لإجماع العلماء ان الزكاة المفروضة إعلانها أفضل كالصلاة المكتوبة. فالجماعة أفضل من أفرادها وكذلك سائر الفرائض لمعنيين: أحدهما ليقتدي به الناس. والثاني إزالة التهمة لئلّا يسيء الناس به الظن ولا رياء في الغرض، فأمّا النوافل والفضائل فإخفاؤها أفضل لبعدها من الرياء والآفات، يدل عليه ما\nروى عمّار الذهبي عن أبي جعفر أنّه قال في قوله إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٢٠٢.\n(٢) السنن الكبرى: ٤/ ١٩٠.","vol":"2","page":273},{"text":"قال: يعني الزكاة المفروضة، وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يعني التطوّع.\nوعن معد بن سويد الكلبي يرفعه: إنّ النبيّ ﷺ سئل عن الجهر بالقراءة والإخفاء بها فقال:\n«هي بمنزلة الصدقة فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ» .\nكثير بن مرّة عن عقبة بن عامر عن النبيّ ﷺ قال: «المسرّ بالقرآن كالمسر بالصدقة والجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة» [١٩٤] «١» .\nوروى علي بن طلحة عن ابن عباس في هذه قال: جعل الله ﷿ صدقة التطوّع في السر تفضل علانيتها بسبعين ضعفا، وصدقة الفريضة تفضل علانيتها بخمسة وعشرين ضعفا، وكذلك جميع الفرائض والنوافل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٢ الى ٢٧٣]</span>\nلَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢) لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)\nلَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ\nقال الكلبي: اعتمر رسول الله ﷺ عمرة القضاء وكانت معه في تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمّها قتيلة وجدّتها تسألانها وهما مشركتان، فقالت:\nلا أعطيكما شيئا حتّى أستأمر رسول الله ﷺ فإنّكما لستما على ديني، فاستأمرته في ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية، فأمرها رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية أن تتصدّق عليهما فأعطتهما ووصلتهما.\nقال الكلبي: ولها وجه آخر وذلك إنّ ناسا من المسلمين كانت لهم رضاع في اليهود وكانوا ينفقونهم قبل أن يسلموا فلما أسلموا كرهوا أن ينفقونهم وأرادوهم أن يسلموا، فاستأمروا رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية فأعطوهم بعد نزولها.\nوقال سعيد بن جبير: كانوا يتصدّقون على فقراء أهل الذمّة، فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ: «لا تتصدّقوا إلّا على أهل دينكم» [١٩٥] «٢» . فأنزل الله: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ فتمنعهم الصدقة ليدخلوا في الإسلام حاجة منهم إليها.\n_________\n(١) المعجم الأوسط: ٣/ ٣٠٤.\n(٢) زاد المسير: ١/ ٢٨٣.","vol":"2","page":274},{"text":"وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وأراد بالهدى: التوفيق والتعريف لأنّه كان على رسول الله ﷺ هدى البيان والدعوة.\nوعن عمر بن عبد العزيز قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رأى رجلا من أهل الذمّة يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما أنصفناك يأخذوا منك الجزية ما دمت شابا ثم ضيّعناك اليوم، فأمر أن تجرى علية قوته من بيت المال.\nوَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ شرط وجزاء، والخير هاهنا المال وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ شرط كالأوّل لذلك حذف النون منها [في الموضعين] .\nيُوَفَّ إِلَيْكُمْ جزاؤه، كأن معناه: يؤدّى إليكم، فكذلك أدخل إلى وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ لا تظلمون من ثواب أعمالكم شيئا.\nوأعلم إنّ هذه الآية في صدقة التطوّع، أباح الله أن يتصدّق المسلم على المسلم والذمّي، فأمّا صدقة الفرض فلا يجوز إلّا للمسلمين، وهما أهل السهمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة، ثم دلّهم على خير الصدقات وأفضل النفقات، فقال الله تعالى:\nلِلْفُقَراءِ واختلف العلماء في موضع هذا اللام، فقال بعضهم: هو مردود على موضع اللام من قوله فَلِأَنْفُسِكُمْ كأنّه قال: وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنّما تنفقون لأنفسكم ثوابها راجع إليكم، فلمّا اعترض الكلام قوله فَلِأَنْفُسِكُمْ وأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيها، تركت أعادتها في قوله لِلْفُقَراءِ إذ كان معنى الكلام مفهوما.\nوقال بعضهم: خبر محذوف تقديره: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ صفتهم كذا، حق واجب،\nوهم فقراء المهاجرين وكانوا نحوا من أربعمائة رجل ليس لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر جعلوا أنفسهم في المسجد يتعلّمون القرآن بالليل ويرضخون بالنهار [...] «١» وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله ﷺ [فخرج] «٢» يوما على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم وجهدهم فثبّت قلوبهم فقال: «أبشروا يا أصحاب الصفّة، فمن بقي من أمّتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنّهم من رفقائي» .\nوروي إنّ عمر بن الخطاب ﵁ أرسل إلى سعيد بن عامر بألف درهم فجاء كئيبا حزينا فقالت له امرأته: حدث أمر، قال: أشدّ من ذلك، ثم قال: أريني درعك الخلق فشقّه وجعله صررا ثم قام يصلّي ويبكي إلى الغداة، فلما أصبح قام بالطريق فجعل [ينفق كل] صرّة حتّى أتى\n_________\n(١) غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.","vol":"2","page":275},{"text":"على آخرها، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يجيء فقراء المهاجرين يوم القيامة للحساب فيقولون هل أعطيتمونا شيئا فتحاسبوننا عليه فيدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام، حتّى إنّ الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ فيستخرج، فأراد عمر أن يجعلني ذلك الرجل وما يسرّني إنّي كنت ذلك الرجل وإن لي الدنيا وما فيها» [١٩٦] «١» .\nأُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي حبسوا ومنعوا في طاعة الله لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا سيرا فِي الْأَرْضِ وتصرّفا فيها للتجارة وطلب المعيشة، نظيره قوله تعالى: وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ «٢» .\nقال الشاعر:\nقليل المال يصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد\nوحفظ المال أيسر من بغاه ... [وضرب] في البلاد بغير زاد «٣»\nقال قتادة: معناه: حبسوا أنفسهم في سبيل الله ﷿ للغزو والعبادة ف لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ ولا يتفرّغون إلى طلب المعاش. وقال ابن زيد: من كثرة ما جاهدوا لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ، فصارت الأرض كلّها حربا عليهم لا يتوجّهون جهة إلّا ولهم فيها عدو.\nوقال سعيد: هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله ﷺ فصاروا زمنى فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض، واختاره الكسائي، قال: أُحْصِرُوا من المرض، فلو أراد الحبس لقال: حصروا، وإنّما الإحصار من الخوف أو المرض، والحصر الحبس في غيرهما «٤» .\nيَحْسَبُهُمُ قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش وحمزة وعاصم يحسب وبابه بفتح السين في جميع القرآن.\nوالباقون بالكسر. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقيل إنّها لغة النبيّ ﷺ.\nعن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه وافد بني المشفق قال: قدمت على رسول الله ﷺ أنا وصاحب لي فذكر حديثا فقال ﷺ للراعي: «أذبح لنا شاة»، ثم قال: «لا تحسبن أنا أنّما ذبحناها من أجلكم- ولم يقل يحسبن أنا إنما ذبحناها لك-، ولكن لنا مائة من الغنم فإذا زادت\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ٢١/ ١٤٤ ط. دار الفكر.\n(٢) سورة المزمّل: ٢٠.\n(٣) تاريخ دمشق: ١١/ ٣٧٢، وفيه: وعسف في البلاد، وكذا في السيرة النبوية لابن كثير: ١/ ١١٢.\n(٤) زاد المسير: ١/ ٢٨٣. [.....]","vol":"2","page":276},{"text":"شاة ذبحنا شاة لا نريد أن تزيد على المائة» [١٩٧] «١» .\nالْجاهِلُ بأمرهم وحالهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ من تعففهم عن السؤال، والتعفف:\n[التفعل] من العفّة وهو الترك، يقال: عفّ عن الشيء إذا كفّ عنه، وعفيف إذا تكلّف في الإمساك.\nقال رؤبة:\nفعفّ عن إسرارها بعد الغسق\nوقال محمد بن الفضل: يمنعهم علوّ همّتهم رفع جوابهم إلى مولاهم.\nتَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ قرأ حمزة والكسائي بالإمالة. الباقون بالتفخيم، والسيما والسيميا:\nالعلّامة التي يعرف بها الشيء، وأصلها من السّمة، واختلفوا في السيميا التي يعرفون بها.\nفقال مجاهد: هو التخشّع والتواضع. الربيع والسدي: أثر الجهد من الحاجة والفقر.\nالضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع والضر، ابن زيد: رثاثة ثيابهم فالجوع خفي على الناس، يمان: النحول والسكينة. الثوري: فرحهم بفقرهم واستقامة أحوالهم عند موارد البلاء عليهم، [المرتضى]: غيرتهم على فقرهم وملازمتهم إياه. أبو عثمان: إيثار ما يملكون مع الحاجة إليه.\nقال بعضهم: تطيب قلوبهم وبشاشة وجوههم وحسن حالهم ونور أسرارهم وجولان أرواحهم في ملكوت ربّهم.\nلا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا قال عطاء: يعني إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، فإذا كان عنده عشاء لم يسأل غداء. وقال أهل المعاني: لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا ولا غير إلحاف لأنّه قال مِنَ التَّعَفُّفِ، والتعفف ترك السؤال أصلا وقال أيضا: تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ ولو كانت المسألة من شأنهم لما كان [للنبي ﷺ] إلى معرفتهم بالعلامة والدلالة حاجة، إذ السؤال يغني عن حالهم وهذا كما قلت في الكلام: قال ما رأيت مثل هذا الرجل، ولعلّك لم تر مثله قليلا ولا كثيرا، قال الله ﷿ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ «٢» وهم كانوا لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا.\nوأنشد الزجاج:\nعلى لا حب لا يهتدى لمنارة «٣» ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا «٤»\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٣٣، والمستدرك: ٢/ ٢٣٣.\n(٢) سورة البقرة: ٨٨.\n(٣) لسان العرب: ١٥/ ٣٢١.\n(٤) تفسير كنز الدقائق: ١/ ٦٦١.","vol":"2","page":277},{"text":"معناه: ليس له منار فيهتدي له.\nكذلك معنى الآية: ليس لهم سؤال فيقع فيه، الحاف، والإلحاف: الإلحاح واللجاج في السؤال، وهو مأخوذ من لحف الحبل وهو خشونته، كأنّه استعمل الخشونة في الطلب.\nروى هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: «من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف» [١٩٨] «١» .\nقال هشام: قال الحسن: صاحب الخمسين درهما [غني]\nعطاء بن يسار عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنّما المسكين المتعفّف» . اقرءوا إن شئتم لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا [١٩٩] «٢» .\nالأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ يحب أن يرى أثر النعمة على عبده، ويكره البؤس والتبأوس، ويحب الحليم المتعفّف من عباده ويبغض الفاحش البذي السائل اللحف» [٢٠٠] «٣» .\nوعن قبيصة بن مخارق قال: أتيت النبيّ ﷺ استعنته في حمالة فقال: «أقم عندنا حتّى تأتينا الصدقة فإما أن نحملها وإما أن نعينك فيها، وأعلم إنّ المسألة لا تحل إلّا لثلاثة: لرجل يحمل حمالة عن قوم فسأل فيها حتّى يؤديها ثم يمسك، ورجل أصابته حاجة فأذهبت ماله فسأل حتّى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش ثم يمسك، ورجل أصابته فاقة حتّى شهد له ثلاثة من ذوي الحجا من قومه فسأل حتّى يصيب سدادا أو قواما من عيش ثم يمسك، فما سوى ذلك من المسائل سحت يأكله صاحبه يا قبيصة سحتا» «٤» .\nوروى قتادة عن هلال بن حصن عن أبي سعيد الخدري قال: أعوزنا مرّة فقيل لي: لو أتيت رسول الله ﷺ فسألته، فانطلقت إليه معتفيا، فقال أوّل ما واجهني به: «من استعفف عفّه الله ومن استغنى أغناه الله ومن سألنا لم ندّخر عنه شيئا نجده» .\nقال: فرجعت إلى نفسي فقلت: ألا استعفف فعفّني الله، فرجعت فما سألت نبي الله ﷺ شيئا بعد ذلك من حاجة حتّى مالت علينا الدنيا فغرقتنا «٥» إلّا من عصمه الله محمد ﷺ «٦» إنّ الله\n_________\n(١) كنز العمال: ٦/ ٥١١ ح ١٦٧٧١.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣٩٥.\n(٣) كنز العمال: ٦/ ٦٤٣ ح ١٧١٩٢ بتفاوت وفي تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢٠٣ بتمامه.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ٦٠.\n(٥) في تاريخ دمشق (٢٠/ ٣٨٨) ففرقتنا أو عرقتنا.\n(٦) في تفسير الطبري (٣/ ١٣٧) إلّا من عصم الله.","vol":"2","page":278},{"text":"﷿ كره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ونهى عن عقوق الأمّهات ووأد البنات وعن منع وهات «١» .\nوقال ﷺ: «الأيدي ثلاثة: فيد الله العليا، ويد المعطي الوسطى ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، ومن سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة كدوحا أو خموشا أو خدوشا «٢» في وجهه» . قيل: وما غناه يا رسول الله؟ قال: «خمسون درهما أو عدّها من الذهب» «٣» .\nوَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ قال فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ وعليه يجازيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٤ الى ٢٧٦]</span>\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)\nالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً الآية.\nمجاهد عن ابن عباس قال:\nكان عند عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه- أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدق بدرهم سرّا، ودرهم علانيّة، ودرهم ليلا ودرهم نهارا، فنزلت الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية «٤» .\nوعن يزيد بن روان قال: ما نزل في أحد من القرآن ما نزل في علي بن أبي طالب ﵁.\nأبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يسبق الدرهم مائة ألف» قالوا: يا رسول الله وكيف يسبق الدرهم مائة ألف؟ قال: «رجل له درهمان فأخذ أحدهما وتصدّق به، ورجل [...] «٥» فأخرج من غرضها مائة ألف فتصدّق بها» «٦» .\nوروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، قال: لما أنزل الله ﷿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية، بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة حتّى أغناهم، وبعث عليّ بن أبي طالب ﵁ في جوف الليل بوسق من تمر- والوسق ستون صاعا-\n_________\n(١) هكذا في المخطوط، وهكذا في تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢٠٣.\n(٢) الكدح دون الخدش والخدش دون الخمش.\n(٣) بتفاوت في المعجم الكبير: ١٠/ ١٢٩.\n(٤) معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٠٥، وأسباب النزول للواحدي: ٥٨. [.....]\n(٥) غير مقروءة في المخطوط.\n(٦) كنز العمال: ٦/ ٣٦٠ ح ١٦٠٥٩ بتفاوت يسير.","vol":"2","page":279},{"text":"وكان أحب الصدقتين إلى الله ﷿ صدقة عليّ ﵁ فأنزل الله فيهما الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ الآية، فعنى بالنهار عَلانِيَةً صدقة عبد الرحمن بن عوف وبِاللَّيْلِ ... سِرًّا صدقة عليّ ﵁ «١» .\nوقال أبو امامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي ورباح بن يزيد: هم الذين يمتطون «٢» الخيل في سبيل الله ينفقون عليها بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً، نزلت فيمن لم يرتبط الخيل تخيلا ولا افتخارا، يدلّ عليه ما\nروى سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن غريب عن أبيه عن جدّه عن النبيّ ﷺ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً قال: «نزلت في أصحاب الخيل» .\nقال غريب: والجن لا يقرب بيتا فيه عتيق من الخيل، ويروى أنه أشار إلى بعض خيل كانت في الخيانة فأشار إلى عتاق تلك الخيل فقال: هؤلاء الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ.\nالآية.\nوعن حبس بن عبد الله الصنعاني أنّه قال: حدّث ابن عباس في هذه الآية: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فقال: في علف الخيل «٣» . وعن أبي سريح عمّن حدّثه عن أبي الفقيه أنّه قال: من حبس فرسا كان ستره من النار، [وسقطت منه حسنة] «٤»، وكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين تلا هذه الآية، وإذا مرّ بفرس أعجف سكت.\nشهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أرتبط فرسا في سبيل الله فأنفق عليه احتسابا، كان شبعه وجوعه وريّه وظمؤه وبوله وروثه في ميزانه يوم القيامة» .\nعبد الرحمن بن يزيد عن جابر عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ «المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفّيه بالصدقة» [٢٠١] «٥» .\nفَلَهُمْ أَجْرُهُمْ قال الأخفش [...] «٦»: إنّه جعل الخبر بالفاء إذا كان الاسم الذي وصل به [...] «٧»، لأنّه في معنى من وجواب من بالفاء في الجزاء، ومعنى الآية: من أنفق فله أجره.\nعِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ومعنى الربا: الزيادة على أصل المال في غير بيع يقال: ربي الشيء إذا زاد، وأربى عليه و[عامل] عليه إذا زاد عليه\n_________\n(١) راجع زاد المسير: ١/ ٢٨٥.\n(٢) في أسباب النزول: يرتبطون.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ٥٧.\n(٤) تفسير الدر المنثور: ٣/ ١٩٦.\n(٥) أسباب النزول: ٥٧، ومسند أحمد: ٦/ ٤٥٨.\n(٦) غير مقروءة في المخطوط.\n(٧) غير مقروءة في المخطوط.","vol":"2","page":280},{"text":"في الربا. قال عمر ﵁: لا تبيعوا الذهب بالذهب إلّا مثل بمثل، ولا تبيعوا الورق بالورق إلّا مثل بمثل، ولا تبيعوا الذهب بالذهب أحدهما غائب والآخر حاضر، وإن استنظرك حتّى يلج بيته فلا تنظره إلّا يدا بيد هات وهذا أني أخاف عليكم الربا «١» .\nقالوا: وقياس كتابته بالياء لكسرة أوّله، وقد كتبوه في القرآن بالواو. قال الفراء: إنّما كتبوه كذلك لأنّ أهل الحجاز تعلّموا الكتابة من أهل الحيرة ولغتهم الربوا، فعلّموهم صورة الحرف على لغتهم فأخذوه كذلك عنهم. وكذلك قرأها الضحاك [الربوا] بالواو.\nوقرأ حمزة والكسائي بالإمالة مكان كسرة الراء. وقرأ الباقون بالتفخيم بفتحة الباء، قالوا:\nاليوم فأنت فيه [بالخيار إن شئت] كتبته على ما في المصحف موافقة له، وإن شئت بالياء وإن شئت بالألف. ومعنى قوله الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا [يأكلونه] حق الأكل لأنّه معظم الأمر.\nوالربا في أربعة أشياء: الذهب، والفضّة، والمأكول، والمشروب. فلا يجوز بيع بعضها ببعض إلّا مثلا بمثل ويدا بيد، وإذا اختلف الصنفان جاز التفاضل في النقد وحرّم في النسيئة، ولا يجوز صاع بر بصاعين لا نقدا ولا نسيئة لأنّهما جنس واحد، وكذلك الذهب بالذهب مثقال باثنين لا نقدا ولا نسيّة، وكذلك الفضّة بالفضّة، وكذلك صاع بر بصاعين شعير وصاع شعير بصاعين بر نقدا ولا يجوز نسيئة. ويجوز مثقال بعشرين درهما أو أقل أو أكثر نقدا ولا يجوز نسيئة، وجماع ما شايع الناس عليه ثلاثة أشياء: أحدهما: ما يعتدي به ممّا كان مأكولا أو مشروبا. والثاني: ما كان ثمنا للأشياء وقيمة للمتلفات وهو الذهب والفضّة فهذان فيهما الربا فلا يجوز بيع شيء متفاضلا نقدا ونسيئة، والصنف الثالث: ما عدا هذين مما لا يؤكل ولا يشرب ولا يكون ثمنا، فلا ربا فيه فيجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا نقدا ونسيئة. فهذا جملة القول فيما فيه الربا على مذهب الشافعي.\nوقال مالك: كلّ ثمن أو يقتات أو ما يصلح به القوت فهو الذي فيه الربا «٢» .\nوقال أهل العراق: كلّ مكيل أو موزون فيه الربا. وقال أهل الحجاز ما\nروي محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عبك قالا: جمع المنزل بين عبادة بن الصاحب ومعاوية، فقال عبادة: نهانا رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالذهب والورق بالورق والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر، وقال أحدهما: والملح بالملح، وقال الآخر: إلّا مثلا بمثل ويدا بيد، وأمرنا أن نبيع الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر ويدا بيد كيف شئنا.\nقال أحدهما: فمن ناد أو ازداد فقد أربى.\n_________\n(١) المجموع لمحيي الدين النووي: ١٠/ ٧٣.\n(٢) راجع المغني: ٤/ ١٢٧.","vol":"2","page":281},{"text":"قوله تعالى: لا يَقُومُونَ يعني يوم القيامة من قبورهم إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ أي يصرعه ويخبطه الشَّيْطانُ وأصل الخبط الضرب والوطء ويقال ناقة خبوط، التي تطأ الناس وتضرب بقوائمها الأرض. قال زهير:\nرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطي يعمر فيهرم «١»\nمِنَ الْمَسِّ الجنون. يقال: مسّ الرجل وألس فهو ممسوس ومالوس، إذا كان مجنونا، وأصله مسّ الشيطان إياه. ومعنى الآية: إنّ آكل الربا يبعثه الله يوم القيامة مجنونا [] «٢» وذلك علامة أهل الربا يبعثون وفيهم خبل من الشيطان. قاله قتادة.\nأبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في قصّة الإسراء، قال:\n«فانطلق بي جبرائيل إلى رجال كثير كلّ رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدّين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غُدُوًّا وَعَشِيًّا.\nقال: فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة [لا يسمعون ولا يعقلون] فإذا أحسّ بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون، ثم يقوم أحدهم فتميل بطنه فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتّى يغشاهم آل فرعون فيطؤونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة» . قال: «وآل فرعون يقولون اللهمّ لا تقم الساعة أبدا قال: ويوم يقال لهم: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٣» قال: قلت: يا جبرائيل من هؤلاء؟\nقال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ» «٤» .\nحمّاد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة إنّ رسول الله ﷺ لما أسري به رأى في السماء رجالا بطونهم كالبيوت فيها الحيّات ترى خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟\nقال: هؤلاء أكلة الربا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا أي ذلك الذي نزل بهم لقولهم هكذا واستحلالهم إياه.\nوذلك إنّ أهل الجاهليّة كان أحدهم إذا أجلّ ماله على غريمه فطالبه بذلك يقول الغريم لصاحب الحقّ: زدني في الأجل وامهلني حتّى أزيدك في مالك فيفعلان ويقولان: سواء علينا الزيادة في أوّل البيع بالربح أو عند محل المال لأجل التأخير. فكذّبهم الله تعالى فقال:\n_________\n(١) لسان العرب: ٧/ ٢٨١.\n(٢) غير مقروءة في المخطوط.\n(٣) سورة غافر: ٤٦. [.....]\n(٤) تفسير القرطبي: ٣/ ٣٥٥.","vol":"2","page":282},{"text":"وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ تذكير وتخويف. قال السدي: أمّا الموعظة فالقرآن، وإنّما ذكر الفعل لأنّ الموعظة والوعظ واحد.\nوقرأ الحسن: فمن جاءته موعظة كقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ «١» .\nمِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى من أكل الربا فَلَهُ ما سَلَفَ أي ما مضى من ذنبه قبل النهي فهو مغفور له وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ يعني النهي إن شاء عصمه حتّى يثبت على الانتهاء وان شاء خذله حتّى يعود، وقيل: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ فيما يأمره وينهاه ويحلّ له ويحرّم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء. وفيه يقول محمود الورّاق:\nإلى الله كلّ الأمر في كلّ خلقه ... وليس إلى المخلوق شيء من الأمر\nوَمَنْ عادَ بعد التحريم والموعظة إلى أكل الربا مستحلّا له فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ\nأبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الربا سبعون بابا أهونها عند الله كالذي ينكح أمّه» [٢٠٢] «٢» .\nوعن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن عبد الله بن مسعود قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده «٣» .\nالحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد الله بقرية هلاكا أظهر فيهم الربا» «٤» .\nيَمْحَقُ اللَّهُ أي ينقصه ويهلكه ويذهب ببركته وإن كان كثيرا كما يمحق القمر.\nوعن عبد الله بن مسعود رفعه إلى النبيّ ﷺ قال: «إنّ الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلّة» [٢٠٣] «٥» .\nوروي جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: يَمْحَقُ اللَّهُ يعني لا يقبل منه صدقة ولا جهاد ولا حجّا ولا صلة.\nوَيُرْبِي الصَّدَقاتِ أي يزيدها ويكثرها ويبارك فيها في الدنيا ويضاعف الأجر والثواب في العقبى وإن كانت قليلة، قال عزّ من قائل: فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً «٦» .\n_________\n(١) سورة يونس: ٥٧.\n(٢) المنقى من السنن المسندة لابن الجارود النيسابوري: ١٦٣ بتمامه، وكنز العمال: ٤/ ١٠٨ ح ٩٧٧٤ بتفاوت يسير.\n(٣) سنن أبي داود: ٢/ ١١٠ ح ٣٣٣٣.\n(٤) كنز العمال: ٤/ ١٠٤ ح ٩٧٥١.\n(٥) فتح الباري: ٨/ ١٥٢.\n(٦) سورة البقرة: ٢٤٥.","vol":"2","page":283},{"text":"القاسم بن محمد قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلّا الطيّب ويأخذها بيمينه ويربيها كما يربّي أحدكم مهره أو [فصيله] حتّى أن اللقمة لتصير مثل أحد» «١»\nوتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ «٢» .\nيَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ قال يحيى بن معاد: لا أعرف حبّة تزن جبال الدنيا إلّا الحبّة من الصدقة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ بتحريم الربا مستحل له أَثِيمٍ [متماد في الإثم] «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٧٧ الى ٢٨١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٨١)\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا\nقال عطاء وعكرمة: نزلت هذه الآية في العبّاس بن عبد المطلب وعثمان بن عفّان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقّكما كلّه فهذا لكما أن تأخذا النصف وتؤخّرا النصف وأضعف لكما فقبلا، فلمّا جاء الرجل طلبا الزيادة، فبلغ ذلك إلى رسول الله ﷺ فنهاهما وأنزل الله هذه الآية فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما.\nوقال السدي: نزلت في العبّاس عبد المطلب وخالد بن الوليد وكانا شريكان في الجاهليّة يسلّفان في الربا إلى بني عمرو بن عمير. ناس من ثقيف. ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله تعالى هذه الآية فقال النبيّ ﷺ: «وإنّ كلّ ربا من ربا الجاهليّة موضوع وأوّل الربا أضعه ربا العبّاس بن عبد المطلب، وكلّ دم من دم الجاهليّة موضوع وأوّل دم أضعه دم ربيعة بن الحرث ابن عبد المطلب. كان مرضعا في بني ليث قتله هذيل» .\nوقال مقاتلان: أنزلت في أربعة أخوة: من ثقيف مسعود وعبد ياليل وحبيب وربيعة، وهم\n_________\n(١) مسند الشاميين: ٣/ ١١٥.\n(٢) سورة التوبة: ١٠٤.\n(٣) زيادة عن تفسير الطبري: ١٩/ ١٥٣.","vol":"2","page":284},{"text":"بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي وكانوا يداينون المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وكانوا يربون، فلما ظهر النبيّ ﷺ على الطائف وصالح ثقيفا أسلم هؤلاء الأربعة الأخوة وطلبوا رباهم من بني المغيرة، فقالت بنو المغيرة: والله ما نعطي الربا في الإسلام وقد وضعه الله ورسوله عن المؤمنين، فما يجعلنا أشقى الناس بهذا، فاختصموا إلى عتّاب بن أسيد بن أبي العيص بن أميّة.\nوكان عامل رسول الله ﷺ على مكّة وقال: «أبعثك على أهل الله» فكتب عتّاب إلى النبيّ ﷺ بقصّة الفريقين وكان ذلك مالا عظيما فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا\nوذر لفظ تهديد، وقرأ الحسن ما بقي بالألف وهي لغة طيئ، ويقول للحجارية:\nجاراة، وللناصية: ناصاة.\nقال الشاعر منهم:\nلعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا ... على الأرض قيسي يسوق الأباعرا «١»\nإِنْ كُنْتُمْ إذا كنتم مُؤْمِنِينَ كقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ «٢» فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فإنّ لم تذروا ما بقي من الربا فَأْذَنُوا قرأ الأعمش وعاصم وحمزة رواية أبي بكر فَآذَنُوا ممدودا على وزن آمنوا\nوقرأ الباقون فَأْذَنُوا مقصورا مفتوح الذال، وهي قراءة علي واختيار أبي عبيد وأبي حاتم.\nفمن قصر معناه: فاعلموا أنتم واسمعوا، يقال: أذن الشيء يأذن أذنا وأذانة إذا سمعه وعلمه. قال الله: وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ «٣» . ومن مدّ معناه: فاعلموا غيركم. قال الله تعالى:\nقالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ «٤» .\nوأصل الكلمة من الأذن أي أقعوه في الأذان.\nبِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: يقال يوم القيامة لا تأكل الربا: خذ سلاحك للحرب. وروى الوالبي عنه قال: من كان مقيما على الربا لا ينزع عنه، فحقّ على إمام المسلمين أن يستتيبه فإنّ نزع وإلّا ضرب عنقه.\nوقال أهل المعاني: حرب الله النار وحرب رسوله السيف وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ بطلب الزيادة وَلا تُظْلَمُونَ النقصان عن رأس المال. وروى آبان والمفضّل عن عاصم بضم التاء الأولى وفتح الثانية. قال أهل المعاني أنّها شرط التوبة لأنّهم أن لم يتوبوا كفروا بردّ حكم الله واستحلال ما حرّم الله فيصير مالهم فيأ للمسلمين. فلما نزلت هذه الآيات\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٢٧.\n(٢) سورة آل عمران: ١٣٩.\n(٣) سورة الانشقاق: ٢.\n(٤) سورة فصّلت: ٤٧. [.....]","vol":"2","page":285},{"text":"قالت بنو عمرو [بن عمير لبني المغيرة:] بل نتوب إلى الله فإنّه ليس لنا يدان بحرب الله وحرب رسوله فرضوا برأس المال وسلّموا لأمر الله فشكى بنو المغيرة العسرة وقالوا: أخرونا إلى أن ندرك الغلات، فأبوا أن يؤخروا فأنزل الله:\nوَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ رفع الكلام باسم كان ولم يأت لها بخبر وذلك جائز في النكرة.\nيقول العرب: إنّ كان رجل صالح فأكرمه، وقيل: كان لمعنى وقع الحدث وحينئذ لا يحتاج إلى الخبر.\nوقرأ أبي وابن مسعود وابن عباس: إنّ كان ذا عسرة على إضمار الإسم وان الغريم أو المطلوب ذا عسرة. وقرأ آبان بن عثمان: ومن كان ذا عسرة لهذه الغلّة. وقرأ الأعمش: وإن كان معسر وهو دليل قراءة العامّة.\nوالعسرة: الفقر والضيق والشدّة. وقرأ أبو جعفر: عسُرة بضم السين، وهما لغتان.\nفَنَظِرَةٌ أمر في صيغة الخبر، والفاء فيه لجواب الشرط تقديره: فعليه نظرة، أي قال:\nواجب نظره بالنصب على معنى فلينظر نظرة لكان صوابا كقوله فَضَرْبَ الرِّقابِ، والنظرة:\nالإنظار.\nوقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة: فناظرة بكسر الضاد ورفع الراء والهاء أي منتظرة. وقرأ عطاء بن أبي رباح: فنظْرة ساكنة الظاء وهي مصدر يجوز أن يكون من النظر والانتظار جميعا.\nإِلى مَيْسَرَةٍ قرأ عطاء وشيبة ونافع وحميد بن محيص: مَيْسُرَةٍ بضم السين والتنوين.\nوقرأ عمر وعلي وأبو رجاء والحسن وقتادة وعبد الله بن مسلم وأبو جعفر وأبن كثير وابن عامر وعاصم والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: مَيْسَرَةٍ بالتنوين وفتح السين\nوهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّها اللغة السائرة. وقرأ مجاهد وأبو سراح الهذلي: (ميسُره) بضم السين مضافا هو مثله روى زيد عن يعقوب، وروى الأعمش عن عاصم عن زرّ عن عبد الله أنّه كان يقرأها: فناظروه إلى ميسورة، وكلّها لغات معناها اليسار والغنى والسعة.\nوَأَنْ تَصَدَّقُوا رؤوس أموالكم على المعسر فلا تطالبونه بها خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ وقرأ عاصم: تَصَدَّقُوا بتخفيف الصاد. الباقون بتشديده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>ذكر حكم الآية</span>\nأمر الله تعالى بانظار المعسر فمتى ما أعسر الرجل وتبيّن إعساره، فلا سبيل لرب المال إلى مطالبته بماله إلى أن يظهر يساره، فإذا ظهر يساره كان عليه توفير الحق إلى ربّ المال وعلم أنّ الحقوق [تخلف] وكلّ حق لزم الإنسان عوضا عن مال حصل في يده مثل قرض أو ابتياع","vol":"2","page":286},{"text":"سلعة، فإذا ادّعى الإعسار لزمته البيّنة على الإعسار لأنّ الأصل فيه استغناؤه بحصول ما صار في يده، وكلّ حق لزمه من غير حصول مال في يده كالمهر والضمان، فإذا ادّعى الإعسار لزم ربّ المال أمامه البيّنة على كونه موسرا لأن الأصل في الناس الفقر، وإذا لم يعلم له حالة استغناء كان الحكم فيه البقاء على أصل ما كان عليه إلى أن يتبيّن يساره.\nوقال الحسن: إذا قال: أنا معدم، فالقول قوله مع يمينه وعلى غرامه إظهار ماله ببيّنة أو عيان.\nوكان أبو حنيفة يرى أن يحبس شهرين أو ثلاثة ثم يسأل عنه في السرّ، فإنّ تبيّن أنّه معسر خلّى عنه.\nودليل من قال: لا يحبس،\nحديث أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في ثمار فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ: «خذوا ما وجدتم ليس لكم إلّا ذلك» .\nوكان أبو هريرة على قضاء المدينة فأتاه رجل بغريم فقال: أريد أن تحبسه.\nقال: هل تعلم له عين مال نأخذه منه فنعطيك؟\nقال: لا، قال: فهل تعلم له أصل مال فنبيعه ونعطيك؟\nقال: لا، قال: فما تريد، قال: أريد أن تحبسه، قال: «لكنّي ادعه يطلب لك ولنفسه وعياله فإذا أيسر لزمه قضاء الدين» .\nسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (ﷺ): «من مشى إلى غريمه بحقّه صلت عليه دواب الأرض ونون الماء وكتب الله ﷿ بكلّ خطوة شجرة يغرس له في الجنّة وذنبا يغفر له فإنّ لم يفعل ومطل فهو متعدّ» [٢٠٤] «١» .\nأبو الزياد الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الظلم مطل الغنى فإذا اتبع أحدكم على ملئ فليتبع» [٢٠٥] «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>في فضل إنظار المعسر</span>\nزيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة: إنّ رسول الله ﷺ قال: «من أنظر معسرا أو وضع له، أظلّه الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه» «٣»\n، وعن ابن عمر قال: قال رسول\n_________\n(١) كنز العمال: ٦/ ٢٢٦ ح ١٥٤٦١.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣١٥، وسنن ابن ماجة: ٢/ ٨٠٣ ح ٢٤٠٣.\n(٣) سنن الترمذي: ٢/ ٣٨٥.","vol":"2","page":287},{"text":"الله ﷺ: «من أحب أن يستجاب دعوته ويكشف كربته فلييسّر على المعسر» [٢٠٦] «١» .\nربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال: أتى الله ﷿ بعبده يوم القيامة فقال أي ربّ ما عملت لك خيرا قط أريدك به إلّا إنّك رزقتني مالا فكنت أتوسّع على المعسر. وأنظر المعسر، فيقول الله ﷿: أنا أحق بذلك منك فتجاوزوا عن عبدي.\nقال: فقال أبو مسعود الانصاري: فاشهد على رسول الله أنّه سمعه منه.\nالأعمش عن أبي داود عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ «من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة» ثم قال بعد ذلك: «من أنظر معسرا كان له بكلّ يوم مثل الذي أنظره صدقة» قال: فقلت:\nيا رسول الله قلت: من أنظر معسرا فله بكلّ يوم صدقة، ثم قلت: من أنظر معسرا كان له بكلّ يوم مثل الذي أنظره صدقة.\nقال: «إن قولي بكل يوم صدقة قبل الأجل، وقولي بكل يوم مثل الذي أنظره صدقة بعد الأجل»\nوعن سعيد بن أبي سعيد عن أخيه عن أبيه: أن جابر بن عبد الله خرج إلى غريم له يتقاضاه فقال هاهنا [حقّي]، فقالوا: لا فتنحّى فلم يلبث أن خرج مستحييا منه فقال: ما حملك على أن تحبسني حقّي وتغيّب وجهك عنّي؟ قال: العسرة، قال: قال الله: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ، فأخرج كتابه فمحاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>فصل في الدّين</span>\nجعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ مع الدائن حتّى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره الله ﷿» قال: فكان عبد الله بن جعفر يقول لخازنه: أذهب فخذ لنا بدين فإني أكره أن أبيت ليلة إلّا والله ﷿ معي منذ سمعت هذا الحديث عن رسول الله ﷺ «٢» .\nعطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أدان دينا وهو ينوي أن لا يؤدّيه فهو سارق» [٢٠٧] «٣» .\nعثمان بن عبد الله عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: إنّ رجلا أتى به النبيّ ﷺ ليصلّي عليه، فقال: «صلّوا على صاحبكم فإنّ عليه دينا» قال أبو قتادة: فأنا أكفل به، قال: «بالوفاء»، قال بالوفاء فصلّى عليه وكان عليه ثمانية عشر درهما أو سبعة عشر درهما.\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ١٠/ ٧٨.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي: ٥/ ٣٥٥.\n(٣) كنز العمال: ١٦/ ٣٢٢ ح ٤٤٧٢٤ بتفاوت يسير.","vol":"2","page":288},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أعوذ بالله من الكفر والدين» فقال رجل: يا رسول الله يعدل الدين بالكفر؟\nقال: «نعم» «١» .\nوعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الدين راية الله في الأرض، فإذا أراد أن يذلّ عبده ابتلاه بالدين وجعله في عنقه» «٢» .\nوعن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «ما من خطيئة أعظم عند الله بعد الكبائر من أن يموت الرجل وعليه أموال الناس دينا في عنقه لا يوجد لها قضاء» .\nيزيد بن أبي خالد عن ابن أيوب عن أنس بن مالك: إنّ رسول الله ﷺ قال: «إياكم والدين فإنّه هم بالليل ومذلّة بالنهار» «٣» .\nوَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ قرأ أبو بحرية وابو عمرو وسلام ويعقوب:\nتَرْجِعُونَ بفتح التاء واعتبروا بقراءة أبيّ (فاتقوا يوما تصيرون فيه إلى الله) . وقرأ الآخرون بضمّ التاء اعتبارا بقراءة عبد الله. (واتقوا يوما تردّون فيه إلى الله) .\nثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ قال: هذه آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ، قال جبرائيل: ضعها على رأس ثمانين ومائتين من البقرة.\nسفيان عن عاصم عن الشعبي عن ابن عباس قال: [هذه] آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>فصل في تفصيل آخر ما نزل من القرآن</span>\nقال المفسّرون: لمّا نزلت هذه الآية إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «٤» قال رسول الله (ﷺ): «ليتني أعلم متّى يكون ذلك» «٥» فأنزل الله تعالى سورة النصر، فكان رسول الله (ﷺ) بعد نزول هذه السورة يسكت من التكبير والقراءة فيقول فيها: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» فقيل: إنّك لم تكن تقوله يا رسول الله قبل هذا، قال:\n«إنّها نفسي نعيت إلي» ثمّ بكى بكاء شديدا فقيل: يا رسول الله أو تبكي من الموت وقد عفا الله\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٣٨.\n(٢) كنز العمال: ٦/ ٢٣١ ح ١٥٤٧٨ بتفاوت يسير.\n(٣) كنز العمال: ٦/ ٢٣٢ ح ١٥٤٨٣.\n(٤) سورة الزمر: ٣٠.\n(٥) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢١٤.","vol":"2","page":289},{"text":"لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، قال: «فأين هول المطلع فأين ضيق القبر وظلمة اللحد فأين القيامة والأهوال» فعاش رسول الله ﷺ ستة أشهر ثم لما خرج رسول الله ﷺ إلى حجّة الوداع نزلت عليه في الطريق يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ «١» إلى آخرها فسمّى آية الصيف.\nثم نزل عليه وهو واقف بعرفة الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «٢» الآية فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما، ثم نزلت عليه آيات الربا، ثم نزلت بعدها وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ وهي آخر آية نزلت من السماء، فعاش رسول الله ﷺ بعدها أحدا وعشرين يوما.\nقال ابن جريج: تسع ليال. سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأوّل حين زاغت الشمس سنة أحدى عشرة من الهجرة وأحدى من ملك أردشير شيرون بن أبرويز بن هرمز بن نوشروان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[سورة البقرة (٢): آية ٢٨٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاَّ تَرْتابُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ قال ابن عباس: لمّا حرّم الله الربا، أباح السلم، فقال:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ أي داين بعضكم بعضا، والدين ما كان مؤجّلا والعين ما كان حاضرا، يقال: دان فلانا يدينه، إذا أعطاه الدين فهو دائن، والمعطا مدين ومديون. قوله إِذا تَدايَنْتُمْ يدخل فيه الدين والنسيئة والسلم وما كان مؤجّلا من الحقوق.\nفإنّما قال: بِدَيْنٍ والمداينة لا تكون إلّا بدين لأنّ المداينة قد [تكون] «٣» مجازاة وتكون معاطاة فأبان ذلك وقيّده بقوله بِدَيْنٍ.\nوقيل: هو بمعنى التأكيد كقوله: وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ «٤» وقوله:\n_________\n(١) سورة النساء: ١٧٦.\n(٢) سورة المائدة: ٣.\n(٣) غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه. [.....]\n(٤) سورة الأنعام: ٣٨.","vol":"2","page":290},{"text":"فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ «١» .\nإِلى أَجَلٍ مُسَمًّى أي وقت معلوم فَاكْتُبُوهُ أي اكتبوا الذي تداينتم به بيعا كان أو قرضا لئلّا يقع فيه جحود ولا نسيان ولا تدافع.\nواختلفوا في هذا الكتابة، هل هي واجبة أم لا؟ فقال بعضهم: فرض واجب، قال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن باع فليشهد. وهذا القول اختيار محمد بن جرير الطبري، يدلّ عليه ما\nروى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم:\nرجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم يطلّقها. ورجل كان له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيها مالا، وقد قال الله تعالى: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ «٢»» .\nقال قوم: هو أمر استحباب وتخيير فإن كتب فحسن وإن ترك فلا بأس.\nكقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا «٣» . وقوله: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ «٤» . هو اختيار الفراء.\nوقال آخرون: كان كتاب الدين والإشهاد والرهن فرضا ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ «٥» وهو قول الشعبي.\nثم بيّن كيفيّة الكتابة فقال عزّ من قائل: وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وقرأ الحسن وَلْيَكْتِبْ بكسر اللام، وهذه اللام، لام الأمر ولا يؤمر بها غير الغائب، وهي إذا كانت مفردة فليس فيها إلّا الحركة، فإذا كانت قبلها واو أو فاء أو ثم، فأكثر العرب على تسكينها طلبا للخفّة ومنهم من يكسرها على الأصل.\nومعنى الآية: وَلْيَكْتُبْ كتاب الدين. بيع البائع والمشتري والطالب والمطلوب. كاتِبٌ بِالْعَدْلِ أي بالحق والإنصاف فلا يزيد فيه ولا ينقص منه ولا يقدّم الأجل ولا يؤخّره ولا يكتب به شيئا يبطل به حقّا لأحدهما لا يعلمه هو.\nوَلا يَأْبَ ولا يمتنع كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وذلك إنّ الكتّاب كانوا قليلا علي عهد رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) سورة الحجر: ٣٠.\n(٢) المستدرك: ٢/ ٣٠٢.\n(٣) سورة المائدة: ٢.\n(٤) سورة الجمعة: ١٠.\n(٥) سورة البقرة: ٢٨٣.","vol":"2","page":291},{"text":"واختلف العلماء في وجوب الكتابة على الكاتب والشهادة على الشاهد، فقال مجاهد والربيع: واجب على الكاتب أن يكتب إذ أمر. وقال الحسن: ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره فيضر صاحب الدين إن امتنع، فإذا كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره.\nوقال الضحاك: كانت هذه عزيمة واجبة على الكاتب والشاهد فنسخها قوله: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ. السدي: هو واجب عليه في حال فراغه.\nوَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. المديون والمطلوب يقرّ على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان جاء بهما القرآن.\nقال الله تعالى: فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا «١» .\nأصل الإملال: إعادة الشيء مرّة بعد مرّة والإلحاح عليه. قال الشاعر:\nألّا يا ديار الحيّ بالسبعان ... أملّ عليها بالبلى الملوان «٢»\nثم خوّفه فقال: وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا. أي لا ينقص من الحقّ الذي عليه شيئا، يقال: بخسه حقّه وبخسه إذا أنقصه ونظائرها في القرآن كثيرة.\nفَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ. يعني وإن كان المطلوب الذي عليه المال سَفِيهًا.\nجاهلا بالمال. قاله مجاهد، وقال الضحاك والسدي: طفلا صغيرا أَوْ ضَعِيفًا. أو شيخا كبيرا. السدي وابن زيد: يعني عاجزا أحمق أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ. لخرس أو عيّ أو غيبة أو عجمة أو زمانة أو حبس لا يمكنه حضور الكتاب أو جهل ماله عليه فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ. أي قيّمه ووارثه.\nابن عبّاس والربيع ومقاتل: يعني فليملل وليّ الحق وصاحب الدين لأنّه أعلم بدينه بِالْعَدْلِ بالصدق والحق والإنصاف وَاسْتَشْهِدُوا. هذا السين للسؤال والطلب شَهِيدَيْنِ.\nشاهدين مِنْ رِجالِكُمْ. يعني الأحرار البالغين دون العبيد والصبيان ودون أحرار الكفّار. وهذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وسفيان وأكثر الفقهاء.\nوأجاز شريح وابن سيرين بشهادة العبد وهو قول أنس بن مالك. وأجاز بعضهم شهادتهم في الشيء التافه. فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ. يعني فإنّ لم يكن الشاهدان رجلين فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ. أو فليشهد رجل وامرأتان.\n_________\n(١) سورة الفرقان: ٥.\n(٢) الصحاح: ٣/ ١٢٢٧.","vol":"2","page":292},{"text":"وأجمع الفقهاء على أنّ شهادة النساء جائزة مع الرجال في الأموال، واختلفوا في غير الأموال. وكان مالك والأوزاعي والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأحمد لا يجزونها إلّا في الأموال. وكان أبو حنيفة وسفيان وأصحابهما يجيزون شهادتين مع الرجل في كلّ شيء ما عدا الحدود والقصاص. مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ. يعني من كان مرضيّا في ديانته وأمانته وكفائته.\nقال عمر بن الخطّاب ﵁: من أظهر لنا خيرا ظننا به خيرا فأجبناه عليه ومن أظهر لنا شرّا ظننا به شرّا وأبغضناه عليه، وإذا حمد الرجل جاره وقرائبه ورفيقه فلا تشكّوا في صلاحه.\nوقال إبراهيم النخعي: العدل: من لم يظهر منه ريبة. وقال الشعبي: العدل: من لم يطعن عليه في بطن ولا فرج.\nوقال الحسن: هو من لم يعلم له خزية.\nوقال النبيّ ﷺ: «لا يجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود حدا ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرّب عليه شهادة زور ولا التابع مع أهل البيت- يعني الخادم لهم-[ولا الظنين في ولاء ولا قرابة]» «١» .\nوجملة القول فيمن تقبل شهادته: أن تجتمع فيه عشر خصال: يكون حرّا بالغا مسلما عدلا عالما بما يشهد به ولا يجز بشهادته إلى نفسه منفعة ولا يدفع عن نفسه مضرّة ولا يكون معروفا بكثرة الغلط ولا يترك المروءة ولا يكون عنده لين [ولا] يشهد عليه عبده، فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال كان مقبول القول جائز الشهادة.\nوتقبل شهادة النساء على الانفراد لا رجل معهن في أربع مواضع: عيوب النساء وهو ما يكون عيبا في موضع هي عورة منها- في الحرّة في جميع بدنها إلّا وجهها وكفّيها، ومن الأمة ما بين سرّتها إلى ركبتها- وفي الرضاع، وفي الولادة، وفي الاستهلال.\nولا خلاف في ذلك كلّه إلّا في الرضاع. وان أبا حنيفة ذهب إلى أنّ شهادة النساء على الانفراد لا تقبل فيه حتّى يشهد رجلان أو رجل وامرأتان.\nوأمّا صفة الشهادة\nفروى طاوس عن ابن عباس قال: سئل رسول الله ﷺ عن الشهادة فقال: «ترى الشمس»؟\nقال: نعم، قال: «على مثلها فاشهد أو دع»\n«٢»\nوعن عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ قال: «أكرموا الشهود فإنّ الله ﷿ يستخرج بهم\n_________\n(١) كنز العمال: ٧/ ١٥ ح ١٧٧٤٧.\n(٢) كنز العمال: ٧/ ٢٣ ح ١٧٧٨٢.","vol":"2","page":293},{"text":"الحقوق ويدفع بهم الظلم» [٢٠٨] «١» .\nخارجة بن نور عن عبد الرحمن بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ: «من حبس ذكر حقّ بعد ما تقبض ما فيه ثلاثا فعليه قيراط من الإثم» [٢٠٩] .\nأَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى. قرأ الأعمش وحمزة: «إِنْ» بكسر الألف (فتذكرُ) رفعا، ومعناه الجزاء والابتداء، وموضع (تَضِلَّ) جزم للجزاء إلّا أنّه لا يتبيّن في التضعيف (فَتُذَكِّرَ) رفع لأن ما بعد فاء الجزاء مبتدأ.\nوقراءة العامّة بنصب الألف، فالفاء على الاتصال بالكلام الأوّل وموضع (أَنْ) نصب بنزع حرف الصفة يعني لأنّ، و(تَضِلَّ) محلّه نصب بأن (فَتُذَكِّرَ) مسوّق عليه. ومعنى الآية: فرجل وامرأتان كي تذكّر إحداهما الأخرى إنّ ضلّت.\nوهذا من المقدّم والمؤخّر، كقولك: إنّه ليعجبني أن يسأل فيعطى، يعني: يعجبني أن تعطي السائل إذا سأل لأن العطاء تعجّب لا السؤال. قال الله: وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا «٢» الآية.\nومعناه: لولا أن يقولوا إذا أصابتهم مصيبة: هلّا أرسلت إلينا رسولا.\nومعنى قوله (أَنْ تَضِلَّ): أي تنسى، كقوله: لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى «٣» . وقوله: قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ «٤» وحَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا «٥» وذهاب قول العرب: ضلّ الماء في اللبن، وقال الله: وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ «٦» وقرأ عاصم الجحدري: أن تُضلّ أحداهما بضمّ التاء وفتح الضاد على المجهول، وقرأ زيد بن أسلم: فتذكّر من المذاكرة.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأبو حاتم وقتيبة: فتذكر خفيفه، وقرأ الباقون مشددا.\nوذكّر وأذكر بمعنى واحد كما يقال: نزّل وأنزل وكرّم وأكرم، وهما معها الذكر الذي هو [ضد] النسيان قال الشاعر:\nتذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل «٧»\n_________\n(١) كنز العمال: ٧/ ١٢ ح ١٧٧٣٣.\n(٢) سورة القصص: ٤٧.\n(٣) سورة طه: ٥٢.\n(٤) سورة الشعراء: ٢٠. [.....]\n(٥) سورة النحل: ٣٦.\n(٦) سورة السجدة: ١٠.\n(٧) تفسير القرطبي: ١٤/ ١١٨.","vol":"2","page":294},{"text":"قال أبو عبيد: حدثت عن سفيان بن عينية أنّه قال: هو من الذكر، يعني أنّها إذا شهدت مع أخرى صارت شهادتهما كشهادة الذكر.\nقلت: هذا القول لا يعجبني لأنّه معطوف على النسيان والله أعلم.\nوَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا. قال بعضهم: هذا في محمل الشهادة وهو أمر إيجاب.\nقال قتادة والربيع: كان الرجل يطوف في الحيّ العظيم فيه القوم فيدعوهم إلى الشهادة فلا يتّبعه أحد منهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الشعبي: هو مخيّر في تحمّل الشهادة إذا وجد غيره، فإن شاء شهد وإن شاء لم يشهد، فإذا لم يوجد غيره فترك إلّا ما فرض عليه. وقال بعضهم: هذا أمر ندب وهو مخيّر في جميع الأحوال إن شاء شهد وإن شاء لم يشهد. وهو قول عطاء وعطيّة.\nوقال أبو بحريّة: قلت للحسن: أدعى إلى الشهادة وأنا كاره، قال: فلا تجب ولا تشهد إن شئت. وقال مغيرة: قلت لإبراهيم: إنّي أدعى إلى الشهادة وإنّي أخاف أن أنسى، قال: فلا تشهد أن تحب.\nوقال بعضهم: هذا في إقامة الشهادة وأدائها، ومعنى الآية: وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا لإقامة الشهادة إذا كانوا قد شهدوا قبل ذلك. وهو قول مجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك والسدي، وروى سفيان عن جابر عن عامر قال الشاهد بالخيار ما لم يشهد. وقال الحسن والسدي هذه الآية في الأمرين جميعا في التحمّل والاقامة إذا كان فارغا.\nوَلا تَسْئَمُوا. ولا تملّوا يقال: سئمت أسأم سأما وسأمة، قال زهير:\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم\nوقال لبيد:\nولقد سئمت من الحياة وطولها ... وسؤال هذا الناس كيف لبيد\nوأن في محلّ النصب من وجهين: إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا وأوقعت السآمة عليه، تقديره: ولا تسأموا كتابته، وإن شئت نصبت بنزع حروف الصفة، تقديره: ولا تسأموا من أن تكتبوه، والهاء راجع إلى الحق.\nوقرأ السلمي: ولا يسأموا بالياء.\nصَغِيرًا. كان الحقّ أَوْ كَبِيرًا. قليلا كان المال أو كثيرا، وانتصاب الصغير والكبير من وجهين: أحدهما على الحال والقطع من الهاء، والثاني أن تجعله خبرا لكان وأضمر، يعني:\nوَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا كان الحق أَوْ كَبِيرًا","vol":"2","page":295},{"text":"إِلى أَجَلِهِ\n. إلى محلّ الحق ذلِكُمْ. الكتاب أَقْسَطُ. أعدل عِنْدَ اللَّهِ. لأنّه أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه وَأَقْوَمُ. وأصوب لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى. وأحرى وأقرب إلى أَلَّا تَرْتابُوا. تشكّوا في الشهادة ومبلغ الحق والأجل إذا كان مكتوبا، نظير قوله: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها «١» وهو أفعل من الدنو، ثم استثنى فقال:\nإِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً. قرأها عاصم بالنصب على خبر كان وأضمر الاسم، مجازه: إلّا أن تكون التجارة تجارة، والمبايعة تجارة. وأنشد الفراء:\nلله قومي أي قوم بحرة ... إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا «٢»\nأي إذا كان اليوم يوما. وأنشد أيضا:\nأعينيّ هل تبكيان عفاقا ... إذا كان طعنا بينهم وعناقا «٣»\nأراد إذا كان الأمر.\nوقرأ الباقون بالرفع على وجهين: أحدهما: أن يكون معنى الكون الوقوع، أراد: إلّا أن تقع تجارة، وحينئذ لا خبر له.\nوالثاني: أن يجعل الاسم في التجارة والخبر في الفعل، وهو قوله تعالى: تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ تقديره: إلّا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم، ومعنى الآية: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً يدا بيد تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ ليس فيها أجل ولا نسيئة.\nفَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها. يعني التجارة وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ. قال الضحاك: هو عزم من الله ﷿، والاشهاد واجب في صغير الحق وكبيره نقده ونسأه ولو على باقة بقل وهو اختيار محمد بن جرير.\nوقال أبو سعيد الخدري: الأمر فيه إلى الامانة. قال الله فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. وقال الآخرون: هو أمر ندب إن شاء أشهد وإن لم يشاء لم يشهد ثم قال:\nوَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ. هو نهي الغائب، وأصله يضارر فأدغمت الراء في الراء ونصبت لحق التضعيف لاجتماع الساكنين، والفتح أخفّ الحركات فحركت إليه.\nوأما تفسير الآية، فأجراها بعضهم على الفعل المعروف، وقال: أصله يضارر بكسر الراء وجعل الفاعل الكاتب والشهيد، معناه: وَلا [يُضَارَّ] كاتِبٌ فيكتب ما لم يملل عليه يزيد أو ينقص\n_________\n(١) سورة المائدة: ١٠٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٠.\n(٣) جامع البيان: ٣/ ١٧٩.","vol":"2","page":296},{"text":"أو يحرّف، وَلا شَهِيدٌ فيشهد ما لم يشهد عليه أو يمتنع من إقامة الشهادة، وهذا قول طاوس والحسن وقتادة وابن زيد. وأجراه آخرون على الفعل المجهول وجعلوا الكاتب والشهيد مفعولين وقالوا: أصله لا يضار.\nومعنى الآية: هو أن الرجل يدعوا الكاتب أو الشهيد وهما على حاجة مهمّة فيقولان: إنا مشغولان فاطلب غيرنا، فيقول الذي يدعوه: إن الله أمر كما أن تجيبا في الكتابة والشهادة ويلحّ عليهما ويشغلهما عن حاجتهما فنهى الله ﷿ [عن مضارتهما] وأمر أن يطالب غيرهما.\nوقال الربيع بن أنس: لما نزلت هذه الآية وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا. كان أحدهما يجيء إلى الكاتب فيقول له: أكتب، فيقول: إنّي مشغول، أو لي حاجة فانطلق إلى غيري، فيلزمه ويقول: إنّك قد أمرت بالكتابة، فلا يدعه فيضاره بذلك وهو يجد غيره. وكذلك يفعل مع الشاهد، فأنزل الله تعالى: وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ.\nودليل هذا التأويل قراءة عمر وأبيّ وابن مسعود ومجاهد: ولا يضارر كاتب ولا شهيد بإظهار التضعيف على وجه ما لم يمنع [وَلا يُضَارَّ] .\nوقرأ أبو جعفر: ولا يضارْ، مجزوما مخفّفا القى راء واحدة أصلا، وقرأ الحسن ولا يضارِّ بكسر الراء مشدّدا.\nوَإِنْ تَفْعَلُوا. ما نهيتكم عنه من الضراء فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ. خروج عن الأمر وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>[سورة البقرة (٢): الآيات ٢٨٣ الى ٢٨٦]</span>\nوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)\nوَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا. قرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد: كتابا،","vol":"2","page":297},{"text":"وقالوا: ربّما وجد الكاتب ولم يجد المداد ولا الصحيفة، وقالوا: لم تكن [قبيلة] من العرب إلّا كان فيهم كاتب ولكن كانوا لا يقدرون على القلم والدواة.\nوقرأ الضحاك: كتّابا على جمع الكاتب. وقرأ الباقون: كاتِبًا على الواحد وهو الأنسب مع المصحف.\nفَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ. قرأ ابن عباس وإبراهيم وزر بن حبيش ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: فرُهُن بضم الراء والهاء. وقرأ عكرمة والمنهال وعبد الوارث: فرُهْن بضم الراء وجزم الهاء، وقرأ الباقون: فَرِهانٌ وهو جمع الرهن، ذلك [نحو] فعل وفعال، وحبل وحبال وكبش وكباش، وكعب وكعّاب.\nوالرهن جمع الرهان: جمع الجمع، قاله الفراء والكسائي. وقال غيرهما وأبو عبيدة: هو جمع الرهن. قالوا: ولم نجد فعلا يجمع على فعل إلّا ثمانية أحرف: خلق وخلق، وسقف وسقف، وقلب وقلب، [وجد وجد بمعنى الحظ، وثط وثط، وورد وورد،] ونسر ونسر. ورهن ورهن.\nقال الأخطل وعمرو بن أبي عوف: [...] «١»\nبه حتّى يغادره العقبان والنسر.\nوأنشد الفراء:\nحتّى إذا بلّت حلاقيم الحلق ... أهوى لأدنى فقرة على شفق\nوقال أبو عمرو: وإنّما قرأنا (فرهن) ليكون قرفا [بينها وبين] رهان الخيل، وأنشد لقعنب ابن أم الصاحب:\nبانت سعاد وأمسى دونها عدن ... وغلّقت عندها من قلبك الرهن «٢»\nأي وحب لها.\nوالتخفيف والتثقيل في الرهن لغتان مثل كتّب وكتب ورسّل ورسل.\nومعنى الآية: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِبًا الآن للكتابة فارتهنوا ممن تداينونه رهونا ليكون وثيقة لكم بأموالكم. وأجمعوا: إن الرهن لا يصح إلّا بالقبض، وقال مجاهد: ليس الرهن إلّا في السفر عند عدم الكاتب. وأجاز غيره في جميع الأحوال.\nورهن رسول الله ﷺ درعه عند يهوديّ.\nفَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا. مدني. حرف أبيّ، فإن أمن. يعني: فإن كان الذي عليه\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ١٨٩، وتاج العروس: ٩/ ٢٢٢.","vol":"2","page":298},{"text":"الحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا لثقته وحسن ظنّه فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ. أفتعل من الأمانة، وهي الثقة كتبت همزتها واوا لاضمام ما قبلها أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ. في أداء الحق.\nثم رجع إلى خطاب الشهود فقال: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ. إذا دعيتم إلى إقامتها، وقرأ السلمي: ولا يكتموا بالياء ومثله يعملون.\nثم ذكر وعيد كتمان الشهادة فقال عزّ من قائل: وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. فاجر قلبه وهو ابتداء وخبر. وقرأ إبراهيم بن أبي عيلة: فإنّه أثم قلبه على وزن أفعل أي جعل قلبه أثما.\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ. من بيان الشهادة وكتمانها.\nروى مكحول عن أبي بردة عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «من كتم الشهادة إذا دعي، كان كمن شهد بالزور» «١» .\nلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. الآية. اختلف العلماء في هذه الآية، فقال قوم:\nهي خاصة. ثم اختلفوا في وجه خصوصها، فقال بعضهم: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها يعني: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ. أيّها الشهود من كتمان الشهادة أَوْ تُخْفُوهُ. الكتمان يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. وهو قول الشعبي وعكرمة ورواية مجاهد ومقسم عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله فيما قبله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ.\nوقال بعضهم: نزلت هذه الآية فيمن يتولّى الكافرين من المؤمنين. يعني: وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفّار أو تستروه يحاسبكم الله. وهو قول مقاتل والواقدي. يدلّ عليه قوله في آل عمران: [قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ. من ولاية الكفّار يَعْلَمْهُ اللَّهُ] «٢» يدلّ عليه ما قبله.\nوقال آخرون: هذه الآية عامّة. ثم اختلفوا في وجه عمومها، فقال بعضهم: هي منسوخة.\nروت الرواية بألفاظ مختلفة.\nقال: لمّا نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس من الأنصار إلى النبيّ ﷺ فجثوا على الركب وقالوا: يا رسول الله والله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الآية وإنّا لا نسر أن يكون لأحدنا الدنيا وما فيها وإنّا لمأخوذون ما نحدّث به أنفسنا هلكنا والله، فقال النبيّ ﷺ: «هكذا نزلت» . قالوا: هلكنا وكلّفنا من العمل ما لا نطيق.\nقال: «فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى ﵇ سَمِعْنا وَعَصَيْنا، بل قولوا:\nسَمِعْنا وَأَطَعْنا» [٢١٠] .\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٤/ ٢٠٠، والمعجم الأوسط: ٤/ ٢٧٠.\n(٢) سورة آل عمران: ٢٩.","vol":"2","page":299},{"text":"واشتد ذلك عليهم فمكثوا بذلك حولا، فأنزل الله ﷿ الفرج والراحة بقوله تعالى:\nلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها. فنسخت الآية ما قبلها.\nفقال النبيّ ﷺ: «إنّ الله ﷿ قد تجاوز لأمّتي ما حدّثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلّموا به» «١» .\nوهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة وابن عباس برواية سعيد بن جبير وعطاء، ومن التابعين وأتباعهم محمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وقتادة والكلبي وشيبة.\nقال سعيد بن مرجانة: بينما نحن جلوس عند عبد الله بن عمر إذ تلا هذه الآية وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.\nفقال ابن عمر: إن أخذنا الله بها لنهلكن، ثم بكا حتّى سمع. قال ابن مرجانة: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن فقد وجد المسلمون منها حين نزلت مثل ما وجد فأنزل الله لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها. وكانت الوسوسة ممّا لا طاقة للمسلمين بها، فصار الأمر إلى القول والفعل به فنسخت تلك الآية.\nوقال بعضهم: هذه الآية محكمة غير منسوخة، لأن النسخ والأخبار غير جائز إلّا في خبر فيه أمر أو نهي أو شرط. ثم اختلفوا في وجه تأويلها فقال قوم من أهل المعاني: قد اثبت الله ﷿ للقلب كسبا فقال: بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ. وكلّ عامل مأخوذ بكسبه ومجازى على عمله، [فلا تظنّ] الله ﷿ بتارك عبدا يوم القيامة أسرّ أمرا أو أعلنه من حركة في جوارحه أو [همسة] في قلبه دون أن يعرّفه إياه ويخبره به، ثم يغفر ما شاء لمن يشاء ويعذّب من شاء بما يشاء.\nمعنى الآية: وإن تظهروا ما في أنفسكم من [المعاصي] فتعملوه أي تضمروا إرادتها في أنفسكم فتخفوها يخبركم به ويحاسبكم عليه، ثم يغفر لمن يشاء ويعذّب من يشاء.\nوهذا معنى قول الحسن، والربيع، وقيس بن أبي حازم، ورواية الضحاك عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «٢» .\nوقال آخرون: معنى الآية إن الله تعالى يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم وأخفوه، ويعاقبهم عليه غير أن معاقبته إيّاهم على ما أخفوه ممّا لم يعملوها، بما يحدث في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي يحزنون عليها ويألمون بها، وهذا قول عائشة،\nروي بأنّها سئلت عن هذه الآية فقالت: ما سألت عنها أحد فقد سألت رسول الله ﷺ فقال: «يا\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٦١.\n(٢) سورة الإسراء: ٣٦.","vol":"2","page":300},{"text":"عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمّى والنكبة حتّى الشوكة والبضاعة يضعها في [جيبه] فيفقدها فيفرغ لها فيجدها في جيبه، حتّى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكيس [٢١١] «١»» .\nيدلّ عليه قوله مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ «٢» يعني في الدنيا.\nوقال مجاهد: في رواية منصور وابن أبي جريج قال: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ. يعني من اليقين والشك.\nوقال جعفر بن محمد: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ. يعني الإسلام أَوْ تُخْفُوهُ. يعني الإيمان.\nوقال بعضهم: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ. يعني ما في قلوبكم ممّا عرفتم وعقدتم عليه أَوْ تُخْفُوهُ. فلا تبدوه وأنتم مجمعون وعازمون عليه، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ، فأمّا ما حدّثتم به أنفسكم ممّا لم تعزموا عليه فإن ذلك ممّا لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها ولا يؤاخذ به. ودليل هذا التأويل قوله: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ «٣» .\nوعن عبد بن المبارك قال: قلت لسفيان: ليؤاخذ العبد بالهمّة، قال: إذا كان عزما أخذ بها. وعن عمرو بن جرير قال: خرجت وأنا شاب لأمر هممت به، فمررت بأبي طالب القاص والناس مجتمعون عليه وكان أوّل شيء تكلّم به أن قال: أيّها الهامّ بالمعصية علمت أن خالق الهمّة مطّلع على همّتك، قال: فخررت والله مغشيّا عليّ، فما أفقت إلّا عن توبة.\nوعن إسماعيل بن أبي خالد قال: أصابت بني إسرائيل مجاعة فمرّ رجل على رمل فقال:\n[وددت] أن هذا الرمل دقيق لي فأطعمه بني إسرائيل، فأعطي على نيّته «٤» .\nوعن عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: كان رجل يطوف على العلماء، يقول: من يدلّني على عمل لا أزال منه عاملا لله ﷿ فإنّي أحب أن لا تأتي عليّ ساعة من الليل والنهار إلّا وأنا عامل، فقيل له: قد وجدت حاجتك فأعمل الخير ما استطعت، فإذا فترت أو تركته فهمّ بعمله إنّ الهامّ بعمل الخير كعامله. وهذا يعني\nقول النبيّ ﷺ: «نيّة المؤمن خير من عمله»\n[٢١٢] «٥» لأن العمل ينقطع والنيّة لا تنقطع.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٣٩٩.\n(٢) سورة النساء: ١٢٣. [.....]\n(٣) سورة البقرة: ٢٢٥.\n(٤) المصنف لابن أبي شيبة: ٨/ ٣١٧.\n(٥) كنز العمال: ٣/ ٤١٩ ح ٧٢٣٦.","vol":"2","page":301},{"text":"وقال محمد بن علي: معنى الآية: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ. من الأعمال الظاهرة أَوْ تُخْفُوهُ من الأحوال الباطنة، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. العابد على أفعاله والعارف على أحواله.\nوقال بعضهم: إنّ الله يقول يوم القيامة: [يَوْمَ] تُبْلَى السَّرائِرُ وتخرج الضمائر، وأن كتّابي لم يكتبوا من أعمالكم إلّا ما ظهر منها، وأنا مطّلع على سرائركم ما لم يعلموه ولم يكتبوه فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه لتعلموا أنّه لا يعزب عنّي مثقال ذرة من أعمالكم ثم أغفر لمن شئت وأعذّب من شئت.\nفأمّا المؤمنون فيخبرهم بذلك ويغفر لهم ولا يؤاخذهم بذلك إظهارا لفضله، وأمّا الكافرون فيخبرهم بها ويعاقبهم عليها إظهارا لعدله.\nفمعنى الآية: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ فتعملوا به أَوْ تُخْفُوهُ ممّا أضمرتم وأسررتم وأردتم، يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ويخبركم ويعرّفكم إياه، فيغفر للمؤمنين ويعذّب الكافرين. وهذا معنى قول الضحاك والربيع ورواية العوفي والوالبي عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله: يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ.\nولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، والحساب ثابت والعقاب ساقط، وممّا يؤيّد هذا حديث النجوى وهو ما\nروى قتادة عن صفوان بن محرز قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمرو إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى، فقال: سمعت نبيّ الله ﷺ يقول: «يدنو المؤمن من ربّه حتّى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه فيقول: هل أذنبت ببعض كذا، فيقول: ربّ أعرف، فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا، فيقول الله: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا فأنا أغفرها لك اليوم لم يطلع على ذلك ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا.\nوأمّا الكفّار والمنافقون فينادون على رؤوس الأشهاد هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» «١» .\nالأعمش عن معرور بن سويد عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى الرجل يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه، فيقال: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا وهو يقرّ ولا ينكر ويخبأ عنه كبار ذنوبه وهو منها مشفق فيقول: أعطوه مكان كلّ سيّئة عملها حسنة، فيقول: إنّ لي ذنوبا ما أراها هاهنا» [٢١٣] .\nقال: قال أبو ذر: فلقد رأيت النبيّ ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه «٢» .\nوقال الحسين بن مسلم: يحاسب الله ﷿ المؤمنين يوم القيامة بالمنّة والفضل، والكافرين بالحجّة والعدل.\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٦/ ٣٦٤ بتفاوت.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ١٥٧، تفسير القرطبي: ١٣/ ٧٨.","vol":"2","page":302},{"text":"فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ. رفعهما أبو جعفر وابن عامر وابن محيصن والحسن وعاصم ويعقوب وأختاره أبو حاتم، ونصبها ابن عباس، وجزمها الباقون فالجزم على النسق والرفع على الابتداء أي فهو يغفر، والنصب على الصرف، وقيل: على إضمار (أن) الخفيفة.\nوروى طاوس عن ابن عباس: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ. الذنب العظيم وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ.\nعلى الذنب الصغير لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «١» .\nوَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. الآية.\nروى طلحة بن مصرف عن مرّة عن عبد الله قال: لمّا أسرى رسول الله ﷺ انتهى به إلى سدرة المنتهى، فأعطى لنا الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك [بالله] من أمّته شيئا إلّا المقحمات «٢» .\nوعن علقمة بن قيس عن عقبة بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ قال: «أنزل الله ﷿ آيتين من كنوز العرش كتبهما الرحمن ﷿ قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من [يقولها] بعد العشاء الآخرة مرّتين أجزأتا عنه قيام الليل: آمَنَ الرَّسُولُ. إلى آخر السورة» .\nوروى أبو قلابة عن أبي الأشعث الهمداني عن النعمان بن بشير عن النبيّ ﷺ قال: «إن الله تعالى كتب كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام أنزل فيه آيتين فختم بهما سورة البقرة، فلا يقرآن في دار فيقربها شيطان ثلاث ليال» «٣» .\nوروى عبد الرحمن عند ابن زيد عن ابن مسعود عن النبيّ ﷺ قال: «من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفياه» [٢١٤] «٤» .\nموسى بن حذيفة عن ابن المنكدر قال: حدّثنا حديثا رفعه إلى النبيّ ﷺ قال: «في آخر سورة البقرة آيات أنهنّ قرآن وأنّهن دعاء وأنّهن يرضين الرحمن»\n«٥»\nوفي الحديث: أنّه قيل للنبيّ ﷺ: إن بيت ثابت بن أويس بن شمّاس يزهر الليلة كالمصابيح، قال: «لعلّه يقرأ سورة البقرة»، فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة.\nآمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ،\nقيل: إن هذه الآية نزلت حين شقّ على أصحاب رسول الله ﷺ ما يوعدهم الله ﷿ به من محاسبتهم على ما أخفته نفوسهم، فشكوا ذلك إلى\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٢٣.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٣٨٧، والمقحمات: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار.\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ٢٧٤.\n(٤) مسند أحمد: ٤/ ١٢١.\n(٥) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢٣١.","vol":"2","page":303},{"text":"النبيّ ﷺ، فقال: «لعلّكم تقولون سَمِعْنا وَعَصَيْنا كما قالت بنو إسرائيل؟» فقالوا: بل نقول سَمِعْنا وَأَطَعْنا، فأنزل الله ﷿ ثناء عليهم وإخبارا عنهم: آمَنَ الرَّسُولُ أي صدّق بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ\nقال قتادة: لمّا أنزلت آمَنَ الرَّسُولُ «١»، قال النبيّ ﷺ: «وحق له أن يؤمن» .\nوَالْمُؤْمِنُونَ.\nوفي قراءة عليّ وعبد الله: وآمن المؤمنون كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ\n. وحّد الفعل على لفظ كلّ، المعنى: كلّ واحد منهم آمن، فلو قال: آمنوا، لجاز لأن (كلّ) قد تجيء في الجمع والتوحيد، فالتوحيد قوله ﷿: كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ «٢» والجمع قوله كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ «٣» وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ «٤» .\nوَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ [قرأ] «٥» ابن عباس وعكرمة ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وكتابه. على الواحد بالألف. وقرأ الباقون: (كُتُبِهِ) بالجمع، وهو ظاهر كقوله:\nوَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ.\nوالتوحيد وجهان: أحداهما: إنّهم أرادوا القرآن خاصّة، والآخر: إنّهم أرادوا جميع الكتب. يقول العرب: كثر اللبن وكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الألبان والدراهم والدنانير. يدلّ عليه قوله: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ «٦» .\nوَرُسُلِهِ. جمع رسول.\nوقرأ الحسن وابن سلمة بسكون السين لكثرة الحركات، وكذلك روى العباس عن ابن عمرو، وروى عن نافع وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ. مخفّفين، الباقون بالإشباع فيها على الأصل.\nلا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ... نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كما فعلت اليهود والنصارى، وفي مصحف عبد الله لا نفرّقن.\nقرأ جرير بن عبد الله وسعيد بن جبير وأبو زرعة بن عمرو بن جرير ويحيى بن يعمر والجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب: لا يفرّق بالياء على معنى لا نفرّق الكلّ، فيجوز أن يكون خبرا عن الرسول.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٨.\n(٢) سورة النور: ٤١.\n(٣) سورة الأنبياء: ٩٣.\n(٤) سورة النمل: ٨٨. [.....]\n(٥) في المخطوط: قال.\n(٦) سورة البقرة: ٢١٣.","vol":"2","page":304},{"text":"وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول تقديره: وقالوا لا نفرّق كقوله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ «١» وقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ «٢» يعني فيقال لهم: أكفرتم. وقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا «٣» أي يقولون: ربّنا. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ «٤» أي يقولون: ما نعبدهم.\nوما يقتضي شيئين فصاعدا، وإنّما قال (بين أحد) ولم يقل آحاد لأن الآحاد يكون للواحد والجميع «٥» . قال الله فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ «٦» .\nوقال النبيّ ﷺ: «ما أحلّت الغنائم لأحد سود الرؤوس غيركم» [٢١٥] «٧» .\nقال رؤبة:\nماذا [أمور] الناس ديكت دوكا ... لا يرهبون أحدا رواكا\nوَقالُوا سَمِعْنا. قولك وَأَطَعْنا. أمرك خلاف قول اليهود.\nوروى حكيم بن جابر أن جبرائيل ﵇ أتى النبيّ ﷺ حين نزلت آمَنَ الرَّسُولُ. فقال: إن الله ﷿ قد منّ عليك وعلى أمّتك فاسأل تعطى، فسأل رسول الله ﷿ فقال: غفرانك.\nغُفْرانَكَ. وهو نصب على المصدر أي أغفر غفرانك، مثل قولنا: سبحانك أي نسبّحك سبحانك.\nوقيل معناه: نسألك غفرانك.\nرَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها. ظاهر الآية قضاء الحوائج، وفيها إضمار السؤال والحاجة، كأنّه قال لهم: تكلّفنا إلّا وسعنا، فأجاب الله فقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها.\nوالوسع: اسم لما يسع الإنسان وما [يشقّ] عليه. وقيل: [يشق] ويجهد.\nوقرأ إبراهيم ابن أبي عبلة الشامي: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وَسِعَها. بفتح الواو وكسر\n_________\n(١) سورة الرعد: ٢٣.\n(٢) سورة آل عمران: ١٠٦.\n(٣) سورة السجدة: ١٢.\n(٤) سورة الزمر: ٣.\n(٥) راجع تفسير القرطبي: ٣/ ٤٢٩.\n(٦) سورة الحاقة: ٤٧.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٩ وفيه: من قبلكم.","vol":"2","page":305},{"text":"السين على الفعل، يريد: إلّا وسعها أمره، أو أراد إلّا ما وسعها فحذف (ما) .\nواختلفوا في تأويله، فقال ابن عطاء والسدي وأكثر المفسّرين: أراد به حديث النفس، وذلك\nأنّ الله تعالى لمّا أنزل: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ. جاء المؤمنون [عامة] وقالوا: يا رسول الله هذا لنتوب من عمل الجوارح، فكيف نتوب من الوسوسة وكيف نمتنع من حديث النفس؟\nفأنزل الله: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها. أي طاقتها، وكان حديث النفس مما لم يطيقوا.\nقال ابن عباس في رواية أخرى: [...] «١» المؤمنون خاصّة وسّع الله عليهم أمر دينهم.\nولم يكلّفهم إلّا ما هم له مستطيعون، فقال: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ «٢»، وقال: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ «٣»، وقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «٤» .\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع السجري بهراة قال: سمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي قال: سمعت عبد الجبّار بن العلاء العطّار يقول: سئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها.\nفقال: إلّا يسرها لا عسرها، ولم يكلّفها طاقتها ولو كلّفها طاقتها لبلغ المجهود منها.\nقال الثعلبي: وهذا قول حسن لأنّ الوسع ما دون الطاقة، فقال بعض أهل الكلام: يعني إلّا ما يسعها ويحل لها، كقول القائل: ما يسعك هذا الأمر؟ أي ما يحلّ الله لك؟ فبيّن الله تعالى أن ما كلّف عباده فقد وسعه لهم والله أعلم.\nلَها ما كَسَبَتْ. أي للنفس ما عملت من الخير والعمل الصالح، لها أجره وثوابه وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ. من الشرّ بالعمل السيء عليها وزره.\nرَبَّنا لا تُؤاخِذْنا. لا تعاقبنا.\nقال أهل المعاني: وإنّما خرج على لفظ المفاعلة وهو فعل واحد لأنّ المسيء قد أمكر وطرق السبيل إليها وكأنّه أعان عليه من يعاقبه بذنبه ويأخذه به فشاركه في أخذه إِنْ نَسِينا.\nجعله بعضهم من النسيان الذي هو السهو.\n_________\n(١) غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) سورة البقرة: ١٨٥.\n(٣) سورة الحج: ٧٨.\n(٤) سورة التغابن: ١٦.","vol":"2","page":306},{"text":"قال الكلبي: كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا ممّا أمروا به وأخطئوا، عجّلت لهم العقوبة فيحرّم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب، فأمر الله تعالى نبيّه والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم بذلك.\nوقال بعضهم: هو من النسيان الذي هو الترك والإغفال. قال الله تعالى: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. والأوّل أجود.\nأَوْ أَخْطَأْنا. جعله بعضهم من القصد والعمد، يقال: خطيء فلان إذا تعمّد يخطأ خطأ وخطأ.\nقال الله: إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا. وأنشد [أمية بن أبي الصلت] «١»:\nعبادك يخطئون وأنت ربّ ... يكفّيك المنايا والحتوم «٢»\nوجعله الآخرون من الخطأ الذي هو الجهل والسهو وهو الأصح لأن ما كان عمدا من الذنب غير معفو عنه، بل هو في مشيئة الله تعالى ما لم يكن كفرا.\nقال عطاء: إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. يعني إن جهلنا أو تعمّدنا له.\nوقال ابن زيد: إِنْ نَسِينا شيئا ممّا افترضته علينا، أَوْ أَخْطَأْنا شيئا ممّا حرّمته علينا.\nوقال الزهري: سمع عمر رجلا يقول: اللهمّ [اغفر] لي خطاياي، فقال: إن الخطايا مغفور ولكن قل: اللهمّ أغفر لي عمدي.\nقال النبطي: وحدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن شنبة قال: حدّثنا عبد الله بن المصفّى السكري قال: حدّثنا محمد بن المصلّى المحمدي، قال: حدّثنا الوليد قال:\nحدّثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: «رفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه» .\nرَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا. قال بعضهم: يعني عهدا وعقدا وميثاقا لا نطيق ذلك ولا نستطيع القيام به فتعذبنا بنقصه كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا. يعني اليهود فلم يقوموا به فأهلكتهم وعذّبتهم، هذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والضحاك والربيع ومقاتل والسدي والكلبي وابن جريج والفراء، ورواية عطيّة وعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس، يدلّ عليه قوله: وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي «٣» أي عهدي.\n_________\n(١) بياض في المخطوط وما أثبتناه من المصادر. [.....]\n(٢) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٥٨، وكتاب العين للفراهيدي: ٣/ ١٩٥.\n(٣) سورة آل عمران: ٨١.","vol":"2","page":307},{"text":"وقال بعضهم: الأصر: الثقل، أي لا تشقق علينا ولا تشدد ولا تغلظ الأصر علينا كما شددت على من كان قبلنا من اليهود، وذلك أن الله تعالى فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربح أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، ومن أصاب منهم ذنبا أصبح وذنبه مكتوب على بابه، ونحوها من الأثقال [والأغلال] التي كانت عليهم. وهذا معنى قول عثمان بن عطاء ومالك بن أنس وأبي عبيدة والمؤرخ والقتيبي وابن الأنباري يدلّ عليه قوله: ويضع عنهم إصرهم والأثقال التي كانت عليهم «١» .\nوقال ابن زيد: معناه: لا تحمل علينا ذنبا ليس فيه توبة ولا كفّارة وإلّا يفعل في هذه كلّها العقد والأحكام، ويقال للشيء الذي تعقد به الأشياء: الأصر، ويقال: بينه وبين فلان أصرة رحم، وما تأصرني، أي ما [يعطفني عليه عهد ولا قرابة] «٢» .\nوقال: أنشدني أبو القاسم السدوسي، قال: أنشدني السميع بن محمد الهاشمي، قال:\nأنشدنا أبو الحسن العبسي، قال: أنشدنا العباس بن محمد الدوري الشافعي:\nإذا لم تكن لامرئ نعمة ... لدي ولا بيننا آصره\n[ولا لي] في ودّه حاصل ... ولا نفع في الدنيا ولا الآخرة\nوأفنيت عمري على بابه ... فتلك إذا صفقة خاسرة «٣»\nرَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. أي لا تكلّفنا من الأعمال مالا نطيق، هذا قول قتادة والضحاك والسدي وابن زيد. وقال بعضهم: هو حديث النفس والوسوسة. وعن أبي ثوبان عن أبيه عن مكحول في قوله تعالى: وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. قال [...] «٤» وعن أبي القاسم عن مالك الشامي أن أبا إدريس الحولاني كان يأتي أصحابه ويقول: اللهمّ أعذني و[...] «٥» جرف إلى جهنم.\nسفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم في قوله تعالى وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ.\nقال: المشقة.\nوعن أبي القاسم عبد الله بن يحيى بن عبيد قال: سمعت أبا القاسم عبد الله بن أحمد قال: سمعت محمد بن عبد الوهاب وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. قال: يعني العشق. قال\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٥٧.\n(٢) راجع معاني القرآن للنحاس: ١/ ٣٣٥، ولسان العرب: ٤/ ٢٢.\n(٣) تاج العروس: ٣/ ١٧٦.\n(٤) بياض في المخطوط.\n(٥) بياض في المخطوط.","vol":"2","page":308},{"text":"خباب: حضرت مجلس ذي النون المصري في فسطاطه، فتكلّم ذلك اليوم في محبّة الله فمات أحد عشر نفسا في المجلس، فصاح لا يحل من المزيد بر فقال: يا أبا القيس ذكرت محبّة الله فاذكر محبّة المخلوقين، فتأوّه ذو النون تأوّها شديدا ومدّ يده إلى وجهه ووقف منتصبا وقال له:\nخلقت قلوبهم واستعبرت عيونهم وتألّفوا السهاد، وفارقوا الرقاد فليلهم طويل نومهم وقليل أحزانهم لا تعد وهمومهم لا تعقد، أمورهم عسيرة ودموعهم غزيرة باكية عيونهم قريحة جفونهم.\n[عاداهم] الرفاق والأهل والجيران. وقال يحيى: لو تركت العقوبة بيدي يوم القيامة ما عذّبت العشّاق لأن ذنوبهم اضطرارا لا اختيارا.\nقال ابن جريج: هو مسخ القردة والخنازير، وقال بعضهم: هو شماتة الأعداء. وروى عبد المنعم بن إدريس عن أبيه عن وهب بن منبّه قال: قيل لأيّوب ﵇: ما كان أشق عليك في طول بلائك؟ قال: شماتة الأعداء. وأنشد ابن الأعرابي:\nكلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... فتهون غير شماتة الحسّاد\nإنّ المصائب تنقضي أيامها ... وشماتة الأعداء بالمرصاد\nوقيل: هو القطيعة والفرقة نعوذ بالله منها. وقيل: قطع الأوصال أيسر من قطع الوصال، وقال النظّام: لو كان للبين صورة لما [راع] الذنوب ولهدّ الجبال ولجمر الغضا أقل من [...] «١» ولو عذّب الله سبحانه أهل النار بالفراق لاستراحوا إلى [حرّ العذاب] .\nوَاعْفُ عَنَّا. أي تجاوز واصفح عن تقصيرنا وذنوبنا. وَاغْفِرْ لَنا. واستر علينا ذنوبنا وتجاوز عنها ولا [تعاقبنا] وَارْحَمْنا. فإنا لا ننال العمل لطاعتك ولا ترك معصيتك إلّا برحمتك، وقيل: وَاعْفُ عَنَّا من المسخ، وَاغْفِرْ لَنا عن السيئات، وَارْحَمْنا من القذف. وقيل:\nوَاعْفُ عَنَّا، من الأفعال، وَاغْفِرْ لَنا من الأقوال، وَارْحَمْنا من العقود والأضمان. وقيل: وَاعْفُ عَنَّا الصغائر، وَاغْفِرْ لَنا الكبائر، وَارْحَمْنا بتثقيل الميزان مع إفلاسنا. وقيل: وَاعْفُ عَنَّا في سكرات الموت، وَاغْفِرْ لَنا في ظلمة القبر، وَارْحَمْنا في ظلمة القبر.\nأَنْتَ مَوْلانا. أي ناصرنا وحافظنا ووليّنا ووال بنا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.\nعطاء عن سعيد عن ابن عباس في قول الله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ. إلى قوله: وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. قال: قد غفرت لكم لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا. قال: لا أواخذكم رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْرًا. قال:\nلا أحمل عليكم. وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ. قال: لا أحمّلكم وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. قال: قد عفوت عنكم وغفرت لكم\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.","vol":"2","page":309},{"text":"ورحمتكم ونصرتكم على القوم الكافرين.\nوروى سفيان عن أبي إسحاق عن رجل عن معاذ بن جبل أنّه كان إذا ختم البقرة قال:\nآمين.\nيتلوه سورة آل عمران.\nوَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وصلّى الله على محمد خير الأوّلين والآخرين وعلى آله الطيّبين الطاهرين أجمعين وسلّم.\nقال مسروق: نعم كنز الصعلوك سورة البقرة وآل عمران يقرأهما من آخر الليل.\nوقال وهب بن منبّه: من قرأ ليلة الجمعة سورة البقرة وآل عمران كان له نور ما بين عجيبا إلى غريبا. وعجيبا الأرض السابعة وغريبا العرش.\nوقال مسروق: من قرأ سورة البقرة في ليلة توّج بها.\nوفي الحديث السورة التي يذكر فيها البقرة فسطاط القرآن.\nسؤال: فإنّ قيل: أيجوز أن يحمّل الله أحدا مالا يطيق؟.\nقال الزجاج: قيل له: إن أردت ما ليس في قدرته، فهو محال، وإن أردت ما يثقل عليه، فلله تعالى أن يفعل من ذلك ما شاء لأن الذي كلّفه بني إسرائيل من قتل أنفسهم ثقل عليهم.\nوهذا كقولك: ما أطيق كلام فلان، فليس المعنى ليس في قدرتك ولكن معناه أن يثقل عليك.\nفإن قيل: هل يجوز على العادل أن يكلّف فوق الوسع؟.\nقيل: قد أخبر عن سعته ورحمته وعطفه على خلقه كما نفى الظلم عن نفسه، وإن كان لا يتوهّم منه الظلم بحال. وقال قوم: لو كلّف فوق الوسع لكان له لأن الخلق خلقه والأمر أمره، ولكنّه أخبر أنّه لا يفعله والسلام.","vol":"2","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>محتوى الجزء الثاني من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nتكملة سورة البقرة فصل في معنى الإخلاص ٦ ذكر حكم الآيات ٥٤ حكم الآية ٥٥ فصل في حكم الآية ٦٦ حكم الآية ٩٦ في افراد الحج ٩٧ في القران ٩٨ حكم الآية ١٠٤ تفصيل حكم الآية ١٩١ صفة قتل داود جالوت ٢١٧ ذكر حكم الآية ٢٨٦ في فضل إنظار المعسر ٢٨٧ فصل في الدّين ٢٨٨ فصل في تفصيل آخر ما نزل من القرآن ٢٨٩","vol":"2","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>الجزء الثالث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>سوره آل عمران</span>\nروي أنّها أربعة عشر ألف حرف، وخمس مائة وخمسة وعشرون حرفا، وثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانين كلمة، ومائتا آية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>فضلها:</span>\nروي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ السورة التي يذكر فيها آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى تغيب الشمس» [١] «١» .\nزرّ بن حبيش عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة آل عمران أعطي بكلّ آية منها أمانا على جسر جهنّم» [٢] «٢» .\nرويعن أبي إسحاق عن سليم بن حنظلة، قال: قال عبد الله بن مسعود: «من قرأ آل عمران فهو غني» .\nيحيى بن نعيم عن أبيه عن أبي المعرش عن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعلّموا البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان، وإنهما يأتيان يوم القيامة في صورة ملكين شفعاء له جزاء حتى يدخلاه الجنّة» [٣] «٣» .\nإبراهيم بن أبي يحيى عن أبي الحرين عن أبي عبد الله الشاميّ، قال: «من قرأ سورة البقرة وآل عمران في ليلة الجمعة يبدل له يوم القيامة جناحات يطير بهما على الصراط» [٤] «٤» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ (٤)\nإِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٧)\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٢/ ١٦٨.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢٣٢.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٣٦١، مجمع الزوائد: ٧/ ١٥٩ مع اختلاف في الحديث.\n(٤) ميزان الاعتدال: ٢/ ٤٢٤، وفيه: جناحين منظومين بالدرّ والياقوت.","vol":"3","page":5},{"text":"أخبرنا محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر الزبير، ومحمد بن مروان عن الكلبي، وعبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس، قالوا: نزلت هذه في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا قدموا على رسول الله ﷺ وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الاربعة عشر ثلاثة نفر إليهم يؤول أمرهم العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدّرون عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيّد [عالمهم] وصاحب رحلهم واسمه [الأيهم ويقال: شرحبيل] «١» وأبو حارثة بن علقمة الذي يعتبر حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم، وكان قد شرف فيهم ودرّس كهنتهم من حسن عمله في دينهم، وكانت ملوك الروم قد شرّفوه [وموّلوه وبنو له] الكنائس لعلمه واجتهاده.\nفقدموا على رسول الله المدينة ودخلوا مسجده- حين صلى العصر- عليهم ثياب الحبرة وأردية مكفوفة بالحديد، في جمال رجال بلحرث «٢» بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله ﷺ: ما رأينا وفدا مثلهم! وقد حانت صلاتهم فقاموا وصلّوا في مسجد رسول الله ﷺ وصلّوا الى المشرق.\nفكلّم السيد والعاقب رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: أسلمنا. قالا:\nقد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام [ادّعاء كما] «٣» لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير.\nقالا: إن لم يكن ولد لله فمن [أبيه] «٤» وخاصموه جميعا في عيسى ﵇، فقال لهما النبي ﷺ: [إنّه لا يكون ولد إلّا وشبه أباه. قالوا: بلى، قال: ألستم] تعلمون أن ربّنا حي لا يموت وإنّ عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا:\nلا. قال: ألستم تعلمون إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ؟ قالوا: بلى.\n_________\n(١) تاريخ المدينة لابن شبه: ٢/ ٥٨١.\n(٢) للتخفيف وهو بالأصل: بني الحرث. [.....]\n(٣) في المخطوط: (دعاءكما) .\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"3","page":6},{"text":"قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلّا ما علّم؟\nقالوا: لا.\nقال: فإنّ ربّنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء وربّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث؟\nقالوا: بلى قال: ألستم تعلمون إنّ عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة حملها، ثم غذي كما يغذى الصبي، وكان يطعم ويشرب ويحدث، قالوا: بلى. قال:\nفكيف يكون هذا كما زعمتم؟ فسكتوا.\nفأنزل الله تعالى فيهم صدر سورة آل عمران الى بضع وثمانين آية منها.\nفقال عزّ من قائل: الم\nقرأ ابن جعفر بن زبير القعقاع المدني ال م مفصولا، ومثلها جميع حروف التهجّي المفتح بها السور.\nوقرأ ابن جعفر الرواسي والأعشى والهرحمي: الم اللَّهُ مقطوعا والباقون موصولا مفتوح الميم. فمن فتح الميم ووصل فله وجهان:\nقال البصريون: لالتقاء الساكنين حركت إلى أخف الحركات.\nوقال الكوفيون: كانت ساكنة لأن حروف الهجاء مبنية على الوقف فلمّا تلقاها ألف الوصل وأدرجت الألف فقلبت حركتها وهي الفتحة الى الميم.\nومن قطع فله وجهان:\nأحدهما: نية الوقف ثم قطع الهمزة للابتداء، كقول الشاعر:\nلتسمعنّ وشيكا في ديارهم ... الله أكبر يا ثارات عثمانا «١»\nوالثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل.\nكقول الشاعر:\nإذا جاوز الاثنين سرّ ... فإنه بنت وتكثير الوشاة قمين «٢»\nومن فصل وقطع فللتفخيم والتعظيم تعالى اللَّهُ ابتداء وما بعده خبر، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نعت له، نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ قرأ إبراهيم بن أبي عبلة: نَزَلَ بتخفيف (الزاي)، الْكِتابُ: برفع الباء، وقرأ الباقون: بتشديد الزاي ونصب الباء على التكثير لأنّ القرآن كان ينزل نجوما شيئا بعد شيء والتنزيل يكون مرّة بعد مرّة، وقال: (وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ) لأنهما نزلتا\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٧/ ٢١٩ وتاج العروس: ٣/ ٧٠.\n(٢) الصحاح: ١/ ٢٩٤.","vol":"3","page":7},{"text":"دفعة نَزَّلَ عَلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القرآن بِالْحَقِّ: بالعدل، والصدق، مُصَدِّقًا: موافقا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ: لما قبله من الكتب في التوحيد، والنبوّات، والأخبار، وبعض الشرائع.\nوَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ قال البصريون: أصلها ووريه دوجله وحرقله فحوّلت الواو الاولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفا فصارت توراة، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة، وقال الكوفيون: هي تفعله والعلة فيه ما ذكرنا مثل (توصية)، و(توفية) فقلبت الياء ألفا كما يفعل طيئ، فيقول للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، وأصلها من قولهم: «وري الزند» إذا أخرجت ناره وأولته أنا، قال الله ﷿: أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ «١»، وقال: فَالْمُورِياتِ قَدْحًا «٢» فتسمى تورية لأنه نور وضياء دلّ عليه قوله تعالى: وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ «٣» قاله الفراء، وأكثر العلماء، وقال [المؤرج:] هي من التورية وهي كتمان الشيء والتعريض لغيره.\nومن الحديث كان رسول الله ﷺ «إذا أراد شيئا وري بغيره» [٥] .\nوكان أكثر التورية معارض وتلويحا من غير إيضاح وتصريح، وقيل: هي بالعبرانية «نوروثو» ومعناه: الشريعة.\nوالإنجيل أفضل من [النجل] وهو الخروج، ومنه سمّي الولد «نجلا» لخروجه.\nقال الأعشى:\nأنجب أزمان والداه به ... إذ نجّلاه فنعم ما نجلا «٤»\nفسمي بذلك لأن الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا.\nويقال: هو من المتنجل، وهو سعة الجن، يقال: قطعته نجلا أي: واسعة فسمي بذلك لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم نورا وضياء، وقيل: هو بالسريانية «انقليون» ومعناه:\nالشريعة:\nوقرأ الحسن الْأَنْجِيلَ بفتح الهمزة، يصححه الباقون بالكسر مثل: الإكليل.\nمِنْ قَبْلُ رفع على الغاية والغاية هاهنا قطع الكتاب عنه كقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وقال زهير:\nوما كان من خير أتوه ... فإنّما توارثه آباء آبائهم قبل «٥»\n_________\n(١) سورة الواقعة: ٧١.\n(٢) سورة العاديات: ٢.\n(٣) سورة الأنبياء: ٤٨.\n(٤) الصحاح: ١/ ٢٢٢.\n(٥) تفسير القرطبي: ٣/ ١٧٣.","vol":"3","page":8},{"text":"هُدىً لِلنَّاسِ هاد لمن تبعه، ولم ينته لأنّه مصدر وهو في محل النصب على الحال والقطع.\nوَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ الفرق بين الحق والباطل، قال السدي: في الآية تقديم وتأخير تقديرها:\nوأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للمتقين.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ.\nإِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ ذكرا وأنثى، قصيرا وطويلا، أسودا وأبيضا، حسنا وقبيحا، سعيدا وشقيا.\nلا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ متقنات مبينات مفصلات.\nهُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصله الذي يعمل عليه في الأحكام ويجمع الحلال والحرام ويفرّغ لأهل الإسلام، وهنّ آيات التوراة والإنجيل والقرآن، وفي كل كتاب يرضى به أهل كل دين، ولا يختلف فيه أهل كل بلد.\nوالعرب تسمي كلّ شيء فاضل جامع يكون مرجعا لقوم، كما قيل للّوح المحفوظ: أم الكتاب، والفاتحة: أمّ القرآن، ولمكّة: أمّ القرى وللدماغ: أمّ الرأس، وللوالدة: أم، وللراية:\nأم، وللرجل الذي يقوم بأمر العيال: أم، وللبقرة والناقة أو الشاة التي يعيش بها أهل الدار: أم، وكان عيسى (﵇) يقول للماء: «هذا أبي»، وللخبز: «هذه أمّي» لأنّ قوام الأبدان بهما.\nوإنّما قال أُمُّ الْكِتابِ ولم يقل أمّهات الكتب لأنّ الآيات كلها في تكاملها واجتماعها كالآية الواحدة، وكلام الله واحد.\nوقيل: معناه كلمة واحدة ف هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ كما قال: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً «١» أي كل واحد منهما آية.\nوَأُخَرُ: جمع أخرى ولم يصرف لأنّه معدول عن أواخر، مثل عمر، وزفر وهو قاله الكسائي.\nوقيل: ترك أخراه لأنّه نعت مثل جمع، وكسع لم يصرفا لأنّهما نعتان.\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ٥٠.","vol":"3","page":9},{"text":"وقيل: لأنّه مبني على واحدة في ترك الصرف وواحدة اخرى غير مصروف.\nمُتَشابِهاتٌ: تشبه بعضها بعضا، واختلف العلماء في المحكم والمتشابه كليهما فقال قتادة والربيع والضحاك والسدي: «المحكم: الناسخ الذي يعمل له» .\n«والمتشابه: المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل به، هي رواية عطية عن ابن عباس» .\nروى علي ابن أبي طلحة عنه قال: «محكمات القرآن ناسخة، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمر به ويعمل به» .\nوالمتشابهات: منسوخه ومقدمه ومؤخره وأمثاله واقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.\nزهير بن معاوية عن أبي إسحاق قال: قال ابن عباس: قوله تعالى: مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قال: هي الثلاث الآيات في سورة الأنعام قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ «١» إلى آخر الآيات الثلاث، نظيرها في سورة بني إسرائيل وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ «٢» الآيات.\nوقال مجاهد، وعكرمة: «المحكم: ما فيه من الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه [يصدّق] بعضها بعضا» .\nقد روى محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير قال: المحكم: ما لا يحتمل من التأويل غير وجه واحد.\nوالمتشابه: ما أحتمل من التأويل أوجها.\nوقال ابن زبير: من المحكم ما ذكر الله تعالى في كتابه من قصص الأنبياء (﵈)، وفصلت وتنته لمحمد ﷺ وأمّته، كما ذكر قصة نوح في أربع وعشرين آية منها، وقصة هود في عشر آيات، وقصّة صالح في ثمان آيات، وقصة إبراهيم في ثمان آيات، وقصة لوط في ثمان آيات، وقصة شعيب في عشر آيات، وقصة موسى في آيات كثيرة.\nوذكر [آيات] حديث رسول الله ﷺ في أربع وعشرين آية.\nوالمتشابه: هو ما أختلف به الألفاظ من قصصهم عند التكرير، كما قال في موضع من قصة نوح: قُلْنَا احْمِلْ «٣» وقال وفي موضع آخر: فَاسْلُكْ «٤» .\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٥١.\n(٢) سورة الإسراء: ٢٣.\n(٣) سورة هود: ٤٠.\n(٤) سورة المؤمنون: ٢٧. [.....]","vol":"3","page":10},{"text":"وقال في ذكر عصا موسى: فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى «١»، وقال في موضع آخر: ثُعْبانٌ مُبِينٌ «٢» ونحوها.\nوإن بعضهم قال: «المحكم: ما عرف العلماء تأويله، وفهموا معناه» .\n«والمتشابه: ما ليس لأحد الى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه» وذلك نحو الخبر عن وقت خروج الدجّال، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدّنيا، ومحوها.\nوقال أبو فاختة: «المحكمات التي هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ فواتح السور منها يستخرج القرآن الم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ «٣» منها استخرجت البقرة، والم اللَّهُ «٤» استخرجت آل عمران.\nوقال ابن كيسان: «المحكمات حجتها واضحة، ودلائلها لائحة، لا حاجة بمن سمعها الى طلب معانيها في المتشابه الذي شك علمه، بالنظر فيه يعرف العوّام تفصيل الحق فيه من الباطل» .\nوقال بعضهم: «المحكم ما أجمع على تأويله، والمتشابه ما ليس معناه واضح» .\nوقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب.\nوقال الشعبي: رأيت في بعض التفاسير «٥» أنّ المتشابه هو [ما خفي لفظه والمحكم ما كان لفظه واضح وعلى هذا القرآن كلّه] «٦» محكم من وجه على معنى [بشدّة] [.....] «٧»، قال الله تعالى: كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ «٨» .\nوالمتشابه من وجه فهو إنّه يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه بعضا.\nوقال ابن عبّاس في رواية شاذان: المتشابه حروف التهجّي في أوائل السّور، وذلك\nبأنّ حكام اليهود هم حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف ونظراءهما أتوا النبي ﷺ فقال له حيي:\n_________\n(١) سورة طه: ٢٠.\n(٢) سورة الأعراف: ١٠٧.\n(٣) سورة البقرة: ١. ٢.\n(٤) سورة آل عمران: ١. ٢.\n(٥) راجع تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢٤٢، عن تفسير الماوردي، وتفسير القرطبي: ٤/ ١٠.\n(٦) زيادة منّا لتقويم المعنى.\n(٧) كلمة غير مقروءة.\n(٨) سورة هود: ١.","vol":"3","page":11},{"text":"بلغنا أنّه أنزل عليك (الم) أأنزلت عليك؟ قال: نعم، فإن كان ذلك حقّا فإنّي أعلم من هلك بأمّتك وهو إحدى وسبعون سنة فهل أنزلت عليك غيرها؟ قال: نعم والى المص «١»، قال: هذه أكبر من تلك هي إحدى وستون ومائة سنة فربما غيرها؟ قال: نعم الر «٢» قال: هذه أكثر من مائة وسبعون سنة ولقد خلطت علينا فلا ندري أبكثيره نأخذ أم بقليلة؟ ونحن ممّن لا يؤمن بهذا\n، فأنزل تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ: أي ميل عن الحق، وقيل: شك.\nفَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ: اختلفوا في معنى هذه الآية،\nفقال الربيع: هم وفد نجران خاصموا النبي ﷺ وقالوا: ألست تعلم أنّه كلمة الله وَرُوحٌ مِنْهُ؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الكلبي: هم اليهود [أجهل] هذه الأمّة باستخراجه بحساب الجمل. وقال ابن جري:\nهم المنافقون.\n[قال] الحسن: هم الخوارج.\nوكان قتادة إذا قرأ هذه الآية فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ قال: إن لم يكونوا آخرون فالسبابيّة ولا أدري من هم.\nوقال بعضهم: هم جميع المحدثة.\nوروي حمّاد بن سلمة وأبو الوليد يزيد بن أبي ميثم وأبوه جميعا عن عبد الله بن أبي مليكة الفتح عن عائشة: أنّ رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ فقال ﷺ: «إذا رأيتم الّذين يسألون عمّا تَشابَهَ مِنْهُ ويجادلون فيه الّذين عنى الله ﷿ فاحذروهم ولا تخالطوهم [٦] «٣» .\nابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ: طلب الشرك قاله الربيع، والسدي، وابن الزبير، ومجاهد: ابتغاء الشبهات واللبس ليضلّوا بها جهّالهم.\nوَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ: تفسيره وعلمه دليله قوله تعالى: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا «٤» .\nوقيل: ابتغاء عاقبته، وطلب مدة أجل محمّد، وأمته من حساب الجمل، دليله قوله تعالى\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١.\n(٢) سورة يونس: ١.\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ٩ بتفاوت، وتفسير الدرّ المنثور: ٢/ ٥، من طرق كلّها متفاوتة.\n(٤) سورة الكهف: ٧٨.","vol":"3","page":12},{"text":"ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا «١» أي عاقبته، وأصله من قول العرب: تأول الفتى إذا انتهى.\nقال: الأعشى:\nعلى أنّها كانت تأوّل حبها ... تأوّل ربعي السقاب فأصحبا «٢»\nيقول: هذا السجي لها فانقرت لها وابتغتها، قال الله تعالى: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ واختلف العلماء في نظم هذه الآية وحكمها.\nفقال قوم: الواو في قوله الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ واو العطف، يعني أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم وهم مع علمهم يقولون: آمَنَّا بِهِ.\nوهو قول مجاهد والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار القتيبي قالوا: معناها يعلمونه ويَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ فيكون قوله: يَقُولُونَ، حالا والمعنى: الراسخون في العلم قائلين آمنّا به.\nقال ابن المفرغ الحميري:\nأضربت حبك من امامه ... من بعد أيام برامه\nالريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في الغمامة «٣»\nأراد والبرق لا معا في غمامه وتبكي شجوه أيضا، ولو لم يكن البرق يشرك الريح في البكاء لم يكن لذكر البرق ولمعانه معنى.\nودليل هذا التأويل قوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ «٤» . ثم قال: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ «٥» الآية.\nثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ «٦»: أي والذين تبؤوا الدار، ثم قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ. ثم أخبر عنهم أنّهم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا «٧» الآية.\nولا شك في أنّ قوله: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ عطف على قوله: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ\n_________\n(١) سورة النساء: ٥٩.\n(٢) الربعي: نتاج الربيع، وأصحب الرجل: إذا بلغ ابنه، والبيت في تفسير الطبري: ٣/ ٢٥٠. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ١٧، واحكام القرآن للجصّاص: ٢/ ٧.\n(٤) سورة البقرة: ١٧٧.\n(٥) سورة الحشر: ٨.\n(٦) سورة الحشر: ٩.\n(٧) سورة الحشر: ١٠.","vol":"3","page":13},{"text":"، وانّهم يشاركون للفقراء المهاجرين والأنصار في الفيء ويَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا من جملة الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ. فمعنى الآية وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ وهم مع استحقاقهم الفيء يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا «١» أي قائلين على الحال. فكذلك هاهنا في يَقُولُونَ رَبَّنا أي ويَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ.\nومما يؤيد هذا القول أنّ الله تعالى لم ينزل كتابه إلّا لينتفع له مبارك، ويدل عليه على المعنى الذي اراده فقال: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ «٢»، وقال: بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ «٣» .\nوالمبين الظاهر، وقال: بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ «٤» . فوصف جميعه بالتفصيل والتبيين وقال:\nلِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ «٥» .\nولا يجوز أن تبيّن ما لا يعلم، وإذا جاز أن يعرفه الرسول ﷺ مع قوله لا يعلمه إلّا الله، جاز أن يعرفه الربانيون من أصحابه.\nوقال: اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ «٦» ولا تؤمر باتّباع ما لا يعلم ولأنّه لو لم يكن للراسخين في العلم هذا لم يكن لهم على المعلمين والجهال فضل لأنهم ايضا يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا: ولأنّا لم نر من المفسرين على هذه الغاية [قوما] يوفقوا عن شيء من تفسير القرآن وقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلّا الله، بل أعزوه كله وفسروه حتى حروف التهجي وغيرها.\nوكان ابن عباس يقول: في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم.\nوقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممّن يعلم تأويله.\nوروى سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كل القرآن أعلم ولا أعلم أربعة: غِسْلِينٍ، وحَنانًا، والأوّاه، والترقيم. وهذا إنّما قال ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ذلك وفسّرها.\nوقال آخرون: الواو في قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ واو الاستئناف وتم الكلام، وانقطع عند قوله: وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. ثم ابتدأ وقال: وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌ\n_________\n(١) سورة الحشر: ١٠.\n(٢) سورة ص: ٢٩.\n(٣) سورة الشعراء: ١٩٥.\n(٤) سورة الأعراف: ٥٢.\n(٥) سورة النحل: ٤٤.\n(٦) سورة الأعراف: ٣.","vol":"3","page":14},{"text":"مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ... وَالرَّاسِخُونَ أبتداء وخبره في يَقُولُونَ، وهذا قول عائشة وعروة بن الزبير، ورواية طاوس عن ابن عباس، واختيار الكسائي والفراء والمفضّل بن سلمة ومحمد بن جرير قالوا: إنّ الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به. والآية راجعة على هذا التأويل الى العلم بما في أجل هذه الأمة ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى (﵇)، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، وعلم الروح ونحوها مما استأثر الله لعلمه ولم يطلع عليه أحد من خلقه.\nوقال بعضهم: [اعلم أنّ المتشابه من الكتاب قد] «١» أستأثر الله بعلمه دوننا، ونفسّره نحن، ولم نتعبد بذلك. بل ألزمنا العمل بأوامره واجتناب نواهيه، ومما يصدّق هذا القول قراءة عبد «٢» الله أنّ تأويله لا يعلم إلّا عند الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به.\nوفي حرف [] «٣» الراسخون في العلم آمنّا به.\nودليله أيضا ما روي عن عمر بن عبد العزيز، إنّه قرأ هذه الآية ثم قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن الى أن قالوا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا «٤» .\nوقال أبو نهيك الأسدي: إنّكم تصلون هذه الآية وإنّها مقطوعة وهذا القول أقيس العربيّة وأشبه مظاهر الآية والقصة والله أعلم.\nوالرَّاسِخُونَ: الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم، واستنبطوه فلا يدخلهم في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته وأوجب فيه يقال: (رسخ الإيمان في القلب فلان) فهو يرسخ رسخا ورسوخا وكذلك في كل شيء ورسخ رصخ، وهذا كما يقال: مسلوخ ومصلوخ قال الشاعر:\nلقد رسخت في القلب منك مودة ... للنبي أبت آياتها أن تغيرا «٥»\nوقال بعض المفسّرين من العلماء: الراسخون علما: مؤمني أهل الكتاب، مثل عبد الله بن سلام و[ابن صوريا وكعب] .\n[قيل:] الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ هم بعض الدارسين علم التوراة.\nوروي عن أنس بن مالك [وأبي الدرداء وأبي أمامة]: أن رسول الله ﷺ سئل من\n_________\n(١) عن تفسير القرطبي: ٤/ ١٨.\n(٢) في معاني القرآن للنحاس أنّها قراءة ابن عباس (١/ ٣٥١) .\n(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط. [.....]\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٢٤٩.\n(٥) تفسير القرطبي: ٤/ ١٩ وفيه: الصدر، بدل القلب.","vol":"3","page":15},{"text":"الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ؟ فقال: «من برّت يمينه، وصدق لسانه واستقام قلبه، وعف بطنه وفرجه، فذلك الراسخ في العلم» [٧] «١» .\nوقال وهيب: سمعت مالك بن أنس يسأل عن تفسير قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ من هم؟ قال: العالم العامل بما علم تبع له.\nوقال نافع بن يزيد: كما أن يقال الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ المؤمنون بالله، المتذللون في طلب مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم، ولا [يحقّرون] من دونهم «٢» .\nوقال بعضهم: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ: من وجد في عمله أربعة أشياء:\nالتقوى بينه وبين الله تعالى، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه «٣» .\nوقال ابن عباس ومجاهد والسدي بقولهم: (آمَنَّا بِهِ) سمّاهم الله تعالى: الراسخين في العلم فرسوخهم في العلم قولهم: آمَنَّا بِهِ أي بالمتشابه كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا المحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، ما علمناه وما لم نعلمه.\nقال المبرد: زعم بعض الناس أن (عِنْدِ) هاهنا صلة ومعناه كل من ربّنا. وَما يَذَّكَّرُ:\nيتعظ بما في القرآن.\nإِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ: ذووا العقول ولبّ كل شيء خالصه [فلذلك قيل للعقل لب] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨ الى ١٤]</span>\nرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢)\nقَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣) زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)\nرَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا: أي ويقول الراسخون كقوله في آخر السورة: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٨/ ١٥٢، وتفسير الطبري: ٣/ ٢٥١.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣٥٦.\n(٣) فغني المحتاج: ٣/ ٦٠.","vol":"3","page":16},{"text":"السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا «١» أي ويقولون ربنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا لا تملها عن الحق والهدى، كما ازغت قلوب اليهود والنصارى، والَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ.\nيقال: زاغ- يزيغ- ازاغة إذا مال.\nوزاغ- تزيغ- زيغا- وزيوغا- وزيغانا إذا حال.\nبَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا: وفقنا لدينك، والإيمان بالمحكم والمتشابه من كتابك.\nوَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً: وآتنا من لدنك رحمة وتوفيقا وتثبيتا للذي نحن عليه من الهدى والإيمان.\nوقال الضحاك: تجاوزا ومغفرة الصّدق [.....] «٢» على شرط السنة.\nإِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ: تعطي. وفي الآية ردّ على القدرية.\nوروي عن أسماء بنت يزيد: أنّ رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه: «اللهم [يا] مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» [٨] «٣» .\nقالت: فقلت: يا رسول الله وإنّ القلوب لتقلب؟. قال: نعم ما خلق الله من بني آدم من بشر إلّا وقلبه بين إصبعين من أصابع الله ﷿ فإن شاء أزاغه، وإن شاء أقامه على الحق، فنسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأله أن يهب لنا من لدنه رحمة إنّه هو الوهاب «٤» .\nقالت: قلت: يا رسول الله ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟\nقال: بلى قولي: «اللهم ربّ محمّد النبي، اغفر لي ذنبي، واذهب غيظ قلبي وأجرني من مضلّات الفتن ما أحييتني» [٩] «٥» .\nوعن أبي موسى الأشعري قال: وإنما مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض «٦» .\nخالد بن معدان عن أبي عبيدة بن الجراح: أنّ رسول الله ﷺ قال: إنّ قلب ابن آدم مثل العصفور يتقلب في اليوم سبع مرات «٧» .\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٩١.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) مسند أحمد: ٦/ ٣٠٢.\n(٤) إلى هنا الحديث في تفسير ابن كثير: ١/ ٣٥٦.\n(٥) مسند أحمد: ٦/ ٣٠٢.\n(٦) الدرّ المنثور: ٢/ ٨.\n(٧) المصدر السابق.","vol":"3","page":17},{"text":"رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ: [بالبعث ليوم القيامة] «١» وقيل: اللام بمعنى في أيّ يوم.\nلا رَيْبَ فِيهِ: لا شك فيه وهو يوم القيامة [...] «٢» عند ما قرأ الآية [...] «٣» ولذلك انصرف عن الخطر الى الخبر.\nإِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ وهو مفعال من الوعد.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ قرأ السلمي (يغني) بالياء المتقدمة من الفعل ودخول [الحائل] بين الاسم والفعل.\nوقرأ الحسن (لن يغني) بالياء وسكون الياء الأخيرة «٤» كقول الشاعر:\nكفى باليأس من أسماء كافي ... وليس لسقمها إذا طال شافي\nوكان حقّه أن يقول: كافيا، فأرسل الياء، وأنشد الفرّاء في مثله:\nكأن أيديهنّ بالقاع القرق ... أيدي جوار يعاطين الورق\nالقرق والقرقة لغتان في القاع «٥» .\nومعنى قوله (لن يغني): أي لن ينفع، ولن يدفع وإنما سمى المال غنى لأنه ينفع الناس ويدفع عنهم الفقر والنوائب.\nعَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.\nقال الكسائي وقال أبو عبيدة: معناه عند الله شيئا، من بمعنى الحال.\nأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ نظم الآية إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ: عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون، وكفّار الأمم الخالية عاقبناهم ف لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ.\nوأما معنى كَدَأْبِ: فقال [ابن عباس] وعكرمة ومجاهد والضّحاك وأبو روق والسدّي وابن زيد: كمثل آل فرعون [مع موسى] يقول كعب اليهود: لكفر آل فرعون وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ.\nربيع والكسائي وأبو عبيدة: كسنّة آل فرعون. الأخفش: كأمر آل فرعون.\nقال امرؤ القيس:\n_________\n(١) عن تفسير الثعالبي: ٢/ ١٣.\n(٢) كلمتان غير مقروءتان. [.....]\n(٣) كلمتان غير مقروءتان.\n(٤) فتح القدير: ١/ ٣٢٠، وتفسير القرطبي: ٤/ ٢١.\n(٥) عن تفسير القرطبي: ٤/ ٢٢.","vol":"3","page":18},{"text":"كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل «١»\nوهذا أصل الحرف يقال: دائب في الأمر أو أبة دأبا ودائب [ويدأ ودءوبا] إذا أدمنت العمل ونعيته.\nوأدأب السير أدآبا، فإنّما يرجع معناه الى النّساب والحاك والعادة.\nقال الشاعر «٢»:\nلأرتحلن بالفجر ثمّ لادئبنّ\nقال سيبويه: موضع الكاف رفع لأن الكاف للتشبيه تقوم مقام الاسم، وتقديره: دأبهم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كدأب الأمم الماضية كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ:\nفعاقبهم.\nبِذُنُوبِهِمْ: نظيره قوله فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ «٣» .\nوَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ: قرأ إسحاق وثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلق بالياء فيهما، الباقون بالتاء، فمن قرأهما بالياء فعلى الأخبار عنهم أنّهم يحشرون ويقلبون، ومن قرأهما بالتاء فعلى الخطاب أي قلّ لهم إنكم ستغلبون وتحشرون وكلا الوجهين [صحيح] لأنه لم يوح إليهم، وإذا كان المخاطب بالشيء غير حاضر وكانت مخاطبته [في] الكلام بالتاء على الخطاب، وبالياء على الأخبار والأعلام كما تقول: (قل لغير الله ليضربن ولتضربن) .\nواختلف المفسرون في المعنى لهذه الآية من هم؟ فقال مقاتل: هم مشركو مكّة، ومعنى الآية قيل لكفّار مكّة: سَتُغْلَبُونَ يوم بدر وَتُحْشَرُونَ في الهجرة،\nفلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ للكافرين يوم بدر: «إنّ الله غالبكم وحاشركم الى جهنّم» [١٠] .\nدليل التأويل قوله تعالى: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ «٤» .\nوقال بعضهم: المراد بهذه الآية اليهود.\nوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّ يهود أهل المدينة قالوا لمّا هزم رسول الله ﷺ المشركين يوم بدر: هذا والله النبي الأمّي الذي بشّرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٣٢١.\n(٢) وهو زهير راجع تفسير مجمع البيان: ٢/ ٢٤٤ والمعنى: إلّا أن يمنعني ولادة طفل.\n(٣) سورة العنكبوت: ٤٠.\n(٤) سورة القمر: ٤٥. ٤٦.","vol":"3","page":19},{"text":"وصفته، وأنّه لا تردّ له راية، وأرادوا تصديقه واتّباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى الى وقفة أخرى به، فلمّا كان يوم أحد ونكب أصحاب رسول الله ﷺ شكّوا وقالوا: لا والله ما هو به فغلب عليهم الشقاء ولم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد الى مدة لم تنقض فنقضوا ذلك العهد من أجله.\nوانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا الى أهل مكّة، أبي سفيان وأصحابه، فوافقوهم وأجمعوا أمرهم على رسول الله ﷺ لتكون كلمتنا واحدة، ثم رجعوا الى المدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية.\nوقال محمد بن إسحاق عن رجاله لمّا أصاب رسول الله ﷺ قريشا ببدر، وقدم الى المدينة جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: «يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم قد عرفتم إنّي نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم» [١١] «١» .\nفقالوا: يا محمّد لا يغرنّك أن لقيت قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة، لك والله لو قاتلناك لعرف منا البأس، فأنزل الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا «٢»: يعني اليهود سَتُغْلَبُونَ وتهزمون وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ في الآخرة، وهذه رواية عكرمة، وسعيد بن جبير عن أبن عباس.\nقال: أهل اللغة اشتقاق جهنّم من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر.\nوَبِئْسَ الْمِهادُ يعني النار قَدْ كانَ ولم يقل كانت لأنّ (آيَةٌ) تأنيثها غير حقيقي، وقيل: ردّها الى البيان أي: قد كان لكم بيان فذهب الى المعنى وترك اللفظ كقول امرؤ القيس:\nبرهرهة رأدة رخصة ... كخرعوبة البانة المنقطر «٣»\nولم يقل المنفطرة لأنّه ذهب الى القضيب، وقال الفراء: ذكّره لأنّه فرق بينهما بالصفة فلما حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث ذكّر الفعل وأنّثه:\nإنّ امرؤا غرّه منكره واحدة بعدي ... وبعدك في الدنيا لمغرور\nوكل ما جاء في القرآن من هذا النحو، فهذا وجهه، فمعنى الآية قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ: أي عبرة ودلالة على صدق ما أقول لكم سَتُغْلَبُونَ.\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ٦٢.\n(٢) سورة آل عمران: ١٢.\n(٣) الصحاح: ١/ ١١٩.","vol":"3","page":20},{"text":"فِي فِئَتَيْنِ: فرقتين وجماعتين وأصلها في الحرب من بعضهم بقي الى بعض.\nالْتَقَتا يوم بدر.\nفِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: طاعة لله وهم رسول الله ﷺ وأصحابه،\nوقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، على عدّة أصحاب طالوت الّذين جازوا معه النهر وما جاز معه إلّا مؤمن، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار.\nوكان صاحب راية النبي ﷺ والمبارزين علي بن أبي طالب (﵇)، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكانت الإبل في جيش النبي ﷺ سبعين بعيرا والخيل فرسين: فرس للمقداد بن عمر الكندي، وفرس لمرثد بن أبي فهد العنزي «١»، وكان معهم من السلاح: ستة أدرع وثمانية سيوف وجميع من أستشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلا من المهاجرين وثمانية من الأنصار.\nوَأُخْرى وفرقة أخرى كافِرَةٌ: وهم مشركو مكّة ورأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكانوا تسعمائة وخمسين رجلا مقاتلا وكانت خيلهم مائة فرس، وكان حرب بدر مشهد شهده رسول الله ﷺ، وكان سبب ذلك أعين بن سفين، واختلف القرّاء في هذه الآية، قرأها منهم فِئَةٌ بالرفع على معنى منهما فئة أو إحداهما فئة.\nوقرأ الزهري بالخفض على البدل من الفئتين.\nوقرأ ابن السميقع: فما!، على المدح.\nوقرأ مجاهد: يقاتل بالياء ردّه الى القوم وجهان على لفظه، وقرأ الباقون بالتاء.\nيَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ قرأ أبو رجاء وأبو الحرث والحسن، وأبو جعفر، وشيبة ونافع ويعقوب وأيوب بالتاء واختاره أبو حاتم، الباقون بالياء، والباقون ممن قرأ بالتاء بمعناه ترون يا معشر اليهود والكفار أهل مكّة مثلي المسلمين.\nومن قرأ بالياء فاختلف في وجهه فجعل بعضهم الخطاب للمسلمين، ثم له تأويلان أحده:\nما يرى المسلمون المشركين مثلهم في العدد، ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير بخمس أمثال فتلك الآية فإن قيل كذا جاز أن يقول مثليهم وهم قد كانوا ثلاثة أمثالهم، فالجواب أن يقول: هذا مثل وعندك عبد محتاج إليه وإلى مثله، احتاج إلى مثليه فأنت محتاج الى ثلاثة، ويقول: معي ألف وأحتاج الى مثليه فأنت محتاج الى ثلاثة آلاف، فإذا نويت أن يكون الألف داخلا في المثل كان المثل والاثنان ثلاثة.\n_________\n(١) لعلّه: ابن أبي مرثد.","vol":"3","page":21},{"text":"قاله الفرّاء: التأويل الآخر أن معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم قللهم الله في أعينهم حتى رأتها ستمائة وستة وعشرون، وكانوا ثلاثة أمثالهم تسعمائة وخمسين، ثم قلّلهم في أعينهم في حالة أخرى حتى رأتها مثل عدد أنفسهم.\nقال ابن مسعود: في هذه الآية نظرنا الى المشركين فرأيناهم يضاعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا ولا واحدا، ثم قللهم الله في أعينهم حتى رأتهم عددا يسيرا أقل عددا من أنفسهم.\nوقال ابن مسعود أيضا: لقد قلّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل الى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا، وقال بعضهم:\nالروية راجحة الى المشركين يعني: يرى المشركون المؤمنين مثليهم قلّلهم الله في أعينهم قبل القتال يعني في أعين المشركين ليجترؤوا عليهم ولا ينصرفوا، فلمّا أخذوا في القتال كثّرهم في أعينهم ليجبنوا وقلّلهم في أعين المؤمنين ليجتروا فذلك قوله: وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا «١» الآية.\nمحمّد أبي الفرات عن سعيد ابن أبي آوس في قوله: يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ قال:\nكان المشركون يرون المسلمين مثليهم فلمّا أسروهم سألهم المشركون كم كنتم؟ قالوا: ثلاثمائة وبضعة عشرة، قالوا: ما كنّا نراكم إلّا تضاعفون علينا، قال: وذلك ممّا نصر به المسلمون.\nوقرأ السلمي يُرَوْنَهُمْ بضم الياء على ما لم يسمي فاعله وإن شئت على معنى الظن.\nرَأْيَ الْعَيْنِ أي في رأي العين نصب ونزع حرف الصفة وإن شئت على المصدر أي ترونهم رأي العين، أي: في نظر العين يقال: رأيت الشيء رأيا ورؤية ورؤيا ثلاث مصادر إلّا أنّ الرؤيا أكثر ما يستعمل في المنام ليفهم في رأى العين بمعنى النظر إذا ذكر.\nوقال الأعشى:\nفلما رأى لا قوم من ساعة ... من الرأي ما أبصروه وما أكتمن\nوَاللَّهُ يُؤَيِّدُ: يقوي بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ: التي ذكرت لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ: لذوي العقول، وقيل: لمن أبصر الجمعين.\nزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ: جمع شهوة وهي نزوع عن النفس إليه، وإنّما حرّكت الهاء في الجمع ليكون فرقا بين جمع الاسم وبين جمع النعت لأنّ النعت لا تحرك نحو: ضخمة،\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٤٤.","vol":"3","page":22},{"text":"ضخمات، وحبلة حبلات، والاسم يحرك مثل: تمرة وتمرات، هو نفقة الجيل ونفقات، فإذا كان ثاني الاسم تاء أو واوا، فأكثر العرب على تسكينها [استثقالا] لتحريك الياء والواو كقولك:\nبيضة وبيضات، جوزة وجوزات.\nوعن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قال: حفّت الجنّة بالمكاره وحفّت النّار بالشهوات» [١٢] «١» .\nمِنَ النِّساءِ: بدأ بهنّ لأنهنّ حبائل الشيطان وأقرب الى الافتان.\nوَالْبَنِينَ:\nعن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله ﷺ للأشعث بن قيس: هل لك من ابنة حمزة من ولد؟ قال: نعم لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من بني حيلة، فقال النبي ﷺ: لئن قلت ذلك إنّهم لثمرة القلوب وقرّة الأعين وإنّهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة «٢» .\nوَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ: المال الكثير بعضه على بعض.\nابن كيسان: المال العظيم، أبو عبيدة: تقول العرب هو أن لا يحدّ.\nوقال الباقون: فلا محدود، ثم اختلفوا فيه،\nفروى أبو صالح عن أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال: «القنطار: إثنا عشر ألف أوقية» [١٣] «٣» .\nوعن يزيد الرقاشي قال: دخلت أنا وثابت وناس معنا الى أنس بن مالك فقلنا له: يا أبا حمزة ما كان النبي ﷺ يقول في قيام الليل؟ قال أنس: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ في ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية أعطي قيام ليلة كاملة، ومن قرأ مائتي آية ومعه القرآن فقد أدّى حقّه، ومن قرأ خمسمائة آية الى أن يبلغ ألف آية كان كمن تصدّق بقنطار قبل أن يصبح، قيل: وما القنطار؟ قال: ألف دينار.\nسالم بن أبي الجعد عن معاذ بن جبل قال: القنطار ألف ومائتا أوقيّة، وهو قول ابن عمر ومثله\nروي زر بن حبيش عن أبي بن كعب: عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية» [١٤] «٤» .\nوروى عطية عن ابن عباس وعبد الله بن عمر عن الحكم عن الضحاك: «إنّ القنطار ألف ومائتا مثقال» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ١٥٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٣٠. [.....]\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٣٦٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٣٠.","vol":"3","page":23},{"text":"ومثله روى يونس عن الحسن عن رسول الله ﷺ مرسلا.\nروي حمزة عن أنس عن النبي ﷺ قال: «القنطار ألف دينار» [١٥] «١» .\nسعيد بن جبير عن عكرمة: هو مائة ألف ومائة من، ومائة [رطل] ومائة مثقال ومائة درهم، ولقد جاء الإسلام يوم جاء [وبمكة] «٢» مائة رجل.\n[وعن سفيان عن] إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح قال: القنطار: مائة رطل «٣» .\nفقال الحكم: القنطار ما بين السماء والأرض من مال.\nأبو نظرة: مسك ثور ذهبا أو فضّة.\nسعيد بن المسيّب وقتادة: ثمانون ألفا.\nليث عن مجاهد القنطار: سبعون ألفا.\nشريك: أربعون ألف مثقال.\nالحسن: القنطار دية أحدكم.\nومثله روى الوالبي عن ابن عباس وجويبر عن الضحّاك قال: إثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار دية أحدكم.\nوعن أبي حمزة الثمالي قال: القنطار بلسان أفريقيا والأندلس ثمانية آلاف جروال من ذهب أو فضة.\nوروى الثمالي عن السدي قال: أربعة آلاف مثقال.\nقال الثعلبي: ورأيت في بعض الكتب أنّ القناطير [مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه] وأصلها من الإحكام يقال: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سمّيت القنطرة المقنطرة «٤» .\nقال الضحاك: الْمُقَنْطَرَةِ: المحصّنة المحكمة.\nقتادة: هي الكثيرة المنضدة بعضها فوق بعض كأنّها المدفونة يقال: قنطر إذا كثر.\nالسدي: المخزونة المنقوشة حتى صارت دراهم ودنانير.\nقال الفراء: المضعّفة كأن القنطار ثلاثة والْمُقَنْطَرَةِ تسعة.\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٢/ ١٠.\n(٢) كذا في المخطوط ولعلّه: والقناطر.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٧٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٣٠، ونسبه للزجاج.","vol":"3","page":24},{"text":"أبو عبيدة: هو مفعللة من القنطار مثل قولك ألف مؤلّف.\nمِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ: قيل سمّي الذهب ذهبا لأنه يذهب ولا يبقى، والفضّة لأنّه تنفض أي تفرق.\nوَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ: الخيل جمع هو لا واحد له من لفظه. واحده «فرس» كالقوم والنساء والرهط والجيش ونحوها. واختلف العلماء في معنى «الْمُسَوَّمَةِ» فقال مجاهد، وسعيد بن جبير، والربيع: هي الراعية.\nومثله روى عطيّة عن ابن عباس والحسن: هي المرعيّة يقال: سامت الخيل يسوم سوما، فهي سائمة، وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة، وسوّمتها تسويما فهي مسوّمة. قال الله:\nفِيهِ تُسِيمُونَ «١» .\nوفيه قول الأخطل:\nمثل ابن بزعة أو كآخر مثله ... أولى لك ابن مسيمة الآجال «٢»\nيعني: ابن الإبل.\nحبيب بن أبي ثابت، وابن أبي نجيع عن مجاهد: المطهّمة الحسان ليث عنها المصوّرة، وعن عكرمة: تسويمها حسنها «٣» .\nالسدّي: هي الرايعة، وكلها بمعنى واحد.\nأبو عبيدة، والحسن، والأخفش، والقتيبيّ: المعلّمة. ومثله روى الوالبي عن ابن عباس.\nقتادة: شيباتها وألوانها، المؤرّج المكويّة، المبرد: المعرفة في البلدان.\nابن كيسان: اليحلق وكلها قد قسارية وأصلها من السومة، والمسيما وهي العلامة. يقال:\nسومت الخيل تسويما إذا علمتها. قال الله تعالى: بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ «٤» .\nقال النابغة في صفة الخيل:\nبسمر كالقداح مسوّمات ... عليها معشر اشبها جنّ «٥»\nوقال الأعشى:\nوفرسان الحفاظ بكل ثغر ... يقودون المسوّمة العرابا\n_________\n(١) سورة النمل: ١٠.\n(٢) الأغاني: ٨/ ٣١٩، (دار الكتب المصرية) وفيه: كابن البزيعة.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٣٢٤.\n(٤) سورة آل عمران: ١٢٥.\n(٥) جامع البيان للطبري: ٣/ ٢٧٧.","vol":"3","page":25},{"text":"وقال ابن زيد وأبان بن ثعلب: المسومة: المعدّة للحرب والجهاد.\nقال لبيد:\nولعمري لقد بلي كليب ... كلّ قرن مسوّم القتال\nقال الثعلبي: ورأيت في بعض التفاسير: أنّها الهماليخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>فصل في الخيل</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>«صفة خلقها»</span>\nروى الحسن بن علي عن أبيه علي (﵇) قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله لما أراد أن يخلق الخلق قال للريح الجنوب: إنّي خالق منك خلقا. فأجعله عزّا لأوليائي، ومذلة على أعدائي، وجمالا لأهل طاعتي، فقال الريح: أخلق. فقبض منها قبضة فخلق فيها فرسا.\nفقال له: خلقتك عربيا وجعلت الخير معقودا بناصيتك، والغنائم مجموعة على ظهرك، عطفت عليك صاحبك، وجعلتك تطير بلا جناح، وأنت للطلب وأنت للهرب، وسأجعل على ظهرك رجالا يسبّحوني ويحمدونني، ويهلّلوني ويكبّروني، تسبّحين إذا سبّحوا، وتهلّلين إذا هلّلوا، وتكبّرين إذا كبّروا» .\nوقال رسول الله ﷺ: «ما من تسبيحة، وتحميدة وتمجيدة، وتكبيرة يكبّرها صاحبها وتسعه إلّا وتجيبه بمثلها» [١٦] «١» .\nثم قال: «لما سمعت الملائكة صفة الفرس عاتبوا خالقها قالت: ربّ نحن ملائكتك نسبّحك، ونحمدك فماذا لنا؟ فخلق الله لها خيلا بلقاء أعناقها كأعناق البخت، قال: فلما أرسل الفرس الى الأرض فاستوت قدماه على الأرض صهل، فقيل: بوركت من دابّة أذلّ بصهيله المشركين، أذل به أعناقهم، أملأ منه آذانهم، وأرعب به قلوبهم.\nفلما عرض الله على آدم من كل شيء قال: أختر من خلقي ما شئت، فاختار الفرس. فقال له: اخترت عزّك وعزّ ولدك خالدا ما خلدوا وباقيا ما بقوا. [يلقح فينتج منه أولادك أبد الآبدين] بركتي عليك وعليه ما خلقت خلقا أحبّ الي منك ومنه» [١٧] «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>فضلها:</span>\nروى أبو صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الخيل معقود في نواصيها الخير الى يوم القيامة» [١٨] «٣» .\n_________\n(١) الدر المنثور: ٣/ ١٩٥.\n(٢) كنز العمّال: ٤/ ٤٦٥، ح ١١٣٨٢، والدرّ المنثور: ٣/ ١٩٥، و: ٤/ ١١١.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٤٩. [.....]","vol":"3","page":26},{"text":"وعن سعيد بن عروبة عن قتادة عن آنس قال: لم يكن شيء أحبّ الى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل.\nوعن أبي ذرّ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس من فرس عربي إلّا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوتين يقول: اللهم خولتني من خولتني من بني آدم، وجعلتني له، فاجعلني أحبّ ماله وأهله إليه، أو من أحب ماله وأهله إليه» [١٩] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>شأنها:</span>\nعن أبي وهب الحسيني، وكانت له صحبة قال: قال رسول الله: ﷺ «وارتبطوا الخيل، وامسحوا نواصيها وأكفالها، وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار، وعليكم بكل كميت أغرّ «٢» محجّل أو أشقر محجل، أو أدهم أغرّ محجّل» [٢٠] «٣» .\nوروى أبو زرعة عن أبي هريرة قال: كان النبي يكره الشكال «٤» من الخيل\n، قال أبو عبد الرحمن: الشكال من الخيل أن يكون ثلاث قوائم محجلة وواحدة مطلقة أو يكون ثلاث قوائم مطلقة، ورجل محجلة، وليس تكون الشكال إلا في الرجل «٥» .\nوروى سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار» [٢١] «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>وجوهها:</span>\nزيد بن أسلم عن أبي صالح التمار عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «الخيل لثلاثة:\nلرجل أجر، ولرجل ستر. ولرجل وزر، فأما الذي هو له أجر فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك من المرج والروضة، كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفا أو شرّفن كانت أن آثارها وأرواثها حسنات له. ولو أنّها مرّت بنهر فشربت منه، ولم يرد أن يسقيها منه كان ذلك حسنات له فهي لذلك أجر. ورجل ربطها تقنّنا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها وظهرها فهي لذلك ستر. ورجل ربطها فخرا ورياء ونوى لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر» [٢٢] «٧» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ١٧٠.\n(٢) الأغر: هو ما له غرّة في جبهته بيضاء فوق الدرهم.\n(٣) سنن النسائي: ٦/ ٢١٨.\n(٤) الشكال: بياض في اليدين أو فقط في اليمنى والرجل اليمنى، وقيل: عكسه في اليسرى.\n(٥) نيل الأوطار للشوكاني: ٨/ ٢٥٤.\n(٦) مسند أحمد: ٢/ ١٣٦.\n(٧) السنن الكبرى: ١٠/ ١٥.","vol":"3","page":27},{"text":"وعن خباب بن الإرث قال: قال رسول الله ﷺ: «الخيل ثلاثة فرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان فأمّا فرس الرحمن فما اتخذ في سبيل الله، وقتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان فما استبطن ويحمل عليه، واما فرس الشيطان فما روهب ورهن عليه وقومر عليه» [٢٣] «١» .\nوَالْأَنْعامِ: جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم، جمع لا واحد له من لفظه.\nوَالْحَرْثِ: يعني الزرع.\nذلِكَ: الذي ذكرت.\nمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا: لا عتاد المعاد والعقبى.\nوَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ: أي المرجع مفعل من أب، يؤوب أوبا مثل المتاب.\nزيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن الأرقم وهو يقول لعمر (﵁): يا أمير المؤمنين إنّ عندنا حلية من حلية جلود وآنية من ذهب وفضّة فما رأيك فيها. فقال عمر: إذا رأيتني فارغا فائتني، فقال: يا أمير المؤمنين إنّك اليوم فارغ. قال: فما نطلق معه، فجيء بالمال. فقال: أبسطه قطعا، فبسط ثم جيء بذلك المال وصبّ عليه ثم قال: «اللهم إنّك ذكرت هذه المال فقلت: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ «٢» ثم قلت لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ «٣» اللهم إنا لا نستطيع أن لا نفرح بما آتينا، اللهم أنفقه في حق، وأعوذ بك منه، قال: فأتى بابن له يحمله، يقال له عبد الرحمن، فقال: يا أبه هب لي خاتما.\nقال: اذهب الى أمك تسقيك سويقا، فلم يعطه شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥ الى ٢٢]</span>\nقُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩)\nفَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢)\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٥/ ٢٦٠.\n(٢) سورة آل عمران: ١٤.\n(٣) سورة الحديد: ٢٣.","vol":"3","page":28},{"text":"قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ: أخبركم.\nبِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ: الذي ذكرت تم الكلام هاهنا. ثم ابتدأ فقال: لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ: تقع خبر حرف الصلة.\nتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ: قرأ العامة بكسر الراء. وروى أبو بكر عن عاصم: بضم الراء من الرضوان في جميع القرآن وهو لغة قيس وغيلان، وهما لغتان كالعدوان والعدوان والطغيان والطغيان.\nزيد ابن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله ﷺ قال: يقول الله ﷿ لأهل الجنة: «يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربّنا وسعديك والخير في يديك. فيقول:\nهل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحد من خلقك» .\nفيقول: «ألا أعطكم أفضل من ذلك» فيقولون: وأيّ شيء أفضل من ذلك؟ قال: «أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا» [٢٤] «١» .\nوَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إن شئت جعلته محل (الَّذِينَ) على الجر ردا على قوله لِلَّذِينَ اتَّقَوْا «٢» . وإن شئت رفعته على الابتداء كقوله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ «٣» . ثم قال في صفتهم مبتدئا: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ.\nرَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا صدّقنا.\nفَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا: أسترها علينا وتجاوزها عنا.\nوَقِنا عَذابَ النَّارِ. الصَّابِرِينَ: في أداء الأمر، وعن ارتكاب الزنى وعلى الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ. وان شئت نصبتها وأخواتها على المدح، وإن شئت خفضتها على النعت.\nوَالصَّادِقِينَ: في إيمانهم، قال قتادة: هم قوم صدقت نياتهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم فصدقوا في السر والعلانية وَالْقانِتِينَ: المطيعين المصلين.\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٨/ ٢٠٥، صحيح مسلم: ٨/ ١٤٤.\n(٢) سورة آل عمران: ١٥.\n(٣) سورة التوبة: ١١١.","vol":"3","page":29},{"text":"وَالْمُنْفِقِينَ: أموالهم في طاعة الله.\nوعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لله ملكا ينادي: اللهم اعط منفقا خلفا، واعط ممسكا تلفا» [٢٥] «١» .\nوَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ: قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، والكلبي والواقدي: يعني المصلين بالأسحار. نظير قوله وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «٢» أي يصلّون.\nوقال يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي الزهري قال: قلت لزيد بن اسلم: من الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ؟ قال: هم الذين يشهدون الصبح «٣» .\nوكذلك قال ابن كيسان: يعني صلاة الصّبح في المسجد.\nوقال الحسن: صلّوا الصلاة الى السحر ثم استغفروا.\nقال نافع: كان ابن عمي يحيي الليل، ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول: لا، فيعاود الصلاة، وإذا قلت: نعم، فيستغفر الله ويدعوا حتى الصبح «٤» .\nوروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر يتهجّد في المسجد وهو يقول: ربّ أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي. فنظرت فإذا هو ابن مسعود (﵁) .\nوروى صالح وحماد بن سلمة عن ثابت وأبان وجعفر بن زيد عن أنس بن مالك قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: إنّ الله ﷿ يقول: «إني لأهمّ بأهل الأرض عذابا فإذا نظرت الى عمّار بيوتي والى المتهجدين والى المتحابين فيّ، والى الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ صرفت عنهم» [٢٦] «٥» .\nمحمد بن زاذان عن أم سعد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ ثلاثة أصوات يحبهم الله ﷿ صوت الديك، وصوت الذي يقرأ القرآن، وصوت الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ» [٢٧] «٦» .\nحمّاد بن سلمة عن سعيد الجريري قال: بلغنا أنّ داود نبي الله سأل جبرائيل (﵇): أي الليل أفضل؟ فقال: ما أدري إلا أنّ العرش يهتز من السحر «٧» .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٣/ ٨٤، والمستدرك: ٤/ ٥٥٩، بتفاوت يسير. [.....]\n(٢) سورة الذاريات: ١٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٢٨٤، وفيه: يرويه يعقوب عن زيد مباشرة.\n(٤) مجمع الزوائد: ٩/ ٣٤٧.\n(٥) كنز العمّال: ٧/ ٥٧٩، ح ٢٠٣٤٣.\n(٦) كنز العمّال: ١٢/ ٣٣٥، ح ٣٥٢٨٥.\n(٧) المصنّف لابن أبي شيبة: ٨/ ١١٥، وتاريخ بغداد: ٤/ ٥٤.","vol":"3","page":30},{"text":"وقال سفيان الثوري: إنّ لله ريحا يقال لها: الصبّحية تهب وقت الأسحار تحمل الأذكار والاستغفار الى الملك الجبّار.\nقال سفيان انّه إذا كان من أوّل الليل، نادى مناد: ألا ليقم العابدون، فيقومون فيصلّون ما شاء الله، ثم ينادي منادي في شطر الليل: ليقم القانتون، فيقومون كذلك يصلّون الى السحر.\nفإذا كان نادى مناد: ألا ليقم المستغفرون، فيقومون فيستغفرون، ويقوم آخرون يصلّون فيلحقون بهم. فإذا طلع الفجر نادى مناد: اللهم ليقم الغافلون فيقومون، من فراشهم كأنهم نشروا من قبورهم.\nوقال لقمان لابنه: «يا بني لا يكون الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم.\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.\nعن غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة فنزلت قريبا من الأعمش وكنت اختلف إليه. فلما كنت ذات ليلة أردت أن أنحدر الى البصرة قام من الليل يتهجد فمر بهذه الآية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية. ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي عند الله وديعة، إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قالها مرارا. قلت: لقد سمع. فما شيئا فصلّيت معه وودعته، ثم قلت: آية سمّعتك نردّدها فما بلغك فيها؟ قال: والله لا أحدث بها الى سنة. فلبثت على بابه ذلك اليوم، وأقمت سنة، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد مضت السنة، فقال: حدثنا أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «يجيء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: عبدي عهد إليّ وأنا أحق من وفى بالعهد. أدخلوا عبدي الجنة» [٢٨] «١» .\nخالد بن زيد عن يزيد الرقاسي عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ: من قرأ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية.. عند منامه خلق الله ﷿ له سبعين ألف ملك يستغفرون له الى يوم القيامة» [٢٩] «٢» .\nوعن الزبير بن العوام قال: قلت: لأدنونّ هذه [العشية] من رسول الله ﷺ، وهي عشية عرفه حتى أسمع ما يقول، فحبست ناقتي من ناقة رسول الله ﷺ وناقة رجل كان الى جنبه.\nفسمعته يقول: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية. فما زال يردّدها حتى دفع.\nيعقوب عن جعفر عن سعيد بن جبير قال: كان حول الكعبة ثلاث مائة وستون صنما. فلما نزلت شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية، خرّوا سجّدا.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٦/ ٣٢٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٤٢.","vol":"3","page":31},{"text":"قال الكلبي: قدم حبران من أهل الشام على النبي ﷺ، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة صفة مدينة النبي ﷺ الذي يخرج آخر الزمان! فلما دخلا على النبي ﷺ عرفاه بالصفة والنعت. فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم. قالا: وأنت أحمد؟ قال: إنا محمد وأحمد قالا: إنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا به آمنّا بك وصدّقناك. فقال: بلى. قالا:\nأخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله؟ فأنزل الله هذه الآية شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الآية.. فأسلم الرجلان.\nواختلف القرّاء في هذه الآية. فقرأ أبو نهيك وأبو الشعثاء: شَهِدَ اللَّهُ بالرفع والمدّ على معنى: هم شهداء يعني: الذين مرّ ذكرهم.\nوروى المهلّب عن محارب بن دثار: شَهِدَ اللَّهَ منصوبة على الحال والمدح.\nوقرأ الآخرون: شَهِدَ اللَّهُ على الفعل أي بيّن لأن الشهادة تبيين.\nوقال مجاهد: حكم الله، الفرّاء وأبو عبيدة: قضى الله، المفضّل: لعلم الله.\nابن كيسان: شَهِدَ اللَّهُ بتدبيره العجيب، وصنعه المتقن، وأموره المحكمة من خلقه أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، وهذا كقول القائل:\nولله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد ... وفي كل شيء له آية تدل على أنّه واحد «١»\nوقيل لبعض الأعراب: ما الدليل على أنّ للعالم صانعا؟\nفقال: إنّ البعرة تدل على البعير، وآثار القدم تدل على المسير، وهيكل علوي بهذه اللطافة ومركز سفلي بهذه الكثافة أما يدلّان على الصانع الخبير.\nقال ابن عباس: «خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، وشهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا برّ ولا بحر، فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ» [٣٠] .\nوقرأ ابن مسعود: (أنّ لا آله إلا هو ...)\nوقرأ ابن عباس: شَهِدَ اللَّهُ إِنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ: بكسر الألف جعله خبرا مستأنفا معترضا في الكلام على توهم الفاء، كأنه قال: فإنّه لا إله إلّا هو، قاله أبو عبيدة والمفضّل، وقال بعضهم: كسره لأن الشهادة قول وما بعد القول يكون مكسورا على الحكاية فتقديره قال الله:\nأَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ.\nوَالْمَلائِكَةُ: قال المفضّل: معنى شهادة الله للإخبار والإعلام، ومعنى شهادة ملائكة\n_________\n(١) تفسير الثعالبي: ٢/ ١٤٩.","vol":"3","page":32},{"text":"الله والمؤمنين الإقرار كقوله: الُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا\n«١» أي أقررنا فنسق شهادة الملائكة، وَأُولُوا الْعِلْمِ على شهادة الله تعالى.\nوالشهادتان مختلفتان معنى لا لفظا كقوله ﷿: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ «٢» والصلاة من الله «الرحمة» ومن الملائكة «الاستغفار والدعاء»، وَأُولُوا الْعِلْمِ: يعني الأنبياء (﵈) .\nوقال ابن كيسان: يعني المهاجرين والأنصار.\nمقاتل: مؤمني أهل الكتاب، عبد الله بن سلام: وأصحابه: نظيره قوله: إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ «٣»، وقوله: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ «٤» .\nوقال السدي والكلبي: يعني علماء المؤمنين كلهم. فقرّب الله تعالى شهادة العلماء بشهادته لأن العلم صفة الله العليا ونعته العظمى. والعلماء أعلام الإسلام والسابقون الى دار السلام وسرج الأمكنة وحجج الأزمنة.\nوروى صفوان عن سليم عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «ساعة من عالم متّكئ على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة العابد سبعين عاما» [٣١] «٥» .\nالمسيب بن شريك عن حميد الطويل عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ:\n«تعلّموا العلم فإنّ تعلّمه لله حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وتذكره لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل الجنة والنار، والأنيس في الوحشة والصاحب في الغربة، والميراث في الخلوة، والدليل على السرّاء والضرّاء، والسلاح على الأعداء، والقرب عند الغرباء، يرفع الله به أقواما ويجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم، ويبيّن آثارهم، ويرموا أعمالهم، وينهى الى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلواتهم تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحر وسباع الأرض وأنعامها والسماء ونجومها، ألا فإن العلم خير أنقاب عن الصمى، ونور الأبصار من الظلم، وقوة الأبدان من الضعف، يبلغ بالعبد منازل الأحرار، ومجالس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام، به يعرف الحلال والحرام، وبه توصّل الأرحام، إمام العمل والعقل تابعه، يلهم السعد أو يحرم إذا شقي» [٣٢] «٦» .\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٣٠.\n(٢) سورة الأحزاب: ٥٦.\n(٣) سورة الإسراء: ١٠٧.\n(٤) سورة الرعد: ٤٣.\n(٥) الجامع الصغير: ٢/ ٣٩، ح ٤٦٢٢. [.....]\n(٦) تفسير الثعالبي: ٢/ ١٢.","vol":"3","page":33},{"text":"قائِمًا بِالْقِسْطِ: أي بالعدل ونظام الآية «شهد الله قائما بالقسط» . وهو نصب على الحال.\nوقال الفرّاء: هو نصب على القطع كأن أصله القائم، وكذلك هو في (عبد الله) فلما قطعت الألف واللام نصب لقوله تعالى: وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا «١» .\nوقال أهل المعاني في قوله: قائِمًا بِالْقِسْطِ: أي مدبّر، رازق، مجازي بالأعمال كما يقال: فلان قائم بأمري: أي مدبّر له متعهد لأسبابه، وقائم بحق فلان: أي بحاله.\nلا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ: كرّر لأنّ الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت في محل الحكم.\nوقال جعفر الصّادق: الأولى [وصف وتوحيد] والثانية رسم وتعليم يعني قولوا: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢» .\nإِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ: يعني [بالدين الطاعة والملّة] لقوله: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا «٣» .\nوفتح الكسائي ومحمد بن عيسى الاصفهاني ألف (إنّ) ردا على (أنّ) الأولى في قوله:\nشَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ يعني: شهد الله أنّه، وشهد أن الدين عند الله الإسلام، وكسر الباقون على الابتداء. والإسلام [من السلم: الإيمان و] الطاعة يقال: أسلم أي: دخل في السلم. وذلك كقولهم: أستى وأربع وأمحط واخبت: أي دخل فيها.\nسفيان: قال قتادة: في قوله: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ قال: [شهادة] أن لا إله إلا الله. والإقرار بأنّها من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله ودلّ عليه أولياءه ولا يقبل غيره ولا جزى إلّا به.\nوَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الآية، قال الربيع: إنّ موسى (﵇) لما حضرته الوفاة دعا سبعين حبرا من أحبار بني إسرائيل، واستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليها، واستخلف يوشع بن نون.\nفلمّا مضى القرن الأول والثاني والثالث وقعت الفرقة بينهم، وهم الذين أوتوا الكتاب من أبناء أولئك السبعين حتى أوقعوا بينهم الدماء، ووقع الشر والإختلاف وذلك مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ يعني: بيان ما في التوراة بَغْيًا بَيْنَهُمْ: أن طلبها للملك والرئاسة والتحاسد والمناقشة فسلط الله عليهم الجبابرة.\n_________\n(١) سورة النحل: ٥٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٤٣.\n(٣) سورة المائدة: ٣.","vol":"3","page":34},{"text":"وقال بعضهم: أراد وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ: في نبوة محمد ﷺ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ، يعني: بيان نعته وصفته في كتبهم.\nوقال محمد بن جعفر عن الزبير: نزلت هذه الآية في نصارى نجران ومعناها: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ هو الإنجيل في أمر عيسى (﵇)، وفرّقوا القول فيه إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ، بأن الله واحد، وأنّ عيسى عبده ورسوله بَغْيًا بَيْنَهُمْ: أي للمعاداة والمخالفة.\nوَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ: لا يحتاج الى عقد وقبض يد.\nوقال الكلبي: نزلت في يهوديين تركوا اسم الإسلام وتسمّوا باليهودية والنصرانية، قال الله تعالى: وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ قال: دين الله هو الإسلام بغيا منهم فلمّا وجدا نظيره قوله: وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ «١» فقالت اليهود والنصارى: لسنا على ما سميتنا به يا محمد إنّ اليهودية والنصرانية سبّ هو الشرك، والدين هو الإسلام ونحن عليه.\nفَإِنْ حَاجُّوكَ: خاصموك يا محمد في الدين، فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ: أي انقدت [لأمر الله] لِلَّهِ: وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي، إنّما خص الوجه لأنّه أكرم جوارح الإنسان، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء فقد خضع له سائر جوارحه التي هي دون وجهه.\nوقال الفرّاء: معناه أخلصت عملي لله.\nيقال: أسلمت الشيء لفلان وسلمته له، أي دفعته إليه [......] «٢» ومن هذا يقال:\nأسلمت الغلام إلى [....] «٣» وفي صناعة كذا. أي أخلصت لها.\nوالوجه: العمل كقوله: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ: أي قصده وعمله. وقوله: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى «٤» .\nوَمَنِ اتَّبَعَنِ: «من» في محل الرفع عطفا على التاء في قوله: أَسْلَمْتُ أي: ومن اتبعني أسلم كما أسلمت.\nوأثبت بعضهم «٥» ياء قوله: اتبعني على الأصل، وحذفه الآخرون على لفظ ينافي المصحف [إذا وقعت فيه بغير ياء] . وأنشد:\n_________\n(١) سورة البيّنة: ٤.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) سورة الليل: ٢٠.\n(٥) وهم نافع وأبو عمرو ويعقوب راجع تفسير القرطبي: ٤/ ٤٥.","vol":"3","page":35},{"text":"كفاك كفّ ما تليق درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف دما «١»\nوقال آخر:\nليس تخفى يسارتي قدر يوم ... ولقد يخف شيمتي إعساري «٢»\nوَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ: يعني العرب (أَأَسْلَمْتُمْ): لفظ استفهام ومعناه أمر، أي أسلموا كقوله:\nفَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ: أي نهوا، فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا:\nفقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية، فقال أهل الكتاب: أسلمنا. فقال للنصارى: أتشهدون أنّ عيسى كلمة من الله وعبده ورسوله، فقالوا: معاذ الله.\nوقال لليهود: إنّ عزير هو عبد الله ورسوله، قالوا: معاذ الله فذلك قوله: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ. بتبليغ الرسالة، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ: عالم بمن يؤمن بالله ومن لا يؤمن بالله وبأهل الثواب وبأهل العقاب.\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ: يجحدون، بِآياتِ اللَّهِ: بحجّة وأعلامه، وقيل: هي القرآن، وقيل: هم اليهود والنصارى وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ قرأ الحسن ويُقَتِّلُونَ بالتشديد فهما على تكثر.\nوقرأ حمزة: (وتقاتلون الّذين يأمرون) اعتبارا بقراءة مسعود (وقاتلوا الذين يأمرون به)، ووجه هذه القراءة يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وقد «قاتلوا الذين يأمرون» لأنه غير جائز عطف الماضي على المستقبل وفي حرف. أي: ويقتلون النبيين بغير حق والذين يأمرون بالقسط، قال مقاتل: أراد به ملوك بني إسرائيل.\nوقال معقل بن أبي سكين، وابن جريح: كان الوحي يأتي الى أنبياء بني إسرائيل، ولم يكن يأتيهم كتاب فيذكّرون قومهم فيقتلون. فيقوم رجال فمن اتّبعهم وصدقهم فيذّكرون قومهم فيقتلون أيضا. فهم الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ.\nوعن قبيصة بن دويب الخزاعي عن أبي عبيدة الجرّاح قال: قلت لرسول الله ﷺ: أي الناس أشد عذابا يوم القيامة؟ قال: «رجل قتل نبيا، أو رجل أمر بالمنكر ونهى عن المعروف»، ثم قرأ رسول الله ﷺ: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ إلى قوله: وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ثم قال رسول الله ﷺ: «يا أبا عبيدة قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا في أول النهار ساعة واحدة، فقام مائة وإثنا عشر رجلا من عبّاد بني إسرائيل فأمروا من قبلهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر\n_________\n(١) فتح القدير: ٥/ ٤٣٣.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٢١٧.","vol":"3","page":36},{"text":"فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم، فهم الذين ذكرهم الله تعالى في كتابه فأنزل الآية فيهم» [٣٣] .\nوعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «بئس القوم قوم يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ، بئس القوم قوم لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، وبئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان» [٣٤] «١» .\nفَبَشِّرْهُمْ.. أخبرهم بعذاب أليم، وإنما أدخل الفاء [في خبرها] «٢» لأنه قوله: (الَّذِينَ) موضع الجزاء [«وإنّ» لا تبطل معنى الجزاء لأنّها بمزلة الابتداء عكس: ليت] «٣» .\nوقيل: أدخل الفاء على الغاء أن وتقديره: «الذين يكفرون ويقتلون فبشّرهم بعذاب أليم رجيح.\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ: ذهبت وبطلت.\nوقرأ أبو واقد والجرّاح: «حَبَطَتْ» بفتح التاء مستقبلة «تحبط» بكسر الباء وأصله من «الحبط» وهو أن ترعى الماشية [بلا دليل ورديع] «٤» فتنتفخ من ذلك بطونها، وربّما ماتت منه، ثم جعل كل شيء يهلك حبطا.\nومنه\nقول النبي ﷺ: «إنّ مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا إذ يلم» [٣٥] «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٢٣ الى ٣٢]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧)\nلا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨) قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)\nنَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ: أي نصيبا وحظا من الكتاب. يعني: اليهود يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ.\nواختلفوا في هذا الكتاب الذي أخبر الله تعالى إنّهم يدعون إليه فيعرضون عنه. فقال قوم:\nهو القرآن.\nوروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في هذه الآية قال: إنّ الله ﷿ جعل القرآن حكما فيما بينهم وبين رسول الله، فحكم القرآن على اليهود والنصارى أنّهم على غير دين الهدى فأعرضوا عنه.\nوقال قتادة: هم أعداء الله اليهود. دعوا الى حكم القرآن واتباع محمد ﷺ فأعرضوا، وهم يجدونه مكتوبا في كتبهم.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٤٦.\n(٢) زيادة منّا للإيضاح.\n(٣) زيادة منّا للإيضاح، والمخطوط لا يقرأ. [.....]\n(٤) هكذا الظاهر، وفي تفسير القرطبي (٣/ ٤٦) الحبط: هو فساد يلحق المواشي في بطونها من كثرة أكلها الكلأ فتنتفخ أجوافها وربّما تموت من ذلك.\n(٥) صحيح ابن حبّان: ٨/ ٢٣، كنز العمّال: ٣/ ٢٠٤.","vol":"3","page":37},{"text":"السّديّ: دعا النبي ﷺ اليهود إلى الإسلام، فقال له النعمان بن أبي أوفى: هلمّ يا محمّد نخاصمك إلى الأحبار، فقال له رسول الله ﷺ: بل الى كتاب الله. فقال: بل الى الأحبار.\nفأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الآخرون: هي التوراة.\nروى سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس، قال: دخل رسول الله ﷺ بيت المقدس على جماعة من اليهود، فدعاهم الى الله ﷿.\nفقال له نعيم بن عمر وابن الحارث بن فهد: على أيّ دين أنت يا محمد؟ فقال: على ملّة إبراهيم. قالا: إنّ إبراهيم كان يهوديا. فقال لهم رسول الله ﷺ: فأسلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم، فأبيا عليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّ رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، وكانا في شرف منهم، وكان في كتابهم الرجم. فكرهوا رجمهما لحالهما وشرفهما، ورجوا أن يكون عند رسول الله رحمة في أمرهما، فرفعوا الى رسول الله ﷺ فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان ابن أبي أوفى ونخري بن عمر: جرت علينا يا محمد. ليس عليهما الرجم، فقال لهم رسول الله ﷺ بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم. قالوا: قد أنصفتنا. قال فمن أعلمكم؟\nفقالوا: رجل أعمى يسكن فدك، يقال له ابن صوريا، فأرسلوا إليه، فقدم المدينة وكان جبرائيل (﵇) قد وصفه لرسول الله ﷺ، فقال له رسول الله: لأنت ابن صوريا؟ قال:\nنعم. قال: أنت أعلم اليهود؟ قال كذلك يزعمون، قال: فدعا رسول الله بشيء من التوراة فيها الرجم مكتوب. فقال له: أقرأ. فلما أتى آية الرجم وضع كفه عليه وقرأ ما بعدها. فقال ابن سلام: يا رسول الله قد جاوزها ووضع كفه عليها، وقام ابن سلام الى ابن صوريا فرفع كفه عنها، ثم قرأ على رسول الله ﷺ: «اليهوديان المحصنان إذا زنيا، وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها» [٣٦] «١» . فأمر رسول الله باليهوديين فرجما، فغضب اليهود لذلك غضبا شديدا، وانصرفوا. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\n_________\n(١) فتح الباري: ١٢/ ١٥٠، يلاحظ لم يذكر كلمة: اليهوديان، في الحديث.","vol":"3","page":38},{"text":"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ حظا من التوراة.\nيُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ، فقد علمهم أنّها في التوراة.\nوَهُمْ مُعْرِضُونَ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ: أي فكيف يصنعون لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ: وهو يوم القيامة.\nوَوُفِّيَتْ: ذكرت.\nكُلُّ نَفْسٍ: برّ أو فاجر.\nما كَسَبَتْ: أي جزاء ما عملت من خير أو شر.\nوَهُمْ لا يُظْلَمُونَ: لا ينقصون من حسناتهم ولا يزداد على سيئاتهم.\nروى الضحاك عن ابن عباس، قال: «أوّل راية ترفع لأهل الموقف ذلك اليوم من رايات الكفار راية اليهود، فيقمعهم الله على رؤوس الاشهاد ثم يأمر بهم الى النار» .\nقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ،\nقد روى الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وروى جعفر ابن محمد عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب (﵇): إنّ رسول الله ﷺ قال: «لما أراد الله أن ينزّل فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وشَهِدَ اللَّهُ، وقُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ ...\nإلى بِغَيْرِ حِسابٍ تعلقن بالعرش، وليس بينهن وبين الله حجاب، وقلن: يا رب تهبطنا دار الذنوب وإلى من يعصيك ونحن متعلقات بالطيور والعرش. فقال تعالى: وعزّتي وجلالي ما من عبد قرأكنّ في دبر كل صلاة مكتوبة إلّا أسكنته حظيرة القدس على ما كان فيه، وإلّا نظرت له بعيني في كل يوم سبعين مرة، وإلّا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة أدناها المغفرة، وإلّا أعذته من كل عدو ونصرته عليه، ولا يمنعه دخول الجنة إلّا الشرك» .","vol":"3","page":39},{"text":"وقال معاذ بن جبل: أحتبست عن رسول الله ﷺ يوما لم أصلّ معه الجمعة. فقال: يا معاذ ما منعك من صلاة الجمعة؟ قلت: يا رسول الله كان ليوحنا اليهودي عليّ أوقية [من تبر]، وكان على بابي يرصدني، فأشفقت أن يحبسني دونك. فقال: «أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك؟» . قلت: نعم يا رسول الله. قال: قل اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ.. إلى قوله: بِغَيْرِ حِسابٍ، وقل: «يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمها تعطي منها ما تشاء وتمنع منها ما تشاء، أقض عني ديني. فإن كان عليك ملئ الأرض ذهبا قضاه الله عنك» [٣٧] «١» .\nقال قتادة: ذكر لنا أنّ النبي ﷺ سأل ربه أن يجعل ملك فارس والروم في أمته، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال ابن عباس، وأنس بن مالك: لما فتح رسول الله ﷺ مكة ووعد أمته ملك فارس والروم. قالت: المنافقين واليهود: هيهات هيهات من أين لمحمد ملك فارس، هم أعزّ وأمنع من ذلك، ألم يكف محمدا مكة والمدينة حتى طمع في ملك فارس والروم. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، قال: خطّ رسول الله ﷺ الخندق في عام الأحزاب. ثمّ قطع أربعين ذراعا بين كلّ عشرة، قال: فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منّا. وقال الأنصار:\nسلمان منّا.\nفقال النبي ﷺ: «سلمان منّا أهل البيت» [٣٨] .\nقال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرن المزني وستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى بلغنا الصدى أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة كسرت حديدنا وشقّت علينا. فقلنا يا سلمان: آت إلى رسول الله وأخبره خبر هذه الصخرة. فإمّا أن نعدل عنها فإنّ المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيها بأمر، فإنّا لا نحب أن نجاوز خطة.\nقال: فرقى سلمان إلى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبّة تركية. فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة من بطن الخندق، وكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجيء منها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك فإنّا لا نحب أن نجاوز خطك، قال: فهبط رسول الله مع سلمان الخندق وبقينا نحن التسعة على شفة الخندق. فأخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان فضربها ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، يعني المدينة، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبّر رسول الله ﷺ تكبير فتح، وكبّر المسلمون، ثم ضربها ﷺ فكسرها،\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٥٢، ومسند الشاميين: ٣/ ٣٢٠، ح ٢٣٩٨.","vol":"3","page":40},{"text":"وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبّر رسول الله ﷺ تكبير فتح، وكبّر المسلمون معه. فأخذ بيد سلمان ورقى. فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط! فالتفت رسول الله ﷺ إلى القوم فقال: رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول الله [بأبينا أنت وأمّنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج، فرأيناك تكبّر فنكبّر ولا نرى شيئا غير ذلك] «١» قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (﵇) أنّ أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور بصرى من أرض الروم كأنّها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل (﵇) أنّ أمتي ظاهرة عليها. [ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أنّ أمتي ظاهرة عليها] «٢» فأبشروا. فاستبشر المسلمون، وقالوا:\nالحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصر بعد الحصر. [فطبقت الأحزاب فقال: المسلمون:\nهذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ «٣» الآية] .\nوقال المنافقون: ألا تعجبون يمنّيكم ويعدكم الباطل، ويخبركم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى، وأنّها تفتح لكم وأنتم إنّما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا، قال: فأنزل القرآن: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا «٤» وأنزل الله في هذه القصة قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ «٥» .\nواختلف النحاة في وجه دخول الميم في هذا الاسم وأصله (الله) وفي نصبه.\nوقال بعضهم: إنّما أدخل الميم في آخره بدلا من حرف النداء المحذوف من أوله لأنّ أصله (يا الله) فحذفت حرف النداء وأدخلت الميم خلفا منه.\nكما قالوا: فم، ودم، وزرقم محذوف وستهم، وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف «٦» .\nواحتجوا بأنّ نحوها من الأسماء والنعوت إذا حذف منها حرف أبدل مكانه ميم، ولمّا كان المحذوف من هذا الاسم حرفين كان البدل ميمين، فأدغمت إحداها في الأخرى فجاء التشديد\n_________\n(١) عن تفسير الطبري: ٢١/ ١٦٣.\n(٢) غير موجود في تفسير الطبري.\n(٣) سورة الأحزاب: ٢٢.\n(٤) سورة الأحزاب: ١٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٢١/ ١٦٣.\n(٦) في المخطوط بياض صوّبناه من تفسير الطبري: ٣/ ٢٩٩.","vol":"3","page":41},{"text":"لذلك، وفي سائر أخواتها مخففة لأنّ المحذوف حرف واحد ثم نصب لحق التضعيف.\nوأنكر الآخرون هذه القول وقالوا: سمعنا العرب يدخل الميم فيه مع ياء النداء وأنشد الفرّاء:\nوما عليك أن تقولي كلما ... سبّحت أو هللت يا اللهمّ ما\nاردد علينا شيخنا مسلما ... فإنّنا من خيره لن نعدما «١»\nقالوا: ونرى أنّما أصله الله في الدعاء. بمعنى (يا الله) ضم إليها أمّ وحذف حرف النداء.\nيراد يا الله آتنا الخير أي: أقصدنا به ثمّ ضرب في الكلام حتى اختلطت به. فحذفت الهمزة استخفافا كقولهم: هلمّ إلينا كان أصله هل لم إلينا، أي أقصد أو أسرع. ثم كثرت هذه اللفظة حتى قالوا: لاهم بمعنى اللهم، وربما خفضوا ميمها أيضا، والله أعلم.\nوقال أبو رجاء العطاردي: هذه الميم في قوله: (اللهم): تجمع سبعين اسما من أسمائه ﷿ مالك الملك. قال الله تعالى في بعض الكتب: أنا الله مالك الملوك ومالك الملك، قلوب الملوك ونواصيها بيدي، فإذا العباد أطاعوني جعلت عليهم رحمة، وإذا العباد عصوني جعلت عليهم عقوبة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطفهم عليكم.\nتُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، قال مجاهد وسعيد بن جبير: يعني ملك النبوة، الكلبي: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: محمد وأصحابه، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: أبي جهل وصناديد قريش.\nوقال معتصم: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: العرب. وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: الروم والعجم وسائر الأمم.\nالسدّي: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: آتى الله الأنبياء وأمر العباد بطاعتهم. وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: نزع من الجبّارين وأمر العباد بخلافهم.\nوقيل: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: آدم وولده، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ إبليس وجنده.\nوقيل: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: داود. وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: جالوت.\nوقيل: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: صخرا. وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: سليمان (﵇) كان يطعم الخبز الجواري ويأكل خبز الشعير، وكان يلبس المرقعة ولم ينظر أربعين سنة إلى السماء تخشّيا لله.\nوكان يدخل المسجد فيرتاد فقيرا يقعد بجنبه، ويقول: مسكين جالس مسكينا وَتَنْزِعُ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٥٣.","vol":"3","page":42},{"text":"الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: ملك النفس حتى يغلبه هواه ويتخذه إلها. كما قال الله ﷿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ «١» .\nوقال الشاعر:\nملكت نفسي فذاك ملك ... ما مثله للأنام ملك\nفصرت حرا بملك نفسي ... فما لخلق عليّ ملك.\nآخر:\nمن ملك النفس فحر [ضاهي] «٢» ... والعبد من يملكه هواه\nوقيل: هو ملك العافية. قال الله تعالى: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا «٣»\nوقال النبي ﷺ: «من أصبح منكم آمنا في سربه. معافى في بدنه، وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» [٣٩] «٤» .\nوقيل: هو القناعة.\nقال النبي ﷺ: «ملوك أمتي القانع يوما بيوم، فمن أوتي ذلك فلم يقبله بقبوله ولم يصبر عليه شاكرا قصر عمله، وقل عقله» [٤٠] .\nوعن ابن المبارك قال: دخلت على سفيان الثوري بمكة، فوجدته مريضا شارب دواء، وبه غم شديد فسلمت عليه، وقلت: ما لك يا عبد الله؟ فقال: أنا مريض شارب دواء وبي غم شديد، فقلت: أعندك بصلة؟ قال: نعم، فقلت: آتيني بها فأتاني بها، فكسرتها ثم قلت: شمّها فشمّها فعطس عند ذلك فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فسكن ما به، فقال لي: يا بن المبارك أنت فقيه وطبيب. أو قال: عالم وطبيب، فقلت له: مجرّب يا أبا عبد الله. قال: فلمّا رأيته سكن ما به وطابت نفسه. قلت: إني أريد أن أسألك حديثا. فقال: سل ما شئت.\nفقلت: أخبرني ما الناس؟ قال: الفقهاء. قلت: فما الملوك؟ قال: الزّهاد. قلت: فما الأشراف؟ قال: الأتقياء. قلت: فما الغوغاء؟ قال: الذين يكتبون الأحاديث ليستأكلوا به أموال الناس. قلت له: أخبرني رحمك الله: ما السفلة؟ قال: الظلمة. ثم ودّعته وخرجت من عنده.\nقال: يا ابن المبارك عليك بهذا الخبر فإنه موجود رخيص قبل أن يغلوا فلا يوجد بالثمن.\nوقال عبد العزيز بن يحيى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: يعني الملك على المهين وقهر الشيطان. كما\nقال رسول الله ﷺ: «إنّ الشيطان ليجري من بني آدم مجرى الدم» [٤١] «٥» .\n_________\n(١) سورة الجاثية: ٢٣.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) سورة المائدة: ٢٠. [.....]\n(٤) سنن الترمذي: ٤/ ٥.\n(٥) مسند أحمد: ٣/ ١٥٦.","vol":"3","page":43},{"text":"وقال تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: يعني ملك المعرفة، كما آتى السحرة: وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، كما نزع من إبليس وبلعام.\nالحسين بن الفضل: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ: يعني ملك الجنة كما آتى المؤمنين قال الله تعالى: وَمُلْكًا كَبِيرًا «١»، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ: كما نزع من الكفار وأهل النّار.\nأبو عثمان: أراد (بالملك): توفيق للإيمان والطاعة.\nوحكى الأستاذ أبو سعيد الواعظ: إنّه سمع بعض زهّاد اليمن يقول: هو قيام الليل.\nالشبلي: الاستغناء بالمكون عن الكونين.\nالواسطي: افتخر الملوك بالملك. فأخبرهم الله تعالى أنّ الملك [زائل] «٢» عندهم لقوله تعالى: تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ.\nقالت الحكماء في هذه الآية: هذا إخبار عن كمال القدرة. وأنّ القادر على الكمال هو القادر على الشيء وضده، فأخبر أنّه قادر على أن يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء.\nوَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: قال عطا: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: المهاجرين والأنصار، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: فارس والروم.\nوقيل: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: محمدا وأصحابه حين دخلوا مكة وعشرة آلاف ظاهرين عليها، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: أبا جهل وأصحابه حين حزّوا رؤوسهم وألقوا في القليب.\nوقيل: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: بالإيمان والمعرفة. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بالخذلان والحرمان.\nوقيل: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: بالتمليك والتسليط. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بسلب الملك وتسليط عدوه عليه.\nالورّاق: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: بقهر النفس ومخالفة الهوى. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: باتباع الهوى.\nالكياني: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: بقهره الشيطان. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بقهر الشيطان لنا.\nوقيل: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: بالقناعة والرضا. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بالخزي والطمع.\nقال الثعلبي (﵀): وسمعت السلمي يقول: سمعت عبد الله بن علي يقول: سمعت محمد بن الفضل يقول: سمعت الزبير بن عبد الواحد يقول: سمعت بنان الحمّال يقول: الحرّ عبد ما طمع. والعبد حر ما قنع.\n_________\n(١) سورة الإنسان: ٢٠.\n(٢) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.","vol":"3","page":44},{"text":"وقال وهب: خرج الغنى والعز يجولان فلقيا القناعة فاستقرا «١» .\nوقال عيسى (﵇) لأصحابه: لأنتم أغنى من الملوك.\nقالوا: كيف يا روح الله ولسنا نملك شيئا؟ قال: أنتم ليس عندكم شيء ولا تريدونها، وعندهم أشياء ولا تكفيهم.\nوللشافعي (﵁):\nألّا يا نفس أن ترضي بقوت ... فأنت عزيزة أبدا غنية\nدعي عنك المطامع والاماني ... فكم أمنية جلبت منيّة «٢»\nوقال الآخر:\nأفادتني القناعة كل عز ... وهل عزّ «٣» أعزّ من القناعة\nفصيّرها لنفسك رأس مال ... وصيّرها مع التقوى بضاعة «٤»\nوقيل: تُعِزُّ مَنْ تَشاءُ: بالإخلاص، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بالرياء.\nوقال الحسن بن الفضل: وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بالجنة والرؤيا. وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ: بالنار والحجاب.\nبِيَدِكَ الْخَيْرُ: يعني الخير والشر، فأكتفي بذكر الخير فإنّه الأفضل والأغلب كقوله تعالى: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «٥»: أي الحر والبرد إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nتُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ: [أي تدخل ما نقص من أحدهما في الآخر] حتى يكون النهار خمس عشرة ساعة [وهو أطول ما يكون]، والليل تسع ساعات، [وهو أقصر ما يكون] «٦» .\nوَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ: حتى يكون الليل خمس [عشر] «٧» ساعة، والنهار تسع ساعات فما نقص عن هذا زيد في الآخر نظير قوله تعالى: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ «٨» .\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ١١/ ٢٧٨، وفيه: الغنى والشعر.\n(٢) روضة الواعظين للفتال النيشابوري: ٤٥٧.\n(٣) في المصدر: وأين غنى.\n(٤) كشف الخفاء: ٢/ ١٠٢.\n(٥) سورة النحل: ٨١.\n(٦) ما بين معكوفين زيادة عن تفسير القرطبي: ٤/ ٥٦.\n(٧) تفسير الطبري: ٣/ ٣٠٣\n(٨) سورة الزمر: ٥.","vol":"3","page":45},{"text":"قال سعيد بن جبير: يوم وليلة ويوم وليلة عند خلق السموات والأرض إلى أن تقوم الساعة، ثم قرأ: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.\nيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ قال ابن مسعود وابن جبير ومجاهد وقتادة والضحّاك وإبراهيم والسدّي وإسماعيل بن أبي خالد وعبد الرحمن بن زيد: يخرج الحيوان من النطفة وهي ميتة، ويخرج النطفة من الحيوان.\nعكرمة والكلبي: يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، أي الفرخ من البيضة ويخرج البيضة من الطير.\nأبو مالك: يخرج النخلة من النواة، ويخرج النواة من النخلة، ويخرج السنبلة من الحبة والحبّة من السنبلة.\nالحسن: يخرج المؤمن من الكافر، ويخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن عبد حي الفؤاد، والكافر عبد ميت الفؤاد يدل عليه قوله: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ.. «١» .\nمعمر عن الزهري: أن النبي ﷺ دخل على بعض نسائه، فإذا بامرأة حسنة الهيئة، فقال:\nمن هذه؟ قالت: إحدى خالاتك، فقال: إن خالاتي بهذه البلاد [كثير] أي خالاتي هذه؟ قالت:\nهذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال: «سبحان الله الذي يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ» [٤٢] .\nوكانت امرأة صالحة. وكان مات أبوها كافرا «٢» .\nالفرّاء: يخرج الطيب من الخبيث والخبيث من الطيب.\nوقال أهل الإشارة: يخرج الحكمة من قلب الفاجر حتى لا تستقر فيه، والسّقطة من لسان العارف.\nوَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن عباس: كان الحجّاج بن عمرو وابن أبي الحقيق وقيس بن زيد ظفروا «٣» بنفر من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم، فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله بن جبير وسعد بن جهيمة لأولئك النفر:\nاجتنبوا هؤلاء اليهود، واحذروا لزومهم ومخاطبتهم وملازمتهم فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.\nوقال المقاتلان: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودّة لكفار مكة فنهاهم الله ﷿ عن ذلك.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٢٢.\n(٢) مجمع الزوائد: ٩/ ٢٦٤، جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٠٦. [.....]\n(٣) في المصدر: كظنوا.","vol":"3","page":46},{"text":"الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: نزلت في المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، كانوا يتولون اليهود والمشركين ويأتونهم بالأخبار، ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ونهى المؤمنين عن مثل فعلهم.\nوروى يوسف بن داود الضبي عن بعضهم، قال: لا يتخذوا المؤمنين بالرفع خبرا عنهم وفيه معنى النهي كقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ «١» .\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس: نزلت في عبادة بن الصامت الأنصاري، وكان بدريا تقيا، وكان له حلفاء من اليهود، فلمّا خرج النبي ﷺ يوم الأحزاب، قال عبادة: يا نبي الله إنّ معي خمسمائة رجل من اليهود، وقد رأيت أن يخرجوا معي فاستظهرتهم على العدوّ، فأنزل الله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ الآية «٢» .\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ: أي موالاة الكفار في نقل الأخبار إليهم، وإظهارهم على عدّة المسلمين، فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ: وفيه اختصار، أي ليس من دين الله في شيء.\nوقال الحسن والسدّي: ليس من الولاية في شيء، فقد بريء الله منه، ثم استثنى فقال:\nإِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً: يعني: إلّا أن تخافوا منهم مخافة.\nوقرأ أبو العالية عن الحسن، والضحاك وأبو رجاء وجابر بن زيد وحميد بن مجاهد: تقية على وزن نقية، [وخالفهما] أبو حاتم قال: لأنهم كتبوها بالياء مثل حصاة ونواة إلّا بالألف.\nقرأ حمزة والكسائي وخلف: «تقية» بالاحتجاج فكان الياء.\nوقرأ الباقون «تُقاةً» بالتضميم. وأختاره أبو عبيدة.\nوقرأ الأخفش: «تقاءة» مثل تكأة ويؤده ونحوها، وهي مصدر [أتقى] ومثال تقيه تقاة وتقية وتقي وتقوى «٣»، وإذا قلت: أتقنت كان مصدره الاتقاء، وإنّما قال: «تَتَّقُوا» من الأتقياء، ثم قال: «تُقاةً» «٤» ولم يقل اتّقاء لأن العرب إذا كان بالكلمتين واحدا واختلف ألفاظها أخرجوا مصدر أحد اللفظين مصدر اللفظ الآخر فيقولون: التقيت فلانا لقاء حسنا.\nوقال القطامي في وصف غيث:\nقد لجّ بجانب الجبلين ... «٥» .. ... ركام يحفر الترب احتفارا\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢.\n(٢) سورة المصدر السابق.\n(٣) راجع مجمع البيان: ٢/ ٢٧٣.\n(٤) أقول: وأصلها: وفاة فأبدلت الواو المضمومة تاء استثقالا لها.\n(٥) كلمة غير مقروءة.","vol":"3","page":47},{"text":"ولم يقل حفرا قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا «١» . وقال: وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا «٢» .\nوأما معنى الآية فقال المفسرون: نهى الله ﷿ المؤمنين عن ملاطفة الكافرين وموالاتهم ومداهنتهم ومبايعتهم إلّا أن يكون الكفّار ظاهرين غالبين، أو يكون المؤمن في قوم كفّار ليس فيهم غيره، ويخافهم ويداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعا عن نفسه من غير أن يسفك دما حراما، أو مالا حراما، أو يظهر الكافرين على عورة المؤمنين، فالمتّقي لا يكون إلّا مع خوف القتل وسلامة النية كفعل عمار بن ياسر.\nعبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب، قال: ورد رجل على النبي ﷺ بالمدينة فقال: ما أراني إلّا قد هلكت، قال: مالك؟ قال: قد عذّبني قريش. فقلت: ما قالوا؟ قال: كيف كان قلبك؟ قال: مطمئن، قال: فإن عادوا لك فعد لهم مثل ذلك، قالها ثلاث مرات.\nالمسيب بن عبيدة عن إبراهيم، قال: قال ابن مسعود: خالطوا النّاس ونائلوهم وصافحوهم بما يشتهون، ودينكم لا يكون به ريبة.\nوقال صعصعة بن صوحان لأسامة بن زيد «٣»: أنا كنت أحبّ إلى أبيك منك، وأنت أحبّ إليّ من أبي «٤» ولذا أوصيك بخصلتين: خالص المؤمن وخالق «٥» الكافر فإنّ الكافر يرضى منك بالخلق الحسن، ويحق عليك أن تخالص المؤمن «٦» .\nوروي عن جعفر بن محمد الصادق أنّه قال: التقية واجبة، وإني لأسمع الرجل في المسجد يشتمني فأستر بالسارية منه لئلا يراني\n. وقال: الرياء مع المؤمن شرك ومع المنافق في داره عبادة.\nوأنكر قوم التقيّة اليوم:\nفقال معاذ بن جبل عن مجاهد: كانت التقيّة في جدة الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين، فأمّا اليوم فقد أعزّ الله ﷿ الإسلام، فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتّقوا من عدوهم.\n_________\n(١) سورة نوح: ١٧.\n(٢) سورة المزمّل: ٨.\n(٣) في المصدر: لابن يزيد.\n(٤) في تاريخ دمشق: ابني.\n(٥) في تاريخ دمشق (٢٤/ ٩٨) خالف.\n(٦) مسند ابن راهويه: ٣/ ١٠١٧.","vol":"3","page":48},{"text":"وقال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجّاج: إنّ الحسن كان يقول لكم:\nالتقيّة باللسان والقلب مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ. قال سعيد: ليس في الإسلام تقيّة إنّما التقيّة في أهل الحرب.\nوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ: أي يخوّفكم الله على موالاة الكفار وارتكاب المنهي ومخالفة المأمور من نفسه.\nقال المفسرون: من عذاب نفسه وعقوبته وبطشه.\nوقال أهل المعاني: معناه ويحذّركم الله إيّاه لأن الشيء والنفس والذات والإسم عبارة عن الوجود، ونفس الشيء هو الشيء بعينه كقوله: أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «١»: أي ليقتل بعضكم بعضا.\nوقال الأعشى:\nيوما بأجود نائلا منه إذا ... نفس البخيل تجهمت سؤالها «٢»\nأراد إذا البخيل تجهم سؤاله.\nوَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ، قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ: قلوبكم من مودة الكفّار. أَوْ تُبْدُوهُ: من موالاتهم قولا وفعلا، يَعْلَمْهُ اللَّهُ: وقال الكلبي: أي ستروا ما في قلوبكم لرسول الله من التكذيب، ويظهرون بحربه. وقال: يَعْلَمْهُ اللَّهُ ويحفظ عليكم حتى يحاربكم به ويعاقبكم عليه، ثم قال: وَيَعْلَمُ: رفع على الاستئناف كقولهم: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ «٣» بالرفع.\nوقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ «٤»، ثم قال: وَيُحِقُّ الْحَقَّ: وكيف يخفى عليه موالاتكم الكافرين وميلكم إليهم، مودّة بالقلب: أي معونة بالقلب والفعل.\nوَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ: نصب يوما، نزع حرف الصفة أي في يوم. وقيل: نصب بإضمار فعل، أي: اذكروا واتقوا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا: موفرا لم يبخس منه شيء. قراءة العامة بنصب الضاد على المفعول قد صدّهم قوله:\n_________\n(١) سورة النساء: ٦٦.\n(٢) حقائق التأويل للشريف الرضي: ٧٩. [.....]\n(٣) سورة التوبة: ١٤. ١٥.\n(٤) سورة الشورى: ٢٤.","vol":"3","page":49},{"text":"وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا «١»: وقرأ عبيد عن عمير مُحْضِرًا بكسر الضاد يريد أن عمله يحضره الجنّة يسرع به من الحضور أو الحضر.\nوَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ: جعل بعضهم خبرا في موضع النصب، وأعمل فيها الوجود وجعل عملت صلة لها، أي: ويجد عملها، وجعله بعضه خبرا مستأنفا، وحينئذ يجوز في تَوَدُّ الرفع، والجزم، دليل هذا التأويل: قراءة عبد الله وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ. لَوْ أَنَّ بَيْنَها:\nبين النفس وَبَيْنَهُ: يعني بين السوء أَمَدًا بَعِيدًا: والأمد: الأجل والغاية الّتي ينتهي إليها.\nقال الله: أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا «٢»، وقال: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ «٣» .\nقال النابغة:\nألا لمثلك أو من أنت سابقة ... بسبق الجواد إذا ستويا على الأمد\nقال السدي: أَمَدًا بَعِيدًا أي: مكان بعيد.\nمقاتل: كما بين المشرق والمغرب.\nقال الحسن: ليس أحدهم أن لا يلقى عمله أبدا ولا يودّ لو أن يعلمه.\nوَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ: أي بالمؤمنين منهم.\nقُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ الآية،\nقال الحسن وابن جريج: زعم أقوام على عهد رسول الله ﷺ أنّهم يحبّون الله، فقالوا: يا محمّد إنّا نحب ربّنا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية، وجعل اتّباع نبيه علما لحبّه تعالى.\nوروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: وقف النبي ﷺ على قريش وهم في المسجد الحرام، وقد نصبوا أصنامهم وعلّقوا عليها بعض النعام وجعلوا في آذانها السيوف وهم يسجدون لها. فقال: يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملّة أبيكم إبراهيم وإسماعيل، ولقد كانا على الإسلام. فقالت له قريش: يا محمّد إنّا نعبدها حبّا لله، لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى، فقال الله تعالى: قُلْ يا محمّد إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وتعبدون الأصنام ليقرّبوكم إليه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، وأنا رسوله إليكم وحجّته عليكم وأنا أولى بالتعظيم من الأصنام.\nوروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّ اليهود لمّا قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، أنزل الله هذه الآية، فلمّا نزلت عرضها رسول الله ﷺ على اليهود، فأبوا أن يقبلوها.\n_________\n(١) سورة الكهف: ٤٩.\n(٢) سورة الجن: ٢٥.\n(٣) سورة الحديد: ١٦.","vol":"3","page":50},{"text":"روى محمد بن إسحاق عن محمّد بن جعفر عن الزبير: قال: نزلت في نصارى أهل نجران وذلك أنّهم قالوا: إنّا نعظم المسيح ونعبده حبّا لله سبحانه وتعظيما له، فقال الله: قُلْ يا محمّد:\nإِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ وكان عظيم قولكم في عيسى حبّا لله ﷾ وتعظيما له فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ، أي: اتّبعوا شريعتي وسنتي يحببكم الله، وحب المؤمنين لله إتباعهم أمره وقصدهم طاعته ورضاه، وحبّه ﷿ للمؤمنين [منّة] عليهم وثوابه لهم وعفوه عنهم وذلك قوله: وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nقال الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو أحمد محمد بن ابراهيم الصريمي قال: أنشدنا علي بن محمد قال: أنشدني الحسن بن إبراهيم البجلي لعبد الله بن المبارك:\nتعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا لعمري في الفعال قبيح\nلو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحب لمن يحبّ مطيع «١»\nعروه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «الشرك أخفّ من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحبّ على شيء من الجور أو تبغض على شيء من العدل وهل الدين إلّا الحبّ في الله والبغض في الله قال الله: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ «٢» [٤٣] .\nفلما نزلت هذه الآية قال عبد الله بن أبي [لأصحابه: إنّ محمّدا يجعل طاعته كطاعة الله ويأمرنا أن نحبّه] كما أحبت النصارى عيسى ابن مريم «٣»، فنزل: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا: أعرضوا عن طاعتهما. فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ: لا يرضى فعلهم ولا شيء لهم ولا يغفر لهم.\nوكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ومن أطاع الإمام فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى الإمام فقد عصاني» [٤٤] «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٣٣ الى ٤٣]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤) إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٧)\nهُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٨) فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (٤٠) قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٤١) وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ (٤٢)\nيا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)\n_________\n(١) تهذيب الكمال: ٦/ ٣٦٠، وتاريخ دمشق: ٣٢/ ٤٦٩.\n(٢) الجامع الصغير للسيوطي: ٢/ ٨٥، ح ٤٩٣٥.\n(٣) زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣١٩.\n(٤) المصنّف للكوفي: ٧/ ٥٦٦.","vol":"3","page":51},{"text":"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ: قال ابن عباس: قالت اليهود:\nنحن أبناء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ونحن على دينهم ومنهاجهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية:\nيعني: إنّ الله اصطفى هؤلاء الّذين قالوا بالإسلام، وأنتم على غير دين الإسلام، واصطفى [افتعل] من الصفوة وهو الخالص من كل شيء، يعني: اختاروا واستخلصوا آدم أبو البشر ونوحا شيخ المرسلين، وآل إبراهيم وآل عمران.\nقال بعضهم: أراد بآل إبراهيم وآل عمران: إبراهيم وعمران نفسهما، كقوله ﷿:\nوَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ «١»: يعني موسى وهارون (﵈) .\nقال الشاعر:\nولا تبك ميتا بعد ميّت أحبّه ... علي وعبّاس وآل أبي بكر «٢»\nيعني: أبا بكر.\nقال الباقون: آلَ إِبْراهِيمَ: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وإنّ محمّدا (﵇) من آل إبراهيم وآل عمران.\nوقال مقاتل: هو عمران بن يصهر بن فاهاث «٣» بن لاوي بن يعقوب وآله موسى وهارون.\nقال الحسن ووهب بن منبه: هو عمران بن أشهم بن أمون من ولد سليمان بن داود وآله مريم وعيسى.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٤٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٦٣.\n(٣) وروي: قاهث، راجع تفسير الطبري: ١/ ٤٠٠.","vol":"3","page":52},{"text":"وقيل: هو عمران بن ماتان «١»، وامرأته حنّة «٢»، وخصّه من الأنبياء لأنّ الأنبياء والرسل بقضّهم وقضيضهم من نسلهم. عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً: نصب على حال قاله الأحفش.\nالفرّاء على [القطع] لأنّ الذريّة نكرة وآل إبراهيم وآل عمران معرفة «٣» .\nالزجّاج: نصب على البدل. وقيل: على النكرة أي اصطفى ذريّة بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ:\nوقيل: على الحال أي بعضها من ولد بعض. وقال أبو روق: بعضها على دين بعض «٤» .\nوَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ: قال الحروي: لمّا مات الحسن البصري وكان مماته عشية الجمعة، فلمّا صلّى النّاس الجمعة حملوه، فلم [تترك الصلاة] في المسجد الجامع بالبصرة منذ كان الإسلام إلّا يوم ممات الحسن، فإن الناس اتّبعوا جنازته فلم يبق أحد يصلّي في المسجد صلاة العصر.\nقال الجزائري: سمعت مناديا ينادي: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ، واصطفى الحسن البصري على أهل زمانه.\nالأعمش عن أبي وائل، قال: قرأت في مصحف عبد الله بن مسعود: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ، فقال ابن عباس ومقاتل: هو عمران بن مايان وليس هو بعمران أبو موسى وبينهما ألف وثلاثمائة سنة، وكان بنو مايان «٥» رؤوس بني إسرائيل وأحبارهم وملوكهم.\nوقال ابن إسحاق «٦»: هو عمران بن أشهم بن آمون بن ميثا بن حوقتا بن إحرين بن يونام بن عواريا بن إمضيا بن ياوس بن جربهوا بن يارم بن صف شاط بن لمساين بن يعمر بن سليمان بن داود (﵇) .\nإِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا: أي جعلت الذي في بطني محرّرا نذرا منّي لك، والنذر: ما أوجبه الإنسان على نفسه بشريطة كان ذلك أو بغير شريطة.\n_________\n(١) في القرطبي ٤/ ٦٣ نسبه للسهيلي.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٦٣، والقول للسهيلي. [.....]\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٣١٨.\n(٤) مجمع البيان: ٥/ ٨٤.\n(٥) وروي: ماتان. ماثان.\n(٦) في تاريخ الطبري (١/ ٤١٨): عمران بن ياشهم بن أمون بن منشا بن حزقيا بن إحزيق بن يوثام بن عزريا ابن أمصيا بن ياوش بن أحزيهو بن يارم بن يهشافاظ بن أسا بن أبيا بن رجعم بن سليمان.\nوفي تاريخ دمشق: مريم بن عمران بن هاثان بن المعاذر بن اليود بن اجبن بن صادوق بن عيازور بن الياقيم بن أيبود بن زربائيل بن شالتان بن يوحينا بن لرشتيا بن أمون بن ميشا بن حزقيا بن أجاز بن يوثام بن عزريا بن بورام بن يوسافاط بن أسا بن إيبا بن رضيعم بن سليمان، أقول: الاختلاف في الأغلب من اختلاف قراءة المخطوطات.","vol":"3","page":53},{"text":"قال الله فقولي: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا «١»: أي أوجبت.\nوقال النّبي ﷺ: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» [٤٥] .\nقال الأعشى:\nغشيت لليلي بليل خدورا ... وطالبتها ونذرت النذورا «٢»\nومن هذا قولهم: نذر فلان دم فلان: أي أوجبت على نفسه قتله.\nوقال جميل:\nفليت رجالا فيك قد نذروا دمي ... وحموا لقائي يابثين لقوني\nمُحَرَّرًا: أي عتيقا خالصا لله خادما للكنيسة حبيسا عليها مفرغا لعبادة الله ولخدمة الكنيسة، لا يشغله شيء من الدنيا وكلّما أخلص فهو محرّر، يقال: حرّرت العبد إذا أعتقته، وحرّرت الكتاب إذا أخلصته وأصلحته فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه، ورجل حرّ إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه متعلق، والطين الحر الذي خلص من الرمل والحصاة والعيوب.\nومُحَرَّرًا: نصب على الحال.\nوقال الكلبي وابن إسحاق وغيرهما: فإن الحر رجل إذا حرّر وجعل في الكنيسة يقوم عليها ويكنسها ويخدمها ولا يبرحها حتى يبلغ الحلم، ثم يخيّر فإن رغب أن يقيم فيها أقام، وإن أحبّ أن يذهب ذهب حيث شاء، فإن أراد أن يخرج بعد التخير لم يكن له ذلك، ولم يكن أحد من [الأنبياء] والعلماء إلّا ومن نسل محرّرا ببيت المقدس، ولم يكن محرّرا إلّا الغلمان، وكانت الجارية لا تكلف ذلك ولا تصلح له لمّا يمسها من الحيض والأذى، فحرّرت أمّ مريم ما في بطنها.\nوكان القصة في ذلك أنّ زكريّا وعمران تزوجا أختين، وكانت إيشاع «٣» بنت فاقود أم يحيى عند زكريّا وحنّة بنت فاقود أم مريم عند عمران، وقد كان أمسك على حنّة الولد حتى أيست وعجزت، وكانوا أهل بيت من الله بمكان، فبينما هي في ظل شجرة بصرت بطائر يطعم فرخا فتحركت لذلك شهوتها للولد، ودعت الله أن يهب لها ولدا وقالت: اللهم لك عليّ إن رزقتني ولدا أن أتصدّق به على بيت المقدس فيكون من سدنته وخدمه نذرا وشكرا، فحملت بمريم فحرّرت ما في بطنها ولا تعلم ما هو، فقال لها زوجها: ويحك ما صنعت! أرأيت إن كان ما في\n_________\n(١) سورة مريم: ٢٦.\n(٢) تاريخ دمشق: ٢٠/ ١٤٠ ط دار الفكر، وديوان الأعشى: ٨٨ ط بيروت.\n(٣) لسان العرب: ١٢/ ١٥١.","vol":"3","page":54},{"text":"بطنك أنثى [والأنثى عورة] لا تصلح لذلك فوقعا جميعا في همّ من ذلك، فهلك عمران وحنّة حامل بمريم.\nفَلَمَّا وَضَعَتْها: أي ولدتها وإذا هي جارية، فالهاء في قوله: وَضَعَتْها راجعة إلى النذيرة أي مريم من حنّة، لذلك أنّث.\nقالَتْ: عذرا وكانت ترجوا أن تكون غلاما ولذلك حررت.\nرَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى: اعتذار إلى الله ﷿.\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ: [ما ظنّت] «١» عن السدي، وقرأ [العامّة بتسكين التاء] وقرأ علي وأبو ميثم النجفي وابن عامر وأبو بكر ويعقوب: وُضَعَتْ بضمّ التاء جعلوها من كلام أمّ مريم «٢» .\nوَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى: في خدمة الكنيسة والعبّاد الذين فيها لعورتها وضعفها وما يعتريها من الحيض والنفاس والأذى.\nوَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ: وهي بلغتهم: [الخادمة والعبادة، وكانت أجمل النساء في وقتها وأفضلها] «٣» .\nروى أبو زرعة عن أبي هريرة إن رسول الله ﷺ قال: «حسبك من نساء العالمين أربع:\nمريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد» [٤٦] «٤» .\nوَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ: آمنها وأجيرها بك. وَذُرِّيَّتَها: وأولادها.\nمِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ: الطريد اللعين المرمي بالشهب.\nابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما من مولود إلّا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إيّاه إلّا مريم وابنها» [٤٧] ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم:\nوَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ «٥» .\nسعيد عن قتادة قال: «كل أدمي طعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم وأمه جعل بينهما حجاب فأصاب الطعن الحجاب ولم ينفذ إليها منه شيء» [٤٨] .\n_________\n(١) راجع زاد المسير: ١/ ٣٢٢.\n(٢) راجع مجمع البيان: ٢/ ٢٨٠، وفتح القدير: ١/ ٣٣٤، وفيه زيادة: وقرأ ابن عباس بكسر التاء.\n(٣) قصص الأنبياء للثعلبي: ٣٧١. ٣٧٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٣٢٦، وتفسير الدرّ المنثور: ٢/ ١٩، مورد الآية.\n(٥) مسند أحمد: ٢/ ٢٧٥، وأخرجاه في الصحيحين.","vol":"3","page":55},{"text":"قال: وذكر لنا أنّهما كانا لا يصيبان من الذنوب كما يصيبه سائر بني آدم.\nوقال وهب بن منبه: «لمّا ولد عيسى (﵇) أتى الشياطين إبليس فقالوا: أصبحت الأصنام منكّسة، فقال: هذا لحادث حدث، وقال: مكانكم، فطار حتى جاء خافقي الأرض فلم يجد شيئا، ثم جاء البحار فلم يجد شيئا، ثمّ طار أيضا فوجد عيسى قد ولد، وإذا الملائكة قد حفّت حوله فلم يصل إليه إبليس فرجع إليهم، فقال: إنّ نبيا قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلّا أنا بحضرتها إلّا هذه، فأيسوا أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قبل الخفة والعجلة «١» .\nفَتَقَبَّلَها: أي تقبل الله من حنّة مريم ورضيها مكان المحرر، يقال: قبل ولأن الشيء إذا رضيه يقبله قبولا بالفتح مصدر، مثل الزارع والزروع والقبول، ولم يأت غير هذه الثلاثة، والقياس الضم مثل الدخول والخروج، قاله أبو عمرو الكسائي والأئمّة، وقال بعضهم: معنى التقبّل: التكفّل في التربية والقيام بشأنها.\nوقال الحسن: قبوله إيّاها أنه ما عذّبها ساعة من نهار ولا ليل «٢» .\nرَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ: ولم يقل بتقبّل وهذا النوع يقال له: المصدر على غير المصدر.\nقال الفرّاء: مثل قولك تكلمت كلاما.\nقال الفطامي: وخير الأمر ما استقلّت فيه وليس بأن يتبعه اتباعا.\nوقال آخر: وإن مشيتم تعاودنا عوادا، ولم يقل: تعاودوا.\nوَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا: ولم يقل: إنباتا.\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس: فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ يقول: سلك بها طريق السعداء وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا: يعني سوّى خلقها من غير زيادة ولا نقصان. وكانت تنبت في اليوم كمثل ما ينبت المولود في عام واحد.\nابن جريج: أَنْبَتَها ربها في غذائه ورزقه نَباتًا حَسَنًا حتى تمت امرأة بالغة تامة.\nوَكَفَّلَها زَكَرِيَّا: قال المفسرون: أخذتها أمّ مريم حين ولدتها، فلفتها في خرقة وحملتها إلى المسجد، فوضعتها عند الأحبار أولاد هارون وهم يومئذ يكونون في بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة فتنافس فيها الأحبار لأنّها كانت بنت إمامهم وصاحب قربانهم، فقال لهم زكريا: أنا أحقكم بها [لأن] عندي خالتها.\n_________\n(١) قصص الأنبياء: ٣٧٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٦٩. [.....]","vol":"3","page":56},{"text":"فقال له الأحبار: لا تفعل ذلك فإنّها لو تركت وحقّ الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها، ولكنّا نقرع عليها فتكون عند من خرج سهمه، فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين «١» رجلا إلى نهر جاري.\nقال السدي: هو نهر الأردن، فألقوا أقلامهم في الماء، فارتفع قلم زكريا فوق الماء وانحدرت أقلامهم [ورسبت] في النهر، قاله ابن إسحاق وجماعة.\nوقال السدي وجماعة: بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء كأنه في طين وجرت أقلامهم مع جريان «٢» الماء [فذهب بها الماء]، فسهمهم وقرعهم زكريا، وكان رأس الأحبار ونبيهم فذلك قوله تعالى: وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا ضمّها إلى نفسه وقام بأمرها.\nقال ابن إسحاق: فلمّا كفّلها زكريا ضمّها إلى خالتها أم يحيى واسترضع لها، حتى إذا نشأت وبلغت مبالغ النساء بنى لها محرابا: أي غرفة في المسجد، وجعل بابه إلى وسطها، لا يرقى إليها إلّا بسلّم مثل باب الكعبة، فلا يصعد إليها غيره، وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كلّ يوم.\nكُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا: يعني وجد زكريا عندها فاكهة في غير أوانها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف غضّا طريّا. قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا فإنّها كانت إذا رزقها الله شيئا وسألت عنه قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.\n«٣»\n[أخبرنا عبد الله بن حامد بإسناده عن جابر بن عبد الله: أنّ رسول الله ﷺ أقام أيّاما لم يطعم طعاما، حتى شقّ ذلك عليه فطاف في منازل أزواجه، فلم يصب في بيت أحد منهنّ شيئا، فأتى فاطمة ﵂ فقال: «يا بنيّة هل عندك شيء آكل فإنّي جائع؟» فقالت: لا والله بأبي أنت وأمّي، فلمّا خرج رسول الله ﷺ من عندها، بعثت إليها جارة لها برغيفين وبضعة لحم، فأخذته منها ووضعته في جفنة وغطّت عليه وقالت: لأوثرنّ بها رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة من طعام، فبعثت حسنا وحسينا إلى جدّهما رسول الله ﷺ، فرجع إليها، فقالت: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله قد أتانا الله بشيء فخبّأته لك، قال: «فهلمّي به»، فأتي به فكشف عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، فلمّا نظرت إليه بهتت وعرفت أنّها من بركة الله، فحمدت الله تعالى وصلّت على نبيّه،\n_________\n(١) في القصص للثعلبي: عشر.\n(٢) في التفاسير: جرية.\n(٣) السقط مستدرك من المؤلّف نفسه في كتابه قصص الأنبياء: ٣٧٢. ٣٧٣.","vol":"3","page":57},{"text":"فقال (﵇): «من أين لك هذا يا بنيّة؟» قالت: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فحمد رسول الله ﷺ وقال: «الحمد لله الذي جعلك شبيهة بسيّدة نساء بني إسرائيل، فإنّها كانت يرزقها الله رزقا حسنا فسئلت عنه قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ] «١» .\nفبعث رسول الله ﷺ إلى علي ﵁، ثم أكل رسول الله ﷺ وعلي وفاطمة والحسن والحسين وجميع أزواج النبي ﷺ وأهل بيته جميعا حتى شبعوا.\nقالت فاطمة: وبقيت الجفنة كما هي فأوسعت منها على جميع جيراني فجعل الله فيها بركة وخيرا [٤٩] «٢» .\nقال أهل التفسير: فلما رأى زكريا ذلك قال: إن الذي قدر على أن يأتي مريم بالفاكهة في غير حينها من غير سبب ولا فعل أحد لقادر على أن يصلح زوجتي ويهب لي غلاما على الكبر، فطمع في الولد وذلك إن أهل بيته كانوا قد انقرضوا، وكان زكريا قد شاخ وأيس من الولد.\nقال الله تعالى: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ: أي فعند ذلك. و«هنا» إشارة إلى الغاية كما أن «هذه» إشارة إلى الحاضر.\nوالكاف: اسم المخاطب وكسرت اللام لالتقاء الساكنين.\nقال المفضل بن سلمة: أكثر ما يقال هنالك في الزمان وهناك في المكان وقد جعل هذا مكان هذا.\nدَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ: فدخل المحراب وغلق الأبواب وناجى ربه. قالَ رَبِّ: أي يا رب فحذف حرف النداء من أوله والياء من آخره، استغني بكسر الباء عن الياء. هَبْ لِي:\nأعطني، مِنْ لَدُنْكَ: من عندك. وفي لدن أربع لغات «٣»: لدن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون وهو أفصحها، ولد بفتح اللام وضم الدال وحذف النون، ولدن بفتح اللام وسكون الدال وفتح النون، ولدن بضم اللام وجزم الدال وفتح النون.\nقال الفرّاء: وهي يخصّص بها على الإضافة، وترفع على مذهب مذ «٤»، وأنشد قول أبي سفيان بن حرب على الوجهين:\n_________\n(١) في المخطوط سقط وكلام مطموس استدركناه عن المصنّف في قصص الأنبياء: ٣٧٤. ٣٧٣ باب في ذكر مولد مريم (﵍) .\n(٢) بطوله في قصص الأنبياء للثعلبي: ٣٧٣. ٣٧٤، وتفسير ابن كثير مسندا: ١/ ٣٦٨، والدرّ المنثور: ٢/ ٢٠، وسبل الهدى والرشاد: للشامي: ٩/ ٤٨٣، و١١/ ٤٧. والبداية والنهاية لابن كثير: ٦/ ١٢٢.\n(٣) راجع لسان العرب: ١٣/ ٣٨٥.\n(٤) راجع تاج العروس: ٩/ ٣٣٢. ٣٣٣.","vol":"3","page":58},{"text":"ما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتى دنت لغروب «١»\nذُرِّيَّةً طَيِّبَةً: نسلا مباركا تقيّا صالحا رضيّا، والذرية تكون واحدا أو جمعا ذكرا أو أنثى، وهو هاهنا واحد يدل عليه قوله: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا «٢»، ولم يقل أولياء وإنّما أنث طيبة لتأنيث لفظ الذرية.\nكما قال الشاعر:\nأبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال «٣»\nفأنث ولدته لتأنيث لفظ الخليفة، فكما قال آخر:\nفما تزدري من حية جبلية سكات ... إذا ما غض ليس بأدردا «٤»\nفأنث الجبلية لتأنيث لفظ الحية ثم رجع إلى المعنى، فقال: غض لأنه أراد حية ذكرا والحية تكون الذكر والأنثى، وإنّما جوّز هذا فيما لم يقع عليه فلأن من الأسماء كالدابة والذرية والخليفة فإذا سمي بشيء من ذلك رجل هو كان من معنى رجلان، لم يجز تأنيث فعله ولا نعته فلا تقول من ذلك: حدثنا مغير الضبي، ولا يجوز حدثتنا مغيرة الضبية.\nإِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ: أي سامعه وقيل مجيبه، لقوله تعالى: إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ: أي فأجيبون. وقولهم: سمع الله لمن حمده: أي أجابه.\nوأنشد:\nدعوت الله حتى خفت ألا ... يكون الله يسمع ما أقول «٥»\n: أي بكيت\nقتادة عن أنس بن مالك قال: قال ﷺ: «أيما رجل مات وترك ذرية طيبة أجرى الله عليه مثل أجر عملهم لا ينقص من أجورهم شيئا» [٥٠] «٦» .\nفَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ: قرأ يحيى وثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: فناداه بالياء، وأبو عمارة وأبو عبيدة، وقرأ الباقون: بالتّاء واختاره أبو حاتم: فإذا تقدم الفعل فأنت فيه بالخيار إن شئت أنّثت وإن شئت ذكّرت، إلّا أنّ من قرأ بالتاء فلأجل تأنيث الملائكة للفظ والجمع مع إن الذكور إذا تقدم فعلهم وهو جماعة كان التأنيث فيه أحسن وأفصح كقوله: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا «٧»، ومن ذكّر خلها.\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٤/ ٢٤.\n(٢) سورة مريم: ٥.\n(٣) الصحاح: ٤/ ١٣٥٦.\n(٤) الصحاح: ١/ ٢٥٣.\n(٥) الفائق في غريب الحديث: ٢/ ١٥٨.\n(٦) تفسير القرطبي: ٤/ ٧٢.\n(٧) سورة الحجرات: ١٤. [.....]","vol":"3","page":59},{"text":"روى القاسم بن سلام عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم، قال: كان عبد الله يذكّر الملائكة في القرآن، قال أبو عبيدة: إنما يرى [أن] الله اختار ذلك خلافا على المشركين في قولهم:\nالملائكة بنات الله فأراد بالتذكير هاهنا إكذابهم.\nوروى الشعبي أن ابن مسعود قال: إذا اختلفتم في الياء والتاء فاجعلوها ياء وذكّروا القرآن «١» .\nوروى عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: إذا كان الحرف في القرآن تاء وياء فأجعلوها ياء. وأراد بالملائكة هاهنا: جبريل وحده وذلك أنّ زكريا الحبر الكبير الذي تعهد بالقربان، وبفتح باب المذبح فلا يدخلون حتى يأذن لهم في الدخول، فبينا هو قائم في المسجد عند المذبح يصلي والناس ينتظرونه أن يأذن لهم في الدخول، إذ هو برجل شاب عليه ثياب بيض ففزع منه فناداه وهو جبريل: يا زكريا أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى فذلك قوله: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ:\nيعني جبريل وحده نظيره قوله في هذه السورة وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ «٢»: يعني جبريل وحده، وقوله في النحل: يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ»\n: يعني جبريل ما يروح بالوحي لأنّ الرسول إلى جميع الأنبياء جبريل (﵇)، يأت عليه قوله ابن مسعود، فناداه جبريل وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ: وهذا جائز في العربية أن يخبر عن الواحد بلفظ الجمع كقولهم: ركب فلان في السفن، وإنما ركب سفينة واحدة، وخرج على بغال البريد، وإنما على بغل واحد، وسمعت هذا الخبر من الناس، وإنما سمع من واحد نظير قوله تعالى: الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ «٤»: يعني نعيم بن مسعود. إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ «٥»: يعني أبا سفيان ونحوها كثرة.\nوقال المفضل بن سلمة: إذا كان القائل رئيسا فيجوز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه، فلمّا كان جبريل رئيس الملائكة وكل ما يبعث إلّا ومعه جمع منهم فهي على هذا.\nوَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ: يعني في المسجد، نظيره قوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ «٦»: أي المسجد، وقوله: إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ «٧»: أي المسجد، وهو مفعال من الحرب، قيل: سمي بهذا لأنّه تحارب فيه الشيطان، كما قيل: مضمار للميدان الذي تضمر فيه الخيل، وأمال ابن عامر المحراب في جميع القرآن، وفخّمه الآخرون.\n_________\n(١) المصنّف لابن أبي شيبة: ٧/ ٢٠٢، وفيه: فإنّ القرآن ذكّر فذكّروه، ورواه الشعبي عن علقمة عن عبد الله.\n(٢) سورة آل عمران: ٤٢.\n(٣) سورة النحل: ٢.\n(٤) سورة آل عمران: ١٧٣.\n(٥) سورة آل عمران: ١٧٣.\n(٦) سورة مريم: ١١.\n(٧) سورة ص: ٢١.","vol":"3","page":60},{"text":"أَنَّ اللَّهَ قرأ ابن عامر وعيسى بن عمرو والأعمش وحمزة: بكسر الألف على إضمار القول تقديره: فنادته الملائكة فقالت: إن الله لأن النداء قول.\nوقرأ الباقون: بالفتح بإيقاع النداء عليه كأنه قال: فنادته الملائكة أن الله يبشرك.\nوقرأ عبد الله: وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ يا زكريا إن الله يبشرك: اختلف الفرّاء في مستقبل هذا الفعل وجملها في القرآن عشرة: موضعين هاهنا وفي التوبة يُبَشِّرُهُمْ «١» ومريم وفي الحجر إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ «٢»، وفَبِمَ تُبَشِّرُونَ «٣» وفي سبحان والكهف وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ «٤»، وفي مريم موضعين: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ ولِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ، وفي حم عسق: ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ «٥» فهذه عشرة مواضع اتّفقوا على واحد منها إنها مشددة، وهو قوله: فَبِمَ تُبَشِّرُونَ واختلفوا في التسعة الباقية فقرأها: حمزة كلها بفتح الباء وجزم الياء وضم الشين وتخفيفها.\nوقرأ يحيى بن رئاب والكسائي خمسة منها مخففة، موضعين هاهنا وفي سبحان والكهف وعسق.\nوخفّف ابن كثير وأبو عمرو منها حرفا واحدا وهو قوله: في حم، عسق ... ذلِكَ النبي الَّذِي يَبْشُرُ اللَّهُ عِبادَهُ.\nوقرأها كلها حميد بن قيس: بضم الياء وجزم الباء وكسر الشين وتخفيفها.\nالباقون: بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين وتشديده، فمن خفّف الشين وضم الباء وهو من أبشر يبشر، قال الشاعر:\nيا أمّ عمرو أبشري بالبشرى ... موت ذريع وجراد عظلي «٦»\nومن قرأ بتخفيف الشين مع فتح الباء فهو من بشر يبشر، وهو لغة أهل تهامة وقراءة ابن مسعود. قال الشاعر:\nنشرت عوالي إذا رأيت حيفة ... ماسك من الحجّاج تعلى كتابها\n_________\n(١) سورة التوبة: ٢١.\n(٢) سورة الحجر: ٥٣.\n(٣) سورة الحجر: ٥٤.\n(٤) سورة البقرة: ٢٢٣، والتوبة: ١١٢.\n(٥) سورة الشورى: ٢١. ٢٣.\n(٦) الجراد العظلى: الذي لا يبرح، ومراده بأمّ عمرو: أمّ عامر كناية عن الضبع راجع تفسير القرطبي: ٤/ ٧٥، والبيت أيضا في كتاب العين: ٢/ ٨٥.","vol":"3","page":61},{"text":"وقال الفرّاء:\nوإذا رأيت الباهشين «١» إلى العلى ... غبرا أكفهم بقاع ممحل\nفأعنهم وأبشر بما بشروا به ... وإذا هم نزلوا بضنك فأنزل «٢»\nروي عبد الرحمن بن أبي حماد عن معاذ الكوفي، قال: من قرأ يُبَشِّرُهُمْ مثقلة فإنّه من البشارة ومن قرأ يبشرهم مخفّفة بنصب الياء فإنّه من السرور، يسرّهم «٣»، وتصديق هذه القراءة ما\nروى ابن زيد بن أسلم عن أبيه: إن النبي ﷺ قال لرجل: إن الله يبشرك بغلام فولدت امرأته غلاما.\nومن قرأ بالتشديد من بشر يبشر بشيرا وهو أعرب اللغات وأفصحهم. قال جرير:\nيا بشر حق لوجهك التبشير ... هلا غضبت لنا وأنت أمير «٤»\nودليل التشديد: إنّ كلّ ما في القرآن من هذا الباب من فعل واجب أو أمر فهو بالتثقيل لقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ «٥»، وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ «٦»، قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ «٧» .\nبِيَحْيى: هو اسم لا يجري لمعرفته، والمزايد في أوله مثل: يزيد ويعمر ويشكر وأماله قوم لأجل الياء وفخّمه الآخرون، وجمعه «يحيون» مثل موسون وعسون، واختلفوا فيه لم سمي «يحيى» .\nقال ابن عباس: لأن الله أحيا به عقر أمه. قتادة: لأن الله أحيا قلبه بالإيمان. بعضهم:\nلأن الله أحيا قلبه بالنبوة.\nالحسن بن الفضل: لأن الله أحياه بالطاعة حتى لم يعص ولم يهم بمعصية.\nما روى عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: ما من أحد إلّا ويلقى الله ﷿ قد همّ بخطيئة قد عملها إلّا يحيى بن زكريا فإنه لم يهم ولم يعملها.\nقال الثعلبي: [سمعت] الأستاذ أبا القاسم بن حبيب يقول: سمي بذلك لأنه أستشهد والشهداء أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ.\n_________\n(١) من بهش إليه إذا نظر إلى الشيء فأعجبه. [.....]\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٦٢.\n(٣) تفسير الطبري: ٣/ ٣٤٢.\n(٤) شرح شافية ابن الحاجب: ٤/ ٣٢٨.\n(٥) سورة المزمّل: ١٧. ١٨.\n(٦) سورة الصافّات: ١١٢.\n(٧) سورة الحجر: ٥٥.","vol":"3","page":62},{"text":"قال النبي ﷺ: «من هوان الدنيا على الله إن يحيى بن زكريا قتلته امرأة» [٥١] «١» .\nقال الثعلبي: وسمعت أبا منصور [الجمشاذي] يقول: عن عمر بن عبيد الله المقدسي:\nأوحى الله إلى إبراهيم الخليل: أن قل ليسارة وكذلك كان اسمها: أني مخرج منكما عبدا لا يموت بمعصيتي اسمه حيي فهبي له من اسمك حرفا، فوهبت له أول حرف من اسمها فصار يحيى وصارت امرأة إبراهيم سارة.\nمُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ: نصب على الحال مِنَ اللَّهِ: يعني عيسى (﵇) سمي كلمة لأن الله قال له: كُنْ من غير أب فكان، فوقع عليه اسم الكلمة لأنه كان بها، ويحيى أول من آمن بعيسى فصدّقه، وكان يحيى أكبر من عيسى بستة أشهر، وكانا ابني خالة، ثم قتل يحيى قبل أن يرفع عيسى (﵉) .\nوقال أبو عبيدة وعبد العزيز بن يحيى: بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وآياته، يقول: أنشدني كلمة فلان:\nأي قصيدته.\nوَسَيِّدًا: من فيعمل نحو ساد يسود أصله يسود، وهو الرئيس الذي يتّبع وينتهى إلى قوله.\nقال المفضل: أراد سيدا في الدين.\nشريك عن أبي روق عن الضحاك قال: السيد الحسن الخلق.\nوروى شريك بإسناده أيضا عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: السيد هو الذي يطيع ربه ﷿.\nسعيد بن المسيب: السيد الفقيه العالم. قتادة: سيد في العلم والصوم، سعيد بن جبير:\nالحليم، الضحّاك: التقي، عكرمة: الذي لا يغضب، مجاهد: الكريم على الله، ابن زيد:\nالشريف الكبير، سفيان الثوري: الذي لا يحسد.\nروى يوسف بن الحسين الرازي عن ذي النون المصري قال: الحسود لا يسود.\nقال الخليل بن أحمد: مطاعا.\nالزجّاج: هو الذي ينوي وبكل شيء من الخير أقرانه.\nأحمد بن عاصم: السيد القانع بما قسم له.\nأبو بكر الورّاق: الراضي بقضاء الله تعالى.\n_________\n(١) الجامع الصغير: ١/ ٣٨٣، ح ٢٥٠٢.","vol":"3","page":63},{"text":"محمد بن علي الترمذي: المتوكل على الله.\nأبو زيد البسطامي: هو الذي قد عظمت همته ونبل قدره، لم يحدث نفسه بدار الدنيا، وقيل: هو السخي.\nروى ابن الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: من سيدكم يا بني سلمة؟\nقالوا: جد بن قيس غير أنّه بخيل جبان. قال: وأيّ داء أدوى من البخل، بل سيدكم عمرو بن جموح «١» .\nروى عبد الله بن عباس: إنه كان قاعدا مع رسول الله ﷺ فجاءه بضعة عشر رجلا عليهم ثياب السفر، فسلموا على رسول الله ﷺ وعلى القوم، ثم قالوا: من السيد منكم؟ فقال رسول الله ﷺ: ذلك يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فعرفوا أنه رسول الله، فقالوا: فما في أمتك سيد، قال: بلى رجل أعطى مالا حلالا ورزق سماحة، وأدنى الفقراء وقلت شكايته «٢» .\nوروى أن أسد بن عبد الله قال لرجل من بني شيبان: بلغني أن السودد فيكم رخيص.\nفقال: أما نحن فلا نسود إلّا من يعطينا رحله، ويفرش لنا عرضه، ويعطينا ماله. فقال: والله إن السودد فيكم لغال.\nوَحَصُورًا: أصله من الحصر وهو الحبس، يقال: حصرت الرجل عن حاجته إذا حبسته، وحصرت من كذا أحصر إذا امتنع منه، وحصر فلان في قرأته إذا امتنع من القراءة فلم يقدر عليها، ومنه إحصار العدو. قال الله تعالى: وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا «٣»: أي محبسا. ويقال للرجل الذي يكتم السر ويحبسه ولا يظره حصر.\nقال جرير:\nولقد تسقطني الوشاة فصادفوا ... حصرا بسرك يا أميم ضنينا «٤»\nفالحصور في قول ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء وأبي الشعثاء والحسن والسدي وابن زيد: الذي لا يأتي النساء ولا يقربهنّ، فهو على هذا القول: مفعول بمعنى فاعل يعني: أنه يحصر نفسه عن الشهوات.\nوقال سعيد بن المسيب والضحّاك: هو العنّين الذي لا ماء له، ودليل هذا التأويل ما\nروى أبو صالح عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه إن شاء أو يرحمه إلّا يحيى بن زكريا فإنه كان سَيِّدًا وَحَصُورًا» [٥٢] .\n_________\n(١) أحكام القرآن: ٢/ ١٥ بتفاوت.\n(٢) الدرّ المنثور: ٦/ ١٩٧.\n(٣) سورة الإسراء: ٨.\n(٤) الصحاح: ٢/ ٦٣١.","vol":"3","page":64},{"text":"وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ: ثم أهوى النبي ﷺ بيده إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: «كان ذكره مثل هذه القذاة» [٥٣] «١» .\nوقال المبرد: الحصور الذي لا يدخل في اللعب والعبث والأباطيل، وأصله من قول العرب الذي لا يدخل في الميسر حصور. قال الأخطل:\nوشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار «٢»\nفلما نادت الملائكة زكريا بالبشارة قالَ رَبِّ: يا سيدي قاله لجبرائيل (﵇)، وهذا هو قول الكلبي وأكثر المفسرين.\nوقال الحسن بن الفضل: إنّما قال زكريا لله يا رب لا لجبرائيل.\nأَنَّى يَكُونُ: من أين يكون، لِي غُلامٌ: ابن. وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ: قال أبو حمزة والفرّاء والمورّخ بن المفضّل: هذا من المقلوب: أي قد بلغت الكبر كما يقال: بلغني الجهد:\nأي إني في جهد، ويقول هذا القول لا يقطعني أي لا يبلغ [بي] ما أريد [أن] يقطعه، وأنشد المفضل:\nكانت فريضة ما زعمت ... كما كانت الزناء فريضة الرجم «٣»\nوقيل معناه: وقد نالني الكبر وأدركني وأخذ مني وأضعفني.\nقال الكلبي: كان يوم بشر بالولد ابن اثنين وتسعين سنة، وقيل: ابن تسع وتسعون سنة «٤»، فذلك قوله: وَامْرَأَتِي عاقِرٌ: أي عقيم لا تلد، يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف، يعقر عقرا وعقارة، وقيل: تكلم حتى أعقر بكسر القاف يعقر عقرا إذا أبقى فلم يقدر على الكلام.\nوقال عامر بن الطفيل:\nولبئس الفتى إن كنت أعور عاقرا ... جبانا فما عذري لدى كل محضر «٥»\nوإنما حذف الهاء لاختصاص الإناث بهذه، وقال به تارة الخليل «٦» .\n_________\n(١) كنز العمّال: ١١/ ٥٢٠، ح ٣٢٤٢٨، مجمع الزوائد: ٨/ ٢٠٩.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ١٩٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٢/ ١١١، وزاد المسير: ٥/ ٢٤، ولسان العرب: ١٤/ ٣٥٩، والبيت للجعدي وفيه:\nما تقول كما. [.....]\n(٤) وقيل: ثمان وتسعون راجع تفسير البغوي: ١/ ٢٩٩، وقيل غير ذلك راجع زاد المسير: ١/ ٣٢٨.\n(٥) فتح الباري: ٦/ ٣٣٧.\n(٦) عبارة غير مقروءة والظاهر ما ذكرناه.","vol":"3","page":65},{"text":"وقال سيبويه: للنسبة أي ذات عقر، كما يقال: امرأة مرضع أي ذات ولد رضيع وكل [...] «١» امرأتي عنى عاقر، وشخص عاقر.\nوقال عبيد: عاقر مثل ذات رحم، أو خانم مثل من [ينحب] .\nقالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ: فإن قيل: لم تنكر زكريا ذلك وسأل الآية بعد ما بشرته به الملائكة أكان ذلك [شكّ في صدقهم] أم أنّ [ذلك منه استنكارا لقدرة ربّه] «٢»؟ وهذا لا يجوز أن يوصف به أهل الإيمان فكيف الأنبياء (﵈)؟\nقيل: إن الجواب عنه ما روى عكرمة والسدي: إن زكريا لما سمع نداء الملائكة جاءه الشيطان، فقال: يا زكريا إن الصوت الذي سمعته ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، ولو كان من الله لأوحاه إليك خفيا، كما (ناداك) خفيا وكما يوحى إليك في سائر الأمور، فقال ذلك دفعا للوسوسة.\nوالجواب الثاني: إنه لم يشك في الولد وإنما شك في كيفيته والوجه الذي يكون منه الولد فقال: أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: أي فكيف يكون لي ولد؟ أتجعلني وامرأتي شابين؟ أم ترزقنا ولدا على كبرنا؟ أم ترزقني من امرأتي أو غيرها من النساء؟ قال ذلك مستفهما لا منكرا، وهذا قول الحسن وابن كيسان.\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً: علامة أعلم بها وقت حمل امرأتي فأزيد في العبادة شكرا لك.\nقالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ: تكف عن الكلام.\nثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا: تقبل بكلمتك على عبادتي وطاعتي لا أنه حبيس لسانه عن الكلام، ولكنه نهي عنه يدل عليه قوله: وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ.\nقال بعض أهل المعاني وقال أكثر المفسرين: عقد لسانه عن الكلام عقوبة له لسؤاله الآية بعد مساءلة الملائكة إياه، فلم يصدر على الكلام ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا: إشارة.\nقال الفرّاء: ويكون الرمز باللسان من غير أن يبين، وهو الصوت الخفي شبه الهمس.\nوقرأ الأعمش: رَمَزًا: بفتح الميم وهو الصلاة كالطلب به.\nوقال عطا: أراد به صوم ثلاثة أيام لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلّا رمزا.\nوَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ: يعني جبرئيل وحده.\n_________\n(١) سقط في أصل المخطوط.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٥٠.","vol":"3","page":66},{"text":"يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ: بولادة عيسى من غير أب.\nوَطَهَّرَكِ: من [مسيس] الرجل «١» . وقال السدي: كانت مريم لا تحيض.\nوَاصْطَفاكِ: بالتحرير في المسجد، عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ: عالمي زمانها ولا يحرر غيرها.\nيا مَرْيَمُ اقْنُتِي: أطيعي وأطيلي الصلاة، لِرَبِّكِ: كلمت به الملائكة شفاها.\nقال [الأوزاعي]: لمّا قالت لها الملائكة ذلك، قامت في الصلاة حتى ورمت قدماها وسالتا دما وقيحا «٢» .\nوَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٤٤ الى ٥٤]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨)\nوَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١) فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)\nوَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)\nذلِكَ: الذي ذكرت من حديث زكريا ومن حديث ويحيى ومريم وعيسى، مِنْ أَنْباءِ:\nأخبار، الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ: ردّ الكناية إلى ذلك فلذلك ذكر. وَما كُنْتَ: يا محمد، لَدَيْهِمْ: عندهم، إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ سهامهم وقداحهم للاقتراع في الماء واحدها: قلم، وقيل: [أقلامهم التي كانوا يكتبون بها] «٣» التوراة فألقوا أقلامهم التي كانت بأيديهم في الماء.\nأَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ: [....] «٤» .\n_________\n(١) تفسير الجلالين: ٧٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٨٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ٨٦.\n(٤) كلام غير مقروء.","vol":"3","page":67},{"text":"وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ: في كفالتها.\nإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ وقرأ أبو السماك «١» وهب بن يزيد العدوي: (بِكِلِمَةٍ) مكسورة الكاف مجزومة اللام في جميع القرآن، وهي لغة فصيحة مثل كتف وفخذ.\nاسْمُهُ: رد كناية إلى عيسى وكذلك ذكر. وقيل: رده إلى الكلام لأن الكلمة والكلام واحد.\nالْمَسِيحُ: قال بعضهم: هو فعيل بمعنى المفعول يعني: أنه مسح من الأقذار وطهر.\nوقيل: مسح بالبركة.\nوقيل: لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن «٢» .\nوقيل: لأنه مسح القدمين لا أخمص له.\nوقيل: مسحه جبرئيل بجناحه من الشيطان حتى لم يكن للشيطان فيه سبيل في وقت ولادته.\nوقال بعضهم: هو بمعنى الفاعل مثل عليم وعالم، وسمي ذلك لأنه كان يمسح المرضى فيبرءون بإذن الله.\nقال الكلبي: سمي بذلك لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصره.\nوقيل: سمي بذلك لأنه كان يسيح في الأرض يخوضها ولا يقيم في مكان، وعلى هذا القول الميم فيه زائدة.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: المسيح الملك.\nوقال أبو تميم النخعي: المسيح الصديق، فإما هو المسّيح بكسر الميم وتشديد السين، وقال غيره: هذا قول لا وجه له بل الدجال مسيح أيضا فعيل بمعنى مفعول لأنه ممسوح إحدى العينين كأنها عين طافية، ويكون بمعنى [السائح] «٣» لأنه يسيح في الأرض فيطوف الأرض كلها إلّا مكة والمدينة وبيت المقدس.\nقال الشاعر:\n_________\n(١) في بعض المصادر دون اسمه: أبو السمال واسمه قعنب، راجع تاج العروس: ٧/ ٣٨١، ولسان العرب:\n١١/ ٣٤٧، وإكمال الكمال: ٤/ ٣٥٤.\n(٢) زاد المسير: ١/ ٣٣١، وهو قول أبو سليمان الدمشقي.\n(٣) في المخطوط: الساحل، ولم نجده في التفاسير.","vol":"3","page":68},{"text":"إنّ المسيح يقتل المسيحا «١»\nعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا: نصب على الحال، أي شريفا [ذا جاه وقدر] «٢» .\nفِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ إلى ثواب الله وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صغيرا قبل [أوان] «٣» الكلام.\nروى ابن أبي [نجيح] عن مجاهد قال: قالت مريم (﵍): كنت إذا خلوت أنا وعيسى حدّثني وحدثته. فإذا شغلني عنه إنسان سبّح في بطني وأنا أسمع «٤» .\nوَكَهْلًا: قال مقاتل: يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء.\nوقال الحسن بن الفضل: (كَهْلًا) بعد نزوله من السماء.\nوقال ابن كيسان: أخبرهما أنّه يبقى حتّى يكتهل.\nوقيل: يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ: صبيّا وَكَهْلًا نبيّا [ولم يتكلّم في المهد من الأنبياء] «٥» إلّا عيسى (﵇)، فكلامه في المهد معجزة وفي الكهولة دعوة.\nوقال مجاهد: وَكَهْلًا أي عظيما والعرب تمدح بالكهولة لأنّها أعظم؟ على في احتناك السنّ، واستحكام العقل، وجودة الرأي والتجربة.\nوَمِنَ الصَّالِحِينَ أي فهو من العباد الصالحين.\nقالَتْ رَبِّ يا سيّدي بقولها لجبرئيل أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ يعني رجل.\nقالَ كَذلِكِ اللَّهُ: كما تقولين يا مريم ولكن الله يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْرًا:\n[...] «٦» .\nفَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ: كما يريد.\nقال بعض أهل المعاني: ذكر القول هاهنا بيان وزيادة إلى ذكره ليتعارف النّاس به سرعة كون الشيء فيما بينهم.\nوقال آخرون: هذا وقع على الموجود في علمه وإرادته وتحت قدرته وإن كان معدوما في ذاته.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٨٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٩٠، نسبه للأخفش. [.....]\n(٣) كذا الظاهر.\n(٤) المصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ٤٦٠ ما ذكره في فضل عيسى.\n(٥) زيادة يقتضيها السياق وعبارة المخطوط مشوشة.\n(٦) سقط في أصل المخطوط.","vol":"3","page":69},{"text":"ونصب بعض القرّاء النون في قوله فَيَكُونُ على جواب الأمر بالفاء، ورفع الباقون على إضمار (هو) أي فهو يكون. وقيل: على تكرير الكلام تقديره: فإنّما يقول له كن فيكون.\nوَيُعَلِّمُهُ: قرأ أهل المدينة ومجاهد وحميد والحسن وعاصم: بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله تعالى كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ: قد جرى ذكره ﷿.\nوقال المبرد: ردّوه على قوله إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ ... وَيُعَلِّمُهُ وقرأ الباقون بالنون على التعظيم، واحتجّ أبو عمرو في ذلك لقوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ...\nالْكِتابَ: أي الكتابة والخط والعلم.\nوَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ. وَرَسُولًا: أي ونجعله رسولا.\nإِلى بَنِي إِسْرائِيلَ: فترك ذكره لأن الكلام عليه، كقول الشاعر:\nورأيت بعلك «١» في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا «٢»\nأي وحاملا رمحا.\nوأنشد الفرّاء لرجل من عبد القيس:\nعلفتها تبنا وماء باردا ... حتى شتت همالة عيناها «٣»\nيعني سقيتها ماء باردا.\nقال الأخفش: وإن شئت جعلت الواو في قوله (وَرَسُولًا) مضخمة والرسول حالا للهاء، تقديره: ويعلّمه الكتاب رسولا «٤»، وكان أول أنبياء بني إسرائيل يوسف وآخرهم عيسى (﵇) «٥» .\nروى محمد بن إسكندر عن صفوان بن سليم عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«بعثت على أثر ثمانية آلاف نبي أربعة آلاف من بني إسرائيل» .\n[٥٤] «٦» فلمّا بعث قال لهم:\n[...] «٧» .\n_________\n(١) في المصدر: زوجك.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٧٤.\n(٣) لسان العرب: ٢/ ٢٨٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٩٣.\n(٥) وهو حديث أبي ذر الطويل، راجع تفسير القرطبي.\n(٦) البداية والنهاية: ٢/ ١٨٢ بتفاوت.\n(٧) سقط في أصل المخطوط.","vol":"3","page":70},{"text":"قال الكسائي: وإنمّا فتح لأنّه أوقع الرسالة عليه وقيل: بأنّي أو لأنّي.\nقَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ: والآية مِنْ رَبِّكُمْ: يصدّق قولي ويحقق رسالتي.\nقال الخليل والفرّاء: أصلها بآيّة بتشديد الياء فثقل عليهم التشديد فأبدلوا لانفتاح ما قبل التشديد وتقديرها فعله.\nوقال الكسائي: هي في الأصل أبيه مثل فاطمة فحذفت أحدى الياءين فلمّا قال ذلك عيسى لبني إسرائيل. قالوا: وما هي؟ قال: إنّي، قول نافع بكسر الألف على الاستئناف وإضمار القول.\nوقرأ الباقون بالفتح على معنى بأنّي.\nأَخْلُقُ: أي أصور وأقدّر.\nلَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ: قرأ الزهري وأبو جعفر: كهيّة بتشديد الياء. والآخرون بالهمزة. والهيئة الصورة المهيّأة، وهي من قولهم هيأت الشيء إذا قصرته وأصلحته. وقرأ أبو جعفر (الطائر) بالألف، والباقون بغير ألف.\nفَأَنْفُخُ فِيهِ: أي في الطين.\nفَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ: قرأه العامة على الجمع لأنّه خلق طيرا كثيرا.\nوقرأ أهل المدينة: (طائرا) على الواحد ذهبوا إلى نوع واحد من الطير، لأنه لم يخلق غير الخفّاش، وإنمّا خصّ الخفّاش لأنه أكمل الطير خلقا، ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثديا وأسنانا وهي تحيض وتطير.\nوقال وهب: كان يطير ما دام النّاس ينظرون إليه، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميّتا ليتميّز فعل الخلق من خلق الله، وليعلموا أنّ الكمال لله تعالى.\nوَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ: أي أشفيهما وأصححهما فقال: أبرأ الله المريض من أبرأ- وبرىء- هو يبرأ- وبريء- مبرأ- برأوا فيهما جميعا. واختلفوا في الأكمه:\nفقال عكرمة والأعمش، ومجاهد والضحّاك: [هو الذي] يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل.\nابن عباس وقتادة: هو الذي ولد أعمى ولم يبصر ضوء قط، الحسن والسّدي: هو [الأعمى، وحكى الزجاج عن الخليل أن الأكمه هو الذي يولد أعمى وهو الذي يعمى وان كان بصيرا] «١» هو المعروف من كلام العرب يقال: كمهت عينه تكمه كمها وكمهتها أنا إذا أعميتها.\n_________\n(١) زيادة عن زاد المسير: ١/ ٣٣٤.","vol":"3","page":71},{"text":"قال سويد بن أبي كاهل:\nكمهت عيناه حتى ابيضّتا ... فهو يلحى نفسه لمّا نزع «١»\nقال رؤبة:\nوكيد مطال وخصم [مبده] «٢»\nهدجن فإن تكلم [...] «٣» الأكمه هرّجت بالسّبع وقد صحت به، والأبرص الذي به وضح.\nوإنمّا خصّ هذين لأنهما عميان وكان [الغالب] على زمن عيسى الطبّ فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك داعيا لا دواء له.\nوقال وهب: ثم اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه. إنّما كان يداويهم بالدّعاء على شرط الإيمان.\nوَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ: قيل: أحيا أربعة أنفس: عازر «٤» وكان صدّيقا فأرسل أخته إلى عيسى أنّ أخاك عازر يموت فأته وكان بينه وبين داره ثلاثة أيّام فأتاه هو وأصحابه فوجدوه قد مات منذ ثلاثة أيّام، فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، فانطلقت معهم إلى قبره وهو في صخرة مطبقة. فقال عيسى: اللهم ربّ السموات السّبع والأرضين السّبع، إنّك أرسلتني إلى بني إسرائيل أدعوهم إلى دينك وأخبرهم أنّي أحيي الموتى بإذنك فأحيي عازر. قال: فقام عازر وودكه تقطر، فخرج من قبره وبقي وولد له.\nوابن العجوز مرّ به ميّتا على عيسى (﵇) على سرير يحمل فدعا الله عيسى (﵇) فجلس على سريره ونزّل عن أعناق الرجال ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه ورجع إلى أهله فبقي وولد له.\nوالبنت العاقر «٥» قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس؟ فدعا الله فعاشت فبقيت وولد لها.\nوسام بن نوح دعا عيسى (﵇) باسم الله الأعظم فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه. فقال: قد قامت القيامة؟ قال: لا ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٥٣٦.\n(٢) لسان العرب: ١٣/ ٤٧٦. [.....]\n(٣) سقط في أصل المخطوط.\n(٤) في تفسير القرطبي: ٤/ ٩٥: العاذر.\n(٥) عند القرطبي: بنت العاشر.","vol":"3","page":72},{"text":"يشيبون في ذلك الزّمان. وكان سام قد عاش خمسمائة سنة وهو شاب، ثم قال: مت. فقال:\nبشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت. فدعا الله ﷿ ففعل.\nقال الكلبي: كان عيسى (﵇) يحيي الأموات ب: يا حىّ يا قيّوم.\nوَأُنَبِّئُكُمْ: أخبركم، بِما تَأْكُلُونَ: ممّا أعاينه، وَما تَدَّخِرُونَ: وما ترزمونه، فِي بُيُوتِكُمْ: حتى تأكلوه، وهو يفعلون من دخرت وقرأ مجاهد وأيوب السختياني: تذخرون، بالذال المعجمة وسكونها وفتح الخاء من ذخر يذخر ذخرا.\nقال الكلبي: فلما أبرأ عيسى الأكمه والأبرص وأحيى الموتى قالوا: هذا سحر، ولكن أخبرنا بما نأكل وما ندّخر وكان يخبر الرجل بما أكل من غدائه وبما يأكل في عشائه.\nوقال السدي: كان عيسى (﵇) إذا كان في الكتّاب يحدّث الغلمان بما يصنع أبوهم، ويقول للغلام انطلق، فقد أكل أهلك كذا وكذا، ورفعوا لك كذا وكذا، وهم يأكلون كذا وكذا. فينطلق الصبي إلى أهله، ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء فيقولون له من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر، فحبسوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم. قالوا: ليسوا عندنا. فقال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير. قال عيسى: كذلك يكونون. ففتحوا عليهم، فإذا هم خنازير «١»، ففجئنا لذلك في بأس [...] «٢» بنو إسرائيل، فلمّا خافت عليه أمه حملته على حميّر لها، وخرجت به هاربة إلى مصر.\nوقال قتادة: إنّما هذا في المائدة وكان خوانا ينزل عليهم إنّما كانوا كالمنّ والسلوى، وأمر القوم أن لا يخونوا لا يخبئوا لغد، وحذّرهم البلاء إن فعلوا ذلك [...] «٣» وخونوا. فجعل عيسى يخبرهم بما أكلوا من المائدة وما ادخروا منه. فمسخهم الله خنازير.\nإِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لكم.\nلَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا عطفها على قوله: وَرَسُولًا.\nلِما بَيْنَ يَدَيَّ: لما قبلي.\nمِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ: من اللحوم والشحوم. وقالوا أيضا:\nيعني كل الذي حرّم عليهم من الأطبّاء، و(بعض) يكون بمعنى «كل» ويكون كقول لبيد:\nتراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها «٤»\n_________\n(١) إلى هنا في تفسير الطبري: ٣/ ٣٨١.\n(٢) كلمات غير مقروءة في المخطوط.\n(٣) كلمات غير مقروءة في المخطوط.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٩٦.","vol":"3","page":73},{"text":"أي كل النفوس.\nوقال آخر:\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض «١»\nيريد بعض الشر أهون من كله.\nوقرأ إبراهيم النخعي: حرم مثل كرّم أي [صار حراما] .\nوَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ: يعني ما ذكرنا من الآفات، وأما تعدّها لأنّها جنس واحد في [الدلالة] .\nعلى رسالته.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.\nإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى: [...] .\nوقال أبو عبيد: عرف.\nمقاتل: رأى. نظر.\nقرأه ضحّاك: هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ. وقوله: فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا.\nمِنْهُمُ الْكُفْرَ: وأرادوا قتله استنصر عليهم وقال: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ: قال السدي: كان بسبب ذكر أنّ عيسى (﵇) لمّا [بعثه الله] إلى بني إسرائيل وأمره بالدعوة نفته بنو إسرائيل وأخرجوه، فخرج هو وأمّه يسيحون في الأرض، فنزل في قرية [على رجل فضافهم] «٢» وأحسن إليهم، وكان كبير المدينة جبّار معتد. فجاء ذلك الرجل يوما مهتما حزينا، فدخل منزله، ومريم عند امرأته فقالت: ما شأن زوجك أراه كئيبا؟ قالت: لا تسأليني. قالت:\nأخبريني لعلّ الله يفرّج كربته. قالت: إنّ لنا ملكا [يجعل على كل رجل يوما يطعمه هو وجنوده ويسقيهم من الخمر] . فإن لم يفعل عاقبه، واليوم نوبتنا وليس لذلك [عندنا سعة] . قالت: فقولي له لا تهتم، فإنّي آمر ابني فيدعو له، فيكفى ذلك. فقالت مريم لعيسى في ذلك. فقال عيسى: إن فعلت ذلك كان في ذلك شر، قالت: لا تبال، فإنه قد أحسن إلينا وأكرمنا.\nقال عيسى: فقولي له إذا اقترب ذلك فأملأ قدورك وخوابيك، ففعل ذلك. فدعا الله عيسى فحوّل القدر لحما ومرقا وخبزا وما في الخوابي خمرا لم ير النّاس مثله قط. فلمّا جاء الملك أكل فلمّا شرب الخمر قال: من أين هذا الخمر؟ قال: من أرض كذا. قال الملك: فإنّ خمري\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٩٦.\n(٢) كلمات غير مقروءة في المخطوط.","vol":"3","page":74},{"text":"أوتى بها من هذه الأرض وليست مثل هذه. قال: هي من أرض أخرى، فاختلط على الملك فشدد عليه. قال: أنا أخبرك، عندي غلام لا يسأل الله شيئا إلا أعطاه إيّاه. وإنّه دعا الله تعالى [فجعل الماء خمرا] وكان للملك ابن يريد أن يستخلفه فمات قبل ذلك بأيّام. وكان أحبّ الخلق إليه. فقال: إنّ رجلا دعا الله حتى جعل الماء خمرا ليستجابنّ له حتى يحيي ابني، فدعا عيسى فكلّمه في ذلك. فقال عيسى: لا تفعل، فإنه إن عاش كان شرا، فقال الملك: لا أبالي، أليس أراه، فلا أبالي ما كان.\nفقال عيسى: فإن أحييته تتركوني وأمّي نذهب حيث نشاء. قال: نعم. فدعا الله فعاش الغلام. فلمّا رآه أهل مملكته قد عاش بادروا بالسلاح وقالوا: أكلنا هذا حتى إذا دنا موته يريد أن يستخلف علينا ابنه. فيأكلنا كما أكلنا أبوه فاقتتلوا.\nوذهب عيسى وأمّه فمرّا بالحواريين وهم يصطادون السمك. فقال عيسى: ما تصنعون؟\nقالوا: نصطاد السمك. قال: أفلا [تمشون] حتى نصطاد النّاس؟ قالوا: كيف ذلك. قالَ: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم عبد الله ورسوله. فآمنوا به وانطلقوا معه. فهم الحواريون وذلك قوله فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «١» .\nقال السدي وابن جريج والكسائي: مع الله، تقول العرب: الذّود إلى الذّود إبل.\nوقال النابغة.\nفلا تتركوني بالوعيد كأنني ... إلى النّاس مطليّ به القار أجرب «٢»\nأي مع الناس.\nوقال آخر «٣»:\nولوح ذراعين في بدن «٤» ... إلى جؤجؤ رهل المنكب «٥»\nأي مع جؤجؤ.\nنظيره قوله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ «٦»: أي مع أموالكم.\nوقال الحسن وأبو عبيدة [من أنصاري في السبيل إلى الله] «٧»، تعني في: أي من أعواني في الله؟: أي في ذات الله وسبيله.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٨٨ وما بين معقودين منه، والحديث طويل.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ٤٣٥ وفيه تتركني بدل تتركوني.\n(٣) في المصدر: البيت للجعدي.\n(٤) في المصدر: بركة.\n(٥) لسان العرب: ١٥/ ١٦٧. [.....]\n(٦) سورة النساء: ٢.\n(٧) زيادة عن تفسير القرطبي: ٤/ ٩٧.","vol":"3","page":75},{"text":"وقال طرفة:\nوإن ملتقى «١» الحيّ الجميع تلاقني ... إلى ذروة البيت الكريم المضمّد «٢» «٣»\nأي في ذروة.\nوقال أبو ذؤيب:\nبأري التي تأري اليعاسيب «٤» أصبحت ... إلى شاهق دون السماء ذؤابها درجها «٥»\nقالَ الْحَوارِيُّونَ: اختلفوا فيهم:\nفقال السدّي: كانوا ملّاحين يصطادون السمك.\nوكذلك روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا صيّادين سمّوا حواريين لبياض ثيابهم.\nوقال أبو أرطأة: كانوا قصّارين سمّوا بذلك لأنّهم كانوا يحوّرون الثياب أي يبيّضونها.\nوقال عطاء: سلّمت مريم عيسى إلى أعمال سري، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وكانوا قوما قصارين وصبّاغين، فدفعته إلى رئيسهم ليتعلم منه. فاجتمع عنده ثياب، وعرض له سفر. فقال لعيسى: إنّك قد تعلّمت هذه الحرفة، وأنا خارج في سفر إلى عشرة أيّام، وهذه ثياب مختلفة الألوان، وقد أعلمت على كل صنف منها بخيط على اللون الذي يصبغ به فيجب أن تكون فارغا منها وقت قدومي. فخرج وطبخ عيسى (﵇) جبّا واحدا على لون واحد أدخله جميع الثياب. وقال لها: كوني بإذن الله على ما أريد منك. فقدم الحواري والثياب كلها في جبّ واحد فقال: ما فعلت؟ قال: قد فرغت منها. قال: أين هي؟ قال: في الجب. قال:\nكلّها؟ قال: نعم.\nقال: كيف تكون كلها أحمر في جبّ واحد؟ فقد أفسدت تلك الثياب. قال: قم فانظر.\nفأخرج عيسى ثوبا أحمر وثوبا أصفر وثوبا أخضر إلى أن أخرجها على الألوان التي أرادها.\nفجعل الحواري يتعجب ويعلم أنّ ذلك من الله، وقال للنّاس: تعالوا وانظروا إلى ما صنع. فآمن به وأصحابه فهم الحواريون.\nوروى يوسف الفريابي عن مصعب قال: الحواريون إثنا عشر رجلا اتّبعوا عيسى بن مريم،\n_________\n(١) في المصدر: يلتقي.\n(٢) في المصدر: المصمد.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٨٣.\n(٤) اليعسوب: أمير النحل.\n(٥) لسان العرب: ١/ ٣٧٩.","vol":"3","page":76},{"text":"وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله جعنا، فيضرب بيده الأرض سهلا كان أو جبلا فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين فيأكلوهما، وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله قد عطشنا، فيضرب بيده إلى الأرض فيخرجون منه ماء فيشربون. قالوا: يا روح الله من أفضل منّا إذا شئنا أطعمنا وإذا شئنا سقينا وآمنّا بك فاتّبعناك؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده ويأكل من كسبه. قال: فصاروا يغسلون الثياب بالكراء.\nوقال الضحّاك: سمّوا حواريين لصفاء قلوبهم.\nوقال عبد الله بن المبارك: سمّوا حواريين لأنّهم كانوا نورانيين عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها. قال الله تعالى: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ «١» .\nوأصل الحور عند العرب شدة البياض. يقال: رجل أحور وامرأة حوراء، شديد بياض نفلة العينين. ويقال للدقيق الأبيض: الحواري، وكل شيء بيّضته فقد حوّرته. ويقال للبيضاء من النساء حواريّة.\nقال ابن [حلّزة] «٢»:\nفقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح «٣»\nوقال الفرزدق:\nفقلت أنّ الحواريات تغطية «٤» ... إذا زيّن «٥» من تحت الجلابيب «٦»\nوقال ابن عون: صنع ملك من الملوك طعاما. فدعا النّاس إليه، وكان عيسى على قصعة، فكانت القصعة لا تنقص. فقال له الملك: من أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم. قال: إنّي آتك ملكي هذا واتبعك، فانطلق واتبعه ومن معه فهم الحواريون.\nوقال الكلبي وأبو روق: الحواريون أصفياء عيسى وكانوا إثنا عشر رجلا.\nالحسن: الحواريون الأنصار والحواري الناصر.\nالنضر بن شميل: الحواريون: خاصة الرجل. عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال:\nالحواري: الوزير.\n_________\n(١) سورة الفتح: ٢٩.\n(٢) في المصدر: أبو جلدة.\n(٣) الصحاح: ٢/ ٦٤٠.\n(٤) في المصدر: معطبة.\n(٥) في المصدر: تفتلن.\n(٦) لسان العرب: ٤/ ٢١٩.","vol":"3","page":77},{"text":"وعن روح بن القاسم قال: سألت قتادة عن الحواريين فقال: هم الذين تصلح لهم الخلافة.\nوالحواري في كلام العرب الضامن خاصة الرجل الذي يستعين به فيما ينوبه. يدل عليه ما\nروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «لكلّ نبيّ حواري وحواريي الزبير بن العوّام» [٥٥] «١» .\nوروى أبو سفيان بن معمر قال: قال قتادة: إنّ الحواريّين كلهم من قريش. أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعباس وحمزة وجعفر وأبو عبيدة بن الجراح وعثمان بن مظعون وعبد الرحمن بن عروة وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام. قال: الحواريون وأسماؤهم في سورة المائدة.\nنَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ: أعوان دين الله ورسوله.\nآمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ: من كتابك.\nوَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ عيسى.\nفَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ الذين شهدوا لأنبيائك بالصّدق.\nقال عطاء: مع النبيّ لأنّ كل نبيّ شاهد أمّته [....] «٢» مع محمّد وأمّته «٣» .\nوَمَكَرُوا: يعني كبار بني إسرائيل الذين أحسّ عيسى منهم الكفر ودبّروا في قتل عيسى.\nوالمكر ألطف التدبير. وذلك أنّ عيسى بعد إخراج قومه إيّاه وأمّه من بين أظهرهم عاد إليهم مع الحواريين وصاح فيهم بالدعوة فهمّوا بقتله وتواطأوا على القتل. فذلك مكرهم به.\nوقال أهل المعاني: المكر. السعي في الفساد في ستر ومداجاة، وأصله من قول العرب:\nمكر الليل.\nوَمَكَرَ اللَّهُ: قال الفرّاء: المكر من المخلوقين الخبث والخديعة والحيلة، وهو من الله استدراجه العباد. قال الله تعالى سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ «٤» قال ابن عباس: معناه كلّما أحدثوا خطيئة جدّدنا لهم نعمة.\n_________\n(١) كنز العمال: ١١/ ٣٣١ ح ٣١٦٥٦. [.....]\n(٢) كلمة سقط في أصل المخطوط.\n(٣) راجع زاد المسير: ١/ ٣٣٦ مورد الآية.\n(٤) سورة الأعراف: ١٨٢.","vol":"3","page":78},{"text":"قال الزجاج: مكر الله مجازاتهم على مكرهم فسمّى باسم الابتداء كقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ «١»، وقوله: وَهُوَ خادِعُهُمْ\n«٢» .\nوقال عمرو بن كلثوم:\nألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا «٣»\nقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الله البغدادي يقول: سأل رجل جنيدا «٤» كيف رضي المكر لنفسه، وقد عاب به غيره؟ فقال: لا أدري ما يقول ولكن لسيد بني [.....] «٥» الطبرانية:\nفديتك قد جعلت على هواكا ... فنفسي لا تنازعني سواكا\nأحبك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يبق حبك لي حراكا\nويقبح [من] سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا «٦»\nفقال الرجل: أسألك عن آية من كتاب الله وتجيبني بشعر الطبرانية فقال: ويحك قد أجبتك إن كنت تعقل.\nإن تخليته إيّاهم مع المكر به. مكر منه بهم، ومكر الله تعالى خاص بهم في هذه الآية إلقاء الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى حتى قتل وصلب ورفع عيسى إلى السماء.\nقال ابن عباس: إنّ ملك بني إسرائيل أراد قتل عيسى، وقصده أعوانه. فدخل خوخة فيها كوّة، فرفعه جبرئيل من الكوّة إلى السماء. فقال الملك: لرجل منهم خبيث أدخل عليه فاقتله فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى فخرج إلى النّاس فخبرّهم أنّه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه وظنّوا أنّه عيسى.\nوقال وهب: طرقوا عيسى في بعض الليل فأسروه ونصبوا خشبة ليصلبوه فلمّا أرادوا صلبه أظلمت الأرض وأرسل الله الملائكة فحالوا بينهم وبينه وصلبوا مكانه رجلا يقال له يهودا وهو الذي دلّهم عليه. وذلك أنّ عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم، ثم قال: ليكفرنّ أحدكم قبل أن يصيح الديك ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه. فأتى\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٥.\n(٢) سورة النساء: ١٤٢.\n(٣) لسان العرب: ٣/ ١٧٧.\n(٤) نسبه في إفحام المخاصم (٣٩) لسمنون.\n(٥) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٦) إفحام المخاصم لشيث بن إبراهيم: ٣٩.","vol":"3","page":79},{"text":"أحد الحواريين إلى الجنود فقال لهم: ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له مائتين درهما فأخذها ودلّهم عليه فألقى الله عليه شبه عيسى لمّا دخل البيت. فرفع عيسى، وأخذ الذي دلّهم عليه فقال: أنا الذي دللتكم عليه، فلم يلتفتوا إلى قوله وقتلوه وصلبوه، وهم يظنّون أنّه عيسى. فلمّا صلب شبه عيسى جاءت أم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأ لها ابنة من الجنون. تبكيان عند المصلوب فجاءهما عيسى فقال لهما: علام تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال:\nإنّ الله قد رفعني ولم يصبني إلّا خير وأنّ هذا الصّبي شبّه لهم. فلما كان بعد سبعة أيّام. قال الله ﷿ لعيسى: اهبط على مريم في المحراب موضع لأمّه في خبائها فإنّها لم يبك عليك أحد بكاها، ولم يحزن عليك أحد حزنها.\nثم لتجمع لك الحواريين حيث هم في الأرض. دعاه الله تعالى فأهبط الله عليها فاشتعل الجبل حين هبط نورا فجمعت له الحواريين حيث هم في الأرض دعاه الله تعالى ثم رفعه إليه.\nوتلك الليلة هي الليلة التي يدخن فيها النّصارى، فلمّا أصبح الحواريون حدّث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى إليهم فذلك قوله: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.\nوَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ أي أفضل المعاقبين. قال أهل التواريخ: حملت مريم بعيسى ولها ثلاثة عشر سنة ودارت بعيسى بيت اللحم من أرض أورشليم لمضي خمسة وستين سنة من غلبة الإسكندر على أرض بابل. ولإحدى وخمسين سنة مضت من ملك الكلدانيين وأوحى الله ﷿ لأمّه على رأس ثلاثين سنة، ورفعه إليه من بيت المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاثين سنة وكانت نبوّته ثلاث سنين، وعاشت أمّه مريم بعد رفعه ستّ سنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٥٥ الى ٦٤]</span>\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)\nإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ اختلفوا في معنى التوفّي هاهنا:","vol":"3","page":80},{"text":"فقال كعب والحسن والكلبي ومطر الوراق «١» ومحمد بن جعفر بن الزبير وابن جريج وابن زيد: معناه: إنّي قابضك.\nوَرافِعُكَ: من الدّنيا.\nإِلَيَّ: من غير موت، يدلّ عليه قوله فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي أي قبضتني إلى السماء وأنا حيّ لأنّ قومه إنّما تنصّروا بعد رفعه لا بعد موته. وعلى هذا القول للتوفّي تأويلان:\nأحدهما: إنّي رافِعُكَ إِلَيَّ وافيا لن ينالوا منك. من قولهم: توفّيت كذا واستوفيته أي أخذته تامّا.\nوالآخر: إنّي مسلّمك، من قولهم: توفيت منه كذا أي سلّمته. وقال الربيع بن أنس:\nمعناه أنّي منيمك ورافعك إليّ من قومك، يدل عليه قوله: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ «٢»: أي ينيمكم لأنّ النوم أخو الموت، وقوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها «٣» .\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: إنّي مميتكم، يدلّ عليه: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ «٤»، وقوله وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ «٥» وله على هذا القول تأويلان:\nأحدهما: ما قال وهب: توفّى الله عيسى ثلاث ساعات من النهار ثم أحياه ورفعه.\nوالآخر: ما قاله الضحّاك وجماعة من أهل المعاني: إنّ في الكلام تقديما وتأخيرا، معناه إنّي رافعك إليّ ...\nوَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا: ومتوفّيك بعد إنزالك من السماء كقوله ﷿: وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى «٦» .\nوقال الشاعر:\nألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام «٧»\nأي عليك السلام ورحمة الله.\n_________\n(١) وهو أبو بكر الوراق.\n(٢) سورة الأنعام: ٦٠.\n(٣) سورة الزمر: ٤٢.\n(٤) سورة السجدة: ١١.\n(٥) سورة يونس: ٤٦. [.....]\n(٦) سورة طه: ١٢٩.\n(٧) معاني القرآن للنحاس: ١/ ٤٠٠، تفسير القرطبي: ٤/ ١٠٠.","vol":"3","page":81},{"text":"وقال آخر:\nجمعت وعيبا نخوة ونميمة ... ثلاث خصال لسن من ترعوي\nأي جمعت نخوة ونميمة وعيبا.\nوروى أبو هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «الأنبياء إخوة لعلّات شتّى ودينهم واحد، وأنا أولى النّاس بعيسى بن مريم لأنّه لم يكن بيني وبينه نبيّ، وإنّه عامل على أمّتي وخليفتي عليهم، إذا رأيتموه فاعرفوه فإنّه رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كأن شعره ممطر وإن لم يصبه بلل، بين ممصّرتين يدقّ الصليب ويقتل الخنزير ويفيض المال، وليسلكنّ الروحاء حاجّا أو معتمرا أو كلتيهما جميعا، ويقاتل النّاس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملك كلها ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة الكذّاب الدجّال، ويقع في الأرض الأمنة حتى يرتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الأغنام، ويلعب الصبيان بالحيّات لا يضرّ بعضهم بعضا، ويلبث في الأرض أربعين سنة» [٥٦] «١» .\nوفي رواية كعب: «أربعا وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد، ثم يتوفى ويصلي المسلمون عليه ويدفنونه في حجرة النبيّ ﷺ» [٥٧] «٢» .\nوقيل للحسن بن الفضل: هل تجد نزول عيسى (﵇) في القرآن. فقال: نعم.\nقوله: وَكَهْلًا، وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنّما معناه وَكَهْلًا بعد نزوله من السماء.\nوعن محمد بن إبراهيم أنّ أمير المؤمنين أبا جعفر حدّثه عن الآية عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف تهلك أمّة أنا في أوّلها وعيسى في آخرها والمهدي من أهل بيتي في أوسطها» «٣» [٥٨] .\nوقال أبو بكر محمد بن موسى الواسطي: معناه إِنِّي مُتَوَفِّيكَ عن شهواتك وحطوط نفسك، ولقد أحسن فيما قال لأنّ عيسى لمّا رفع إلى السّماء صار حاله كحال الملائكة.\nوَرافِعُكَ إِلَيَّ: قال البشالي والشيباني: كان عيسى على [....] «٤» فهبّت ريح فهرول عيسى (﵇) فرفعه الله ﷿ في هرولته، وعليه مدرعة من الشعر.\nقال ابن عباس: ما لبس موسى إلا الصوف وما لبس عيسى إلا الشعر حتى رفع.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ٣٩٦، الدر المنثور: ٢/ ٢٤٢ بتفاوت.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٣٩٦ بتفاوت.\n(٣) كنز العمال: ١٤/ ٢٦٩ ح ٣٨٦٨٢.\n(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"3","page":82},{"text":"وقال ابن عمر: رأينا النبي ﷺ يتبسم في الطواف فقيل له في ذلك. فقال: استقبلني عيسى في الطواف ومعه ملكان.\nوقيل: معناه رافِعُكَ بالدرجة في الجنّة ومقرّبك إلى الإكرام وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا:\nأي مخرجك من بينهم ومنجيك منهم.\nوَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ: قتادة والربيع والشعبي ومقاتل والكلبي: هم أهل الإسلام الذين اتّبعوا دينه وسنّته من أمّة محمّد فو الله ما اتّبعه من دعاه ربا فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا: ظاهرين مجاهرين بالعزة والمنعة والدليل والحجة.\nالضحّاك ومحمد بن أبان: يعني الحواريّين فوق الذين كفروا، وقيل: هم الرّوم.\nوقال ابن زيد: وجاعل النّصارى فوق اليهود. فليس بلد فيه أحد من النّصارى إلا وهم فوق اليهود، واليهود مستذلّون مقهورون، وعلى هذين القولين يكون معنى الاتّباع الادّعاء والمحبة لا اتّباع الدّين والملّة.\nثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة.\nفَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ: من الدين وأمر عيسى (﵇) .\nفَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيا: بالقتل والسّبي والذّلّة والجزية وَالْآخِرَةِ: بالنار.\nوَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ.\nوَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ: قرأ الحسن وحفص ويونس:\nبالياء، والباقون بالنون.\nوَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. ذلِكَ: أي هذا الذي ذكرته.\nنَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ.\nقال النبي ﷺ: هو القرآن.\nوقيل: هو اللوح المحفوظ، وهو معلّق بالعرش في درّة بيضاء، والحكيم: هو الحكم من الباطل.\nقال مقاتل: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ الآية: وذلك\nأنّ وفد نجران قالوا: يا رسول الله مالك تشتم صاحبنا؟ قال: وما أقول؟ قالوا: تقول إنّه عبد؟ قال: أجل هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول. فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله؟ فأنزل الله ﷿ إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ في كونه خلقا من غير أب","vol":"3","page":83},{"text":"كَمَثَلِ آدَمَ في كونه خلقا من غير أب ولا أم خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ\n: تم الكلام.\nثُمَّ قالَ لَهُ: يعني لعيسى.\nكُنْ فَيَكُونُ: يعني فكان.\nالْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ:\nقال الفرّاء: رفع لخبر ابتداء مضمر يعني هو الحق أي هذا الحق. وقال أبو عبيدة: هو استئناف بعد انقضاء الكلام وخبره في قوله: مِنْ رَبِّكَ، وقيل بإضمار فعل أي حال الحق، وإن شئت رفعته بالضمّة ونويت تقديما وتأخيرا تقديره من ربّك الحق كقولهم: منك يدك، وإن كان مثلا.\nفَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمّته لأنّه لم يكن ينهاه في أمر عيسى.\nفَمَنْ حَاجَّكَ: خاصمك وجادلك بأمر يا محمد.\nفِيهِ: في عيسى.\nمِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ: بأنه عبد الله ورسوله.\nفَقُلْ تَعالَوْا: قرأ الحسن وأبو واقد الليثي وأبو السمّاك العدوي: تَعالُوا بضم اللام، وقرأ الباقون بفتحها والأصل فيه تعاليوا لأنّه تفاعلوا من العلو فاستثقلت الضّمة على الياء فسكنت ثم حذفت وبقيت [اللام على محلّها وهي عين الفعل] «١» ضم فإنّه نقل حركة الياء المحذوفة التي هي لام الفعل إلى اللام.\nقال الفرّاء: معنى تعال كأنّه يقول ارتفع.\nنَدْعُ: جزم لجواب الأمر وعلامة الجزم فيه سقوط الواو.\nأَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ: وقيل: أراد نفوسهم، وقيل: أراد الأزواج.\nثُمَّ نَبْتَهِلْ: نتضرّع في الدّعاء. قاله ابن عباس.\nمقاتل: نخلص في الدعاء.\nالكلبي: نجهد ونبالغ في الدّعاء. الكسائي وأبو عبيدة: نلتعن بقول: لعن الله الكاذب منّا، يقال: عليه بهلة الله، وبهلته: أي لعنته.\nقال لبيد: في قدوم سادة من قولهم نظر الدهر إليهم فابتهل.\n_________\n(١) سقط في أصل المخطوط.","vol":"3","page":84},{"text":"فَنَجْعَلْ: عطف على قوله: نبتهل.\nلَعْنَتَ اللَّهِ: مصدر. عَلَى الْكاذِبِينَ: منّا ومنكم في أمر عيسى،\nفلمّا قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر في أمرنا ثمّ نأتيك غدا. فخلا بعضهم ببعض، فقالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال:\nوالله يا معشر النّصارى لقد عرفتم أنّ محمدا نبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما لاعن قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم ولئن نعلم ذلك لنهلكنّ. فإن رأيتم إلّا البقاء لدينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرّجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله ﷺ وقد غدا رسول الله محتضنا الحسين آخذا بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعلي (﵁) خلفها وهو يقول لهم: إذا أنا دعوت فأمّنوا.\nفقال أسقف نجران: يا معشر النّصارى إنّي لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا. فقال رسول الله ﷺ فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم. فأبوا. قال: فإنّي أنابذكم بالحرب. فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي سكّة ألفا في صفر وألفا في رجب. فصالحهم رسول الله ﷺ على ذلك. وقال: والذي نفسي بيده إنّ العذاب قد نزل في أهل نجران ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولا ستأصل الله نجران وأهله حتّى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا «١» .\nقال الله تعالى:\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ إلى فَإِنْ تَوَلَّوْا: أعرضوا عن الإيمان.\nفَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ: الّذين يعبدون غير الله ويدعون النّاس إلى عبادة غيره.\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ الآية.\nقال المفسرون: قدم وفد نجران المدينة فالتقوا مع اليهود فاختصموا في إبراهيم فأتاهم النبي ﷺ فقالوا: يا محمد إنّا اختلفنا في إبراهيم ودينه فزعمت النصارى أنّه كان نصرانيا وهم على دينه وأولى النّاس به. وقالت اليهود: بل كان يهوديا وأنّهم على دينه وأولى النّاس به. فقال لهم رسول الله ﷺ: كلا الفريقين بريء من إبراهيم ودينه بل كان إبراهيم حنيفا وأنا على دينه فأتبعوا دينه الإسلام. فقالت اليهود: يا محمد ما تريد إلا أن نتّخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا. وقالت النصارى: والله يا محمد ما تريد إلا أن نقول فيك ما قالت اليهود في عزير.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٢/ ٣٩، والفصول المهمة: ٢٣- ٢٥.","vol":"3","page":85},{"text":"فأنزل الله تعالى قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ عدل بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ\nوكذلك كان يقولها ابن مسعود قال: دعا فلان إلى السّواء أي إلى النصف، وسواء كل شيء وسطه. قال الله فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ «١»، وإنّما قيل للنصف سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها.\nوسواء نعت للكلمة إلا أنّه مصدر والمصادر لا تثنّى ولا تجمع ولا تؤنث. فإذا فتحت السين مدّت، وإذا كسرت أو ضمّت قصرت. كقوله ﷿: مَكانًا سُوىً «٢»: أي مستو به ثم فسّر الكلمة فقال: أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ: محل (أن) رفع على إضمار هي «٣» .\nقال الزجاج: محلّه رفع [بمعنى أنه لا نعبد] «٤»، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصفة معناه: بأن لا نعبد إلا الله.\nوقيل: محله خفض بدلا من الكلمة أي تعالوا أن لا نعبد إلّا الله.\nوَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ: كما فعلت اليهود والنصارى. قال الله: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. قال عكرمة: هو سجود بعضهم لبعض.\nوقيل معناه: لا تطع في المعاصي أحدا، وفي الخبر من أطاع مخلوقا في معصية الله فكأنّما سجد سجدة لغيره.\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: أنتم لهم اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ: مخلصون بالتوحيد،\nوكتب رسول الله ﷺ هذه الآية إلى قيصر وملوك الروم، «من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم ...\nسلام عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى.\n«أمّا بعد.... فإنّي أدعوك إلى الإسلام أسلم تسلم. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فلن تملكوا إلا أربع سنين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين، يا أهل الكتاب تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ الآية» [٥٩] «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٦٥ الى ٧٤]</span>\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاَّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٥) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨) وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٦٩)\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلا تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)\n_________\n(١) سورة الصافات: ٥٥.\n(٢) سورة طه: ٥٨.\n(٣) التقدير: هي أن لا نعبد إلّا الله، وقيل موضع «أن» خفض على البدل من «كلمة» .\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ١٠٦.\n(٥) مسند أحمد: ١/ ٢٦٣، صحيح البخاري: ١/ ٦، كنز العمال: ٤/ ٣٨٤ ح ١٠٠٣٥.","vol":"3","page":86},{"text":"يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ: وتزعمون أنه كان على دينكم اليهودية والنصرانية، وقد حدثت اليهودية بعد نزول التوراة، والنصرانية بعد نزول الإنجيل.\nوَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ: بعد مهلك إبراهيم بزمان طويل، وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة وبين موسى وعيسى ألفا سنة.\nأَفَلا تَعْقِلُونَ: بعرض حجّتكم وبطلان قولكم.\nها أَنْتُمْ: قرأه أهل المدينة بغير همز ولا مدّ إلا بقدر خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل مكّة مهموزا مقصورا على وزن هعنتم، وقرأ أهل الكوفة بالمدّ والهمز، وقرأ الباقون بالمدّ دون الهمز.\nواختلفوا في أصله فقال بعضهم: أصله أنتم والهاء تنبيها. وقال الأخفش: أصله أأنتم فقلبت الهمزة الأولى هاء كقولهم: هرقت وأرقت.\nهؤُلاءِ: مبني على الكسر، وأصله أولاء فدخلت عليه هاء التنبيه، وفيه لغتان: القصر والمد، ومن العرب من يعضها.\nأنشد أبو حازم «١»:\nلعمرك أنا والأحاليف هؤلا ... لفي محنة أطفالها لم تفطم «٢»\nوهؤلاء ها هاهنا في موضع النداء يعني يا هؤلاء.\nحاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ: يعني في أمر محمد، لأنهم كانوا يعلمونه مما يجدون من نعته في كتابهم فحاجّوا به بالباطل.\nفَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ: من حديث إبراهيم فليس في كتابكم أنّه كان يهوديا أو نصرانيا.\n_________\n(١) في المصدر: حاتم. [.....]\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ١٠٨ وفيه: أظفارها لم تقلم.","vol":"3","page":87},{"text":"وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ: نزّه إبراهيم (﵇) وبرّأه من ادعائهم فقال:\nما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا: فالحنيف الّذي يوحّد ويحج ويضحّي ويختن ويستقبل القبلة وهو أسهل الأديان وأحبّها إلى الله وأهله أكرم الخلق على الله.\nوَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ:\nقال ابن عباس: قال رؤساء اليهود: والله يا محمد لقد علمت أنّا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنّه كان يهوديا وما بك إلّا الحسد لنا، فأنزل الله هذه الآية «١» .\nروى محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف عن أصحاب رسول الله ﷺ ويونس بن بكير عن محمد بن إسحاق رفعه. دخل حديث بعضهم في بعض. قالوا: لما هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وكان من أمر بدر ما كان اجتمعت قريش في دار الندوة، وقالوا: إنّ لنا في الّذين عند النجاشي من أصحاب محمد ثأرا بمن قتل منكم ببدر. فاجمعوا مالا وهدوه إلى النجاشي لعلّه يدفع إليكم من عنده من قومكم، ولينتدب لذلك رجلان من ذوي آرائكم.\nفبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن أبي معيط بالهدايا، الأدم وغيره. فركبا البحر وأتيا الحبشة فلمّا دخلا على النجاشي سجدا له، وسلّما عليه وقالا له: إنّ قومنا لك ناصحون شاكرون ولصلاحك محبّون، وإنّهم بعثونا إليك لنحذّرك هؤلاء القوم الّذين قدموا عليك لأنّهم قوم رجل كذّاب خرج فينا فزعم أنّه رسول الله، ولم يبايعه أحد منّا إلا السفهاء وإنّا كنّا قد ضيّقنا عليهم الأمر. وألجأناهم إلى شعب أرضنا لا يدخل إليهم أحد. ولا يخرج منهم أحد. قد قتلهم الجوع والعطش. فلما اشتد عليه الأمر. بعث إليك ابن عم له ليفسد عليك دينك وملكك ورعيّتك فاحذرهم وادفعهم إلينا لنكفيكهم. قالوا: وآية ذلك أنّهم إذا دخلوا عليك لا يسجدون لك ولا يحيونك بالتحية التي يحييك بها النّاس رغبة عن دينك وسنّتك.\nقال: فدعاهم النّجاشي فلمّا حضروا صاح جعفر بالباب: يستأذن عليك حزب الله. فقال النّجاشي: مروا هذا الصائح فليعد كلامه. ففعل جعفر. فقال النجاشي: نعم فليدخلوا بأمان الله وذمّته. فنظر عمرو بن العاص إلى صاحبه. فقال: ألا تسمع كيف يدخلون بحزب الله وما أجابهم النجاشي. فساءهما ذلك، ثم دخلوا عليه ولم يسجدوا له.\nفقال عمرو: ألا ترى إنّهم يستكبرون أن يسجدوا لك. فقال لهم النّجاشي: ما منعكم ألّا تسجدوا لي وتحيّوني بالتحيّة التي يحيّيني بها من أتى من الآفاق. قالوا: نسجد لله الّذي خلقك\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٦٨.","vol":"3","page":88},{"text":"وملكك- قال- وإنما كان للملك التحية لنا ونحن الأوثان. فبعث الله فينا نبيا صادقا، وأمرنا بالتحية التي رضيها الله لنا. وهو السلام تحية أهل الجنّة. فعرف النّجاشي أن ذلك حق فيما جاء في التوراة والإنجيل. قال: أيّكم الهاتف: يستأذن عليك حزب الله؟ قال جعفر: أنا.\nقال: تكلّم. قال: إنّك ملك من ملوك أهل الأرض ومن أهل الكتاب ولا يصلح عندك كثرة الكلام ولا الظلم، وأنا أحبّ أن أجيب عن أصحابي فمن هذين الرّجلين أن يتكلّم أحدهما وينصت الآخر. فتسمع محاورتنا. فقال عمرو لجعفر: تكلّم.\nفقال جعفر للنجاشي: سل هذين الرجلين. أعبيد نحن أم أحرار؟ فإن كنّا عبيدا أبقنا من أربابنا فارددنا إليهم. فقال النجاشي: أعبيد هم يا عمرو أم أحرار؟ قال: لا، بل أحرار كرام.\nفقال النجاشي: نجّوا من العبودية، ثم قال جعفر: سلهما هل أهرقنا دما بغير حق؟ فاقتصّ منّا.\nفقال عمرو: لا ولا قطرة. فقال جعفر: سلهما هل أخذنا أموال النّاس بغير حق فعلينا إيفاؤها.\nفقال النّجاشي: قل يا عمرو. وإن كان قنطارا. فعليّ قضاؤه قال: لا ولا قيراط. قال النّجاشي: فما تطلبون منهم؟ قال عمرو: كنّا وهم على دين واحد وأمر واحد على دين آبائنا، وتركوا ذلك الدين واتبعوا غيره. ولزمناه نحن فبعثنا إليك قومهم لتدفعهم إلينا.\nفقال النجاشي: ما هذا الدين الذي كنتم عليه والدين الّذي اتبعتموه؟ قال جعفر: أمّا الدين الذي كنّا عليه فتركناه فهو دين الشيطان وأمره. كنّا نكفر بالله ونعبد الحجارة. وأما الذي تحولنا إليه فدين الإسلام جاءنا به من الله رسول وكتاب مثل كتاب ابن مريم موافقا له. فقال النجاشي:\nيا جعفر تكلّمت بأمر عظيم فعلى رسلك. فأمر النجاشي فضرب بالناقوس. فاجتمع إليه كل قسّيس وراهب. فلمّا اجتمعوا عنده قال النّجاشي: أنشدكم الله الذي أنزل الإنجيل على عيسى.\nهل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيّا مرسلا؟ فقالوا: اللهم نعم. قد بشرّنا به عيسى (﵇) فقال: من آمن به فقد آمن بي ومن كفر به فقد كفر بي. فقال النجاشي لجعفر: هيه: أي هات ماذا يقول لكم هذا الرّجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ فقالوا: يقرأ علينا كتاب الله، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويأمر بحسن الجوار، وصلة الرحم، ويأمر للوالدين واليتيم، ويأمر بأن نعبد الله وحده لا شريك له. فقال: اقرأ عليّ شيئا ممّا يقرأ عليكم. فقرأ عليهم سورة العنكبوت والرّوم. فغاضت أعين النّجاشي وأصحابه من الدمع. وقالوا: يا جعفر زدنا من هذا الحديث الطّيب. فقرأ عليهم سورة الكهف. فأراد عمرو أن يغضب النّجاشي.\nفقال: إنّهم يشتمون عيسى وأمّه. فقال النّجاشي: ما تقولون في هذا؟ فقرأ جعفر عليهم سورة مريم فلمّا أتى على ذكر مريم وعيسى رفع النّجاشي نفسه من سواكه قدر ما يقذي العين وقال: ما زاد المسيح على ما يقولون.\nثم أقبل على جعفر وأصحابه فقال: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي يقول آمنون من سبّكم أو","vol":"3","page":89},{"text":"آذاكم غرّم، ثم قال: أبشروا ولا تخافوا فلا دهورة اليوم على حزب إبراهيم (﵇) قال عمرو للنّجاشي: ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرّهط وصاحبهم الّذي جاءوا من عنده ومن اتبعه، ولكنّكم أنتم المشركون.\nثم ردّ النّجاشي على عمرو وأصحابه المال الّذي حملوه، وقال: إنّما هديّتكم رشوة إلي.\nفاقبضوها، ولكنّ الله ملّكني ولم يأخذ مني رشوة. قال جعفر: فانصرفنا فكنّا في خير دار، وأكرم بلد وأنزل الله ذلك اليوم في خصومتهم على رسوله وهو في المدينة «١» إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ: على مثله.\nوَهذَا النَّبِيُّ: يعني محمدا ﷺ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.\nروى مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لكلّ نبيّ ولاء من النبيّين وإنّ وليّي منهم أبي وخليل ربّي ثم قرأ الآية إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ ...» [٦٠] .\nوَدَّتْ: تمنّت.\nطائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.... الآية: نزلت في معاذ بن جبل وحذيفة بن اليمان وعمّار ابن ياسر حين دعاهم اليهود إلى دينهم، قد مضت هذه القصة في سورة البقرة.\nوَدَّتْ: تمنّت. طائِفَةٌ: جماعة من أهل الكتاب يعني اليهود.\nلَوْ يُضِلُّونَكُمْ: يزلّونكم عن دينكم ويردّوكم إلى الكفر. وقال ابن جرير: يهلكونكم كقول الأخطل يهجو جرير بن عطية:\nكنت القذى في موج أكدر مزبد ... قذف الآتي به فضّل ضلالا «٢»\nأي هلك هلاكا.\nوَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ.\nيا أَهْلَ الْكِتابِ: يعني اليهود والنّصارى. لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ: يعني القرآن وبيان نعت محمد ﷺ.\nوَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ: إنّ نعته مذكور في التوراة والإنجيل.\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ: تخلطون الْحَقَّ بِالْباطِلِ: الإسلام باليهوديّة والنصرانيّة.\nوقال ابن زيد: التوراة الّتي أنزل الله على موسى بالباطل الّذي غيّرتموه، وحرّفتموه، وضيّعتموه، وكتبتموه بأيديكم.\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٧١.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٦٨.","vol":"3","page":90},{"text":"وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أنّ محمدا رسول الله ودينه حقّ.\nوقرأ أبو مجلز: تلبّسون بالتشديد. وقرأ حسن بن عمير: تلبسوا وتكتموا بغير نون ولا وجه له.\nوَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا: الآية.\nقال الحسن والسّدي: تواطأ إثنا عشر حبرا من يهود خيبر وقرى عربية، وقال بعضهم لبعض: أدخلوا دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا آخر النهار وقولوا: إنّا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه وبطلان دينه فإذا فعلتم ذلك شكّ أصحابه في دينهم، وقالوا: إنّهم أهل الكتاب وهم أعلم به منّا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم، وقالوا: إنّهم أهل.\nوقال مجاهد ومقاتل والكلبي: هذا في تبيان القبلة لما صرفت إلى الكعبة. فشقّ ذلك على اليهود لمخالفتهم. فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالّذي أنزل على محمد من أمر الكعبة، وصلّوا إليها أول النّهار ثمّ اكفروا آخر النّهار، وارجعوا إلى قبلتكم الصّخرة لعلّهم يقولون أهل الكتاب هم أعلم منّا فيرجعون إلى قبلتنا، فحذّر الله نبيّه مكر هؤلاء وأطلعه على سرّهم. فأنزل: وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ: أوّله وسمّي الوجه وجها لأنّه أحسنه، وأول ما يواجه به الناظر فيرى، ويقال لأول الشيب وجهه.\nقال الربيع بن زياد:\nمن كان مسرورا بمقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار «١»\nوَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ: يشكّون. يَرْجِعُونَ: عن دينهم. وَلا تُؤْمِنُوا: ولا تصدّقوا.\nإِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ: هذا من كلام اليهود أيضا بعضهم لبعض ولا تؤمنوا ولا تصدّقوا إلا من تبع دينكم أي وافق ملّتكم وصلّى إلى قبلتكم واللام في قوله لِمَنْ: صلة. يعني ولا تؤمنوا إلا من تبع دينكم اليهوديّة كقول الله تعالى قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ «٢» قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ الآية: اختلف القرّاء والعلماء فيه، فقرأت العامّة: أن يؤتى بالفتح من الألف وقصرها ووجه هذه القراءة إنّ هذا الكلام معترض بين\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٥٥٦.\n(٢) سورة النمل: ٧٢.","vol":"3","page":91},{"text":"كلامين وهو خبر عن الله تعالى أنّ البيان وما يدلّ قوله قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ متصل بالكلام الأوّل إخبارا عن قول اليهود بعضهم لبعض، ومعنى الآية: وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ\n، ولا تؤمنوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من العلم والحكمة والحجّة في المنّ والسلوى، وفلق البحر وغيرها من الفضائل والكرامات. ولا تؤمنوا أن يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ لأنّكم أصحّ دينا منه، وهذا معنى قول مجاهد والأخفش.\nوقال ابن جريج وابن زيّاب: قالت اليهود لسفلتهم: لا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ كراهية أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وأيّ فضل يكون لكم عليهم حيث علموا ما علمتم وحينئذ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ: يقولون عرفتم أنّ ديننا حقّ فلا تصدّقوهم لئلّا يعلموا مثل ما علّمتم ولا يحاجّوكم عند ربكم، ويجوز أن يكون على هذا القول لا مضمرا كقوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «١» يكون تقديره وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ لئلّا يؤتى أحد من العلم مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ وألا يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ.\nوقرأ الحسن والأعمش: إن يؤتى بكسر الألف ووجه هذه القراءة إنّ هذا كلّه من قول الله بلا اعتراض وأن يكون كلام اليهود تاما عند قوله إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ومعنى الآية: قُلْ يا محمد إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتى ما يؤتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يا أمّة محمد أَوْ يُحاجُّوكُمْ، يعني إلا أن يجادلكم اليهود بالباطل فيقولون نحن أفضل منكم وقوله: عِنْدَ رَبِّكُمْ أي عند فضل ربّكم لكم ذلك ويكون (أنّ) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي.\nوهذا معنى قول سعيد بن جبير والحسن وأبي مالك ومقاتل والكلبي. وقال الفرّاء: ويجوز أن يكون (أو) بمعنى حتّى كما يقال: تعلّق به أو يعطيك حقّك أي حتى يعطيك حقّك.\nوقال امرؤ القيس:\nفقلت له لا تبك عينك «٢» إنّما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا «٣»\nأي حتى نموت.\nوالمعنى لا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، ما أعطى أحدا مثل ما أعطيتم يا أمة محمد من الدّين والحجّة حتّى يحاجّوكم عند ربّكم.\nوقرأ ابن كثير: أن يؤتى بالمدّ وحينئذ يكون في الكلام إختيار تقديرها: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يا معشر اليهود من الكتاب والحكمة تحسدونهم ولا تؤمنون بهم وهذا قول قتادة والربيع.\n_________\n(١) سورة النساء: ١٧٦.\n(٢) في المصدر: عيناك.\n(٣) كتاب العين: ٨/ ٤٣٨.","vol":"3","page":92},{"text":"وإلّا هذا من قول الله ﷿: قُلْ لهم يا محمد إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ لما أنزل كتابا مثل كتابكم وبعث نبيّا مثل نبيّكم حسدتموه وكفرتم به.\nقُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ الآية.\nقال أبو حاتم: إنّ معناه الآن فحذف لام الجزاء استخفافا وأبدلت مدّه كقراءة من قرأ:\nأَنْ كانَ ذا مالٍ أي الآن كان.\nوقوله: أَوْ يُحاجُّوكُمْ على هذه القراءة رجوع إلى خطاب المؤمنين ويكون أو بمعنى أن لأنّها حرفا شك وجزاء ويوضع أحدهما موضع الآخر وتقدير الآية: وإن يحاجّوكم يا معشر المؤمنين عند ربّكم فقل يا محمد: إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ ونحن عليه.\nويحتمل أن يكون الجميع خطابا للمؤمنين ويكون نظم الآية: أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ يا معشر المؤمنين [فلا تشكّو عند تلبيس اليهود] «١» ف قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ.\nوإن حاجّوكم ف قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ.\nفهذه وجوه الآيات باختلاف القرآن. ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فيكون قوله وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ إلى آخر الآية من كلام الله ﷿. وذلك إنّ الله تعالى مثبّت لقلوب المؤمنين ومشحذ لبصائرهم لئلّا يشكّوا عند تلبيس اليهود وتزويرهم في دينهم أي: ولا تصدّقوا يا معشر المؤمنين إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ولا تصدّقوا أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ من الدين والفضل، ولا تصدّقوا أن يُحاجُّوكُمْ في دينكم عِنْدَ رَبِّكُمْ فيقدرون على ذلك ف إِنَّ الْهُدى هُدَى اللَّهِ وإِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ: فتكون الآية كلّها خطاب الله ﷿ للمؤمنين عند تلبيس اليهود عليهم لئلّا يزلّوا ولا يرتابوا والله أعلم. يدل عليه قول الضحّاك قال: إنّ اليهود قالوا: إنّا نحاجّ عند ربنا من خالفنا في ديننا فبيّن الله تعالى أنّهم هم المدحضون أي المغلوبون، وإنّ المؤمنين هم الغالبون.\nوقال أهل الإشارة في هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم فإنّ من لا يوافقكم لا يرافقكم.\nيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ: بنبوّته ودينه ونعمته.\nمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ: وقال أبو حيّان: إجمال القول يبقى مع رجاء الرّاجي وخوف الخائف.\n_________\n(١) زيادة لتقويم النص.","vol":"3","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٧٥ الى ٨٥]</span>\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨) ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)\nوَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤)\nوَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٨٥)\nوَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ: الآية: قال أكثر المفسّرين: نزلت هذه الآية في اليهود كلّهم، أخبر الله تعالى إنّ فيهم أمانة وخيانة. والقنطار عبارة عن المال الكثير، والدينار عبارة عن المال القليل.\nفإن قيل: فأيّ فائدة في هذه الأخبار وقد علمنا أنّ النّاس كلّهم لم يزالوا كذلك منهم الأمين ومنهم الخائن.\nقلنا: تحذير من الله تعالى للمؤمنين أن يأتمونهم على أموالهم أو يغترّوا بهم لاستحلالهم أموال المؤمنين.\nوهذا كما\nروي في الخبر: أتراعون عن ذكر الفاجر؟ اذكروه بما فيه كي يحذره النّاس.\nوقال بعضهم: الأمانة راجعة إلى من أسلم منهم، والخيانة راجعة إلى من لم يسلم منهم.\nوقال مقاتل: وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ: عبد الله بن سلام أودعه رجل ألفا ومائتي أوقية من الذّهب فأدّاه إليه فمدحه الله.\nوَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ: في مخاض بن عازورا وذلك أنّ رجلا من قريش استودعه دينارا فخانه.","vol":"3","page":94},{"text":"وفي بعض التفاسير: إنّ الّذي يؤدّي الأمانة في هذه الآية هم النصارى، والذين لا يؤدّونه هم اليهود.\nوفي قوله تَأْمَنْهُ: قراءتان.\nقرأ الأشهب العقيلي: تيمنه بكسر التاء وهي لغة بكر وتميم، وفي حرف ابن مسعود ما لك لا تيمنّا.\nوقراءة العامّة تَأْمَنْهُ بالألف. والدينار أصله دنّار فعوّض من إحدى النّونين ياء طلبا للخفّة لكثرة استعماله، يدلّ عليه أنّك تجمعه دنانير.\nوفي قوله يُؤَدِّهِ وأخواته خمس قراءات.\nفقرأها كلّها أبو عمرو والأعمش وعاصم وحمزة: ساكنة الهاء.\nوقرأ أبو جعفر ويعقوب: مختلسة مكسورة. وقرأ سلام: مضمومة مختلسة. وقرأ الزهري:\nمضمومة مشبعة.\nوقرأ الآخرون: مكسورة مشبعة فمن سكّن الهاء فإنّ كثيرا من النحاة خطّئوه، لأن الجزم ليس في الهاء إذا تحرك ما قبلها والهاء اسم المكنّى والأسماء لا تجزم.\nقال الفرّاء: هذا مذهب بعض العرب يجزمون الهاء إذا تحرّك ما قبلها فيقول: ضربته ضربا شديدا، كما يسكّنون ميم أنتم وقمتم وأصلها الرفع.\nوأنشد:\nلمّا رأى أن لا دعه ولا شبع ... مال إلى أرطأة حقف «١» فاضطجع «٢»\nوقال بعضهم: إنّما جاز إسكان الهاء في هذه المواضع لأنّها وضعت في موضع الجزم وهو الياء الذاهب، ومن اختلس فإنّه اكتفى بالضمّة عن الواو وبالكسر عن الياء وأنشد الفرّاء:\nأنا ابن كلاب وابن أوس ... فمن يكن قناعه مغطيّا فإنّي لمجتلى «٣»\nوأنشد سيبويه:\nفإن يكن غثّا أو سمينا فإنّه ... سيجعل عينيه لنفسه مغمضا\nومن أشبع الهاء فعلى الأصل لما كان الحرف ضعيفا قوي بالواو في الضم وبالياء في الكسر.\n_________\n(١) الارطاة: واحد الارط وهو شجر من شجر الرمل. والحقف: (بالكسر) ما اعوج من الرمل.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٣٠٤.\n(٣) الصحاح: ٦/ ٢٤٤٧.","vol":"3","page":95},{"text":"قال سيبويه: يجيء بعد هاء المذكّر واو كما يجيء بعد هاء المؤنّث ألف. ومن ضمّ الهاء فعلى الأصل لأنّ أصل الهاء الضمّة مثل هو، وهما وهم، ومن كسر فقال لأنّ قبله ياء وإن كان محذوفا فلأنّ ما قبلها مكسور.\nإِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا: قرأ يحيى وثابت والأعمش وطلحة بكسر الدّال، والباقون بالضّم.\nمن ضمّ فهو من دام. يدوم، ومن لغة العالية. ومن كسر فله وجهان، قال بعضهم: هو أيضا من دام يدوم إلا أنّه على وزن فعل. يفعل، يقول دمت تدوم مثل مت. تموت، قاله الأخفش. وليس في الأفعال الثلاثيّة فعل- يفعل بكسر العين في الماضي وضمّها في الغابر من الصحيح الآخر فإنّ فضل. يفضل، ونعم. ينعم، ومن المعتلّ متّ. أموت ودمت. أدوم وهما لغة تميم.\nقال أكثر العلماء: من كرام- يدام- فعل- يفعل مثل خاف- يخاف، وهاب يهاب.\nقائِمًا: قال ابن عبّاس: ملحا.\nمجاهد: مواظبا. سعيد بن جبير: مرابطا. قتادة: قائما تقتضيه. السّدي: قائما على رأسه.\nالعتيبي: مواظبا بالاقتضاء وأصله إنّ المطالب للشيء يقوم فيه والتّارك له يقعد عنه، ودلالة قوله: أُمَّةٌ قائِمَةٌ أي: عاملة بأمر الله غير تاركة.\nأبو روق: يعترف بما دفعت إليه ما دمت قائما على رأسه، فإن سألته إيّاه في الوقت حينما تدفعه إليه يردّه عليك وإن أنظرته وأخّرته أنكر وذهب به وذلك الاستحلال والخيانة.\nبِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ: أي في حال العرب. نظيره هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ «١» ... سَبِيلٌ: إثم وحرج. دليله قوله: ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ «٢» وذلك إنّ اليهود قالوا لا حرج علينا في حبس أموال العرب قد أحلّها الله لنا لأنّهم ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلّون ظلم من خالفهم في دينهم يقولون لم يجعل الله لهم في كتابنا حرمة.\nالكلبي: قالت اليهود إنّ الأموال كلّها كانت لنا فما كانت في أيدي العرب منها فهو لنا وإنّما ظلمونا وغصبونا ظلما فلا سبيل علينا في أخذنا إيّاه منهم.\n_________\n(١) سورة الجمعة: ٢. [.....]\n(٢) سورة التوبة: ٩١.","vol":"3","page":96},{"text":"الحسن وابن جريج ومقاتل: بايع اليهود رجالا من المسلمين في الجاهلية فلمّا أسلموا تقاضوهم بقيمة أموالهم فقالوا: ليس لكم علينا حقّ ولا عندنا قضاء لكم تركتم الدّين الذي كنتم عليه وانقطع العهد بيننا وبينكم، وادّعوا إنّهم وجدوا ذلك في كتابهم فكذّبهم الله تعالى فقال:\nوَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.\nوفي الحديث: لما نزلت الآية قال النّبي ﷺ: «كذب أعداء الله ما من شيء كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة فإنّها موفاة «١» إلى البرّ والفاجر» «٢» [٦١] .\nوروى أبو إسحاق الهمداني عن صعصعة: إنّ رجلا سأل ابن عباس فقال: إنّا نصيب في الغزو من أموال أهل المدينة الدّجاجة أو الشاة قال ابن عبّاس: ويقولون ماذا قال: يقولون:\nليس علينا بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ «٣» إنهم إذا أدّوا الجزية لم يحلّ لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم ثمّ قال الله تعالى ردّا عليهم: بَلى: أي ليس كما قالوا ولكن مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ: الذي عاهد الله في التوراة من الإيمان بمحمّد والقرآن وأداء الأمانة.\nوالهاء في قوله بِعَهْدِهِ راجعة إلى الله ﷿ قد جرى ذكره في قوله وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ. ويجوز أن تكون عائدة إلى أَوْفى.\nوَاتَّقى: من الكفر والخيانة ونقض العهد.\nفَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: من هذه صفته.\nوعن الحسن: قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام وزعم أنّه مؤمن، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» [٦٢] «٤» .\nوعن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «من ائتمن على أمانة فأدّاها ولو شاء لم يؤدّها زوّجه الله من الحور العين ما شاء» [٦٣] «٥» .\nالحسن عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ: «التّاجر الصّدوق الأمين مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ» [٦٤] «٦» .\nوهب عن حذيفة قال: حدّثني رسول الله ﷺ حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر،\n_________\n(١) في المصدر: مؤداة.\n(٢) فتح القدير: ١/ ٣٥٤، تفسير مجمع البيان: ٢/ ٣٢٧.\n(٣) سورة آل عمران: ٧٥.\n(٤) كنز العمال: ١/ ١٧١.\n(٥) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٣٢٧.\n(٦) المستدرك: ٢/ ٦.","vol":"3","page":97},{"text":"حدّثنا: «إنّ الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجّال، ونزل القرآن فتعلّموا من القرآن وتعلّموا من أصل السّنة» [٦٥] «١» .\nثم حدّثنا عن رفعهما فقال: «ينام الرّجل النومة فينزع الأمانة من قلبه فيظل أثرها كأثر المجل كجمر دحرجته على رجلك فتراه منتثرا وليس فيه شيء» . ثم أخذ حذيفة حصاة فدحرجها على ساقه قال: فيصبح النّاس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة حتّى يقال له: فلان رجلا أمينا، وحتّى يقال للرّجل: ما أجلده، ما أعقله، وأظرفه وما في قلبه مثقال حبّة خردل من إيمان. ولقد أتى عليّ حين ولا أبالي أيّكم بايعت لئن كان مسلما ليردّن على إسلامه ولئن كان يهوديا أو نصرانيا ليردّن على ساعيه فأنا اليوم فما كنت لأبايع رجلا منكم إلّا فلانا وفلانا «٢» .\nوقيل: أكمل الدّيانة ترك الخيانة، وأعظم الجناية خيانة النّاس.\nإِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا: اختلفوا في نزول هذه الآية:\nفقال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم من رئيس اليهود كتبوا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمّد ﷺ وبدّلوه وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا إنّه من عند الله لئلا يفوتهم الرّشى والمأكل التي كانت لهم على أتباعهم.\nوقال الكلبي: إنّ ناسا من علماء اليهود أولي فاقة كانوا ذوي حظ من علم التوراة فأصابهم سنة. فأتوا كعب بن الأشرف يستميرونه فسألهم كعب: هل تعلمون أنّ هذا الرّجل رسول الله في كتابكم؟ فقالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: فإنّا نشهد إنّه عبد الله ورسوله، قال كعب: قد كذبتم عليّ فأنا أريد أن أميركم وأكسوكم فحرمكم الله خيرا كثيرا.\nقالوا: فإنّه شبّه لنا. فرويدا حتى نلقاه. قال: فانطلقوا فكتبوا صفة سوى صفته، ثم أتوا نبي الله ﷺ فكتموه ثم رجعوا إلى كعب، فقالوا: قد كنّا نرى رسول الله فأتيناه، فإذا هو ليس بالنعت الّذي نعت لنا وأخرجوا الّذي كتبوه. ففرح بذلك كعب، ومكرهم فأنزل الله ﷿ هذه الآية، نظيرها قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا «٣» الآية.\nوروى منصور بن أبي وائل قال: قال عبد الله: من حلف على عين يستحقّ بها مالا وهو فيها فاجر لقي الله ﷿ وهو عليه غضبان. فأنزل الله تعالى تصديق ذلك إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا الآية.\nوقال الأشعث بن قيس: فيّ نزلت، وكانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى\n_________\n(١) غريب الحديث: ٤/ ١١٧- ١١٨ بتفاوت.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٨٣.\n(٣) سورة البقرة: ١٧٤.","vol":"3","page":98},{"text":"رسول الله ﷺ فقال: «شاهداك أو يمينه» . فقلت: إنّه إذا يحلف ولا يبالي. فقال رسول الله ﷺ:\n«من حلف على عين يستحقّ بها مالا هو فيها فاجر لقي الله تعالى وهو عليه غضبان» [٦٦] «١» .\nفأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ ... الآية.\nوقال ابن جريج: إنّ الأشعث بن قيس اختصم هو ورجل إلى رسول الله ﷺ في أرض كانت في يده لذلك ليعزّره في الجاهلية: فقال رسول الله ﷺ: «أقم بيّنتك؟» . قال الرجل: ليس يشهد لي على الأشعث بن قيس أحد. قال: «لك يمينه» [٦٧] . فقام الأشعث وقال: أشهد الله وأشهدكم أنّ خصمي صادق. فردّ إليه أرضه وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة مخافة أن يبقى في يده شيء من حقّه فهو لعقب ذلك الرجل من بعده «٢» .\nوروى بادان عن ابن عباس قال: نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي استعدى عليه عبدان بن أشرع فقضى رسول الله ﷺ بالحلف، فلمّا همّ أن يحلف نزلت هذه الآية. فامتنع امرئ القيس أن يحلف وأقرّ لعبدان بحقّه ودفعه إليه. فقال رسول الله ﷺ: لك عليها الجنّة.\nوقال مجاهد والشعبي: أقام رجلا سلعته أوّل النّهار فلمّا كان آخره جاء رجل فساومه فحلف لقد منعها أوّل النّهار من كذا ولولا المساء لما باعها به. فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ: أي يستبدلون بعهد الله وإيفاء الأمانة وَأَيْمانِهِمْ الكاذبة ثَمَنًا قَلِيلًا.\nأُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ: ونعيمها وثوابها وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ كلاما ينفعهم ويسرّهم. قاله المفسرون، وقال المفضل: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ: بقبول حجّة يحتجّون بها.\nوَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ: أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يحسن إليهم ولا يكلمهم خيرا. يقال نظر فلان لفلان، ونظر إليه إذا رحمه وأحسن إليه.\nقال الشاعر:\nفقلت انظري ما أحسن النّاس كلّهم ... لبني غلّة صدبان قد شفّه الوجد\nوعن أبي عمرو الجوني قال: ما نظر الله إلى شيء إلا رحمه ولو قضى أن ينظر إلى [أهل] النّار لرحمهم، ولكن قضى أن لا ينظر إليهم.\nروى عبد الله بن كعب عن أبي أمامة الخازني: إنّ رسول الله ﷺ قال: «من اقتطع حقّ امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النّار وحرّم عليه الجنّة»، فقال رجل وإن كان شيئا يسيرا قال: «وإن كان قضيبا من أراك» [٦٨] «٣» .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٣/ ١٦٠ وفيه يمين يستحق بدل عين يستحق.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٤٣٦.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٢٦٠.","vol":"3","page":99},{"text":"وروى محمد بن زيد القرشي عن عبد الله بن أبي أمامة الخازني عن عبد الله بن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس. والذي نفسي بيده لا يحلف أحد وإن كان على مثل جناح بعوضة إلا كانت وكنة في قلبه إلى يوم القيامة»\n[٦٩] «١» .\nوَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ:\nرجل على فضل ما بالطريق فمنع ابن السّبيل، ورجل بايع رجلا لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه ما يريد وفي له وإلّا لم يف له، ورجل يساوم سلعته بعد العصر. فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا فصدّقه الآخر وأخذها.\nوروى الحارث الأعور عن علي (﵇) قال: قال رسول الله ﷺ: «إيّاكم واليمين الفاجرة. فإنّها تدع الدّيار بلاقع من أهلها» [٧٠] «٢» .\nوروى معمّر في رجل من بني تميم عن أبي الأسود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«اليمين الفاجرة تعقم الرحم» [٧١] «٣» .\nالعلاء بن عبد الرّحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اليمين الفاجرة منفقة للسلعة ممحقة للكسب» [٧٢] «٤» .\nوَإِنَّ مِنْهُمْ: يعني من أهل الكتاب الذين تقدّم ذكرهم وهم اليهود.\nلَفَرِيقًا: طائفة وهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الصّف، وحيي بن الأخطب، وأبو ياسر وحيي وسبعة بن عمرو الشاعر.\nيَلْوُونَ: قرأ أهل المدينة يُلَوُّونَ مضمومة الياء مفتوحة اللام مشدّدة الواو على التكثير.\nوقرأ حميد: يلون بواو واحدة على نية الهمز، ثم ترك الهمزة ونقل حركتها إلى اللام.\nوقرأ الباقون بواوين ولام ساكنة مخففة ومعناها جميعا يعطفون أَلْسِنَتَهُمْ: بالتحريف المتعنّت وهو ما غيّروا من صفة محمد ﷺ وآية الرّجم. يقال: لوى لسانه عن كذا أي غيّره، ولوى الشيء عمّا كان عليه إذا غيّره إلى غيره، ولوى فلانا عن رأيه، إذا أماله عنه، ومنه: ليّ الغريم، قال النابغة الجعدي:\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٤٩٥. [.....]\n(٢) كنز العمال: ١٦/ ٩٦ ح ٤٤٠٥٢.\n(٣) كنز العمال: ١٦/ ٦٩٦ ح ٤٦٣٨٠.\n(٤) شرح مسلم: ٢/ ١٢٦.","vol":"3","page":100},{"text":"لوى الله علم الغيب عم سواءه ... ويعلم منه ما مضى وتأخرا «١»\nونظيره قوله: وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا ... الآية.\nلِتَحْسَبُوهُ: لتظنّوا ما حرّفوا مِنَ الْكِتابِ: الذي أنزله الله.\nوَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ ... وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ: إنّهم كاذبون.\nوروى جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: إنّ الآية نزلت في اليهود والنّصارى جميعا والذين هم حرّفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض وألحقوا به ما ليس منه فأسقطوا منه الدين الحنفي، فبيّن الله تعالى كذبهم للمؤمنين.\nما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ الآية.\nقال الضحّاك ومقاتل: ما كانَ لِبَشَرٍ يعني عيسى (﵇) أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ يؤتى الحكمة. نزلت في نصارى أهل نجران.\nوقال ابن عباس وعطاء: ما كانَ لِبَشَرٍ يعني محمدا ﷺ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ: يعني القرآن وذلك\nأنّ أبا رافع القرظي من اليهود والرئيس من نصارى أهل نجران قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك ربا؟ فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غير الله ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني» [٧٣] «٢» . فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الحسن: بلغني أنّ رجلا قال: يا رسول الله نسلّم عليك كما يسلّم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك؟ قال: «لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيّكم واعرفوا الحق لأهله» [٧٤] «٣» . فأنزل الله ما كانَ لِبَشَرٍ: يعني ما ينبغي لبشر\n، كقوله وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا «٤» وكقوله ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا «٥»: يعني ما ينبغي.\nوقال أهل المعاني: هذه اللام منقولة وأن بمعنى اللام، وتقدير الآية: ما كان لبشر ليقول ذلك. نظير قوله: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ «٦»: أي ما كان الله ليتخذ ولدا وقوله ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ «٧» أي ما كان لنبىّ ليغلّ. والبشر جميع بني آدم لا واحد من لفظه: كالقوم والجيش، ويوضع موضع الواحد والجمع.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٤/ ٤١٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٣/ ٤٤١.\n(٣) أسباب نزول الآيات: ٧٤، تفسير مجمع البيان: ٢/ ٣٣١.\n(٤) سورة النساء: ٩٢.\n(٥) سورة النور: ١٦.\n(٦) سورة مريم: ٣٥.\n(٧) سورة آل عمران: ١٦١.","vol":"3","page":101},{"text":"أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ: يعني الفهم والعلم، وقيل أيضا الأحكام عن الله تعالى، نظير قوله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ «١» .\nثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ: نصب على العطف، وروى محبوب عن أبي عمرو: ثمّ يقولُ بالرفع على الاستئناف.\nكُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ: قال ابن عباس: هذه لغة مزينة تقول للعبيد عباد.\nوَلكِنْ كُونُوا: أي ولكن يقول كونوا، فحذف القول.\nرَبَّانِيِّينَ: اختلفوا فيه:\nفقال عليّ وابن عباس والحسن والضحّاك: كونوا فقهاء علماء.\nمجاهد: فقهاء وهم دون الأحبار. أبو رزين وقتادة والسّدّي: حكماء علماء، وهي رواية عطية عن ابن عباس. وروى سعيد بن جبير عنه: فقهاء معلّمين.\nوقال مرّة بن شرحبيل: كان علقمة من الرّبانيّين الذين يعلّمون النّاس القرآن.\nوروى الفضل بن عياض عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير: حكماء أتقياء.\nابن زيد: ولاة النّاس، وقادتهم بعضهم متعبدين مخلصين.\nعطاء: علماء حكماء نصبا لله في خلقه. أبو عبيد: لم يعرف العرب الرّبانيّين.\nأبو [عبيد]: سمعت رجلا عالما يقول: الرّباني: العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي.\nالعارف بأنباء الأمّة وما كان وما يكون.\nالمؤرّخ: كونوا ربّانيّين تدينون لربّكم، كأنّه فعلاني من الربوبية.\nوقال بعضهم: كان في الأصل ربّي، فأدخلت الألف للتضخيم وهو لسان السريّانية، ثم أدخلت النون لسكون الألف كما قيل: صنعاني وبحراني وداراني.\nالمبّرد: الرّبانيون: أرباب العلم واحدها ربّان وهو الذي يرث العلم ويربّب النّاس أي يعلّمهم ويصلحهم فيقوم بأمرهم، والألف والنون للمبالغة. كما قالوا: ريّان وعطشان وشبعان وغوثان ونعسان من النّعاس ووسنان ثم ضمّ إليه ياء النسبة كما قيل. وقال الشاعر:\nلو كنت مرتهنا في الحقّ أنزلني ... منه الحديث وربّاني أحباري «٢»\nوقد جمع علي (﵁) هذه الأقاويل أجمع فقال: هو الّذي يربى علمه بعمله.\nوقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: مات ربّاني هذه الأمّة.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٨٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ١٢٢.","vol":"3","page":102},{"text":"بِما كُنْتُمْ: معناه الوجوب أي: بما أنتم. كقوله وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا «١»: أي وامرأتي، وقوله مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا «٢» أي من هو في المهد صبيّا.\nتُعَلِّمُونَ الْكِتابَ: قرأ السلمي والنخعي وابن جبير والضحّاك وأهل الكوفة: تُعَلِّمُونَ بالتشديد من التعليم، واختاره أبو عبيدة، وقرأ الباقون تعلمون بالتخفيف من العلم، واختاره أبو حاتم، وقال أبو عمرو: وتصديقها وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ فلم يقل يدرسون وقرأ الحسن تُعَلِّمُونَ، التاء والعين وتشديد اللام على معنى تعلمون، وقرأ أبو عبيدة: تُدْرِسُونَ من أدرس يدرس. وقرأ سعيد بن جبير: تُدَرِّسُونَ من التدريس. الباقون: يدرسون من الدرس أي يقرءون، نظيره في سورة الأعراف وَدَرَسُوا ما فِيهِ «٣» .\nجويبر عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ «ما من مؤمن ذكر ولا أنثى حرّ ولا عبد مملوك إلّا ولله ﷿ عليه حقّ واجب أن يتعلّم من القرآن ويتفقّه فيه، ثم تلا هذه الآية وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ» «٤» .\nوَلا يَأْمُرَكُمْ: قرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعاصم وحمزة: وَلا يَأْمُرَكُمْ بالنصب عطفا على قوله ثُمَّ يَقُولَ.\nوقيل: على إضمار أنّ وهو على هذه القراءة مردود على البشر. وقرأ الباقون بالرفع على الاستئناف والانقطاع من الكلام الأوّل، يدلّ عليه قراءة عبد الله وطلحة ولن يأمركم ثمّ اختلفوا فيه، فقرأ الأكثر على معناه وَلا يَأْمُرَكُمْ الله. وقال ابن جريح: وَلا يَأْمُرَكُمْ محمد ﵊، وقيل: وَلا يَأْمُرَكُمْ البشر.\nأَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا: كقول قريش وبني مليح حيث قالوا: الملائكة بنات الله، واليهود والنّصارى حيث قالوا في المسيح وعزير ما قالوا.\nأَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: على ظهر التعجّب والإنكار، يعني: لا يفعل هذا.\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ، قرأ سعيد بن جبير لَمَّا بتشديد الميم، وقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة والكسائي بجرّ اللام وتخفيف الميم.\nوأما الباقون: بفتح اللام وتخفيف الميم، فمن فتح اللام وخفّف الميم فقال الأخفش: هي\n_________\n(١) سورة مريم: ٥.\n(٢) سورة مريم: ٢٩. [.....]\n(٣) سورة الأعراف: ١٦٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ١٢٢.","vol":"3","page":103},{"text":"لام الابتداء أدخلت على ما الخبر كقول القائل: لزيد أفضل منك، وما آتيتكم والذي بعده صلة له وجوابه في قوله: لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ فإن شئت جعلت خبر ما. من كتاب الله. وتقول من زائدة معناها: لما آتيتكم كتاب وحكمة، ثم ابتدأ فقال: ثُمَّ يعني: ثم يجيئكم، وإن شئت قلت: ثم أن جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ: اللام لام القسم تقديره: والله لتؤمننّ به. فأكّد في أول الكلام بلام التأكيد، وفي آخر الكلام بلام القسم.\nوقال الفرّاء: من فتح اللام جعلها لاما زائدة لقوله: اليمين إذا وقعت على جملة صيّرت فعل ذلك الجزاء على هيئة فعل، وصيّرت جوابه كجواب اليمين، والمعنى: أي كتاب آتيتكم ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمننّ به، للّام في قوله لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ.\nوقال المبرّد والزجّاج: هذه لام التحقيق دخلت على ما الجزاء كما تدخل على أن، ومعناه: مهما آتيتكم من كتاب وحكمة، ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، اللام في قوله لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ جواب الجزاء كقوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ «١» ونحوه.\nوقال الكسائي: لَتُؤْمِنُنَّ: متصل بالكلام الأول وجواب الجزاء في قوله: فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ، ومن كسر اللام فهي لام الإضافة دخلت على ما الذي، ومعناه: الذي آتيتكم يعني: أخذ ميثاق النبيين لأجل الذي أمامهم من كتاب وحكمة ثم أن جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ من بعد الميثاق لأن أخذ الميثاق بمنزلة الاستحلاف، وهو كما نقول في الكلام أخذت ميثاقك لتفعلن كذا وكذا كأنك قلت: استحلفتك لتفعلن.\nوقال صاحب النظم: من كسر اللام فهو بمعنى بعد يعني: بعد ما آتيتكم من كتاب وحكمة، كقول النابغة:\nتوهّمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع «٢»\nأي: بعد ستة أعوام، ومن شدد الميم فمعناه: حين آتيتكم لقوله تعالى آتَيْتُكُمْ.\nقرأ أهل الكوفة: آتيناكم على التعظيم، وقرأ الآخرون: آتَيْتُكُمْ على التفريد، وهو الاختيار لموافقة الخط كقوله: وَأَنَا مَعَكُمْ «٣» والقول مثمر في الآية على الأوجه الثلاثة تقديرها: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ) .\nواختلف المفسّرون في معنى هذه الآية، فقال قوم: إنّما أخذ الميثاق على الأنبياء أن\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٨٦.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٥٦٩.\n(٣) سورة آل عمران: ٨١.","vol":"3","page":104},{"text":"يصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، فذلك معنى آخر بالتصديق، وهذا قول سعيد بن جبير وطاوس وقتادة والحسن والسدّي، يدل عليه ظاهر الآية،\nوقال علي (﵁): لم يبعث الله نبيا. آدم ومن بعده. إلّا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ، وأمره بأخذ العهد على قومه لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولئن بعث وهم أحياء لينصرنّه\n، وقال آخرون: إنّما أخذ الميثاق على أهل الكتاب الذين أرسل منهم النبيين، وهو قول مجاهد والربيع.\nقال مجاهد: هذا خلط من الكتاب وهو من قراءة عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب، قالوا: ألا ترى إلى قوله ثم جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ وإنّما كان محمد ﷺ مبعوثا إلى أهل الكتاب دون النبيين.\nوقال بعضهم: إنّما أخذ الميثاق على النبيين وأممهم [ليؤمنن به]، ففرد الأنبياء عن ذكر الأمم لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس وهذا أولى بالصواب.\nقال الله: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي وقبلتم على ذلك عهدي، نظير قوله تعالى: إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ «١» أي فاقبلوه، وقوله تعالى: لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ أي لا يقبل منها فداء، وقوله: يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي يقبلها، قالُوا أَقْرَرْنا.\nقال الله: فَاشْهَدُوا على أنفسكم وعلى أتباعكم وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ عليكم وعليهم.\nقال ابن عباس: فَاشْهَدُوا: يعني فاعلموا، قال الزجّاج: فَاشْهَدُوا أي فبيّنوا لأن الشاهد هو الذي عين دعوى المدّعى، وشهادة الله للنبيين بيّنوا أمر نبوتهم بالآيات والمعجزات، وقال سعيد بن المسيب: قال الله تعالى للملائكة: فَاشْهَدُوا عليهم، فتكون كناية عن غير مذكور.\nفَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذلِكَ الإقرار والإشهاد فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ العاصون، الخارجون عن الإيمان.\nأَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ الآية.\nقال ابن عباس: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم (﵇) كل فرقة زعمت أنّه أولى بدينه، قال النبي ﷺ: كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم، فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ\nوهو قراءة الحسن وحميد ويعقوب وسلام وسهل وصفوان بالياء لقوله: فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ\n_________\n(١) سورة المائدة: ٤١.","vol":"3","page":105},{"text":"، وقرأ أبو عمرو: يَبْغُونَ بالياء وترجعون بالتاء، قال: لأن الأول خاص والثاني عام ففرّق بينهما لافتراقهما في المعنى، وقرأ الباقون: بالتاء فيهما على الخطاب لقوله: لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ.\nوَلَهُ أَسْلَمَ خضع وانقاد من في السموات والأرض طَوْعًا والطوع الانقياد والاتباع بسهولة من قولهم: فرس طوع العنان، أي منقاد وَكَرْهًا والكره: ما كان بمشقة وإباء من النفس، كرها بضم الكاف وهما مصدران وضعا موضع الحال، كأنّه قال: وله أسلم من في السموات والأرض طائعين وكارهين، واختلفوا في قوله طَوْعًا وَكَرْهًا،\nفروى أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ في قوله: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا قال: «الملائكة أطاعوه في السماء، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض» [٧٥] «١» .\nوقال النبي ﷺ: «لا تسبّوا أصحابي فإنّ أصحابي أسلموا من خوف الله، وأسلم الناس من خوف السيف» [٧٦] «٢» .\nوقال الحسن والمفضّل: الطوع لأهل السموات خاصة، وأهل الأرض منهم من أسلم طوعا ومنهم من أسلم كرها.\nابن عباس: عبادتهم لله أجمعين طوعا وكرها وانقيادا له.\nالربيع عن أبي العالية في قول الله تعالى: وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا قال: كل بني آدم أقرّ على نفسه أنّ الله ربّي وأنا عبده، فهذا الإسلام لو استقام عليه، فلمّا تكلّم به صار حجة عليه، ثم أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها، ومنهم من شهد أنّ الله ربّي وأنا عبده، ثم أخلص العبودية فهذا الذي أسلم طوعا، وقال الضحّاك: هذا حين أخذ منه الميثاق وأقرّ به.\nمجاهد: طَوْعًا: ظل المؤمن وَكَرْهًا: ظل الكافر، يدلّ عليه قوله: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ «٣»، وقوله: يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ «٤» .\nالشعبي: هو استعاذتهم به عند اضطرارهم، يدلّ عليه قوله تعالى: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «٥» .\n_________\n(١) الدر المنثور: ٢/ ٤٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ١٢٨.\n(٣) سورة الرعد: ١٥.\n(٤) سورة النحل: ٤٨.\n(٥) سورة العنكبوت: ٦٥.","vol":"3","page":106},{"text":"قتادة: المؤمن أسلم طائعا والكافر كارها فإما المؤمن فأسلم طائعا فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم كارها في وقت البأس والمعاينة حتى لا يقبل منه ولا ينفعه، يدل عليه قوله:\nفَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا «١» .\nالكلبي: طَوْعًا: الذين ولدوا في الإسلام، وَكَرْهًا: الذين أجبروا على الإسلام.\nعكرمة: وَكَرْهًا: من اضطرته [الحجة] إلى التوحيد، يدلّ عليه قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٢»، وقوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ «٣» .\nابن كيسان: وَلَهُ أَسْلَمَ أي خضع مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فيما صيّرهم عليه وصوّرهم فيه وما يحدث فهم لا يمتنعون عليه، كرهوا ذلك أو أحبوه.\nوَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ «٤» الحكم عن مجاهد عن ابن عباس قال: إذا استصعبت دابة أحدكم أو كانت شموسا فليقرأ في أذنها هذه الآية.\nقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ إلى قوله وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا الآية نزلت في اثني عشر رجلا ارتدّوا عن الإسلام وخرجوا من المدينة ولحقوا بمكة كفارا منهم: الحرث بن سويد الأنصاري أخو الحلاس بن سويد، وطعمة بن أشرف الأنصاري، ومقيس بن صبابة الليثي، وعبد الله بن أنس بن خطل من بني تميم بن مرة، ووجوج بن الأسلت، وأبو عاصم بن النعمان، فأنزل الله فيهم: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٨٦ الى ٩٢]</span>\nكَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ (٩٠)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٩١) لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)\n_________\n(١) سورة غافر: ٨٥.\n(٢) سورة الزخرف: ٨٧.\n(٣) سورة العنكبوت: ٦١. [.....]\n(٤) سورة آل عمران: ٨٣.","vol":"3","page":107},{"text":"كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ: لفظه استفهام ومعناه جحد، أي لا يهدي الله.\nقال الشاعر:\nكيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشام غارة شعواء «١»\nأي لا نوم لي، نظير قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ «٢»: أي لا يكون لهم عهد، وقيل: معناه كيف يستحقون العبادة؟ وقيل: معناه كيف يهديهم الله للمغفرة إلى الجنّة والثواب؟\nوَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ «٣» أي لا يرشدهم ولا يوفقهم، وهو خاص فيمن علم الله ﷿ منهم، وأراد ذلك منهم، وقيل: معناه: لا يثيبهم ولا ينجيهم [إلى الجنة] . أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ ... «٤» إلى قوله: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وذلك\nأنّ الحرث بن سويد لما لحق بالكفار ندم، فأرسل إلى قومه أن اسألوا رسول الله هل له من توبة؟ ففعلوا ذلك فأنزل الله تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٥» لما كان، فحملها إليه رجل من قومه وقرأها عليه، فقال الحرث: إنّك والله ما علمت لصدوق، وأنّ رسول الله ﷺ لأصدق منك، وأنّ الله ﷿ لأصدق الثلاثة، فرجع الحرث إلى المدينة وأسلم وحسن إسلامه.\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في رجل من بني عمرو بن عوف كفر بعد إيمانه ولحق بالروم فتنصّر، فأنزل الله ﷿ فيه هذه الآيات: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا....\nقال الحسن وقتادة وعطاء الخراساني: نزلت هذه الآية في اليهود، كَفَرُوا بعيسى (﵇) والإنجيل بَعْدَ إِيمانِهِمْ بأنبيائهم وكتبهم، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بكفرهم بمحمد ﷺ والقرآن.\nأبو العالية: نزلت في اليهود والنصارى، كَفَرُوا بمحمد ﷺ لما رأوه وعرفوه بَعْدَ إِيمانِهِمْ بنعته وصفته في كتبهم، ثُمَّ ازْدادُوا ذنوبا في حال كفرهم. مجاهد: نزلت في الكفار كلهم، أشركوا بعد إقرارهم بأنّ الله خالقهم، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا أي أقاموا على كفرهم حتى هلكوا عليه.\nالحسن: كلّما نزلت عليم آية كفروا بها فازدادوا كفرا. قطرب: كما ازدادوا كفرا بقولهم نتربص بمحمد رَيْبَ الْمَنُونِ.\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٣٦٨.\n(٢) سورة التوبة: ٧.\n(٣) سورة التوبة: ١٩.\n(٤) سورة آل عمران: ٨٧.\n(٥) سورة آل عمران: ٨٩.","vol":"3","page":108},{"text":"الكلبي: نزلت في أحد عشر أصحاب الحرث بن سويد، لما رجع الحرث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحرث، فلمّا فتح رسول الله ﷺ مكة دخل في الإسلام من دخل منهم فقبلت توبته، فنزل فيمن مات منهم كافرا\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ الآية، فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وقد سبقت حكمة الله تعالى في قبول توبة من تاب؟ قلنا: اختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: لن يقبل توبتهم عند الغرغرة والحشرجة.\nقال الحسن وقتادة وعطاء: لن يقبل توبتهم لأنّهم لا يؤمنون إلّا عند حضور الموت، قال الله تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ ... الآية.\nمجاهد: لن يقبل توبتهم بعد الموت إذا ماتوا على الكفر. ابن عباس وأبو العالية: لن يقبل توبتهم ما أقاموا على كفرهم إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا أي حشوها، وقدر ما يملأ الأرض من شرقها إلى غربها ذهبا، نصب على التفسير في قول الفراء.\nوقال المفضّل: ومعنى التفسير أن يكون الكلام تاما وهو مبهم، كقولك: عندي عشرون، فالعدد معلوم والمعدود مبهم، وإذا قلت: عشرون درهما فسّرت العدد، وكذلك إذا قلت: هو أحسن الناس، فقد أخبرت عن حسنه ولم تبين في أي شيء هو، فإذا قلت: وجها أو فعلا منه فإنّك بيّنته ونصبته على التفسير، وإنّما نصبته لأنّه ليس له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلمّا خلا من هذين نصب لأنّ النصب أخف الحركات فجعل لكل ما لا عامل فيه، وقال الكسائي: نصب ذهبا على إضمار من، أي من ذهب كقولهم: أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيامًا أي من صيام.\nوَلَوِ افْتَدى بِهِ:\nروى قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهبا أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم، فيقال لقد سئلت ما هو أيسر من ذلك»\n[٧٧] «١»، قال الله: أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ «٢» .\nلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ: يعني الجنّة، قاله ابن عباس ومجاهد وعمر بن ميمون والسدّي، وقال عطية: يعني الطاعة.\nأبو روق: يعني الخير، مقاتل بن حيان: التقوى، الحسن: لن يكونوا أبرارا.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢١٨، جامع البيان للطبري: ٣/ ٤٦٨.\n(٢) سورة آل عمران: ٩١.","vol":"3","page":109},{"text":"حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ: أي مما تهوون ويعجبكم من كرائم أموالكم وأحبّها إليكم طيّبة بها أنفسكم، صغيرة في أعينكم.\nمجاهد والكلبي: هذه الآية منسوخة، نسختها آية الزكاة.\nوروى الضحاك عن ابن عباس قال: أراد بهذه الآية الزكاة يعني: حتى تخرجوا زكاة أموالكم، وقال عطاء: لن تنالوا شرف الدين والتقوى حتى تتصدقوا وأنتم أصحّاء أشحّاء، تأملون العيش، وتخشون الفقر، وقال الحسن: كل شيء أنفقه المسلم من ماله يبتغي به وجه الله تعالى فإنّه من الذي عنى الله سبحانه بقوله: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ حتى التمرة.\nوروي أنّ أبا طلحة الأنصاري كان من أكثر الأنصار نخلا بالمدينة، وكان أحب أمواله إليه بئر ماء «١»، وكانت مستقبلة المسجد، وكان النبي ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلمّا نزلت لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إنّ الله يقول:\nلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وإنّ أحبّ أموالي إليّ بئر ماء وإنّها صدقة أرجو برّها وذخرها عند الله ﷿، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، فقال رسول الله ﷺ: «بخ بخ، ذلك مال رابح لك وقد عرفت «٢» ما قلت، وإنّي أرى أن تجعلها في الأقربين» [٧٨] «٣» .\nفقال له: أفعل يا رسول الله، فقسّمها في أقاربه وبني عمّه.\nوروى معمّر عن أيوب وغيره قال: لما نزلت: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ جاء زيد بن حارثة بفرس كانت له يحبّها وقال: هذه في سبيل الله، فحمل عليها النبي ﷺ أسامة بن زيد. فكان زيدا واجدا في نفسه وقال: إنّما أردت أن أتصدق به، فقال رسول الله ﷺ: «أما إنّ الله قد قبلها منك» [٧٩] «٤» .\nوقال حوشب: لمّا نزلت لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ قالت امرأة لجارية لها لا تملك غيرها: أعتقك وتقيمين معي غير أنّي لست أشرط عليك ذلك، فقالت: نعم، فلمّا أعتقتها ذهبت وتركتها فأتت النبي ﷺ فأخبرته به فقال النبي ﷺ: «دعيها فقد حجبتك عن النار، وإذا سمعت بسبيي قد جاءني فأتيني» [٨٠] .\nوروى شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قالوا: كتب عمر بن الخطّاب (﵁) أن يبتاع جارية من سبي جلولاء يوم فتحت مدائن كسرى، فقال سعد بن أبي وقاص: فدعا بها\n_________\n(١) بئر ماء: مال وموضع وبستان كان لأبي طلحة بالمدينة بجوار المسجد.\n(٢) في المصدر: «سمعت» .\n(٣) سنن الدارمي: ١/ ٣٩٠، وصحيح البخاري: ٢/ ١٢٦.\n(٤) الدر المنثور: ٢/ ٥٠، تفسير القرطبي: ٤/ ١٣٢.","vol":"3","page":110},{"text":"عمر فأعجبته فقال: إنّ الله ﷿ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فأعتقها.\nوروى حمزة بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر قال: خطرت على قلبي هذه الآية:\nلَنْ تَنالُوا الْبِرَّ ... فتذكرت ما أعطاني الله، فما كان شيء أعجب إليّ من فلانة فقلت: هي حرة لوجه الله، ولولا أنني لا أعود في شيء جعلته لله ﷿ لنكحتها.\nويقال: ضاف أبا ذر الغفاري ضيف فقال للضيف: إنّي مشغول فاخرج إلى أبواء فإنّ لي بها إبلا فأتني بخيرها، فذهب وجاء بناقة مهزولة فقال له أبو ذر: جئتني بشرها، فقال: وجدت خير الإبل فحلها فتذكرت يوم حاجتكم إليه، فقال أبو ذر: إنّ يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أنّ الله ﷿ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ.\nوعن رجل من بني سليم يقال له عبد الله بن سيدان عن أبي ذر قال: في المال ثلاث شركاء: القدر لا يستأمرك أن تذهب بخيرها أو شرها من هلاك أو موت أو فعل، والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم يستاقها وأنت ذميم، والثالث أنت فإن استطعت أن لا يكون أعجب إليك مالا فإنّ الله ﷿ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وإنّ هذا الجمل كان مما أحب من مالي فأحببت أن أقدّمه لنفسي.\nوروي عن ربيع بن خيثم أنّه وقف سائل على بابه، فقال: أطعموه سكرا فقيل: ما يصنع هذا بالسكّر فنطعمه خبزا فهو أنفع له، فقال: ويحكم أطعموه سكّرا فإنّ الربيع يحب السكّر.\nوروي عن الربيع بن خيثم أيضا أنّه جاءه سائل في ليلة باردة، فخرج إليه فرآه كأنّه مقرور قال: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ فنزع برتشا له وأعطاه إياه وذكر أنّه كساه عروة.\nوبلغنا أن زبيدة أم جعفر اتخذت مصحفا في تسعين قطعة كتب بالذهب على الرق وجعلت ظهورها من الذهب مرصعة بالجواهر، فبينما هي تقرأ القرآن ذات يوم فقرأت هذه الآية، فلم يكن شيء أحبّ إليها من المصحف، فقالت: عليّ بالصاغة، فأمرت بالذهب والجواهر حتى بيعت وأمرت حتى حفرت الآبار وأشرف الحياض بالبادية.\nوقال أبو بكر الورّاق: دلّهم بهذه الآية على الفتوة، وقال: لن تنالوا برّي بكم إلّا ببرّكم إخوانكم والإنفاق عليهم من أموالكم وجاهكم وما تحبّون، فإذا فعلتم ذلك نالكم برّي وعطفي.\nوَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: أي فإنّ الله يجازي عليه لأنّه إذا علمه جازى عليه، وتأويل (ما) تأويل الشرط والجزاء وموضعها نصب لينفقوا، المعنى: وأي شيء ينفقون فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ.","vol":"3","page":111},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>[سورة آل عمران (٣): الآيات ٩٣ الى ١٠٣]</span>\nكُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاَّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤) قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٩٥) إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٩٧)\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)\nوَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)\nكُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ الآية.\nقال أبو روق والكلبي: كان هذا حين\nقال النبي ﷺ: «أنا على ملة إبراهيم» .\nفقالت اليهود: كيف وأنت تأكل لحوم الإبل وألبانها، فقال النبي ﷺ: «كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحلّه» [٨١] «١» فقالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرّمه فإنّه كان محرّما على نوح وإبراهيم هاجرا حتى انتهى إلينا، فأنزل الله تعالى تكذيبا لهم: كُلُّ الطَّعامِ المحلل لكم اليوم كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ.\nإِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ وهو يعقوب عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ.\nواختلف المفسّرون في ذلك الطعام، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وأبو مجلز: هي العروق وكان [سبب] ذلك أنّ يعقوب (﵇) اشتكى عرق النساء، وكان أصل وجعه ذلك، ما روى جويبر ومقاتل عن الضحاك أنّ يعقوب بن إسحاق كان قد نذر إن وهب الله له اثني عشر ولدا وأتى بيت المقدس صحيحا أن يذبح آخرهم، فتلقّاه ملك من الملائكة فقال له: يا يعقوب إنّك رجل قوي، هل لك في الصراع؟ فعالجه فلم يصرع واحد منهما صاحبه، ثم غمزه الملك غمزة فعرض له عرق النساء من ذلك، ثم قال: أما أنّي لو شئت أن أصرعك لفعلت، ولكن غمزتك هذه الغمزة لأنّك قد كنت نذرت إن أتيت بيت المقدس صحيحا ذبحت آخر ولدك، وجعل الله لك بهذه الغمزة مخرجا، فلمّا قدمها يعقوب أراد ذبح ابنه ونسي قول الملك، فأتاه الملك فقال: أنا غمزتك هذه الغمزة للمخرج وقد وفي نذرك فلا سبيل لك إلى ولدك.\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ٧٥.","vol":"3","page":112},{"text":"وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أقبل يعقوب (﵇) من حران يريد بيت المقدس حين هرب من أخيه عيص وكان رجلا بطّيشا قويا، فلقيه ملك فظنّ [يعقوب] أنّه لصّ فعالجه أن يصرعه فغمز الملك فخذ يعقوب ثم صعد إلى السماء ويعقوب ينظر إليه، فهاج به عرق النساء ولقي من ذلك بلاء شديدا وكان لا ينام بالليل من الوجع [ويبيت] وله زقاء أي صياح، فحلف يعقوب (﵇) لئن شفاه الله أن لا يأكل عرقا ولا طعاما فيه عرق، فحرّمها على نفسه فجعل بنوه يبتغون العروق يخرجونها من اللحم «١»، وقال أبو العالية وعطاء ومقاتل والكلبي: كان ذلك لحمان الإبل وألبانها.\nوروى شهر بن حوشب عن ابن عباس أن عصابة حضرت رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم أخبرنا أي الطعام حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ؟\nفقال رسول الله ﷺ: «أشهدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أنّ يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه عليه، فنذر لله لئن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحبّ الطعام والشراب إلى نفسه، وكان أحبّ الطعام إليه لحمان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها» [٨٢] «٢» فقالوا: اللهم نعم.\nوروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما أصاب يعقوب عرق النساء ووصف له الأطباء أن يجتنب لحوم الإبل، فحرّم يعقوب على نفسه لحوم الإبل، فقالت اليهود: إنّا حرّمنا على أنفسنا لحوم الإبل لأنّ يعقوب حرّمها وأنزل الله تحريمها في التوراة فأنزل الله هذه الآية.\nوقال الحسن: حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ لحوم الجزور تعبدا لله ﷿ فسأل ربّه ﷿ أن يجيز له ذلك، فحرّمه الله على ولده، وقال عكرمة: حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ زائدة الكبد والكليتين والشحم إلّا ما على الظهور، وروى ليث عن مجاهد قال: حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ لحوم الأنعام ثم اختلفوا في هذا الطعام المحرّم على إسرائيل بعد نزول التوراة، وقال السدي:\nإنّ الله لما أنزل التوراة حرّم عليهم ما كانوا يحرّمونها قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب (﵇)، وقال عطية: إنّما كان ذلك حراما عليهم لتحريم إسرائيل ذلك عليهم وذلك أنّ إسرائيل قال حين أصابه عرق النساء: والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد، ولم يكن ذلك محرّما عليهم في التوراة.\nوقال الكلبي: لم يحرّمه الله عليهم في التوراة وإنّما حرّم عليهم بعد التوراة لظلمهم وكفرهم، وكان بنو إسرائيل كلما أصابوا ذنبا عظيما حرّم الله عليهم طعاما طيبا، أو صبّ عليهم\n_________\n(١) المجموع للنووي: ١٨/ ٧٢. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٢٧٣ بتفاوت يسير.","vol":"3","page":113},{"text":"رجزا وهو الموت، وذلك قوله تعالى: فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ «١»، وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ إلى قوله وَإِنَّا لَصادِقُونَ «٢» .\nوقال الضحاك: لم يكن شيء من ذلك علينا حراما، ولا حرّم الله عليهم في التوراة وإنّما هو شيء حرّموه على أنفسهم اتّباعا لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله فكذّبهم الله تعالى فقال:\nقُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها حتى يتبين أنّه كما يقول لا كما قلتم، فلم يأتوا، فقال الله فَمَنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ\n«٣» .\nوروى أنس بن سيرين عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ في عرق النساء يأخذ أليّة كبش عربي لا صغير ولا كبير فيقطع صغارا فيخرج أهالته فيخرج على ثلاث قسم، ويأكل كل يوم على ريق النفس «٤»، قال أنس: فوصفته لأكثر من مائة فشفاهم الله «٥» .\nوروى شعبة أنّه رأى شيخا في زمن الحجاج بن يوسف يقول لعرق النساء: أقسم عليك بالله الأعلى لئن لم تنته لأكوينّك بنار أو لألحقنك بموسى، قال شعبة: فإنّه يقول ذلك ويمسح على ذلك الموضع فيبرأ بإذن الله.\nقُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ الآية.\nقال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقال اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنّها مهاجر الأنبياء في الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ وقرأ ابن السميقع: وَضَعَ بفتح الواو والضاد يعني وضعه الله لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وليس ذلك في بيت المقدس وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا وليس ذلك في بيت المقدس وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ وليس ذلك في بيت المقدس.\nواختلف العلماء في تأويل قوله إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ فقال بعضهم: هو أول بيت ظهر على وجه الماء عند ما خلق الله السماء والأرض فخلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكان زبدة بيضاء على الأرض فدحيت الأرض من تحتها، هذا قول عبد الله بن عمرو ومجاهد وقتادة والسدي.\n_________\n(١) سورة النساء: ١٦٠.\n(٢) سورة الأنعام: ١٤٦.\n(٣) سورة آل عمران: ٩٤.\n(٤) مسند أحمد: ٣/ ٢١٩ بتفاوت يسير وموجود بتمامه في تفسير القرطبي: ٤/ ١٣٦.\n(٥) المستدرك على الصحيحين: ٢/ ٢٩٢.","vol":"3","page":114},{"text":"وقال بعضهم: هو أوّل بيت وضع: بني في الأرض،\nيروى أنّ علي بن الحسين سئل عن بدء الطوفان، فقال: إنّ الله تعالى وضع تحت العرش بيتا وهو البيت المعمور الذي ذكره الله، وقال للملائكة: طوفوا به ودعوا العرش، فطافت الملائكة به وتركوا العرش، وكان أهون عليهم، ثم أمر الله الملائكة الذين يسكنون في الأرض أن يبنوا له في الأرض بيتا على مثاله وقدره، فبنوا، واسمه الضراح، وأمر من في الأرض من خلقه أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.\nوقيل: هو أول بيت بناه آدم في الأرض، قاله ابن عباس.\nوقال الضحاك: إنّ أول بيت وضع فيه البركة وأحسن من الفردوس الأعلى.\nوروى سماك عن خالد بن عرعرة قال: قام رجل إلى علي (﵁) فقال: ألا تخبرني عن البيت؟ أهو أول بيت كان في الأرض؟ قال: لا، فأين كان قوم نوح وعاد وثمود، ولكنه أول بيت مبارك وهدى وُضِعَ لِلنَّاسِ.\nوقيل: إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ يحج إليه لله، وروي ذلك عن ابن عباس أيضا، وقيل:\nهو أول بيت جعل قبلة للناس.\nوقال الحسن والكلبي والفراء: معناه: إن أول مسجد ومتعبد وضع للناس يعبد الله فيه، يدل عليه قوله: أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا «١» يعني مساجدهم وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً، وقوله: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ «٢» يعني المساجد.\nإبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر عن النبي ﷺ أنّه سئل عن أول مسجد وُضِعَ لِلنَّاسِ، قال: «المسجد الحرام ثم بيت المقدس» [٨٣] «٣»، وسئل: كم بينهما قال: أربعون عاما حيث ما أدركتك الصلاة فصلّ فثم سجد للذي ببكة.\nقال الضحاك والمدرج: هي مكة، والعرب تعاقب بين الباء والميم، فتقول: سبد رأسه وسمد، واغبطت عليه الحمى واغمطت، وضربة لازم ولازب.\nوقال ابن شهاب وضمرة بن ربيعة: بكة: المسجد والبيت، ومكة: الحرم كله.\nوقال الآخرون: مكة اسم البلد كله، وبكة موضع البيت والمطاف، وسمّيت بكة لأن الناس يتباكون فيها: أي يزدحمون، يبكي بعضهم بعضا، ويصلي بعضهم بين يدي بعض، ويمر بعضهم بين يدي بعض، لا يصلح ذلك إلّا بمكة.\n_________\n(١) سورة يونس: ٨٧.\n(٢) سورة النور: ٣٦.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ١٦٧.","vol":"3","page":115},{"text":"قال الراجز:\nإذا الشريب أخذته أكه ... فخلّه حتى يبك بكه «١»\nقال عطاء: مرّت امرأة بين يدي رجل وهو يصلي وهي تطوف بالبيت فدفعها، فقال أبو جعفر الباقر: إنّها بكة يبك بعضهم بعضا.\nوقال عبد الرحمن بن الزبير: سميت بكة لأنّها تبك أعناق الجبابرة أي تدقها، فلم يقصدها جبار يطلبها إلّا وقصمه الله، وأما مكة فسميت بذلك لقلة مائها من قول العرب: مكت الفصيل ضرع أمّه وامتكّه إذا امتص كل ما فيه من اللبن، قال الشاعر:\nمكّت فلم تبق في أجوافها دررا «٢»\nعن الحسين عن ابن عباس قال: ما أعلم اليوم على وجه الأرض بلدة ترفع فيها الحسنات بكل واحدة مائة ألف ما يرفع بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض يكتب لمن صلّى فيها ركعة واحدة بمائة ألف ركعة ما يكتب بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض [يكتب لمن تصدّق فيها بدرهم] واحد يكتب له مائة ألف درهم ما يكتب بمكة، وما أعلم بلدة على وجه الأرض [يكتب] لمن فيها شراب الأحبار ومصلى الأخيار إلّا بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ما مس شيئا أحد فيها إلّا كانت تكفير الخطايا إلّا بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة إذا دعا فيها آمن له الملائكة فيقولون: آمين آمين ليس إلّا بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة [.......] «٣»\nإلّا بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة يكتب لمن نظر إلى الكعبة من غير طواف ولا صلاة عبادة الدهر وصيام الدهر إلّا بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ورد إليها جميع النبيين [ما قد] صدر إلى مكة، وما أعلم بلدة يحشر فيها من الأنبياء والأبرار والفقهاء والعباد من الرجال والنساء ما يحشرون من مكة أي يحشرون وهم آمنون يوم القيامة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنّة ورائحتها ما ينزل بمكة حرسها الله «٤» .\nمُبارَكًا: نصب على الحال وَهُدىً لِلْعالَمِينَ: لأنه قبلة المؤمنين فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ:\nقرأ ابن عباس: آية بينة.\nمَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا [.......] «٥»\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ٤/ ١٥٧٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ١٣٨.\n(٣) كلمات غير مقروءة في المخطوط.\n(٤) بطوله في فضائل مكة للبصري مع تفاوت: ٢٠.\n(٥) سقط في أصل المخطوط من الآية ٩٧ إلى الآية ١٠٢. [.....]","vol":"3","page":116},{"text":"وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا.\n[حدثنا ابن حميد قال: حدثنا محمد بن إسحاق قال حدثنا بن أبي حبيب عن مرثد بن عبد الله المزني عن أبي عبد الرحمن بن عسيلة الضابحى عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثنى عشر رجلا فبايعنا رسول الله ﷺ على بيعة النساء وذلك قبل أن تفترض الحرب على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة وإن غشّيتم شيئا من ذلك] «١» .\nفأخذتم [بحدّه] في الدنيا فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذّبكم وإن شاء غفر لكم، قال: وذلك قبل أن يفرض عليهم الحرب، فلمّا انصرف القوم بعث معهم رسول الله ﷺ مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلّمهم الإسلام ويفقّههم، وكان مصعب يسمى بالمدينة المقرئ، وكان أول مقرئ بالمدينة، وكان منزله على أسعد بن زرارة، فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: انطلق إلى هذين الرجلين الذين قد أتيا دارنا ليسفّها ضعفاءنا فازجرهما، فإنّ أسعد ابن خالتي، ولولا ذاك لكفيتك، وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير سيدي قومهما من بني الأشهل، وكلاهما مشركان، فأخذ أسيد بن حضير حرسه ثم أقبل إلى مصعب وأسعد وهما جالسان في حائط، فلمّا رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب: هذا سيّد قومه قد جاءك والله، فاصدق الله فيه.\nقال مصعب: إن يجلس نكلّمه، قال: فوقف عليهما مشتّما، فقال: ما جاء بكما إلينا؟\nتسفّهان ضعفاءنا، اعتزلانا إن كانت لكما في أنفسكما حاجة، فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كفّ عنك ما تكرهه، قال: أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلّمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن.\nقال: والله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهّله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل، وتطهّر ثوبك ثم تشهد بشهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، فقام واغتسل وطهّر ثوبه، وشهد بشهادة الحق، ثم قام وصلّى ركعتين، ثم قال لهما: إنّ ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ.\nثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلمّا نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب من عندكم، فلمّا وقف على\n_________\n(١) سقط في المخطوط وما بين معكوفتين مستدرك عن تاريخ الطبري: ٢/ ٨٨.","vol":"3","page":117},{"text":"النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلّمت الرجلين، فو الله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما، فقالا: لا نفعل إلّا ما أحببت.\nوفي الحديث أنّ بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنّهم عرفوا أنّه ابن خالتك ليحقروك، فقام سعد مغضبا مبادرا للذي ذكره له، فأخذ الحربة منه، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئا، فلمّا رآهما مطمئنين عرف أنّ أسيدا إنّما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما مشتّما ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره، وقد قال لمصعب: جاءك والله سيد قومه إن تبعك لم يخالفك منهم أحد، فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته قد كفاك ما تكره، قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة فجلس، فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإسلام قبل أن يتكلّم في إشراقه وتسهّله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل وتطهّر ثوبك وتشهد بشهادة الحق، ثم تصلّي ركعتين، فقام فاغتسل فطهّر ثوبه وشهد شهادة الحق وركع ركعتين، ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير، فلمّا رآه قومه مقبلا قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلمّا وقف عليه قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟\nقالوا: سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله، قال: فما أمسى في دار عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلّا مسلما ومسلمة ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسيد بن زرارة فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها رجال ونساء من المسلمين إلّا ما كان من بني أمية بن زيد وحطمة ووائل وواقف [وتلك أوس الله وهم من أوس بن حارثة وذلك أنه] «١» كان فيهم أبو قيس الشاعر وكانوا يسمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإسلام حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق قالوا: إنّ مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق وهي بيعة العقبة الثانية.\nقال كعب بن مالك- وكان شهد ذلك-: فلمّا فرغا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر أخبرناه، فكنّا نكتم عمّن معنا من المشركين من قومنا أمرنا، وكلّمناه وقلنا له: يا جابر إنّك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا، وإنّك ترغب بك عمّا أنت فيه أن نكون حطبا للنار غدا، ودعوناه إلى الإسلام فأسلم فأخبرناه\n_________\n(١) زيادة عن تاريخ الطبري: ٢/ ٩٠.","vol":"3","page":118},{"text":"بميعاد رسول الله ﷺ فشهد معنا العقبة وكان تقيا، فبتنا تلك الليلة في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ﷺ فنتسلّل مستخفين تسلل القطا، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن سبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب أم عمارة احدى نساء بني النجّار، وأسماء بنت عمرو بن عدي إحدى نساء بني سلمة وهي أمّ منيع، واجتمعنا بالشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاء ومعه عمّه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه إلّا أنّه أحبّ أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثّق له فلمّا جلسنا كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج. وكانت العرب إنما يسمّون هذا الحي من الأنصار: الخزرج خزرجها وأوسها. إنّ محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا، وهو في عزّ من قومه ومنعة في بلده وإنه قد أبى إلّا الانقطاع لكم واللحوق بكم.\nفإن كنتم ترون أنكم وافون له ما دعوتموه إليه و[مانعوه] «١» ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنّكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم، فمن الآن دعوه فإنّه في عز ومنعة.\nقال: فقلنا: سمعا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ولربك ما شئت.\nقال: فتكلم رسول الله ﷺ فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغّب في الإسلام وقال: «أبايعكم على أن تمنعوني عمّا تمنعون منه نساءكم» .\nقال: فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق، لنمنعك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن أهل الحرب وأهل الحلقة [وإنّا] «٢» ورثناها كابرا عن كابر.\nقال: فاعترض القول. والبراء يكلم رسول الله ﷺ. أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الناس حبالا. يعني اليهود. وإنا قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك [الله] أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: «بل الدم الدم، والهدم الهدم وأنتم مني وأنا منكم أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم» .\nوقال رسول الله ﷺ: «أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم بما فيهم، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ﵇» [٨٤] «٣»، فأخرجوا اثني عشر نقيبا: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس» .\nقال عاصم بن عمر بن قتادة: إن القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول الله ﷺ قال العباس بن\n_________\n(١) في المخطوط: مانعه.\n(٢) في المخطوط: نسانا.\n(٣) الطبقات الكبرى: ١/ ٢٢٣.","vol":"3","page":119},{"text":"عبادة بن نضلة الأنصاري: يا معشر الخزرج هل تدرون على ما تبايعون هذا الرجل؟ إنّكم تبايعونه على حرب الأسود والأحمر، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة؟ وأشرافكم قتل أسلمتموه، فمن الآن فهو والله خزي في الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون بالعهد له فيما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال: «الجنة» . قالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه، فأول من ضرب على يده البراء بن معرور، ثم تتابع القوم. قال: فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأبعد صوت سمعته قط: يا أهل الجباجب «١» هل لكم في مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟\nفقال رسول الله ﷺ: «هذا والله زنا العقبة اسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك» . ثم قال رسول الله ﷺ: «ارجعوا إلى رحالكم» . فقال له العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. فقال رسول الله ﷺ: «لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم» .\nقال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا [ف] غدت علينا جلة قريش حتى جاءونا في منازلنا وقالوا: يا معشر الخزرج بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا، فإنه والله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما علمناه. وصدقوا لم يعلموا. وبعضنا ينظر إلى بعض، فقام القوم وفيهم الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي وعليه نعلان جديدان قال: فقلت له كلمة كأني أريد أن أشرك القوم بها فيما قالوا: يا أبا جابر أما تستطيع أن تتخذ. وأنت سيد من ساداتنا. مثل نعلي هذا الفتى من قريش؟\nقال: فسمعها الحارث فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إليّ وقال: والله لتنتعلنّهما، فقال أبو جابر: والله أخفظت الفتى فاردد إليه نعليه. قال: قلت: لا أردهما، قال: والله صلح، والله لئن صدق لأسلبنه.\nقال: ثم انصرف أبو جابر إلى المدينة، وقد شدّدوا العقد، فلما قدموها أظهروا الإسلام بها وبلغ ذلك قريشا فآذوا أصحاب رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «إنّ الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها» [٨٥] «٢» .\nفأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق بإخوانهم الأنصار، فكان ممن هاجر أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي خيثمة، ثم عبد الله بن\n_________\n(١) الجباجب هنا المنازل وفي الصحاح: الجبجبة جمع جباجب: زبيل من جلود ينقل فيه التراب، وتسمّى «القفّة» راجع لسان العرب: ٨/ ٢٩١.\n(٢) بطوله في تاريخ الطبري: ٢/ ٨٨ إلى ٩٤، ومسند أحمد: ٣/ ٤٦٢.","vol":"3","page":120},{"text":"جحش. ثم تتابع أصحاب رسول الله ﷺ إرسالا إلى المدينة، فأقام رسول الله ﷺ ينتظر أن يؤذن له في الهجرة إلى أن أذن، فقدم المدينة فجمع الله أهل المدينة أوسها وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم بنبيه محمد ﷺ، ورفع عنهم العداوة القديمة، وألّف بينهم، وذلك قوله وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يا معشر الأنصار إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً قبل الإسلام فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ بالإسلام فَأَصْبَحْتُمْ: فصرتم، نظيره قوله في المائدة: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ «١» وقوله:\nفَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ «٢» وفي حم السجدة فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ «٣» وفي الكهف:\nأَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا «٤» .\nبِنِعْمَتِهِ: بدينة الإسلام إِخْوانًا في الدين والولاية، نظيره قوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «٥» .\nوعن أبي سعيد مولى عبد الله بن عامر بن كريز عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقره التقوى هاهنا. وأشار بيده إلى صدره. حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» [٨٦] «٦» .\nأبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، وشبك بين أصابعه «٧» .\nالشعبي عن النعمان بن بشير أنه قال للنبي ﷺ: المؤمنون كرجل واحد.\nقال: «المؤمنون كرجل واحد لجسد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائره بالحمى والسهر» [٨٧] «٨» .\nوَكُنْتُمْ يا معشر الأوس والخزرج عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ. قال الراجز:\nنحن حفرنا للحجيج سجله ... نابتة فوق شفاها بقله\nومعنى الآية: كنتم على طرف حفرة من النار ليس بينكم وبين الوقوع فيها إلّا أن تموتوا على كفركم، فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها بالإيمان. قال: وبلغنا أنّ أعرابيا سمع ابن عباس وهو يقرأ هذه\n_________\n(١) المائدة: ٣٠.\n(٢) المائدة: ٣١.\n(٣) فصلت: ٢٣.\n(٤) الكهف: ٤١.\n(٥) سورة الحجرات: ١٠.\n(٦) مسند أحمد: ٢/ ٢٨٨. ٦٧. ٢٧٧.\n(٧) صحيح البخاري: ١/ ١٢٣. [.....]\n(٨) مسند أحمد: ٤/ ٢٧٧.","vol":"3","page":121},{"text":"الآية فقال: والله ما أنقذهم منها وهو يريد أن يوقعهم فيها. فقال ابن عباس: خذوه من غير فقيه. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٠٤ الى ١١٥]</span>\nوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٥) يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ (١٠٨)\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ (١١٠) لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١١١) ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (١١٢) لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)\nيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)\nوَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ أي ولتكونوا أمة من صلة، كقوله فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ «١»، ولم يرد اجتناب رجس الأوثان وإنما فاجتنبوا «٢» الأوثان وإنها رجس. واللام في قوله وَلْتَكُنْ لام الأمر. يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ: الإسلام وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وروى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: سمعنا ابن الزبير يقرأ: (ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويستعينون على ما أصابهم) . وروي مثله عن عثمان [........] «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر</span>\nروى حسان بن سليمان عن النبي ﷺ قال: «من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه» [٨٨] «٤» .\n_________\n(١) سورة: الحج: ٣٠.\n(٢) في المخطوط بعدها: من.\n(٣) بياض في مصوّرة المخطوط.\n(٤) الكامل لابن عدي: ٦/ ٨٤.","vol":"3","page":122},{"text":"وعن عبد الله بن عمر عن درة بنت أبي لهب قالت: جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو على المنبر فقال: يا رسول الله من خير الناس؟ قال: «آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله تعالى، وأوصلهم لأرحامه» [٨٩] .\nعن ابن عباس قال: قلنا: يا رسول الله، ما نعمل نأتمر بالمعروف حتى لا يبقى من المعروف شيء إلّا ائتمرنا به، وننتهي عن المنكر حتى لا يبقى من المنكر شيء إلّا انتهينا عنه، ولم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر، فقال: «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله» [٩٠] «١» .\nالشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الفاسق في القوم كمثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان منها نصيب فأخذ رجل منهم فأسا فجعل ينقر في موضعه، وقال له أصحابه: أي شيء تصنع، تريد أن تغرق وتغرقنا؟ قال: هو مكاني، فإن أخذوا على يده نجوا ونجا وإن تركوه غرق وغرقوا» [٩١] «٢» .\nوقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «أفضل الجهاد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشنآن الفاسقين فمن أمر بالمعروف شدّ ظهر المؤمن، ومن نهى عن المنكر أرغم أنف المنافق، ومن شنأ المنافقين وغضب لله ﷿ غضب الله تعالى له» [٩٢] .\nوقال أبو الدرداء: لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما لا يجلّ كبيركم ولا يرحم صغيركم ويدعو خياركم فلا يستجاب لهم، ويستنصرون فلا ينصرون، ويستغفرون فلا يغفر لهم.\nوقال حذيفة اليماني: يأتي على الناس زمان لئن يكون فيهم جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.\nوقال الثوري: إذا كان الرجل محبّبا في جيرانه محمودا عند القوم فاعلم أنه مداهن «٣» .\nوَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا. الآية. قال أكثر المفسرين: هم اليهود والنصارى. وقال بعضهم: هم المبتدعة من هذه الأمّة.\nعن عبد الله بن شدّاد قال: وقف أبو أمامة وأنا معه على رؤوس الحرورية بالشام عند باب حمص أو دمشق فقال لهم كلاب النار، كلاب النار. مرتين أو ثلاثة. شرّ قتلى تظل السماء وخير قتلى قتلاهم. [قيل]: أشيء من قبل رأي رأيته أو شيء سمعته من رسول الله ﷺ؟ قال: «إن هو من جل رأي رأيته، إني إذن لجريء إن لم أسمعه من رسول\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٧/ ٢٧٧، والمعجم الصغير: ٢/ ٧٨ وفيهما: وإن لم تجتنبوه كله.\n(٢) المعجم الأوسط: ٣/ ١٤٩ بتفاوت.\n(٣) سير أعلام النبلاء: ٧/ ٢٧٨.","vol":"3","page":123},{"text":"الله ﷺ إلّا مرة أو مرتين. حتى عدّ سبع مرات. ما حدثت به. فقال رجل فإني رأيتك دمعت عيناك. قال: هي رحمة رحمتهم إنهم كانوا مؤمنين فكفروا بعد إيمانهم، ثم قرأ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا إلى قوله بَعْدَ إِيمانِكُمْ ثم قال: هم الحرورية «١» .\nوروى قبيصة عن جابر أن عمر بن الخطاب (﵁) لما نزل بباب من أبواب دمشق يقال له الجابية، حمد الله فأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: قام فينا رسول الله ﷺ كمقامي فيكم ثم قال: «من سرّه بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ «٢» وهو من الاثنين أبعد» [٩٣] «٣» .\nيَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ... يَوْمَ نصب على الظرف، أي في يوم، وانتصاب الظرف على التشبيه بالمفعول وقرأ يحيى بن وثّاب (تِبيض وتِسود) . بكسر التاءين. على لغة تميم.\nوقرأ الزهري: (تبياض وتسواد) . فأما الذين [اسوادت] «٤» .\nو[المعنى] «٥» تبيض وجوه المؤمنين، وتسود وجوه الكافرين. وقيل: يوم تبيض وجوه المخلصين، وتسود وجوه المنافقين.\nوقال عطاء: تبيض وجوه المهاجرين والأنصار، وتسود وجوه قريظة والنضير. سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ قال: تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة رفع لكل قوم مما كانوا يعبدونه فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى: نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى «٦»، فإذا انتهوا إليه حزنوا فيسود وجوههم من الحزن. ويبقى أهل القبلة واليهود والنصارى لم يعرفوا شيئا مما رفع لهم، فيأتهم الله ﷿ فيسجد له من كان سجد في دار الدنيا مطيعا مؤمنا، ويبقى أهل الكتاب والمنافقون كأنهم لا يستطيعون السجود ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضا، والمنافقون وأهل الكتاب قيام كأن في ظهورهم السفافيد فإذا نظروا إلى وجوه المؤمنين وبياضها حزنوا حزنا شديدا واسودت وجوههم فيقولون: ربنا سوّدت وجوه من يعبد غيرك فما لنا مسودة وجوهنا ف وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ؟ فيقول الله للملائكة: انظروا كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ١٦٨، ومسند الشاميين: ٢/ ٢٤٨ بتفاوت فيهما، وتاريخ دمشق: ١٢/ ٣٦٧.\n(٢) الفذّ: الفرد. كتاب العين: ٨/ ١٧٧. فذ.\n(٣) المصنف لعبد الرزاق: ١١/ ٣٤١.\n(٤) في المخطوط: اسودن.\n(٥) في المخطوط: معنى.\n(٦) سورة: النساء: ١١٥. [.....]","vol":"3","page":124},{"text":"وقال أهل المعاني: ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وثواب الله ﷿، واسودادها حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله تعالى يدل عليه: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ «١» . الآية. وقوله: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ «٢»، وقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ «٣»، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ «٤» .\nثم بين حالهم ومآلهم فقال فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ، فيه اختصار يعني:\nفيقال لهم: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ؟ واختلفوا فيه فروى الربيع عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب أنهم كل من كفر بعد إيمانه بالله يوم الميثاق حين أخرجهم من صلب آدم (﵇) وقال لهم: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى «٥»، فيعرفهم الله ﷿ يوم القيامة بكفرهم فيقول: أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ يوم الميثاق.\nقال الحسن: هم المنافقون أعطوا كلمة الإيمان بألسنتهم، وأنكروها بقلوبهم وأعمالهم.\nوقال يونس بن أبي مسلم: سألت عكرمة عن هذه الآية فقال: لو فسرتها لم أخرج من تفسيرها ثلاثة أيام، ولكني سأجمل لك: هؤلاء قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم، مصدقين بمحمد ﷺ قبل أن يبعث، ولما بعث كفروا به، فذلك قوله أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ.\nوقال الآخرون: هم من أهل ملتنا.\nقال الحارث الأعور: سمعت عليا (﵁) على المنبر يقول: «إن الرجل ليخرج من أهله فما يؤوب إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به الجنة، وإنّ الرجل ليخرج من أهله فما يعود إليهم حتى يعمل عملا يستوجب به النار» [٩٤] . ثمّ قرأ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ الآية.\nثم نادى الذين كفروا بعد الإيمان [أَكَفَرْتُمْ]، يدل عليه\nحديث النبي ﷺ: «يأتي على أمتي زمان يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا يبيع دينه بعرض يسير من الدنيا» [٩٥] «٦» .\nوقال أبو أمامة الباهلي: هم الخوارج. وقال قتادة: هم أهل البدع كلهم.\nودليل هذه التأويلات قوله: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «٧»\n_________\n(١) يونس: ٢٦.\n(٢) يونس: ٢٧.\n(٣) القيامة: ٢٢.\n(٤) القيامة: ٢٤- ٢٢.\n(٥) الأعراف: ١٧٢.\n(٦) المصنّف: ٨/ ٥٩٣، مسند ابن راهويه: ١/ ٤٠١.\n(٧) الزمر: ٦٠.","vol":"3","page":125},{"text":"وقول النبي ﷺ: «ليردنّ الحوض من صحبتي أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني، فلأقولن:\nأصحابي، أصحابي، فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى» [٩٦] «١» .\nوَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ هؤلاء أهل طاعته والوفاء بعهده، فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ: جنّة الله هُمْ فِيها خالِدُونَ إلى وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعالَمِينَ فيعاقبهم بلا جرم.\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ.\nالآية. قال عكرمة ومقاتل: نزلت في ابن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ وسالم مولى أبي حذيفة، وذلك أن ابن الصيف ووهب بن يهود اليهوديين قالا لهم: إن ديننا خير مما تدعوننا إليه ونحن خير وأفضل منكم. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ هم الذين هاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة. وروى جويبر عن الضحاك قال: هم أصحاب محمد خاصة الرواة الدعاة الذين أمر الله ﷿ بطاعتهم. يدل عليه ما روى السدي أن عمر الخطاب قال: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، قال: تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.\nوعن عمر بن الحصين قال: قال رسول الله ﷺ: «طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رأى «٢» من رآني» [٩٧] «٣» .\nالأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» [٩٨] «٤» .\nوقال آخرون: هم جمع المؤمنين من هذه الأمة وقوله: كُنْتُمْ يعني أنتم كقوله: مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا «٥» أي من هو في المهد. وإدخال (كان) واسقاطه في مثل هذا المعنى واحد، كقوله: وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا «٦» وقال في موضع آخر: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ «٧» .\nوقال محمد بن جرير «٨»: هذا بمعنى التمام، وتأويله: خلقتم ووجدتم خير أمة.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٣٨١ و٥/ ٥٠.\n(٢) كذا في المخطوط مكرّرة.\n(٣) المعجم الصغير: ٢/ ٣٤، ومعرفة علوم الحديث للحاكم: ٢٨٨.\n(٤) مسند أحمد: ٣/ ١١، وسنن الترمذي: ٥/ ٣٥٧.\n(٥) مريم: ٢٩.\n(٦) الأعراف: ٨٦.\n(٧) الأنفال: ٢٦. [.....]\n(٨) جامع البيان للطبري: ٤/ ٦٢.","vol":"3","page":126},{"text":"وقال: معنا كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ عند الله في اللوح المحفوظ، أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال قوم:\nللناس من صلة قوله: خَيْرَ أُمَّةٍ: يعني أنتم خير الناس للناس. قال أبو هريرة: معناه كنتم خير الناس للناس يجيئون بهم في السلاسل فيدخلونهم في الإسلام. قتادة هم أمة محمد ﷺ لم يؤمر نبي قبله بالقتال فيسبون من سبي الروم والترك والعجم فيدخلونهم في دينهم، فهم خير أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.\nمقاتل بن حيان: ليس خلق من أهل الأديان ولا يأمرون من سواهم بالخير وهذه الآية يأمرون كل أهل دين وأنفسهم لا يظلم بعضهم بعضا، بل يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر فأمّة محمد ﷺ خير أمم الناس.\nوقال آخرون: قوله: لِلنَّاسِ من صلة قوله: أُخْرِجَتْ ومعناه ما أخرج الله للناس أمّة خيرا من أمة محمد ﷺ فهم خير أمة أقامت وأخرجت للناس، وعلى هذا تتابعت الأخبار.\nروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنّه سمع النبي ﷺ يقول في قوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قال: «إنكم تتمّون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿» [٩٩] «١» .\nوروى عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، منها ثمانون من هذه الأمة» [١٠٠] «٢» .\nنافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أمة إلّا وبعضها في النار، وبعضها في الجنّة، وأمتي كلّها في الجنة» [١٠١] «٣» .\nثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره» [١٠٢] «٤» .\nوعن أنس قال: أتى رسول الله أسقف فذكر أنه رأى في منامه الأمم كانوا يمنعون على الصراط [.......] «٥» حتى أتت أمة محمد ﷺ غرّا محجلين قال: فقلت: من هؤلاء الأنبياء؟ قالوا: لا، قلت: مرسلون؟ قالوا: لا، فقلت: ملائكة؟ قالوا: لا، فقلت: من هؤلاء؟\nقالوا: أمة محمد ﷺ غرّا محجلين عليهم أثر الطهور، فلما أصبح الأسقف أسلم.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٤٤٧ وفيه: توفون، وتفسير الطبري: ٤/ ٦١.\n(٢) المعجم الأوسط: ١/ ١٧٢.\n(٣) تاريخ بغداد: ٩/ ٣٨٤.\n(٤) المعجم الأوسط: ٤/ ٢٣١.\n(٥) كلمة غير مقروءة.","vol":"3","page":127},{"text":"عن سعيد بن المسيب، عن عمر، عن رسول الله ﷺ قال: «الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي» [١٠٣] «١» .\nوروى أبو بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أمتي أمة مرحومة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من هذه الأمة رجلا من الكفّار فيقول: هذا فداؤك من النار» [١٠٤] «٢» .\nوعن أنس قال: خرجت مع رسول الله ﷺ فإذا بصوت يجيء من شعب، قال: «يا أنس، انطلق فانظر ما هذا الصوت»، قال: فانطلقت فإذا برجل يصلي إلى شجرة فيقول: «اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة، المغفور لها، المستجاب لها، المتاب عليها» . فأتيت رسول الله ﷺ، فأعلمته ذلك فقال: «انطلق فقل له إن رسول الله يقرئك السلام ويقول: من أنت؟» . فأتيته فأعلمته ما قال رسول الله ﷺ، فقال: «أقرىء منّي رسول الله السلام وقل له: أخوك الخضر يقول [أسألك] «٣» أن يجعلني من أمتك المرحومة المغفور لها المستجاب لها المتاب عليها» [١٠٥] «٤» .\nوقيل لعيسى (﵇): يا روح الله، هل بعد هذه الأمة أمة؟ قال: «علماء حلماء حكماء، أبرار أتقياء، كأنهم من العلم أنبياء يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلّا الله» «٥» .\nوبلغنا أن كعب الأحبار قيل له: لم لم تسلم على عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر، وأسلمت على عهد عمر؟ فقال: لأن أبي دفع إلي كتابا مختوما، وقال: لا تفكّ ختمه. فرأيت في المنام أيام عمر (﵁) قائلا قال لي: إن أبي خانك في تلك الصحيفة، ففككتها فإذا فيها نعت أمة محمد ﷺ: سالوما وعالوما وحاكوما وصافوحا وخاروجا، فسألوه عن تفسيرها، فقال: هو أن شعارهم أن يسلم بعضهم على بعض، وعلماؤهم مثل أنبياء بني إسرائيل، وحكم الله لهم بالجنّة، ويتصافحون فيغفر لهم ويخرجون من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمّهاتهم.\nوقال يحيى بن معاذ: هذه الآية مدحة لأمة محمد ﷺ ولم يكن ليمدح قوما ثم يعذبهم.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١/ ٦٩.\n(٢) بتفاوت في المعجم الصغير: ١/ ١٠، والمعجم الأوسط: ١/ ٥.\n(٣) بياض في مصوّرة المخطوط، والظاهر ما أثبتناه.\n(٤) الإصابة: ٢/ ٢٦٠، والمستدرك على الصحيحين: ٢/ ٦٧٤، ح ٤٢٣١.\n(٥) تاريخ دمشق: ٤٧/ ٣٨٢.","vol":"3","page":128},{"text":"ثم ذكر مناقبهم فقال: تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ إلى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً. الآية. قال مقاتل: إنّ رؤوس اليهود كعبا وعديا والنعمان وأبا رافع وأبا ياسر وكنانة وأبو صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم عبد الله بن سلام وأصحابه: فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله تعالى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً يعني لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلّا أذى باللسان يعني وعيدا وطعنا. وقيل: دعاء إلى الضلالة. وقيل: كلمة الكفر إن يسمعوها منهم يتأذّوا بها وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ منهزمين، وهو جزم بجواب الجزاء، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ استأنف «١» لأجل رؤوس الآي لأنها على النون، كقوله وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ «٢» . تقديرها: ثم هم لا ينصرون.\nوقال في موضع آخر: لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا «٣» إذ لم يكن رأس آية.\nقال الشاعر:\nألم تسأل الربع القديم فينطق\nأي فهو ينطق.\nقال الأخفش: قوله لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً استثناء خارج من أول الكلام، كقول العرب:\nما اشتكى شيئا إلّا خيرا، قال الله تعالى لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا. إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا «٤» ولأن هذا الأذى لا يضرهم. ومعناه لكن آذى.\nضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا: حيثما وجدوا ولقوا، يعني: حيث ما لقوا غلبوا واستضعفوا وقتلوا فلا يؤمنون إِلَّا بِحَبْلٍ: عهد من الله وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ: محمد والمؤمنين يردون إليهم الخراج فيؤمنونهم. وفي الكلام اختصار، يعني: إلّا أن يعتصموا بحبل، كقول الشاعر:\nرأتني بحبليها فصدّت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق\nأي أقبلت بحبليها.\nوقال آخر:\nحنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خامل أدنو لصيد\nقريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أني بقيد\n_________\n(١) أي جعلت ثُمَّ استئنافية لا عاطفة، ولو جعلها عاطفة لجزم الفعل بعدها.\n(٢) المرسلات: ٣٦.\n(٣) فاطر: ٣٦. [.....]\n(٤) النبأ: ٢٥.","vol":"3","page":129},{"text":"يعني: رآني مقيد [بقيد] «١» .\nوَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ إلى لَيْسُوا سَواءً. الآية. قال ابن عباس ومقاتل: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعيد وأسد بن عبيد ومن أسلم من اليهود قالت رؤوس اليهود: ما آمن بمحمد إلّا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم، وقالوا لهم: لقد خسرتم حيث استبدلتم بدينكم دينا غيره «٢»، فأنزل الله تعالى لَيْسُوا سَواءً وسواء يقتضي شيئين اثنين فصاعدا، واختلفوا في وجه هذه الآية فقال قوم: في الكلام إضمار تقديره:\nليسوا سواء «٣» . مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ وأخرى غير قائمة فتزلّ الأخرى لاكتفائه بذكر أحد الفريقين كقول أبي ذؤيب:\nعصيت إليها القلب إني لأمرها ... مطيع فما أدري أرشد طلابها\nأراد: أرشد أم غيّ، فحذفه لدلالة الكلام عليه.\nوهذا قول مجموع مقدم كقولهم: (أكلوني البراغيث) و(ذهبوا أصحابك) . وقال: تمام القول عند قوله: لَيْسُوا سَواءً وهو وقف لأن ذكر الفريقين من أهل الكتاب قد جرى في قولهم مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ ثم قال لَيْسُوا سَواءً يعني المؤمنين والفاسقين، ثم وصف الفاسقين فقال: لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً، ثم وصف المؤمنين فقال: أُمَّةٌ قائِمَةٌ. الآية. فهو مردود على أول الكلام، وهو مختار محمد بن جرير «٤» والزجاج، قال: وإن شئت جعلت قوله: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ ابتداء لكلام آخر لأنّ ذكر الفريقين قد جرى، ثمّ قال: ليس هذان الفريقان سواء وهم، ثمّ ابتدأ فقال: مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ.\nقال ابن مسعود: معناها لا يستوي اليهود وأمة محمد القائمة بأمر الله تعالى يعني الثابتة على الحقّ المستقيم. ابن عباس: أُمَّةٌ قائِمَةٌ مهتدية قائمة على أمر الله لن تنزع عنه ولم تتركه كما تركه الآخرون وضيّعوه. مجاهد: عادلة، السدي: مطيعة قائمة على كتاب الله وفرائضه وحدوده. وقيل: قائمة في الصلاة. قال الأخفس أمة قائمة أي ذو أمّة قائمة، والأمّة: الطريقة، من قولهم: أممت الشيء أي قصدته. قال النابغة:\nوهل يأتمن «٥» ذو أمّة وهو طائع.\nأي ذو طريقة.\n_________\n(١) في المخطوط: لقيد.\n(٢) أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤٥.\n(٣) كذا في المخطوط، وهناك علامة سقط على كلمة سواء، لكن لم يشر لهذا السقط في هامش مصوّرة المخطوط.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٧١.\n(٥) كذا في المخطوط، والظاهر أنّه يأتمر.","vol":"3","page":130},{"text":"ومعنى الآية ذوا «١» طريقة مستقيمة.\nيَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ يقرءون كتاب الله. قال مجاهد: يتبعون، يقال: تلاه، أي اتّبعه. قال الشاعر:\nقد جعلت دلوي تسيلينني ... ولا أريد تبع القرين «٢»\nإني لم أردهما [...] «٣» .\nأي تستتبعني.\nآناءَ اللَّيْلِ، أي ساعاته، وإحداها إني مثل نحي وأنحاء وإنى مثل معى.\nقال الشاعر:\nحلو ومر كعطف القدح شيمته ... في كل إني قضاء الليل ينتعل «٤»\nأي تسليه آناء الليل بأمر مضى فيه ولم يتأخر.\nقال الراجز في اللغة الأخرى:\nلله درّ جعفر أي فتى ... مشمّر عن ساقه كلّ إنى\nوقال السدي: آناءَ اللَّيْلِ جوفه.\nالأوزاعي عن حسان عطية قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل خير له من الدنيا وما فيها، ولولا أن يشق على أمّتي لفرضتهما عليهم» [١٠٦] «٥» .\nوَهُمْ يَسْجُدُونَ أي يصلون لأنّ التلاوة لا تكون في الركوع والسجود، نظيره قوله:\nوَلَهُ يَسْجُدُونَ أي يصلّون وفي القرآن: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ «٦» أي صلوا، وقوله: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا «٧» . واختلفوا في نزول الآية ومعناها فقال بعضهم: هي قيام الليل عن مجمع بن يحيى الأنصاري عن رجل من بني شيبة كان يدرس الكتب فقال: إنا نجد كلاما من كلام [الرب] «٨» أيحسب راعي إبل وغنم، إذا جنه الليل انخذل بكن وهو قائم وساجد آناء الليل.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢٢٧٣.\n(٣) كلمتان غير مقروءتين.\n(٤) لسان العرب: ١٤/ ٥٠. إنى.\n(٥) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٣٦٨.\n(٦) الفرقان: ٦٠.\n(٧) النجم: ٦٢.\n(٨) في المخطوط: العرب. [.....]","vol":"3","page":131},{"text":"ابن مسعود: هو في صلاة العتمة، يصلونها ومن حولهم من أهل الكتاب لا يصلونها.\nعاصم عن زرين عن ابن مسعود قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة، قال: «أما إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله ﷿ ذه الساعة غيركم» [١٠٧] «١»\n، فأنزل الله هذه الآية: لَيْسُوا سَواءً حتى بلغ قوله وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ.\nوروى الثوري عن منصور قال: بلغنا أنها نزلت في قوم كانوا يصلون فيما بين المغرب والعشاء.\nوقال عطاء في قوله: لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ. الآية. تزيد أربعين رجلا من أهل نجران من العرب، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى (﵇) وصدقوا بمحمد ﷺ وكان من الأنصار منهم عدة قبل قدوم النبي ﷺ، منهم أسعد ابن زرارة والبراء بن معرور ومحمّد بن مسلمة وأبو قيس هرمة «٢» بن أنس، وكانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ويقرّون بما عرفوا من شرائع الحنيفية حتى جاءهم الله ﷿ بالنبي ﷺ فصدقوه ونصروه.\nوَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ، قرأ الأعمش وحمزة ويحيى والكسائي وحفص وخلف: بالياء فيهما، اخبار عن الأمة القائمة. وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيدة. وقرأ الآخرون بالتاء فيهما على الخطاب كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ، وهي اختيار أبي حاتم. وكان أبو عمرو يرى القراءتين جميعا: الياء والتاء.\nومعنى الآية وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ: فلن يقدروا ثوابه، ولن يجحدوا جزاءه بل يشكر [لهم] «٣» ويجازون عليه، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ: المؤمنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١١٦ الى ١٢٩]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (١٢٠)\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١) إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (١٢٥)\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ (١٢٧) لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٣٩٦، وأسباب النزول للواحدي: ٧٩.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) في المخطوط: لكم.","vol":"3","page":132},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنما خص الأولاد لأنهم أقرب الأنساب إليه وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ، إنما جعلهم من أصحابها لأنهم من أهلها الذين لا يخرجون منها ولا يفارقونها كصاحب الرجل الذي لا يفارقه، وقرينه الذي لا يزايله. يدل عليه قوله: هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا\n، قال يمان: يعني نفقات أبي سفيان وأصحابه ببدر وأحد على عداوة الرسول ﷺ.\nمقاتل: يعني نفقة سفلة اليهود على علمائهم ورؤسائهم كعب وأصحابه.\nمجاهد: يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا وصدقاتهم. وضرب الله مثلا فقال مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ\n، قال ابن عباس: يعني السموم الحارة التي تقتل، ومنه خلق الله الجان. ابن كيسان: الصر ريح فيها صوت ونار.\nسائر المفسرين: برد شديد.\nابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ\n: زرع قوم لَمُوا أَنْفُسَهُمْ\nبالكفر والمعصية ومنع حق الله ﷿ أَهْلَكَتْهُ\n. ومعنى الآية: مثل نفقات الكفار في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها وقت حاجتهم إليها بعد ما كانوا يرجون من عائدة نفعها كمثل زرع أصابه ريح بارد أو نار فأحرقته وأهلكته، فلن ينتفع أصحابه منه بشيء بعد ما كانوا يرجون من عائدها نفعه، قال الله تعالى:\nما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ\nبالكفر والمعصية ومنع حق الله.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ. الآية.\nعن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ قال: «هم الخوارج» [١٠٨] «١» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ١٧٩.","vol":"3","page":133},{"text":"قال ابن عباس: كان رجل من المسلمين يواصل رجالا من اليهود لما كان بينهم من القرابة والصداقة والحلف والجوار والرضاع فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية ينهاهم عن مباطنتهم خوف الفتنة منهم عليهم. مجاهد: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادفون المنافقين ويخالطونهم، فنهاهم الله تعالى عن ذلك فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ: أولياء وأصفياء من غير أهل ملّتكم. والبطانة: مصدر يوضع موضع الاسم فسمي بها الواحد والاثنان والجميع والمذكر والمؤنث، قال الشاعر:\nأولئك خلصائي نعم وبطانتي ... وهم عيبتي من دون كلّ قريب\nوإنّما ما قيل لخليل الرجل: بطانة تشبيها لما ولي بطنه من ثيابه لحلوله منه في اطّلاعه من أسراره وما يطويه عن أباعده وكثير من أقاربه محل ما ولي جسده من ثيابه. ثم ذكر العلة في النهي عن مباطنتهم وعرفهم ما هم منطوون عليه من الغش والخيانة والبغي والغوائل فقال عز من قائل: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا، أي لا يقصّرون ولا يتركون عهدهم وطاقتهم فيما يورّثكم فوق الشر والفساد. يقال: ما ألوته خيرا أو شرا أي ما قصرت في فعل ذلك. ومنه قول ابن مسعود في عثمان:\nولم تأل عن خير لأخرى باديه «١» وقال امرؤ القيس:\nوما المرء مادامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل «٢»\nأي مقصّر في الطلب.\nالخبال: الشر والفساد، قال الله تعالى: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا «٣» ونصب خَبالًا على المفعول الثاني لأن الإلو تتعدى إلى مفعولين. وإن شئت: المصدر، أي يخبلونكم خبالا. وإن شئت بنزع الخافض، أي بالخبال، كما يقال أوجعته ضربا أي بالضرب وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي تمنوا ضرّكم وشركم وإثمكم وهلاككم. قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ قراءة العامة بالتاء لتأنيث البغضاء. ومعنى الآية قد ظهرت امارة العداوة مِنْ أَفْواهِهِمْ بالشتيمة والوقيعة في المسلمين. وقيل: باطلاع المشركين على أسرار المؤمنين. وقيل: هو مثل قوله: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ «٤» .\n_________\n(١) كلمات غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.\n(٢) لسان العرب: ٦/ ٢٨٤.\n(٣) التوبة: ٤٧.\n(٤) محمّد: ٣٠.","vol":"3","page":134},{"text":"وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من العداوة والخيانة أَكْبَرُ أعظم، قد بينا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عن الأزهر بن راشد قال: كان أنس بن مالك يحدّث أصحابه، فإذا حدّثهم بحديث لا يدرون ما هو أتوا الحسن يفسّره لهم، فحدثهم ذات يوم وقال:\nقال رسول الله ﷺ: «لا تستضيئوا بنار المشركين ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا» [١٠٩] «١» .\nفأتوا الحسن فأخبروه بذلك، فقال: إنّما «٢»\nقوله: «لا تنقشوا في خواتيمكم عربيا»\n، فإنه يقول: لا تنقشوا في خواتيمكم محمدا. وأما\nقوله: «لا تستضيئوا بنور «٣» المشركين»\n، فإنّه يقول لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية.\nوقال عياض الأشعري: وفد أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب، فقال: إن عندنا كاتبا حافظا نصرانيا من حاله كذا وكذا. فقال: ما لك قاتلك الله؟ أما سمعت قول الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ الآية، وقوله لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ «٤»؟ هلا اتخذت حنيفيّا! قال: قلت: له دينه ولي ديني، ولي كتابته، لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلّهم الله ولا أدنيهم إذ قصاهم الله «٥» .\nها أَنْتُمْ أُولاءِ، ... ها تنبيه، وأَنْتُمْ كناية للمخاطبين من الذكور، أُولاءِ اسم الجمع المشار إليه تُحِبُّونَهُمْ خبر عنهم. ومعنى الآية: أنتم أيها المؤمنون تحبون هؤلاء اليهود الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة والمحالفة والرضاع والقرابة والجوار، وَلا يُحِبُّونَكُمْ هم لما بينكم من مخالفة الدين. هذا قول أكثر المفسرين. وقال المفضل: معنى يُحِبُّونَهُمْ تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء، ولا تبخلون عليهم بدعائهم إلى الجنة، وَلا يُحِبُّونَكُمْ هم لأنهم يريدونكم على الكفر وهو الهلاك. أبو العالية ومقاتل: هم المنافقون يحبهم المؤمنون بما أظهروا من الإيمان ولا يعلمون ما في قلوبهم.\nقتادة: في هذه الآية والله إنّ المؤمن ليحب المنافق ويلوي إليه ويرحمه، ولو أنّ المنافق يقدر على ما يقدر عليه المؤمن منه لأباد خضراءه «٦» .\nوَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ يعني بالكتب كلها ولا يؤمنون هم بكتابكم، ف إِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٩٩.\n(٢) كذا في المخطوط، والظاهر أنّها: أمّا.\n(٣) مرّت في أوّل الحديث بلفظ: بنار.\n(٤) المائدة: ٥١.\n(٥) راجع تفسير القرطبي: ٤/ ١٧٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٨٧. [.....]","vol":"3","page":135},{"text":"وكان بعضهم مع بعض عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ يعني أطراف الأصابع، واحدتها أنملة وأنملة. بضم الميم وفتحها. مِنَ الْغَيْظِ والحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم وصلاح ذات بينهم. وهذا من مجاز الأمثال وإن لم يكن ثم عضّ، قال الشاعر:\nإذا رأوني أطال الله غيظهم ... عضوا من الغيظ أطراف الأباهيم «١»\nوقال أبو طالب:\nوقد صالحوا قوما علينا أشحّة ... يعضّون غيضا خلفنا بالأنامل\nقال الله تعالى: قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ، إن قيل: كيف لا يموتون والله تعالى إذا قال لشيء كن فيكون؟\nفالجواب: أن المراد ابقوا بغيضكم إلى الممات فإن مناكم عن الاسعاف محجوبة.\nوقال محمد بن جرير: خرج هذا الكلام مخرج الأمر وهو دعاء أمر الله تعالى نبيه ﷺ أنه يدعو عليهم بالهلاك كمدا ممّا بهم من الغيظ، قل يا محمد: اهلكوا بغيظكم «٢»: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بما في القلوب من خير وشر. روى عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: ذكر أصحاب الأهواء فقال والذي نفسي بيده لئن تمتلئ داري قردة وخنازير أحب إليّ من أن يجاورني رجل منهم «٣» . يعني صاحب هوى، ولقد دخلوا في هذه الآية: ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ الآية.\nإِنْ تَمْسَسْكُمْ، قرأ السلمي بالياء. الباقون بالتاء. يعني: إن تصبكم أيها المؤمنون حَسَنَةٌ بظفركم على عدوكم وغنيمة تنالونها منهم وتتابع من الناس في الدخول في دينكم وخفض في معاشكم تَسُؤْهُمْ: تحزنهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ مساءة بإخفاق سريّة لكم، أو إصابة عدوّ فيكم أو اختلاف يكون منكم «٤»، أو حدث ونكبة يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا وتخافوا ربّكم لا يَضُرُّكُمْ: لا ينقصكم كَيْدُهُمْ شيئا.\nواختلفت القراءة فيه فقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: لا يَضِرُكُمْ. بكسر الضاد [وراء] خفيفة. واختاره أبو حاتم، يقال: ضار يضير ضيرا مثل باع يبيع بيعا، ودليله في القرآن: لا ضَيْرَ «٥» . وهو جزم على جواب الجزاء.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ٥٩.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٤/ ٨٩.\n(٣) الطبقات الكبرى: ٧/ ٢٢٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٩٠.\n(٥) الشعراء: ٥٠.","vol":"3","page":136},{"text":"وقرأ الضحاك بضم الضاد وجزم الراء خفيفة من (ضار يضور)، وذكر الفرّاء عن الكسائي أنه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورني. وقرأ الباقون: بضم [الضاد، والراء] «١» مشددة، واختاره. وهو من (ضرّ يضرّ ضرا)، مثل (ردّ يرد ردّا) . وفي رائه وجهان:\nأحدهما: أنه أراد الجزم وأصله لا يضرركم فأدغمت الراء في الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد وضمت الراء الأخيرة اتباعا لأقرب الحركات إليها وهي الضاد طلبا للمشاكلة كقولهم: مرّ يا هذا.\nوالوجه الثاني: أن يكون (لا) بمعنى ليس ويضمر الفاء فيه، تقديره: وإن تصبروا وتتّقوا فليس يضركم. قاله الفرّاء وأنشد:\nفإن كان لا يرضيك حتى تردني ... إلى قطري لا إخالك راضيا «٢»\nإن الله بما تعملون قرأ الأعمش والحسن: بالتاء. الباقون بالياء مُحِيطٌ عالم.\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ. الآية. نظم الآية: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ولكن الله تعالى ينصركم عليهم كما نصركم بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، وإن أنتم لم تصبروا على أمري ولم تتقوا نهيي، فإنه نازل بكم ما نزل بكم يوم أحد حيث خالفتم أمر الرسول ولم تصبروا، فاذكروا ذلك اليوم أو غدا بينكم تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ واختلفوا في هذا اليوم الذي عنى الله تعالى بقوله:\nوَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ فقال الحسن: هو يوم بدر. وقال مقاتل: هو الأحزاب. وقال سائر المفسرين: هو أحد، وهو أثبت. يدل عليه قوله في عقبه: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وهذا إنما كان يوم أحد.\nقال مجاهد والكلبي والواقدي: غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة فمشى على رجليه إلى أحد، فجعل يصف أصحابه للقتال كأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال: «تأخر» .\nوذلك أن المشركين نزلوا بأحد. على ما ذكر محمد بن إسحاق والسدي عن رجالهما. يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله ﷺ بنزولهم استشار أصحابه ودعا عبد الله بن أبي بن سلول.\nولم يدعه قط قبلها. واستشاره، فقال عبد الله بن أبي وأكثر الأنصار: يا رسول الله، أقم بالمدينة ولا تخرج إليهم، فو الله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلّا أصاب منّا، ولا دخلها علينا إلّا أصبنا منه، فكيف وأنت فينا؟ فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، فإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا.\n_________\n(١) في المخطوط: الراء والضاد.\n(٢) التبيان في تفسير القرآن: ٢/ ٥٧٥.","vol":"3","page":137},{"text":"فأعجب رسول الله بهذا الرأي.\nوقال بعض أصحابه: يا رسول الله أخرج بنا إلى هذه الأكلب لا يرون إنا جبنّا عنهم وضعفنا. فأتى النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول الله لا تحرمني الجنة فو الذي بعثك بالحق لأدخلنّ الجنة. فقال: «بما؟» . فقال: بأني أشهد أن لا إله إلّا الله، وأني لا أفر من الزحف، قال: «صدقت» . فقتل يومئذ، فقال رسول الله ﷺ: «قد رأيت في منامي بقرا فأوّلتها خيرا، ورأيت في ذباب «١» سيفي ثلما فأوّلتها هزيمة ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأوّلتها المدينة فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا المدينة علينا قاتلناهم فيها» [١١٠] «٢» .\nوكان رسول الله ﷺ يعجبه أن يدخلوا عليه المدينة [فيقاتل] «٣» في الأزقة فقال رجال من المسلمين ممن كان ذا سهم يوم بدر، وأكرمهم الله بالشهادة يوم أحد: اخرج بنا إلى أعدائنا.\nفلم يزالوا برسول الله من حبهم للقاء القوم حتى دخل رسول الله ﷺ، فلبس لامته فلما رأوه لبس السلاح ندموا وقالوا: بئسما صنعنا نشير على رسول الله ﷺ والوحي يأتيه؟ فقاموا واعتذروا إليه وقالوا: اصنع ما رأيت. فقال ﷺ: «[إنه ليس لنبي] «٤» أن يلبس [لامته] «٥» أن يضعها حتى يقاتل» [١١١] «٦» .\nوكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس، فراح رسول الله ﷺ بعد يوم الجمعة بعد ما صلّى بأصحابه الجمعة، وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار فصلّى عليه رسول الله ﷺ ثم خرج إليهم فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة، وكان من أمر حرب أحد ما كان، فذلك قوله: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ\n، قرأ يحيى بن ثاب: (تبوي) المؤمنين خفيفة غير مهموزة من (أبوى يبوي) مثل (أروى يروي) . وقرأ الباقون: مهموزة مشددة يقال: بوأت تبوئة، وأبويتهم إبواء، إذا أوطنتهم، وتبوّءوا إذا تواطنوا، قال الله تعالى أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا «٧»، وقال وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ.\n_________\n(١) في بعض المصادر: ذؤابة سيفي. راجع البداية والنهاية: ٤/ ١٣ الهامش.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٩٤. ٩٥.\n(٣) في مصوّرة المخطوط: فيقال.\n(٤) من مجمع الزوائد، وفي مصوّرة المخطوط علامة سقط لكن لم يشر إليه في الهامش.\n(٥) من مجمع الزوائد، وفي المخطوط: لامتها.\n(٦) مجمع الزوائد: ٦/ ١٠٧.\n(٧) يونس: ٨٧. [.....]","vol":"3","page":138},{"text":"والتشديد أفصح وأشهر، وتصديقه قوله تعالى: وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ «١»، وقال لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا «٢» .\nوقرأ ابن مسعود: تبوئ للمؤمنين.\nمَقاعِدَ لِلْقِتالِ، أي مواطن وأماكن، قال الله تعالى فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ «٣»، وقال: أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ «٤» . وقرأ أشهب: (مقاعد للقتال) . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا: تجبنا وتضعفا وتتخلّفا عن رسول الله ﷺ، وهم بنو أسامة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس، وكانا جناحي العسكر، وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: تسعمائة وتسعين رجلا، وقال الزجاج: كان أصحاب رسول الله ﷺ في أحد وقت القتال ثلاثة آلاف، فخرج رسول الله ﷺ إلى أحد وقد وعد أصحابه الفتح إن صبروا، فلما بلغوا الشوط انخزل عبد الله بن أبيّ الخزرجي ثلث الناس فرجع في ثلاثمائة، وقال: علام نقتل أنفسنا وأولادنا؟ فتبعهم أبو جابر السلمي فقال: أنشدكم الله في نبيكم وفي أنفسكم. فقال عبد الله بن أبي: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ. وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالانصراف مع عبد الله بن أبي فعصمهم الله فلم ينصرفوا، ومضوا مع رسول الله ﷺ، فذكرهم الله عظيم نعمته بعصمته فقال: إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُما ناصرهما وحافظهما.\nوقرأ ابن مسعود: (والله وليهم) لأنّ الطائفتين جمع، كقوله هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ «٥» . وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وقال جابر بن عبد الله: ما يسرنا أنالهم نهمّ بالذي هممنا، وقد أخبرنا الله أنه ولينا.\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ قال الشعبي: كانت بدر بئر رجل يقال له بدر فسميت باسم صاحبها. قال الواقدي: ذكرت قول [الشعبي] «٦» لعبد الله بن جعفر ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا: فلأي شيء سميت الصفراء؟ ولأي شيء سميت الجار؟ هذا ليس بشيء، إنما هو اسم الموضع. قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري فقال: سمعت شيوخنا من بني غفار يقولون هو ماؤنا ومنزلنا، وما ملكه قط أحد غيرنا، وما هو وهؤلاء من بلاد جهينة، إنما هو من بلاد غفارة «٧» .\n_________\n(١) يونس: ٩٣.\n(٢) العنكبوت: ٥٨.\n(٣) القمر: ٥٥.\n(٤) الجن: ٩.\n(٥) الحجّ: ١٩.\n(٦) في المخطوط: الشافعي.\n(٧) تفسير الطبري: ٤/ ٩٩.","vol":"3","page":139},{"text":"التقى رسول الله ﷺ والمشركون بها، وكان أول قتال قاتل فيه نبي الله ﷺ. وقال الضحاك: بدر ماء بمنى على طريق مكة بين مكة والمدينة.\nوقد مدحت القول في غزوات رسول الله ﷺ وسراياه وجيزا مجملا فإنّه باب يعظم نفعه وبالله التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>ذكر مغازي رسول الله ﷺ</span>\nجميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه ستّ وعشرون غزوة، فأول غزوة غزاها غزوة ودّان، وهي غزوة الأبواء، ثم غزوة بواط إلى ناحية رضوى، ثم غزوة العشيرة من بطن ينبع، ثم غزوة بدر الأولى بطلب كرز بن جابر، ثم غزوة بدر الكبرى التي قتل الله فيها صناديد قريش، ثم غزوة بني سليم حتى بلغ الكدر ماء لبني سليم، ثم غزوة السويق يطلب أبا سفيان بن حرب حتى بلغ قرقرة الكدر، ثم غزوة ذي أمر وهي غزوة غطفان إلى نجد، ثم غزوة نجران: موضع بالحجاز فوق الفرع، ثم غزوة أحد ثم غزوة الأسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع من نجد، ثم غزوة بدر الأخيرة، ثم غزوة دومة الجندل، ثم غزوة الخندق، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني لحيان، ثم غزوة بني قردة، ثم غزوة بني المصطلق من بني خزاعة لقي فيها، ثم غزوة الحديبية لا يريد قتالا فصده المشركون، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح: فتح مكة، ثم غزوة حنين لقي فيها، ثم غزوة الطائف حاصر فيها، ثم غزوة تبوك.\nقاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى، وهو يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان سنة اثنتين من الهجرة، وأحد في شوال سنة ثلاث، والخندق، وبني قريظة في شوال سنة أربع، وبني المصطلق، وبني لحيان في شعبان سنة خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين في شوال سنة ثمان. فأوّل غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر وآخرها تبوك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>ذكر سراياه ﷺ</span>\nروي عن مقسم قال: كانت السرايا ستّا وثلاثين، وهي غزوة عبيدة بن الحارث إلى حنا من أسفل ثنية المرة وهو ما بالحجارة «١»، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية الفائض. وبعض الناس يقدم غزوة حمزة على غزوة عبيدة. وغزوة سعد بن أبي وقاص إلى الخرار «٢» من أرض الحجاز، ثم غزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة زيد بن حارثة القردة ماء من مياه نجد، وغزوة مرثد بن أبي مرثد الغنوي الرجيع لقوا فيها، وغزوة منذر بن عمرو بئر معونة لقوا فيها، وغزوة أبي عبيدة الجراح إلى ذي القصة من طريق العراق، وغزوة عمر بن\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) الخرار: آبار عن يسار الحجّة قريب من خم. الطبقات الكبرى: ٢/ ٥.","vol":"3","page":140},{"text":"الخطاب تربة من أرض بني عامر، وغزوة علي بن أبي طالب اليمن، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث الكديد لقوا فيها الملوح، وغزوة علي بن أبي طالب إلى أبي عبد الله بن سعد من أهل فدك، وغزوة ابن أبي العوجاء السلمي أرض بني سليم أصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عكاشة بن محصن العمرة، وغزوة أبي سلمة بن عبد الأسد قطن ماء من مياه بني أسد من ناحية نجد لقوا فيها فقتل فيها مسعود بن عروة، وغزوة محمد بن مسلمة أخي بني حارثة إلى القرطاء موضع من هوازن، وغزوة بشير بن سعد بن كعب بن مرة لفدك، وغزوة بشير بن سعد أيضا إلى حيان بلد من أرض خيبر، وغزوة زيد بن حارثة الجموم من أرض بني سليم، وغزوة زيد أيضا جذام من أرض حسمي لقوا فيها، وغزوة زيد أيضا إلى طرف من ناحية نخل من طريق العراق، وغزوة زيد أيضا وادي القرى لقي بني فزارة، وغزوة عبد الله بن رواحة خيبر مرتين إحداهما التي أصاب فيها بشرا «١» اليهودي، وغزوة عبد الله بن عتيك إلى حنين فأصاب بها أبا رافع بن أبي الحقيق.\nوكان رسول الله ﷺ بعث محمد بن مسلمة وأصحابه فيها من أحد وبدر إلى كعب بن الأشرف فقتلوه، وبعث عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان الهذلي وهو بنخلة لرسول الله ﷺ ليغزوه فقتله، وغزوة الأمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا بها، وغزوة كعب بن عمرو الغفاري ذات الطلاح من أرض الشام فأصيب بها هو وأصحابه جميعا، وغزوة عيينة بن حذيفة بن بدر الفزاري العنبر من بني تميم، وغزوة غالب بن عبد الله الكلبي كلب ليث أرض بني مرة فأصاب بها مرداس بن نهيك وحليفا لهم من جهينة، قتله أسامة بن زيد، وهو الذي\nقال النبي ﷺ لأسامة فيه: «من لك؟ من لك لا إله إلّا الله؟» [١١٢] .\nوغزوة عمرو بن العاص ذات السلاسل من أرض بلي «٢» وعذرة وغزوة، [أبي قتادة] «٣» وأصحابه إلى بطن إضم قبل الفتح لقوا فيها، وغزوة الخيط إلى سيف البحر وعليهم أبو عبيدة الجراح وغزوة عبد الرحمن بن عوف.\nوَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ: جمع ذليل مثل عزيز وأعزة ولبيب وألبّة. وأراد هاهنا قلّة العدد، فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ واختلفوا في هذه الآية: فقال قتادة: [...] «٤» يوم بدر أمدهم الله بألف، ثم صاروا ثلاثة\n_________\n(١) كذا في المخطوط، والظاهر أنّه (أسير) .\n(٢) بلي: قبيلة ينسبون إلى أبي بلي، وهو جدّ عمر بن شاس. الأنساب (السمعاني): ١/ ٣٩٦.\n(٣) كلمة غير مقروءة، وما أثبتناه من المغازي: ٢/ ٧٩٦.\n(٤) كلمة غير مقروءة، وما أثبتناه من المغازي: ٢/ ٧٩٦.","vol":"3","page":141},{"text":"آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف. يدل عليه قوله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ «١»، الآية، وقوله: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا إلى قوله مُسَوِّمِينَ، فصبر المؤمنون يوم بدر، واتّقوا الله فأمدّهم الله بخمسة آلاف من الملائكة على ما وعدهم، فهذا كله يوم بدر. الحسن: فهؤلاء الخمسة آلاف رد للمؤمنين إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس ومجاهد: لم تقاتل الملائكة إلّا يوم بدر وفيما سوى ذلك يشهدون القتال ولا يقاتلون إنما يكونون عددا ومددا.\nوقال عمر بن أبي إسحاق: لما كان يوم أحد انجلى عن رسول الله ﷺ، وبقي سعد بن مالك يرمي، وفتى شاب ينبل له فلمّا فني النبل أتاه به فنثره فقال: ارم أبا إسحاق، ارم أبا إسحاق. كرتين. فلما انجلت المعركة سئل عن الرجل فلم يعرف «٢» .\nوقال الشعبي: بلغ رسول الله ﷺ والمسلمين يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يمدّ المشركين، فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ إلى قوله مُسَوِّمِينَ، فلما بلغ الكرز الهزيمة فرجع ولم يأتهم ولم يمدّهم أمدّهم الله أيضا بخمسة آلاف، وكانوا قد أمدوا بألف.\nوقال آخرون: إنما وعد الله تعالى المسلمين يوم بدر إن صبروا على طاعته فاتقوا محارمه أن يمدّهم في حروبهم كلها فلم يصبروا ولم يتقوا إلّا في يوم الأحزاب فأمدهم الله تعالى حتى حاصروا قريظة.\nقال عبد الله بن أوفى: كنا محاصري بني قريظة والنضير ما شاء الله أن نحاصرهم فلم يفتح علينا فرجعنا، فدعا رسول الله ﷺ بغسل، فهو يغسل رأسه إذ جاءه جبرئيل (﵇) فقال: «يا محمد، وضعتم أسلحتكم ولم تضع الملائكة أوزارها؟» . فدعا رسول الله ﷺ بخرقة فلف بها رأسه ولم يغسله ثمّ نادى فينا فقمنا كالّين متعبين لا نعبأ بالسير شيئا حتى أتينا بني قريظة والنضير، فيومئذ أمدنا الله تعالى بثلاثة آلاف من الملائكة، ففتح الله لنا فتحا يسيرا وانقلبنا بنعمة الله وفضل.\nوقال قوم: إنما كان هذا يوم أحد، وعدهم الله ﷿ المدد إن صبروا، فلم يصبروا فلم يمدوا ولا بملك واحد [و] لو أمدّوا لما هزموا. وهو قول عكرمة والضحاك. وكان هذا يوم أحد حين انصرف أبو سفيان وأصحابه وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ كان يخاف أن يدخل المشركون المدينة، فبعث علي بن أبي طالب (﵁) فقال: «اخرج على آثار القوم فانظر ما يصنعون وما يريدون، فإن كانوا قد أجبنوا الخيل وركبوا وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فو الذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرنّ إليهم فيها ثم لأناجزنهم» .\n_________\n(١) الأنفال: ٩. [.....]\n(٢) الدر المنثور: ٢/ ٧٠.","vol":"3","page":142},{"text":"قال علي (﵁): «فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فإذا هم قد أجبنوا الخيل وامتطوا الإبل وتوجهوا إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ قال: أي ذلك كان فأخفه حتى تأتيني، فلما رأيتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح ما أستطيع أن أكتم لما بي من الفرح وانصرفوا إلى مكة وانصرفنا إلى المدينة، فأنزل الله تعالى في ذلك أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ» «١» يعني أن انصرفوا إليكم ودخلوا المدينة.\nوفي قراءة أبي (ألا يكفيكم أن يمدكم ربكم)، أي يعطيكم ويعينكم.\nقال المفضل: [كل] «٢» ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: أمده يمده إمدادا، وكل ما كان على جهة الزيادة قيل: مدّه يمدّه مدّا، ومنه قوله: وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ «٣» .\nوقال بعضهم: المد في الشر، والإمداد في الخير. يدل عليه قوله تعالى: وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ «٤» وقوله وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا «٥» .\nوقال في الخير أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ «٦» وقال: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ. وقال وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ «٧» .\nوقال: أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ «٨» . وقال: وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ «٩»، وقال: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ «١٠»، مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ «١١» مُنْزَلِينَ. قرأ أبو حيوة: بكسر الزاي، مخفّفا، يعني منزلين النصر. وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وعمر ابن ميمون وابن عامر مشددة مفتوحة الزاي على التكثير. وتصديقه قوله: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ «١٢» .\nوقوله: مُسَوِّمِينَ. وقرأ الآخرون: بفتح الزاي خفيفة. ودليله قوله: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا «١٣» وقوله: وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها «١٤» . وتفسير الإنزال: جعل الشيء من علو إلى سفل، ثم قال: بَلى وهو تصديق لقول الله تعالى وقول رسول الله ﷺ.\nإِنْ تَصْبِرُوا لعدوّكم وَتَتَّقُوا معصية ربكم.\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٠٧.\n(٢) في المخطوط: على.\n(٣) لقمان: ٢٧.\n(٤) البقرة: ١٥.\n(٥) مريم: ٧٩.\n(٦) الأنفال: ٩.\n(٧) الإسراء: ٦.\n(٨) المؤمنون: ٥٥.\n(٩) الطور: ٢٢.\n(١٠) نوح: ١٢.\n(١١) الأنفال: ٩.\n(١٢) الأنعام: ١١١.\n(١٣) الفرقان: ٢١. [.....]\n(١٤) التوبة: ٢٦.","vol":"3","page":143},{"text":"وَيَأْتُوكُمْ من المشركين، مِنْ فَوْرِهِمْ هذا «١» قال عكرمة والحسن وقتادة والربيع والسدي وابن زيد: من وجههم هذا، وهو رواية عطية عن ابن عباس. مجاهد والضّحاك وزاذان: من غضبهم هذا، وكانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر ممّا لقوا، وأصل الفور: القصد إلى الشيء والأخذ فيه بحدّه، وهو من قولهم: فارت القدر تفور فورا وفورانا إذا غلت وَفارَ التَّنُّورُ «٢»، قال الشاعر:\nتفور علينا قدرهم فيديمها ... ويفثأها عنا إذا حميها غلا\nبِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم ويعقوب: بكسر الواو، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بالفتح، واختاره أبو عبيد، فمن كسر الواو أراد أنّهم سوّموا خيلهم، ومن فتح أراد به أنفسهم، والسّومة: العلامة التي يعلّم بها الفارس نفسه في الحرب، واختلفوا في هذه السّمة الموصوفة بها الملائكة في هذه الآية ما هي،\nفقال عمير بن إسحاق: قال رسول الله ﷺ لأصحابه يوم بدر: «تسوّموا، فإن الملائكة قد تسوّمت «٣» بالصوف الأحمر في قلانسهم ومغافرهم» .\nالضحاك وقتادة: [بالعهن] «٤» في نواصيها وأذنها. مجاهد:\nكانت مجزوزة أذناب خيلهم وأعرافها ونواصيها [معلّمة]، الربيع: كانوا على خيل بلق،\nعليّ وابن عباس ﵃: كانت عليهم عمائم بيض قد أرسلوها بين أكتافهم\n، هشام بن عروة الكلبي: عمائم صفر مرخاة على أكتافهم.\nوقال عبد الله بن الزبير: إن الزبير كانت عليه ملاءة صفراء وعمامة صفراء يوم بدر، فنزلت الملائكة يوم بدر مسوّمين بعمائم صفر «٥» .\nوروى الزبير بن المنذر عن جدّه أبي أسيد وكان بدريّا قال: لو كان بصري فرّج عنه، ثم ذهبتم معي إلى بدر لأريتكم الشعب التي خرجت منه الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم «٦»، وقال عكرمة: كانت عليهم سيماء القتال، السديّ: سيماء المؤمنين.\nوَما جَعَلَهُ اللَّهُ يعني: هذا الوعد والمدد إِلَّا بُشْرى لتستبشروا به. وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ ولتسكن قلوبكم إليه، فلا تجزع من كثرة عدوّكم وقلّة عددكم.\nوَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لأن العزّ والحكم له وهو: الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ نظيرها في\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٢٥.\n(٢) سورة هود: ٤٠، سورة المؤمنون: ٢٧.\n(٣) المصنف: ٨/ ٣٤٦، تفسير القرطبي: ٤/ ١٩٦.\n(٤) العهن: الصوف المصبوغ ألوانا.\n(٥) كنز العمال: ١٠/ ٤٥.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ١٠٩.","vol":"3","page":144},{"text":"الأنفال، ثم قال: واستعينوا بالله وتوكلوا عليه لِيَقْطَعَ طَرَفًا. نظم الآية: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ ... لِيَقْطَعَ طَرَفًا، أي: ليهلك طائفة مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا نظيره قوله: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا «١» أي: أهلك، وفي الأنفال: وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ «٢»، وفي الحجر: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ «٣»، السديّ: معناه ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والأسر، فقتل من سادتهم وقادتهم يوم بدر سبعين، وأسر منهم سبعين.\nأَوْ يَكْبِتَهُمْ بالخيبة فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ لم ينالوا شيئا ممّا كانوا يرجون من الظفر بكم.\nوقال الكلبي: أَوْ يَكْبِتَهُمْ: أو يهزمهم بأن يصرعهم لوجوههم. المؤرّخ: يخزيهم. النضر بن شميل: يغيظهم، المبرّد: يظفر عليهم، السديّ: يلعنهم، أبو عبيدة: يهلكهم، قالوا: وأهل النظر [يرون] «٤» التاء منقلبة عن الدال، لأن الأصل فيه يكبدهم، أي: يصيبهم في أكبادهم بالحزن والغيظ، يقال: قد أحرق الحزن كبده، وأحرقت العداوة كبده، ويقول العرب للعدوّ: أسود الكبد، قال الأعشى:\nفما أجشمت من إتيان قوم ... هم الأعداء والأكباد سود «٥»\nكأنّ الأكباد لمّا احترقت بشدّة العداوة اسودّت، والتاء والدال يتعاقبان، كما يقال: هرت الثوب وهرده، إذا خرقه، يدل على صحة هذا التأويل قراءة لاحق بن حميد: أو يكبدهم، بالدّال.\nلَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية،\nفقال عبد الله بن مسعود: أراد النبي ﷺ أن يدعوا على المدبرين عنه من أصحابه يوم أحد، وكان عثمان منهم، فنهاه الله ﷿ عن ذلك وتاب عليهم، فأنزل هذه الآية\n، وقال عكرمة وقتادة: أدمى رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية وجه رسول الله ﷺ يوم أحد، فدعا عليه رسول الله ﷺ، وكان حتفه أن سلّط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله.\nوشجّ عتبة بن أبي وقاص رأسه، وكسر رباعيته فدعا عليه، وقال: «اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرا» قال: وما حال عليه الحول حتى مات كافرا، فأنزل الله هذه الآية «٦» .\nوقال الكلبي والربيع: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ يوم أحد، وقد شجّ في وجهه وأصيبت رباعيته، فهمّ رسول الله ﷺ أن يلعن المشركين ويدعو عليهم، فأنزل الله ﷿ هذه\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٤٥.\n(٢) سورة الأنفال: ٧.\n(٣) سورة الحجر: ٦٦.\n(٤) زيادة عن المسير: ٢/ ٢٧.\n(٥) زاد المسير: ٢/ ٢٧، وتاج العروس: ٨/ ٢٢٩.\n(٦) تفسير الطبري: ٤/ ١١٧.","vol":"3","page":145},{"text":"الآية، لعلمه فيهم أن كثيرا منهم سيؤمنون\n، يدلّ عليه ما\nروى أبو بكر بن عياش، عن حميد، عن أنس قال: لمّا كان يوم أحد شجّ رسول الله ﷺ في فوق حاجبه وكسرت رباعيته وجرح في وجهه، فجعل يمسح الدم في وجهه وسالم مولى أبي حذيفة يغسل عن وجهه الدم، ورسول الله ﷺ يقول: «كيف يفلح قوم خضّبوا وجه نبيّهم بالدم وهو يدعوهم إلى ربّهم» «١»، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ\n، وقال سعيد بن المسيّب. والشعبي. ومحمد بن إسحاق بن يسار: لمّا قال رسول الله ﷺ: «اشتدّ غضب الله على من دمى وجه نبيّه» «٢» . علت عالية من قريش على الجبل، فقال رسول الله ﷺ: «[اللهم إنه] لا ينبغي لهم أن يعلونا»، فأقبل عمر ورهط من المهاجرين حتى أهبطوهم، ونهض رسول الله إلى صخرة ليعلوها وقد كان ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته طلحة فنهض حتى استوى عليها، فقال رسول الله ﷺ: «أوجب طلحة الجنة» «٣»، فوقفت هند والنسوة معها يمثّلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجدعنّ الآذان والأنوف، حتى أخذت هند من ذلك قلائد وأعطتها وحشيّا، وبقرت من كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع فلفظتها، ثم علت صخرة مشرفة فصرخت:\nنحن جزيناكم بيوم بدر ... والحرب بعد الحرب ذات سعر\nما كان من عتبة لي من صبر ... أبي وعمي وأخي وبكري\nشفيت صدري وقضيت نذري ... شفيت وحشي من غليل صدري «٤»\nقالوا: وقال عبد الله بن الحسن: قال حمزة: اللهم إن لقينا هؤلاء غدا فإنّي أسألك أن يقتلوني ويبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني، فتقول لي يوم القيامة: فيم فعل بك هذا؟ فأقول:\nفيك. فلمّا كان يوم أحد قتل فبقر بطنه وجدعت أذنه وأنفه، فقال رجل سمعه: أمّا هذا فقد أعطي في نفسه ما سأل في الدنيا، والله يعطيه ما سأل في الآخرة.\nقالوا: فلمّا رأى رسول الله ﷺ والمسلمون ما بأصحابهم من جدع الآذان والأنوف وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله عليهم لنفعلنّ بهم مثل ما فعلوا، ولنمثلنّ بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قطّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقال عطاء: قام رسول الله ﷺ بعد أحد أربعين يوما يدعو على أربعة من ملوك كندة:\nمسرح، وأحمد، ولحي، وأخيهم العمردة، وعلى معن من هذيل، يقال لهم: لحيان، وعلى بطون من سليم وعلى ذكوان وعصبة والقارة، وكان يقول: «اللهم أشدد وطاءك على مضر\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ١٧٩. [.....]\n(٢) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٠١.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٨٢.\n(٤) عيون الأثر: ١/ ٤٢٤، والبداية والنهاية: ٤/ ٤٢ مع تفاوت في عجز البيت الثاني.","vol":"3","page":146},{"text":"واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف» «١»، فأجاب الله دعاه وقحطوا حتى أكلوا أولادهم وأكلوا الكلاب والميتة والعظام المحرقة، فلمّا انقضت الأربعون نزلت هذه الآية.\nوعن سالم بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم ألعن أبا سفيان، اللهم العن الحرث بن هشام، اللهم العن صفوان بن أميّة» «٢»، فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ «٣» وأسلموا فحسن إسلامهم.\nالزهري عن سالم عن أبيه أنه سمع رسول الله ﷺ قال في صلاة الفجر حين رفع رأسه من الركوع: «ربّنا لك الحمد اللهم العن فلانا وفلانا»، دعا على ناس من المنافقين فأنزل الله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ الآية «٤» .\nوقال مقاتل: نزلت هذه الآية في بئر معونة وهم سبعون رجلا من قرّاء أصحاب رسول الله ﷺ أميرهم المنذر بن عمرو، وبعثهم رسول الله ﷺ إلى بئر معونة في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، ليعلّموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا.\nعامر بن الطفيل: وكان فيهم عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق فلما قتل رفع بين السماء والأرض، فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا وحزن عليهم شهرا فنزلت لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ\nوهذه الآية وإن كانت لفظا للعموم، فالمراد منها الخصوص تقديرها: ليس لك من الأمر بهواك شيء. واللام في قوله: (لَكَ) بمعنى (إليّ) كقوله: إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ «٥» وقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا «٦» ونحوهما.\nأَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ ... لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وهو وجه حسن.\nوقال بعضهم: (أَوْ) بمعنى (حتى) يعني: ليس لك من الأمر شيء حتى يتوب عليهم أو يعذبهم.\nثم قال: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ إلى أَضْعافًا مُضاعَفَةً.\nقرأ أبو جعفر وشيبة: مضعّفة.\nعطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً «٧» هو أن الرجل كأن يكون له على الرجل مال فإذا حل الأجل طلبه من\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٥٢١.\n(٢) المصدر السابق: ٢/ ٩٣، والدر المنثور: ٢/ ٧١.\n(٣) سورة آل عمران: ١٢٨.\n(٤) صحيح البخاري: ٥/ ٣٥، وسنن الدارمي: ١/ ٣٧٤.\n(٥) سورة آل عمران: ١٩٣.\n(٦) سورة الأعراف: ٤٣.\n(٧) سورة آل عمران: ١٣٠.","vol":"3","page":147},{"text":"صاحبه فيقول المطلوب أخّر عنّي فأزيدك على مالك فيفعلان ذلك فوعظهم الله تعالى.\nفقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ في أمر الربا فلا تأكلوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ثم خوفهم فقال: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وفيه دليل على أن النار مخلوقة ردّا على الجهمية، لأن المعدوم لا يكون معدا وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لكي ترحموا فلا تعذبوا وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الآية.\nقال عطاء: إن المسلمين قالوا للنبي ﷺ: بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله ﷿ منّا وكانوا إذا أذنبوا أصبحت كفارة ذنوبهم مكتوبة في عتبة بابهم: اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا، فسكت ﵊، فأنزل الله تعالى وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أي سابقوا إلى الأعمال التي توجب المغفرة.\nوحذف أهل المدينة والشام الواو منه.\nواختلفوا في العلة الجالبة لهذه المغفرة:\nفقال ابن عباس: سارعوا إلى الإسلام، أبو العالية وأبو روق: إلى الهجرة،\nعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: إلى أداء الفرائض\n، عثمان بن عفان: الإخلاص، أنس بن مالك: هي التكبيرة الأولى، سعيد بن جبير: إلى أداء الطاعة، يمان: إلى الصلاة الخمس، الضحاك: إلى الجهاد عكرمة: إلى التوبة، مقاتل: إلى الأعمال الصالحة، أبو بكر الوراق: إلى اتّباع الأوامر والانتهاء عن الزواجر، سهل بن عبد الله: إلى السنّة، بعضهم: إلى الجمع والجماعات.\nوَجَنَّةٍ يعني إلى جنة عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أي عرضها كعرض السماوات والأرض كقوله ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ «١» أي كبعث نفس واحدة.\nقال الشاعر:\nحسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق «٢»\nيريد صوت عناق.\nودليل هذا التأويل قوله في سورة الحديد: كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «٣» يعني لو بسطت ووصل بعضها إلى بعض إنما أخص العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الأغلب أكثر من عرضه يقول هذه صفة عرضها فكيف طولها. يدل عليه قول الزهري إنما وصف عرضها فأما طولها فلا يعلمه إلّا الله كقوله مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها «٤» فوصف البطانة بحسن ما يعلم من الزينة إذ معلوم أن الظواهر يكون أحسن وأنفس من البطائن.\n_________\n(١) سورة لقمان: ٢٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٧٨٥، لسان العرب: ١/ ٨٠٥.\n(٣) سورة الحديد: ٢١.\n(٤) سورة الرحمن: ٥٤. [.....]","vol":"3","page":148},{"text":"وقال أكثر أهل المعاني: لم يرد العرض الذي هو ضد الطول وإنما أراد سعتها وعظمها، كقول العرب: هو أعرض من الدهنا، أي أوسع.\nوقال جرير:\nلجّت أمامة في لومي وما علمت ... عرض السماوة روحاتي ولا بكري «١»\nوأنشد الأصمعي:\nيجبن بنا عرض الفلاة ... وما لنا عليهنّ إلّا وخدهن سقاء «٢»\nوقال آخر:\nكأنّ بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفه حابل «٣»\nوعلى هذا التمثيل لا يريد أنها كالسماوات والأرض لا، وغير معناه كعرض السماوات السبع والأرضين السبع عند ظنكم، لأنهما لا بد زائلتان كقوله: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ «٤» لأنهما لا بد زائلتان.\nوقال يعلي بن مرة: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله ﷺ بحمص شيخا كبيرا قال: قدمت على رسول الله ﷺ بكتاب هرقل فناول الصحيفة رجلا عن يساره قال: قلت: من صاحبكم الذي يقرأ؟ قالوا: معاوية، فإذا كتاب صاحبي: إنك كتبت إليّ تدعوني إلى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ [أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ] فأين النار؟ فقال رسول الله: «سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار» [١١٣] «٥» .\nوروى طارق بن شهاب: أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب وعنده أصحابه قالوا:\nأرأيت قولكم وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار؟ فأحجم الناس، فقال عمر (﵁): أرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار، وإذا جاء النهار أين يكون الليل؟ فقالوا: إنما لمثلها في التوراة.\nوسئل أنس بن مالك عن الجنة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: أي أرض وأي سماء تسع الجنة؟ قيل: وأين هي؟ قال: فوق السماوات السبع تحت العرش.\nوقال قتادة: كانوا يرون أن الجنة فوق السماوات السبع، وأن جهنم تحت الأرضين السبع.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٢١٦.\n(٢) لسان العرب: ١٤/ ٣٩٢، تاج العروس: ١٠/ ٣٨٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٠٥.\n(٤) سورة هود: ١٠٧.\n(٥) تفسير الطبري: ٤/ ١٢٢.","vol":"3","page":149},{"text":"أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ثم وصفهم فقال: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ يعني في العسر واليسر والشدة والرخاء، فأول خلق من أخلاقهم الموجدة هو الحب والسخاء، ولهذا\nأخبرنا أحمد بن عبد الله، [ثنا زيد بن عبد العزيز أبو جابر ثنا جحدر ثنا بقية ثنا الأوزاعي عن الزهري عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ] «١»\n: «الجنة دار الأسخياء» «٢» .\nوروى الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «السخي قريب من الله قريب من الجنة قريب من الناس بعيد من النار، والبخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار» [١١٤] «٣» .\nفِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ آية بينة على الواحد أراد مقام إبراهيم وحده، وقال: أثر قدميه في المقام آية بينة.\nوقرأ الباقون: آياتٌ بالجمع أرادوا مقام إبراهيم والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر، وقد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا من أن يهاج فيه، لأنه حرم، وذلك بدعاء إبراهيم (﵇) حيث قال: رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَدًا آمِنًا «٤» وكان في الجاهلية من دخله ولجأ إليه آمن من الغارة والقتل ولم يزده الإسلام إلّا شدة.\nوكتب أبو الخلد إلى ابن عباس: أن أول من لاذ بالحرم الحيتان الصغار والكبار هربا من الطوفان، وقيل: مَنْ دَخَلَهُ عام عمرة القضاء مع محمد ﷺ كانَ آمِنًا دليله قوله: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٥» .\nوقال أهل المعاني: صورة الآية خبر ومعناها أمر تقديرها: ومن دخلوه فأمنوه، كقوله:\nفَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ «٦» أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل:\n(وَمَنْ دَخَلَهُ) لقضاء النسك معظما له عارفا لحقه متقربا إلى الله ﷿ كانَ آمِنًا يوم القيامة وهذا\nكقوله ﷺ: «من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار»\n«٧» [١١٥] أي في نهار يوم القيامة.\nيدل عليه ما روى جويبر عن الضحاك وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا يقول: من حجه ودخله كان آمنا من الذنوب التي اكتسبها قبل ذلك.\n_________\n(١) زيادة عن الثقات لابن حبان: ٨/ ٣٥.\n(٢) مسند الشهاب: ١/ ١٠٢ والموضوعات لابن الجوزي: ٢/ ١٨٥.\n(٣) سنن الترمذي: ٣/ ٢٣١، ح ٢٠٢٧.\n(٤) سورة البقرة: ١٢٦.\n(٥) سورة الفتح: ٢٧.\n(٦) سورة البقرة: ١٩٧.\n(٧) مسند الشهاب- ابن سلامة-: ١/ ٢٥٢.","vol":"3","page":150},{"text":"وروى زياد بن أبي عياش عن يحيى بن جعدة في قوله تعالى: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا قال:\nمن النار.\nوقال جعفر الصادق (﵁): مَنْ دَخَلَهُ على الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كانَ آمِنًا من عذابه.\nوقال أبو النجم القرشي الصوفي: كنت أطوف بالبيت فقلت: يا سيدي، قلت: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا من أي شيء؟ فسمعت من ورائي [قائلا] يقول: آمنا من النار، فالتفت فلم أر شيئا.\nويدل على صحة هذا التأويل ما\nروى أبان بن عياش عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من مات في أحد الحرمين بعثه الله ﷿ مع الآمنين» «١» [١١٦] .\nوروى عن النبي ﷺ أنه قال: «الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينثران في الجنة وهما مقبرتا مكة والمدينة» «٢» [١١٧] .\nوروى شقيق بن سلمة عن ابن مسعود قال: وقف النبي ﷺ على ثنية المقبرة وليس هما يومئذ مقبرة، وقال: «بعث الله من هذه البقعة من هذا الحرم كله سبعين ألفا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا وجوههم كالقمر ليلة البدر» «٣» .\nوبه عن عبد الرحمن بن زيد العمى عن أبيه عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من صبر على حرّ مكة ساعة من نهار، تباعدت منه جهنم مسيرة مائتي عام، وتقربت منه الجنة مسيرة مائة عام» «٤» [١١٨] .\nوقال وهب بن منبه: مكتوب في التوراة: إن الله يبعث يوم القيامة سبعمائة ألف ملك من الملائكة المقربين بيد كل واحد منهم سلسلة من ذهب إلى البيت الحرام فيقول لهم: اذهبوا إلى البيت الحرام فزموه بهذه السلاسل ثم قودوه إلى المحشر فيأتونه فيزمونه بسبعمائة ألف سلسلة من ذهب ثم يمدونه وملك ينادي: يا كعبة الله سيري فتقول: لست بسائرة حتى أعطي سؤلي. فينادي ملك من جو السماء: سلي تعط. فتقول الكعبة: يا رب شفّعني في جيرتي الذين دفنوا حولي من المؤمنين. فيقول الله: قد أعطيتك سؤلك. قال: فيحشر موتى مكة من قبورهم بيض الوجوه كلهم محرمين، فيجتمعون حول الكعبة يلبّون ثم يقول الملائكة: سيري يا كعبة الله، فتقول:\nلست بسائرة حتى أعطي سؤلي، فينادي ملك من جو السماء: سلي تعط، فتقول الكعبة: يا رب\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٥/ ٢٤٥.\n(٢) كشف الخفاء: ١/ ٣٥١. [.....]\n(٣) كنز العمال: ١٢/ ٢٦٢، ح ٣٤٩٦٠.\n(٤) كنز العمال: ١٢/ ٢١٠، ح ٣٤٧٠٤.","vol":"3","page":151},{"text":"عبادك المؤمنين الذين وفدوا إليّ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ شعثا غبرا، تركوا الأهلين والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقا إليّ زائرين مسلمين طائعين، حتى قضوا مناسكهم كما أمرتهم، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر وتشفّعني فيهم وتجمعهم حولي، فينادي الملك: إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصرّ على الذنوب الكبائر حتى وجبت له النار، فتقول الكعبة: إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام. فيقول الله: قد شفّعتك فيهم وأعطيتك سؤلك. فينادي منادي من جو السماء: ألا من زار الكعبة فليعتزل من بين الناس. فيعتزلون، فيجمعهم الله حول البيت الحرام بيض الوجوه آمنين من النار يطوفون ويلبون، ثم ينادى ملك من جو السماء: ألا يا كعبة الله سيري. فتقول الكعبة: لبيك لبيك والخير بيديك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ثم [يمدّونها] إلى المحشر «١» .\nوَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.\nقال عكرمة: لما نزلت وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ «٢» قالت اليهود: فنحن مسلمون فأمروا أن يحجوا إن كانوا مسلمين، واللام في قوله لله لام الإيجاب والإلزام، أي قد فرض وأوجب على الناس حجّ البيت. قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي: حِجُّ، بكسر الحاء في هذا الحرف خاصة.\nوقرأ ابن أبي إسحاق جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة أهل نجد.\nوقرأ الباقون: بالفتح كل القرآن، وهي لغة أهل الحجاز.\nواختيار أبي عبيد، وأبي حاتم، فهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد.\nوقال الحسن الجعفي الفتح [المصدر] والكسر اسم الفعل، ثم قال: مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا اعلم أن شرائط وجوب الحج تسعة أشياء هي: البلوغ والعقل والإسلام والحرية\nلقول النبي ﷺ: «رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى ينتبه» «٣» [١١٩] .\nولقوله ﷺ: «أيّما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه حجة أخرى، وأيّما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى» [١٢٠] «٤» .\nوأراد بالهجرة هاهنا: الإسلام وتخلية الطريق، وهي أن يكون الطريق آمنا مسلوكا، لا مانع فيه من عدو ونحوه، فإن كان غير مسلوك لم يجب الحج.\n_________\n(١) إعانة الطالبين: ٢/ ٣١٣- ٣١٤.\n(٢) سورة آل عمران: ٨٥.\n(٣) مسند أحمد: ٦/ ١٠٠ بتفاوت.\n(٤) المعجم الأوسط: ٣/ ١٤٠، نصب الراية: ٣/ ٧٥.","vol":"3","page":152},{"text":"والدليل عليه: أنه لو كان محرما فحصره العدو، فله أن يحل منه، فإذا جاز له الخروج منه بالحصر فبان بعض «١» الدخول فيه، والقصد إليه مع وجود الحصر أولى وأحرى، وإمكان المسير وهو أن يكون في الوقت سعة ممكنة فيه الحج، فإذا وجد شرائط الحج وهو [....] «٢» وقد بلغ الحاج إلى [الكرقة] «٣» مثلا، فلا يجب عليه، لأنه جعل شرائطه في وقت تعذر فعله فيه، فهو كالصبي الذي يبلغ في أثناء نهار الصيام، فلا يجب عليه صوم ذلك اليوم، وزاد كاف وراحلة مبلغة وقوة بدنية واختلف أقاويل الفقهاء في تفصيل هذه الشرائط الثلاثة.\nفقال الشافعي (﵁): الاستطاعة وجهان: أن يكون مستطيعا بدنه واجدا من ماله ما يبلغه الحج، والثاني: أن يكون معضوبا «٤» في بدنه لا يثبت على مركبه، وهو قادر على من يطعه إذا أمره أن يحج عنه بأجرة وغير أجرة، وأما المستطيع بالمال: فقد لزمه فرض الحج بالسنّة، لحديث الخثعمية، فأما المستطيع بنفسه: فهو القوي الذي لا يلحقه مشقة غير محتملة في الكون على الراحلة، فإن هذا إذا ملك الزاد والراحلة لزمه فرض الحج، فإن عدم الزاد والراحلة أو أحدهما يسقط فرض الحج عنه، فإن كان قادرا على المشي مطبقا له ووجد الزاد أو قدر على كسب الزاد في طريقه بصنعة مثل الخرز والحجامة ونحوهما، فالمستحب له أن يحج ماشيا، رجلا كان أو امرأة.\nقال الشافعي: والرجل أقل عذرا من المرأة، لأنه أقوى وهذا على طريق الاستحباب لا على طريق الإيجاب، فأما إن قدر على الزاد بمسألة الناس في الطريق كرهت له أن يحج، لأنه يصير كلّا على الناس، وهذا الذي ذكرت من أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج، وهو قول عمر بن الخطاب (﵁) وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومن التابعين الحسن البصري وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، دليلهم ما\nروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: ما السبيل إلى الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» [١٢١] «٥» .\nومثله روى ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك.\nروى الحرث عن علي كرم الله وجهه قال: قال رسول الله ﷺ: «من ملك زادا وراحلة تبلغانه إلى بيت الله فلم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، فإن الله تعالى يقول: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ «٦» [١٢٢] .\n_________\n(١) هكذا ظاهرا في المخطوط.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) المعضوب: الزمن الذي لا حراك به.\n(٥) الدر المنثور: ٢/ ٥٦.\n(٦) سنن الترمذي: ٢/ ١٥٤.","vol":"3","page":153},{"text":"قال ابن عمر: قام رجل فقال: يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال: «الزاد والراحلة» قال:\nفما الحاج؟ قال: «[الشعث التفل]» «١» قال: فما أفضل الحج؟ قال: «العج «٢» والثج» «٣» [١٢٣] .\nوقال مالك: إذا قدر على المشي ووجد الزاد والراحلة لزمه الحج بلا خلاف، وإن لم يجد الزاد والراحلة وقدر على المشي نظر، فإن كان مالكا للزاد فعليه فرض الحج لكل حال، وإن لم يكن مالكا للزاد ولكنه يقدر على كسب حاجته منه في الطريق اختلف هذا باختلاف حال الرجل، فإن كان من أهل المروات وممّن لا يكسب بنفسه لم يجب عليه، وإن كان ممن يكسب كفايته بتجارة أو صناعة لزمه فرض الحج، وهكذا إذا كان عادته مسألة الناس لزمه فرض الحج، فأوجب مالك على المطبق للمشي الحج إذا لم يكن له زاد وراحلة، وهذا قول عبد الله بن الزبير والشعبي وعكرمة.\nوقال الضحاك: إن كان شابا صحيحا ليس له مال، فعليه أن يؤاجر نفسه بأكله أو عقبه حتى يقضي حجته، فقال: له قائل ما كلف الله الناس أن يمشوا إلى البيت. فقال: لو أن لبعضهم ميراثا بمكة أكان تاركه بل كان ينطلق إليه ولو حبوا، كذلك يجب عليه الحج، واحتج هؤلاء بقوله تعالى: وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا «٤» أي مشاة.\nقالوا: ولأن الحج من عبادات الأبدان من فرائض الأعيان، فوجب أن لا يكون من فرض وجوبها الزاد والراحلة كالصلاة والصيام، فإذا [تقرر] أن وجود الزاد والراحلة شرط في وجوب الحج على قول أكثر أهل العلم، فوجب أن يبيّن كيفية اعتبار الراحلة والنفقة، وذلك يختلف باختلاف أحوال الناس.\nوأما الراحلة: فهي ما لا يلحقه مشقة شديدة في الركوب عليها، وأما النفقة: فإن كان ذا أهل وعيال يجب عليه نفقتهم، فلا يلزمه الحج حتى يكون لهم نفقتهم مدة غيبته لذهابه ورجوعه، لأن هذا الإنفاق فرض على الفور والحج فرض على التراخي، وكان تقديم إنفاق العيال أولى وأهم.\nوقال النبي ﷺ: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت»\n«٥» [١٢٤] فإذا لم يكن له أهل وعيال فلا بد من نفقته لذهابه، وهل يعتبر فيه الرجوع أم لا؟ فيه قولان للفقهاء:\n_________\n(١) التفل: الذي قد ترك استعمال الطيب.\n(٢) العج: العجيج بالتلبية، والثج: نحر البدن. [.....]\n(٣) المصنف- الكوفي-: ٤/ ٥٣٥.\n(٤) سورة الحج: ٢٧.\n(٥) مسند أحمد: ٢/ ١٦٠.","vol":"3","page":154},{"text":"قال بعضهم: لا يعتبر، لأنه ليس عليه كثير مشقة في تركه القيام ببلده، لأنه لا أهل له فيه ولا عيال له، فكل البلاد له وطن.\nوقال الآخرون: يعتبر، وهو الظاهر من مذهب الشافعي، لأنه قال في الإملاء: لا يجب عليه الحج حتى يكون له نفقته ذاهبا وجائيا. فأطلق ولم يفرّق، وهذا أولى بالصواب، لأن الإنسان يستوحش بفراق وطنه كما يستوحش بفراق مسكنه، ألا ترى أن البكر إذا زنا جلد وغرّب عن بلده سواء كان له أهل أو لم يكن، فإن كان له عقار يستغله أو ثياب أو أثاث ونحوها، لزمه فرض الحج وبيع العقار ورقاب الأموال وصرفها في الحج فأما المسكن والخادم.\nقال الشافعي: في الأم: فإذا كان له مسكن وخادم له نفقة أهله بقدر غيبته لزمه الحج.\nوظاهر هذا أنه اعتبر أن يكون مال الحج فاضلا عن الخادم والمسكن، لأنه قدّمه على نفقة أهله، فكأنه قال: بعد هذا كله.\nوقال أصحابه: يلزمه أن يبيع المسكن والخادم ويشتري مسكنا وخادما لأهله، فأما إذا كان له بضاعة يتجر بها وربحها قدر كفايته وكفاية عياله على الدوام، ومتى أنفق من أصل البضاعة اختل عليه ربحها ولم يكن ربحها قدر كفايته، فهل يلزمه الحج من أصل البضاعة أم لا؟\nقال أبو العباس بن شريح: لا يلزمه ذلك وتبقى البضاعة على ما هي عليه ولا يحج من أصلها، لأن الحج إنما يجب عليه في الفاضل من كفايته.\nوقال الآخرون: بل عليه أن يحج من أصل البضاعة، وهو الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور، لأنه لا خلاف أنه لو كان له عقار يكفيه غلته لزمه بيع أصل العقار في الحج، وكذلك البضاعة، وجملته أن فرض الحج يتعلق بما يتعلق به فرض زكاة الفطر، فما وجب بيعه في زكاة الفطر وجب بيعه في الحج، فهذا القول في أحد وجهي الاستطاعة، فأما الوجه الآخر: فهو أن يكون مغصوبا في بدنه لا يقدر أن يثبت على مركب بحال، أو يكون فضو الخلقة ابتداء، أو يكون مريضا مزمنا شديدا لا يرجى برؤه، أو يكون شيخا كبيرا ضعيفا ولكن يكون قادرا على من يطيعه إذا أمره بالحج عنه، فهذا أيضا مستطيع استطاعة ما. وهو على وجهين:\nأحدهما: أن يكون قادرا على مال يستأجر عليه من يحج، فإنه يلزمه فرض الحج، وهذا قول علي بن أبي طالب (﵁)\nروى عنه أنه قال لشيخ كبير لم يحج: جهّز رجلا يحج عنك.\nوإليه ذهب الشافعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعبد الله بن المبارك وأحمد بن المبارك وإسحاق.\nوالثاني: أن يكون قادرا على من يبذل له الطاعة والنيابة فيحج عنه، فهذا أيضا يلزمه الحج عند الشافعي وابن حنبل وابن راهوية.","vol":"3","page":155},{"text":"وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الحج ببذل الطاعة بحال.\nوقال مالك: إذا كان مغصوبا سقط عنه فرض الحج أصلا، سواء كان قادرا على من يحج بالمال أو بغير المال، أو كان عاجزا فلا يلزمه فرض الحج، ولو وجب عليه الحج ثم عضب وزمن سقط عنه فرض الحج، ولا يجوز أن يحج عنه في حال حياته بحال بل إن أوصى أن يحج عنه حج بعد موته عنه من الثلث وكان تطوعا، واحتج بقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «١» فأخبر أنه ليس له إلّا ما سعى فمن قال له ما سعى غيره، فقد خالف ظاهر الآية ويقول ﷿: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا «٢» وهذا غير مستطيع، لأن الحج هو القصد إلى البيت بنفسه ومن طريق الاعتبار هو أنه غير متمكن من الحج بنفسه، فوجب أن لا يلزمه الحج عن نفسه، كما لو كان مغصوبا لا مال له، ولأن كل عبادة لا يدخلها النيابة مع القدرة عليها، فوجب أن لا يدخلها النيابة مع العجز عنها كالصلاة وعكسه الزكاة، ودليل الشافعي وأصحابه ما\nروى الزهري عن سليمان بن يسار عن ابن عباس أن امرأة من خثعم سألت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الراحلة، فهل يجزي أن أحج عنه؟ فقال: «نعم»، فقالت: فهل ينفعه ذلك؟ فقال (﵇): «أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يجزي؟» قالت: نعم، قال: «فدين له! أحق» «٣» [١٢٥] .\nفأوجب النبي ﷺ عليه الحج بطاعة ابنته إياه وبذلها نفسها له بأن تحج عنه، فإذا وجب ذلك بطاعة البنت له كان بأن يجب عليه بقدرته على المال الذي يستأجر به أولى، فأما إن بذل له المال دون الطاعة، والصحيح أن لا يلزمه قبوله والحج به عن بنفسه ولا يصير ببذل المال له مستطيعا، وأما من به مرض يرجى زواله كالبرسام والحمى الشديدة وغيرهما فلا يجوز له أن يحج عنه، لأنه لم ييأس عن الحج بنفسه فلم يحج له، كالصحيح وعكسه المغصوب.\nوقال أبو حنيفة: يجوز له أن يحج عن نفسه ولو حج عنه وبرأ سقط عنه فرض الحج والله أعلم.\nوَمَنْ كَفَرَ.\nقال الحسن وابن عباس وعطاء والضحاك: جحد فرض الحج.\nمجاهد: هو ما أن حج لم يره برا وإن قعد لم يره مأثما.\nوروى سفيان عن منصور عنه وَمَنْ كَفَرَ بالله واليوم الآخر، يدل عليه ما\nروى ابن عمر\n_________\n(١) سورة النجم: ٣٩.\n(٢) سورة آل عمران: ٩٧.\n(٣) صحيح ابن خزيمة: ٤/ ٣٤٦.","vol":"3","page":156},{"text":"عن رسول الله ﷺ أنه قال في قوله: وَمَنْ كَفَرَ قال: «من كفر بالله واليوم الآخر» «١» .\nوقال سعيد بن المسيب: نزلت في اليهود حيث قالت: الحج إلى [...] «٢» واجب.\nالضحاك: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان كلهم فخطبهم، وقال: «إن الله ﷿ كتب عليكم الحج فحجّوا» فآمنت إليه أهل ملة واحدة وهم المسلمون وكفرت به خمس ملل، وقالوا: لا نؤمن به ولا نصلي إليه ولا نحجه، فأنزل الله تعالى هذه الآية «٣» .\nعطاء بن السائب: (وَمَنْ كَفَرَ) بالبيت.\nابن زيد: (وَمَنْ كَفَرَ) بهذه الآيات التي ذكرها الله في قوله تعالى: فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ.\nقال السدي: أما مَنْ كَفَرَ فهو من وجد ما يحج عنه ثم لم يحج حتى مات فهو كفره به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>فصل في إيجاب الحج</span>\nقال النبي ﷺ: «صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة مالكم وحجّوا بيت ربكم تدخلوا جنة ربكم» «٤» [١٢٦] .\nوقال ﷺ: «حجّوا قبل أن لا تحجوا فإنه قد هدم البيت مرتين ويرفع في الثالثة» «٥» [١٢٧] .\nوقال ابن مسعود: حجّوا هذا البيت قبل أن تنبت في البادية شجرة لا تأكل منها دابة إلّا نفقت «٦» .\nوروى عبد الرحمن بن أبي سابط عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال: «من لم تمنعه حاجة ظاهرة أو مرض حابس أو سلطان جائر ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا» «٧»\n[١٢٨] .\nوحدثنا موسى بن جعفر عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات ولم يحج لم يقبل الله منه يوم القيامة عملا ...» [١٢٩] .\nشعبة عن قتادة عن الحسين قال: قال عمر (﵁): لقد هممت أن أبعث رجالا إلى الأمصار فينظرون إلى من كان له مال ولم يحج فيضربون عليه الجزية.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٢/ ٥٧.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩.\n(٤) صحيح ابن خزيمة: ٤/ ١٢ بتفاوت.\n(٥) كشف الخفاء: ١/ ٣٥٠.\n(٦) كشف الخفاء: ١/ ٣٥٠.\n(٧) سنن الدارمي: ٢/ ٢٩.","vol":"3","page":157},{"text":"يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ إلى تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي يصرفون عن دين الله مَنْ آمَنَ.\nوقرأ الحسن: تَصِدُّونَ، بضم التاء وكسر الصاد وهما لغتان، صدّ وأصدّ مثل صل اللحم وأصل، وخمّ وأخم.\nودليل قراءة العامة قوله تعالى: أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى «١» وقوله: وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «٢» ونظائرهما.\nتَبْغُونَها تطلبونها عِوَجًا زيغا وميلا، والكلام حال على الفعل، مجازه: لم تصدون عن سبيل الله باغين لها عوجا.\nقال أبو عبيدة: العوج بالكسر في الدين والقول والعمل، والعوج بالفتح في الجدار والحائط وكل شخص قائم وَأَنْتُمْ شُهَداءُ الآن في التوراة مكتوب: إن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام، وإن فيه نعت محمد ﷺ.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ\nقال زيد بن أسلم: مرّ شاس ابن قيس اليهودي. وكان شيخا قد عسا في الجاهلية عظيم الكفر شديد الطعن في المسلمين شديد الحسد لهم. على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: لقد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد لا والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود كان معه قال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم ذكرهم\n_________\n(١) سورة سبأ: ٣٢. [.....]\n(٢) سورة الفتح: ٢٥.","vol":"3","page":158},{"text":"يوم بعاث وما كان قيله وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار. وكان بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج. ففعل، فتكلم القوم عند ذلك فتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب، أوس بن قبطي أحد بني حارثة من الأوس، وحيان بن صخر أحد بني سلمة من الخزرج، فتقاولا ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددتها الآن جذعة، وغضب الفريقان جميعا وقالا: قد جعلنا السلاح موعدكم الظاهرة وهي حرة، وخرجوا إليها وانضمت الأوس والخزرج بعضها على بعض على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهلية، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال:\n«يا معشر المسلمين أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم، ترجعون إلى ما كنتم إليه كفارا الله الله» [١٣٠] فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيدهم من عدوهم، فألقوا السلاح من أيديهم وبكوا وعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا مع رسول الله ﷺ سامعين مطيعين. فأنزل الله في شأن شاس بن قيس «١» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يعني الأوس والخزرج إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني شاسا وأصحابه يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ.\nقال جابر بن عبد الله: ما كان من طالع أكره إلينا من رسول الله علينا فأومى إلينا بيده فكففنا وأصلح الله ما بيننا فما كان من شخص أحبّ إلينا من رسول الله ﷺ فما رأيت قط يوما أقبح أولا وأحسن آخرا من ذلك اليوم، ثم قال على وجه التعجب وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ يعني ولم تكفرون وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ من القرآن وَفِيكُمْ رَسُولُهُ محمد ﷺ.\nقال قتادة: في هذه الآية علمان بيّنان: نبي الله وكتاب الله، فأمّا نبي الله فقد مضى وأمّا كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه وطاعته ومعصيته. وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ أي يمتنع بالله ويتمسك بدينه وطاعته فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ طريق واضح.\nوقال ابن جريج: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) أي يؤمن بالله، وأصل العصم والعصمة المنع، فكل مانع شيئا فهو عاصم.\nقال الفرزدق:\nأنا ابن العاصمين بني تميم ... إذا ما أعظم الحدثان نابا «٢»\nوالممتنع معتصم. فقال: اعتصمت الشيء واعتصمت به وهو الأفصح.\n_________\n(١) فتح القدير: ١/ ٣٦٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧، تفسير القرطبي: ٤/ ١٥٧.","vol":"3","page":159},{"text":"قال الشاعر:\nيظل من خوفه الملاح معتصما ... بالخيزرانة بعد الأين والنجد «١»\nوقال آخر:\nإذا أنت جازيت الإخاء بمثله ... وآسيتني ثم اعتصمت حباليا «٢»\nوقال حميد بن ثور يصف رجلا حمل امرأة بذنبه:\nوما كاد لما أن علته يقلها ... بنهضته حتى أكلان واعتصما\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ.\nقال مقاتل بن حيان: كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية وصال حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة فأصلح بينهم، فافتخر بعد ذلك منهم رجلان: ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الأوسي: منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة، ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمة له ورضى الله بحكمه في بني قريظة، وقال الخزرجي: منّا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى الكلام بينهما فغضبا، فقال الخزرجي: أما والله لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي ﷺ لقتلنا ساداتكم، واستعبدنا آبائكم ونكحنا نسائكم بغير مهر.\nفقال الأوسي: قد كان الإسلام متأخرا زمانا طويلا فهلّا فعلتم ذلك، فقد ضربناكم حتى أدخلناكم الديار، وأنشدا الأشعار وتفاخرا وتأذيا، فجاء الأوس إلى الأوسي والخزرج إلى الخزرجي ومعهم سلاح، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فركب حمارا وأتاهم فأنزل الله تعالى هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ الآيات، فقرأها عليهم فاصطلحوا.\nوقال عطاء: إن رسول الله ﷺ صعد المنبر وقال: «يا معشر المسلمين ما لي أوذى في أهلي» . يعني الطعن في قصة الإفك، وقال: «ما علمت على أهلي إلّا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» .\nفقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله وأكفيك أمره وأنصرك عليه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.\nفقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٤١٨ والبيت للنابغة.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٣٧.","vol":"3","page":160},{"text":"ابن معاذ: كذبت لعمر الله. فقال سعد: والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين فثار الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا ودعوا بالسلاح، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكنوا، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ «١» .\nعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «حَقَّ تُقاتِهِ أن يطاع فلا يعصى وأن يذكر فلا ينسى وأن يشكر فلا يكفر» [١٣١] «٢» .\nوقال أبو عثمان: أن لا يعصى طرفة عين.\nمجاهد: أن يجاهدوا حَقَّ جِهادِهِ.\nولا تأخذكم في الله لومة لائم وتقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وآبائكم وأبنائكم.\nالحسن: هو أن تعطيه فيما تعبده.\nقال الزجاج: أي اتقوا فيما يحق عليكم أن تتقوه واسمعوا وأطيعوا.\nقال المفسرون: فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله ومن يقوى على هذا وشق عليهم فأنزل الله تعالى فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ «٣» فنسخت هذه الآية.\nقال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ إلّا هذا.\nوَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ.\nقال طاوس: معناه اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وإن لم تفعلوا ولم تستطيعوا، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي مؤمنون.\nوقيل: مخلصون مفوضون أموركم إلى الله ﷿.\nوقال المفضل: المحسنون الظن بالله.\nوروى الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فلو أن قطرة من الزقوم قطرت في الأرض لأمرّت على أهل الأرض معيشتهم فكيف بمن هو طعامه» «٤» .\nوعن أنس بن مالك قال: لا يتقى الله عبد حَقَّ تُقاتِهِ حتى يخزن من لسانه وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا أصل الحبل السبب الذي يوصل إلى البغية والحاجة، ولذلك سمّي الأمان حبلا، لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ١٩٦.\n(٢) المصنف- الكوفي-: ٨/ ١٦٣.\n(٣) سورة التغابن: ١٦.\n(٤) مسند أحمد: ١/ ٣٣٨.","vol":"3","page":161},{"text":"وقال الأعشى بن ثعلبة:\nوإذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها «١»\nواختلفوا في الحبل المعني بهذه الآية:\nفقال ابن عباس: تمسكوا بدين الله.\nوروى الشعبي عن ابن مسعود أنه قال في قوله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا قال الجماعة.\nوقال ابن مسعود: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عليكم بالطاعة والجماعة فإنها حبل الله الذي أمر به وإنّ ما تكرهون في الجماعة والطاعة خير ممّا تحبون في الفرقة.\nوقال مجاهد وعطاء: بالعهد.\nقتادة والسدي والضحاك: هو القرآن، يدل عليه ما\nروى عن الحرث أنه قال: دخلت المسجد فإذا الناس قد وقعوا في الأحاديث، فأتيت عليا كرم الله وجهه فقلت: ألا ترى أن الناس قد وقعوا في الأحاديث؟ فقال: وقد فعلوا؟ فقلت: نعم، فقال: أما أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون فتنة» قال: قلت: فما الخروج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، فهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسن ولا يشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه وهو الذي لم تنته الجن إذا سمعته إلّا أن قالوا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا «٢» من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ خذها إليك يا أعور» [١٣٢] «٣» .\nوروى أبو الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن هذا القرآن مأدبة الله تعالى فتعلموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن هو حبل الله وهو النور المبين والشفاء النافع وعصمة من تمسك به ونجاة من تبعه، لا يعوج فيقوّم ولا يزيغ فيستعتب ولا تقضى عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد، فاقرأوه فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أني لا أقول الم حرف ولكن ألف ولام وميم ثلاثون حسنة» [١٣٣] «٤» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٢، تفسير القرطبي: ٤/ ١٥٨.\n(٢) سورة الجن: ١.\n(٣) الدر المنثور: ٦/ ٣٣٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ١/ ٥.","vol":"3","page":162},{"text":"وروى سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان قال: دخلنا على زيد بن أرقم فقلنا له: لقد صحبت رسول الله ﷺ وصليت خلفه؟ قال: نعم، وإنه خطبنا فقال: «إني تارك فيكم كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى ومن تركه كان على الضلالة» [١٣٤] «١» .\nوروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله يقول: «يا أيها الناس إني قد تركت فيكم خليفتين إن أخذتم بهما لن تضلوا بعدي، أحد هما أكبر من الآخر كتاب الله ﷻ من السماء وعترتي أهل بيتي، ألا وإنّهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض» [١٣٥] «٢» .\nفقال مقاتل بن حيان: (بِحَبْلِ اللَّهِ) أي بأمره وطاعته.\nأبو العالية: بإخلاص التوحيد لله ﷿. ابن زيد: بالإسلام.\nوَلا تَفَرَّقُوا كما تفرقت اليهود والنصارى.\nوروى الأوزاعي عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن امتي ستفترق على اثنى وسبعين فرقة كلها في النار إلّا واحدة» فقيل يا رسول الله وما هذه الواحدة؟ قال فقبض يده، وقال: «الجماعة» [١٣٦] ثم قرأ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا «٣» .\nوروى أبان بن تغلب عن جعفر بن محمد: نحن حبل الله الذي قال الله: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا.\nأخبرني محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد: أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله رضى لكم ثلاثا وكره لكم ثلاثا: رضى لكم أن تعبدوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأن تعتصموا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا لمن ولّاه الله أمركم، وكره لكم القيل والقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» «٤» [١٣٧] .\nوعن عبد الله بن بارق الحنفي عن سماك- يعني الحنفي- قال: قلت لابن عباس: قوم يظلموننا ويعتدون علينا في صدقاتنا ألا تمنعهم؟ فقال: لا يا حنفي أعطهم صدقتهم وإن أتاك أهدل الشفتين منتفش المنخرين- يعني زنجيا- فأعطه، فنعم القلوص قلوص يأمن بها المرؤوس عروسه ووطنه- يعني امرأته- وقربة اللبن يا حنفي الجماعة الجماعة، إنما هلكت الأمم الخالية بتفرقها أما سمعت قول الله: جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا.\n_________\n(١) المصنف- الكوفي-: ٧/ ١٧٦. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ١٨٢. بتفاوت.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٤٤.\n(٤) أحكام القرآن للجصاص: ١/ ٢٨٥.","vol":"3","page":163},{"text":"وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار وغيره من أهل الأخبار قال: كانت الأوس والخزرج أخوين لأب وأم فوقعت بينهما عداوة بسبب سمير وحاطب، وذلك أن سميرا هو سمير بن زيد ابن مالك أحد بني عمرو بن عوف، قيل: حليفا لملك بن عجلان، [والآخر من] «١» الخزرج يقال له: حاطب بن أبحر من مزينة، فوقعت بين القبيلتين الحرب، فزعم العلماء بأيام العرب أن تلك الحرب والعداوة تطاولت بينهم عشرين ومائة سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم من العداوة والحرب ما كان بينهم، واتصلت تلك العداوة إلى أن أطفأها الله بالإسلام وألّف بينهم برسوله ﷺ وكان سبب ألفتهم وارتفاع وحشتهم أن سويد بن صامت أخا بني عمرو بن عوف قدم مكة حاجا أو معتمرا وكان سويد إنما تسميه قومه الكامل لجلادته وشعره ونسبه وشرفه وحكمته، فقدم سويد مكة وكان رسول الله ﷺ قد بعث وأمر بالدعوة إلى الله ﷿، فتصدّى له حين سمع به، فدعاه النبي ﷺ إلى الله ﷿ وإلى الإسلام.\nفقال له سويد: فلعل الذي معك مثل الذي معي، فقال له رسول الله ﷺ: «وما الذي معك؟» قال: مجلة لقمان، يعني حكمته، فقال له رسول الله ﷺ: «اعرضها عليّ» فعرضها عليه فقال: «إن هذا الكلام حسن والذي معي أفضل، هذا قرآن أنزله الله عليّ نورا وهدى» [١٣٨] فتلا عليه القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعده عنه وقال: إن هذا القول حسن، ثم انصرف عنه وقدم المدينة، فلم يلبث أن قتله الخزرج قبل يوم بعاث وكان قومه يقولون: قتل وهو مسلم، ثم قدم أبو الجيش أنس بن رافع ومعه فتية من بني عبد الأشهل فيهم أياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قوم من الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ أتاهم فجلس إليهم فقال:\n«هل لكم إلى خير ممّا جئتم له؟» قالوا: وما ذلك؟ قال: «أنا رسول الله بعثني الله إلى العباد أدعوهم إلى [الله أن يعبدوا الله و] لا يشركوا بالله شيئا وأنزل عليّ الكتاب» [١٣٩] ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن.\nفقال إياس بن معاذ وكان غلاما حدثا: أي قوم هذا والله خير ممّا جئتم به، فأخذ أبو الجيش أنس بن رافع حفنة من البطحاء فضرب بها وجه إياس بن معاذ وقال: دعنا منك فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت أياس وقام رسول الله ﷺ وانصرفوا إلى المدينة وكانت وقعة بعاث بين بني الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك، فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله ﷺ في الموسم الذي لقى فيه النفر من الأنصار يعرض نفسه على قبائل العرب كما يصنع في كل موسم، فبينا هو عند العقبة إذ لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا، وهم ستة نفر أسعد بن زرارة، وعوف بن عفراء، ورافع بن ملك، وقطبة بن عارف، وعقبة ابن عامر، وجابر بن عبد الله.\n_________\n(١) أثبتناه للسياق.","vol":"3","page":164},{"text":"فقال لهم رسول الله ﷺ: «من أنتم؟» قالوا: نفر من الخزرج، قال: «أمن موالي اليهود؟» قالوا: نعم، قال: «أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟» [١٤٠] .\nقالوا: بلى، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله وعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، قال: وكان ممّا صنع الله لهم به في الإسلام أن يهودا كانوا معهم ببلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل أوثان وشرك، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيّنا الآن مبعوث قد أظل زمانه نتبعه ونقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر ودعاهم إلى الله، فقال بعضهم لبعض: يا قوم تعلمون والله إنه للنبي الذي تدعوكم به اليهود فلا يسبقنكم إليه، فأجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، وعسى الله أن يجمعهم لك وستقدم عليهم فتدعوهم إلى حربهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز عليك. ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم قد آمنوا. فلما قدموا المدينة ذكروا لهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام حتى فشاهم فيهم تبق لهم دار من دور الأنصار إلّا وفيها ذكر من رسول الله حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار إثنا عشر رجلا وهم أسعد بن زرارة، وعوف ومعوّذ ابنا عفراء ورافع بن مالك بن العجلاني الخزرجي وذكوان بن عبد القيس وعبادة بن الصامت ويزيد بن ثعلبة وعباس بن عبادة وعقبة بن عامر وقطبة بن عامر بن حديدة بن عمرو فهؤلاء خزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان واسمه ملك وعويمر بن ساعدة من الأوس، فلقوه بالعقبة وهي العقبة الأولى فبايعوا رسول الله ﷺ على بيعة النساء على أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يزنوا إلى آخر الآية ثم قال: «إن وفيتم فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا من ذلك [فأخذتم بحده في الدنيا فهو كفارة له وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم وإن شاء غفر لكم] «١» .\nقال رسول الله ﷺ «السخي الجهول أحبّ إلى الله من العالم البخيل» «٢» [١٤١] .\nعبد السلام بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «السماح شجرة في الجنة أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى الجنة، والبخل شجرة في النار أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته إلى النار» «٣» [١٤٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٠ الى ١٣٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافًا مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\nوَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)\nوَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أي الجامعين الغيظ عند امتلاء أنفسهم منه، والكافين غضبهم عن\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٤٧، تاريخ الطبري: ٢/ ٨٦، وما بين المعكوفتين أثبتناه من المصدر.\n(٢) كنز العمال: ٦/ ٣٩٢، ح ١٦٢١٠.\n(٣) روضة الواعظين: ٣٨٥.","vol":"3","page":165},{"text":"إمضائه يردّون غيظهم وحزنهم إلى أجوافهم ويصبرون فلا يظهرون، وأصل الكظم: حبس الشيء عن امتلائه، يقال: كظمت القربة إذا ملأتها، وما يقال لمجاري الماء: كظائم، لامتلائها بالماء وأخذ بها كظامة، ومنه قيل: أخذت بكظمه، يعني بمجاري نفسه، ومنه كظم الإبل وهو حبسها جررها في أجوافها ولا تجتر، وإنما يفعل ذلك من الفزع والجهل.\nقال أعشى باهلة يصف رجلا نحّارا للإبل وهي تفزع منه:\nقد تكظم البزل «١» منه حين تبصره ... حتى تقطع في أجوافها الجرر «٢»\nومنه قيل: رجل كظيم ومكظوم إذا كان ممتلئا غضبا وغما وحزنا. قال الله تعالى:\nوَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ «٣» وقال: ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ «٤» وقال: إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ «٥» وقال: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ «٦» .\nوقال عبد المطلب بن هاشم:\nفحضضت قومي فاحتبست قتالهم ... والقوم من خوف المنايا كظم «٧»\nوفي الحديث: «ما من جرعة أحمد عقبانا من جرعة غيظ مكظومة» [١٤٣] «٨» .\nوروى سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من كظم الغيظ وهو يقدر على إنفاذه دعاه الله يوم القيامة على رؤس الخلائق حتى يخيّره من أي الحور يشاء» [١٤٤] «٩» .\nأنشدنا أبو القاسم محمد بن حبيب قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رميح قال:\nأنشدنا ابن أبي الزنجي ببغداد قال: أنشدنا العرجي:\nوإذا غضبت فكن وقورا كاظما ... للغيظ تبصر ما تقول وتسمع\nفكفى به شرفا تصبر ساعة ... يرضى بها عنك الإله وترفع «١٠»\nأي يرفع قدرك.\n_________\n(١) البزل: جمع بازل وهي البعير الذي دخل في التاسعة وفطر نابه.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٠٦.\n(٣) سورة يوسف: ٨٤.\n(٤) سورة النحل: ٥٨.\n(٥) سورة القلم: ٤٨.\n(٦) سورة غافر: ١٨.\n(٧) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٤٩. [.....]\n(٨) لسان العرب: ١/ ٦١٧.\n(٩) سنن الترمذي: ٣/ ٢٥١، ح ٢٠٩٠.\n(١٠) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٠٨.","vol":"3","page":166},{"text":"وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ.\nقال الرباحي والكلبي: عن المملوكين، وقال زيد بن أسلم ومقاتل: عمّن ظلمهم وأساء إليهم،\nوقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال عند ذلك: «إن هؤلاء في أمتي قليل إلّا من عصم الله وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت» «١» [١٤٥] .\nوعن أبي هريرة أن أبا بكر (﵁) كان مع النبي ﷺ في مجلس، فجاء رجل فوقع في أبي بكر وهو ساكت والنبي ﷺ يبتسم، ثم ردّ أبو بكر (﵁) عنه بعض الذي قال، فغضب النبي ﷺ وقام فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله شتمني وأنت تبتسم ثم رددت عليه بعض ما قال فغضبت وقمت، فقال: «إنك حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد عنك فلما تكلمت وقع الشيطان فلم أكن لأقعد في مقعد يقعده الشيطان،. ثمّ قال.: يا أبا بكر ثلاث كلّهن حق: أنه ليس عبد يظلم بمظلمة فيعفوا عنها إلّا أعز الله نصره، وليس عبد يفتح باب مسألة يريد به كثرة إلّا زاده الله قلة وليس عبد يفتح باب عطية أو صلة إلّا زاده الله بها كثرة» [١٤٦] «٢» .\nوقال عروة بن الزبير:\nلن يبلغ المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا، وإن عزّوا لأقوام\nويشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام «٣»\nوَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\nقال مقاتل: يعني إن هذه الأشياء إحسان ومن فعل ذلك فهو محسن وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\nقال الحسن: الإحسان أن يعمّ ولا يخص كالريح والشمس والمطر.\nسفيان الثوري: الإحسان أن تحسن إلى من أساء إليك، فإن الإحسان إلى المحسن [مزاجرة] «٤» كلمة السوق خذ وهات.\nالسقطي: الإحسان أن يحسن وقت الإمكان، فليس في كل وقت يمكنك الإحسان.\nأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو العباس عبد الله بن محمد الجماني:\nليس في كل ساعة وأوان ... تتهيأ صنائع الإحسان\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٠٧.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٤٣٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٢٧.\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"3","page":167},{"text":"فإذا أمكنت فبادر إليها ... حذرا من تعذر الإمكان «١»\nثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «رأيت قصورا مشرفة على الجنة فقلت يا جبرئيل لمن هذه؟ قال: ل الْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ» [١٤٧] «٢» .\nإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية.\nقال ابن عباس: قال المؤمنون يا رسول الله كانت بنو إسرائيل أكرم على الله منّا، كان أحدهم إذا ذنب ذنبا أصبحت كفارة ذنبهم مكتوبة في عتبة بابه اجدع أنفك وأذنك، افعل كذا، فسكت رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بخير من ذلك» فقرأ عليهم هذه الآيات «٣» .\nوقال عطاء: نزلت هذه الآية في نبهان التمار وكنيته أبو مقبل أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فقال لها: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه فهل لك فيه؟ قالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه وقبّلها، فقالت له: اتق الله، فتركها وندم على ذلك فأتى النبي ﷺ وذكر له ذلك فنزلت هذه الآية.\nوقال مقاتل والكلبي: آخا رسول الله ﷺ بين رجلين أحدهما من الأنصار والآخر من ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى لهم اللحم ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذه منه دخل على أثرها فدخلت المرأة بيتا فتبعها فاتقته بيدها، فقبّل يدها ثم ندم وانصرف، فقالت له: والله ما حفظت غيبة أخيك ولا نلت حاجتك، فخرج الأنصاري ووضع التراب على رأسه وهام على وجهه، فلما رجع الثقفي لم يستقبله الأنصاري فسأل امرأته عن حاله.\nفقالت: لا أكثر الله في الاخوان مثله ووصفت له الحال، والأنصاري يسيح في الجبال تائبا مستغفرا، وطلبه الثقفي حتى وجده، فأتى به أبا بكر (﵁) رجاء أن يجدا راحة عنده فخرجا، وقال الأنصاري: هلكت، قال: وما أهلكك؟ فذكر له القصة، فقال أبو بكر:\nويحك أما علمت أن الله تعالى يغار للغازي ما لا يغار للمقيم، ثم لقى عمر (﵁) فقال: مثل ذلك، فأتيا النبي ﷺ فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله تعالى وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً\nهي صفة لاسم متروك تقديره: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً يعني قبيحة خارجة عمّا أذن الله فيه، وأصل الفحش القبيح والخروج عن الحد، ولذلك قيل للمفرط في الطول أنه فاحش الطول، والكلام القبيح غير [القصد] فالكلام فاحش والمتكلم به مفحش.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٠٩، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٢٠٠.\n(٢) كنز العمال: ٣/ ٣٧٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٢٧.","vol":"3","page":168},{"text":"قال السدي: يعني بالفاحشة هاهنا الزّنا، يدل عليه ما روى حماد بن ثابت عن جابر وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قال: زنى القوم وربّ الكعبة، أو ظلموا أنفسهم بالمعصية.\nوقال مقاتل والكلبي: وهو ما دون الزنا من قبله أو لمسة أو نظرة فيما لا يحل.\nالأصم: فعلوا فاحشة الكبائر أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالصغائر، وقيل: فَعَلُوا فاحِشَةً فعلا وظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ قولا.\nذَكَرُوا اللَّهَ قال الضحاك: ذكروا العرض الأكبر على الله ﷿، مقاتل والواقدي:\nتفكروا في أنفسهم أن الله سائلهم عنه، مقاتل بن حيان: ذَكَرُوا اللَّهَ باللسان عند الذنوب فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ أي وهل يغفر الذنوب إلّا الله وما يغفر الذنوب إلّا الله فلذلك رفع. وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا واختلفوا في معنى الإصرار:\nفقال أكثر المفسرين: معناه لم يقيموا ولم يدوموا ولم يثبتوا عليه، ولكنهم تابوا وأقرّوا واستغفروا.\nقتادة: إيّاكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قدما قدما في معاصي الله، لا تنهاهم مخافة الله عن حرام حرّمه الله، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموت وهم على ذلك.\nوقال الحسن: إتيان العبد ذنبا عمدا إصرارا، السدي: الإصرار السكوت وترك الاستغفار،\nوفي الخبر قال رسول الله ﷺ: «ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة» «١» [١٤٨] .\nوروى عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس كبيرة بكبيرة مع الاستغفار وليس صغيرة بصغيرة مع الإصرار»\n«٢» [١٤٩] وأصل الإصرار الثبات على الشيء.\nقال الحطيئة: يصف الخيل:\nعوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا ... غلالتها بالمحصدات أصرّت «٣»\nأي ثبتت على عدوّها، نظم الآية: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ... وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ...، وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ.\nقال ابن عباس والحسن ومقاتل وابن يسار: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنها معصية.\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ١/ ١٢٤.\n(٢) مسند الشهاب: ٢/ ٢٠٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١١.","vol":"3","page":169},{"text":"الضحاك: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن الله يملك مغفرة ذنوبهم.\nالسدي: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم قد أذنبوا. وقيل: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن الإصرار ضار، فإن ترك الإصرار خير من التمادي، كما قيل:\nأقرر بذنبك ثم اطلب تجاوزه ... إن الجحود الذنب ذنبان «١»\nوقال الحسين بن الفضل: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن لهم ربّا يغفر الذنوب، وإنما اقتبس هذا من\nقول النبي ﷺ: «من أذنب ذنبا وعلم أن له ربّا يغفر الذنوب غفر له وإن لم يستغفر» «٢» [١٥٠] .\nوقال ﷺ: «يقول الله ﷿: من علم أني ذو قدرة على المغفرة غفرت له ولا أبالي» «٣» [١٥١] .\nوقال عبيد بن عمير: في بعض الكتب المنزلة: يا بن آدم إنك ما دعوتني وما رجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي.\nوروى محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «مرّ رجل ممّن كان قبلكم في بني إسرائيل بجمجمة فنظر إليها فحدث نفسه بشيء ثم قال: أنت أنت وأنا أنا، أنت العواد بالمغفرة وأنا العواد بالذنوب ثم خرّ لله ساجدا، فقيل له ارفع رأسك فأنا العواد بالمغفرة وأنت العواد بالذنوب فرفع رأسه فغفر له» «٤» [١٥٢] .\nوقيل: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أنهم إن استغفروا غفر لهم وإن التوبة تمحق الحوبة.\nأُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي إلى الْعامِلِينَ ثواب المطيعين.\nيقال: أوحى الله تعالى إلى موسى (﵇) أن يا موسى ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا موسى كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي.\nوقال شهر بن حوشب: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب.\nوقال ثابت البناني: بلغني أن إبليس بكى حين نزلت هذه الآية وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الآية إلى آخرها.\nقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ، قال ابن زيد: أمثال. المفضّل: أمم، والسنّة الأمّة.\nقال الشاعر:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١٣. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١٢. بتفاوت.\n(٣) المصنف- الكوفي-: ٧/ ٩٠.\n(٤) تاريخ بغداد: ٩/ ٩٤، كنز العمال: ٤/ ٢٢٥، ح ١٠٢٧٦.","vol":"3","page":170},{"text":"ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السنن «١»\nوقال بعضهم: معناه أهل السنن، وقال عطاء: شرائع، الكلبي: قد مضت لكل أمة سنّة ومنهاج إذا ابتغوها ﵃، مجاهد: قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ بالهلاك فيمن كذب قبلكم، والسنّة في اللغة: المثال المتبع والإمام المؤتم به، فقال: سنّ فلان سنّة حسنة أو سنّة سيئة إذا عمل عملا يقتدى به من خير أو شر.\nقال لبيد:\nمن معشر سنّت لهم آباؤهم ... ولكل قوم سنّة وإمامها «٢»\nقال سليمان بن قبة:\nوإن الألى بالطف من آل هاشم ... تأسوا فسنوا للكرام التآسيا «٣»\nومعنى الآية: قد مضت وسلفت مني فيمن كان قبلكم من الأمم الماضية المكذبة الكافرة سنن بإمهالي واستدراجي إياهم حتى بلغ الكتاب فيهم أجلي على الذي أجلته لأدلة أنبيائي وإهلاكهم.\nفَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ آخر أمرهم الْمُكَذِّبِينَ منهم، وهذا في يوم أحد. يقول: فإذا أمهلهم واستدرجهم حتى يبلغ أجلي الذي أجلت في نصرة النبي ﷺ وأوليائه وهلاك أعدائه، هكذا قال ابن إسحاق هذا الذي ذكرت.\nهذا القرآن بَيانٌ لِلنَّاسِ عامة وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ من الجهالة لِلْمُتَّقِينَ خاصّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٣٩ الى ١٤٥]</span>\nوَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (١٤١) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢) وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)\nوَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ (١٤٥)\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١٦. بتفاوت.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١٦.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ١٣٤، لسان العرب: ١٤/ ٣٥.","vol":"3","page":171},{"text":"وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا الآية، هذا تعزية من الله لنبيه ﷺ وللمؤمنين على ما أصابهم من القتل والجرح يوم أحد، وحثّ منه إياهم على قتال عدوهم، ونهى عن العجز والفشل فقال:\nوَلا تَهِنُوا أي ولا تضعفوا ولا تخيبوا يا أصحاب محمد على جهاد أعدائكم بما قاتلوكم يوم أحد من القتل والقرح وَلا تَحْزَنُوا على ظهور أعدائكم وعلى ما أصابكم من المصيبة والهزيمة، وكان قد قتل يومئذ خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير صاحب راية رسول الله ﷺ، وعبد الله بن جحش ابن عمة رسول الله ﷺ، وعثمان بن شماس وسعد مولى عتبة، ومن الأنصار سبعون رجلا.\nوَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ أي لكم تكون العاقبة والنصر والظفر.\nإِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني إذ كنتم، ولأنكم مؤمنون.\nقال ابن عباس: انهزم أصحاب رسول الله ﷺ بالشعب فبينا هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريد أن يعلوا عليهم الجبل، فقال النبي ﷺ: «اللهم لا تعل علينا اللهم لا قوة لنا إلّا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر» «١» [١٥٣] فأنزل الله تعالى هذه الآية، فثاب نفر من المسلمين رماة فصعدوا الجبل، فرموا خيل المشركين حتى هزموهم وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ «٢» .\nوقال الكلبي: نزلت هذه الآية بعد يوم أحد، حين أمر رسول الله ﷺ أصحابه بطلب القوم وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم، وقال ﷺ: «لا يخرج إلّا من شهد معنا بالأمس» «٣» واشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودليله قوله ﷿: وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ «٤» الآية.\nوقيل: (وَلا تَهِنُوا) لما نالكم من الهزيمة (وَلا تَحْزَنُوا) على ما فاتكم من الغنيمة (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) بقضاء الله ووعده.\nإِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ الآية.\nقال راشد بن سعد: لما انصرف رسول الله ﷺ كئيبا حزينا جعلت المرأة تجيء بزوجها وابنها وأبيها مقتولين وهي تلدم فقال رسول الله ﷺ: «أهكذا يفعل برسولك؟» «٥» [١٥٤] فأنزل الله تعالى إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ جرح يوم أحد فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ يوم بدر.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢١٧.\n(٢) فتح الباري: ٧/ ٢٦٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٧٧.\n(٤) سورة النساء: ١٠٤.\n(٥) أسباب نزول الآيات: ٨٣.","vol":"3","page":172},{"text":"وقرأ محمد بن السميقع: قَرَحٌ فتح القاف والراء على المصدر.\nوقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: بضم القاف حيث كان، وهي قراءة ابن مسعود.\nوقرأ الباقون: بفتح القاف، وهي قراءة عائشة واختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، قالا: لأنهما لغة تهامة والحجاز، لغتان مثل الجهد والوجد والوجد.\nوقال بعضهم: القرح بالفتح الجراحات واحدتها قرحة، والقرح بالضم وجع الجراحة.\nوَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ فيوما عليهم ويوما لهم وذلك أنّ الله ﷿ أدل المسلمين من المشركين يوم بدر حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين وأدال المشركون من المسلمين يوم أحد حتى جرحوا منهم سبعين وقتلوا منهم خمسة وسبعين.\nقال أنس بن مالك: أتى رسول الله ﷺ يومئذ بعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه وعليه نيف وسبعون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله ﷺ يمسحها وهي تلتئم بإذن الله كأن لم تكن\n، ونظير هذه الآية قوله: أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ «١» يوم أحد قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها يوم بدر، يعني المثلى والأسرى.\nعن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: لما كان يوم أحد صعد أبو سفيان الجبل فقال رسول الله ﷺ: «إنه ليس لهم أن يعلونا» [١٥٥] قال: فمكث أبو سفيان ساعة ثم قال: أين ابن أبي كبشة أين ابن أبي قحافة اين ابن الخطاب؟ فقال عمر (﵁): هذا رسول الله وهذا أبو بكر وها أنا عمر. فقال أبو سفيان: يوما بيوم وأن الأيام دول والحرب سجال.\nفقال عمر: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار.\nفقال: إنكم لتزعمون ذلك فقد خبنا إذا وخسرناهم.\nقال أبو سفيان: أما إنكم سوف تجدون قتلاكم مثلى ولم يكن ذلك على رأي سراتنا ثم ركبته حمية الجاهلية، فقال: أما إنه إذا كان ذلك لم نكرهه.\nقال الثعلبي: أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو الحسن الكارزي قال: أنشدنا محمد بن القاسم الجمحي:\nأرى الناس قد أحدثوا شيمة ... وفي كل حادثة يؤتمر\nيهينون من حقروا فقره ... وإن كان فيهم تقي أو تبر\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٦٥.","vol":"3","page":173},{"text":"فيوما علينا ويوما لنا ... ويوم نساء ويوما نسر «١»\nوَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني وإنما كانت هذه المداولة لِيَعْلَمَ اللَّهُ ليرى الله الذين كفروا منكم ممّن نافقوا فيهزأ بعضهم من بعض. وقيل: معناه وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بأفعالهم موجودة كما علمها منهم قبل أن يكلّفهم وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ يكرم أقواما بالشهادة، وذلك أن المسلمين قالوا: أرنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونلتمس الشهادة. فلقوا المشركين يوم أحد فاتخذ الله منهم شهداء وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا يعني يطهّرهم من ذنوبهم وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ يفنيهم ويهلكهم وينقصهم ثم عزّاهم فقال أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ... (وَيَعْلَمَ) نصب على الظرف، وقيل: بإضمار أن الخفيفة.\nوَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ وذلك أنهم تمنوا أن يكون لهم يوم كيوم بدر فأراهم الله تعالى يوم أحد فذلك قوله: فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ أي أسبابه وآثاره وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ الآية.\nقال أهل التفسير وأصحاب المغازي: خرج رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب في سبعمائة رجل وأمر عبد الله بن جبير. أحد بني عمر. وعمر بن عوف. وهو أخو خوات بن جبير. على الرماة وهم خمسون رجلا.\nفقال: «أقيموا بأصل الجبل وانضحوا عنّا بالنبل لا نؤتا من خلفنا وإن كان لنا أو علينا، ولا تبرحوا مكانا لن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم» فجاءت قريش وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار وكانت هند تقول:\nنحن بنات طارق ... نمشي على النمارق\nالدر في المخانق ... والمسك في المفارق\nإن تقبلوا نعانق ... ونفرّق النمارق\nأو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق «٢»\nوكان أبو عامر عبد عمرو بن الصيفي أول من لقيهم بالأحابيش وعبيد أهل مكة، فقاتلهم قتالا شديدا حتى حميت الحرب.\nفقال رسول الله ﷺ: «من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني» فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري وكان رجلا شجاعا يحتال عند الحرب، فلما أخذ السيف اعتمّ بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول:\n_________\n(١) ورد متفرقا في: تفسير الطبري: ٢٠/ ٦٤، تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٦٦، فقه القرآن للراوندي: ١/ ٣٥٢.\n(٢) الطبقات الكبرى: ٢/ ٤٠، تاج العروس: ٦/ ٤١٨. [.....]","vol":"3","page":174},{"text":"أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النخيل\nألّا أقوم الدهر في الكيول ... أضرب بسيف الله والرسول\nفقال رسول الله ﷺ: «إنها لمشية يبغضها الله إلّا في هذا الموضع» ثم حمل النبي ﷺ وأصحابه على المشركين فهزموهم [١٥٦] «١» .\nوقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء قريش، فأنزل الله نصره على المؤمنين.\nقال الزبير بن العوّام: فرأيت هندا وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل باديات خدادهن ما دون أخدهن شيء، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا النبي ﷺ وأصحابه ينتهبون الغنيمة أقبلوا يريدون النهب. واختلفوا، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله ﷺ.\nوقال بعضهم: ما بقي من الأمر شيء، ثم انطلقوا عامتهم ولحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأوا ظهورهم خالية، صاح في خيل المشركين ثم حمل على أصحاب النبي من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمية الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجّه في وجهه فأثقله، وتفرّق عنه أصحابه، فأقبل عبد الله بن قمية يريد قتل رسول الله فذب مصعب بن عمير. وهو صاحب راية رسول الله ﷺ يوم بدر، ويوم أحد وكان اسم رايته العقاب. عن رسول الله ﷺ حتى قتل مصعب دونه، قتله ابن قمية فرجع وهو يظن أنه قتل رسول الله، فقال: إني قتلت محمدا وصاح صارخ: ألا أن محمدا قد قتل، ويقال: إن ذلك الصارخ إبليس لعنه الله فانكفأ الناس وجعل رسول الله ﷺ يدعوا الناس ويقول: «إليّ عباد الله إليّ عباد الله» [١٥٧] فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه وأصيبت يد طلحة بن عبد الله فيبست، وقى بها رسول الله ﷺ، وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته فردّها رسول الله ﷺ مكانها فعادت كأحسن ما كانت، فلما انصرف رسول الله ﷺ أدركه أبي بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منّا فقال: «دعوه» حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله فيقول:\nعندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها.\nقال رسول الله: «بل أنا أقتلك إن شاء الله» [١٥٨] فلما كان يوم أحد ودنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهده عن فرسه وهو يخور كما يخور الثور ويقول: قتلني محمد، واحتمله أصحابه فقالوا: ليس عليك\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ١٩٥.","vol":"3","page":175},{"text":"شيء، فقال: بلى، لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال لي: أقتلك إن شاء الله، فلو بزق عليّ بعد هذه المقالة لقتلني. فما لبث إلّا يوما حتى مات بموضع يقال له صرف «١» .\nفقال حسان بن ثابت في ذلك:\nلقد ورث الضلالة عن أبيه ... أبي حين بارزه الرسول\nأتيت إليه تحمل رم عظم ... وتوعده وأنت به جهول\nيقول فكيف يحيى الله هذا ... وهذا العظم عار ومستحيل «٢»\n[وقد قتلت بنو النجار منكم ... أمية إذا يغوث: يا عقيل\nوتب ابنا ربيعة إذ أطاعا ... أبا جهل لأمهما الهبول\nوأفلت حارث لما شغلنا ... بأسر القوم، أسرته فليل] «٣»\nوقال حسان بن ثابت أيضا:\nألا من مبلغ عني أبيّا ... فقد ألقيت في جوف السعير\nتمنى بالضلالة من بعيد ... وقول الكفر يرجع في غرور\nفقد لاقتك طعنة ذي حفاظ ... كريم الأصل ليس بذي فجور\nله فضل على الأحياء طرّا ... إذا نابت ملمّات الأمور «٤»\nقالوا: وفشا في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وبعض الصحابة جلسوا والقوا بأيديهم، وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول.\nفقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك وسمي أنس: يا قوم إن كان محمد قد قتل فإن ربّ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ١٥٠.\n(٢) السيرة النبوية لابن هشام: ٣/ ٦٠٢، السيرة النبوية- ابن كثير-: ٣/ ٦٩، ولم يرد البيت الأخير في المصادر.\n(٣) أثبتناه من المصادر، وما في الأصل هكذا:\nفقال له رسول الله ﷺ:\nيحيا بأمر الله ليس كما تقول ... فالى حلفه بالله إني\nسأقتله فكان هو القتيل ... فابكوا يا بني خلف جميعا\nرجالا كلهم رجس ضلول ... وقد قتلت بنو النجار\nمنكم أمية إذ يغوث [يا عقيل] ... وتب ابنا ربيعة إذ أطاعا\nأبا جهل لأمهما الهبول\n(٤) السيرة النبوية لابن هشام: ٣/ ٦٠٢، السيرة النبوية لابن كثير: ٣/ ٦٩.","vol":"3","page":176},{"text":"محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء يعني المسلمين، وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء يعني المنافقين ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل، ثم إن رسول الله انطلق إلى الصخرة وهو يدعوا الناس، فأول من عرف رسول الله ﷺ كعب بن مالك فقال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله، فأشار إليّ أن اسكت، فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي على الفرار فقالوا: يا نبي الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا أتانا الخبر بأنك قد قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فأنزل الله تعالى وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ومحمد هو المستغرق بجميع المحامد، لأن الحمد لا يستوجبه إلّا الكامل، والتحميد فوق الحمد فلا يستحقه إلّا المستولي على الأمد في الكمال، وأكرم الله ﷿ نبيّه وصفيّه باسمين مشتقين من اسمه تعالى: محمد وأحمد، وفيه يقول حسان بن ثابت:\nألم تر أن الله أرسل عبده ببرهانه ... والله أعلى وأمجد\nقد شق له من اسمه ليجله ... فذو العيش محمود وهذا محمد\nنبي أتانا بعد يأس وفترة من الدين ... والأوثان في الأرض تعبد\nفأرسله ضوءا منيرا وهاديا ... يلوح كما لاح الصقيل المهنّد «١»\nروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ألم تروا كيف صرف الله عني لعن قريش وشتمهم يسبون مذمّما وأنا محمد» [١٥٩] «٢» .\nوروى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا سمّيتم الولد محمدا فأكرموه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها فما من قوم كانت لهم مشورة فحضر معهم من اسمه أحمد أو محمد فأدخلوه في مشورتهم إلّا خيرا لهم وما من مائدة وضعت فحضرها من اسمه أحمد أو محمد إلّا قدّس في كل يوم ذلك المنزل مرتين» «٣» [١٦٠] .\nوعن حميد الطويل قال: سمعت أنس بن مالك يقول: كان النبي ﷺ في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم، فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال الرجل: إنما أدعوا ذلك، فقال رسول الله ﷺ: «تسمّوا باسمي ولا تكنّوا بكنيتي» «٤» [١٦١] .\nوروى محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تجمعوا بين\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٤٠٣.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣٤٠.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٤٠٧.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٢٤٨.","vol":"3","page":177},{"text":"اسمي وكنيتي أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم» «١» ثم رخص في ذلك لعلي وابنه» [١٦٢] .\nوروى ليث عن محمد بن بشير عن محمد بن الحنفية عن علي (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: «إن ولد لك غلام نحلته اسمي وكنيتي» «٢» [١٦٣] .\nأَفَإِنْ ماتَ على فراشه أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ رجعتم إلى دينكم الأول الكفر وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فيرتد عن دينه فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا بارتداده وإنما يضر نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ المؤمنين.\nروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ قام عمر بن الخطاب (﵁) فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله ﷺ توفي، وأن رسول الله والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربّه، كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع بعد أن قيل قد مات، والله ليرجعن رسول الله وليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، يزعمون أن رسول الله ﷺ مات قال: فأقبل أبو بكر (﵁) حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله ﷺ في بيت عائشة ورسول الله ﷺ مسجّى ببردة خيبر، فأقبل حتى كشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبّله ثم قال: بأبي أنت وأمي، أما الموتة التي كتبها الله ﷿ عليك فقد ذقتها ثم لم تصبك بعدها موتة أبدا، ثم ردّ الثوب على وجهه ثم خرج وعمر يكلم الناس فقال: على رسلك يا عمر فأنصت قال: فأبى إلّا أن يتكلم، فلما رآه أبو بكر لا ينصت أقبل على الناس، فلما سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ. فقال: فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ حتى تلاها أبو بكر يومئذ، قال: فأخذها الناس عن أبي بكر فإنما هي في أفواههم.\nقال أبو هريرة: قال عمر: والله ما هو إلّا أن سمعت أن أبا بكر يتلوها فعقرت حتى وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله قد مات.\nوَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ يعني وما ينبغي لنفس أن تموت.\nوقال الأخفش: اللام في قوله: (لِنَفْسٍ) مقتولة تقديره: ما كانت نفس لتموت (إلّا بإذن الله) بعلم الله، وقيل: بأمره.\n_________\n(١) صحيح ابن حبان: ١٣/ ١٣٤، كنز العمال: ١٦/ ٤٢٨، ح ٤٥٢٦٤.\n(٢) الطبقات الكبرى: ٥/ ٩٢، تاريخ دمشق: ٥٤/ ٣٢٧.","vol":"3","page":178},{"text":"كِتابًا مُؤَجَّلًا يعني أنّ لكل نفس أجلا هو بالغه ورزقا مستوفيه، لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره.\nقال مقاتل: من اللوح المحفوظ، ونصب الكتاب على المصدر يعني: كتب الله كتابا مؤجلا، كقوله: رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ «١» وصُنْعَ اللَّهِ وكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وقيل: هو إغراء أي: آمنوا بالقدر المقدور.\nوَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها يعني ومن يرد بطاعته الدنيا ويعمل لها نؤته منها ما يكون جزاء لعمله، ونظيرها قوله: مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ «٢» الآية.\nوقال أهل المعاني: الآية مجملة ومعناها: نؤته من نشاء ما قدرناه له، دليله قوله ﷿: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ «٣» نزلت في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا للغنيمة.\nوَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها يعني الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير حتى قتلوا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ أي الموحدين المطيعين. والقراءة بالنون لقوله تعالى: نُؤْتِهِ مِنْها.\nقرأ الأعمش: وسيجزي بالياء، يعني الله سبحانه.\nوعن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» «٤» [١٦٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٤٦ الى ١٥٥]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (١٤٧) فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (١٥٠)\nسَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (١٥١) وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (١٥٢) إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٢٨.\n(٢) سورة الشورى: ٢٠.\n(٣) سورة الإسراء: ١٨. [.....]\n(٤) صحيح ابن حبان: ٢/ ١١٣.","vol":"3","page":179},{"text":"وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ. قرأ الحسن وأبو جعفر: (كاين) مقصورا بغير همزة ولا تشديد حيث وقع.\nوقرأ مجاهد وابن كثير وشيبة: (وكأين) مهموزا ممدودا مخففا على وزن فاعل، وهو اختيار أبي عبيد، اعتبارا بقول أبي بن كعب لزر بن حبيش: (كاين) بعد سورة الأحزاب. فقال:\nكذا آية.\nوقرأ ابن محيصن: (كأي) ممدودا بغير نون.\nوقرأ الباقون: (وَكَأَيِّنْ) مشدودا بوزن كعيّن، وهي لغة قريش واختيار أبي حاتم، وكلها لغات معروفة بمعنى واحد.\nوأنشد المفضل:\nوكائن ترى في الحي من ذي صداقة ... وغيران يدعو ويله من حذاريا «١»\nوقال في التشديد:\nكأين من أناس لم يزالوا ... أخوهم فوقهم وهم كرام «٢»\nوجمع الآخر بين اللغتين، فقال:\nكأين أبدنا من عدوّ يغزنا ... وكأين أجرنا من ضعيف وخائف «٣»\nومعناه كم، وهي كاف التشبيه ضمت إلى أي الاستفهام، ولم يقع التنوين صورة في الخط إلّا في هذا الحرف خاصة.\n_________\n(١) معجم البلدان: ٤/ ٣٧٣ ونسبه لجرير.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٢٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٢٩.","vol":"3","page":180},{"text":"قتل. قرأ قتادة وابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب (قتل): وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي حاتم.\nوقرأ الآخرون: (قاتَلَ)، وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد، فمن قرأ (قاتَلَ) فلقوله:\nفَما وَهَنُوا ويستحيل وصفهم بأنهم لم يهنوا بعد ما قتلوا، ولقول سعيد بن جبير: ما سمعنا أن نبيا قط قتل في القتال.\nوقال أبو عبيد: إن الله تعالى إذا حمد من قاتل كان من قتل داخلا فيه، وإذا حمد من قتل خاصة لم يدخل فيه غيرهم، فقاتل أعم.\nومن قرأ (قتل) فله ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يكون القتل واقعا على النبي وحده، وحينئذ يكون تمام الكلام عند قراءة (قتل) فيكون في الآية إضمار معناه ومعه رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ كما يقال: قتل الأمير معه جيش عظيم، أي ومعه، ويقول: خرجت معي تجارة، أي ومعي.\nوالوجه الثاني: أن يكون القتل نال النبي ومعه من الربيين، ويكون وجه الكلام: قتل بعض من كان معه، تقول العرب: قتلنا بني تميم وبني فلان، وإنما قتلوا بعضهم ويكون قوله: فَما وَهَنُوا راجعا إلى الباقين الذين لم يقتلوا.\nوالوجه الثالث: أن يكون القتل للربيين لا غير.\nرِبِّيُّونَ كَثِيرٌ، قرأ ابن مسعود وأبو رجاء والحسن وعكرمة: (رُبِّيُّونَ) بضم الراء، وهي لغة بني تميم.\nالباقون: بالكسر، وهي اللغة الفاشية [العالية] .\nوالربيون جمع الربّية وهي الفرقة، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع.\nالسدي: جموع كثير.\nقال حسان:\nوإذا معشر تجافوا عن الحق ... حملنا عليهم ربيا «١»\nابن مسعود: الربيون الألوف، الضحاك: الربية الواحدة ألف، الكلبي: الربية الواحدة عشر ألف، الحسن: فقها علما صبرا، ابن زيد: هم الأتباع، والرابيون: هم الولاة، والربيون:\nالرعية، وقال بعضهم: هم الذين يعبدون الرب، والعرب تنسب الشيء إلى الشيء فيغير حركته\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٣٠، الدر المنثور: ٢/ ٨٢.","vol":"3","page":181},{"text":"كما يقول بصريّ منسوب إلى بصرة، فكذلك رِبِّيُّونَ منسوب إلى الربّ، وقال بعضهم: مطيعون منيبون إلى الله فَما وَهَنُوا.\nقرأه العامة: بفتح الهاء، وقرأ قعنب أبو السماك العدوي: بكسر الهاء، فمن فتحه فهو من وهن يهن وهنا، مثل وعد يعد وعدا، قاله المبرد وأنشد:\nإن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو جلد وبطش أيد\nعزّت ولم تكسر وإن هي بددت ... قالوهن والتكسير للمتبدد «١»\nومن كسر فهو من وهن يهن، مثل ورم يرم قاله أبو حاتم.\nفقال الكسائي: هو من وهن يوهن وهنا، مثل وجل يوجل وجلا.\nقال الشاعر:\nطلب المعاش مفرق بين الأحبة والوطن ... ومصير جلد الرجال إلى الضّراعة والوهن «٢»\nومعنى الآية: ف ما ضَعُفُوا عن الجهاد لما نالهم من ألم الجراح، وقيل: الأصحاب وما عجزوا لقتل نبيّهم.\nقال قتادة والربيع: يعني ما ارتدّوا عن بصيرتهم ودينهم، ولكنهم قاتلوا على ما قاتل عليه نبيهم حتى لحقوا بالله، السدي: وما ذلّوا، عطاء: وما تضرّعوا، مقاتل: وما استسلموا وما خضعوا لعدوهم، أبو العالية: وما جبنوا، المفضل والقتيبي: وما خشعوا، ومنه أخذ المسكين لذله وخضوعه وهو مفعيل منه، مثل معطير من العطر ومنديل من الندل، وهو دفعه من واحد إلى آخر، وأصل الندل السوق، ولكنهم صبروا على أمر ربّهم وطاعة نبيّهم وجهاد عدوهم.\nوَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَما كانَ قَوْلَهُمْ.\nقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: (قَوْلُهُمْ) بالرفع على اسم كان وخبره في قوله: أَنْ قالُوا.\nوقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان والاسم في أن، قالوا تقديره: وما كان قولهم إلّا قولهم كقوله: وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ «٣» وما كانَ حُجَّتَهُمْ «٤» ونحوهما، ومعنى الآية: وَما كانَ قَوْلَهُمْ عند قتل نبيّهم إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا يعني خطايانا الكبار، وأصله مجاوزة الحد وَثَبِّتْ أَقْدامَنا كيلا تزول وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ فهلا فعلتم وقلتم مثل ذلك يا أصحاب محمد فَآتاهُمُ اللَّهُ، وقرأ الجحدري: فأثابهم الله من\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٥٦٨، شرح نهج البلاغة: ١٧/ ٧.\n(٢) تاريخ مدينة دمشق: ٤٩/ ١٣٣.\n(٣) سورة الأعراف: ٨٢.\n(٤) سورة الجاثية: ٢٥.","vol":"3","page":182},{"text":"الثواب، ثَوابَ الدُّنْيا النصرة والغنيمة وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ الأجر والجنة وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يعني اليهود والنصارى،\nفقال علي (﵁): يعني المنافقين في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم\n، يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ يرجعوكم إلى أول أمركم الشرك بالله تعالى فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ فتنقلبوا مغبونين ثم قال بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ناصركم وحافظكم على دينكم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ. سَنُلْقِي.\nقال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة، انطلقوا حتى بلغوا بعض الطريق ثم إنّهم ندموا وقالوا: بئسما صنعنا، قتلناهم حتى لم يبق منهم إلّا الشريد وتركناهم رجعوا. فلما عزموا على ذلك قذف الله في قلوبهم الرعب حتى رجعوا عمّا همّوا به.\nوستأتي هذه القصة بتمامها إن شاء الله وما نزّل الله تعالى فيها.\nسَنُلْقِي قرأ أيوب السختياني: سيلقي بالياء يعني الله ﷿ لقوله: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ، قرأ الباقون: بالنون على التعظيم أي سنقذف، فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ الخوف وثقل عينه، أبو جعفر وابن عامر والكسائي ويعقوب، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وخففها الآخرون.\nبِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ هو (ما) المصدر، تقديره باشراكهم بالله ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا حجة وبيانا وعذرا وبرهانا، ثم أخبر عن مصيرهم فقال: وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ مقام الكافرين.\nوَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ،\nقال محمد بن كعب القرظي: لما رجع رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم بأحد، فقال ناس من أصحابه: من أين أصابنا وقد وعدنا بالنصر، فأنزل الله تعالى: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ الذي وعد بالنصر والظفر، وهو قوله: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا الآية، وقول رسول الله للرماة: «لا تبرحوا مكانكم فإنا لا نزل غالبين ما ثبتم»\n«١» [١٦٥]، والصدق يتعدى إلى مفعولين كالمنع والغصب ونحوهما، إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ وذلك\nأن رسول الله ﷺ جعل أحدا خلف ظهره واستقبل المدينة وجعل حنين وهو جبل عن يساره، وأقام عليه الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «احموا ظهورنا فإن رأيتمونا قد غنمنا فلا تشركونا وإن رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا» «٢» [١٦٦] .\nوأقبلوا المشركون وأخذوا في القتال، فجعل الرماة يرشفون بالنبل والمسلمون يضربونهم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ١٤٩. بتفاوت.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٢٨٧.","vol":"3","page":183},{"text":"بالسيف حتى ولوا هاربين وانكشفوا منهزمين، فذلك قوله: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ أي تقتلونهم قتلا ذريعا سريعا شديدا.\nقال الشاعر:\nحسسناهم بالسيف حسّا فأصبحت ... بقيتهم قد شردوا وتبددوا «١»\nوقال أبو عبيدة: الحس الاستيصال بالقتل، يقال: جراد محسوس إذا قتله البرد، وسنة حسوس إذا أتت على كل شيء.\nقال روبة:\nإذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبيسا «٢»\nحَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، قال بعض أهل المعاني: يعني إلى أن فشلتم، جعلوا (حَتَّى) غاية بمعنى إلى، وحينئذ لا جواب له.\nوقال الآخرون: هو بمعنى فلما وفي الكلام تقديم وتأخير قالوا: وفي قوله: وَتَنازَعْتُمْ مقحمة زائدة، ونظم الآية: حتى إذا تنازعتم في الأمر وعصيتم وفشلتم أي جبنتم وضعفتم، ومعنى التنازع الاختلاف، وأصله من نزع القوم الشيء بعضهم من بعض،\nوكان اختلافهم أن الرماة تكلموا حين هزم المشركون وقالوا: انهزم القوم فما مقامنا، وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول الله ﷺ فثبت عبد الله بن جبير في نفر يسير دون العشرة وانطلق الباقون ينهبون، فلما نظر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل إلى ذلك، حملوا على الرماة فقتلوا عبد الله بن جبير وأصحابه وأقبلوا على المسلمين، وحالت الريح فصارت دبورا بعد ما كانت صبا، وانتفضت صفوف المسلمين، فاختلطوا وجعلوا يقتتلون على غير شعار، فقتل بعضهم بعضا وما يشعرون من الدهش، ونادى إبليس ألا إن محمدا قد قتل، وكان ذلك سبب هزيمة المؤمنين.\nمِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ يا معشر المؤمنين ما تحبون هو الظفر والغنيمة مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا يعني الذين تركوا المركز فاقبلوا إلى النهب وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ يعني الذين ثبتوا مع ابن جبير حتى قتلوا.\nوقال عبد الله بن مسعود: ما شعرت أن أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ يريد الدنيا وعرضها حتى كان يوم أحد فنزلت هذه الآية ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي ردّكم عنهم بالهزيمة لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ فلم يستأصلكم بعد المعصية والمخالفة، قاله أكثر المفسرين، ونظيره: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ «٣» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٣٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٣٥، لسان العرب: ٢/ ٤٤.\n(٣) سورة البقرة: ٥٢. [.....]","vol":"3","page":184},{"text":"وقال الكلبي: يعني تجاوز عنكم فلم يؤاخذكم بذنبكم.\nوَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. إِذْ تُصْعِدُونَ يعني ولقد عفونا عنكم إذ تصعدون هاربين.\nقرأه العامة: (تُصْعِدُونَ) بضم التاء وكسر العين.\nوقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو عبد الرحمن والحسن وقتادة بفتح التاء.\nوقرأ ابن محيصن وشبل: إذ يصعدون ويلوون بالياء، يعني المؤمنين. ثم رجع إلى الخطاب فقال وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ على البلوى.\nقال أبو حاتم: يقال أصعدت إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت إذا ارتقيت في جبل أو غيره، والإصعاد السير في مستوى الأرض وبطون الأودية والشعاب، والصعود الارتفاع على الجبال والسطوح والسلالم والدّرج، قال المبرد: أصعد إذا أبعد في الذهاب.\nقال الأعشى:\nإلّا أيهذا السائلي أين أصعدت ... فإنّ لها من بطن يثرب موعدا «١»\nوقال الفراء: الإصعاد الابتداء في كل سفر والانحدار والرجوع منه يقال: أصعدنا من بغداد إلى مكة وإلى خراسان وأشباه ذلك، إذا خرجنا إليها وأخذنا في السفر وانحدرنا إذا رجعنا.\nوأنشد أبو عبيدة:\nلقد كنت تبكين على الإصعاد ... فاليوم سرحت وصاح الحادي «٢»\nودليل قراءة العامة\nقول النبي ﷺ للمنهزمين: «لقد ذهبتم فيها عريضة» «٣» [١٦٧] .\nوقرأ أبي بن كعب: إذ تصعدون في الوادي، ودليل فتح التاء والعين ما روى أنهم صعدوا في الجبل هاربين وكلتا القراءتين صواب، فقد كان يومئذ من المنهزمين مصعد وصاعد. وقال المفضل: صعد وأصعد وصعّد بمعنى واحد.\nولا يلوون على أحد يعني ولا يعرجون ولا يقيمون على أحد منكم، لا يلتفت بعض إلى بعض هربا.\nوقرأ الحسن: ولا يلون بواو واحدة اتباعا للخط، كقولك: استحببت واستحبت على أحد.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٣٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٣٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ٤/ ١٩٤.","vol":"3","page":185},{"text":"قال الكلبي: يعني على محمد ﷺ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي في آخركم ومن ورائكم إليّ عباد الله فأنا رسول الله من بكّر فله الجنة، يقال: جاء فلان في آخر الناس وآخرة الناس وأقرى الناس وأخراة الناس وأخريات الناس، فجاز لكم جعل الإنابة بمعنى العقاب وأصلها في الحسنات كقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ «١» .\nقال الشاعر:\nأخاف زيادا أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سمرا»\nيعني بالسود: القيود والسياط وكذلك معنى الآية، جعل مكان الثواب الذي كنتم ترمون غمّا بغمّ.\nقال الحسن: يعني بغم المشركين يوم بدر.\nوقال آخرون: الباء بمعنى على، أي غمّا على غمّ، وقيل: غَمًّا بِغَمٍّ، فالغم الأول ما فاتهم من الظفر والغنيمة، والغم الثاني ما نالهم من القتل والهزيمة، وقيل: الغم الأول انحراف خالد ابن الوليد عليهم بخيل من المشركين، والغم الثاني حين أشرف عليهم أبو سفيان، وذلك\nأن رسول الله ﷺ انطلق يومئذ يدعو الناس حتى انتهى إلى أصحاب الصخرة، فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه فأراد أن يرميه فقال: «أنا رسول الله» [١٦٨] ففرحوا حين وجدوا رسول الله ﷺ، وفرح النبي حين رأى في أصحابه من يمتنع، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ ذهب عنهم الحزن، فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه، ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فأقبل أبو سفيان وأصحابه حتى وقفوا بباب الشعب، ثم أشرف عليهم، فلما نظر المسلمون إليهم، همّهم ذلك وظنّوا أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم، فأنساهم هذا ما نالهم، فقال رسول الله ﷺ:\n«ليس لهم أن يعلونا، اللهم إن تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض» [١٦٩] ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فنزلوا سريعا «٣» .\nلِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من الفتح والغنيمة وَلا ما أَصابَكُمْ (ما) في موضع خفض أي: ولا على ما أصابكم من القتل والهزيمة حين أنساكم ذلك هذا الغم، وهمّكم ما أنتم فيه غما قد أصابكم قبل.\nفقال الفضل: (لا) صلة معناه: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم عقوبة لكم في خلافكم إياه، وترككم المركز كقوله: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ «٤» .\n_________\n(١) سورة الإنشقاق: ٢٤.\n(٢) الصحاح: ١/ ٣٠٥، لسان العرب: ٢/ ٢٣٢.\n(٣) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٠١- ٢٠٢.\n(٤) سورة الحديد: ٢٩.","vol":"3","page":186},{"text":"وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ،\nروى عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه قال: لقد رأيتني مع رسول الله ﷺ حين اشتد علينا الخوف أرسل الله علينا النوم، والله لا نسمع قول مصعب بن عمير والنعاس يغشاني ما أسمعه إلّا كالحلم يقول: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا\n، فأنزل الله تعالى ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ يا معشر المؤمنين وأهل اليقين، أَمَنَةً يعني أمنا، وهي مصدر كالعظمة والغلبة، وقرأ ابن محيصن: أَمْنَةً بسكون الميم.\nنُعاسًا بدل من الأمنة يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ، قرأ ابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (تغشي) بالتاء ردا إلى الأمنة، وقرأ الباقون: بالياء ردا إلى النعاس، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قال أبو عبيد: لأن النعاس يلي الفعل، فالتذكير أولى به ممّا بعد منّه.\nقال ابن عباس: آمنهم يومئذ بنعاس يغشاهم بعد فرق، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام، ونظيره في سورة الأنفال في قصة بدر.\nروى حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت ما أرى أحدا من القوم إلّا وهو يميد تحت جحفته من النعاس.\nقال أبو طلحة: وكنت ممّن ألقي عليه النعاس يومئذ، وكان السيف يسقط من يدي فآخذه، ثم يسقط السوط من يدي من النوم فآخذه.\nوَطائِفَةٌ يعني المنافقين، وهب بن قشير وأصحابه، وهو رفع على الابتداء وخبرها في قوله: يَظُنُّونَ ... قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي حملتهم على الهمّ، يقال: أمر مهم، ومنه قول العرب: همّك ما أهمّك.\nيَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ أي لا ينصر محمدا، وقيل: ظنوا أن محمدا قد قتل ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ أي كظن أهل الجاهلية والشرك يَقُولُونَ هَلْ لَنا أي ما لنا، لفظ استفهام ومعناه هل مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ يعني النصر قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ.\nقرأ أبو عمرو ويعقوب: (كُلُّهُ) على الرفع بالابتداء وخبره في قوله: لِلَّهِ وصار هذا الابتداء والجملة خبرا لإنّ، كما يقول: إن عبد الله وجهه حسن، فيكون عبد الله مبتدأ ووجهه ابتداء ثانيا وحسن خبره، وجملة الكلام خبر للابتداء الأول.\nوقرأ الباقون: (كُلَّهُ) بالنصب على البدل، وقيل: على النعت.\nوروى مجاهد عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يعني به التكذيب بالقدر، وذلك أنّهم يظنوا في القدر، فقال الله ﷿: إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يعني القدر خيره وشرّه من الله وهو قولهم: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا","vol":"3","page":187},{"text":"هاهُنا\nوذلك أنّ المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول لم نخرج مع محمد إلى قتال أهل مكة ولمّا قتل رؤساؤنا، فقال الله: قل لهم: لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ لخرج.\nوقال ابن أبي حيوة: (لَبُرِّزَ) بضم الباء وتشديد الراء على الفعل المجهول.\nالَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ، قرأ قتادة: القتال إِلى مَضاجِعِهِمْ مصارعهم، وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ليختبر الله ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ يخرج ويطهّر ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بما في القلوب من خير أو شر إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا انهزموا مِنْكُمْ يا معشر المؤمنين يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين والمشركين إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ.\nقال المفضل: حملهم على الزلل، وهو استفعل من الزلّة وهي الخطيئة.\nوقال القتيبي: طلب زلتهم، كما يقال: استعجلت عليها، أي طلبت عجلته، واستعجلته طلبت عمله، وقيل: أزل واستزل بمعنى واحد.\nوقال الكلبي: زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ حينما كسبوا، أي بشؤم ذنوبهم، قال المفسرون:\nبتركهم المراكز، وقال الحسن: ما كَسَبُوا قبولهم من إبليس وما وسوس إليهم من الهزيمة.\nوَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ.\nوروى إبراهيم بن إسحاق الزهري، أن جعفر بن عون حدثهم أن زائدة حدثهم عن كليب ابن وائل قال: جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان أكان شهد بدرا؟ قال: لا، قال: أكان شهد بيعة الرضوان؟ قال: لا، قال: أفكان من الذين تولّوا يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ؟ قال: نعم، فقيل له: إن هذا يرى أنك قد عبته، فقال: عليّ به، أمّا بدر فإن رسول الله ﷺ قد ضرب له بسهمه، وأما بيعة الرضوان فقد بايع [له] «١» رسول الله ﷺ ويد رسول الله ﷺ خير من يد عثمان، وأما الذين تولوا يوم التقى الجمعان [فإن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ] فاذهب فاجهد عليّ جهدك «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٥٦ الى ١٦٨]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨) فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩) إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٦٠)\nوَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦١) أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٦٣) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤) أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٦٥)\nوَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (١٦٧) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٦٨)\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ٤٩٠ وما بين المعكوفتين بياض في المخطوط استدركناه منه.","vol":"3","page":188},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا يعني المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ في النفاق، وقيل: في النسب إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ساروا وسافروا فيها لتجارة أو غيرها أَوْ كانُوا غُزًّى غزاة فقتلوا، والغزي جمع منقوص لا يتغير لفظها في رفع وخفض ونصب، وأحدها غاز مثل قائم وقوم، وصائم وصوم، وشاهد وشهد وقائل وقول، ومن الناقص مثل هاب وهبي وعاف وعفي.\nلَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً يعني قولهم وظنهم حزنا فِي قُلُوبِهِمْ والحسرة الاغتمام على فائت كان تقدر بلوغه.\nقال الشاعر:\nفوا حسرتي لم أقض منهما لبانتي ... ولم أتمتع بالجوار وبالقرب «١»\nثم أخبر أن الموت والحياة إلى الله لا يتقدمان لسفر ولا يتأخران لحضر فقال: وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.\nقرأ ابن كثير وطلحة والأعمش والحسن وشبل وحمزة والكسائي وخلف: (يعملون) بالياء، الباقون: بالتاء.\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ.\nقرأ نافع وأكثر أهل الكوفة ما كان من هذا الباب: بكسر الميم، وقرأ الآخرون: بالضم، فمن ضمّه فهو من قال: يموت كقولك من كان يكون كنت، ومن قال يقول قلت، ومن كسر فهو من مات يمات متّ كقولك من خاف يخاف خفت ومن هاب يهاب هبت.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٤٧.","vol":"3","page":189},{"text":"لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ في العاقبة وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الغنائم.\nقرأه العامة: (تجمعون) بالتاء لقوله: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ ... أَوْ مُتُّمْ، وقرأ حفص: بالياء على الخبر عن الغالبين، يعني خير ممّا يجمع الناس من الأموال.\nوَلَئِنْ قُتِلْتُمْ ... أَوْ مُتُّمْ ... لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ في العاقبة فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي فبرحمة من الله (ما) صلة كقوله ﷿: فَبِما نَقْضِهِمْ «١» وعَمَّا قَلِيلٍ «٢» وجُنْدٌ ما هُنالِكَ «٣» .\nوقال بعضهم: يحتمل لأن تكون (ما) استفهاما للتعجب تقديره: فبأي رحمة من الله لنت لهم أي سهّلت لهم أخلاقك وكثر احتمالك، ولم يسرع إليهم فيما كان منهم يوم أحد.\nيقال: لآن له يلين لينا وليانا إذا رقّ له وحسن خلقه.\nوَلَوْ كُنْتَ فَظًّا يعني جافيا سيء الخلق قاسي القلب قليل الاحتمال، يقال: فظظت تفظ فظاظة وفظاظا فأنت فظ، والأنثى فظة، والجمع فظاظ.\nوأنشد المفضل:\nوليس بفظ في الأداني والاولى ... يؤمون جدواه ولكنه سهل «٤»\nوقال آخر:\nأموت من الضر في منزلي ... وغيري يموت من الكظة\nودنيا تجود على الجاهلين ... وهي على ذي النهى فظة «٥»\nغَلِيظَ الْقَلْبِ، قال الكلبي: فَظًّا في القول غَلِيظَ الْقَلْبِ في الفعل.\nلَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ لنفروا وتفرقوا عنك يقال: فضضتهم وانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا.\nقال أبو النجم يصف إبلا:\nمستعجلات القبض غير جرد ... ينفض عنهنّ الحصى بالصّمد «٦»\nوأصل الفض الكسر، ومنه قولهم: لا يفضض الله فاك، قال أهل الإشارة في هذه الآية:\nمنه العطاء ومنه الثناء.\n_________\n(١) سورة المائدة: ١٣.\n(٢) سورة المؤمنون: ٤٠.\n(٣) سورة ص: ١١.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٤٩. [.....]\n(٥) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٤٨، والكظة: البطنة.\n(٦) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٤٩.","vol":"3","page":190},{"text":"فَاعْفُ عَنْهُمْ تجاوز عنهم ما أتوا يوم أحد وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ حتي أشفعك فيهم وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي استخرج آراءهم فأعلم ما عندهم، وهو مأخوذ من قول العرب:\nوشرت الدابة وشورته، إذا استخرجت جريه وأعلمت خبره وتفنن لما يظهر من حالها مستورا، وللموضع الذي يشور فيه أيضا يتولد، وقد يكون أيضا من قولهم: شرت العسل واشترته فهو مشور ومشار ومشتار إذا أخذته من موضعه واستخرجته منه.\nوقال عدي بن زيد:\nفي سماع يأذن الشيخ له ... وحديث مثل ماذي مشار «١»\nواختلف العلماء في المعنى الذي لأجله أمر الله تعالى نبيه ﷺ بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحي عليه ووجوب طاعته على أمته بما أحبوا وكرهوا.\nفقال بعضهم: هو خاص في المعنى وإن كان عاما في بعض اللفظ، ومعنى الآية:\nوشاورهم فيما يسر عندك فيه من الله عهد، ويدل عليه قراءة ابن عباس: وشاورهم في بعض الأمر.\nقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكان الحرب عند الغزو.\nوروى عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ يعني أبا بكر وعمر ﵄.\nوقال مقاتل وقتادة والربيع: كانت سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شقّ عليهم، فأمر الله النبي ﷺ أن يشاورهم في الأمر الذي يريده، فإن ذلك أعطف لهم عليه وأذهب لأضغانهم وأطيب لأنفسهم، وإذا شاورهم عرفوا إكرامه لهم وأن القوم إذا عزموا وأرادوا بذلك وجه الله تعالى عزم الله لهم على الأرشد.\nقال الشافعي (﵁): ونظير هذا\nقول النبي ﷺ: «البكر تستأمر في نفسها» «٢»\n[١٧٠] إنما أمرنا استئذآنها لاستطابة نفسها وإنها لو كرهت كان للأب أن يزوجها.\nوكمشاورة إبراهيم (﵇) ابنه حين أمر بذبحه.\nوقال الحسن: قد علم الله أنه ما به إليهم حاجة ولكنه أراد أن يستنّ به من بعده، ودليل هذا التأويل ما\nروى أبو حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: «ما شقي عبد قط بمشورة وما سعد باستغناء برأي»\n«٣» [١٧١]، يقول الله ﷿:\n_________\n(١) كتاب العين: ٦/ ٢٨٠.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٢١٩.\n(٣) مسند الشهاب: ٢/ ٦.","vol":"3","page":191},{"text":"وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فبالله وكتابه ورسوله غنى عن المشورة، ولكن الله ﷿ أراد أن تكون بيّنة فلا يبرم أمر الدين والدنيا حتى تشاوروا، وقد أثنى الله على [أهل] المشاورة فقال: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ «١» .\nروى عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا كان أمراؤكم خياركم وأغنياؤكم سمحاءكم وأمركم شورى بينكم فظهر الأرض خير من بطنها وإذا كان أمراؤكم شراركم وأغنياؤكم بخلاءكم ولم يكن أمركم شورى بينكم فبطن الأرض خير من ظهرها» «٢» [١٧٢] .\nأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني عمي:\nإذا كنت في حاجة مرسلا ... فأرسل حكيما ولا توصه\nوإن ناب أمر عليك التوى ... فشاور لبيبا ولا تعصه\nونص الحديث إلى أهله ... فإن الوثيقة في نصه\nإذا المرء أضمر خوف الإله ... تبين ذلك في شخصه «٣»\nوأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن المنذر الضرير، قال أبو سلمة المؤدب:\nشاور صديقك في الخفي المشكل ... واقبل نصيحة ناصح متفضل\nفالله قد أوصى بذلك نبيّه ... في قوله شاورهم وتوكل «٤»\nفَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ لا على مشاورتهم.\nوقرأ جعفر الصادق (﵁) وجابر بن زيد: (فَإِذا عَزَمْتُ) بضم التاء أي عزمت لك ووفقتك وأنشدتك فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ\n، والتوكل التفعل من الوكالة يقال: وكّلت الأمر إلى فلان فتوكل أي ضمنه وقام به، فمعنى قوله: (توكل) أي قم بأمر الله وثق به واستعنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>فصل في التوكل</span>\nاختلفت عبارات العلماء في معنى التوكل وحقيقة المتوكل:\nفقال سهل بن عبد الله رحمة الله عليه: أول مقام التوكل، أن يكون العبد بين يدي الله\n_________\n(١) سورة الشورى: ٣٨.\n(٢) سنن الترمذي: ٣/ ٣٦١، ح ٢٣٦٨.\n(٣) ورد أبياتا متناثرة في مصادر عدّة، راجع: تفسير القرطبي: ٤/ ٢٥١، كشف الخفاء: ١/ ٣٤١، ترجمة ١٠٩١، نهج السعادة: ٧/ ٢٨٢.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٥٠.","vol":"3","page":192},{"text":"كالميت بين يدي الغاسل، يقلّبه كيف أراد لا يكون له حركة ولا تدبير، والمتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحبس.\nأبو تراب النخشبي: التوكل الطمأنينة إلى الله ﷿. بشر الحافي: الرضا، وعن ذي النون وقد قال له رجل: يا أبا الفيض ما التوكّل؟ قال: خلع الأرباب وقطع الأسباب. فقال:\nزدني فيه حالة أخرى. فقال: إلقاء النفس في العبودية وإخراجها من الربوبية.\nوقال إبراهيم الحواص: حقيقة التوكل إسقاط الخوف والرجاء ممّا سوى الله، ابن الفرجي: ردّ العيش لما يوم واحد وإسقاط غم غد، وعن علي الروذباري قال: مراعاة التوكل ثلاث درجات:\nالأولى منها: إذا أعطى شكر وإذا منع صبر.\nوالثانية: المنع والإعطاء واحد.\nوالثالثة: المنع مع الشكر أحب إليه، لعلمه باختيار الله ذلك له.\nوروى عن إبراهيم الخواص أنه قال: كنت في طريق مكة، فرأيت شخصا حسنا فقلت:\nأجني أم إنسي؟ فقال: بل جنيّ. فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى مكة. قلت: بلا زاد؟ قال: نعم، فينا أيضا من يسافر على التوكل. فقلت له: ما التوكل؟ قال: الأخذ من الله.\nذو النون أيضا: هو انقطاع المطامع.\nسهل أيضا: معرفة معطي أرزاق المخلوقين ولا يصح لأحد التوكل حتى تكون السماء عنده كالصفر والأرض عنده كالحديد، لا ينزل من السماء مطر ولا يخرج من الأرض نبات، ويعلم أن الله لا ينسى ما ضمن له من رزقه بين هذين.\nوعن بعضهم: هو أن لا يعصي الله من أجل رزقه.\nوقال آخر: حسبك من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير الله ولا لرزقك خازنا غيره ولا لعملك شاهدا غيره.\nالجنيد (﵀): التوكل أن تقبل بالكلية على ربّك، وتعرض ممّن دونه.\nالنوري: هو أن يفني تدبيرك في تدبيره، وترضى بالله وكيلا ومدبرا، قال الله ﷿:\nوَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا «١» وقيل: هو اكتفاء العبد الذليل بالربّ الجليل، كاكتفاء الخليل بالخليل حين لم ينظر إلى عناية جبرئيل.\nوقيل: هو السكون عن الحركات اعتمادا على خالق الأرض والسماوات.\n_________\n(١) سورة النساء: ٨١.","vol":"3","page":193},{"text":"وقيل لبهلول المجنون: متى يكون العبد متوكلا؟ قال: إذا كان النفس غريبا بين الخلق، والقلب قريبا إلى الحق.\nوعن محمد بن عمران قال: قيل لحاتم الأصم: على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال:\nأربع خلال: علمت أن رزقي ليس يأكله غيري فلست أشغل به، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال فأنا مستحي منه.\nوعن أبي موسى [الوبيلي] «١» قال: سألت عبد الرحمن بن يحيى عن التوكل فقال لي: لو أدخلت يدك في فم التنين حتى تبلغ الرسغ، لم تخف مع الله شيئا.\nقال أبو موسى: [ذهبت] إلى أبي يزيد البسطامي: أسأله عن التوكل، فدخلت بسطام ودفعت عليه الباب فقال لي: يا أبا موسى ما كان لك في جواب عبد الرحمن من القناعة حتى تجيء وتسألني؟ فقلت: افتح الباب، فقال: لو زرتني لفتحت لك الباب، [وإذا] جاء الجواب من الباب فانصرف: لو أن الحيّة المطوقة بالعرش همّت بك لم تخف مع الله شيئا.\nقال أبو موسى: فانصرفت حتى جئت إلى دبيل «٢» فأقمت بها سنة، ثم اعتقدت الزيارة فخرجت إلى أبي يزيد فقال: زرتني مرحبا بالزائرين [لا] أخرجك، قال: فأقمت عنده شهرا لا يقع لي شيء إلّا أخبرني قبل أن أسأله فقلت له: يا أبا يزيد أخرج وأريد فائدة منك أخرج بها من عندك.\nقال لي: اعلم أن فائدة المخلوقين ليست بفائدة، حدثتني أمّي أنها كانت حاملة بي وكانت إذا قدمت لها القصعة من حلال امتدت يدها وأكلت، وإذا قدمت من حرام جفت فلم تأكل، اجعلها فائدة وانصرف. فجعلتها فائدة وانصرفت.\nوروى طاوس اليماني (﵀) قال: رأيت أعرابيا قد جاء براحلة له فأبركها وعقلها، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إن هذه الراحلة وما عليها في ضمانك حتى أخرج إليها.\nفخرج الأعرابي وقد أخذت الراحلة وما عليها، فرفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم إنه ما سرق مني شيء وما سرق إلّا منك. فقال طاوس: فنحن كذلك مع الأعرابي إذا رأينا رجلا من رأس أبي قبيس يقود الراحلة بيده اليسرى ويمينه مقطوعة معلقة في عنقه، حتى جاء إلى الأعرابي وقال له: هاك راحلتك وما عليها. فقيل له: وما حالك؟ فقال: استقبلني فارس على فرس أشهب في رأس أبي قبيس فقال: يا سارق مدّ يدك فمددتها فوضعها على حجر ثم أخذ آخر فقطعها به وعلقها في عنقي وقال: انزل فرد الراحلة وما عليها إلى الأعرابي.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) مدينة بأرمينية.","vol":"3","page":194},{"text":"وعن أبي تميم الحبشاني قال: سمعت عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصا وتروح بطانا» «١» [١٧٣] .\nروى محمد بن كعب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن سرّه أن يكون أكرم الناس فليتق الله ﷿ ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق ممّا في يديه» «٢» [١٧٤] .\nوكان عمر (﵁) يتمثل بهذين البيتين:\nهوّن عليك فإن الأمور ... بأمر الإله مقاديرها\nنفس ليأتيك مصروفها ... ولا عادك عنك مقدورها «٣»\nإِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ يعينكم الله من عدوكم فَلا غالِبَ لَكُمْ في يوم بدر وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ يترككم ولا ينصركم، والخذلان: القعود عن النصرة والاستسلام للهلكة والمكروه، ويقال للبقرة والظبية إذا تركت ولدها وتخلفت عنها: خذلت فهو خذول.\nقال طرفة:\nخذول تراعي ربربا بخميلة ... تناول أطراف البرير وترتدي «٤»\nوأنشد:\nنظرت إليك بعين جارية ... خذلت صواحبها على طفل «٥»\nوقرأ أبو عبيد بن عمير: (وَإِنْ يُخْذِلْكُمْ) بضم الياء وكسر الذال، أي نجعلكم مخذولين ونحملكم على الخذلان والتخاذل كما فعلتم بأحد.\nفَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد خذلانه وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ الآية.\nروى عكرمة ومقسم عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: أخذها رسول الله ﷺ.\nوروى جويبر بن الضحاك عنه: أن رسول الله ﷺ لما وقع في يده غنائم هوازن يوم حنين غلّه رجل بإبرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٣٠.\n(٢) مسند الشهاب: ١/ ٢٣٤. [.....]\n(٣) كنز العمال: ١٦/ ١٥٧، ح ٤٤١٩٤، بتفاوت.\n(٤) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٥٤.\n(٥) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٥٤.","vol":"3","page":195},{"text":"وقال الكلبي ومقاتل: نزلت في غنائم أحد حين ترك الرماة المركز، وطلبوا الغنيمة وقالوا:\nنخشى أن يقول النبي ﷺ: من أخذ شيئا فهو له، وأن لا يقسّم الغنائم كما لم يقسّم يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، فقال النبي ﷺ: «ألم أعهد إليكم أن لا تتركوا المركز حتى يأتيكم أمري؟» قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي ﷺ: «بل ظننتم أن نغل ولا نقسم» «١» [١٧٥] فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوروى بعضهم عن الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث طلائع فغنمت، فقسمها رسول الله ﷺ ولم يقسم للطلائع، فلما قدمت الطلائع قالوا: قسم الفيء ولم يقسم لنا، فنزلت هذه الآية.\nقال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت على النبي (﵇) وقد غلّ طوائف من أصحابه.\nوفي بعض التفاسير: أن الأقوياء ألحّوا عليه يسألونه عن المغنم، فأنزل الله ﷿ وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ فيعطي قوما ويمنع آخرين، بل عليه أن يقسم بالسوية ولا يحرم أحدا.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذا في الوحي يقول: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ويكتم شيئا من وحي الله ﷿ رغبة أو رهبة أو مداهنة، وذلك أنهم كانوا يكرهون ما في القرآن من عيب دينهم وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nفأما التفسير فقرأ السلمي ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (يَغَلُّ) بفتح الياء وفتح الغين، وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيدة.\nوقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الغين وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي حاتم، فمعناه أن يخون، والمراد به الأمة.\nوقال بعض أهل المعاني: اللام فيه منقولة، معناه: ما كان النبي ليغل، وما كان الله ﷿ أن يتخذ من ولد، أي ما كان الله ليتخذ من ولد.\nوقال بعضهم: هذا من ألطف التعريض لها بأن [برأ ساحة] النبي ﷺ من الغلول، دلّ على أن الغلول في غيره، ونظيره قوله ﷿: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٢» وهذا معنى قول السدي.\nوقال المفضل: معناه ما كان يظن به ذلك ولا يشبهه ولا يليق به، فاحتج أهل هذه القراءة بقول ابن عباس: كيف لا يكون له أن يغل وقد كان النبي ﷺ من الأنبياء يقتل\n_________\n(١) عون المعبود: ١١/ ٥.\n(٢) سورة سبأ: ٢٤.","vol":"3","page":196},{"text":"ومن قرأ بضم الياء فله وجهان:\nأحدهما: أن يكون من الغلول، أي ما كان النبي أن يغل، أي أن يخان، يعني أن تخونه أمّته.\nوالوجه الآخر: أن يكون من الإغلال، معناه ما كان لنبي أن يخون أو ينسب إلى الخيانة أو يوجد خائنا أو يدخل في جملة الخائنين، فيكون أغل وغلل بمعنى واحد، كقوله: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ «١» وقوله: فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا «٢» .\nوقال المبرد: تقول العرب: أكفرت الرجل بمعنى جعلته كافرا ونسبته إلى الكفر وحملته عليه ووجدته كافرا ولحقته بالكافرين.\nوَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ، قال الكلبي: يمثل له ذلك الشيء في النار ثم يقال له: انزل فخذه، فينزل فيحمله على ظهره، فإذا بلغ موضعه وقع في النار ثم كلفه أن ينزل إليه فيخرجه فيفعل ذلك.\nوروى أبو زرعة عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله ﷺ يوما خطيبا فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره وقال: «لا ألقينّ أحدكم يجيء على رقبته يوم القيامة بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألقينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألقينّ أحدكم بصامت يقول: يا رسول الله اغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألقينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة «٣» يقول: يا رسول الله أغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك، ولا ألقينّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخنق يقول: يا رسول الله أغنني؟ فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك»»\n[١٧٦] .\nوحدث سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثقل رسول الله ﷺ رجل يقال له كركرة فمات، فقال رسول الله ﷺ: «هو في النار» فوجدوا عليه عباءة قد غلّها «٥» .\nوحدث الزهري عن عروة عن أبي حميد الساعدي قال: بعث رسول الله ﷺ رجلا من الأزد يقال له أبو اللبيبة «٦» على الصدقة، فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي له، فقام النبي ﷺ\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٣٣.\n(٢) سورة الطارق: ١٧.\n(٣) الحمحمة: صوت الفرس دون الصهيل.\n(٤) صحيح البخاري: ٤/ ٣٧، تفسير الطبري: ٤/ ٢١١، ومصنف ابن أبي شيبة: ٧/ ٧١١.\n(٥) تاريخ دمشق: ٤/ ٢٧٩.\n(٦) في تفسير الطبري: ٤/ ٢١٢ (ابن التبية)، وفي السنن الكبرى: ٤/ ١٥٨ (أبو اللبتية) .","vol":"3","page":197},{"text":"فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال العامل يبعث فيجيء فيقول هذا لكم وهذا أهدي إليّ، أفلا يجلس في بيت أبيه أو أمّه وينظر ما يهدى إليه، والذي نفس محمد بيده لا يبعث أحد منكم فيأخذ منه شيئا إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة له خوار أو شاة يثغر- ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال-: اللهم قد بلغت» «١» [١٧٧] .\nوعن زيد بن خالد: أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر فذكروا لرسول الله ﷺ فقال: «صلّوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: «إن صاحبكم غلّ في سبيل الله» ففتشنا متاعه لذلك، فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين «٢» .\nوعن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فلم يغنم ذهبا ولا ورقا إلّا الثياب والمتاع قال: فتوجه رسول الله ﷺ نحو وادي القرى وقد أهدي لرسول الله ﷺ يقال له مدعم فبينا مدعم يحطّ رجل رسول الله إذ جاءه سهم فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة.\nفقال رسول الله ﷺ: «كلّا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا» . فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «شراك من نار أو شراكان من نار» «٣» [١٧٨] .\nوعن عبيد الله بن عمير قال: كان رسول الله ﷺ إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيجمعه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنّا أصبنا من الغنيمة فقال: «أسمعت قد نادى ثلاثا؟» قال: نعم، قال: «فما منعك أن تجيء به» فاعتذر إليه، فقال: «كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك» «٤» .\nوعن صالح بن محمد بن مائدة قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم، فأتي برجل قد غلّ فسئل سالم عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب (﵁) عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غلّ فاحرقوا متاعه واضربوه» قال: فوجدنا في متاعه مصحفا، فسأل رجل سالما عنه فقال: بعه وتصدق بثمنه «٥» .\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر ﵄ قد حرقوا متاع الغال وضربوه وفي بعض الروايات ومنعوه سهمه.\nوعن صالح بن محمد قال: غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٤٢٤، تفسير الطبري: ٤/ ٢١٣.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ١١٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢١٣. [.....]\n(٤) سنن أبي داود: ١/ ٦١٥، ح ٣٧١٢، صحيح ابن حبان: ١١/ ١٩٧.\n(٥) الدر المنثور: ٣/ ٩٢.","vol":"3","page":198},{"text":"وعمر بن عبد العزيز فغلّ رجل متاعا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ولم يعطه سهمه أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ بترك الغلول كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ فغلّ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. هُمْ دَرَجاتٌ يعني ذو درجات عِنْدَ اللَّهِ.\nوقال ابن عباس: يعني أن من اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ ومن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ مختلف المنازل عند الله تعالى، فلمن اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ الكرامة والثواب العظيم، ولمن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ المهانة والعذاب الأليم.\nوَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ. لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.\nقال بعضهم: لفظ الآية عام ومعناها خاص، إذ ليس حي من أحياء العرب إلّا وقد قلّدوا رسول الله ﷺ وليس فيهم نسب إلّا بني تغلب، فإن الله طهّره منهم لما فيهم من دنس النصرانية إذ ثبتوا عليها، وبيان هذا التأويل قوله: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ «١» .\nوقال الآخرون: (هو) أراد به المؤمنين كلهم، ومعنى قوله: مِنْ أَنْفُسِهِمْ بالإيمان والشفقة لا بالنسب كما يقول القائل: أنت نفسي، يدل عليه قوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ «٢» الآية.\nيَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ وقد كانوا من قبل بعثه، وهو رفع على الغاية لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. أَوَلَمَّا أوحين أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ أحد قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها ببدر، وذلك أن المشركين قتلوا من المسلمين يوم أحد سبعين وقتل المسلمون منهم يوم بدر سبعين وأسروا سبعين قُلْتُمْ أَنَّى هذا من أين لنا هذا القتل والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله ﷺ فينا والوحي ينزل علينا وهم مشركون.\nوروى عبيدة السلماني عن علي قال: جاء جبرئيل (﵇) إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الفداء من الأسارى، وقد أمرك أن تخيّرهم بين أن يقدموا فتضرب أعناقهم وبين أن يأخذوا الفداء على أن يقتل منهم عدتهم، فذكر رسول الله ﷺ ذلك للناس فقالوا: يا رسول الله عشائرنا وإخواننا، لا بل نأخذ فداءهم فنتقوى بها على قتال عدونا، منّا عدتهم فليس في ذلك ما نكره، قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدد أسارى يوم بدر «٣»\n، فمعنى قوله: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ على هذا التأويل أي: بأخذكم الفداء واختياركم القتل.\nإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَما أَصابَكُمْ يا معشر المؤمنين يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ بأحد\n_________\n(١) سورة الجمعة: ٢.\n(٢) سورة التوبة: ١٢٨.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٢٢٢.","vol":"3","page":199},{"text":"من القتل والجرح والهزيمة والمصيبة فَبِإِذْنِ اللَّهِ بقضائه وقدره وعلمه وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ أي ليميّز، وقيل: ليرى، وقيل: لتعلموا أنتم أن الله ﷿ قد علم ما فيهم وأنتم لم تكونوا تعلمون ذلك وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لأجل دين الله وطاعته أَوِ ادْفَعُوا عن أهلكم وبلدتكم وحريمكم.\nوقال السدي والفراء وأبو عون الأنصاري: أي كثروا سواد المسلمين، ورابطوا إن لم تقاتلوا، كون ذلك دفعا وقمعا للعدو قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ وهم عبد الله بن أبي وأصحابه الذين انصرفوا عن أحد وكانوا ثلاثمائة، قال الله: هُمْ لِلْكُفْرِ أي إلى الكفر يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ أي في الإيمان يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وذلك أنهم كانوا ينكرون الإيمان ويضمرون الكفر، فبيّن الله ﷿ نفاقهم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ. الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ في النسب لا في الدين، وهم بهذا واحد وَقَعَدُوا يعني وقعد هؤلاء القاعدون عن الجهاد لَوْ أَطاعُونا وانصرفوا عن محمد وقعدوا في بيوتهم ما قُتِلُوا قُلْ لهم يا محمد فَادْرَؤُا فادفعوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إن الحذر لا يغني عن القدر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٦٩ الى ١٧٨]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١) الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيمانًا وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)\nفَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤) إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥) وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٧٨)\nوَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا الآية.\nقال بعضهم: نزلت هذه الآية في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا، ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، وقال آخرون: نزلت في شهداء أحد، وكانوا سبعين رجلا، أربعة من المهاجرين، حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعثمان بن شماس وعبد الله بن جحش وسائرهم من الأنصار.\nوروى ابن الزبير وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما أصيب","vol":"3","page":200},{"text":"إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر تزور أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتسرح من الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فلمّا وجدوا طيب مقيلهم ومطعمهم ومشربهم، ورأوا ما أعد الله تعالى لهم من الكرامة.\nقالوا: يا ليت قومنا يعلمون ما نحن فيه من النعيم وما صنع الله بنا، كي يرغبوا في الجهاد ولا ينكلوا عنه، فقال الله تعالى: أنا مخبر عنكم ومبلغ إخوانكم، ففرحوا بذلك واستبشروا فأنزل الله تعالى وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا إلى قوله أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ» [١٧٩] «١» .\nقال قتادة والربيع: ذكر لنا أنّ رجلا من أصحاب النبي ﷺ قال: يا ليتنا نعلم ما فعل بإخواننا الذين قتلوا يوم أحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال مسروق: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال: جعل الله ﷿ أرواح شهداء أحد في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، قال: فأطلع الله تعالى عليهم اطلاعة فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟ قالوا: ربّنا ألسنا نسرح في الجنة في أيّها شئنا، ثم اطلع عليهم الثانية فقال: هل تشتهون من شيء فأزيدكموه؟\nفقالوا: ربّنا أليس فوق ما أعطيتنا شيئا إلّا أن نحب أن تعيدنا أحياء، ونرجع إلى الدنيا فنقاتل في سبيلك فنقتل مرة أخرى فيك قال: لا. فقالوا: فتقرئ نبيّنا منّا السلام وتخبره بأن قد رضينا ورضي عنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال جابر بن عبد الله: قتل أبي يوم أحد وترك عليّ بنات فقال رسول الله ﷺ: «ألّا أبشرك يا جابر» قلت: بلى يا نبي الله قال: «إنّ أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله وكلمه كلاما فقال: يا عبد الله سلني ما شئت قال: أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانيا، فقال: يا عبد الله إني قضيت أن لا أعيد خليقة إلى الدنيا. قال: يا ربّ فمن يبلّغ قومي ما أنا فيه من الكرامة. قال الله تعالى: أنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية» «٢» [١٨٠] .\nحميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من نفس تموت لها عند الله خير يسرّها أن ترجع إلى الدنيا ولها الدنيا وما فيها إلّا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى» «٣» [١٨١] .\nوقال بعضهم: نزلت في شهداء بئر معونة، وكان سبب ذلك على ما\nروى محمد بن\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٢٦٦، سنن أبي داود: ١/ ٥٦٦، ح ٢٥٢٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٦٨.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ١٢٦.","vol":"3","page":201},{"text":"إسحاق بن يسار عن أبيه عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام، وعبد الله بن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وعن حميد الطويل عن أنس بن مالك وغيرهم من أهل العلم قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنّة- وكان سيد بني عامر بن صعصعة- على رسول الله ﷺ المدينة وأهدى إليه هدية، فأبى رسول الله ﷺ أن يقبلها وقال: «يا أبا براء أنا لا أقبل هدية مشرك فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك» [١٨٢] ثم عرض عليه، وأخبره بما له فيها وما وعد الله المؤمنين من الثواب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعد وقال: يا محمد إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك.\nفقال رسول الله ﷺ: «إني أخشى عليهم أهل نجد» فقال أبو براء: أنا لهم جار. أي هم في جواري- فابعثهم ليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله ﷺ المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة في سبعين رجلا من خيار المسلمين، فيهم الحارث بن الضمة وحرام بن ملحان وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي ونافع بن ورقاء الخزاعي وعامر بن فهير مولى أبي بكر، وذلك في صفر سنة أربع من الهجرة على رأس أربعة أشهر من أحد، فساروا حتى نزلوا بين معونة- وهي أرض بين أرض بني عامر- وحرة بني سليم، فلما نزلوها قال بعضهم لبعض: أيّكم يبلغ رسالة رسول الله ﷺ أهل هذا الماء؟ فقال حرام بن ملحان: أنا، فخرج بكتاب رسول الله ﷺ أبي عامر بن الطفيل وكان على ذلك الماء، فلما أتاهم حرام بن ملحان لم ينظر عامر بن الطفيل في كتاب رسول الله ﷺ فقال حرام: يا أهل بئر معونة إني رسول رسول الله إليكم وإني أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.\nفخرج إليه رجل من كسر البيت برمح فضرب به في جنبه حتى خرج من الشق الآخر، فقال: الله أكبر فزت وربّ الكعبة. ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا: لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقدا وجوارا. فاستصرخ قبائل من بني سليم عصبة ورعيل وذكوان فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوهم في رجالهم، فلما رأوهم أخذوا السيوف ثم قاتلوهم حتى قتلوا من آخرهم إلّا كعب بن زيد فإنهم تركوه وبه رمق، فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق «١» .\nوكان في سرح القوم عمرو بن أميّة الضمري ورجل من الأنصار أحد بني عمرو بن عوف، فلم ينبههما على مصاف أصحابهما إلّا الطير يحوم على العسكر فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا إليه فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة، فقال الأنصاري لعمرو بن أميّة: ماذا ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني\n_________\n(١) بطوله في عيون الأثر: ٢/ ١٧.","vol":"3","page":202},{"text":"لا أرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه، فقدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فقال رسول الله:\n«هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارها متخوفا» [١٨٣] فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب رسول الله ﷺ بسببه وجواره، وكان فيمن أصيب عامر بن فهيرة.\nوروى محمد بن إسحاق عن هشام بن عروة: أن عامر بن الطفيل كان يقول: من الرجل منهم لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء من دونه، قالوا: هو عامر بن فهيرة «١» .\nقالوا وقال حسان بن ثابت يحرض أبي براء على عامر بن الطفيل:\nفتى أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد\nنهكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد\nألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ... فما أحدثت في الحدثان بعدي\nأبوك أبو الحروب أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد «٢»\nوقال كعب بن مالك في ذلك.\nلقد طارت شعاعا كل وجه ... خفارة ما أجار أبو براء\nبني أم البنين أما سمعتم ... دعاء المستغيث مع النساء\nوتنويه الصريخ بلى ولكن ... عرفتم أنه صدّق اللقاء «٣»\nفلما بلغ ربيعة من البراء قول حسان وقول كعب بن مالك، حمل على عامر بن الطفيل وطعنه فخر عن فرسه فقال: هذا عمل أبي براء، إن متّ فدمي لعمي ولأتبعنّ به وإن أعش فسأرى فيه الرأي. وقال إسحاق بن أبي طلحة حدثني أنس بن مالك قال: أنزل الله تعالى في شهداء بئر معونة قرآنا بلّغوا قومنا عنا إنا قد لقينا ربّنا فرضي عنّا ورضينا عنه، ثم نسخت ورفعت بعد ما قرأناها زمانا وأنزل الله ﷿ وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا الآية.\nوقال بعضهم: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرورا تحسروا على الشهداء وقالوا: نحن في النعمة والسرور وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور، فأنزل الله ﷿ تنفيسا عنهم وإخبارا عن حال قتلاهم وَلا تَحْسَبَنَّ ولا تظنن وروى هشام عن أهل الشام: (يحسبن)\n_________\n(١) بطوله في تاريخ الطبري: ٢/ ٢٢١.\n(٢) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٢١.\n(٣) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٢١.","vol":"3","page":203},{"text":"بالياء. وقرأ الحسن وابن عامر: (الذين قتّلوا) مشددا، (أَمْواتًا) كموت من لم يقتل في سبيل الله، ونصب أَمْواتًا على المفعول الثاني، لأن الحسبان يتعدى إلى مفعولين، فإذا قلت: حسبت زيدا، لا يكون كلاما تاما حتى تقول: قائما أو قاعدا بَلْ أَحْياءٌ تقديره: بل هم أحياء.\nوقرأ ابن أبي عبلة: أحياءً نصبا أي أحسبهم أحياء عِنْدَ رَبِّهِمْ.\nوقال بعضهم: يعني أحياء في الدنيا حقيقة «١»، وقيل: [في العالم] وقيل: بالثناء والذكر، كما قيل:\nموت التقي حياة لا فناء لها ... قد مات قوم وهم في الناس أحياء «٢»\nوقيل: ممّا هم أحياء.\nرَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ويأكلون ويتنعمون كالأحياء، وقيل: إنه يكتب لهم في كل سنة ثواب غزوة ويشتركون في فضل كل مجاهد يكون في الدنيا إلى يوم القيامة، لأنهم سلوا أمر الجهاد، فيرجع أجر من يقتدي بهم إليهم، نظيره قوله: كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا «٣» الآية، وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في القبر ولا تأكله الأرض.\nيقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: الأنبياء والعلماء والشهداء وحملة القرآن.\nوعن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم السلميين، كانا قد خرّب السيل قبرهما وكانا في قبر واحد وهما من شهداء أحد، وكان قبرهما ممّا يلي السيل، فحفر عنهما ليغيّروا عن مكانهما فوجدا لم يتغيرا، كأنهما ماتا بالأمس، وكان قد جرح فوضع يده على جرحه فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت، وكان بين يوم أحد وبين يوم حفر عنهما ستة وأربعون سنة. وقيل: سمّوا أحياء لأنهم لا يغسّلون كما لا يغسل الأحياء.\nوقال النبي ﷺ: «زمّلوهم في كلومهم ودمائهم، اللون لون الدم والريح ريح المسك» «٤» [١٨٤] .\nوقال عبيد بن عمر: إن رسول الله ﷺ حين انصرف يوم أحد مرّ على مصعب بن عمير\n_________\n(١) وهذا قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والحسن وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء والجبائي والرماني، راجع تفسير مجمع البيان: ١/ ٤٣٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٦٩. [.....]\n(٣) سورة المائدة: ٣٢.\n(٤) السير الكبير: ١/ ٢٣٢، ح ٢٩٤.","vol":"3","page":204},{"text":"وهو مقتول فوقف عليه ودعا ثم قرأ: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا «١» الآية، ثم قال ﷺ: «إن رسول الله يشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة، فأتوهم وزوروهم وسلّموا عليهم، فو الذي نفسي بيده لا يسلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلّا ردّوا عليه، يُرْزَقُونَ من ثمار الجنة وتحفها» «٢» [١٨٥] .\nفَرِحِينَ نصب على الحال والقطع من قوله يُرْزَقُونَ.\nوقرأ ابن السميقع: (فارحين) بالألف، وهما لغتان كالفره والفاره والحذر والحاذر والطمع والطامع والبخل والباخل.\nبِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ من ثوابه وَيَسْتَبْشِرُونَ يفرحون، وأصله من البشرة، لأن الإنسان إذا فرح ظهر أثر السرور في بشرة وجهه بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على منهاجهم من الإيمان والجهاد، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا لحقوا بهم فصاروا من كرائم الله ﷿ إلى مثل ما صاروا هم إليهم، فهم لذلك مستبشرون.\nوقال السدي: يؤتى الشهيد بكتاب فيه من تقدم عليه من إخوانه وأهله فيقال: تقدم فلان عليك يوم كذا وتقدم فلان يوم كذا، فيستبشر حين يقدم عليه كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا.\nأَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يعني بأن لا خوف عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ يعني وبأن الله في محل الخفض على قوله: بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ.\nوقرأ الكسائي والفرّاء والمفضل ومحمد بن عيسى: (وَإِنَّ اللَّهَ) بكسر الألف على الاستثناء، ودليلهم قراءة ابن مسعود والله (لا يضيع أجر المؤمنين) .\nقال الكلبي باسناده: إن العبد إذا لقى العدو في سبيل الله، فتح له باب من السماء وأطلعت عليه زوجتاه من الحور العين، فإذا أقبل على العدو يقاتلهم قالتا: اللهم وفقه وسدّده، وإذا أدبر عن العدو قالتا: اللهم أعف وتجاوز، فإذا قتل يباهي الله ﷿ به الملائكة فيقول لهم: انظروا إلى عبدي بذل نفسه ودمه ابتغاء مرضاتي، فتقول الملائكة: يا ربّ أفلا تذهب فتنصره على من يريد قتله؟ فيقول لهم: خلّوا عن عبدي، فقد سهر ونصب في طلب مرضاتي، أحبّ لقائي وأحببت لقاءه. فينزل إليه زوجتاه من الحور العين، ويأمر الله الملائكة أن يأتوه من آفاق الأرض، فيحبونه ويبشرونه بالجنة والكرامة من الله تعالى، فإذا فعلوا ذلك بعث الله إليهم:\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٣٢.\n(٢) كنز العمال: ١٠/ ٣٨١، ح ٢٩٨٩٢.","vol":"3","page":205},{"text":"أن خلّوا بين عبدي وبين زوجته حتى يستريح، فتقول زوجتاه: لقد كنا إليك بالأشواق، ويقول لهما مثل ذلك.\nوعن الحسين بن علي (﵇) قال: بينما علي بن أبي طالب يخطب الناس ويحثهم على الجهاد إذ قام إليه شاب وقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله؟\nقال: كنت رديف رسول الله ﷺ على ناقته العضباء ونحن منقلبون من غزوة، فسألته عمّا سألتني عنه فقال ﷺ: «الغزاة إذا همّوا بالغزو كتب الله تعالى لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزوهم باهى الله تعالى بهم الملائكة، فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت، ويخرجون من ذنوبهم كما تخرج الحية من سلخها، يوكل ﷿ بكل رجل منهم أربعين ألف ملك يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، ولا يعمل حسنة إلّا ضعفت له، وكتب له كل يوم عبادة ألف رجل يعبدون الله ﷿ ألف سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، اليوم مثل عمر الدنيا، فإذا صاروا بحضرة عدوّهم انقطع علم أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم، فإذا برزوا لعدوّهم وأشرعت الأسنّة وفوّقت السهام وتقدم الرجل إلى الرجل حفّتهم الملائكة بأجنحتها ويدعون الله لهم بالنصرة والتثبت، ونادى مناد: الجنة تحت ظلال السيوف، فتكون الضربة والطعنة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف، وإذا زال الشهيد عن فرسه بطعنة أو ضربة لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله تعالى إليه زوجته من الحور العين فتبشره بما أعد الله له من الكرامة، وإذا وصل إلى الأرض تقول له الأرض: مرحبا بالروح الطيب التي أخرجت من البدن الطيب أبشر فإن لك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nويقول الله تعالى: أنا خليفته في أهله، من أرضاهم فقد أرضاني ومن أسخطهم فقد أسخطني، ويجعل الله روحه في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث تشاء تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب معلقة بالعرش، ويعطى الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس، سلوك كل غرفة ما بين صنعاء والشام يملأ نورها ما بين الخافقين، في كل غرفة سبعون بابا، على كل باب سبعون مصراعا من ذهب، وعلى كل باب سبعون غرفة مسبلة، وفي كل غرفة سبعون خيمة، في كل خيمة سبعون سريرا من ذهب قوائمها الدر والزبرجد، مزمولة بقضبان الزمرد، على كل سرير أربعون فراشا، غلظ كل فراش أربعون ذراعا، على كل فراش زوجة من الحور العين عُرُبًا أَتْرابًا» «١» .\nفقال الشاب: يا أمير المؤمنين أخبرني عن العروبة؟ قال: «هي الغنجة الرضية المرضية الشهية، لها ألف وصيف وسبعون ألف وصيفة، صفر الحلي بيض الوجوه، عليهن تيجان اللؤلؤ،\n_________\n(١) سورة الواقعة: ٣٧.","vol":"3","page":206},{"text":"على رقابهم المناديل، بأيديهم الأكواب والأباريق، وإذا كان يوم القيامة يخرج من قبره شاهرا سيفه تشخب أوداجه دما، اللون لون الدم والرائحة رائحة المسك، يخطو في عرصة القيامة.\nفو الذي نفسي بيده لو كان الأنبياء على طريقهم لترجّلوا لهم، ممّا يرون من بهائهم، حتى يأتوا إلى موائد من الجواهر فيقعدون عليها، ويشفع الرجل منهم في سبعين ألف من أهل بيته وجيرته، حتى أن الجارين يتخاصمان أيهما أقرب جوارا فيقعدون معي ومع إبراهيم على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله في كل يوم بكرة وعشية» «١» .\nوروى مكحول عن كثير بن مرة عن قيس الجذامي: رجل كانت له صحبة قال: قال النبي ﷺ: «يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من دمه: يكفّر عنه كل خطيئة، ويرى مقعده من الجنة، ويزوّج من الحور العين، ويؤمن الفزع الأكبر وعذاب القبر، ويحلّى بحلية الإيمان» «٢»\n[١٨٦] .\nثابت بن أسلم البناني عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ في بعض غزواته فأتاه رجل أسود فقال: يا رسول الله إني أسود قبيح الوجه منتن الريح لا مال لي، فإن قاتلت هؤلاء حتى أقتل فأين أنا؟ قال: «في الجنة» قال: فحمل عليهم فقاتل حتى قتل، قال: فجاء رسول الله (﵇) حتى وقف على رأسه فقال: «لقد بيّض الله وجهك وطيّب ريحك وأكثر مالك» ثم قال:\n«لقد رأيت زوجتيه من الحور العين في الجنة تنازعانه جبة له من صوف، ليدخلا بينه وبين جبته» «٣» [١٨٧] .\nأبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما يجد الشهيد من القتل في سبيل الله إلّا كما يجد أحدكم مسّ القرصة» «٤» [١٨٨] .\nوفي غير هذا الحديث: «عضة نملة أشد على الشهيد من مس السلاح» «٥» [١٨٩] .\nوعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله عبادا يصونهم عن القتل والزلازل والأسقام، يطيل أعمارهم في حسن العمل، ويحسن أرزاقهم ويحييهم في عافية ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش، ويعطيهم منازل الشهداء» «٦» [١٩٠] .\nالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ الآية، وذلك\nأن أبا سفيان وأصحابه لما انصرفوا عن\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٤٤٤.\n(٢) المصنف- الكوفي-: ٤/ ٥٨٥.\n(٣) البداية والنهاية- ابن كثير-: ٤/ ٢١٨. بتفاوت.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٢٩٧.\n(٥) كنز العمال: ٤/ ٤٠٥.\n(٦) كنز العمال: ٤/ ٤٢٦. بتفاوت.","vol":"3","page":207},{"text":"المسلمين من أحد فبلغوا الروحاء، ندموا على انصرافهم وتلاوموا وقالوا: لا محمدا قتلتم ولا الكواعب أردفتم قتلتموهم حتى لم يبق منهم إلّا الشريد، تركتموهم ارجعوا فاستأصلوهم، فبلغ ذلك الخبر رسول الله ﷺ فأراد أن يذهب العدو ويريهم من نفسه وأصحابه قوة، فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفيان، فقال: «ألا عصابة تشدد لأمر الله تطلب عدوها فإنها أنكأ للعدو وأبعد للسمع» فانتدب عصابة منهم مع ما بهم من الجروح والقروح الذي أصابهم يوم أحد، ونادى منادي رسول الله: ألا لا يخرجن فيها أحد إلّا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله فقال: يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة ولا رجل فيهم، ولست بالذي أؤثرك على نفسي بالجهاد مع رسول الله ﷺ فتخلف على أخواتك، فتخلفته عليهن، فأذن له رسول الله ﷺ فخرج معه، وإنما خرج رسول الله ﷺ مرعبا للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبهم فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فينصرفوا، فخرج رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن اليمان وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين رجلا، حتى بلغوا حمراء الأسد وهي من المدينة على ثلاثة أميال.\nوعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت لعبد الله بن الزبير: يا ابن أختي أما والله إن أباك وجدّك يعني أبا بكر والزبير لمن الذين قال الله: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ.\nوروى محمد بن إسحاق عن عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبي السائب: أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ من بني عبد الأشهل كان شهد أحدا، قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذّن رسول الله بالخروج في طلب العدو قلنا: لا تفوتنا غزة مع رسول الله ﷺ فو الله ما لنا دابة نركبها وما منّا إلّا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحا من أخي وكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا مع رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، فمرّ رسول الله ﷺ معبد الخزاعي بحمراء الأسد، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله ﷺ بتهامة، صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك فقال: يا محمد والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله ﷺ حتى لقى أبا سفيان ومن معه بالروحاء، قد أجمعوا على الرجعة إلى رسول الله ﷺ وقالوا: قد أصبنا جلّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم، فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟\nقال: محمد قد خرج في أصحابه بطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على صنيعهم، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط، قال: ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، قال:","vol":"3","page":208},{"text":"فو الله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنأتي على بقيتهم. قال: فإني والله أنهاك عن ذلك فقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا.\nقال: وما قلت؟ قال: قلت:\nكادت تهدّ من الأصوات راحلتي ... إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل\nتردي بأسد كرام لا تنابلة ... عند اللقاء ولا خرق معاذيل\nفظلت عدوا أظن الأرض مائلة ... لمّا سمعوا برئيس غير مخذول\nفقلت: وي لابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل\nإني نذير لأهل السير ضاحية ... ولكل ذي إربة منهم ومعقول\nمن جيش أحمد لا وحش قنابله ... وليس يوصف ما أثبت بالقيل\nقال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟\nقالوا: نريد المدينة نريد الميرة.\nقال: فهل أنتم مبلّغون محمدا عني برسالة أرسلكم بها وأحمّل لكم إبلكم هذه زبيبا بسوق عكاظ إذا وافيتمونا؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه إنا قد أجمعنا إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم. وانصرف أبو سفيان إلى مكة ومرّ الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان.\nفقال رسول الله وأصحابه: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، ثم انصرف رسول الله ﷺ بعد الثالثة إلى المدينة وقد ظفر في وجهه بمعاوية بن المغيرة بن العاص وأبي غرة الجمحي\n، هذا قول أكثر المفسرين.\nوقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد حين أراد أن ينصرف: يا محمد موعدنا بيننا وبينك موسم بدر الصغرى لقابل إن شئت.\nفقال رسول الله ﷺ: «ذلك بيننا وبينك إن شاء الله» [١٩١] فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية من الظهران، ثم ألقى الله ﷿ الرعب في قلبه قبل الرجوع، فلقى نعيم بن مسعود الأشجعي وقد قدم معتمرا فقال له أبو سفيان: يا نعيم إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وإن هذه عام جدب ولا يصلحنا إلّا عام نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة، ولأن يكون الخلف من جهتهم أحبّ إليّ من أن يكون من قبلي، فالحق بالمدينة فثبطهم وأعلمهم أنّا في جمع كثير ولا طاقة لهم بنا، ولك عندي عشرة من الإبل أضعها لك على يدي سهيل بن عمرو يضمنها.","vol":"3","page":209},{"text":"قال: فجاء سهيل فقال له نعيم: يا أبا يزيد أتضمن لي هذه الفرائض فانطلق إلى محمد واثبطه. قال: نعم، فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون بميعاد أبو سفيان، فقال:\nأين تريدون؟ فقالوا: واعدنا أبو سفيان بموسم بدر الصغرى أن نقتتل بها.\nقال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في دياركم وقراكم فلم يفلت منكم إلّا شريد، فتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم، والله لا يفلت منكم أحد. فكره أصحاب رسول الله الخروج، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لأخرجنّ ولو وحدي» [١٩٢] فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال وقالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتى وافوا بدر الصغرى، فجعلوا يلقون المشركين ويسألونهم عن قريش فيقولون: قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ. يريدون أن يرعبوا المسلمين، فيقول المؤمنون: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، حتى لقوا بدر. وهو ماء لبني كنانة وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فأقام رسول الله ﷺ ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من مجنة إلى مكة، فسماهم أهل مكة جيش السويق وقالوا: إنما خرجتم تشربون السويق، فلم يلق رسول الله ﷺ وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافوا السوق وكانت معهم نفقات وتجارات فباعوها وأصابوا الدرهم والدرهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين «١» . فذلك قوله تعالى:\nالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ.\nومحل (الَّذِينَ) خفض على صفة المؤمنين تقديره وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ المستجيبين لله والرسول ومعنى الاستجابة: الاجابة والطاعة، نظيره قوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي»\nفليطيعوا لي مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ أي نالهم الجراح والكلوم، وتم الكلام هاهنا ثم ابتدأ فقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ بطاعة رسول الله وإجابته إلى الغزو وَاتَّقَوْا معصيته وطاعته أَجْرٌ عَظِيمٌ ثواب كثير الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ ومحل (الَّذِينَ) خفض أيضا مردود على الذين الأول، وأراد (بالناس) نعيم ابن مسعود في قول مجاهد ومقاتل وعكرمة والواقدي، وهو على هذا التأويل من العام الذي أريد به الخاص، نظيره قوله: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ «٣» يعني محمدا وحده، وقوله: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ «٤» يريد الرجال وحده.\nوقال ابن إسحاق وجماعة: يريد ب (الناس) الركب من عبد القيس وقد مضت قصتهم.\nوقال السدي: لما تجهز رسول الله ﷺ وأصحابه للمسير إلى ميعاد أبي سفيان، أتاهم\n_________\n(١) راجع: تفسير الطبري: ٤/ ٢٣٥- ٢٣٦، وتاريخ الطبري: ٢/ ٢١٢.\n(٢) سورة البقرة: ١٨٦.\n(٣) سورة النساء: ٥٤. [.....]\n(٤) سورة غافر: ٥٧.","vol":"3","page":210},{"text":"المنافقون وقالوا: نحن أصحابكم الذين نهيناكم عن الخروج إليهم فعصيتمونا، وقد أتوكم في داركم وقاتلوكم وظفروا، فإن أتيتموهم في ديارهم لا يرجع أحد منكم. فقالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.\nوقيل: (الناس) ساروا الناس في هذه الآية هم المنافقون.\nوقال أبو معشر: دخل ناس من هذيل من أهل تهامة المدينة، فسألهم أصحاب رسول الله ﷺ عن أبي سفيان فقالوا: قد جمعوا لكم جموعا كثيرة فاجتنبوهم. فقالوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فأنزل الله تعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ يعني أولئك القوم من بني هذيل إِنَّ النَّاسَ يعني أبا سفيان وأصحابه قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فخافوهم واحذروهم، فإنه لا طاقة لكم بهم فَزادَهُمْ ذلك إِيمانًا يعني تصديقا ويقينا وقوة وجرأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>ذكر بعض ما ورد في الأخبار في زيادة الإيمان ونقصانه</span>\nروى مالك عن نافع عن ابن عمر قال: قلنا يا رسول الله الإيمان يزيد وينقص؟ قال: «نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار» «١» [١٩٣] .\nعطاء: إنما مجادلة أحدكم في الحق، فيكون له في الدنيا بأشد من مجادلة المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار. قال: فيقولون: ربّنا إخواننا كانوا يصلّون معنا ويصومون معنا ويحجّون معنا فأدخلتهم النار. قال: فيقول: اذهبوا فأخرجوا من قد عرفتم منهم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه ومنهم من أخذته إلى كعبيه، فيخرجونهم فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا. قال: ثم يقول لهم: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم كان في قلبه وزن نصف دينار، حتى يقول فمن كان في قلبه ذرة «٢» .\nوعن سهل بن حنيف قال: سمعت أبا سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون عليّ وعليهم قميص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض عليّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره» قالوا: فماذا أولت يا رسول الله؟ قال:\n«الدين» «٣» [١٩٤] .\nوعن هذيل بن شرحبيل عن عمر (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: «لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض أو بإيمان هذه الأمة لربح به» «٤» [١٩٥] .\n_________\n(١) بحار الأنوار: ٦٦/ ٢٠٩.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٩٤.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٣٧٤، صحيح البخاري: ٨/ ٧٥.\n(٤) كنز العمال: ١٢/ ٤٩٣، بنقص يسير.","vol":"3","page":211},{"text":"وعن ابن سابط قال: كان عبد الله بن رواحة يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: تعالوا نؤمن ساعة تعالوا نزدد إيماننا، تعالوا نذكر الله تعالى، [تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته] «١» .\nوعن عبد الله بن عمرو بن هند قال: قال علي كرم الله وجهه: إن الإيمان يبدأ نقطة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادت بياضا، حتى يبيضّ القلب كله، وإن النفاق يبدأ نقطة سوداء في القلب، وكلما ازداد النفاق ازدادت سوادا، حتى يسوّد القلب كله، والذي نفسي بيده لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض القلب ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود القلب.\nوعن عمير بن حبيب بن خماشة قال: الإيمان يزيد وينقص. فقيل له: وما زيادته ونقصانه؟\nقال: إذا ذكرنا ربّنا وخشيناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيقنا فذلك نقصانه.\nوعن محمد بن طلحة عن زبيد عن زر قال: كان عمر ممّا يأخذ الرجل والرجلين من أصحابه فيقول: قم بنا نزدد إيمانا.\nوعن محمد بن فضيل عن أبيه عن سماك عن إبراهيم عن علقمة أنه كان يقول لأصحابه:\nامشوا بنا نزدد إيمانا.\nوعن الحرث بن عمير عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزيد وينقص.\nوعن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: الإيمان يزداد وينقص.\nالحرث بن الحصين عن أبي الدرداء قال: الإيمان يزداد وينقص.\nأبو حذيفة: إن عمر بن عبد العزيز قال: الإيمان يزيد وينقص.\nسفيان عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما نقصت أمانة عبد قط إلّا نقص من إيمانه.\nوعن عثمان بن سعد الدارمي قال: سألت محمد بن كثير العبدي عن الإيمان فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان سفيان يقوله؟ قال: نعم بلا شك.\nوقال: سألت أبا حذيفة موسى بن مسعود عن الإيمان قال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت: أكان سفيان يقوله؟ قال: نعم.\nقال: وسألت عارم بن الفضل عن الإيمان، فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، قلت:\nأكان حماد بن يزيد يقوله؟ قال: نعم.\n_________\n(١) المصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ٢٢٧ وما بين معكوفتين منه.","vol":"3","page":212},{"text":"قال: وسألت أبا الوليد الطيالسي عن الإيمان، فقال: قول وعمل ونية، قلت: أيزداد وينقص؟ قال: نعم.\nقال: وسألت سليمان بن حرب عن الإيمان، فقال: مثل ذلك.\nقال: وسمعت مسلم بن إبراهيم يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.\nقال: وسألت علي بن عبد الله المديني عن الإيمان، قال: قول وعمل ونية، قلت: أينقص ويزداد؟ قال: نعم يزداد وينقص حتى لا يبقى منه شيء.\nقال: وسألت عمر بن عون الواسطي عن الإيمان فقال: مثل ذلك. قال: وسمعت يحيى بن يحيى يقول: الإيمان قول وعمل والناس يتفاضلون في الإيمان. قال: وسألت أحمد بن يونس عن الإيمان. قال: هو عمل يزيد وينقص.\nقال: وسألت عبد الله بن محمد [الطفيل] وكان متّقيا عن الإيمان فقال: هو قول وعمل يزيد وينقص، فأروه عني.\nقال: وسألت أبا بويه الجيلي عن الإيمان فقال: قول وعمل يزيد وينقص.\nقال: وسمعت محبوب بن موسى الأنطاكي يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومن كره الاستثناء فقد أخطأ السنّة. قلت: أكان أبو إسحاق الفراري يقوله؟ قال: كان أبو إسحاق يخرج من المصيصة «١» من لا يقول الإيمان يزيد وينقص.\nقال: وسمعت محبوب بن موسى يقول: سمعت يوسف بن أسباط يقول: الإيمان يزيد وينقص.\nقال: وسمعت الحسين بن عمر السجستاني يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.\nقال الحسن: وكان وكيع بن الجراح وعمر بن عمارة وابن أبي برزة وزهير بن نعيم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.\nقوله تعالى وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي كافينا وثقتنا، والنون والألف مخفوضتان بالإضافة كقولك: حسب زيد درهم، لان حسب اسم وإن كان في مذهب الفعل ألا ترى ضمة الثانية.\nقال الشاعر:\nفتملأ بيتنا إقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وريّ «٢»\n_________\n(١) المصيصة: بلد بالشام، لا تشدد.\n(٢) الصحاح: ٥/ ٢١٣٨، تاج العروس: ٥/ ٣٩٢.","vol":"3","page":213},{"text":"وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي الموكول إليه الأمور، فعيل بمعنى مفعول.\nقال الواقدي: وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أي المانع. نظيره قوله: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا «١» أي مانعا، وقوله: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا «٢» .\nعن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كان آخر ما تكلم به رسول الله إبراهيم (﵇) حين ألقي في النار: حسبي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» «٣» [١٩٦] .\nوعن عوف بن مالك الأشجعي قال: قضى رسول الله ﷺ بين رجلين فقال المقضي عليه:\nحسبي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.\nفقال النبي ﷺ: «إن الله يحمد على الكيس ويلوم على العجز، وإذا غلبك أمر فقل:\nحسبي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» «٤» [١٩٧] .\nفَانْقَلَبُوا فانصرفوا ورجعوا، نظيره قوله: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ «٥» أي رجعوا.\nبِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ أي بعافية لم يلقوا بها عدوا وبراء جراحهم وَفَضْلٍ بربح وتجارة، وهو ما أصابوا من السوق فربحوا لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ لم يصبهم قتل ولا جرح ولا ينالهم سوء ولا أذى ولا مكروه وَاتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ في طاعة الله وطاعة رسوله، وذلك أنهم قالوا: هل يكون هذا غزوا؟ فأعطاهم الله ثواب الغزو ورضى عنهم وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يعني ذلك الذي قال لكم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ، من فعل الشيطان ألقى في أفواههم يرهبوهم ويجبنوا عنهم يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ أي يخوفكم بأوليائه، أي أولياء إبليس حتى يخوّف المؤمنين بالكافرين.\nوقال السدي: يعظم أولياءه في صدورهم ليخافوهم، نظيره قوله ﷿: لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا «٦» أي ببأس، وقوله: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ «٧» وتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ «٨» أي بيوم الجمع\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٨٦.\n(٢) سورة الإسراء: ٦٥.\n(٣) السنن الكبرى: ٦/ ١٥٤، والجامع الصغير: ١/ ٦.\n(٤) المعجم الكبير: ١٨/ ٥٤، كنز العمال: ٣/ ٨٦.\n(٥) سورة يوسف: ٦٢.\n(٦) سورة الكهف: ٢. [.....]\n(٧) سورة غافر: ١٥.\n(٨) سورة الشورى: ٧.","vol":"3","page":214},{"text":"يخوف الناس أولياءه، كقول القائل: ويعطى الدراهم ويكسي الثياب، بمعنى هو يعطي الناس الدراهم ويكسي الناس الثياب. يدل عليه قراءة ابن مسعود: (يخوف الناس أولياءه) .\nوروى يحيى بن اليمان عن طلحة عن عطاء أنه كان يقرأ إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ.\nوروى محمد بن مسلم بن أبي وضاح قال: حدثنا علي بن خزيمة قال: في قراءة أبي بن كعب: يخوفكم بأوليائه.\nفَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ في ترك أمري إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مصدقين بوعدي فإني المتكفل لكم بالنصر والظفر وَلا يَحْزُنْكَ.\nقرأ نافع: (يَحْزُنُكَ) بضم الياء وكسر الزاي، وكذلك جميع ما في القرآن من هذا الفعل، إلّا التي في الأنبياء لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ «١» فإنه بفتح الياء وضم الزاي، وضده أبو جعفر، وقرأ ابن محيصن كلها بضم الياء وكسر الزاي.\nالباقون كلها بالفتح وضم الزاي، وهما اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهما لغتان، حزن يحزن وأحزن يحزن إلّا أن اللغة العالية الفصيحة: حزن يحزن وأحزنته قال الشاعر:\nمضى صحبي وأحزنني الديار «٢»\nالَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.\nقرأه العامة: هكذا، وقرأ طلحة بن مصرف: يسرعون.\nقال الضحاك: هم كفار قريش، وقال غيره: هم المنافقون يسارعون في الكفر بمظاهرة الكفار.\nإِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا بمسارعتهم في الكفر ومظاهرتهم أهله يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ نصيبا في ثواب الآخرة، فلذلك خذلهم حتى سارعوا في الكفر وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وفي هذه الآية ردّ على القدرية.\nإِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ استبدلوا الكفر بالإيمان لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا فإنهم يضرون أنفسهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.\nقراءة حمزة وأبي بحتريه: بالتاء.\nالباقون: بالياء، فمن قرأ بالياء ف (الَّذِينَ) في محل الرفع على الفاعل تقديره: ولا يحسبن الكفار أن إملاءنا خير لهم.\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ١٠٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٨٥.","vol":"3","page":215},{"text":"ومن قرأ بالتاء، قال الفراء: هو على التكرير في المعنى، ولا تحسبن يا محمد الذين كفروا ولا تحسبن إنما نملي، لأنك إذا أعلمت الحسبان في الذين لم يجز أن يقع على إنما، وهو كقوله: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً «١» يعني هل ينظرون إلّا أن تأتيهم بغتة، وقيل: موضع إنما نصب على البدل من الذين.\nكقول الشاعر:\nفما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدّما «٢»\nفرفع (هلك) على البدل، من الأول، والإملاء الإمهال والتأخير والإطالة في العمر والإنسان في الأجل، ومنه قوله تعالى: وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا «٣» أي حينا طويلا ويقال: عشت طويلا، أي تمليت حينا، وأصله من الملاوة والملا وهما الدهر.\nقال الشاعر:\nوقد أراني للغوالي مصيدا ... ملاوة كأن فوقي جلدا «٤»\nوالملوان: الليل والنهار.\nقال تميم بن مقبل:\nألا يا ديار الحي ... بالسبعان أمل عليها بالبلى «٥»\nثم قال أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ نمهلهم لِيَزْدادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ نزلت هذه الآية في مشركي قريش.\nقال مقاتل: قال عطاء: في قريظة والنضير.\nوعن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله»، قال: فأي الناس شر؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» «٦» [١٩٨] .\nوقال ابن مسعود: ما من نفس برّة ولا فاجرة إلّا والموت لها، فأما الفاجرة فمستريح ومستراح منه، وقرأ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ الآية، وأما البرّة فقرأ نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ.\n_________\n(١) سورة محمد: ١٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٤٤، البداية والنهاية: ٨/ ٣٥.\n(٣) سورة مريم: ٤٦.\n(٤) لسان العرب: ٣/ ١٢٥.\n(٥) لسان العرب: ٨/ ١٥٠.\n(٦) مسند أحمد: ٥/ ٤٠.","vol":"3","page":216},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٧٩ الى ١٨٦]</span>\nما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٩) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٨٣)\nفَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)\nما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ، اختلفوا في نزولها:\nفقال الكلبي: قالت قريش: يا محمد تزعم أن من خالفك فهو في النار، والله عليه غضبان وأن من اتبعك على دينك فهو من أهل الجنة والله عنه راض، فأخبرنا من يؤمن بك ومن لا يؤمن بك؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال السدي: قال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ أمّتي في صورها في الطين كما عرضت على آدم (﵇) وأعلمت من يؤمن بي ومن لا يؤمن» فبلغ ذلك المنافقين واستهزؤا وقالوا:\nزعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر به ممّن لم يخلق بعد، ونحن معه ولا يعرفنا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقام على المنبر خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «ما بال [القوم] «١» حملوني وطعنوا في حلمي، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلّا أنبأتكم» [١٩٩] .\nفقام عبد الله بن حذافة السهمي فقال: يا رسول الله من أبي؟ فقال: «حذافة»، فقام عمر ابن الخطاب (﵁) فقال: يا رسول الله رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبالقرآن إماما وبك نبيّا فاعف عنّا عفا الله عنك.\nفقال النبي ﷺ: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ...، فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؟» ثم نزل عن المنبر، فأنزل الله تعالى هذه الآية «٢» .\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٨٨، باختلاف، ومصنف بن أبي شيبة: ٨/ ٦٩٨، وتفسير الطبري: ٧/ ١١٠.","vol":"3","page":217},{"text":"فقالت أم حذافة له: ويحك ما أردت إلّا أن تعرضني لرسول الله. فقال: كان الناس قد آذوني فيك فأحببت أن أسأل رسول الله ﷺ فإن كانوا صدقوا رضيت وسكت، وإن كذبهم رسول الله ﷺ كفّوا عني.\nوقال أبو العالية: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمنين والمنافقين، فأنزل الله ﷿ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ واختلفوا في حكم الآية ونظمها:\nفقال بعضهم: الخطاب للكفار والمنافقين من الكفر والنفاق حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ\nوهذا قول ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي وأكثر المفسرين.\nوقال آخرون: الخطاب للمؤمنين الذين أخبر عنهم، ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وعلى هذا القول هو من خطاب التلوين، رجع من الخبر إلى الخطاب كقوله: وَجَرَيْنَ بِهِمْ «١» .\nوكقول الشاعر:\nيا لهف نفسي كان جلدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر «٢»\nوهذا قول أكثر أهل المعاني، واللام في قوله: لِيَذَرَ لام الجحد، وهي في تأويل كي، ولذلك نصب ما بعدها حتى يميّز.\nقرأ الحسن وقتادة وأهل الكوفة: بضم الياء والتشديد وكذلك التي في الأنفال، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم.\nالباقون: بفتح الياء مخففا.\nيقال: بان الشيء يميّزه ميزا وميّزه تميّزا، إذا فرّقه وامتاز وانماز هو بنفسه.\nقال أبو معاذ يقال: مزت الشيء أميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين، فإذا كانت أشياء قلت:\nميّزتها تمييزا، ومثله إذا جعلت الشيء الواحد شيئين، قلت: فرّقت بينهما، ومنه فرق الشعر، فإن جعلت أشياء قلت: فرقه وفرقها تفريقا، ومعنى الآية: حتى يميّز المنافق من المخلص فيميّز الله المؤمنين يوم أحد من المنافقين، حيث أظهروا النفاق وتخلفوا عن رسول الله ﷺ.\nقتادة: حتى يميّز المؤمن من الكافر بالهجرة والجهاد، ونظيرها في سورة الأنفال. ابن\n_________\n(١) سورة يونس: ٢٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ١٠١. [.....]","vol":"3","page":218},{"text":"كيسان ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الإقرار حتى نفرض عليهم الجهاد والفرائض التي فيها تخليصهم، ليميّز بها بين من يثبت على إيمانه مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ.\nالضحاك: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ في أصلاب الرجال وأرحام النساء، يا معشر المنافقين والمشركين حتى يفرّق بينكم وبين من في أصلابكم وأرحام نسائكم من المؤمنين.\nوقال بعضهم: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ وهو المذنب، مِنَ الطَّيِّبِ وهو المؤمن، يعني حتى يحط الأوزار من المؤمن ما يصيبه من نكبة ومحنة ومصيبة.\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ لأنه لا يعلم الغيب أحد غيره وَلكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي يختار مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ بالغيب فيطلعه على بعض علم الغيب، نظيره قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ «١» .\nوقال السدي: وما كان الله ليطلع محمدا ﷺ على الغيب ولكن الله اجتباه فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ.\nوروى الفضل بن موسى عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجاج منجم فأخذ الحجاج حصيات لم يعدّهن وقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب فأصاب المنجم، ثم اعتقله الحجاج، فأخذ حصيات لم يعدّهن فقال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب وحسب ثم أخطأ ثم حسب أيضا فأخطأ، فقال: أيها الأمير أظنك لا تعرف عددها في يدك؟ قال: فما الفرق بينهما؟ قال: إن ذلك أحصيته فخرج عن حد الغيب فحسبت وأصبت، وإن هذا لم يعرف عددها فصار غيبا ولا يعلم الغيب إلّا الله.\nوَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ.\nمن قرأ بالياء جعل هو [ابتداء] وجعل الاسم مضمرا وجعل الخير خيرا بحسبان تقديره:\nولا تحسبن الباخلون البخل خيرا لهم، فاكتفا بذكر (يَبْخَلُونَ) من البخل كما تقول في الكلام: قد قدم زيد فسررت به، وأنت تريد سررت بقدومه.\nقال الشاعر:\nإذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف «٢»\nأي جرى إلى السفه ونظير هذا قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ»\nهو\n_________\n(١) سورة الجن: ٢٦- ٢٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٢٩٠.\n(٣) سورة الأنفال: ٣٢.","vol":"3","page":219},{"text":"ابتداء والحق خبر كان، وقوله: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ «١» .\nومن قرأ بالتاء فعلى التكرير والبدل، كما ذكرنا في آية الإملاء «٢»، قال الله تعالى: بَلْ هُوَ يعني البخل شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.\nقال المبرد: السين في قوله: سَيُطَوَّقُونَ سين الوعيد وتأويلها: سوف يطوقون، واختلفوا في معنى الآية:\nفقال قوم: معناها فجعل ما بخل به وما يمنعه من الزكاة حيّة تطوق في عنقه يوم القيامة تنهشه من قرنه إلى قدمه وتنقر رأسه، تقول: أنا مالك، فلا يزال كذلك حتى يساق إلى النار ويغل، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وأبي [وائل] وابن مالك وابن فرعة والشعبي والسدي، ويدل عليه ما\nروى أبو وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل لا يؤدي زكاة ماله إلّا جعل له شجاع في عنقه يوم القيامة» [٢٠٠] ثم قرأ علينا رسول الله ﷺ مصداق من كتاب الله تعالى سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٣» .\nوعن رجل من بني قيس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه يسأله من فضل الله إيّاه فيبخل به عنه إلّا أخرج الله له من جهنم شجاع يتلمظ حتى يطوقه» [٢٠١] ثم تلا وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ «٤» الآية.\nوعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يكون له مال فيمنعه من حقه ويضعه في غير حقه إلّا مثله الله شجاعا أقرع منتن الريح لا يمر بأحد إلّا استعاذ منه حتى دنا من صاحبه، فإذا دنا من صاحبه أعوذ بالله منك، قال: لم تستعيذ مني وأنا مالك الذي كنت تبخل به في الدنيا فيطوقه في عنقه فلا يزال في عنقه حتى يدخله الله جهنّم»\nوتصديق ذلك في القرآن سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٥» [٢٠٢] .\nفقال إبراهيم النخعي: معناه يجعل يوم القيامة في أعناقهم طوقا من نار.\nمجاهد: يكلفون يوم القيامة أن يأتوا ممّا بخلوا به في الدنيا من أموالهم يوم القيامة.\nالمؤرّخ: يلزمون أعمالهم مثل ما يلزم الطوق بالعنق، يقال: طوق فلان عمله مثل طوق الحمامة.\n_________\n(١) سورة سبأ: ٦.\n(٢) سبق في تفسير قوله تعالى: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٩٨. والسنن الكبرى: ٤/ ٨٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٤، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٤٢.\n(٥) تفسير الطبري: ٧/ ٢٣٧، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٣، (بتفاوت) .","vol":"3","page":220},{"text":"عن يسار بن سعد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «مانع الزكاة يوم القيامة في النار» «١» [٢٠٣] .\nهشام بن عروة عن أبيه قال: إن رسول الله ﷺ قال: «لا تخالط الصدقة مالا إلّا أهلكته» «٢» [٢٠٤] .\nعن عكرمة عن جبير بن مهاجر عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما حبس قوم الزكاة إلّا حبس الله عنهم القطر» «٣» [٢٠٥] .\nوعن الحسن البصري قال: كان أعرابي صاحب ماشية، وكان قليل الصدقة فتصدق بعريض من غنمه، فرأى فيما يرى النائم كأنما وثبت عليه غنمه كلها فجعل العريض يحامي عنه، فلما انتبه قال: والله لئن استطعت لأجعلن أتباعك كثيرا. قال: وكان بعد ذلك يقسم.\nقال الثعلبي: أنشدنا أبو القاسم الحسين بن محمد قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن عبد الله قال: أنشدنا العلائي قال: أنشدني المهدي بن سابق:\nيا مانع المال كم تضمن به ... أتطمع بالله في الخلود معه\nهل حمل المال ميت معه ... أما تراه لغيره جمعه «٤»\nابن سعيد عن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في أحبار اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ ونبوته، وأراد بالبخل كتمان العلم الذي أتاهم الله، يدل عليه قوله تعالى في سورة النساء:\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ «٥» الآية، ومعنى قوله:\nسَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ أي يحملون وزره وإثمه كقوله تعالى: يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ «٦»، وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني أنه الباقي الدائم بعد فناء خلقه وزوال أملاكهم فيموتون ويرثهم، نظيره قوله: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها «٧» .\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.\nقرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالياء، الباقون: بالتاء.\nلَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ.\n_________\n(١) المعجم الصغير: ٢/ ٥٨، مجمع الزوائد: ٣/ ٦٤، كنز العمال: ٦/ ٣٠٦.\n(٢) كتاب المسند للشافعي: ٩٩، السنن الكبرى: ٤/ ١٥٩.\n(٣) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١٠/ ٢٠٨، السنن الكبرى: ٩/ ٢٣١، (ولا منع) بدل (ما حبس) .\n(٤) روضة الواعظين: ٣٨٥، نهج السعادة: ٨/ ٢٤٦.\n(٥) سورة النساء: ٣٧.\n(٦) سورة الأنعام: ٣١. [.....]\n(٧) سورة مريم: ٤٠.","vol":"3","page":221},{"text":"قال الحسن ومجاهد: لما نزلت مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا «١» قال اليهود:\nإِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ يستقرض منّا وَنَحْنُ أَغْنِياءُ، [والقائل فنحاص بن عازوراء] «٢» عن ابن عباس.\nوروى الحسن: أن قائل هذه المقالة حيي بن أخطب «٣» .\nقال عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق: كتب النبي ﷺ مع أبي بكر الصديق إلى يهود بني قينقاع يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فدخل أبو بكر (﵁) ذات يوم بيت مدارسهم فوجد ناسا كثيرا من اليهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازوراء وكان من علمائهم، ومعه حبر آخر يقال له:\nأشيع، فقال أبو بكر (﵁) لفنحاص: اتق الله وأسلم إنك لتعلم أن محمدا قد جاءكم بالحق من عند الله يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ «٤» فأمن وصدّق واقرض اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يدخلك الجنة ويضاعف لك الثواب.\nقال فنحاص: يا أبا بكر تزعم أن ربّنا يستقرضنا أموالنا ولا يستقرض إلّا الفقير من الغني، فإن كان ما تقول حقا فإن الله إذا لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنيا ما أعطاناه ربّي، فغضب أبو بكر (﵁) وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك يا عدو الله.\nفذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ وقال: يا محمد أنظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «ما الذي حملك على ما صنعت؟» [٢٠٦] فقال يا رسول الله: إن عدوّ الله قد قال قولا عظيما، زعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء فغضبت لله وضربت وجهه فجحد ذلك فنحاص، فأنزل الله ﷿ ردا على فنحاص وتصديقا لأبي بكر (﵁) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا من الإفك والفرية على الله ﷿ فنجازيه به «٥» .\nوقال مقاتل وابن عبيد: سيحفظ عليهم، الكلبي: سنوجب عليهم في الآخرة جزاء ما قالوا في الدنيا، الواقدي: سيؤمن الحفظة من الكتاب، نظيره قوله: وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ «٦» .\nقرأ حمزة والأعمش والأعرج: بياء مضمومة.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٤٥.\n(٢) راجع زاد المسير: ٢/ ٦٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٩.\n(٤) سورة الأعراف: ١٥٧.\n(٥) أسباب النزول: ٨٩.\n(٦) سورة الأنبياء: ٩٤.","vol":"3","page":222},{"text":"وقتلهم برفع اللام ويقول بالياء، اعتبارا بقراءة عبد الله ويقال ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي النار، والنار اسم جامع للملتهبة منها وغير الملتهبة، والحريق اسم للملتهبة منها، وهو بمعنى المحرق كما يقال: عذاب أليم وضرب وجيع.\nذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فيعذب بغير ذنبه الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا الآية.\nقال الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف ووهب بن يهودا وزيد بن تابوه وفنحاص بن عازوراء وحيي بن أخطب، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله تزعم أن الله بعثك إلينا رسولا وأنزل علينا كتابا، فإن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول يزعم أنه جاء من عند الله حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ، فإن جئتنا به صدقناك «١»، فأنزل الله ﷿ الَّذِينَ قالُوا يعني وسمع الله قول الذين قالوا\n، ومحل (الَّذِينَ) خفض ردّا على الذين الأول إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أي أمرنا وأوصانا في كتبه على ألسنة رسله.\nأَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ أي لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء من عند الله حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ فيكون ذلك دلالة على صدقه، والقربان كل ما يتقرب به العبد إلى الله ﷿ من زكاة وصدقة وعمل صالح، وهو فعلان من القربة مثل الرفعان من الرّفع [والغنيان] من الغنى، ويكون اسما ومصدرا فمثال الاسم: السلطان والبرهان، ومثال المصدر: العدوان والخسران.\nوكان عيسى بن عمر يقرأ: قُرُبان فبضم الراء والقاف كما يقال في جمع ظلمة: ظلمات، وفي جمع حجرة: حجرات.\nقال المفسرون: كانت القرابين والغنائم تحل لبني إسرائيل، فكانوا إذا قرّبوا قربانا وغنموا غنيمة فإن تقبل منهم ذلك جاءت نار بيضاء من السماء لا دخان لها ولها دوي وحفيف، فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة وتحرقهما، فيكون ذلك علامة القبول، وإذا لم يقبل بقي على حاله.\nوقال عطاء: كانت بنو إسرائيل يذبحون لله فيأخذون الثروب وأطائب اللحم فيضعونها في وسط البيت والسقف مكشوف، فيقوم النبي في البيت ويناجي ربّه، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نار فتأخذ ذلك القربان فيخر النبي ساجدا فيوحي الله ﷿ إليه بما شاء.\nقال السدي: إن الله تعالى أمر بني إسرائيل في التوراة: من جاءكم من أحد يزعم أنه رسول فلا تصدقوه حتى يأتيكم بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حتى يأتيكم المسيح ومحمد، فإذا أتياكم فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان، قال الله تعالى إقامة للحجة عليهم قُلْ يا محمد قَدْ جاءَكُمْ يا معشر اليهود رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ من القربان فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ يعني زكريا\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٨٩ وتفسير القرطبي: ٤/ ٢٩٥.","vol":"3","page":223},{"text":"ويحيى وسائر من قتلوا من الأنبياء، وأراد بذلك أسلافهم، فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل أسلافهم، ومعنى الآية تكذيبهم يا محمد إياك مع علمهم بصدقك، كقتل آبائهم الأنبياء مع الإتيان بالقربان والمعجزات، ثم قال معزيا نبيه ﷺ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وبالزبر أي الكتب المزبورة يعني المكتوبة أصلها من زبرت أي كتبت، واحدها زبور مثل رسول ورسل، وكل كتاب فهو زبور.\nقال امرؤ القيس:\nلمن طلل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يماني «١»\nوقال بعضهم: هو الكتاب الحسن حكاه المفضل وأنشد.\nعرفت الديار كخط الدويّ ... يحبره الكاتب الحميري «٢»\nوقرأ ابن عامر: وبالزبر بزيادة باء، وكذلك هو في مصاحفهم.\nوقال عكرمة ومقاتل والواقدي: يعني بالزبر أحاديث من كان قبلهم، نظيرها في سورة الحج والملائكة.\nوَالْكِتابِ الْمُنِيرِ الواضح المضيء كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ.\nقرأه العامة: بالإضافة، وقرأ الأعمش: (ذائقةٌ) بالتنوين، (الموتَ) نصبا، وقال: لأنها لم تذق بعد.\nوقال أمية بن الصلت:\nمن لم يمت عبطة يمت هدما ... للموت كأس والمرء ذائقها «٣»\nأبو صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لما خلق الله ﷿ آدم (﵇) اشتكت الأرض إلى ربّها لما أخذ منها، فواعدها أن يرد منها ما أخذ منها، فما من أحد إلّا يدفن في الثرى التي خلق منها» [٢٠٧] «٤» .\nوَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ توفون جزاء أعمالكم يَوْمَ الْقِيامَةِ إن خيرا فخير وإن شرا فشر فَمَنْ زُحْزِحَ نجا وأزيل عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ ظفر بما يرجوا ونجا ممّا يخاف وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ يعني منفعة ومتعة، كالفأس والقدر والقصعة ثم يزول ولا يبقى، قاله أكثر المفسرين.\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ١٩٩.\n(٢) كتاب العين: ٨/ ٩٤.\n(٣) لسان العرب: ٦/ ١٨٨.\n(٤) لم نجده بهذا النص في المصادر الكثيرة المتوفرة لدينا، وورد بنحوه في تفسير الطبري: ٢٩/ ٢٦٦، وتفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٧.","vol":"3","page":224},{"text":"وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي، الحسن: كخضرة النبات ولعب البنات لا حاصل له.\nقتادة: هي متاع متروكة توشك أن تضمحل بأهلها، فخذوا من هذا المتاع بطاعة الله ما استطعتم، والغرور الباطل، ونظيرها في سورة الحديد.\nعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن يزحزح عن النار وأن يدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا رسول الله، ويأتي الناس ما يحب أن يؤتى إليه» «١» [٢٠٨] .\nأبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها فاقرءوا إن شئتم فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ» «٢» .\nلَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ الآية.\nقال عكرمة ومقاتل والكلبي وابن جريج: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وفنحاص، وذلك أن النبي ﷺ بعث أبا بكر الصديق (﵁) إلى فنحاص بن عازورا سيد بني قينقاع يستمده وكتب إليه كتابه، وقال لأبي بكر: «لا تفتت عليّ بشيء حتى يرجع»، فجاءه أبو بكر (﵁) وهو متوشح بالسيف فأعطاه الكتاب فلما قرأه قال: قد أحتاج ربّكم إلى أن يمده، فهمّ أبو بكر أن يضربه بالسيف ثم ذكر قول النبي ﷺ «لا تفتت بشيء حتى يرجع»، فكفّ ونزلت هذه الآية «٣» .\nوقال الزهري: نزلت في كعب بن الأشرف وذلك أنه كان يهجوا رسول الله ﷺ ويسب المؤمنين ويحرض المشركين على النبي وأصحابه في شعره وينسب بنساء المسلمين حتى آذاهم، فقال النبي ﷺ: «من لي بابن الأشرف» .\nفقال محمد بن سلمة الأنصاري: أنا لك به يا رسول الله، أنا أقتله، قال: «فافعل إن قدرت على ذلك» فرجع محمد بن سلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلّا ما تعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعاه فقال: «لم تركت الطعام والشراب؟» قال: يا رسول الله قد قلت قولا ولا أدري هل أفي به أم لا؟\nقال: «إنما عليك الجهد» فقال: يا رسول الله إنه لا بد لنا من أن نقول، قال: «قولوا ما\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٣٠٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٥، تفسير القرطبي: ٤/ ٣٠٢. [.....]\n(٣) الدر المنثور: ٢/ ١٠٦.","vol":"3","page":225},{"text":"بدا لكم فأنتم في حل من ذلك» فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلاحة بن وقش.\nوهو ابو نائلة وكان أخا كعب من الرضاعة. وعباد بن بشر بن وقش والحرث بن أوس بن معاذ وأبو عبس بن جبر فمشى معهم رسول الله ﷺ إلى بقيع الغرقد ثم وجّههم وقال: «انطلقوا على اسم الله اللهم أعنهم» «١» [٢٠٩] .\nثم رجع رسول الله ﷺ وذلك في ليلة مقمرة، فأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه فقدّموا أبا نائلة، فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا الشعر وكان أبو نائلة يقول الشعر ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف إني قد جئتك بحاجة أريد ذكرها لك فأكتم عليّ. قال: أفعل. قال: كان قدوم هذا الرجل بلاء، عادتنا العرب ورمونا عن قوس واحدة، وانقطعت عنا السبل حتى ضاعت العيال وجهدت الأنفس.\nفقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد أخبرتك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى هذا.\nفقال أبو نائلة: إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا طعامك ونرهنك ونوثق لك ونحسن في ذلك. قال: ترهنوني أبناءكم؟ قال: إنّا نستحي أن يعير أبناؤنا. فقال: هذا رهينة وسق وهذا رهينة وسقين.\nقال: أترهنونني نساءكم؟ قالوا: أنت أجمل الناس ولا نأمنك، وأي امرأة تمتنع منك لجمالك، ولكنّا نرهنك الحلقة- يعني السلاح- ولقد علمت حاجتنا اليوم إلى السلاح.\nفقال: نعم ائتوني بسلاحكم، فأراد أبو نائلة أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه فأخبرهم خبره وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته، وأخذت امرأته بناحيتها وقالت: إنك رجل محارب وإن صاحب الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة.\nقال: إن هؤلاء لو وجدوني نائما ما أيقظوني وإنه أبو نائلة أخي.\nقالت: فكلمهم من فوق الحصن. فأبى عليها إلّا أن ينزل إليهم، فتحدث معهم ساعة ثم قالوا: يا بن الأشرف هل لك أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه. قال: إن شئتم فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شمّ يده فقال: ما رأيت كالليلة طيب عروس قط. قال: إنه طيب أم فلان، يعني امرأته ثم مشى ساعة ثم عاد بمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة فعاد لمثلها، ثم أخذ بفودي رأسه حتى استمكن ثم قال: اضربوا عدو الله فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا «٢» .\n_________\n(١) انظر فتح الباري: ٧/ ٢٦٠، مجمع الزوائد: ٦/ ١٩٦.\n(٢) تاريخ الطبري: ٢/ ١٧٩.","vol":"3","page":226},{"text":"قال محمد بن سلمة: فذكرت معولا في سيفي، فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلّا أوقدت عليه نارا. قال: فوضعته في ثندوته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، ووقع عدو الله وقد أصيب الحرث بن أوس في رأسه بجرح أصابه بعض أسيافنا. قال: فخرجنا وقد أبطأ علينا صاحبنا الحرث ونزفه، الدم فوقفنا ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه، فجئنا به رسول الله ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل كعب وجئنا برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا ورجعنا إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت اليهود لوقعتنا بعدو الله، فقال رسول الله ﷺ: «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» فوثب محيصة بن مسعود على سنينة رجل من تجار اليهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله، وكان حويصة بن مسعود إذ ذلك لم يسلم، وكان أسنّ من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضربه وهو يقول: أي عدو الله قتلته، أما والله لربّ شحم في بطنك من ماله. فقال محيصة: والله لو أمرني بقتلك من أمرني بقتله لضربت عنقك قال: فو الله إن كان لأول إسلام حويصة، وفقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال:\nنعم. قال: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب فأسلم حويصة «١»، فأنزل الله في شأن كعب بن الأشرف لَتُبْلَوُنَّ لتخبرن\nواللام للتأكيد، وفيه معنى القسم، والنون تأكيد القسم.\nفِي أَمْوالِكُمْ بالحوادث والعاهات والخسران والنقصان.\nوَأَنْفُسِكُمْ بالأمراض، وقيل بمصائب الأقارب والعشائر.\nقال عطاء: هم المهاجرون أخذ المشركون أموالهم وباعوا رباعهم وعذبوهم.\nقال الحسن: هو ما فرض عليهم في أموالهم وأنفسهم من الحقوق، كالصلاة والصيام والحج والجهاد والزكاة.\nوَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني اليهود والنصارى وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني مشركي العرب، أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ من حق الأمور وجدّ الأمور وخيرها، قال عطاء: من حقيقة الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٨٧ الى ١٩٥]</span>\nوَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ (١٨٧) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٩١)\nرَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (١٩٢) رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ (١٩٤) فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ (١٩٥)\n_________\n(١) بطوله في تاريخ الطبري: ٢/ ١٧٩- ١٨١.","vol":"3","page":227},{"text":"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ في أمر محمد ﷺ لتبيّننه للناس ولا يكتمونه. قرأ عاصم وأبو عمر وأهل مكة: بالياء فيهما واختاره أبو عبيد.\nالباقون: بالتاء واختاره أبو حاتم، فمن قرأ بالتاء فعلى إضمار القول، أي قال: ليبيننه، ودليله قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ «١» ومن قرأ بالياء فلقوله: فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ طرحوه وضيعوه وتركوا العمل به.\nوَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا يعني المأكل فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ.\nقال قتادة: هذا لميثاق الله أخذ على أهل مكة ممّن علم شيئا فليعلّمه، وإيّاكم وكتمان العلم فإنه هلكة.\nوقال محمد بن كعب: لا يحل لعالم أن يسكت على علمه ولا لجاهل أن يسكت على جهله، قال الله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ الآية، وقال: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ «٢» .\nثابت بن البناني عن أبي رافع عن أبي هريرة أنه قال: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدثتكم بشيء، ثم تلا هذه الآية وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ.\nأبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من كتم علما عن أهله ألجم يوم القيامة لجاما من نار»» .\nوعن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث فألقيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني؟ فقال: أما علمت أني قد تركت الحديث فقلت: إما أن تحدثني وإما أن أحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم ابن عيينة عن نجم الجزار قال: سمعت عليا (﵇) يقول: «ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا» قال: فحدثني بأربعين حديثا «٤» .\n_________\n(١) آل عمران: ١٨١.\n(٢) سورة النحل: ٤٣.\n(٣) كنز العمال: ١٠/ ١٩١.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ٢/ ٤٦٧.","vol":"3","page":228},{"text":"لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا ... يحسبن بالياء، قرأه حميد بن كثير وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن عامر وأبو عمرو، وغيرهم بالتاء، فمن قرأه بالياء فمعناه: ولا يحسبن الفارحون منجيا لهم من العذاب، ومن قرأ بالتاء فمعناه: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمد الفارحين بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ، وخبره في الباء.\nوقوله: لا تَحْسَبَنَّ بالتاء، وفتح الباء إعادة تأكيد.\nوقرأ الضحاك وعيسى: (لا تَحْسَبُنَّ) بالتاء وضم الباء، أراد محمدا وأصحابه.\nوقرأ محمد وابن كثير وأبو عمرو ويحيى بن يعمر: بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين، أي فلا تحسبن أنفسهم، واختلفوا فيه فيمن نزلت هذه الآية.\nروى عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري: أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله ﷺ يقولون: يا رسول الله لو خرجت إلى الغزو لغزونا معك، فإذا خرج (﵇) خلفوا عنه وفرحوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ، فإذا قدم النبي ﷺ اعتذروا إليه فيقبل عذرهم وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.\nوروى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن رافع بن خديج: أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان وهو يومئذ أمير المدينة فقال مروان لرافع: في أي شيء أنزلت هذه الآية: لا تحسبن الذين يفرحون بما أوتوا؟ فقال رافع: أنزلت في أناس من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله ﷺ في سفر تخلفوا عنهم، فأنكر مروان وقال: ما هذا؟ فجزع رافع من ذلك وقال لزيد بن ثابت: أنشدك الله هل تعلم ما قال رسول الله ﷺ؟ قال زيد: نعم، فخرجا من عند مروان، فقال زيد لرافع وهو يمزح معه: أما تحمد في ما شهدت لك وقال رافع: وأي شيء هذا؟ أحمدك على أن تشهد بالحق؟ قال زيد: نعم قد حمد الله على الحق أهله.\nوقال عكرمة: نزلت في فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار، يفرحون بإضلالهم الناس، وبنسبة الناس إياهم إلى العلم، وقولهم إنهم علماء وليسوا بأهل علم لم يحملوهم على هدى ولا خير.\nالضحاك والسدي: هم يهود أهل المدينة كتبوا إلى يهود اليمن والشام وأطراف الأرض:\nأن محمدا ليس برسول فاثبتوا على دينكم. فاجتمعت كلمتهم على الكفر بمحمد والقرآن ففرحوا بذلك وقالوا: الحمد لله الذي جمع كلمتنا فنحن على دين إبراهيم ونحن أهل العلم الأول، وليسوا كذلك.\nمجاهد: هم اليهود فرحوا بإعجاب الناس تبديلهم الكتاب، وجهدهم إياه عليه.\nسعيد بن جبير: هم اليهود فرحوا بما أعطى الله إبراهيم وهم براء من ذلك.","vol":"3","page":229},{"text":"وروى ابن أبي مليكة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنّ مروان بن الحكم قال لمولاه: يا أبا رافع اذهب إلى ابن عباس وقل له: إن كان كل امرئ منا يفرح بما أوتي وأحب أن يحمد لما لم يفعل معذبا لنغدين جميعا. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما دعاء رسول الله اليهود فسألهم عن شيء فكتموه إياه وأخبروه بغيره وأروه أنهم أخبروه بما قد سألهم عنه، فاستحمدوا بذلك إليه وفرحوا بكتمانهم إياه ذلك، فنزلت هذه الآية.\nقتادة ومقاتل: أتت يهود خيبر النبي الله ﷺ فقالوا: نحن نعرفك ونصدقك وإنّا على رأيكم ونحن لكم ردأ، وليس ذلك في قلوبهم، فلما خرجوا من عنده قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟\nقال: عرفناه وصدقناه، فقال لهم المسلمون: أحسنتم هكذا فافعلوا، فحمدوهم ودعوا لهم فأنزل الله لهم هذه الآية.\nوروى شعبة عن مغيرة عن إبراهيم قال: نزلت في ناس من اليهود جهّزوا جيشا إلى رسول الله ﷺ وأنفقوا عليهم، وقرأها إبراهيم (بما أوتوا) ممدودا أي أعطوا.\nوقرأ سعيد بن جبير أوتوا أي أعطوا.\nقال الله فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ.\nعن عطاء بن أبي رباح قال: دخلت مع ابن عمر إلى عائشة ﵂ فقال ابن عمر:\nأخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله؟ فبكت فأطالت ثم قالت: كل أمر رسول الله عجب، أتاني في ليلتي فدخل معي في لحافي حتى ألصق جلده بجلدي ثم قال: يا عائشة هل لك أن تأذني لي في عبادة ربّي ﷿؟ فقلت: والله يا رسول الله إني لأحبّ قربك وأحبّ هواك قد أذنت لك، فقام ﵊ إلى قربة من ماء في البيت فتوضأ ولم يكثر صب الماء، ثم قام يصلي فقرأ من القرآن وجعل يبكي حتى بلغ الدموع حجره، ثم رفع يده فجعل يبكي حتى رأيت الدموع قد بلت الأرض، فأتاه بلال بصلاة الغداة فرآه يبكي فقال: يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال: «يا بلال أفلا أكون عبدا شكورا» ثم قال:\n«وما لي لا أبكي وقد أنزل الله تعالى في هذه الليلة عليّ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.\nالآية. ثم قال: ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها» «١» [٢١٠] .\nوعن محمد بن علي بن أبي طالب ﵄ عن أبيه: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يسوّك ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله فَقِنا عَذابَ النَّارِ.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٢/ ١١١.","vol":"3","page":230},{"text":"عمرو بن موسى عن قتادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «أشدّ آية في القرآن على الجن إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [٢١١] الآية.\nسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أتت قريش اليهود فقالوا: ما جاءكم به موسى من الآيات؟ فقالوا: عصاه ويده البيضاء للناظرين. وسألوا النصارى فقالوا: كيف كان عيسى فيكم؟\nقالوا: كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى. فأتوا النبي ﷺ فقالوا: ادع لنا ربّك يجعل لنا الصفا ذهبا، فأنزل الله تعالى إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية ثم وصفهم فقال:\nالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا.\nقال علي وابن عباس والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائما، فإن لم يستطع فقاعدا فإن لم يستطع فعلى جنبه، يسر من الله وتخفيف.\nوقال سائر المفسرين: أراد به ذكر الله تعالى، ووصفهم بالمداومة عليه، إذ الإنسان قلما يخلوا من معنى هذه الحالات الثلاثة، نظيره قوله في سورة النساء.\nعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «من أراد أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله» «١» [٢١٢] .\nويروى عن النبي ﷺ أنه قال: «ذكر الله تعالى علم الإيمان وبرء من النفاق وحصن من الشيطان وحرز من النيران» «٢» [٢١٣] .\nوقال الله تعالى لموسى (﵇): يا موسى اجعلني منك على بال ولا تنس ذكري على كل حال، وليكن همّك ذكري فإنّ الطريق إليّ.\nوَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إنّ لها صانعا قادرا ومدبرا حكيما.\nروى حماد عن علي بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ لما أسري به إلى السماء السابعة فإذا ريح ودخان وأصوات قال: فقلت: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذه الشياطين يحرقون على أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب.\nوكان ابن عور يقول: الفكرة تذهب الغفلة وتحدث للقلب الخشية، كما يحدث الماء الزرع والنبات، وما جليت القلوب بمثل الأحزان، ولا استنارت بمثل الفكرة. وحكى أن سفيان الثوري صلّى خلف المقام ركعتين ثم رفع رأسه إلى السماء فلما رأى الكواكب غشي عليه. وكان سفيان يبول الدم من طول حزنه وفكره.\n_________\n(١) مصنف ابن ابي شيبة: ٧/ ٧٢.\n(٢) ذكره قطب الدين الرواندي في لب اللباب كما في مستدرك الوسائل: ٥/ ٢٨٥ ح ٥٨٦٨.","vol":"3","page":231},{"text":"زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بينما رجل مستلقي على فراشه إذ رفع رأسه فنظر إلى النجوم وإلى السماء فقال: أشهد أن لي ربّا وخالقا اللهم اغفر لي فنظر الله إليه فغفر له» «١» [٢١٤] .\nوقال أبو الأحوص: بلغني أن عابدا يعبد في بني إسرائيل ثلاثين سنة. وكان الرجل منهم إذا تعبّد ثلاثين سنة أظلته غمامة. ولم ير شيئا، فشكى ذلك إلى والده. فقال له: يا بني فكّر هل أذنبت ذنبا منذ أخذت في عبادتك؟ قال: لا، ولا أعلمني هممت به منذ ثلاثين سنة. قال: يا بني بقيت واحدة إن نجوت منها رجوت أن يظلك؟ قال: وما هي؟ قال: هل رفعت طرفك إلى السماء ثم رددته بغير فكرة؟ قال: كثير. قال: من هاهنا أتيت. ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا ذهب به إلى لفظ الخلق ولو ردّه إلى السماوات والأرض، لقال: هذه باطلا عبثا هزلا، بل خلقته لأمر عظيم.\nوانتصاب (الباطل) من وجهين: أحدهما: بنزع الخافض، أي للباطل وبالباطل، والآخر:\nعلى المفعول الثاني.\nسُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أهنته.\nوقال المفضل: أهلكته، وأنشد:\nأخزى الإله من الصليب عبيده ... واللابسين قلانس الرهبان «٢»\nوقيل: فضحته، نظيره قوله: وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي «٣» . واتخذ القائلون بالوعيد هذه الآية جنّة، فقالوا: قد أخبر الله سبحانه أنه لا يخزي النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ثم قال: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ فوجب أن كل من دخل النار فليس بمؤمن وأنه لا يخرج منها.\nواختلف أهل التأويل في هذه الآية:\nفروى قتادة عن أنس في قوله تعالى: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ قال: إنك من تخلد في النار.\nوروى الثوري عن رجل عن ابن المسيب في قوله: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ فقال: هذه خاصة لمن لا يخرج منها.\nوروى أبو هلال الرّاجي عن قتادة في قوله: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ إنك من تخلد في النار، ولا نقول كما قال أهل حروراء، حدثنا بذلك أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «يخرج قوم من النار» «٤» [٢١٥] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٦.\n(٣) سورة هود: ٧٨. [.....]\n(٤) تفسير القرطبي: ٩/ ١٠٢، بتفاوت يسير.","vol":"3","page":232},{"text":"وقال بعضهم: (إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ) من خلد فيها ومن لم يخلد فقد أخزيته بالعذاب والهلاك والهوان. قال عمرو بن دينار: قدم علينا جابر بن عبد الله في عمرة، فانتهيت إليه أنا وعطاء فقلت له: (رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)، قال: وما إخزاؤه حين أحرقه بالنار إن دون ذلك لخزيا.\nوقال أهل المعاني: الخزي يحتمل الحياء، يقال: خزي يخزي، خزاية إذا استحيا.\nقال ذو الرمّة:\nخزاية أدركته عند جوليه ... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب «١»\nوقال القطامي في الثور والكلاب:\nحرجا وكر كرور صاحب نجدة ... خزي الحرائر أن يكون جبانا «٢»\nأي يستحي، فخزي المؤمنين الحياء، وخزي الكافرين الذل والخلود في النار.\nوَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ. رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا يعني محمدا ﷺ يُنادِي لِلْإِيمانِ أي إلى الإيمان، كقوله: لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «٣» .\nوقيل: اللام بمعنى أجل.\nقال قتادة: أخبركم الله ﷿ عن مؤمني الإنس كيف قالوا وعن مؤمني الجن كيف قالوا، فأما مؤمنوا الجن فقالوا: إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ «٤» وأما مؤمنوا الإنس فقالوا رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإِيمانِ ... فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ أي في جملة الأبرار رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ على ألسنة رسلك كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٥» .\nوقرأ الأعمش: (رسلك) بالتخفيف.\nوَلا تُخْزِنا لا تعذبنا ولا تهلكنا ولا تفضحنا ولا تهنّا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ يعني قيل: ما وجه قولهم: (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) وقد علموا وزعموا أن الله لا يخلف الميعاد، والجواب عنه: إن لفظه الدعاء، ومعناه الخبر تقديره: (واغفر لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ) ولا تُخْزِنا، وتؤتينا ما وعدتنا على ألسن رسلك من الفضل\n_________\n(١) لسان العرب: ١٤/ ٢٢٧.\n(٢) غريب الحديث: ٤/ ٣٦، ولسان العرب: ١٤/ ٢٢٧.\n(٣) سورة الأنعام: ٢٨.\n(٤) سورة الجن: ١- ٢.\n(٥) سورة يوسف: ٨١.","vol":"3","page":233},{"text":"والرحمة والثواب والنعمة، وقيل معناه: واجعلنا ممّن تؤتيهم ما وعدت على ألسنة رسلك ويستحقون ثوابك، لأنهم ما تيقنوا استحقاقهم لهذه الكرامة، فسألوه أن يجعلهم مستحقين لها، ولو كان القوم قد شهدوا بذلك لأنفسهم، لكانوا قد زكّوها وليس ذلك من صفة الأبرار.\nوقال بعضهم: إنما سألوا ربّهم تعجيل ما وعدهم من النصر على الأعداء وإعزاز الدين، لأنها حكاية عن أصحاب النبي ﷺ قالوا: قد علمنا أنك لا تخلف وعدك من النصر والظفر على الكفار، ولكن لا صبر لنا على حكمك، فعجّل خزيهم وانصرنا عليهم.\nثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجز وعده، ومن أوعد على عمل عقابا فهو فيه بالخيار» «١» [٢١٦] .\nعن الأصمعي قال: سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: سألني عمرو بن عبيد: أيخلف الله وعده؟ قلت: لا. قال: فيخلف الله وعيده؟ قلت: نعم. قال: ولم؟ قلت: لأن في خلفه الوعد علامة ندم وفي خلفه الوعيد إظهار الكرم، ثم أنشأ يقول:\nولا يرهب ابن العم ما عشت صولتي ... ولا أختبي من خشية المتهدد\nإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي «٢»\nعن سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ كان يقرأ عشر آيات من آخر آل عمران كل ليلة.\nوعن يزيد بن أبي حبيب: أن عثمان بن عفان (﵁) قال: من قرأ في ليلة إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ/ إلى آخرها كتبت له بمنزلة قيام ليلة.\nفَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ.\nروى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: ما زالوا يقولون: ربّنا ربّنا حتى استجاب لهم ربّهم.\nوروى عن الصادق أنه قال: من حزّ به أمر فقال خمس مرات: ربنا أنجاه الله ممّا يخاف وأعطاه ما أراد. قيل له: وكيف ذلك؟ قال: اقرؤا إن شئتم الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا إلى قوله تعالى الْمِيعادَ.\nفأما نزول الآية:\nفقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء بشيء، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة: ٩١، ومسند أبي يعلى: ٩/ ٦٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٨، الصحاح: ١/ ٤٦.","vol":"3","page":234},{"text":"قال: وقالت الأنصار: هي أول ظعينة قدمت علينا\nأَنِّي أي بأني أو لأني، نصب بنزع الخافض.\nوقرأ عيسى بن عمر: (إني) بكسر الألف، كأنه أضمر القول أو جعل الاستجابة قولا.\nلا أُضِيعُ لا أحبط ولا أبطل عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ أيها المؤمنون مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ.\nقال الكلبي: يعني من الدين والنصرة والموالاة، وقيل: حكم جميعكم في الثواب واحد، وقيل: كلكم من آدم وحواء.\nالضحاك: رجالكم بشكل نسائكم في الطاعة ونساؤكم بشكل رجالكم في الطاعة، نظيرها قوله: وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ «١» .\nفَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي أي في طاعتي، وهم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة وآذوهم وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا.\nقرأ محارب بن دثار: (وقَتَلوا) بفتح القاف وَقاتَلُوا.\nوعن يزيد بن حازم قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقرأ: (وقتلوا وقتلوا) يعني أنهم قتلوا من قتلوا من المشركين ثم قتلهم المشركون.\nوقرأ أبو رجاء والحسن وطلحة: (وقاتلوا وقتّلوا) مشددا.\nقال الحسن: يعني إنهم قطّعوا في المعركة.\nوقرأ عاصم وأبو عبيد وأهل المدينة: (وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا) يريد أنهم قاتلوا ثم قتلوا.\nوقرأ يحيى بن وثّاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وقتلوا وقاتلوا) ولها وجهان:\nأحدهما وقاتل من بقي منهم، تقول العرب: قتلنا بني تميم، وإنما قتلوا بعضهم. والوجه الآخر:\nبإضمار (قد) أي وقتلوا وقد قاتلوا.\nقال الشاعر:\nتصابى وأمسى علاه الكبر «٢»\nلَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَوابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.\nقال الكسائي: نصب (ثَوابًا) على القطع، وقال المبرد: مصدر ومعناه: لآتينهم ثوابا.\n_________\n(١) سورة التوبة: ٧١.\n(٢) تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٩.","vol":"3","page":235},{"text":"وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ.\nعن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يدعوا يوم القيامة بالجنة ويأتي بزخرفها وزينتها فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيل الله وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة، فيدخلونها بغير حساب ولا عذاب، فتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربّنا نسبح الليل والنهار ونقدس لك من هؤلاء الذين آثرتهم علينا، فيقول الله ﷿: هؤلاء عبادي الذين أُوذُوا فِي سَبِيلِي، فيدخل عليهم الملائكة يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ» «١» [٢١٧] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>[سورة آل عمران (٣): الآيات ١٩٦ الى ٢٠٠]</span>\nلا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ (١٩٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٩٧) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)\nلا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ نزلت في مشركي العرب، وذلك أنهم كانوا في رخاء ولين من العيش وكانوا يتجرون ويتنعمون، فقال بعض المؤمنين: إن أعداء الله فيما يرى من الخير وقد هلكنا من الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية.\nوقال الفراء: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فأنزل الله لا يَغُرَّنَّكَ.\nوقرأ يعقوب: (يغرنْك) وأخواتها ساكنة النون.\nوأنشد:\nلا يغرنك عشاء ساكن ... قد يوافي بالمنيات السحر «٢»\nتَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا: ضربهم وتصرفهم في البلاد للتجارات والبياعات وأنواع المكاسب والمطالب، والخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، لأنه لم يغيّر لذلك.\nقال قتادة في هذه الآية: والله ما غرّوا نبي الله ولا وكّل إليهم شيئا من أمر الله تعالى حتى قبضه الله على ذلك، نظيره قوله تعالى: فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ «٣»، ثم قال: مَتاعٌ قَلِيلٌ أي هو متاع قليل بلغة فانية ومتعة زائلة، لأن كل ما هو فان فهو قليل.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٢٨٦.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٩.\n(٣) سورة غافر: ٤.","vol":"3","page":236},{"text":"الأعمش عن عمارة عن يزيد بن معاوية النخعي قال: إن الدنيا جعلت قليلا فما بقي منه إلّا القليل من قليل.\nروى سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن المستورد الفهري قال:\nسمعت النبي ﷺ يقول: «ما الدنيا في الآخرة إلّا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ، فلينظر بم يرجع» «١» [٢١٨] .\nوقال ﷺ: «ما الدنيا فيما مضى إلّا كمثل ثوب شق باثنين وبقي خيط إلّا وكان ذلك الخيط قد انقطع» «٢» [٢١٩] .\nثُمَّ مَأْواهُمْ مصيرهم جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ. لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ.\nقرأ أبو جعفر: بتشديد النون، الباقون: بتخفيفه.\nلَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلًا.\nقرأ الحسن والنخعي: (نُزْلًا) بتخفيف الزاي استثقالا لضمتين، وثقّله الآخرون، والنزل الوظيفة المقدرة لوقت.\nقال الكلبي: جزاء وثوابا من عند الله، وهو نصب على التفسير، كما يقال: هو لك صدقه وهو لك هبة، قاله الفراء.\nوقيل: هو نصب على المصدر، أي انزلوا نزلا، وقيل: جعل ذلك نزلا.\nوَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ من متاع الكفار.\nالحسن عن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو على حصير مزمول بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ودخل عليه عمر وناس من أصحابه فانحرف النبي ﷺ انحرافة فرأى عمر (﵁) أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: «ما يبكيك يا عمر؟» فقال عمر: وما لي لا أبكي وكسرى قيصر يعيشان فيما يعيشان فيها من الدنيا وأنت على الحال الذي أرى.\nفقال له النبي ﷺ: «يا عمر ألم ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة» قال: بلى. قال:\n«هو كذلك» «٣» [٢٢٠] .\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الآية، اختلفوا في نزولها:\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٢٢٩. [.....]\n(٢) الجامع الصغير: ٢/ ٥٣٤ ح ٨١٦٦، كنز العمال: ٣/ ٢٣١ ح ٦٣٠١.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ١٤٠.","vol":"3","page":237},{"text":"فقال جابر بن عبد الله وابن عباس وأنس وقتادة: نزلت في النجاشي ملك الحبشة. واسمه أضحمة وهو بالعربية عطية. وذلك أنه لما مات نعاه جبرئيل لرسول الله في اليوم الذي مات فيه.\nفقال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم» .\nقالوا: ومن هو؟ قال: «النجاشي»، فخرج رسول الله ﷺ إلى البقيع وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي، وصلّى عليه ركعتين وكبّر أربع تكبيرات واستغفر له، وقال لأصحابه: «استغفروا له» [٢٢١] .\nفقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي نصراني لم يره قط وليس على دينه، فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .\nعطاء: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب، وأثني وثلاثين من أرض الحبشة، وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى فآمنوا بالنبي ﷺ.\nابن جريج وابن زيد: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه، مجاهد: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم.\nوَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ يعني القرآن وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ يعني التوراة والإنجيل خاشِعِينَ لِلَّهِ خاضعين متواضعين، وهو نصب على الحال والقطع لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا يعني لا يحرّفون كتبهم ولا يكتمون صفة محمد ﷺ لأجل المأكلة والرئاسة، كما فعلت رؤساء اليهود أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا.\nقال الحسن: (اصْبِرُوا) على دينكم فلا تدعوه لشدة ولا رخاء ولا سرّاء ولا ضرّاء، قتادة:\n(اصْبِرُوا) على طاعة الله، الضحاك ومقاتل بن سليمان: (اصْبِرُوا) على أمر الله ﷿، مقاتل ابن حيان: (اصْبِرُوا) على فرائض الله، زيد بن أسلم: على الجهاد، الكلبي: على البلاء.\nقالت الحكماء: الصبر ثلاثة أشياء: ترك الشكوى، وصدق الرضا، وقبول القضاء. وقيل:\nالصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنّة.\nوَصابِرُوا يعني الكفار، قاله أكثر المفسرين.\nقال عطاء والقرظي: (وَصابِرُوا) الوعد الذي وعدكم، وَرابِطُوا يعني المشركين، وأصل الرباط أن يربط هؤلاء خيولهم وهؤلاء خيولهم، ثم قيل ذلك لكل مقيم في ثغر يدفع عمّن وراءه وإن لم يكن له مركب، قال الله تعالى: وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ «٢» .\n_________\n(١) أسباب النزول الواحدي: ٩٣ ومسند أحمد: ٢/ ٢٦٩.\n(٢) سورة الأنفال: ٦٠.","vol":"3","page":238},{"text":"قال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا حامد [الخازرنجي] يقول:\nالمرابطة اعتقال المبارزين في الحرب، وأصل الربط الشد، ومنه قيل للخيل: الرباط، ويقال:\nفلان رابط الجأش، أي قوي القلب.\nقال لبيد:\nرابط الجأش على كل وجل «١»\nقال عبيد: داوموا واثبتوا.\nعن سمط بن عبد الله البجلي عن سلمان الفارسي: أنهم كانوا في جند المسلمين، فأصابهم ضرّ وحصر فقال سلمان لصاحب الخيل: ألا أحدّثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ فيكون لك عونا على الجند، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رابط يوما أو ليلة في سبيل الله كان عدل صيام شهر وصلاته الذي لا يفطر ولا ينصرف من صلاة إلّا لحاجة، ومن مات مرابطا في سبيل الله أجرى الله له أجرة حتى يقضي بين أهل الجنة وأهل النار» «٢» [٢٢٢] .\nالأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من رابط يوما في سبيل الله جعل الله ﷿ بينه وبين النار سبعة خنادق، كل خندق منها كسبع سماوات وسبع أرضين» «٣» [٢٢٣] .\nوفيه قول آخر وهو ما روى مصعب بن ثابت عن عبد الله بن الزبير عن عبد الله بن صالح قال: قال لي سلمة بن عبد الرحمن: يا ابن أخي هل تدري في أي شيء نزلت هذه الآية اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا؟ قال: قلت: لا. قال: إنه يا ابن أخي لم يكن في زمان النبي ﷺ غزو يرابط فيه، ولكنّه انتظار الصلاة خلف الصلاة. ودليل هذا التأويل ما\nروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء عند المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط» «٤» [٢٢٤] .\nوقال أصحاب اللسان في هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا عند صيام النفس على احتمال الكرب وَصابِرُوا على مقابلة العناء والتعب وَرابِطُوا في دار أعدائي بلا هرب.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ بهمومكم من الالتفات إلى السبب لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ غدا بلقائي على بساط الطرب.\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٤٨٢.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٤/ ٥٩٠. وكنز العمال: ٤/ ٢٣٢٧ باختلاف.\n(٣) تحفة الاحوذي: ٥/ ٢٠٧، مجمع الزوائد: ٥/ ٢٨٩.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٢٩٣، والسنن الكبرى: ٢/ ٦٢، وتفسير القرطبي: ٤/ ٣٢٣.","vol":"3","page":239},{"text":"السري السقطي: اصْبِرُوا على الدنيا، رجاء السلامة (وَصابِرُوا) عند القتال بالبينات والاستقامة (وَرابِطُوا) هو النفس اللوامة (وَاتَّقُوا) ما يعقب لكم الندامة (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) غدا على بساط الكرامة. وقيل: (اصْبِرُوا) على بلائي (وَصابِرُوا) على نعمائي (وَرابِطُوا) في دار أعدائي (وَاتَّقُوا) محبة من سواي (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) غدا بلقائي. وقيل: (اصْبِرُوا) على الدنيا (وَصابِرُوا) على البأساء والضراء (وَرابِطُوا) في دار الأعداء (وَاتَّقُوا) إله الأرض والسماء (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) في دار البقاء.","vol":"3","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-215>سورة النساء</span>\nمدنية، وهي ستة عشر ألف وثلاثين حرفا، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعين كلمة ومائة، وست وسبعين آية\nعن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة النساء فكأنما تصدق على كل مؤمن ورث ميراثا، وأعطى من الأجر كمن اشترى محررا وبرىء من الشرك وكان في مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم» «١» [٢٢٥] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>[سورة النساء (٤): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا (٣) وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيها وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٥) وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافًا وَبِدارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها يعني حواء، ونظيرها في سورة الأعراف والزّمر وَبَثَّ نشر وأظهر مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ تسألون به، وخففه أهل الكوفة على حذف إحدى التائين تخفيفا كقوله: وَلا تَعاوَنُوا «٢» ونحوها، وَالْأَرْحامَ.\nقراءة العامة: نصب أي واتقوا الأرحام إن تقطعوها.\n_________\n(١) مجمع البيان: ٣/ ٥.\n(٢) سورة المائدة: ٢.","vol":"3","page":241},{"text":"وقرأ النخعي ويحيى بن وثاب وطلحة بن مصرف وقتادة والأعمش وحمزة: بالخفض على معنى وبالأرحام، كما يقال: سألتك بالله والرحمن، ونشدتك بالله والرحمن، والقراءة الأولى أصح وأفصح، لأن العرب لا يكلأ بنسق بظاهر على المعنى، إلّا أن يعيدوا الخافض فيقولون:\nمررت به وبزيد، أو ينصبون.\nكقول الشاعر:\nيا قوم مالي وأبي ذويب»\nإلّا أنه جائز مع قوله، وقد ورد في الشعر.\nقال الشاعر:\nفاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... اذهب فمالك والأيام من عجب «٢»\nوأنشد الفراء لبعض الأنصار:\nنعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب غوط نفانف «٣»\nوقرأ عبد الله بن يزيد المقبري: (والأرحامُ) رفعا على الابتداء، كأنه نوى تمام الكلام عند قوله تَسائَلُونَ بِهِ ثم ابتدأ كما يقال: زيد ينبغي أن يكرم، ويحتمل أن يكون إغراء، لأن العرب من يرفع المغري.\nوأنشد الفراء:\nأين قوما منهم عمير ... وأشباه عمير ومنهم السفاح\nلجديرون باللقاء إذا قال ... أخو النجدة السلاح السلاح «٤»\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا أي حافظا، قيل: بمعنى فاعل وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الآية.\nقال مقاتل والكلبي: نزلت في رجل من غطفان كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب المال، فمنعه عمه فترافع إلى النبي ﷺ فنزلت هذه الآية، فلما سمعها العم قال:\nأطعنا الله وأطعنا الرسول، نعوذ بالله من الحوب الكبير فدفع إليه ماله.\nقال النبي ﷺ: «مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ويطع ربّه هكذا فإنه يحل داره» يعني جنته، فلما قبض الفتى ماله أنفقه في سبيل الله، فقال النبي ﷺ: «ثبت الأجر وبقي الوزر» [٢٢٦] .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٣٦.\n(٢) شرح الرضي على الكافية: ٢/ ٣٣٦، تفسير القرطبي: ١٠/ ١٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٠٠، والقرطبي: ٥/ ٣. وفيه (مهوى) بدل (غوط) .\n(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٢٠٨، تفسير القرطبي: ٥/ ٦. [.....]","vol":"3","page":242},{"text":"فقالوا: يا رسول الله قد عرفنا أنه ثبت الأجر فكيف بقي الوزر؟ وهو بقي في سبيل الله.\nفقال: «يثبت الأجر للغلام وبقي الوزر على والده، وآتوا خطاب لأولياء اليتيم والأوصياء» «١» [٢٢٧] .\nوقوله تعالى: الْيَتامى فلا يتم بعد البلوغ، ولكنه من باب الاستعارة، كقوله: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ «٢» ولا سحرة مع السجود، ولكن سمّوا بما كانوا عليه قبل السجود، وقوله:\nوَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ أي من كانوا يتامى إِذا بَلَغُوا وآنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا، نظيره: وَابْتَلُوا الْيَتامى «٣»، وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ يعني لا تستبدلوا مالهم الحرام عليكم بأموالكم الحلال لكم، نظيره قوله: لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ «٤» واختلفوا في معنى هذا التأويل وكيفيته:\nفقال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي والضحاك: كان أولياء اليتامى وأوصيائهم يأخذون الجيد والرفيع من مال اليتامى، ويجعلون مكانه الرديء والخسيس، فربما كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من مال اليتيم ويجعل مكانها الشاة المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد ويطرح مكانه الزيف، ويقول: درهم بدرهم، فذلك تبدلهم فنهاهم الله تعالى عنها.\nعطاء: لا تربح على يتيمك الذي عندك وهو غر صغير.\nابن زيد: كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء والصبيان ويأخذ الأكبر الميراث.\nوقال ابن زيد: (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ) لا يورثوهن شيئا فنصيبه من الميراث طيب وهذا الذي أخذه خبيث. مجاهد وباذان: لا تعجل الرزق الحرام قبل أن يأتيك الحلال.\nوَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ أي مع أموالكم، كقوله: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «٥» .\nوأنشد المفضل سلمة بن الخرشب الأنصاري:\nيسدون أبواب القباب بضمر ... إلى عنن مستوثقات نقاب الأواصر «٦»\nأي مع عنن.\nإِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا أي إثما عظيما، وفيه ثلاث لغات:\n_________\n(١) القرطبي: ٥/ ٨. وأسباب النزول: ٩٤، بتفاوت بالألفاظ.\n(٢) سورة الأعراف: ١٢٠.\n(٣) سورة النساء: ٦.\n(٤) سورة المائدة: ١٠٠.\n(٥) سورة آل عمران: ٥٢، وسورة الصف: ١٤.\n(٦) تفسير القرطبي: ٥/ ١٠، لسان العرب: ٤/ ٢٣.","vol":"3","page":243},{"text":"قرأه العامة: حُوبًا بالضم، وهي لغة النبي ﷺ وأهل الحجاز، يدل عليه ما\nروى أبو عبيد عن عباد بن عباد عن واصل مولى ابن عيينة قال: قلت لابن سيرين كيف يقرأ هذا الحرف: إِنَّهُ كانَ حُوبًا أو حَوْبا؟ فقال: إن أبا أيوب أراد أن يطلق أم أيوب، فقال له رسول الله ﷺ: «إن طلاق أم أيوب حوب» «١» [٢٢٨] .\nوقرأ الحسن: (حَوْبا) بفتح الحاء وهي لغة تميم.\n[وقال مقاتل: لغة الحبش] «٢» .\nوقرأ أبي بن كعب: (حابا) على المصدر، مثل القال، ويجوز أن يكون اسما مثل الراد والنار، ويقال للذنب حوب وحاب وللأذناب، كذلك يكون مصدرا واسما، فقال: حاب يحوب حوبا وحوبا وحباية إذا أثم.\nقال أبو معاذ: نزلنا منزلا قريبا من مدينة، فرمى رجل غطاية صغيرة [فقيل له]: يا حاج لا تقتلها فتصيب حوبا إنها لا تؤذي، ومنه قيل للقاتل حائب، حكاه الفراء عن بني أسد.\nوقال أمية بن الأسكن الليثي وكان ابنه قد هاجر بغير إذنه:\nوإن مهاجرين تكنفاه ... غداتئذ لقد خطئا وحابا «٣»\nوقال آخر:\nعض على شبدعه الأريب ... فظل لا يلحي ولا يحوب «٤»\nوقال آخر:\nوابن ابنها منا ومنكم وبعلها ... خزيمة والأرحام وعثاء حوبها «٥»\nأي شديد إثمها.\nوقال آخر:\nفلا تبكوا عليّ ولا تحنوا ... بقول الإثم إن الإثم حوب «٦»\nوَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى الآية، اختلف المفسرون في تنزيلها وتأويلها:\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٢٥/ ١٣٦.\n(٢) زيادة عن تفسير القرطبي: ٥/ ١٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٠٦.\n(٤) الفائق للزمخشري: ٢/ ١٨٠.\n(٥) لسان العرب: ٢/ ٢٠٢.\n(٦) تاريخ دمشق: ٦٣/ ١٧٣.","vol":"3","page":244},{"text":"فقال بعضهم: معناها وإن خفتم ألّا تعدلوا يا معشر أولياء اليتامى فيهن، إذا تزوجتم بهن فانكحوا غيرهن من الغرائب اللواتي أحلهن الله لكم.\nوروى الزهري عن عروة عن عائشة قال: قلت لها ما قول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فقالت: يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها ويريد أن ينكحها بأدنى من صداقها فنهي أن تنكحوهن إلّا أن تقسطوا لهن في إكمال الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما سواهنّ من النساء.\nقال الحسن: كان الرجل من أهل المدينة يكون عنده الأيتام وفيهن من يحل له تزويجها فيقول لها: لا أدخل في رباعي أحدا كراهة أن يدخل غريب فيشاركه في مالهنّ، فربما يتزوجهن لأجل مالهن ومن لا يعجبنه ثم نسى صحبتهن ويتربص بهن أن يمتن فيرثهن، فعاب الله ﷿ ذلك وأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nعكرمة: كان الرجل من قريش يتزوج العشر من النساء والأكثر والأقل، فإذا صار معدما لما يلزمه من مؤن نسائه، مال على مال يتيمته التي في حجره فأنفقه فقيل لهم: أمسكوا عن النساء ولا تزيدوا على أربع حتى لا يخرجكم إلى أخذ أموال اليتامى، وهذه رواية طاوس عن ابن عباس، ومعنى رواية عطية عنه.\nوقال بعضهم: كانوا يتحرجون ويتحوبون عن أموال اليتامى ويترخصون في النساء ولا يتعددون فيهن ويتزوجون ما شاءوا، فربما عدلوا وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن حال مال اليتامى أنزل الله وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الآية، وأنزل أيضا هذه الآية وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى يقول: كما خفتم ألّا تقسطوا في اليتامى وهمّكم ذلك، فكذلك فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن ولا تتزوجوا أكثر ممّا يمكنكم امساكهنّ والقيام بحقهن، لأن النساء كاليتيم في الضعف والعجز، فما لكم تراقبون الله ﷿ في شيء وتعصونه في مثله، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي، ورواية الوالبي عن ابن عباس.\nوقال الحسن أيضا: تحرجوا من نكاح اليتامى كما تحرجوا من أموالهم، فأنزل الله هذه الآية، ورخص فيهن وقصر بهن على عدد، فعليكم العدل فيهن، فإن خفتم يا معشر الأولياء في اليتامى التي أنتم ولاتهن ألّا تقسطوا، فأنكحوهن ولا تزيدوا على أربع، لتعدلوا، فإن خفتم ألّا تعدلوا فيهن فواحدة.\nقال ابن عباس: قصر الرجال على أربع من النساء من أجل اليتامى.\nمجاهد: معناه إن تحرجتم من ولاية اليتامى فأموالهم إيمانا وتصديقا، فكذلك تحرجوا عن الزنا، فانكحوا النساء الحلال نكاحا طيبا، ثم بيّن لهم عددا محصورا وكانوا يتزوجون ما شاءوا من غير عدد، فأنزل الله وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا أي أن لا تعدلوا.","vol":"3","page":245},{"text":"وقرأها إبراهيم النخعي: (تَقسطوا) بفتح التاء وهو من العدل أيضا.\nقال الزجاج: قسط واقسط واحد، إلّا أن الأفصح اقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، وإن حملت قراءة إبراهيم على الجور وجعلت لا لغوا صحّ الكلام، واليتامى جمع لذكران الأيتام.\nفَانْكِحُوا ما.\nقرأ إبراهيم بن أبي عيلة: (مَن) لأن ما لما لا يعقل ومن لما يعقل، ومن قرأ (ما) فله وجهان:\nأحدهما: أن ردّه إلى الفعل دون العين تقديره: فانكحوا النكاح الذي يحل لكم من النساء، وهذا كما تقول: خذ من رفيقي ما أردت والإخوان، تجعل (ما) بمعنى (من)، والعرب يعقب ما من ومن ما.\nقال الله تعالى وَالسَّماءِ وَما بَناها «١» وأخواتها، وقال: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ «٢» الآية.\nوحكى أبو عمرو بن العلاء: أن أهل مكة إذا سمعوا الرعد قالوا: (سبحان ما يسبّح له الرعد)، وقال الله: قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ «٣» .\nطابَ حل لَكُمْ مِنَ النِّساءِ.\nوقرأ ابن أبي إسحاق والجحدري والأعمش (طاب): بالإمالة وفي مصحف أبيّ: (طيب) بالياء، وهذا دليل الإمالة.\nمَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ معدولات عن اثنين وثلاث وأربع، فلذلك لا يصرفن، وفيها لغات موحد ومثنى ومثلث ومربع، وأحاد وثناء وثلاث ورباع، وأحد وثنى وثلث وربع، مثل عمر وزفر.\nوكذلك قرأ النخعي في هذه الآية، ولا يزاد من هذا البناء على الأربع إلّا بيتا جاء عن الكميت:\nفلم يستريثوك حتى رميت ... فوق الرجال خصالا عشارا «٤»\nيعني طعنت عشرة.\n_________\n(١) سورة الشمس: ٥.\n(٢) سورة النور: ٤٥. [.....]\n(٣) سورة الشعراء: ٢٣.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣١٦.","vol":"3","page":246},{"text":"قالوا: وهاهنا بمعنى [لو للتحقيق] «١» كقوله إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى «٢» وقوله أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ «٣» وهذا إجماع الأمة، وخصائص النبي ﷺ غير مشتركة.\nالكلبي عن خميصة بنت الشمردل: أن قيس بن الحرث حدثها أنه كان تحته ثمان نسوة حرائر، قال: فلما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله قد أنزل الله عليك تحريم تزوج الحرائر إلّا أربع حرائر وأن تحتي ثمان نسوة، قال: «فطلّق أربعا وأمسك أربعا» [٢٢٩] . قال: فرجعت إلى منزلي فجعلت أقول للمرأة التي ما تلد مني يا فلانة أدبري وللمرأة التي قد ولدت يا فلانة أقبلي، فيقول للتي طلق أنشدك الله والمحبة قال: فطلقت أربعا وأمسكت أربعا «٤» .\nفَإِنْ خِفْتُمْ خشيتم، وقيل: علمتم أَلَّا تَعْدِلُوا بين الأربع فَواحِدَةً.\nقرأ العامة: بنصب.\nوقرأ الحسن والجحدري وأبو جعفر: (فَواحِدَةٌ) بالرفع، أي فليكفيكم واحدة، أي واحدة كافية، كقوله ﷿: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ «٥» .\nأَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الجواري والسراري، لأنه لا يلزمكم فيهن من الحقوق والذي يلزمكم في الحرمة، ولا قسمة عليكم فيهن ولا وقت عليكم في عددهن، وذكر الإيمان بيان تقديره أَوْ ما مَلَكَتْ.\nوقال بعض أهل المعاني: (أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) أي ما ينفذ فيه أقسامكم جعله من يمين الحلف لا يمين الجارحة، واحتج\nبقوله ﷺ: «لا نذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم» «٦» [٢٣٠] .\nذلِكَ أَدْنى أقرب أَلَّا تَعُولُوا.\nعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ في قوله ﷿: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا قال: «ألّا تجوروا» «٧» [٢٣١] .\n_________\n(١) كذا الظاهر.\n(٢) سورة سبأ: ٤٦.\n(٣) سورة فاطر: ١.\n(٤) باختصار في سنن ابن ماجة: ١/ ٦٢٨ ح ١٩٥٢.\n(٥) سورة البقرة: ٢٨٢.\n(٦) السنن الكبرى: ١٠/ ٣٣، كنز العمال: ١٦/ ٧١١.\n(٧) فتح القدير: ١/ ٤٢٤.","vol":"3","page":247},{"text":"وروى هشام بن عروة عن عائشة أيضا عن النبي ﷺ في قوله ﷿: ذلِكَ أَدْنى أَلَّا تَعُولُوا أن لا تميلوا\n، وأكثر المفسرين على هذا.\nقال مقاتل: هو لغة جرهم، يقال: ميزان عائل، أي مائل. وكتب عثمان بن عفان (﵁) إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه: أني لست بميزان لا أعول.\nوأنشد عكرمة لأبي طالب:\nبميزان صدق لا يغل شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل «١»\nوقال مجاهد: ذلك أدنى ألّا تضلوا. وقال الفراء والأصم: أن لا تجاوزوا ما فرض الله عليكم، وأصل العول المجاوزة، ومنه عول الفرائض. وقال الشافعي: أن لا تكثر عيالكم. وما قال هذا أحد غيره «٢» . وإنما يقال: أعال يعيل إذا كثر عياله.\nقال أبو حاتم: كان [الشافعي] أعلم بلغة العرب منّا ولعله لغة.\nقال الثعلبي: قال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: سألت أبا عمرو الدوري عن هذا وكان إماما في اللغة غير مدافع فقال: هي لغة حمير.\nوأنشد:\nوإنّ الموت يأخذ كل حيّ ... بلا شك وإن أمشى وعالا «٣»\nأي كثرت ماشيته وعياله.\nقال أبو عمرو بن العلاء: لقد كثرت وجوه العرب حتى خشيت أن آخذ عن لاحن لحنا.\nوقرأ طلحة بن مصرف: ألّا تعيلوا، وهو قوة قول الشافعي. وقرأ بعضهم: ألّا تعيلوا من العيلة أي لا تفتقروا.\nقال الشاعر:\nولا يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغني متى يعيل «٤»\nوقرأ طاوس: لا تعيلوا من العلة.\nروى بشير بن نهيك عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل» «٥» [٢٣٢] .\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٤٨٩، الصحاح الجوهري: ٥/ ١٧٧٧.\n(٢) عنه تفسير القرطبي: ٥/ ٢٢ وذكر ذهاب الدارقطني وجابر بن يزيد إلى هذا الرأي.\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٢.\n(٤) تفسير القرطبي: ٨/ ١٠٦.\n(٥) سنن أبي داود: ١/ ٤٧٣، كنز العمال: ١٦/ ٣٤١. [.....]","vol":"3","page":248},{"text":"وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً.\nقال الكلبي وجماعة من العلماء: هذا خطاب للأولياء، وذلك أن ولي المرأة كان إذا زوّجها غريبا حملوها إليه على بعير ولا يعطونها من مهرها شيء، فإن كانت معهم في العشيرة لم يعطها من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن كانت غريبة حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئا غير ذلك البعير»\n، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئا لك النافجة «٢»، يريدون أنه يأخذ مهرها إبلا فيضمها إلى إبله فينتفجها أي يعظمها ويكثرها.\nقال بعض النساء في زوجها:\nلا تأخذ الحلوان من بناتها «٣»\nتقول: لا يفعل ما يفعله غيره، فنهاهم الله ﷿ عن ذلك وأمرهم بأن يدفعوا الحق إلى أهله.\nقال الحضرمي: كان أولياء النساء يعطي هذا أخته على أن يعطيه الآخر أخته لا مهر بينهما، فنهوا عن ذلك وأمرهم بتسميته وأمروا المهر عند العقد.\nقال رسول الله ﷺ: «لا شغار في الإسلام» «٤» [٢٣٣] .\nوقال آخرون: الخطاب للأزواج أمروا بإيفاء نسائهن مهورهنّ التي هي أثمان فروجهنّ، وهذا أصح وأوضح بظاهر الآية وأشبه، لأن الله تعالى خاطب الناكحين فيما قبله، وهذا أصل خطابهم. والصدقات المهور واحدها صدقة بفتح الصاد وضم الدال على لفظ الجمع، وهي لغة أهل الحجاز وتميم. يقول صدقة بضم الصاد وجزم الدال، فإذا جمعوا قالوا: صدقات بضم الصاد وسكون الدال، وصدقات بضم الصاد والدال مثل ظلمة وظلمات، وظلمات نظيرها المثلات، لغة تميم مثلة ومثلات ومثلات بفتح الميم وضم الثاء واحدتها مثلة على لفظ الجمع لغة الحجاز.\nنِحْلَةً قال قتادة: فريضة واجبة، ابن جريح وابن زيد: فريضة مسمّاة. قال أبو عبيد:\nولا تكون النحلة مسماة معلومة، الكلبي: عطية وهبة، أبو عبيدة: عن طيب نفس، الزجاج:\nتدينا، وفيه لغتان: نحلة ونحلة، وأصلها من العطاء وهي نصب على التفسير وقيل على المصدر.\nروى مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به الفروج» «٥» [٢٣٤] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٣.\n(٢) النافجة: المعظمة لمال أبيها، قاله في الصحاح: ١/ ٣٤٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٤.\n(٤) صحيح مسلم: ٤/ ١٣٩، ومسند أحمد: ٤/ ٤٤١.\n(٥) مسند أحمد: ٤/ ١٤٤، مسند أبي يعلى: ٢/ ٢٩١.","vol":"3","page":249},{"text":"وعن يوسف بن محمد بن عبد الحميد بن زياد بن صهيب عن أبيه عن جده صهيب قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من أدان بدين وهو مجمع أن لا يفي به لقى الله ﷿ سارقا، ومن أصدق امرأة صداقا وهو مجمع على أن لا يوفيها لقى الله ﷿ زانيا» «١» [٢٣٥] .\nفَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا يعني فإن طابت نفوسهنّ بشيء من ذلك فوهبن منكم فنقل الفعل من النفوس إلى أصحابها، فخرجت النفس مفسرة، ولذلك وحدّ النفس، كما يقال:\nضاق به ذرعا وقرّ به عينا، قال الله تعالى: وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا «٢» .\nوقال بعض نحاة الكوفة: لفظها واحد ومعناها جمع، والعرب تفعل ذلك كثيرا.\nقال الشاعر:\nبها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب «٣»\nوقال آخر:\nفي حلقكم عظم وقد شجينا «٤»\nوقال بعض نحاة البصرة:\nإذا ما دنا الليل المضي بذي الهوى «٥»\nوالهوى مصدر، والمصادر لا تجمع فَكُلُوهُ أي خذوه واقبلوه هَنِيئًا مَرِيئًا قال الحضرمي: إن أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء ممّا ساق إلى امرأته، فقال الله:\nفَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا من غير إكراه ولا خديعة فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا أي سائغا طيبا، وهو مأخوذ من هنّات البعير إذا عالجته بالقطران من الجرب، معناه فكلوه هنيئا شافيا معافيا، هنأني الطعام يهنيني بفتح النون في الماضي وكسره في الغابر يهنيني يهناني على الضد وهي قليلة، والمصدر منهما هنؤ يقال: هنأني ومرأني بغير ألف فيها، فإذا أفردوا قالوا: أمرأني بالألف وقيل الهنيء الطيب المتاع الذي لا ينغصه شيء، والمريء المحمود العاقبة التام الهظم الذي لا يضر ولا يؤذي، يقول: لا تخافون في الدنيا مطالبة ولا في الآخرة تبعة، يدل عليه ما\nروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه سأل عن هذه الآية فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا قال: «إذا جادت لزوجها بالعطية غير مكرهة لا يقضي به عليكم سلطان ولا يؤاخذكم الله تعالى به في الآخرة» «٦» [٢٣٦] .\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٨/ ٣٥، كنز العمال: ١٦/ ٣٢٢ ح ٤٤٧٢٤.\n(٢) سورة العنكبوت: ٣٣.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٥.\n(٤) تفسير الطبري: ٤/ ٣٢٥.\n(٥) البداية والنهاية: ١٠/ ٢٢٥.\n(٦) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٧.","vol":"3","page":250},{"text":"روى إبراهيم بن عيسى عن علي بن علي عن أبي حمزة قال: (هَنِيئًا) لا إثم فيه (مَرِيئًا) لأداء فيه في الآخرة.\nوروى شعبة عن علي قال: إذا ابتلى أحدكم شيئا فليسأل امرأته ثلاثة دراهم من صداقها ثم يشتر به عسلا، فليشربه بماء السماء فيجمع الله له الهنيء المريء والشفاء والماء المبارك.\nوَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا الآية.\nاختلفوا في هؤلاء السفهاء من هم؟\nفقال قوم: هم النساء.\nقال الحضرمي: عمد رجل فدفع ماله إلى امرأته فوضعته في غير الحق، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nمجاهد: نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم وبين سفهاء من كن أزواجا أو كن أو بنات أو أمهات.\nجويبر عن الضحاك: النساء من أسفه السفهاء، يدل على صحة هذا التأويل ما\nروى علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إنما خلقت النار للسفهاء.\nيقولها ثلاثا. ألا وإن السفهاء النساء إلّا امرأة أطاعت قيّمها» «١» [٢٣٧] .\nأبان عن ابن عياش عن أنس بن مالك قال: جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق ذات ملح إلى رسول الله ﷺ فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله قل فينا خيرا مرة واحدة، فإنه بلغني أنك تقول فينا كل شرّ. قال: «أي شيء قلت لكنّ؟» قالت: سمّيتنا السفهاء في كتابه وسمّيتنا النواقص.\nفقال: «وكفى نقصانا أن تدعن من كل شهر خمسة أيام لا تصلين فيهنّ، أما يكفي إحداكنّ إذا حملت كان لها كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت كالمتشحط بدمه في سبيل الله، وإذا أرضعت كان لها بكل جرعة كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وإذا سهرت كان لها بكل سهرة تسهرها كعتق رقبة من ولد إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات اللاتي لا يكفرن بالعشير» [٢٣٨] . قالت السوداء: يا له فضلا لولا ما تبعه من الشرط «٢» .\nوروى عاصم عن مورق قال: مرّت امرأة بعبد الله بن عمر لها شارة وهيبة فقال لها ابن عمر: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ. وقال معاوية بن قرة: عوّدوا نساءكم فإنهن سفيهات، إن أطعت المرأة أهلكتك.\n_________\n(١) لم نجد هذا الحديث بهذا النص.\n(٢) مجمع البيان: ٣/ ١٨.","vol":"3","page":251},{"text":"وقال آخرون: هم الأولاد، وهي رواية عطية عن ابن عباس.\nقال الزهري وأبو مالك وابن يقول: لا تعط ولدك السفيه مالك الذي هو قوامك بعد الله فيفسده، وقال بعضهم: هم النساء والصبيان. قال الحسن: هي امرأتك السفيهة وابنك السفيه.\nقتادة: أمر الله بهذا المال أن يخزن فيحسن خزائنه ولا تملكه المرأة السفيهة ولا الغلام السفيه فيبذره، قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ «١» .\nعبيد عن الضحاك: ولا تعطوا نساءكم وأبناءكم أموالكم فيكونوا عليكم أربابا.\nابن عباس: لا تعمد إلى مالك الذي خوّلك الله تعالى وجعله لك معيشة فتعطيه امرأتك وبنيك، فيكونوا هم الذين يقومون عليك، ثم تنظر إلى ما في أيديهم، ولكن أمسك وأصلحه وكن أنت الذي تنفق عليهم في كسوتهم ورزقهم ومؤنتهم.\nالكلبي: إذا علم الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة وأن ولده سفيه مفسد، فلا ينبغي له أن يسلط واحدا منهما على ماله ليفسده.\nوقال السدي: لا تعط المرأة مالها حتى تتزوج وإن قرأت التوراة والإنجيل والقرآن، ولا تعط الغلام ماله حتى يحتلم.\nوقال سعيد بن جبير وعكرمة: هو مال اليتيم يكون عندك، يقول: لا تؤته إياه، وأنفق عليه حتى يبلغ، فإن قيل على هذا القول: كيف أضاف المال إلى الأولياء فقال: (أَمْوالَكُمُ) وهي أموال السفهاء؟ قيل: إنما أضاف إليهم لأنها الجنس الذي جعله الله أموالا للناس كقوله: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ «٢» وقوله: فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «٣» ردّها إلى الجنس، أي الجنس الذي هو جنسكم.\nوقال محمد بن جرير: إنما أضيفت إلى الولاة لأنهم قوامها ومدبروها، والسفيه الذي لا يجوز لوليه أن يؤتيه ماله، هو المستحق للحجر بتضييعه ماله وإفساده وسوء تدبيره.\nروى الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري قال: ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين فلم يشهد عليه، ورجل أعطى سفيها ماله وقد قال الله وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ أي الجهال بموضع الحق.\nأَمْوالَكُمُ الَّتِي.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٨٨. [.....]\n(٢) سورة التوبة: ١٢٨.\n(٣) سورة البقرة: ٥٤.","vol":"3","page":252},{"text":"قرأ الحسن والنخعي: اللاتي، وهما بمعنى واحد.\nوأنشد:\nمن اللواتي والتي واللاتي ... زعمن أني كبرت لذاتي «١»\nفجمع بين ثلاث لغات.\nقال الفراء: العرب تقول في جمع النساء: اللاتي، أكثر مما تقولون: التي، ويقولون في جمع الأموال وسائر الأشياء: التي، أكثر ممّا يقولون: اللاتي، وهما جائزان.\nجَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيامًا قرأ ابن عمر (قَواما) بالواو وفتح القاف كالدوام، وقرأ عيسى بن عمر (قِواما) بكسر القاف على الفعل، لأن الأصل الواو.\nوقال الكسائي: هما لغتان ومعناهما واحد، وكان أبو حاتم يفرّق بينهما فيقول: القوام بالكسر الملاك، والقوام بالفتح امتداد القامة.\nوقرأ الأعرج ونافع: (قيّما) بكسر القاف.\nالباقون: (قياما) وأصله قواما فانقلب الواو ياء، لانكسار ما قبلها، مثل صيام ونيام، وهن جميعا ملاك الأمر وما يقول به الإنسان، يقال: فلان قوام أهل بيته، وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعيشون به.\nوقال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البر، وهي فكاك الرقاب من النار.\nوقال بعضهم: أموالكم التي تقومون بها قياما.\nوَارْزُقُوهُمْ فِيها أي أطعموهم وَاكْسُوهُمْ لمن يجب عليكم رزقه ويلزمكم نفقته، والرزق من الله ﷿ عطية غير محدودة، ومن الناس الإجراء الموظف بوقت محدود، يقال:\nرزق فلان عياله كذا وكذا، أي أجرى عليهم، وإنما قال: فِيها، ولم يقل: منها، لأنه أراد أن يجعل لهم فيها رزقا، كأنه أوجب عليهم ذلك. وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا عدة جميلة.\nوقال عطاء: (قَوْلًا مَعْرُوفًا) إذا ربحت أعطيتك كذا وإن غنمت في غزاتي جعلت لك حظا.\nالضحاك: ردوا عليهم ردا جميلا.\nوقيل: هو الدعاء.\nقال ابن زيد: إن كان ليس من ولدك ولا ممّن يجب عليك نفقته فقل له قَوْلًا مَعْرُوفًا، قل له عافانا الله وإيّاك بارك الله فيك.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ٢٣٩.","vol":"3","page":253},{"text":"وقال المفضل: قولا لينا تطيب به أنفسهم، وكلما سكنت إليه النفس أحبته من قول أو عمل فهو معروف، وما أنكرته وكرهته ونفرت منه فهو منكر وَابْتَلُوا الْيَتامى الآية،\nنزلت في ثابت بن رفاعة وفي عمه، وذلك أن رفاعة توفى وترك ابنه ثابتا وهو صغير، فأتى عم ثابت إلى النبي ﷺ فقال: إن ابن أخي يتيم في حجري فما يحل لي من ماله، ومتى أدفع إليه ماله، فأنزل الله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتامى\nأي اختبروهم في عقولهم وأبدانهم وحفظهم أموالهم حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ أي مبلغ الرجال والنساء فَإِنْ آنَسْتُمْ أبصرتم، قال الله: آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا «١» .\nقال الشاعر:\nآنست نبأة وأفزعها القناص ... عصرا وقد دنا الإمساء «٢»\nفي مصحف عبد الله: فإن أحستم بمعنى أحسستم، فحذف إحدى السينين كقولهم:\nفَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ «٣» .\nقال الشاعر:\nخلا إن العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس «٤»\nمِنْهُمْ رُشْدًا. قرأه العامة: بضم الراء وجزم الشين. وقرأ السلمي وعيسى: بفتح الراء والشين، وهما لغتان.\nقال المفسرون: يعني عقلا وصلاحا وحفظا للمال وعلما بما يصلحه.\nقال سعيد بن جبير ومجاهد والشعبي: إن الرجل يأخذ بلحيته وما بلغ رشده فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا، حتى يؤنس منه رشده.\nقال الضحاك: لا يعطى اليتيم وإن بلغ مائة سنة حتى يعلم منه إصلاح ماله.\nذكر حكم الآية:\nاعلم أن الله تعالى علق زوال الحجر عن اليتيم الصغير وجواز دفع ماله إليه بشيئين: البلوغ والرشد، بعد أن أمر الأولياء بالابتلاء.\nومعنى الابتلاء على ما ذكره جماعة من الفقهاء: الصغير لا يخلو من أحد أمرين: إما أن\n_________\n(١) سورة القصص: ٢٩.\n(٢) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ٢٢، لسان العرب: ١/ ١٦٤.\n(٣) سورة الواقعة: ٦٥.\n(٤) التبيان: ٧/ ٢٠٥، تاج العروس: ٤/ ١٢٨ ونسبه إلى أبي زبيد.","vol":"3","page":254},{"text":"يكون غلاما أو جارية، فإن كان غلاما ردّ النظر في نفقة الدار إليه شهرا أو إعطائه شيئا نزرا يتصرف فيه ليعرف كيف تدبيره وتصرفه فيه، وإن كان جارية ردّ إليها ما يرد إلى ربّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه، وفي الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته واستيفاء الغزل وجودته، فإن رشدا وإلّا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما «١»، فأما البلوغ فإنه يكون بأحد خمسة أسباب، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء واثنان يختص بهما النساء، والتي يشترك فيها الرجال والنساء: فالاحتلام وهو إنزال المني، فمتى أنزل واحد منهما فقد بلغ، سواء كان من جماع أو احتلام أو غيرهما، والدليل عليه قوله: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا «٢»\nوقول النبي ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «خذ من كل حالم دينارا أو عد له من المعافر» «٣» [٢٣٩] .\nواختلف العلماء فيه، فقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد: إذا استكمل الصبي خمس عشرة سنة أو أنبت حكمنا ببلوغه.\nوقال أبو حنيفة: إن كانت جارية فبلوغها سبع عشرة سنة، وعنه في الغلام روايتان:\nأحدهما: تسع عشرة سنة، وهي الأشهر وعليها النظر.\nوروى اللؤلؤي عنه: ثمان عشرة سنة. وقال مالك وداود: لا يبلغ بالسن ثم اختلفا، فقال داود: لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة، وقال مالك: بلوغه بأن يغلظ صوته أو تنشق أرنبته.\nوالدليل على أن جدّ البلوغ بالسن خمس عشرة سنة\nحديث عبد الله بن عمر قال: عرضت على رسول الله ﷺ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني فلم يرني بلغت أي، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني الله في المقاتلة.\nوالإنبات وهو أن ينبت: في الغلام أو الجارية الشعر الخشن حول الفرج.\nوللشافعي في الإنبات قولان:\nأحدهما: أنه بلوغ، والثاني: دلالة البلوغ.\nوقال أبو حنيفة: لا يتعلق بالإنبات حكم، وليس هو ببلوغ ولا دلالة عليه.\nوالدليل على أن البلوغ بالإنبات متعلق بما\nروى عطية القرظي عن سعد بن معاذ أن النبي ﷺ حكّمه في بني قريظة قال: فمكثت أكشف عنهم فكل من أنبت قتلته، ومن لم ينبت جعلته في الذرّية.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٥.\n(٢) سورة النور: ٥٩.\n(٣) سنن أبي داود: ١/ ٣٥٤ ح ١٥٧٦.","vol":"3","page":255},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: «لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» «١» [٢٤٠] .\nقال عطية: فكنت ممّن لم ينبت فجعلني في الذرّية.\nوأما ما يختص به النساء: فالحيض والحبل، يدل عليه ما\nروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يقبل صلاة حائض إلّا بخمار»\n«٢» [٢٤١] فجعلها مكلفة بالحيض، وهذا القول في حدّ البلوغ.\nفأما الرشد: فقد اختلف الفقهاء فيه، فقال الشافعي: هو أن يكون صالحا في دينه مصلحا في ماله، والصلاح في الدين أن يكون متجنبا للفواحش التي يفسق بها، وتسقط عدالته كالزنا واللواط والقذف وشرب الخمر ونحوها.\nوإصلاح المال: أن لا يضيّعه ولا يبذّره ولا يغبن في التصرف غبنا فاحشا، فالرشد شيئان:\nجواز الشهادة وإصلاح، المال وهذا قول الحسن وربيعة ومالك.\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا بلغ عاقلا مصلحا لماله، زال الحجر عنه بكل حال، سواء كان فاسدا في دينه أو صالحا فيه. فاعتبروا صلاح المال ولم يعتبروا صلاح الدين.\nثم اختلفوا فيه إذا بلغ عاقلا مفسدا لماله:\nفقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول الحجر عنه ويكون تصرفه باطلا إلّا النكاح والعتق، ويبقى تحت الحجر أبدا إلى أن يظهر رشده.\nوقال أبو حنيفة: إذا بلغ عاقلا زال الحجر عنه، فإن كان مفسدا لماله منع من تسليم ماله إليه حتى يبلغ خمسا وعشرين سنة، فإذا بلغها يسلّم المال إليه بكل حال، سواء كان مفسدا له أو غير مفسد. وقيل: إنّ في مدة المنع من المال إذا بلغ مفسدا ينفذ تصرفه على الإطلاق، وإنما منع من تسليم المال إليه احتياطا لماله، فقال: وجه تحديده بخمس وعشرين سنة أنه قد يحبل منه لاثني عشرة سنة ثم يولد له لستة أشهر ثم يحمل لولده باثني عشر سنة ثم يولد له لستة أشهر فيصير جدا.\nقال: وأستحي أن أحجر على من يصلح أن يكون جدّا، وإذا حصل البلوغ والرشد دفع المال إليه سواء تزوج أو لم يتزوج.\nوقال مالك: إن كان صاحب المال جارية وتبلغ رشيدة، فالحجر باق عليها، وتمنع من مالها حتى تتزوج، وإذا تزوجت يسلّم مالها، إليها ولا يجوز لها أن تتصرف في مالها بغير إذن زوجها حتى تكبر وتجرّب ثم حينئذ يبعد تصرفها بغير إذنه، واطلاق في الغلام. والذي يدل على\n_________\n(١) زاد المسير: ٦/ ١٩٤، والفائق للزمخشري: ٢/ ٥٢.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ١٥٠، سنن أبي داود: ١/ ١٥٢، ح ٦٤١.","vol":"3","page":256},{"text":"فساد هذا المذهب ما\nروي أن النبي ﷺ خطب يوم العيد ثم نزل فذهب إلى النساء فوعظهن فقال: «تصدقن ولو من حليكنّ» «١» [٢٤٢] فكنّ تتصدقنّ فجعلت المرأة تلقي حرصها وسخائها\n، فأمرهنّ ﵇ بالصدقة وقبلها منهنّ، ولم يفصل بين متزوجة وغير متزوجة ولا بين من تصدقت بإذن زوجها أو بغير إذنه، فهذا القول في الحجر على الصغير، وبيان حكم قوله:\nوَابْتَلُوا الْيَتامى، فأما قوله: وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>حكم الكلام في الحجر على السفيه</span>\nفاختلف العلماء فيه:\nفقال أبو حنيفة ونفر: لا حجر على حر بالغ عاقل بوجه، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا. وهو مذهب النخعي، واحتجوا في ذلك بما\nروى قتادة عن أنس: أن حيان بن منقذ كان يخدع في البيع فأتى أهله النبي ﷺ فقالوا: إن حيان بن منقذ يعقد وفي عقده ضعف فأحجر عليه.\nفاستدعاه النبي ﷺ فقال له: «لا تبع» فقال: لا أصبر عن البيع، فقال له: «إذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا» «٢» [٢٤٣] .\nفلما سأله القوم الحجر عليه على ما كان في تصرفه من الغبن ولم يفعل، ثبت أنه لا يجوز.\nقال الشافعي: إن كان مفسدا لماله ودينه أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه، وإن كان مفسدا لدينه مصلحا لماله فعلى وجهين:\nأحدهما: يحجر عليه، وهو اختيار أبي العباس بن شريح.\nوالثاني: لا يحجر عليه، وهو اختيار أبي إسحاق المروزي، والأظهر من مذهب الشافعي، وهو الذي ذكرناه من الحجر على السفيه، قول عثمان وعلي والزبير وعائشة وابن عباس وعبد الله بن جعفر، ومن التابعين شريح وبه قال من الفقهاء: مالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وادّعى أصحابنا الإجماع في هذه المسألة، ما\nروى هشام بن عروة عن أبيه: أنّ عبد الله بن جعفر ابتاع أرضا سبخة بستين ألف درهم، فغبن فيها فأراد عليّ أن يحجر عليه، فأتى ابن جعفر إلى الزبير فقال: إني اشتريت وأن عليا يريد أن يأتي حبر المؤمنين فيسأله أن يحجر عليّ.\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٢/ ٨٠ ومسند أحمد: ٦/ ٢٦٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٧. [.....]","vol":"3","page":257},{"text":"فقال الزبير: أنا شريكك في البيع، فقال: عليّ عثمان.\nوقال علي: إن ابن جعفر اشترى كذا وكذا أحجر عليه.\nوقال الزبير: أنا شريكه في البيع، فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه الزبير.\nفثبت من هذه القصة إجماع الصحابة على جواز الحجر، لأن عبد الله بن جعفر خاف من الحجر، والزبير احتال له فيما يمنعه منه، وعليّ سأل ذلك عثمان، وعثمان اعتذر إليه في الامتناع منه.\nوَلا تَأْكُلُوها يا معشر الأوصياء والأولياء بغير حقها إِسْرافًا والإسراف مجاوزة الحد والإفراط والخطأ ووضع الشيء في غير موضعه، يقال: مررت بكم فسرقتكم، أي فسهوت عنكم وأخطأتكم.\nقال جرير:\nأعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم منّ ولا سرف «١»\nأي خطأ، يعني أنهم يصيبون مواضع العطاء وَبِدارًا مبادرة أَنْ يَكْبَرُوا أن في محل النصب يعني لا تبادروا كبرهم ورشدهم حذرا أن يبلغوا فيلزمكم تسليمها إليهم، ثم بيّن ما يحل لهم من مالهم، فقال عز من قائل: وَمَنْ كانَ غَنِيًّا عن مال اليتيم فَلْيَسْتَعْفِفْ عن مال اليتيم، فلا يجوز له قليلا ولا كثيرا، والعفة الامتناع ممّا لا يحل ولا يجد فعله، قال الله تعالى:\nوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا «٢» .\nوَمَنْ كانَ فَقِيرًا محتاجا إلى مال اليتيم وهو يحفظه ويتعهده فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ واختلف العلماء فيه:\nفقال بعضهم: المعروف القرض، نظيره قوله: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ «٣» يعني القرض، ومعنى الآية: تستقرض من مال اليتيم فإذا أيسر قضاه، فإن لم يقدر على قضائه فلا شيء عليه.\nوقال به سعيد بن جبير وعبيدة السلماني وأبي العالية، وأكثر الروايات عن ابن عباس.\nقال مجاهد: ليستسلف منه فيتجر فيه فإذا أيسر أدى، ودليل هذا التأويل ما روى إسرابيل وسفيان عن إسحاق عن حارثة بن مصرف قال: قال عمر بن الخطاب: ألا إني أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة مال اليتيم إن استغنيت استعففت فإن افتقرت أكلت بالمعروف وإن أيسرت قضيت.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٣٧.\n(٢) سورة النور: ٣٣.\n(٣) سورة النساء: ١١٤.","vol":"3","page":258},{"text":"وقال الشعبي: لا تأكله إلّا أن تضطر إليه كما تضطر إلى الميتة.\nوقال آخرون: (بِالْمَعْرُوفِ) هو أن يأكله من غير إسراف ولا قضاء عليه فيما يأكل، ثم اختلفوا في كيفية هذا الأكل بالمعروف:\nفقال عطاء وعكرمة والسدي: يأكل بأطراف أصابعه ولا يسرف في الأكل، ولا يكتسي منه.\nوقال النخعي: لا يلبس الحلل ولا الكتان، ولكن ما سدّ الجوعة ووارى العورة.\nوقال بعضهم: هو أن يأكل من ثمر نخيله ولبن مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة فلا، فإن أكله فلا بد من أن يرده، وهذا قول الحسن وجماعة.\nقال قتادة: كان اليتيم يكون له الحائط من النخل فيقوم وليّه على صلاحه وسقيه فيصيب من ثمرته ويكون له الماشية، فيقوم وليه على صلاحها وعلاجها فيصيب من جزازها وعوارضها، فأما رقاب المال وأصولها فليس له أن يستهلكها.\nوقال الضحاك: المعروف ركوب الدابة وخدمة الخادم وليس له أن يأكل من ماله شيئا.\nوروى بكر بن عبد الله بن الأشج عن القاسم بن محمد قال: حضرت ابن عباس، فجاءه رجل فقال: يا ابن عباس إن لي أيتاما ولهم ماشية، فهل عليّ جناح في رسلها وما يحل لي منها؟\nفقال: إن كنت ترد نادتها وتبغي ضالتها وتهنأ جرباها وتلوط حوضها «١» وتفرط لها يوم وردها، فاشرب من فضل ألبانها عنهم غير مضر بأولادها ولا تنهكها في الحلب.\nقال بعضهم: المعروف هو أن يأخذ من جميع ماله، إذا كان يلي ذلك بقدر قيامه [وخدمته] وعمله وأجرته، وإن أتى على جميع المال ولا قضاء عليه، وهذا طعمة من الله تعالى له وبه.\nقالت به عائشة وجماعة من العلماء، وقال محمد بن كعب القرظي مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ: عن مال اليتيم ولا تأكل منه شيئا وأجره على الله وَمَنْ كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ يتقرم بتقرم البهيمة، وينزل نفسه بمنزلة الأجير فيما لا بد له منه والتقرم: الالتقاط من نبات الأرض وبقلها، ودليل هذا التأويل ما\nروى ابن أبي نجيح عن المحسن العوفي عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن في حجري يتيما أفأضربه؟ فقال:\n«ممّا كنت ضاربا منه ولدك» [٢٤٤] قال: يا رسول الله أفآكل من ماله؟ قال: «بالمعروف غير متأثل من ماله ولا واقيا مالك بماله»» [٢٤٥] .\n_________\n(١) هنأ الإبل: طلاها بالهناء وهو ضرب من القطران، ولاط الحوض: طلاها بالطين وأصلحه.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٥/ ١٦١.","vol":"3","page":259},{"text":"وأصل المعروف ما تيسر على الإنسان فطابت نفسه به، قال الله تعالى: مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ «١» .\nفَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ هذا أدب من الله تعالى، ليعلم أن الولي قد أدى الأمانة وينقطع عنه الظنّة وتزول عنه الخصومة وليس بفريضة وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا محاسبا ومجازيا وشاهدا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>[سورة النساء (٤): الآيات ٧ الى ١٤]</span>\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)\nوَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ (١٤)\nلِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ الآية، وذلك\nأن أوس بن ثابت الأنصاري توفى وترك امرأة يقال لها: أم كحة وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصيّاه. واختلف في اسميهما فقال الكلبي وقتادة: عرفطة، وقال غيره: سويد وعرفجة. فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا. وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا، وإنما كانوا يورثون الرجال الكبار، فكانوا يقولون: لا نعطي إلّا من قاتل على ظهر الخيل\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٤١.","vol":"3","page":260},{"text":"وجاز القسمة. قال: فجاءت أم كحة إلى رسول الله ﷺ وهو في مسجد الفضيح فقالت: يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات له ثلاثا وأنا امرأته وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن مالا حسنا وهو عند سويد وعرفجة، فلم يعطياني ولا بناته من المال شيئا وهنّ في حجري، ولا يطعمن ولا يسقين ولا يرفع لهن رأس. فدعاهما رسول الله ﷺ فقالا: يا رسول الله ولدها لا يركب فرسا ولا يحمل كلأ ولا ينكأ عدوا.\nفقال رسول الله ﷺ: «انصرفوا حتى أنظر ماذا يحدث الله لي فيهن» «١» [٢٤٦] فانصرفوا فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nلِلرِّجالِ يعني الذكور من أولاد الميت وأقربائه نَصِيبٌ وحظ وسهم مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من الميراث، والإناث لهن حصّة من الميراث.\nمِمَّا قَلَّ مِنْهُ المال أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا حظا معلوما واجبا، نظيرها فيما قال:\nلَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا «٢» وهو نصب لخروجه مخرج المصدر كقول القائل: لك عليّ حق حقا واجبا، وعندي درهم هبة مقبوضة، قاله الفراء.\nوقال أبو عبيدة: هو نصب على الخروج، الكسائي: على القطع، الأخفش: جعل ذلك نصيبا فأثبت لهم في الميراث حقا، ولم يبيّن كم هو.\n-\nفأرسل رسول الله ﷺ إلى سويد وعرفجة: «لا تفرّقا من مال أوس بن ثابت شيئا، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا ممّا ترك ولم يبين كم هو، حتى ننظر ما ينزل الله ﷿ فيهن»، فأنزل الله ﷿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى قوله ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة: «أن ادفعا إلى أم كحة الثمن ممّا ترك وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال» «٣» .\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ يعني قسمة المواريث أُولُوا الْقُرْبى الذين لا يرثون وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ أي فارضوهم من المال قبل القسمة، واختلف العلماء في حكم هذه الآية:\nفقال قوم: هي منسوخة. وقال سعيد بن المسيب والضحاك وأبو مالك: كانت هذه قبل آية المواريث، فلما نزلت آية الميراث جعلت الميراث لأهلها الوصية ونسخت هذه الآية، وجعلت لذوي القربى الذين يحزنون ولا يرثون اليتامى والمساكين، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس.\nوقال آخرون: هي محكمة، وهو قول الأشعري والنخعي والشعبي والزهري ورواية عكرمة ومقسم عن ابن عباس. وقال مجاهد: واجبة على أهل الميراث ما طابت بها أنفسهم.\n_________\n(١) أسباب النزول: ٩٦.\n(٢) سورة النساء: ١١٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٤٧.","vol":"3","page":261},{"text":"قتادة عن الحسن: ليست بمنسوخة ولكن الناس شحوا وبخلوا.\nوروى عبد الرزاق عن معمّر عن هشام بن عروة: أن أباه أعطاه من ميراث مصعب حين قسم ماله، قاله الحسن.\nوقال التابعون: كانوا يعطون التابوت والأواني وباقي المتاع والثياب، والشيء الذي يستحي من قسمته، فإن كان بعض الورثة طفلا، فاختلفوا:\nفقال ابن عباس والسدي وغير هما: إذا حضر القسمة هؤلاء، فإن كان الميّت أوصى لهم بشيء أنفدت لهم وصيته، وإن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم، فيقول الولي والوصي: إني لا أملك هذا إنما هو لهؤلاء الضعفاء الصغار الذين لا يعقلون ما عليهم من الحق، ولو كان لي من الميراث شيء لأعطيتكم، وإن يكبروا فسيعرفون حقكم، وإن ماتوا فورثناهم أعطيناكم حقكم، وهذا هو القول المعروف.\nوقال سعيد بن جبير: هذه الآية ممّا يتهاون به الناس، هما وليان: وليّ يرث وهو الذي يعطي ويكسي، ووليّ لا يرث وهو الذي يقال له قول المعروف.\nوقال بعضهم: ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانوا كبارا تولوا إعطاءهم، وإن كانوا صغارا تولى إعطاء ذلك وليّهم.\nروى محمد بن سيرين: أن عبيدة السلماني قسّم أموال أيتام فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأهل هذه الآية، وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.\nروى قتادة عن يحيى بن يعمر قال: تلك آيات محكمات مدنيات تركهن الناس، هذه الآية وآية الاستئذان يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ «١» وقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى «٢» .\nوقال بعضهم: هذا على الندب والاستحباب لا على الحتم والإيجاب، وهو أول الأقاويل بالصواب.\nوقال ابن زيد وغيره: هذا في الوصية لا في الميراث، كان الرجل إذا أوصى قال: فلان ماله أمر أن يوصي بثلث ماله لمن سمّى الله في هذه الآية.\nوروى ابن أبي مليكة عن أسماء بنت عبد الرحمن وأبي بكر والقاسم بن محمد بن أبي بكر: أخبرا أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسّم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حيّة،\n_________\n(١) سورة النور: ٥٨.\n(٢) سورة الحجرات: ١٣.","vol":"3","page":262},{"text":"قالا: فلم يترك في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلّا أعطاهم من مال أبيه، وتلا هذه الآية وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ.\nقال القاسم: فذكرت ذلك لابن عباس فقال: ما أصاب، ليس ذلك له إنما ذلك في الوصية.\nوَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا الآية.\nقال أكثر المفسرين: هذا في الرجل يحضره الموت فيقول من بحضرته عند وصيته: أنظر لنفسك فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا، فقدّم لنفسك أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا حتى يأتي على عامّة ماله ويستغرقه ولا يبقي لورثته شيئا، فنهاهم الله ﷿ من ذلك وأمر هم أن يأمروه أن يبقي لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ولا يجحف بورثته، كما لو كان هذا الميت هو الموصي، لسرّه أن يحثه من يحضره على حفظ ماله لولده ولا يدعهم عالة مع ضعفهم، ويجرهم إلى التصرّف والحيلة.\nوقال مقسم الحضرمي: الرجل يحضره الموت فيقول له من بحضرته: اتق الله وأمسك عليك مالك فليس أحد أحق بمالك من أولادك، وينهاه عن الوصية لأقربائه ولليتامى والفقراء، ولو كان هذا هو الموصي لسرّه أن يوصي لهم.\nوقال الكلبي: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، فليقل وليفعل خيرا وليأت إليه ما يحب أن يفعل بذريته من بعده. وهي رواية عطية عن ابن عباس.\nوقال الشعري: كنّا بالقسطنطينيّة أيام مسلمة بن عبد الملك وفينا ابن محبرين وابن الديلمي وهاني بن مكتوم، وجعلنا نتذاكر ما يكون في آخر الزمان، فضقت ذرعا لما سمعت فقلت لابن الديلمي: يا أبا بشير عليّ ودّي أنه لا يولد لي ولد أبدا قال: فضرب بيده على منكبي وقال: يا ابن أخي لا تفعل فإنه ليست من قسمة كتب الله لها أن تخرج من صلب رجل إلّا وهي خارجة شئنا أو أبينا، ألا أدلك على أمر إن أنت أدركته نجّاك الله منه، وإن تركت ولدا من بعدك حفظهم الله فيك؟ قلت: بلى فتلا هذه الآية، وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا والسديد العدل والصواب من القول إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا الآية.\nقال مقاتل بن حيان: نزلت في رجل من غطفان يقال له مرثد بن زيد، ولّي مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله فأنزل الله ﷿ فيه إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا حراما بغير حق إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نارًا أخبر عن ماله وأخبر عن حاله، والعرب تقول للشيء الذي يؤدى إلى الشيء: هذا كذا لما يؤدى إليه، مثل قولهم: هذا الموت، أي يؤدي إليه.","vol":"3","page":263},{"text":"وقال النبي ﷺ: في الشارب من أواني الذهب والفضة «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم» «١» [٢٤٧] .\nوقال (﵇): «البحر نار في نار»\n«٢» [٢٤٨] أي عاقبتها كذلك، وذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني وقلت بلساني وأخذت بيدي ومشيت برجلي وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا وقودا.\nقرأه العامة بفتح الياء، أي يدخلون، تصديقها إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقوله: لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى «٣» .\nوقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: بضم الياء، أي يدخلون النار ويحرقون نظيره، قوله: سَأُصْلِيهِ سَقَرَ «٤» وقوله: فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا «٥» .\nوقرأ حميد بن قيس: (وسيصلّون) بضم الياء وتشديد اللام، من التصلية، لكثرة الفعل، أي مرّة بعد مرّة، دليله قوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ «٦» وكل صواب، يقال: صليت الشيء إذا شويته.\nوفي الحديث: أتى بشاة مصلية، فاصليته ألقيته في النار، وصليته مرّة بعد مرّة\n، وصليت بكسر اللام دخلت النار وتصلّيت استدفأت بالنار. قال الشاعر:\nوقد تصليت حرّ حربهم ... كما تصلّى المقرور من قرس «٧» .\nوقال السدي: يبعث آكل مال اليتيم ظلما يوم القيامة، ولهب النار ودخانه يخرج من فيه وأذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه كل من رآه يأكل مال اليتيم.\nوقال النبي ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل إحداهما عالية على منخريه وأخرى على بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم وصخرها، ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا» «٨» [٢٤٩] .\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١١٢، تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢١١.\n(٣) سورة الليل: ١٥. [.....]\n(٤) سورة المدثر: ٢٦.\n(٥) سورة النساء: ٣٠.\n(٦) سورة الحاقة: ٣١.\n(٧) تفسير القرطبي: ٥/ ٥٤.\n(٨) تفسير الطبري: ٤/ ٢٦٣، (بتفاوت) .","vol":"3","page":264},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>فصل في بسط الآية</span>\nاعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالرجولية والقوة، وكانوا يورثون الرجال دون النساء والأطفال، فأبطل الله ﷿ ذلك بقوله: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ وكانت الوراثة أيضا في الجاهلية، وبدأ الإسلام بالمحالفة قال الله: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ يعني الحلفاء فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم صارت بعد الهجرة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا «١» فنسخ هذا كله وصارت الوراثة على وجهين: بالسبب والنسب، فأما السبب فهو النكاح والولاء، وهذا علم عريض لذلك.\nقال رسول الله ﷺ: «عليكم بالفرائض فإنها نصف العلم وهو أول علم ينزع من أمتي» «٢» [٢٥٠] .\nولا يمكن معرفة ذلك إلّا بمعرفة الورثة والسهام، وقد أفردت فيه قولا وجيزا جامعا كما يليق بشرط الكتاب والله الموفق للصواب.\nاعلم أن الميت إذا مات يبدأ أولا بالتجهيز ثم بقضاء ديونه ثم بإنفاذ وصاياه، فما فضل يقسّم بين الورثة، والورثة على ثلاثة أقسام:\nمنهم من يرث بالفرض، ومنهم من يرث بالتعصيب، ومنهم من يرث بهما جميعا، فصاحب الفرض: من له سهم معلوم ونصيب مقدّر، مثل البنات والأخوات والأمهات والجدّات والأزواج والزوجات، وصاحب التعصيب: من يأخذ جميع المال عند عدم أصحاب الفروض، أو يأخذ الفاضل منهم ويكون محروما إذا لم يفضل من أصحاب السهام شيء، مثل الأخ والعم ونحوهما، والذي يرث بالوجهين: هو الأب مع البنت وبنت الابن، يأخذ نصيبه المقدر وهو السدس، ثم يأخذ ما فضل منهما وجملة الورثة سبعة عشر، عشرة من الرجال: الابن وابن الابن وإن سفل والأب وأب الأب وإن علا والأخ وابن الأخ والعم وابن العم والزوج ومولى العتاق، ومن النساء سبع: البنت وبنت الابن والأم والجدّة والأخت والزوجة ومولاة العتاق، والذين لا يسقطهم من الميراث أحد الستة، الأبوان والولدان والزوجان.\nوالعلة في ذلك: أنه ليست بينهم وبين الميت واسطة، والذين لا يرثون بحال ستة: العبد والمدبّر والمكاتب وأم الولد وقاتل العمد وأهل الملتين، والسهام المحدودة في كتاب الله ﷿ ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٧٢.\n(٢) فتح الباري: ١٢/ ٤، كنز العمال: ١١/ ٣ بتفاوت يسير.","vol":"3","page":265},{"text":"والنصف فرض خمسة: بنت الصلب، وبنت الابن إذا لم يكن بنت الصلب، والأخت للأب والأم، والأخت للأب إذا لم يكن الأخت للأب والأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن.\nوالربع فرض اثنين: الزوج إذا كان للميت ولد أو ولد ابن، والزوجة والزوجات إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن.\nوالثمن فرض واحد: الزوجة والزوجات إذا كان للميت ولد أو ولد ابن.\nوالثلثان فرض كل اثنين فصاعدا ممّن فرضه النصف.\nوالثلث فرض ثلاثة: الأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الأخوة والأخوات إلّا في مسألتين: أحد هما زوج وأبوان، والأخرى امرأة وأبوان، فإن للأم فيهما ثلث ما يبقى بعد نصيب الزوج، وهو في الحقيقة سدس جميع المال، والزوجة وهو ربع جميع المال، وفرض الاثنين من ولد الأم ذكورهم وإناثهم سواء، وفرض الجدّ مع الأخوة والأخوات إذا كانت المقاسمة خيرا له من الثلث.\nوالسدس فرض سبعة: بنت الابن مع بنت الصلب، والأخت للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم، والأم إذا كان للبنت ولدا، وولد ابن أو اثنان من الأخوة والأخوات، وفرض الجدة والجدات وفرض الأب مع الولد وولد الابن [....] «١» مع الابن وابن الابن، وأما العصبات فأقربهم البنون ثم بنوهم ثم بنو بنيهم وإن سفلوا [...] «٢» أخواتهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، ثم الأب وله ثلاثة أحوال: حال ينفرد بالتعصيب، وهو مع عدم الولد وولد الابن، وحال ينفرد بالفرض، وهو مع الابن أو ابن الابن، وحال يجمع له الفرض والتعصيب، وهو مع البنت وابنة الابن، ثم الجد إن لم يكن له أخوة، وإن كان له أخوة قاسمهم، ثم الأخوة والأخوات للأب والأم، ثم الأخوة والأخوات للأب يقسمون المال بينهم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والواحدة منهن عصبة مع البنات، وسائر العصبات ينفرد ذكورهم بالتعصيب، دون الإناث، ثم بنو الأخوة للأب والأم، ثم بنو الأخوة للأب، ثم الأعمام للأب والأم، ثم الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم بنو الأعمام للأب والأم، ثم بنو الأعمام للأب، ثم أعمام الأب كذلك، ثم أعمام الجد، على هذا الترتيب لا يرث بنو أب أعلى وبنو أب أقرب منهم موجود، ثم مولى العتق، ثم عصبته على هذا الترتيب، فهذه جملة من هذا العلم.\n_________\n(١) بياض في الأصل.\n(٢) بياض في الأصل.","vol":"3","page":266},{"text":"رجعنا إلى تفسير الآية، اختلف المفسرون في سبب نزولها:\nفأخبر محمد بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: مرضت فعادني رسول الله ﷺ وأبو بكر (﵁) وهما يتمشيان، فأغشي عليّ فدعا بماء فتوضأ ثم صبّه عليّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أمضي في مالي؟ كيف أصنع في مالي؟ فسكت رسول الله ﷺ فنزلت فيّ آية المواريث.\nوقال عطاء: استشهد سعد بن الربيع النقيب يوم أحد وترك امرأة وابنتين وأخا، فأخذ الأخ المال فأتت امرأة سعد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هاتين ابنتا سعد، وإن سعدا قتل يوم أحد معك شهيدا، وإن عمّهما أخذ مالهما ولا ينكحان إلّا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ: «ارجعي فلعل الله سيقضي في ذلك» [٢٥١] فأقامت حينا ثم عادت وشكت وبكت، فنزل على رسول الله ﷺ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ إلى آخرها.\nفدعا رسول الله ﷺ عمّهما وقال: «أعط بنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقي فهو لك» «١» [٢٥٢]\n، فهذا أول ميراث قسّم في الإسلام.\nوقال مقاتل والكلبي: نزلت في أم كحة وقد مضت القصة.\nوقال السدي: نزلت في عبد الرحمن أخي حسان الشاعر، وذلك أنه مات وترك امرأة وخمس أخوات، فجاء الورثة فأخذوا ماله ولم يعطوا امرأته شيئا، فشكت ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله آية المواريث.\nوقال ابن عباس: كانت المواريث للأولاد وكانت الوصية للوالدين والأقربين، فنسخ الله ذلك، وأنزل آية المواريث، فقال رسول الله ﷺ: «إن الله لم يرض بملك مقرب ونبي مرسل حتى تولى قسم التركات وأعطى كل ذي حق حقه ألا فلا وصية للوارث»\n«٢» [٢٥٣] وقوله تعالى:\nيُوصِيكُمُ اللَّهُ أي يعهد إليكم ويفرض عليكم فِي أَوْلادِكُمْ أي في أمر أولادكم إذا متم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً يعني المتروكات فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فصاعدا يعني البنات فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ و(فوق) صلة، كقوله ﷿: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ «٣» .\nوَإِنْ كانَتْ يعني البنت واحِدَةً.\nقرأه العامة: نصب على خبر كان، ورفعهما أهل المدينة على معنى: إن وقعت واحدة، وحينئذ لا خبر له.\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٣/ ٢٨٠، ارواء الغليل: ٦/ ١٢١- ١٢٢.\n(٢) مجمع البيان: ٣/ ٢٩، ولم يرد فيه ذيل الرواية.\n(٣) سورة الأنفال: ١٢.","vol":"3","page":267},{"text":"فَلَهَا النِّصْفُ ثم قال: وَلِأَبَوَيْهِ يعني لأبوي الميت، كناية عن غير المذكور لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ أو ولدان، والأب هاهنا صاحب فرض فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ قرأ أهل الكوفة: (فَلِأِمِّهِ) بكسر الهمزة، وقرأ الباقون:\nبالضم على الأصل.\nفَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ اثنين كانا أو أكثر ذكرانا أو إناثا فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ هذا قول عامة الفقهاء، وكان ابن عباس لا يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة أخوة، وكان يقول في أبوين وأخوين: للأم الثلث وما بقي فللأب، اتبع ظاهر اللفظ.\nوروى: أن ابن عباس دخل على عثمان فقال: لم صار الأخوان يردان الأم إلى السدس، وإنما قال الله ﷿: فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ والأخوان في لسان قومك ليسا بأخوة؟ فقال عثمان: هل أستطيع نقض أمر قد كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار. وقول ابن عباس في هذا غير مأخوذ به، وأما الآية فإن العرب توقع اسم الجمع على التثنية، لأن الجمع ضمّ شيء إلى شيء، فأقل الجموع اثنان وأقصاها لا غاية له، قال الله تعالى: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «١» .\nوتقول العرب: ضربت من زيد وعمرو، رؤوسهما فأوجعت من إخوتك ظهورهما.\nوأنشد الأخفش:\nلما أتتنا المرأتان بالخبر ... أن الأمر فينا قد شهر «٢»\nقال الثعلبي: وأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح الزيدي:\nويحيى بالسلام غني قوم ... ويبخل بالسلام على الفقير\nأليس الموت بينهما سواء ... إذا ماتوا وصاروا في القبور «٣»\nمِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم: (يوصى) بفتح الصاد، الباقون: بالكسر وكذلك الآخر.\nواختلفت الرواية فيهما عن عاصم، والكسر اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأنّه جرى ذكر الميت قبل هذا، قال الأخفش: وتصديق الكسر يوصين ويواصون.\nآباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا.\n_________\n(١) سورة التحريم: ٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٧٣. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٧٣، و١٤/ ١٠٦.","vol":"3","page":268},{"text":"قال مجاهد: في الدنيا، وقرأ بعضهم: (أيهما أقرب لكم نفعا) أي رفع بالابتداء، ولم يعمل فيه ال (ما) قبله، لأنه استفهام و(أقرب) خبره و(نفعا) نصب على التمييز، كأنه يقول: لا يدرون أي الوارثين والموروثين أسرع موتا فيرثه صاحبه، فلا تتمنوا موت الموروث ولا تستعجلوه.\nوقال ابن عباس: أطوعكم لله من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة، لأن الله ﷿ يشفّع المؤمنين بعضهم في بعض، فإن كان الوالد أرفع درجة في الجنة من ولده رفع الله إليه ولده في درجته ليقرّ بذلك عينه، وإن كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته ليقرّ بذلك عينيهما.\nقال الحسن: لا تدرون بأيّهم أنتم أسعد في الدين والدنيا.\nفَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ يعني وللزوجات الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ نظم الآية: وإن كان رجل أو امرأة يورث كلالة، وهو نصب على المصدر، وقيل: على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسمّ فاعله، تقديرها: وإن كان رجل يورث ماله كلالة.\nوقرأ الحسن وعيسى: (يُوَرِثُ) بكسر الراء [جعلا] فعلا له.\nواختلفوا في الكلالة:\nفقال الضحاك والسدي: هو الموروث. سعيد بن جبير: هم الورثة. النضر بن شميل: هو المال. واختلفوا أيضا في معناه وحكمه:\nفروى أنس عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكلالة، فقرأ آخر سورة النساء، فردّ عليه السائل فقال ﷺ: «لست بزائدك حتى أزاد» «١» [٢٥٤] .\nوروى شعبة عن عاصم الأحوال قال: سمعت الشعبي يقول: إن أبا بكر (﵁) قال في الكلالة: أقضي فيها قضاء وأن كان صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمن الشيطان ومني، والله بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول: كل وارث دونهما كلالة قال: فلما كان عمر (﵁) بعده قال: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر: هو ما خلا الوالد والولد.\nوقال طاوس: هو ما دون الولد. والحكم: هو ما دون الأب. عطية: هم الأخوة للأم.\nعبيد بن عمير: هم الأخوة للأب. وقيل: هم الأخوة والأخوات.\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث: ١٨٥، (بتفاوت) .","vol":"3","page":269},{"text":"قال جابر بن عبد الله: قلت يا رسول الله إنما يرثان أختان لي فكيف بالميراث؟ فنزلت:\nيَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.\nوقال الأخفش: كل من لم يرثه أب أو أم فهو كلالة.\nوقال أهل اللغة: هو من نكلله النسب إذا أحاط به كالإكليل.\nقال امرؤ القيس:\nأصاح ترى برقا أريك وميضه ... كلمع اليدين في حبّي مكلل «١»\nفسمّوا كلالة، لأنهم أحاطوا بالميت من جوانبه وليسوا منه ولا هو منهم، وأحاطتهم به أنهم ينسبون معه.\nقال الفرزدق:\nورثتم قناة الملك غير كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم «٢»\nوقال بعضهم:\nوإن أبا المرؤ أحمى وله ... ومولى الكلالة لا يغضب\nوَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ولم يقل: (ولهما) وقد مضى ذكر الرجل والمرأة على عادت العرب إذا ذكرت اسمين ثم أخبرت عنهما كانا في الحكم سواء، ربّما أضافت إلى أحدهما وربما أضافت إليهما جميعا، يقول: من كان عنده غلام وجارية فليحسن إليه وإليها وإليهما كلها جائز، قال الله ﷿: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ونظائرها، وأراد بهذا الأخ والأخت من الأمر، يدل عليه قراءة سعد بن أبي وقاص: وله أخ أو أخت من الأم فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم سواء مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ.\nقال علي (﵇): إنكم تقرؤون الوصيّة قبل الدين وبدأ رسول الله بالدين قبل الوصية.\nوهذا قول عامة الفقهاء، ومعنى الآية الجمع لا الترتيب غَيْرَ مُضَارٍّ مدخل الضرر على الورثة.\nقال الحسن: هو أن توصي بدين ليس عليه وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ.\nوقرأ الأعمش: (غير مضار وصية من الله) على الإضافة.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ.\n_________\n(١) غريب الحديث: ٣/ ١٠٥، لسان العرب: ٧/ ٢٥٢.\n(٢) الصحاح: ٥/ ١٨١١، لسان العرب: ١١/ ٥٩٢.","vol":"3","page":270},{"text":"قال قتادة: إن الله ﷿ كره الضرار في الحياة وعند الموت ونهى عنه وقدر فيه، ولا يصلح مضارة في حياة ولا موت.\nوفي الخبر من قطع ميراثه في الجنة\n«١» تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ إلى قوله:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥ الى ٢١]</span>\nوَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)\nوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٢١)\nوَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ يعني الزنا، وفي مصحف عبد الله الفاحشة مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ يعني من المسلمين فَإِنْ شَهِدُوا عليها بالزنا فَأَمْسِكُوهُنَّ فأحبسوهن فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، كانت المرأة في أول الإسلام لو أذنبت حبست في البيت حتى تموت وإن كان لها زوج كان مهرها له، حتى نزلت قوله: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما «٢» .\nفقال رسول الله ﷺ: «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام» «٣» [٢٥٥] .\nفنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت وبقي بعضها محكما وهو الاستشهاد وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ يعني الرجل والمرأة، المذكر والمؤنث إذا اجتمعا قلب المذكر على المؤنث، والهاء راجعة إلى الفاحشة.\nقال المفسرون: فهما البكران يزنيان فَآذُوهُما قال عطاء وقتادة والسدي: يعني عيّروهما\n_________\n(١) انظر: كشف الخفاء: ٢/ ٣١٠.\n(٢) سورة النور: ٢.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٤٧٦ وصحيح مسلم: ٥/ ١١٥ مع تقديم وتأخير.","vol":"3","page":271},{"text":"وعنفوهما باللسان: أما خفت الله أما استحيت الله حين أتيت الزنا، وأشباهه. مجاهد: سبّوهما واشتموهما. ابن عباس: هو باللسان واليد كأن [يوذي] بالتعيير والضرب بالنعال.\nفَإِنْ تابا من الفاحشة وَأَصْلَحا العمل فيما بعد فَأَعْرِضُوا عَنْهُما ولا تؤذوهما، وإنما كان قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية والإمساك من الآية الأولى بالرجم للبنت والجلد والنفي للبكر، والجلد في القرآن والنفي والرجم في السنة.\nروى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني: إنما أخبراه أن رجلين اختصما إلى النبي ﷺ فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله.\nوقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله أقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في أن أتكلم؟\nفقال: «تكلم» . فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا- قال مالك: والعسيف الأجير- فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني الرجم، فافتديت منه مائة شاة وبجارية، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله ﷺ:\n«والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك، وجلد ابنك مائة وتغريبه عاما» «١» [٢٥٦] .\nوأمر أنيس الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل فان اعترفت رجمها، فاعترفت فرجمها.\nروى الزهري عن أبي سلمة عن عروة بن الزبير: أن عمر بن الخطاب (﵁) غرّب في الزنا ولم تزل تلك السنّة حتى غرّب مروان في إمارته.\nوروى الزهري عن أبي سلمة عن جابر بن عبد الله: أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي ﷺ فاعترف عنده بالزنا: فأعرض عنه ثم اعترف فاعترض حتى شهد على نفسه أربع مرات، فقال النبي ﷺ: «إنك مجنون؟» قال: لا، قال: «أحصنت؟» قال: نعم، فأمر به النبي ﷺ فرجم بالمصلّي، فلما أذاقته الحجارة فرّ، وأدرك فرجمه حتى مات» .\nفقال النبي ﷺ فيه خيرا ولم يصل عليه.\nسليمان بن بريدة عن أبيه قال: جاء ماعز بن مالك إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله طهّرني، قال: «ويحك إرجع فاستغفر الله وتب إليه» قال: فرجع غير بعيد وقال مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له النبي ﷺ: «ممّ أطهرك؟» قال: من الزنا، قال رسول الله ﷺ: «إنك مجنون؟» وأخبر أنه ليس به جنون، فقال: «أشرب خمرا»، فقام رجل فاستشمه فلم يجد منه ريح خمر.\n_________\n(١) مسند الطيالسي: ١٢٨، السنن الكبرى: ٣/ ٤٧٧.\n(٢) السنن الكبرى: ١/ ٦٣٥.","vol":"3","page":272},{"text":"فقال النبي ﷺ: «أزنيت أنت؟» قال: نعم فأمر به النبي ﷺ فرجم، وجاء النبي فقال:\n«استغفروا لماعز بن مالك»، فقالوا: أيغفر الله لماعز بن مالك؟ فقال النبي ﷺ: «لقد تاب ماعز توبة لو قسّمت بين أمة لوسعتها» «١» [٢٥٧] .\nوروى الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب قال: لقد خشيت أن يطول الناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنا، إذا أحصن وقامت البينة أو الحمل أو الاعتراف، وقد قرأتها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة، ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده.\nإِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ قال الحسن: يعني التوبة التي يقبلها الله، فتكون على بمعنى عند، أقامه مقام صفة.\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عياش يقول: (على) هاهنا بمعنى (من) يقول: إنما التوبة من الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ، اختلفوا في معنى الجهالة:\nفقال مجاهد والضحاك: هي العمد.\nوقال الكلبي: لم يجهل أنه ذنب ولكنه جهل عقوبته.\nوقال سائر المفسرين: يعني المعاصي كلها، فكل من عصى ربّه فهو جاهل حتى ينزع عن معصيته.\nقتادة: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أنّ كل شيء عصي به ربّه فهو جهالة، عمدا كان أو غيره.\nوقال الزجاج: معنى قوله: بِجَهالَةٍ اختيارهم اللذة الفانية على اللذة الباقية، نظيرها في الأنعام مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ «٢»، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ معناه قبل أن يحبطون السوء بحسناته فيحبطها.\nقال السدي والكلبي: القريب ما دام في صحته قبل المرض والموت.\nعكرمة وابن زيد: ما قبل الموت فهو قريب.\nأبو مجلن والضحاك: قبل معاينة ملك الموت.\nأبو موسى الأشعري: هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة.\n_________\n(١) كنز العمال: ١٣/ ٥٩٢- ٥٩٣، شرح مسند أبي حنيفة: ٢٥٢.\n(٢) سورة الأنعام: ٥٤.","vol":"3","page":273},{"text":"زيد بن أسلم عن عبد الرحمن [السلماني] قال: اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله ﷺ فقال أحدهم: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم» [٢٥٨] .\nقال الثاني: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بنصف يوم» [٢٥٩] .\nقال الثالث: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضحوة» [٢٦٠] .\nفقال الرابع: وأنا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله ﷿ يقبل توبة العبد ما لم يغرغر بنفسه» «١» [٢٦١] .\nخالد بن [سعدان] عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه» ثم قال: «إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه» ثم قال:\n«إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه» ثم قال: «إن الساعة لكثير، من تاب قبل موته قبل أن يغرغر بها تاب الله عليه» «٢» [٢٦٢] .\nالمسيب بن شريك عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «لما هبط إبليس قال وعزتك وعظمتك لا أفارق ابن آدم حتى يفارق روحه جسده فقال الله ﷿:\nوعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغر» «٣» [٢٦٣] .\nوعن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ الشيطان قال وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، قال الربّ ﵎: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال أغفر لهم ما استغفروا لي» «٤» [٢٦٤] .\nقال الثعلبي: وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول:\nسمعت محمد بن عبد الجبار يقول: يقال للتائب المخلص في توبته ولو بمقدار ساعة من النهار أو بمقدار نفس واحد قبل موته: ما أسرع ما جئت.\nوَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ يعني المعاصي حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٤٢٥، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧٤.\n(٢) كنز العمال: ٤/ ٢٢٣، ح ١٠٢٦٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٩٣، باختلاف يسير. [.....]\n(٤) العهود المحمدية، الشعراني: ٢٧٤.","vol":"3","page":274},{"text":"ووقع في النزع قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ فحينئذ لا يقبل من كافر إيمانه ولا من عاص توبته وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ موضع (الَّذِينَ) خفض يعني ولا الذين يتوبون وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا\nأي هيّئنا، والاسم منه العتاد.\nقال عدي بن الرقاع:\nتأتيه أسلاب الأعزة عنوة ... قسرا ويجمع للحروب عتادها «١»\nوقال للفرس المعد للحرب: عتّد وعتد.\nوقال الشاعر الجعفي:\nحملوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدوا بها عتد وأي «٢»\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا أي على كره منهن.\nقال المفسرون: كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام، إذا مات رجل وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من جنسه فيلقي ثوبه على تلك المرأة أو على خبائها، فصار أحق بها من نفسها ومن غيره، فإن شاء أن يتزوجها تزوجها بغير صداق، إلّا بالصداق الأول الذي أصدقها الميت، وإن شاء زوجها من غيره وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئا، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج فطوّل عليها وضارها، لتفتدي نفسها بما ورثت من الميت، أو تموت هي فيرثها، وإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بنفسها، فكانوا يفعلون ذلك حتى توفى أبو قيس بن صلت الأنصاري وترك امرأته كبيشة بنت معن الأنصارية، فقام ابن له من غيرها يقال له: (حصن) .\nوقال مقاتل بن حيان: اسمه قيس بن أبي قيس، فطرح ثوبه عليها فورث نكاحها، ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها يضارّها بذلك لتفتدي بمالها، وكذلك كانوا يفعلون إذا ورث أحدهم نكاحها، فإن كانت جميلة موسرة دخل بها، وإن لم تكن جميلة طوّل عليها لتفتدي منه، فأتت كبيشة رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله إن أبا قيس توفى وورث نكاحي ابنه وقد أضرّني حصن وطوّل عليّ فلا هو ينفق علي ولا يدخل بي ولا يخلي سبيلي، فقال لها رسول الله ﷺ:\n«اقعدي في بيتك حتى يأتي فيك أمر الله» [٢٦٥] قالت: فانصرفت وسمعت بذلك النساء في المدينة، فأتين رسول الله ﷺ وهو في مسجد الفضيح فقلن: يا رسول الله ما نحن إلّا كهيئة كبشة غير أننا لم ينكحنا الأبناء وينكحنا بنو العم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ الآية «٣» .\n_________\n(١) الاسلاب: ما يسلب من الحرب، والبيت في تفسير مجمع البيان: ٣/ ٤٢.\n(٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٦، تفسير القرطبي: ٧/ ٥٧.\n(٣) أسباب النزول: ٩٨.","vol":"3","page":275},{"text":"وقرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب: بضم الكاف هاهنا وفي التوبة.\nوالباقون: بالفتح.\nقال الكسائي: هما لغتان. وقال الفراء: الكره والإكراه، والكره المشقة، فما أكره عليه فهو كره بالفتح، وما كان من قبل نفسه وهو كره بضم الكاف.\nوَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ كفعل أهل الجاهلية «١» .\nوعن الضحاك: نزلت هذه الآية في الرجل تكون في حجره اليتيمة، فيكره أن يزوجها لأجل مالها، فتكون تحته العجوز ونفسه تشوق إلى الشابة، فيكره فراق العجوز بتوقع وفاتها ليرثها مالها وهو معتزل لفراشها.\nوقال ابن عباس: هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيطوّل عليها ويضارّها لتفتدي بالمهر أو يردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله ﷿ عن ذلك، ثم قال:\nإِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهن ليفتدين منكم وعضلهن، لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ، واختلفوا في الفاحشة:\nفقال بعضهم: هي الزنا. قال الحسن: إن زنت حلّ لزوجها أن يسألها الخلع. قال عطاء:\nكان الرجل إذا أصابت امرأته فاحشة أخذ منها ما ساق إليها وأخرجها، فنسخ ذلك بالحدود.\nوقال ابن مسعود والضحاك وقتادة: هي النشوز «٢» .\nجعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» «٣» [٢٦٦] .\nوقوله مُبَيِّنَةٍ بفتح الياء قاله ابن عباس وعاصم وابن كثير، الباقون: بالكسر.\nوَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.\nقال الحسن: رجع إلى أول الكلام يعني وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً وعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ.\n_________\n(١) وهو منع تزويجها كما تقدم.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩٤- ٩٥.\n(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٤١٢، تفسير القرطبي: ٥/ ١٧٢.","vol":"3","page":276},{"text":"وقال بعضهم: هو أن يصنع بها كما يصنع له.\nفَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وهو ولد صالح أو يعطفه الله عليها بعد ذلك، كذا قاله المفسرون.\nمكحول الأزدي قال: سمعت ابن عمر يقول: إن الرجل يستخير الله فيختار له، فيسخط على ربّه ﷿، فلا يلبث أن ينظر في العاقبة فإذا هو قد خير له.\nوَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ ما لم يكن من قبلها نشوز ولا إتيان فاحشة وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا وهو المال الكثير، وقد مرّ تفسيره فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أي من القنطار شيئا أَتَأْخُذُونَهُ استفهام نهي وتوبيخ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا انتصابها من وجهين: أحدهما بنزع الخافض، والثاني بالإضمار، تقديره: تصيبون في أخذه بهتانا وإثما مبينا، ثم قال: وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ على معنى الاستعظام، كقوله: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ «١» وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ.\nقال المفسرون: أراد المجامعة، ولكن الله كريم يكني بما شاء عمّا شاء، وأصل الإفضاء الوصول إلى شيء من غير واسطة.\nوَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا.\nقال الحسن وابن سيرين والضحاك وقتادة والسدي: هو قولهم عند العقد: زوجتكها على ما أخذ الله للنساء على الرجال من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.\nمجاهد: هو كلمة النكاح التي يستحل بها الفروج وهي كقوله: نكحته.\nالشعبي وعكرمة والربيع: هو قوله: أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر</span>\nلقوله: وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا\nعن عطاء الخراساني: قال خطب عمر إلى علي ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلّا نسبي وصهري» «٢» فلذلك رغبت فيها [٢٦٧] .\nفقال علي (﵁): إني مرسلها إليك حتى تنظر إلى صغرها فأرسلها إليه، فجاءته\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٨.\n(٢) فتح القدير: ٢/ ٥٠٢.","vol":"3","page":277},{"text":"فقالت: إن أبي يقول لك هل رضيت النحلة. فقال: رضيتها. قال: فأنكحه ابنته وصدقها عمر أربعين ألف درهم «١» .\nوعن ابن سيرين: إن الحسن (﵁) تزوج بامرأة، فبعث إليها بمائة جارية مع كل جارية ألف درهم.\nوروى مرشد بن عبد الله البرني عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ قال: «خير النكاح أيسره»\nوقال ﷺ لرجل: «أترضى أن أزوجك فلانة؟» [٢٦٨] قال: نعم، قال للمرأة:\n«أترضين أن أزوجك فلانا؟» [٢٦٩] قالت: نعم، فزوج أحدهما بصاحبه، فدخل عليها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممّن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ قد زوّجني بفلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وأني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها ذلك فباعته بمائة ألف «٢» .\nوعن ضمرة بن حبيب أن أم حبيبة كانت بأرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب (﵁) وأن رسول الله زوّجها فأصدق عنه النجاشي أربعمائة دينار.\nوبه عن ابن سيرين عن ابن عباس أنه تزوج سليمة السلمية على عشرة آلاف درهم.\nحماد بن سلمة عن ابن بشر أن عروة البارقي تزوج بنت هاني بن قبيصة على ألف درهم.\nوعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة ألف أواق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر</span>\nعن ابن سيرين قال: حدثنا أبو العجفا السلمي، قال: سمعت عمر وهو يخطب الناس فحمد الله واثنى عليه وقال: ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله كان أولاكم به النبي ﷺ ما أصدق امرأة من نسائه ولا امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية، ألا وإن أحدكم ليغلي بصدقة امرأة حتى يبقي لها عداوة في نفسه، فيقول: كانت لك حلق القربة أو عرق القربة.\nعروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «من يمن المرأة تيسير صداقها وتيسر رحمها» «٣» [٢٧٠] .\n_________\n(١) وفي هذه القصة نظر وتأمّل.\n(٢) سنن أبي داود: ١/ ٤٧٠، وصحيح ابن حبان: ٩/ ٢٨١.\n(٣) المستدرك: ٢/ ١٨١، ارواء الغليل: ٦/ ٣٥٠.","vol":"3","page":278},{"text":"قال عروة: وأنا أقول من عندي من أول شؤمها أن يكثر صداقها.\nسعيد بن يسار عن أبي هريرة قال: كان صداقنا مذ كان فينا رسول الله ﷺ عشرة أواق وهو أربعة دراهم.\nثابت البناني عن أنس: أن رسول الله ﷺ رأى على عبد الرحمن أثر صفرة وقال: «ما هذا؟» فقال: يا رسول الله تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال النبي ﷺ: «بارك الله لك أولم ولو بشاة» «١» [٢٧١] .\nيقال: هي خمسة دراهم.\nوعن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا، فقام رجل فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة. فقال رسول الله ﷺ: «هل عندك من شيء تصدقها إياه؟» قال: ما عندي إلّا إزاري هذا.\nفقال رسول الله ﷺ: «إن أعطيتها إياه جلست لا إزار لك فالتمس شيئا» فقال: ما أجد شيئا.\nفقال: «التمس ولو خاتما من حديد»، فالتمس فلم يجد شيئا، فقال له رسول الله ﷺ: «هل معك من القرآن شيء؟» قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال رسول الله ﷺ:\n«زوجتك بما معك من القرآن» «٢» [٢٧٢] .\nوعن عبد الله بن عامر عن أبيه: أن رجلا تزوج امرأة على نعلين فقال له رسول الله ﷺ:\n«أرضيت مالك بهاتين النعلين؟» [٢٧٣] قال: نعم فأجازه رسول الله ﷺ «٣» .\nوعن أبي حدرد الأسلمي قال: أتيت النبي ﷺ أستعينه في مهر امرأة فقال: «كم تصدقها؟» قلت: مائتي درهم. فقال: «لو كنتم تغرفون من بطحان ما زدتم» «٤» [٢٧٤] .\nمسلم بن رومان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «من أعطى في صداق ملء كفيه سويقا أو تمرا فقد استحل» «٥» [٢٧٥] .\nوعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ تزوج بامرأة على عشرة دراهم.\nأحمد بن حنبل عن الحسن بن عبد العزيز قال: كتب إلينا ضمره عن إبراهيم بن عبد الله الكناني أن سعيد بن المسيب زوج ابنته على درهمين.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢٢٧.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٣٦، أحكام القرآن: ٣/ ٤٨٠. [.....]\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٤٤٥، سنن الترمذي: ٢/ ٢٩٠ ح ١١٢٠.\n(٤) المعجم الكبير: ٢٢/ ٣٥٢.\n(٥) سنن أبي داود: ١/ ٤٦٨، فتح الباري: ٩/ ١٧٣.","vol":"3","page":279},{"text":"وكيع عن يحيى بن عبد الرحمن بن أبي شيبة عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «من استحل بدرهم فقد استحل»\n«١» [٢٧٦] قال وكيع: في النكاح.\nوعن عبد الله بن يزيد مولى الأسود أن رجلا تسرّ جارية له فكرهها، فقال له رجل: هبها لي، فوهبها له فذكر ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: إن الهبة لم تجز لأحد بعد رسول الله ﷺ ولو أصدقها سوطا لحلت.\nالمغيرة عن إبراهيم قال: السنة في الصداق الرطل من الورق، كانوا يكرهون أن يكون مهر الحرائر مثل مهور البغايا بالدرهم والدرهمان، ويحبون أن يكون عشرين درهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٢ الى ٢٨]</span>\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٣) وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاَّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥) يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦)\nوَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا (٢٨)\nوَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ نزلت في حصن بن أبي قيس تزوج امرأة أبيه كبيشة بنت معن، وفي الأسود بن خلف تزوج امرأة أبيه، وفي صفوان بن أمية بن خلف تزوج بامرأة أبيه فاختة بنت الأسود بن المطلب، وفي منصور بن مازن تزوج امرأة أبيه مليكة بنت خارجة، وفي [أبي مكيل] العدوي تزوج امرأة أبيه.\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٧/ ٢٣٨، مصنف ابن أبي شيبة: ٣/ ٣١٧.","vol":"3","page":280},{"text":"وقال الأشعث بن يسار: توفى أبو قيس وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأة أبيه، فقالت: إني أعدك ولدا وأنت من صالح قومك، ولكني آتي رسول الله ﷺ أستأمره، فأتته فأخبرته، فقال لها رسول الله ﷺ: «ارجعي إلى بيتك» [٢٧٧] فأنزل الله ﷿: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ «١» .\n(ما) بمعنى من، وقيل: ولا تنكحوا النكاح يعني ما نَكَحَ (آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ) اسم الجنس ليدخل فيه الحرائر والإماء، أما الحرائر فتحرم بالعقد، والإماء بالوطء.\nإِلَّا ما قَدْ سَلَفَ قال المفضّل: يعني بعد ما سلف فدعوه واجتنبوه.\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه كما قد سلف إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا يورث بغض الله، والمقت أشد البغض وَساءَ سَبِيلًا «٢» وبئس ذلك طريقا. كانت العرب يقولون لولد الرجل من امرأة أبيه مقيت ومقي، وكان منهم الأشعث بن قيس وأبو معيط بن عمرو بن أمية.\nالسدي عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لقيت خالي ومعه الراية فقلت: أين تريد؟ فقال:\nأرسلني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج بامرأة أبيه من بعده أن أضرب عنقه أو أقتله.\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ هي جمع أم، والأم في الأصل أمهه على وزن فعلة، مثل قبرة وحمرة فسقطت الهاء في [التوحيد وعادت] في الجمع كقولهم: شاه ومياه.\nقال الشاعر:\nأمهتي خندف والروس أبي «٣»\nوقيل: أصل الأم أمة، وأنشدوا:\nتقبلتها عن أمة لك طالما ... تثوب إليها في النوائب أجمعا «٤»\nفيكون الجمع حينئذ أمهات. ومثاله في الكلام عمّة وعمّات.\nوقال الراعي:\nكانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن فحيلا «٥»\nفحرم الله تعالى في هذه الآية نكاح أربع عشرة امرأة: سبعا بنسب وسبعا بسبب، فأما\n_________\n(١) أسباب النزول: ٥٥.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ١٠٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ١٠٧، ولسان العرب: ١٢/ ٣٠.\n(٥) لسان العرب: ١١/ ٥١٦.","vol":"3","page":281},{"text":"النسب قوله: أُمَّهاتُكُمْ فهي أمهات النسبة وَبَناتُكُمْ جمع البنت وَأَخَواتُكُمْ جمع الأخت وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ جمع العمّة والخالة وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ.\nوأما السبب فقوله: وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وهي أمهات الحرمة كقوله تعالى:\nوَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «١» ثم قال: وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا «٢» . وقرأ عبد الله:\n(واللاي) بغير تاء كقوله: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ «٣» .\nقال الشاعر:\nمن اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البرئ المغفلا»\nعروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «ما حرمته الولادة حرمه الرضاع» «٥» [٢٧٨] .\nومالك بن أنس عن عبد الله بن أبي بكر عن عميرة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب» «٦» [٢٧٩] .\nالأعمش عن سعيد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي كرم الله وجهه قال:\nقلت يا رسول الله ما لك تنوق في قريش وتدعنا قال: «وعندك أحد؟» قلت: نعم بنت حمزة، قال رسول الله ﷺ: «إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة» «٧» [٢٨٠] .\nوهب بن كيسان عن عروة عن عائشة: أن أبا القعيس- وهو أفلح- استأذن على عائشة بعد آية الحجاب، فأبت أن تأذن له فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: «ائذني له فإنّه عمك» فقالت: إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قال: «إنه عمك فليلج عليك» «٨» .\nوإنما يحرم الرضاع بشرطين إثنين أحدهما: أن يكون خمس رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، وتوفى رسول الله ﷺ وهي ممّا يقرأ من القرآن.\nوروى عبد الله بن الحرث عن أم الفضل: أن نبي الله ﷺ سئل عن الرضاع فقال: «لا تحرم الاملاجة ولا الأملاجتان» «٩» [٢٨١] .\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٦.\n(٢) سورة التحريم: ٥٣.\n(٣) سورة الطلاق: ٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ١٠٩، لسان العرب: ١٥/ ٤٤٥.\n(٥) السنن الكبرى: ٣/ ٢٩٥. [.....]\n(٦) تفسير القرطبي: ٥/ ١٠٨، أحكام القرآن: ٢/ ١٥٧.\n(٧) صحيح مسلم: ٤/ ١٦٤، وسنن النسائي: ٣/ ٢٩٧.\n(٨) مسند أحمد: ٦/ ١٩٤، صحيح البخاري: ٦/ ١٦٠.\n(٩) سنن الدارقطني: ٤/ ١٠١ و١٠٦.","vol":"3","page":282},{"text":"قال قتادة: المصة والمصتان.\nوالشرط الثاني: أن يكون من الحولين، وما كان بعد الحولين فإنه لا يحرم، وكان أبو حنيفة يرى ذلك بعد الحولين ستة أشهر.\nومالك: بعد الحولين شهرا، والدليل على أن ما بعد الحولين من الرضاع بقوله:\nوَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ «١» وليس بعد الكمال والتمام شيء،\nوقول النبي ﷺ: «لا رضاع بعد الحولين، وإنما الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم» «٢» [٢٨٢] .\nوَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ أم المرأة حرام دخل بها أو لم يدخل، وهو قول أكثر الفقهاء، وعليه الحكم والفتيا، وقد شدد أهل العراق فيها حتى قالوا: لو وطأها أو قبّلها أو لامسها بالشهوة حرمت عليه ابنتها. وعندنا إنما يحرم بالنكاح الصحيح، والحرام لا يحرم الحلال، وكان ابن عباس يقرأ (وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) ويحلف بالله ما نزل إلّا هكذا ويقول: هي بمنزلة الربائب، فلما كانت الربائب لا يحرمن بالعقد على أمهاتهن دون الوطء، كذلك أمهات النساء لا يحرمن بالعقد على بناتهن دون الوطء، وهو\nقول علي وزيد وجابر وابن عمر وابن الزبير قالوا: نكاح أمهات النساء اللواتي لم يدخل بهن حلال\n، والقول الأول هو الأصح.\nقال ابن جريح: قلت لعطاء: الرجل ينكح المرأة ثم يراها ولا يجامعها حتى يطلقها، أيحل له أمّها؟ قال: لا، هي مرسلة دخل بها أو لم يدخل. فقلت له: كان ابن عباس يقرأ:\n(وأمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال: لا.\nوروى عمرو بن المسيب عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ قال: «إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها دخل بالبنت أو لم يدخل وإذا تزوج الأم ولم يدخل، بها ثم طلقها فإن شاء تزوج بالبنت» .\nوَرَبائِبُكُمُ جمع الربيبة وهي ابنت المرأة، قيل لها: ربيبة، لتربيته إياها، فعيلة بمعنى مفعولة اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ أي في ضمانكم وتربيتكم، يقال: فلان في حجر فلان إذا كان يلي تربيته، ويقال: امرأة طيبة الحجر إذا لم تربّ ولدا إلّا طيب الولد.\nقال الكميت:\nالكرمات [نسبة] في قريش ... [وسواهم] والطيبات الحجورا\nومنه قيل للحظر حجر، والأصل فيه الناحية، يقال: فلان يأكل في حجره ويريض حجره.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٣٣.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٤٣٢، وسنن الدارقطني: ٤/ ١٠١ بتفاوت في الألفاظ.","vol":"3","page":283},{"text":"مِنْ نِسائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ أي جامعتموهن فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ نكاح بناتهن إذا طلقتموهن أو متن عنكم.\nروى الزهري عن عروة: أن زينب بنت أبي سلمة وأمها أم سلمة زوج النبي ﷺ أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: يا رسول الله انكح أختي قالت: فقال لي رسول الله ﷺ: «أو تحبين ذلك؟» قلت: نعم ليست لك بمخلية وأحب من يشاركني في خير أختي.\nفقال النبي ﷺ: «إنّ ذلك لا يحلّ لي» . فقلت: والله يا رسول الله إنّا لنتحدث أنك تريد أن تنكح درّة بنت أبي سلمة فقال: «بنت أم سلمة؟» فقلت: نعم، قال: «والله إنها لو تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لبنت أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن» «١» [٢٨٣] .\nوَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ يعني أزواج أبنائكم، والذكر حليل، وجمعه أحلّه وأحلّاء، مثل عزيز وأعزة وأعزّاء، وإنما سمّي بذلك لأن كل واحد منهما حلال لصاحبه، يقال: حلّ وهو حليل، مثل صحّ وهو صحيح، وقيل: سمّي بذلك لأن كل واحد منهما يحلّ حيث يحلّ صاحبه من الحلول وهو النزول، وقيل: لأن كلّ واحد منهما يحل إزار صاحبه، من الحل وهو ضد العقد.\nقال الشاعر:\nيدافع قوما على مجدهم ... دفاع الحليلة عنها الحليلا\nيدافعه يومها تارة ... ويمكنه رجلها أن يشولا\nالَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ دون من تبنيتموهم.\nقال عطاء: نزلت في محمد ﷺ حين نكح امرأة زيد بن حارثة.\nوَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ حرّتين كانتا بالعقد أو أمتين بالوطء إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ.\nقال عطاء والسدي: يعني إلّا ما كان من يعقوب (﵇)، فإنه جمع بين ليا أم يهوذا وراجيل أم يوسف وكانتا أختين.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ الآية.\nقال عمرو بن مرّة: قال رجل لسعيد بن جبير: أما رأيت ابن عباس حين يسأل عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ فلم يقل فيها شيئا، فقال سعيد: كان لا يعلمها.\nوقال مجاهد: لو أعلم من يفسّر في هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل، قوله تعالى:\nوَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ.\n_________\n(١) مسند الشاميين: ٤/ ٢٠٨، السنن الكبرى: ٣/ ٢٩٠.","vol":"3","page":284},{"text":"قال المفسرون: هذه السابعة من النساء اللواتي حرّمن بالسبب.\nقرأه العامة: (وَالْمُحْصَناتُ) بفتح الصاد، يعني في زوال الأزواج أحصنهنّ أزواجهن.\nقال أبو سعيد الخدري: نزلت في نساء كنّ يهاجرن إلى رسول الله ﷺ ولهنّ أزواج فيتزوجهن بعض المسلمين، ثم يقدم أزواجهن مهاجرين، فنهى المسلمين عن نكاحهنّ ثم استثنى فقال: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني السبايا اللاتي سبين ولهم أزواج في دار الحرب، فحلال لمالكهن وطأهن بعد الاستبراء.\nفقال أبو سعيد الخدري: بعث رسول الله ﷺ يوم حنين جيشا إلى أوطاس، فلقوا العدو فأصابوا سبايا لهن أزواج من المشركين، فكرهوا وطأهنّ وتأثموا من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقرأ علقمة: (وَالْمُحْصِناتُ) بكسر الصاد، ودليله قول عمر بن الخطاب (﵁) وعبيدة وأبي العالية والسدي، قالوا: والمحصنات في هذه الآية والعفائف ومعناها: والعفائف من النساء عليكم حرام إلّا ما ملكت إيمانكم منهن بنكاح أو ملك يمين وثمن، وقيل: معناه الحرائر.\nقال الباقر ويمان: معناه وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ عليكم حرام ما فوق الأربع، إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فإنه لا عدد عليكم فيهن.\nوقال ابن جريج: سألنا عطاء عنها فقال: معنى قوله: إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ أن تكون لك أمة عند عبد لك قد أحصنها بنكاح وتنزعها منه إن شئت.\nكِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ نصب على المصدر، أي كتب الله عليكم كتابا، وقيل: نصب على الإغراء، أي الزموا واتقوا كتاب الله عليكم.\nوقرأ ابن السميقع: كتب الله عليكم أي أوجب، وهذه أربعة عشر امرأة، محرمات بالكتاب.\nفأما الستّة: فقد حرّمت امرأتين، وهو ما\nروى هشام عن محمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها» «١» [٢٨٤] .\nوَأُحِلَّ لَكُمْ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة: (وَأَحَلَّ لَكُمْ) بضم الألف.\nالباقون: بالنصب، وهي قراءة علي وابن عباس واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، فمن رفع فلقوله: حُرِّمَتْ، ومن نصب، فللقرب من ذكر الله في قوله: كِتابَ اللَّهِ.\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٤/ ١٣٦، وتأويل مختلف الحديث: ١٨١.","vol":"3","page":285},{"text":"ما وَراءَ ما سوى ذلِكُمْ الذي ذكرت من المحرمات أَنْ تَبْتَغُوا بدل من (ما) فمن رفع أحلّ ف (إن) عنده في محل الرفع، ومن نصب ف (إن) عنده في محل النصب.\nقال الكسائي والفراء: موضعه نصب في القراءتين بنزع الخافض، يعني: لأن تبتغوا وتطلبوا.\nبِأَمْوالِكُمْ أما بنكاح وصداق أو بملك وثمن مُحْصِنِينَ متعففين غَيْرَ مُسافِحِينَ زانين، وأصله من سفح المذي والمني فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ اختلف في معنى الآية: فقال مجاهد والحسن: يعني ممّا انتفعتم وتلذذتم للجماع من النساء بالنكاح الصحيح.\nفَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ أي مهورهن، فإذا جامعها مرّة واحدة فقد وجب لها المهر كاملا.\nوقال آخرون: هو نكاح المتعة، ثم اختلف في الآية أمحكمة هي أم منسوخة؟\nفقال ابن عباس: هي محكمة ورخّص في المتعة، وهي أن ينكح الرجل المرأة بولي وشاهدين إلى أجل معلوم، فإذا انقضى الأجل فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبري ما في رحمها وليس بينهما ميراث.\nقال حبيب بن أبي ثابت: أعطاني ابن عباس مصحفا فقال: هذا على قراءة أبي، فرأيت في المصحف (فما استمتعم به منهن إلى أجل مسمى) .\nوروى داود عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن المتعة فقال: أما تقرأ سورة النساء؟\nقلت: بلى، قال: فما تقرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى)؟ قلت: لا أقرأها هكذا.\nقال ابن عباس: والله لهكذا أنزلها الله، ثلاث مرّات.\nوروى عيسى بن عمر عن طلحة بن مصرف أنه قرأ: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) .\nوروى عمرو بن مرّة عن سعيد بن جبير: أنه قرأها: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى) .\nوروى شعبة عن الحكم قال: سألته عن هذه الآية: فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ أمنسوخة هي؟ قال: لا. قال الحكم: قال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: لولا أن عمر نهى عن المتعة ما زنا إلّا شقي.\nأبو رجاء العطاردي عن عمران بن الحصين قال: نزلت هذه الآية (المتعة) في كتاب الله، لم تنزل آية بعدها تنسخها، فأمرنا بها رسول الله ﷺ وتمتعنا مع رسول الله ﷺ ولم ينهنا عنه، وقال رجل بعد برأيه ما شاء!","vol":"3","page":286},{"text":"قال الثعلبي: قلت ولم يرخص في نكاح المتعة إلّا عمران بن الحصين وعبد الله بن عباس وبعض أصحابه وطائفة من أهل البيت «١»، وفي قول ابن عباس.\nيقول الشاعر:\nأقول للرّكب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس\nهل لك في رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس «٢»\nوسائر العلماء والفقهاء والصحابة والتابعين والسلف الصالحين على أن هذه الآية منسوخة ومتعة النساء حرام.\nوروى الربيع بن بسرة الجهني عن أبيه قال: كنّا مع رسول الله ﷺ في عمرته فشكونا إليه العزبة، فقال: «يا أيها الناس استمتعوا من هذه النساء» ثم صحبت غاديا على رسول الله فإذا هو يقول: «يا أيها الناس إني كنت أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء إلّا أن الله حرّم ذلك إلى يوم القيامة» «٣» [٢٨٥] .\nوقال خصيف: سألت الحسن عن نكاح المتعة، فقال: إنما كان ثلاثة أيام على عهد رسول الله ﷺ ثم نهى الله ﷿ عنه ورسوله ﷺ.\nوقال الكلبي: كان هذا في بدء الإسلام، أحلّها رسول الله ﷺ بثلاثة أيام ثم حرّمها، وذلك أنه كان إذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها أجرها الذي كان شرط لها، ثم قال: زيديني في الأيام فأزيدك في الأجر، فإن شاءت فعلت ذلك، فإذا تم الأجل الذي بينهما أعطاها الأجر وفارقها، ثم نسخت بآية الطلاق والعدة والممات.\nوروى الزهري عن الحسن وعبد الله ابني محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيهما أن عليا قال لابن عباس: نهى رسول الله ﷺ عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل الحمر الأهلية.\nوروى الفضل بن دكين عن البراء بن عبد الله القاص عن أبي نضرة عن ابن عباس أن عمر (﵁) نهى عن المتعة التي تذكر في سورة النساء فقال: إنما أحل الله ذلك على عهد رسول الله ﷺ والنساء يومئذ قليل، ثم حرّم عليهم بعد أن نهى عنها.\nوعن سالم بن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب (﵁) أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: ما بال رجال ينكحون هذه المتعة وقد نهى رسول الله ﷺ عنها لا أجد رجلا ينكحها إلّا رجمته بالحجارة.\n_________\n(١) قال أبو عمر: أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن كلهم يرون المتعة حلالا (تفسير القرطبي: ٥/ ١٣٣) .\n(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ١٣٣، الدر المنثور: ٢/ ١٤١.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٤٠٦.","vol":"3","page":287},{"text":"وقال النبي ﷺ: «هدم المتعة النكاح والطلاق والعدة والميراث» «١» [٢٨٦] .\nوقال ابن أبي مليكة: سألت عائشة عن المتعة فقالت: بيني وبينهم كتاب الله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ «٢» .\nوعن عائشة: والله ما نجد في كتاب الله إلّا النكاح والاستسراء. وقال ابن عمر: المتعة سفاح.\nعطاء: المتعة حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير.\nقال الثعلبي: سمعت أبا القاسم بن جبير يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد الخياط يقول: سمعت أبا نعيم بن عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت [...] «٣» يقول:\nالشافعي يقول: لا أعلم في الإسلام شيئا أحل ثم حرّم ثم أحل ثم حرّم غير المتعة.\nفَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً أي مهورهن، سمّي المهر أجرا، لأنه ثمن البضع وأجر الاستمتاع ألا تراه يتأكد بالخلوة والدخول.\nواختلفوا في حدّه، فأكثره لا غاية له، وأما أقلّه فقال أبو حنيفة: لا مهر دون عشرة دراهم أو قيمتها من الذهب، لأن الله ﷿ قال: أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ ولا يطلق اسم المال على أقل من هذا القدر.\nوعند الشافعي: لا حدّ له، فأجاز الشيء الطفيف حتى القبضة من الطعام، وكذلك كل عمل أوجب أجرا قليلا كان أو كثيرا، والسورة من كتاب الله ﷿ أو آية لقوله: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ.\nوعن سلمة بن وردان قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سأل رسول الله ﷺ رجلا من أصحابه، فقال: «يا فلان هل تزوجت؟» قال: لا، وليس عندي ما أتزوج، قال: «أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٤»؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ «٥»؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن» قال: «أليس معك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٦»؟» قال:\nبلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «أليس معك إِذا زُلْزِلَتِ «٧»؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن»\n_________\n(١) مسند أبي يعلي: ١١/ ٥٠٤، وفتح الباري: ٩/ ١٣٨.\n(٢) سورة المؤمنون: ٥- ٦.\n(٣) كلمة غير مقروءة. [.....]\n(٤) سورة الإخلاص: ١.\n(٥) سورة النصر: ١.\n(٦) سورة الكافرون: ١.\n(٧) سورة الزلزال: ١.","vol":"3","page":288},{"text":"قال: «أليس معك آية الكرسي؟» قال: بلى، قال: «ربع القرآن»، قال: «تزوج تزوج تزوج» «١» [٢٨٧] .\nوقد ذكرت حجج الفريقين فيما قيل.\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ يعني فيما تفتدي به المرأة نفسها، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا.\nوَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا فضلا وسعة.\nالمسيب بن شريك عن عمران بن جرير عن النزال بن سبرة عن ابن عباس قال: من ملك ثلاثمائة درهم فقد وجب عليه الحج وحرّم عليه نكاح الإماء.\nأَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الحرائر، وقرأ الكسائي: (الْمُحْصِناتِ) بكسر الصاد، كل القرآن إلّا في أول هذه السورة، الباقون: بالفتح.\nالْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ سادتهن ف آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن بِالْمَعْرُوفِ من غير ضمار مُحْصَناتٍ عفائف غَيْرَ مُسافِحاتٍ زانيات وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ أحباب يزنون بهن في السر.\nفَإِذا أُحْصِنَّ قرأ أهل الكوفة: بفتح الألف، على معنى حفظن فروجهن، وقرأ الآخرون: بالضم، على معنى أنهنّ أحصنّ بأزواجهنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ يعني الزنا فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ الحرائر إذا زنين مِنَ الْعَذابِ يعني الحدّ، نظيره: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ «٢» وهو خمسون جلدة وتغريب نصف سنة على الصحيح من مذهب الشافعي، ويحتاج أن يغرّب الزاني إلى موضع يقصر إليه الصلاة، وللسيد إقامة الحدّ بالزنا على عبده وأمته.\nسعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت فليجلدها ولا يغيرها، فإن عادت الرابعة فليبعها ولو بضفير أو حبل» «٣» [٢٨٨] .\nذلِكَ يعني نكاح الإماء عند عدم الطول لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ يعني الإثم والضرر بغلبة الشهوة وَأَنْ تَصْبِرُوا عن نكاح الإماء متعففين خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nعن يونس بن مرداس وكان خادما لأنس قال: كنت بين أنس وأبي هريرة، فقال أنس:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أحبّ أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢٢١، تفسير القرطبي: ٥/ ١٣٥.\n(٢) سورة النور: ٨.\n(٣) شرح مسلم: ١١/ ٢١١، ومصنف بن أبي شيبة: ٨/ ٣٦٩.","vol":"3","page":289},{"text":"فقال أبو هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحرائر صلاح البيت والإماء فساد البيت» «١» [٢٨٩] .\nيُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ أي أن يبيّن، (اللام) بمعنى أن، والعرب تعاقب بين لام كي وبين أن فتضع إحداهما مكان الأخرى كقوله: وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ «٢» وقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٣»، ثم قال في موضع آخر: وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٤»، وقال: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ «٥»، ثم قال في موضع آخر: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ «٦» .\nوقال الشاعر:\nأريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل لي ليلى بكل سبيل «٧»\nيريد أن أنسى، ومعنى الآية: يريد الله أن يبيّن شرائع دينكم ومصالح أمركم.\nالحسن: يعلمكم ما تأتون وما تذرون. عطاء: يبيّن لكم ما يقربكم منه. الكلبي: ليبيّن لكم أن الصبر من نكاح الإماء خير لكم.\nوَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ شرايع الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ في تحريم الأمهات والبنات والأخوات، كما ذكر في الآيتين. هكذا حرّمها على من كان قبلكم من الأمم وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ يتجاوز عنكم ما أصبتم قبل أن يبيّن لكم، قاله الكلبي.\nوقال محمد بن جرير: يعني يرجع بكم من معصيته التي كنتم عليها قبل هذا إلى طاعته التي أمركم بها في هذه الآية وَاللَّهُ عَلِيمٌ بما يصلح عباده من أمر دينهم ودنياهم حَكِيمٌ في تدبيره فيهم وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ إن وقع تقصير منكم في أمره وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا عن الحق مَيْلًا عَظِيمًا بإتيانكم ما حرّم عليكم، واختلفوا في الموصوفين باتباع الشهوات من هم:\nفقال السدي: هم اليهود والنصارى.\nوقال بعضهم: هم اليهود، وذلك أنهم ينكحون بنات الأخ وبنات الأخت، فلما حرّمهما الله قالوا: إنكم تحلّون بنات الخالة والعمّة، والخالة والعمّة عليكم حرام، فانكحوا بنات الأخ والأخت كما تنكحون بنات الخالة والعمّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\n_________\n(١) وسنن ابن ماجة: ١/ ٥٩٨.\n(٢) سورة الشورى: ١٥.\n(٣) سورة الأنعام: ٧٣.\n(٤) سورة غافر: ٦٦.\n(٥) سورة الصف: ٨.\n(٦) سورة التوبة: ٣٢.\n(٧) تفسير القرطبي: ٥/ ١٤٨، لسان العرب: ٣/ ١٨٨. [.....]","vol":"3","page":290},{"text":"مجاهد: هم الزناة، يريدون أن تميلوا عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون.\nابن زيد: هم جميع أهل الكتاب في دينهم.\nيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ في نكاح الأمة، إذا لم تجدوا طول الجرة وفي كل أحكام الشرع وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا في كل شيء.\nطاوس والكلبي وأكثر المفسرين: يعني في أمر الجماع لا يصبر على النساء ولا يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء.\nقال سعيد بن المسيب: ما آيس الشيطان من بني آدم إلّا أتاه من قبل النساء، وقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أعشى بالأخرى، وأن أخوف ما أخاف عليّ فتنة النساء.\nمالك بن شرحبيل قال: قال عبادة بن الصامت: ألا ترونني لا أقوم إلّا رفدا ولا آكل إلّا ما لوق لي وقد مات صاحبي منذ زمان، وما يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي وأن لي ما تطلع عليه الشمس مخافة أن يأتيني الشيطان فيحكيه عليّ أنه لا سمع له ولا بصر.\nقال الحسن: هو أن خلقه من ماء مهين بيانه قول الله: الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ «١» .\nابن كيسان: (خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفًا) يستميله هواه وشهوته ويستطيشه خوفه وحزنه.\nقال ابن عباس: ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة ممّا طلعت عليه الشمس وغربت: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ «٢»، وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ»\n، يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ «٤» إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ «٥»، إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ «٦»، إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ «٧» وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ\n«٨»، ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ «٩»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>[سورة النساء (٤): الآيات ٢٩ الى ٣٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢) وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤) وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥) وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا (٣٦)\n_________\n(١) سورة الروم: ٥٤.\n(٢) سورة النساء: ٢٦.\n(٣) سورة النساء: ٢٧.\n(٤) سورة النساء: ٢٨.\n(٥) سورة النساء: ٣١.\n(٦) سورة النساء: ٤٨.\n(٧) سورة النساء: ٤٠.\n(٨) سورة النساء: ١١٠.\n(٩) سورة النساء: ١٤٧.","vol":"3","page":291},{"text":"قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ بالحرام يعني الربا والقمار والقطع والغصب والسرقة والخيانة.\nوقال ابن عباس: هو الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول: إن رضيت أخذته وإلّا رددته ورددت معه درهما، ثم قال: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً يعني لكن إذا كانت تجارة استثناء منقطع، لأن التجارة ليست بباطل.\nقرأ أهل الكوفة: (تِجارَةً) بالنصب وهو اختيار أبي عبيد.\nوقرأ الباقون: بالرفع وهو اختيار أبي حاتم، فمن نصب فعلى خبر كان تقديره: إلّا أن تكون الأموال تجارة.\nكقول الشاعر:\nإذا كان طاعنا بينهم وعناقا «١»\nومن رفع فعلى معنى الا أن تقع تجارة وحينئذ لا خبر له. كقول الشاعر:\nفدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي ... إذا كان يوم ذو كواكب أشهب «٢»\nثم وصف التجارة فقال: عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ يرضى كل واحد منهما بما في يديه.\nقال أكثر المفسرين: هو أن يخبر كل واحد من المتبايعين صاحبه بعد عقد المبيع حتى يتفرقا من مجلسهما الذي تعاقدا فيه،\nكقول النبي ﷺ: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» «٣» [٢٩٠] .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣/ ١٧٩.\n(٢) لسان العرب: ١/ ٥٠٩.\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ٤٠٢.","vol":"3","page":292},{"text":"وقال ﷺ: «البيع عن تراضي بالخيار بعد الصفقة ولا يحلّ لمسلم أن يغش مسلما «١»»\n[٢٩١] .\nوروى حكيم بن حزام عن النبي ﷺ قال: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما، فإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما» «٢» [٢٩٢] .\nوابتاع عمر بن جرير فرسا ثم خير صاحبه بعد البيع، ثم قال: سمعت أبا هريرة يقول: هذا البيع عن تراض.\nوَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ يعني إخوانكم، أي لا يقتل بعضكم بعضا.\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبي عن جدّي عن علي بن الحسين الهلالي قال: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سأل الفضل بن عياض عن قوله:\nوَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ قال: لا تغفلوا عن حظ أنفسكم، فمن غفل عن حظ نفسه فكأنه قتلها.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا.\nعبد الرحمن بن جبير عن عمرو بن العاص أنه قال: لما بعثه رسول الله عام ذات السلاسل قال: احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيمّمت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له فقال: «يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب؟» [٢٩٣] .\nقلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا فتيمّمت ثم صليت، فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا «٣» .\nوعن الحسن: أن الحرث بن عبد الله خلا بالنفر من أصحابه وقال: إن هؤلاء ولغوا في دمائهم فلا يحولنّ بين أحدكم وبين الجنة ملء كف من دم مسلم أهراقه، فأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن رجلا ممّن كان قبلكم خرجت به قرحة بيده فأخذ حزة فحزّها بيده حتى قطعها فما رقأ دمها حتى مات فقال ربّكم تعالى: بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها فقد حرمت عليه الجنة» «٤» [٢٩٤] .\nسماك عن جابر بن سمرة: أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل عليه النبي ﷺ.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٥، تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩١.\n(٢) صحيح البخاري: ٣/ ١٨، مسند أحمد: ٣/ ٤٠٢. [.....]\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ٢٠٣، المستدرك: ١/ ١٧٧.\n(٤) صحيح مسلم: ١/ ٧٥.","vol":"3","page":293},{"text":"حماد بن زيد عن عاصم الأسدي: ذكر بأن مسروقا بن الأجدع أتى صفين فوقف بين الصفين ثم قال: يا أيها الناس أنصتوا، ثم قال: أرأيتم لو أنّ مناديا ناداكم من السماء فسمعتم كلامه ورأيتموه فقال: إن الله ينهاكم عمّا أنتم فيه، أكنتم مطيعيه؟ قالوا: نعم. قال: فو الله لنزل بذلك جبرئيل على محمد فما زال يأتي من هذا ثم تلا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ الآية ثم انساب في الناس فذهب «١» .\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الذي ذكرت من المحرمات عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ندخله في الآخرة نارا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا هيّنا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية.\nاختلفوا في الكبائر التي جعل الله اجتنابها تكفيرا للصغائر.\nفروى عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك» قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك «٢»»\n[٢٩٥] هذا الحديث من قول الله: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ «٣» الآية.\nصالح بن حيان عن أبي بريدة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ومنع فضول الماء بعد الري» «٤» .\nالشعبي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الكبائر الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقول الزور. أو قال. شهادة الزور» «٥» [٢٩٦] .\nسفيان عن سعد بن إبراهيم عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو قال: من الكبائر أن يشتم الرجل والديه. قالوا: وكيف يشتم الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمّه فيسب أمّه.\nأبو الطفيل عن ابن مسعود قال: الكبائر أربع: الإشراك بالله، والأياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله.\nعكرمة عن عمار قال: حدثنا طيسلة بن علي النهدي قال: سألت ابن عمر عن الكبائر، فقال: هي تسع قلت ما هن؟ قال: الإشراك بالله تعالى، وقتل المؤمن متعمدا، وعقوق الوالدين\n_________\n(١) بطوله في الطبقات الكبرى: ٦/ ٧٨.\n(٢) صحيح البخاري: ٧/ ٧٥، ومسند أحمد: ١/ ٣٨٠.\n(٣) سورة الفرقان: ٦٨.\n(٤) تفسير ابن كثير: ١/ ٤٩٧.\n(٥) سنن الترمذي: ٤/ ٣٠٣، ح ٥٠٠٩.","vol":"3","page":294},{"text":"المسلمين، وأكل الربا، وأكل أموال اليتامى، وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، واستحلال الميتة قبلكم أحياء وأمواتا.\nوقال جعفر الصادق: الكبائر ثلاث: تركك ملتك، وتبديلك سنّتك، وقتالك أهل صفقتك.\nوقال فرقد المسيحي: قرأت في التوراة: أمهات الخطايا ثلاث وهي: أول ذنب عصى الله به الكبر، وكان ذلك لإبليس عليه اللعنة، والحرص، وكان ذلك لآدم (﵇)، والحسد، وكان لقابيل حين قتل هابيل.\nعمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الكبائر أولهنّ:\nالإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها وأكل الربا وأكل مال اليتيم بدارا أن يكبر والفرار من الزحف ورمي المحصنة والانقلاب على الأعراب بعد الهجرة فهذه سبع» «١» [٢٩٧] .\nسعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رجلا سأله عن الكبائر السبع، قال: هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع إلّا أنه لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار.\nعلي بن أبي طلحة الوالبي عن ابن عباس قال: الكبائر عشرون: الشرك بالله ﷿، وعقوق الوالدين، وقتل المؤمن، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، واليأس من روح الله، والسحر، والزنا والربا، والسرقة، وأكل مال اليتيم، وترك الصلاة، ومنع الزكاة، وشهادة الزور، وقتل الولد خشية أن يأكل معك، والحسد، والكبر، والبهتان، والحرص، والحيف في الوصية، وتحقير المسلمين.\nالسدي عن ابن مالك قال: ذكروا الكبائر عند عبد الله فقال عبد الله: افتحوا سورة النساء، وكل شيء نهى الله عنه حتى ثلاث وثلاثون آية فهو كبيرة، ثم قال: مصداق ذلك إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ الآية.\nوقال ابن سيرين: ذكر عند ابن عباس الكبائر فقال: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، حتى الطرفة وهي النظرة.\nسعيد بن جبير عنه: كل شيء عصى الله فيه فهو كبيرة، فمن عمل شيئا منها فليستغفر، فإن الله لا يخلد في النار من هذه الأمة إلّا راجعا عن الإسلام أو جاحد فريضة أو مكذبا بقدر.\nعلي بن أبي طلحة عنه: كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب.\nسعيد بن جبير: كل ذنب نسبه الله إلى النار وأوعد عليه النار فهي كبيرة.\nالحسن: الموجبات للحدود.\n_________\n(١) زاد المسير: ٢/ ١١٤.","vol":"3","page":295},{"text":"الضحاك: ما وعد الله تعالى عليه حدّا في الدنيا وعذابا في الآخرة.\nالحسين بن الفضل: ما سمّاه الله في كتابه القرآن كبيرا أو عظيما، نحو قوله: إِنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا «١»، إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا «٢»، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «٣»، إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ «٤»، سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ «٥»، إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا «٦» .\nمالك بن معول: الكبائر ذنوب أهل البدع والسيئات ذنوب أهل الشّينة.\nوكيع: كل ذنب أصرّ عليه العبد فهو كبيرة، وليس من الكبائر ما تاب منه العبد واستغفر منه.\nأحمد بن عاصم الأنطاكي: الكبائر ذنوب العمد، والسيئات الخطأ، والنسيان، والإكراه، وحديث النفس، المرفوعة من هذه الأمة.\nسفيان الثوري: الكبائر ما فيه المظالم بينك وبين العباد، والصغائر ما بينك وبين الله تعالى، لأن الله كريم يغفره، واحتجّ\nبقول النبي ﷺ: «ينادي يوم القيامة مناد من بطنان العرش يا أمّة محمد إن الله ﷿ يقول: أمّا ما كان لي قبلكم فقد وهبتها لكم وبقي التبعات، فتواهبوا وادخلوا الجنة برحمتي» «٧» [٢٩٨] .\nالمحاربي: الكبائر ذنوب المذنبين المستحلين مثل ذنب إبليس، والصغائر ذنوب المستغفرين مثل ذنب آدم.\nالسدي: الكبائر ما نهى الله عنه من الذنوب الكبار والسيئات مقدماتها، وتبعاتها ما يجتمع فيه الصالح والفاسق، مثل النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها.\nقال النبي ﷺ: «العينان تزنيان واليدان تزنيان ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه» «٨» [٢٩٩] .\nوقال قوم: الكبيرة ما قبح في العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب ونحوها، والصغيرة ما نهى الله عنه شرعا وسمعا.\nوقال: كل ذنب يتجاوز عنه بفضله يوم القيامة فهو صغيرة، وكل ذنب عذّب عليها بعدله فهو كبيرة. وقيل: الكبائر الذنوب الباطنة والسيئات الذنوب الظاهرة.\nوقال بعضهم: الصغائر ما يستحقرونه العباد والكبائر ما يستعظمونه فيخافون واقعته.\n_________\n(١) سورة النساء: ٢.\n(٢) سورة الإسراء: ٣١.\n(٣) سورة لقمان: ١٣.\n(٤) سورة يوسف: ٢٨.\n(٥) سورة النور: ١٦.\n(٦) سورة الأحزاب: ٥٣. [.....]\n(٧) عدة الداعي: ١٣٦.\n(٨) مسند أبي يعلي: ١١/ ٣٠٩.","vol":"3","page":296},{"text":"وقال أنس بن مالك: إنكم تعملون أعمالا هي أدق من الشعر في أعينكم كنّا نعدّها على عهد رسول الله ﷺ من الكبائر.\nوقال بعضهم: الكبائر الشرك وما يؤدّي إليه، وما دون الشرك فهو من السيئات، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة</span>\nأحدها: الإشراك بالله لقوله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ «٢» .\nالثاني: الأياس من روح الله لقوله: وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ «٣» الآية.\nوالثالث: القنوط من رحمة الله لقوله: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ «٤» .\nوالرابع: الأمن من مكر الله لقوله: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ» .\nوالخامس: عقوق الوالدين لقوله: وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا «٦» .\nوالسادس: قتل النفس التي حرّم الله لقوله: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ «٧» .\nوالسابع: قذف المحصنة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ «٨» الآية.\nوالثامن: الفرار من الزحف لقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا «٩» الآية.\nالتاسع: أكل الربا لقوله: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا «١٠» الآية.\nوالعاشر: السحر لقوله: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ «١١» الآية.\nوالحادي عشر: الزنا: وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا «١٢» .\nوالثاني عشر: اليمين الكاذبة لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا «١٣» .\n_________\n(١) سورة النساء: ٤٨.\n(٢) سورة المائدة: ٧٢.\n(٣) سورة يوسف: ٨٧.\n(٤) سورة الحجر: ٦٢.\n(٥) سورة الأعراف: ٩٩.\n(٦) سورة الإسراء: ٢٣.\n(٧) سورة النساء: ٩٣.\n(٨) سورة النور: ٢٣.\n(٩) سورة الأنفال: ١٥.\n(١٠) سورة البقرة: ٢٧٥.\n(١١) سورة البقرة: ١٠٢.\n(١٢) سورة الفرقان: ٦٨. [.....]\n(١٣) سورة آل عمران: ٧٧.","vol":"3","page":297},{"text":"والثالث عشر: منع الزكاة لقوله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ «١» الآيتين.\nوالرابع عشر: الغلول لقوله: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٢» .\nوالخامس عشر: شهادة الزور لقوله: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ «٣» الآية.\nوالسادس عشر: الميسر وهو القمار لقوله: الْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ «٤» .\nوالسابع عشر: شرب الخمر لقوله: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ «٥» الآية.\nوالثامن عشر: ترك الصلاة متعمدا لقوله: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ «٦» الآية.\nوالتاسع عشر: قطيعة الرحم لقوله وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ «٧» وقوله:\nوَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ «٨» .\nوالعشرون: الحيف من الوصية لقوله: فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا «٩» الآية.\nوالحادي والعشرون: أكل مال اليتيم لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا «١٠» الآية.\nوالثاني والعشرون: التعرب بعد الهجرة لقوله: وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا «١١» .\nوالثالث والعشرون: استحلال الحرم لقوله: لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ «١٢»، وقوله: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ «١٣» .\nوالرابع والعشرون: الارتداد لقوله: إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ «١٤» الآية.\nوالخامس والعشرون: نقض العهد لقوله: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ «١٥» .\nفذلك قوله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ.\nوقرأ ابن مسعود: كبر ما تنهون عنه، على الواحد، وفيه معنى مع نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ\n_________\n(١) سورة التوبة: ٣٤.\n(٢) سورة آل عمران: ١٦١.\n(٣) سورة البقرة: ٢٨٣.\n(٤) سورة المائدة: ٩٠.\n(٥) سورة المائدة: ٩٠.\n(٦) سورة البقرة: ٢٣٨.\n(٧) سورة النساء: ١.\n(٨) سورة محمد: ٢٢.\n(٩) سورة البقرة: ١٨٢.\n(١٠) سورة النساء: ١٠.\n(١١) سورة آل عمران: ١٤٤.\n(١٢) سورة المائدة: ٢.\n(١٣) سورة الحج: ٢٥. [.....]\n(١٤) سورة محمد: ٢٥.\n(١٥) سورة الرعد: ٢٥.","vol":"3","page":298},{"text":"من الصلاة إلى الصلاة ومن الجمعة إلى الجمعة ومن رمضان إلى رمضان ومن الحج إلى الحج، كما\nقال ﷺ: «الصلاة الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب الكبائر» «١» [٣٠٠] .\nوَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا وهي الجنة.\nوقرأ عاصم وأهل المدينة: (مَدْخلا) بفتح الميم وهو موضع الدخول.\nوقرأ الباقون: بالضم على المصدر، معنى الإدخال.\nوروي عن أبي هريرة وعن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ جلس على المنبر ثم قال: «والذي نفسي بيده» ثلاث مرات ثم سكت فأقبل كل رجل منّا يبكي حزنا ليمين رسول الله ﷺ ثم قال:\n«ما من عبد يأتي بالصلوات الخمس ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر إلّا فتحت له أبواب الجنة يوم القيامة حتى أنها لتصطفق» [٣٠١] ثم تلا إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ «٢» الآية.\nوَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ الآية.\nيقال: جاءت وافدة النساء إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أليس الله ربّ الرجال والنساء وأنت رسول الله إليهم جميعا، فما بالنا يذكر الله الرجال ولا يذكر النساء؟ نخشى أن لا يكون فينا خير ولا لله فينا حاجة؟ فأنزل الله ﷿ هذه الآية، وقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ «٣» الآية، وقوله: مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ «٤» .\nوقيل: لمّا جعل الله لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ في الميراث، قالت النساء: نحن أحوج إلى أن يكون لنا سهمان وللرجال سهم، لأنا ضعفاء وهم أقوى وأقدر على طلب المعاش منّا، فنزّل الله هذه الآية.\nوقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول الله يغزوا الرجال ولا نغزوا، وإنما لنا نصف الميراث، فليتنا رجال فنغزو ونبلغ ما يبلغ الرجال، فنزلت هذه الآية.\nوقال قتادة والسدي: لما نزل قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، قال الرجال: إنا لنرجو أن يفضل علينا النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا عليهن في الميراث، فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء. وقالت النساء: إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا، فأنزل الله لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الثواب والعقاب وَلِلنِّساءِ كذلك، قاله قتادة، وقال أيضا: هو أن الرجل يجزي بالحسنة عشرة والمرأة تجزي بها عشرا.\n_________\n(١) مسند ابن الجعد: ٨٤، مسند ابن يعلى: ٣٩ (بتفاوت يسير) .\n(٢) المستدرك: ٢/ ٢٤٠، صحيح ابن خزيمة: ١/ ١٦٣.\n(٣) سورة الأحزاب: ٣٥.\n(٤) سورة النحل: ٩٧.","vol":"3","page":299},{"text":"وقال ابن عباس: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الميراث، وللنساء نصيب منه لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ، والاكتساب على هذا القول بمعنى الإصابة والأحراز، فنهى الله تعالى عن التمني على هذا الوجه لما فيه من دواعي الحسد.\nقال الضحاك: لا يحل لمسلم أن يتمنى مال أحد، ألم يسمع الذين قالوا: يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ «١» إلى أن قال وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ «٢» حين خسف بداره وأمواله يقولون: لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا «٣» .\nوقال الكلبي: لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا امرأته ولا خادمه ولا دابته، ولكن ليقل:\nاللهم ارزقني مثله، وهو كذلك في التوراة، وذلك قوله في القرآن: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ «٤» .\nقرأ ابن كثير وخلف والكسائي: (وسلوا الله) وسل وفسل بغير همزة فنقل حركة الهمزة إلى السين.\nالباقون: بالهمزة.\nقال رسول الله ﷺ: «سلوا الله من فضله فإنه يحبّ أن يسأل وأن من أفضل العبادة انتظار الفرج»» .\nأبو صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من لم يسأل الله ﷿ من فضله غضب عليه» «٦» [٣٠٢] .\nهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: سلوا ربّكم حتى الشبع من لم ييسّره الله لم يتيسّر.\nوقال سفيان بن عيينة: لم يأمر بالمسألة إلّا ليعطي.\nوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ أي ولكل واحد من الرجال والنساء موالي، أي عصبة يرثونه مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ من ميراثهم له، والوالدون والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون، وقيل: معناه ولكل جعلنا موالي، أي قرابة من الذين تركهم، ثم فسّر الموالي فقال: الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ أي هم الوالدان والأقربون خبر مبتدأ محذوف فالمعنى: من تركة الوالدان والأقربون، وعلى هذا القول هم الوارثون وَالَّذِينَ عَقَدَتْ في محل الرفع بالابتداء، والمعاقدة هي المعاهدة بين اثنين.\n_________\n(١) سورة القصص: ٧٩.\n(٢) سورة القصص: ٨٢.\n(٣) سورة القصص: ٨٢.\n(٤) سورة النساء: ٣٢.\n(٥) سنن الترمذي: ٥/ ٢٢٥، ح ٣٦٤٢.\n(٦) تفسير الطبري: ٥/ ٦٨، تفسير القرطبي: ٥/ ١٦٤.","vol":"3","page":300},{"text":"وقرأ أهل الكوفة: عَقَدَتْ خفيفة بغير ألف أراد عقدت لهم أَيْمانُكُمْ وقرأت أم سعد بنت سعد بن الربيع: (عقّدت) بالتشديد يعني وثقته وأكدته، والأيمان جمع يمين من اليد والقسم، وذلك أنهم كانوا يضربون صفقة البيعة بأيمانهم، فيأخذ بعضهم بيد بعض على الوفاء والتمسك بالعهد ويتحالفون عليه، فلذلك ذكر الأيمان.\nقتادة وغيره: أراد بالذين عاقدت إيمانكم الحلفاء، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وثاري ثارك وحربي وحربك وسلمي وسلمك وترثني وارثك وتطلب لي وأطلب لك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه لذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ أي وأعطوهم حظهم من الميراث، ثم نسخ ذلك بقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ «١» .\nوقال إبراهيم ومجاهد: أراد فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصر والعقل والرفد، ولا ميراث، وعلى هذا القول تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٢»،\nولقول رسول الله ﷺ:\n«أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم» [٣٠٣] .\nولقوله (﵇) في خطبته يوم فتح مكة: «ما كان من حلف في الجاهلية فتمسكوا به فإنه لم يزده الإسلام إلّا شدة ولا تحدثوا حلفا في الإسلام» «٣» [٣٠٤] .\nوروى عبد الرحمن بن عوف، أنّ رسول الله ﷺ، قال: «شهدت حلف المطيبين وأنا غلام مع عمومتي، فما أحب أن لي حمر النعم وإنّي أنكثه»\n«٤» [٣٠٥]، وقال ابن عباس وابن زيد: نزلت هذه الآية في الذين آخى بينهم رسول الله ﷺ، من المهاجرين والأنصار حين أتوا إلى المدينة، وكانوا يتوارثون تلك المؤاخاة، ثم نسخ الله ذلك بالفرائض.\nوقال سعيد بن المسيّب: نزلت في الذين كانوا يتبنّون أبناء غير هم في الجاهلية، ومنهم زيد مولى رسول الله ﷺ، فأمروا في الإسلام [أن] يوصوا إليهم عند الموت بوصية، وردّ الميراث إلى ذوي الرحم، وأبى الله أن يجعله يجعل للمدّعى ميراثا ممّن ادّعاهم وتبنّاهم، ولكن جعل الله لهم نصيبا في الوصية، فذلك قوله: فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ.\nإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وقال أبو روق: نزل قوله: وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. الآية.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٧٥.\n(٢) سورة المائدة: ١. [.....]\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٦١، سنن الترمذي: ٣/ ٧٣، ح ١٦٣٤.\n(٤) مسند أحمد: ١/ ١٩٠.","vol":"3","page":301},{"text":"في أبي بكر الصديق، وابنه عبد الرحمن، وكان كافرا، أن لا ينفعه ولا يورثه شيئا من ماله، فلمّا أسلم عبد الرحمن أمر أن يؤتى نصيبه من المال.\nالرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ. الآية.\nقال مقاتل: نزلت هذه الآية في سعيد بن الربيع بن عمرو. وكان من النقباء. وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير. وهما من الأنصار. وذلك أنها نشزت فلطمها، فانطلق أبوها معها إلى النبي ﷺ، فقال: أفرشته كريمتي ولطمها، فقال النبي ﷺ: «لتقتصّ من زوجها»، فانصرفت مع أبيها لتقتصّ منه، فقال النبي ﷺ: «ليرجعوا، هذا جبرئيل»، وأنزلت هذه الآية، وقال النبي ﷺ: «أردنا أمرا وأراد الله أمرا، فالذي أراد الله خير» «١» [٣٠٦]، ورفع القصاص.\nوقال الكلبي: نزلت في أسعد بن الربيع وامرأته بنت محمد بن مسلم،\nوذكر نحوها أبو روق: نزلت في جميلة بنت عبد الله بن أبي، وفي زوجها ثابت بن قيس بن شماس، وذلك أنّها نشزت عليه فلطمها، فأتت النبي ﷺ تستعدي، فأنزل الله تعالى هذه الآية الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ أي مسلّطون على تأديب النساء بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ فليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس، فلو شجّ رجل امرأته، أو جرحها لم يكن عليه قود، وكان عليه العقل إلّا التي يقتلها فيقتل بها\n، قاله الزهري وجماعة من العلماء، وقال بعضهم: ليس بين الزوج والمرأة قصاص إلّا في النفس والجرح.\nوالقوّامون: البالغون في القيام عليهن بتعليمهنّ وتأديبهنّ وإصلاح أمرهنّ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ قيل: بزيادة العقل، وقيل: بزيادة الدّين واليقين، وقيل: بقوة العبادة، وقيل: بالشهادة، قال الله: فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتانِ، قال القرظي: بالتصرّف والتجارات، وقيل: بالجهاد، قال الله: انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا «٢»، وقال للنساء: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ «٣»، الربيع: الجمعة والجماعات، قال الحسن: بالإنفاق عليهنّ، قال الله تعالى:\nوَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ.\nوقال بعضهم: يمكن للرجل أن ينكح أربع نسوة، ولا يحلّ للمرأة غير زوج واحد، وقيل:\nهو إنّ الطلاق إلى الرجال وليس إليهنّ منه شيء، وقيل: بالدّية، وقيل: بالنبوّة، وقيل: الخلافة والإمارة،\nإسماعيل بن عياش [.......] «٤» عن بعض أشياخه رفعه قال: قال رسول الله ﷺ: «المرأة مسكينة ما لم يكن لها زوج» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ١٦٨ بتفاوت.\n(٢) سورة التوبة: ٤١.\n(٣) سورة الأحزاب: ٣٣.\n(٤) كلمة غير مقروءة.","vol":"3","page":302},{"text":"فقيل: يا رسول الله، وإن كان لها مال؟ قال: «وإن كان لها مال، الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ» [٣٠٧] .\nسعيد [عن أبي سعيد المقبري] «١» عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرّتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها، ثم تلا ﷺ: الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ «٢» [٣٠٨] .\nفَالصَّالِحاتُ قانِتاتٌ مطيعات حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ يعني لغيب أزواجهنّ إذا غابوا، وقيل: سرّهم بِما حَفِظَ اللَّهُ أي بحفظ الله لهنّ، وقرأ أبو جعفر بفتح الهاء، ومعناه: بحفظ من الله في الطاعة، وهذا\nكقوله ﵇: «احفظ الله يحفظك»\n«٣»، و(ما) على القراءتين [مصدريّة] «٤»، كقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي «٥»، أي يغفر لي ربّي.\nوَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ عصيانهن، وأصله من الحركة فَعِظُوهُنَّ، فإن نزعن عن ذلك وإلّا وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ، وقيل: ولّوهنّ ظهوركم في المضاجع، فإن نزعن وإلّا وَاضْرِبُوهُنَّ ضربا غير مبرح ولا شائن.\nابن أبي ليلى عن داود بن علي عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: «علّق السوط حيث يراه أهل البيت» «٦» [٣٠٩] .\nهشام بن عروة عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير بن العوام، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها.\nفَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا أي لا [تطلبوا] عليهنّ بالذنوب، قال ابن عينه: لا تكلفوهن الحبّ.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا. وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما أي خلافا بين الزوجين، فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها يتوسطون، إِنْ يُرِيدا إِصْلاحًا يعني الزوجين وقيل:\nالحكمين، يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما بالصلاح والألفة، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا.\nوعن عبيدة السلماني قال: جاء رجل وامرأة عليا (﵇)، مع كل واحد منهما قيام من النّاس، فقال عليّ: «ما شأن هذين؟» . قالوا: وقع بينهما شقاق. قال عليّ:\n_________\n(١) زيادة عن تفسير الطبري: ٥/ ٨٦، والمخطوط ممسوح.\n(٢) كنز العمال: ١٦/ ٢٨٢ ح ٤٤٤٧٧.\n(٣) مسند أحمد: ١/ ٢٩٣.\n(٤) في المخطوط: مصدر.\n(٥) سورة يس: ٢٧.\n(٦) كنز العمال: ١٦/ ٣٧١ ح ٤٤٩٤٦.","vol":"3","page":303},{"text":"فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِها. قال: فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، فقال عليّ للحكمين: «هل تدريان ما عليكما؟ إنّ عليكما إن رأيتما أن يجمعا جمعتما، وإن رأيتما أن يفرّقا فرقتما»، قالت المرأة: رضيت بكتاب الله بما عليّ فيه ولي، فقال الرجل: أمّا الفرقة فلا، قال عليّ: «كذبت والله، لا تنقلب منّي حتى تقرّ بما أقرّت به» «١» .\nوَاعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوا الله وأطيعوه، قالت الحكماء: العبودية ترك العصيان، وملازمة الذلّ والانكسار، وقيل: العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود، والحفظ للحدود، والرّضا بالموجود، والصبر على المفقود.\nوَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا برّا بهما وعطفا عليهما. وقرأ ابن جني:\n(إحسانٌ) بالرفع، أي وجب الإحسان بهما، وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ\nعن أبي هريرة أن رجلا شكا إلى النبي ﷺ قسوة قلبه، فقال: «إن أردت أن يلين قلبك فاطعم المسكين، وامسح رأس اليتيم وأطعمه» «٢» [٣١٠] .\nوَالْجارِ ذِي الْقُرْبى: قرأ العامة بالخفض عطفا على الكلام الأول، وقرأ ابن أبي عبلة:\nوَالْجارَ وما يليه نصبا. والْجارِ ذِي الْقُرْبى ذو القرابة وَالْجارِ الْجُنُبِ البعيد الذي بينك وبينه قرابة، وقال الضحاك: هو الغريب من قوم آخرين، وقرأ الأعمش والفضل: (وَالْجارِ الْجَنْبِ) بفتح الجيم وسكون النون، وهما لغتان: رجل جنب وجنب وجانب وأجنب وأجنبيّ، إذا لم يكن قريبا، وجمعها أجانب، وقال الّاعشى:\nأتيت حريثا زائرا عن جنابة ... فكان حريث في عطائي جامدا «٣»\nأي عن غربة من غير قربة، ومنه يقال: اجتنب فلان فلانا، إذا بعد منه، ومنه قيل للمجنب: جنب لاعتزاله الصّلاة، وبعده من المسجد حتى يغتسل، وقال نوف البكالي: الْجارِ الْجُنُبِ هو الكافر، وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ يعني الرفيق في السفر،\nقال ابن عباس ومجاهد وأبو جعفر وعكرمة وقتادة، عن سعيد بن معروف بن رافع، عن أبيه، عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «التمسوا الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق» «٤» [٣١١] .\nوقال بعضهم: الْجارِ الْجُنُبِ هو الجار اللاصق داره بدارك، فهو إلى جنبك،\nوقال علي وعبد الله وابن أبي ليلى والنخعي: هو المرأة تكون معه إلى جنبه.\nابن زيد وابن جريح: هو\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ١٠١.\n(٢) الجامع الصغير: ١/ ٤٠٧. [.....]\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ١١٣.\n(٤) كنز العمال: ١٥/ ٣٨٨ ح ٤١٤٩٥.","vol":"3","page":304},{"text":"الذي يلزمك ويصحبك رجاء برّك ورفدك. وقال ابن عباس: إنّي لأستحي أن يطأ الرجل بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر من برّي. وقال المهلّب: إذا غدا عليكم الرجل وراح، فكفى به مسألة وتذكرة بنفسه.\nوقد قال النبي ﷺ: «إنّ خير الأصحاب عند الله ﷿ خيرهم لصاحبه، خير الجيران عند الله خيرهم لجاره» «١» [٣١٢] .\nعثمان بن عطا، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس بمؤمن من لا يؤمن جاره بوائقه، فأيّما رجل أغلق أبوابه دون جاره، فخافه على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن» . قالوا: يا رسول الله، وما حق الجار؟ قال: «إن دعاك أجبته، وإن أصابته فاقة عدت عليه، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خير هنأته، وإن مرض عدته، وإن أصابه مصيبة عزّيته، وإن توفي شهدت جنازته، ولا تستعل عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلّا بإذنه، ولا تؤذه بقتار «٢» قدرك إلّا أن يغرف له منها، وإن ابتعت فاكهة فأهد له منها، وإن لم تفعل فأدخلها سرّا، ولا يخرج ولدك منها فيغيظ ولده» .\nثم قال ﷺ: «الجيران ثلاثة: فمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقّان، ومنهم من له حق واحد فأما صاحب الثلاثة الحقوق: فالمسلم الجار ذو الرحم، له حق الإسلام وحق الجوار وحق الرحم، وأمّا صاحب الحقّين: فالمسلم الجار له حق الإسلام وحق الجار، وأمّا صاحب الحق الواحد، فالمشرك الجار، له حق الجوار، وإن كان مشركا» «٣» [٣١٣] .\nأبو هشام القطان، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن حارب جاره فقد حاربني، ومن حاربني فقد حارب الله ﷿» «٤» [٣١٤] .\nوَابْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني المماليك،\nعن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ دفع إلى أبي ذرّ غلاما، فقال: «يا أبا ذرّ أطعمه مما تأكل واكسه مما تلبس»، قال: لم يكن له سوى ثوب واحد فجعله نصفين، فراح إلى نبي الله ﷺ، فقال: «ما شأن ثوبك هذا؟»، فقال: إن الفتى الذي دفعته إليّ أمرتني أن أطعمه مما آكل واكسوه مما ألبس، وإنه لم يكن معي إلّا هذا الثوب فناصفته، فقال رسول الله ﷺ: «أشير عليك بأن تعتقه»، ثم قال رسول الله: «ما فعل فتاك؟» قال: ليس لي فتى فقد أعتقته، قال: «آجرك الله يا أبا ذرّ» «٥» [٣١٥] .\n_________\n(١) الجامع الصغير: ١/ ٦١٧ ح ٣٩٩٨.\n(٢) القتار: رائحة القدر. النهاية في غريب الحديث والأثر ٤: ١٢. قتر.\n(٣) كنز العمال: ٩/ ١٨٥ ح ٢٥٦١٣ بتفاوت، وتفسير القرطبي: ٥/ ١٨٤.\n(٤) كنز العمال: ٩/ ٥٦ ح ٢٤٩٢٧.\n(٥) مجمع الزوائد: ٤/ ٢٣٧ بتفاوت.","vol":"3","page":305},{"text":"الأعمش عن عتيق عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الغنم بركة، والإبل عزّ لأهلها، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، والعبد أخوك فإن عجز فأعنه» «١» .\nوعن عليّ (﵁) قال: «كان آخر كلام رسول إله ﷺ الصلاة واتقوا الله فيما ملكت أيمانكم» «٢» [٣١٦] .\nإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالًا فَخُورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>[سورة النساء (٤): الآيات ٣٧ الى ٤٢]</span>\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (٣٧) وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨) وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (٣٩) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠) فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١)\nيَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)\nالَّذِينَ في محل النصب ردّا على مَنْ وقيل: (المختال الفخور)، يَبْخَلُونَ البخل في كلام العرب: منع الرجل سائله ما لديه من فضل عنه، وفي الشرع: منع الواجب، وفيه أربع لغات: البخل- بفتح الباء والخاء- وهي قراءة أنس بن مالك وعبيد بن عمير ويحيى بن يعمر ومجاهد وحمزة والكسائي وخلف والمفضل ولغة الأنصار. والبخل- بفتح الباء وسكون الخاء- وهي قراءة قتادة وعبد الله بن سراقة، وأيّوب السجستاني، والبخل- بضم الباء والخاء- وهي قراءة عيسى بن عمرو. والبخل- بضم الباء وجزم الخاء- وهي قراءة الباقين، واختيار أبي عبيد وأبي مسلم لأنها اللغة العالية، وفي الحديد مثله. وكلّها لغات، ونظيره في الكلام: (أرض جرز، وجرز، وجرز) .\nواختلف العلماء في نزول الآية ومعناها، فقال أكثرهم: نزلت في اليهود كتموا صفة محمد ﷺ، ولم يبيّنوها للنّاس، وهم يجدونها مكتوبة عندهم في التوراة. يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد بن جبير: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ، قال هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء.\nقال ابن عباس وابن زيد: نزلت في كردم بن زيد وأسامة بن حبيب ونافع بن أبي نافع ويحيى بن يعمر وحيي بن أخطب ورفاعة بن زيد بن التابوت، كانوا يأتون رجالا من الأنصار\n_________\n(١) كنز العمال: ١٢/ ٣٢٥ ح ٣٥٢٢٨ بتفاوت يسير.\n(٢) كنز العمال: ٨/ ٦ ح ٢١٦٢٥.","vol":"3","page":306},{"text":"ويخالطونهم وينصحونهم، فيقولون لهم لا تنفقوا أموالكم فإنّا نخشى عليكم الفقر، ولا ندري ما يكون، فأنزل الله ﷿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ إلى قوله: مِنْ فَضْلِهِ يعني المال.\nوقال يمان: يعني يبخلون بالصدقة.\nالفضل بن فضالة، عن أبي رجاء قال: خرج علينا عمران بن حصين في مطرف من خزّ لم نره عليه قبل ولا بعد، فقال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ إذا أنعم على عبد نعمة، أحبّ أن يرى أثر نعمته عليه» «١» [٣١٧] .\nوَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا. وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ إلى الأخير، محل الذين نصب عطفا على قوله: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وإن شئت جعلته في موضع الخفض عطفا على قوله: وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ نزلت في اليهود، وقال السدي: في المنافقين، وقيل: في مشركي مكة المتفقين على عداوة رسول الله ﷺ.\nوَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا صاحبا وخليلا، وهو فعيل من الاقتران، قال عدي بن زيد:\nعن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي «٢»\nفَساءَ قَرِينًا فبئس الشيطان قرينا، وقد نصب على التمييز، وقيل: على الحال، وقيل:\nعلى القطع بإلقاء الألف واللام منه، كما نقول: نعم رجلا، عبد الله، تقديره: نعم الرجل عبد الله، فلمّا حذف الألف واللام نصب، كقوله بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا «٣»، وساءَ مَثَلًا «٤»، وساءَتْ مُرْتَفَقًا «٥»، وساءَتْ مُسْتَقَرًّا»\n، وحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا «٧»، وكَبُرَ مَقْتًا «٨»، قال المفسرون: فَساءَ قَرِينًا أي يقول: يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ «٩» .\nوَماذا عَلَيْهِمْ وما الذي عليهم لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا. إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ إلى آخر الآية، وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ؟ فإنّ الله لا يظلم- أي لا يبخس- ولا ينقص أحدا من خلقه من ثواب عمله شيئا مثقال ذرّة مثلا، بل يجازيه بها ويثيبه عليها وهذا مثل يقول: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، فكيف بأكثر منها؟ والمراد من الكلام: لا يظلم قليلا، لأن الظلم مثقال ذرّة لا ينتفع به الظالم، ولا يبين ضرره في المظلوم. وقيل: [...] «١٠»، ودليله من التأويل قوله تعالى:\nإِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا «١١» في الدنيا.\n_________\n(١) المعجم الكبير: ١٨/ ١٣٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ١٢٣.\n(٣) سورة الكهف: ٥٠.\n(٤) سورة الأعراف: ١٧٧.\n(٥) سورة الكهف: ٢٩. [.....]\n(٦) سورة الفرقان: ٦٦.\n(٧) سورة النساء: ٦٩.\n(٨) سورة غافر: ٣٥، سورة الصف: ٢.\n(٩) سورة الزخرف: ٣٨.\n(١٠) سواد في مصوّرة المخطوط.\n(١١) سورة يونس: ٤٤.","vol":"3","page":307},{"text":"واختلفوا في الذرّة، فقال ابن عباس: هي النملة الحميراء الصغيرة، لا تكاد تبين في رأي العين. وقال يزيد بن هارون: وزعموا أنّ الذرة ليس لها وزن، ويحكى أنّ رجلا وضع خبزا حتى علاه الذرّة يستره، فلم يزد على وزن الخبز شيئا. ودليل هذا التأويل ما روى بشير بن عمرو عن عبد الله أنّه قرأ: (إنّ الله لا يظلم مثقال نملة) .\nيزيد بن الأصم عن ابن عباس في قوله ﷿: مِثْقالَ ذَرَّةٍ، قال: أدخل ابن عباس يده في إناء ثم رفعها، ثم نفخ فيها، ثم قال: كلّ واحدة من هؤلاء ذرّة، وقال بعضهم: أجزاء الهباء في الكوّة كلّ جزء منها ذرّة. وقيل: هي الخردلة.\nوفي الجملة هي عبارة عن أقلّ الأشياء وأصغرها،\nروى أنس أنّ النبي ﷺ قال: «إنّ الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأمّا الكافر، فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، لم يكن له حسنة» «١» [٣١٨] .\nقتادة: كان بعض أهل العلم يقول: لئن يفضل حسناتي على سيئاتي وزن ذرّة أحبّ إليّ من أن يكون لي الدنيا جميعا.\nعطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا خلص المؤمنون من النار يوم القيامة، وأمنوا فما مجادلة أحدكم صاحبه في الحق يكون له في الدنيا بأشدّ من مجادلة المؤمنين لربّهم في إخوانهم الذين أدخلوا النار»، قال: «يقولون: ربّنا إخواننا كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويحجّون معنا، فأدخلتهم النار؟ فيقول الله ﷿: اذهبوا وأخرجوا من عرفتم، فيأتونهم فيعرفونهم بصورهم، لا تأكل النار صورهم، فمنهم من أخذته النار إلى أنصاف ساقيه، ومنهم من أخذته إلى كعبه، فيخرجونهم فيقولون: ربّنا أخرجنا من أمرتنا، ثم يقول تعالى: أخرجوا من كان في قلبه وزن دينار من الإيمان، ثم من كان في قلبه وزن نصف دينار، حتى يقول: من كان في قلبه مثقال ذرّة» «٢» [٣١٩] .\nوقال أبو سعيد: فمن لم يصدق بهذا فليقرأ هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ....\nقال: «فيقولون: ربّنا قد أخرجنا من أمرتنا، فلم يبق في النار أحد فيه خير» . قال: «ثم يقول الله ﷿: شفعت الملائكة، وشفعت الأنبياء، وشفعت المؤمنون «٣»، وبقي أرحم الراحمين»، قال: «فيقبض قبضة من النار. أو قال: «قبضتين» . ممن لم يعملوا له ﷿ خيرا قط، قد احترقوا حتى صاروا حمما، قال: فيؤتى بهم إلى ماء يقال له ماء الحياة فيصبّ عليهم\n_________\n(١) مسند أبي داود الطيالسي: ٢٦٩.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٩٤، سنن ابن ماجة: ١/ ٢٣.\n(٣) في المصدر: وشفع الأنبياء وشفع المؤمنون.","vol":"3","page":308},{"text":"فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيخرجون وأجسادهم «١» مثل اللؤلؤ في أعناقهم الخاتم: (عتقاء الله ﷿)، فيقال لهم: ادخلوا الجنة فما تمنيتم أو رأيتم من شيء فهو لكم عندي أفضل من هذا» .\nقال: «فيقولون: ربّنا أعطيتنا ما لم تعط أحدا من العالمين!» . قال: «فيقول: ان لكم عندي أفضل من هذا، فيقولون: ربّنا وما أفضل من ذلك؟» قال: «فيقول: رضائي عنكم فلا أسخط عليكم أبدا» «٢» .\nوقال آخرون: هذا في الخبر عن ابن [...] «٣» عن عبد الله بن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأوّلين والآخرين، ثم نادى مناد من عند الله: ألا من كان يطلب مظلمة إلى أخيه فليأخذ. قال: فيفرح والله المرء أن يكون له الحق على والده وولده أو زوجته أو أخيه، فيأخذ منه، وإن كان صغيرا، ومصداق ذلك في كتاب الله تعالى: فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ ... وَلا يَتَساءَلُونَ «٤»، فيؤتى بالعبد وينادي مناد على رؤوس الأشهاد: الأولين والآخرين، هذا فلان بن فلان من كان له عليه حق، فليأت إلى جنبه ثمّ يقال له: آت هؤلاء حقوقهم. فيقول: من أين وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا في أعماله الصالحة فأعطوهم منها، فإن بقي مثقال ذرّة من حسنة، قالت لملائكة: ربّنا أنت أعلم بذلك منهم، أعطينا كلّ ذي حق حقه وبقي له مثقال ذرّة من حسنة، فيقول للملائكة: ضاعفوها لعبدي وأدخلوه بفضل منّي الجنّة، ومصداق ذلك في كتاب الله إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا.\nوإن كان العبد شقيّا، فتقول الملائكة: إلهنا فنيت حسناته وبقيت سيئاته، وبقي طالبون كثير، فيقول ﷿: خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته ثم صكّوا له صكا إلى النار.\nفمعنى الآية على هذا التأويل: لا يَظْلِمُ، مِثْقالَ ذَرَّةٍ للخصم على الخصم، بل يثيبه عليها ويضاعفها له، وذلك قوله وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها قراءة العامة حَسَنَةً بالنصب على معنى:\nوإن يكن زنة الذرّة. وقرأها أهل الحجاز رفعا، بمعنى أن يقع أو يوجد حسنة، وقال المبرّد:\nمعناه وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً باقية يضاعفها.\nوقرأ الحسن: (نضاعفها) - بالنون- الباقون: بالياء، وهو الصحيح لقوله: وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ وقرأ أبو رجاء وأهل المدينة يضعّفها. الباقون: يضعفها وهما لغتان معناهما التكثير. وقال\n_________\n(١) في المصدر: من أجسادهم.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٩٤.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) سورة المؤمنون: ١٠١.","vol":"3","page":309},{"text":"أبو عبيده: يُضاعِفْها معناه يجعلها أضعافا كثيرة، ويضعّفها بالتشديد يجعلها ضعفين.\nوَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أي من عنده، قال الكسائي: في (لدن) أربع لغات لدن، ولدى ولد ولدن. ولمّا أضافوها إلى أنفسهم شدّدوا النون.\nأَجْرًا عَظِيمًا وهو الجنّة.\nعن أبي عثمان قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إنّ الله ﷿ يعطي عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة، قال أبو هريرة: لا بل سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يعطيه ألفي ألف حسنة» «١»، ثم تلا: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ، إلى أَجْرًا عَظِيمًا [٣٢٠] .\nوقال: «إذا قال الله: أجرا عظيما، فمن بعد يدري قدره؟» .\nفَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ يعني فكيف يصنعون إذا جئنا من كلّ أمّة بشهيد حق منها، يشهد عليهم بما عملوا، وَجِئْنا بِكَ يا محمد عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا؟ نظيره في البقرة «٢» والنحل «٣» والحج «٤» .\nعاصم عن زر عن عبد الله قال: قال لي النبي ﷺ: «اقرأ» . فقرأت «٥» سورة النساء، حتى إذا بلغت، فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ دمعت عينا رسول الله ﷺ، وقال: «حسبنا» «٦» [٣٢١] .\nيَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ قرأ أهل المدينة والشام بفتح التاء وتشديد السين، على معنى: تتسوّى فأدغمت التاء بالسين، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بفتح التاء وتخفيف السين، على حذف تاء تفعل، كقوله: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ «٧»، وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين على المجهول، قالوا: سوّيت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا، وقال قتادة وعبيدة: يعني لو تحركت الأرض فساروا فيها، وعادوا إليها كما خرجوا منها، ثم تسوى عليهم حتى تعلوهم، ابن كيسان: ودّوا أنهم لم يبعثوا طرّا، وإنما نقلوا من التراب وكانت الأرض مستوية بهم. الكلبي: يقول الله ﷿ للبهائم والوحش والطير والسباع: كنّ ترابا فتسوّى بها الأرض، فعند ذلك يتمنى الكافرون لو كانوا ترابا يمشي\n_________\n(١) كنز العمال: ٦/ ٣٥٢ ح ١٦٠١٩ بتفاوت. [.....]\n(٢) هو قوله تعالى: (ويكون الرسول عليكم شهيدا) الآية: ١٤٢.\n(٣) هو قوله تعالى: (وجئنا بك شهيدا على هؤلاء) الآية: ٨٩.\n(٤) هو قوله تعالى: (ليكون الرسول شهيدا عليكم) الآية: ٧٨.\n(٥) في المصدر: فاستفتحت.\n(٦) السنن الكبرى: ٥/ ٢٨.\n(٧) سورة هود: ١٠٥.","vol":"3","page":310},{"text":"عليهم أهل الجمع، بيانه قوله ﷿: يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\n«١» .\nقال الثعلبي: وحكي أستاذنا أبو القاسم الحسين أنّه سمع من تأول هذه الآية: يعدل بهم ما على الأرض من شيء فدية، بيانه: يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ «٢» الآية.\nوَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا؟: قال عطاء: ودّوا لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ، وإنّهم لم يكونوا كتموا أمر محمد ﷺ ولا نعته، وقال آخرون: بل هو كلام مستأنف، يعني ويكتمون الله حديثا لأنّ ما عملوا لا يخفى على الله ﷿، ولا يقدرون على كتمانه، الكلبي وجماعة: لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا لأنّ خزنة جهنم تشهد عليهم.\nسعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: أشياء تختلف عليّ في القرآن، أهو شك فيه؟ قال: لا، ولكن اختلاف في آيات الاختلاف عليك من ذلك، فقال: اسمع، الله ﷿ يقول: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ «٣»، وقال: لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا فقد كتموا، فقال ابن عباس: أمّا قولهم وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أنّ الله يغفر لأهل الإسلام قالوا: تعالوا فلنشهد فجحد المشركون، فقالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ رجاء أن يغفر لهم فيختم على أفواههم، وتتكلم أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا. الحسن: إنّها مواطن، ففي موطن لا يتكلمون ولا يسمع الّا همسا، وفي مواطن يتكلمون ويكذبون، ويقولون: ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ، وفي موطن يعترفون على أنفسهم، وهو قوله ﷿ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ «٤»، وفي موضع آخر يسألون الرحمة، وإنّ آخر تلك المواطن أنّ أفواههم تختم، وجوارحهم تتكلم، وهو قوله تعالى وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[سورة النساء (٤): الآيات ٤٣ الى ٥٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥) مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (٤٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧)\nإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)\nأَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)\n_________\n(١) سورة النبأ: ٤٠.\n(٢) سورة المعارج: ١١.\n(٣) سورة الأنعام: ٢٣.\n(٤) سورة الملك: ١١.","vol":"3","page":311},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يشربون الخمرة، ويشهدون الصلاة وهم نشاوى، فلا يدرون كم يصلّون، ولا يدرون ما يقولون في صلواتهم، فأنزل الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى نشاوى من الخمر، جمع سكران، وقرأ النخعي: (جنبا) وهما لغتان.\nحَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وتقرؤون في صلاتكم، وكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر أوقات الصّلاة، حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة. سلمة بن نبيط عن الضحاك بن مزاحم: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى، قال: لم يعن سكر الخمر، إنّما يعني سكر النوم.\nهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا نعس أحدكم وهو في الصّلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنّه إذا صلّى وهو ينعس، لعلّه يذهب فيستغفر فيسبّ نفسه» «١» [٣٢٢] .\nهشام بن عروة أيضا عن أبيه عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا نعس الرجل وهو يصلّي، فلينصرف فلعلّه يدعو على نفسه وهو لا يدري» «٢» [٣٢٣] .\nهمام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه، فلم يدر ما يقول، فليضطجع» «٣» [٣٢٤] .\nوروي عن عبيدة السلماني في هذه الآية أنّه قال: هو الحاقن، دليله\nقوله ﷺ: «لا يصلينّ أحد كم وهو يدافع الأخبثين «٤»» «٥» [٣٢٥] .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ٥٦.\n(٢) السنن الكبرى: ١/ ٩٧.\n(٣) كنز العمال: ٧/ ٧٨٩ ح ٢١٤٢٠.\n(٤) في جميع المصادر: يدافع بولا وطوفا. [.....]\n(٥) كنز العمال: ٨/ ١٧٩ ح ٢٢٤٦٤.","vol":"3","page":312},{"text":"وَلا جُنُبًا نصب على الحال، يعني ولا تقربوا الصلاة وأنتم جنب، وقرأ إبراهيم النخعي: (جُنْبًا) بسكون النون، يقال: رجل جنب، ورجلان وامرأتان جنب، ورجال ونساء جنب، والفعل منه أجنب. يجنب، وأصل الجنابة البعد، فقيل له: جنب لأنّه يجتنب حتى يتطهر، ثم استثنى فقال: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ واختلفوا في معناها،\nفقال: بعضهم: الّا إن يكونوا مسافرين ولا يجدون الماء فيتيمّموا، وهذا قول عليّ وابن عباس وابن جبير وابن زيد ومجاهد والحكم والحسن بن مسلم وابن كثير.\nوقال الآخرون: معناه إلّا مجتازين فيه للخروج منه مثل أن ينام في المسجد، فيجنب، أو يكون الماء فيه، أو يكون طريقه عليه، فرخص له أن يمرّ عليه ولا يقيم، وعلى هذا القول تكون الصلاة بمعنى المصلّى والمسجد كقوله صَلَواتٌ «١» اي موضع الصلوات، وهذا قول عبد الله وابن المسيّب وابن يسار والضحاك والحسن وعكرمة وإبراهيم وعطاء الخراساني والنخعي والزيدي، يدلّ عليه ما روى الليث عن يزيد بن أبي حبيب أنّ رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فيصيبهم الجنابة، ولا ماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرّا للماء إلّا في المسجد، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوأصل العبور: القطع يقال: عبر الطريق والنهر إذا قطعهما وجال فيهما «٢» .\nوَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى جمع مريض.\nإسماعيل عن أبيه عن الحسين عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: «ألا إنّ مسجدي حرام على كلّ حائض من النساء، وعلى كلّ جنب من الرجال إلّا على محمد وأهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين ﵈» «٣» [٣٢٦] .\nوأراد به مرضا يضرّه مساس الماء كالجدري والجروح والقروح، أو كسر قد وضع عليه الجبائر، فإنّه رخّص له في التيمّم، هذا قول جماعة من الفقهاء، إلّا ما ذهب [إليه]»\nعطاء والحسن أنه لا يتيمّم مع وجود الماء، واحتّجا بقوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا «٥»، وهذا واجد الماء.\nوهذا غلط، لما\nروى عطاء عن جابر قال: خرجنا في سفر وأصاب رجلا معنا حجر فشجّه في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل، فمات، فلمّا قدمنا على رسول الله ﷺ أخبر بذلك، فقال:\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٥٧.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) السنن الكبرى: ٧/ ٦٥.\n(٤) في المخطوط: عليه.\n(٥) سورة النساء: ٤٣.","vol":"3","page":313},{"text":"«قتلوه قتلهم الله، هلّا سألوا إذا لم يعلموا، فإنّما شفاء العىّ السّؤال، إنّما كان يكفيه أن يتيمّم ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده» «١» [٣٢٧] .\nأَوْ عَلى سَفَرٍ طويلا كان أو قصيرا، فله التيمّم عند عدم الماء، فإذا لم يكن مرض ولا سفر لكنه عدم الماء في موضع لا يعدم فيه الماء [عادة] «٢»، مثل أن يكون في مصر فانقطع الماء عنه رأسا، أو في قرية فانقطع ماؤها، ففيه ثلاث مذاهب: ذهب الشافعي ومحمد بن الحسن إلى أنّ عليه التيمم والصّلاة ويعيد الصّلاة، وذهب مالك والأوزاعي وأبو يوسف إلى إنّه يتيمّم ويصلّي ولا إعادة عليه، وذهب أبو حنيفة إلى أنّه لا يتيمّم ولا يصلّي، ولكنّه يصبر حتى يجد الماء ويتوضأ ويصلّي.\nأَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ قرأ الزّهري: (من الغيط)، والغيط والغوط والغائط كلّها بمعنى واحد، وهي الخبت المطمئن من الأرض، وقال مجاهد: هو الوادي، الحسن: الغور من الأودية، وتصوّب «٣» . المؤرّخ: قرارة من الأرض يحفها الكرم ويسترها، وجمعها غيطان، والفعل منه (غاط يغوط)، مثل (عاد يعود) . وتغوّط يتغوّط، إذا أتى الغائط، وكانوا يتبرّزون هناك فكنّى عن الحديث بالغائط مثل العذرة والحدث، وهو هاهنا كناية عن حاجة البطن.\nأَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ قرأ حمزة والكسائي وخلف: (لمستم) . بغير ألف هاهنا، وفي المائدة «٤» - وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالألف فيهما وهو اختيار أبي حاتم.\nواختلف المفسّرون في معنى اللمس والملامسة، فقال قوم: المجامعة، وهو قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة، وقال سعيد بن جبير: ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي:\nليس بالجماع، وقال ناس من العرب: هو الجماع، فأتيت ابن عباس فذكرت له، فقال: من أيّ الفريقين كنت؟ قلت: من الموالي. قال: غلب فريق الموالي، إنّ اللمس والمسّ والمباشرة الجماع، لكنّ الله يكنّى عمّا يشاء بما يشاء، وعلى هذا القول إنّما كنّى عن اللمس بالجماع لأنّ اللمس يوصل إليه، كما يقال للسّحاب: سماء، وللمطر: سماء وللكلأ سماء لأنّ بالسحاب يوصل إلى المطر، وبالمطر يوصل إلى الكلأ، قال الشاعر:\nإذا سقط السّماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا «٥»\nوقال الآخرون: هو التقاء البشرتين سواء كان بجماع أو غير جماع، وهو قول ابن مسعود\n_________\n(١) سنن أبي داود: ١/ ٨٥.\n(٢) كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) هي قوله تعالى: (أو لامستم النساء) سورة المائدة: ٦.\n(٥) الصحاح: ٦/ ٢٣٨٢.","vol":"3","page":314},{"text":"وابن عمر وأبي عبيدة ومنصور وعبيدة والشعبي والنخعي وحماد والحكم.\nواختلف العلماء في حكم الآية على خمسة مذاهب، فقال الشافعي: إذا أفضى الرجل بشيء من بدنه إلى شيء من بدن المرأة سواء كان باليد أو بغيرها من أعضاء الجسد تعلّق نقض الطهارة به، وهو قول ابن مسعود وابن عمر والزهري وربيعة.\nوقال الأوزاعي: إن كان للمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه، فأجراه مجرى مسّ الفرج.\nوقال مالك والليث بن سعد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه: إذا كان اللمس للشهوة نقض، وإن كان لغير شهوة لم ينقض، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كانت ملامسة فاحشة نقضت وإلّا لم تنقض، والملامسة الفاحشة: ما تحدث الإفساد.\nوذهبت طائفة إلى إنّ الملامسة لا تنقض الطهارة بحال، وبه قال من الصحابة ابن عباس، ومن التابعين الحسن البصري، وإليه ذهب محمد بن الحسين.\nوعن الثوري روايتان: إحداهما هذا «١»، والثانية مثل (قول مالك بدليل الشافعي من الآية) «٢» أنّ الملامسة باليد ما روي عن النبي ﷺ أنّه نهى عن بيع الملامسة، واللمس أكثر ما يستعمل في لمس اليد، وأنشد الشافعي:\nلمست «٣» بكفي كفّه طلب «٤» الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفّه يعدي\nفلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأنفقت «٥» ما عندي «٦»\nروى الزهري عن سالم عن أبيه قال: جسها بيده من الملامسة، ويدل عليه ما\nروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ أنّ رجلا سأل النبيّ ﷺ عن الرجل ينال من امرأة لا تحل له ما يناله من امرأته إلّا الجماع، فقال: «يتوضّأ وضوءا حسنا»\n«٧» [٣٢٨]، فثبت أنّ اللمس ينقض الوضوء.\nاحتج من لم يوجب الوضوء بالملامسة نفسها، بما\nروى مالك عن أبي النضر عن أبي\n_________\n(١) أي القول المارّ.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) في المصدر: أخذت. [.....]\n(٤) في المصدر: أبتغي.\n(٥) في المصدر: فبدّدت.\n(٦) الأنساب للسمعاني: ١/ ٢٣٦، والبداية والنهاية: ١٠/ ١٦٦.\n(٧) المستدرك على الصحيحين ١: ٣٥.","vol":"3","page":315},{"text":"سلمة عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجليّ، فإذا قام بسطتها والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح.\nوروى عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة قالت: إن كان رسول الله ﷺ يصلّي وأنا لمعترضة بين يديه اعتراض الجارية «١» حتى إذا أراد أن يوتر مسّني برجله.\nوروي الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة قالت: فقدت النبي ﷺ ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ساجد يقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من غضبك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» «٢» .\nوفي بعض الاخبار: فلما فرغ من صلاته قال لي: «يا عائشة أتاك شيطانك؟» «٣» [٣٢٩]، قالوا: فلمسته عائشة وهو في الصلاة فمضى فيها.\nولأجل هذه الأخبار خصّ من ذكرنا مسّ الشهوة بنقض الوضوء.\nروى أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة أنّ النبي ﷺ كان يقبّل بعض أزواجه ثم يصلّي ولا يتوضأ.\nوأمّا الغسل وكيفية الملامسة على مذهب الشافعي فهو على ثلاثة أوجه: لمس ينقض الوضوء قولا واحدا، ولمس لا ينقض الوضوء، ولمس مختلف فيه، فالذي ينقض الوضوء ملامسة الرجل المرأة الشابة [...] متعمدا حية كانت أو ميتة، والذي لا ينقضه ملامسة الشعر والسنّ والظفر، والذي اختلف فيه هو أن يلمس فتاة صغيرة، أو امرأة كبيرة، أو واحدة من ذوات محارمه ممن لا يحلّ له نكاحها، [وفيه] «٤» قولان: أحد هما ينقض الوضوء لأنه لمس متعمد [....]، والثاني لا ينقض لأنّه لا تدخل للشهوة فيهن، يدلّ عليه ما\nروي عن أبي قتادة السلمي الانصاري أنّ رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها وإذا قام رفعها. وهذا حكم الملامسة إذا لم يكن «٥» حائل، فأمّا إن كانت من دون حائل فإنها تنقض الطهارة سواء كان الحائل صفيقا أو رقيقا\n، هذا قول الجمهور.\nوقال مالك: ينقضها إن كان رقيقا ولا ينقضها إن كان صفيقا، وقال الليث وربيعة: ينقضها\n_________\n(١) في مسند أحمد بن حنبل ٦: ٢٦٠: الخبازة، وهو الأوفق.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٩٦، وسنن ابن ماجة: ٢/ ١٢٦٣.\n(٣) المستدرك: ١/ ٢٢٨ والسنن الكبرى: ٢/ ١١٦.\n(٤) في المخطوط: فيها.\n(٥) كذا في المخطوط، والظاهر أنه: إذا كان مع الحائل.","vol":"3","page":316},{"text":"سواء كان صفيقا أو رقيقا، والدليل على أنّها لا تنقض الوضوء إذا كانت من دون حائل ظاهر الآية أَوْ لامَسْتُمُ فإذا لمسها مع الحائل فما لمسها وإنّما لمس الحائل، وعليه إنّه لو حلف ألّا يلمسها ولمسها من وراء حائل لم يحنث.\nفهذا كلّه حكم اللامس، وأما الملموس فهل ينتقض به طهره أم لا؟ فعلى قولين للشافعي:\nأحدهما: أنّه ينتقض لاشتراكهما في الالتذاذ.\nوالثاني:\nلا ينتقض لخبر عائشة: «فوقعت يدي على أخمص قدمي رسول الله ﷺ»\nوالله أعلم.\nقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا اعلم أنّ التيمّم من خصائص هذه الأمة لما\nروى ربّعي بن خمّاش، عن حذيفة قال قال رسول الله ﷺ «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، جعلت الأرض لنا مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» «١» [٣٣٠] .\nوأما بدء التيمّم\nفأخبر مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كنّا مع رسول الله ﷺ بالأبواء «٢»، حتى إذا كنّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي وكنت استعرتها من أسماء، فصلّ، فأخبرت رسول الله ﷺ فأمر بالتماسه فالتمس، فلم يوجد، فأناخ رسول الله ﷺ فباتوا ليلتهم تلك، وأقاموا على النجاسة وليسوا على ماء وليس عندهم ماء، فأتى الناس أبا بكر، فقالوا: ألا ترى إلى عائشة حبست رسول الله ﷺ على غير ماء؟ فجاء أبو بكر، ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذي قد نام فعاتبني، وقال: ما شاء الله! وقال: قبّحها الله من قلادة حبست الناس على غير ماء وقد حضرت الصلاة، ثم طعن بيده على خاصرتي فما منعني من التحريك «٣» إلّا أنّ رسول الله ﷺ كان واضعا رأسه على فخذي، فقام رسول الله ﷺ حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﷿ آية التيمّم.\nقالت: فبعثت البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته، فقال أسيد بن حضير: ما هي بأوّل بركتكم يا آل أبي بكر جزاكم الله خيرا، فو الله ما نزل بك أمر قط تكرهينه إلّا جعل لك وللمسلمين فيه خير.\nفأباح الله تعالى التيمّم لخمس شرائط:\nأحدها: دخول وقت الصلاة، فلا يجوز التيمّم إلّا بعد دخول وقت الصّلاة، وقد يجمع\n_________\n(١) كنز العمال: ١١/ ٤٠٩ ح ٣١٩١٢.\n(٢) في صحيح البخاري ٤: ١٩٥ (في بعض أسفاره)، وكذا في سنن النسائي ١: ١٦٣.\n(٣) كذا في المخطوط، وفي سنن النسائي ١: ١٦٤ (التحرك) .","vol":"3","page":317},{"text":"بالتيمم بين صلاتي فرض، هذا قول عليّ وابن عباس وابن حمزة ومذهب مالك والشافعي والليث بن سعد وأحمد بن حنبل، قالوا: لأنها طهارة ضرورة، فقسناها على المستحاضة،\nولأنّ النبي ﷺ قال: «فأينما أدركتكم الصّلاة فتيمّموا وصلّوا» [٣٣١] .\nوروى أبو إسحاق عن الحريث عن عليّ ﵁ قال: «تيمّموا لكلّ صلاة» «١» [٣٣٢] .\nوروي ابن المهدي عن عاصم الأحول عن عمرو بن قيس «٢» قال: بل تتيمم لكلّ صلاة وإن لم تحدث.\nوذهبت طائفة إلى أنّ التيمم كالطهارة بالماء يجوز تقديمه على وقت الصلاة ويصلّي من الحدث الأكبر إلى الحدث لمسا من الفرائض والنوافل، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن والثوري وأبي عبيدة واحتجوا\nبقول النبي ﷺ «الصّعيد الطيّب وضوء المسلم ولو لم يجد الماء عشر حجج» «٣» [٣٣٣] .\nوالشرط الثاني من الشرائط المبيحة للتيمم: طلب الماء، وكيفيّة الطلب أن يطلبه في رحله فإن لم يجد طلب من أصحابه، فإن لم يجد عندهم طلب يمينا وشمالا ووراء وأمام، فإن كان هناك تلّ صعد ونظر، فإن رأى إنسانا قادما فليتعرّف منه، فإن تيمم قبل الطلب لم يصح عند أكثر الفقهاء.\nوقال أبو حنيفة: طلب الماء ليس بشرط في جواز التيمم بل مستحب، فان تيمم قبله أجزأه، لأنه لو كان شرطا فيه لكان شرطا في النافلة لعدم الماء، ولما كان التيمم للنافلة دون طلب الماء جاز أيضا للفريضة دونه، دليلها قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، ولا يقال: لم يجز إلّا لمن طلب الماء، والدليل عليه أنّه لو وكّل وكيلا ليشتري له شيئا فان لم يجد فخيّره فاشترى الشيء الثاني قبل طلبه الأول ضمن.\nوالشرط الثالث: إعوازه بعد طلبه، فأمّا إذا كان بينه وبين الماء حائل من لص أو عدو أو سبع أو جمل صائل أو نار ونحوها فهو عادم للماء، وكذلك إن كان عليه ضرر في إتيانه مثل أن يخاف على رحله إن غاب عنه، وكذلك إن كان الماء في بئر ولم يمكنه الوصول إليه.\nوالشرط الرابع: العذر من مرض أو سفر لقوله: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ.\nوالمرض على ثلاثة أضرب: مرض لا يضرّ استعمال الماء معه، فلا يجوز التيمم معه،\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ١٦٠ وفيه التيمم.\n(٢) كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه. [.....]\n(٣) سنن الدارقطني: ١/ ١٩٦ بتفاوت يسير.","vol":"3","page":318},{"text":"وضرب يخاف معه من استعمال الماء التلف فيجوز معه التيمم، وكذلك إن كان على قرحه دم يخاف إن غسله التلف تيمّم، وأعاد إذا قدر على غسل الدم، وضرب يخاف باستعماله الماء الزيادة في العلّة بطء البرء، والمتعيّن فيه أوجه:\nالأول: أنه يجوز التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة.\nوالثاني: أنه لا يجوز فإن كانت الجراحة في بعض جسده دون بعض، غسل ما لا ضرر عليه وتيمّم، ولا يجزيه أحد هما دون الآخر، وقال أبو حنيفة: إذا كان أكثر بدنه لزمه الوضوء واستعمال الماء، ولم يجزه معه التيمم ولا دونه، وإن كان أكثر بدنه جريحا يسقط عنه فرض الوضوء والغسل ويجزيه التيمم في الجميع.\nقال: (ولا يجوز الجمع بين استعمال الماء في بعض الأعضاء والتيمم في بعضها)، وكذلك لو وجد الجنب أو المحدث من الماء ما لا يسع المحدث لوضوئه، ولا الجنب لأغساله، وللشافعي فيه قولان:\nأحدهما: أنه يسقط فرض استعماله الماء ويكفيه التيمم، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والمزني.\nوالقول الثاني: يلزمه استعمال القدر الذي وجده، والتيمم كما حدّثته «١»، وإن كان جنبا غسل به أي أعضائه شاء ثم تيمّم على الوجه واليدين، وإن كان محدثا غسل وجهه ثم يديه على الترتيب ثم تيمّم لما لم يغسل من أعضاء الوضوء، حتى لو غسل جميع أعضاء وضوئه وبقيت لمعة من رجله لم يصبها ماء فإنه يتيمّم لها.\nوإن انكسر بعض أعضائه فجبرها، فإنه لا يعدو في الجبائر موضع الكسر، ولا يضعها إلّا على وضوء كالخفين، فان وضعها على الطهارة فله أن يمسح على الجبيرة ما دام العذر باقيا ثم هل يلزمه إعادة الصلوات التي صلّاها بالمسح على الجبائر أم لا؟ فيه قولان:\nأحدهما: عليه الإعادة.\nوالثاني: لا إعادة عليه، وهو اختيار المزني، والدليل عليه ما\nروى زيد بن علي عن أبيه عن جده أن حزما انكسر إحدى زنديه فأمره النبي ﷺ أن يمسح على الجبائر\n، قال الشافعي: إن صح حديث عليّ قلت به، وهذا مما أستخير الله فيه. وإن وضعها على غير الطهارة وعدا بها إلى غير موضع الكسر ينظر فإن لم يخش تلف يديه أو عضو من أعضائه نزعها، وإن خاف على ذلك لم ينزعها، ولكنه يغسل ما يقدر عليه، ويعيد الصلاة إذا قدر على نزعها.\nوأمّا السفر فهو أقل ما يقع عليه اسم سفر، طالت أو قصرت لأنّ الله تعالى لم يفرّق\n_________\n(١) كذا في المخطوط.","vol":"3","page":319},{"text":"بينهما، دليله ما\nأخبر الشافعي عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر: إنّه أقبل من الجرف حتى إذا كان بالمدينة تيمّم فمسح وجهه ويديه وصلّى العصر، ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد الصلاة، والجرف قريب من المدينة.\nوالشرط الخامس: النية المكنونة.\nوقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا عنى: اقصدوا ترابا طيبا، واختلف العلماء في الممسوح به في التيمم على أربعة مذاهب:\nقال أبو حنيفة: يجوز التيمم بالأرض ومما كان من جنسها، وإن لم يعلق بيده منها شيء، فأجاز بالكحل والزرنيخ والنورة من الجصّ والحجر المسحوق، بل وحتّى الغبار، وحتى فيما لو ضرب يده على صخرة ملساء فمسح أجزاه، فأمّا إن تيمّم بسحالة الذهب والفضة والصفر والرصاص والنحاس لم يجزه، لأنّه ليس من جنس الأرض.\nقال مالك: يجوز بالأرض وبكلّ ما اتّصل فيها، فأجاز التيمم بأجناس الأرض والشجر، فقال: لو ضرب يده على غيره ثم مسح بها أجزأه.\nوقال الأوزاعي والثوري: يجوز بالأرض وبكلّ ما عليها من الشجر والحجر والمدر وغيرها حتى قالا: لو ضرب يديه على الجمد والثلج أجزاه، واحتجوا بما\nروى عبد الرحمن بن هرمز عن عمير مولى ابن عباس أنه سمعه يقول: أقبلت أنا وعبد الله بن يسار مولى ميمونة، حتى دخلنا على أبي جهيم الحارث بن الصمة الأنصاري، فقال أبو جهيم: أقبل رسول الله ﷺ من نحو بئر الجمل فلقيه رجل فسلّم عليه فلم يرد على رسول الله ﷺ حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم ردّ عليه.\nوذهب الشافعي إلى أن الممسوح به تراب طاهر ذو غبار تعلّق باليد وهو الاختيار لهذا لأن الله ﷿ قال: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فالصعيد اسم التراب، والطيب اسم لما ينبت، فأمّا ما لا ينبت من الأرض فليس بطيّب، والدليل عليه قوله تعالى: وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ،\nولقول النبي ﷺ «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا»\n[٣٣٤]، فخصّ التراب ذلك، والله أعلم.\nفَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا وقد مضى الكلام في الممسوح به، فأما قدر الممسوح وكيفية التيمم، فاختلف الناس فيه على خمسة مذاهب:\nفقال الزهري: تمسح على الوجه واليدين إلى الآباط والمناكب، واحتجّ بما\nروى عبد الله ابن عتبة عن ابن عباس عن عمار بن ياسر عن النبي ﷺ أنّه كان في سفر ومعه عائشة فضلّ عقدها، فاحتبسوا في طلبه يوما، قال: فنزلت آية التيمم، فضربوا بأيديهم إلى الأرض، ثم رفعوا","vol":"3","page":320},{"text":"أيديهم، ولم يقبضوا من التراب شيئا، فمسحوا وجوههم وأيديهم إلى المناكب، ثم بطون أيديهم إلى الآباط.\nوقال ابن سيرين: ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للمرفقين، وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله، ومن التابعين الحسن البصري والشعبي، ومن الفقهاء أبو حنيفة وحنبل ومالك والليث، ﵃، واحتجوا بما\nروى الأعرج عن أبي الصّمة أنّ رسول الله ﷺ تيمّم فمسح وجهه وذراعيه.\nوروى أبو أمامة وابن عمر أنّ النبي ﷺ قال: «التيمّم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين» «١» [٣٣٥] .\nوروى ربيع بن سبرة عن أبيه عن جده عن أسلع قال: قال لي رسول الله ﷺ «ارجل بنا يا أسلع» . فقلت: أنا جنب. فسكت، إلى مكة فنزلت آية التيمّم، فقال: «يكفيك هذا» [٣٣٦] .\nفضرب بكفّيه الأرض ثم نفضهما ثم مسح ذراعيه ظاهر هما وباطنهما.\nوقال عليّ- كرم الله وجهه-: «هو ضربتان: ضربة للوجه وضربة للكفين» «٢» [٣٣٧] .\nوذهبت طائفة إلى أنه ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول سعيد بن المسيّب، والأوزاعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بقول الله تعالى: وَأَيْدِيكُمْ «٣»، قالوا واليد على الإطلاق يتناول الكفّ إلى الكوع، بدليل أنّ السارق تقطع يده إلى الكوع، وقد قال الله تعالى:\nوَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما «٤»، فاحتجوا بما\nروى سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمار بن ياسر أنّ رسول الله ﷺ قال في التيمم: «ضربة للوجه والكفين، والتيمّم من الجنابة كالتيمّم من الحدث» [٣٣٨] .\nفإذا عدم الجنب الماء تيمّم كما يتيمّم المحدث بلا خلاف فيه إلّا ما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود أنهما قالا: لا يحقّ للجنب التيمّم، ولكنه يصبر إلى أن يجد الماء فيغتسل، وقال مفسّرا قوله ﷿: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ أراد اللمس باليد دون الجماع.\nوروى الأعمش عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن عبد الرحمن بن أزي أنّ رجلا سأل عمر عن جنب لا يجد الماء، فقال: لا يصلّي حتى يجد الماء، فقال عمار بن ياسر: أما تذكر حين بعثنا رسول الله ﷺ أنا وأنت وأجنبت فتمعكت في التراب، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «قد كان يكفيك أن تفعل كذا وكذا» «٥» [٣٣٩] . وضرب بيده على الأرض فمسح\n_________\n(١) المستدرك: ١/ ١٧٩.\n(٢) السنن الكبرى: ١/ ٢١٢.\n(٣) سورة النساء: ٤٣.\n(٤) سورة المائدة: ٣٨.\n(٥) قريب منه في السنن الكبرى ١: ٦.","vol":"3","page":321},{"text":"وجهه وبدنه «١»؟ فقال: اتّق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أذكره أبدا.\nوروى عمار بن ياسر عن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أزي، قال: كنت عند عمر ﵁، فسأله إعرابي فقال: إنّا نمكث الشهر والشهرين لا نجد الماء، فقال: أمّا أنا فلو كنت لم أصلّ، فقال عمار بن ياسر: أما تذكر يا أمير المؤمنين أني كنت أنا وأنت في الإبل؟\nفقال: بلى. قال: فأنت أجنبت فتمعكت في التراب فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فضحك، وقال: «كان يجزيك هكذا»» . وبسط عمّار كفيه، ووضعهما على الأرض ثم نفض إحداهما بالأخرى فمسح بهما وجهه، ووصل الكفين بشيء من الذراعين يسير، فقال عمر: اتّق الله يا عمار. فقال: يا أمير المؤمنين لو شئت لم اتفوّه به أبدا، قال: لا بل نولّيك [ما تولّيت] «٣» .\nوروى الأعمش عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله وأبي موسى، فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، الرجل جنب فلا يجد الماء أيصلّي؟ فقال: لا. فقال: أما تذكر قول عمار لعمر: بعثنا النبي ﷺ أنا وأنت فأجنبت فتمعّكت في التراب، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: «كان يكفيه هكذا» [٣٤٠] .\nوضرب بيديه الأرض فمسح وجهه ويديه؟ فقال: لم أر عمر قنع بذلك، قال: فما يصنع بهذه الآية فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا؟ فقال: أما إنّا لو رخّصنا لهم في هذا لكان أحدهم إذا وجد برد الماء تيمّم بالصعيد «٤»، قال الأعمش: فقلت لشقيق فلم يكن هذا إلّا حبا له\n، قال: يدلّ علي أن صلاة الجنب بالتيمّم جايز، ما\nروى ابن عوف عن أبي رجاء، قال:\nسمعت عمران بن حصين يقول: إنّ رسول الله ﷺ رأى رجلا معتزلا لم يصلّ في القوم، فقال:\n«يا فلان، ما منعك أن تصلّي مع القوم؟» . فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، قال:\n«عليك بالصعيد فإنّه يكفيك» «٥» [٣٤١] .\nوروى مسلم عن أبي رجاء عن عمران بن حصين قال: صلّيت خلف النبي ﷺ وكان رجل جنب، فأمره النبي ﷺ أن يتيمّم ويصلّي، فلمّا وجد الماء أمره النبي ﷺ أن يغتسل ولم يأمره أن يعيد.\nعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» «٦» [٣٤٢] .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/ ١٩٣.\n(٢) المصنف لعبد الرزاق: ١/ ٢٣٨.\n(٣) كنز العمال: ٩/ ٥٨٨ ح ٢٧٥٤٦.\n(٤) مسند أحمد: ٤/ ٢٦٥.\n(٥) مسند أحمد: ٤/ ٤٣٤.\n(٦) مسند أحمد: ٥/ ١٥٥.","vol":"3","page":322},{"text":"قوله ﷿: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يعني يهود المدينة،\nوقال ابن عباس: نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب ومالك بن دخشم، كانا إذا تكلّم رسول الله ﷺ لويا لسانيهما وعاباه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nيَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ مختصر تقديره: ويشترون الضّلالة بالهدى وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا يا معشر المؤمنين، وقرأ الحسن تُضِلّوا، السَّبِيلَ أي عن السبيل.\nوَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ منكم، فلا تستنصحوهم فإنهم أعداؤكم، ويجوز أن يكون أَعْلَمُ بمعنى عليم [كقوله تعالى: وَهُوَ أَهْوَنُ «١» عَلَيْهِ، وَكَفى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا. مِنَ الَّذِينَ هادُوا، فإنّ شئت جعلتها متصلة بقوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ ... مِنَ الَّذِينَ هادُوا، وإن شئت جعلتها منقطعة عنها مستأنفة، ويكون المعنى: من الذين هادوا من يحرّفون، كقوله: وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ «٢» اي من له مقام معلوم، وقال ذو الرمّة:\nفظلوا ومنهم دمعه سابق له ... وآخر يذري دمعة العين بالمهل «٣»\nيريد: ومنهم من دمعه.\nيُحَرِّفُونَ يغيّرون، الْكَلِمَ\nوقال علي بن أبي طالب (﵁): «الكلام عن مواضعه، يعني صفة محمد ﷺ، وآية الرجم»\n، وقال ابن عباس: كان اليهود يأتون رسول الله ﷺ ويسألونه عن الأمر فيخبرهم، ويرى أنّهم يأخذون بقوله، فإذا انصرفوا من عنده حرّفوا كلامه.\nوَيَقُولُونَ سَمِعْنا قولك وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي غير مقبول منك، وقيل: هو مثل قولهم: اسمع لا سمعت.\nوَراعِنا: وارعنا، وقد مضت القصة في سورة البقرة، لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا قدحا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا مكان راعنا لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ أصوب وأعدل، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ خاصة باليهود، آمِنُوا بِما نَزَّلْنا يعني القرآن، مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ\nقال ابن عباس: كلّم رسول الله ﷺ رؤساء من أحبار اليهود منهم عبد الله بن صوريا وكعب بن أسد، فقال لهم: «يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا، فو الله إنّكم تعلمون أنّ الذي جئتكم به لحقّ» «٤» [٣٤٣]، فقالوا: ما نعرف ذلك يا محمد وأنكروا وأصرّوا على الكفر، فأنزل الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ.\n_________\n(١) بياض في مصوّرة المخطوط، وما أثبتناه من تفسير القرطبي: ٥/ ٢٤٢. [.....]\n(٢) سورة الصافات: ١٦٤.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ١٦٤.\n(٤) صحيح البخاري: ٤/ ٢٦٠ بتفاوت.","vol":"3","page":323},{"text":"مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها\nقراءة العامة بكسر الميم، وقرأ أبو رجاء بضمّها، وهما لغتان، قال ابن عباس: يجعلها كخفّ البعير أو كحافر الدابة. قتادة والضحاك:\nنعميها، ذكر الوجه والمراد به العين فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي نحوّل وجوهها إلى ظهورها، ونجعل أبصارها من جهة أقفائها، وهذه رواية عطية عن ابن عباس. الفرّاء: الوجوه منابت للشعر كوجوه القردة، لأنّ منابت شعور الآدميين في أدبار وجوههم. القتيبي: نمحو آثارها وملامحها من عين وحاجب وأنف وفم، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي كالأقفاء.\nفإن قيل: كيف جاز أن يهدّدهم بطمس وجوههم إن لم يؤمنوا، ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك؟\nفالجواب أن نقول: جعل بعضهم هذا الوعيد باقيا منتظرا، فقال: لا بد من طمس وجوه اليهود أي بالمسخ قبل الساعة، وهذا قول المبرّد، وقال بعضهم: كان هذا وعيدا بشرط، فلمّا أسلم عبد الله بن سلام وأصحابه رفع الباقين،\nوقيل: لمّا أنزلت هذه الآية، أتى عبد الله بن سلام رسول الله ﷺ قبل أن يأتي أهله فأسلم، وقال: يا رسول الله ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي.\nوقال النخعي: قرأ عمر هذه الآية على كعب الأحبار، فقال كعب: يا ربّ أسلمت، يا ربّ أسلمت مخافة أن يشمله وعيد هذه الآية.\nوقال سعيد بن جبير: الطمس أن يرتدّوا كفارا فلا يهتدوا أبدا. الحسن ومجاهد: من قبل أن نعمي قوما عن الصراط وعن بصائر الهدى، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها حتى يعودوا إلى حيث جاءوا منه بدءا، وهو الشام. وأصل الطمس: المحو والإفساد والتحويل، ومنه يقال: رسم طاسم، وطامس أي دارس، والريح تطمس الأثر أي تمحوه وتعفوه.\nأَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ فنجعلهم قردة وخنازير وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا. إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية،\nقال الكلبي: نزلت في المشركين: وحشي بن حرب وأصحابه، وقال: إنّه لما قتل حمزة، وكان قد جعل له على قتله أن يعتق، ولم يوف له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على صنيعه هو أصحابه، فكتبوا إلى رسول الله ﷺ إنّا قد ندمنا على الذي صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلّا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ «١»، وقد دعونا مع الله إلها آخر، وقتلنا النفس التي حرّم الله، وزنينا، ولولا هذه الآية لا تبعناك، فنزلت إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ الآيتين- فبعث بهما رسول الله ﷺ إلى وحشي وأصحابه، فلمّا قرءوها كتبوا إليه: هذا شرط شديد نخاف ألّا نعمل عملا صالحا فلا نكون من [أهل] هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فبعث بها إليهم فقرؤوها، فبعثوا إليه: إنا نخاف ألّا\n_________\n(١) سورة الفرقان: ٦٨.","vol":"3","page":324},{"text":"نكون من أهل مشيئته، فنزلت: يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ ... «١»، فبعث بها إليهم فلما قرءوها دخل هو أصحابه في الإسلام، ورجعوا إلى رسول الله ﷺ فقبل منهم، ثم قال النبي ﷺ لوحشي: «أخبرني كيف قتلت حمزة؟»، فلما أخبره قال: «ويحك غيّب وجهك عنّي» «٢» [٣٤٤]، فلحق وحشي بالشام فكان بها إلى أن مات.\nوقال مقاتل: نزلت هذه الآية في اليهود إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فمشيئته لأهل التوحيد. أبو مجلز، عن ابن عمر: نزلت في المؤمنين، وذلك\nأنّه لمّا نزلت يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ- الآية- قام رسول الله ﷺ على المنبر فتلاها على الناس، فقام إليه رجل، فقال: والشرك بالله؟ فسكت ثم قام إليه مرّتين أو ثلاثا، فنزلت: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية\n، فأثبتت هذه في الزمر وهذه في النساء.\nالمسيب بن شريك، عن مطرف بن الشخير قال: قال ابن عمر: كنّا على عهد رسول الله ﷺ إذا مات الرجل منّا على كبيرة شهدنا أنّه من أهل النار، حتى نزلت هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ، فأمسكنا عن الشهادات.\nعن جابر بن عبد الله أنّ النبي ﷺ قال: «[لا تزال] المغفرة تحل بالعبد ما لم يرفع «٣» الحجاب» . قيل: يا رسول الله، وما [وقوع] «٤» الحجاب؟ قال: «الإشراك بالله» [٣٤٥] ثم قرأ:\nإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ «٥» الآية.\nمسروق عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنّة ولم يضرّه معه خطيئة، كما لو لقيه وهو يشرك به شيئا دخل النار ولم تنفعه حسنة» «٦»\n[٣٤٦] .\nوعن عليّ (﵁) عنه قال: «ما في القرآن أرجى إليّ من هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٧» [٣٤٧] .\nوَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إِثْمًا عَظِيمًا. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ الآية،\nقال الكلبي: نزلت في رجال من اليهود، أتوا بأطفالهم إلى النبي ﷺ منهم عدي بن عمرو والنعمان ابن أوفى وصهيب بن زيد، فقالوا: يا محمد هل على هؤلاء من ذنب؟ فقال: «لا»، فقالوا:\n_________\n(١) سورة الزمر: ٢٣.\n(٢) المعجم الأوسط: ٢/ ٢٢٢، والبداية والنهاية: ٤/ ٢١.\n(٣) في المخطوط: يقع وما أثبتناه من المصدر.\n(٤) غير موجودة في المصدر.\n(٥) الحديث في حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا: ٦٥ ح ٥٦.\n(٦) كنز العمال: ١/ ٨١ ح ٣٢٨.\n(٧) سنن الترمذي: ٤/ ٣١٤ وفيه أحب بدل أرجى.","vol":"3","page":325},{"text":"والله ما نحن إلّا كهيئتهم، ما عملناه بالنهار كفّر عنّا بالليل، وما عملناه بالليل كفّر عنا بالنهار، فكفّرهم الله تعالى، وأنزلت هذه الآية.\nالحسن والضحاك وقتادة وسفيان والسّديّ: نزلت في اليهود والنصارى ممن قالوا: نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ «١» وقالوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُودًا أَوْ نَصارى «٢» .\nمجاهد وعكرمة: هو أنّهم كانوا يقدّمون أطفالهم في الصّلاة يزعمون أنهم لا ذنب لهم، فتلك التزكية. عطية عن ابن عباس: هو أنّ اليهود قالوا: إنّ آباءنا وأبناءنا توفوا، فهم سيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال عبد الله: هو تزكية بعضهم لبعض، وعن طارق ابن شهاب قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن الرجل ليغدو من بيته ومعه دينه، فيلقى الرجل لا يملك له ولا لنفسه ضرّا ولا نفعا، فيقول: والله إنّك لذيت لذيت، فلعله لا يخلو منه شيء، فيرجع إلى بيته وما معه من دينه شيء، ثم قرأ عبد الله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ.\nبَلِ اللَّهُ يُزَكِّي أي يطهّر من الذنوب مَنْ يَشاءُ [...] «٣» لذلك وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وهو ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما فتلته بين إصبعيك من الوسخ فيكون فعيلا بمعنى مفعول قال الشاعر:\nيجمع الجيش ذا الألوف فيغزو ... ثم لا يرزأ العدوّ فتيلا «٤»\nانْظُرْ يا محمد كَيْفَ يَفْتَرُونَ يحيكون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في تفسيرهم كتابه وَكَفى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ قرأ السلميّ: (ألم تره) في كلّ القرآن، وهي لغة قوم لا يكتفون من الجزم بحذف الحرف حتى يسكنوا حركته، كقول الشاعر:\nمن يهده الله يهتد لا مضل له ... ومن أضل فما يهديه من هادي\nيُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ اختلفوا فيهما، فقال عكرمة: هما صنمان كان المشركون يعبدونهما من دون الله. أبو عبيدة: هما كلّ معبود من حجر أو مدر أو صورة أو شيطان، يدل عليه قوله: أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ «٥»، وقوله: الَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها «٦» .\nعطية عن ابن عباس: الجبت: الأصنام، والطاغوت: تراجمة الأصنام الذين يكونون بين\n_________\n(١) سورة المائدة: ١٨.\n(٢) سورة البقرة: ١١١.\n(٣) بياض في مصوّرة المخطوط. [.....]\n(٤) الدر المنثور: ٢/ ١٧١ وفيه: الأعادي بدل العدو، تفسير مجمع البيان: ٣/ ١٠٣.\n(٥) سورة النحل: ٣٦.\n(٦) سورة الزمر: ١٧.","vol":"3","page":326},{"text":"أيديهم يفترون عنها الكذب ليضلوا النّاس، وقيل: الجبت: الأوثان، والطاغوت: شياطين الأصنام، لكل صنم شيطان يفسّر عنها فيغترّ بها النّاس. أبو عمرو الشّعبي ومجاهد: الجبت:\nالسحر، والطاغوت: الشيطان. زيد بن أرقم: الجبت: الساحر، ويقال له: الجبس، قلبت سينه تاء، والطاغوت: الشيطان، يدلّ عليه قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ «١» .\nقال محمد بن سيرين ومكحول: الجبت: الكاهن، والطّاغوت: الساحر، وهو رواية الوالبي عن ابن عباس. سعيد بن جبير وأبو العالية، الجبت: شاعر بلسان الحبشة، والطّاغوت:\nالكاهن. عكرمة: كان أبو هريرة كاهنا في الجاهلية ممن أقرّ إليه ناس ممّن أسلم، فنزلت هذه الآية. الضحاك والكلبي ومقاتل: الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت: كعب بن الأشرف ودليله قوله: يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ «٢» .\nحكى أبو القاسم الحسين، عن بعضهم أنّ الجبت إبليس، والطاغوت أولياؤه،\nعن قطر بن قيصيه، عن مخارق عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ: «الطرق والطيرة والعيافة من الجبت «٣»، والجبت كلّ ما حرّم الله، والطّاغوت هو ما يطغي الإنسان» «٤» [٣٤٨] .\nوَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا قال المفسّرون: خرج كعب ابن الأشرف في سبعين راكبا من اليهود إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا على رسول الله ﷺ وينقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ، فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال أهل مكة: إنّكم أهل كتاب، ومحمد صاحب كتاب ونحن أمية، ولا نأمن أن يكون هذا مكرا منكم، وإن أردت أن نخرج معك، فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما، ففعل ذلك، فذلك قوله: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ثم قال كعب لأهل مكة:\nليجيء منكم ثلاثون ومنّا ثلاثون فلنلزق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد ربّ البيت لنجهدنّ على قتال محمد ففعلوا ذلك، فلمّا فرغوا قال أبو سفيان: إنّك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم، ونحن أمّيون لا نعلم فأيّنا أهدى طريقا وأقرب الى الحق؟ أنحن أم محمد؟\nفقال كعب: اعرضوا عليّ دينكم، فقال أبو سفيان: نحن ننحر للحاج الكرماء ونسقيهم الماء ونقري الضيف ونفكّ العاني ونصل الرحم ونعمّر بيت ربّنا ونطوف به، ونحن أهل الحرم، ومحمد فارق دين آبائه وقطع الرحم وفارق الحرم، وديننا القديم ودين محمد الحديث. فقال\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٥٧.\n(٢) سورة النساء: ٦٠.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٤٧٧، والمصنف لعبد الرزاق: ١٠/ ٤٠٣، والسنن الكبرى: ٦/ ٣٢٤، وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٤٩. والعيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها، والطرق: الخط بخط في الأرض، وقيل:\nهو الخط في الرمل، وقيل: الضرب بالحصى.\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٤٩.","vol":"3","page":327},{"text":"كعب: أنتم والله أهدى سبيلا ممّا عليه محمد، فأنزل الله الآية إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ «١»: يعني كعبا وأصحابه، يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ يعني الصنمين يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أبي سفيان وأصحابه: هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا محمد وأصحابه سَبِيلًا أي دينا.\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا. أَمْ لَهُمْ يعني ألهم، والميم صلة نَصِيبٌ حظ مِنَ الْمُلْكِ وهذا على وجه الإنكار، يعني ليس لهم من الملك شيء، ولو كان لهم من الملك فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ محمدا وأصحابه نَقِيرًا من حسدهم وبخلهم وبغضهم. رفع قوله (يُؤْتُونَ) [.....] «٢» .\nوفي قراءة عبد الله: فإذا لا يؤتوا الناس بالنصب [.....] «٣» .\nواختلفوا في النقير، فقال ابن عباس: هو النقطة في ظهر النواة، ومنها: [.....] «٤»\nمجاهد: حبّة النواة التي وسطها «٥» .\nالضحّاك: يعني النواة الأبيض الذي يكون وسطها. أبو العالية: هو نقر الرجل الشيء بطرف إصبعه، كما ينقر الدرهم وقال: سألت ابن عباس عنه فوضع طرف الإبهام على باطن السبابة ثم رفعها وقال: هذا هو النقير «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[سورة النساء (٤): الآيات ٥٤ الى ٦٣]</span>\nأَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا (٥٧) إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (٦٣)\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٠٤.\n(٢) كلمات غير مقروءة في المخطوط.\n(٣) كلمات غير مقروءة في المخطوط.\n(٤) كلمات غير مقروءة في المخطوط.\n(٥) راجع زاد المسير: ٢/ ١٤٠، ولسان العرب: ٥/ ٢٢٨.\n(٦) راجع تفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٠.","vol":"3","page":328},{"text":"أَمْ يَحْسُدُونَ يعني اليهود النَّاسَ: قال قتادة: يعني العرب حسدوهم على النبوّة وبما أكرمهم الله تعالى به محمد ﷺ.\nعن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت عليا (﵇) على المنبر في قوله أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ قال: هو رسول الله وأبو بكر وعمر (﵈) .\nوقال آخرون: المراد بالناس هنا يعني رسول الله ﷺ، حسدوه على ما أحل الله له من النساء وذلك ما\nروى علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي في قوله أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني بالناس في هذه الآية نبيّ الله، قالت اليهود: انظروا إلى هذا النبي، والله ما يشبع من طعام، لا والله ماله همّ إلّا النساء، لو كان نبي لشغله أمر النبوة عن النساء، فحسدوه على كثرة نسائه وعيّروه بذلك فقالوا: لو كان نبيّا ما رغب في كثرة النساء، فأكذبهم الله تعالى فقال: فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ، يعني بالحكمة النبوّة.\nوَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا فأخبرهم بما كان لداود وسليمان من النساء، فوبّخهم لذلك، فأقرت اليهود لنبي الله (﵇) أنّه اجتمع عند سليمان ألف امرأة، ثلاثمائة مهرية وسبعمائة سرية، وعند داود مائة امرأة. فقال لهم رسول الله ﷺ: ألف امرأة عند رجل، ومائة امرأة عند رجل أكثر أو تسع نسوة؟ وكان يومئذ تسع نسوة عند رسول الله ﷺ فسكتوا «١» .\nقال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ يعني بمحمد ﷺ، يعني عبد الله بن سلام وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ أعرض عنه فلم يؤمن به وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا وقودا.\nقال السدي: [الآيتان] راجعتان الى إبراهيم (﵇) وذلك أنه زرع ذات سنة وزرع الناس، فهلكت زروع الناس وزكا زرع إبراهيم، واحتاج الناس إليه، وكانوا يأتون إبراهيم (﵇) يسألونه، فقال لهم: من آمن بالله أعطيته، ومن أبى منعته، فمن آمن به أتاه الزرع ومن أبى لم يعطه «٢» .\nعن عمرو بن ميمون الأودي قال: لمّا تعجل موسى (﵇) إلى ربّه ﷿، مرّ\n_________\n(١) تفسير أبي حمزة الثمالي: ١٤٤، والدر المنثور: ٢/ ١٧٣. [.....]\n(٢) المصدر السابق.","vol":"3","page":329},{"text":"برجل غبطه لقربه من العرش، فسأل عنه، فقال: يا ربّ من هذا؟ فقيل له: لن يخبرك اسمه، وسيخبرك بعمله، كان لا يمشي بالنميمة، ولا يحسد الناس عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وكان لا يعقّ والديه.\nأبو زياد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب» «١» [٣٤٩] .\nوعن يوسف بن الحسين الرازي قال: سمعت ذا النون يقول: الحسود لا يسود.\nالأصمعي قال: قال سفيان لمغني: إنّ الله يقول: «الحاسد عدوّ نعمتي غير راض بقسمتي بين عبادي» .\nقال الثعلبي: وأنشدت لمنصور الفقيه في معناه:\nألا قل لمن كان لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب\nأسأت على الله في فعله ... إذا أنت لم ترض لي ما ذهب\nجزاؤك منه الزيادات لي ... وأن لا تنال الذي تطلب «٢»\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا ندخلهم نارا، وقرأ حميد بن قيس: نصليهم بفتح النون: أي نسوّيهم، وقيل: معناه نصليهم. فنصب نارا على هذه القراءة بنزع الخافض تقديره بنار.\nكُلَّما نَضِجَتْ (جُلُودُهُمْ) بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها غير الجلود المحترقة. قال ابن عبّاس: يبدّلون جلودا بيضا كأصناف القراطيس. نافع عن ابن عمر قال: قرأ رجل عند عمر كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها قال عمر: أعدها، فأعادها، قال معاذ بن جبل: عندي تفسيرها:\nبدّلت في ساعة مائة مرّة؟، قال عمر: هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقول.\nهشام عن الحسن في قوله تعالى: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَها قال:\nتأكلهم كل يوم سبعين ألف مرّة كلّما أكلتهم فأنضجتهم قيل لهم: عودوا فيعودون كما كانوا.\nالمسيّب عن الأعمش عن مجاهد قال: ما بين جلده ولحمه ودمه دود فأجلدت كجلدة حمر الوحش.\nالأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا وضرسه مثل أحد» «٣» [٣٥٠] .\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤٠٨ ح ٤٢١٠.\n(٢) روضة الواعظين للفتال النيشابوري: ٤٢٤.\n(٣) كنز العمال: ١٤/ ٥٢٩، والدر المنثور: ٢/ ١٧٤.","vol":"3","page":330},{"text":"فإن قيل: كيف جاز أن يعذّب جلد لم يعصه قلنا: إنّ المعاصي والألم واقع على نفس.\nالإنسان لا الجلد، لأن الجلود إنما تألم بالأرواح، والدليل على من يقصد تعذيب الأبدان لا يعذّب [الجلود] قوله: لِيَذُوقُوا الْعَذابَ «١»، لم يقل ليذوق العذاب.\nوقيل: معناه: يبدّل جلودا هي تلك الجلود المحترقة، وذلك أنّ غير على ضربين: غير تضاد، وغير تناف، وغير تبديل، فغير تضاد مثل قولك: للصّائغ صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره فيكسره ويصوغ لك خاتما، فالخاتم المصوغ هو الأول ولكن الصياغة تغيّرت والفضّة واحد.\nوهذا كعهدك بأخ لك صحيحا ثم تراه بعد ذلك سقيما مدنفا فتقول: فكيف أنت؟ فيقول:\nأنا على غير ما عهدت، فهو هو، ولكن حاله تغيّرت، ونظير هذا قوله تعالى يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ «٢» وهي تلك الأرض بعينها إلّا أنها قد بدّلت جبالها وآكامها وأنهارها وأشجارها، وأنشد:\nفما النّاس بالنّاس الذين عهدتهم ... ولا الدّار بالدّار التي كنت أعرف\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا نصير محمد بن محمد بن مزاحم يقول: سمعت مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت جابر بن زيد يقول:\nسمعت وكيع بن الجراح يقول: سمعت إسرائيل يقول: سمعت الشعبي يقول: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ألا ترى ما صنعت عائشة ذمّت دهرها وذلك [أنها] أنشدت بيتي لبيد:\nذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب\nيتلذّذون مجانة ومذلّة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب «٣»\nفقالت: رحم الله لبيد وكيف لو أدرك زماننا هذا.\nفقال له ابن عباس: لئن ذمّت [عائشة] دهرها لقد ذمت عاد دهرها، وذلك إنه وجد في خزانة عاد بعد ما هلكت سهم كأطول ما يكون من رماحا عليه مكتوب:\nوليس لي أحناطي «٤» بذي اللوى ... لوى الرمل من قبل النفوس «٥» معاد\nبلاد بها كنا ونحن من أهلها ... إذ الناس ناس «٦» والبلاد بلاد «٧»\n_________\n(١) سورة النساء: ٥٦.\n(٢) سورة إبراهيم: ٤٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٤٠، وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٥، ولسان العرب: ٩/ ٨٤.\n(٤) كذا في المخطوط وفي المعجم: ألا هل إلى أبيات شمخ بذي اللوى.\n(٥) في المعجم: الممات.\n(٦) في المعجم: إذ الأهل أهل.\n(٧) معجم البلدان للحموي: ٣/ ٣٦٢.","vol":"3","page":331},{"text":"البلاد باقية كما هي إلّا أن أحوالها وأحوال أهلها تنكرت وتغيرت «١» .\nوقالت الحكماء: كما إن الجلد يلي قبل البعث فأنشئ كذلك تبدل [ورجع] .\nوقال: [السدّيّ]: إنما تبدل الجلود جلودا غيرها من لحم الكافر، يعيد الجلد لحما ويخرج من اللحم جلدا آخر لم يبدّل بجلد لم يعمل خطيئة.\nوقيل: أراد بالجلود سرابيلهم من قطران سمّيت بها للزومها جلودهم على [المجاورة] كما يقال للشيء [الخاص] بالإنسان هو جلدة ما بين [عضمه] ووجهه فكلما احترقت السرابيل عذّب.\nقال الشاعر:\nكسا اللؤم تيما خضرة في جلودها ... فويل لتيم من سرابيلها الخضر «٢»\nفكنّى عن جلودهم بالسرابيل.\nقال عبد العزيز بن يحيى: إن الله تعالى أبدل أهل النار جلودا لا تألم ويكون [رماده] عذاب عليهم فكلّما أحرق جلدهم أبدلهم الله تعالى جلدا غيره.\nيكون هذا عذابا عليهم كما قال: سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ «٣» فتكون السرابيل تؤلمهم ولا يألم.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إلى قوله ظِلًّا ظَلِيلًا.\nكثيف لا يسخنه الشمس.\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها.\nنزلت في عثمان بن طلحة الحجبي من بني عبد الدار وكان سادن الكعبة، فلما دخل النبي ﷺ مكة يوم الفتح، أغلق عثمان باب البيت وصعد السطح فطلب رسول الله ﷺ المفتاح، فقيل: إنّه مع عثمان، فطلب منه علي (﵁) فأجاب: لو علمت إنه رسول الله لم أمنعه المفتاح، فلوى عليّ بن أبي طالب (﵁) يده، فأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله ﷺ وصلّى فيه ركعتين، فلما خرج سأله العباس أن يعطيه المفتاح وجمع له بين السقاية والسدانة فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله ﷺ عليا أن يردّ المفتاح إلى عثمان، فأوعز إليه ففعل ذلك علي (﵁) .\nفقال له عثمان: يا علي [كرهت] «٤» وآذيت ثم جئت ترفق، فقال له: بما أنزل الله تعالى في شأنك؟ وقرأ عليه هذه الآية.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٥.\n(٢) لسان العرب: ١١/ ٧٣٨ وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٤.\n(٣) سورة إبراهيم: ٥٠. [.....]\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"3","page":332},{"text":"فقال عثمان: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وأسلم، فجاء جبرائيل رسول الله ﷺ إنه مادام هذا البيت أول لبنة من لبناته قائمة فإن المفتاح والسدانة في أولاد عثمان وهو اليوم في أيديهم.\nوَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا أي نعم الشيء أي يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ.\nاختلفوا فيهم، فقال عكرمة: أولي الأمر منكم أبو بكر وعمر ﵄، ويدلّ عليه ما\nروى مالك بن أنس عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله ﷺ قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر «١» إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض أما في السماء جبرئيل وميكائيل، وفي الأرض أبو بكر وعمر» ! «٢» [٣٥١] وهما عندي بمنزلة الرأس من الجسد! ومثلهما في الدنيا بالرأفة فمثل أبي بكر كمثل ابراهيم وعيسى، قال إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي «٣» .\nوقال عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ «٤» الآية.\nومثل عمر كمثل موسى ونوح قال موسى: رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ «٥» .\nوقال نوح: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٦» .\nوقال أبو بكر [الورّاق]: هم الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (﵈)، ويدلّ عليه ما\nروى [هشيم] عن ابن بشير عن أبي [الزبير عن] جابر بن عبد الله قال:\nقال رسول الله ﷺ: «الخلافة بعدي في أمتي في أربع في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي» [٣٥٢] .\nوروي سعيد بن جمهان عن سفينة مولى رسول الله ﷺ قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد، جاء أبو بكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه، ثم جاء عثمان بحجر فوضعه فقال: هؤلاء ولاة الأمر من بعدي.\n_________\n(١) المستدرك: ٣/ ٧٥.\n(٢) الجامع الصغير: ١/ ٣٧٣ ح ٢٤٣٨ وفيه: من أهل السماء، بدل: في السماء، ومن أهل الأرض، بدل:\nفي الأرض.\n(٣) سورة إبراهيم: ٣٦.\n(٤) سورة المائدة: ١١٨.\n(٥) سورة يونس: ٨٨.\n(٦) سورة نوح: ٢٦.","vol":"3","page":333},{"text":"عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بالإحسان، دليل قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الآية.\nبكر بن عبد الله المزني: هم أصحاب رسول الله ﷺ يدلّ عليه\nقول النبيّ ﷺ: «أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» [٣٥٣] «١» .\nوعن الحسن: إنّ رسول الله ﷺ قال: «مثل أصحابي في الناس مثل الملح في الطعام فلما ذهب فسد الطعام» [٣٥٤] «٢» .\nجابر بن عبد الله والحسن والضحاك ومجاهد والمبارك بن فضالة وإسماعيل بن أبي خالد:\nهم الفقهاء والعلماء أهل الدين والفضل الذين يعلّمون الناس معالم دينهم ويأمرونكم بالمعروف وينهونكم عن المنكر، وأوجب الله طاعتهم على العباد.\nهذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو دليل هذا التأويل.\nقوله تعالى: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ الآية.\nفقال أبو الأسود الدؤلي: ليس شيء أعزّ من العلم الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك.\nابن كيسان: أولو العقل والرأي الذين [يهتمّون] بأمور الناس.\nقال ابن عباس: أساس الدين بني على العقل وفرضت الفرائض على العقل، وربّنا يعرف بالعقل ويتوسل إليه بالعقل، والعاقل أقرب إلى ربه من جميع المجتهدين بغير عقل، ولمثقال ذرّة من [بر] العاقل أفضل من جهاد الجاهل ألف عام «٣» .\nوعن إسماعيل بن عبد الملك قال: قال: [الثوري] أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء:\nإذا رأيت عاقلا فكن له خادما.\nميمون بن مهران ومقاتل والسدي [والشعبي]: أمراء السرايا.\n[سعيد بن جبير] عن ابن عباس قال: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في سرية إلى حي من أحياء العرب وكان معه عمار بن ياسر فسار خالد حتى إذا دنا من القوم عرّس لكي ينصحهم فأتاهم [النذير] وهربوا غير رجل كان قد أسلم فأمر أصحابه تهيّأوا للمسير فثم انطلق حتى اتى عسكر خالد فدخل على عمار فقال: يا أبا اليقظان إني مسلم وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا وأقمت كلامي ونافعي ذلك أو أهرب كما هرب قومي.\n_________\n(١) كشف الخفاء: ١/ ١٣٢.\n(٢) الجامع الصغير: ٢/ ٥٣٣ ح ٨١٦ بتفاوت يسير، وكنز العمال: ١١/ ٥٣١ ح ٣٢٤٧٦.\n(٣) راجع روضة الواعظين: ٤.","vol":"3","page":334},{"text":"فقال: أقم فإنّ ذلك نافعك، فانصرف الرجل إلى أهله وأمرهم بالمقام، فأصبح خالد وقام على القوم فلم يجد غير ذلك الرجل فأخذه وأخذ ماله فأتاه عمار فقال: خلّ سبيل الرجل فإنه مسلم وقد كنت آمنته وأمرته بالمقام.\nفقال خالد: إنك تجير عليّ وأنا الأمير، فقال: نعم. أجير عليك وأنا الأمير، وكان في ذلك منهما كلام، فانصرفوا إلى النبي ﷺ فأخبروه خبر الرجل فآمنه النبي ﷺ وأجاز أمان عمار ونهاه بعد ذلك على أمير بغير إذنه.\nقال: فاستبّ عمار وخالد أمام النبي ﷺ فأغلظ عمار لخالد وغضب خالد وقال: يا رسول الله اتدع هذا العبد يسبني فو الله لولا أنت ما سبّني عمار.\nوكان عمار مولى لهاشم بن المغيرة.\nفقال رسول الله ﷺ: «يا خالد كف عن عمار فإنه من يسبّ عمارا يسبّه الله ومن يبغض عمارا يبغضه الله» «١» [٣٥٥]، فقام عمار وتبعه خالد فأخذ بثوبه وسأله أن يرضى عنه فرضي عنه.\nوأنزل الله هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر.\nوقال أبو هريرة وابن زيد: هم الأمراء والسلاطين لما أمروا بأداء الأمانة في الرعيّة، لقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [أمرت الرعية] بحسن الطاعة لهم.\nوقال عليّ كرم الله وجهه: «حق على الإمام أن يحكم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك حق على الرعية أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوا إذا دعوا» [٣٥٦] .\nقال الشافعي (﵁): إن من كان حول مكة من العرب لم يكن يعرف أمارة وكانت تأنف أن يعطي بعضها بعضا طاعة الأمارة، فلما دانت لرسول الله ﷺ بالطاعة لم تكن ترى ذلك يصلح لغير رسول الله ﷺ فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر «٢» .\nوقال عكرمة: أمهات الأولاد أحرار بالقرآن.\nقيل له: أي القرآن قال: اعتقهن عمر بن الخطاب. ألم تسمع قول الله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وأن عمر من أولي الأمر! وأنه قال: أعتقها ولدها وإن كان سقطا.\nعبد الرحمن بن الأعرج وهمام بن منبه وأبو صالح كلهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني» «٣» [٣٥٧] .\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ١٠٦.\n(٢) الرسالة للشافعي: ٨٠، رقم ٢٦١.\n(٣) رياض الصالحين: ٣٣٨، ومسند الشاميين: ٤/ ٢٧٢، بزيادة نهاية الحديث في المصدر الثاني.","vol":"3","page":335},{"text":"وعن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء فإذا مات نبي قام نبي وانه ليس بعدي نبي» [٣٥٨] .\nفقال رجل: فما يكون بعدك؟ قال يكون خلفاء [ويكثر] .\nقالوا: وكيف نصنع؟ قال: «[أدوا] بيعة الأول فالأول، وأدّوا إليهم مالهم فإن الله سائلهم عن الذي لكم» «١» [٣٥٩] .\nعلقمة بن وائل عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقّنا ويسألوننا حقّهم، فقال رسول الله ﷺ: «اسمعوا وأطيعوا فإنّ عليهم ما حمّلوا وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ» «٢» [٣٦٠] .\nوعن أبي إمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: في حجة الوداع: «وهو على [الجدعاء] يعني ناقته فدعا في الركاب يتطاول» [٣٦١] .\nقال: ليسمع الناس فقال: ألا تسمعون؟ - يطول بها صوته- فقال قائل من طوائف الناس:\nما تعهد إلينا يا رسول الله؟ فقال: «اعبدوا ربكم وصلّوا خمسكم وصوموا شهركم وأدّوا زكاة أموالكم وأطيعوا أولي الأمر تدخلوا جنة ربكم» «٣» [٣٦٢] .\nمكحول عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: «يا معاذ أطع كل أمير وصل خلف كل إمام ولا تسبّنّ أحدا من أصحابي» [٣٦٣] .\nهشام عن أبي صالح عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «سيليكم بعدي ولاة فيليكم البر ببرّه والفاجر بفجوره فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ وصلّوا وراءهم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم» «٤» [٣٦٤] .\nفَإِنْ تَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي شَيْءٍ من أمر دينكم اختلاف الآراء فيتعاطى كلّ واحد ما يرى خلاف رأي صاحبه وأصله من النزع كان المتنازعين يتحازبان ويتحالفان، ومنه قال:\nمناوأة: منازعة.\nقال الأعشى:\nنازعتم قضب الريحان متكئا ... وقهوة مرّة راووقها خضل «٥»\nفَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ يعني إلى كتاب الله وَالرَّسُولِ ما دام حيّا، فإذا مات فإلى سنّته، وقوله:\n_________\n(١) صحيح ابن حبّان: ١٠/ ٤١٩. [.....]\n(٢) نظرات في الكتب الخالدة: ٩٥.\n(٣) كنز العمال: ٥/ ٢٩٤، بتفاوت يسير.\n(٤) المعجم الأوسط: ٦/ ٢٣٧.\n(٥) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٦١، والراووق: المصفّاة.","vol":"3","page":336},{"text":"ذلِكَ خَيْرٌ أي ذلك الردّ خير لكم وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا جزاء وعاقبة، والتأويل ما يؤول للأمر.\nأبو المليح الهذلي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «اعملوا بالقرآن، أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه وآمنوا به ولا تكفروا بشيء منه، وما اشتبه عليكم، فردّوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كيما يخبروكم، وآمنوا به وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وليسعكم القرآن وما فيه من البيان فإنّه شافع مشفّع وكامل مصدّق وله بكلّ حرف نور يوم القيامة» «١» [٣٦٥] .\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا الآية.\nقال الحسن: انطلق رجل يحاكم آخر إلى النبي ﷺ فقال: الآخر لا بل انطلق إلى وثن بيت فلان [فأنزل] الله هذه الآية.\nقال الشعبي: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي:\nأحاكمك إلى محمّد، وقال المنافق: لا، فجعل اليهودي يدعو إلى المسلمين لأنّه علم أنهم لا يقبلون الرشوة ولا يجورون في الحكم، وجعل المنافق يدعو إلى اليهود لأنّه علم أنّهم يقبلون الرشوة ويميلون في الحكم فاختلفا. ثم اتّفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت في رجل من المنافقين يقال له بسر، كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال: انطلق بنا إلى محمّد وقال المنافق بل إلى كعب بن الأشرف، وهو الذي سماه الله الطاغوت، فأبى اليهودي أن يخاصمه إلّا إلى رسول الله ﷺ فلمّا رأى المنافق ذلك أتى معه رسول الله ﷺ فاختصما إليه، فقضى رسول الله ﷺ لليهودي فلما خرجا من عنده لزمه المنافق، وقال: انطلق بنا إلى عمر (﵁) فأقبلا إلى عمر، فقال اليهودي: اختصمت أنا وهذا إلى محمّد فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه وزعم أنه يخاصم إليكم وأنه تعلق بي فجئت معه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم.\nفقال لهما: رويد كما حتى أخرج إليكما فدخل عمر البيت وأخذ السيف ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وقال. هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسول الله ﷺ وهرب اليهودي ونزلت هذه الآية.\nوقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق.\nوقال السدي: كان ناس من اليهود أسلموا وأبى بعضهم وكانت قريضة والنضير في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريضة رجلا من بني النضير قتل به وأخذ ديته مائة وسق تمر وإذا\n_________\n(١) تفسير الثعالبي: ١/ ١٧٧، والمستدرك: ١/ ٥٦٨.","vol":"3","page":337},{"text":"قتل رجل من بني النضير رجلا من قريضة لم يقتل به وأعطى ديته ستّين وسقا من تمر وكانت النضير وهم حلفاء الأوس أكثر وأشرف من قريضة وهم حلفاء الخزرج.\nفلما جاء الله بالإسلام وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة. قتل رجل من بني النضير رجلا من قريضة فاختصموا في ذلك.\nفقالت بنو النضير: قد كنا وأنتم اصطلحنا في الجاهلية على أن نقتل منكم ولا تقتلون منا، وعلى أن ديتكم ستون وسقا والوسق ستون صاعا وديتنا مائة وسق فنحن نعطيكم ذلك.\nوقالت الخزرج: هذا شيء كنتم قلتموه «١» في الجاهلية لأنكم كثرتم وقللنا، فقهرتمونا ونحن وأنتم اليوم إخوة وديننا ودينكم واحد وليس لكم علينا فضل، وقالت بنو النضير: لا بل نحن على ما كنا.\nفقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي ومالك بن خزيمة، وقال المسلمون من الفريقين: لا بل إلى النبي ﷺ، فأبى المنافقون فانطلقوا إلى أبي بردة ليحكم بينهم.\nفقال: أعظموا اللقمة- يعني الرشوة- فقالوا: لك عشرة أوسق قال: لا. بل مائة وسق ديتي فاني أخاف إن نصرت النضيري قتلتني قريظة أو أنصر قريظة قتلتني النضير، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوسق وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأنزل قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى «٢» وقوله وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ «٣» الآية فدعا النبي ﷺ كاهن [اسلم] إلى الإسلام فأتى وانصرف فقال النبي ﷺ: لابنيه: «أدركا أباكما فإنّه إن جاوز عقبة كذا لم يسلم أبدا» [٣٦٦] فأدركاه فلم يزالا به حتى انصرف وأسلم، فأمر النبي ﷺ مناديا ينادي ذلك الكاهن أسلم قد أسلم «٤»، فذلك قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ يعني الصنم\n، وقيل:\nالكاهن، وقيل: كعب بن الأشرف، وقيل: حيي بن أخطب.\nوَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ إلى قوله: يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا إعراضا فكل الفعل بمصدره كقوله: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا وقوله: وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ يعني فكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ يعني عقوبة صدودهم، هذا وعيد وتهديد وتم الكلام. ثم ابتدأ الخبر عن فعلهم يعني يتحاكمون إلى الطاغوت وهم يكفرون بالله ومعنى قوله ثُمَّ جاؤُكَ أي يحيوك.\n_________\n(١) في المصدر: فعلتموه.\n(٢) سورة البقرة: ١٧٨.\n(٣) سورة المائدة: ٤٥.\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ١٠٩.","vol":"3","page":338},{"text":"وقيل: أراد بالمصيبة قتل صاحبهم وذلك أنّ عمر (﵁) لما قتل المنافق جاءوا قومه يطلبون الدية ويحلفون «إِنْ أَرَدْنا» ما أردنا بكون إن بمعنى إذ وبمعنى ما، أي ما أردنا بالترافع إلى عمر. إِلَّا إِحْسانًا وَتَوْفِيقًا.\nقال الكلبي: إِلَّا إِحْسانًا في القول وَتَوْفِيقًا صوابا.\nابن كيسان: حقا وعدلا نظيرها وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ من النفاق فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ في الملأ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا وقيل: فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ باللسان ولا تعاقبهم، وقيل: توعّدهم بالقتل إن لم يتوبوا من الشرك أعرض عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ يعني في الملأ. وَقُلْ لَهُمْ ... قَوْلًا بَلِيغًا في السر والملأ، وقيل: هذا منسوخ بآية القتال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[سورة النساء (٤): الآيات ٦٤ الى ٧٣]</span>\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤) فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥) وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨)\nوَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالتحاكم إلى الطاغوت جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا.\nروى الصادق عن علي (﵉) قال: قدم علينا امرؤ عند ما دفنّا رسول الله ﷺ ثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبي ﵊ وحثا على رأسه من ترابه وقال: يا رسول الله قلت فسمعنا قولك ووعيت من الله فوعينا عنك وكان فيما أنزل الله عليك وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا\nفقد ظلمت نفسي فجئتك لتسغفر لي فنودي من القبر أنه قد غفر لك «١» .\n_________\n(١) كنز العمال: ٢/ ٣٨٦، ح ٤٣٢٢، وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٦٥.","vol":"3","page":339},{"text":"فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ الآية.\nنزلت في الزبير بن العوام وخصمه، واختلف في اسمه، فقال الصالحي: ثعلبة بن الحاطب، وقال الآخرون: حاطب بن أبي بلتعة وذلك\nأنهما اختصما إلى رسول الله ﷺ في شراج من الخزة كانا يستقيان به النخل فقال ﷺ: اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الرجل، فقال: يا رسول الله أكان ابن عمتك؟ فتغيّر وجه رسول الله ﷺ أرسل يا زبير ثم احبس الماء حتى ترجع الجدد فاستوف حقك ثم أرسل إلى جارك.\nوكان رسول الله ﷺ أشار إلى الزبير بالسقي له ولخصمه فلما احفظ رسول الله ﷺ استوعب الزبير حقه في صريح الحكم. ثم خرجا فمرّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء بالسقاية؟ فقال: قضى لابن عمته، ولوى شدقه.\nففطن به يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله فلولا يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه كانوا أقضى منهم، وأيم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة واحدة في حياة موسى (﵇) فدعانا موسى إلى التوبة منه، وقال: فاقتلوا أنفسكم ففعلنا مع ذلك فقتلنا سبعين ألفا في طاعة ربنا حتى رضي عنا.\nفقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق لو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله تعالى في شأن حاطب ابن أبي بلتعة، وليّه شدقه فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ الآية.\nوقال مجاهد والشعبي: نزلت في قصة بشر المنافق واليهودي اللذين اختصما إلى عمر (﵁) وقد مضت القصة.\nقوله فَلا يعني ليس الأمر كما يزعمون انهم مؤمنون ثم لا يرضون بحكمك ويصدون عنك ثم استأنف القسم فقال وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ويجوز أن يكون لأصله كقولهم وهم ممن يُحَكِّمُوكَ أي يجعلوك حكما فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي اختلف واختلط من أمورهم والتبس عليهم حكمه، ومنه الشجر لاختلاف أعضائه وقل يعطي الهودج شجار لتداخل بعضها في بعض.\nقال الشاعر:\nنفسي فداؤك والرماح شواهر ... والقوم في ضنك للقاء قيام «١»\nثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا أي ضيقا وشكا مِمَّا قَضَيْتَ ومنه قيل للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل إليه حرج وحرجة وجمعها حراج.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ٥/ ٢٦٩.","vol":"3","page":340},{"text":"وقال الضحاك: أي إثما يأتون بإنكارهم لما قضيت «١» وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أي يخضعوا وينقادوا إليك انقيادا وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا فرضنا وأوجبنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ما أمرنا بني إسرائيل. أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ كما أمرناهم بالخروج من مصر ما فَعَلُوهُ أرجع الهاء إلى فعل القتل والخروج لأن الفعل وإن اختلفت أجناسه فمعناه واحد إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وهذه الآية نزلت في قول ثابت بن قيس وكان هو من القليل الذي استثنى الله ﷿ ورفع القليل على ضمير الفاعل بأنهم فعلوه وقلّ على التكرار تقديره: ما فعلوه، تم الكلام. ثم قال: إلّا أنه فعله قليل منهم. كقول عمر بن معدي كرب:\nفكلّ أخ مفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلّا الفرقدان «٢»\nوقرأ أبي بن كعب وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وابن عامر (قليلا) بالنصب، وكذا هو في مصاحف أهل الشام على [النصب] وقيل: فيه إضمار تقديره إلّا أن يكون قليلا منهم.\nقال الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار وابن مسعود وناس صحبوا رسول الله ﷺ وهم القليل: والله لو أمرنا لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: «إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي» «٣» [٣٦٧] .\nقال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا تحقيقا وتصديقا لإيمانهم.\nوَإِذًا لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا ثوابا.\nوَلَهَدَيْناهُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ\nنزلت هذه الآية في ثوبان مولى رسول الله ﷺ وكان شديد الحب لرسول الله ﷺ، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه [ونحل جسمه يعرف في وجهه الحزن] «٤» وقلّ لحمه، فقال له رسول الله ﷺ: «يا ثوبان ما غيّر لونك؟» «٥» [٣٦٨]؟\nفقال: يا رسول الله ما بي مرض، ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، وتوجّست وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف أن لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني وإن ادخلت الجنة، كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذلك حين لا أراك أبدا.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ٥/ ٢٦٩.\n(٢) المغني: ٤/ ٣٠٠.\n(٣) كنز العمّال: ١٢/ ١٨٢، ح ٣٤٥٧٣. [.....]\n(٤) زيادة عن أسباب النزول للواحدي: ١١٠.\n(٥) زاد المسير: ٢/ ١٥٠ وتفسير القرطبي: ٥/ ٢٧١.","vol":"3","page":341},{"text":"فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال النبي ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين» «١» [٣٦٩] .\nوقال قتادة ومسروق بن الأجدع: أنّ أصحاب محمد ﷺ قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنا لا نراك إلّا في الدنيا فأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا بفضلك فلا نراك، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ في الفرائض وَالرَّسُولَ في السنن فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وهم أفاضل أصحاب محمد ﷺ وَالشُّهَداءِ وهم الذين استشهدوا في سبيل الله وَالصَّالِحِينَ من صلحاء أمة محمد ﷺ.\nقال عكرمة: النبيون: محمّد، والصديقون: أبو بكر الصديق، والشهداء عمر وعثمان وعلي ﵃، والصالحون سائر أصحابه. وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا يعني دوما في الجنة كما يقول: نعم الرفقا هم.\nوالعرب تضع الولي في معنى الجمع كثيرا، كقوله: نحن منكم قبلا أي اطيادا، وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي الأدبار ويقولون يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ.\nوقوله رَفِيقًا نصب على خبر ذلِكَ الْفَضْلُ [احسان] مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا يعني بالآخرة وثوابها.\nوقيل: بمن أطاع رسول الله وأحبه، وفي هذه الآية دلالة على خلافة أبي بكر الصديق (﵁) وذلك أن الله تعالى لما ذكر مراتب أوليائه في كتابه بدأ بالأعلى منهم، وهم النبيون فجعل الروضة الأعلى للنبيين فلم يجز أن يتقدمهم فيها أحد وثنى بذكر الصديقين فلا يجوز ان يتقدمهم أحد غير النبيين ولأن يكون من النبي صديق سرهم، وقد أجمع المسلمون على تسمية أبي بكر صديقا كما أجمعوا على تسمية محمد رسول الله ولم يجز أن يكونوا غالطين في تسميتهم محمد الرسول كذلك لا يجوز أن يكونون غالطين في تسمية أبي بكر صديقا فإذا صح انه صديق وأنه ثاني رسول الله ﷺ فلم يجز أن يتقدّمه بعده أحد والله أعلم، وفي قوله الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ دليل على أنّهم لم ينالوا تلك الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله خلافا، لما قالت المعتزلة ان العبد إنما ينال ذلك بفعله فلما احسن الله على عباده بما آتاهم من فضله فكان لا يجوز أن يثني على نفسه بما لم يفعله، فثبت ذلك على بطلان قولهم ثم علّمهم مباشرة الحروب، فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ من عدوكم أي عدتكم وآلاتكم من\n_________\n(١) صحيح البخاري: ١/ ٩، وسنن ابن ماجة: ١/ ٢٦، والسنن الكبرى: ٦/ ٥٣٤، بتفاوت، ويوجد بتمامه في تفسير مجمع البيان: ٣/ ١٢٦.","vol":"3","page":342},{"text":"السلاح وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ والحذر والحذر واحد، كالمثل والمثل، والعدل والعدل، والشبه والشبه، فَانْفِرُوا أي اخرجوا ثُباتٍ أي سرايا متفرقين كسرية بعد سرية وجماعة بعد جماعة، والثبات الجماعات في تفرقه واحدها ثبة أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا أي مجتمعين كلّكم مع سلّم واستدل أهل القدر بهذه الآية.\nبقوله خُذُوا حِذْرَكُمْ قالوا: لولا أن الحذر يمنع عنهم مكايد الأعداء ما كان لأمره بالحذر إياهم معنى.\nفيقال لهم: الائتمار لأمر الله والانتهاء عن نهيه واجب عليهم لأنهم به يسلمون من معصية الله ﷿ لأن المعصية تزل، فائتمروا وانتهوا عمّا نهوا عنه.\nوليس في هذه الآية دليل على أن حذرهم ينفع من القدر شيئا، وهذا\nكقول النبي (﵌): «اعقلها وتوكّل» «١» [٣٧٠] .\nوالمراد به طمأنينة النفس لا أن ذلك يدفع القدر، كذلك في أخذ الحذر فهو الدليل على ذلك، أن الله تعالى أثنى على أصحاب رسول الله ﷺ بقوله حاكيا عنهم لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا وأمر بذلك رسوله ﷺ كان يصيبهم غير ما قضى عليهم ما كان هذا مني.\nوَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ. قال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين لأن الله خاطبهم بقوله وَإِنَّ مِنْكُمْ وقد فرق الله بين المؤمنين والمنافقين بقوله ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ.\nوقال: أكثر أهل التفسير: إنّها نزلت في المنافقين وإنما جمع منهم في الخطاب من جهة الجنس والسبب ومن جهة الإيمان من لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ أي ليثاقلن ويتخلفنّ عن الجهاد والغزو.\nوقيل: معناه ليصدّقن غيره، وهو عبد الله بن أبيّ المنافق وإنما دخلت (اللام) في (من) لمكان (من) كما تقول: إنّ فيها لأخاك فاللام في ليبطئن لام القسم وهي صلة لمن على اعتماد شبه باليمين كما يقال هذا الذي ليقومن وأرى رجلا ليفعلن.\nفَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ أي قتل وهزيمة قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ عهد إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا أي حاضرا في تلك الغزاة فيصيبني مثل ما أصابهم، يقول الله كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أي معرفة.\nوقال معقل بن حيان: معناه كأن ليس من أهل دينكم وان نظم الآية وقوله كَأَنْ لَمْ تَكُنْ متصل بقوله فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أي فتح وغنيمة لَيَقُولَنَّ هذا المنافق قول نادم حاسد: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ في تلك الغزاة فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا أي آخذ نصيبا وافرا من الغنيمة.\n_________\n(١) سنن الترمذي: ح ٢٥٢٢ كتاب صفة القيامة باب: اعقلها وتوكّل.","vol":"3","page":343},{"text":"وقوله (فَأَفُوزَ) نصب على نحو التمني بالفاء، وفي [التمني] «١» معنى يسرني أن افعل ما فعل كأنه متشوق لذلك النصيب، كما يقول: وددت ان أقوم فمنعني أناس ثم نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن أحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>[سورة النساء (٤): الآيات ٧٤ الى ٧٨]</span>\nفَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤) وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا (٧٦) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)\nفَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي انهم يختارون الحياة الدنيا على الآخرة ومعنى يَشْرُونَ يشترون، يقال شريت الشيء أي اشتريت، وحينئذ يكون حكم الآية:\nآمنوا ثم قاتلوا، لأنه لا يجوز ان يكون الكافر مأمورا بشيء مقدم على الإيمان.\nوقال بعضهم: نزلت هذه الآية في المؤمنين المخلفين ومعناه (فليقاتل في سبيل الله الّذين يبتغون الحياة الدّنيا بالآخرة) .\nثم قال: وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أو من يستشهد أو يعذب أو يظفر فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ في كلا الوجهين أَجْرًا عَظِيمًا يعني الجنة ثم خصّ المؤمنين على السعي في تخليص المستضعفين مثل وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ أي تجاهدون فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني في طاعة الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ في موضع الخفض.\nقال الكلبي: عن أبي صالح عن ابن عباس ومعناه عن المستضعفين وكانوا بمكة يلقون من المشركين أذى كثيرا وكانوا يدعون ويَقُولُونَ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعني مكة الظَّالِمِ أَهْلُها أي التي من صفتها إن أهلها ظالمون مشركون وإنّما خفض الظالم لأنه نعت الأهل فلما عاد الأهل إلى القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها كقوله: مررت بالرجل الواسعة داره، ومررت برجل حسنة عينه.\n_________\n(١) كذا الظاهر من المخطوط.","vol":"3","page":344},{"text":"وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا يمنعنا من المشركين فأجاب الله دعاءهم.\nفلما فتح رسول الله ﷺ مكة جعل الله لهم النبي وليا فاستعمل عليها عتّاب بن أسيد.\nفجعله الله لهم نصيرا وكان ينصف للضعيف من الشديد فنصرهم الله به وأعانهم وكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك.\nوفي هذه الآية دليل على إبطال قول من زعم أنّ العبد لا يستفيد بالدعاء معنى لأن الله تعالى حكى عنهم إنّهم دعوه وأجابهم وآتاهم ما سألوه ولولا أنّه أجابهم إلى دعائهم لما كان لذكر دعائهم معنى، والله اعلم.\nالَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طاعته وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ أي في طاعة الشيطان فَقاتِلُوا أيها المؤمنين أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ أي حزبه وجنده إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ ومكره وصنيعه ومكر من اتّبعه كانَ ضَعِيفًا كما خذلهم يوم بدر. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ.\nقال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري والمقداد بن الأسود الكندي وقدامة بن مظعون الجهني وسعد بن أبي وقاص الزهري وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة فيشكون إلى رسول الله ﷺ ويقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء فإنّهم آذونا فيقول لهم: «كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [عنهم] «١» فإني لم أومر بقتالهم» «٢» [٣٧١] .\nفلما هاجروا إلى المدينة وأمرهم الله بقتال المشركين وأمرهم رسول الله ﷺ بالمسير إلى بدر فلما عرفوا إنه القتال كرهه بعضهم وشق عليهم فأنزل الله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ\nبمكة عن القتال وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ بالمدينة أي فرض إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ يعني مشركي مكة كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ أي أكبر خَشْيَةً.\nوقيل: وأَشَدَّ خَشْيَةً كقوله آية «٣» وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لم فرضت علينا القتال لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني الموت ألا تركتنا إلى أن نموت بآجالنا.\nواختلفوا في قوله تعالى إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ فقال قوم: نزلت في المنافقين لأن قوله لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ أي لم فرضت، لا يليق بالمؤمنين، وكذلك الخشية من غير الله.\n_________\n(١) زيادة في المصدر.\n(٢) أسباب نزول الآيات: ١١١.\n(٣) سورة الصافّات: ١٤٧.","vol":"3","page":345},{"text":"وقال بعضهم: بل نزلت في قوم من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم، وأهل الإيمان يتفاضلون في الإيمان منهم الكامل الذي لا يخرجه إيمانه من غلبة الطبع عليه. ومنهم من ينقص عن تلك الحالة فينفّر نفسه عمّا يؤمر به فيما يلحقه فيه الشدة.\nوقيل: نزلت في قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم الجهاد نافقوا عن الجهاد من الجبن، وتخلفوا عن الجهاد.\nويدلّ عليه إن الله لا يتعبد الكافر والمنافق بالشرائع بل يتعبدهم أولا بالإيمان ثم بالشرائع فلما نافقوا نبّه الله على أحوالهم.\nوقد قال الله مخبرا عن المنافقين بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا.\nقُلْ يا محمّد لهم مَتاعُ الدُّنْيا أي منفعتها والاستمتاع بها قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ يعني وثواب الآخرة خَيْرٌ أفضل لِمَنِ اتَّقى الشرك بالله ونبوة الرسول وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا.\nقال ابن عباس وعلي بن الحكم: الفتيل الشق الذي في بطن النواة.\nأَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ أي ينزل بكم الْمَوْتُ نزلت في قول المنافقين لما أصيب أهل أحد، لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا فردّ الله عليهم بقوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ.\nقتادة: في قصور محصنة، عكرمة: مجصّصة مشيّدة مزيّنة، القتيبي: مطولة.\nالضحاك عن ابن عباس البروج: الحصون والآطام والقلاع.\nوفي هذه الآية ردّ على أهل القدر، وذلك أنّ الله حكى عن الكفار أنهم قالوا: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا «١» وقال: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ردّ على الفريقين بقوله: أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ فعرّفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من زوال الروح، ومفارقتها الأجسام.\nفإن كان ذلك بالقتل، وإلّا فبالموت. خلافا لما قالت المعتزلة من أن هذا المقتول لو لم يقتله هذا القاتل لعاش، فوافق قولهم هذا الكفار، فردّ الله عليهم جميعا إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ الآية.\nنزلت في المنافقين واليهود، وذلك أنهم قالوا لما قدم رسول الله ﷺ المدينة: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا، ومزارعنا، منذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه، فأنزل الله تعالى وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يعني اليهود والمنافقين، أي خصب [وريف] «٢» ورخص في السعر يَقُولُوا هذِهِ\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٥٦.\n(٢) كذا في المخطوط.","vol":"3","page":346},{"text":"مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني الجدب وغلاء السعر وقحط المطر يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ أي من قوم محمد وأصحابه.\nوقال بعضهم: معناه إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يعني الظفر والغنيمة، يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ف إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يعني بالقتل والهزيمة، يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ، نزلت الذي حملتنا عليه يا محمد قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أي الحسنة والسيئة كلها من عند الله.\nثم عيّرهم بالجهل.\nفقال: فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ يعني المنافقين واليهود لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا أي ليسوا يفقهون قولا إلّا التكذيب بالنعمة.\nقال الفراء: قوله فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ كذبوا في الكلام، حتى توهّموا إن اللام متصلة بها، وإنهما حرف واحد، ففصلوا اللام في هؤلاء في بعض المصاحف، ووصلوها في بعضها والاتصال بالقراءة، ولا يجوز الوقوف على اللام لأنّها لام خافضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>[سورة النساء (٤): الآيات ٧٩ الى ٨٤]</span>\nما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١) أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٣)\nفَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤)\nما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ أي من خير ونعمة فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ أي بلية وأمر تكرهه فَمِنْ نَفْسِكَ أي، من عندك وأنا الذي قدرتهما عليك، الخطاب للنبي ﷺ، والمراد به غيره، نظيره.\nقوله وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.\nقال رسول الله ﷺ: «ما من خدش بعود ولا اختلاج عرق ولا عثرة قدم إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر» «١» [٣٧٢] .\n_________\n(١) كنز العمّال: ٣/ ٣٤١، ح ٦٨٤٩، بتقديم وتأخير في العبارات، وبتمامه في تفسير مجمع البيان: ٣/ ١٣٨.","vol":"3","page":347},{"text":"وروى الهروي عن سفيان بن سعيد عمن سمع الضحاك بن مزاحم يقول: ما حفظ الرجل القرآن ثم نسيه إلّا بذنب، ثم قرأ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال: فنسيان القرآن أعظم المصائب.\nوقال بعضهم: هذه الآية متصلة بما قبله، وتقديره: فما لهؤلاء القوم لم يكونوا يفقهون حديثا حتى يقولوا: ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ؟ وتعلق أهل القدر بهذه الآية وقالوا: نفى الله السيئة عن نفسه بقوله وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ونسبها إلى العبد، فيقال لهم: إن ما حكى الله تعالى لنبيه من قول المنافقين، إنهم قالوا إذا أصابتهم حسنة، هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، ف إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا: هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ، لم يرد به حسنات الكسب، ولا سيئاته، لأن الذي منك فعل غيرك بك لا فعلك، ولذلك نسب إلى غيرك.\nكما قال إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ «١» ... وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ «٢» وكل هذه سبب من الأسباب لا من الكسب ألا ترى إنه نسبها إلى غيرك، ولم يذكر بذلك ثوابا ولا عقابا، فلما ذكر حسنات العمل والكسب وسيئاتهما نسبهما إليك وذكر فيها الثواب والعقاب.\nكقوله مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها «٣» وكان ما حكى الله عن المنافقين من قولهم في الحسنات والسيئات لم يكن حسنات الكسب ولا سيئاته، ثم عطف عليه قوله ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ إلى نفسك فلم يكن بقوله فَمِنْ نَفْسِكَ مثبتا لما قد نفاه، ولا نافيا لما قد أثبته، لأن ذلك لا يجوز على الحكيم ﷻ، لكن من السبب الذي استحق هذه المصيبة، وكان ذلك من كسبه، ومنه قوله وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ فجعل هذه المصيبة جزاء للفعل فإذا أوقع الجزاء لم يوقعه إلّا على ما نسبه إلى العباد، كقوله جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ «٤» وقوله وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ليس فيه دليل على إنه لا يريد السيئة ولا يفعلها ولكن ما كان جزاء، فنسبته إلى العبد على [طريق] الجزاء.\nوَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ يا محمد رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا على إنك رسول صادق.\nوقيل فيك وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا على أن الحسنة والسيئة كلها من الله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وذلك\nأن النبي ﷺ كان يقول: «من أطاعني فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ومن أحبّني [أحبّه الله] «٥»» «٦» [٣٧٣]، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلّا أن نتّخذه ربا، كما في\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٢٠.\n(٢) الأعراف: ١٣١.\n(٣) سورة الأنعام: ١٦٠. [.....]\n(٤) سورة التوبة: ٨٢.\n(٥) في المصدر: فقد أحبّ الله.\n(٦) زاد المسير لابن الجوزي: ٢/ ١٥٨.","vol":"3","page":348},{"text":"حديث النصارى لعيسى، فأنزل الله تعالى مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فيما أمر به فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى عنه فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا أي حافظا ورقيبا.\nوقال القتيبي: محاسبا، فنسخ الله تعالى هذه الآية الشريفة، وأمره بقتال من خالف الله ورسوله وَيَقُولُونَ طاعَةٌ يعني المنافقين وذلك إنهم كانوا يقولون لرسول الله ﷺ، إنّا آمنّا بك فمرنا من أمرك طاعة، وهم يكفرون به في السر، وقوله (طاعَةٌ) مرفوعة على معنى منّا طاعة وأمرك طاعة وكذلك قوله (لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ)\nمرفوعة أي قولوا، سمعا وطاعة، وكذلك قوله فَأَوْلى لَهُمْ طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ وليست مرتفعة إليهم بل مني مرتفعة على الوجه الذي ذكرت.\nفَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ أي خرجوا بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ أي زوّر وموّه وقيل هنا.\nفقال قتادة والكلبي: بَيَّتَ أي غيّر وبدّل الذي عهد إليهم النبي ﷺ ويكون السبب معنى التبديل.\nقال الشاعر:\nبيّت قولي عبد المليك ... قاتله الله عبدا كفورا «١»\nوقال القتيبي وأبو عبيدة: (بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ) أي قالوا وقدروا ليلا غير الذي أعطوك نهارا، وكل شيء قدّر بليل من شر فهو تبييت.\nقال عبيدة بن الهمام:\nأتوني فلم أرض ما بيّتوا «٢» ... وكانوا أتوني بشيء نكر\nلأنكح أيّمهم منذرا ... وهل ينكح العبد حر بحر «٣»\nوقال النمر بن تولب:\nهبت لتعذلني بليل أسمعي ... سفها تبيتك الملامة فاهجعي\nوقال أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش: يقول العرب للشيء إذا قدر قد بيّت، يشبهونه تقدير بيوت [الشعر] .\nوَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي ما يغيرون ويزورون ويقدرون.\nالضحاك عن ابن عباس: يعني ما تسرّون من النفاق فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ يا محمد فلا تعاقبهم وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا أي كفيلا، وثقة، وناصرا بالانتقام لك منهم، فنسخ الله\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٨٩، وتفسير الطبري: ٥/ ٣٦٨، وفيه: قاتلك الله عبدا كنودا.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٢٤٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٨٩، ولسان العرب: ٥/ ٢٣٤.","vol":"3","page":349},{"text":"تعالى قوله فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ بقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ «١» بالسيف وَالْمُنافِقِينَ بالكلام الغليظ.\nفإن قيل: ما وجه الحكمة في [أعدائه] ذكر مهلهم. ثم قال (بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ) فصرف الخطاب من [جلهم] إلى بعضهم.\nيقال: إذ إنما عبر عن حال من علم الله وبقي على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه صفح عن ذكرهم، وقد قيل: إنه غير عن حال من أحوالهم قد تستّر في أمره، فأما من سمع وسكت فإنه لم يذكرهم، وفي قوله مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ دليل على إبطال قول من زعم أنّ السنّة تعرض على الكتاب لم يعمل بها وذلك إن كل ما نص الله ﷿، عليه فإنّما صار فرضا بالكتاب، فإذا عدم النص من الكتاب، وورد به السنّة فوجب إتباعها، ومن خالفها فقد خالف رسول الله ﷺ، ومن خالف رسول الله فقد خالف الله، لأن في طاعة الرسول طاعة الله، فمن زعم أنه لم يقبل خبره إلّا بعد أن يعرض على كتاب الله، فقد أبطل كلّ حكم ورد عنه ما لم ينصّ عليه الكتاب.\nوأما قوله وَيَقُولُونَ طاعَةٌ ففيه دليل على أنّ من لم يعتقد الطاعة فليس بمطيع على الحقيقة، وذلك أن الله تعالى لمّا تحقّق طاعتهم فيما أظهروه، فقال: ويقولون ذلك لأنّه لو كان للطاعة حقيقة إلّا بالاعتقاد لحكم لهم بها [فثبت] أنه لا يكون المطيع مطيعا، إلّا باعتقاد الطاعة مع وجودها.\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ يعني أفلا يتفكّرون في القرآن، فيرون بعضه يشبه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، وإن أحدا من الخلائق لم يكن يقدر عليه فسيعلمون بذلك إنه من عند الله إذ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا أي تفاوتا وتناقضا كثيرا هذا قول ابن عباس.\nوقال بعضهم: وَلَوْ كانَ هو مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ أي في الإخبار عما غاب عنهم.\nما كان وما يكون اخْتِلافًا كَثِيرًا، يعني تفاوتا بينا. إذا الغيب لا يعلمه إلّا الله فيعلم بذلك أنه كلام الله وأنّ محمدا رسول الله صادق، وفي هذه الآية دليل على أنّ القرآن غير مخلوق إذ هو معرى عن الأخلاق من كل الجهات ولو كان مخلوقا لكان لا يخلو من اختلاف وتفاوت.\nوَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ الآية، وذلك أن رسول الله ﷺ كان يبعث السرايا فإذا غلبوا أو غلبوا بادر المنافقون إلى الاستفسار عن حال السرايا فيفشون ويحدّثون به قبل أن يحدّث به رسول الله ﷺ فأنزل الله وَإِذا جاءَهُمْ يعني المنافقين، أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ\n_________\n(١) سورة التوبة: ٧٣.","vol":"3","page":350},{"text":"[كظفر المسلمين وقتل عدوّهم] «١» أَوِ الْخَوْفِ كالهزيمة والقتل. أَذاعُوا بِهِ أي أشاعوه وأفشوه وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ أي وإن لم يحدّثوا به ولم يفشوه حتى يكون النبي ﷺ هو الذي يحدّث به ويفشيه، وأولي الأمر أهل الرأي من الصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃.\nلَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ.\nالكلبي عن أبي صالح وابن عباس، وعلي بن الحكم عن الضحاك: يَسْتَنْبِطُونَهُ أي يتّبعونه.\nوقال عكرمة: يحرصون عليه ويسألون عنه، وقال ابن عبيدة والقتيبي: يخرجونه، ويقال:\nاستنبط استنبطه الماء إذا أخرجه.\n[جويبر] عن الضحاك عن ابن عباس في قوله وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ إنّ المنافقين كانوا إذا أمروا بالقتال لم يطيعوا الله فيما أمرهم به، وإن نهاهم عن محارمه لم ينتهوا عنها، وإن أفضى الرسول إليهم سرا أذاعوا به إلى العدوّ ليلا بتكتّم، فأنزل الله تعالى ردّا عليهم وَلَوْ رَدُّوهُ يعني أمورهم في الحلال والحرام (إِلَى الرَّسُولِ) في التصديق به والقبول (وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) يعني حملة الفقه والحكمة لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ يعني الذين يفحصون عن العلم. ثم قال وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا أي معناه لاتّبعتم الشيطان كلّكم.\nقال الضحاك: هم أصحاب محمد ﷺ، يأمرهم بأمر من أمور الشيطان.\nقال ابن عباس: فضل الله الإسلام ورحمته القرآن (لا تّبعتم الشيطان إلّا قليل) يعني بالقليل الذي امتحن الله قلوبهم يعني على هذا القول يكون قوله إِلَّا قَلِيلًا مستثنى من قوله لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ.\nوقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير معناه: لعلمه الذين يستنبطونه إلّا قليلا.\nوقال بعضهم: معناه: إذا أذاعوا به قليلا لم يذع ولم يفش، وهكذا قال الكلبي: واختار الفرّاء أيضا هذا القول. وقال: لأنّ علم الله فاعتبر علمه المستنبط وغيره، والإذاعة قد تكون في بعضهم دون بعض لذلك أستحسن الاستثناء من الإذاعة، وفي هذه الآية دليل ممن يحبون القول بالاجتهاد عند عدم النص.\nقال الله تعالى وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فالعلم محيط بالاستنباط، ليس تلاوة.\n_________\n(١) زيادة عن تفسير القرطبي لتقويم النص: ٥/ ٢٩١.","vol":"3","page":351},{"text":"وإذا كان إدراكه بالاستنباط، فقد دل بذلك على أن من العلم ما يدرك بالتلاوة والرواية وهو النص.\nومنه ما يدرك منه ومن المعنى، وحقيقة الاعتبار والاستنباط من القياس للحكم بالمعاني المودعة في النصوص غير الحكم بالنصوص فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وذلك\nأن رسول الله ﷺ لما التقى هو وأبو سفيان بن حرب يوم أحد وكان من هربهم ما كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة فواعد رسول الله ﷺ موسم بدر الصغرى في ذي القعدة فلما بلغ الميعاد قال الناس: اخرجوا إلى العدو.\nفكرهوا ذلك كراهة شديدة أو بعضهم، فأنزل الله تعالى فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ أي لا تدع جهاد العدو وإنصاف المستضعفين من المؤمنين ولو وحدك.\nوقيل: معناه لا تلزم فعل غيرك ولا تؤخذ به ولم يرد بالتكليف الأمر لأنه يقتضي على هذا القول ألا يكون غيره مأمورا بالقتال.\nوالفاء في قوله (فَقاتِلْ) جواب عن قوله وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا فقاتل وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ على القتال أي حثّهم على الجهاد ورغّبهم فيه،\nفتثاقلوا عنه ولم يخرجوا معه إلى القتال، فخرج رسول الله ﷺ في سبعين راكبا حتى أتى موسم بدر، فكفّ بهم الله تعالى بأس العدو ولم يوافقهم أبو سفيان ولم يكن له أن يوافق، فانصرف رسول الله ﷺ وأصحابه.\nوذلك قوله عَسَى اللَّهُ أي لعل الله أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي قتال المشركين وصولتهم حين ولّيتم وهي من الله واجب، حيث كان، وقد جاء في كلام العرب بمعنى اليقين.\nقال ابن مقبل:\nظنّي أنهم كعسى «١»، وهم بنتوفة «٢» ... يتنازعون جوائز الأمثال\nوَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا أي أشد صولة وأعظم سلطانا وأقدر على ما يريد وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا أو عقوبة.\nفإن قيل: إذا كان من قولكم: إن عسى من الله واجب فقد قال الله عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ونحن نراهم في بأس وشدة، فأين ذلك الوعد؟ فيقال لهم: قد قيل: إن المراد به الكفرة الذين كفّ بأسهم في بدر الصغرى، والحديبية بقوله وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ الآية، فإن كان ظاهرها العموم فالمراد منها الخصوص.\n_________\n(١) هكذا في الأصل وفي تفسير القرطبي: ٥/ ٢٩٤ والمصدر.\n(٢) وهي القفز من الأرض، راجع لسان العرب: ٥/ ٣٢٧ والبيت فيه.","vol":"3","page":352},{"text":"وقيل: أراد به المدة التي أمر الله فيها القتال لزوال الكفر بقوله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فعند ذلك يكف بأس الذين كفروا، وهو الوقت. حتى ينزل فيه [المهدي] فيكون حكما قسطا ويظهر الإسلام عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.\nوقيل: إن ذلك في القوم قذف الله في قلوبهم الرعب وأخرجهم من ديارهم وأموالهم بغير قتال من المؤمنين لهم وهذا بأس قد كفّه الله عن المؤمنين.\nوقد قيل: إنه أراد به اليهود والنصارى وهم يعطون الجزية وتركوا المحاربة، وقد كف بأسهم عن المؤمنين إذا صاروا يؤدّون الجزية صاغرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[سورة النساء (٤): الآيات ٨٥ الى ٩١]</span>\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (٨٥) وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧) فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٨٩)\nإِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا (٩١)\nمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً أي يحسن القول في الناس ويسعى في إصلاح ذات البين يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ أي حظ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً فيسيء القول في الناس ويمشي بينهم بالنميمة والغيبة. يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها.\nقال ابن عباس وقتادة: الكفل الوزر والإثم، وقال الفراء وأبو عبيدة: الحظ والنصيب، مأخوذ من قولهم: اكتفلت البعير إذا [أدرت] على سنامه أو موضع من ظهره كساء وركبت عليه.\nوقيل له: اكتفل لأنه لم يستعمل الظهر كلّه وإنما شغل شيئا من الظهر.\nوقال مجاهد: شَفاعَةً حَسَنَةً وشَفاعَةً سَيِّئَةً شفاعة الناس وهم البعض.\nوَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا مقتدرا.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: مُقِيتًا أي مقتدرا مجازيا بالحسنة حسنة يقال: أقات أي اقتدر.","vol":"3","page":353},{"text":"قال الشاعر:\nوذي ضغن كففت النفس عنه ... وكنت على مساءته مقيتا «١»\nوأنشد النضر بن [شميل]:\nولا تجزع وكن ذا حفيظه ... فأني عليّ ما ثناه لمقيت «٢»\nالمبرد: قتّ الشيء أقوته وأقيته أي كففته أمر قوته، ومجاهد: شاهدا، وقال قتادة:\nحافظا، والمقيت للشيء الحافظ له.\nوقال الشاعر، في غير هذا المعنى:\nليت شعري وأشعرن إذا ما ... قربوها منشورة ودعيت\nإليّ الفضل أم عليّ إذا حوسبت ... إنّي على الحساب مقيت «٣»\nأي موقوف عليه وقال الفرّاء: المقيت المقتدر أن يعطي كل رجل قوته.\nوجاء في الحديث: وكفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت «٤» ويقيت\n، ثم نزل في قوم بخلوا برد السلام وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها على المسلمين أي زيدوا عليها كقول القائل:\nالسلام عليكم فيقول: وعليكم السلام ورحمة الله ونحوها، ومن قال لأخيه المسلم: السلام عليكم كتب له بها عشر حسنات، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة، فإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته كتب له ثلاثون حسنة، وكذلك لمن ردّ من الأجر.\nقال ابن عباس: ومن يسلم عشر مرات فله من الأجر عتق رقبة وكذلك لمن ردّ السلام عشر مرات أَوْ رُدُّوها بمثلها على أهل الكتاب وأهل الشرك فإن كان من أهل دينه فليزد عليه بأحسن منها، وإن كان من غير أهل دينه فليقل وعليكم لا يزيد على ذلك.\nقال رسول الله ﷺ: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم» «٥» [٣٧٤] .\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا من رد السلام مثله أو بأحسن منه حَسِيبًا أي حاسبا مجازيا.\nوقال مجاهد: حافظا. أبو عبيدة: كافيا مقتدرا، يقال حسبي كذا أي كفاني.\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٧٦، تفسير الطبري: ٥/ ٢٥٦.\n(٢) كذا في المخطوط ولم نجده.\n(٣) تفسير الطبري: ٥/ ٢٥٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٩٦، وسنن أبي داود: ١/ ٣٨١. [.....]\n(٥) مسند أحمد: ٣/ ٩٩.","vol":"3","page":354},{"text":"وأعلم إن بكل موضع وجد ذكر كان موصولا بالله فإن ذلك صلح للماضي، والخبر هو المستدل، فإذا كان لغير الله فإنه يكون على خلاف هذا المعنى.\nثم نزل في الذين أنكروا البعث اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ لا شك فيه، واللام في قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ لام القسم ومعناه، والله الذي لا إله إلّا هو أعلم منكم في الموت وفي أحيائكم إلى يوم القيامة.\nوسمّيت القيامة قيامة، لأن الناس يقومون من قبورهم. قال الله تعالى يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا «١» وقيل: سميت قيامة لقيامهم إلى الحساب. قال الله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٢» وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا أي قولا ووعدا فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ الآية.\nنزلت هذه الآية في ناس من قريش، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة فأسلموا فأقاموا بها ثم ندموا على ذلك وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم لبعض: كيف نخرج؟ قالوا: نخرج كهيئة البدو فإن فطن بنا قلنا: خرجنا نتنزّه، وإن غفل عنّا مضينا، فخرجوا بهيئة المتنزهين، حتى باعدوا من المدينة. ثم كتبوا إلى رسول الله (﵌): إنّا على الذي فارقناك عليه من الإيمان والتصديق بالله وبرسوله، ولكنا [اجتوينا] المدينة، واشتقنا إلى أرضنا. ثم إنّهم خرجوا في تجارة لهم، على الشام، فبلغ ذلك المسلمين، فقال بعضهم: ما يمنعنا أن نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا، وتركوا هجرتنا، وظاهروا على عدوّنا، فنقتلهم ونأخذ مالهم! وقالت طائفة منهم: كيف تقتلون قوما على دينكم، إن لم يذروا ديارهم، وكان هذا بين يدي رسول الله ﷺ، وهو ساكت لا ينهى واحدا من الفريقين، حتى نزلت هذه الآية والآيات بعدها، فبين الله تعالى للنبي ﷺ شأنهم.\nوقال زيد بن ثابت: نزلت في ناس رجعوا يوم أحد عن النبي ﷺ وكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين فرقة تقول: نقتلهم، وفرقة تقول: لا نقتلهم، فنزلت فيهم هذه الآية وقال رسول الله ﷺ: «إنها طيبة وإنها تنفي الخبث كما ينفي النار خبث الفضة» «٣» يعني المدينة.\nوقال قتادة: ذكرهما أنهما كانا رجلين من قريش بمكة تكلّما بالإسلام ولم يهاجروا إلى النبي ﷺ، لقيهما ناس من أصحاب رسول الله ﷺ مقبلين إلى مكة فقال بعضهم: إنّ دماءهما وأموالهما حلال، وقال بعضهم: لا، [جلّ ذلك منا] فأنزل الله تعالى فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ الآية.\n_________\n(١) سورة المعارج: ٤٣.\n(٢) سورة المطفّفين: ٦.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ١٨٤، وفي بعض المصادر: خبث الحديد.","vol":"3","page":355},{"text":"وقال عكرمة: هم ناس ممن قد صبوا ليأخذوا أموالا من أموال المشركين فانطلقوا بها إلى اليمامة فاختلف المسلمون فيهم فنزلت فيهم هذه الآية.\nوقال مجاهد: هم قوم خرجوا مع النبي ﷺ إلى المدينة ثمّ ارتدّوا بعد ذلك واستأذنوا رسول الله ﷺ ليأتوا بضائع لهم يتاجرون فيها، فخاف المسلمون منهم فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون، فبيّن الله تعالى نفاقهم.\nوقال الضحاك: هم قوم أظهروا الإسلام بمكة فلما هاجر رسول الله ﷺ لم يهاجروا فاختلف المسلمون فيهم، فنزلت هذه الآية (فَما لَكُمْ) يا معشر المؤمنين (فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ) أي صرتم في المنافقين فئتين فمحلّ ومحرّم، ونصب فِئَتَيْنِ على خبر صار، وقال بعضهم: نصب على إلّا. وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي أهلكهم، ولكنهم تركوهم بكفرهم وضلالتهم بأعمالهم غير الزاكية يقال: أركست الشيء ركسته أي نكسته ورددته، وفي قراءة عبد الله: وإني والله أنكسهم «١»، وقال ابن رواحة:\nأركسوا في فتنة مظلمة ... كسواد الليل يتلوها فتن «٢»\nأَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا أي ترشدوا إلى الهدى مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وقيل: معناه: أيقولون أنّ هؤلاء يهتدون والله قد أضلّهم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ عن الهدى فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي دينا وطريقا إلى الهدى وَدُّوا أي تمنّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً شركاء في ذلك مثلهم كفارا، ثمّ أمرهم بالبراءة منهم فقال فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الثانية معكم.\nقال عكرمة: هي هجرة أخرى وبيعة اخرى، والهجرة على ثلاثة أوجه: أما هجرة المؤمنين أوّل الإسلام فمضى في قوله لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ «٣» وقوله وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ، وأما هجرة [المؤمنين] فهي الخروج في سبيل الله مع رسول الله ﷺ صابرا محتسبا. قال الله حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ\n، وأما هجرة المؤمنين فهي أن يهجروا ما نهى الله عنه كما قال رسول الله ﷺ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن التوحيد والهجرة فَخُذُوهُمْ يقول اسروهم وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ يعني في الحل والحرم وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا يعني ما ينافي العون والنصرة، وقوله لَوْ تُدْهِنُ لم يرد به جوابا التمني لأن جواب التمني بالفاء منصوب بما أراد به الفسق على من نزل وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ وودّوا لو\n_________\n(١) في تفسير القرطبي: وفي قراءة عبد الله وأبي (والله ركسهم)، أي بغير الألف.\n(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٠٧.\n(٣) سورة الحشر: ٨.","vol":"3","page":356},{"text":"تكونون سواء مثل قوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ «١» أي ودّوا لو تدهن وودّوا لو تكفرون، ومثله وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ «٢» أي ودّوا لو تغفلون وودّوا لو تميلون، ثم استثنى طائفة منهم فقال إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ أي يتصلون بقوم وينتسبون إليهم يقال: اتصل أي انتسب،\nوفي قول النبي ﷺ: «من تعزى بعزاء الجاهلية فاعضوه»\n«٣» أي من ادعى بدعوى الجاهلية.\nقال الأعشى:\nإذا اتصلت قالت لبكر بن وائل ... وبكر سبتها والأنوف رواغم «٤»\nأي إذا انتسب.\nويقال: يَصِلُونَ من الوصول أي يلحقون إليهم إلى قوم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي عهد وهم [الأسلميون] وذلك\nإن رسول الله ﷺ، وادع هلال بن عويمر الأسلمي عند خروجه إلى مكة على أن لا يعنيه ولا يعين عليه حتى أتى ويرى، ومن وصل إلى هلال من قومه أو غيرهم ولجأ إليه فلهم من الجوار مثل الذي لهلال.\nالضحاك عن ابن عباس: أراد بالقوم الذين بينهم وبينكم ميثاق. بني بكر بن زيد مناة وكانوا في الصلح والهدنة وقوله أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي ضاقت صدورهم عن قتالكم، وهم بنو مدلج جاءوا المؤمنين أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ يعني من آمن منهم، ويجوز أن يكون معناه إنهم لا يقاتلوكم ولا يقاتلون قومهم فعلم المؤمنون لا عليكم ولا عليهم ولا لكم.\nوقال بعضهم: وبمعنى الواو. كأنه يقول: إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق وجاءوكم ضيقت صدورهم عن قتالكم، والقتال معكم، وهم قوم هلال الأسلميون وبني بكر بن زيد [مناة] وقوله أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أي قد حصرت، كقول العرب أي ذهب [نظره] يريدون قد ذهب.\nقال الفراء: سمع الكسائي بعضهم يقول: أصبحت فنظرت إلى ذات [البساتين] .\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ يعني سلط الله المشركين على المؤمنين عقوبة ونقمة.\nفَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ عند القتال، ويقال يوم فتح مكة فهم يقاتلوكم مع قومهم وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي المسالمة والمصالحة فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي حجة في قتالهم، وعلى دينهم فأمر الله رسوله بالكف عن هؤلاء سَتَجِدُونَ آخَرِينَ غيرهم.\n_________\n(١) سورة القلم: ٩.\n(٢) سورة النساء: ١٠٢.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ١٣٦.\n(٤) لسان العرب: ١١/ ٧٢٧.","vol":"3","page":357},{"text":"الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: هم أسد وغطفان [قدموا] المدينة، وكانوا قد تكلموا بالإسلام، وأقروا بالتوحيد دينا وهم غير مسلمون.\nوكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا أسلمت؟ فيقول: هذا الرد بهذا العقرب والخنفساء «١» .\nوإذا لقوا محمدا وأصحابه قالوا: إنا على دينكم، يريدون بذلك الأمن في الفريقين جميعا، فذلك قوله يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ ولا تعرضوا لهم وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ولا تعرضوا لهم يرضونكم ويرضونهم.\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس: التوحيد، الذين كانوا بهذه الصفة كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها يعني إذا دعوا إلى الشرك رجعوا وعادوا إليه ودعوا عليه.\nثم بيّن لرسوله ﷺ أمرهم فقال فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ أي فإن لم يكفّوا عن قتالكم ويعتزلوكم حتى تسيروا [......] «٢» وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ أي المقاد والصلح وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ أي أهل هذه الهدنة جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا أي عهدا وحجة بيّنة في قتالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٢ الى ٩٦]</span>\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا (٩٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٩٤) لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)\n_________\n(١) في تفسير الطبري (٥/ ٢٧٣): فيقرب إلى العود والحجر وإلى العقرب والخنفساء، فيقول المشركون لذلك المتكلم بالإسلام: قل هذا ربي، للخنفساء والعقرب.\n(٢) كلمة غير مقروءة.","vol":"3","page":358},{"text":"وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً الآية\nنزلت في عياش بن أبي ربيعة المخزومي وذلك إنه أتى رسول الله ﷺ بمكة قبل أن يهاجر رسول الله إلى المدينة وأسلم معه، ثم خاف أن يظهر إسلامه لأهله، وأن يبلغ أهل مكة إسلامه، فخرج هاربا من مكة إلى المدينة، ثم قدمها فكان أطما من آطامها فتحصن فيه، فجزعت لذلك امه جزعا شديدا، حين بلغها إسلامه، وخروجه إلى المدينة، فقالت: لابنها الحرث وأبي جهل بن هشام وهما أخواه لأمه، والله لا يظلني سقف ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتوني به، فخرج في طلبه وخرج معهم الحرث ابن زيد بن أبي أنيسة من الكعبة إلى المدينة، فأتوا بالمدينة، فاتوا عياشا وهو في الأطم «يعني الجبل» فقالا له: انزل فإن أمك لم يؤوها سقف بيت بعدك، وقد حلفت أن لا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى ترجع إليها. ذلك عهد الله علينا ان لا نكرهك على شيء ولا نحول بينك وبين دينك، فلما ذكروا له خرج إليهم ثم حلفوا بالله، فنزل إليهم فأخرجوه من المدينة، ثم أوثقوه بنسع فجلده كل رجل منهم مائة جلدة، ثم قدموا به على أمه وهي أسماء بنت مخرمة، فلما دخل قالت: والله لا أفكك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت به.\nثم تركوه متروكا موثقا في الشمس ما شاء الله ثم أعطاهم الذي أرادوا فأتاه الحرث بن زيد، فقال له: يا عياش هذا الذي كنت عليه، فو الله لئن كان هدى لقد تركت الهدى ولئن كانت ضلالة لقد كنت عليها فغضب عياش من مقاله، وقال: والله لا ألقاك خاليا أبدا إلّا قتلتك، ثم أن حارثا بعد ذلك أسلم وهاجر إلى رسول الله ﷺ بالمدينة وكان عياش يومئذ حاضرا، ولم يشعر بإسلامه فبينا عياش حاضر إذ لقي الحرث بن زيد ولما رآه حمل عليه فقتله فقال الناس:\nأي شيء [صنعت] إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله قد كان أمري وأمر الحرث ما قد علمت وإني لم أشعر بإسلامه حتى قتلته «١»، فنزل عليه قوله تعالى ما كانَ لِمُؤْمِنٍ أي لا ينبغي لمؤمن أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً\nوليس معنى قوله وَما كانَ على النفي وإنما هو على التحريم والنهي كقوله ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ «٢» .\nولو كان ذلك على النفي لما وجدت مؤمنا قتل مؤمنا قط لأنّ ما نفى الله لم يجز وجوده.\nكقوله تعالى ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها «٣» ولا يقدر العباد على إنبات شجرها البتة.\nوقوله تعالى إِلَّا خَطَأً عندنا ليس من الأول للمعنى.\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا البتة إلّا أن المؤمن قد يخطئ في القتل وكفّارة خطأه ما ذكر بعده.\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١١٤. [.....]\n(٢) سورة الأحزاب: ٥٣.\n(٣) سورة النمل: ٦٠.","vol":"3","page":359},{"text":"قال أبو عبيدة: العرب تستثني الشيء من الشيء فليس منه على اختصار وضمير، أي ليس مؤمنا على حال، إلّا أن يقتل مخطئا فإن قتله مؤمنا فعليه، كذا وكذا، ومثله قوله الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ «١» واللمم ليس من الكبائر ومعناه إلّا أن يلم بالفواحش والكبائر أي يقرب منها.\nومثله قول جرير:\nمن البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ ... على الأرض إلّا ذيل برد مرجّل «٢»\nفكأنه قال: لم يطأ على الأرض إلّا أن يطأ ذيل البرد فليس هو من الأرض.\nوقال أبو خراش الهذلي:\nأمست سقام خلاء لا أنيس به ... إلّا السباع ومرّ الريح بالغرف «٣»\nالغرف متجر يعمل فيها الغرابيل، وسقام واد لهذيل وكان أبو عمر الهذلي يرتع ذلك ومثله قول الشاعر:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس «٤»\nيقول: إلّا أن يكون بها اليعافير والعيس.\nوقال بعضهم: إلّا هاهنا معنى لكن فكأنه قال وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ولا عمدا إلّا بحال. لكن إن قتله خطأ فكذا وكذا وهذا كقوله لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً «٥» معناه لكن تجارة عن تراض منكم.\nوقوله وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ أي فعليه تحرير أي إعتاق رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ.\nقال المفسرون: المؤمنة المصلية المدركة التي حصّلت الإيمان، فإذا لم تكن المؤمنة جبرها الصغيرة المولود فما فوقه ممن ليس بها زمانة وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ أي كاملة إلى أهل القتيل الذين يرثهم ويرثونه إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا أي يتصدقوا بالدية فيعفوا ويتركوا الدية.\nفَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ الآية على القاتل ولا دية لأهل القتيل، لأنهم كفار محاربون ومالهم في المسلمين وليس بينهم وبين الله عهد، ولا ذمّة وذلك ان الرجل كان يسلم ولا يسلم من تبعه غيره وقومه حرب للمسلمين فيصيبه الرجل.\n_________\n(١) سورة النجم: ٣٢.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٣/ ١٥٥ وفيه: ربط، بدل: ذيل، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣١٢، وفيه: مرط مرحل، بدل: برد مرجّل.\n(٣) الصحاح: ٤/ ١٤٠٩ وتفسير القرطبي: ٥/ ٣١٢.\n(٤) لسان العرب: ١٥/ ٣١٢.\n(٥) سورة النساء: ٢٩.","vol":"3","page":360},{"text":"وروى حمّاد عن عطاء بن السائب عن ابن عباس قال: كان الرجل يسلم، ثم يأتي قومه وهم مشركون، فيمرّ بهم جيش من جيش النبي ﷺ [فيقتل فيمن يقتل فيعتق قاتله رقبة ولا دية له] «١» فنزلت هذه الآية فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وليست له دية، وكان الحرث بن زيد قتل مؤمنا من قوم كانوا حربا لرسول الله ﷺ، وكان فيه تحرير رقبة ولم يكن فيه دية ولكنّه لم يكن بين رسول الله ﷺ وبين قومه عهد ثم قال وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أي عهد فأصبتم رجلا منهم فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ على الفاعل فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ لا تفرق بين صيامه تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وجعل الله ذلك توبة لقاتل الخطأ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا بمن قتله خطئا حَكِيمًا فيمن حكم عليه.\nوالدية في الخطأ، مائة من الإبل، عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقّة، وعشرون جذعة، ويكلف العاقلة غير إبله وجعل دونها، وإن لم يكن في بلده إبل كلّف إبل أقرب البلدان إليه، فإن أعوزت الإبل فقيمتها بالدنانير أو بالدراهم كما قوّمها عمر بن الخطاب (﵁) وكان قد كلف الأعرابي الذهب والورق لأنه لم يجد الإبل ويؤخذ ذلك من القروي لإعواز الإبل «٢» .\nفقال الشافعي في القديم: على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق إثنا عشر ألف درهم.\nوأما [أسنان] المغلظة في شبه العمد والعمد إذا ردّ إلى الدية ليربطون خلفه، [......] «٣» حقّه، وثلاثون جذعة «٤» .\nوَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا الآية\nنزلت في معين بن ضبابة الكناني، وذلك إنه وجد أخاه هشام بن ضبابة قتيلا في بني النجار وكان مسلما فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك فأرسل معه رسول الله ﷺ رجلا من بني فهر، فقال له: ائت بني النجار؟ وأقرأهم السلام وقل لهم: إن رسول الله يأمركم ان علمتم قاتل هشام بن ضبابة فيقتص منه وإن لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا له ديته فأبلغهم الفهري ذلك عن رسول الله ﷺ فقالوا: سمعا وطاعة لله ولرسوله والله ما نعلم له قاتلا ولكن نؤدي ديته قال: فأعطوه مائة من الإبل ثم انصرفا راجعين إلى المدينة وبينهما وبين المدينة قريب غرّه الشيطان قال: فوسوس إليه، فقال: أي شيء صنعت تقبل دية أخاك فيكون عليك سبّة أقتل الذي معك فيكون نفسا مكان نفس ومعك الدية.\n_________\n(١) زيادة عن تفسير الطبري: ٥/ ٢٨١.\n(٢) مختصر المزني: ٢٤٤.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) كتاب الأم للشافعي: ٦/ ١٢١.","vol":"3","page":361},{"text":"قال: فغفل معين الفهري فرماه بصخرة فشدخ رأسه، ثم ركب بعيرا منها وساق بقيّتها راجعا إلى مكة كافرا، فجعل يقول في شعره:\nقتلت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار، أرباب فارع\nوأدركت ثاري واضطجعت موسّدا ... وكنت إلى الأوثان، أوّل راجع «١»\nقول فيه وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها بكفره، وارتداده عن الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>حكم هذه الآية</span>\nفقالت الخوارج والمعتزلة: إنّها نزلت في المؤمن إذا قتل مؤمنا وهذا الوعيد لاحق به.\nوقالت المرجئة: إنّها نزلت في كافر قتل مؤمنا، فأما المؤمن إذا قتل مؤمنا فإنه لا يدخل النار.\nوقالت طائفة من أصحاب الحديث، إنها نزلت في مؤمن قتل مؤمنا وواعد عليه ما لبث إلّا أن يتوب أو يستغفر.\nوقالت طائفة منهم: كل مؤمن قتل مؤمنا فهو خالد في النار غير مؤيد ويخرج منها بشفاعة وجزاء وزعموا انه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمدا.\nوعندنا أن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا فإنه لا يكفر بفعله ولا يخرج عن الإيمان، إلّا إذا فعل ذلك على جهة الاستحلال والديانة.\nفأما إذا لم يفعله على جهة الاستحلال والديانة فإنّ ديته قتيلا ممن قتله وذلك كفارة له، فإن كان تائبا من ذلك ولم يكن منقادا ممن قيل كانت التوبة لهذا كفارة له.\nوإن خرج من الدنيا بلا توبة ولا [قود] «٢» فأمره إلى الله إن شاء غفر له وأرضى خصمه بما شاء، وإن شاء عذبه على فعله ثم يخرجه بعد ذلك إلى الجنة التي وعدها إن شاء الله لا يخلف وعدا وترك المجازاة بالوعيد يكون تفضلا، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.\nوالدليل على أن المؤمن لا يصير بقتله المؤمن كافرا ولا خارجا من الإيمان أنّ الله تعالى حين ذكر إيجاب القصاص سمّى القاتل مؤمنا بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى «٣» .\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ٢٥١، وفيه الأصنام بدل الأوثان، زاد المسير: ٢/ ١٧٣.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) سورة البقرة: ١٧٨. [.....]","vol":"3","page":362},{"text":"والقصاص لا يكون إلّا في قتل العمد فسمّاهم مؤمنين وآخى بينهم كقوله: فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ «١» فلم يرد به إلّا أخوة الإيمان، والكافر لا يكون أخا للمؤمن.\nثم قال ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ وذلك لا يلحق الكفار ثم أوجب على المعتدين بعد ذلك عذابا أليما بقوله فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ «٢» .\nولم يرد مع مثلها الغضب، ولا التخليد في النار ولا يسمى هذا العذاب نارا، والعذاب قد يكون نارا وقد يكون غيرها في الدنيا، ألا ترى إلى قوله يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ «٣» يعني القتل والأسر، والدليل عليه قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ «٤» مخاطبا المقاتلين فخاطب به المصلين ولو كان القتل يخرجهم من الإيمان، لجاز مخاطبتهم به لذلك قال الله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا واقتتال الطائفتين كان على العمد أو على الخطأ، والدليل عليه أيضا ما\nروي عن النبي ﷺ إنه كان يبلّغ أصحابه على أن لا يشركوا بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يقتلوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وعلى ما في القرآن ممن فعل من ذلك شيئا، فكان عليه أجرا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، ومن كفر بالله فأمره إلى الله ﷿ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه، ولو كان القاتل خارجا عن الإسلام.\nلم يكن لقول النبي ﷺ معنى،\nوروي أنّ مؤمنا قتل مؤمنا متعمّدا على عهد رسول الله ﷺ فلم يأمر القاتل بالإيمان من فعله ولو كان [كافرا] أو خارجا عن الإيمان. لأمره أولا بالإيمان.\nوقال: لطالب الدم أتعفو؟ قال: لا ثم قال أتأخذ الدية؟ قال: لا، فأمره بقتله ثم أعاد عليه مرتين أو ثلاثة حتى قبل الدية ولم يحكم على القاتل بالكفر\n، ولو كان ذلك كفرا لبينه رسول الله ﷺ لأن بكفر كان قد حرم بها أهله عليه، ولم يجز على الرسول الإغفال عنه لأنه الناصح، الشفيق، المبعوث بالتأديب والتعليم.\nوقد روي عن النبي ﷺ إنه قال: «ثلاثة من أهل الإسلام. الكفّ عمّن قال: لا إله إلّا الله لا نكفره بذنب [ولا نخرجه من الإسلام بعمل]، والجهاد ماض منذ بعثني الله إلى أن تقوم الساعة، والإيمان بالأقدار» «٥» .\nودليل آخر على إن القاتل لا يصير كافرا بالقتل وهو أن الكفر من الجحود وأيضا الشرك اضافة، والقاتل لم يجحد ولم قبول الفرائض ولا أضاف إلى الله شركاء، ولو جاز أن يكون كافرا من لم يأت بالكفر فجاز أن يكون مؤمنا من لم يأت بالإيمان [......] «٦» .\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٧٨.\n(٢) سورة البقرة: ١٧٨.\n(٣) سورة التوبة: ١٤.\n(٤) سورة المائدة: ٦.\n(٥) كنز العمال: ١٥/ ٨١١ ح ٤٣٢٢٦، والجامع الصغير: ١/ ٥٢٧ بتفاوت.\n(٦) كلمة غير مقروءة.","vol":"3","page":363},{"text":"وقد تكلفت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية.\nوقيل: إن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا يدخل في النار مؤبدا لأنّ الله تعالى قال: خالِدًا فِيها.\nيقال لهم: إن هذه الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا متعمدا.\nوقد ذكرنا القصة فيه وسياق الآية وروايات المفسرين [لها] على أنّا لو سلّمنا إنّها نزلت في مؤمن قتل مؤمنا متعمدا، فإنا نقول لهم: لم قلتم إن الخلود هو التأبيد، خبرونا عن قول الله وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ فما معنى الخلد هاهنا في النار، يقولون: إنه المراد به التأبيد في الدنيا.\nوالدنيا تزول وتفنى.\nومثله قوله أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «١» وكذلك قوله يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ «٢» إنما يعني في الدنيا أفتقولون إنّه أراد به التأبيد؟\nفإن قالوا: لا ولا بد منه، فيقال لهم: قد ثبت أن معنى الخلود هو معنى التأبيد، فكذلك يقول العرب: لأودعنّ فلانا في السجن، أفتقولون إنه أراد به التأبيد والسجن ينقطع ويفنى؟\nوكذلك المسجون يدخل ويخرج منه فإن قالوا: إن الله لما قال: وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ دلّ على كفره لأن الله لا يغضب إلّا على من كان كافرا أو خارجا من الإيمان.\nقلنا: إن هذه الآية لا توجب عليه الغضب لأن معناه فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ ان يغضب عليه ويلعنه، وما ذكر الله من شيء وجعله جزاء لشيء فليس يكون ذلك واجبا كقوله إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «٣» وكم محارب لله ولرسوله لم يحلّ به شيء من هذه المعاني. إلى أن فارق الدنيا. وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «٤» .\nولم يقل: أجزي بكل سيئة بسيئة مثلها.\nولو كان المعنيان في ذلك سواء لم يكن إذا لقوله وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ «٥» معنى، فكذلك هاهنا.\nولو كان ذلك على معنى الوجوب.\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٣٤.\n(٢) سورة الهمزة: ٣.\n(٣) سورة المائدة: ٣٣.\n(٤) سورة الشورى: ٤٠.\n(٥) سورة المائدة: ١٥.","vol":"3","page":364},{"text":"كان لقوله وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ووجدنا في لغة العرب.\nإنه إذا قال القائل: جزاؤه كذا ثم لم يجازه لم يكن كاذبا، وإذا قال: أجزيه، ولم يفعل كان كاذبا، فعلم أن منهما فرضا واضحا يدل على صحة هذا التأويل.\nما روى العلاء بن المسيب عن عاصم بن أبي النجود عن ابن عباس.\nقوله فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ «١» أي في جزائه إن شاء عذبه وان شاء غفر له.\nوروى شعبة عن يسار عن أبي صالح قال: فَهُوَ جَزاؤُهُ إن جازاه فهو جزاؤه.\nروى الحجاج بن الأسود عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: في قوله تعالى: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ قال: جزاؤه إن جازاه\n[قال: فليس] قوله وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ من الأفعال الماضية.\nومتى قلتم أن المراد منه: فجزاؤه ذلك أن جازاه كان من الأفعال المستقبلة؟ يقال لهم: قد يرد الخطاب بصفة الماضي والمراد المستقبل.\nوهو قوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ «٢» . وَحَشَرْناهُمْ «٣» وَقالَ قَرِينُهُ «٤» كل ذلك يكون مستقبلا، وقد يرد بلفظ المستقبل، والمراد به الماضي كقوله وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ «٥» .\nبمعنى إلّا ان آمنوا، ومثله كثير، وقد قيل في تأويل هذه الآية: إن هذا الوعيد وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مستحلا لقتله، وأما قوله: من زعم أنه لا توبة له فأنه خارج من الكتاب والسنّة.\nوذلك يغفر الله لهم الذنوب.\nوأمر بالتوبة منها فقال وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا «٦» ونحوه من الآيات. ولم يفصل بين ذنب وذنب، وإذا كان الله قابل التوبة من الكفر فقبول التوبة من القتل أولى.\nقال الله وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ «٧» إلى قوله وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا «٨» وقال إخوة يوسف اقْتُلُوا يُوسُفَ «٩» ثم قال وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ «١٠» يعني بالتوبة\nوسئل النبي ﷺ: أمن كل ذنب يقبل التوبة؟ فقال: نعم، فإن قيل: فلم يقولون في الاخبار التي وردت أنّ القاتل لا توبة له؟ قيل: تأويلها إن صح الخبر بها على أنه إذا لم يرتكب ذنبا ولم يستغفر الله منه\nويدل على هذا ما\nحدّث:\n_________\n(١) سورة النساء: ٩٣.\n(٢) سورة الكهف: ٩٩.\n(٣) سورة الكهف: ٤٧. [.....]\n(٤) سورة ق: ٢٣.\n(٥) سورة البروج: ٨.\n(٦) سورة النور: ٣١.\n(٧) سورة الفرقان: ٦٨.\n(٨) سورة البقرة: ٦٢.\n(٩) سورة يوسف: ٩.\n(١٠) سورة يوسف: ٩.","vol":"3","page":365},{"text":"خالد بن دهقان عن أبي زكريا قال: سمعت أم [الدرداء] تقول: سمعت أبا الدرداء يقول:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل ذنب عسى الله أن يغفر إلّا من مات مشركا أو قتل مؤمنا متعمدا» «١» [٣٧٥] .\nقال خالد بن دهقان: فقال هاني بن كلثوم: سمعت محمود بن ربيع يحدّث عن عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: «من قتل مؤمنا ثم اغتبط «٢» بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» «٣» [٣٧٦] .\nقال خالد: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: اغتبط بقتله، قال: هم الذين يقتتلون في الفتنة فيقتل أحدهم فيرى أنه على هدى ولا يستغفر الله منه أبدا.\nسفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لا أعلم للقاتل توبة إلّا أن يستغفر الله.\nوروى أبو الأشهب عن سليمان بن علي الكلبي عن الحسن أنه قرأ هذه الآية مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ «٤» إلى قوله جَمِيعًا. هات يا أبا سعيد، أي علينا كما كانت على بني إسرائيل.\nفقال: إي والله الذي لا إله إلّا هو ما جعل دماء بني إسرائيل أكرم من دمائنا، فإن قيل:\nفما تقولون فيما روى سفيان عن المغيرة بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ «٥» قال: ما [نسخها] شيء.\nوروى الحجاج عن ابن جريج عن القاسم بن أبي [بزة] أنه سأل سعيد: هل لمن قتل مؤمنا من توبة؟ فقال: لا، فنزلت عليه الآية وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ «٦» إلى قوله إِلَّا مَنْ تابَ.\nقال سعيد: فقرأها عليّ ابن عباس [كما قرأتها] «٧» عليّ فقال: هذه مكّية نسختها أي مدنية التي في سورة النساء.\nوروى أبو الزناد عن خارجة بن زيد عن أبيه زيد بن ثابت قال: لما نزلت هذه الآية التي\n_________\n(١) كنز العمال: ١٥/ ٢٠ ح ٣٩٨٨٩.\n(٢) في المصدر: فاغتبط.\n(٣) مسند الشاميين: ٢/ ٢٦٦.\n(٤) سورة المائدة: ٣٢.\n(٥) سورة النساء: ٩٣.\n(٦) سورة الفرقان: ٦٨.\n(٧) كذا في المخطوط. [.....]","vol":"3","page":366},{"text":"في الفرقان وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إلى قوله إِلَّا مَنْ تابَ «١» عجبنا من لينها فلبثنا سبعة أشهر ثم نزلت في سورة النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ الآية فنسخت الغليظة اللينة يقال: إن الغليظة نزلت بعد اللينة بستة أشهر.\nنقول ومن الله التوفيق: إن قول المفسرين واختلافهم في الآيتين أيهما أنزلت قبل، وقوله:\nإن واحدة منها ناسخة والأخرى منسوخة فلا فائدة منه إذ ليس سليما سبيل الناسخ والمنسوخ، لأن النسخ لا يقع في الأخبار، وإنما يقع في الأحكام والآيتان جميعا [خبر أنّ] .\nفإن تكن الآية التي أنزلت في النساء أولا فإنها مجملة لم يستوف حكمها بالنص.\nوفسر حكمها في الآية التي في الفرقان.\nوإن كانت هي في الفرقان نزلت متقدمة. ثم أنزلت التي في النساء فإنه استغنى بتفسير ما في القرآن عن إعادة تفسيرها في النساء والله أعلم.\nوأما قول من زعم أن من وافى القيامة وهو مرتكب الكبائر. وهو مؤمن لم يضره ذلك فإنه [رادّ] لكتاب الله تعالى لأن الله تعالى قال إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢»، فلم يطلق المغفرة لما دون الشرك بل ردّه إلى المشيئة ليعلم إن منه ما يكون مغفورا أي ما يكون صاحبه معذورا ثمّ يخرج من النار فلا يؤبد فيها، ويؤيد ذلك. قضية الشفاعة وغيرها.\nفدلت هذه الدلائل على بطلان قول الوعيدية والمرجئة، وصحة قولنا، فهذا حكم الآية.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل من بني مرة بن عوف بن سعد [بن ذبيان] يقال له: مرداس بن نهيك وكان من أهل فدك وكان مسلما لم يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله ﷺ تريدهم وكان على السرية يومئذ رجل يقال له غالب بن فضالة الليثي فهربوا وأقام الرجل لأنه كان على دين المسلمين.\nفلما رأى الخيل خاف أن تكون من غير أصحاب رسول الله ﷺ، فألجأ غنمه إلى عاقول في الجبل وصعد هو إلى الجبل، فلما تلاحقت الخيل سمعهم يكبّرون، فلما سمع التكبير عرف أنهم من أصحاب رسول الله ﷺ فكبّر فنزل وهو يقول: لا إله إلّا الله محمد رسول الله السلام عليكم فتغشاه أسامة بن زيد بن حارثة فقتله وأخذوا غنمه ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه الخبر فوجد رسول الله ﷺ من ذلك وجدا شديدا.\n_________\n(١) سورة الفرقان: ٧٠.\n(٢) سورة النساء: ٤٨.","vol":"3","page":367},{"text":"وقد كان سبقهم قبل ذلك الخبر.\nفقال رسول الله ﷺ: «قتلتموه إرادة ما معه» [٣٧٧] ثم قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية على اسامة بن زيد فقال: يا رسول الله استغفر لي وقال: «فكيف بلا إله إلّا الله» قالها رسول الله ﷺ ثلاث مرات «١» .\nقال أسامة: فما رآني رسول الله ﷺ بعدها حتى وددت أني لم أكن أسلمت إلّا يومئذ ثم إن رسول الله ﷺ استغفر لي بعد، ثلاث مرات. فقال: أعتق رقبة.\nوبمثله قال قتادة،\nوروى سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس. قال: مرّ رجل من بني سليم على نفر من أصحاب رسول الله ﷺ معه غنم فسلّم عليهم فقالوا: ما سلّم عليكم إلّا متعوّذا، فعمدوا إليه فقتلوه وأخذوا غنمه فأتوا بها رسول الله ﷺ فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nوروى المبارك عن الحسن أنّ أناسا من المسلمين لقوا أناسا من المشركين فحملوا عليهم فهزموهم قال: فشدّ رجل منهم وتبعه رجل وأراد متاعه فلما غشيه بالسيف. قال: إني مسلم إنّي مسلم وكذّبه ثم أوجره السنان فقتله وأخذ متاعه.\nقال: وكان والله قليلا نزرا.\nقال: فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: أقتلته بعد ما زعم أنه مسلم!، فقال: يا رسول الله إنما قالها متعوذا، فقال رسول الله ﷺ «فهلّا شققت عن قلبه؟» «٢» .\nقال: لم يا رسول الله؟ قال: «لتنظر صادقا كان أو كاذبا» قال أو كنت أعلم ذلك يا رسول الله؟ قال: «إنما ينبئ عنه لسانه» [٣٧٨] قال: فما لبث القاتل أن مات ودفن فأصبح. وقد وضع إلى جنب قبره، ثم عادوا فحفروا له فأمكنوا ودفنوه فأصبح وقد وضع إلى جنب قبره مرتين أو ثلاثا فلما رأى أصحاب رسول الله ﷺ أن الأرض لا تقبله أخذوا رجله وألقوه في بعض تلك الشعاب، قال: فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية.\nقال الحسن: أما ذاك ما كان أن تكون الأرض [تحبس] من هو شر منه ولكن وعظا لقوم أن لا يعودوا إلى مثل فعله.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي إذا سرتم في الأرض مجاهدين فَتَبَيَّنُوا يعني المؤمن من الكافر، ومن قرأ بالتاء والثاء أي قفوا حتى تعرفوا المؤمن من الكافر\n_________\n(١) شرح مسلم للنووي: ٢/ ١٠١.\n(٢) مستدرك الصحيحين: ٣/ ١١٦.","vol":"3","page":368},{"text":"وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا لأن تحية المؤمن السلام بها يتعارفون وبها يحيي بعضهم بعضا.\nقال: ابن سيرين: إنما قال: (إِلَيْكُمُ) لأنه سلّم عليهم رجل فقتلوه ومن قرأ السّلام فمعناه المقادة يعني يطلبون بذلك الغنم والغنيمة وسلب وعرض الدنيا منافعها ومتاعها، ويقال: العرض ما سوى الدراهم والدنانير فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يعني ثوابا كثيرا لمن ترك قتل المؤمن كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ تأمنون في قومكم من المؤمنين بلا إله إلّا الله قبل الهجرة فلا تخيفوا من قالها، فنهاهم أن يخيفوا أحدا بأمر كانوا يأمنون بمثله وهم في قومهم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالهجرة فَتَبَيَّنُوا أن تقتلوا مؤمنا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من الخير والشر خَبِيرًا.\nروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، قال: حرّم الله على المؤمن أن يقول لمن عهد أن لا إله إلّا الله: لست مؤمنا، كما حرّم عليهم الميتة فهو آمن على ماله ودمه فلا يردّوا عليه قوله (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) .\nزعم ابن [سيرين] هو القول بهذه الآية.\nوقالوا لما قال الله وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا منعهم من قبلهم بعد اظهارهم الإسلام ولم يكن ذلك إلّا قولهم فلولا أن الإيمان هو القول، وذلك أن القوم لما شكّوا في حال أصله كان هذا القول منه تعوذا؟ فقتلوه والله تعالى لم يجعل إلى عبده غير الحكم بالظاهر.\nوقد قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله» «١» [٣٧٩]\nوليس في ذلك أن الإيمان هو الإقرار فقط» . ألا ترى أنّ المنافقين كانوا يقولون هذا القول. ثم لم يكن ذلك ايمانا منهم.\nوقد تبين من معنى هذه الآية\nان النبي ﷺ قال: «هلا شققت عن قلبه»\n«٢» [٣٨٠] فثبت أن الإيمان هو الإقرار وغيره، وأنّ حقيقة التصديق بالقول، ولكن ليس للعبد حكم إلّا على ما سمعه منه فقط، وفي هذه الآية ردّ على أهل القدر وهو أنّ الله تعالى أخبر أنه منّ على المؤمنين من بين جميع الخلق. ممن خصّهم بالتوفيق فصاروا مخصوصين بالإيمان وأنّ الله لو خلق الخلق كلّهم للإيمان. كما زعمت القدرية فما معنى اختصاصهم بالمنة من بين الخلق كلّهم، وبالفصل بينهم وبين من قال إنّ المتنعم في الإيمان بالله إذ كانوا مساوين لغيرهم في جميع المعاني فأقروا ولم يعاندوا كما عائد غيرهم منع مساواتهم لهم في جميع المعاني.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ١١.\n(٢) كنز العمّال: ١٠/ ٣٨٩ ح ٢٩٩٢٨.","vol":"3","page":369},{"text":"لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ الآية.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين عن غيرهم في الجهاد أتى عبد الله بن أم مكتوم وعبد الله بن جحش الأسدي. وليس الأزدي. وهما عميان فقال: يا رسول الله ذكر الله فضيلة المجاهدين على القاعدين فأمر بالجهاد وحالنا على ما ترى ونحن نلبي الجهاد فهل لنا من رخصة فنزل غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ في البصر فهم من الذين جاهدوا مع المجاهدين لزمانتهم.\nوروى مجاهد عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لما نزلت هذه الآية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قال ابن أم مكتوم:\nاللهم أنزل عذري، فنزلت (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) فوضعت بينهم وكان بعد ذلك يغزو ويقول ادفعوا إليّ اللواء ويقول: أقيموني بين الصفين فإني لا [أستطيع] أن أفرّ.\nمعمر عن ابن شهاب عن زيد بن ثابت قال: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ وفخذه على فخذي وقد أملى عليّ لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فعرض ابن أم مكتوم قال: فبقيت فخذ رسول الله على فخذي حتى كادت تتحطّم ونزلت عليه غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ\nوبقية الآية لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عن الغزو أو الجهاد، الذين هم غير أولي الضرر وهم أولي الزمانة والضعف في الدين والبصر، والضرر مصدر، يقال: رجل ضرير من الضرر.\nوروى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أولي. الضرر.\nوَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي ليس المؤمنين القاعدون عن الجهاد من غير هم والمؤمنون المجاهدون غير أولي الضرر فإنهم يساوون المجاهدين، لأن الضرر أقعدهم عنه والضرر رفع على نعت القاعدين، ونصب على الاستثناء فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً أي فضيلة وَكُلًّا يعني المجاهد والقاعد وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ومن يجاهد [الجنّة، وزاد] «١» من فضل المجاهدين فقال وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا قال: كان يقال:\nالإسلام درجة، والهجرة في سبيل الله درجة، والجهاد في الهجرة درجة والقتل في الجهاد درجة.\nوقال ابن [محيريز] في هذه الآية: هي سبعون درجة ما بين كل درجتين عدد [حضر الفرس الجواد المضمر] «٢» سبعين خريفا.\n_________\n(١) زيادة لتقويم النصّ وعبارة المخطوط لا تقرأ.\n(٢) زيادة عن تفسير الطبري: ٩/ ٢٤٠ ح ١٢١٩١.","vol":"3","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>[سورة النساء (٤): الآيات ٩٧ الى ١٠٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨) فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩) وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٠) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٠٢) فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)\nإِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الآية. نزلت في ناس من أهل مكة دخلوا في الإسلام ولم يهاجروا، منهم قيس بن الفاكه بن المغيرة. وقيس بن الوليد بن المغيرة وانهم أظهروا الإيمان وأسرّوا النفاق فلما كان يوم بدر خرجوا مع المشركين إلى حرب المسلمين فلما التقى الناس.\nورأوا قلة المؤمنين قالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ، فقتلوا يوم بدر فضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم وهزموهم، فذكر الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ أي يقبض أرواحهم ملك الموت.\nوقوله تَوَفَّاهُمُ إن نصبت جعلته ماضيا فيكون في موضع النصب وإن نصبت أمسى فيكون على مستقبل ومعنى تَتَوَفَّاهُمُ وأراد بالملائكة ملك الموت لأن الله تعالى قد يحمل الخطاب في موضع ويفسره في موضع فيكون الحكم للمفّسر فيرد عهد الله وقوله إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يحتمل أن يكون أراد به ملك الموت واحتمل أن يكون غيره لكنه لمّا فسّره في موضع آخر بقوله قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ «١» علم أن المراد بقوله (تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) ملك الموت والله أعلم.\nفإن قيل: فلم أخرجه بلفظ الجماعة؟ قيل: قد يرد الخطاب بلفظ الجمع والمراد به الواحد كقوله ﷿ (إِنَّا نَحْنُ) ولا عليك إن الله واحد.\n_________\n(١) سورة السجدة: ١١.","vol":"3","page":371},{"text":"ومثله في القرآن كثير وقوله (ظالمي) ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالشرك، والنفاق، ونصب ظالِمِي على الحال من (تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ) في حال تحملهم أي شركهم قالُوا يعني الملائكة.\nفِيمَ كُنْتُمْ أي في ماذا كنتم؟ سؤال تقريع وتوبيخ ويجوز أن يكون معناه: فيمن كنتم أفي المشركين أم في المسلمين؟\nقالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ أي مقهورين عاجزين فِي الْأَرْضِ يعني أرض مكة فأخرجونا معهم كارهين قالُوا يعني الملائكة أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ يعني أرض المدينة واسِعَةً أي آمنة فَتُهاجِرُوا فِيها فتضلّوا بها وتخرجوا من بين أظهر مكة.\nوروى سليمان بن عمرو عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير في قوله أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها قال إذا عمل بالمعاصي في أرض فأخرج منها.\nوروى سليمان بن عمرو عن عباد بن منصور بن الناجي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «من فرّ بدينه من أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب به الجنة وكان رفيق أبيه إبراهيم ونبيه محمد ﷺ» «١» [٣٨١] .\nفأكذبهم الله ﷿ وإنّما أنّهم كانوا مستطيعين الهجرة فقال فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ أي منزلهم جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيرًا أي بئس المصير إلى جهنم.\nثم استثنى أهل مكة منهم فقال: إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ يعني المؤمنين المخلصين المقهورين بمكة لم يستطيعوا الهجرة ومنعوا من اللحوق بالنبي ﷺ ويتجهزون للحوق به مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ والْمُسْتَضْعَفِينَ نصب على الاستثناء من مأواهم لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً لا يقدرون على حيلة ولا قوة ولا نفقة للخروج منها وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا لا يعرفون طريقا إلى الخروج منها وقال: إنّما يعني طريق المدينة قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من الذين لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا وكنت غلاما صغيرا فَأُولئِكَ الذين هم بهذه الصفة عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ أي يتجاوز وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا وفي هذه الآية دليل على إمكان قول من قال إن الإيمان هو الاقرار فقط وذلك إن هؤلاء القوم كانوا قد أضمروا الإقرار فلم ينفعهم ذلك بعد أن لم تكن سرائرهم موافقه لأقوالهم وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في طاعة الله يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً.\nمجاهد: مُراغَمًا كَثِيرًا: أي متزحزحا على كره.\nعلي بن أبي طلحة: عن ابن عباس، وعليّ بن الحكم عن الضحاك: المراغم: السهول من الأرض إلى الأرض.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٣/ ١٧٢، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣٤٧.","vol":"3","page":372},{"text":"أما السعة فسعة من الرزق، وبه قال مقاتل بن حيان.\nوقال أبو عبيدة: المراغم والمهاجر واحد، يقال: راغمت قومي وهاجرتهم وهو المضطرب، والمذهب في الأرض.\nقال النابغة الجعدي:\nكطود يلاذ بأركانه ... عزيز المراغم والمهرب «١»\nوقال الشاعر:\nإلى بلد غير داني المحل ... بعيد المراغم والمضطرب «٢»\nقال القيسي: فأصله أن الرجل كان إذا أسلم خرج من قومه مراغما أي مغاضبا لهم ومهاجرا أي مقاطعا عن دينهم، وقيل للمذهب مراغم وللمصير للنبي ﷺ هجرة لأنها كانت هجرة الرجل قومه.\nوقيل: إن أصله من الرغام وهو التراب أي راغمته أي هاجرته ولم أبال وإن رغم أنفه أي ألصق بالتراب.\nفلما نزلت هذه الآيات سمعها رجل من بني ليث شيخ كبير [وضيئا] يقال له: جندع «٣» فقال: والله ما أنا ممن استثنى الله وإني لأجد حيلة وإن لي من المال ما يبلغني المدينة وأبعد منها، والله لا أبقى الليلة بمكة، أخرجوني، فخرجوا به يحملونه على سرير حتى أتوا به إلى التسنيم فأدركه الموت بها فصفق يمينه على شماله. ثم قال: هذه لك هذه لرسولك أبايعك على ما بايعك عليه رسولك فمات شهيدا فأتى خبره أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: لو وافى المدينة لكان مهاجرا، وقال المشركون وضحكوا منه ما أدرك هذا ما طلب، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ قبل بلوغه إلى مهاجره فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ أي وجب ثوابه عَلَى اللَّهِ بإيجابه ذلك على نفسه وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا كان منه في حال الشرك رَحِيمًا بما كان منه في الإسلام.\nوَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ أي هاجرتم فيها فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أي حرج وإثم أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ يعني من الأربع ركعات إلى ركعتين إِنْ خِفْتُمْ أي علمتم أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا في الصلاة إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا مجاهرا بعداوته وقال: [....]\nعدوا بمعنى أعداء والله «٤» أعلم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٣٢٢، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣٤٨.\n(٢) لسان العرب: ١٢/ ٢٤٧.\n(٣) في تفسير الطبري: ٥/ ٣٢٤: ضمرة.\n(٤) راجع تفسير القرطبي: ٥/ ٣٦٣. [.....]","vol":"3","page":373},{"text":"قوله إِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ.\nتمام الكلام هاهنا.\nثم أصبح يقصر صلاة المسافر واو العطف فقال: (إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) يريد فإن خفتم وهو حرف شرط وفي القرآن مثل هذا كثير أي خفي الخبر بتمامه ثم عطف عليه حرف منفصل عنه في الباطن وهو في الظاهر كالمتصل كقوله الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ «١» الآية.\nهذا اعتراف امرأة العزيز ثم وصل بها حكاية أخرى عن يوسف وهو قوله ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ لأن بعد الاعتراف بالذنب لا معنى لقولها لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ.\nوفي التفسير: أنّ يوسف لما قال هذه المقالة. قال له جبرئيل (﵇) ولا حين هممت؟ وعندئذ قال يوسف وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي «٢» ومثل قوله تعالى وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ\nوقال: ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ «٣» افتتاح كلام آخر يريد به النفي لأنه لو كان متصلا بأول الكلام كان معناه [....] «٤» .\nقال: وحمل الآية على نحو ما أشرنا إليه من النظم يفيد زيادة معنى وهو وجوب القصر في السفر من غير خوف نص الآية لأنك متى ما فصلت قوله تعالى أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا متصلا بذكر قصر الصلاة لزمك أن تقول قصر الصلاة في السفر من غير خوف بالسنّة وأن السنّة ناسخة الكتاب، قيل: على زيادة معنى مع استقامة نظمها أولى من حملها على غيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>حكم الآية</span>\nاختلف أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم في إتمام الصلاة في السفر أربع ركعات ولكن أبيح له القصر تخفيفا عنه وإليه ذهب الشافعي، ورجّح الوجوب\nطلحة بن عمرو عن عطاء بن أبي رباح عن عائشة ﵂ قالت: كل ذلك قد فعل رسول الله ﷺ بعسفان في غزوة بني لحيان «٥» .\nوَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ الآية.\nروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وجابر قالا: إن المشركين لما رأوا أن رسول\n_________\n(١) سورة يوسف: ٥١.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٤.\n(٣) سورة القصص: ٦٨.\n(٤) كلام غير مقروء.\n(٥) راجع أحكام القرآن للجصّاص: ٢/ ٣٣١.","vol":"3","page":374},{"text":"الله ﷺ وأصحابه [قاموا إلى] صلاة الظهر يصلّون جميعا ورسول الله ﷺ يؤمهم ندموا على تركهم إلّا كانوا كبرا عليهم فقال بعضهم لبعض: دعوهم فإن لهم بعدها صلاة هي أحبّ إليهم من آبائهم وأبنائهم يعني صلاة العصر. وإذا رأيتموهم قد قاموا فيها فشدّوا عليهم فاقتلوهم.\nفلما قاموا إلى الصلاة العصر نزل جبرئيل (﵇) فقال: يا محمد إنها صلاة الخوف فإن الله يقول وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ مقيما يعني شهيدا معهم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا إلى آخر الآية قال: فعلمه جبرئيل صلاة أخرى.\nفلما قام النبي ﷺ إلى الصلاة وقف أصحابه صفين ثم كبر فكبروا جميعا، ثم إن الصف الآخر استقبلوا العدو بوجوهم يحمون النبي وأصحابه، فصلى رسول الله ﷺ بالصف الذي معه ركعة وسجدتين ثم قاموا وكبروا وراءهم من غير أن يتكلموا إلى مصاف أصحابهم ونكص آخرون حتى قاموا خلف رسول الله ﷺ فصلى بهم ركعة وسجدتين ثم تشهد وسلّم ثم قام الصف الذي خلفه فرجعوا إلى مصاف أصحابهم، وكانت لرسول الله ﷺ ركعتان وأربع سجدات والقوم ركعة وسجدتين وصلّى كل إنسان منهم لنفسه ركعة وسجدتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>كيفية صلاة الخوف</span>\nاختلف العلماء في كيفية صلاة الخوف.\nفقال الشافعي: إذا صلّى في سفر صلاة الخوف من عدو غير مأمون، صلى الإمام بطائفة ركعة وطائفة فجاءه العدو فإذا فرغ العدو قام فلبث قائما وأطال وأتمم الطائفة للركعة التي بقيت عليها يقرأ بأم القرآن وسورة، ويخفف ويسلم وينصرف فيقف وجاءه العدو، ويأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها الإمام الركعة الثانية التي بقيت عليه فيقرأ فيها بعد إتيانهم بأم القرآن وسورة قصيرة ويثبت جالسا وتقوم الطائفة تتم لنفسها الركعة التي بقيت عليها بأم القرآن وسورة قصيرة ثم تجلس مع الإمام كل واحدة منهما مع إمامها ما أحدثت الأخرى منه.\nواحتج بقول الله تعالى. وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ الآية.\nفاحتج أيضا\nبأن النبي ﷺ فعل ذلك يوم ذات الرقاع.\nوروى معاوية عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ قال: هذا في الصلاة عند الخوف يقيم الإمام ويقوم معه طائفة منهم وطائفة يأخذون أسلحتهم ويقفون بإزاء العدو فيصلي الإمام بمن معه ركعة ثم يثبت قائما فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ثم ينصرفون حتى يأتوا بأصحابهم فيقفون موقفهم. ثم يقبل الآخرون فيصلي بهم الإمام الركعة الثانية ثم يجلس الإمام فينظرهم فيقوم القوم فيصلون لأنفسهم الركعة الثانية ويشهدون ثم يسلم بهم الإمام، فهكذا صلّى رسول الله ﷺ يوم ذات الرقاع.","vol":"3","page":375},{"text":"ويدل على صحة هذا التأويل أيضا حديث سهل بن أبي خيثمة في صلاة الخوف وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: يقوم الإمام في صلاة الخوف ويقوم صف خلفه وصف موازي العدو فيصلي بهؤلاء ركعة. قال: فإذا صلّى بهم ركعة قاموا مكانهم والإمام قائم فيصلوا ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف أولئك وجاء أولئك فيصلي بهم ركعة. ثم قاموا مكانهم فصلّوا ركعة.\nقال الشافعي: فإن كانت صلاة المغرب فإن صلّى ركعتين بالطائفة الاولى فيثبت قائما وأتموا لأنفسهم فحسن، وإن ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم [فجائز] ثم يأتي بالطائفة الأخرى فيصلي بها بقي عليه ثم يثبت جالسا حتى يقضي ما بقي عليها ثم يسلم بهم.\nقال: وإن كانت صلاة حضر فلينتظر جالسا في الثانية أو قائما في الثالثة حتى يتم الطائفة التي معه. ثم تأتي الطائفة الأخرى فيصلي بها كما وصفت الأخرى.\nقال: وإن كان العدو قليلا من ناحية القبلة والمسلمون كثير يأمنوهم في مستوى لا يسترهم شيء إن حملوا عليهم زادهم صلّى بهم الإمام جميعا وركع وسجد بهم جميعا إلّا صف عليه أو بعض صف الوراء وإذا قاموا بعد السجدتين سجد الذين حرسوا.\nوإذا ركع ركع بهم جميعا وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولئك إلّا صفا أو بعض صف يحرسونهم فيهم فإذا سجدوا سجدتين وجلسوا سجد الذين يحرسونهم ثم يتشهد ويتشهدون ثم يسلم بهم جميعا معا وقال: وهو تأخر منهم يحرسونهم إلى الصف الثاني.\nويقدم الثاني فحرسوا فلا بأس، وهذا نحو صلاة رسول الله ﷺ يوم عسفان.\nروى شبل عن محمّد بن يوسف عن مجاهد في قوله فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ قال قوم: كان النبي ﷺ وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان «١» فتوافقوا فصلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر أربعا ركوعهم وسجودهم وقيامهم معا جميعا فهمّ بهم المشركون أن يغيروا على صفوفهم، وأثقالهم وأنزل الله تعالى فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ فصلى العصر فصف أصحابه صفين. ثم كبر بهم جميعا ثم سجد الأولون سجدة فالآخرون ثم سجدوا حين قام النبي ﷺ والصف الأقل ثم كبّر بهم وركعوا بهم جميعا فتقدم الصف الآخر وليتأخر الصف الأول فيها فصلوا جميعا كما فعلوا أول مرة وقصر صلاة العصر في ركعتين، وتشهد\n، فهذا حديث جابر في صلاة الخوف.\nعطاء عن جابر قال: صلينا مع الرسول ﷺ صلاة الخوف وكان العدو بيننا وبين القبلة فأقيمت الصلاة فصففنا خلفه صفين. وكبّر وكبّرنا معه جميعا ثم ركع وركعنا معه ثم رفع رأسه فسجد فلما سجد هو والصف الذي يليه وقام الصف المؤخر في نحو العدو.\n_________\n(١) جبل بناحية مكّة على طريق المدينة.","vol":"3","page":376},{"text":"وكلما قضى رسول الله السجود هو والصف الذي يليه. قاموا بحذاء الصف المؤخّر بالسجود فسجدوا ثم تأخر الصف المقدم وتقدم الصف المؤخر ثم كبّر رسول الله ﷺ ثم ركع وركعنا جميعا.\nثم رفع رأسه فاستوى قائما فسجد هو والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الاولى، فلما قضى النبي ﷺ السجود هو والصف الذي يليه سجد الصف المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلّم رسول الله ﷺ وسلموا جميعا، كما نصنع وسلّم هؤلاء بأقرانهم.\nقال الشافعي: ولو صلّى بالخلف [....] «١» .\nفإذا صلّى بالطائفة الأخرى ركعتين ثم يسلم جائز وهكذا صلاة النبي ﷺ ببطن المحل.\nوروى يحيى بن أبي كبر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله أخبره إنه صلى مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف فصلى رسول الله ﷺ بإحدى الطائفتين ركعتين وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله أربع ركعات وصلّى كل طائفة ركعتين.\nقال المزني: وهذا يدل عندي بوجوب فريضة خلف من يصلي نافلة لأن النبي ﷺ صلى بالطائفة الثانية فريضة لهم ونافلة له ﷺ فهذا مذهب الشافعي في صلاة الخوف.\nوقال أبو حنيفة: السنّة أن يفرّق الإمام المسلمين فرقتين، فيصلّي بفرقة ركعة، وفرقة فجاءه العدو ثمّ يتشهّد بالفرقة التي سلّمت فيصلي بركعة وهم في الصلاة فيقفون.\nوجاءه العدو وجاءت الفرقة الأخرى فصلت مع الإمام الركعة الأخرى. ثم انصرفت وعادت الفرقة الاولى وصلت صلاتها فعادت إلى مواجهة العدو وانصرفت الفرقة الأخرى.\nوأتمّت صلاتها، وذهب أبو حنيفة في هذا إلى حديث ابن عمر في صلاة الخوف.\nوهو ما\nروى ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يحدث انه صلاها مع النبي ﷺ فصفّ وراءه طائفة وأقبلت طائفة على العدو، فركع [بهم] رسول الله ﷺ ركعة وسجدتين، [سجد] مثل نصف صلاة الصبح ثم انصرفوا وأقبلوا على العدو وصلت الطائفة الأخرى فصلوا مع النبي ﷺ ففعل مثل ذلك، ثم سلّم النبي ﷺ وقام كل رجل من الطائفتين فصلى لنفسه ركعة [وسجدتين] «٢» .\nقال نافع عن ابن عمر: فإن كان خوفا أشد من ذلك، فليصلوا قياما وركبانا حيث جهتهم وهذه صلاته بذي قردة.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ١٥٠.","vol":"3","page":377},{"text":"وروي عن أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة الخوف بذي قرد فصف صفا يوازي العدو.\nوقال: فصلى بالصف الذي معه ركعة ثم ذهب هؤلاء إلى مصاف هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصاف هؤلاء فصلوا ركعة ثم سلّم فيهم جميعا ثم انصرف وكان النبي ﷺ صلّى ركعتين ولكل واحد من الفريقين ركعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>حديث أبي هريرة في صلاة الخوف</span>\nوروى عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم انه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الخوف؟ فقال أبو هريرة: نعم، فقال مروان: متى؟ قال: عام غزوة نجد، قام رسول الله ﷺ لصلاة العصر. وقامت معه طائفة وطائفة اخرى مما يلي العدو، وأظهرهم إلى القبلة فكبّر رسول الله ﷺ وكبّر الذين معه، والذين يقاتلون العدو جميعا. ثم ركع رسول الله ﷺ ركعة واحدة وركع معه الطائفة التي تليه ثم سجد وسجدت الطائفة التي تليه. والآخرون قيام مما يلي القوم، وقام رسول الله ﷺ وقامت معه الطائفة الذين معه فذهبوا إلى العدو، فقاتلوهم فأقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو وركعوا ورسول الله ﷺ قائم كما هو.\nثم قاموا فركع رسول الله ﷺ ركعة أخرى وركعوا معه وسجد، وسجدوا ثم أقبلت الطائفة التي كانت مقابلة العدو. فركعوا، وسجدوا ورسول الله ﷺ قاعد كما هو فثم سلّم وسلموا جميعا، فصلى رسول الله ركعتين. ولكل رجل من الطائفتين ركعتان.\nواعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله ﷺ دون خلاف في هذا بين العلماء إلّا ما حكى عن أبي يوسف والمزني أنهما قالا: لا يصلي صلاة الخوف بعد رسول الله ﷺ وليس هذا موضع الكلام طلبهما في هذا بالقدر الذي ذكرت في هذا الموضع ينفع إن شاء الله.\nوَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ نزلت هذه الآية في رسول الله ﷺ خاصة.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ غزا محاربا وبني أنمار [فهزمهم الله وأحرزوا الذراري والمال] فنزل رسول الله والمسلمون معه ولا يرون من العدو واحدا فوضع الناس أسلحتهم وأمتعتهم من ناحية [وخرج رسول الله] فمشى لحاجات وقد وضع سلاحه حتى قطع «١» الوادي، [والسنماء ترش] فحال الوادي بين رسول الله وبين أصحابه وجلس رسول الله وهوى بصخرة ليضربه غويرث بن الحرث المحاربي، ثم الحضرمي، فقال أصحابه:\nيا غويرث. هذا محمد قد انقطع من أصحابه. قال: قتلني الله إن تركته ثم انحدر من الجبل ومعه\n_________\n(١) في المصادر: درأ.","vol":"3","page":378},{"text":"السيف فلم يشعر به رسول الله ﷺ إلّا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سلّه من غمده وقال:\nيا محمد من يعصمك مني الآن؟ قال الرسول ﷺ: «الله» ثم دعا: اللهم اكفني غويرث بن الحرث بما شئت. ثم أهوى بالسيف على رسول الله ليضربه فانكبّ لوجهه من زلخة زلخها من بين كتفيه وبدر سيفه، فقام رسول الله ﷺ وأخذه ثم قال: «من يعصمك الآن يا غويرث» قال:\nلا أحد.\nقال: اشهد أن لا إله إلّا الله وأني عبده ورسوله، فقال: لا ولكن أشهد أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليه، فأعطاه رسول الله سيفه فقال غويرث: للنبي ﷺ لأنت خير مني. قال النبي ﷺ:\n«أجل أنا أحق بك منك ثم رجع غويرث إلى أصحابه» [٣٨٢] . فقالوا: ويلك لقد رأيناك أهويت بالسيف قائما على رأسه ما منعك منه؟ قال: والله إني أهويت إليه بالسيف لكني لا أدري من زلخني من كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي من بين يديّ فسبقني فأخذه وقال: يا غويرث من يمنعك مني الآن، فقلت: لا ثم قال: اشهد أن لا إله إلّا الله وإني رسول الله وأعطيك سيفك فقلت: لا، ولكني أعطيك موثقا أن لا أقاتلك أبدا ولا أعين عليك عدوا، فردّ السيف إليّ.\nقال: وسكن الوادي فقطعه رسول الله ﷺ إلى أصحابه وأخبرهم الخبر، وأقرأهم هذه الآية وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي لا ضرر إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ من عدوكم إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا يهانون فيه.\nقال الزجاج: الجناح الإثم وأصله من جنحت إذا عدلت عن المكان وأخذت جانبا عن القصد ثمّ قال لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أي لا تعدلون عن الحق إن وضعتم أسلحتكم، والأذى مقصور، يقال: أذى يأذي أذى، مثل فرع يفرع فرعا فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ يعني صلاة الخوف أي فرغتم منها فَاذْكُرُوا اللَّهَ يعني فصلوا لله قِيامًا للصحيح وَقُعُودًا للسقيم وَعَلى جُنُوبِكُمْ للجرحى والمرضى لمن لا يستطيعون الجلوس، ويقال: معناه فاذكروا الله بتوحيده وتسبيحه وشكره على كل حال فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ يعني صلاة الخوف والمرض والقتال، ورجعتم إلى منازلكم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ أي أتموا الصلاة أربعا إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا أي واجبا مفروضا في الحضر والسفر، فركعتان في السفر وأربع في الحضر، وكتب الله عليهم ووقته أي جعل للأوقات ومنه قوله تعالى وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ ووقتت مخففة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>[سورة النساء (٤): الآيات ١٠٤ الى ١١٣]</span>\nوَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٠٦) وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)\nها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (١٠٩) وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)","vol":"3","page":379},{"text":"وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ لا تضعفوا في طلب القوم. أبي سفيان وأصحابه يوم أحد وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران.\nإِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ أي تتوجعون وتشتكون من الجراح فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ أي يتوجعون ويشتكون من الجراح كَما تَأْلَمُونَ وأنتم مع ذلك آمنون وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ الأجر والثواب والنصر الذي وعدكم الله وإظهار دينكم على سائر الأديان.\nما لا يَرْجُونَ وقيل: [تفسر] الآية: وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ أي تخافون من عذاب الله ما لا يخافون. قال الفراء: لا يكون الرجاء بمعنى الخوف إلّا مع الجحد، كقول الله تعالى قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي لا يخافون أيام الله وكذلك قوله تعالى: ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا أي لا تخافون لله عظمة، وهي لغة حجازية.\nقال الشاعر:\nلا ترتجي حين تلاقي الذائدا ... أسبعة لاقت معا أم واحدا «١»\nوقال الهذلي: يصف [معتار] العسل ذا النوب وهي النحل.\nويروى في بيت نوب عوامل ... إذا لسعته النحل لم يرج لسعها\nوخالفها في بيت نوب عوامل «٢» .\nقال: ولا يجوز رجوتك وأنت تريد خفتك ولا خفتك وأنت تريد رجوتك «٣» .\nإِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ،\nقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، يقال له طعمة بن أبرق أحد بني ظفر حي من سليم سرق درعا من جار له يقال له قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في جراب فيه دقيق، وكان الدقيق ينشر من خرق\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٣٥٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٥/ ٣٥٨، وروي: عواسل.\n(٣) لسان العرب: ١٤/ ٣١٠.","vol":"3","page":380},{"text":"في الحراب، حتى انتهى إلى الدار وفيها أثر الدقيق، ثم خبأها عند رجل من اليهود، يقال له زيد ابن السمين، والتمست الدرع عند طعمة فلم يوجد عنده، وحلف لهم والله ما أخذها وماله بها من علم فقال أصحاب الدرع، بلى والله لقد أولج علينا فأحضرها وعلينا بأثره حتى دخل داره، فرأينا أثر الدقيق منتشرا فلما أن حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق. حتى انتهوا إلى منزل اليهودي فأخذوه وقال اليهودي: دفعها لي طعمة بن البرق، وشهد له ناس من اليهود على ذلك، فقالت بنو ظفر وهم قوم طعمة: أيطلبوا بنا إلى رسول الله ﷺ فنكلمه في صاحبنا فنعذره ونجادل عنه وإن صاحبنا يرى معذورا فأتوا رسول الله ﷺ فكلموه في ذلك، وسألوه أن يجادل عن صاحبهم وقالوا: إنك إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح، وبرىء اليهودي فهمّ رسول الله ﷺ أن يفعل وأن يعاقب اليهودي، فأنزل الله تعالى يعاتبه إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الآيات.\nوفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: إن طعمة سرق درعا من أنصاري وكان الدرع في جراب فيه نخالة فخرق الجراب حتى كان متناثر النخالة منه طول الطريق، فجاء به إلى دار زيد ابن السمين على أثر النخالة [فأخذه] وحمله إلى رسول الله ﷺ فهم رسول الله أن يقطع يد زيد اليهودي فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nعلي بن الضحاك: نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار، استودع درعا فجحده صاحبها فخوّنه رجال من أصحاب رسول الله ﷺ فجاء قومه فعذروه وأتوا عليه فصدّقهم رسول الله ﷺ وعذرهم وردّ الذين قالوا فيه ما قالوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما تبين خيانته ارتد عن الإسلام ولحق بمكة، فأنزل الله تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ «١» الآية.\nوقال مقاتل: إن زيد السمين أودع درعا عند طعمة بن أبرق فجحده طعمة فلما جاء زيد يطلبه أغلق الباب، فأشرف على السطح، فألقى الدرع في دار جاره أبي هلال. ثم فتح الباب فلم يجدوا فيه فصعد السطح فقال: أرى درعا في دار أبي هلال، فلعله درعكم فنظروا وإذا هو ذلك فرفعوه. ثم جمع طعمة قومه وجاءوا إلى رسول الله ﷺ، فشكوا وقالوا: إنهم قد فضحونا وسرقونا، فعاتبهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي بالأمر والنهي والفصل لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ أي ما علمك الله وأوحى إليك وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا أي معينا\nوَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ ابن عباس قال: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به من قطع يد زيد.\nالكلبي: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ يا محمد من همك باليهودي أن تضربه.\nمقاتل: وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ من جدالك الذي جادلت عن طعمة إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا.\n_________\n(١) سورة النساء: ١١٠.","vol":"3","page":381},{"text":"وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ\nيعني يظلمون أنفسهم بالخيانة والسرقة ويرمي بها اليهودي إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّانًا\nيعني خائنا في الدرع أَثِيمًا\nفي رميه اليهودي وقوله وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا. قد قيل فيه: إن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به غيره، كقوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ «١» والنبي لا يشك ممّا أنزل الله، فإن قيل: قد أمر بالاستغفار [قلنا] هو لا يوجب وجود الذنب ولا يجب أن يستغفر كما أمر في سورة الفتح بالاستغفار من غير ذنب مقدم.\nواعلم أن الاستغفار في جميع الأنبياء يعد وجوه منها ثلاثة أوجه: يكون لذنبه مقدم مثل النبوة ويكون لذنب أمته وقرابته ويكون لترك المباح قبل ورود الحضر، ومعناه بالسمع والطاعة لما أمرت به ونهيت عنه وحملت التوفيق عليه يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ\nأي يستترون ويستحيون من الناس وَلا يَسْتَخْفُونَ\nأي يستترون ولا يستحيون مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ\nيعني علمه.\nإِذْ يُبَيِّتُونَ\n. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: يعني يقولون، عن سفيان عن الأعمش عن أبي رزين: يولعون ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ\nيعني بأن اليهودي سرقه وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطًا\nيعني قد أحاط الله بأعمالهم الحسنة.\nوتعلقت الجهمية والمعتزلة بهذه الآية، استدلوا منها على إن الله بكل مكان قالوا لمّا قال وَهُوَ مَعَهُمْ\nثبت إنه بكل مكان لأنه قد اثبت كونه معهم وقال لهم حق قوله وَهُوَ مَعَهُمْ\nإنه يعلم ما يقولون ولا يخفى عليه فعلهم لأنه العالم بما يظهره الخلق وبما يستره، وليس في وله وهو معهم ما يوجب انه بكل مكان لأنه قال أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ «٢» ولم يرد قوله انه في السماء يعني غير الذات لأن القول: أنّ زيدا في موضع كذا من غير أن يعتد بذكر فعل أو شيء من الأشياء لا يكون إلّا بالذات، وقال تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) وقال:\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ «٣» فأخبر أنه [يرفع] الأشياء من السماء ولا يجوز أن يكون معهم بذاته ثم يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ وإِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، ولو كان قوله (وهو معهم إذ يقولون ما لا يرضى من القول) ثم أقبل على قوم طعمة وقال ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ\nأي يا هؤلاء للتنبيه جادَلْتُمْ\nأي خاصمتم عن [أبي] طعمة «٤»، ومتى سافر أبي بن كعب عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nوالمطلب به في اللغة بشدة [المخاصمة] وهو من الجدل وهو [شدّة الفتل وفيه: رجل مجدول الخلق، وفيه: الأجدل للصقر] «٥» لأنّه من أشدّ الطيور قوّة.\n_________\n(١) سورة يونس: ٩٤. [.....]\n(٢) سورة الملك: ١٦.\n(٣) سورة السجدة: ٥.\n(٤) بشير من بني أبيرق.\n(٥) زيادة عن تفسير القرطبي: ٥/ ٣٧٨.","vol":"3","page":382},{"text":"فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ\nأي عن طعمة يَوْمَ الْقِيامَةِ\nلما أخذه الله بعذابه وأدخله النار أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا\nكفيلا.\nثم استأنف وقال وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا\nيعني يسرق الدرع أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ\nبرميه البريء في السرقة، يقال: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا\nأي شركا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ\nيعني بما دون الشرك ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ\nأي يتوب إلى الله يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا\nمتجاوزا رَحِيمًا\nبه حين قبل توبته وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا\nيعني يمنه بالباطل فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ\nيقول فإنما يضر به نفسه ولا يؤخذ غير الإثم بإثم الإثم وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا\nبسارق الدرع حَكِيمًا\nحكم القطع على طعمة في السرقة وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً\nأي بيمينه الكاذبة، أَوْ إِثْمًا\nبسرقته الدرع، وبرميه اليهودي ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا\nأي يقذف بما جناه من مأمنه فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا\nوالبهتان أي يبهت الرجل بما لم يفعل.\nوقال الزجاج: البهتان الكذب الذي يتخير من [عظمه] . وَإِثْمًا مُبِينًا\nذنبا بينا.\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا)\nعبد الله بن أبي بن سلول (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا)\nيعني به عائشة أم المؤمنين حيث كذب عليها وكان من ذلك، وقوله (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ)\nولم يقل فيهما وقد ذكر الخطيئة ولم يقل كفرا، يجوز ان يكنى عن النفس والثلاثة والأكثر واحدها مؤنث بالتذكير، والتوحيد لأن الأنفس يقع عليها فعل واحد، فذلك جائز وإن شئت ضممت الخطيئة والإثم فجعلتها كالواحد، وإن شئت جعلت الهاء للإثم خاصة كما قال الله تعالى وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها «١» جعله للتجارة ولو أتى بالتذكير فجعل كالفعل الواحد لجاز ثم قال لمحمد وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ\nبالنبوة وَرَحْمَتُهُ\nنصرك بالوحي لَهَمَّتْ\nيقول لقد همّت يعني أضمرت طائِفَةٌ\nيعني جماعة مِنْهُمْ\nيعني طعمة أَنْ يُضِلُّوكَ\nأي يخطؤك وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ\nيقول وما يخطئون إلّا أنفسهم وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ\nوكان ضره على من شهد بغير حق وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ\nيعني القرآن والحكمة يعني القضاء بالوحي وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ\nقبل الوحي وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ\nمن الله عليك عَظِيمًا\nبالنبوة.\nهذا قول الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس، ثم قال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ. عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ\nيعني به الإسلام والقرآن لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ\nيعني من ثقيف أَنْ يُضِلُّوكَ\nوذلك\nأن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد قد جئناك نبايعك على أن لا حشر ولا بعث ولا نكسر أصناما بأيدينا على أن تمتّعنا بالعزّى سنة، فلم يجبهم إلى ذلك وعصمه الله بمنّه وأخبره بنعمته\n_________\n(١) سورة الجمعة: ١١.","vol":"3","page":383},{"text":"عليه انّه في حفظه وكلاءته فلا يخلص إليه أمر يكرهه\n، فقال وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ\nيعني وفد ثقيف وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ\nيعني لا يستطيعون أن يزيلوا عنك النبوة وقد جعلك الله لها أهلا ثم قال وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ\nيعني الاحكام وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ\nمن الشرائع وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ\nأي منّ الله عَلَيْكَ\nبالإيمان عَظِيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٤ الى ١١٧]</span>\nلا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤) وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطانًا مَرِيدًا (١١٧)\nلا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس يعني قوم طعمة إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أي حثّ عليها أَوْ مَعْرُوفٍ يعينه بفرض أسباب أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ يعني بين طعمة واليهودي وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ القرض بمنح أو هدية ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أي طلب رضاه فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ في الآخرة أَجْرًا عَظِيمًا يعني جنة.\nوعن ابن سيرين: معنى النجوى في الكلام المفرد به الجماعة، والإنسان سرا كان أو ظاهرا، ومعنى النجوى في لغة خاصة ومنه نجوت الجلد عن البعير وغيره أي ألقيته عنه.\nقال الشاعر:\nفقلت أنجوا منها نجا الجلد انه ... سيرضيكما منها سنام وغار به «١»\nويقال: نجوت فلانا إذا استنكهته.\nقال الشاعر:\nنجوت مجالدا فوجدت منه ... كريح الكلب مات حديث عهد «٢»\nونجوت الوتر واستنجيته إذا أخلصه.\nقال الشاعر:\nفتبازت فتبازخت لها ... كجلسة الأعسر يستنجي الوتر\n_________\n(١) كتاب العين للفراهيدي: ٦/ ١٨٧، تفسير مجمع البيان: ٣/ ١٨٧.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢٥٠٢.","vol":"3","page":384},{"text":"وأصله كله من النجوة فهو مرتفع من الأرض.\nقال الشاعر:\nكمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح «١»\nفمعنى لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ يعني ما دوّن منهم من الكلام (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ) يجوز ان يكون في موضع الخفض والنصب والرفع، فوجه الخفض على قولك: لا خير في كثير من نجواهم إلّا فيمن أمر بصدقة.\nوالنجوى هاهنا الرجال المتناجون كما قال: وَإِذْ هُمْ نَجْوى.\nوقال قائلون: النجوى لمنة فيه فالمنصوب يعلا أن يجعل النجوى فعلا ويكون قوله إلّا استثناء من غير الجنس فيكون وجه النصب ظاهرا.\nقال النابغة:\nإلّا الأواري لأيًا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد «٢»\nوقد يكون في موضع رفع فمن نصب على المعرفة.\nوقال الشاعر:\nوبلدة ليس بها أنيس ... إلّا اليعافير وإلّا العيس\nوَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى نزلت في طعمة بن الأبرق أيضا وذلك إنه لما نزل القرآن فيه وعلم قومه إنه ظالم وخاف هو على نفسه من القطع والفضيحة، هرب إلى مكة فأنزل الله فيه وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ أي يخالف (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) أي التوحيد بحدوده وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ يقول غير دين المؤمنين دين أهل مكة عبادة الأوثان نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى نكله وما أدخره إلى ما تولى في الدنيا وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا فلم ينته طعمة ولم يراجع وتعمد فأدلج على الرجل من بني سليم من أهل مكة فقال له الحجاج: كف أخلاط فنقب بيته فسقط عليه حجر من البيت فتسبب فيه فلم يستطع أن يدخل فقال رجّحني بمعنى أصبح فأخذ [يتفل] «٣»، فقال بعضهم: دعوه فإنه لجأ إليكم، فتركوه وأخرجوه من مكة فخرج مع تجار من قضاعة نحو الشام فرد فرارا منهم فسرق بعض بضاعتهم وهرب فطلبوه وأخذوه فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فصار قبره تلك الأحجار ويقال انه ركب البحر إلى جدّة فسرق من السفينة كيسا فيه\n_________\n(١) الصحاح: ١/ ٣٩٦.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ١٢٦، والأواري جمع آري وهو مربط الدابة، واللاي: الجهد، والنؤي: حفرة.\n(٣) كذا في المخطوط.","vol":"3","page":385},{"text":"دنانير فأمسكوا به فأخذ وألقي في البحر، ويقال إنه نزل في حرة بني سليم وكان يعبد صنما لهم إلى إن مات، فأنزل الله فيه إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا فنزل فيه وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما «١» الآية.\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ: نزلت هذه الآية في نفر من قريش، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة ودخلوا في الإسلام، فأعطاهم رسول الله ثم انقلبوا إلى مكة مرتدين ورجعوا إلى عبادة الأوثان، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ) أي يفارق الرسول، ويعاديه ويحاربه (مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى يعني من بعد ما وضح له إن محمد عبده ورسوله وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ أي غير طريق المسلمين نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى أي نكله إلى الأصنام يوم القيامة، وهي لا تملك ضرا ولا نفعا ولا ينجيهم من عذاب الله وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ بعبادة الأصنام.\nوَساءَتْ مَصِيرًا يعني بئس المنزل حلوا به يوم القيامة.\nالضحاك عن ابن عباس: قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ قال: إن شيخا من الاعراب جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا نبي الله أني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا إلّا إني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته، وآمنت به ولم اتخذ من دونه وليا ولم أواقع المعاصي جرأة على الله ولا مكابرة له ولا توهمت طرفة عين، إني أعجز الله هربا وإني لنادم تائب مستغفر فما حالي عند الله؟ فأنزل الله ﷿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ والشرك ذنب لا يغفر لمن مات عليه وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا يعني فقد ذهب عن الطريق وحرم الخير كله.\nواعلم أن في قوله تعالى وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ دليل على قوة حجة الإجماع وفي قوله:\nإِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ دليل على فساد قول الخوارج حين زعموا أن مرتكب الكبيرة كافر وذلك قوله ﷿ قال: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ ففرّق بين الشرك وسائر الذنوب وحتم على نفسه بأن لا يغفر الشرك.\nلو كان الكبيرة كفرا لكان قوله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ مستوعبا فلما فرّق بين الشرك وسائر الذنوب بان فساد قولهم، وقد بيّن الله تعالى بأنه الشرك في آخر القصة وهو قوله إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا وقد علم أن صاحب الكبيرة غير مستحل لها فلم يجز أن يكون حكمه حكم الكافر، وفيه دليل على فساد قول المعتزلة في المنزلة [بين الشرك والإيمان] إذ الله تعالى لم يجعل بين الشرك والإيمان منزلة ولم يجعل الذنوب ضدا للإيمان.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٣٨.","vol":"3","page":386},{"text":"وكان فيه فساد قول من جعل الكبيرة الكفر، وفيه دليل على فساد قول المرجئة حين قالوا:\nإن المؤمن لا يعذّب، وإن كان مرتكبا للذنوب. لأن الله أخرج المشرك من المشيئة وجعل الحكم فيه حتما، فلو لم يجز تعذيب المؤمن المذنب لأخرجه من باب الاستثناء وأطلق الحكم فيه كما [علّقه] في الشرك، وفيه دليل على فساد قول الوعيدية وقد ذكرناه من قبل.\nثم نزلت في أهل مكة إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا كقوله تعالى وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ «١» أي اعبدوني أستجب، لكم يدلّ عليه قوله بعده إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي\nمن دونه، أي من دون الله وكان في كل واحدة فيهن شيطان يتراءى للسدنة والكهنة يكلمهم فذلك قوله وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا «٢» وكان المشركون يدعون أصنامهم باسمها وكان هذا قول مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين.\nويدل على صحة هذا التأويل قراءة ابن عباس: إن يدعون من دونه إلّا أوثانا جمع الوثن فصيّر الواو همزة كقوله أقب ووقب.\nوأصله وثن وقرئت أنثا على جمع الإناث كمثل مثال ومثل وثمار وثمر. قال الحسن وقتادة وأبو عبيدة: إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثًا يعني أمواتا لا روح فيه خشبة وحجر ومدر ونحوها.\nوذلك إن الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن المؤنث يقول من ذلك الأصنام متعجبين، ف إِنْ يَدْعُونَ وما تعبدون إِلَّا شَيْطانًا مَرِيدًا والمريد المارد فقيل: بمعنى فاعل. نحو قدير وقادر وهو الشديد العاتي الخارج من الطاعة. يقال: مرد الرجل يمرد مرودا ومراده إذا عتى وخرج من الطاعة وأصل المريد من قول العرب: حدثنا ممرد أي مملس.\nويقال: شجرة مردا إذا يتناثر ورقها، ولذلك سمي من لم تنبت لحيته أمرد، أي أملس موضع اللحية.\nفالمراد: الخارج من الطاعة المتملّص منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[سورة النساء (٤): الآيات ١١٨ الى ١٢٦]</span>\nلَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)\nلَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (١٢٦)\n_________\n(١) سورة غافر: ٦٠.\n(٢) سورة النساء: ١١٧.","vol":"3","page":387},{"text":"لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ يعني إبليس لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا يعني حظا معلوما فما أطاع فيه إبليس فهو مفروضة. قال الفراء ما جعل عليه سبيل، وهو كالمفروض، في بعض التفسير وكل ألف الله ﷿ وسائرهم لإبليس.\nوأصل الفرض في اللغة القطع ومنه الفرضة في النهر وهي الثلمة تكون فيه «١» يقال معناها بالفراض والفرض، والفرض الجز الذي يكون في الشباك يشد فيه الخيط، والفريض في القوس الجز الذي يشد فيه الوتر، والفريضة في سائر ما افترض الله ﷿. ما أمر به العباد وجعله أمرا حتما عليهم قاطعا وقوله وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً «٢» يعني لهن قطعة من المال.\nوقد فرضت للرجل أي جعلت له قطعة من المال.\nقول الشاعر:\nإذ أكلت سمكا وفرضا ... ذهبت طولا وذهبت عرضا «٣»\nفالفرض هاهنا التمر، وقد سمي التمر فرضا لأنه يؤخذ في فرائض الصدقة.\nثم قال إبليس وَلَأُضِلَّنَّهُمْ [بمعنى هؤلاء] «٤» وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أنّه لا جنة، ولا نار، ولا بعث.\nوقال بعضهم: وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ أي ألقي في قلوبهم [الهيمنة] وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ أي يقطعونها ويشقونها وهي البحيرة وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ. قال ابن عباس عن الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك وسعيد بن جبير: يعني دين الله نظير قوله تعالى: لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لدين الله.\nوقال عكرمة وقوم من المفسرين: معناه: فلنغيرنّ خلق الله [بالخضاب] والوشم وقطع الآذان وفقء العيون.\n_________\n(١) راجع لسان العرب: ٧/ ٢٠٦. [.....]\n(٢) سورة البقرة: ٢٣٧.\n(٣) الصحاح: ٣/ ١٠٩٧ لفظة: الفرض.\n(٤) كذا في المخطوط ولعله: ولأوهمنهم، كما في معاني القرآن للنحاس: ٢/ ١٩٣.","vol":"3","page":388},{"text":"قال أهل المعاني: معنى قوله (فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) إن الله خلق الانعام لتركبوها وتأكلوها فحرموها على أنفسهم، وخلق الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس ينتفعون بها فعبدها المشركون فغيروا خلق الله وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا أي ربّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فيطيعوه فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا يَعِدُهُمْ إلا يلقون خيرا وَيُمَنِّيهِمْ الفقر ألّا ينفقون في خير ولا يصلون رحما، فقال يُمَنِّيهِمْ ان لا بعث ولا جنة ولا نار وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا أي باطلا أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعني مصيرهم جهنم وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا أي منعا قال عوف:\nبلغني من المؤمن بكيده من الشيطان بأكثر من مضر لو أبدلهم الله له لمات، وإن قيل خبرونا عن قول إبليس لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا «١» كيف علم ذلك؟\nيقال: قد قيل في هذا أجوبة، منها: إن قالوا إنّ الله ﵎ كان خاطبه بقوله لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «٢» فعلم إبليس انه ينال من ذرية آدم ما يتمناه.\nومنها: ان قالوا إنه لما وسوس لآدم نال منه ما نال، طمع في ولده ولم ينل من آدم جميع ما يتمناه من الغواية فكذلك طمع في بعض ولده وأيس من جميعهم.\nومنها ان قالوا ان إبليس قد عاين الجنة والنار وعلم ان الله خلقهما لأن يسكنهما من الناس والشيطان، فعلى هذا التأويل قال لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا «٣» وإن قيل:\nلخبرونا عن إضلال الشيطان هل إليه نجح فعله وإنفاذ أمره أم لا؟\nيقال له: معنى إضلاله الدعاء إلى الضلالة والتزين له ولو كانت الضلالة إليه لأضل الخلق جميعا ولذلك منّ به أباهم وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت الغرف والمساكن خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا أي وهذا لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ.\nقال قتادة والضحاك: إن المسلمين وأهل الكتاب تناظروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم وكتابكم، ونحن أولى بالله منكم، فقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا [يفي] على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله تعالى لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ الآية.\nوقال مجاهد: قالت قريش: لا نبعث ولا نحاسب.\nوقال أهل الكتاب لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً «٤» فأنزل الله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ.\n_________\n(١) سورة النساء: ١١٨.\n(٢) سورة هود: ١١٩.\n(٣) سورة النساء: ١١٨.\n(٤) سورة البقرة: ٨٠.","vol":"3","page":389},{"text":"واسم ليس مضمر المعنى لَيْسَ ثواب الله بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ لا ينفعه يمينه وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لمّا نزلت هذه الآية شقّت على المسلمين مشقّة شديدة، وقالوا: يا رسول الله وأيّنا لم يعمل سوءا غيرك وكيف الجزاء؟ فقال: «منه ما يكون في الدنيا فمن يعمل حسنة فله عشر حسنات، ومن يجازي بالسيئة نقصت واحدة من عشرة وبقيت له تسع حسنات، فويل لمن غلب إحداه عشراه.\nوأما ما كان جزاءه في الآخرة فإنه يؤخر إلى يوم القيامة فيقابل بين حسناته وسيئاته، وينظر في الفضل فيعطى الجزاء في الجنة، فيعطى كل ذي عمل فضله» «١» [٣٨٣] .\nوروى إسماعيل عن أبي خالد عن أبي بكر بن أبي زهير عن أبي بكر الصديق قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية؟ فقال رسول الله ﷺ «أية آية؟» فقال يقول الله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قال: ما علمنا جزينا فقال له النبي ﷺ:\n«قد هلك يا أبا بكر ألست تمرض ألست تغب ألست يصبك القرف» قال: بلى، قال: «فهو ما يجزون به» «٢» [٣٨٤] .\nوعن عبد الله بن عمر يحدث عن أبي بكر الصديق (﵁) قال: كنت عند رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية في سورة النساء مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بكر ألا اقرئك آية نزلت عليّ؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «فاقرأنيها فلا أعلم أني وجدت انفصاما في ظهري حتى تمطّيت لها» فقال: «مالك يا أبا بكر» .\nفقلت: بأبي أنت وأمّي، وأينا لم يعمل سوءا وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه، فقال النبي ﷺ: «أما أنت يا أبا بكر وأصحابك المؤمنون فتجزون ذلك في الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب» .\nوأما الآخرون فتجمع ذنوبهم حتى يجزوا يوم القيامة «٣» [٣٨٥] .\nوقال عطاء: لما نزلت لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. [قال أبو بكر: يا رسول الله ما أشدّ هذه الآية! قال: «يا أبا بكر إنّك تمرض، وإنّك تحزن، وإنك يصيبك أذى، فذاك بذاك»، وقال عطاء]:\n_________\n(١) عون المعبود: ٨/ ٢٤٧.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ١١ بتفاوت.\n(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٧١ والدرّ المنثور: ٢/ ٢٢٦.","vol":"3","page":390},{"text":"قال أبو بكر: جاءت قاصمة الظهر يا رسول الله، قال النبي ﷺ: «إنّما هي المصيبات في الدنيا» «١» [٣٨٦] .\nوروى عبد الله بن أبي مليكة عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: قلت: إني لأعلم أي آية من كتاب الله نزلت ببعض مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ. قال: إن المؤمن يجازى بأسوإ عمله في الدنيا ثم ذكر أشياء منه المرض والنصب وكان آخرون يذكر نصبه إليك كله كل يجازي بعمله، يا عائشة ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا يعذب قالت: فقلت: أليس يقول الله تعالى فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا قال: ما ذلك [العرض] إنه من نوقش في العذاب عذب فقال بيده: على المصيبة كان ينكث.\nوروى ابن ميثم بن يزيد عن عبد الله بن الأرقم قال عن أبي هريرة يقول: لما نزلت لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ بكينا وحزنّا وقلنا: يا رسول الله ما أبقت هذه الآية من شيء، قال: «أما المذنب فمن يده إنها لكم أنزلت ولكن أبشروا وقاربوا وسدّدوا إلّا أنه لا يصيب أحدا منكم مصيبة في الدنيا إلّا كفّر الله به خطيئة حتى الشوكة يشاكها أحدكم في قدمه» «٢» [٣٨٧] .\nوقال الحسن: في قوله تعالى مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ قال: هو الكافر، لا يجزي الله المؤمن يوم القيامة، ولكن المؤمن يجزى بأحسن عمله ويتجاوز عن سيئاته. ثم قرأ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ «٣» الآية، وقرأ أيضا، وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «٤» .\nقال الثعلبي: وقلت: لولا السيئة لأتي [الجزاء] في الكفار. لقوله في سياق الآية وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ومن لم يكن له في القيامة نصير ولا ولي كان كافرا فإن الله ﷿ قد ضمن بنصرة المؤمنين في الدارين بقوله إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا «٥» الآية.\nولكن الخطاب متى ورد مجملا وبيّن الرسول [ذلك على] لسانه إذ البيان إليه قال الله تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ وأنزل إليهم ثم بين الله تعالى فضل المؤمنين على مخالفيهم فقال وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا الآية يعني تكون في ظهر النواة.\nعن مسروق قال: لما نزلت هذه الآية لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٠٠ وما بين معكوفين منه.\n(٢) تفسير الدرّ المنثور: ٢/ ٢٢٧.\n(٣) سورة الزمر: ٣٥.\n(٤) سورة سبأ: ١٧. [.....]\n(٥) سورة غافر: ٥١.","vol":"3","page":391},{"text":"قال أهل الكتاب: نحن وأنتم سواء حتى نزلت وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ ونزل فيهم أيضا وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا [قد علم ربّنا] مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: يعني أخلص لله عمله، وقيل: فوّض أمره إلى الله، وقيل: مفلح وَهُوَ مُحْسِنٌ أي موحد وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ يعني دين إبراهيم حَنِيفًا مسلما مخلصا.\nقال ابن عباس: ومن دين إبراهيم الكعبة والصلاة ويطوفون بها وحولها والسعي بين الصفا والمروة ورمى الجمرات وحلق الرأس والموقفان، وسائر المناسك فمن صلّى نحو القبلة وأقرّ بهذه الصفة فقد اتبع ابراهيم (﵇) وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، في قوله تعالى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا صفيا وخليلا من [قولهم]: أبا الضيفان يضيف من مرّ به من الناس، وكان منزله على ظهر الطريق، فأصاب الناس سنة وجهدوا عنها واجتمعوا على باب داره يطلبون الطعام، وكانت الميرة له كل سنة من صديق له بمصر فبعث غلمانه بالإبل إلى ذلك الخليل فسأله الميرة. قال خليله لغلمانه:\nلو كان إبراهيم إنّما يريده لنفسه احتملنا ذلك له فقد دخل علينا ما دخل على الناس من الشدة، فرجع رسل إبراهيم إليه فمروا بالبطحاء يعني السهلة، فقالوا: لو انا حملنا من هذه البطحاء ليرى الناس إنا قد جئنا بميرة، إنا نستحي أن نمر بهم وإبلنا فارغة، قال: فملأوا تلك الغرائر سهلة ثم إبراهيم (﵇) وساره نائمة، فأعلموا ذلك، واهتم إبراهيم لمكان الناس ببابه، فغلبته عيناه فنام واستيقظت سارة، وقد ارتفع النهار، فقالت: سبحان الله ما جاء الغلمان فقالوا لها:\nبلى قالت: فما جاءوا بشيء، قالوا: بلى، فقامت إلى تلك الغرائر ففتحتها فإذا هو أجود حواري يكون فأمرت الخبازين فخبزوا وطعموا، قال: فلمّا استيقظ إبراهيم فوجد ريح الطعام، فقال:\nيا سارة من أين هذا الطعام؟ قالت: من عند خليلك المصري؟\nقال: هذا من عند خليلي الله، لا من عند خليلي المصري. قال: فيومئذ اتخذه الله خليلا مصافيا «١» .\nوقال الزجاج: الخليل الذي ليس في محبته خلل فجائز أن يكون سمي خليل الله بانه الذي أحبه واصطفاه بالجنة تامة.\nوجائز أن يسمّى خليل الله أي فقير إلى الله لأنه لم يجعل فقره وفاقته إلّا إلى الله مخلصا في ذلك.\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٢٢.","vol":"3","page":392},{"text":"قال الله أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ لإن معنى الخليل في اللغة. قد قيل: هو الفقير.\nقال زهير يمدح حرم بن سنان:\nفإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم\nوالخلة: الصداقة، والخلة: [الحاجة]، فإذا جعلنا اشتقاق الخليل من الخلة فهو الإخلال الذي يلحق الإنسان فيما يحتاج إليه، وإن جعلنا من الخلة فهو أصل الصداقة ومعناهما جميعا واحد لأن كل واحد منهما يسد خلل صاحبه في المودة والحاجة إليه.\nوالخلل: كل فرجة يقع في شيء، والخلال الذي يتخلل به، وإنما سمي خلالا لأنه منع به الخلل من الأسنان، والخل: الطريق في الرمل، معناه إنه انفرجت فيه فرجة، فصارت طريقا في الأرض والخلّ الذي يؤكل إنما سمي خلا لأنه أخل منه طعم الحلاوة وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا أي لبساطة عمله لجميع الأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>[سورة النساء (٤): الآيات ١٢٧ الى ١٣٠]</span>\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧) وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًاّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)\nوَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في بنات أم كحه وميراثهن من أمّهن، وقد مضت هذه القصة في أول السورة.\nمعاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، قال: كان الرجل بالجاهلية يكون عنده اليتيمة فيلقي عليها ثوبه، فإذا فعل بها ذلك لم يقدر أحد أن يتزوجها أبدا، فإن كانت جميلة وهواها تزوجها وأكل مالها وإن كانت دميمة منعها الرجال أبدا حتى تموت، فإذا ماتت ورثها، فحرّم الله تعالى ذلك ونهى عنه وأنزل هذه الآية.\nمجاهد والضحاك وقتادة وإبراهيم: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء والصبيان شيئا، وكانت المرأة تكون دميمة في الجاهلية، دميمة ولها مال فيكره وليّها أن يتزوجها من أجل دمامتها، ويكره أن يزوّجها غيره من أجل مالها، وكان وليّها لا يتزوجها ويحبسها عنده حتى تموت، ويرثها.","vol":"3","page":393},{"text":"سعيد بن جبير: كان وليّ اليتيمة إذا كانت ذات مال وجمال، رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات مال ولا جمال لم ينكحها ولم ينكّحها فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوعن عبد الله بن عبيدة قال: جاءت امرأة من الأنصار يقال لها خولة بنت حكيم إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول إن أخي توفّي وترك بنات وليس عندهن من الحسن ما يرغب فيهن الرجال ولا يقسم لهن من ميراث أبيهنّ شيئا فنزلت فيها. وَيَسْتَفْتُونَكَ\nأي يستخبرونك فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ يخبركم فِيهِنَّ وَما يُتْلى أي والذي يقرأ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أي في القرآن، وموضع ما رفع معناه قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ويفتيكم أيضا فيهن، ويجوز أن يكون في موضع الخفض، فيكون معناه قل الله يفتيكم فيهن وفيما يتلى بينكم، وهو بعيد لأن الظاهر لا يعطف على المضمر، وجه الرفع أبين لأن ما يتلى في الكتاب ويتلى بين ما سألوه عنه معنى، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ في كتابه يفتيكم فيهن وهو قوله وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ الآية وقوله فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ أي لا تعطونهن ما كُتِبَ لَهُنَّ يعني فرض لهن من الميراث وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ أي وترغبون عن نكاحهن لملكهن، وقيل: ترغبون في نكاحهن لمالهن وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ يعني الصغار من الصبيان وهو في موضع الخفض والمعنى: قل الله يفتيكم فيهن والمستضعفين وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ أي بالعدل وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا.\nوروى شعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب إنّ آخر آية كانت (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) وآخر سورة براءة وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا\nنزلت في عمرة ويقال خويلة بنت محمد بن سلمة في زوجها رافع بن الرفيع ويقال رافع بن خديج تزوجها وهي شابة فلمّا أدبرت وعلاها يعني تزوج عليها امرأة شابة وآثر عليها وحفا ابنه محمد بن سلمة وأتت رسول الله ﷺ فشكت إليه، فنزلت فيها هذه الآية\nهذا قول: الكلبي وجماعة المفسرين،\nوقال سعيد بن جبير: كان رجل وله امرأة قد كبرت وكان له منها أولاد فأراد أن يطلقها، ويتزوج غيرها فقالت لا تطلقني ودعني أقوم على ولدي وأقسم لي في كل شهرين إن شئت أو أكثر وإن شئت فلا تقسم لي، فقال: إن كان يمنع ذلك فهو أحبّ إليّ، فأتى رسول الله ﷺ فذكر له ذلك، فقال: قد سمع الله ما تقول فإن شاء أجابك فأنزل الله ﷿ وَإِنِ (امْرَأَةٌ) خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا أي علمت من زوجها نشوزا يعني بغضا.\nقال الكلبي: يعني ترك مجامعتها ومضاجعتها أو إعراضا عن مساكنتها، وعن مجالستها وعن محادثتها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما يعني على الزوج والمرأة أَنْ يُصْلِحا أي يستصلحا بَيْنَهُما صُلْحًا أي في القسمة والنفقة وهو أن يقول لها: إنك امرأة دميمة وقد دخلت في العنّ وأريد أن أتزوج عليك امرأة شابّة جميلة، فيؤثرها في القسمة عليها لشبابها، فإن رضيت بهذا فأقيمي، وإن كرهت خلّيت سبيلك، فإن رضيت بذلك كانت هي المحسنة ولا يعسر عليّ ذلك،","vol":"3","page":394},{"text":"وإن لم ترض [أعطيت] حقّها، فالواجب على الزوج أن يوفّيها حقّها من المقام والنفقة أو يسرّحها بإحسان ولا يحبسها على الخسف «١»، وإن يقام عليها وفّاها حقّها مع كراهيته صحبتها، فهو المحسن الذي مدحه الله وأخبره انه عالم بصنيعه ومجازيه على فعله ولا يجبر الرجل على وطء واحدة لأنه هو الزوج وهو حظه وإذا تركه لم يجبر عليه وليس هو كالمقام والنفقة.\nوقوله وَالصُّلْحُ خَيْرٌ يعني إقامتها بعد تخييره إياها ومصالحتها على شيء معلوم في المقام والنفقة،\nوهكذا فعل رسول الله ﷺ مع زوجته ومكثت معه وذلك أنها كانت امرأة كبيرة فأراد النبي ﷺ أن يسرحها فطلبت إليه أن لا يفعل وقالت: إنّي أحبّ أن أبعث في نسائك يوم القيامة، ألا فإنّ يومي وليلتي لعائشة «٢» .\nوقال علي بن أبي طالب (﵇): في قوله وَالصُّلْحُ خَيْرٌ قال: المرأة تكون عند الرجل فتكون صغيرة أو كبيرة أو لا يحبّها زوجها، فيصطلحان على صلح.\nوقال سعيد بن جبير: فهو أن يتراضيا على شيء معلوم في نفسه وماله.\nقال الضحاك: الصلح أن ينقصها من حقها إذا تزوج أشبّ منها وأعجب إليه «٣» .\nوقال مقاتل بن حيان في هذه الآية: فهو الرجل تكون تحته المرأة الكبيرة فيتزوّج عليها الشابة، فيقول للمرأة الكبيرة: أعطيك من زماني نصيبا على أن أقسم لهذه الشابة أكثر مما أقسم لك من الليل والنهار وترضى الأخرى بما اصطلحا عليه فإن أبت ألا ترضى فعليه أن يعدل بينهما على القسمة.\nوروى إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سليمان بن يسار عن ابن عباس: في قوله تعالى فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ «٤» . قال: المرأة الكبيرة الدميمة تكون عند الرجل يريد طلاقها والاستبدال بها [فصالحها] هذه على بعض حقها من القسمة والنفقة، فذلك جائز بعد ما رضيت، فإن أنكرت بعد الصلح، فذلك لها، ولها حقّها، أمسك أو طلق.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي المرأة تكون عند الرجل وله امرأة غيرها أحبّ إليه منها فيؤثرها عليها، فأمر الله تعالى إذا كان ذلك أن يقول لها: يا هذه إن شئت أن تقيمي على ما ترين من هذه فآويك وأنفق عليك فأقيمي، وأن كرهت خليت سبيلك، فإن هي رضيت أن تقيم بعد ان خيّرها فلا جناح عليه وهو قوله (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) وهو التخيير.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤١٧.\n(٢) إرواء الغليل: ٧/ ١٤٧.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٥/ ٤٠٤.\n(٤) سورة النساء: ١٢٨.","vol":"3","page":395},{"text":"وروى إسرائيل عن سماك بن حرب عن خلد بن عرعرة قال: سأل رجل عليا عن قوله ﷿ وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزًا أَوْ إِعْراضًا الآية قال: تكون المرأة عند الرجل فتنبو عينه عنها من دمامة أو كبر فتفتدي منه تكره فرقته، وإن أعطته من ماله فهو حل له أو أعطته من أثاثها فهو حل له وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ يقول: شحت المرأة نصيبها من زوجها وشح الرجل نصيبه من الأخرى.\nقال ابن عباس: والشح هو في الشيء يحرص عليه وَإِنْ تُحْسِنُوا يعني تصلحوا بينهما بالسوية وَتَتَّقُوا الجور والميل.\nوقيل: هذا الخطاب للزوج يعني: وَإِنْ تُحْسِنُوا بالإقامة عليها، مع كراهتكم لصحبتهما وَتَتَّقُوا ظلمها فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا فيخبركم بأعمالكم.\nوَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ يقول: لن تقدروا ان تسوّوا بينهن في الحب وَلَوْ حَرَصْتُمْ على العدل فَلا تَمِيلُوا إلى الشابة الجميلة التي تحبّونها كُلَّ الْمَيْلِ في النفقة والقسمة والإقبال عليها (وتدّعوا الأخرى كَالْمُعَلَّقَةِ) أي كالمنوطة لا أيمّا ولا ذات متاع.\nقتادة والكلبي: كَالْمُعَلَّقَةِ كالمحبوسة وهي في امرأة أبيّ بن كعب كأنها مسجونة.\nوقال مجاهد: لن تستطيعوا العدل بينهن فلا يتعمدوا [ذلك] .\nوذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: اللهم أما قلبي فلا أملك وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل.\nوَإِنْ تُصْلِحُوا بالعدل في القسمة بينهن وَتَتَّقُوا الجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا بما قلت إلى التي تحبّها بقلبك بعد العدل في القسمة وَإِنْ يَتَفَرَّقا يعني عن المرأة بالطلاق يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ أي من النفقة يعني المرأة بزوج والزوج بامرأة. وَكانَ اللَّهُ واسِعًا لهما في النكاح حَكِيمًا يمكن للزوج إمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>حكم الآية</span>\nعلم أن الله ﷿ الرأفة بالعباد وعلمه بأحوالهم فنبّههم على نحو وجب عليهم من حقوق النساء ونهاهم عن الميل في أفعالهم إذا لم يكن لهم سبيل إلى التسوية بينهن في المحبة ومتى جمع العبد من الفعل لمال عنه إلى واحدة بعينها دون غيرها كان ذلك جورا،\nوقد روي أن النبي ﷺ كان يقسم ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك وليس أحكم [فيما لا يملك]» [٣٨٨] «١» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٥/ ٤٢٤ وفيه: فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.","vol":"3","page":396},{"text":"يعني به قلبه، وكان يطوف به على نسائه في مرضه حتى حلّلته [نساءه] «١» فأقام عند عائشة\n، وعماد القسم الليل، لأنه يسكن فيه قال الله تعالى: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ «٢» فمتى كان عند الرجل حرائر مسلمات وذمّيات فهو في القسم سواء ويقسم للحرّة ليلتين، وللأمة ليلة إذا خلى المولى بينه وبينها في ليلتها ويومها، وللأمة أن تحلله من قسمها دون المولى لأنه حقها في خاصة نفسها ولا يجامع المرأة في غير يومها، ولا لرجل أن يدخل في الليل على التي لم يقسم لها، ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجة ويعودها في مرضها في ليلة غيرها، فإن ثقلت فلا بأس أن يقيم حتى تخف أو تموت ثمّ يوفي من بقي من نسائه مثل ما بقي عندها، وإن أراد أن يقسم بين ليلتين ليلتين أو ثلاثا كان له ذلك «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>ذكر استدلال من استدل من هذه الآية على تكليف ما لا يطاق</span>\nقالوا: قال الله ﷿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فأمرهم الله ﷿ أن يعدلوا، وأخبر أنهم لا يستطيعون أن يعدلوا فقد أمرهم بما لا يستطيعون وكلفهم مالا يطيقون.\nإن قال قائل: هل كلف الله الكفار ما لا يطيقون؟ قيل له: إن أردت أنه كلفهم ما لا يطيقون لعجز حائل وآفة مانعة، فلا، لأنه قد صحح أبدانهم وأكمل نطقهم وأوجدهم [في الأرض] «٤» ودفع عنهم العلل والآفات، وإن أردت أنه كلّفهم ما لا يقدرون عليه بتركهم له واشتغالهم بضدّه، فقد كلفهم ذلك.\nفإن قالوا: أفيقدر الكافر لا يتشاغل للكفر؟ قيل لهم: إن معنى لا يتشاغل بالكفر هو أن تؤمن فكأنكم قلتم: يقدر ان يؤمن وهو مقيم على كفره فقد قلنا إنه مادام مشغولا بكفر ليس بقادر على الإيمان على ما جوزت اللغة من أن الإنسان قادر على الفعل بمعنى أنه إن لم يفرط فأثر فيه- كما قالوا- فلان يقدر على رجل يعني يقدر عليه لو رامه وقصد إلى حمله، نضير قولهم: فلان يفهم أي إنه يفهم الشيء، إذا أورد عليه، وكذلك يقولون: الطعام مشبع، والماء مروي، ويعني في ذلك أن الطعام يشبع إذا أكل.\nوالماء يروي إذا شرب.\nوالذي يوضح ذلك ما يتداوله الناس بينهم من قول الرجل: قم معي في حال كذا،\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق.\n(٢) سورة الأنعام: ١٣.\n(٣) راجع مختصر المزني: ١٨٥.\n(٤) كذا الظاهر.","vol":"3","page":397},{"text":"والجواب: لا أقدر على المجيء معك لما أنا فيه من الشغل، وقد قال الله تعالى ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ «١» يعني القبول لاستثقالهم إيّاه، ومن المشتبه من [قال:] وهل يقدر الكافر على الإيمان؟ يقول: إن اراده كان قادرا عليه، فإذا قال له: فيقدر أن يريده؟ قال: إن كره الكفر، وإذا قيل له: هل يقدر على الكفر؟ قال: يقدر على ذلك إن أراد الإيمان، فكلّما كرّر عليه السؤال كرّر هذا الجواب.\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لها مالكا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣١ الى ١٣٥]</span>\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٣٢) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)\nوَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني أهل التوراة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة على الإسلام وَإِيَّاكُمْ يا أهل القرآن في كتابكم أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ أي وحّدوا الله وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا وَإِنْ تَكْفُرُوا بما أوصاكم الله به فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يعنى فإن لله ملائكة هم أطوع له منكم وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا عن جميع خلقه غير محتاج إلى شيء ممّا في أيديهم.\nوحقيقية الغنيّ عند أصحاب الصفات من له غنى.\nوالغنى هو القدرة على ما يريد، والغنيّ القادر على ما يريد، ثم ينظر فإن كان قادرا على [وصف] الحاجة عليه وسمناه بذلك، وإن كان الوصف بالحاجة عليه لم يصفه به، والفقر العجز عن ذلك وعدمه. وإلى هذا ذهب [المعتزلة] .\nوقال الجبائي: إن معنى الوصف لله بأنه غني هو أنّه لا تصل إليه المنافع والمضار، ولا يجوز عليه اللذات والسرور والآلام، والأول أصوب بذلك في الشاهد والغائب، وإطلاق المسلمين بعضهم لبعض إنه غني وفقير، والله اعلم.\nوَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا.\n_________\n(١) سورة هود: ٢٠.","vol":"3","page":398},{"text":"الضحاك عن ابن عباس: يعني دافعا مجيرا.\nعكرمة عن ابن عباس: يعني شهيدا إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فيميتكم يعني الكفار وَيَأْتِ بِآخَرِينَ يعنى بغيركم خيرا منكم وأطوع وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيرًا أي مستطيعا على ذلك.\nالقادر والقدير عند أصحاب الصفات من له قدرة قائمة به بائن بها عن العاجز ثم يختلف القادرون بعد ذلك فمنهم من تكون قدرته حالّة في بعضه، ومنهم من تكون قدرته غير موصوفة بالحلول، والقدرة هي التي يكون بها الفعل من غير ان يموت بموته ولا يموت ويعود للعجز معها.\nقالت المعتزلة: القادر هو الذي يجوز منه الفعل، والدليل على صحة ما قال أصحاب الصفات إن القادر رأيناه مخالفا للمعاجز فيما قدر عليه وقد بطل أن يخالفه من أجل إنه صفة لموصوف يخالف سائر الموصوفين بها أو يخالف من أجل إنه محدث به خلاف العاجز فلما يتعلق هذه الأقسام صح إنه إنما يخالفه لأن له قدرة ليست للعاجز فلذلك قلنا إن القديم ﷻ قادر بقدرة دون أن يكون قادر بنفسه.\nمَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ.\nيقول: من كان يريد بعمله الذي فرضه الله [بقدرته] عرضا من الدنيا ولا يريد به الله أثابه الله عليه ما أحب الله من عرض الدنيا أو دفع عنه فيها ما أحب الله، وليس له في الآخرة من ثواب لأنه عمل لغير الله، ومن أراد بعمله الذي افترضه الله ﷿ عليه في الدنيا ثواب الآخرة أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما أحب الله ودفع عنه ما أحب الله وجزاه في الآخرة الجنة بعمله.\nوروى سليمان بن عمرو عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: «نيّة المؤمن خير من عمله، وعمل المنافق خير من نيته، وكل يعمل على نيته، وليس من مؤمن يعمل عملا إلّا صار في قلبه صورتان» «١» [٣٨٩] .\nفإن كانت الأولى لله فلا يهده الآخرة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ الآية يعني كونوا قوامين بالشهادة ويعني بالقسط العدل.\nقال ابن عباس: معناه: كونوا قوّامين بالعدل في الشهادة على من كانت وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ في الرحم فأقيموها عليهم لله تعالى، ولا تحابوا غنيا لغناه، ولا ترحموا\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١/ ٦١ وكنز العمّال: ٣/ ٤١٩ ح ٧٢٣٧ باختلاف في المقطع الأخير.","vol":"3","page":399},{"text":"فقيرا لفقره فذلك قوله تعالى إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما منكم فهو يتولى ذلك منهم فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا يعني أن تتركوا الحق وتتبرأوا.\nقال الفراء: ويقال معناه: لا تتبعوا الذنوب لتعدلوا كما يقال: لا تتبعن هواك ليرضى عنك أي أنهاك عن هذا كيما يرضى ربّك.\nويقال: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى فرارا من إقامة الشهادة وَإِنْ تَلْوُوا باللسان فتحرفوا الشهادة لتبطلوا الحق أَوْ تُعْرِضُوا عنها فتكتمونها ولا تقيمونها عند الحكام فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ من إقامتها وكتمانها خَبِيرًا ويقال: معناه: وَإِنْ تَلْوُوا أي تدافعوا في إقامة الشهادة، يقال:\nلويت حقّه أي دافعته وبطلته.\nوقال ابن عباس: هذه الآية في [القاضي] وليّه شدقه وإعراضه عن أحد الخصمين.\nوقال رسول الله ﷺ عند نزول هذه الآية: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فليقم شهادته على ما كانت، ومَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فلا يجحد حقّا هو عليه، وليؤدّه عفوا، ولا يلجئه إلى سلطان [ليأخذ] «١» بها حقه، وأما رجل خاصم إليّ فقضيت له إلى أخيه بحق ليس هو له عليه، فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من جهنم» «٢» [٣٩٠] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>مسألة في اللغة</span>\nقال أهل المعاني: معنى القسط العدل، يقال أقسط الرجل يقسط إقساطا إذا عدل وقسط يقسط قسوطا إذ جار.\nقال الله تعالى: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ «٣» وقال تعالى: أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا.\nويقال: قسط البعير يقسط قسطا إذا يبست يده، ويد قسطا أي يابسة، فكان أقسط معناه أقام الشيء على حقيقته في العدل، وكان معنى قسط أي [خيار] أي يبس الشيء وأفسد جهته المستقيمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[سورة النساء (٤): الآيات ١٣٦ الى ١٤١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١٣٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧) بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)\nالَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)\n_________\n(١) المخطوط مشوش ولم نجده في المصادر وما أثبتناه استظهارا منا. [.....]\n(٢) المعجم الكبير: ٢٣/ ٣٨٢ باختصار.\n(٣) سورة الحجرات: ٩.","vol":"3","page":400},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الآية.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في عبد الله بن سلام وأسد وأسيد ابني كعب وثعلبة بن قيس بن كعب وسلام ابن اخت عبد الله بن سلام، وسلامة بن أخيه ويامين ابن يامين، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب. أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك، وبموسى والتوراة، وعزيز ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال لهم النبي ﷺ:\n«بل آمنوا بالله ورسوله محمد وبكتابه القرآن وبكل كتاب كان قبله» «١» [٣٩١] فقالوا: لا نفعل، فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ يعني القرآن وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ يعني الكتب المتقدمة التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المتقدمة وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ إلى قوله ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا يعني خطأ خطأ بعيدا، فلما نزلت هذه الآية، قالوا: يا رسول الله فإنّا نؤمن بالله ورسوله وبالقرآن وبكلّ رسول وكتاب كان قبل القرآن والملائكة واليوم الآخر لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ كما فعلت اليهود والنصارى، وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فدخلوا في الإسلام.\nوقال الضحاك: هي في اليهود والنصارى، ومعنى الآية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بموسى والتوراة وعيسى والإنجيل آمَنُوا بمحمد والقرآن.\nوقيل: إنه ورد في اليهود خاصة، والمعنى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في وجه النهار آمَنُوا في آخر النهار، وذلك قوله تعالى وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ الآية.\nوقال [أبو العالية] وجمع من المفسرين: هذه الآية خطاب للمؤمنين وتأويله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا أي أقيموا واثبتوا على الإيمان، وكقوله لنبيه ﷺ (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) أي اثبت على ما أنت عليه وكقوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ «٢»\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٢٣٤.\n(٢) سورة المائدة: ٩.","vol":"3","page":401},{"text":"ومعناه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا على الإيمان من أصحاب النبي ﷺ الذين هم في هذه القصة مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، ويقال في الكلام للقائم: قم، وللقاعد: أقعد، والمراد منه الاستدامة.\nويقال: أنها خطاب للمنافقين الذين أصروا التكذيب ومعناها: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا في الملأ آمَنُوا في الخلاء، وقال آخرون: المراد منه الكفار يعني: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا باللات والعزى والطاغوت آمِنُوا بِاللَّهِ، ومعناه: إن كان لا بد للإيمان يعني فالإيمان بالله تعالى ورسله والكتب أحق وأولى من الإيمان بما لا يضر ولا ينفع ولا ينفق ولا يرزق ولا يحيي ولا يميت، والله أعلم.\nثم ذكر من لم يؤمن من أهل الكتاب، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بموسى ثُمَّ كَفَرُوا بموسى ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا بعد عزير بالمسيح وكفرت النصارى بما جاء به موسى وآمنوا بعيسى بن مريم ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بمحمد وبما جاء به.\nقتادة: هم اليهود والنصارى آمنت اليهود بالتوراة ثُمَّ كَفَرُوا وآمنت النصارى بالإنجيل ثم كفرت وكفرهم هو [تكذيبهم] إياه، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بالقرآن وبمحمد ﷺ وقال مجاهد: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا أي ماتوا عليه لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ ما أقاموا على ذلك وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا سبيل هدى.\nوقال ابن عباس: يدخل في هذه الآية كل منافق كانوا على عهد رسول الله ﷺ.\nقال نحو ذكر ما في هذه الآية من الكلام على أهل القدر.\nيقال لأهل القدر: خبرونا عن الكفار هل هداهم الله ﷿ إلى الإسلام؟ فإن قالوا:\nنعم. قيل كيف يجوز أن يقال إن الله هداهم وقد قال الله تعالى وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا؟ قيل:\nومعناه إنه لا يهديهم إلى طريق الجنة يقال لهم كيف يهديه إلى طريق الجنة وقد هداه عندك لأن من أصلك إن العبد إنما يدخل الجنة فمعناه أنه يدخل الجنّة لفعله ويدخل النار بفعله، وقد هداه إلى طريق الجنة بهدايته إلى الإسلام فكيف يصح هذا التأويل على أصلك؟\nواعلم أنهم إذا ألزمهم الشيء، فقالوا في التأويل، فإذا فحصت عن تأويلهم بان لك فساد قولهم.\nواعلم إن الله ﷿ قد بيّن لك إنه لا يهديهم سبيلا ليعلم العبد إنما يقال هدي بالله ﷿ ويحرم الهدى بإراده الله ﷿ ثم لا يكون لهم عاذر بنفي الهدى عنهم، ولا مزيلا للحجة بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ نبّئهم يا محمّد بِأَنَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا.\nقال الزجاج: بَشِّرِ أي اجعل في موضع بشارتك لهم العذاب الأليم، والعرب تقول:\nتحيتك الضرب، وعتابك السيف، أي تضع الضرب موضع التحية [والسيف موضع العتاب] «١» .\n_________\n(١) زيادة منّا لتمام المعنى.","vol":"3","page":402},{"text":"وقال الشاعر:\nوخيل قد دلفت «١» لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجمع «٢»\nثم وصف المنافقين فقال الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ أنصارا وبطانة مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ يعني الرفد والمعونة والظهور على محمّد وأصحابه.\nوقال الزجاج: العزة يعني المنعة والشدة والغلبة مأخوذ من قولهم: أرض عزاز أي صلبة لا يفيد عليها شيء ويقال: استعز على المريض اشتد وجعه، وقولهم يعز عليّ أي يشتد، وقولهم إذا عز الشيء لم يوجد فتأويله قد اشتد وجود وصف إن وجد فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا أي القدرة لله جميعا وهو سيد الأرباب. ثم قال وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ يا معشر المسلمين بمكة فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يعني القرآن يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ أي يأخذوا في حديث غير الاستهزاء بمحمد وأصحابه والقرآن.\nوذلك إن المنافقين كانوا يجلسون إلى أحبار اليهود فيستهزءون بالقرآن ويكذبون به ويحرفونه عن مواضعه فنهى الله تعالى المسلمين عن مجالستهم ومخالطتهم، والذي نزل في الكتاب قوله تعالى وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ «٣» الآية.\nالضحاك عن ابن عباس: ودخل في هذه الآية كل محدث في الدين، وكل مبتدع إلى يوم القيامة.\nالكلبي عن أبي صالح: صح هذا القول بقوله ﷿ وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك والاستهزاء مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى أي ذكروهم وعظوهم بالقرآن لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الاستهزاء بمحمّد والقرآن إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إذا قعدتم عندهم فأنتم إذا مثلهم إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ أي ينتظرون بكم الدوائر يعني المنافقين فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ يعني النصر والغنيمة قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ على دينكم فأعطونا من الغنيمة وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ يعني دولة وظهورا على المسلمين قالُوا يعني المنافقين أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ألم نخبركم بعزيمة محمد ﷺ وأصحابه ونطلعكم على سرّهم.\nوقال أهل اللغة: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ويغلب عليكم قال: استحوذ أي غلب.\nوفي الحديث كان عمر أحوذنا أي غالب أمرنا في الحق.\nوقال العجّاج:\nيحوذهن وله حوذي. ... [كما يحوذ الفئة] الكميّ «٤» .\n_________\n(١) دلفت: زحفت.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٢٦٤.\n(٣) سورة الأنعام: ٦٨.\n(٤) الحوذ: السير الشديد، والحوز: السير برفق، والبيت في تصحيفات المحدثين للعسكري: ٢٠٦.","vol":"3","page":403},{"text":"الكميّ. أي يغلب عليها ويجمعها، ويروى بالزاي فيهما.\nوقال النحويون: اسْتَحْوَذَ خرج على الأصل «١»، فمن قال: حاذ يحوذ لم يقل إلّا استحاذ يستحذ وإن كان أحوذ يحوذ كما قال بعضهم: أحوذت [وأطّيبت] بمعنى أحذت وأطبت. قال اسْتَحْوَذَ استخرجه على الأصل وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ونمنعكم منازلة المؤمنين فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يعني بين أهل الإيمان وأهل النفاق ثم يفصل بينهم وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.\nعكرمة والضحاك عن ابن عباس يعني حجة.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني أصحاب محمد ﷺ سَبِيلًا يعني ظهورا عليهم.\nوقال علي (﵁): وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ في الآخرة\n، وفي هذه الآية دليل على أن المنافق ليس بمؤمن وليس الإيمان هو الإقرار فقط، إذ لو كان الإيمان هو الإقرار لكانوا بذلك هم مؤمنين.\nوفيه دليل أيضا على صحة نبوة النبي ﷺ لأن القوم كانوا كاتمين اعتقادهم فأظهر الله ﷿ رسوله على اعتقادهم وكان ذلك حجة له عليهم إذ علموا إنه لا يطلع على ضمائر القلوب إلا البارئ جل وعز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٢ الى ١٤٧]</span>\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا (١٤٤) إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)\nما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)\nإِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ\nقد مرّ تفسيره.\nوَهُوَ خادِعُهُمْ\nأي يجازيهم جزاء خداعهم، وذلك أنهم على الصراط يعطون نورا كما يعطي المؤمنين، فإذا مضوا على الصراط [يسلبهم ذلك النور] ويبقى المؤمنون ينظرون بنورهم فينادون المؤمنين انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ فيناديهم الملائكة على الصراط ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا «٢» وقد علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع [فيشفق] المؤمنون حينئذ من نورهم أن\n_________\n(١) راجع لسان العرب: ٣/ ٤٨٧.\n(٢) سورة الحديد: ١٣.","vol":"3","page":404},{"text":"يطفئ «١» فيقولون: رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ «٢» وَإِذا قامُوا\nيعني [تهيّأوا] إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى\nيعني متثاقلين، يعني لا يريدون بها [وجه] الله فإن رآهم أحد صلّوا وإلّا انصرفوا ولم يصلّوا يُراؤُنَ النَّاسَ\nيعني المؤمنين بالصلاة وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا\nابن عباس والحسن: إنما قال ذلك لأنهم يصلونها رياء وسمعة ولو كانوا يريدون بذلك وجه الله ﷿ لكان ذلك كثيرا.\nقتادة: إنما قلّ ذكر المنافقين لأن الله ﷿ لم يقبله وكما ذكر الله قليل وكلما قبل الله كثير مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ أي مترددين متحيرين بين الكفر والإيمان لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمسلمين، فليسوا من الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار فلا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء.\n[القاسم بن طهمان] عن قتادة: ما هم بمؤمنين مخلصين ولا بمشركين مصرحين بالشرك وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا أي طريقا إلى الهدى.\nوذكر لنا ان نبي الله ﷺ كان يضرب مثلا للمؤمن والمنافق والكافر كمثل رهط ثلاثة دفعوا إلى نهر فوقع المؤمن فقطع ثم وقع المنافق حتى إذا كاد يصل إلى المؤمن ناداه الكافر أن هلمّ إليّ فإني أخشى عليك وناداه المؤمن هلمّ إلي فأن عندي الهدى وكفى له ما عنده، فما زال المنافق يتردد منهما حتّى أتى على أذى فعرفه فإن المنافق لم يزل في شك وشبهة حتى أتى عليه الموت وهو كذلك.\nوروى عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّما مثل المنافق مثل الشاة العائرة من الغنمين يبدي إلى هذه مرة وإلى هذه مرة لا يدري أيهما يتبع» «٣» [٣٩٢] .\nثم ذكر المؤمنين ونهاهم عن الإتيان بما أتى المنافقون.\nفقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا مُبِينًا ثم ذكر منازل المنافقين فقال: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ يعني في أسفل برج من النار، والدرك والدرك لغتان مثل الطعن والطعن والنهر والنهر واليبس واليبس.\nقال عبد الله بن مسعود: الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ توابيت مقفلة في النار تطبق عليهم وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا [عونا] .\n_________\n(١) راجع تفسير ابن كثير: ١/ ٥٩.\n(٢) سورة التحريم: ٨.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٢٢٢ بتفاوت. [.....]","vol":"3","page":405},{"text":"عن عوف عن أبي المغيرة القواس عن عبد الله بن عمر قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة وآل فرعون «١» .\nقال الثعلبي: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى فأما أصحاب المائدة فقوله ﷿ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ «٢»، وأما آل فرعون فقوله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٣»، وأما المنافقون فقوله تعالى إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ «٤» .\nإِلَّا الَّذِينَ تابُوا من النفاق وَأَصْلَحُوا عملهم وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ أي وثقوا بالله وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ على دينهم. قال الفراء: مَعَ الْمُؤْمِنِينَ تفسيره من المؤمنين. قال القتيبي: حاد عن كلامهم غيظا عليهم فقال (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)، ولم يقل فأولئك هم المؤمنون وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ في الآخرة أَجْرًا عَظِيمًا وهي الجنة وإنما حذفت الياء من: يؤتي في الخط كما حذف في اللفظ لأن الياء سقطت من اللفظ لسكونها وسكون اللام في الله وكذلك قوله يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ «٥» حذفت الياء في [الخط] لهذه العلة وكذلك سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «٦» يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ «٧» قالوا: والياء هذه حذفت لالتقاء الساكنين.\nوأما قوله ما كُنَّا نَبْغِ «٨» حذفت لأن الكسرة دلت على الياء فحذفت لثقل الياء، وقد قيل حذفت الياء من المناد والدّاع لأنك تقول: داع ومناد حذفت اللام بها كما حذفت قبل دخول الألف واللام.\nوأما قوله تعالى وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ «٩» فحذفت الياء لأنها ما بين آية ورؤس الآية يجوز فيها الحذف ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ نعماه وَآمَنْتُمْ به وفي الآية تقديم، وتأخير، تقديرها ما يفعل الله بعذابكم ان آمنتم وشكرتم لأن الشكر لا ينفع مع عدم الإيمان بالله والله تعالى عرف خلقه بفضله على ان تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه. وتركه عقوبتهم على أفعالهم، لا ينقص من سلطانه وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا للقليل من أعمالكم عَلِيمًا بإضعافها لكم إلى عشرة إلى سبعمائة ضعف.\nقال أهل اللغة: أصل الشكر إظهار النعمة والتحدث بها. قال الله تعالى وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ «١٠» وذكر بعض أهل اللغة إن الشكر مأخوذ من قول العرب لغة شكور إذا كان يظهر\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ١٨٢.\n(٢) سورة المائدة: ١١٥.\n(٣) سورة غافر: ٤٦.\n(٤) سورة النساء: ١٤٥.\n(٥) سورة ق: ٤١.\n(٦) سورة العلق: ١٨.\n(٧) سورة القمر: ٦.\n(٨) سورة الكهف: ٦٤.\n(٩) سورة الفجر: ٤.\n(١٠) سورة الضحى: ١١.","vol":"3","page":406},{"text":"سمنها على القليل من العلف فكان الله تعالى سمّى نفسه شاكرا إلا أنه يرضى من عباده بالقليل من العبادة، بعد رتبة التوحيد.\nوقال بعض المعتزلة: إن الوصف لله بأنه شكور وشاكر على جهة المجاز لأن الشكر في الحقيقة هو الاعتراف بنعم المنعم فلما كان القديم تعالى ذكره مجازيا للمطيعين على طاعتهم سمي مجازاته إياهم عليها شكرا على التوسعة، وليس الحمد عنده هو الشكر لأن الحمد ضد [الذم] والشكر ضد الكفر، فيقال له: إن لم يجز أن يكون الباري تعالى شاكرا على الحقيقة لما ذكرته لم يجز أن يكون مثيبا، لأن المثيب من كافى غيره على نعمة [قدمت] إليه ابتداء، [وإلّا لم يجزيه] أن يكون شاكرا في الحقيقة، والشكر من الله تعالى الثواب.\nومن العباد الطاعة وحقيقة مقابلة الطاعة بغيرها، فإذا قابلت أوامر الله بطاعتك فقد شكرته وإذا قابلك الله طاعتك بثوابه فقد شكرك عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>[سورة النساء (٤): الآيات ١٤٨ الى ١٥٢]</span>\nلا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)\nلا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ يعني القول القبيح إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فقد اذن للمظلوم ان ينتصر بالدعاء على ظالمه وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا لدعاء المظلوم عَلِيمًا بعقاب الظالم، نظير قوله وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ «١» مجاهد: هذا في الضيف النازل إذا لم يضيف ومنع حقه أو أساءوا قراه فقد رخص الله له أن يذكر منه ما صنع به، وزعم أن ضيفا نزل بقوم فأساءوا قراه فاشتكاهم، فنزلت هذه الآية رخصة في أن يشكو.\nوالضيافة ثلاثة أيام وما فوق ذلك فهو صدقة.\nوقوله (مَنْ ظُلِمَ) من في محل النصب لأنه استثناء ليس من الأول، وإن شئت جعلت من رفعا فيكون المعنى لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ فيكون من بدلا من معنى أحد والمعنى لا يحب الله أن يجهر أحد بالسوء من القول إلّا المظلوم، وقرئ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ بفتح الظاء واللام على معنى إن الظالم يجهر بالسوء من القول ظلما واعتداء، ويكون المعنى لكن الظلم الجهر بذلك ظلما ومحل من في مَنْ ظُلِمَ النصب لأنه استثناء من الأول، وفيه\n_________\n(١) سورة الشورى: ٤١.","vol":"3","page":407},{"text":"وجه آخر: وهو أن يكون إِلَّا مَنْ ظُلِمَ على معنى لكن الظالم جهروا له بالسوء من القول وهو بعد استثناءه من الأول، وموضعه نصب وهو وجه حسن.\nإِنْ تُبْدُوا خَيْرًا يعني حسنة فتعمل بها كتبت له عشر وإن همّ بها ولم يعمل بها كتبت له حسنة واحدة أَوْ تُخْفُوهُ وقيل الخير ما صفى المال ومعناه ان تبدوا الصدقة والمعروف أو تصدّقوا بسرّ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ عن ظلم فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا يعني فإنّ الله ﷿ أولى أن يتجاوز عنكم يوم القيامة عن الذنوب العظام.\nإِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ الآية نزلت في اليهود وذلك إنهم آمنوا بموسى وعزيز والتوراة وكفروا بعيسى والإنجيل وبمحمّد والقرآن وذلك قوله وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي دينا من اليهودية والإسلام، قال الله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ كلهم وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ يعني بين الرسل وهم المؤمنون، قالوا: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ كما علمهم الله، فقال قُولُوا آمَنَّا- إلى قوله- لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ... أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ بايمانهم بالله وكتبه ورسله وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا كما كان منهم في الشرك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>[سورة النساء (٤): الآيات ١٥٣ الى ١٥٩]</span>\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا (١٥٣) وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (١٥٤) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)\nبَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)\nيَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ الآية، وذلك\nإن كعب بن الأشرف وفنحاص بن عازورا قالا لرسول الله ﷺ: إن كنت نبيا حقا فأتنا بكتاب من السماء فما أتى به موسى فأنزل الله ﷿ يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ يعني السبعين الذين خرج بهم موسى (﵇) إلى الجبل فَقالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً عيانا فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ ولم نستأصلهم وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا الآية.","vol":"3","page":408},{"text":"يعني الآيات التسع\nوَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا قتادة:\nكنا نتحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس «١»، وقيل: إيليا، وقيل: أريحا، وقيل: هي لهم قربة.\nوَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ أي لا تظلموا باصطيادكم الحيتان فيها وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا يعني العهد الذي أخذ الله عليهم في الصيد فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ أي فبنقضهم ميثاقهم كقوله فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ «٢»، وعَمَّا قَلِيلٍ «٣» وجُنْدٌ ما هُنالِكَ «٤» أي فبرحمة وعن قليل، وبجند ما هنالك.\nوَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ تقدير الآية، فنقضهم ميثاقهم وكفرهم وقتالهم وقولهم طبع الله على قلوبهم ولعنهم فَلا يُؤْمِنُونَ بمعنى من ممن كذب الرسل إلّا من طبع الله على قلبه وإن من طبع الله على قلبه، فلا يؤمن أبدا، ثم قال تعالى إِلَّا قَلِيلًا يعني عبد الله بن سلام، وقيل معناه: فلا يؤمنون لا قليلا ولا كثيرا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا حين رموها بالزنا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ الآية.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّ عيسى (﵇) استقبل رهطا من اليهود وقالوا: الفاجر بن الفاجرة والفاعل بن الفاعلة، فقذفوه وأمّه فلما سمع عيسى ذلك دعا عليهم، وقال: اللهم أنت ربي وأنا عبدك من روح نفخت ولم أتّهم من تلقاء نفسي «اللهم فالعن من سبّني وسبّ أمّي» «٥» [٣٩٣] فاستجاب الله دعاءه ومسخ الذين سبّوه وسبّوا أمّه خنازير، فلما رأى رأس اليهود ما جرى بأميرهم فزع لذلك وخاف دعوته آنفا فاجتمعت كلمة اليهود على قتل عيسى فاجتمعوا عليه وجعلوا يسألونه فقال لهم: كفرتم وان الله يبغضكم، فغضبوا من مقالته غضبا شديدا وثاروا إليه ليقتلوه فبعث الله تعالى جبرئيل، وأدخله خوخة فيها روزنة في سقفها فصعد به إلى السماء من تلك الروزنة فأمر يهودا رأس اليهود رجلا من أصحابه يقال له ططيانوس أن يدخل الخوخة ويقتله فلما دخل ططيانوس الخوخة لم ير عيسى بداخلها فظنوا إنه يقاتله فيها وألقى الله تعالى عليه شبه عيسى، فلما خرج ظن إنه عيسى فقتلوه وصلبوه.\nمقاتل: إن اليهود وكّلوا بعيسى رقيب عليه يدور معه حيثما دار فصعد عيسى الجبل، فجاء\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ١٤.\n(٢) سورة آل عمران: ١٥٩.\n(٣) سورة ص: ١١. [.....]\n(٤) سورة المؤمنون: ٤٠.\n(٥) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٢٣٢ بتفاوت.","vol":"3","page":409},{"text":"الملك فأخذ ضبعيه ورفعه إلى السماء فألقى الله تعالى على الرقيب شبه عيسى، فلما رأوه ظنوا انه عيسى فقتلوه وصلبوه، وكان يقول: أنا لست بعيسى، أنا فلان بن فلان، فلم يصدّقوه فقتلوه.\nوقال السدّيّ: إنهم حبسوا عيسى مرّتين في بيت فدخل عليهم رجل منهم وألقى الله تعالى عليه شبه عيسى ورفع عيسى إلى السماء من كوّة في البيت فدخلوا عليه وقتلوه بعيسى.\nقتادة: ذكر لنا إن نبي الله عيسى بن مريم قال لأصحابه: أيّكم يقذف عليه شبهي فإنّه مقتول فقال رجل من القوم: أنا يا نبيّ الله فشبّه الرجل ومنع الله تعالى عيسى ورفعه إليه فلما رفعه الله إليه كساه الريش وألبسه النور وحطّ عنه لذة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة يدور حول العرش وكان إنسيا ملكيا سمائيا أرضيا.\nوهب بن منبه: أوحى الله تعالى إلى عيسى على رأس ثلاثين سنة ثم رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وهو [أربع] وثلاثين سنة وكانت نبوته [ثلاثة سنين] .\nقوله تعالى وَقَوْلِهِمْ يعني اليهود إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ فكذبهم الله تعالى وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ.\nالكلبي: اختلافهم فيه فاليهود قالت: نحن قتلناه وصلبناه. وقالت طائفة من النصارى: بل نحن قتلناه، وقالت طائفة منهم: ما قَتَلُوهُ هؤلاء ولا هؤلاء بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [ونحن ننظر إليه] وقال الذين لمّا قتل ططيانوس: ألم تروا إنه قتل وصلب فهذا اختلافهم وشكهم.\nقال محمد بن مروان: ويقال أنّ الله وضع في شبه من عيسى على وجه ططيانوس ولم يلق عليه شبه جسده وخلقه، فلما قتلوه نظروا إليه، فقالوا: إن الوجه وجه عيسى وإنّما هو ططيانوس، وقد قيل إن الذي شبّه لعيسى وصلب مكانه رجل إسرائيلي وكان يقال له إيشوع بن مدين.\nقال السدي: اختلافهم فيه أنهم قالوا إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا وإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى، قال الله تعالى ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا أي ما قتلوا عيسى يقينا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.\nقال الفراء والقتيبي: والهاء في قوله إِلَيْهِ إلى العلم يعني: وما قتلوا العلم يقينا كما يقال قتلته علما وقتلته يقينا للرأي والحديث.\nوقال المقنع الكندي:\nكذلك نخبر عنها الغانيات ... [....] «١» فلكم يقينا\nويؤيد هذا التأويل ما روى معاوية بن صالح عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: وَما\n_________\n(١) كلام غير مقروء.","vol":"3","page":410},{"text":"قَتَلُوهُ يَقِينًا يعني ما قتلوه ظنهم يقينا وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا أي قويا بالنقمة من اليهود فسلط عليه طغرى بن اطسيانوس «١» الرومي فقتل منهم مقتلة عظيمة حَكِيمًا حكم عليهم [باللعنة والغضب] .\nوَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ قال الأستاذ الإمام: معناه وما من أهل الكتاب إلّا ليؤمنن به وتلا قوله تعالى وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ أي وَما مِنَّا أحد إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ.\nوقوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «٢» المعنى: وما منكم أحد إلّا واردها. قال الشاعر:\nلو قلت ما في قومها لم تيثم «٣» ... يفضلها في حسب ومبسم «٤»\nالمعنى: ما في قومها أحد يفضلها، ثمّ حذف.\nعن قتادة والربيع بن انس وابو مالك وابن زيد: هما راجعتان إلى عيسى، المعنى فإن من أهل الكتاب إلّا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وينزل من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتاب إلّا آمن به حتى تكون الملة واحدة ملة الإسلام، وهو رواية سعيد بن جبير وعطية عن ابن عباس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة،\nوروى قتادة عن عبد الرحمن بن آدم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الأنبياء إخوة لعلّات أمهاتهم شتّى ودينهم واحد وإني أولى الناس بعيسى بن مريم لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، ويوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فإذا رأيتموه وهو رجل مربوع فلق إلى الحمرة والبياض سبط الشعر كان رأسه يقطره وان لم يصبه بلل بين ممصّرتين، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال ويقاتل الناس على الإسلام حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها غير الإسلام وتكون السجدة واحدة لله تعالى ويهلك الله في زمانه الرجل الكذاب الدجال يقع الأمنة في الأرض في زمانه حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقرة، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان مع بعضهم بعضا ثم يلبث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه واقرأوا إن شئتم (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) عيسى بن مريم» «٥»\n[٣٩٤] رددها أبو هريرة ثلاث مرات.\n_________\n(١) في تفسير القرطبي: (٦/ ١٠) بطرس بن أستيسانوس الرومي، وبالهامش عن نسخة: نطوس بن استينانوس.\n(٢) سورة مريم: ٧١.\n(٣) بكسر التاء، لغة بعض العرب، فلمّا كسروا التاء قلبت الهمزة ياء.\n(٤) البيت في تفسير القرطبي: ٥/ ٢٤٣، ومعاني القرآن للنحاس: ١٠١.\n(٥) مسند أحمد: ٢/ ٤٠٦ وصحيح ابن حبّان: ١٥/ ٢٣٣ بتفاوت في الكل، وجامع البيان للطبري: ٦/ ٣٠.","vol":"3","page":411},{"text":"عكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: الهاء في قوله تعالى (بِهِ) راجعتين إلى عيسى ابن مريم إلى الكتابي الذي يؤمن والمعنى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أحد إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بعيسى قَبْلَ مَوْتِهِ إذا عاين الملك فلا ينفعه حينئذ إيمانه، لأن كل من نزل عليه الموت يعاين نفسه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه وهذه رواية أبي هريرة عن أبي عليّ عن ابن عباس قالوا: لا يبقى يهودي ولا صاحب كتاب حتى يؤمن بعيسى، وإن احترق أو غرق أو تردى أو سلط عليه حيتان أو أكله السبع أو أي ميتة كانت «١» .\nقيل لابن عباس: أرأيت إن خرّ من فوق بيت؟ قال: يتكلم به في الهواء، فقال: أرأيت إن ضرب عنق أحدهم؟ قال: يتلجلج بها لسانه.\nيدل على صحة هذا التأويل، قراءة أبيّ: قبل موتهم.\nالكلبي: خرجت من الكوفة حتى أتيت طابت وهي قرية دون واسط فنزلتها فإذا أنا بشهر بن حوشب فتذاكرنا هذه الآية. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ فقال شهر: خرج العطاء والحجاج يومئذ بواسط فأمر بالعطاء فوضع بين يديه فجعل يدعو الرجل فيدفع العطاء بما قال، فدعا باسمي وجئت على فرس لي عجفاء رثّة الهيئة وعليّ ثياب رثّة، فلما رآني الحجاج قال لي:\nيا شهر مالي أرى ثيابك رثة وفرسك رثة، فقلت: أصلح الله الأمير أما ما ذكرت من فرسي فإني قد اشتريتها ولم آل نفسي خيرا، وأما ما تذكر من الثياب فحسب المؤمن من الثياب ما وارى عورته، فقال: لا ولكنك رجل تكره الخز وتعيب من يلبسه، فقلت: إني لا أكره ذلك ولا أعيب على من يلبسه، قال: فدعا بقطعة له خزّ فأعطانيها فصببتها عليه فلما أردت أن أخرج، قال لي:\nهلم، فرجعت فقال: آية من كتاب الله تعالى ما قرأتها قط إلّا اختلج في نفسي منها شيء، قلت:\nأصلح الله الأمير، ما هي؟ فقرأ هذه الآية وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ فإني لأوتى بالأسير من اليهود والنصارى فآمر بضرب أعناقهم فما أسمعه يتكلّم بشيء، فقلت: إن اليهودي إذا حضره الموت ضربت الملائكة وجهه ودبره، وقالت: يا عدوّ الله أتاك عيسى ابن مريم عبدا نبيا فكذبت به، فيقول: إني آمنت به إنه نبي عبد فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه، ويؤتى بالنصراني فيقولون له: يا عدو الله أتاك عيسى عبد نبي فقلت: إنه الله وابن الله، فيؤمن به حين لا ينفعه إيمانه.\nقال شهر: فنظر إليّ الحجاج وقال: من حدثك بهذا الحديث؟ فقلت: محمد بن الحنفية، قال: وكان متكئا فجلس ثم نكث بقضيبه في الأرض ساعة ثم رفع رأسه إليّ وقال: أخذتها من عين صافية أخذتها من معدنها «٢» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٧.\n(٢) تفسير القرآن للصنعاني: ١/ ١٧٨.","vol":"3","page":412},{"text":"قال الكلبي: فقلت: يا شهر ما الذي أردت أن تقول: حدثني محمد بن الحنفية وهو يكرهه ويكره ما جاء من قبلهم، قال: أردت أن أغيظه.\nوقال بعضهم: الهاء في (بِهِ) راجعة إلى محمد ﷺ وفي (مَوْتِهِ) راجعة إلى الكتابي.\nوهو رواية حماد بن حميد عن عكرمة قال: لا يموت اليهودي ولا النصراني حتى يؤمن بمحمد ﷺ، وقيل الهاء في (بِهِ) راجعة إلى الله تعالى، وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قبل أن يموت عند المعاينة ولا ينفعه إيمانه في وقت البأس وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عيسى عَلَيْهِمْ شَهِيدًا بأنّه قد بلّغهم رسالة من ربه وأقرّ له بالعبودية على نفسه، نظير قوله وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ وهو نبي شاهد على أمّته، قال الله تعالى: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ الآية، وقال تعالى وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٠ الى ١٦٦]</span>\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦١) لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢) إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤)\nرُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥) لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)\nفَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا وهو ما تقدّم ذكره من نقضهم الميثاق وكفرهم بالآيات وبهتانهم على مريم وقولهم: إنا قتلنا المسيح.\nونظم الآية فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا ... وَبِصَدِّهِمْ أي صرفهم أنفسهم وغيرهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن دين الله صدا كبيرا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ مثل الاكل التي كانوا يصيبونها من عوامهم، وما كانوا يأخذونها في ايمان كتبهم التي كتبوها، وقالوا هذه من عند الله، وما كانوا يأخذون من الرشاء في الحكم، كقوله تعالى وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ «١» عاقبناهم بأن حرّمنا عليهم الطيبات وكانوا كلما ارتكبوا كبيرة حرم عليهم شيئا من الطيبات التي\n_________\n(١) سورة المائدة: ٦٣.","vol":"3","page":413},{"text":"كانت حلالا لهم، يدلّ عليه قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ «١» ووَ عَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ «٢» .\nنكتة قال لهم: حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ وقال لنا: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ، وقال:\nوَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا فلم يحرّم علينا شيئا بذنوبنا فكما أمننا من تحريم الطيبات التي ذكر في هذه الآية نرجو أن يؤمننا في الآخرة من العذاب الأليم وقال الله تعالى وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا لأنه جمع بينهما في الذكر.\nنكتة اطلق في تحريم الطيبات اللفظ في العذاب، لأن التحريم شيء قد مضى له العذاب مستقبل، وقد علم ان منهم من يؤمن فيأمن من العذاب، فقال وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا ثمّ استثنى مؤمني أهل الكتاب فقال: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ يعني ليس أهل الكتاب كلّهم كما ذكرنا لكن الراسخون التائبون المناجون، في العلم وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ.\nواختلفوا في وجه انتصابه.\nفقالت عائشة وأبان بن عثمان: هو غلط من الكاتب، ونظيره قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى «٣» وقوله تعالى: إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «٤» وقال بعض النحويين: هو نصب على المدح والعرب تفعل ذلك في صفة الشيء الواحد إذا تطاولت بمدح أو ذم خالفوا من اعراب أوله وأوسطه، نظيره قوله وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ «٥» وقيل: نصب على فعل، تقديره: اعني المقيمين، على معنى: أذكر النازلين وهم الطيبون.\nوقال قوم: موضعه خفض، واختلفوا في وصفه، قال بعضهم: معناه: لكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ ومن الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وقيل معناه: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وإلى الْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وقال بعضهم: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من الكتاب وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ.\nثم اختلفوا فيهم من هم؟ فقيل: هم الملائكة، وقيل: هم الأنبياء، وقيل: هم المؤمنون، وقيل: مؤمنوا أهل الكتاب وهم الراسخون.\nقوله تعالى إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الآية، نزلت في اليهود وذلك لما أنزل الله تعالى قوله\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٤٦.\n(٢) سورة النحل: ١١٨.\n(٣) سورة المائدة: ٦٩. [.....]\n(٤) سورة طه: ٦٣.\n(٥) سورة البقرة: ١٧٧.","vol":"3","page":414},{"text":"يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ «١» إلى قوله تعالى: وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا «٢» .\nلفضحهم وذكر عيوبهم وذنوبهم غضبوا وقالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ وأنزل إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ جعله الله تعالى ثاني المصطفى ﷺ في موضعين من كتابه في أهل الميثاق بقوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ «٣» والثاني في الوحي، فقال: إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ فإن قيل: ما الحكمة في تقديم نوح على سائر الأنبياء وفيهم من هو أفضل منه؟ يقال: لأنه كان أبو البشر قال الله تعالى وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ وقيل: لأنه أول نبي من أنبياء الشريعة وأول داع ونذير عن الشرك.\nوقيل: لأنه أول من عذب أمّته لردّهم دعوته وأهلك كل الأرض بدعائه عليهم لأنه كان أطول الأنبياء عمرا.\nوقيل: إنه كبير الأنبياء، وجعل معجزته في نفسه لأنه عمّر ألف سنة ولم ينقص له سن ولم تنقص له قوة ولم يشب له شعر.\nوقيل لأنه لم يبالغ أحد من الأنبياء في الدين ما بالغ نوح ولم يصبر على أذى قوم ما صبر نوح وكان يدعو قومه ليلا ونهارا إعلانا وإسرارا وكان يشتم ويضرب حتى يغمى عليه فإذا فاق دعا وبالغ وكان الرجل منهم يأخذ بيد ابنه فيقول له: يا بني احذر هذا فإنه ساحر كذاب. قال الله تعالى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى «٤» وقال من عتق عنه [......] «٥» يوم القيامة بعد محمد ﷺ، وقيل لأن مقامه الشكر قال الله تعالى إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا «٦» فكما [......] «٧» القرآن فكذلك نوح (﵇) صدر [......] «٨» وقال أول من يدعى إلى الجنة الحمّادون لله على كل حال.\nوَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وهم أولاد يعقوب وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا قرأ يحيى بن وثاب، والأعمش وحمزة زُبُورًا بضم الزاي بمعنى جمع زبر وزبور كأنه قال: قد كتبنا صحفا من بعده أي مكتوبة، والباقون بفتح الزاي على أنه كتاب داود المسمى زبورا، وكان داود يبرز إلى البرّية فيدعو بالزبور وكان يقوم معه علماء بني إسرائيل فيقومون خلفه. ويقوم الناس خلف العلماء ويقوم الجن خلف الناس، الأعظم فالأعظم في [فلاة] عظيمة ويقوم [الناس] لهذا الجن الأعظم\n_________\n(١) سورة النساء: ١٥٣.\n(٢) سورة النساء: ١٦٥.\n(٣) سورة الأحزاب: ٧.\n(٤) سورة النجم: ٥٢.\n(٥) كلمة غير مقروءة.\n(٦) سورة الإسراء: ٣.\n(٧) كلمة غير مقروءة.\n(٨) كلمة غير مقروءة.","vol":"3","page":415},{"text":"فالأعظم وتجيء الدواب التي في الجبال، إذا سمعن صوت داود فيقمن بين يديه تعجبّا لما سمعن منه، وتجيء الطير حتى يظللن داود وسليمان والجن والإنس في كثرة لا يحصيهم إلّا الله ﷿ يرفرفن على رؤسهم ثم تجيء السباع حتى تخالط الدواب والوحش لما سمعن حتى من لم ير ذلك، فقيل له: ذاك انس الطاعة، وهذه وحشة المعصية.\nوروى طلحة بن يحيى عن أبي بردة أبي موسى عن أبيه قال: قال لي رسول الله ﷺ: «لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقرآنك، لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود» «١» [٣٩٥] قلت: أما والله يا رسول الله لو علمت إنّك تسمع قراءتي لحسّنت صوتي وزدته [تحبيرا] .\nوكان عمر (﵁) إذا رآه قال: ذكّرنا يا أبا موسى فيقرأ عنده.\nوعن أبي عثمان [النهدي] وكان قد أدرك الجاهلية، قال: ما سمعت [طنبورا ولا صنجا] ولا مزمارا أحسن من صوت أبي موسى وإن كان ليؤمّنا في صلاة الغداة لنودّ أنه يقرأ سورة البقرة من حسن صوته «٢» «٣» حيث نزع حرف الصفة فالمعنى: كما أوحينا إلى نوح وإلى رسل.\nوقيل معناه وقصصنا عليك رسلا نصب بعائد الذكر، وفي قراءة وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ بمكة في سورة الأنعام لأن هذه السورة مدنية أنزلت من بعد الأنعام وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ سمّى الله تعالى النبيين بهذين الاسمين، فقال: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ «٤» ثم سمّى المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال (مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) ثم سمّى نبينا خاصة بهذين الاسمين، فقال: إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ «٥» لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ فيقول: ما أرسلت إلينا رسولا فنتبع وما أنزلت علينا كتابا. وقال في آية أخرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا «٦» .\nقال رسول الله ﷺ: «ما أحد أغير من الله تعالى» «٧» [٣٩٦] . ولذلك حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ «٨» وما [أحسن] إليه المدح من الله تعالى ولذلك مدح نفسه جل\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/ ١١٢، باب حسن الصوت بالقراءة، وصحيح مسلم ٢/ ١٩٣.\n(٢) التغنّي بالقرآن: ٢٦، وسير أعلام النبلاء: ٣/ ٣٩٢.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) سورة البقرة: ٢١٣. [.....]\n(٥) سورة الفتح: ٩٠٨.\n(٦) سورة الإسراء: ١٥.\n(٧) مجمع الزوائد: ٨/ ١١٨.\n(٨) سورة الأنعام: ١٥١.","vol":"3","page":416},{"text":"جلاله وما أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى لذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب\nلكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ الآية. اعلم أن الله تعالى شهد على سبعة أشياء على التوحيد، فقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ «١» والثاني على العدل وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ «٢» وقال تعالى قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا «٣» وقال: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «٤» وقال: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٥» والثالث على اعمال العباد فقال: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا «٦» الآية وقال: إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا «٧» أي تفيضون فيه وقال: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ «٨»، والرابع على جميع الأشياء فقال أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ «٩» والخامس على كذب المنافقين قال تعالى: وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ «١٠»، والسادس على شريعة المصطفى فقال عز من قائل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ «١١» أي شهيد على القرآن لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ الآية.\nوقال ابن عباس: إن رؤساء مكة أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا أولا عن صفتك ونعتك في كتابهم فزعموا إنهم لا يعرفونك، ودخل على رسول الله ﷺ جماعة من اليهود فقال لهم: «إني والله أعلم أنكم تعرفون أني رسول الله» [٣٩٧] .\nفقالوا: نعلم، فأنزل الله تعالى إن كذبوك وجحدوك لكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>[سورة النساء (٤): الآيات ١٦٧ الى ١٧٣]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٦٩) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧٠) يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)\nلَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧٣)\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٨.\n(٢) سورة الفتح: ٢٨. ٢٩.\n(٣) سورة العنكبوت: ٥٢.\n(٤) سورة الأنعام: ١٩.\n(٥) سورة آل عمران: ٨١.\n(٦) سورة المجادلة: ٦.\n(٧) سورة يونس: ٦١.\n(٨) سورة آل عمران: ٩٨.\n(٩) سورة فصّلت: ٥٣.\n(١٠) سورة المنافقون: ١. [.....]\n(١١) سورة الأنعام: ١٩.","vol":"3","page":417},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا يعني اليهود الذين علم الله تعالى منهم إنهم لا يؤمنون لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا يعني دين الإسلام إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ يعني اليهودية خالِدِينَ فِيها أَبَدًا وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا إلى قوله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا الآية نزلت في النسطورية والماريعقوبية والملكانية والمرقوسية وهم نصارى نجران وذلك إن الماريعقوبية قالوا لعيسى: هو الله، وقالت النسطورية: هو ابن الله، وقالت المرقوسية: هو روح الله، فأنزل الله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني يا أهل الإنجيل وهم النصارى لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ أي لا تتشددوا في دينكم فتفتروا عليّ بالكذب، وأصل الغلو مجاوزة الحد في كل شيء، يقال: غلا بالجارية لحمها وعظمها إذا أسرعت الشباب فجاوزت لداتها «١» يغلو بها غلوا وغلاء.\nخالد المخزومي:\nخمصانة فلق موشحها ... رؤد الشباب غلا بها عظم «٢»\nوَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ لا تقولوا أن لله شركاء أو ابنا، ثم بين حال عيسى وصفته فقال إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وهو الممسوح المطهر من الذنوب والأدناس التي تكون في الناس كما يمسح للشيء من الأذى الذي يكون فيه فيطهر، عيسى ابن مريم لا ابن الله بل رسول الله [وعبده قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا] ردّ بهذا على اليهود والنصارى جميعا وَكَلِمَتُهُ يعني قوله: كُنْ، فكان بشرا من غير أب وذلك قوله تعالى كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ «٣» الآية وقيل: هي بشارة الله مريم بعيسى ورسالته إليها على لسان جبرئيل وذلك قوله تعالى إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ وقال تعالى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ... أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ يعني أعلمها وأخبرها بها كما يقال: ألقيت إليك كلمة حسنة وَرُوحٌ مِنْهُ الآية.\nقال بعضهم: معناه ونفخة منه وذلك أن جبرئيل نفخ في درع مريم فحملت بإذن الله، فقال: وَرُوحٌ مِنْهُ لأنه بأمره كان المسيح وربما لأنه ريح يخرج من الروح «٤»، قال ذو الرمة يصف شرر النار التي تسقط من القداحة:\n_________\n(١) لداته، اللدات جمع لدة: الترب، وهو الذي ولد معك وتربّى.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ١٣٢.\n(٣) سورة آل عمران: ٥٩.\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"3","page":418},{"text":"فقلت له ارمها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا «١»\nواجعل لها قوتا بقدر. يدل عليه قوله تعالى وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها الآية هذا معنى قول عذرتها.\nوقال أبو عبيدة: إنّه كان إنسانا بإحياء الله ﷿ إياه، يدل عليه قول السدّي وَرُوحٌ مِنْهُ أي مخلوق من عنده، وقيل: معناه ورحمة من الله تعالى، عيسى رحمة لمن شهد وآمن به، يدل عليه قوله في المجادلة وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ «٢» أي قوّاهم برحمة منه، فدلّ الروح بالوحي أوحى إلى مريم بالبشارة وأوحى إلى مريم بالمسيح وأوحى أنه ابن مريم يدلّ عليه [قوله تعالى:\nبِرُوحٍ مِنْهُ] يعني بالوحي، وقال في حم المؤمن: يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ «٣» .\nوقال: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا «٤» أي وحينا، وقيل: اهدنا بروح جبرئيل فقال: وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وألقى إليها أيضا روح منه وهو جبرائيل. يدل عليه قوله في النحل قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ «٥» نظيره في الشعراء قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ «٦» وقال وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ «٧» وقال يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ «٨» يعني جبرئيل، وقال فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا\n«٩» الروح الوحي يعني من الإضافة إليه على التخصيص كقوله لآدم (﵇) وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي «١٠» .\nقال الثعلبي: وسمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: كان لهارون الرشيد غلام نصراني متطبّب وكان أحسن خلق الله وجها وأكملهم أدبا وأجمعهم للخصال التي يتوسل بها إلى الملوك وكان الرشيد مولعا بأن يسلم وهو ممتنع وكان الرشيد يمنيه الأماني [فيأبى] فقال له ذات يوم:\nما لك لا تؤمن؟ قال: لأن في كتابكم حجة على من انتحله، قال وما هو؟ قال: قوله وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ أفغير هذا دين النصارى أن عيسى جزء منه، [فغمّ] قلب الرشيد لذلك فدعا العلماء والفقهاء فلم يكن منهم من يزيل تلك الشبهة حتى قيل: قدم حجاج خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن الحسين بن واقد من أهل مرو إمام في أهل القرآن، فدعاه وجمع بينه وبين الغلام، فسأل الغلام فأعاد قوله، فاستعجم على علي بن الحسين الوقت جوابه فقال: يا أمير المؤمنين قد علم الله في سابق علمه أن مثل هذا [الحدث] يسألني في مجلسك، وإنه لم\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٤٦٠ وفيه: واجعله لها قتية، وكذا في تاج العروس.\n(٢) سورة المجادلة: ٢٢.\n(٣) سورة غافر: ١٥.\n(٤) سورة الشورى: ٥٢.\n(٥) سورة النحل: ١٠٢.\n(٦) سورة الشعراء: ١٩٣.\n(٧) سورة البقرة: ٨٧.\n(٨) سورة النحل: ٢.\n(٩) سورة مريم: ١٧. [.....]\n(١٠) سورة الحجر: ٢٩.","vol":"3","page":419},{"text":"يخل كتابه من جوابي وليس يحضرني في الوقت لله عليّ أن لا أطعم حتى آتي الذي فيأمن حقها ان شاء الله، فدخل بيتا مظلما، وأغلق عليه بابه [وانشغل] في قراءة القرآن حتى بلغ سورة الجاثية وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ فصاح بأعلى صوته: افتحوا الباب فقد وجدت، ففتحوا، ودعا الغلام وقرأ عليه الآية بين يدي الرشيد، وقال: إن كان قوله (وَرُوحٌ مِنْهُ) توجبان عيسى بعض منه وجب أن يكون ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ بعضا منه، فانقطع النصراني وأسلم وفرح الرشيد فرحا شديدا ووصل علي بن الحسين بصلة فاخرة فلما عاد إلى مرو صنف كتاب «النظائر في القرآن» وهو كتاب لا يوازيه في بابه كتاب.\nفَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ قال أبو عبيدة: معناه ولا تقولوا هم ثلاثة.\nوقال الزجاج: ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، وذلك أنهم قالوا: أب وابن وروح القدس، انْتَهُوا عن كفركم خَيْرًا لَكُمْ إلى قوله نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ\nوذلك\nإن وفد نجران قالوا: يا محمد لم تعيب صاحبنا؟ قال: ومن صاحبكم؟\nقالوا: عيسى. قال: وأي شي أقول؟ قال: تقول أنه عبد الله ورسوله، فقال لهم: إنه ليس بعار لعيسى إن يكون عبدا لله. قالوا: بلى، فنزلت نْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ الآية.\nلم يأنف ولم يتعظّم ولم [يختتم] «١» وأصله الأنفة، والتجنب وأصله في اللغة من قولهم نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك.\nقال الشاعر:\nفباتوا فلولا ما تذكر عنهم ... من الحلف لم ينكف لعينيك تدمع\nلَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ\nهم حملة العرش لا يأبون ان يكونوا عبيدا لله، لأن من الكفار من اتخذ الملائكة آلهة فلذلك ذكرهم ثم أوعدهم فقال مَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا\nالمستكبر والمقر فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ في [التضعيف] ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.\nوَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا عن عبادته وَاسْتَكْبَرُوا عن السجود فَيُعَذِّبُهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ثم قال (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[سورة النساء (٤): الآيات ١٧٤ الى ١٧٦]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)\n_________\n(١) هكذا في الأصل.","vol":"3","page":420},{"text":"قوله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني محمد ﷺ إلى قوله تعالى يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ.\nروى محمد بن المنكدر وابو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني هو وأبو بكر فلما غشياني فوجدني قد أغمي عليّ فتوضّأ رسول الله ﷺ ثم صبّ عليّ من وضوئه فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي وكان لي سبع أخوات ولم يكن لي ولد ولا والد؟ قال: فلم يجبني شيئا ثمّ خرج وتركني ثم رجع إليّ وقال: «يا جابر إني لا أراك ميّتا من وجعك هذا وإن الله ﷿، قد أنزل في أخواتك وجعل لهن الثلثين» «١» [٣٩٨]، وقرأ هذه الآية يَسْتَفْتُونَكَ إلى آخرها.\nوكان جابر يقول: نزلت هذه الآية فيّ «٢» .\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في جابر وفي أخته أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي أختا فما لي [وما لها] .\nفنزلت هذه الآية وابتدأ بالرجل، فيقال: إنه مات قبل أخته.\nسعيد عن قتادة قال: قال بعضهم على الكلالة فقالوا يا نبي الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ هذه الآية يَسْتَفْتُونَكَ أي يستخبرونك ويسألونك (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) .\nقال الشعبي: اختلف أبو بكر وعمر ﵄ في الكلالة وقال أبو بكر: هو ما عدا الولد، وقال عمر: هو ما عدا الوالد.\nثم قال عمر: إني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر.\nوقال عمر (﵁): لأن يكون النبي ﷺ بينهنّ لكان أحب إلينا من الدنيا وما فيها، الكلالة والخلافة وأبواب الربا.\nوقال محمد بن سيرين: نزلت هذه الآية والنبي ﷺ في مسيره إلى حجة الوداع، وإلى جنبه حذيفة بن اليمان [وإلى جنبه عمر] فبلغها النبي ﷺ إلى حذيفة وبلغها حذيفة إلى عمر وهو يسير خلف حذيفة، فلما استخلف عمر سأل حذيفة عنها ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٥٥.\n(٢) سنن أبي داود: ٢/ ٤ ح ٢٨٨٧.","vol":"3","page":421},{"text":"حذيفة: والله إنك لأحمق أن ظننت أنّ إمارتك تحملني أن أحدّثك فيها ما لم أحدّثك يومئذ لما لقّانيها رسول الله ﷺ [والله، لا أزيدك عليها شيئا أبدا] فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله، ثم قال عمر: من كنت بيّنتها له فإنها لم تبين لي وما شهدك أفهمتها له فإني لم أفهمها «١» .\nوقال طارق بن شهاب: أخذ عمر كتفا وجمع أصحاب النبي ﷺ، ثم قال: لأقضينّ في الكلالة قضاء تحدّث به النساء في خدورها فخرجت حينئذ حية من البيت فتفرّقوا، فقالوا: لو أراد الله أن يتم هذا الأمر لأتمّه.\nوقال أبو الخير: سأل رجل عتبة عن الكلالة، فقال: ألا تعجبون من هذا، يسألني عن الكلالة [ما شغل] أصحاب النبي ﷺ شيء مثل ما شغلت «٢» بهم الكلالة «٣» .\nوخطب عمر الناس يوم الجمعة فقال: والله إني ما أدع بعدي شيئا هو أهم من الكلالة، قد سألت رسول الله ﷺ عنها فما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن الناس فيّ وقال: تكفيك الآية التي في آخر سورة النساء «٤»، وقيل لها: آية الصيف لأنها نزلت في الصيف.\nوقال أبو بكر (﵁) في خطبته: ألا إن الآية التي أنزلها الله في سورة النساء من شأن الفرائض أنزلها في الولد والوالد، والآية الثانية في الزوج والزوجة والأخوة منهم، والآية التي ختم بها سورة النساء من ذكر بعضهم.\n_________\n(١) المصنّف لعبد الرزّاق: ١٠/ ٣٠٤ ح ١٩١٩٣ باختصار.\n(٢) في المصدر: أعضلت.\n(٣) تفسير الطبري: ٦/ ٦٠.\n(٤) تفسير الطبري: ٦/ ٥٨، وتفسير ابن كثير: ١/ ٥٩٤.","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>محتوى الجزء الثالث من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة آل عمران ٥ فصل في الخيل «صفة خلقها» ٢٦ فصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ١٢٢ ذكر مغازي رسول الله ﷺ ١٤٠ ذكر سراياه ﷺ ١٤٠ فصل في إيجاب الحج ١٥٧ فصل في التوكل ١٩٢ ذكر بعض ما ورد في الأخبار في زيادة الإيمان ونقصانه ٢١١ سورة النساء ٢٤١ حكم الكلام في الحجر على السفيه ٢٥٧ فصل في بسط الآية ٢٦٥ فصل فيما ورد من الأخبار في الرخص في مغالاة المهر لقوله:\nوَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطارًا ٢٧٧ فصل فيمن كره ذلك، والكلام في أقل المهر ٢٧٨ فصل في تفصيل أقاويل أهل التأويل في عدد الكبائر مجموعة من الكتاب والسنة مقرونة بالدليل والحجة ٢٩٧ حكم هذه الآية ٣٦٢ حكم الآية ٣٧٤ كيفية صلاة الخوف ٣٧٥ حديث أبي هريرة في صلاة الخوف ٣٧٨ حكم الآية ٣٩٦ ذكر استدلال من استدل من هذه الآية على تكليف ما لا يطاق ٣٩٧ مسألة في اللغة ٤٠٠\n٣٣٤٧ (٢٤ ٢٨٠٠)","vol":"3","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>[الجزء الرابع]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>سورة المائدة</span>\nمدينة، فيها من المنسوخ تسع آيات منها قوله:\nلا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ نسختها آية السيف «١» .\nقال رسول الله ﷺ في خطبته يوم حجة الوداع قال: «يا أيها الناس إن سورة المائدة من آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها وحرموا حرامها»\n«٢» [١] وهي إحدى عشر ألفا وتسعمائة وثلاثة وثلاثون حرفا، وألفان وثمانمائة وأربع كلمات، ومائة وعشرون آية.\nعن عبد الله بن عمر قال: قرأ رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو على راحلة فلم تستطع أن تحمله حتى نزل عنها.\nأبو أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات» «٣» [٢] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) عن هامش المخطوط: (بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) (سورة الأنفال: ٧٥) . مما جاوز الرحم من المعصية، أجرا من الله.\nأنزلت آخر سورة كاملة «براءة» وآخر آية في سورة النساء (يَسْتَفْتُونَكَ) .\nوقال السدّي: آخر ما نزل من القرآن تلك الآيات: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) (سورة النساء: ١٧٦) (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ) (سورة التوبة: ١٢٩) (اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (سورة البقرة: ٢٨١)\n. (٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٣١\n. (٣) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٢٥٧، وفي المصدر: (ورفع له عشر درجات)\n.","vol":"4","page":5},{"text":"يا أَيُّهَا يا نداء أي إشارة، ها تنبيه الَّذِينَ آمَنُوا «١» [نصب على البدل من: أيّها] «٢» أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني بالعهود.\nقال الزجّاج: العقود أو كل العهود. يقال: عاقدت فلانا وعاهدت فلانا، ومنه ذلك باستيثاق وأصله عقد الشيء بغيره. وهو وصله به كما يعقد الحبل بحبل إذا وصل شدّا قال الحطيئة:\nقوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا «٣»\nواختلفوا في هذه العقود ما هي، قال ابن جريح: هذا الخطاب خاص لأهل الكتاب وهم الذين آمنوا بالكتب المقدسة والرسل المتقدمين.\nأوفوا بالعهود التي عهد بها بينكم في شأن محمد، وهو قوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ «٤» . وقوله وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ «٥» وقال الآخرون: فهو عالم.\nقال قتادة: أراد به الذي تعاقدوا عليه في الجاهلية دليله قوله وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ «٦» .\n_________\n(١) قال ابن الجوزي في زاد المسير: ٢/ ٢٣٠: اختلف فيه فقيل: إنّهم المؤمنون من أمّتنا وهذا قول الجمهور وقيل: إنّهم أهل الكتاب، قاله ابن جريج\n. (٢) هكذا في المخطوط\n. (٣) الصحاح: ١/ ٣٣١ [.....]\n. (٤) سورة آل عمران: ٨١\n. (٥) سورة آل عمران: ١٨٧\n. (٦) سورة النساء: ٣٣\n.","vol":"4","page":6},{"text":"ابن عباس: هي عهود الأيمان و[الفراق]، غيره: هي العقود التي عقدها الناس بينهم، أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ اختلفوا فيها، فقال الحسن وقتادة والربيع والضحّاك والسدّي: هي الأنعام كلها وهي اسم للبقر والغنم والإبل، يدل عليه قوله تعالى وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا «١» ثم بيّن ما هي، فقال ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وأراد بها ما حرّم أهل الجاهلية على أنفسهم من الأنعام.\nوقال الشعبي: بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ: الأجنّة التي توجد ميتة في بطن أمهاتها إذا ذبحت.\nوروى عطية العوفي عن ابن عمر في قوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ قال ما في بطونها، قلت: إن خرج ميتا آكله. قال: نعم هي بمنزلة رئتها وكبدها «٢» .\nوروى قابوس عن أبيه عن ابن عباس أن بقرة نحرت فوجد في بطنها جنين، فأخذ ابن عباس بذنب الجنين وقال: هذا من بهيمة الأنعام التي أُحِلَّتْ لَكُمْ «٣» .\nوقال أبو سعيد الخدري: سألنا رسول الله ﷺ عن الجنين، فقال: «ذكاته ذكاة أمّه» «٤» [٣] .\nقال الكلبي: بهيمة الأنعام وحشها، كالظباء وبقر الوحش مفردين، وإنما قيل لها بهيمة لأن كل حي لا يمّيز فهو بهيمة، سمّيت بذلك لأنها أبهمت عن أن تميّز.\nإِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ يقول: عليكم في القرآن [لأنه حاكم] وهو قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ إلى قوله وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ وقوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ «٥» .\nغَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ قال الأخفش: هو نصب على الحال يعني أَوْفُوا بِالْعُقُودِ منسكين غير محلي الصيد وفيه [معنى النهي] «٦» .\nوقال الكسائي: هو حال من قوله أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ ... غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ كما يقول: أحل لكم الطعام غير معتدين فيه.\nمعناه أنّه أحلت لكم الأنعام كلها إلّا ما كان منها وحشيا فإنه صيد ولا يحل لكم إذا كنتم\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٤٢\n. (٢) تفسير الطبري: ٦/ ٦٨\n. (٣) تفسير الطبري: ٦/ ٦٨\n. (٤) مسند أحمد: ٣/ ٣١\n. (٥) سورة الأنعام: ١٢١\n. (٦) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه\n.","vol":"4","page":7},{"text":"محرمين. فذلك قوله تعالى وَأَنْتُمْ حُرُمٌ قرأه العامة بضم أوّله وهي من حرم يحرم حراما في الحركات وهما جميعا جمع حرام، ويقال: رجل حرام وحرم ومحرم، وحلال وحلّ ومحلّ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ [يحرم ما يريد على من يريد] «١» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الآية\nنزلت في الحطم واسمه شريح بن ضبيعة بن هند بن شرحبيل البكري، وقال: إنه لما أتى المدينة وخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي ﷺ، فقال له: إلى ما تدعو الناس؟ فقال: «إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» «٢» [٤] . فقال: حسن إلّا إن لي من لا أقطع أمرا دونهم ولعلي أسلم وآتي بهم.\nوقد كان النبي ﷺ قال لأصحابه: يدخل عليكم بعض من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان، ثم خرج شريح من عنده، فلما خرج، قال رسول الله ﷺ لقد دخل بوجه كافر، وخرج بعقب غادر، فمرّ بسرح المدينة فاستاقه وانطلق به وهو يرتجز:\nلقد لفها الليل بسواق حطم ... ليس براعي إبل ولا غنم\nولا بجزار على ظهر الوضم ... باتوا نياما وابن هند لم ينم\nبات يقاسيها غلام كالزلم ... خلج الساقين مسموح القدم «٣»\nفلما كان في العام القابل خرج حاجّا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلّدوا الهدي فقال ناس من أصحابه للنبي ﷺ: هذا الحطم خرج حاجّا فحل بيننا وبينه، فقال النبي ﷺ: «مه قد قلد الهدي» [٥] .\nفقال لرسول الله (﵌): إنّما هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية. فأبى النبي ﷺ: فأنزل الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ.\nابن عباس ومجاهد: هي مناسك الحج، وكان المشركون يحجّون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله تعالى عنها، [وقال الحسن دين الله كلّه] يدل عليه قوله وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ «٤» .\nعطية عن ابن عباس: هي أن تصيد وأنت محرم، يدل عليه قوله وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا.\nعطاء: شعائر حرمات الله اجتناب سخطه واتباع طاعته بالّذي حرم الله.\nأبو عبيدة: هي الهدايا المشعرة وهي أن تطعن في سنامها ويحلل ويقلّد ليعلم أنها هدي،\n_________\n(١) زيادة عن زاد المسير: ٢/ ٢٣١\n. (٢) أسباب نزول الآيات: ١٢٥، وتفسير القرطبي: ٦٧/ ٤٣\n. (٣) جامع البيان: ٦/ ٧٩\n. (٤) سورة الحج: ٣٢\n.","vol":"4","page":8},{"text":"والإشعار العلامة، ومنه [الحديث]: حين ذبح عمر بن الخطاب (﵁) أشعر أمير المؤمنين بها «١» كأنه أعلم بعلامة، وهي على هذا القول فعيلة، بمعنى مفعّلة.\nقال الكميت:\nنقتلهم جيلا فجيلا تراهم ... شعائر قربان بهم يتقرب «٢»\nودليل هذا التأويل قوله: وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ «٣» وقيل:\nالشعائر المشاعر.\nوقال القتيبي: شَعائِرَ اللَّهِ واحدتها شعيرة «٤»، وهي كل شيء جعل علما من أعلام طاعته.\nوَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ بالقتال فيه فإنه محرم لقوله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ «٥» .\nوقال: النّسيء، وذلك أنهم كانوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا، دليله قوله إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ «٦» وَلَا الْهَدْيَ وهو كل ما يهدى إلى بيت الله من بعير أو بقرة أو شاة.\nوَلَا الْقَلائِدَ قال أكثر المفسّرين هي الهدايا، والمراد به [المقلدات] وكانوا إذا أخرجوا إلى الحرم في الجاهلية قلّدوا السمر فلا يتعرض لهم أحد وإذا رجعوا تقلّدوا قلادة شعر فلم يتعرّض لهم أحد فهي عن استحلال واجب منهم.\nوقال مطرف بن الشخير وعطاء: هي القلائد نفسها وذلك أنّ المشركين كانوا يأخذون من لحاء «٧» شجر مكّة ونحوها فيقلّدونها فيأمنون بها في الناس فنهى الله ﷿ أن ينزع شجرها فيقلدوه كفعل أهل الجاهلية وَلَا آمِّينَ قاصدين الْبَيْتَ الْحَرامَ يعني الكعبة.\nوقرأ الأعمش: ولا آمّي البيت الحرام بالإضافة كقوله تعالى غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ.\nيَبْتَغُونَ يطلبون فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ يعني الرزق بالتجارة وَرِضْوانًا معناه على زعمهم وعدهم لأن الكافر لا نصيب له في الرضوان، وهذا كقوله وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ «٨» فلا يرضى الله تعالى عنهم حتى يسلموا.\n_________\n(١) غريب الحديث لابن سلام: ٢/ ٦٦، وتاريخ دمشق: ٤٤/ ٣٩٧ [.....]\n. (٢) تفسير الطبري: ٢/ ٦٠\n. (٣) سورة الحج: ٣٦\n. (٤) في تفسير القرطبي: ٦/ ٣٧ عن ابن فارس: شعارة\n. (٥) سورة البقرة: ٢١٧\n. (٦) سورة التوبة: ٣٧\n. (٧) لحاء الشجر: قشره\n. (٨) سورة طه: ٩٧\n.","vol":"4","page":9},{"text":"قتادة: هو أن يصلح معايشهم في الدنيا ولا يعجل لهم العقوبة فيها.\nوقيل: ابتغاء الفضل للمؤمنين والمشركين عامّة، وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة لأن الناس كانوا يحجون من بين مسلم وكافر، يدل عليه قراءة حميد بن قيس تبتغون فضلا من ربّكم على الخطاب للمؤمنين، وهذه الآية منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «١» وقوله فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا.\nفلا يجوز أن يحجّ مشرك، ولا يأمن الكافر بالهدي والقلائد والحج.\nوَإِذا حَلَلْتُمْ من إحرامكم فَاصْطادُوا أمر إباحة وتخيير كقوله فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ «٢» وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ.\nروح ابن عبادة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أقبل رجل مؤمن كان حليفا لأبي سفيان بن الهذيل يوم الفتح بعرفة لأنه كان يقتل حلفاء محمد ﷺ فقال رسول الله ﷺ:\n«لعن الله من قبل دخل الجاهلية [ما شيء كان في الجاهلية إلّا وهو]» تحت قدميّ هاتين إلّا سدانة الكعبة وسقاية الحج فإنّهما مردودتان إلى أهليهما» «٤» [٦] .\nوقال الآخرون: نزلت في حجاج كفار العرب، وقوله لا يَجْرِمَنَّكُمْ، قرأ الأعمش وعيسى ويحيى بن أبي كثير: يُجْرِمَنَّكُمْ بضم الياء وقرأ الباقون بالفتح، وهما لغتان ولو أن الفتح أجود وأشهر وهو اختيار أبي محمد وأبي حاتم، قال أبو عبيد: لأنها اللغة الفاشية وإن كانت الأخرى مقبولة.\nواختلفوا في معناه، فقال ابن عباس وقتادة: لا يحملنكم. قال أبو عبيد: يقال جرمني فلان على أن صنعت كذا أي حملني.\nقال الشاعر، وهو أبو أسماء بن الضرية:\nيا كرز إنك قد فتكت بفارس ... بطل إذا هاب الكماة مجرّب\nولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا «٥» .\nوالمؤرج: لا يدعونكم. الفرّاء: لأكسبنكم، يقال فلان جرمه أهله أي كافيهم.\nوقال الهذلي يصف عقابا:\n_________\n(١) سورة التوبة: ٥\n. (٢) سورة الجمعة: ١٠\n. (٣) زيادة عن تفسير القرطبي: ٤/ ١١٩\n. (٤) تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٦٠\n. (٥) لسان العرب: ١٢/ ٩٣. ٩٤\n.","vol":"4","page":10},{"text":"جرمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا «١» .\nوقال بعضهم وهو الأخفش: قوله لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ: أي حق لهم النار.\nشَنَآنُ قَوْمٍ أي بغضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت.\nقرأ أهل المدينة والشام، وعاصم والأعمش: بجزم النون الأول، وقرأ الآخرون بالفتح، وهما لغتان إلّا أن الفتح أجود لأنه أفخم اللغتين. فهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن المصادر نحوه على فعلان بفتح العين مثل الضربان والنزوان والعسلان ونحوها.\nأَنْ صَدُّوكُمْ قرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق وأبو عمر: إِنْ صَدُّوكُمْ بكسر الألف على الاستيناف والجزاء واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة عبد الله: أن يصدّوكم، وقرأ الباقون بفتح الألف أي لأن صدّوكم، ومعنى الآية لا يحملنكم بغض قوم على الاعتداء لأنهم صدّوكم، واختاره أبو حاتم ومحمد بن جرير، قال ابن جرير: لأنه لا يدافع بين أهل العلم أن هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية فإذا كان كذلك فالصدّ قد يقدم.\nأَنْ تَعْتَدُوا عليهم فتقتلوهم وتأخذوا أموالهم.\nوَتَعاوَنُوا أي ليعين بعضكم بعضا، ويقال للمرأة إذا كسى لحمها وتراجمها: متعاونة عَلَى الْبِرِّ وهو متابعة الأمر وَالتَّقْوى وهو مجانبة الهوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ يعني المعصية والظلم.\nعن واصب بن معبد صاحب النبي ﷺ قال: جئت إلى النبي ﷺ أسأله عن البر والإثم قال: «جئت إليّ تسألني عن البر والإثم»؟ فقلت: والذي بعثك بالحق ما جئت أسألك عن غيره، فقال: «البر ما انشرح به صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس» «٢» [٧] .\nعبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، قال: حدّثني أبي قال: سمعت النؤاس بن سمعان الأنصاري، قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: «البر حسن الخلق والإثم ما حاك في نفسك فكرهت أن يطلع عليه الناس» «٣» [٨] وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وهي كل ما له نفس سائلة مما أباح الله ﷿ أكلها، فارقتها روحها بغير تذكية، وإنما قلنا: نفس سائلة لأن السمك والجراد دمان وهما حلال.\nوَالدَّمُ أجمل هاهنا وفسر في آية أخرى فقال عز من قائل: أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا فالدم الملطخ فهو كاللحم في أكله لأن الكبد والطحال دمان وهما حلال.\n_________\n(١) الصحاح: ١/ ١٦٤\n. (٢) المعجم الكبير: ٢٢/ ١٤٨ [.....]\n. (٣) مسند أحمد: ٤/ ١٨٢\n.","vol":"4","page":11},{"text":"عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أحلّت لنا ميتتان ودمان فالميتتان الحوت والجراد وأما الدّمان فالطحال والكبد» «١» [٩] .\nوَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وكل شيء منه حرام وإنما خصّ اللحم لأنّ اللحم من أعظم منافعه.\nوَما أُهِلَّ ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وذكر عليه غير اسم الله.\nقال أبو ميسرة: في المائدة ثمان عشرة «٢» فريضة ليس في سورة من القرآن وهي آخر سورة نزلت ليس فيها منسوخ.\nوَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ، وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ، وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ.\nولا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ إلى قوله ذُو انْتِقامٍ «٣» ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ «٤» .\nفأما الْمُنْخَنِقَةُ فهي التي تختنق فتموت، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها، وَالْمَوْقُوذَةُ: التي تضرب بالخشب حتّى تموت.\nقال قتادة: كان أهل الجاهلية يضربونها بالعصا حتّى إذا ماتت أكلوها. فقال فيه: قذّه يقذّه وقذا إذا ضربه حتى شفى على الهلاك.\nقال الفرزدق:\nشغارة «٥» تقذ الفصيل برجلها ... طارة لقوادم الأبكار «٦»\nوَالْمُتَرَدِّيَةُ: التي تتردى من مكان عال أو في بئر فتموت.\nوَالنَّطِيحَةُ: التي تنطحها صاحبتها فتموت، و«هاء» التأنيث تدخل في الفعيل بمعنى الفاعل فإذا كان بمعنى المفعول استوى فيها المذكر والمؤنث نحو لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب، فإنما أدخل الهاء هاهنا لأن الإسم لا يسقط منها ولو أسقط الهاء منها لم يدر أهي\n_________\n(١) كنز العمال: ١٥/ ٢٧٧، ح/ ٤٠٩٧٢\n. (٢) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه\n. (٣) سورة المائدة: ٩٥\n. (٤) سورة المائدة: ١٠٣. ١٠٤\n. (٥) الشغارة: هي الناقة ترفع قوائمها لتضرب والنطر الحلب بالسبابة والوسطى ويستعين بطرف الإبهام\n. (٦) كتاب العين: ٧/ ٤١٧، تفسير الطبري: ٦/ ٩٢ وتفسير القرطبي: ٦/ ٤٨\n.","vol":"4","page":12},{"text":"صفة لمؤنث أو مذكر، والعرب تقول لحية دهين، وعين كحيل، وكف خضيب فإذا حذفوا الإسم وأفردوا الصفة أدخلوا الهاء، قالوا: رأينا كحيلة وخضيبة ودهينة، وأكيلة السبع فأدخلوا الهاء مثل الذبيحة والسكينة وَما أَكَلَ السَّبُعُ غير [المعلم] .\nوقرأ ابن عباس: وأكيل السبع، وقرأ ابن أبي زائدة: وأكيلة السبع، وقرأ الحسن وطلحة ابن سليمان: وما أكل السبْعُ بسكون الباء [وهي لغة لأهل نجد] «١» .\nقال حسّان بن ثابت في عتبة بن أبي لهب:\nمن يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع «٢»\nقال قتادة: كان أهل الجاهلية إذا أكل السبع مليا أو أكل منه أكلوا ما بقي إِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ يعني إلّا ما أدركتم ذكاته من هذه الأشياء، والتذكية تمام فري الأوداج، وانهار الدم، ومنه الذكاة في السنّ وهو أن يأتي على قروحه سنة، وذلك تمام استكمال القوة ومثله المثل السائد: جري المذكيات غلاب «٣» .\nقال الشاعر «٤»:\nيفضله إذا اجتهدوا عليه ... تمام السن منه والذكاء «٥»\nومنه الذكاء في الفهم إذا كان تام العقل سريع القبول.\nويقول في الذكاة إذا أتممت إشعالها، فمعنى ذكيتم أدركتم ذبحه على التمام.\nوقال ابن عباس وعتبة بن عمير: إذا طرفت بعينها أو ظربت بذنبها أو ركضت برجلها أو تحركت فقد حلت لك.\nوعن زيد بن ثابت: أن ذئبا نيب في شاة فذبحوها بمروة فرخص النبي ﷺ في أكله «٦» .\nأبو قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن شداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحدّ أحدكم شفرته وليرح ذبيحته» «٧» [١٠] .\n_________\n(١) زيادة عن تفسير القرطبي: ٦/ ٥٠\n. (٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٨٣\n. (٣) الغاب: المغالبة أي إنّ المذكّي يغالب مجاريه فيغلبه لقوّته\n. (٤) والقائل هو: زهير\n. (٥) لسان العرب: ١٤/ ٢٨٨\n. (٦) مسند أحمد: ٥/ ١٨٤\n. (٧) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٠٥٨ [.....]\n.","vol":"4","page":13},{"text":"قال عاصم عن عكرمة: إن رجلا أضجع شاته وجعل يحدّ شفرته ليذبحها، فقال له النبي ﷺ: «تريد أن تميتها موتات قبل أن تذبحها!» «١» [١١] .\nوَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ قال بعضهم: فهو جمع واحدها نصاب، وقيل: هو واحدة جمعها أنصاب مثل عنق وأعناق.\nوقرأ الحسن بن صالح وطلحة بن مصرف: النَّصْبِ بجزم الصّاد.\nوروى الحسن بن علي الجعفي عن أبي عمرو: النَّصْبِ بفتح النون وسكون الصّاد.\nوقرأ الجحدري: بفتح النون والصّاد [جعله] اسما موحدا كالجبل والجمل والجمع أنصاب كالأجمال والأجبال وكلها لغات وهو الشيء المنصوب، ومنه قوله تعالى كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ «٢» واختلفوا في معنى النصب هاهنا.\nفقال مجاهد وقتادة وابن جريح: كان حول البيت ثلاثمائة وستين حجرا وكان أهل الجاهلية يذكّون عليها يشرّحون اللّحم عليها وكانوا يعظمون هذه الحجارة ويعبدونها ويذبحون لها، وكانوا مع هذا يبدلونها إذا شاؤوا لحجارة [من قبالهم] «٣» منها، قالوا: وليست هي بأصنام إنما الصنم ما يصوّر وينقش.\nوقال الآخرون: هي الأصنام المنصوبة.\nقال الأعشى:\nوذا النصب المنصوب لا تستكنّه ... لعاقبة واللَّه ربك فاعبدا «٤»\nثم اختلفوا في معناها. فقال بعضهم: تقديره على اسم النصب. ابن زيد وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ هما واحدة.\nقطرب: معناه: ما ذبح للنصب أي لأجلها على معنى اللام وهما يتعاقبان في الكلام. قال الله تعالى فَسَلامٌ لَكَ «٥» أي عليك، وقال وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها «٦» أي فعليها، وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا معطوف على ما قبله، وأن في محل الرفع أي وحرم عليكم الاستقسام بِالْأَزْلامِ، والاستقسام طلب القسم والحكم من الأزلام وهي القداح التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها زلم مثل عمر، وزلم وهي القداح.\n_________\n(١) المستدرك للحاكم: ٤/ ٢٣١\n. (٢) سورة المعارج: ٤٣\n. (٣) هكذا في الأصل\n. (٤) الصحاح: ١/ ٢٢٥، وتاج العروس: ١/ ٤٨٦\n. (٥) سورة الواقعة: ٩١\n. (٦) سورة الإسراء: ٧\n.","vol":"4","page":14},{"text":"قال الشاعر:\nفلئن جذيمة قتّلت سرواتها ... فنساؤها يضربن بالأزلام «١»\nوكان استقسامهم بالأزلام على ما ذكره المفسّرون أن أهل الجاهلية إذا كان سفرا أو غزوا أو تجارة أو تزويجا أو غير ذلك ضرب القداح وكانت قداحا مكتوب على بعضها: نهاني ربي، وعلى بعضها: أمرني ربي، إن خرج الآمر مضى لأمره، وإن خرج الناهي أمسك.\nوقال سعيد بن جبير: الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها.\nأبو هشام عن زياد بن عبد الله عن محمد بن إسحاق قال: كانت هبل أعظم أصنام قريش بمكة، وكانت على بئر في جوف الكعبة وكانت تلك البئر هي التي يجمع فيها ما يهدى للكعبة وكانت عند هبل أقداح سبعة كل قدح منها فيه كتاب، قدح فيه: العقل، إذا اختلفوا في العقل من يحمله منهم ضربوا بالقداح السبعة فإن خرج العقل حمله، وقدح فيه: نعم، للأمر، إذا أرادوا أمرا ضربوا به في القداح فإن خرج ذلك القدح فعلوا ذلك الأمر.\nوقدح فيه: لا إذا أرادوا أمر يضربون فإن خرج قدح «لا» لم يفعلوا ذلك الأمر، وقدح فيه:\nمنكم وقدح فيه: ملصق وقدح فيه: من غيركم، وقدح فيه المياه إذا أرادوا أن يحفروا للماء ضربوا بالقداح وفيها ذلك القداح فحيثما خرج عملوا به.\nوكانوا إذا أرادوا أن يختتنوا غلاما أو أن ينكحوا امرأة أو يدفنوا ميّتا أو شكّوا في نسب خصمهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وبجزور فأعطوها صاحب القداح الذي يضربها ثم قرّبوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ثم قالوا: يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق، ثم يقولون لصاحب القداح: اضرب فيضرب، فإن خرج عليه: منكم، كان وسيطا منهم وإن خرج عليه: من غيركم، كان حليفا، وإن خرج عليه: ملصق، كان على منزلته منهم لا نسب له ولا حليف، وإن كان في شيء مما سوى هذا مما يعملون به كنعم عملوا به، فإن خرج:\nلا، أخّروا عامهم ذلك حتى يأتوه مرة أخرى ينتهون في أمورهم إلى ذلك مما خرجت به القداح.\nفقال الله ﷿ ذلِكُمْ فِسْقٌ «٢» .\nقال مجاهد: هي كعاب فارس والرّوم التي يتقامرون بها «٣» .\nقال سفيان بن وكيع: الشطرنج.\nرجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «من تكهّن أو استقسم أو تطيّر\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٥٨\n. (٢) بطوله في تفسير الطبري: ٦/ ١٠٤ وتصويب العبارة منه\n. (٣) تفسير الطبري: ٦/ ١٠٢\n.","vol":"4","page":15},{"text":"طيرة تردّه عن سفره لم ينظر إلى الدرجات العلى من الجنة يوم القيامة» «١» [١٢] .\nالْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ يعني عن أن يرجعوا إلى دينهم كفّارا، وفيه لغتان قال: الشعبي وائس يايس إياسا وإياسة.\nقال النضر بن شميل: فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ\nنزلت الآية في يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع سنة عشر للهجرة والنبي ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء وكادت عضد الناقة ينقد من ثقلها فبركت «٢» .\nوقال طارق بن شهاب: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب (﵁) فقال:\nآية [نقرؤها] لو علينا نزلت في ذلك اليوم لاتخذناه عيدا، قال: أية آية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ، قال عمر: قد علمت في أي يوم نزلت وفي أي مكان!، إنها نزلت يوم عرفة في يوم جمعة ونحن مع رسول الله ﷺ وقوفا بعرفات وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ولا يزال ذلك اليوم عيدا للمسلمين ما بقي منهم أحد وقد صار من ذلك اليوم خمسة أعياد جمعة وعرفة وعيد اليهود والنصارى والمجوس ولا يجمع أعياد أهل الملل في يوم قبله ولا بعده.\nوروى هارون بن عنترة عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية بكى عمر (﵁) فقال له النبي ﷺ: «ما يبكيك يا عمر» قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا فأمّا إذا كمل فإنه لم يكمل شيء إلّا نقص، فقال: «صدقت» [١٣] «٣» .\nوكانت هذه الآية نعي رسول الله ﷺ وعاش بعدها أحد وثمانون يوما أو نحوها.\nواختلف المفسّرون في معنى الآية فقال ابن عباس والسدّي: الْيَوْمَ وهو يوم نزول هذه الآية أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أي الفرائض والسنن والحدود والأحكام والحلال والحرام فلم ينزل بعد هذه الآية حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض. فهذا معنى قول ابن عباس والسدي.\nوقال سعيد بن جبير وقتادة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ فلم يحج معكم مشرك، وقيل: هو أن الله تعالى أعطى هذه الأمة من أنواع العلم والحكمة جميع ما أعطى سائر الرسل والأمم فزادهم.\nوقيل: إن شرائع الأنبياء زالت ونقضت وشريعة هذه الأمة باقية لا تنمح ولا تتغيّر إلى يوم القيامة [...] «٤» هو بايعك ثم فرّقوه، يكن هذا لغيرهم، وقيل: لم يكن إلّا هذه الأمة،\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ١٨/ ٩٨ ط دار الفكر\n. (٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٦١\n. (٣) تفسير الطبري: ٦/ ١٠٧. ١٠٦\n. (٤) كلام غير مقروء\n.","vol":"4","page":16},{"text":"وقيل: هو أن الله تعالى جمع بهذه الآية جميع [...]»\nالولاية وأسبابها.\nقال الثعلبي: وسمعت أبا القاسم بن حسيب قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرّازي قال: سمعت العباس بن حمزة قال: سمعت ذا النون يقول يعلمنا من سياسة فيقول أربعة أشياء: الكتاب والرسول، والخلعة والولاية.\nقال: كتاب جعله أشرف الكتب وأكثرها يسرا وأخفّها أمرا وأغزرها علما وأوفرها حكما، ورسول الله جعله أعظم الرسل وأفضلهم، والخلعة جعله عطاء ولم يجعلها عارية، والولاية جعلها دائمة إلى نفخ الصور.\nوَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي حققت وعدي في قولي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين وعليها ظاهرين وحجوا مطمئنين لم يخالطهم أحد من المشركين.\nوقال الشعبي: نزلت هذا الآية بعرفات حيث هدم منار الجاهلية ومناسكهم واضمحل الشرك ولم يحج معهم في ذلك العام مشرك، ولم يطف بالبيت [غيرهم] .\nالسّدي: أظهرتكم على العرب.\nوَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ اجتهد فِي مَخْمَصَةٍ مجاعة يقال: هو خميص البطن إذا كان طاويا خاويا، ورجل خمصان وامرأة خمصانة إذا كانا ضامرين مضيمين والخمص والخمص الجوع.\nقال الشاعر:\nيرى الخمص تعذيبا وإن يلق شبعة ... يبت قلبه من قلّة الهمّ مبهما «٢»\nغَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ.\nقال أبو عبيدة: غير متحرف مائل، قطرب: مائل، المبرّد: [زائغ] وقرأ النخعي: متجنف وهما بمعنى واحد يقال: تجنّف وتجانف مثل تعهد وتعاهد.\nقتادة: غير متعرض بمعصية في مقصده وهو قول الشافعي.\nوقال أبو حنيفة: ما أكل فوق الشبع فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه إضمار، تقديره: فأكله، ويكتفى بدلالة الكلام عليه، فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي غفور له غفور كما يقول عبد اللَّه: ضربت، فيريد ضربته.\nقال الشاعر:\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة [.....]\n. (٢) زاد المسير: ٢/ ٢٤٠\n.","vol":"4","page":17},{"text":"ثلاث كلّهنّ قتلت عمدا ... فأخرى الله رابعة تعود «١»\nوقد فسر رسول الله ﷺ المخمصة [بما\nرواه] [الأوزاعي] عن حسان بن عطية عن أبي واقد قال: سألت رسول الله ﷺ: إنا بأرض يصيبنا بها مخمصة فمتى تحل لنا الميتة؟\nقال ﷺ: «إذا لم تصطبحوا «٢» ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلا فشأنكم بها» «٣» [١٤] .\nيَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ الآية.\nقال أبو رافع: جاء جبرئيل إلى النبي ﷺ فاستأذن عليه فأذن له فأبطأ وأخذ رسول الله ﷺ رداءه فخرج فقال: قد أذنا لك يا رسول الله، قال: أجل يا رسول الله ولكنا لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب فنظروا فإذا في بعض بيوتهم جرو.\nعن عبد الله بن يحيى عن أبيه عن علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ قال: «الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب» «٤» [١٥] .\nرجعنا إلى حديث أبي رافع قال: فأمرني أن لا أدع كلبا بالمدينة إلّا قتلته وقلت حتى خفت العوالي [فأتيت] إلى امرأة في ناحية المدينة عندها كلب يحرس عنها فرحمته فتركته، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته بأمري، فأمرني بقتله فرجعت إلى الكلب فقتلته.\nوقال ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول رافعا صوته: «اقتلوا الكلاب» [١٦] «٥» .\nقال: وكنا نلقى المرأة [تقدم من] المدينة بكلبها فنقتله، فأمر النبي ﷺ بقتلها وحرم ثمنها.\nوروى علي بن رباح اللخمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحل ثمن الكلاب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي» «٦» [١٧] .\nونهى عن اقتنائها وإمساكها وأمر بغسل الإناء من ولوغها سبع مرات أولاهنّ بالتراب\nنرجع إلى الحديث الأول.\nقال: فلما أمر رسول الله ﷺ بقتل الكلاب جاء ناس فقالوا: يا رسول الله ماذا يحلّ لنا من هذه الآمة التي نقتلها، فسكت رسول الله فأنزل الله هذه الآية وأذن رسول الله في اقتناء الكلاب التي ينتفع بها ونهى عن إمساك ما لا نفع فيه منها، وأمر بقتل الكلب العقور وما يضر ويؤذي ورفع القتل عمّا سواها ممّا لا ضرر فيه.\n_________\n(١) شرح الرضي على الكافية: ١/ ٢٣٩\n. (٢) في المعجم الكبير (٣/ ٢٥١) وتفسير ابن كثير: ٢/ ١٦،: تصطحبوا\n. (٣) مسند أحمد: ٥/ ٢١٨\n. (٤) السنن الكبرى: ٣/ ١٤٨\n. (٥) المعجم الأوسط: ٦/ ٢٥٢\n. (٦) سنن أبي داود: ٢/ ١٤١، ح/ ٣٤٤٨، وسنن النسائي: ١/ ١٧٧\n.","vol":"4","page":18},{"text":"وروى الحسن عن عبد الله بن معقل قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أنّ الكلاب أمّة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها الأسود البهيم وأيما قوم اتخذوا كلبا ليس بكلب حرث أو صيد أو ماشية نقصوا من أجورهم كل يوم قيراطا» «١» [١٨] .\nعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «من اقتنى كلبا ليس كلب صيد ولا ماشية ولا أرض فإنه ينتقص من أجره قيراطان كل يوم» «٢» [١٩] .\nوالحكمة في ذلك ما\nروى أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد الرزاق السريعي قال: قيل لعبد الله بن المبارك: ما تقول في قول المصطفى ﷺ: «من اقتنى كلبا لا كلب صيد ولا ماشية نقص من عمله كل يوم كذا وكذا من الأجر» «٣» [٢٠] .\nفقال حدّثني [الأصمعي] قال: قال أبو جعفر المنصور لعمرو بن عبيد: ما بلغك في الكلب؟ قال: بلغني أن من أخذ كلبا لغير زرع ولا حراسة نقص من أجره كل يوم قيراط. فقال له: ولم ذلك؟ قال: هكذا جاء الحديث، قال: خذها بحقّها إنّما ذلك لأنّه ينبح على الضيف ويروع السائل «٤» .\nوكانت أسخياء العرب تبغض الكلاب لهذا المعنى وتذم من ربطه وهمّ بقتله.\nقال الثعلبي: أنشدني أبو الحسن الفارسي قال: أنشدني أبو الحسن الحراني البصري أنّ بعض شعراء البصرة نزل بعمّار فسمع لكلابه نبحا فأنشأ يقول:\nنزلنا بعمار فأشلى كلابه ... علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل\nفقلت لأصحابي أسر إليهم ... إذا اليوم أم يوم القيامة أطول «٥» .\nقال عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: نزلت في عدي بن حاتم وزيد بن المهلهل [الطائيين] وهو زيد الخيل الذي سمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير وذلك إنهما جاءا إلى النبي ﷺ قالا: يا رسول الله إنّا قوم نصيد الكلاب والبزاة فإن كلاب آل درع وآل حورية تأخذ البقر والحمر والظباء والضب فمنه ما يدرك ذكاته ومنه ما يقتل فلا يدرك ذكاته وقد حرّم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت يَسْئَلُونَكَ يا محمد ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني الذبائح التي أحلّها الله وَما عَلَّمْتُمْ يعني وصيد ما علمتم مِنَ الْجَوارِحِ.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٨٥\n. (٢) صحيح مسلم: ٥/ ٣٨\n. (٣) مسند أحمد: ٢/ ٦٠\n. (٤) تنوير الحوالك: ٦٩٧ ح ١٧٤٢،\n. (٥) عمار: اسم شخص، والبيت في تفسير القرطبي: ٦/ ٧٤\n.","vol":"4","page":19},{"text":"واختلفوا في هذه الجوارح التي يحل صيدها بالتعليم غير المدرك ذكاته وما أدركت فما ذكاته فهو لك، وإلّا فلا يطعم، وهذا غير معمول به.\nوقال سائر العلماء: هي الكواسب من السباع والبهائم والطير مثل النمر والفهد والكلب والعقاب، والصقر، والبازي، والباشق، والشاهين ونحوها مما يقبل التعليم، فسميت جوارح لجرحها أربابها أقواتهم من الصيد أي كسبها. يقال: فلان جارحة أهلها أي كاسبهم ولا جارحة لفلان إذ لم تكن لها كسب مُكَلِّبِينَ منصوب على الحساب في المعنى وصيد ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ إلى هذه الحال أي في حال صيدكم [أصحاب] كلاب، والتكليب إغراء الصيد وإشلاؤه «١» على الصيد.\nقال الشاعر:\nباكره عند الصباح مكلّب ... أزلّ كسرحان القصيمة أغبر «٢»\nقرأ أبن مسعود وأبو زرين والحسن: مُكْلِبِينَ بتخفيف اللام على هذا المعنى، وهي قراءة الحسن والقتيبي أيضا، ويجوز أن يكون من قولهم: أكلب الرجل، إذا كثرت كلابه، مثل:\nوأمشى إذا كثرت ماشيته، وذكر الكلاب لأنها أكثر وأعم والمراد به جميع الجوارح.\nتُعَلِّمُونَهُنَّ آداب الصيد مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أي من العلم الذي علمكم الله، وقال السّدي: من بمعنى الكاف، أي كما علّمكم الله، وهو أن لا [يجثمن] «٣» ولا يعضنّ ولا يقتلن ولا يأكلن فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ عند إرسال البهم والجوارح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>حكم الآية</span>\nوالمعلم من الجوارح الذي يحلّ صيده هو أن يكون إذا أرسله صاحبه وأشلاه استشلى وإذا أخذ أمسك ولم يأكل. فإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفرّ منه، فإذا فعل ذلك مرّات. فهو معلّم فمتى كان بهذا الوصف. فاصطاد جاز أكله فإذا أمسك الصيد ولم يأكل منه جاز أكله، وكان حلالا، فإن أكل منه، فللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يحلّ ولا يؤكل وهو الأشهر والأظهر من مذهبه لأنّ الله ﷿ قال: فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وهو لم يمسك علينا وإنما أمسك على نفسه، وهذا قول الحسن وطاوس والشعبي وعطاء والسدّي.\nوقال ابن عباس: إذا أرسلت الكلب فأكل من صيد فهي ميتة لا يحل أكله لأنه سبع أمسكه على نفسه، ولم يمسك عليك ولم يتعلم ما علّمته، فاضربه ولا تأكل من صيده.\n_________\n(١) أشليت الكلب على الصيد دعوته فأرسلته، وقيل: أغريته\n. (٢) لسان العرب: ١٢/ ٤٨٦ [.....]\n. (٣) هكذا في الأصل\n.","vol":"4","page":20},{"text":"يدل عليه ما\nروى الشعبي عن عدي بن حاتم أنه سأل رسول الله ﷺ عن الصيد فقال: «إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه فإن أدركته لم يقتل، فاذبح واذكر اسم الله عليه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل فكل فقد أمسك عليك، فإن وجدته قد أكل منه فلا تطعم منه شيئا، فإنما أمسك على نفسه، فإن خالط كلبك كلاب فقتلن ولم يأكلن فلا تأكل منه فإنك لا تدري أيّها قتل) «١» . (وإذا رميت سهمك فاذكر اسم الله، فإن أدركته فكل، إلّا أن تجده وقع في ماء فمات فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) فإن وجدته بعد ليلة أو ليلتين ولم تر فيه سهمك فإن شئت أن تأكل منه فكل» «٢» [٢١] .\nوالقول الثاني: أنه يحلّ وإن أكل وهو قول سلمان الفارسي، وسعد بن أبي وقّاص، وابن عمر، وأبي هريرة،\nقال حميد بن عبد الله وسعد ابن أبي وقّاص: لنا كلاب ضواري يأكلن ويبقين، قال: كل وإن لم يبق إلّا نصفه أو ثلثيه فكل ميتة.\nوروى ذلك عن النبي ﷺ\nولا فرق في حمله على ما ذكرنا من الطيور والسباع المعلمة.\nوروى أبو قلابة عن ثعلبة «٣» الخشني: أنه جاء إلى النبي ﷺ قال: يا رسول الله إن أرضنا أرض صيد فأرسل سهمي وأذكر اسم الله وأرسل كلبي المعلم وأذكر اسم الله وأرسل كلبي الذي ليس معلم فقال النبي ﷺ: «ما حبس عليك سهمك، وذكرت اسم الله [فكل]، وما حبس عليك كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل وما حبس عليك كلبك الذي ليس معلم فأدركت ذكاته فكل وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل» «٤» [٢٢] .\nوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ يعني الذبائح وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ يعني ذبائح اليهود والنصارى، ومن دخل في دينهم من سائر الأمم قبل أن يبعث محمد ﷺ حلال لكم، فمن دخل في دينهم بعد بعث النبي ﷺ فلا تحل ذبيحته، فأما إذا سمّى أحدهم غير الله عند الذبح مثل قول النصارى: باسم المسيح، اختلفوا فيه.\nفقال ربيعة: سمعت ابن عمر يقول: لا تأكلوا ذبائح النصارى، فإنهم يقولون: باسم المسيح، فإنهم لا يستطيعون أن تهدوهم وقد ظلموا أنفسهم، دليله قوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ.\nوالقول الثاني: إنّه يجوّز ذبيحتهم، الكتابي، وإن سمّي غير الله فإن هذا مستثنى من قوله\n_________\n(١) سنن النسائي: ٧/ ١٧٩\n. (٢) السنن الكبرى: ٩/ ٢٤٢ والمعجم الكبير: ١٧/ ٧٤ بتفاوت يسير\n. (٣) في المصدر: عن أبي ثعلبة\n. (٤) المعجم الكبير: ٢٢/ ٢٣١\n.","vol":"4","page":21},{"text":"تعالى وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهي إنما نزلت في ذبائح المشركين وما كانوا يذبحونها لأصنامهم، وعلى هذا أكثر العلماء.\nقال الشعبي وعطاء: في النصراني يذبح فيقول: باسم المسيح قالا: يحلّ. فإنّ الله ﷿ قد أحل ذبائحهم وهو أعلم بما يقولون.\nوسأل الزهري ومكحول عن ذبائح عبدة أهل الكتاب، [والمربيات] لكنائسهم وما ذبح لها فقالا: هي حلال، وقرأ هذه الآية.\nوقال الحسن والحرث العكلي: ما كنت أسأله عن ذبحه فإنه أحل الله لنا طعامه، فإذا ذبح اليهودي والنصراني فذكر غير اسم الله وأنت تسمع فلا تأكله، فإذا غاب عنك فكل، فقد أحل الله لك [ما في] القرآن، فذبح اليهود والنصارى ونحرهم مكروه.\nقال علي (﵁): «لا يذبح ضحاياكم اليهود ولا النصارى ولا يذبح نسكك إلّا مسلم» «١» [٢٣] .\nقوله ﷿ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها، فقال قوم: عنى بالإحصان في هذه الآية الحرية وأجازوا نكاح كل حرّة، مؤمنة كانت أو كتابية فاجرة كانت أو عفيفة وحرّموا إماء أهل الكتاب أن يتزوجهن المسلم بحال، وهذا قول مجاهد وأكثر الفقهاء، والدليل عليه قوله: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا الآية، فشرط في نكاح الإماء الإيمان.\nوقال آخرون: إنما عنى الله تعالى بالمحصنات في هذه الآية، العفائف من الفريقين إماءكنّ أو حرائر، فأجازوا نكاح إماء أهل الكتاب بهذه الآية، وحرّموا البغايا من المؤمنات والكتابيات، وهذا قول أبي ميسرة والسّدي.\nوقال الشعبي: إحصان اليهودية والنصرانية أن تغتسل من الجنابة، وتحصن فرجها.\nوقال الحسن: إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فاستيقن فإنه لا يمسكها، ثم اختلفوا في الآية أهي عامة أم خاصة. فقال بعضهم: هي عامة في جميع الكتابيات حربيّة كانت أو ذميّة، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن.\nوقال بعضهم: هي الذميّات، فإما الحربيات فإنّ نساءهم حرام على المسلمين، وهو قول ابن عباس.\nالسدّي عن الحكم عن مقسم عنه قال: من نساء أهل الكتاب من تحلّ لنا ومنهم من لا\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٥/ ٢٣٩ قريب منه\n.","vol":"4","page":22},{"text":"تحل لنا، ثم قرأ: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ.... إلى قوله. صاغِرُونَ. فمن أعطى الجزية حلّ لنا نساؤه ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه.\nقال الحكم: فذكرت ذلك لإبراهيم فأعجبه، وكان ابن عمر لا يرى نكاح الكتابيات، ويفسر هذه الآية بقوله: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ يقول: لا أعلم شركا أعظم من أن تقول المرأة ربها عيسى.\nوروى المبارك عن سليمان بن المغيرة قال: سأل رجل الحسن: أيتزوّج الرجل المرأة من أهل الكتاب؟ قال: ماله ولأهل الكتاب وقد أكثر الله المسلمات: فإن كان لا بدّ فاعلا فليعمد إليها حصانا غير مسافحة. قال الرجل: وما المسافحة، قال: هي التي إذا ألمح الرجل إليها بعينه أتبعته وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ.\nقال قتادة: ذكر لنا ان رجالا قالوا لما نزل قوله وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ: كيف نتزوّج نساء لسن على ديننا؟ فأنزل الله هذه الآية.\nوقال مقاتل ابن حيّان: نزلت فيما أحصن المسلمون من نساء أهل الكتاب، يقول: ليس إحصان المسلمين إيّاهنّ بالذي يخرجهنّ من الكفر يعني عنهن في دينهن [...] «١» وجعلهن ممن كفر بالإيمان، فقد حبط عمله وهو بعد للناس عامّة، وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ يعني من أهل النّار.\nوقال ابن عباس: ومن يكفر بالله قال الحسن بن الفضل: إن صحت هذه الرواية كان فمعناه برب الإيمان وقيل: بالمؤمنين به.\nقال الكلبي: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي بما أنزل على محمد ﷺ.\nقال الثعلبي ﵀: وسمعت أبا القاسم الجهني قال: سمعت أبا الهيثم السنجري يقول: الباء صلة كقوله تعالى: يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «٢» تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ «٣» والمعنى وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ أي يجحده فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ.\nوقرأ الحسن بفتح الباء، قرأ ابن السميع: فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n. (٢) سورة الإنسان: ٦\n. (٣) سورة المؤمنون: ٢٠\n.","vol":"4","page":23},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية، أمر الله تعالى بالوضوء عند القيام إلى الصلاة. واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هذا من العام الذي أريد به الخاص.\nوالمجمل الذي وكل بيانه إلى رسول الله ﷺ ومعنى الآية: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ وأنتم على غير طهر، يدلّ عليه ما روي عن عكرمة إنه سأل عن هذه الآية قال: أو كلّ ساعة أتوضأ؟ فقال: إن ابن عباس قال: لا وضوء إلّا من حدث.\nوقال الفضل بن المبشر: رأيت جابر بن عبد الله يصلي الصلوات الخمس بوضوء واحد.\nفإن بال أو أحدث توضأ ومسح بفضل مائه الخفين. فقيل: أي شيء تصنعه برأيك؟ فقال: بل رأيت رسول الله ﷺ يصنعه وأنا أصنع كما رأيت رسول الله ﷺ يصنع.\nوروى محارب بن دثار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بوضوء واحد.\nوقال المسوّر بن مخرمة لابن عباس: هل لك في عبيد بن عمير إذا سمع النداء خرج من المسجد. فقال ابن عباس: هكذا يصنع الشيطان، فدعاه فقال: ما يحملك على ما تصنع إذا سمعت النداء خرجت وتوضأت، قال إن الله ﷿ يقول: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ... الآية. قال: ليس هذا إذا توضأت فإنك على طهر حتّى تحدث، ثم قال: هكذا يصنع الشيطان إذا سمع النداء ولّى وله ضراط.\nوروى الأعمش عن عمارة قال: كان للأسود قعب قد ري رجل وكان يتوضأ به ثم يصلي بوضوئه ذلك الصلوات كلها.\nوقال زيد بن أسلم والسّدي: معنى الآية إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ من النوم، وقال بعضهم:\nأراد بذلك كل قيام العبد إلى صلاته أن يجدّد لها طهرا على طريق الندب والاستحباب، قال عكرمة: كان علي يتوضأ عند كل صلاة ويقرأ هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ.","vol":"4","page":24},{"text":"عن أبي عفيف «١» الهذلي إنه رأى ابن عمر يتوضأ للظهر ثم العصر ثم المغرب، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أسنّة هذا الوضوء؟ قال: إنه كان كافيا وضوئي للصلاة كلها ما لم أحدث ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات» «٢» ففي ذلك رغبت يا ابن أخي.\nوقال بعضهم: بل كان هذا أمرا من الله ﷿ لنبيه وللمؤمنين حتما وامتحانا أن يتوضأ لكل صلاة، ثم نسخ للتخفيف.\nوقال محمد بن يحيى بن جبل الأنصاري قلت: لعبيد الله بن عمر: أخبرني عن وضوء عبد الله لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر عمّن هو؟ قال: حدّثتنيه أسماء بنت زيد الخطاب أن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الغسيلي حدثها أن النبي ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة، فشق ذلك عليه فأمر بالسواك ورفع عنه الوضوء إلّا من حدث، وكان عبد الله يرى أن به قوّة عليه فكان يتوضأ.\nوروى سليمان بن بريد عن أبيه أن رسول الله ﷺ كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم فتح مكّة صلى الصلوات الخمس كلها بوضوء واحد، فقال عمر (﵁): إنك تفعل شيئا لم تكن تفعله! قال: «عمدا فعلته يا عمر» «٣» [٢٤] .\nوقال بعضهم: هذا إعلام من الله تعالى لرسوله ﷺ أن لا وضوء عليه إلّا إذا قام إلى صلاته دون غيرها من الأعمال.\nوذلك إنه إذا كان أحدث امتنع من الأعمال كلها حتّى يتوضأ فأذن الله ﷿ بهذه الآية أن يفعل كل ما بدا له من الأفعال بعد الحدث غير الصلاة.\nوروى عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراق البول نكلمه فلا يكلمنا ونسلم عليه فلا يرد علينا حتى يأتي منزله فيتوضأ لوضوء الصلاة حتّى نزلت آية الرخصة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ.\nوحدّ الوجه من منابت شعر الرأس إلى طرف الذقن طولا، وما بين الأذنين عرضا، فأما ما استرسل من اللحية عن الذقن فللشافعي هنا قولان:\nأحدهما: أنه لا يجب على المتوضئ غسله، وهو مذهب أبي حنيفة واختيار المزني،\n_________\n(١) في المصدر: غطيف\n. (٢) سنن أبي داود: ١/ ٢٣\n. (٣) السنن الكبرى: ١/ ١١٨، وسنن النسائي: ١/ ٨٥\n.","vol":"4","page":25},{"text":"واحتجّوا بأن الشعر النازل من الرأس لا يحكم بحكم الرأس. وكذلك من الوجه.\nوالثاني: أنه يجب غسله، ودليل هذا القول من ظاهر هذه الآية، لأن الوجه ما يواجه به، فكلّ ما تقع به المواجهة من هذا العضو يلزمه غسله بحكم الظاهر.\nومن الحديث قول النبي ﷺ حيث نهى عن تغطية اللحية في الصلاة إنها من الوجه، ومن اللغة قول العرب بدل وجه فلان وخرج وجهه إذا نبتت لحيته.\nوَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ غسل اليدين من المرفقين واجب بالإجماع واختلفوا في المرفقين.\nفقال الشعبي ومالك والفراء ومحمد بن الحسن ومحمد بن جرير: لا يجب غسل المرفقين في الوضوء، وإِلى - هاهنا- بمعنى الحدّ والغاية، ثم استدلوا بقوله تعالى ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ «١» والليل غير داخل في الصوم، وقال سائر الفقهاء: يجب غسلهما و(إِلى) بمعنى مع واحتجوا بقوله تعالى وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ «٢» وقوله فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ «٣» وقوله مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ «٤» .\nوَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ اختلف الفقهاء في القدر الواجب من مسح الرأس.\nفقال مالك والمزني: مسح جميع الرأس في الوضوء واجب.\nوجعلوا الباء بمعنى التعميم، كقوله ﷿ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ «٥» وقوله وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ» .\nوقال أبو حنيفة: مسح ربع الرأس واجب. أبو يوسف: نصف الرأس، الشافعي: يجوز الاقتصار على أقل من ربع الرأس، فإذا مسح مقدار ما يسمى مسحا أجزأه، واحتج بقوله وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ، وله في هذه الآية دليلان، أحدهما: مسح بعض رأسه وإن قلّ فقد حصل من طرفي [اللسان] ماسحا رأسه. فصار مؤديا فرض الأمر.\nوالثاني: إنه قال في العضوين اللذين أمر بتعميمها بالطهارة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ فأطلق الأمر في غسلهما وقال في الرأس وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ فأدخل الباء للتبعيض لأنّ الفعل\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٨٧\n. (٢) سورة النساء: ٢ [.....]\n. (٣) سورة التوبة: ١٢٥\n. (٤) سورة آل عمران: ٥٢\n. (٥) سورة المائدة: ٦\n. (٦) سورة الحج: ٢٩\n.","vol":"4","page":26},{"text":"إذا تعدى إلى المفعول من غير حرف الباء كان دخول الباء للتبعيض، كقول القائل: مسحت يدي بالمنديل وإن كان مسح ببعضه.\nقال عنترة:\nشربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم «١»\nويدل عليه من السنة ما\nروى عمرو بن وهب النقعي عن المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى عمامته وخفّيه، فاقتصر في المسح على الناصية دون سائر الرأس.\nوَأَرْجُلَكُمْ اختلف القرّاء فيه،\nفقرأ عروة بن الزبير وابنه هشام ومجاهد، وإبراهيم التميمي وأبو وائل، والأعمش، والضحّاك وعبد الله بن عامر، وعامر ونافع، والكسائي وحفص وسلام ويعقوب: (وَأَرْجُلَكُمْ) بالنصب وهي قراءة علي بن أبي طالب (﵁) .\nوروى عاصم بن كليب عن أبي عبد الرحمن السّلمي، قال: قرأ عليّ الحسن والحسين فقرءا: وَأَرْجُلِكُمْ بالخفض، فسمع عليّ ذلك وكان يقضي بين الناس، فقال: وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب، وقال: هذا من المقدم والمؤخر من الكلام.\nوقراءة عبد الله وأصحابه. قال الأعمش: كان أصحاب عبد الله يقرؤن: وَأَرْجُلَكُمْ نصبا فيغسلون.\nوقراءة ابن عباس، روى عكرمة عنه أنه قرأها: وَأَرْجُلَكُمْ بالنصب وقال: عاد الأمر إلى الغسل وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالكسر، وهي قراءة أنس والحسن وعلقمة والشعبي، واختيار أبي حاتم، فمن نصب فمعناه واغسلوا أرجلكم، ومن خفض فله وجوه ثلاث: أحدها أن المسح يعني الغسل والباء بمعنى التعميم، يقول تمسّحت للصلاة أي توضأت، وذلك أن المتوضئ لا يرضى أن يصيب وجهه وذراعيه وقدميه حتّى يمسحها فيغسلها فلذلك سمي الغسل بها، وهذا قول أبي زيد الأنصاري وأبي حاتم السجستاني.\nوقال أبو عبيدة والأخفش وغيرهما: إن الأرجل معطوفة على الرءوس على الإتباع بالجواز لفظا لا معنى. كقول العرب (جحر ضب خرب) قال تعالى رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها «٢» .\nقال الشاعر:\nورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا «٣» .\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٩٥\n. (٢) سورة النساء: ٧٥\n. (٣) تفسير الطبري: ١/ ٩٢\n.","vol":"4","page":27},{"text":"والرمح لا يتقلد إنّما يحمل.\nوقال لبيد:\nوأطفلت بالجلهتين ... ظباؤها ونعامها «١»\nوالنعام لا تطفل وإنما تفرخ.\nوقال بعضهم: أراد به المسح على الأرجل لقرب الجوار. كقوله: غمر الردا أي واسع الصدر. ويقال: قبّل رأس الأمير ويده ورجله، وإن كان في العمامة رأسها وفي الكم يده وفي الخف رجله.\nوفي الحديث أن النبي ﷺ كان إذا ركع وضع يده على ركبتيه.\nوليس المراد إنه لم يكن بينهما حائل. قال الله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٢» قال كثير من المفسرين: أراد به قلبك فطهر.\nقال همام بن الحرث: بال جرير بن عبد الله فتوضأ ومسح على خفيه فقيل له في ذلك، فقال: رأيت رسول الله ﷺ يفعله.\nقال الأعمش: كان إبراهيم يعجبه هذا الحديث، وهو أن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.\nوأجرى قوم من العلماء الآية على ظاهرها، وأجازوا المسح على القدمين، وهو قول ابن عباس قال: الوضوء مسحتان وغسلتان.\nوقول أنس: روى ابن عليّة عن حميد عن موسى بن أنس إنه قال لأنس ونحن عنده: إن الحجاج خطبنا بالأهواز فذكر الطهر فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤسكم، فإنه ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه فاغسلوا بطونهما وظهورهما وكعبهما وعراقيبهما.\nفقال: صدق الله وكذب الحجاج، قال الله تعالى وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.\nوروى حماد عن عاصم الأحول عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسّنة بالغسل.\nوقول الحسن والشعبي، قال الشعبي: نزل جبرئيل بالمسح، ثم قال: ألا ترى المتيمم يمسح ما كان غسلا ويلغي ما كان مسحا.\nوقول عكرمة قال يونس: حدّثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه إنما كان يمسح عليهما حتى خرج منها.\n_________\n(١) تاج العروس: ٩/ ٣٨٤\n. (٢) سورة المدّثّر: ٤\n.","vol":"4","page":28},{"text":"وقول قتادة قال: افترض الله غسلين ومسحين، ومذهب داود بن علي الأصفهاني ومحمد ابن جرير الطبري وأبي يعلى وذهب بعضهم إلى إن المتوضئ يتخير بين غسلهما ومسحهما، والدليل على وجوب غسل الرجلين في الوضوء قول الله ﷿: إِلَى الْكَعْبَيْنِ فتحديده بالكعبين دليل على الغسل كاليدين لما حدّهما إلى المرفقين كان فرضهما الغسل دون المسح.\nويدل عليه من السّنة ما\nروي عن عثمان وعلي وأبي هريرة وعبد الله بن زيد إنهم حكوا وضوء رسول الله ﷺ فغسلوا أرجلهم.\nوروى خلاد بن السائب عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ويغسل أرجله» «١» [٢٥] .\nوروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن جابر أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نغسل أرجلنا إذا توضأنا.\nوقال ابن أبي ليلى: أجمع أصحاب رسول الله ﷺ على وجوب غسل الرجلين.\nأبو يحيى عن عبد الله بن عمرو قال: مرّ النبي ﷺ على قوم عراقيبهم تلوح فقال: «أسبغوا الوضوء ويل للعراقيب من النار» «٢» [٢٦] .\nوقال حميد الطويل: رأى رسول الله ﷺ أعمى يتوضأ فقال: «اغسل باطن قدميك» «٣» فجعل يغسل حتّى سمّي أبا غسيل» [٢٧] .\nروى أبو قلابة أن عمر (﵁) رأى رجلا يتوضأ فترك باطن قدميه فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة.\nوقالت عائشة ﵂: لإن تقطعا أحبّ إليّ من أن أمسح على القدمين بغير خفين إلى الكعبين.\nوهما النابتان من جانبي الرجل ومجمع مفصل الساق والقدم. وسمّتهما العرب المنجمين، وعليهما الغسل كالمرفقين، هذا مذهب الفقهاء وخالفهم محمد بن الحسن في الكعب فقال: هو الناتئ من ظهر القدم الذي يجري عليه الشراك. قال: وسمي ذلك لارتفاعه ومنه الكعبة.\nودليلنا قوله تعالى وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ فجمع الأرجل وثنّى الكعبين فلو كان لكل رجل كعب واحد لجمعهما في الذكر كالمرافق لما كان في كل يد مرفق واحد، بجمع المرافق\n_________\n(١) أحكام القرآن: ٢/ ٤٢٣\n. (٢) مسند أبي داود الطيالسي: ٣٠٢ وجامع البيان: ٦/ ١٨٢\n. (٣) المصنّف: ١/ ٣٢\n.","vol":"4","page":29},{"text":"فلما جمع الأرجل وثنّى الكعبين ثبت أن لكل رجل كعبين ويدل عليه\nقوله ﷺ للمحرم: «فليلبس النعلين فإن لم يجد النعلين فليلبس [خفّين] وليقطعهما أسفل من الكعبين» «١» [٢٨] .\nفدلّ على أن الكعبين ما قلنا، إذ لو كان الكعب هو الناتئ من ظهر القدم لكان إذا قطع الخف من أسفله لم يكن استعماله ولا المشي فيه، والنبي ﷺ لا يأمر بإضاعة المال وإتلافه.\nويدل عليه ما\nروي أيضا عنه ﷺ إنه مرّ في سوق مكّة يقول: «قولوا لا إله إلّا الله تفلحوا» «٢» [٢٩] .\nوأبو لهب يرميه من ورائه بالحجارة حتّى أدمى كعبيه «٣» .\nفلو كان ما ذهب إليه محمد بن الحسن، ما قيل: حتى أدمي، إذ رميت من ورائه.\nويدل عليه ما\nروي أن رسول الله ﷺ قال: «أقيموا صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم» «٤»\n، حتّى كان الرجل منّا يلزق كعبه بكعب صاحبه ومنكبه بمنكبه، فيدل عليه\nقوله ﷺ:\n«ويل للأعقاب والعراقيب من النار»\n«٥» [٣٠] أصل الأعقاب والعراقيب إنما يحصل لمن غسل المنجمين.\nوروى أبو إدريس عن أبي ذر عن عليّ كرم الله وجهه قال: بينا رسول الله ﷺ في ملإ من المهاجرين إذ أقبل إليه عشرة من أحبار اليهود فقالوا: يا محمد إنا أتيناك لنسألك عن أشياء لا يعلمها إلّا من كان نبيّا مرسلا وملكا مقرّبا. فقال ﷺ: «سلوني تفقها ولا تسألوني تعنّتا» فقالوا:\nيا محمد أخبرنا لم أمر الله بغسل هذه الأربعة المواضع وهي أنظف المساجد؟ فقال النبي ﷺ:\n«إنّ آدم لمّا نظر إلى الشجرة قصد إليها بوجهه ثم مشى إليها وهي أوّل قدم مشت إلى المعصية ثمّ تناول بيده وشمّها فأكل منها فسقطت عنه الحلي والحلل فوضع يده الخاطئة على رأسه فأمر الله ﷿ بغسل الوجه لما أنه نظر إلى الشجرة وقصدها وأمر بغسل الساعدين وغسل يده وأمر بمسح رأسه، إبتلته الشجرة ووضع يده على رأسه وأمر بغسل القدمين لما مشى إلى الخطيئة فلمّا فعل آدم ذلك كفّر الله عنه الخطيئة فافترضهنّ الله على أمتي ليكفّر ذنوبهم من الوضوء إلى الوضوء» [٣١] .\nقالوا: صدقت، فأسلموا.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣\n. (٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٧١ [.....]\n. (٣) المصنّف لابن أبي شيبة: ٨/ ٤٤٢ بتفاوت\n. (٤) كنز العمال: ٧/ ٦٣٠ وفيه: وجوهكم يوم القيامة، بدل: قلوبكم\n. (٥) مسند أبي داود الطيالسي: ٣٠٢ بتفاوت\n.","vol":"4","page":30},{"text":"فاختلف الفقهاء في حكم الروايات المذكورة في الآية. فجعلوها بمعنى الترتيب والتعقيب وأوجبوا الترتيب في الوضوء وهو أن يأتي بأفعال الوضوء تباعا واحدا بعد واحد. فيغسل وجهه ثم يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه، وهو اختيار الشافعي، فاحتج بقوله إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ «١» .\nقال جابر بن عبد الله: خرجنا مع رسول الله ﷺ في الحج- وذكر الحديث إلى أن قال-:\nفخرج رسول الله ﷺ إلى الصفا وقال: «ابدأوا بما بدأ الله به»\nفدلّ هذا على شيئين: أحدهما:\nأن الواو يوجب الترتيب، والثاني أن البداية باللفظ توجب البداية بالفعل إلّا أن يقوم الدليل «٢» .\nواحتج أيضا بقوله ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا «٣» فالركوع قبل السجود، واحتج أيضا بقوله ﷺ:\n«لا يقبل الله صلاة امرئ حتّى يضع الوضوء مواضعه فيغسل وجهه ثم يغسل يديه ثم يمسح رأسه ثم يغسل رجليه» «٤» [٣٢] . و(ثم) في كلام العرب للتعقيب.\nعن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه إنه قال لعبد الله بن زيد الأنصاري قال: أتستطيع أن تري كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ؟ فقال عبد الله: نعم، فدعا بوضوء وأفرغ على يديه فغسل وجهه ثلاثا ويديه ثلاثا ومسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه ثمّ ذهب بهما إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه.\nوقال مالك: إن ترك الترتيب في الوضوء عامدا، أعاد وضوءه فإن تركه ناسيا لم يعد، وهو اختيار المزني.\nوقال سفيان الثوري وأبو حنيفة وصاحباه: الترتيب في الوضوء سنّة فإن تركه ساهيا أو عامدا فلا إعادة عليه، وجعلوا الواو بمعنى الجمع، واحتجوا بقوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ\n«٥» ولا خلاف أن تقديم بعض أهل السهمين على بعض في الإعطاء بتمايز.\nوبقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا «٦» . ويحرم تقديم أحدهما على الآخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>وأما فضل الوضوء</span>\nفروى يحيى بن أبي كثير عن زيد عن ابن سلام عن أبي مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الطهور شطر الإيمان» «٧» [٣٣] .\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٥٨\n. (٢) مسند أحمد: ٣/ ٣٩٤\n. (٣) سورة الحج: ٧٧\n. (٤) أحكام القرآن: ٢/ ٤٢٣\n. (٥) سورة التوبة: ٦٠\n. (٦) سورة الأحزاب: ٥٦\n. (٧) مسند أحمد: ٥/ ٣٤٤\n.","vol":"4","page":31},{"text":"وروى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن عثمان النهدي قال: كنت مع سلمان فأخذ غصنا من شجرة يابسة فحتّه ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من توضأ فأحسن الوضوء [ثمّ صلى الصلوات الخمس] تحاتّت عنه خطاياه كما تحات هذه الورق» «١» [٣٤] .\nوروى زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: قيل: يا رسول الله ﷺ كيف تعرف من لم تر من أمتك يوم القيامة؟ قال: «هم غر محجلون من آثار الوضوء» «٢» [٣٥] .\nوروى أبو أمامة عن عمرو بن عبسة قال: قلت: يا رسول الله ما الوضوء حدّثني عنه؟\nقال: «ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيتمضمض ويستنشق وينثر إلّا جرت خطايا فيه وخياشيمه مع الماء ثم إذا غسل وجهه كما أمر الله إلّا جرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، ثم إذا غسل يديه من المرفقين إلّا جرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلّا جرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلّا جرت خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإذا هو قام فصلّى وحمد الله وأثنى عليه ومجّده وفرّغ قلبه لله إلّا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه» «٣» [٣٦] .\nوعن أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين وكان أول ما علّمني أن قال: «يا أنس يا بني أحسن وضوءك لصلاتك يحبك الله ويزاد في عمرك» «٤» [٣٧] .\nوروى سعيد بن المسيب عن عبد الرحمن بن حمزة الأنصاري قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن في مسجد المدينة فقال: «لقد رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاء وضوؤه فاستنقذه من ذلك» [٣٨] .\nوَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا فاغتسلوا.\nروى أبو ذر عن علي (﵇) فقال: أقبل عشرة من أحبار اليهود، فقالوا: يا محمد لماذا أمر الله بالغسل من الجنابة ولم يأمر من البول والغائط وهما أقذر من النطفة؟ فقال النبي ﷺ: «إنّ آدم لما أكل من الشجرة تحوّل في عروقه وشعره، وإذا جامع الإنسان نزل من أصل كل شعرة فافترضه الله ﷿ عليّ وعلى أمتي تكفيرا وتطهيرا وشكرا لما أنعم عليهم من اللذة التي يصيبونها منه» .\nقالوا: صدقت يا محمد، فأخبرنا بثواب ذلك من اغتسل من الحلال، فقال ﷺ: «إنّ\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١/ ٢٩٧\n. (٢) مسند أحمد: ٥/ ١٩٩\n. (٣) صحيح مسلم: ٢/ ٢١٠\n. (٤) مجمع الزوائد: ١/ ٢٧١، ومسند أبي يعلى: ٦/ ٣٠٧ بتفاوت [.....]\n.","vol":"4","page":32},{"text":"المؤمن إذا أراد أن يغتسل من الحلال بنى الله له قصرا في الجنّة وهو سرّ بين المؤمن وبين ربه، والمنافق لا يغتسل من الجنابة فما من عبد ولا أمة من أمتي قاما للغسل من الجنابة تيقنا أني ربهما، أشهدكم أني غفرت لهما كتبت لهما بكل شعرة على رأسه وجسده ألف [سنة] ومحى عنه مثل ذلك ورفع له مثل ذلك» . قالوا: صدقت، نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله.\nوعن أبي محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك يقول: قال لي النبي ﷺ: «يا بني الغسل من الجنابة فبالغ فيه فإنّ تحت كلّ شعرة جنابة» . قلت: يا رسول الله كيف أبالغ؟ قال:\n«نقّوا أصول الشعر وأنق بشرتك تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كل ذنب» «١» [٣٩] .\nوقال عبد الرحمن بن حمزة: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة. فقال: «إني رأيت البارحة عجبا، رأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا كلما دنا إلى حلقه طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة [فأخذ بيده] فأقعده إلى جنبي» «٢» [٤٠] .\nوَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ إلى قوله بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ أي من الصعيد وما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ بما فرض عليكم من الوضوء والغسل والتيمم مِنْ حَرَجٍ من ضيق وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ من الأحداث والجنابات والذنوب والخطيئات وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ فيما أباح الله لكم من التيمم عند عدم الماء وسائر نعمه التي لا تحصى لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله عليها.\nوروى محمد بن كعب القرضي عن عبد الله بن داره مولى عثمان بن عفّان (﵁) عن عمران مولى عثمان قال: مرّت على عثمان فخارة من ماء فدعا به فتوضأ فأسبغ وضوءه ثم قال: لو لم أسمعه من رسول الله ﷺ إلّا مرّة أو مرّتين أو ثلاثا ما حدّثتكم به «٣» .\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما توضّأ عبد فأسبغ وضوءه ثم قام إلى الصلاة إلّا غفر [الله] له ما بينه وبين الصلاة الأخرى» «٤» [٤١] .\nقال محمد بن كعب: فكنت إذا سمعت الحديث من رجل من أصحاب رسول الله ﷺ التمسته في القرآن فالتمست هذا في القرآن فوجدته إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ «٥» فعلمت أن الله لم يتم عليه النعمة حتّى غفر له ذنوبه.\n_________\n(١) كنز العمال: ٩/ ٥٤٩. ح ٢٧٣٦١\n. (٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٥٥\n. (٣) مسند ابن المبارك: ٢١\n. (٤) مسند ابن المبارك: ٢١\n. (٥) سورة الفتح: ٢\n.","vol":"4","page":33},{"text":"ثم قرأت الآية التي في المائدة إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ حتّى بلغ قوله يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ فعرفت أنّ الله لم يتم عليهم النعمة حتى غفر لهم.\nقتادة عن شهر بن حوشب عن الصّدي بن عجلان وهو أبو إمامة عن النبي ﷺ إنه قال:\n«الطهور يكفر ما قبله [ثمّ] تصير الصلاة نافلة» «١» [٤٢] .\nوَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني النعم كلها وَمِيثاقَهُ عهده الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ عاهدتم به أيها المؤمنون إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وذلك حين بايعوا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فيما أحبوا وكرهوا. هذا قول أكثر المفسرين.\nوقال مجاهد: من الميثاق الذي أخذ الله على عباده حين أخرجهم من صلب آدم (﵇) وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ عليم ما في القلوب من خير وشر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ أمرهم بالصدق والعدل في أقوالهم وأفعالهم وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ ولا يحملنكم بغض قوم عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا أي على ترك العدل فيهم لعداوتهم، ثم قال: اعْدِلُوا بين أوليائكم وأعدائكم هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى يعني إلى التقوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عالم بِما تَعْمَلُونَ مجازيكم به وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ تقديرها: وقال لهم مغفرة، لأنّ الوعد قول، فلذلك جمع الكلام وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بالدفع عنكم إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ.\nنزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو ببطن نخل في الغزوة السابعة فإذا بنو ثعلبة، وبنو\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٨/ ١٢٥ وفيه: الوضوء، بدل: الطهور\n.","vol":"4","page":34},{"text":"محارب أرادوا أن يمسكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلاة، قالوا: إن لهم صلاة هي أحب إليهم من آبائهم وأمهاتهم فإذا سجدوا فيها أوقعنا بهم، فأطلع الله نبيّه على ذلك، وهي صلاة الخوف.\nوقال الحسن: كان النبي ﷺ محاصرا بطن نخلة. فقال رجل من المشركين: هل لكم في أن أقتل محمدا، قالوا: فكيف تقتله؟ قال أمسك به، قالوا: وددنا إنّك فعلت ذلك. فأتى النبي ﷺ وهو متقلد سيفه، فقال: يا محمد أرني سيفك فأعطاه إياه فجعل الرجل يهز السيف وينظر مرّة إلى السيف ومرّة إلى النبي ﷺ وقال: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: الله، فتهدّده أصحاب النبي ﷺ وأغلظوا له فشام السيف ومضى. فأنزل الله هذه الآية.\nالزهري عن ابن سلام عن جابر بن عبد الله: أنّ النبي ﷺ نزل منزلا وتفرق الناس في العضاة يستظلون تحتها فعلّق النبي ﷺ سلاحه بشجرة فجاء أعرابي إلى سيف رسول الله ﷺ فسلّه ثمّ أقبل على النبي ﷺ فقال: من يمنعك منّي؟ قال: الله، قال الأعرابي مرّتين أو ثلاثا: من يمنعك منّي؟ والنبي ﷺ يقول: الله، فشام الأعرابي السيف، فدعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم بخبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه لم يعاقبه.\nوقال مجاهد وعبد الله بن كثير وعكرمة والكلبي، وابن يسار عن رجاله: بعث النبي ﷺ المنذر ابن عمرو الأنصاري الساعدي وهو أحد النقباء ليلة العقبة في ثلاثين راكبا من المهاجرين والأنصار بني عامر بن صعصعة فخرجوا فلقوا عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر على بئر معونة وهي من مياه بني عامر، فاغتسلوا فقتل المنذر بن عمرو الأنصاري الساعدي وأصحابه إلّا ثلاثة نفر كانوا في طلب ضالة لهم أحدهم: عمرو بن أميّة الصيمري، فلم يرعهم إلّا والطير تحوم في السماء تسقط من بين خراطيمها علق الدّم، فقال أحد النفر: قتل أصحابنا، ثم تولى يشتد حتّى لقي رجلا فاختلفا ضربتين فلما خالطت الضربة رفع رأسه إلى السماء وفتح عينيه وقال: الله أكبر الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. ورجع صاحباه، فلقيا رجلين من بني سليم وبين النبي ﷺ وبين قومهما موادعة، فانتسبا لهما إلى بني عامر فقتلاهما وقدم قومهما إلى النبي ﷺ يطلبون الدية فخرج ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف حتّى دخلوا على كعب بن الأشرف وبني النظير فاستعانهم في عقلهما، فقال: نعم يا أبا القاسم قد آن لك أن تأتينا وتسألنا حاجة.\nاجلس حتّى نطعمك ونعطيك الذي تسألنا، فجلس النبي ﷺ وأصحابه فخلا بعضهم ببعض، وقالوا: إنّكم لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيرتحل عنّا. فقال عمرو بن جحش بن كعب: أنا، فجاء إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه فأمسك الله أيديهم وجاء جبرئيل (﵇) وأخبره بذلك فخرج النبي ﷺ ثمّ دعا عليا فقال: لا تبرح من مكّة، فمن خرج عليك من أصحابي فسألك عنّي فقل توجه إلى المدينة، ففعل ذلك علي (﵇) حتّى قاموا إليه ثم لقوه فأنزل الله ﷿ هذه الآية.","vol":"4","page":35},{"text":"قال الثعلبي: وهذا القول أولى بالصواب لأنّ الله تعالى عقّب هذه الآية بذم اليهود، وذكر قبح أفعالهم وأعمالهم فقال عز من قائل وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ الآية، وذلك أنّ الله تعالى وعد موسى أن يورثه وقومه الأرض المقدسة وهي الشام وكان يسكنها الكنعانيون الجبارون، ووعده أن يهلكهم ويجعل أرض الشام مساكن بني إسرائيل، فلما تركت بني إسرائيل الدّار بمصر أمرهم الله تعالى المسير إلى أريحا أرض الشام وهي الأرض المقدسة.\nوقال: يا موسى إني قد كتبتها لكم دارا قرارا فاخرج إليها وجاهد من فيها من العدو فإني ناصركم عليهم، وخذ من قومك اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا من كلّ سبط نقيبا يكون كفيلا على قومه بالوفاء منهم على ما أمروا، به فاختار موسى (﵇) النقباء وهذه أسماؤهم: من سبط روبيل:\nشامل بن ران، ومن سبط شمعون: شاقاط بن [حوري]، ومن سبط يهودا: كالب بن يوقنا، ومن سبط آبين: مقايل بن يوسف، ومن سبط يوسف، وهو سبط إفراهيم ويوشع بن نون، ومن سبط بنيامين: قنطم بن أرقون ومن سبط ريالون: مدي بن عدي، ومن سبط يوسف وهو ميشا بن يوسف: جدي بن قامن، ومن سبط آهر: بيانون بن ملكيا ومن سبط تفتال: نفتا لي محر بن وقسي، ومن سبط دان: حملائل بن حمل، ومن سبط أشار: سابور بن ملكيا «١» .\nفسار موسى ببني إسرائيل حتّى إذا قربوا من أرض كنعان وهي أريحا. بعث هؤلاء النقباء إليها يتجسّسون له الأخبار ويعلمونه فلقيهم رجل من الجبارين يقال له عوج بن عنق وكان طوله ثلاثة آلاف وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع.\nقال ابن عمر: كان عوج يحتجز بالسحاب ويشرب منه ويتناول الحوت من أقرار البحر فيشويه بعين الشمس يرفعه إليها ثم يأكله.\nويروى له أنه رأى نوحا يوم الطوفان فقال: احملني معك في سفينتك، فقال له: أخرج يا عدو الله فإنّي لم أؤمر بك وطبق الماء ما على الأرض من جبل وما جاوز ركبتي عوج، وعاش عوج ثلاثة ألاف سنة ثم أهلكه الله على يد موسى، وكان لموسى (﵇) عسكر فرسخا في فرسخ، فجاء عوج حتى نظر إليهم ثم جاء فنحت الجبل فأخذ منه بصخرة على قدر العسكر ثم حملها ليطبقها عليهم فبعث الله تعالى إليه الهدهد ومعه المص يعني منقاره حتّى نقر الصخرة فانثقبت فوقعت في عنق عوج فطوقته وأقبل موسى (﵇) وطوله عشرة أذرع وطول عصاه عشرة أذرع وتراقي السماء عشرة أذرع فما أصاب إلّا كعبه وهو مصروع بالأرض فقتله.\nقالوا: فأقبلت جماعة كثيرة ومعهم الخناجر فجهدوا حتّى جزّوا رأسه فلما قتل وقع في نيل\n_________\n(١) في الأسماء تفاوت كبير عمّا هو موجود في تفسير الطبري: ٦/ ٢٠٥، وكذا فيهما تفاوت عمّا هو موجود في تفسير القرطبي: ٦/ ١١٣، وكذلك عمّا في تاريخ دمشق: ٨/ ٤١\n.","vol":"4","page":36},{"text":"مصر فجسرهم سنة وكانت أمّه عنق ويقال عناق إحدى بنات آدم، ويقال: إنّها كانت أوّل من بغت على وجه الأرض وكان كل إصبع من أصابعها ثلاثة أذرع وذراعين، وفي كل إصبع ظفران حديدان مثل المنجلين. وكان موضع مجلسها جريبا من الأرض. فلمّا بغت بعث الله ﷿ عليها أسدا كالفيلة وذئبا كالإبل ونسورا كالحمر وسلّطهم عليها فقتلوها وأكلوها.\nقالوا: فلما لقيهم عوج وعلى رأسه حزمة حطب أخذ الإثني عشر فجعلهم في حجزته.\nوحجزة الإزار معقد السراويل التي فيها التكّة. فانطلق بهم إلى امرأته وقال: أنظري إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون أن يقاتلونا، فطرحهم بين يديها.\nوقال: ألا أطحنهم برجلي، فقالت امرأته: لا بل خلّ عنهم حتّى يخبروا قومهم بما رأوا، ففعل ذلك فجعلوا يتعرّفون أحوالهم، وكان لا يحمل عنقود عنبهم إلّا خمسة أنفس منهم في خشبة ويدخل في شطر الرّمانة إذا نزع حبّها خمسة أنفس أو أربعة، فلمّا خرجوا قال بعضهم لبعض: يا قوم إنّكم إن أخبرتم بني إسرائيل خبر القوم ارتدّوا عن نبي الله ولكن اكتموا وأخبروا موسى (﵇) وهارون فيكونان هما يريان رأيهما، فأخذ بعضهم على بعض الميثاق بذلك. ثم انصرفوا إلى موسى وحاول بحبّة من عنبهم وفرّ رجل منهم، ثم إنّهم نكثوا العهد، وكل واحد منهم نهى سبطه عن قتالهم ويخبرهم بما رأى، إلّا رجلان منهم يوشع وكالب»\n، فذلك قوله تعالى وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا.\nوقال الله لبني إسرائيل إِنِّي مَعَكُمْ ناصركم على عدوّكم.\nثم ابتدأ الكلام فقال عزّ من قائل: لَئِنْ أَقَمْتُمُ يا معشر بني إسرائيل الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي ونصرتموهم ووقرتموهم.\nوأشعر أبو عبيدة:\nوكم من ماجد منهم «٢» كريم ... ومن ليث يعزّر في الندي «٣»\nويروى: وكم من سيّد يحصى نداه ومن ليث.\nوَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ولم يقل أقراضا، وهذا مما جاء من المصدر بخلاف المصدر كقوله فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ «٤» لَأُكَفِّرَنَّ لأستبرأنّ ولأمحونّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي أخطأ قصد\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٠٤ بتفاوت، وتاريخ الطبري: ١/ ٣٠٢\n. (٢) في المصدر: لهم\n. (٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١١٤، والندي: مجلس القوم ما داموا مجتمعين فيه\n. (٤) سورة آل عمران: ٣٧\n.","vol":"4","page":37},{"text":"السبيل وهو لكل شيء وسطه، ومنه قيل للظهر: سواء فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ أي فبنقضهم وما فيه ما المصدر، وكلّ ما ورد عليك من هذا الباب فهو سبيله.\nقال قتادة: نقضوه من وجوه: كذّبوا الرسل الذين جاءوا بعد موسى فقتلوا أنبياء الله ونبذوا كتابه وضيّعوا فرائضه.\nقال سلمان: إنما هلكت هذه الأمّة بنكثها عهودها.\nلَعَنَّاهُمْ قال ابن عباس: عذّبناهم بالجزية. الحسن ومقاتل: بالمسخ عطاء أبعدناهم من رحمتنا وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً.\nقرأ يحيى بن رئاب وحمزة والكسائي قسيّة بتشديد الياء من غير ألف. وهي قراءة النخعي، وقرأ الأخفش: قسية بتخفيف الياء على وزن فعلية نحو عمية وشجية من قسى يقسي لا من قسى يقسو، وقرأ الباقون: قاسِيَةً على وزن فاعلة، وهو اختيار أبو عبيدة، وهما لغتان مثل العلية والعالية والزكية والزاكية.\nقال ابن عباس: قاسية يائسة، وقيل: غليظة لا تلين، وقيل: متكبرة لا تقبل الوعظ، وقيل: ردية فاسدة، من الدراهم القسية وهي الودية المغشوشة يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ قرأه العامّة بغير ألف، وقرأ السلمي والنخعي: الكلام بالألف وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وتركوا نصيب أنفسهم مما أمروا به من الإيمان بمحمد ﷺ وبيان نعمته وَلا تَزالُ يا محمد تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ.\nواختلفوا في الخائنة:\nقال المبرّد: هي مصدر، كالكاذبة، واللّاغية، وقيل: هي اسم كالعاقبة والمعاقبة، وقيل:\nهي بمعنى المبالغة، والهاء هنا للمبالغة مثل: راوية وعلامة ونسابة.\nقال الشاعر:\nحدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغلّ الإصبع «١»\nويجوز أن يكون جمع الخائن كقولك فرقة كافرة وطائفة خارجة.\nقال ابن عباس: خائنة أي معصية، وقيل: كذب وفجور، وكانت خيانتهم نقضهم العهد ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله ﷺ وهمهم بقتله وسمّه ونحوها من عمالتهم وخيانتهم التي أخبرت إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يخونوا أو لم ينقضوا العهد، [من] أهل الكتاب فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وهذا منسوخ بآية السيف.\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ١٩٣\n.","vol":"4","page":38},{"text":"وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ في التوحيد والنبوة فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بالعهد بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ألا وهو الخصومات والجدال في الدين.\nقال معاوية بن قرة: الخصومات في الدين تحبط الأعمال «١» واختلفوا في المعنى بالهاء والميم في قوله بَيْنَهُمُ.\nفقال مجاهد وقتادة والسدّي وابن زيد: يعني بين اليهود والنصارى.\nوقال ابن زيد: كما تغري بين البهائم. وقال الربيع: هم النصارى وحدها، وذلك راجع إلى فرق النصارى النسطورية واليعقوبية والملكية، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ في الآخرة ويجازيهم به وهذا وعيد من الله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ التوراة والإنجيل مثل صفة محمد ﷺ وآية الرجم وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ويترك أخذكم بكثير ممّا تخفون قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يعني محمد ﷺ وَكِتابٌ مُبِينٌ بيّن، وقيل: مبيّن وهو القرآن يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مجاهد وعبيد بن عمير ومسلم بن جندب: يُهْدِي بِهِ اللَّهُ بضم الهاء على الأصل لأن أصل الهاء الضمة، وقرأ الآخرون بكسر الهاء اتباعا. مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ رضاه ومعنى رضاه بالشيء قبوله ومدحه له فأثابه عليه وهو خلاف السخط والغضب وسُبُلَ السَّلامِ لطرف السلم وهو الله تعالى وسبيله دينه الذي شرع لعباده وبعث به رسله وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلام الكفر إلى نور الإيمان بِإِذْنِهِ بتوفيقه وهدايته وإرادته ومشيئته وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أي من يطيق أن يدفع من أمر الله شيئا فيرده إذا قضاء، وهو من قول القائل: ملكت على فلان أمره إذا ضلّ لا يقدر أن ينفّذ أمرا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٢١٧\n.","vol":"4","page":39},{"text":"الآية إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما ولم يقل: وما بينهنّ لأنّ المعنى: وما بين هذين النوعين من الأشياء يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nوَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ.\nقال السدّي: قالت اليهود: إنّ الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدا من ولدك أدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوما حتى تطهركم وتأكل خطاياهم ثم ينادي أن أخرجوا كل مختون من ولد إسرائيل فأخرجهم فذلك قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً، وأمّا النصارى، فإن فرقة منهم قالت: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.\nفأخرجهم الخبر عن الجماعة «١» قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ كان لأمر ما زعمتم أنكم أحباؤه وأولياؤه فإن الحبيب لا يعذب حبيبه، وأنتم مقرّون إنّه معذبكم بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ كسائر بني آدم، ثم قال بالإحسان والإيتاء يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ فضلا وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ عدلا.\nوقال السدّي: يهدي منكم من يشاء في الدنيا فيغفر له، ويميت من يشاء منكم على كفره فعذّبه وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد يُبَيِّنُ لَكُمْ أعلام الهدى وشرائع الدين عَلى فَتْرَةٍ انقطاع مِنَ الرُّسُلِ واختلفوا في قدر مدّة تلك الفترة.\nوروى عبيد بن سلمان عن الضحاك قال: الفترة فيما بين عيسى ومحمد (﵉) ستمائة سنة.\nمعمّر عن قتادة قال: كان بين عيسى ومحمد (﵉) خمسمائة وستون سنة.\nقال معمّر وقال الكلبي: خمسمائة وأربعون سنة، الضحّاك: أربعمائة وبضع وثلاثون سنة أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nحمّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(١) في تفسير الطبري (٦/ ٢٢٥): والعرب قد تخرج الخبر إذا افتخرت فخرج الخبر عن الجماعة [.....]\n.","vol":"4","page":40},{"text":"«أربعة [كلّهم] يدلي على الله يوم القيامة بحجة وعذر، رجل مات في الفترة ورجل أدرك [الفترة الأخيرة] «١»، ورجل أصم أبكم ورجل معتوه، فيبعث الله ﷿ إليهم ملكا رسولا فيقول أطيعوه فيأتهم الرسول فيؤجج لهم نارا فيقول: اقتحموها فمن اقتحمها كانت عليهم بردا وسلاما ومن قال لا حقت عليه كلمة العذاب» [٤٣] «٢» .\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا اختلفوا في معنى الملوك.\nفروى أبو الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: «كان بنو إسرائيل إذا كان لأحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا» «٣» [٤٤] .\nوقال ابن عباس ومجاهد والحسن والحكم: من كان له بيت وخادم وامرأة فهو ملك.\nوقال أبو عبد الرحمن: قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد اللَّه: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال: نعم. قال: ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم، قال: فأنت من الأغنياء، قال: إنّ لي خادما ومالا. قال: فأنت من الملوك.\nوروى أبو عبلة عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصبح معافى في بدنه آمنا في سربه وعنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها، يا ابن جعشم يكفيك منها ما يسدّ جوعك ويواري عورتك فإن كان بيت يواريك فذاك، وإن كان دابة تركبها فبخ، فلق الخبز وماء البحر وما فوق ذلك حساب عليك» «٤» [٤٥] .\n_________\n(١) هكذا في الأصل، وفي المصدر: الإسلام هرما\n. (٢) كتاب السنّة لعمرو بن أبي عاصم: ١٧٦\n. (٣) فتح القدير: ٢/ ٢٩\n. (٤) تاريخ دمشق: ٧٠/ ١٤٧\n.","vol":"4","page":41},{"text":"وقال الضحّاك: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا وفيه ماء جار فهو ملك.\nوقال قتادة: كانوا أول من ملك الخدم وأول من سخّر لهم الخدم من بني آدم.\nقال السدّي: يعني وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد أن كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا فأخرجكم الله من الذّل وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعالَمِينَ يعني عالمي من غيركم.\nوقال مجاهد: يعني المن والسلوى والحجر والغمام يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ اختلفوا في الأرض المقدسة ما هي.\nفقال مجاهد: هي الطور وما حوله. وقال الضحّاك: هي إيليا وبيت المقدس الحرام محرم مقداره، السماوات والأرض بيت المقدس مقدّس مقداره من السماوات والأرض.\nعكرمة والسدّي وابن زيد: هي أريحا.\nالكلبي: دمشق وفلسطين وبعض الأردن.\nقتادة: هي الشام كلها.\nقال زيد بن ثابت: بينما نحن حول رسول الله ﷺ يؤلف القرآن من الرقاع إذ قال: «طوبى للشام» قيل: يا رسول الله ولم ذلك؟ قال: «إن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليهم» [٤٦] «١» .\nنصير بن علقمة الحمصي عن جبير بن نقير عن عبد الله بن حواله قال: كنّا عند النبي ﷺ فقال: «والله لا يزال هذا الأمر فيكم حتى يفتح الله أرض فارس والرّوم وأرض حمير وحتى تكونوا أجنادا ثلاثة، جندا بالشام، وجندا بالعراق وجندا باليمن» .\nفقال ابن حوالة: يا رسول الله أن أدركني ذلك، قال: «اختار لك الشام فإنها صفوة الله من بلادكم وإليها [يجتبي] صفوته من عباده، يا أهل الإسلام فعليكم بالشام فإن صفوة الله من الأرض الشام فمن أبى فليلحق بيمينه وليستق من غدره إن الله قد تكفّل لي بالشام وأهله» «٢» [٤٧] .\nروى الأعمش عن عبد الله بن صبّار عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال: قسّم الخير عشرة أعشار فجعل منه تسعة بالشام وواحد بالعراق. وقسم الشّر عشرة أعشار فجعل منه تسعة بالعراق وواحد بالشام. ودخل الشام عشرة ألف عين رأت النبي ﷺ ونزل خمس وسبعمائة من\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٥/ ١٥٨\n. (٢) تاريخ دمشق: ١/ ٧٤، معجم البلدان: ٣/ ٣١٤\n.","vol":"4","page":42},{"text":"أصحاب النبي ﷺ «١» فيهم سبعون [صحابيا] الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني كتبه في اللوح المحفوظ إنها لكم مساكن.\nوقال ابن إسحاق: ذهب الله لكم. السّدي: أمركم به يدعو لها، وقتادة: أمروا بها كما أمروا بالصلاة وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ أعقابكم بخلاف الله فَتَنْقَلِبُوا.\nقال الكلبي: صعد إبراهيم ﵊ جبل لبنان فقيل له: أنظر فما أدركه بصرك فهو مقدس وهو ميراث لذريّتك من بعدك، قالوا: يعني بني إسرائيل، يا موسى اكتموا أمرهم لا تخبروا به أحدا من أهل العسكر فيفشيانه فذهب كل رجل منهم فأخبر قريبه وابن عمّه إلّا رجلين وفيا. فقال لهم موسى: وهما يوشع بن نون بن أفراثيتم بن يوسف فتى موسى وكالب بن يوفنا ختن موسى على أخته مريم ابنت عمران وهما من إيليا فعلمت جماعة بني إسرائيل ذلك، ورفعوا أصواتهم بالبكاء، وقالوا: يا ويلتنا متنا في أرض مصر، وليتنا نموت في هذه البرية ولا يدخلنا الله لدينهم فيكون نساؤنا وأولادنا وأثقالنا غنيمة لهم، وجعل الرجل يقول لأصحابه: تعالوا نجعل علينا رأسا وننصرف إلى مصر وذلك قوله ﷿ إخبارا عنهم: قالُوا: يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها.\nوقال قتادة: كانت لهم أجسام وخلق عجيب ليست لغيرهم وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ فلما قالوا ذلك وهمّوا بالانصراف إلى مصر خرّ موسى وهارون (﵈) ساجدين وخرق يوشع وكالب ثيابهما وهما اللذان أخبر الله ﷿ عنهما في قوله قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أي يخافون الله.\nقرأ سعيد بن جبير يُخافُونَ بضم الياء وقال: كانا من الجبّارين فأسلما واتّبعا موسى أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا بالتوفيق والعصمة ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ يعني قرية الجبّارين فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ لأنّ الله منجز وعده ولا ينساهم فكانت أجسامهم عظيمة قوية، وقلوبهم ضعيفة فلا يخشونهم وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فأراد بنو إسرائيل أن يرجموهما بالحجارة وعصوهما قالُوا: يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ.\nروي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه يوم الحديبية حين صدّ عن البيت: إني ذاهب بالهدي فناحره عند البيت. فقال المقداد بن الأسود: أما والله لا نقول لك ما قال قوم موسى اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ، ولكنّا نقاتل عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ومن خلفك فلو خضت البحر لخضناه معك، ولو تسنّمت جبلا لعلوناه معك فسر بنا على بركة الله، فلما سمع أصحاب رسول الله ﷺ بايعوه على ذلك وأشرق وجه رسول الله ﷺ بذلك وسرّه.\n_________\n(١) إلى هنا في تاريخ دمشق: ١/ ٣٢٧\n.","vol":"4","page":43},{"text":"قال ابن مسعود: لأن أكون صاحب هذا المسجد أحبّ إليّ مما عدل بي.\nفلمّا فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من معصيتهم بينهم ومخالفتهم أمر ربهم وهممتم بيوشع وكالب، غضب موسى ودعا عليهم قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ أي فافصل واقض.\nوقرأ عبيد بن عمير: فَافْرِقْ بخفض الرّاء بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ العاصين. وكانت عجلة عجلها موسى وظهر الغمام على باب قبة الزمر موضع مناجاته وأوحى الله تعالى إلى موسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدّقون بالآيات لأهلكنّهم جميعا ولأجعلنّ لك شعبا أشد وأكثر منهم، فقال موسى (﵇): إلهي لو إنّك قتلت هذا الشعب كلّهم كرجل واحد لقالت الأمم الذين سمعوا: إنّما قتل هذا الشعب لأنه لم يستطع أن يدخلهم الأرض المقدسة فقتلهم في البرية، وإنّك طويل صبرك كثير نعمك وإنّك تغفر الذنوب وتحفظ الآباء على الأبناء وأبناء الأبناء، فاغفر لهم توبتهم، فقال الله لموسى: قد غفرت لهم بكلمتك ولكن بعد ما سمّيتهم فاسقين ودعوت عليهم لأحرّمن عليهم دخول الأرض المقدسّة غير عبديّ يوشع وكالب ولآتيّهنّهم في هذه البرية أربعين سنة فكان كل يوم من الأيام الذي يحتسبوا فيها سنة وليلقين حتفهم في هذه القفار وأما بنوهم الذين لم يعلموا الخير والشر فإنهم يدخلون الأرض المقدسة فذلك قوله تعالى قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ يتحيرون في الأرض فلبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيروا في كل يوم جادّين حتّى إذا أمسوا وباتوا فإذا هم في الموضع الذي ارتحلوا عليه، وكانوا ستمائة ألف مقاتل ومئات من النقباء العشرة الذين أفشوا الخبر بغتة فكل من دخل التيه ممن جاوز عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا أحد ممن قالوا إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَدًا فلمّا هلكوا وانقضت أربعون سنة ونشأت النواشي من ذرياتهم ساروا إلى حرب الجبارين «١» .\nواختلف العلماء في من تولي ذلك الحرب وعلى يد من كان الفتح، فقال القوم: إنّما فتح أريحا موسى (﵇) وكان يوشع على مقدمته فسار موسى إليهم بمن بقي من بني إسرائيل فدخل بهم يوشع وقاتل الجبابرة التي كانوا بها ثم دخلها موسى (﵇) بني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم فيه ثم قبضه الله إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق، وهذا أصح الأقاويل، لإجماع العلماء أن عوج بن عناق قتله موسى، والله أعلم.\nوقال الآخرون: إنّما قاتل الجبّارين يوشع ولم يسر إليهم إلّا بعد موت موسى، وهلاك جميع من أبى المسير إليها فقالوا: مات موسى وهارون في التيه.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٤٩\n.","vol":"4","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>قصة وفاة هارون (﵇)</span>\nقال السدّي: أوحى الله ﷿ إلى موسى: أني متوفي هارون، فأت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو الجبل، فإذا هما بشجر لم ير شجر مثلها وإذا بيت مبني فيه سرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلمّا نظر هارون إلى ذلك بجنبه أعجبه وقال: يا موسى إنّي أحب أن أنام على هذا السرير، قال: فنم عليه، فقال: إنّي أخاف أن يأتي رب هذا البيت فيغضب عليّ، قال له موسى: لا، أنا أكفيك رب هذا البيت فنم، قال: يا موسى بل نم معي فإن جاء رب البيت غضب عليّ وعليك جميعا، فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حتفه قال: يا موسى خذ عيني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير إلى السماء، فلما رجع موسى إلى بني إسرائيل وليس معه هارون، قالوا: إنّ موسى قتل هارون وحسده حبّ بني إسرائيل له، فقال موسى: ويحكم فإنّ أخي أمر ولن أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه.\nوقال عمرو بن ميمون: كان وفاة موسى وهارون في التيه، ومات هارون قبل موسى. فكانا خرجا في التيه إلى بعض الكهوف، فمات هارون ودفنه موسى، وانصرف إلى بني إسرائيل، فقالوا: ما فعل هارون؟ قال: مات، قالوا: كذبت ولكنك قتلته لمحبّتنا إياه، وكان محببا في بني إسرائيل.\nفتضرع موسى إلى ربّه وشكا ما لقي من بني إسرائيل فأوحى الله ﷿ إليه أن انطلق بهم إلى قبر هارون حتى تخبرهم أنه مات موتا ولم تقتله، وانطلق بهم إلى قبر هارون فنادى: يا هارون فخرج من قبره ينفض من رأسه فقال: أنا قتلتك؟ قال: لا واللَّه ولكنّي متّ قال: فعد إلى مضجعك، وانصرفوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>وأما وفاة موسى (﵇)</span>\nفقال ابن إسحاق: كان صفي الله موسى قد كره الموت وأعظمه فلما كرهه أراد الله أن يحبّب إليه الموت ويكره إليه الحياة فالتقى يوشع بن نون وكان يغدو ويروح عليه فيقول له موسى: يا نبي الله ما أحدث الله؟ فيقول له يوشع: يا نبي الله ألم أصحبك كذا وكذا سنة وهل كنت أسألك عن شيء مما أحدث الله إليك حتّى تكون أنت الذي تهتدي به وتذكره ولا تذكر له شيئا؟ فلما رأى ذلك موسى كره الحياة وأحبّ الموت، ثم اختلفوا في صفة موته.\nفروى همام بن منبه عن أبي هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «جاء ملك الموت إلى موسى (﵇) فقال له: أجب ربك، قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها فرجع ملك الموت إلى الله تعالى فقال: إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني، قال: فردّ","vol":"4","page":45},{"text":"الله عينه وقال: إرجع إلى عبدي، فقل له: الحياة تريد فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بعدد كل شعرة من ذلك سنة قال: ثم ماذا، قال: ثم تموت، قال: فألان من قريب قال: يا ربّ أدنني من الأرض المقدسة قدر رمية حجر»، فقال رسول الله ﷺ: «والله لو إني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطور الطريق عند الكثيب الأحمر» «١» [٤٨] .\nقال الثعلبي: سمعت أبا سعيد بن حمدون قال: سمعت أبا حامد المقري قال: سمعت محمد ابن يحيى يقول: قد صحّ هذا من رسول الله ﷺ معنى قصة ملك الموت وموسى لا يردّها إلّا ضال.\nوفي حديث آخر: أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ ملك الموت كان يأتي النّاس عيانا حتّى أتى موسى ليقبضه فلطمه ففقأ عينه فرجع ملك الموت، فجاء بعد ذلك خفية» «٢» [٤٩] .\nوقال السّدي: في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن رسول الله ﷺ: «كان موسى (﵇) يمشي وفتاه يوشع إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر إليها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى. فقال: تقوم الساعة وأنا ملتزم لموسى نبي الله فاستلّ موسى من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع، فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل. وقالوا: أقتلت نبي الله؟ قال: لا والله ما قتلته ولكن استلّ منّي، فلم يصدّقوه وأرادوا قتله، قال: فإذا لم تصدقوني فأخّروني ثلاثة أيام فدعا الله ﷿ فأتى كل رجل ممّن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل وإنا قد رفعناه إلينا فتركوه» «٣» [٥٠] .\nوقال وهب: خرج موسى (﵇) لبعض حاجته فمرّ برهط من الملائكة يحفرون قبرا فعرفهم فأقبل إليهم حتى وقف عليهم فإذا هم يحفرون قبرا لم ير شبيها قط أحسن منه ولم ير مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ قالوا:\nنحفره والله لعبد كريم على ربّه، قال: إنّ لهذا العبد من الله لمنزلة فإني ما رأيت كاليوم مضجعا، فقالت الملائكة: يا صفي الله أتحب أن يكون لك؟ قال: وددت، قالوا: فانزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربك ثم تنفس أسهل تنفس تنفّسته قط، فنزل فاضطجع فيه وتوجّه إلى ربه ثم تنفس فقبض الله روحه ثم سوّت عليه الملائكة «٤» .\nوقيل: إن ملك الموت أتاه فقال له: يا موسى أشربت الخمر؟ قال: لا، فاستكرهه فقبض روحه. وقيل: بل أتاه بتفاحة من الجنّة فشمها فقبض روحه.\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ٦١/ ١٧٨\n. (٢) مسند أحمد: ٢/ ٥٣٣ وتاريخ الطبري: ١/ ٣٠٥\n. (٣) تاريخ الطبري: ١/ ٣٠٤\n. (٤) المصدر السابق: ٣٠٥\n.","vol":"4","page":46},{"text":"ويروى أن يوشع بن نون رآه بعد موته في المنام فقال: كيف وجدت الموت. قال كشاة تسلخ وهي حيّة، وكان عمر موسى (﵇) مائة وعشرون سنة، عشرون سنة منها في ملك إفريدون ومائة في ملك منوچهر «١» فلما انقضت الأربعون سنة مات.\nولما مات موسى بعث الله تعالى إليهم يوشع نبيا فأخبرهم إنه نبي الله وأن الله أمرهم بقتال الجبّارين فصدقوه وبايعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحا ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة أريحا ستة أشهر فلما كان في السابع نفخ في القرون وضجّ الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فدخلوا وقاتلوا الجبّارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم وكانت الغلبة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل يضربونها حتى يقطعونها وكان القتال يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس تغرب ودخل ليلة السبت فخشي أن يعجزوا فقال: اللهم أردد الشمس عليّ فقال للشمس: إنّك في طاعة الله فسأل الشمس أن تقف والقمر أن يقم حتى ينتقم من أدعائه دخول السبت فردت عليه الشمس وزيد له في النهار ساعة حتى قطعهم أجمعين ثمّ أرسل ملوك الأرمانيين بعضهم إلى بعض فكانوا خمسة فجمعوا كلمتهم على يوشع وقومه وهزمت بنو إسرائيل الملوك حتى أهبطوهم إلى هبطة خوران ورماهم الله تعالى بأحجار مبرّد وكان من قبله البرد أكثر مما قبله بنو إسرائيل بالسيف، وهرب الخمسة الملوك فاختفوا في غار فأمرهم يوشع فأخرجوا فقتلهم وصلبهم ثم أنزلهم فطرحهم في ذلك الغار وتتبّع سائر ملوك الشام فاستباح منهم واحدا وثلاثين ملكا حتى غلب على جميع أرض الشام وصارت الشام كلها لبني إسرائيل، وفرق عمّاله في نواحيها ثم جمع الغنائم فلم ينزل النار.\nفأوحى الله تعالى إلى يوشع أنّ فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت. فدخل بينهم بيده، فقال ﷺ: هلمّ لما عندك فأتاه برأس الثور مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غلّه فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأحنث الرجل والقربان «٢» .\nمعمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «غزا نبي من الأنبياء فقال: لقومه لا يتبعني رجل قد ناكح امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما بنى ولا آخر قد بنى بناء له ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشتري غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها. قال: فغزا فدنا للدير حين صلّى العصر أو قريبا من ذلك. فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها عليّ ساعة فحبست له ساعة حتى فتح الله عليه. قال من علمي أنها لم تحبس لأحد قبله ولا بعده.\nثم وضعت الغنيمة فجمعوا فجاءت النار ولم تأكلها فقال: إنّ فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة منكم رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول أنتم غللتم، قال: فأخرجوا مثل\n_________\n(١) في تاريخ الطبري: ١/ ٣٠٦ افريذون، منوشهر\n. (٢) بتفاوت في تاريخ الطبري: ١/ ٣١١ وتاريخ ابن خلدون: ٢/ ٨٧ [.....]\n.","vol":"4","page":47},{"text":"رأس بقرة من ذهب فألقوه في الغنيمة وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلتها» قال النبي ﷺ: «فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا وذلك لأن الله تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا» «١» [٥١] .\nقالوا: ثم مات يوشع (﵇) ودفن في جبل أفرايم وكان عمره مائة وستا وعشرين سنة. وتدبّر أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى سبعا وعشرين سنة.\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ خبر ابْنَيْ آدَمَ وهما هابيل وقابيل، فهابيل في اسمه ثلاث لغات:\nهابيل وهابل وهابن. وقابيل في اسمه خمس لغات: قابيل وقابين وقابل وقبن وقابن إِذْ قَرَّبا قُرْبانًا وكان سبب تقرّبهما القربان على ما ذكره أهل العلم بالقرآن. أن حوّاء كانت تلد لآدم (﵇) توأما في كل بطن غلاما وجارية إلّا شيثا فإنها ولدته مفردا وكان جميع ما ولدته حوّاء أربعين من ذكر وأنثى في عشرين بطنا أولهم قابيل وتوأمته أقليما وآخرهم عبد المغيث مغيت وتوأمته أمة المغيث ثم بارك الله في نسل آدم (﵇) «٢» .\nقال ابن عباس: لم يمت آدم (﵇) حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا بنوذ «٣» .\nورأى آدم (﵇) فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد.\nواختلف العلماء في وقت مولد قابيل وهابيل، وموضع اختلافهما. فقال بعضهم: غشى آدم حوّاء بعد هبوطهما إلى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وتوأمته أقليما في بطن، ثم هابيل وتوأمته في بطن.\nوقال محمد بن إسحاق: عن بعض أهل الكتاب، العلم الأول إنّ آدم كان يغشى حوّاء في\n_________\n(١) صحيح ابن حبان: ١١/ ١٣٨، وشرح صحيح مسلم للنووي: ١٢/ ٥١\n. (٢) فيه تفاوت عمّا في أخبار الزمان للمسعودي: ٧٤\n. (٣) كذا أيضا في تاريخ الطبري: ١/ ١١٤، والطبقات الكبرى: ١/ ٣٩\n.","vol":"4","page":48},{"text":"الجنّة قبل أن يصيب الخطيئة فحملت له فيها بقابيل وتوأمته فلم يجد عليها وحما ولا وصبا ولا يجد عليها طلقا حين ولدتهما ولم تر معهما دما، لطهر الجنّة فلما هبط إلى الأرض واطمأنا بها تغشّاها فحملت بهابيل وتوأمته فوجدت عليهما الوصب والوحم والطلق والدم.\nوكان آدم إذا شبّ أولاده تزوّج غلام هذا البطن جارية البطن الآخر وتزوج بجارية هذا البطن غلام البطن الآخر وكان الرجل منهم يتزوّج أي أخواته يشاء إلّا توأمته التي ولدت معه فإنها لا تحل له، وذلك أنه لم يكن يومئذ نساء إلّا أخواتهم وأمهم حوّاء، فلما ولد قابيل وأقليما، ثم هابيل وتوأمته ليوذا في بطن، وكان بينهما سنتين. في قول الكلبي. وأدركوا أمر الله ﷿ آدم (﵇) أن ينكح قابيل ليوذا أخت هابيل. ونكح هابيل أقليما أخت قابيل، وكانت أخت قابيل من أحسن الناس. فذكر ذلك آدم لولده فرضي هابيل وسخط قابيل، وقال:\nهي أختي ولدت معي في بطن. وهي أحسن من أخت هابيل وأنا أحق بها منه، لأنّها من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض. وأنا أحق بأختي فقال له أبوه: إنها لا تحلّ لك، فأبى أن يقبل ذلك منه وقال إنّ الله لم يأمر بهذا وإنما هو من رأيه. فقال لهما آدم: فقرّبا قربانا فأيكما يقبل قربانه فهو أحق بها.\nوقال معاوية بن عمار: سألت الصادق عليه سلام الله عن آدم (﵇) أكان زوّج ابنته من ابنه، فقال: معاذ الله والله لو فعل ذلك آدم ما رغب عنه رسول الله ﷺ. وما كان دين آدم إلّا دين رسول الله ﷺ إنّ الله تبارك تعالى لما نزل آدم وحواء إلى الأرض وجمع بينهما ولدت حوّاء بنتا وسمّاها ليوذا فبغت وهي أوّل من بغت على وجه الأرض فسلّط الله عليها من قتلها فولدت لآدم على أثرها قابيل، ثم ولد له هابيل، فلما أدرك قابيل أظهر الله جنية من ولد الجان يقال لها جهانة في صورة إنسية وأوحى الله تعالى إلى آدم (﵇) أن زوجها من قابيل فزوجها منه فلما أدرك هابيل أهبط الله تعالى حوراء إلى آدم (﵇) في صورة إنسية وخلق لها رحما وكان اسمها نزلة، فلما نظر إليها قابيل ومقها، وأوحى الله تعالى إلى آدم (﵇) أن زوّج نزلة من هابيل، ففعل ذلك، فقال قابيل له: ألست أكبر من أخي وأحق بما فعلت به منه. فقال له آدم: يا بني إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ. فقال: لا ولكنّك آثرته عليّ بهواك. فقال له آدم: إن كنت تريد أن تعلم ذلك فقرّبا قربانا فأيكما تقبل قربانه فهو أولى بالفضل من صاحبه «١» .\nقالوا: وكانت القرابين إذا كانت مقبولة نزلت نار من السماء فأكلتها. وإذا لم تكن مقبولة لم تنزل النار وأكلتها الطير والسباع، فخرجا ليقرّبا وكان قابيل صاحب زرع وقرّب حبرة من طعام من أردى زرع وأضمر في نفسه: ما أبالى أيقبل منى أم لا لأتزوج أختي أبدا، وكان هابيل راعيا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٤\n.","vol":"4","page":49},{"text":"صاحب ماشية فقرّب حملا سمينا من بين غنمه ولبنا وزبدا وأضمر في نفسه الرضا لله ﷿.\nوقال إسماعيل بن رافع: بلغني أنّ هابيل أمنح له غنمه وكان في حملتها حمل فأحبه حتى لم يكن له مال أعظم له منه وكان يحمله على ظهره فلما أمر بالقربان قرّبه، قال: فوضعا قربانيهما على الجبل، ثم دعا آدم (﵇) فنزلت نار من السماء وأكلت الحمل والزبد واللبن، ولم تأكل من قربان قابيل حبّا، لأنه لم يكن زاكي القلب. وقبل قربان هابيل لأنه كان زاكي القلب.\nفما زال يرتع في الجنة حتى فدى به ابن إبراهيم فذلك قوله ﷿ فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ فنزلوا عن الجبل وعرفوا وغضب قابيل لمّا ردّ الله قربانه وظهر فيه الحسد والبغي وكان يضمر ذلك من نفسه، إلى أن أتى آدم مكّة ليزور البيت فلمّا أراد أن يأتي مكّة قال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال ذلك للأرض فأبت، وللجبال فأبت، فقال: ذلك لقابيل فقبل منه وقال: نعم ترجع وترى ولدك كما يسرّك، فرجع آدم وقد قتل قابيل أخاه وفي ذلك قوله إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ «١» يعني قابيل إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا حين حمل أمانة أبيه ثم خانه. قالوا:\nفلمّا غاب آدم أتى قابيل وهابيل وهو في غزة قال: لأقتلك. قال: ولم؟ قال: لأن الله قبل قربانك، وردّ عليّ قرباني وتنكح أختي الحسناء، وأنكح أختك الدميمة وتحدث الناس إنّك خير منّي وأفضل ويفتخر ولدك على ولدي، فقال له هابيل: وما ذنبي قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ.\nقال عبد الله بن عمر: أيم الله إن كان المقتول لأشدّ الرجلين ولكن منعه التحرّج أن يبسط إلى أخيه يده.\nوقال مجاهد: كتب عليهم في ذلك الوقت، إذا أراد رجل قتل رجل أن يتركه ولا يمتنع منه إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ يعني بإثم قتلي إلى إثمك الذي عملته قبل قتلي، هذا قول عامة المفسرين.\nوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: معناه إني أريد أن يكون عليك خطيئتي التي عملتها أنا إذا قتلتني وإثمك فتبوء بخطيئتي ودمي جميعا فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ وفي هذا دليل على إنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ أي طاوعته وبايعته في قَتْلَ أَخِيهِ.\nوقال مجاهد: شجعت. قتادة: زيّنت. فَقَتَلَهُ.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٧٢\n.","vol":"4","page":50},{"text":"قال السدّي: فلما أراد قتل هابيل راغ الغلام في رؤوس الجبال. ثم أتاه يوما من الأيام [وهو يرعى غنما له وهو نائم] فرفع صخرة فشدخ بها رأسه فمات.\nوقال ابن جريح: لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل، فتمثل له إبليس وأخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ثم شدخ رأسه بحجر آخر وقابيل ينظر فعلّمه القتل، فوضع قابيل رأس أخيه بين حجرين. وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة فاختلفوا في مصرعه وموضع قتله.\nقال ابن عباس: على جبل نود، وقال بعضهم: عند عقبة حرّا.\nحكى محمد بن جرير،\nوقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم.\nفلما قتله بالعراء لم يدر ما يصنع به، لأنه كان أوّل ميّت على وجه الأرض من بني آدم فقصده السباع، فحمله في جراب على ظهره سنة حتى أروح وعلقت به الطير والسباع تنظر متى يرمي به فتأكله. فَبَعَثَ اللَّهُ غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله عليه حتى مكّن له ثم ألقاه في الحفيرة وواراه. وقابيل ينظر إليه فلما رأى ذلك قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي أي جيفته وفيه دليل على أن الميت كلّه عورة فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على حمله لا على قتله، وقيل: على موت أخيه لا على ركوب الذنب.\nيدل عليه ما أخبر الأوزاعي عن المطلب بن عبد الله المخزومي قال: لما قتل ابن آدم أخاه رجفت الأرض بما عليها سبعة أيام ثم شربت الأرض دمه كما يشرب الماء، فناداه الله: أين أخوك هابيل؟ قال: ما أدري، ما كنت عليه رقيبا، فقال الله ﷿: إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض فلم قتلت أخاك؟ فأين دمه إن كنت قتلته؟ ومنع الله ﷿ على الأرض يومئذ أن تشرب دما بعدها أبدا.\nمقاتل بن الضحّاك عن ابن عباس قال: لما قتل قابيل هابيل وآدم بمكّة اشتال الشجر وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه: وأمرّ الماء واغبرّت الأرض.\nفقال آدم (﵇): قد حدث في الأرض حدث فأتى الهند فإذا بقابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول، وهو أوّل من قال الشعر:\nتغيرت البلاد ومن عليها ... ووجه «١» الأرض مغبر قبيح\nتغير كل ذي لون وطعم ... وقلّ بشاشة الوجه الصبيح «٢»\nوروى ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: من قال إن آدم قال شعرا فقد كذب على الله\n_________\n(١) في الطبري: فلون\n. (٢) جامع البيان: ٦/ ٢٥٨، وفي تاريخ الطبري: ١/ ٩٨ المليح\n.","vol":"4","page":51},{"text":"ورسوله ورمى آدم بالمآثم، إنّ محمدا ﷺ والأنبياء كلهم صلوات الله عليهم في النهي عن الشعر سواء، قال الله تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ ولكن لما قتل قابيل هابيل رثاه آدم وهو سرياني، وإنما يقول الشعر من تكلّم بالعربية فلمّا قال آدم مرثية في ابنه هابيل، وهو أوّل شهيد كان على وجه الأرض. قال آدم لابنه شيث: - وهو أكبر ولده ووصيّه-: يا بني إنّك وصيي، احفظ هذا الكلام ليتوارث فلم يزل يقل حتى وصل إلى يعرب بن قحطان وكان يتكلم بالعربية والسريانية وهو أول من خط بالعربية، وكان يقول الشعر فنظر في المرثية فإذا هو سجع، فقال إن هذا ليقوّم شعرا فردّ المقدم إلى آخره والمؤخر إلى المقدم فوزنه شعرا وما زاد فيه ولا نقص حرفا من ذلك قال:\nتغيّرت البلاد ومن عليها ... ووجه الأرض مغبّر قبيح\nتغير كل ذي طعم ولون ... وقلّ بشاشة الوجه الصبيح\nوقابيل أذاق الموت هابيل ... فوا حزني لقد فقد المليح\nومالي لا أجود بسكب دمع ... وهابيل تضمّنه الضريح\nبقتل ابن النبي بغير جرم ... قلبي عند قلبه جريح\nأرى طول الحياة عليّ غمّا ... وهل أنا من حياتي مستريح\nفجاورنا عدوّا ليس يفنى ... عدوما يموت فنستريح\nدع الشكوى فقد هلكا جميعا ... بهالك ليس بالثمن الربيح\nوما يغني البكاء عن البواكي ... إذا ما المرء غيّب في الضريح\nفبكّ النفس منك ودع هواها ... فلست مخلدا بعد الذبيح\nفأجابه إبليس في جوف الليل شامتا:\nتنحّ عن البلاد وساكنيها ... فتى في الخلد ضاق بك الفسيح\nفكنت بها وزوجك في رخاء ... وقلبك من أذى الدنيا مريح\nفما انفكت مكايدي ومكري ... إلى أن فاتك الخلد الرّبيح\nفلولا رحمة الجبّار أضحى ... بكفك من جنان الخلد ريح «١»\nوقال سالم بن أبي الجعد: لما قتل هابيل مكث آدم (﵇) مائة سنة لا أكثر. ثم أتى فقيل: حيّاك الله وبياك أي ضحّكك، ولما مضى من عمر آدم مائة وثلاثون سنة وذلك بعد قتل هابيل بخمس سنين ولدت له حوّاء شيثا وتفسيره: هبة الله، يعني إنه خلف من هابيل،\n_________\n(١) تاريخ بغداد بتفاوت: ٥/ ٣٣٦ ترجمة رقم: ٢٨٦٨\n.","vol":"4","page":52},{"text":"وعلّمه الله تعالى ساعات الليل والنهار وأعلمه عبادة الخلق في كل ساعة منها وأنزل عليه هبة الله وصار وصي آدم ﵉ وولي عهده، وأما قابيل فقيل له: اذهب طريدا شريدا فزعا مرهوبا لا يأمن من يراه فأخذ بيد أخته هبة الله ذهب بها إلى عدن من أرض اليمن، فأتاه إبليس، فقال له: إنما أكلت النار قربان هابيل لأنه كان يعبد النّار ويخدمها فانصب أنت نارا يكون لك ولعقبك فنصب نارا وهو أوّل من نصب نارا وعبدها.\nقالوا: كان لا يمرّ به أحدا من ولده إلّا رماه، فأقبل ابن لقابيل أعمى ومعه ابن له فقال الأعمى: إنّ هذا أبوك قابيل فرمى الأعمى ابن قابيل فقتله. فقال ابن الأعمى: قتلت أباك. فرفع يده فلطم ابنه فمات قال الأعمى: ويل لي قتلت أبي برميتي وقتلت ابني بلطمتي.\nقال مجاهد: فعلقت إحدى رجل قابيل إلى فخذه وساقه وعلقت يومئذ إلى يوم القيامة، ووجهه إلى الشمس حيث أدارت عليه بالصيف حظيرة من نار وفي الشتاء حظيرة من ثلج، قالوا:\nواتّخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع والطنبور، والمزامير، والعيدان، والطنابر، وانهمكوا في اللهو وشرب الخمر وعبادة النار والزنا والفواحش حتى طوّفهم الله ﷿ بالطوفان أيام نوح (﵇) وبقي نسل شيث.\nقال عبد الله بن عمر: إنا لنجد ابن آدم القاتل يقاسم أهل النار العذاب قسمة صحيحة العذاب عليه شطر عذابهم.\nالأعمش عن عبد الله بن مرّة عن مسروق بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «لا تقتل نفس مسلمة ظلما إلّا كان على ابن آدم [الأوّل] كفل من دمه، لأنه أوّل من سنّ القتل» [٥٢] .\nمسلم بن عبد الله عن سعيد بن صور عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ عن يوم الثلاثاء فقال: «يوم دم» قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «فيه حاضت حوّاء وقتل ابن آدم أخوه» «١» [٥٣] .\nوعن يحيى بن زهدم قال: حدّثني أبي عن أبيه عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «امتن الله ﷿ على ابن آدم بثلاث بعد ثلاث، بالريح بعد الروح فلولا إن الريح يقع بعد الروح ما دفن حميم حميما، وبالدودة في الحبة فلولا أن الدودة تقع في الحبة لأكنزها الملوك وكانت حبا «٢» من الدنانير والدراهم. وبالموت بعد الكبر، فإن الرجل ليكبر حتى يمل نفسه ويملّه أهله وولده وأقرباؤه فكان الموت أيسر له» «٣» [٥٤] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٠\n. (٢) في المصدر: خيرا لهم\n. (٣) تفسير القرطبي: ٦/ ١٤٢\n.","vol":"4","page":53},{"text":"مِنْ أَجْلِ ذلِكَ يعني من جرّاء ذلك القاتل ووحشيّته، يقال: أجل فلان يأجل أجلا، مثل أخذ يأخذ أخذا.\nقال الشاعر» .\nوأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أنا آجله «٢»\nكَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ قتله فسادا منه أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ يعني قوله إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا.\nمجاهد: اختلف الناس بينهما فقال ابن عباس: في رواية عكرمة وعطية: من قتل نبيا وإماما عادلا فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ومن عمل على عضد نبي أو إمام عادل فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.\nمجاهد: مَنْ قَتَلَ نَفْسًا محرّمة يصلى النار بقتلها كما يصلاها لو قتل الناس جميعا، وَمَنْ أَحْياها من سلّم من قتلها فقد سلّم من الناس جميعا «٣» .\nالسدّي: مَنْ قَتَلَ ... فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا عند المقتول في الإثم وَمَنْ أَحْياها واستنقذها من هلكة من غرق أو حرق أو هدم أو غير ذلك فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا عند المستنقذ.\nالحسن وابن زيد: فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا يعني إنه يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي نوى بقلبه لو كان قتل الناس جميعا وَمَنْ أَحْياها من عفا عمّن وجب له القصاص منه فلم يقتله فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا.\nقتادة والضحّاك، عظم الله قتلها أو عظم وزرها فمعناها من أستحل قتل مسلم بغير حقه فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا لأنهم لا يسلمون منه. وَمَنْ أَحْياها فحرمها وتورع من قتلها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا لسلامتهم منه.\nوقال سليمان بن علي الربعي: قلت للحسن: يا أبا سعيد هي لنا كما كانت لبني إسرائيل، قال: أي والذي لا إله غيره لإن دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا.\nوَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ.\nروى محمد بن الفضل عن الزيات بن عمرو عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من\n_________\n(١) الشاعر هو: خوات بن جبير\n. (٢) الصحاح: ٤/ ١٦٢١\n. (٣) تفسير الطبري: ٦/ ٢٧٣ [.....]\n.","vol":"4","page":54},{"text":"سقى مؤمنا ماء على [ظمأ] «١» فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقى في غير موطنها فكأنما أحيا نفسا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا» «٢» [٥٥]\n. إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الآية.\nقال الضحاك: نزلت في قوم من أهل الكتاب، كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد فنقضوا العهد وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض.\nالكلبي: نزلت في قوم هلال بن عويمر وذلك أن رسول الله ﷺ وادع هلال بن عويمر وهو أبو بردة الأسلمي على أن لا يعينه ولا يعين عليه ومن أتاه من المسلمين لم يهجّ.\nقال: فمرّ قوم من بني كنانة يريدون الإسلام. بناس من قوم هلال ولم يكن هلال يومئذ شاهدا فانهدّوا إليهم فقتلوهم وأخذوا أموالهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فنزل جبرئيل (﵇) بالقضية فيهم.\nوقال سعيد بن جبير: نزلت في ناس من عرينة وغطفان أتوا رسول الله ﷺ وبايعوه على الإسلام وهم كذبة وليس الإسلام يريدون. ثم قالوا: إنا نجتوي المدينة لأن أجوافنا انتفخت، وألواننا قد اصفرّت فقال النبي ﷺ: «أخرجوا إلى لقاحنا واشربوا أبوالها وألبانها» «٣» [٥٦] فذهبوا وقتلوا الرعاة واستاقوا الإبل. وارتدّوا عن الإسلام فنودي في الناس: يا خيل الله اركبي فركبوا لا ينتظر فارس فارسا فخرجوا في طلبهم فجيء بهم. فأمر رسول الله ﷺ بقطع أيديهم\n_________\n(١) في المصدر: مؤمنا شربة من الماء والماء موجود\n. (٢) ذكر أخبار أصبهان: ١/ ١٩٧\n. (٣) انظر المصنّف: ٥/ ٤٥٦، ومسند أبي يعلى: ٦/ ٢٢٥. وجامع البيان: ٦/ ٢٨١. ٢٨٣\n.","vol":"4","page":55},{"text":"وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرّ حتى ماتوا\n، ثم اختلفوا في حكم الآيتين. فقال بعضهم:\nهي منسوخة لأن المثلة لا تجوز وشرب بول الإبل لا يجوز.\nوقال آخرون: حكمة ثابت إلّا السمل والمثلة. قال الليث بن سعد: نزلت هذه الآية معاتبة لرسول الله ﷺ وتعليما منه إيّاه عقوبتهم فقال: «إنما جزاؤهم هذا» أي المثلة [٥٧] .\nولذلك ما قام رسول الله ﷺ خطيبا إلّا نهى عن المثلة، واختلفوا في المحارب الذي يستحق هذا الحد.\nفقال بعضهم: واللص الذي يقطع الطريق والمكابر في الأمصار والذي يحمل السلاح على المسلمين ويقصدهم في أي موضع كان حتى كان بالغيلة. وهو الرجل يخدع الرجل والمرأة والصبي فيدخله بيتا ويخونوا به فيقتله ويأخذ أمواله وهذا قول الأوزاعي ومالك والليث بن سعد وعبد اللَّه بن لهيعة والشافعي. وقال بعضهم: فهو قاطع الطريق، وأما المكابر فليس بالمحارب وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا بالفساد أي بالزنا والقتل إهلاك الحرث والنسل أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا اختلفوا في حكم الآية.\nفقال قوم: الإمام فيهم بالخيار فأي شيء من هذه الأشياء شاء فعل. وهو قول الحسن وسعد بن المسيب والنخعي ومجاهد ورواية الوالبي عن ابن عباس.\nواحتجّوا بقوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ «١» وبقوله تعالى في كفّارة اليمين فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ «٢» الآية.\nوقال آخرون: هذا حكم مختلف باختلاف الجناية، فإن قتل قتل، وإن قتل وأخذ المال قتل وصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطع، وإن أخاف السبيل ولم يقتل وأخذ المال نفي.\nوهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، والسدّي، والنخعي والربيع. ورواية العوفي عن ابن عباس.\nفاختلف العلماء في معنى النفي، فقال ابن عباس: هو حكم من أعجز فإذا أعجزك أن تدركه وخرج من لقيه، قتله.\nوقال آخرون: والمقبوض عليه ثم اختلفوا في معناه، فقال طائفة: هو أن ينفى من بلدته إلى بلدة أخرى غيرها وهو قول سعيد بن جبير، وعمر بن عبد العزيز. وإليه ذهب الشافعي.\nوقال الآخرون والحسن، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال محمد بن الحسن: هو نفيه من\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٩٦\n. (٢) سورة المائدة: ٨٩\n.","vol":"4","page":56},{"text":"بلده إلى غيره وحبسه في السجن في البلد الذي نفي إليه حتى يظهر توبته وهو المختار يدل عليه ما روى ابن وهب عن أبي صيعة عن يزيد بن أبي حبيب، أن حبان بن شريح كتب إلى عمر بن عبد العزيز: إن ناسا من القبط قامت عليهم البيّنة بأنهم حاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادا وأن الله يقول إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ إلى قوله مِنْ خِلافٍ. وسكت عن النفي فإن رأى أمير المؤمنين أن يمضي قضاء الله فيهم فليكتب بذلك فلمّا قرأ عمر كتابه، قال:\nلقد اجترأ حبّان، ثم كتب: إنه بلغني كتابك وفهمت ولقد اجترأت حين كتبت بأوّل الآية وسكتّ عن آخرها تريد أن تجترئ للقتل والصلب فإنك عبد بني عقيل يعني الحجاج فإن الله يقول أَوْ يُنْفَوْا آخر الآية، فإن كانت قامت عليهم البيّنة فاعقد في أعناقهم حديدا فأنفهم إلى شعب وبدا وأصل النفي الطرد.\nوقال أوس بن حجر:\nينفون عن طرق الكرام كما ... ينفى المطارق ما يلي القردا «١» .\nأي ما يليه القرد وهو الصوف الرديء. ومنه قيل: الدراهم الرديئة نفاية ولما تطاير من الماء عن الدلو نفي.\nقال الراجز:\nكأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصفي «٢»\nذلِكَ الذي ذكرتم من الحد لَهُمْ خِزْيٌ عذاب وهوان فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ثم قال إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ.\nقال أكثر العلماء: إلّا الذين تابوا من شركهم وحربهم وفسادهم وآمنوا وأصلحوا من قبل القدرة عليهم فإنه لا سبيل عليهم بشيء من الحدود التي ذكرها الله في هذه والآية لأحد قبله فيما أصاب في حال كفره لا في مال ولا في دم ولا حرمة، هذا حكم المشركين والمحاربين.\nفأما المسلمون المحاربون فاختلفوا فيهم.\nفقال بعضهم: سقط عنه بتوبته من قبل أن يقدر عليه حدّ الله ولا يسقط عنه بها حقوق بني آدم وهو قول الشافعي.\nوقال بعضهم: يسقط عنهم جميع ذلك ولا يؤخذ شيء من أمواله الّا أن يوجد عنده مال بعينه فيرده إلى صاحبه ويطلبه وليّ دم بدم يقوم عليه البينة فيه فيقاد به، وأما الدماء والأموال التي\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٢٩٨\n. (٢) لسان العرب: ٨/ ٤٠٤ وتفسير الطبري: ٢/ ٥٩\n.","vol":"4","page":57},{"text":"أصابها ولم يطلبها أولياؤه فلا يتبعه الإمام، على هذا قول مالك، والأوزاعي والليث بن سعد.\nوقال بعضهم: إذا استأمن من وصايانا من قبل أن يقدم عليه قبل الله توبته ولا يؤخذ بشيء من جناياته التي سلفت فلا يكون لأحد قبله معه في دم ولا مال.\nوهذا قول السدّي يدل عليه.\nوروى الشعبي أنّ حارثة بن يزيد خرج محاربا في عهد علي ابن أبي طالب (﵁) فأخاف السبل وسفك الدّماء وأخذ الأموال ثم جاء تائبا من قبل أن يقدر عليه فأتى الحسن بن علي بن أبي طالب (﵁) فطلب إليه أن يستأمن له فأتى ابن جعفر فأتى عليه فأتى سعيد بن قيس الهمدالي فقبّله وضمّه إليه فلمّا صلّى علي (﵁) الغداة أتاه سعيد بن قيس. فقال: يا أمير المؤمنين ما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟\nقال: أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ قال: ما تقول فيمن تاب قبل أن تقدر عليه فقال أقول: كما قال الله ﷿ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ الآية.\nفقال سعيد: وإن كان حارثة بن بدر، قال: نعم فجاء إليه فبايعه وآمنه وكتب له أمانا منشورا.\nفقال حارثة:\nألا أبلغا همدان إما لقيتها ... على النأي لا يسلم عدو يعيبها\nلعمر أبيها إن همدان تتقي الإله ... ويقضي بالكتاب خطيبها «١»\nقال الشعبي: جاء رجل من مراد إلى أبي موسى وهو على الكوفة في أمارة عثمان بن عفّان (﵁) بعد ما صلّى المكتوبة فقال: يا أبا موسى هذا مقام العائذ بك أنا فلان بن فلان المهدي وأني كنت حاربت الله ورسوله وسعيت في الأرض وإني تبت من قبل أن يقدر عليّ، فقام أبو موسى فقال: إن هذا فلان بن فلان وإنه كان يحارب الله ورسوله وسعى في الأرض بفساد فإنه تاب من قبل أن يقدر عليه فمن لقيه فلا يعرضن إلّا بخير فإن يك صادقا فسبيله سبيل من صدق. وإن يك كاذبا تدركه ذنوبه، فأقام الرجل فاستأذن وإنه خرج فأدركه الله بذنوبه فقتله.\nوروى الليث بن سعيد عن محمد بن إسحاق أن عليا الأسدي حارب وأخاف السبيل وأصاب الدم والمال فطلبته الأئمّة والعامّة فامتنع ولم يقدر عليه حتى جاء تائبا وذلك أنّه سمع رجلا يقرأ هذه الآية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا «٢» الآية فوقف عليه، فقال: يا عبد الله أعد فأعادها عليه فغمد سيفه ثم جاء تائبا حتى قدم المدينة من السحر ثم اغتسل وأتى مسجد رسول\n_________\n(١) جامع البيان: ٦/ ٣٠٢\n. (٢) سورة الزمر: ٥٣\n.","vol":"4","page":58},{"text":"الله ﷺ فصلّى الصبح ثم مضى إلى أبي هريرة وهو في غمار أصحابه فلما استغفر عرفه الناس فقاموا إليه، فقال: لا سبيل لكم عليّ جئت تائبا من قبل أن تقدروا عليّ.\nفقال أبو هريرة: صدق، وأخذ بيده حتى أتى مروان بن الحكم في إمرته على المدينة في زمن معاوية، فقال: هذا عليّ جاء تائبا ولا سبيل لكم عليه فترك، وخرج عليّ تائبا مجاهدا في سبيل الله في البحر فلقوا الروم فقربوا سفينة إلى سفينته من سفنهم فاقتحم على الروم في سفينتهم فهربوا إلى شقها الآخر فمالت ثم أوقعهم فغرقوا جميعا «١» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ واطلبوا إليه القربة وهي [في الأصل ما يتوصّل به إلى الشيء ويتقرّب به، يقال: وسل إليه وسيلة وتوسّل] «٢»، وجمعها وسائل.\nقال الشاعر:\nإذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل «٣»\nقال عطاء: الوسيلة أفضل درجات الجنة.\nوقال رسول الله ﷺ: «الوسيلة أفضل درجات الجنة»\n«٤» [٥٨] .\nوقال رسول الله ﷺ: «سلوا الله لي الوسيلة فإنها أفضل درجة في الجنة لا ينالها إلّا عبد واحد وأرجوا أن أكون أنا هو» «٥» [٥٩] .\nوروى سعيد بن طريف عن الأصمعي عن علي بن أبي طالب (﵇) قال: «في الجنة لؤلؤتان إلى بطنان العرش إحداهما بيضاء والأخرى صفراء في كل واحد منهما سبعون ألف غرفة أبوابها وأكوابها من عرق واحد فالبيضاء. واسمها الوسيلة. لمحمد (﵌) وأهل بيته والصفراء لإبراهيم (﵇) وأهل بيته» [٦٠] «٦» .\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ\nروى أنس عن النبي ﷺ قال: «يقال للكافر يوم القيامة:\nأرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهب تفتدى به فيقول: نعم، فيقال: قد سألت أيسر من ذلك» «٧»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٣٠٤\n. (٢) مستدرك عن تحفة الأحوذي: ١٠/ ٥٧\n. (٣) جامع البيان: ٦/ ٣٠٨\n. (٤) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٣٢٧\n. (٥) مسند أحمد: ٢/ ١٦٢ بتفاوت وتفسير مجمع البيان: ٣/ ٣٢٧ [.....]\n. (٦) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٦\n. (٧) مسند أحمد: ٣/ ٢٩١\n.","vol":"4","page":59},{"text":"يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ قرأه العامة بفتح الياء كقوله وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ قائم.\nوقرأ أبو واقدة، والجرّاح يُخْرَجُوا بضمّ الياء كقوله رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها وما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما الآية. نزلت في طعمة بن الأبرق سارق الدرع وقد مرّت قصته في سورة النساء.\nوالسبب في وجه رفعهما. فقال بعضهم: هو رفع بالابتداء، وخبره فيما بعد. وقال بعضهم: هو على معنى الجزاء، تقديره من سرق فاقطعوا أيديهما الآية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. ولو أراد سارقا وزانيا بعينهما لكان وجه الكلام النصب.\nوقال الأخفش: هو الرفع على الخبر وابتداء مضمر كأنه قال: مما يقص عليك ويوحى إليك وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما.\nوقال أبو عبيدة: هو رفع على لغة [...] من رفع [...] «١» فيقول: الصيد [غارمه]، والهلال فانظر إليه، يعني أمكنك الصيد غارمه، وطلع الهلال فانظر إليه.\nوقرأ عيسى بن عمرو: وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ منصوبين على إضمار اقطعوا السارق والسارقة.\nودليل الرفع قراءة عبد الله، والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم ومستثنا في هذا السارق الذي عناه الله ﷿ بقطع يده وفي القدر الذي يقطع به يد السارق.\nفقال قوم: يقطع إذا سرق عشر دراهم فصاعدا، ولا يقطع فيما دون ذلك.\nوإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه واحتجوا بما روى عطاء ومجاهد عن أيمن بن أم أيمن قال: يقطع السارق في ثمن المجن وكان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ دينارا أو عشرة دراهم.\nوروى أيّوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم.\nوروى عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء قال: أدنى قيمة عن المجن هو ثمن المجن عشرة دراهم.\nقال سليمان بن يسار: لا يقطع الخمس إلّا بالخمس.\nواستدل بما\nروى سفيان عن عبد الله أن النبي ﷺ: قطع في قيمة خمسة دراهم [٦٢] .\nوروى سفيان عن عيسى عن الشعبي عن عبد الله أنّ النبي ﷺ قطع في خمسة دراهم.\n_________\n(١) كلام غير مقروء\n.","vol":"4","page":60},{"text":"وروى شعبة عن داود بن [فراهج] قال: سمعت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري قالا: تقطع الكف في أربعة دراهم فصاعدا، ولا تقطع في ثلاثة دراهم فصاعدا.\nواحتج بما\nروى عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قطع سارقا في مجن ثمنه ثلاثة دراهم\nفقال: بعضهم يقطع في ربع دينار فصاعدا، وهو قول الأوزاعي، والشافعي وإسحاق الحنظلي وأبو ثور. واحتجوا بما\nروى سفيان عن الزهري عن حمزة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يقطع في ربع دينار فصاعدا» «١» [٦٣] .\nوروى أبو بكر بن محمد عن عمر عن عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ قال: «لا تقطع يد السارق إلّا في ربع دينار فصاعدا» «٢» [٦٤] .\nوقال بعضهم: يقطع سارق القليل والكثير، ولو سرق دانق، وهو قول ابن عباس، قال:\nلأن الآية عامّة ليس خاصّة.\nوقول الزبير: يروى أنه يقطع في درهم وحجّة هذا المذهب ما\nروى عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده» «٣» [٦٥] .\nوروى ثوبان أنّ النبي ﷺ أتي بسارق سرق شملة قال: أسرقت؟ ما أخالك سرقت؟ قال:\nنعم. قال: اذهبوا به فاقطعوه. ثم اتوني به، ففعل فقال: «ويحك تب إلى الله» «٤» [٦٦] .\nفقال: اللهم تب عليه\n، ثم اختلفوا في كيفيّة القطع:\nفقال عمرو بن دينار: كان النبي ﷺ يقطع اليد من الكوع وكان يقطع من المفصل وكان علي يقطع الكف من الأصابع والرجل من شطر القدم.\nفإذا قطع ثم عاد إلى السرقة فهل يقطع أم لا؟ قال أهل الكوفة: لا تقطع واحتجّوا\nبحديث عبد خير، قال: أتى علي سارق فقطع يده ثم أتى وقطع رجله ثم أتى فضربه وحبسه وقال: إني لأستحي أن لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها.\nوقال أهل الحجاز: يقطع، وكان قد احتجوا في ذلك بقوله تعالى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما على الإجماع.\nويروي حماد بن سلمة عن يوسف بن سعد عن الحرث بن حاطب أن رسول الله ﷺ أتي بلصّ فقال: «اقتلوه» فقال: يا رسول الله إنما سرق، قال: «اقتلوه» قالوا: يا رسول الله إنما\n_________\n(١) سنن أبي داود: ٢/ ٣٣٥\n. (٢) صحيح مسلم: ٥/ ١١٢\n. (٣) صحيح مسلم: ٥/ ١١٣، ومسند أحمد: ٢/ ٢٥٣\n. (٤) مجمع الزوائد: ٦/ ٢٤٨\n.","vol":"4","page":61},{"text":"سرق، قال: «اقطعوا يده» «١» [٦٧] . قال: ثم سرق فقطعت رجله ثم سرق على عهد أبي بكر حتى قطعت قوائمه كلها ثم سرق أيضا الخامسة فقال أبو بكر: كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال اقتلوه، ثم دفعوه إلى قبيلة من قريش ليقتلوه في عهد عبد الله بن الزبير وكان يحب الإمارة فقال: أمّروني عليكم فأمّروا عليه فكان إذا ضرب ضربوا حتى قتلوه\n، ثم إذا قطع السارق فهل يغرم السرقة أم لا؟ فقال سفيان وأهل الكوفة: إذا قطع السارق فلا يغرم عليه إلّا أن يعيد المسروق فيعيدها إلى صاحبها.\nوروى المسوّر بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله ﷺ قال: «لا يغرم صاحب السرقة إذا أقيم عليه الحد»\n«٢» [٦٨] قيل: هذا حديث مرسل أنس بن ثابت، وقال الزهري ومالك: إذا كان السارق موسرا غرّم.\nوقال الشافعي: ثم يغرّم قيمة السرقة معسرا كان أو موسرا.\nجَزاءً بِما كَسَبا. نصب جزاء على الحال والقطع قاله الكسائي. وقال قطرب: على المصدر ومثله نَكالًا أي عقوبة مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.\nعن جعفر بن محمد قال: سمعت أبي يقول: ما سرق سارق سرقة إلّا نقص من رزقه المكتوب له\nفَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ أي سرقته، نظيره في سورة يوسف كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ «٣» أي السارقين وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ هذا ما بينه وبين الله تعالى فأما القطع فواجب. يدل عليه ما\nروى يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحنبلي عن عبد الله بن عمرو:\nإنّ امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ فجاء بها الذين سرقتهم. فقالوا: يا رسول الله إن هذه المرأة سرقتنا، قال قومها: فنحن نفديها بخمس مائة دينار، فقال رسول الله: «اقطعوا يدها» فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة هل لي من توبة؟.\nقال: «نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك» «٤» [٦٩] . فأنزل الله في سورة المائدة فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ الآية.\nمعمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها فأتى أهلها أسامة فكلمته وكلم أسامة النبي ﷺ فيها فقال له النبي: «يا أسامة لا أزال تكلمني «٥» في حدّ من حدود الله» ثم قام النبي ﷺ خطيبا فقال: «إنما هلك من\n_________\n(١) سنن النسائي: ٨/ ٨٩\n. (٢) سنن النسائي: ٨/ ٩٣\n. (٣) سورة يوسف: ٧٥\n. (٤) مسند أحمد: ٢/ ١٧٧\n. (٥) في المصدر: أتشفّع في حد\n.","vol":"4","page":62},{"text":"كان قبلكم بأنه إذا سرق فيه الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطّعوه والذي نفسي بيده لو كانت فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» «١» [٧٠] .\nقال: فقطع يد المخزومية\n، وكان الشعبي وعطاء يقولان: إذا ردّ السرقة قبل أن يقدر عليه لم يقطع لقوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ الآية أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ.\nقال السدّي والكلبي: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ منهم من مات على كفره وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ من تاب من كفره.\nوقال الضحّاك: يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ على الصغير إذا قام عليه وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ على الكبير إذا نزع عنه وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ وقرأ السلمي يسارعون في الكفر أي في هؤلاء الكفار ومظاهرتهم فلم يعجزوا الله مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وهم المنافقون نظيره، قوله لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ «٢» وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ يعني قوّالين به يعني بني قريضة سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ يعني يهود خيبر وذلك عين ما قاله أهل التفسير وذلك\nأن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا، واسم المرأة بسرة وكانت خيبر حربا لرسول الله ﷺ وكان الزانيان محصنين، وكان حدّهما الرّجم في التوراة فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما فقالوا: إن هذا الرجل النبي بيثرب ليس في كتابه الرّجم ولكنه الضرب فأرسلوا إلى إخوانكم بني قريضة فإنهم صلح له وجيرانه، فليسألوه، فبعثوا رهطا منهم مستخفين. فقالوا لهم: سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا أحدهما فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه\n_________\n(١) سنن الدارمي: ٢/ ١٧٣\n. (٢) سورة الحجرات: ١٤ [.....]\n.","vol":"4","page":63},{"text":"وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه وأرسلوا الزانين معهم فقدم الرهط حتى نزلوا على قريظة والنضير. فقال لهم: إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده، وقد حدث فينا حدث زنيا وقد أحصنا فيجب أن تسألوا لنا محمدا عن قضائه، فقال لهم بنو قريظة والنضير: إذا والله يأمركم بما تكرهون من ذلك ثم انطلق قوم منهم كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد وسعد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وعباس بن قيس وأبو نافع وأبو يوسف وعازار وسلول إلى رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما وكيف تجد في كتابك؟ فقال لهم رسول الله ﷺ: «وهل ترضون قضائي في ذلك؟» .\nقالوا: نعم، فنزل جبرئيل بالرجم فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به، فقال له جبرئيل:\nاجعل بينك وبينهم ابن صوريا ووصفه له، فقال النبي ﷺ: «هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا» قال: فأي رجل فيكم؟\nقالوا: هو أعلم يهودي بقي على ظهر الأرض بما أنزل الله تعالى على موسى في التوراة، قال: أرسلوا إليه، ففعلوا فأتاهم عبد اللَّه بن صوريا، فقال له رسول الله ﷺ: «أنت ابن صوريا؟» قال: نعم، قال: «فأنت أعلم اليهود؟»، قال: كذلك يزعمون، قال: «أتجعلونه بيني وبينكم؟» قالوا: نعم قد رضينا به إذ رضيت به، فقال له رسول الله ﷺ: «فإني أنشدك بالله الذي لا إله إلّا هو القوي إله بني إسرائيل الذي أنزل التوراة على موسى الذي أخرجكم من مصر وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون والذي ظلل الغمام فأنزل عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه فهل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن» .\nقال ابن صوريا: نعم والذي ذكّرني به لولا خشيت أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيّرت ما اعترفت لك ولكن كيف هو في كتابك يا محمد؟ قال: «إذا شهد أربعة رهط عدول إنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم» . قال ابن صوريا: والذي أنزل التوراة على موسى هكذا أنزل الله في التوراة على موسى فقال له رسول الله ﷺ: «فماذا كان أوّل ما ترخصتم به أمر الله»؟\nقال: كنّا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا للضعيف أقمنا عليه الحد وكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه ثم زنا رجل آخر في أسوة من الناس فأراد ذلك الملك رجمه فقام دونه قومه، فقال: واللَّه لا ترجمون حتى يرجم فلانا ابن عم الملك.\nفقال: تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون مكان الرجم فيكون على الشريف والوضيع فوضعنا الجلد والتحميم وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسوّد وجوههما ثم يحملان على حمارين فحوّل وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما فجعلوا هذا مكان الرجم. قال اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به وما كنت لما اتهمتنا عليك بأهل، ولكنّك","vol":"4","page":64},{"text":"كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك فقال لهم: نشد في التوراة لولا ضنيت التوراة أن تهلكني لما أخبرته به، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما عند باب مسجده، وقال: «أنا أول من أحيا أمره إذ أماتوه» «١» [٧١] .\nقال عبد الله بن عمر: شهدت رسول الله ﷺ لما أمر برجم [اليهوديين فرأيته حنا عليهما ليقيهما بالحجارة]» ونزلت يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ «٣» فلا يخبركم به فوضع ابن صوريا يده على ركبة رسول الله ﷺ وقال: أنشدك بالله وأعيذك بالله أن تخبرنا بالكثير الذي أمرت أن تعفو عنه فأعرض رسول الله ﷺ عنه فقال له ابن صوريا: أخبرني عن ثلاث خصال أسألك عنهنّ، قال: ما هي؟ قال:\nأخبرني عن نومك، فقال النبي ﷺ: «تنام عيناي وقلبي يقظان» «٤» قال له: صدقت، فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من شبهه أمه شيء أو شبهه أمه فيه ليس فيه من شبهه أبيه شيء، قال:\n«أيّهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له» قال له: صدقت، فأخبرني ما للرجل من الولد وما للمرأة منه؟ قال: فأغمي على رسول الله ﷺ طويلا ثم خلي عنه محمرا وجهه يفيض عرقا فقال ﷺ: «اللحم والدّم والظفر والشعر للمرأة والعظم والعصاب والعروق للرجل» قال له:\nصدقت أمرك أمر نبي فأسلم ابن صوريا عند ذلك وقال: يا محمد من يأتيك من الملائكة؟ قال:\nجبرئيل.\nقال: صفه لي، فوصفه له النبي ﷺ فقال: أشهد إنه في التوراة كما قلت وإنّك رسول الله حقّا فلما أسلم ابن صوريا وقعت فيه اليهود وشتموه فلما أرادوا أن ينهضوا تعلقت بنو قريظة ببني النضير، فقالوا: يا محمد إخواننا بنو النضير أبونا واحد وديننا واحد ونبيّنا واحد إذا قتلوا منا قتيلا لم يفدونا وأعطونا ديته سبعين وسقا من تمر وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر وإن كان القتيل امرأة. يفدوا بها الرجل، وبالرجل منهم الرجلين منّا، وبالعبد منهم الحرّ منّا، وجراحتنا بالنصف من جراحتهم فأمعن بيننا وبينهم «٥»، فأنزل الله تعالى في الرجم والقصاص يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ\nرفع الخبر بحرف الصفة يعني وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا فهم سَمَّاعُونَ، وإن شئت جعلته خبر ابتداء مضمر أي فهم سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ، وقيل: اللام بمعنى إلى.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٣٣٤\n. (٢) كذا في المخطوط، وفي الدرّ المنثور: قال النبي: اللهم إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه\n. (٣) سورة المائدة: ١٥\n. (٤) تفسير مجمع البيان: ١/ ٣١٥\n. (٥) بتفاوت في الدرّ المنثور ٢/ ٢٨٥\n.","vol":"4","page":65},{"text":"كان أبو حاتم يقول: اللام في الكذب لام كي يسمعون لكي يكذبوا عليك. واللام في قوله لام أجل من أجل قوم آخرين لَمْ يَأْتُوكَ وهم أهل خيبر يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ جمع الكلمة مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ أي من بعد وضعه مواضعه كقوله وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى. وإنما ذكر الكتابة ردّا إلى اللفظ وهو الكلم.\nوقرأ علي: يحرّفون الكلام من بعد مواضعه\nيَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ أي إن أفتاكم محمد بالجلد والرجم فاقبلوه وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ كفره وضلالته.\nقال مجاهد: دليله قوله وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ الآية.\nوقال الضحّاك: هلاكه، قتادة: عذابه نظيره ولم يأمرهم على من يؤمنون فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ أي بالهداية على القدرة لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ للمنافقين الفضيحة وهتك الستر وخوف القتل، ولليهود الجزية والقتل والسبي، [...] «١» عن محمد (﵇) وأصحابه وفيهم ما يكرهون وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ الخلود في النار.\nسَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فيه أربع لغات: السحت بضم السين والحاء وهي قراءة أهل الحجاز والبصرة، واختار الكسائي: سحت مخففة وهي قراءة أهل الشام وعاصم وحمزة وخلف. والسحت بفتح السين وجزم الحاء وهي رواية العباس عن نافع، والسحت بضم السين وجزم الحاء وهي قراءة عبيد بن عمير وهو الحرام.\nقال رسول الله ﷺ: «كل لحم نبت من السحت فالنار أولى به»\n[٧٢] وأصله ما أشدّ أشدّه، وقال الله تعالى فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ «٢» .\nقال الفرزدق:\nوعض زمان يا ابن مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحتا أو مجلف «٣»\nقال: من تخلّف إذا استأصل الشجر سحت.\nوقال الفرّاء: أصله كلب الجوع، فيقال: رجل سحوت المعدة إذا كان أكولا لا يلقى أبدا إلّا جائعا، فكأن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطى مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم. ونزلت هذه الآية في حكام اليهود، كعب بن الأشرف وأمثاله كانوا يرتشون ويفضلون لمن رشاهم «٤» .\n_________\n(١) كلام غير مقروء\n. (٢) سورة طه: ٦١\n. (٣) لسان العرب: ٢/ ٤١\n. (٤) راجع تفسير القرطبي: ٦/ ١٨٣\n.","vol":"4","page":66},{"text":"وروى أبو عقيل عن الحسن: في قوله: سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قال: تلك الحكام تسمع كذبه وتأكل رشوة «١» .\nوعنه في غير هذه الرواية. قال: كان الحاكم منهما إذا أتى أحد برشوته جعلها [بين يديه فينظر إلى صاحبها ويتكلم معه] ويسمع منه ولا ينظر إلى خصمه فيأكل الرشوة ويسمع الكذب، وعنه أيضا قال: إنما ذلك في الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا أو يبطل عنك حقّا فأما أن يعطي الرجل الوالي يخاف ظلمه شيئا ليدرأ به عن نفسه فلا بأس.\nوالسحت هو الرشوة في الحكم على قول الحسن. ومقاتل وقتادة والضحّاك والسدّي.\nوقال ابن مسعود: هو الرشوة في كل شيء.\nقال مسلم بن صبيح: صنع مسروق لرجل في حاجة فأهدى له جارية فغضب غضبا شديدا، وقال: لو علمت إنّك تفعل هذا ما كلّمت في حاجتك، ولا أكلم لما بقي من حاجتك، سمعت ابن مسعود يقول: من يشفع شفاعة ليرد بها حقّا أو ليدفع بها ظلما فأهدي له فقيل فهو سحت، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن ما كنّا نرى ذلك إلّا الأخذ على الحكم، قال: الأخذ على الحكم كفر. قال الله ﷿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ «٢» .\nوقال أبو حنيفة: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت وإن لم يعزل.\nوقال عمر وعلي وابن عباس ﵃: السحت خمسة عشر: الرشوة في الحكم ومهر البغي وحلوان الكاهن، وثمن الكلب والقرد والخمر والخنزير والميتة والدم وعسيب الفحل وأجر النائحة والمغنية والقائدة والساحر وأجر صور التماثيل وهدية الشفاعة.\nوعن جعفر بن كيسان قال: سمعت الحسن يقول: إذا كان لك على رجل دين فما أكلت في بيته فهو سحت.\nوروى أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «لعنة الله على الراشي والمرتشي» «٣» [٧٣] .\nقال الأخفش: السحت كل كسب لا يحل.\nثم قال فَإِنْ جاؤُكَ يا محمد فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ. خير الله سحته بقوله في الحكم بينهم إن شاء حكم وإن شاء ترك.\nواختلفوا في حكم هذه الآية هل هو ثابت وهل للحكّام اليوم من الخيار في الحكم من أهل الذّمة إذا اختلفوا إليهم، مثل ما جعل الله لنبيه ﷺ أم هو منسوخ؟\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٣٢٥\n. (٢) سورة المائدة: ٤٤\n. (٣) الجامع الصغير: ٢/ ٤٠٥، ح/ ٧٢٥١\n.","vol":"4","page":67},{"text":"فقال أكثر العلماء: هو حكم ثابت لم ينسخه شيء وحكام الإسلام بالخيار وذلك إن شاءوا بين أهل الكتاب وجميع أهل الذّمة، فإن شاءوا أعرضوا ولم يحكموا بينهم وإن حكموا يحكموا بحكم أهل الإسلام. هو قوله: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ «١» هو جريان حكمنا عليهم. وهذا قول النخعي والشعبي وعطاء وقتادة. وقال آخرون هو منسوخ نسخه قوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وإليه ذهب الحسن ومجاهد وعكرمة والسدّي. وروى ذلك ابن عباس قال: لم ينسخ من المائدة إلّا هاتان الآيتان وقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ «٢» نسختها فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٣» وقوله فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ نسختها أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ. «٤»\nفأما إقامة الحدود عليهم فأهل العراق يرون إقامة الحدود عليهم إلّا إنهم لا يرون الرجم وقالوا: لأنهم غير محصنين وتأولوا رجم النبي ﷺ اليهوديين أنه رجمهما بكتابهم التوراة لما اتفقوا على رضاهم بحكم التوراة ثم أنكروا الرجم، فكان في التوراة فأخفوا وأظهر رسول الله ﷺ من ذلك ما كتموه. وأهل الحجاز لا يرون إقامة الحدود عليهم ويظهرون إلى أنهم صولحوا على شركهم. وهو أعظم من الحدود التي يأتون وتأولوا رجم النبي ﷺ اليهوديين أن ذلك قبل أن يؤخذ عنهم الجزية إلّا أن على الإمام أن يمنعهم من المظالم والفساد فأما إذا كان أحد الطرفين مسلما مثل أن يزني رجل من أهل الذّمة بمسلمة أو سرق من مسلم أقيم عليه الحد وحكم عليه بحكم الإسلام وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي بالعدل إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ العاملين.\n_________\n(١) سورة التوبة: ٣٣\n. (٢) سورة المائدة: ٢ [.....]\n. (٣) سورة التوبة: ٥\n. (٤) سورة المائدة: ٤٩\n.","vol":"4","page":68},{"text":"وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ تعجّب وفيه اختصار إلى وكيف يجعلونك حاكما ويرضون بمحمد وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ وهو الرجم فلا يرضون بذلك.\nثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ إلى قوله لِلَّذِينَ هادُوا فإن قيل: وهل فينا غير مسلم؟\nفالجواب أن هؤلاء نبيو الإسلام لا على أن غيرهم من النبيين لم يتولوا المسلمين وهذا كقوله مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ «١» فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ «٢» لا يريد أن غيره من الأنبياء لم يؤمنوا بالله وكلماته. وقيل: لم يرد به الإسلام الذي هو ضد الكفر.\nوإنما المراد به الذين انقادوا لحكم الله فلم يكتموه كما كتم هؤلاء، يعرّض بأهل الكتاب.\nوهذا كقوله وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٣» .\nوقال يزيد بن عمرو بن فقيل: أسلمت وجهي لمن أسلمت له الأرض تحمل صخرا ثقالا، وأسلمت وجهي لمن أسلمت له العيون تحمل عذبا زلالا. وقيل: معناه الَّذِينَ أَسْلَمُوا أنفسهم إلى الله. كما\nروي إن النبي ﷺ كان يقول إذا أوى إلى فراشه: «أسلمت نفسي إليك» «٤» [٧٤] .\nوقيل: معناه: يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بما في التوراة من الشرائع ولم يعمل به كمثل عيسى (﵇) وهو قوله تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا «٥» وهو معنى قول ابن حيّان يحكم بما في التوراة من لدن موسى إلى عيسى ﵉.\nوقال الحسن والسدّي أراد محمدا ﷺ حكم على اليهود بالرجم وذكره بلفظ الجمع كما قال تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً «٦» وقال: أم تحسدون الناس في الحياة وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعني العلماء وهم ولد هارون (﵇) وأحدهم محبر وحبر وهو العالم المحكم للشيء ومنه الكعب بن قانع كعب الأحبار وكعب الحبر.\nقال الفرّاء: أكثر ما سمعت العرب تقول في واحد الأحبار بكسر الحاء واختلفوا في اشتقاق هذا الإسم.\nفقال الكسائي وأبو عبيدة: هو من الحبر الذي يكتب به. وقال النضر بن شميل: سألت الخليل عنه، فقال: هو من الحبار وهو الأثر الحسن. فأنشد:\n_________\n(١) سورة الفتح: ٢٩\n. (٢) سورة الأعراف: ١٥٨\n. (٣) سورة آل عمران: ٨٣\n. (٤) نصب الراية: ٢/ ٢٩٦\n. (٥) سورة المائدة: ٤٨\n. (٦) سورة النحل: ١٢٠\n.","vol":"4","page":69},{"text":"لا تملأ الدلو وعرق فيها ... ألا ترى حبّار من يسقيها «١»\nقال قطرب: هو من الحبر وهو الجمال والهيئة يدل عليهم\nقول النبي ﷺ: «يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره»\n[أي جماله وبهاؤه] «٢» [٧٥] .\nوقال العباس لرسول الله ﷺ: يا ابن أخ فيم الجمال؟ قال: «في اللسان» [٧٦] .\nوقال مصعب بن الزبير لابنه: يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان جمالا وإن لم يكن عندك علم كان لك مالا، بِمَا اسْتُحْفِظُوا استودعوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ إنه كذلك فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ إلى قوله الْكافِرُونَ واختلف العلماء في معنى الآية وحكمها.\nفقال الضحّاك وأبو إسحاق وأبو صالح وقتادة: نزلت هذه الآيات الثلاث في اليهود وليس في أهل الإسلام منها شيء فأما هذه الأمّة فمن أساء منهم وهو يعلم إنه قد أساء وليس بدين.\nيدلّ على صحة هذا التأويل. ما\nروى الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ في قوله تعالى وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ والظَّالِمُونَ والْفاسِقُونَ. قال: كلها في الكافرين.\nوقال النخعي والحسن: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل ورضىّ لهذه الآية بها فهي على الناس كلّهم واجبة.\nعن ابن عباس وطاوس ليس بكفر ينقل عن الملة بل إذا فعل ذلك وهو به كفر، وليس كمن يكفر بالله واليوم [الآخر] .\nعطاء: هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق.\nعكرمة: معناه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ جاحدا به فقد كفر. ومن أقرّ به ولم يحكم به فهو ظالم فاسق. وهذه رواية الوالبي عن ابن عباس قال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي، قال:\nسمعت أبا زكريا العنبري، يحكي عن عبد العزيز بن يحيى الكناني إنه سأل عن هذه الآيات، قال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على بعضه فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل الله فهو كافر ظالم فاسق.\nفأما من يحكم ببعض ما أنزل الله من التوحيد [وترك] الشرك ثم لم يحكم بهما [فبين] «٣» ما أنزل الله من الشرائع لم يستوجب حكم هذه الآيات.\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٦٢٠\n. (٢) زاد المسير: ٢/ ٢٨١\n. (٣) هذا الظاهر من الأصل\n.","vol":"4","page":70},{"text":"قالت الحكماء: هذا إذا ردّ بنص حكم الله عيانا عمدا، فأما من جهله أو أخفي عليه أو أخطأ في تأويل ابتدعه أو دليل اتّجه له فلا، وأجراها بعضهم على الظاهر.\nوقال ابن مسعود، والسدّي: من ارتشى في الحكم وحكم فيه بغير حكم الله فهو كافر «١» وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أي وأوحينا في بني إسرائيل في التوراة أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ يعني النفس القاتلة بالنفس المقتولة [ظلما] «٢» وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ بقلعهما وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ يجدع به وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ يقطع به أذنيه.\nنافع: في جميع الفقهاء [وقرأ] الباقون وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ يقلع به وسائر الجوارح قياس على العين والأنف والأذن وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ وهذا مخصوص فيما يمكن القصاص فيه، فأما ما كان من هيضة لحم أو هيضة عظم ويعده ركن لا يحيط العلم به وقياس أو حكومة.\nواختلف الفقهاء في هذه الآية، فقرأ الكسائي: وَالْعَيْنَ رفعا إلى آخره. واختار أبو عبيد لما\nروى ابن شهاب عن أنس أن رسول الله ﷺ قرأه وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ نصبا، والعينُ بالعين، والأنفُ بالأنف، والأذنُ بالأذن، والسنُّ بالسن، والجروحُ قصاص، كله رفع.\nوأما أبو جعفر وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو فكانوا يرفعون الْجُرُوحَ وينصبون سائرها. وقتادة، أبو حاتم قالوا: لأن لهما نظائر في القرآن قوله أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ وإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ «٣» وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ «٤» .\nوقرأ نافع وعاصم والأعمش وحمزة ويعقوب [بالعطف] كلها نصبا ودليلهم قوله تعالى:\nأَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَأن الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَأن الْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَأن الْأُذُنَ بِالْأُذُنِ فإن الْجُرُوحَ قِصاصٌ. فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ اختلفوا في الهاء في قوله «بِهِ»، فقال قوم: هي كناية عن المجروح وولي القتيل، ومعناه فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، للمتصدق يعدم عنه ذنوبه بقدر ما تصدّق.\nوهو قول عبد الله بن عباس والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد، دليل هذا القول لحجة ما\nروى الشعبي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «من تصدّق عن جسده بشيء كفّر الله عنه بقدر ذلك من ذنوبه» «٥» [٧٧] .\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ٦/ ١٩١\n. (٢) تفسير الطبري: ٦/ ٣٦٤\n. (٣) سورة الأعراف: ١٢٨ [.....]\n. (٤) سورة الجاثية: ٣٢\n. (٥) مسند أحمد: ٥/ ٣٣٠، وسنن النسائي: ٦/ ٣٣٥\n.","vol":"4","page":71},{"text":"وروى وكيع عن يوسف بن أبي إسحاق عن أبي السهر قال: كسر رجل من قريش سنّ رجل من الأنصار فاستعدى عليه معاوية، فقال القريشي: إن هذا داق سني.\nقال معاوية: كلا أما تسترضيه، فلمّا ألحّ عليه الأنصاري، قال معاوية: شأنك بصاحبك، وأبو الدرداء جالس.\nفقال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يصاب بشيء عن جسده فيتصدّق به إلّا رفعه الله به درجة وحطّ به عن خطيئة» «١» [٧٨] .\nفقال الأنصاري: أنت سمعت بهذا من رسول الله ﷺ؟ قال: نعم سمعته أذناي ووعاه قلبي فعفى عنه.\nوروى عوف عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: جيء بالقاتل الذي قتل إلى رسول الله ﷺ جاء به ولي المقتول، فقال رسول الله ﷺ: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال:\nلا، قال: القتل، قال: نعم [قال: اذهب، فذهب] فدعاه فقال: أتعفو؟ قال: لا، قال: أتأخذ الدية؟ قال: لا، قال: القتل، قال: نعم، قال: اذهب، فلما ذهب قال: أما لك أن عفوت فإنه يبوء بإثمك، وإثم صاحبك. قال: فعفي عنه فأرسله ورأيته وهو يجر شسعيه.\nوروى عمران عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: طعن رجل رجلا على عهد معاوية، فأعطوه ديتين على أن يرضى. فلم يرض وأعطوه ثلاث ديات فلم يرض.\nوحدث رجل عن المسلمين عن النبي ﷺ إنه قال: «من تصدّق بدم فما دونه كان كفارة له من يوم ولد إلى يوم تصدق» «٢» [٧٩] .\nوعن عمر بن نبهان عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «ثلاث من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة من أي أبواب الجنة شاء وتزوج من الحور العين حيث «٣» شاء من أدى دينا [خفيا] وعفا عن قاتل وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة عشر مرّات قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»»\n[٨٠] .\nقال أبو بكر: وإحداهن يا رسول الله؟ قال: وإحداهن.\nوقال آخرون: عني بذلك الجارح والقاتل، يعني إذا عفا المجنى عليه عن الجاني فعفوه عن الجاني كفّارة لذنب الجاني لا يؤاخذ به في الآخرة كما أن القصاص كفّارة له كما إن العافي المتصدق فعلى الله تعالى، قال الله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وهذا قول إبراهيم\n_________\n(١) كنز العمال: ١٥/ ١٢، ح ٣٩٨٥٠\n. (٢) مجمع الزوائد: ٦/ ٣٠٢ وجامع البيان: ٦/ ٣٥٦\n. (٣) في المصدر: كم\n. (٤) مجمع الزوائد: ٦/ ٣٠١\n.","vol":"4","page":72},{"text":"ومجاهد وزيد بن أسلم، وروي ذلك عن ابن عباس. والقول الأوّل أجود لأنّه ربما تصدّق من عليه ولم يتب الخارج من فعله فإنه كفّارة له والدليل عليه قراءة أبي: فمن تصدّق به فهو كفّارة له. وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.\nوَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ على آثار النبيين المسلمين للتوراة العالمين به بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.\nوَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ قرأه العامة مجزوم اللام والميم على الأمر، وحمزة: بكسر اللام وفتح الميم أي ولكي يحكم أهل الإنجيل.\nمقاتل بن حيّان: أمر الله تعالى الأحبار والربانيين أن يحكموا بما في التوراة وأمر القسّيسين والرهبانيين أن يحكموا بما في الإنجيل فكفروا وكذبوا بمحمد ﷺ وقالوا عزير ابن الله والمسيح ابن الله وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ الخارجون من أمر الله، وقال ابن زيد: الكاذبون. نظيره قوله إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ أي الكتب وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ أي شاهدا. قاله السدّي والكسائي: وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، قال حسان:\nإن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب «١»\nأي مصدق.\nوقال سعيد بن جبير وأبو عبيدة: مؤمنا وهي رواية أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس، الحسن: أمينا وهي رواية العوفي عن ابن عباس ومعنى أمانة القرآن ما قال ابن جريح: القرآن أمين على ما قبله من الكتب فيما أخبر أهل الكتاب في كتابهم بأمر فإن كان في القرآن فصدّقوا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٠\n.","vol":"4","page":73},{"text":"وإلّا فكذّبوا، المبرد: أصله مؤيمن فقلبت الهمزة هاء كما قيل: أرقت الماء وهرقت، ولمّا ينثر عن الرأس عند الدلك أبرية وهبرية ونهاة وهيهات. وأتاك وهياك فهو مبني آمن أمين كما بيطر ومبيطر من بيطار.\nقال النابغة:\nشكّ المبيطر إذ شفا من العضد «١»\nوقال الضحّاك: ماضيا، عكرمة: دالا عليه، ابن زيد مصدّقا، الخليل: رقيبا وحافظا، يقال: هيمن فلان على كذا إذا شاهده وحفظه.\nقلت: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت المنصور بن محمد بن أحمد بن منصور البستي يقول: سمعت أبا عمر محمد بن عبد الواحد اللغوي يقول: تقول العرب: الطائر إذا جعل يطير حول وكره وخاف على فرخه صيانة له، هيمن الطائر مهيمن. وكذلك يقول للطائر إذا أرخى جناحيه فألبسهما بيضه وفرخه مهيمن. وكذلك جعل اختباؤه ومنه قيل: الله تعالى المهيمن كان معناه الرقيب الرحيم. قال: ورأيت في بعض الكتب إنها بلغة العجمانية فعرّبت، وقرأ عكرمة: هيمن ومهيمن. بقولهم الملوك فَاحْكُمْ يا محمد بَيْنَهُمْ بين أهل الكتاب، إذا ترافعوا إليك بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بالقرآن وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا، أي سبيلا وسنّة وجمع الشرعة الشرع وكل ما شرّعه فيه فهو شرعة وشريعة، ومنه شريعة الماء ومشرعته، ومنه شرائع الإسلام شروع أهلها فيها، ويقال: من شرع شرعا إذا دخلوا في أمر وساروا به. والمنهاج والمنهج والنهج الطريق البين الواضح.\nقال الراجز:\nمن يك في شك فهلّا ولج ... في طريق المهج «٢»\nقال المفسّرون: عنى بذلك جميع أهل الملل المختلفة جعل الله لكل أهل ملّة شريعة ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن شريعة، يحل فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء، والدين واحد والشرائع مختلفة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً كلّكم ملّة واحدة وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ ليخبركم وهو أعلم وقد مضى معنى الابتلاء فِي ما آتاكُمْ من الكتب وبين لكم من [السنن] فبيّن المطيع من العاصي والمواظب من المخالف فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ فبادروا بالطيّبات والأعمال الصالحات إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ.\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٢٩٥\n. (٢) جامع البيان: ٦/ ٣٦٥. وفيه:\nمن يك في شك فهذا أفلج ... ماء رواء وطريق نهج\n.","vol":"4","page":74},{"text":"قال ابن عباس: قال كعب بن لبيد وعبد الله بن صوريا وشاس بن قبيص بعضهم لبعض:\nاذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه فأتوه فقالوا: يا محمد قد عرفت أنّا أعيان اليهود وأشرافهم وإنّا إن اتبعناك اتبعنا اليهود ولم يخالفونا وإن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك فنقضي إما عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى ذلك رسول الله ﷺ\nوأنزل الله فيهم هذه الآية فَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإيمان والحكم بالقرآن فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ أي فاعلم إن إعراضهم من أجل أن الله يريد أن يجعل لهم العقوبة في الدنيا ببعض ذنوبهم أي شؤم عصيانهم.\nوَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يعني اليهود لَفاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قرأ ابن عامر بالتاء، وفي الباقون بالياء.\nوَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا الآية.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ اختلفوا في نزول هذه الآية، فإن كان حكمها عاما لجميع المؤمنين.\nفقال العوفي والزهري: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من اليهود أهربوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن الصيف: أغرّكم أن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال، أما لو أسررنا العزيمة أن نستجمع عليكم لم يكن لكم يد أن تقتلونا.\nفجاء عبادة بن الصامت الخزرجي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن لي أولياء من اليهود كثير عددهم، قويّة أنفسهم، شديدة شوكتهم كثيرا سلاحهم وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم وولاية اليهود، ولا مولا لي إلّا الله ورسوله، قال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية اليهود لأني أخاف الدوائر ولا بد لي منهم، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا الحباب ما نفست","vol":"4","page":75},{"text":"من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه» «١» [٨١] قال: قد قبلت فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nقال السدّي: لما كانت وقعة أحد اشتد على طائفة من الناس وتخوفوا أن يدل عليهم الكفار.\nفقال رجل من المسلمين: أما أنا فألحق بدهلك اليهودي وأخذ منه أمانا فإني أخاف أن يدل علينا اليهود.\nوقال رجل آخر: أما أنا فالحق بفلان النصراني ببعض أهل الشام فأخذ منه أمانا وأنزل الله هذه الآية ينهاهما.\nوقال عكرمة: نزلت في أبي لبانة بن عبد المنذر حين قال للنبي ﷺ إذا رضوا بحكم سعد إنه الذبح بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في العون والنصرة، ويدهم واحدة على المسلمين.\nوَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فيوافقهم على دينهم ويعينهم فَإِنَّهُ مِنْهُمْ يقول ابن سيرين: عن رجل بيع داره من النصارى، يتخذونها بيعة فتلا هذه الآية فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ الآية، يعني عبد الله بن أبي وصحبه من المنافقين الذين كانوا يوالون اليهود ويصانعونهم ويناصحونهم يُسارِعُونَ فِيهِمْ أي في موالاتهم يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ دولة يعني أن يدور الدهر فنحتاج إلى نصرهم إيّانا فنحن نواليهم بذلك.\nقال الراجز:\nيرد عنك القدر المقدورا ... ودائرات الدهر أن تدورا «٢»\nفَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أي القضاء وقيل: النصر. وقال السدّي: فتح مكّة.\nأَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا يعني هؤلاء المنافقين عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ وحينئذ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا اختلف القرّاء فيه:\nفقرأ أهل الكوفة: (وَيَقُولُ) بالواو والرفع على الاستئناف وقرأ أهل البصرة: (وَيَقُولَ) نصبا والواو عطفا على (أَنْ يَأْتِيَ) وقرأ الباقون: رفع اللام وحذف الواو، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام «٣» أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ وقرأ أهل المدينة والشام يرتدد بدالين على إظهار التخفيف مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فيرجع إلى الكفر وهذا المجاز للقرآن وللمصطفى ﷺ إذ أخبر عن ارتدادهم ولم يكن ذلك في عهده\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٦/ ٣٧٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٧.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٦/ ٢١٨.","vol":"4","page":76},{"text":"وكان عهده وكان على ما أخبره بعد مدّة، وأهل الردّة كانوا أحد عشر قوما ثلاثة على عهد رسول الله ﷺ في آخر عمره وسبعة على عهد أبي بكر وواحد في عهد عمر.\nفأما الثلاثة الذين كانوا على عهد رسول الله ﷺ\nفمنهم بنو مذحج ورئيسهم ذو الخمار عيهلة بن كعب القيسي فلقّب بالأسود وكان كاهنا مشعبذا فتنبّأ باليمن وكان (﵇) ولّى بأذان اليمن بجميع نواحيها وكان أوّل من أسلم من ملوك العجم وأول أمير لبلاد اليمن في الإسلام فمات، وولي رسول الله مكانه شهرا فقتل الأسود الكذّاب شهر بن بأذان وتزوج امرأته لباد واستولى على بلاد اليمن وأخرج عمّال رسول الله ﷺ منها، وكتب عليه إلى معاذ بن جبل ومن معه من المسلمين، وأمرهم أن يحثوا الناس على التمسّك بدينهم والنهوض إلى حرب الأسود إما غيلة وإما مصادمة، وكتب (﵇) بمثل ذلك إلى حمير من سادات اليمن عامر ابن سهو، وذي رود وذي مران وذي الكلاع وذي ظلم «١» ففعلوا ما أمرهم رسول الله ﷺ وقاموا بحرب الأسود حتى أهلك الله الأسود على يدي فيروز الديلمي، وذلك أنه رماه وقتله على رأسه.\nقال ابن عمر: أتى الخبر النبي ﷺ من السماء الليلة التي قتل فيها العنسي.\nفقال (﵇): قتل الأسود البارحة قتله رجل مبارك، قيل: ومن هو؟ قال: فيروز:\nفاز فيروز فبشر أصحابه اليوم بهلاك الأسود وقبض رسول الله ﷺ من أخذ وأتى خبر مقتل العنسي المدينة في آخر شهر ربيع الأول بعد مخرج أسامة وكان ذلك أول فتح أتى أبا بكر «٢»\n، والفرقة الثانية: بنو حنيفة واليمامة، ونبيهم مسيلمة الكذّاب، وكان تنبأ في حياة رسول الله ﷺ في آخر سنة عشر وزعم أنه أشرك مع محمد في النبوة.\nفكتب إلى رسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك، وبعث بذلك رجلين من أصحابه الرجال بن شهب والحكم بن الطفيل وكان من سادات أهل اليمامة، فقال لهما رسول الله: «أتشهدان أن مسيلمة رسول الله؟\nقالا: نعم، فقال: «لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» . ثم أجاب: «من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذّاب، أما بعد (إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)» «٣» [٨٢] «٤» .\nومرض رسول الله ﷺ وتوفي، وجعل مسيلمة يعلو أمره باليمامة يوما بعد يوم، فبعث أبو\n_________\n(١) راجع الإصابة: ٢/ ١٥٨.\n(٢) راجع تاريخ الطبري: ٢/ ٤٧٣. [.....]\n(٣) سورة الأعراف: ١٢٨.\n(٤) مجمع الزوائد: ٥/ ٣١٥.","vol":"4","page":77},{"text":"بكر (﵁) خالد بن الوليد إليه في جيش كثير حتى أهلكه الله على يدي وحشي غلام مطعم بن عدي الذي قتل حمزة بن عبد المطلب بعد حرب صعب شديد وكان وحشي: يقول قتلت خير الناس في الجاهلية وقتلت شر الناس في الإسلام.\nوالفرقة الثالثة: بنو أسد ورئيسهم طليحة بن خويلد وكان طليحة آخر من ارتدّ فادعى النبوة في حياة رسول الله ﷺ، وأول من قتل بعد وفاته (﵇) من أهل الردة، فعسكر واستكشف أمره فبعث إليه أبو بكر الصديق (﵁) خالد بن الوليد فهزموهم بخالد بعد قتال شديد وأفلت طليحة ومرّ على امرأته هاربا نحو الشام فلجأ إلى بني جفنة فأجاروه ثم إنه أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فهذه الثلاث الذين ارتدّت على عهد رسول الله ﷺ وأما السبعة الذين ارتدّوا بعد وفاة رسول الله ﷺ في خلافة أبي بكر (﵁)، لما مات رسول الله (﵇) شمتت اليهود والنصارى وأظهر النفاق من كان يخفيه وماج الناس وكثر القيل والقال. وارتدت العرب على أعقابها، فارتدت فزار ورأسوا عليهم عيينة بن عين بن بدر، وارتدت غطفان، وأمّروا عليهم قرّة بن سلمة القسري، وارتدت بنو سليم ورأسوا عليهم النجاخ ابن عبد ياليل، وارتدت بنو يربوع ورأسوا عليهم مالك بن نويرة. وارتدت طائفة أخرى من بني تميم ورأسوا امرأة منهم يقال لها: سجاح بنت المنذر وادّعت النبوّة ثم إنها زوّجت نفسها من مسيلمة الكذّاب.\nوارتدت كندة ورأسوا على أنفسهم الأشعث بن قيس. وارتدت بنو بكر بن وائل بأرض البحرين ورأسوا عليهم الحطم بن زيد فلقى الله أمر هؤلاء المرتدّين ونصر دينه على يدي أبي بكر (﵁) وأما الذي كان على عهد عمر (﵁) رأسهم الغاني وأصحابه، وأخبار أهل الردة مشهورة في التواريخ مسطورة يطول بذكرها الكتاب «١» .\nفَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ\nقال علي بن أبي طالب والحسن وقتادة: هم أبو بكر وأصحابه!\n، مجاهد: هم أهل اليمن،\nوقال غياض بن غنم الأشعري: لما نزلت هذه الآية أومى رسول الله ﷺ إلى أبي موسى الأشعري فقال: هم قوم هذا.\nقال النبي ﵊: «أتاكم أهل اليمن، هم ألين قلوبا وأرق أفئدة الإيمان يماني والحكمة يمانية» «٢» .\nالكلبي: هم أحياء من اليمن ألفان من النخع وخمسة آلاف من كندة وبجيلة وثلاث آلاف من سائر الناس فجاهدوا في سبيل الله بالقادسية «٣» .\n_________\n(١) راجع تاريخ الطبري: ٢/ ٤٨٢. ٤٨٩.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٢٥٢.\n(٣) كنز العمال: ١٢/ ٩١، يراجع تاريخ الطبري: ٣/ ٧.","vol":"4","page":78},{"text":"السدّي: هم الأنصار،\nويروى أنّ رسول الله ﷺ سئل عن هذه الآية فضرب يده على عاتق سلمان الفارسي فقال: هذا وذووه، ثم قال: «لو كان الدين معلقا بالثريا لناله «١» من أبناء فارس» «٢» [٨٣] .\nأَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يعني أرقاء رحماء، كقوله وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ «٣» وقيل: هو من الذل، من قولهم دابّة ذلول بينة الذل يعني إنهم متواضعون كقوله وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا «٤» أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ أي أشداء غلظاء من قول العرب عز جانبه عزا.\nوقرأ ابن مسعود: أذلة على المؤمنين غلظا على الكفّار بالنصب على الحال.\nوقال عطاء: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كالولد لوالده وكالعبد لسيده. أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ كالسبع على فريسته، ونظير الآية أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ.\nعبد الله بن حمدون نا أحمد بن محمد بن الحسين نا محمد بن يحيى نا أحمد بن شبيب، عن يونس عن ابن شهاب عن ابن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يحدّث أن رسول الله ﷺ قال:\n«يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيجلون عن الحوض فأقول ربّ أصحابي أصحابي فيقال لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى» «٥» [٨٤] .\nإِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية.\nأبو عبد الله الحسين عن محمد بن أحمد بن جعفر بن حمدان عن شبر بن موسى الأسدي عن إسماعيل بن خليل الكوفي عن سلمة بن رجاء عن سلمة بن سابور قال: سمعت عطية العوفي يقول: قال ابن عباس: أسلم عبد الله بن أبي بن سلول، ثم قال: بيني وبين قريظة والنضير حلف وأنا أخاف الدوائر، فارتد كافرا. وقال عبادة بن الصامت: أبرأ إلى الله ﷿ من حلف قريظة والنضير، وأتولى الله والرسول والذين آمنوا فأنزل الله تعالى.\n_________\n(١) في المصدر: لتناوله أناس.\n(٢) مجمع الزوائد: ١٠/ ٦٤، تاريخ دمشق: ٥١/ ٤٧.\n(٣) سورة الإسراء: ٢٤.\n(٤) سورة الفرقان: ٦٣. ح ٣٤١٣٠.\n(٥) صحيح البخاري: ٧/ ٢٠٨.","vol":"4","page":79},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ إلى قوله: فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، يعني عبد الله بن أبي بن سلول إلى قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني عبادة بن الصامت، وأصحاب رسول الله ثم قال: ولو كانوا يؤمنون بالله ورسوله وما أنزل إليه، ما اتخذوه أولياء،\nوقال بعض المفسّرين: لما أراد رسول الله أن يقتل يهود بني قينقاع حين نقضوا العهد، وكانوا حلفا لعبد الله بن أبي سلول وسعد بن عبادة بن الصامت، فأما عبد الله بن أبي فعظم ذلك عليه، وقال: ثلاثمائة دارع وأربعمائة منعوني من الأسود والأحمر أفأدعك تجدهم في غداة واحدة، وأما سعد وعبادة فقالا: إنّا برآء إلى الله وإلى رسوله من حلفهم وعهدهم فأنزل الله هذه الآية.\nوقال جابر بن عبد الله: جاء عبد الله بن سلام إلى النبي (﵇) فقال: يا رسول الله إن قومنا من قريظة والنضير، قد هجرونا وفارقونا وأقسموا أن لا يجالسونا ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل وشكا ما يلقى من اليهود من الأذى. فنزلت الآية فقرأها رسول الله ﷺ فقال: رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أخوة على هذا التأويل أراد بقوله (راكِعُونَ) صلاة التطوع بالليل والنهار.\nقال ابن عباس، وقال السدي، وعتبة بن حكيم، وثابت بن عبد الله: إنما يعني بقوله وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ الآية. علي بن أبي طالب (﵁) مرّ به سائل وهو راكع في المسجد وأعطاه خاتمه.\nأبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد، أبو محمد عبد الله بن أحمد الشعراني، أبو علي أحمد بن علي بن زرين، المظفر بن الحسن الأنصاري، السدي بن علي العزاق، يحيى بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن عبادة بن الربعي، قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم إذ أقبل رجل متعمم بالعمامة فجعل ابن عباس لا يقول، قال رسول الله: إلّا قال الرجل: قال رسول الله؟ فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ قال:\nفكشف العمامة عن وجهه، وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري، أبو ذر الغفاري: سمعت رسول الله ﷺ بهاتين وإلّا صمّتا ورأيته بهاتين وإلّا فعميتا يقول: عليّ قائد البررة، وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله أما إني صليت مع رسول الله يوما من الأيام صلاة الظهر فدخل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع السائل يده إلى السماء وقال: اللهم اشهد إني سألت في مسجد رسول الله فلم يعطني أحد","vol":"4","page":80},{"text":"شيئا وكان علي راكعا فأومى إليه بخنصره اليمنى وكان يتختم فيها فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم من خنصره وذلك بعين النبي ﷺ فلما فرغ النبيّ ﷺ من الصلاة فرفع رأسه إلى السماء وقال:\n«اللهم إن أخي موسى سألك، فقال: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ... وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي «١» الآية، فأنزلت عليه قرآنا ناطقا سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا «٢» اللهم وأنا محمد نبيّك وصفيّك اللهم ف اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي ... وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي عليا أشدد به ظهري» «٣» [٨٥] «٤» .\nقال أبو ذر: فو الله ما استتم رسول الله الكلمة حتى أنزل عليه جبرئيل من عند الله، فقال:\nيا محمد اقرأ، فقال: وما أقرأ؟ قال: اقرأ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، إلى راكِعُونَ.\nسمعت أبا منصور الجمشادي، سمعت محمد بن عبد الله الحافظ، سمعت أبا الحسن علي بن الحسن، سمعت أبا حامد محمد بن هارون الحضرمي، سمعت محمد بن منصور الطوسي، سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحد من أصحاب رسول الله ﷺ من الفضائل مثل ما جاء لعلي بن أبي طالب (﵇) «٥» .\nأبو عبد الله بن فنجويه، عمر بن الخطاب، إبراهيم بن سهلويه، محمد بن رجاء العباداني.\nحدّثني عمر بن أبي إبراهيم، حدّثني المبارك بن سعيد وعمار بن محمد عن سفيان عن أبيه عن ابن عباس قال: نزلت في أبي بكر إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآيتان الخبر «٦» .\nعن محمد بن عبد الله، أحمد بن محمد بن إسحاق البستي، حامد بن شعيب، شريح بن يونس، هشيم بن عبد الملك قال: سألت أبا جعفر عن قوله إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال: هم المؤمنون بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ\nوَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ يعني أنصاري من الله.\nقال الراجز:\nوكيف أضوي «٧» وبلال حزبي\n_________\n(١) سورة طه: ٢٥- ٣١.\n(٢) سورة القصص: ٣٥.\n(٣) في المصدر: أزري.\n(٤) شواهد التنزيل: ١/ ٢٣١، والغدير: ٢/ ٥٢ عن الثعلبي وخرّج مصادره. [.....]\n(٥) عمدة الطالب لابن عنبة: ٦٠، وتاريخ دمشق: ٤٢/ ٤١٨ ط. دار الفكر، ومستدرك الصحيحين: ٣/ ١٠٧.\n(٦) ذكر في ضوء الشمس في نبي الإسلام على خمس إجماع المسلمين على نزول الآية في علي (﵇):\n٢/ ٤، وممن ذكر أن الآية نزلت فيه: الطبراني والحاكم والواحدي والزمخشري والطبري وابن عساكر والبلاذري والترمذي والقزويني وابن كثير، راجع: تفسير الكشاف: ١/ ٦٢٤، والتدوين في أخبار قزوين ٣/ ٢١٢ ترجمة عبد الكريم بن هوازن، والمعجم الكبير ٧/ ١٣٠ ح ٦٢٢٨، وأسباب النزول: ١٣٣، وربيع الأبرار ٢/ ١٤٧، وتفسير الطبري: ١/ ٦٢٤، وتاريخ دمشق: ٢/ ٤٠٩.\n(٧) أضوي: أي استضعف وأضام من الشيء.","vol":"4","page":81},{"text":"أي ناصري «١» .\nهُمُ الْغالِبُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا الآية.\nقال الكلبي: كان منادي رسول الله إذا نادى إلى الصلاة وقام المسلمون إليها، قالت اليهود: قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا، سجدوا لا سجدوا، على طريق الاستهزاء والضحك، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقال السدي: نزلت في رجل من النصارى كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدا رسول الله، قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو نائم وأهله نيام فتطاير منها شرارة في البيت فأحرق البيت وأحرق هو وأهله «٢» .\nوقال الآخرون: إن الكفار لما سمعوا الأذان كذبوا رسول الله والمسلمين على ذلك فدخلوا على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد لقد ابتدعت شيئا لم نسمع به فيما مضى من الأمم الخالية فإن كنت تدّعي النبوة فقد خالفت فيما أحدثت من هذا الأذان الأنبياء قبلك ولو كان في هذا الأمر خير لكان بادئ ما تركه الناس بعد الأنبياء والرسل قبلك فمن أين لك صياح كصياح البعير فما أقبح من صوت ولا أسمج من كفر، فأنزل الله هذه الآية «٣» . وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا.\nفأما بعد الأذان.\nقال أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمر، أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، زياد بن أيوب وأبو بكر بن أبي النضير الأسدي، حجاج بن محمد قال: قال ابن جريح عن نافع عن ابن عمر أبو الحسين قال: أبو العباس السراج، محمد بن سهيل بن عسكر، أبو سعيد الحداد، خالد بن عبد الله الواسطي، عن عبد الرحمن بن [يحيى] عن الزهري عن سالم عن أبيه، وحديث عن الحسن بن شقيق، إسماعيل بن عبيد الخزاعي، محمد بن سلمة عن محمد ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري عن أبيه قال: كان المسلمون حيث قدموا المدينة يجتمعون فيجيبون الصلاة وليس ينادي بهن فتكلموا في ذلك فاستشار رسول الله ﷺ المسلمين فيما يجيبهم الصلاة. فقال بعضهم: يقلب راية فوق رأس المسجد عند الصلاة فإذا رأوها أذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك، وقيل: بل نؤجج نارا، وقال بعضهم: بل قرن مثل قرن اليهود فكرهه من أجل اليهود وقيل: الناقوس فكرهه من أجل النصارى ولكن عليه قاموا وأمر بالناقوس حتى يجيب.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٢٢.\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ١٣٤.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"4","page":82},{"text":"قال عبد الله بن زيد: فرأيت تلك الليلة رجلا في المنام عليه ثوبان أخضران ويحمل ناقوسا فقلت يا عبد الله اتبع الناقوس قال: وما تصنع به؟ قلت: ندعو به الناس إلى الصلاة، قال: أفلا أدلّك على ما هو خير منه؟ قلت: بلى، قال: قل: الله أكبر، الله أكبر إلى آخر الأذان ثم استأخر غير بعيد، وقال: إذا قامت الصلاة فقل: الله أكبر، الله أكبر فوصف له الإقامة فرادى، فلما استيقظت أتيت النبي ﷺ وأخبرته بذلك فقال: إنها رؤيا حق إنشاء الله فاتلها على بلال فإنه أندى منك صوتا، قال: فخرجنا إلى المسجد فجعلت ألقيها على بلال وهو يؤذن فسمع عمر في بيته فخرج يجر رداءه فقال: رأيت مثل الذي رأى ففرح النبي ﷺ وقال: ذلك أثبت.\nوروى أبو الزاهرية عن أبي شجرة عن رسول الله ﷺ قال: أوّل من أذّن في السماء فسمعه عمر ابن الخطاب (﵁) .!\nفأما فصل الأذان،\nفحدثنا أبو الحسن بن محمد بن القاسم الفارسي، عبد الله محمد بن إسحاق بن يحيى، أبو جعفر بن عبد الله بن الصياح، أبو عمر الدوري، أبو إبراهيم البرجماني عن سعيد بن سعيد عن نهشل أبي عبد الله القرشي عن الضّحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة لا يكترثون للحساب ولا يفزعهم الصيحة ولا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ: حامل القرآن يؤديه إلى الله بما فيه يقدم على ربّه سيّدا شريفا، ومؤذن أذن سبع سنين يأخذ على أذانه طمعا وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ومؤدي حقّ مولاه» «١» [٨٦] .\nأحمد بن محمد بن جعفر، أبو الحسن علي بن محمد القاضي، علي بن عبد العزيز أبي عمرو ابن عثمان حدثهم أبو ثميلة عن أبي حمزة عن جابر عن مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من أذّن سبع سنين محتسبا كتب له براءة من النار» «٢» [٨٧] .\nأبو الحسن الفارسي، أبو العلاء أحمد بن محمد بن كثير، [...] «٣» بن محمد، محمد ابن سلمة الواسطي، حميد بن سلمة الواسطي، حميد الطوسي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من أذن سنة من نية صادقة لا يطلب عليه أجر دعي يوم القيامة ووقف على باب الجنة وقيل له: اشفع لمن شئت» «٤» [٨٨] .\nأبو بكر محمد بن أحمد بن حمد التمار، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن دينار محمد ابن الحجاج بن عيسى، إبراهيم بن رستم، حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن ابن سلمة عن\n_________\n(١) كنز العمال: ١٥/ ٨٣١، ح ٤٣٣٠٨، بتفاوت يسير.\n(٢) كنز العمال: ٧/ ٦٨٣، ح ٢٠٩٠٤، الجامع الصغير: ٢/ ٥٦١، ح ٨٣٧٦.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) كنز العمال: ٧/ ٦٨٩، ح ٢٠٩٣٦.","vol":"4","page":83},{"text":"أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من أذّن خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن أمّ أصحابه خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» «١» [٨٩] .\nأبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي، الحسن بن محمد بن جشم أبو الموجة، عبدان، عبد الوارث، ومرّة الحنفي، يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ إنه قال: «إذا كان عند الأذان فتحت أبواب السماء فاستجيب الدعاء وإذا كان عند الإقامة لم يردّ دعواه» «٢» [٩٠] .\nأبو القاسم طاهر بن المعري، أبو محمد عبد الله بن أحمد المقري بالبصرة، عبد الله ابن أحمد الجصاص، يزيد بن عمر وأبو البر الغنوي، نائل بن نجيح، محمد بن الفضل عن سالم عن مجاهد عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «المؤذن المحتسب كالشهيد يتشحّط في دمه حتى يفرغ من أذانه ويشهد له كل رطب ويابس فإذا مات لم يدوّد في قبره» «٣» [٩١] .\nأبو محمد بن عبد الله بن حامد الصفياني، محمد بن جعفر الطبري قال: حماد بن الحسن، صالح ابن سليمان صاحب القراطيس، عتاب بن عبد الحميد السدوسي عن مطر عن الحسن عن أبي الوقّاص أنه قال: سهام المؤذنين عند الله يوم القيامة كسهام المهاجرين.\nوقال عبد الله بن مسعود: لو كنت مؤذنا لما باليت ألّا أحج ولا أعتمر ولا أجاهد، قال:\nوقال عمر بن الخطاب: لو كنت مؤذنا لكمل أمري وما باليت أن لا أنتسب لقيام ليل ولا لصيام نهار. سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اللهم اغفر للمؤذنين، اللهم اغفر للمؤذنين، اللهم اغفر للمؤذنين» .\nفقلت: يا رسول الله لقد تركنا ونحن خيار على الأذان بالسيوف. قال: «كلّا يا عمر إنه سيأتي على الناس زمان يتركون الأذان على ضعفائهم وتلك لحوم حرمها الله على النار لحوم المؤذنين» [٩٢] .\nقُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ «٤» الآية.\nقال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ نفر من اليهود، أبو ياسر بن الخطاب ورافع بن أبي رافع وعازار وزيد بن خالد وأزاريل أبي واشيع فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: «أؤمن بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ- إلى قوله- مُسْلِمُونَ» «٥» [٩٣]، فلما ذكر عيسى جحدوا\n_________\n(١) الجامع الصغير: ٢/ ٥٦٢، ح ٨٣٧٨.\n(٢) كنز العمال: ٢/ ١٠٨، ح ٣٣٧٢.\n(٣) مجمع الزوائد: ٢/ ٣.\n(٤) كنز العمال: ٨/ ٣٣٨، ح ٢٣١٥٨. [.....]\n(٥) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٣، وفيه: يؤمن، بدل: أؤمن.","vol":"4","page":84},{"text":"نبوته قالوا: والله ما نعلم أهل دين أولى حظا في الدنيا والآخرة دينا ولا دنيا شرار دينكم. فأنزل الله هذه الآية\nثم قال: قُلْ يا محمد هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أخبركم بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ الذين ذكرت يعني قولهم لم نر أهل دين أولى حظا في الدنيا والآخرة منكم فذكر الجواب بلفظ الابتداء وإن لم يكن الابتداء شرا كقوله تعالى للكفّار قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا «١» مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ ثوابا وجزاء وهو نصب على التفسير كقوله أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا وأصلها مثووبة على وزن مفعوله وقد جاءت مصادر على وزن المفعول نحو المفعول والميسور فأسقط عين الفعل استثقالا على الواو ونقلت حركتها إلى فاء الفعل وهي الثاء فصار مثوبة مثل معونة ومغوثة ومقولة مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ ويجوز أن يكون محل من خفضا على البدل ومن قوله بِشَرٍّ أو على معنى لمن يلعنه الله ويجوز أن يكون رفعا على إضمار هو.\nويجوز أن يكون نصبا على إيقاع أُنَبِّئُكُمْ عليه وَغَضِبَ الله عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فالقردة: أصحاب السبت. والخنازير: كفّار أهل مائدة عيسى.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: إن المسخين كلاهما من أصحاب نقبائهم مسخوا قردة ومشايخهم مسخوا خنازير، وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ فيه عشر قراءات، وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بفتح الباء والعين والتاء على الفعل وهي قراءة العامة، وجعل منهم من عبد الطاغوت، وتصديقها قراءة ابن مسعود ومن عبدوا الطاغوت. وقرأ ابن وثاب وحمزة. عَبُدِ الطَّاغُوتَ بفتح العين وضم الباء وكسر الدال أراد العبد وهما لغتان عبد وعبد مثل سبع وسبع وقرد وقرد.\nوأنشد حمزة في ذلك: كيف الصقيل القرد، بضم الراء ووجه آخر وهو إنه أراد الجمع أي خدم الطاغوت. فجمع العبد عباد ثم جمع العباد عبدا جمع الجمع مثل ثمار وثمر منهم استقبل الضمّتين المتواليتين فعرض من الأولى فتحه ولذلك في قراءة الأعمش وَعُبُدِ الطَّاغُوتَ بضم العين والتاء وكسر الدال.\nقال الشاعر:\nانسب العبد إلى آبائه ... أسود الجلدة من قوم عبد «٢»\nوذكر عن أبي جعفر القاري: إنه قرأ وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ على الفعل المجهول، وقرأ الحسن:\nوَعَبْدَ الطَّاغُوتِ على الواحد.\nقرأ أبو بردة الأسلمي: وعابد الطاغوت [باختلاف] «٣» على الواحد.\n_________\n(١) سورة الحج: ٧٢.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٣٦٩.\n(٣) هكذا في الأصل.","vol":"4","page":85},{"text":"وقرأ ابن عباس: وعبيد الطاغوت بالجمع، وقرأ أبو واقد الليثي: وعباد الطاغوت مثل كافر وكفار، وقرأ عون العقيلي وأبان بن ثعلب: وعُبَّدَ الطاغوت مثل ركع وسجد. وقرأ ابن عمير: واعبد الطاغوت مثل كلب وأكلب أُولئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ فلما نزلت هذه الآية تنذّر اليهود وقالوا إخوان القردة والخنازير فسكتوا وأفحموا، وفيهم يقول الشاعر:\nفلعنة الله على اليهود ... إن اليهود إخوة القرود «١»\nوَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا الآية، فهؤلاء المنافقون قاله المفسّرون.\nوقال ابن زيد: هؤلاء الذين قالوا: آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ الآية.\nوهذا التأويل أليق بظاهر التنزيل لأن هذه الآيات نزلت في اليهود وَتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ يعني من اليهود يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ إلى قوله لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعني العلماء وقيل: الرَّبَّانِيُّونَ علماء النصارى، وَالْأَحْبارُ علماء اليهود.\nوقرأ أبو واقد الليثي، وابن الجراح العقيلي: الربيون كقوله مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ «٢» .\nعَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وهذه أشد آية على ما أتى النهي عن المنكر حيث أنزلهم منزلة من يرتكبه وجمع بينهم في التوبيخ.\nالحسن بن أحمد بن محمد، وشعيب بن محمد بن شعيب عن إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن عدي، [الأحمسي] «٣»، البخاري عن عبد الحميد بن جعفر عن أبي إسحاق عن عبد الله بن جرير عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من رجل يجاور قوما فيعمل بالمعاصي بين ظهرانيهم فلا يأخذون على يديه إلّا وأوشك الله أن يعمهم منه بعقاب» «٤» [٩٤] .\nأبو عبد الله محمد، أحمد بن محمد بن يعقوب، عبد الله بن أسامة، أسيل بن زيد الجمال، يحيى بن سلمى بن مهنا عن أبيه عن الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: «مثل الفاسق في القوم مثل قوم ركبوا سفينة فاقتسموها فصار لكل إنسان فيها نصيب، فأخذ رجل منهم فأسا فجعل يضرب في موضعه فقال أصحابه: أي شيء تصنع تريد أن تغرق وتغرقنا؟ فقال: هو مكاني فإن أخذوا على يديه نجوا ونجا وإن تركوه غرقوا وغرق» «٥» [٩٥] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٦\n. (٢) سورة آل عمران: ١٤٦\n. (٣) هكذا في الأصل\n. (٤) المعجم الكبير: ٢/ ٣٣٢\n. (٥) المعجم الأوسط: ٨/ ٢٤٠ بتفاوت\n.","vol":"4","page":86},{"text":"وقال مالك بن دينار: أوصى الله إلى الملائكة أن عذّبوا قرية كذا فصاحت الملائكة إلى ربها: يا رب إن فيهم عبدك العابد. فقال: أسمعوني ضجيجه فإن وجهه لم يتغير غضبا لمحارمي وأوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفا من خيارهم وستين ألفا من شرارهم. فقال: يا ربّ فهؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي وواكلوهم وشاربوهم.\nوَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ.\nقال ابن عباس وعكرمة والضحّاك وقتادة: إن الله كان قد بسط على اليهود حتى كانوا من أكثر الناس مالا وأخصبهم ناحية فلما عصوا الله في محمد (﵇) وكذبوا به كفى الله عنهم ما بسط عليهم من السعة فعند ذلك قال فنحاص بن عازورا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ لم يردوا إلى عنقه ولكنهم أرادوا إنها مقبوضة بمعنى منه ممسكة عن الرزق فنسبوه إلى البخل.\nوقال أهل المعاني: إنما قال هذه المقالة فنحاص فلم ينهوا الآخرون ورضوا بقوله فأشركهم الله فيها وأرادوا باليد العطاء لأن عطاء الناس بذل معروفهم في الغالب بأيديهم واستعمل الناس اليد في وصف الإنسان بالرد والبخل.\nقال الشاعر:\nيداك يدا مجد فكف مفيد ... وكف إذا ما ضن بالمال ينفق «١»\nويقال للبخيل: جعد الأنامل، مقبوض الكف، كز الأصابع، مغلول اليدين، قال الله وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ الآية.\nقال الشاعر:\nكانت خراسان أرضا إذ يزيد بها ... وكل باب من الخيرات مفتوح «٢» .\n_________\n(١) جامع البيان: ٦/ ٤٠٤، وفيه: بالزاد، بدّل: بالمال، وفي لسان العرب: ٩/ ٣٠١. وفيه: صدق، بدل:\nمجد، وأخرى، بدل: وكف\n. (٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٨\n.","vol":"4","page":87},{"text":"فاستبدلت بعده جعدا أنامله ... كأنما وجهه يأكل منضوج\nوقال الحسن: معناه يد الله مكفوفة عن عذابنا فليس يعذبنا إلّا بما [يقرّبه] قيمة قدر ما عبد آباؤنا العجل. وهو سبعة أيّام.\nوقال مجاهد والسدّي: هو أن اليهود قالوا إن الله لما نزع ملكنا منا وضع يده على صدره يحمد إلينا ويقول: يا بني إسرائيل، يا بني أحباري لا أبسطها حتى أرد عليكم الملك. والقول الأول أولى بالصواب لقوله يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وقيل: هو استفهام تقديره: أيد الله مغلولة عنا؟\nحيث قتّر المعيشة علينا قال الله غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ أي مسكت أيديهم عن الخيرات وقبضت عن الانبساط بالعطيات.\nوقال يمان بن رئاب: شدد وثقل عليهم الشرائع، بيانه قوله وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ وقيل: هو من الغل في النار يوم القيامة كقوله إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ «١» وَلُعِنُوا عذبوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ اختلفوا في معنى يد الله سبحانه، فقال قوم: إن له يدا لا كالأيدي وأشاروا باليد إلى الجارحة ثم قصدوا نفي التشبيه بقوله لا كالأيدي وهذا غير مرضي من القول وفساده لا يخفى.\nوقال الآخرون: يده قدرته لقوله أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ «٢» .\nوقيل: هو ملكه كما يقال لمملوك الرجل، هو ملك يمينه. قال الله تعالى أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ «٣» أي إنه يملك ذلك، وعلى هذين القولين يكون لفظه مشبه ومعناه واحد لقوله وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ «٤» أراد به جنة واحدة. قاله الفرّاء: وأنشدني في بعضهم:\nومنهم يدين قدمين مرتين ... قطعة بالألم لا بالسمينين\nأراد منهما واحدا وسمنة واحدة.\nقال وأنشد في آخر:\nيمشي مكبدا ولهزمين ... قد جعل الأرطا جنتين\nأراد لهزما وجنة.\nوقيل: أراد بذلك نعمتاه. كما يقال: لفلان عندي يدا نعمة، وعلى هذا القول يكون بعضه\n_________\n(١) سورة غافر: ٧١\n. (٢) سورة ص: ٤٥\n. (٣) سورة البقرة: ٢٣٧ [.....]\n. (٤) سورة الرحمن: ٤٦\n.","vol":"4","page":88},{"text":"تشبيه ومعناه جمع كقوله وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «١» . والعرب تضع الواحد موضع الجمع كقوله وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا «٢» . لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ «٣» وإِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «٤» ونحوها، ويقول العرب: ما أكثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، ويضع التشبيه أيضا موضع الجمع كقوله أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ «٥» فأراد الجمع. قال امرؤ القيس:\nقفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل «٦»\nيدل عليه:\nوقوفا بها صحبي على مطيّهم «٧»\nيقول بأنه أخذ الجمع. قال محمد بن مقاتل الرازي: أراد نعمتان مبسوطتان نعمته في الدنيا ونعمته في الآخرة، وهذه تأويلات مدخولة لأن الله ﷿ ذكر له خلق آدم بيده على طريق التخصيص والتفصيل لآدم على إبليس، ولو كان تأويل اليد ما ذكروا لما كان لهذا التخصيص والتفضيل لآدم معنى لأن إبليس أيضا مخلوق بقدرة الله وفي ملك الله ونعمته.\nوقال أهل الحق: إنه صفة من صفات ذاته كالسمع والبصر والوجه، قال الحسن: إن الله سبحانه يداه لا توصف، دليل هذا التأويل إن الله ذكر اليد مرّة بلفظ اليد فقال عز من قائل قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ «٨» بِيَدِكَ الْخَيْرُ «٩» يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ «١٠» تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ «١١» .\nوقال (﵇): «يمين الله ملأن [لا يعيضن] «١٢» نفقة فترد به»\nوقال ﷿ مرّة وقال لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ «١٣» بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ.\n_________\n(١) سورة إبراهيم: ٣٤\n. (٢) سورة الفرقان: ٥٥\n. (٣) سورة البلد: ٤\n. (٤) سورة العصر: ٢\n. (٥) سورة ق: ٢٤\n. (٦) لسان العرب: ١٥/ ٢٠٩\n. (٧) تفسير القرطبي: ٦/ ١٣٣\n. (٨) سورة آل عمران: ٧٣\n. (٩) سورة آل عمران: ٢٦\n. (١٠) سورة الفتح: ١٠\n. (١١) سورة الملك: ١\n. (١٢) هكذا في الأصل\n. (١٣) سورة ص: ٧٥ [.....]\n.","vol":"4","page":89},{"text":"وقال (﷿): وكلتا يديه يمين وجمعه مرّة فقال مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا «١» قوله وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا بإنكارهم ومخالفتهم وتركهم الإيمان وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ يعني من اليهود والنصارى كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ يعني اليهود والنصارى أفسدوا وخالفوا حكم التوراة فغضب الله ﷿ فبعث عليهم بخت نصّر ثم أفسدوا فبعث الله عليهم وطرس الرومي ثم أفسدوا فسلّط الله عليهم المجوس ثمّ أفسدوا فسلّط الله عليهم المسلمين وكانوا كلما استقام أمرهم شتتهم الله تعالى وكلما جمعوا أمرهم على حرب رسول الله وأوقدوا نارا للحرب أَطْفَأَهَا اللَّهُ وقهرهم ونصر نبيه ودينه وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسادًا الآية وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ الآية وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعني أقاموا أحكامهما وحدودهما وعملوا بما فيهما وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ أي القرآن. وقيل: كتب بني إسرائيل لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ يعني المطر وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني النبات.\nوقال الفرّاء: إنما أراد به التوسعة كما يقال: فلان في خير من قرنه إلى قدمه، نظيره وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ «٢» مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ يعني مؤمني أهل الكتاب. ابن سلام وأصحابه وثمانية وأربعون رجلا من النصارى وهم النجاشي وبحيرا وسلمان الفارسي وخير مولى قريش وأصحابهم.\nقال ابن عباس: هم العاملة غير العالية ولا الحافية وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ كعب بن الأشرف وأصحابه، وأهل الروم. ساءَ ما يَعْمَلُونَ.\nيا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ.\nاختلفوا في تنزيل هذه الآية وتأويلها\nفروى محمد بن كعب القرضي عن أبي هريرة قال:\nكان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة فينزل تحتها ويقيل، فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه عليها فأتاه إعرابي وأخذ السيف من الشجرة واخترطه ثم أتى النبي ﷺ وهو نائم، فقال: يا محمد من يمنعك مني؟ فقال: الله. فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه وضرب برأسه الشجرة حتى انفرد ساعة فأنزل الله الآية [٩٦] .\n_________\n(١) سورة يس: ٧١\n. (٢) سورة الأعراف: ٩٦\n.","vol":"4","page":90},{"text":"وقال أنس: كان النبي ﷺ يحرس، قال: وقالت عائشة: فكنت ذات ليلة إلى جنبه فسهر تلك الليلة، فقلت: يا رسول الله ما شأنك؟ فقال: «ليت رجل صالح يحرسني الليلة» قالت:\nفبينما نحن في ذلك حتى سمعت صوت السلاح. فقال: من هذا؟ قال: سعد وحذيفة جئنا نحرسك، فنام رسول الله ﷺ حتى سمعت غطيطه فنزلت الآية فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من قبة أديم وقال: «انصرفوا أيها الناس فقد عصمني الله ﷿» «١» [٩٧] .\nوروى الحسن مرسلا إلى النبي ﷺ قال: «لمّا بعثني الله برسالته فضقت بها ذرعا وعرفت إن من الناس من يكذبني»\n«٢» [٩٨] وكان عتابه قريشا واليهود والنصارى فأنزل الله الآية، قلت:\nولما نزل قوله وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ سكت النبي (﵇) عن عيب الهتهم فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ «٣» يعني معايب آلهتهم.\nوقيل: نزلت في عيب اليهود وذلك\nإنه (﵇) دعا اليهود إلى الإسلام وقالوا:\nأسلمنا قبلك وجعلوا يستهزئون به ويقولون: تريد أن نتّخذك عيانا كما اتخذت النصارى عيانا عيسى، فلما رأى النبي (﵇) ذلك سكت فحرضه الله على دعائهم إلى الإسلام وأمره أن يقول لهم.\nيا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ الآية.\nقال الحسين بن الفضل: وهذا أولى الأقاويل لأنه ليس بين قوله بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وبين قوله لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ فصل.\nفلما نزلت الآية قال (﵇): «لا يأتي من عندي ومن نصرني» [٩٩] .\nوقيل: نزلت في قصة عيينة بن حصين وفقراء أهل الصفة وقيل: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من الرجم والقصاص ومرّ في قصة. وقيل: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من أمر نسائك. وذلك\nأن رسول الله لما نزلت آية التخيير لم يكن يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا فأنزل الله، وقيل: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في أمر زينب بنت جحش\n، وقيل: نزلت في الجهاد، وذلك إن المنافقين كرهوه، قال الله فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ «٤» الآية وكرهه أيضا بعض المؤمنين قال الله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ «٥» الآية، وكان (﵇) يمسك في بعض المسلمين عن الحث على الجهاد لما يعلم من كراهة القوم فأنزل الله الآية.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٨١ وتفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٤ وزاد المسير: ٢/ ٣٠١\n. (٢) زاد المسير: ٢/ ٣٠١، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٣\n. (٣) سورة المائدة: ٦٧\n. (٤) سورة محمّد: ٢٠\n. (٥) سورة النساء: ٧٧\n.","vol":"4","page":91},{"text":"وقال أبو جعفر محمد بن علي: معناه: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في فضل علي بن أبي طالب، فلما نزلت الآية أخذ (﵇) بيد علي، فقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» «١» [١٠٠] .\nأبو القاسم يعقوب بن أحمد السري، أبو بكر بن محمد بن عبد الله بن محمد، أبو مسلم إبراهيم ابن عبد الله الكعبي، الحجاج بن منهال، حماد عن علي بن زيد عن عدي بن ثابت عن البراء قال: لما نزلنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع كنّا بغدير خم فنادى إن الصلاة جامعة وكسح رسول الله ﵊ تحت شجرتين وأخذ بيد علي، فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم»؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «ألست أولى بكل مؤمن من نفسه»؟\nقالوا: بلى يا رسول الله، قال: «هذا مولى من أنا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» «٢» .\nقال: فلقيه عمر فقال: هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة.\nروى أبو محمد عبد الله بن محمد القائنيّ نا أبو الحسن محمد بن عثمان النصيبي نا: أبو بكر محمد ابن الحسن السبيعي نا علي بن محمد الدّهان، والحسين بن إبراهيم الجصاص قالا نا الحسن بن الحكم نا الحسن بن الحسين بن حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ قال: نزلت في علي (﵁) أمر النبي ﷺ أن يبلغ فيه فأخذ (﵇) بيد علي، وقال: «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» «٣» [١٠١] .\nوبَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في حقوق المسلمين\nفلما نزلت الآية خطب رسول الله ﷺ أي يوم هذا الحديث في خطبة الوداع، ثم قال: هل بلّغت؟\nوَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ قرأ ابن محيصن وابن قفال وأبو عمرو والأعمش وشبل: رِسالَتَهُ: على واحدة، وهي قراءة أصحاب عبد الله. الباقون جمع.\nفإن قيل: فأي فائدة في قوله: وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ولا يقال: كل من هذا الطعام وإن لم تأكل فما أكلته.\nالجواب فيه ما سمعت فيه أبا القاسم بن جندب سمعت علي بن مهدي الطبري يقول: أمر رسول الله ﷺ تبليغ ما أنزل إليك في الوقت والإتيان فيه. حتى تكثر الشركة والعدة وإن لم يفعل على كل ما أوصى الله إليه واحكم الله أن حرّم بعضها لأنه كمن لم يبلغ لأن تركه إبلاغ البعض محيط لإبلاغ ما بلغ. كقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ «٤» الآية.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٨٤\n. (٢) البداية والنهاية: ٥/ ٢٢٩\n. (٣) مسند أحمد: ٥/ ٣٧٠\n. (٤) سورة النساء: ١٥٠\n.","vol":"4","page":92},{"text":"فاعلم أن إيمانهم بالبعض إلى بعضهم وأن كفرهم بالبعض يحيط الإيمان بالبعض. وحاشى لرسول الله أن يكتم شيئا مما أوحى الله.\nقالت العلماء: الدعوة بقراءة الصلاة إذ البعض ركن من أركانها.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن [الأخدش] «١» يحكي عن الحسن ابن الفضل أنّه قال: معنى الآية بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ في الوقت حتى تكثر الشوكة والعدّة، ومن لم يفعل هذا كتب كمن لم يبلغ، وقيل: بلغ مجاهدا محتسبا صابرا غير خائف، وقيل: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إلى جميع الناس [ولا تخاف] .\nوهذه من الحدود التي يدل مقام القطع عليه «٢» .\nوَاللَّهُ يَعْصِمُكَ يحفظك ويمنعك مِنَ النَّاسِ ووجه هذه الآية، وقد شجّ جبينه وكسرت رباعيته وأوذي في عدة مواطن بضروب من الأذى، فالجواب أن معناها والله يعصمك منهم فلا يصلون إلى مثلك، وقيل: نزلت هذه الآية بعد ما شجّ جبينه وكسرت رباعيته لأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن.\nوقيل: معناه وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ يخصك بالعصمة من بين الناس لأنه كان نبي الوقت والنبي معصوم.\nإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ\nعن عبد الله الحسين بن محمد [الديلمي]، محمد ابن إسحاق السبتي، أبو عروة، عمرو بن هشام، محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن أبي عبد الملك عن القاسم عن أبي أمامة قال: كان رجل من بني هاشم يقال له ركانة وكان من أفتك الناس وأشدهم بأسا وكان مشركا وكان يرعى غنما له ويقال له أقسم فخرج نبي الله ﷺ من بيت عائشة ذات يوم متوجها قبل ذلك الوادي فلقيه ركانة وليس مع نبي الله أحد فقام إليه ركانه وقال:\nيا محمد أنت الذي تشتم آلهتنا اللات والعزى وتدعو إلى إلهك العزيز الحكيم؟ ولولا رحم بيني وبينك ما كلمتك حتى أقتلك ولكن أدع إلهك العزيز الحكيم يخلصك مني اليوم وسأعرض عليك أمرا هل لك أن أصارعك وتدعو إلهك العزيز الحكيم يعينك عليّ وأنا أدعو اللات والعزى فإن أنت صرعتني فلك عشرة من غنمي وتختارها فقال (﵇): قم إن شئت واتخذ العهد ودعا النبي ﷺ إلهه العزيز الحكيم أن يعينه على ركانة، ودعا ركانة إلهه-[اللات والعزى]- أن أعنّي اليوم على محمد فأخذه النبي (﵇) فصرعه وجلس على صدره.\nفقال ركانة: يا محمد قم فلست الذي فعلت هذا بي إنما إلهك العزيز الحكيم وخذله\n_________\n(١) هكذا في الأصل\n. (٢) يراجع أحكام القرآن للجصّاص: ٥٦١\n.","vol":"4","page":93},{"text":"اللات والعزى وما وضع أحد جنبي قبلك، فقال ركانة: عد فإن أنت صرعتني فلك عشرة أخرى ومن خيارها. فقام النبي (﵇) ودعا كل واحد منهما إلهه كما فعلا أول مرّة فصرعه النبي ﷺ وجلس على كبده، فقال له ركانة: فلست أنت الذي فعلت فيّ هذا إنما فعله إلهك العزيز الحكيم وخذله اللات والعزى وما وضع جنبي أحد قبلك، فقال له ركانة: عد فإن أنت صرعتني فلك عشرة أخرى تختارها فأخذ مني الله ودعا كل واحد منهما إلهه فصرعه نبي الله الثالثة، فقال له ركانة: لست أنت الذي فعلت بي هذا إنما فعله إلهك العزيز الحكيم وخذله اللات والعزى فدونك ثلاثين شاة من غنمي فأخسرها.\nفقال له النبي ﷺ: لا أريد ذلك ولكن أدعوك إلى الإسلام وأركانه وأنفس بك أن تصير إلى النار، إنك إن تسلم تسلم فقال له ركانة: ألا تريني آية، فقال له نبي الله (﵇) الله شهيد عليك لئن أنا دعوت ربي ﷿ لهذا لتجيبني إلى ما دعوتك إليه؟ قال: نعم، وقريب منهما شجرة ذات فروع وقضبان فأشار نبي الله (﵇)، فقال لها: أقبلي بإذن الله فانشقت إثنتين وأتت على نصف شقها وقضبانها وفروعها حتى كانت بين يدي النبي ﷺ وبين ركانة فقال له ركانة: أريتني عظيما، فمرها فلترجع، فقال (﵇) الله شهيد عليك لئن أنا دعوت ربي ﷿ فأمرها فرجعت لتجيبني إلى ما دعوتك إليه؟\nقال: نعم، فأمرها النبي (﵇) فرجعت بقضبانها وفروعها حتى التأمت فلما قال النبي ﷺ: أسلم تسلم، فقال له ركانة: فما لي ألّا أكون أما أنا فقد رأيت عظيما، ولكني أكره أن يتحدث فينا أهل المدينة وفتيانهم فيّ إنما أجيبك لرعب دخل قلبي منك، ولكن قد علمت في أهل المدينة وصبيانهم إنه لم يوضع جنبي قط ولم يدخل قلبي رعب ساعة قط ليلا ولا نهارا فلك دونك فاختر غنمك، فقال (﵇): ليس في حاجة إلى غنمك إذ أبيت أن تسلم، فانطلق رسول الله ﷺ راجعا فأقبل أبو بكر وعمر يسألانه في بيت عائشة فأخبرتهما إنه قد توجه قبل وادي أضم وقد عرفا إنه وادي ركانة لا يخطيه، فخرجا في طلبه وأشفقا أن يلقاه ركانة فيقتله، فجعلا يصعدان على كل شرفة ونظرا فإذا هما كذلك إذ نظر نبي الله (﵇) مقبلا، فقالا:\nيا نبي الله كيف تخرج إلى هذا الوادي وحدك وقد عرفت إنه جهة ركانة وإنه من أفتك الناس وأشدهم تكذيبا لك، فضحك إليهما النبي ﷺ وقال: «اليس الله يقول: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إنه لم يكن يصل إليّ والله معي» وأنشأ يحدثهما حديث ركانة والذي فعله به والذي أراه فعجبا من ذلك وقالا: يا رسول الله عرفت ركانة فلا والذي بعثك بالحق ما نعلم إنه وضع جنبيه إنسان قط، فقال (﵇): «إني دعوت ربي ﷿ فأعانني عليه، وإن ربي قال خذ عشرة لك وبقوة عشرة» [١٠٢] .","vol":"4","page":94},{"text":"قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ من الدين حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ يا محمد مِنْ رَبِّكَ طُغْيانًا وَكُفْرًا حيث أمرهم بالقرآن مع قيام الدلالة والحجة عليهم فَلا تَأْسَ فلا تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى كان حقه والصابئين وإنما رفعه عطفا على الَّذِينَ قبل دخول أنّ فلا يحدث معنى كما تقول: زيد قائم، وأن زيدا قائم معناها واحد، وقرأ الحسن إن الله وملائكتُهُ برفع التاء وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحًا الآية.\nلَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ في التوحيد والنبوّة وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا إلى قوله وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ وظنوا أن لا يكون ابتلاء واختبار. ورفع نونه بعض قرّاء العراق فمن نصب فعلى ترك المبالاة بلا ومن رفع فعلى معنى لا يكون فَعَمُوا، عن الحسن: فلم يبصروه وَصَمُّوا عنه فلم يسمعونه وكان ذلك عقوبتهم ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا بعد ذلك بخذلانهم أيا منهم في قتال كَثِيرٌ مِنْهُمْ وهم كفار أهل الكتاب وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ يعني الملكانية وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ الآية.\nلَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ هي النسطورية وذلك إنهم قالوا أبا وابنا وروحا قدسيا وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ إلى قوله لَيَمَسَّنَّ لتصيبن الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ خص الكفر","vol":"4","page":95},{"text":"لعلمه أن بعضهم [لهم] «١» عَذابٌ أَلِيمٌ أَفَلا يَتُوبُونَ الآية.\nمَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلى قوله وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ الآية، تصدق، وقال مقاتل: إنما سميت صديقة لأنها لما أتاها جبرئيل، وهي في منجم وقال لها: إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ\nصدّقته كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ في هذا المعنى هذا عبارة عن الحدث ومن أكل وأحدث لا يستحق أن يكون إلها انْظُرْ يا محمد كَيْفَ نُبَيِّنُ إلى قوله أَنَّى يُؤْفَكُونَ [يرتدون] عن الحق قُلْ أَتَعْبُدُونَ الآية قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ يعني النصارى لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ لا تجاوزوا الحق إلى غيره وَلا تَتَّبِعُوا الآية.\nلُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ أي عذبوا بالمسيح فقال عَلى لِسانِ داوُدَ.\nيعني أهل أيلة لما اعتدوا في السبت، قال داود: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا قردة وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يعني كفّار أصحاب المائدة لمّا لم يؤمنوا، قال عيسى: اللهم العنهم واجعلهم آية فمسخوا خنازير ذلِكَ بِما عَصَوْا الآية كانُوا لا يَتَناهَوْنَ أي لا ينهي بعضهم بعضا عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ الآية.\nالحسن بن محمد بن الحسين، موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، عبد الله بن سنان، عبد العزيز بن الخطاب، خالد بن عبد الله، العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة عن ابن مسعود، الحسن بن محمد، أحمد بن محمد بن إسحاق، أبو علي الموصلي، وهب بن منبه، خالد عن العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن من كان قبلكم من بني إسرائيل إذا عمل العامل منهم الخطيئة نهاه الناهي تعذيرا فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه وكأنه لم يره على خطيئة بالأمس، فلما رأى الله ذلك منهم ضرب بقلوب بعضهم على بعض وجعل منهم القردة والخنازير ولعنه عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ» .\n«والذي نفسي بيده لتأمرون بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر، ولتأخذن على يد المسيء\n_________\n(١) هكذا في الأصل [.....]\n.","vol":"4","page":96},{"text":"ولتأطرنه على الحق إطرا أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ويلعنكم كما لعنهم» «١» [١٠٣] .\nتَرى كَثِيرًا مِنْهُمْ أي من اليهود، كعب بن الأشرف وأصحابه يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا منكر في منكر حين خرجوا إليها يعينون على محمد (﵇) لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عذاب الله عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ محمد وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من القرآن ومَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني من لم يسلم.\nلَتَجِدَنَّ يا محمد أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ يهود أهل المدينة.\nأخبرنا الحسن بن محمد بن الحسين، أبو جعفر علي بن محمد بن أحمد الصفار الهمداني، أبو علي عبد الله بن علي بن الزبير النخعي، إسماعيل بن بهرام الأشجعي، عباد ابن العوّام عن يحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما خلا يهوديان بمسلم إلّا همّا بقتله» «٢» [١٠٤] .\nوَالَّذِينَ أَشْرَكُوا مشركي العرب وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى لم يرد به جميع النصارى مع ما فيهم من عداوة المسلمين وتخريب بلادهم وهدم\n_________\n(١) كنز العمال: ٣/ ٧٧، ح ٥٥٧٣\n. (٢) كشف الخفاء: ٢/ ١٨٧، ح ٢٢١٠\n.","vol":"4","page":97},{"text":"مساجدهم وقتلهم وأسرهم وإحراق مصاحفهم لا ولا كرامة لهم وإنما نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه.\nقال المفسرون: ائتمرت قريش بأن يفتنوا المؤمنين عن دينهم فوثبت كل قبيلة على محمد فيها من المسلمين يؤذونهم ويعذبونهم فأفتن ما أفتن وعصم الله منهم من شاء ومنع الله رسوله بعمّه أبي طالب فلما رأى رسول الله ﷺ ما بأصحابه ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بعد بالجهاد أمرهم بالخروج إلى أرض الحبشة وقال: «إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده أحد» «١» [١٠٥] .\nفأخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين فرجا وأراد به النجاشي واسمه أصحمة وهو الحبشة عطية فإنما النجاشي اسم الملك كقوله قيصر وكسرى فخرج إليها سرا عشرون رجلا وأربع نسوة وهم عثمان بن عفان وامرأته رقية بنت رسول الله ﷺ والزبير بن العوام وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف وأبو حذيفة بن عتبة وامرأته سهلة بنت سهيل بن عمرو ومصعب بن عمير وأبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أبي أمية وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت أبي خيثمة وحاطب بن عمرو وسهيل بن البيضاء فخرجوا إلى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار وذلك في رجب في السنة الخامسة من مبعث رسول الله ﷺ وهذه الهجرة الأولى، ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون إليها وكان جميع من هاجر إلى الحبشة من المسلمين إثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك وجّهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردهم إليه فيعصمهم الله وقد ذكرت هذه القصة في سورة آل عمران، فلما انصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول الله ﷺ هجرته إلى المدينة وذلك في سنة ستة من الهجرة كتب رسول الله (﵇) إلى النجاشي على يدي عمرو بن أمية الضمري يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان وكانت هاجرت مع زوجها فمات زوجها وبعث إليه من عنده من المسلمين.\nفأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية لها يقال لها أبرهة فزوجها حطيئة رسول الله ﷺ إياها وأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك وأمر بها أن يوكل من زوجها فوكلت خالد بن الوليد بن العاص حتى أنكحها على صداق أربعمائة دينار وكان الخاطب لرسول الله النجاشي فدعا النجاشي بأربعمائة دينار وأخذها إلى أم حبيبة على يدي أبرهة فلما جاءتها بها أعطتها منها خمسين دينارا فقالت أبرهة: قد أمرني الملك أن لا آخذ منك شيئا فإن أرد الذي أخذت منك وأنا صاحبة دهن الملك وثيابه وقد صدقت محمدا رسول الله ﷺ وآمنت به وحاجتي إليك أن تقرأه منّي السلام قالت: نعم، وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بما عندهن من عود وعنبر\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٤٠٠\n.","vol":"4","page":98},{"text":"وكان رسول الله ﷺ يراه عليها وعندها فلا ينكره، فقالت: أم حبيب: فخرجنا في سفينتين وبعث النجاشي معنا الملاحين «١» حتى قدمنا الجار ثم ركبنا الظهر إلى المدينة فوجدنا رسول الله ﷺ.\nبخيبر فخرج من خرج إليه وأقمت بالمدينة حتى قدم رسول الله ﷺ فدخلت عليه وكان يسألني عن النجاشي وقرأت عليه من أبرهة السلام فرد رسول الله ﷺ وقال: «لا أدري أنا بفتح خيبر أشد أم بقدوم جعفر» «٢» [١٠٦] وأنزل الله تعالى عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً يعني أبا سفيان مودة بتزويج أم حبيبة [فقيل لأبي سفيان وهو يومئذ مشرك يحارب النبي ﷺ: إنّ محمّدا قد نكح ابنتك قال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه] «٣» .\nوبعث النجاشي بعد قدوم جعفر إلى رسول الله ﷺ ابنه أرها بن أصحمة مع ستين رجلا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله أشهد أنّك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت لله رب العالمين، وقد بعثت إليك أرها وإن شئت أن آتيك بنفسي فعلت والسلام عليكم يا رسول الله.\nفركبوا سفينة مع جعفر وأصحابه، حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا ورأى جعفر وأصحابه رسول الله في سبعين رجلا عليهم ثياب الصوف منهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم خيرة الحبشة الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وتمام ومريد وأيمن فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى آخرها فبكوا. حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: جئتنا بما كان ينزل على عيسى (﵇) فأنزل الله تعالى فيهم لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً إلى قوله نَصارى يعني وفد النجاشي الذين غرقوا مع جعفر بن أبي طالب وهم السبعون وكانوا أصحاب الصوامع.\nوقال مقاتل والكلبي: كانوا أربعين رجلا اثنان وثلاثون في الحبشة وثمانية من أهل الشام.\nعطاء: كانوا ثمانين رجلا أربعون رجلا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية روميّون من أهل الشام.\nوقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من أهل الحق وكانوا لعيسى يؤمنون به وينتهون إليه فلما بعث الله محمدا صدّقوه وآمنوا به فأثنى الله عليهم ذلك بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ، أي علماء.\nقال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم.\nوقال ورقة:\n_________\n(١) في المصدر: النواتي\n. (٢) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٩٦\n. (٣) تاريخ دمشق: ٢٣/ ٤٤٦\n.","vol":"4","page":99},{"text":"بما خبرتنا من قول قس ... من الرهبان أكره أن يعوجا «١»\nوقال عروة بن الزبير حرّفت النصارى الإنجيل فأدخلوا فيه ما ليس منه وكان الذي غيّر ذلك أربعة نفر لوقاس ومرقوس ويحنس ومتيوس، وبقي قيس على الحق وعلى الاستقامة والإقتصاد فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس «٢» .\nعبد الله بن يوسف بن أحمد، محمد بن حامد بن محمد التميمي الحسن بن الهيثم السمري، عبد الله بن محمد، يحيى بن الحمامي، نصير عن زياد الطائي عن الصلت الدهان عن [حامية] «٣» بن رئاب عن سلمان قال: قرأت على رسول الله ﷺ ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا فاقرأ في ذلك بأن منهم صديقين ورهبانا\nالرهبان العبّاد وهم أصحاب الصوامع وأخذهم راهب مثل فارس وفرسان، وراكب وركبان، وقد يكون واحدا وجمعه رهابين، مثل قربان وقرابين، وجردان وجرادين، وأنشد في الواحد:\nلو كلمت رهبان دير في القلل ... لانحدر الرهبان يسعى فنزل «٤»\nوأنشد في الجمع:\nرهبان مدين لو رأوك تنزلوا ... العصم من شعف العقول الغادر «٥»\nوهو من قول القائل: رهب الله أي خافه، يرهبه رهبة ورهبا ورهبانا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ لا يتكبرون عن الإيمان والإذعان للحق وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ محمد ﷺ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ.\nأبو عثمان بن أبي بكر الزعفراني، شيخي، أبو جعفر بن أبي خالد عبد الرحمن بن عمر ابن يزيد، ابن أبي عدي، سعيد عن عمرو بن مرّة قال: قدم على أبي بكر الصديق وفد من اليمن.\nفقالوا: اقرأ علينا القرآن، فقرأ عليهم القرآن فجعلوا يبكون فقال أبو بكر: كذا كنا حتى قست القلوب، وكان أبو بكر لا يملك دمعة حين يقرأ القرآن يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ يعني أمة محمد (﵇) دليله قوله لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ إلى قوله الصَّالِحِينَ أي في أمة محمد (﵇) دليله قوله يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ فَأَثابَهُمُ اللَّهُ جازاهم الله بِما قالُوا إلى قوله خالِدِينَ فِيها على قولهم بالإخلاص بدليل قوله وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ... الآية.\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٢/ ٣٦٢ وذكر بقية الأبيات\n. (٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٥٧\n. (٣) كذا في تفسير القرطبي، وفي تفسير ابن كثير: جاثمة بن رئاب\n. (٤) لسان العرب: ١/ ٤٣٧\n. (٥) لسان العرب: ١/ ٤٣٧\n.","vol":"4","page":100},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا الآية.\nقال المفسرون: جلس رسول الله ﷺ يوما فذكّر الناس يوم القيامة ولم يزدهم على التخويف فرقّ الناس وبكوا فاجتمع عشرة من أصحابه في بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم:\nأبو بكر وعلي، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر وأبو ذر الغفاري، وسالم مولى أبي حذيفة، والمقداد بن الأسود، وسلمان الفارسي، ومعقل بن مقرن، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويصوموا الليل ولا يناموا على فرشهم، ولا يأكلوا اللحم والودك، ولا يقربوا النساء والطيب، ويلبسوا المسموح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض فيذهبوا ويجبوا مذاكيرهم فبلغ ذلك رسول الله ﷺ: فأتى دار عثمان بن مظعون، فلم يصادفه فقال لامرأته أم حكم بنت أبي أمية: أين الحولاء وكانت عطارة: أحقّ ما بلغني عن زوجك وأصحابه؟ فكرهت أن تكذب رسول الله وكرهت أن تبدي على زوجها، فقالت: يا رسول الله إن كان أخبرك عثمان فقد صدقك فانصرف رسول الله ﷺ فلما دخل عثمان أخبرته بذلك، فأتى رسول الله هو وأصحابه.\nفقال لهم: «ألم أنبأ إنكم اتفقتم على كذا وكذا»، قالوا: بلى يا رسول الله وما أردنا إلّا الخير، فقال (﵇): إني لم أؤمر بذلك ثم قال: «إن لأنفسكم عليكم حقا صوموا وأفطروا وقوموا وناموا فإني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وآكل اللحم والدسم وآتي النساء ومن رغب عن سنتي فليس مني» .\nثم جمع الناس وخاطبهم ثم قال: «ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا أما أني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء واتخاذ الصوامع وإن سياحة أمتي الصوم ورهبانيتهم الجهاد اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وحجوا واعتمروا وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وصوموا رمضان واستقيموا يستقيم لكم فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم باطلا بإقدامهم في الديرات والصوامع فأنزل الله تعالى هذه الآية» «١» [١٠٧] .\nوروى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: ضاف عبد الله بن رواحة ضيفا فانقلب ابن رواحة ولم يتعشّ فقال لزوجته: ما عشيتيه؟ فقالت: كان الطعام قليلا فانتظرتك، فقال: جست ضيفي من أجلي؟ طعامك عليّ حرام فقالت: وهو عليّ حرام إن لم تأكله. وقال الضيف: وهو حرام إن ذقته إن لم تأكلوه، فلما رأى ذلك ابن رواحة، قال: قرّبي طعامك كلوا بسم الله وجاء إلى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك، فقال (﵇): أحسنت ونزلت هذه الآية.\nروى عكرمة عن ابن عباس: إن رجلا أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله إني\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ١٣٧ بتفاوت يسير وتفسير مجمع البيان: ٣/ ٤٠٤ بتفاوت يسير\n.","vol":"4","page":101},{"text":"صمت من اللحم فأشريت، وأخذتني شهوة فحرمت اللحم، فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ يعني اللذات التي تشتهيها النفوس وتميل إليها القلوب، وما أحل الله لكم من المطاعم الطيبة والمشارب اللذيذة وَلا تَعْتَدُوا ولا تجاوزوا الحلال إلى الحرام.\nوقيل: هو جبّ المذاكير وقطع آلة التناسل وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا قال عبد الله بن المبارك: الحلال ما أخذته من وجهه والطيب ما غذا ونما فأما الجوامد والطين والتراب، وما لا يغذي فمتروك إلّا على جهة للتداوي وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ.\nروي عن عائشة وأبي موسى الأشعري أن النبي (﵇) كان يأكل الفالوذج والدجاج وكان يعجبه الحلواء والعسل وقال: «إن المؤمن حلو يحب الحلاوة» «١» . وقال: «في بطن المؤمن زاوية لا يملأها إلّا الحلواء» «٢» [١٠٨] .\nوروي أن الحسن كان يأكل الفالوذج فدخل عليه فرقد السبخي فقال: يا فرقد ما تقول في هذا؟ فقال فرقد: لا آكله فلا أحب أكله فأقبل الحسن على غيره كالمتعجب وقال: يا هذا أتحب لباب البر مع سمن البقر؟ هل يعيبه مسلم.\nوجاء رجل إلى الحسن فقال: إن لي جار لا يأكل الفالوذ، قال: ولم؟ قال: يقول: لا يروي شكره. قال الحسن: ويشرب الماء البارد؟ قال: نعم، قال: جارك جاهل إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذ.\nقال ابن عباس: لما نزلت لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ الآيتين، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتّفقوا «٣» فأنزل الله تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ\nقرأ أهل الحجاز والبصرة عَقَّدْتُمُ مشددا بمعنى وكّدتم، واختار أبو حاتم فقرأها أهل الكوفة بالتخفيف واختاره أبو عبيدة. [والتشديد التكرير مرّة بعد مرّة، ...] أمن أن يلزم من قراءتك. [الفراء]: أن لا يوجب الكفارة عليه في اليمين الواحدة متى يرددها مرارا وهذا خلاف الإجماع. وقرأ أهل الشام: عاقدتم بالألف، يكون من واحد مثل: جاياك الله ونحوها.\nوقرأ الأعمش بما عقدت الأيمان جعل الفعل الإتيان.\nومعنى الآية ما قصدتم وتعمدتم وأردتم ونويتم كقوله بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ.\n_________\n(١) كنز العمال ١/ ١٤٦، والجامع الصغير: ٢/ ٢٥٩ وفيه: قلب المؤمن\n. (٢) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٤٠٦ [.....]\n. (٣) تفسير الطبري: ٧/ ١٩، وأسباب النزول للواحدي: ١٣٨\n.","vol":"4","page":102},{"text":"فَكَفَّارَتُهُ أي كفّارة ما عقدتم من الأيمان إذا حلفتم إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ واختلفوا في قدرها.\nفقال الشافعي: مدّ وضوء النبي (﵇) والمدّ رطل وثلث، وكذلك في جميع الكفارات، وهو قول ثابت وابن عباس وابن عمر وابن المسيب والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء والحسن واحتجوا بها.\nأبو بكر الجورقي، أبو العباس بن منصور الفيروزآبادي، أحمد بن حفص حدّثني أبي حدّثني إبراهيم بن طهمان عن منصور بن المعتمر عن الزهري عن حمد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: رجل أتى رسول الله ﷺ فقال: إني وقعت على أهلي وذلك في رمضان، فأمره أن يعتق رقبة، قال: ما أجدها، قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: ما أطيقه، قال: «فأطعم ستين مسكينا»، قال: ما أجد، قال: فأتى رسول الله ﷺ بكيل فيه خمسة عشر صاعا من تمر، قال:\n«خذ هذا فأطعمه»، قال: والذي بعثك بالحق ما بين] لابتيها أدلّ شيء هو منها [فقال رسول الله ﷺ: «خذه في أطعمة أهلك»\n«١» [...] «٢» وخمسة عشر صاعا إذا قسم على ستين مسكينا خص كل مسكين له مد [١٠٩] .\nوقال أبو حنيفة: إن أطعم من الحنطة نصف صاع وإن أطعم من الشعير والتمر والزيت ونحوها فإنه يعطى صاعا كاملا لا يجزي أقل من ذلك، وقول عمر بن الخطاب وابنه والنخعي والشعبي وابن جبير ومجاهد والحكم والضحّاك واحتجوا\nبحديث النبي ﷺ أنه أتي بوسق صاعا فأعطى رجلا وجبت عليه كفّارة، وقال: «أعطه لستين مسكينا» .\nوقال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ومحمد بن كعب: غداء وعشاء\n، وعند الشافعي لا يجوز أحد القيم في الزكوات والكفارات، وأجاز أبو حنيفة فاعتبر الشافعي النص. وأبو حنيفة المنفعة والمصلحة، وعند الشافعي لا يجوز أن يعطى أقل من عشرة مساكين وأبو حنيفة إن أعطى مسكينا في عشرة أيام جاز، وقال الشافعي: لا يجوز أن يعطي الكفارة إلّا حرّا مسلما محتاجا ولا يجوز أن يعطى العبيد والكفار ولا الأغنياء.\nفقال أبو حنيفة: إن أعطى الكفارة أهل الذمة جاز فأما الزكاة فلا يجوز أن يعطى أهل الذمة بلا خلاف، ودليل الشافعي قوله وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ «٣» والكافر من أسفه السفهاء قال الله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ «٤» وحجة أبي حنيفة قوله\n_________\n(١) فتح الباري: ١٠/ ٤٥٧\n. (٢) كلام غير مقروء\n. (٣) سورة النساء: ٥\n. (٤) سورة البقرة: ١٣\n.","vol":"4","page":103},{"text":"وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ «١» الآية. [والأسير] لا يكون إلّا من الكافرين مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أي من خير قوت عيالكم فلو إنه يقتات الحنطة لم يخوله أن يعطى الشعير.\nوقرأ الصادق: أهاليكم وكسوتهم قرأه العامة: بكسر الكاف، وقرأ السلمي نصبه.\nوهما لغتان مثل إسوة وأسوة، ورشوة ورشوة.\nوقرأ ابن جبير أو كاسوتهم يعني كاسوة أهلك في الطعام والأسوة الميل والتمايل أي يطعمون المساكين كما يطعمون أهليكم، واختلف العلماء في الكسوة التي تجري في الكفارات\nوقال قوم: هي ثوب واحد مما يقع عليه اسم الكسوة أزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو كساء أو عمامة ونحوها. وهو قول ابن عباس والحكم والحسن ومجاهد وعطاء والباقر وإليه ذهب الشافعي\n. وقال آخرون: ثوب جامع لا تجزي فيها العمامة، وهو مذهب النخعي وأبي حنيفة وقال [مالك كل] ما يجوز فيه الصلاة.\nوقال ابن المسيب والضحّاك: لكل مسكين ثوبان، واحتجا بأن أبا موسى الأشعري كان بذمته كفارة فكسا عشرة مساكين لكل واحد ثوبين ظهرانيا ومعقدا من معقد البحرين.\nوقال شهر بن حوشب: ثوب ثمنه خمسة دراهم أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ.\nقال الشافعي: لا يجوز في كفارة واجبة إلّا رقبة مؤمنة، مثل كفارة القتل واليمين والظهار والجماع في نهار رمضان.\nوالسدي [والوصيفة] ووافقه أبو حنيفة في كفارة القتل وأجاز في غيرها الرقبة الكافرة، ودليل الشافعي أن الله ﷿ قاله في كفارة القتل فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ «٢» فقيّد وأطلق في سائرها والمطلق محمول على المقيّد واحتج أيضا بما\nروى: إن رجلا جاء إلى النبي (﵇) فقال: أوجبت يا رسول الله، فقال: أعتق رقبة فجاء برقبة أعجمية إلى النبي (﵇)، فقال لها رسول الله: من ربك؟ ففهمها الله فأشارت إنه واحد، فقال: من أنا؟\nفأشارت إلى السماء أي إنك رسول الله، فقال (﵇): «أعتقها فإنها مؤمنة» «٣» وأوجبت لفظة مطلقة [يحتمله] .\nوروى أبو سلمة عن الشديد أن أمه أوصت أن يعتق عنها رقبة فجاء رسول الله ﷺ، وقال: إن أمي أوصت أن يعتق عنها رقبة وعندي جارية نوبية سوداء أفأعتقها؟ قال: أدع بها فجيء بها، فقال: من ربك؟ قالت: الله، قال: من أنا، قالت: رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة\n، واتبع أبو حنيفة ظاهر الآية.\n_________\n(١) سورة الإنسان: ٨\n. (٢) سورة النساء: ٩٢\n. (٣) مسند أحمد: ٢/ ٢٩١، السنن الكبرى للبيهقي: ٧/ ٣٨٨\n.","vol":"4","page":104},{"text":"ويجوز في الكفارة من الرقاب الصغير والكبير والذكر والأنثى، وأما إذا كان معيوبا فاعلم أن العيب عيبان عيب يمنعه من العمل. فلا يجوز مثل الأعمى، والأشل والمقعد والمجنون المطبق والأخرس. فإن كان عيبا خفيفا لا يمنعه من العمل فيجوز مثل الأجدع والمقطوع الخنصر ونحوها وهذا كما يقول في الكسوة. فإن كان الثوب لبيسا قد بلي وانقطع منه جل المنفعة لم يجز وإن لبس خفيفا لم ينقطع منه جل المنفعة. والمكفّر بالخيار، مخير بين هذه الأشياء لأن الله ذكره بلفظ التخيير وهو أو فَمَنْ لَمْ يَجِدْ واختلف الفقهاء في صفة من لم يجد متى يجوز له الصيام.\nفقال أبو حنيفة: إذا كان عندهم [مائتا] درهم وعشرون مثقالا أو أقل ما يجب فيه الزكاة لم يجز له الصيام، فإن كان أقل من ذلك فهو غير واجد وجاز له الصوم.\nوقال متأخرو الفقهاء: إذا كان له كفاية من المال يتصرف فيها لمعاشه. فإن فضل عن رأس ماله مقدار ما يكفر منه بالإطعام فليس له أن يصوم وإن لم يفضل عن رأس ماله مقدار ما يطعم فله أن يصوم.\nوقال الشافعي: إذا كان عنده قوته وقوت عياله يومه وليلته ومن الفضل ما يطعم عشرة مساكين لزمته الكفارة بالطعام وإن لم يكن عنده هذا القدر فله الصيام «١» .\nوقال بعضهم: إذا ملك ما يمكنه الإطعام فليس له الصيام وإن لم يفضل له من الكفاية شيء. وهو قول ابن جبير والحسن قالا: إذا كان عنده درهمان وثلاثة فهو واحد وإن لم يجد شيئا من هذا فَصِيامُ أي فعليه أي فكفارته صيام ثَلاثَةِ أَيَّامٍ واختلفوا في كيفية الصيام.\nفللشافعي فيه قولان، أحدهما: إنها متتابعة وإن فرده لم يجز، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري واختيار المزني قياسا على الصوم في كفارة الظهار واعتبارا بقراءة عبد الله وأبي، فصيام ثلاثة أيام متتابعات وهذا قول ابن عباس وقتادة. والقول الثاني: إنه بالخيار إن شاء تابع وإن يشأ فرق والمتابعة أحسن وأفضل وهو مذهب مالك.\nذلِكَ الذي ذكرت كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ قسمتم كقوله فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ «٢» وقوله فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ «٣» يعني [فأقصر وأحلق] وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ فلا تحلفوا فإذا حلفتم فلا تحزنون كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.\n_________\n(١) راجع كتاب الام: ٢/ ٦٩\n. (٢) سورة البقرة: ١٨٤. ١٨٥\n. (٣) سورة البقرة: ١٩٦\n.","vol":"4","page":105},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وقد مرّ تفسيره، فإن جمعه تحريمها وسنذكر أخبارا في الوعيد الوارد في شربها واتخاذها وبيعها وبالله التوفيق.\nعن الشيخ أبو عمرو أحمد بن أبي الفراني، الحاكم أبو الفضل محمد بن أحمد بن عبد الله المروزي حدثني عبد الله بن يحيى حدثني الحسين بن المبارك حدثني عتبة بن الوليد عن عبد الله ابن حبيب عن الزهري عن ابن المسيب عن عثمان بن عفان قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يجمع الخمر والإيمان في امرئ أبدا» «١» [١١٠] .\nأحمد بن أبي، عمران بن موسى، ومارود بن بطن، عثمان بن أبي شيبة، محمد بن أبي سلمى الأصفهاني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«مدمن الخمر كعابد الوثن» [١١١] «٢» .\nأحمد بن أبي، محمد بن يعقوب، الربيع بن سليمان، الشافعي مالك عن نافع عن ابن عمر إن رسول الله ﷺ قال: «من شرب الخمر في الدنيا، ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة» «٣» [١١٢] .\nأحمد بن أبي، أبو عبد الله بن محمد بن موسى الرازي، الحرث بن أبي أسامة البغدادي، داود ابن المحسن الواسطي، ميسر بن عبد ربه عن أبي عائشة السعدي عن يزيد بن عمر بن عبد\n_________\n(١) بتفاوت في الدر المنثور: ٢/ ٣٢٢\n. (٢) سنن ابن ماجة: ٢/ ١١٢٠\n. (٣) كنز العمال: ٥/ ٣٤٩، ح ١٣١٧٨ [.....]\n.","vol":"4","page":106},{"text":"العزيز عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة وابن عباس جميعا قالا: قال رسول الله ﷺ:\n«من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سم الأساود وسم العقارب، من شربها تساقط لحم وجهه في الإناء قبل أن يشربها فإذا شربها [تفسخ لحمه] «١» ينادي به أهل الجمع ثم يؤمر به إلى النار إلا وشاربها وعاصرها ومعتصرها وبايعها ومبتاعها وحاملها والمحمول إليه وكل فيها سواء في إثمها وحاد بها، ولا يقبل الله منه صلاة ولا صياما ولا حجا ولا عمرة حتى يتوب فإن مات قبل أن يتوب منها كان حقا على الله يعاقبه فيه بكل جرعة شربها في الدنيا شربة من صديد جهنم ألا وكل مسكر خمر وكل خمر حرام» «٢» [١١٣] .\nأحمد بن أبي، أبو العباس الأصم، أحمد بن إسحاق الصنعاني، أبو نعيم، عبد العزيز بن محمد ابن عبد العزيز عن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي من أهل مصر عن ابن عمر أنه قال:\nأشهد أني سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول: «لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليه وأكل ثمنها» «٣» [١١٤] .\nأحمد بن أبي، أبو العباس الأصم، محمد بن إسحاق بن جعفر الصنعاني، نعيم بن ماد، عبد العزيز بن محمد عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر «٤» ولا يموتن أحدكم وعليه دين فإنه ليس هناك دينار ولا درهم وإنما يقتسمون هناك الحسنات والسيئات واحد بيمينه وواحد بشماله» «٥» [١١٥] .\nأبو بكر أحمد بن محمد القطان، محمد بن الحسين بن محمد الدهقان، عثمان بن سعيد الدارمي، الربيع بن الروح أبو توبة الحلبي، محمد بن الحرمي عن حكم بن عيينة عن محمد بن [المنكدر] عن علي ابن أبي طالب (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: «من شرب الخمر بعد أن حرمها الله على لساني فليس له أن يزوج إذا خطب ولا يصدق إذا حدث ولا يشفع إذا شفع ولا يؤتمن على أمانة فمن أئتمنه على أمانة فاستهلكها فحق على الله ﷿ أن لا يخلف عليه» «٦» [١١٦] .\nأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو العباس عبد الله بن محمد الجبّائي، أنشدنا رضوان ابن أحمد الصيدلاني شعرا:\n_________\n(١) هكذا في المصدر\n. (٢) بغية الباحث: ٧٤ بتفاوت يسير\n. (٣) كنز العمال: ٥/ ٣٤٨ ح ١٣١٧٧\n. (٤) كنز العمال: ٥/ ٣٤٥ ح ١٣١٥٩\n. (٥) جامع البيان: ١/ ٣٨١. بتفاوت يسير\n. (٦) كنز العمال: ٥/ ٣٦١ ح ١٣٢٣١ بتفاوت يسير\n.","vol":"4","page":107},{"text":"تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وصرت حليفا لما عابه\nشرابا يدنس عرض الفتى ... ويفتح للشر أبوابه «١»\nوَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ أي الأوثان، سميت بذلك لأنهم كانوا ينصبونها، واحدها: نصب بفتح النون وجزم الصاد، ونصب منهم النون مثقلا ومخففا وَالْأَزْلامُ يعني القداح التي كانوا يقتسمون بها رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ تزينه فَاجْتَنِبُوهُ رد الكناية إلى الرجس لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ يلقي بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ كما فعل الأنصاري الذي [شج] سعد بن أبي وقاص [بلحي] الجمل وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ كما فعل بأضياف عبد الرحمن بن عوف فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ أي انتهوا لفظه استفهام ومعناه أمر كقوله فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا المحارم والملاهي فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ. عن ذلك فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ فإما التوفيق والخذلان، والثواب والعقاب فإلى الله سبحانه،\nفلما نزل تحريم الخمر والميسر، قالت الصحابة: يا رسول الله ما تقول في إخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر ويأكلون مال الميسر فأنزل الله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا شربوا الخمر\nنظيره قوله وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي وفيما أكلوا من الميسر ذلك ذكر المنعم لأنه لفظ جامع إِذا مَا اتَّقَوْا الشهوات وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا الخمر والميسر بعد تحريمهما ثُمَّ اتَّقَوْا حرم الله عليهم كله وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ.\nالحسين بن محمد بن فنجويه، عمر بن الخطاب، محمد بن إسحاق الممسوحي، أبو بكر ابن أبي شيبة، محمد بن بكر عن سعد بن عوف عن محمد بن حاطب قال: ذكر عثمان قال الحسن بن علي: هذا أمير المؤمنين يأتيكم خبركم فجاء علي فقال: إن عثمان من الذين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ الآية،\nنزلت عام الحديبية ابتلاهم الله بالصيد فكان الوحش يغشى رجالهم كثير وهم محرمون فبينما هم يسيرون بين مكة والمدينة إذ عرض إليهم حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر بن عمرو فطعنه برمحه فقتله فقيل له: إنك قتلت الصيد وأنت حرم فأتى رسول الله ﷺ فسأله عن ذلك فأنزل الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ\nليختبرنكم الله بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ وإنما بعض فقال بشيء لأنه ابتلاهم بصيد البرّ خاصة تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وهي الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر من الصيد الوحش وَرِماحُكُمْ وهي الوحش وكبار الصيد لِيَعْلَمَ اللَّهُ ليرى الله مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ ولم يره مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فلا يصطاد في حال الإحرام فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ أي صاده بعد تحريمه فاستحلّه فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٩٤\n.","vol":"4","page":108},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي محرمون بالحج والعمرة وهو جمع إحرام يقال رجل حرام وامرأة حرام وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا اختلفوا في صيغة العمد الموجب للجزاء والكفارة في قتل الصيد، قال: حرموا العمد في قتل الصيد مع نسيانه لإحرامه في حال قتله فأما إذا قتله عمدا وهو ذاكرا لإحرامه فلا حكم عليه وأمره إلى الله لأنه أعظم من أن يكون له كفارة.\nقرأ مجاهد والحسن وقال آخرون: هو العمد من يحرم بقتل الصيد ذاكر الحرمة فيحكم عليه في العمد والخطأ وهو إختيار الشافعي وأكثر الفقهاء.\nوقال الزهري: نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في الخطأ.\nوقال ابن عباس: إن قتله متعمدا مختارا سئل: هل قتلت قبله شيئا من الصيد؟ فإن قال:\nنعم لم يحكم عليه وقيل له: اذهب فينتقم الله منك. وإن قال: لم أقتل قبله شيئا حكم عليه فإن عاد وقتل الصيد محرما بعد ما حكم عليه لم يحكم عليه ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا، وكذلك حكم رسول الله (﵇) في وج «١»\nوهو وادي بالطائف، وعندنا إذا عاد يحكم عليه وعليه الجمهور بذلك.\nقوله: فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ نوّنها يعقوب وأهل الكوفة ورفعوا المثل على البدل من الجزاء، كأنه فسّر الجزاء فقال: مِثْلٌ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ وأضافها الآخرون لاختلاف الاسمين يَحْكُمُ بِهِ أي بالجزاء ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أي فقيهان عدلان فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به حتى يفديه ويهديه إلى الكعبة فإن قتل نعامة فعليه بدنة فإن قتل بقرة أو إبلا أو حمارا فعليه بقرة وإن قتل بقرة وحشية فعليه عجل إنسي وفي الضبع كبش لأنه صيد وأكله حلال.\nوأما السباع فلا شيء فيها وإن قتل ضبيا فعليه شاة، وفي الغزال والأرنب جمل، وفي الضب واليربوع سخلة، وفي الحمام والفواخت والقمري والدبسي «٢» وذوات الأطواق وكل ما عبث وهدر شاة، واختلفوا في الجراد وروي عن عمر أنّه قال لكعب وقد قتل جرادتين: ما جعلت على نفسك، قال: درهما قال: بخ، قال: درهم خير من مائة جرادة.\nوروي عن عمر أيضا في الجرادة تمرة.\nقال ابن عباس: قبضة من طعام فإن أصاب فرخا أو بيضا أو شيئا لا يبلغ بهيمة فعليه قيمته طعاما، وهو قول عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر وإليه ذهب الشافعي، وعليه جمهور أهل العلم، قال النخعي: يقوم الصيد المقتول قيمته من الدراهم فيشتري بثمنه فداء من النعم ويهديه إلى الكعبة.\n_________\n(١) وقيل: وج موضع بالبادية، وقيل: بلد بالطائف وقيل: هي الطائف، وقيل: موضع باليمامة راجع كتاب العين: ٦/ ١٩٨، وتاج العروس: ٢/ ١١٠\n. (٢) وهو نوع من الفواخت\n.","vol":"4","page":109},{"text":"وروى عبد الملك بن عمير عن قبيصة بن جابر قال: خرجنا حجاجا وكنا إذا صلينا الغداة أفسدنا رواحلنا نتماشى ونتحدث، فبينا نحن ذات غداة إذ سنح لنا ضبي] فابتدرناه [فابتدرته ورميته بحجر فأصاب حشاه فركب ردعه فمات فلما قدمنا مكة سألنا عمر بن الخطاب (﵁) وكان حاجا وكان جالسا وإلى جنبه عبد الرحمن بن عوف فسألته عن ذلك، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ فقال: عليه شاة قال: وأنا أرى ذلك. قال: اذهب فأهد شاة فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: فلم [يفجأنا] إلّا وعمر معه درّة فعلاني بالدّرة فقال: أتقتل في الحرم وتسفه الحكم، قال الله يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فأنا عمر وهذا عبد الرحمن «١» .\nمحمد بن عبدوس عن محمد بن الحسن عن علي بن عبد العزيز عن القاسم بن علام عن أبي أمية عن أبي [صوليه] عن عبد الملك بن عمير: أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ إذا لم يكن واجدا للفدية أو لم يكن للمقتول مثل من النعم فكفارته حينئذ الإطعام. يقوّم الصيد المقتول دراهم ثم يقوّم الدراهم طعاما فتصدق على مساكين الحرم فإن لم يجد فصيام لكل نصف صاع يوما عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: لكل مدّ وعنده إنه يخير من هذه الأشياء الثلاثة فإنه ذكرها تلفظا وهو قول مجاهد وعطاء، واختلفوا في تقويم الطعام.\nفقال الشافعي وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء: يقوّم الصيد قيمة الأرض التي أصابه بها.\nوقال الشعبي: يقوّم بسعر الأرض التي يكفر بها. قال جابر: سأل الشعبي عن محرم أصاب صيدا بخراسان. قال: يكفر بمكة بثمن مكة.\nواختلفوا في الإطعام أين يطعم؟.\nفقال قوم: يطعم بمكة فلا يجزي إلّا بها، وهذا قول عطاء وإليه ذهب الشافعي.\nفأما الهدي فلا يجوز إلّا بمكة بلا خلاف. فأما الصوم فيجوز بأي موضع صام بلا خلاف فلو أكل من لحم صيد فلا جزاء عليه إلّا في قتله أو جرحه ولو دلّ على صيد كان مسيئا جزاء عليه كما لو أمر بقتل مسلم لا قصاص عليه وكان مسيئا.\nواعلم أن الصيد الذي لا يجوز قتله في الحرم وفي حال الإحرام هو ما حلّ أكله.\nأبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري، أبو بكر البستي، أبو عبد الرحمن البستي، قتيبة ابن سعد عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «خمس ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة والكلب العقور» «٢» [١١٧] .\n_________\n(١) بتفاوت وتفصيل في تاريخ دمشق: ٤٩/ ٢٤٢\n. (٢) سنن النسائي: ٥/ ١٨٨\n.","vol":"4","page":110},{"text":"وبه عن عبد الرحمن عمرو بن علي عن يحيى عن شعبة عن قتادة عن ابن المسيّب عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «خمس يقتلهن المحرم: الحية والفأرة والحدأة والغراب الأبقع والكلب العقور» «١» [١١٨] .\nلِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ جزاء معصيته عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ في الجاهلية وَمَنْ عادَ في الإسلام فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ في الآخرة.\nوقال ابن عباس: يملأ ظهره سوطا حتى يموت.\nالسدي: عاد رجل بعد ما حكم عليه بالتحريم وأحرقه الله بالنار.\nوَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ على المحرم والحلال. وهو على ثلاثة أوجه: الحيتان وأجناسها وكلها حلال، والثاني: الضفادع وأجناسها وكلها حرام. والثاني فيه قولان، أحدهما: حلال، والثاني: حرام، وهو مذهب أبي حنيفة.\nوقال بعضهم: كل ما كان مثاله في البر فهو حلال في البحر وما كان مثاله] جزاء ما [في البر فهو حرام في البحر] .\nفأراد بالبحر جميع المياه لقوله ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَطَعامُهُ قال بعضهم:\nهو ما مات في الماء فقذفه الماء إلى الساحل ميتا وهو قول أبي بكر وعمر وابنه وأبي هريرة وابن عباس، وقال بعضهم: هو المليح منه، وهو قول ابن جبير وعكرمة والنخعي وابن المسيب وقتادة مَتاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ يعني المارة.\nوَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا لا يجوز للمحرم أكل الصيد إذا صاد هو وصيد له بأمره فأما إذا صاده حلال بغير أمره ولا له فيجوز له بلا خلاف.\nفأما إذا قتله المحرم فهل يجوز أكله أم لا؟.\nقال الشافعي: يجوز لأنه ذكاة مسلم، وعند أبي حنيفة لا يجوز فأحلّه محل ذكاة المجوس، ودليل الشافعي،\nأبو عبد الله [الفنجوي]، أبو بكر السني، النامي، محمود بن عبد الله، أبو داود، سعيد عن عثمان بن عبد الله موهب سمعت عبد الله بن أبي قتادة حدث عن أبيه إنهم كانوا في مسير لهم في بعضهم ليس بمحرم، قال: فرأيت حمارا وحشيا، فركبت فرسي وأخذت الرمح واستعنتهم فأبوا أن يعينوني فاختلست سوطا من بعضهم فشددت على الحمار وأخذته فأكلوا منه فأشفقوا فسئل عن ذلك النبي (﵇) فقال: هل محرم عنيتم؟ قالوا:\nلا، قال: فكلوا.\n_________\n(١) سنن النسائي: ٥/ ١٨٨\n.","vol":"4","page":111},{"text":"وبإسناده عن النسائي قال: [حدّثنا]، قتيبة بن سعيد عن يعقوب وهو ابن عبد الرحمن بن عمرو عن المطلب عن جابر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن صيد البر حلال لكم ما لم تصيدوه أو صيد لكم» «١» [١١٩] .\nوَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.\nجَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ. الآية.\nقال ابن عباس: كانوا يتغادرون ويتقاتلون فأنزل الله جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ.\nقال مجاهد: سميت كعبة مربع والعرب تسمي كل بيت مربع كعبة.\nوقال مقاتل: سميت كعبة لانفرادها من البنيان.\nقال أهل اللغة: أصلها من الخروج والارتفاع وسمّي الكعب كعبا لخروجه من جانبي القدم، ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرجت ثدياها: قد تكعبت، فسميت الكعبة كعبة لارتفاعها من الأرض، وثباتها على الموضع الرفيع، وسميت البيت الحرام لأن الله حرّمه وعظم حرمته.\nوفي الحديث: «مكتوب في أسفل المقام: إني أنا الله ذو بكة حرمتها يوم خلقت السماوات والأرض. ويوم وضعت هذين الجبلين وحففتهما بسبعة أملاك حفا من جاءني زائرا لهذا البيت عارفا بحقه مذعنا لي بالربوبية حرّمت جسده على النار» .\nقِيامًا لِلنَّاسِ أي قواما لهم في أمر دينهم ودنياهم وصلاحا لمعاشهم ومعادهم لما\n_________\n(١) كنز العمال: ٥/ ٣٧ ح ١١٩٤٨\n.","vol":"4","page":112},{"text":"يحصل لهم من الحج والعمرة والزيارة والتجارة وما يجبى إليه من الثمرات ويظهر فيه من أنواع البركات.\nفقال ابن جبير: من أتى هذا البيت يريد شيئا للدنيا والآخرة أصابه وَالشَّهْرَ الْحَرامَ أراد به الأشهر الحرم يأمن فيها الناس وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الآية.\nاعترض على هذه الآية وقيل: كيف يليق أول الآية بآخرها؟ فالجواب أن مجاز الآية إن الله يعلم صلاح الناس كما يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الآية اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ الآيتين قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ يعني الحلال والحرام.\nوَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ نزلت في شرح بن صبيعة وحجاج بكر بن وائل فَاتَّقُوا اللَّهَ ولا تتعرضوا للحجاج وإن كانوا مشركين.\nوقد مضت القصة في أول السورة يا أُولِي الْأَلْبابِ الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ الآية، اختلفوا في نزولها،\nفروى الزهري وقتادة عن أنس وأبو صالح عن أبي هريرة قالا: سأل الناس رسول الله ﷺ حتى ألحّوا بالمسألة فقام مغضبا خطيبا وقال: سلوني فو الله لا تسألوني عن شيء في مقامي هذا لآتيته لكم، فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد مضى، قال أنس: فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلّا وجدت رجلا لافا رأسه في ثوبه يبكي، فقام إليه رجل من قريش من بني تميم يقال له عبد الله بن حذافة: وكان يطعن في نسبه وكان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه، فقال: يا نبي الله من أبي؟ قال: أبو حذافة بن قيس» .\nقال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدا بأعق منك قط أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارف أهل الجاهلية فتفضحها على رؤس الناس.\nفقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته، فقام إليه رجل آخر فقال: يا رسول الله أين أنا؟\nقال: في النار.\nفقام عمر بن الخطاب (﵁) وقبل رجل رسول الله وقال: رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما، إنا يا رسول الله حديثو عهد بالجاهلية والشرك فاعف عنا عفى الله عنك فسكن غضبه وقال: «أما والذي نفسي بيده لقد صورت لي الجنة والنار أنفا في عرض هذا الحائط فلم أر كاليوم في الخير والشر» «١» .\nوقال ابن عباس: كانوا قوم يسألون رسول الله (﵇) امتحانا بأمره، واستهزاء به، فيقول له بعضهم من أبي؟ ويقول الآخر: أين أنا؟ ويقول الآخر إذا خلت ناقته: أين ناقتي؟\nفأنزل الله تعالى هذه الآية.\n_________\n(١) تفسير عبد الرزاق: ١/ ١٩٦، تفسير الطبري: ٧/ ١٠٩ [.....]\n.","vol":"4","page":113},{"text":"وقال علي وأبو أمامة الباهلي: خطب بنا رسول الله ﷺ وقال: «إن الله كتب عليكم الحج» . فقام رجل من بني أسد يقال له عكاشة بن محسن فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟\nفأعرض عنه حتى عاد مرتين أو ثلاثا، فقال (﵇): «ويحك وما يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت، ولو أوجبت ما استطعتم ولو تركتم لكفرتم فاتركوني كما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء، فأتوا منه ما استطعتم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه» «١» [١٢٠] .\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية حين قالوا لرسول الله عن البحيرة والسائبة ألا ترى يقول بعد ذلك ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ الآية وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ تسؤكم لأن القرآن إنما ينزل بإلزام فرض فيشق عليكم أو شيء كان حلالا لكم عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ كما سألت ثمود صالحا الناقة، وقوم عيسى المائدة ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ فأهلكوا.\nروى مكحول الشامي عن أبي ثعلبة الخشني قال: إن الله فرض فرائض فلا تسبقوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحدّ حدودا فلا تعتدوها وعفا عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها.\nما جَعَلَ اللَّهُ ما أنزل الله ولا من الله ولا أمر به نظيره قوله إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا «٢» أي أنزلناه، مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ.\nوروى محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التميمي عن أبي صالح السمّان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لأكتم بن الجون: يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبة في النار، فما رأيت من رجل أشبه برجل منك به ولا بك منه، وذلك إنه أول من غيّر دين إسماعيل ونصب الأوثان، ونحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، ولقد رأيت في النار يؤذي أهل النار ريح قصبه» [١٢١] فقال أكثم: تخش أن يضرني شبهه يا رسول الله، قال: «لا أنت مؤمن وهو كافر» «٣» .\nقال: وذلك أن الناقة إذا تابعت ثنتي عشرة إناثا سيبت فلم يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلّا ضيف، فما نتجت بعد ذلك من أنثى شق أذنها ثم يخلى سبيلها مع إنها في الإبل يركب ظهرها ولا يجز وبرها ولم يشرب لبنها إلّا ضيف كما فعل بأمها وهي البحيرة بنت السائبة.\nوقال ابن عباس: على إنهم كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن نظروا في البطن الخامس،\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٤٢٨\n. (٢) سورة الزخرف: ٣\n. (٣) تفسير الطبري: ٧/ ١١٧، وتفسير ابن كثير ٢/ ١١١\n.","vol":"4","page":114},{"text":"فإن كان ذكرا نحروه، فأكله الرجال والنساء جميعا وإن كانت أنثى شقوا أذنها فتلك البحيرة ولا يجز لها وبر، ولا يذكر عليها اسم الله إن ذكّيت ولا يحمل عليها وحرّمت على النساء لا يذقن من ألبانها ولا ينتفعن بها وكانت لبنها ومنافعها خاصة للرجال دون النساء حتى تموت، وإذا ماتت اشترك الرجال والنساء في أكلها.\nوقيل: هو إنهم كانوا إذا ولد السقب بحروا أذنها وقالوا: اللهم إن عاش ففتي وإن مات فذكي، فإذا مات أكلوه.\nوأما السائبة فكان الرجل يسيب من ماله فيجيء به إلى السدنة فيدفعه إليهم فيطعمون منه أبناء السبيل من ألبانها ولحمانها إلّا النساء فإنهم كانوا لا يعطونهن منها شيئا حتى يموت فإذا مات أكلها الرجال والنساء جميعا «١» .\nوقال علقمة: هي العبد [يسيب] على أن لا يكون له ولاء ولا عقل، وله ميراث.\nفقال (﵇): «إنما الولاء لمن أعتق» «٢» [١٢٢] .\nوإنما أخرجها بلفظ الفاعلة وهي بمعنى المفعولة وهي المسيبة والمخلاة على مذهب قوله [ماءٍ دافِقٍ وعِيشَةٍ] راضِيَةٍ، وأما الوصيلة فهي الشاة إذا ولدت سبعة أبطن فإن كان البطن السابع ذكرا ذبحوه وأهدوه للآلهة، وإن كانت أنثى استحيوها، فإن كانت ذكرا أو أنثى استحيوا الذكر من أجل الأنثى.\nوقالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوه، وأما الحامي فهو الفحل إذا ركب ولد فيلده قبل حمي ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا رعي إلا أن يموت فيأكله الرجال والنساء قال الله وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ يختلقون عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في قولهم: وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ في تحليل الحرث والأنعام وبيان الشرائع والأحكام قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الذين قال الله تعالى أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ نظيرها في سورة البقرة ولقمان.\n_________\n(١) راجع كنز العمال: ١٢/ ٨١\n. (٢) مجمع الزوائد: ٤/ ٢٤٧\n.","vol":"4","page":115},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية، اختلف العلماء في تأويل هذه الآية فأجراها بعضهم على الظاهر.\nوقال ضمرة بن ربيعة: تلا الحسن هذه الآية، وقال: الحمد لله لها والحمد لله عليها ما كان مؤمن فيما مضى ولا مؤمن فيما بقي إلّا وإلى جانبه منافق يكره عمله.\nوقال بعضهم: معناها عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فاعملوا بطاعة الله لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ فأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر.\nأبو البحتري عن حذيفة في هذه الآية: إذا أمرتم ونهيتم.\nوروى إسماعيل بن أبي خالد عن أبي ظبيان عن قيس بن أبي حازم قال: قال أبو بكر الصديق (﵁) على المنبر: إنكم تقرءون هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية وتضعونها غير موضعها ولا تدرون ما هي وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الناس إذا رأوا منكرا فلم يغيروه عمّهم الله بعقاب، فأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر ولا تغتروا بقول الله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ فيقول أحدكم: عليّ نفسي، والله لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو [ليستعملن] عليكم شراركم فليس منكم هو في العذاب، ثم ليدعنّ الله خياركم فلا يستجيب لهم»\n«١» . يدل عليه\nحديث أبي هريرة قال: قلنا: يا رسول الله إن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر حتى لا يبقى من المعروف شيء إلّا عملنا به ولا من المنكر شيء إلّا انتهينا عنه ولا نأمره ولا ننهي أبدا.\nفقال (﵇): «فمروا بالمعروف فإن لم [يقبلوا به] كله ما نهوا عن المنكر وإن لم ينتهوا عنه كله»\n. وقيل: معنى الآية: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يقبل منكم.\nقال شقيق بن عقد: قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيّام فلم تأمر ولم تنه فإن الله قال عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ.\nفقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي، لأن رسول الله ﷺ قال: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب» «٢» فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم تقبل منهم.\n_________\n(١) كنز العمال: ٣/ ٦٨١ ح ٨٤٤٧ (قريب منه)\n. (٢) مسند أحمد: ١/ ٢٣٠\n.","vol":"4","page":116},{"text":"وروى سهل بن الأشهب عن الحسين والربيع عن أبي العالية إن هذه الآية قرأت على ابن مسعود يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ، فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها قولوها ما قبلت منكم فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم، ثم قال: إن القرآن نزل حين نزل فمنه آي قد مضى تأويلهن ومنه آي وقع تأويلهن على عهد رسول الله ومنه آي يقع تأويلهن بعد النبيّ ﷺ يسير ومنه من يقع آي لا ينهض بعد اليوم ومنه آي يقع في آخر الزمن ومنه آي يقع تأويلهن يوم القيامة ما ذكر من الحساب والجنة والنار فما دامت قلوبكم وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا، فإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه فعند ذلك جاء تأويل هذه الآية.\nقال أبو أميّة السمعاني: سمعت أبا ثعلبة [الخشني] عن هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ.\nفقال أبو ثعلبة: سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «ائمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت دينا موثرا وشحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك وذر عوامهم فإن وراءكم أياما أيام الصبر فإذا عمل العبد بطاعة الله لم يضره من ضل بعده وهلك وأجر العامل يومئذ بمثل الذي أنتم عليه كأجر خمسين عامل» [١٢٣] .\nقالوا: يا رسول الله كأجر خمسين عاملا منهم؟ قال: «لا بل كأجر خمسين عاملا منكم» «١» .\nوقال بعضهم: نزلت هذه الآية في أهل الأهواء.\nوقال أبو جعفر الرازي: دخل على صفوان بن حرث شاب من أصحاب الأهواء فذكر شيئا من أمره، فقال صفوان: ألا أدلك على خاصة الله التي تخص بها أولياءه، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الآية «٢» .\nوقال الضحّاك: عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ إذا اختلفت الأهواء ما لم يكن سيف أو سوط.\nوقال ابن جبير: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب يعني عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ من أهل الكتاب.\nوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس إن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل هجر وعليهم المنذر ابن ساوي التميمي يدعوهم إلى الإسلام فإن أبو فليؤدوا الجزية فلما أتاه الكتاب عرضه\n_________\n(١) السنن الكبرى للبيهقي: ١٠/ ٩٢\n. (٢) تفسير الطبري: ٧/ ١٣٢\n.","vol":"4","page":117},{"text":"على من عنده من اليهود والعرب والنصارى والمجوس فأقرّوا بالجزية وكرهوا الإسلام، فكتب إليه رسول الله ﷺ: «أما العرب فلا تقبل منهم إلّا الإسلام أو السيف، وأما أهل الكتاب والمجوس فاقبل منهم الجزية» «١» [١٢٤] . فلما قرأ عليهم كتاب رسول الله ﵇ أسلمت العرب وأما أهل الكتاب والمجوس أعطوا الجزية، فقال في ذلك: منافقو أهل مكة وقالوا:\nعجبا من محمد يزعم أن الله تعالى بعثه ليقاتل الناس، حتى يقولوا لا إله إلّا الله، وقد قبل من مجوس هجر وأهل الكتاب الجزية، هلّا أكرههم على الإسلام وقد ردّها على إخواننا من العرب؟ فشقّ ذلك على المسلمين مشقة شديدة فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ يعني بعد أن بلغ محمد فأحذر، وأنزل بعد ما أسلم العرب لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ.\nوقال ابن عباس: نزلت في جميع الكفار وذلك أن الرجل كان إذا أسلم قالوا: سفهت أباك، وضللت، وفعلت وفعلت فأنزل الله عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ من آبائكم إِذَا اهْتَدَيْتُمْ وهذه لفظة إغراء، والعرب تغري من الصفات بعليك عليك ولبيك وإليك وعندك ودونك «٢» .\nثم قال إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا الضال والمهتدي فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ الآية\nنزلت في ثلاثة نفر خرجوا تجارا من المدينة إلى الشام، عدي بن فدي، وتميم بن أوس الداري وهما نصرانيان وبديل مولى عمرو بن العاص السهمي وكان مسلما مهاجرا واختلفوا في كنية أبيه.\nفقال الكلبي: بديل بن أبي مازنة. وقال قتادة وابن سيرين وعكرمة: هو ابن أبي مارية، ومحمد بن إسحاق بن يسار وابن أبي مريم، فلما قدموا إلى الشام مرض بديل وكتب كتابا فيه جميع ما معه وطرحها في متاعه ولم يخبر صاحبه بذلك، فلما اشتد وجعه أوصى إلى تميم وعدي وأمرهما أن يدفعا متاعه إذا رجعا إلى أهله، ومات بديل ففتشا متاعه فأخذا منه إناء من فضة منقوشا بالذهب فيه ثلاثمائة مثقال فضة مموّهة بالذهب فغيباه ثم قضيا حاجتهما وانصرفا وقدما المدينة فدفعا المتاع إلى أهل الميت ففتشوا [فوجدوا] الصحيفة فيها تسمية ما كان معه وما فيها الإناء فجاءوا تميما وعديا. فقالوا: هل باع صاحبنا شيئا من متاعه؟ قالا: لا، قالوا: فهل خسر تجارة؟ قالا: لا، قالوا: فهل طال مرضه فأنفق على نفسه؟ قالا: لا. قالوا: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها تسمية ما معه وإنا فقدنا فيها إناء من فضة مموّهة بالذهب فها ثلاثمائة مثقال فضة. قالا: لا ندري إنما أوصى إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم ودفعناه وما لنا إلّا من حكم،\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ١٤٢ وزاد المسير: ٢/ ٣٣٠\n. (٢) راجع تفسير الطبري: ٧/ ١٣٨\n.","vol":"4","page":118},{"text":"فرفعوها إلى النبي ﷺ فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ «١» .\nقال أهل الكوفة: معناه ليشهد اثنان لفظ الآية خبر ومعناها أمر. قال أهل البصرة: معناه شَهادَةُ بَيْنِكُمْ شهادة إثنين فألقيت الشهادة وأقيمت الاثنان مقامهما كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ أي أهل القرية ما [بقي] أهل وأقام القرية مقامه فنصبها.\nوقال بعضهم: معناه شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ أن يشهد اثنان ذَوا عَدْلٍ أمانة وعقل مِنْكُمْ يا معشر المؤمنين من أهل دينكم وملتكم.\nقاله جميع المفسرين إلّا عكرمة وعبيد فإنهما قالا: معناه من حيّ الموصي.\nواختلفوا في صفة الإثنين، فقال قوم: هما الشاهدان اللذان يشهدان على وصية الموصي.\nوقال آخرون: هما الوصيان أراد الله تأكيد الأمر فجعل الوصي إثنين دليل هذا التأويل أنه عقّبه بقوله: تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ ولا يلزم الشاهد يمين، ولأن الآية نزلت في الوصيين، وعلى هذا القول تكون الشهادة بمعنى الحضور، كقولك: شهدت فلان أي حضرت، قال الله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ «٢» الآية، فقال: وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» .\nأَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ ملّتكم وهو قول ابن المسيب والنخعي وابن جبير ومجاهد وعبيدة ويحيى بن يعمر وأبي محجن قالوا: إذا لم يجد مسلمين فليشهد كافرين.\nقال شريح إذا كان الرجل بأرض غربة فلم يجد مسلما يشهده على وصيته فليشهد يهوديا أو نصرانيا أو مجوسيا أو عابد وثن وأيّ كافر كان فشهادته جائزة ولا يجوز شهادة الكافرين على المسلمين إلّا في سفرة ولا يجوز في سفر إلّا في وصية فإن جاء رجلان مسلمان وشهدا بخلاف شهادتهما أجيزت شهادة المسلمين فأبطلت شهادة الكافرين.\nوعن الشعبي: إن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة فأوصى ولم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد، الذي كان في عهد رسول الله فأحلفهما وأمضى شهادتهما.\nقال آخرون: معناه من غير حيكم وعشيرتكم. وهذا قول الحسن والزهري وعكرمة قالوا:\nلا يجوز شهادة كافر في سفر ولا حضر.\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ١١/ ٧١\n. (٢) سورة البقرة: ١٣٣\n. (٣) سورة النور: ٢ [.....]\n.","vol":"4","page":119},{"text":"إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ سرتم وسافرتم في الأرض فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليهما فلم [يأمنان الارتياب بحق] الورثة فاتهموهما في ذلك فادّعوا عليهما خيانة، فإن الحكم حينئذ أن تَحْبِسُونَهُما، أي تستوقفونهما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ وقال ابن عباس: هذا من صلة قوله أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ من الكفار فأما إذا كانا مسلمين، فلا يمين عليهما، واختلفوا في هذه الصلاة ما هي.\nفقال النخعي والشعبي وابن جبير وقتادة: من بعد صلاة العصر. وقال السدي: من بعد صلاة أهل دينهما وملتهما لأنّهما لا يباليان صلاة العصر فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ فيحلفان إِنِ ارْتَبْتُمْ شككتم لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا يقول لا نحلف بالله كاذبين على عرض نأخذ عليه [لو أن يكن يذهب إليه في ويجحده] وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى ولو كان الذي يقسم له به ذا قربى ذا قرابة معنا وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ قرأ الشعبي لا نكتم شهادةً الله بالتنوين، الله بخفض الهاء على الاتصال أراد الله على القسم «١» .\nوروي عن أبي جعفر (شهادة ألله) بقطع الألف وكسر أولها على معنى ولا نكتم شهادة ثم ابتدأ يمينا فقال: الله أي والله [...] «٢» [يعقب] بتنوين الشهادة، (الله) بالألف واللام وكسر الهاء وجعل الاستفهام حرفا من حروف القسم، فروي عن بعضهم شهادةً منونة، اللهَ بنصب الهاء يعني ولا نكتم شهادة الله أما إن فعلنا ذلك إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ\nفلما نزلت الآية على رسول الله ﷺ صلاة العصر ودعا بعدي وتميم، فاستحلفا عند المنبر بالله الذي لا إله إلّا هو أنهما لم يخونا شيئا مما دفع إليهما فحلف على ذلك وخلى رسول الله ﷺ سبيلهما حين حلفا فكتما الإناء ما شاء الله أن يكتما ثمّ ظهر واختلفوا في كيفية ظهور الإناء.\nفروى بن جبير عن ابن عباس إن الإناء وجد بمكة فقالوا: اشتريناه من عدي وتميم.\nقال الآخرون: لما طالت المدة اظهر الإناء وبلغ ذلك بني تميم فأتوهما في ذلك. فقالا:\nإنا كنّا قد اشترينا منهم هذا وقالوا: ألم تزعما بأن صاحبنا لم يبع شيئا من متاعه؟ قالا: لم يكن عندنا ثمنه فكرهنا أن نقر لكم به [فكتمناكموه] لذلك فرفعوهما لرسول الله ﷺ فأنزل الله\nفَإِنْ عُثِرَ أي أطلع وظهر وأصل العثر الوقوع والسقوط على الشيء ومنه قوله: عثرت بكذا إذا أصبته وصدمته ووقعت عليه.\nقال الأعمش:\nبذات لوث عفرناة إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا «٣»\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٧/ ١٥١\n. (٢) كلمة غير مقروءة\n. (٣) لسان العرب: ٦/ ٣٢\n.","vol":"4","page":120},{"text":"يعنى بقوله: عثرت أصاب ميم خفها مجر أو غيره، ثمّ يستعمل في كل واقع على شيء كان عنه خفيا كقولهم في أمثالهم: عثرت على الغزل بأخرة فلم تدع بنجد قردة.\nعَلى أَنَّهُمَا يعني الوصيين اسْتَحَقَّا إِثْمًا أي استوجبا إثما بأيمانهما الكاذبة وخيانتهما فَآخَرانِ من أولياء الميت يَقُومانِ مَقامَهُما يعني مقام الوصيين مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ.\nقرأ الحسن وحفص بفتح التاء وهي قراءة علي وأبي بن كعب\nأي وجب عَلَيْهِمُ الإثم يقال حق واستحق بمعنى وقال: الْأَوْلَيانِ رجع إلى قوله: فآخران الأوليان ولم يرتفع بالاستحقاق.\nوقرأ الباقون: بضم التاء على المجهول يعني الذين استحق فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت، استحق الحالفان بسببهم وفيهم الإثم على المعنى في كقوله: عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ.\nوقال صخر الغي:\nمتى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث «١»\nالْأَوْلَيانِ بالجمع قرأه أكثر أهل الكوفة واختيار يعقوب أي من الذين الأولين.\nوقرأ الحسن: الأولون، وقرأ الآخرون الْأَوْلَيانِ على لغت الآخرين وإنما جاز ذلك، الأولان معرفة والآخران بكثرة لأنه حين قال من الذين وحدهما ووصفهما صار كالمعرفة في المعنى.\nفَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أي والله لشهادتنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يعني يميننا أحق من يمينهما. نظيره قوله فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ «٢» في قصة اللعان أراد الأيمان، وهذا كقول القائل: أشهد بالله وله أقسم وَمَا اعْتَدَيْنا في يميننا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ فلما نزلت هذه الآية قام عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة السهميان حلفا بالله بعد العصر مرّة فدفع الجام إليهما وإلى أولياء الميت، وكان تميم الداري بعد ما أسلم وبايع النبي ﷺ يقول: صدق الله عز قوله أنا أخذت الجام فأتوب إلى الله وأستغفره.\nوإنما انتقل اليمين إلى الأوليان، لأن الوصيين صح عليهما الإناء ثم ادعيا أنهما ابتاعاه، وكذلك إذا ادعى الوصي أن الموصي أوصى له بشيء ولم يكن ثم بينة، وكذلك إذا ادعى رجل قبل رجل مالا فأقرّ المدعي عليه بذلك ثم ادعى أنه اشتراها من المدعي أو وهبها له المدعي، فإن في هذه المسائل واشتباهها يحكم برد اليمين على المدعي.\nروى محمد بن إسحاق عن أبي النضير عن باذان مولى أم هاني عن ابن عباس عن تميم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ١٦٣، ولسان العرب: ٢/ ١٩٥\n. (٢) سورة النور: ٦\n.","vol":"4","page":121},{"text":"الداري، قال: بعنا الجام بألف درهم فقسمناه أنا وعدي فلما أسلمت تأثمت من ذلك بعد ما حلفت كاذبا وأتيت موالي الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فوثبوا إليه فأتوا به إلى رسول الله ﷺ فسألهم البينة فلم يجدوا. فأمر الموالي أن يحلفوا فحلف عمرو والمطلب فنزعت الخمسمائة من عدي ورددت أنا الخمسمائة\n«١» فذلك قوله ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أي ذلك أجدر وأحرى أن يأتي الوصيان بالشهادة على وجهها وسائر الناس أمثالهم إذا خافوا ردّ اليمين وإلزامهم الحق.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا الآية. واختلفوا في حكم الآية. فقال بعضهم: هي منسوخة وروى ذلك ابن عباس. وقال الآخرون: هي محكمة وهي الصواب يَوْمَ أي اذكروا واحذروا يوم يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ وهو يوم القيامة فَيَقُولُ لهم ماذا أُجِبْتُمْ أي ما الذي أجابتكم أمتكم وما الذي ردّ عليكم قومكم حين دعوتموهم إلى توحيدي وطاعتي قالُوا أي فيقولون لا عِلْمَ لَنا قال ابن عباس: لا عِلْمَ لَنا إلّا علم أنت أعلم به منا.\nوقال ابن جريح: معنى قوله ماذا أُجِبْتُمْ أي ما حملوا ويصدقوا بعدكم فيقولوا: لا عِلْمَ لَنا.\nالحسن ومجاهد، السدي ممن يقول ذلك اليوم يفزعون ويذهلون عن الجواب، ثم يحتسبون بعد ما تثوب إليهم عقولهم بالشهادة على أمتهم.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٧/ ١٥٦\n.","vol":"4","page":122},{"text":"قوله إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ يعني حين قال الله يا عيسى بن مريم، محل عيسى نصب لأنه نداء المنصوب إذا جعلته نداء واحدا: فإن شئت جعلته ندائين فيكون عيسى في محل الرفع لأنه نداء مفرد وابن في موضع النصب لأنه نداء مضاف، وتقدير الكلام يا عيسى يا ابن مريم. نظيره قوله:\nيا حكم بن المنذر بن الجارود ... أنت الجواد ابن الجواد ابن الجود «١»\nذلك في حكم الرفع والنصب، وليس بن المنذر عن النصب اذْكُرْ نِعْمَتِي قال الحسن:\nذكر النعمة شكرها وأراد بقوله نعمتي نعمي لفظه واحد ومعناه الجمع كقوله تعالى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «٢» أراد نعم الله لأن العدد لا ينفع على الواحد عَلَيْكَ يا عيسى وَعَلى والِدَتِكَ مريم، ثم ذكر النعم إِذْ أَيَّدْتُكَ قوّيتك وأعنتك بِرُوحِ الْقُدُسِ يعني جبرئيل تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ صبيا وَكَهْلًا نبيا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ قال ابن عباس: أرسله الله وهو ابن ثلاثين سنة فمكث في رسالته ثلاثين شهرا ثم رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ «٣» .\nوَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ يعني الخط وَالْحِكْمَةَ يعني العلم والقيم وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ وتجعل وتصوّر وتقدر إلى قوله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ «٤» أي المصورين من الطين كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ كصورة الطير.\nبِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي حيا يطير بإذني وَتُبْرِئُ تصح وتشفي الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى من قبورهم أحياء بِإِذْنِي فأحيا سام بن نوح ورجلين وامرأة وجارية وَإِذْ كَفَفْتُ منعت وصرفت بَنِي إِسْرائِيلَ يعني اليهود عَنْكَ حين همّوا بقتلك إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني الدلالات والمعجزات التي ذكرتها فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعني ما جاءتهم من البينات ومن قال ساحر بالألف فإنه راجع إلى عيسى (﵇) .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٣/ ٤٤٨\n. (٢) سورة إبراهيم: ٣٤\n. (٣) زاد المسير لابن الجوزي: ١/ ٣٣٢\n. (٤) سورة المؤمنون: ١٤\n.","vol":"4","page":123},{"text":"محمد بن عبد الله بن حمدون، مكي بن عبدان، أبو الأزهر عن أسباط عن مجاهد بن عبد الله ابن عمير قال: لما قال الله لعيسى اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ كان يلبس الشعر ويأكل الشجر ولا يدخر شيئا لغد ولم يكن له بيت فيخرب ولا ولد فيموت أينما أدركه الليل بات.\nوَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أي ألهمتهم وقذفت في قلوبهم الوحي. والوحي على أقسام، وحي بمعنى إرسال جبرئيل إلى الرسول، ووحي بمعنى الإلهام كالإيحاء إلى أم موسى والنحل ووحي بمعنى الأحلام في حال اليقظة في المنام.\nقال أبو عبيدة: أوحى لها: أي إليها، وقال الشاعر:\nومن لها القرار فاستقرت ... وشدها بالراسيات الثبت «١»\nيعني أمرت (وإلى) صلة يقال: أوحى ووحى. قال الله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها «٢» .\nقال العجاج:\nأوحى لها القرار فاستقرّت.\nأي أمرها بالقرار فقرت. والحواريون خواص أصحاب عيسى.\nقال الحسن: كانوا قصارين. وقال مجاهد: كانوا صيادين.\nوقال السدي: كانوا ملاحين «٣» .\nوقال قتادة: الحواريون الوزراء.\nوقال عكرمة: هم الأصفياء. وكانوا اثني عشر رجلا، بطرس ويعقوب ويحنس واندرواسى وخيلبس وأبرثلما ومتى، وتوماس، ويعقوب بن حلقيا، وتداوسيس، وفتاتيا، وتودوس «٤»، أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي عيسى قالُوا حين لقيتهم ورفقتهم آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ.\nقرأ علي وعائشة وابن عباس وابن جبير ومجاهد: هل تستطيع بالتاء، ربَّك بنصب الباء\n، وهو اختيار الكسائي وأبي عبيد على معنى هل تستطيع أن تدعو ربّك كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٥» وقالوا: لأن الحواريين لم يكونوا شاكّين في قدرة الله تعالى. وقرأ الباقون بالياء قيل: يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ برفع الباء فقالوا: إنهم لم يشكوا في قدرة الله تعالى وإنما معناه هل ينزل أم لا كما يقول الرجل لصاحبه: هل تستطيع أن تنهض معي وهو يعلم أنّه يستطيع وإنّما يريد هل يفعل أم لا،\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ٣٨٠ وتفسير القرطبي: ٢٠/ ١٤٩\n. (٢) سورة الزلزلة: ٥\n. (٣) راجع تفسير القرطبي: ٤/ ٩٧\n. (٤) تفسير الطبري: ٦/ ٢٠ [.....]\n. (٥) سورة يوسف: ٨٢\n.","vol":"4","page":124},{"text":"وأجراه بعضهم على الظاهر، فقالوا: غلط قوم وكانوا مشوا، فقال لهم عيسى عند الغلط استعظاما لقولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ ... اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي أن تشكوا في قدرة الله تعالى أو تنسبوه إلى عجز أو نقصان ولستم بمؤمنين والمائدة هي الخوان الذي عليه الطعام وهي فاعلة إذا أعطاه وأطعمه، كقولهم: ماد يميد، وغار يغير، وامتاد افتعل ومنه قول روبة:\nتهدى رؤس المترفين الأنداد ... إلى أمير المؤمنين الممتاد\nأي المستعطي.\nقال رؤبة: والمائدة هي المطعمة المعطية الآكلين الطعام وسمي الطعام أيضا مائدة على الخوان لأنه يؤكل على المائدة كقولهم للمطر سماء، وللشحم ثرى.\nوقال أهل الكوفة: سميت مائدة لأنها تميد الآكلون أي تميل ومنه قوله وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ «١» .\nقال الشاعر:\nوأقلقني قتل الكناني بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد «٢»\nفقال أهل البصرة: هي فاعلة بمعنى المفعول أي تميد بالآكلين إليها، كقوله عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية، قال عيسى مجيبا لهم اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلا تشكوا في قدرته. وقيل:\nاتَّقُوا اللَّهَ أن تسألوه شيئا لم يسأله الأمم قبلكم قالُوا إنما سألنا لأنا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها نستيقن قدرته وَتَطْمَئِنَّ تسكن قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا بأنك رسول الله.\nوَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة والرسالة، وقيل: وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لك عند بني إسرائيل، إذا رجعنا إليهم، قالَ عِيسَى عند ذلك اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة وذلك كقوله فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي «٣» يعني يصدقني في قراءة من رفع.\nوقرأ عبد الله والأعمش: تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء.\nعِيدًا لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا أي عائدا من علينا وحجة وبرهانا والعيد اسم لما أعتد به وعاد إليك من كل شيء ومنه قيل: أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة.\nويقال: لطيف الخيال عيد.\n_________\n(١) سورة النحل: ١٥\n. (٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٧\n. (٣) سورة مريم: ٦\n.","vol":"4","page":125},{"text":"قال الشاعر:\nيا عيد مالك من شوق وإيراق ... ومرّ طيف على الأهوال طراق «١»\nفقال آخر:\nإعتاد قلبك من جبينك عود ... شق عناك فأنت عنه تذود\nوأنشد الفراء:\nفوا كبدي من لاعج الحب والهوى ... إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها «٢»\nوأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد.\nقال السدي: معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا.\nوقال سفيان: نصلي فيه.\nوقال الخليل بن أحمد: العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه.\nوقال ابن الأنصاري: سمي العيد عيدا للعود من الترح إلى الفرح فهو يوم سرور للخلق كلهم ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب «٣»، وقيل: سمي عيدا لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ألا ترى إختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم فمنهم من يضيف ومنهم من يضاف ومنهم من يظلم ومنهم من يرحم، وقيل: سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيها بالعيد وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال: إبل عيدية «٤» . قال الراعي:\nعيد به طويت على زفراتها ... طي القناطر قد نزلن نزولا «٥»\nوقوله لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا.\nوقرأ زيد بن ثابت: لأولنا وآخرنا على الجميع.\nوقال ابن عباس: يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٣١٨\n. (٢) كتاب العين: ١/ وفيه: نفسي، بدل: قلبي\n. (٣) راجع روضة الواعظين للفتال النيشابوري: ٣٥٢\n. (٤) راجع تفسير القرطبي: ٦/ ٣٦٨\n. (٥) لسان العرب: ٤/ ٣٢٥، وفيه: حوزيّة طويت\n.","vol":"4","page":126},{"text":"وَآيَةً مِنْكَ دلالة وحجة وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قالَ اللَّهُ مجيبا لعيسى إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ يعني المائدة.\nوقرأ أهل الشام والمدينة، وقتادة وعاصم: مُنَزِّلُها في التشديد لأنها نزلت وقرأت والتفعل يدل في الكثير مرة بعد مرة لقوله وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.\nوقرأ الباقون بالتخفيف لقوله: أَنْزِلْ عَلَيْنا ... فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ أي بعد نزول المائدة فمسخوا قردة وخنازير.\nوقال عبد الله بن عمران: أشد الناس عذابا يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.\nواختلف العلماء في المائدة هل نزلت عليهم أم لا؟\nفقال مجاهد: ما نزلت المائدة وهذا مثل ضربه الله.\nوقال الحسن: والله ما نزلت مائدة إن القوم لما سمعوا الشرط وقيل لهم فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ الآية استغفروا وقالوا: لا نريدها ولا حاجة فيها فلم ينزل، والصواب إنها نزلت لقوله:\nإِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ ولا يقع في خبره الخلف، وتواترت الأخبار عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين وغيرهم من علماء الدين في نزولها، قال كعب: نزلت يوم الأحد، لذلك اتخذه النصارى عيدا.\nواختلفوا في صفتها وكيف نزولها وما عليها.\nفروى قتادة عن جلاس بن عمرو عن عمار بن ياسر عن رسول الله ﷺ قال: «نزلت المائدة خبزا ولحما وذلك أنهم سألوا عيسى طعاما يأكلون منه لا ينفد، قال، فقيل لهم: فإنها مقيمة لكم ما لم تخونوا أو تخبوا أو ترفعوا فإن فعلتم ذلك عذبتكم، قال: فما مضى يومهم حتى خبوا ورفعوا وخانوا» .\nوقال إسحاق بن عبد الله: إن بعضهم سرق منها، وقال لعلها لا تنزل أبدا فرفعت ومسخوا قردة وخنازير.\nوقال ابن عباس: إن عيسى بن مريم قال لبني إسرائيل: صوموا ثلاثين يوما ثم سلوا الله ما شئتم يعطكموه فصاموا ثلاثين يوما فلما فرغوا قالوا: يا عيسى إنا لو عملنا لأحد فقضينا عمله لأطعمنا طعاما ولأصبحنا من وجعنا، فادع لنا الله أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فنزل الملائكة بمائدة يحملونها، عليه سبعة أرغفة وسبعة أحوات حتى وضعتها بين أيديهم وأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم.\nوروى عطاء بن سائب عن باذان وميسرة قالا: كانت إذا وضعت المائدة لبني إسرائيل اختلفت عليهم الأيدي من السماء بكل طعام إلّا اللحم.","vol":"4","page":127},{"text":"وقال ابن جبير عن ابن عباس: أنزل على المائدة كل شيء إلّا الخبز واللحم.\nقال عطاء: نزل عليها كل شيء إلّا السمك واللحم.\nقال العوفي: نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شيء.\nوقال عمار وقتادة: كانت مائدة تنزل من السماء وعليها ثمر من ثمار الجنة.\nوقال وهب بن منبه: أنزل الله أقرصة من شعير وحيتانا، فقيل لوهب: ما كان ذلك يغني عنهم، قال: لا شيء ولكن الله أضعف لهم البركة، فكان لهم يأكلون ثم يخرجون فيجيء آخرون فيأكلون حتى أكلوها جميعهم وفضل.\nوقال الكلبي ومقاتل: استجاب الله لعيسى (﵇) فقال إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ كما سألتم فمن أكل من ذلك الطعام ثم لا يؤمن جعلته مثلا، ولعنة لمن بعدهم، قالوا: قد رضينا فدعا شمعون وكان أفضل الحواريين، فقال: هل لكم طعام؟ قال: نعم معي سمكتان صغيرتان وستة أرغفة، فقال: عليّ بها فقطعهن عيسى قطعا صغارا، ثم قال: اقعدوا في روضة فترفقوا رفاقا كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ودعا الله فاستجاب الله له ونزل فيها البركة فصار خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثم قام عيسى فجعل يلقي في كل رفقة ما عملت أصابعه ثم قال: كلوا بسم الله فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم فأكلوا ما شاء الله وفضل خمس الذيل، والناس خمسة آلاف ونيف.\nوقال الناس جميعا: نشهد إنك عبده ورسوله ثم سألوا مرة أخرى فدعا عيسى (﵇) فأنزل الله خبزا وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين فصنع بها ما صنع في المرة الأولى فلما رجعوا إلى قراهم ونشروا هذا الحديث ضحك منهم من لم يشهدوا وقالوا لهم: ويحكم إنما سحر أعينكم. فمن أراد به الخير بثّته على بصيرته ومن أراد فتنته رجع إلى كفره، فمسخوا خنازير ليس فيهم صبي ولا امرأة فمكثوا بذلك أيام ثم هلكوا ولم تبق ولم يأكلوا ولم يشربوا فكذلك كل ممسوخ.\nوقال كعب الأحبار: نزلت مائدة منكوسة من السماء تطير بها الملائكة بين السماء والأرض عليها كل طعام إلّا اللحم.\nوقال قتادة: كانت تنزل عليهم بكرة وعشية حيث كانوا كالمن والسلوى لبني إسرائيل.\nفقال يمان بن رئاب: كانوا يأكلون منها ما شاءوا.\nوروى عطاء بن أبي رباح عن سلمان الفارسي إنه قال: والله ما اتبع عيسى (﵇) شيئا من المآذي قط ولا انتهر شيئا ولا قهقه ضحكا ولا ذبّ ذبايا عن وجهه ولا أخلف على أنفه من أي شيء قط ولا عتب إليه. ولما سأله الحواريون أن ينزل عليهم المائدة لبس صوفا وبكى،","vol":"4","page":128},{"text":"وقال: اللَّهُمَّ ... أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ الآية وَارْزُقْنا عليها طعاما نأكله وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ فنزل الله سفرة حمراء بين غمامتين، غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها [وهي تجيء مرتفعة] حتى سقطت من أيديهم فبكى عيسى فقال: اللهم اجعلني من الشاكرين، اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها مثلة وعقوبة.\nواليهود ينظرون إلى شيء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه، فقال عيسى:\nأيكم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله ويأكل منها؟\nفقال شمعون. رئيس الحواريين-: أنت بذلك أولى منا، فقام عيسى وتوضأ وصلى صلاة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير الرازقين، فإذا هو بسمكة مشوية ليس عليها ضلوعها ولا شوك فيها سيل سيلا من الدسم وعند رأسها ملح ويمتد ذنبها خل وجهها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد.\nفقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم من طعام الآخرة؟ فقال عيسى: ليس شيء مما ترون من طعام الدنيا ولا من طعام الآخرة ولكنه شيء فعله الله بالقدرة العالية فكلوا مما سألتم مني في دار الدنيا ولا أعلم ما يكون منكم في الآخرة.\nوقال محمد بن كعب: تعلم ما أريد فلا أعلم ما تريد.\nوقال عبد العزيز بن يحيى: تعلم سرّي ولا أعلم سرّك لأن السرّ هو موضعه الأنفس.\nقال الزجاج: يعلم جميع ما أعلم ولا أعلم ما يعلم من النفس عبارة عن حملة الشيء وحقيقته وذاته ولا أنه إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ما كان وما يكون ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوه وأطيعوه ولا تشركوا به شيئا وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ أقمت فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي قبضتني إليك.\nقال الحسن: الوفاة في كتاب الله على ثلاثة أوجه، وفاة الموت وذلك قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها «١» يعني وجعل نقصان أجلها وفاة النوم، وذلك قوله وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ «٢» يعني ينيمكم، ووفاة بالرفع كقوله إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ «٣» .\nإِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وقرأ الحسن: فإنهم عبيدك وإن يتوبوا فيغفر لهم فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\n_________\n(١) سورة الزمر: ٤٢\n. (٢) سورة الأنعام: ٦٠\n. (٣) سورة آل عمران: ٥٥\n.","vol":"4","page":129},{"text":"وقال السدي: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ وتميتهم بنصرانيتهم فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فتخرجهم من النصرانية وتهديهم إلى الإسلام فَإِنَّكَ الرب الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ في الملك والنقمة، الحكيم في قضائك.\nقالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ «١» في الآخرة.\nقال قتادة: متكلمان خطها يوم القيامة وهو ما قص الله عليكم وعدو الله إبليس وهو قوله وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ فصدهم عن ذلك يومئذ وكان قبل ذلك كاذبا فلم ينفعه صدقه يومئذ، وأما عيسى فكان صادقا في الحياة وبعد الممات فنفعه صدقه.\nوقال عطاء: هذا يوم من أيام الدنيا لأن الآخرة ليس فيها عمل إنما فيها الثواب والجزاء، ويَوْمُ رفع على خبر هذا، ونصبه نافع على الحرف يعني إنما تكون هذه الأشياء في يوم يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ، وقرأ الحسن: هذا يومٌ بالتنوين، ثم بيّن لهم ثوابها فقال لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فازوا بالجنة ونجوا مما خافوا، ثم عظّم نفسه عمّا قالت النصارى من بهتان بأن معه إلها فقال لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\n_________\n(١) سورة المائدة: ١١٩\n.","vol":"4","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>سورة الأنعام</span>\nمكية كلها غير ست آيات منها نزلت في المدينة وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «١» إلى آخر ثلاث آيات وقوله قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ عليكم نبأكم إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ «٢» فهذه الست مدنيات وباقي السورة كلها\nنزلت بمكة مجملة واحدة ليلا ومعها سبعون ألف ملك وقد سدوا ما بين الخافقين لهم زجل بالتسبيح والتحميد، فقال النبي ﷺ: «سبحان الله العظيم» وخر ساجدا ثم دعا الكتّاب فكتبوها من ليلتهم\n«٣» [١٢٥] . وهي مائة وخمس وستون آية وكلها حجاج على المشركين، كلماتها ثلاثة آلاف واثنان وخمسون كلمة وحروفها إثنا عشر ألفا وأربعمائة وعشرون حرفا.\nروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «أنزلت علي سورة الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم زجل بالتسبيح والتحميد فمن قرأ سورة الأنعام صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة» «٤» [١٢٦] .\nمسلم عن أبي صالح عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الأنعام إلى قوله وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ وكل الله به أربعين ألف ملك يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس له ويوحي في قلبه شيئا ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون حجابا فإذا وكل يوم القيامة يقول للرب ﵎ أبشر في ظلي وكل من ثمار جنتي واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السبيل وأنت عبدي فأنا ربك» «٥» [١٢٧] .\nقال سعيد بن جبير: لم ينزل من الوحي شيء إلّا ومع جبرئيل أربعة من الملائكة يَحْفَظُونَهُ\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٩١ [.....]\n. (٢) سورة الأنعام: ١٥٣\n. (٣) تفسير مجمع البيان: ٤/ ٥\n. (٤) تفسير مجمع البيان: ٤/ ٥\n. (٥) تفسير مجمع البيان: ٤/ ٥ وفتح القدير: ٢/ ٩٧. بتفاوت في الأخير\n.","vol":"4","page":131},{"text":"مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وهو قوله تعالى لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ «١» إلّا الأنعام فإنها تنزل ومعها سبعون ألف ملك.\nوروى سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة قال: قال عمر (﵁):\nالأنعام من نواجب القرآن.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ الآية.\nقال مقاتل: قال المشركون للنبي ﷺ من ربك؟ قال: الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فكذبوه فأنزل الله ﷿ حامدا نفسه دالّا بصفته على وجوده وتوحيده. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ ... فِي يَوْمَيْنِ يوم الأحد ويوم الإثنين الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ «٢» يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ\nقال السدي: يعني ظلمة الليل ونور النهار.\nوقال الواقدي: كل ما في القرآن من الظُّلُماتِ وَالنُّورَ يعني الكفر والإيمان.\nوقال قتادة: يعني الجنة والنار وإنما جمع الظلمات ووحد النور لأن النور يتعدى والظلمة لا تتعدى.\n_________\n(١) سورة الجن: ٢٨\n. (٢) سورة فصلت: ٩\n.","vol":"4","page":132},{"text":"وقال أهل المعاني: جعل هاهنا صلة والعرب تريد جعل في الكلام.\nوقال أبو عبيدة: وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والواحد إثنين لمّا هدّني الكبر «١» مجاز الآية: الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض والظلمات والنور، وقيل: معناه خلق السماوات والأرض وقد جعل الظلمات والنور لأنه خلق الظلمة والنور قبل خلق السماوات والأرض.\nوقال قتادة: خلق الله السماوات قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار.\nوقال وهب: أول ما خلق الله مكانا مظلما ثم خلق جوهرة فصارت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظر الهيئة فصارت دما فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات ومن الزبد الأرضين.\nوروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله ﷿ خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه يومئذ من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضلّ»\n«٢» [١٢٨] ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ.\nقال قطرب: هو مختصر يعني الَّذِينَ كَفَرُوا بعد هذا البيان بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأوثان أي يشركون وأصله من مساواة الشيء بالشيء يقال: عدلت هذا بهذا إذا ساويته به.\nوقال النضر بن شميل: الباء في قوله: بِرَبِّهِمْ بمعنى عن، وقوله: يَعْدِلُونَ من العدول. أي يكون ويعرفون.\nوأنشد:\nوسائلة بثعلبة بن سير ... وقد علقت بثعلبة العلوق «٣»\nوأنشد:\nشرين بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج «٤»\nأي من البحر قال الله تعالى: عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ أي منها.\nمحمد بن المعافى عن أبي صالح عن ابن عباس قال: فتح أول الخلق بالحمد لله، فقال:\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختم بالحمد، فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١/ ٢٢٨\n. (٢) فتح الباري: ١١/ ٤٣٠\n. (٣) مراده بقوله: بن سير: بن سيار، والبيت للمفضل البكري انظر الصحاح: ٢/ ٦٩٢\n. (٤) تفسير الطبري: ٢٩/ ٢٥٨\n.","vol":"4","page":133},{"text":"حماد بن عبد الله بن الحرث عن وهب قال: فتح الله التوراة بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وختمها بالحمد فقال: وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا الآية. قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ «١» يعني آدم (﵇) فأخرج ذلك مخرج الخطاب لهم إذ كانوا ولده «٢» .\nوقال السدي: بعث الله جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطينة منها فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني فرجع ولم يأخذ، وقال: يا ربّ إنها عاذت بك، فبعث ميكائيل فاستعاذت فرجع فبعث ملك الموت فعاذت منه بالله فقال: أنا أعوذ بالله أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض وخلط التربة الحمر والسودا والبيضاء فلذلك اختلفت ألوان بني آدم ثم عجنها بالماء العذب والمالح والمر فلذلك اختلفت أخلاقهم فقال الله ﷿ لملك الموت رحم جبرئيل وميكائيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك.\nوروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله خلق آدم من تراب جعله طينا ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا خلقه وصوّره ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار [فكان إبليس يمرّ به فيقول] «٣» خلقت الأمر عظيم ثم نفخ الله فيه روحه»\n«٤» [١٢٩] ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ.\nقال الحسن وقتادة والضحاك: الأجل الأول ما بين أن يخلق إلى أن يموت. والأجل الثاني ما بين أن يموت إلى أن يبعث وهو البرزخ.\nوقال مجاهد وسعيد بن جبير: ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني أجل الدنيا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ وهو الآخرة.\nعطية عن ابن عباس: ثُمَّ قَضى أَجَلًا هو النوم تقبض فيه الروح ثم ترجع إلى صاحبها حين اليقظة. أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ هو أجل موت الإنسان. ثُمَّ قَضى أَجَلًا يعني جعل لأعماركم مدة تنتهون إليها لا تجاوزونها، وَأَجَلٌ مُسَمًّى يعني وهو أجل مسمى عِنْدَهُ لا يعلمه غيره، الأجل المسمى هو الأجل الآجل.\nثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ تشكون في البعث وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ يعني وهو إله السماوات وإله الأرض.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٢\n. (٢) تفسير الطبري: ٧/ ١٩٤\n. (٣) أثبتناه من المصادر، وما في المخطوط: (ومرّ به المؤمن فقال)\n. (٤) مجمع الزوائد: ٨/ ١٩٧ وفتح الباري: ٦/ ٢٥٧ [.....]\n.","vol":"4","page":134},{"text":"مقاتل: يعلم سر أعمالكم وجهرها، قال: وسمعنا أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد، محمد بن أحمد البلخي يقول: هو من مقاديم الكلام وتقديره وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات والأرض فلا يخفى عليه شيء وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ تعملون من الخير والشر وَما تَأْتِيهِمْ يعنى كفار أهل مكّة مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ مثل انشقاق القمر وغيره إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ لها تاركين وبها مكذبين فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ يعني القرآن وقيل: محمد ﵊ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي أخبار استهزائهم وجزاؤه فهذا وعيد لهم فحاق بهم هذا الوعيد يوم يرونه أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ يعني الأمم الماضية والقرن الجماعة من الناس وجمعه قرون، وقيل: القرن مدة من الزمان، يقال ثمانون سنة، ويقال: مائة سنة، ويكون معناه على هذا القول من أهل قرن مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يعني أعطيناهم ما لم نعطكم.\nقال ابن عباس: أمهلناهم في العمر والأجسام والأولاد مثل قوم نوح وعاد وثمود، ويقال:\nمكنته ومكنت له فجاء [...] «١» جميعا وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ يعني المطر عَلَيْهِمْ مِدْرارًا.\nتقول العرب: ما زلنا نطأ السماء حتى آتيناكم مدرارا أي غزيرة كثيرة دائمة، وهي مفعال من الدر، مفعال من أسماء المبالغة، ويستوي فيه المذكر والمؤنث.\nقال الشاعر:\nوسقاك من نوء الثريا مزنة ... سعرا تحلب وابلا مدرارا «٢»\nوقوله: ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ من خطاب التنوين كقوله تعالى: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ «٣» .\nوقال أهل البصرة: أخبر عنهم بقوله: أَلَمْ يَرَوْا وفيهم محمد وأصحابه ثم خاطبهم، والعرب تقول: قلت لعبد الله ما أكرمه وقلت لعبد الله أكرمك وجعلنا الأنهار التي تجري من تحتهم فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا وخلقنا وابتدأنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا الآية.\nوقال الكلبي ومقاتل: أنزلت في النضر بن الحرث وعبد الله بن أبي أمية ونوفل بن خويلد قالوا: يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون عليه أنه من عند الله وأنك رسول فأنزل الله ﷿ وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا فِي قِرْطاسٍ في\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط\n. (٢) كتاب العين: ٨/ ٣٩\n. (٣) سورة يونس: ٢٢\n.","vol":"4","page":135},{"text":"صحيفة مكتوبا من عند الله فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ عاينوه معاينة ومسوه بأيديهم لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ لما سبق فيهم من علمي\nوَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ على محمد مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لوجب العذاب وفرغ من هلاكهم لأن الملائكة لا ينزلون إلّا بالوحي [والحلال] ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ الكافرون ولا يمهلون.\nقال مجاهد: لَقُضِيَ الْأَمْرُ أي لقامت الساعة.\nوقال الضحاك: لو أتاهم ملك في صورته لماتوا.\nوقال قتادة: لو أنزلنا المكارم ولم يؤمنوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ ولم يؤخروا طرفة عين وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا يعني ولو أرسلنا إليهم ملكا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يعني في صورة رجل آدمي لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة وَلَلَبَسْنا ولشبهنا وخلطنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يخلطون ويشبهون على أنفسهم حتى يشكوا فلا يدرى أملك هو أم آدمي.\nوقال الضحاك وعطية عن ابن عباس: هم أهل الكتاب فرقوا دينهم وكذبوا رسلهم وهو تحريف الكلام عن مواضعه فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم.\nوقال قتادة: ما لبس قوم على أنفسهم إلّا لبس الله عليهم.\nوقرأ الأزهري: وَلَلَّبَسْنا بالتشديد على التكرير يقال: ألبست العرب ألبسه لبسا والتبس عليهم الأمر ألبسه لبسا وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ كما استهزئ بك يا محمد يعزي نبيّه ﷺ فَحاقَ.\nقال الربيع بن أنس: ترك. عطاء: أحل.\nمقاتل: دار. الضحّاك: إحاطة.\nقال الزجاج: الحيق في اللغة ما اشتمل على الإنسان من مكروه فعله ومنه: يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ.\nوقيل: وجب. والحيق والحيوق الوجوب.\nبِالَّذِينَ سَخِرُوا هزءوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ. فحاق بالذين سخروا من المرسلين العذاب وتعجيل النقمة قُلْ يا محمد لهؤلاء المكذبين المستهزئين سِيرُوا سافروا فِي الْأَرْضِ معتبرين ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم وكيف أورثهم الكفر والكذب الهلاك والعذاب، يخوّف كفار أهل مكة عذاب الأمم الماضية قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فإن أجابوك وإلّا قُلْ لِلَّهِ يقول يفتنكم بعدد الأيام لا [...]\nوالأصنام ثم قال كَتَبَ ربكم أي قضى وأوجب فضلا وكرما عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ.\nوذكر النفس هاهنا عبارة عن وجوده وتأكيد وحد وارتفاع الوسائط دونه وهذا استعطاف","vol":"4","page":136},{"text":"منه تعالى للمتولين عنه إلى الإقبال إليه وإخبار بأنه رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة ويقبل منهم الإنابة والتوبة.\nهشام بن منبه قال: حدثنا أبو عروة عن محمد رسول ﷺ قال: لما قضى الله الخلق كتب في كتاب وهو عنده فوق العرش «إن رحمتي سبقت غضبي» «١» .\nوقال عمر لكعب الأحبار: ما أول شيء ابتدأه الله من خلقه؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه بقلم ولا مداد ولكنّه كتب بإصبعه يتلوها الزبرجد واللؤلؤ والياقوت: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا سبقت رحمتي غضبي.\nوقال سليمان وعبد الله بن عمر: إن لله تعالى مائة رحمة كل رحمة منها طباق ما بين السماء والأرض فاهبط منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا فيها يتراحم الإنس والجان وطير السماء وحيتان الماء وما بين الهواء والحيوان وذوات الأرض وعنده مائة وسبعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أضاف تلك الرحمة إلى ما عنده «٢» .\nثم قال لَيَجْمَعَنَّكُمْ اللام فهي لام القسم والنون نون التأكيد، مجازه: والله ليجمعنكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني في يوم القيامة إلي يعني في، وقيل: معناه لَيَجْمَعَنَّكُمْ في [غيركم] إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا غلبوا على أنفسهم والتنوين في موضع نصب مردود على الكاف والنون من قوله لَيَجْمَعَنَّكُمْ ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء وخبره فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ، فأخبر الله تعالى أن الجاحد للآخرة هالك خاسر.\nوَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.\nقال الكلبي: إن كفار مكة قالوا للنبي ﷺ: يا محمد إنا قد علمنا أنه ما يحملك على ما تدعونا إليه إلّا الحاجة، فنحن نجمع ذلك من أموالنا ما نغنيك حتى تكون من أغنانا فأنزل الله تعالى قوله وَلَهُ ما سَكَنَ أي استقر فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ من خلق.\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٨/ ١٨٧\n. (٢) تفسير الطبري: ٧/ ٢٠٦ و٢٠٨ بتفاوت\n.","vol":"4","page":137},{"text":"قال أبو روحي: إن من الخلق ما يستقر نهارا وينتشر ليلا ومنها ما يستقر ليلا وينتشر نهارا.\nوقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن جرير: كلّ ما طلعت عليه الشمس وغيبت فهو من ساكن الليل والنهار والمراد جميع ما في الأرض لأنه لا شيء من خلق الله ﷿ إلّا هو ساكن في الليل والنهار، وقيل: معناه وله ما يمر عليه الليل والنهار.\nوقال أهل المعاني: في الآية لغتان واختصار مجازها: وَلَهُ ما سَكَنَ وشرك فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ كقوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والبرد وأراد في كل شيء وَهُوَ السَّمِيعُ لأصواتهم الْعَلِيمُ بأسرارهم.\nوقال الكلبي: يعني هُوَ السَّمِيعُ لمقالة قريش الْعَلِيمُ بمن يكسب رزقهم قُلْ يا محمد أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ربا معبودا وناصرا ومعينا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها ومبدعها ومبدئها وأصل الفطر الشق ومنه فطر ناب الجمل إذا شقق وابتدأ بالخروج.\nقال مجاهد: سمعت ابن عباس يقول: كنت لا أدري ما فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بعير. فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أنا أحدثتها وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ أي وهو يرزق ولا يرزق وإليه قوله ﷿ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ منهم أَنْ يُطْعِمُونِ.\nوقرأ عكرمة والأعمش: وَلا يَطْعُمُ بفتح الياء أي وهو يرزق ولا يأكل.\nوقرأ أشهب العقيلي: وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعِمُ كلاهما بضم الياء، وكسر العين.\nقال الحسن بن الفضل: معناه هو القادر على الإطعام وترك الإطعام كقوله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا منصور الأزهري بهراة يقول: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يستطعم، يقول العرب: أطعمت غيري بمعنى استطعمت.\nوأنشد:\nإنّا لنطعم من في الصيف مطعما ... وفي الشتاء إذا لم يؤنس القرع\nأي استطعمنا وقيل: معناه وَهُوَ يُطْعِمُ يعني الله وَلا يُطْعَمُ يعني الولي قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ أخلص وَلا تَكُونَنَّ يعني وقيل لي: ولا تكونن مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي تعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهو يوم القيامة.\nمَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ يعني من يصرف الغضب عنه.\nوقرأ أهل الكوفة: يَصْرِفْ بفتح الياء وكسر الراء على معنى من صرف الله عنه العذاب، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لقوله من الله بأن قبل فيما قبله: قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ","vol":"4","page":138},{"text":"وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ\n«١»، ولقوله فيما بعده رَحِمَهُ ولم يقل: فقد رحم، على الفعل المجهول.\n[ولقراءة أبيّ: من يصرفه الله عنه] . يعني يوم القيامة، وهو ظرف مبني على الخبر لإضافة الوقت إلى إذ كقولك: حينئذ [وساعتئذ] فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ يعني نجاة البينة وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ بشدة وبلية وفقر ومرض فَلا كاشِفَ دافع وصارف لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ عافية ورخاء ونعمة فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من الخير والشر قَدِيرٌ.\nروى شهاب بن حرش عن عبد الملك بن عمير عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة أهداها له كسرى فركبها جهل بن شعر ثم أردفني خلفه وسار بي مليا ثم احتنا لي وقال لي: يا غلام، قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن فلو عمل الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك لما قدروا عليه ولو جهدوا أن ينصروك بما لم يكتب الله عليك ما قدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإن لم تستطيع فاصبر فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا واعلم أن النصر مع الصبر فإن مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» .\nوَهُوَ الْقاهِرُ القادر الغالب فَوْقَ عِبادِهِ وفي القهر معنى زائد على القدرة وهو منع غيره عن بلوغ المراد «٢» .\nوَهُوَ الْحَكِيمُ في أمره الْخَبِيرُ بما جاء من عباده.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٢\n. (٢) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٩٩\n.","vol":"4","page":139},{"text":"قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً الآية.\nقال الكلبي: أتى أهل مكة رسول الله ﷺ فقالوا: ما وجد الله رسولا غيرك وما نرى أحدا يصدقك فيما تقول ولو سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر فأرنا من يشهد أنك رسول الله كما تزعم، فأنزل الله قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً فإن أجابوك وإلّا فقل قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ على ما أقول وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ وخوفكم يا أهل مكة بِهِ وَمَنْ بَلَغَ يعني ومن بلغه القرآن من العجم وغيرهم.\nقال الفراء: والعرب تضمر الهاء في مصطلحات التشديد (من) و(ما) فيها وإن الذي أخذت مالك، ومالي أخذته، ومن أكرمت [أبرّ به] بمعنى أكرمته.\nقال النبي ﷺ: «يا أيها الناس بلغوا عني ولو آية من كتاب الله فإن من بلغته آية من كتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذه أو تركه» «١» [١٣٠] .\nوقال الحسن بن صالح: سألت ليثا: هل بقي أحد لم يبلغه الدعوة.\nقال: كان مجاهد يقول حيثما يأتي القرآن فهو داع وهو نذير، ثم قرأ هذه الآية.\nفقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن والإنس فهو نذير له.\nوقال محمد بن كعب القرضي: من بلغه القرآن فكأنما رأى محمدا (﵇) وسمع منه أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى ولم يقل آخر والآلهة جمع لأن الجمع يلحق التأنيث كقوله تعالى فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى «٢» . قُلْ يا محمد إن أشهدوكم أنتم ولا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل يَعْرِفُونَهُ يعني محمد ﷺ ونعته وصفته كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ أي من الصبيان.\nقال الكلبي: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة، قال عمر بن الخطاب (﵁) لعبيد الله بن سلام: إن الله قد أنزل على نبيّه الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ فكيف هذه المعرفة؟ فقال عبد الله: يا عمر قد عرفته فيكم حين رأيته بنعته وصفته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان يلعب ولأنا أشدّ معرفة بمحمّد ﷺ مني بابني، قال: وكيف؟ قال: نعته الله ﷿ في كتابنا، فلا أدري ما أحدث النساء، فقال عمر: وفقك الله يا ابن سلام «٣»\nالَّذِينَ خَسِرُوا غبنوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذلك إن لكل عبد منزل في الجنة ومنزل في النار فإذا كان يوم القيامة جعل الله لأهل الجنة منازل أهل النار في الجنة وجعل لأهل النار منازل أهل الجنة في النار وَمَنْ أَظْلَمُ أكفر.\n_________\n(١) جامع البيان: ٧/ ٢١٥\n. (٢) سورة طه: ٥١\n. (٣) زاد المسير بتفاوت: ٣/ ١٣، والدر المنثور: ١/ ١٤٧\n.","vol":"4","page":140},{"text":"قال الحسن: فلا أحد أظلم مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فأشرك به غيره أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ يعني القرآن.\nقال الحسن: كل ما في القرآن بِآياتِنا وآياتِهِ\nيعني به الدين بما فيه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ الكافرون وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ العابدين والمعبودين جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ إنما يشفع لكم عند ربكم ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ يعني قولهم وجوابهم، وقيل: معذرتهم، والفتنة: الاختبار، ولمّا كان سؤالهم يخبر به لإظهار ما في قلوبهم قيل: فتنة.\nإِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ وذلك إنهم يوم القيامة إذا رأوا مغفرة الله ﷿ وتجاوزه عن أهل التوحيد. قال بعضهم لبعض: تعالوا نكتم الشرك لعلنا ننجو مع أهل التوحيد ويقولون وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فيقول الله تعالى لهم: أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ وتدعون أنهم شركائي ثم نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وتشهد جوارحهم عليهم بالكفر وذلك قوله انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من الأصنام وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ الآية،\nقال: اجتمع أبو سفيان بن حرب والوليد بن المغيرة والنضر بن الحرث وعتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية وأبي ابنا خلف والحرث بن عامر استمعوا حديث رسول الله ﷺ فقالوا: للنضر يا أبا فتيلة ما يقول محمد، قال: والذي جعلها بيته. يعني الكعبة. قال:\nما أدري ما يقول إلّا إنه يحرك لسانه ويقول: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية وكان النضر كتب الحديث عن القرون وأخبارها.\nفقال أبو سفيان: إني لأرى بعض ما يقول خفيا، فقال أبو جهل: كلا فأنزل الله تعالى:\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وإلى كلامك\nوَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً غشاوة وغطاء أَنْ يَفْقَهُوهُ يعلموه وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا ثقلا وصما وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني حكاياتهم أسطورة وإسطارة.\nوقال بعض أهل اللغة: هي التّرّهات والأباطيل والبسابس وأصلها من سطرت أي كتبت وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ.\nقال مقاتل: نزلت في أبي طالب! واسمه عبد مناف وذلك إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب يدعو إلى الإسلام فاجتمعت قريش إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي ﷺ، فقال أبو طالب:\nوالله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسّد في التراب دفينا\nفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذلك وقر منكم عيونا\nودعوتني وزعمت إنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم سببا\nوفرضت دينا لا محالة إنه ... من خير أديان البرية دينا","vol":"4","page":141},{"text":"لولا الملامة أو حذاري سبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا «١»\nفأنزل الله تعالى وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يمنعون الناس عن أذى النبي ﷺ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ أي يبتعدون عما جاء له من الهدي فلا يصدقونه\nوهذا قول القاسم بن محمد وعطاء ابن دينار وإحدى الروايتين عن ابن عباس وعن محمد بن الحنفية والسدي والضحّاك قالوا: نزلت في جملة كفار مكة يعني وَهُمْ يَنْهَوْنَ الناس عن إتباع محمد والإيمان به ويتباعدون بأنفسهم عنه.\nقال مجاهد: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ قريشا ينهون عن الذكر ويتباعدون عنه.\nوقال قتادة: وينهون عن القرآن وعن النبي ﷺ ويتباعدون عنه وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ لأن أوزار الذين يصدونهم عليهم وَما يَشْعُرُونَ إنما كذلك وَلَوْ تَرى يا محمد إِذْ وُقِفُوا حبسوا عَلَى النَّارِ يعني في النار كقوله: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ «٢» يعني في ملك سليمان.\nوقرأ السميقع إِذْ وَقَفُوا بفتح الواو والقاف من الوقوف والقراءة الأولى على الوقف.\nفقال: وقفت بنفسي وقوفا ووقفتم وقفا، وجواب لو محذوف معناه لو تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا «٣» فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قرأه العامة ونكونُ بالرفع على معنى يا لَيْتَنا نُرَدُّ ونحو لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أردنا أم لم نرد.\nوقرأ ابن أبي إسحاق وحمزة: وَلا نُكَذِّبَ ونَكُونَ نصبا على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصبه بالفاء.\nوقرأ ابن عامر: نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبُ: بالرفع، وَنَكُونَ: بالنصب قال: لأنهم تمنوا الرد وأن يكونوا من المؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردّوا إلى الدنيا بَلْ بَدا ظهر لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ يسترون في الدنيا من كفرهم ومعاصيهم.\nوقال السدي إنهم قالوا: وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ فذلك إخفاؤهم مِنْ قَبْلُ فأنطق الله ﷿ جوارحهم فشهدت عليهم بما كتموا فذلك قوله ﷿ بَلْ بَدا لَهُمْ وهذا أعجب إلي من القول الأول لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا إلّا أن تجعل الآية في المنافقين.\nقال المبرد: بَدا لَهُمْ (جزاء ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ) «٤» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٤٠٦\n. (٢) سورة البقرة: ١٠٢\n. (٣) راجع تفسير القرطبي: ٦/ ٤٠٨\n. (٤) راجع زاد المسير: ٣/ ١٩ [.....]\n.","vol":"4","page":142},{"text":"وقال النضر بن شميل: معناه بَلْ بَدا [لعنهم]، ثم قال وَلَوْ رُدُّوا إلى الدنيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ من الكفر وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم: لو ردونا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا وكنا من المؤمنين.\nوَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا فيه تقديم وتأخير، وكان عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يقول: هذا من قولهم: لو ردوا لقالوا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ بعد الموت وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قيل: على حكم الله [...] «١» فهم [وتكلمنا اليدين] بأمر الله قالَ أَلَيْسَ هذا العذاب بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنّه حق قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.\nأي بكفركم قَدْ خَسِرَ وكس وهلك الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ بالبعث بعد الموت حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ القيامة، بَغْتَةً فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا ندامتنا عَلى ما فَرَّطْنا قصرّنا فِيها في الطامة، وقيل: تركنا في الدنيا من عمل الآخرة.\nوقال محمد بن جرير: الهاء راجعة إلى الصفقة، وذلك إنه لما تبين لهم خسران صفقتهم بيعهم الإيمان بالكفر والدنيا بالآخرة، قالُوا: يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها، أي في الصفقة فترك ذكر الصفقة كما يقول قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ لأن الخسران لا يكون إلّا في صفقة بيع «٢» .\nقال السدي: يعني على ما ضيعنا من عمل الجنة، يدل عليه ما\nروى الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «يرى أهل النار منازلهم من الجنة فيقولون: يا حَسْرَتَنا»\n[١٣١] وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ آثامهم وأفعالهم.\n_________\n(١) كلام غير مقروء\n. (٢) جامع البيان: ٧/ ٢٣٦\n.","vol":"4","page":143},{"text":"قال أبو عبيد: يقال للرجل إذا بسط ثوبه فجعل فيه المتاع: احمل وزرك ووزرتك واشتقاقه من الوزر الذي يعتصم به ولهذا قيل: وزر لأنّه كأنّه الذي يعتصم به الملك أو النبي ومنه قوله تعالى وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي «١» عَلى ظُهُورِهِمْ.\nقال السدي وعمرو بن قيس الملائي: إن المؤمن إذا خرج من قبره استقبله أحسن شيء صورة وأطيب ريحا، يقول: هل تعرفني؟ يقول: لا، إلّا أن الله ﷿ قد طيب ريحك وحسّن صورتك، فيقول: كذلك كتب في الدنيا أنا عملك الصالح طال ما ركبتك في الدنيا فاركبني اليوم أنت.\nوقرأ يوم يحشر المتقين إلى الرحمن وفدا أي ركبانا، فإن الكافر تستقبله أقبح شيء صورة وأنتنه ريحا فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: لا إلّا أن الله ﷿ قد قبح صورتك وأنتن ريحك، فيقول: لما كان عملك في الدنيا، أنا عملك السيء طالما ركبتني في المساء فأنا أركبك اليوم وذلك قوله وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ.\nقال الزجاج: لا يزر إليهم أوزارهم، كما يقول الضحّاك:\nنصب عيني وذكرك محيي قلبي\nأَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي يحملون ويعملون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ باطل وغرور لا يبقى، وهذا تكذيب من الله للكفار في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا الآية وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ قرأتها العامة رفعا على نعت الواو، وإضافة أهل الشام لاختلاف اللفظين كقوله: ربيع الأول، ومسجد الجامع وَحَبَّ الْحَصِيدِ «٢» سميت الدنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ من الشرك أَفَلا تَعْقِلُونَ أي الآخرة أفضل من الدنيا قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ الآية.\nقال السدي: التقى الأخفش بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال الأخفش لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب، فإنه ليس هاهنا أحد يسمع كلامك غيري؟\nفقال له أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال أبو يزيد المدني: لقي رسول الله ﷺ أبا جهل فصافحه فلقيه بعض شياطينه فقال له:\nيأتيك تصافحه؟ قال: والله إني أعلم إنه لصادق ولكنا متى كنا تبعا لعبد مناف، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\n_________\n(١) سورة طه: ٢٩/ ٣٠\n. (٢) سورة ق: ٩\n.","vol":"4","page":144},{"text":"وقال ناجية بن كعب: قال أبو جهل للنبي ﷺ: ما نتهمك ولا نكذبك ولكن نتهم الذي جئت به ونكذبه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي كان يكذب النبي ﷺ في العلانية فإذا خلا مع أهل بيته قال: ما محمد من أهل الكذب فلا أحسبه إلّا صادقا، وقال للنبي ﷺ: إنا لنعلم إن الذي له حق وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلّا مخافة أن يتخلفنا البأس من أرضنا. يعني العرب فإنا [ثمن] «١» أكلة رأس ولا طاقة لنا بهم [١٣٢] فأنزل الله ﷿ هذه الآية\nقَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ بأنك كاذب وساحر ومجنون فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ أي لا ينسبونك إلى الكذب ولا يقولون لك: كذبت.\nوقرأ نافع والكسائي: يُكْذِبُونَكَ بالتخفيف وهي قراءة علي ﵁\nيعني: ولا يجدونك كاذبا، يقول العرب: أجدبت الأرض وأخصبتها وأحييتها وأهجتها إذا وجدتها جدبة وخصبة ويعيدوا ناتجة للنبات.\nقال رؤبة:\nوأهيج الخلصاء من ذات البرق «٢»\nأي وجدتها ناتجة للنبات.\nقال الكسائي: يقول العرب: أكذبت الرسل إذا أخبرت إنه قول الكذب فرواه وكذبته إذا أجزت إنه كاذب وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ [تسلية نبيه] يقولون: كذبهم قومهم كما كذبتك قريش فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ قال الكلبي: يعني القرآن.\nوقال عكرمة: يعني قوله وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ إلى قوله:\nغالِبُونَ\nوقوله: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا «٣» وقوله تعالى كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي «٤» العدل يعني لأخلفهما لعذابه وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ من قبل كما يقول: أصابنا من مطر أي مطر.\nوَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ\nقال الكلبي: قال الحرث بن عامر: يا محمد ائتنا بآية كما كانت الأنبياء تأتي بها فإن أتيت بها آمنا بك وصدقناك، فأبى الله أن يأتيهم بها فأعرضوا عنه\n_________\n(١) كذا يظهر في المخطوط\n. (٢) الصحاح: ١/ ٣٥٢\n. (٣) سورة غافر: ٥١\n. (٤) سورة المجادلة: ٢١\n.","vol":"4","page":145},{"text":"وكبر عليه ﷺ\nفأنزل الله ﷿ وَإِنْ كانَ كَبُرَ عظم وضاق عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ عنك فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ تطلب وتتخذ نَفَقًا سربا فِي الْأَرْضِ مثل نافقا اليربوع وهو أحد حجرته فيذهب فيه أَوْ سُلَّمًا درجا ومصعدا إليّ فِي السَّماءِ يصعد فيه.\nقال الزجاج: السلم من السلامة وهو الذي يسلمك إلى مصعدك فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ فافعل وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فآمنوا كلّهم فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ أن يؤمن بك بعضهم دون بعض وإن الله لو شاء لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى، وإن من يكفر إنما يكفر بسائر علمه فيه.\nإِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يعني المؤمنين الذين يسمعون الذكر فيتبعونه وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه فلا يصغي إلى الحق وَالْمَوْتى يعني الكفار يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ\nمع الموتى ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ وَقالُوا يعني الحرث بن عامر وأصحابه. لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ حالهم في نزولها وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ على التأكيد، كما يقال: أخذت بيدي، مشيت برجلي ونظرت بعيني.\nإِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ يعني بعضهم من بعض والناس أمة والطير أمة والسباع أمة والدواب أمة، وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ جماعات أمثالكم.\nوقال عطاء: أَمْثالُكُمْ في التوحيد [ومعرفة الله] وقيل: إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ في التصور والتشخيص ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ يعني في اللوح المحفوظ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ.\nقال ابن عباس، والضحّاك: حشرها: موتها.","vol":"4","page":146},{"text":"وقال أبو هريرة: في هذه الآية يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطيور وكل شيء فيبلغ من عذاب الله يومئذ أن يأخذ الجماء من القرناء ثم يقول: كوني ترابا فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\n«١» .\nوقال عطاء: فإذا رأوا بني آدم وما فيه من الجزية، قلت الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنة نرجو ولا نارا نخاف، فيقول الله ﷿ لهم كونوا ترابا فحينئذ يتمنى الكافر أن يكون ترابا.\nوعن أبي ذر قال: بينا أنا عند رسول الله ﷺ إذا انتطحت عنزان فقال النبي ﷺ: «أتدرون فيما انتطحا» «٢» [١٣٣] قالوا: لا ندري، قال: لكن الله يدري ويقضي بينهما\nوَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا محمد والقرآن صُمٌّ لا يسمعون الخبر وَبُكْمٌ لا يتكلمون، الخبر فِي الظُّلُماتِ في ضلالات الكفر مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ يموتون على كفرهم وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قائم وهو الإسلام قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ أي هل رأيتم والكاف فيه للتأكيد، إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ يوم بدر وأحد والأحزاب وحنين، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ في صرف العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ثم قال بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ تخلصون فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ تتركون ما تُشْرِكُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فكفروا فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ الفقر والجوع وَالضَّرَّاءِ المرض والزمانة لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ يؤمنون ويتوبون ويخضعون ويخشعون.\nفَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا تَضَرَّعُوا فآمنوا فكشف عنهم وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي أنكروا ما وعظوا وأمروا به فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ أي بدلناهم مكان البلاء والشدة بالرخاء في العيش والصحة في الأبدان حَتَّى إِذا فَرِحُوا أعجبوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فجأة أمن ما كانوا بالعجب ما كانت الدنيا لهم، فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ يئسون من كل خير.\nقال السدي: هالكون، ابن كيسان: خاضعون، وقال الحسن: منصتون.\nوقرأ عبد الرحمن السلمي: مُبْلَسُونَ بفتح اللام مفعولا بهم أي مؤيسون. وأصل الإبلاس الإطراق من الحزن والندم.\nوقال مجاهد: الإبلاس الفضيحة. وقال: ابن زيد المبلس الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه.\n_________\n(١) سورة النبأ: ٤٠\n. (٢) جامع البيان: ٧/ ٢٤٨\n.","vol":"4","page":147},{"text":"قال جعفر الصادق: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ من التعظيم فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ من النعم حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا من الترفيه والتنعيم جاءتهم بغتة إلى سوء الجحيم\nفَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ قال السدي: أصل القوم.\nقال قطرب: أخذهم يعني استؤصلوا وأهلكوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ على إهلاكهم.\nروى عقبة بن عامر عن النبي ﷺ قال: «إذا رأيت الله أعطى العباد ما يشاؤن على معاصيهم فإنما ذلك استدراج منه لهم» «١» [١٣٤] . ثم تلا هذه الآية فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ الآية.\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ فذهب بها وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ وطبع عليها يعني لا يفقهوا قولا ولا يبصروا حجة مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ يعني بما أخذ منكم انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ نبين لهم الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يعرضون عنها مكذبين بها\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٤٢٦\n.","vol":"4","page":148},{"text":"قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً فجأة أَوْ جَهْرَةً معاينة ورؤية [على ما أشركوا] هَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ المشركون وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ العمل فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حين يخاف أهل النار وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزنوا وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا بمحمد والقرآن يَمَسُّهُمُ يصيبهم الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يرتكبون قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ يعني رزق الله وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ما يخفى عن الناس وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فتنكرون قولي وتجحدون أمري إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وذلك غير منكر ولا مستحيل في العقل مع وجود الدلائل والحجة البالغة قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ الكافر والمؤمن والضال والمهتدي أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ لا يستويان وَأَنْذِرْ خوّف بِهِ بالقرآن.\nقال الضحّاك: بِهِ أي بالله الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا يبعثوا ويحيوا إِلى رَبِّهِمْ وقيل:\nيعلمون أن يحشروا لأن خوفهم بما كان من عملهم لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ من دون الله وَلِيٌّ يعني قريب ينفعهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الآية، قال سليمان، وخباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية.\nجاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصين الفزاري وهم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فوجدوا النبي ﷺ قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المسلمين فلما رأوهم حوله حقروهم فأتوه فقالوا: يا رسول الله لو جلست في صدر المجلس ويغيب عنها هؤلاء وأرواح جبابهم. وكانت عليهم جباب من صوف لم يكن عليهم غيرها. لجالسناك وحادثناك وأخذنا عنك، فقال رسول الله ﷺ: «ما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ» قالوا: فأنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب مع هؤلاء الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم وإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال: نعم، قالوا: أكتب لنا بذلك كتابا، قال: فدعانا لصحيفة ودعا عليا ليكتب.\nقال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبرئيل (﵇) بقوله وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ إلّا بشيء فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ «١» فكنا نقعد معه فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله ﷿ هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: وكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعمد وندنو منه حتى كادت ركبنا تمسّ ركبه فإذا بلغ الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم وقال: «الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي [معكم المحيا ومعكم] «٢» الممات» [١٣٥] «٣» .\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٥٤\n. (٢) التقويم من المصدر\n. (٣) جامع البيان: ١٥/ ٢٩٤ [.....]\n.","vol":"4","page":149},{"text":"وقال الكلبي: قالوا له: اجعل لنا يوما ولهم يوم، قال: لا أفعل، قالوا: فاجعل المجلس واحدا وأقبل إلينا وولّ ظهرك عليهم فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوروى الأشعث بن سواد عن إدريس عن عبد الله بن مسعود قال: مرّ الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين، فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك؟ أفنحن نكون تبعا لهؤلاء أَهؤُلاءِ الذين قال: مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أطردهم عنك، فلعلك إن طردتهم اتبعناك، فأنزل الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ الآية، قال: بها قد قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد لتابعنا محمدا فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال عكرمة: جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن أمية ومطعم بن عدي والحرث بن نوفل وقرظة ابن عبد وعمرو بن نوفل في أشراف بني عبد مناف من أهل الكفر إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب لو أن ابن أخيك محمدا يطرد عنه موالينا وحلفاءنا فإنهم عبيدنا كان أعظم في صدورنا وأطوع له عندنا وأدنى لاتّباعنا إيّاه. وتصديقنا له فأتى أبو طالب النبي ﷺ فحدثه بالذي كتموه، فقال عمر بن الخطاب (﵁): لو فعلت ذلك حتى ننظر ما الذي يريدون وإلى ما يصيرون فنزلت من قولهم هذه الآية فلما نزلت أقبل عمر بن الخطاب واعتذر من مقالته.\nوقال جبير بن نفيل: إن قريشا أتوا رسول الله ﷺ فقالت: أرسلت إلينا فاطرد هؤلاء السقاط عنك فنكون أصحابك فأنزل الله تعالى، وَلا تَطْرُدِ الآية.\nقال ابن عباس: يَدْعُونَ رَبَّهُمْ يعني يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يعني صلاة الصبح وصلاة العصر، وذلك إن ناسا من الفقراء كانوا مع النبي ﷺ فقال قوم من الأشراف: إذا صلّينا فأخّر هؤلاء وليصلوا خلفنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ الآية.\nوقال حمزة بن عيسى: دخلت على الحسن فقلت له: يا أبا سعيد أرأيت قول الله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ آمنوا، قال: لا ولكنهم المحافظون على الصلوات في الجماعة.\nوقال مجاهد: صليت الصبح مع سعيد بن المسيب (﵁) فلما سلّم الإمام، ابتدر الناس القاص، فقال سعيد ما أسرع الناس إلى هذا المجلس.\nفقال مجاهد: فقلت: يتأوّلون قول الله ﷿ وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، فأراد في هذا هو إنما ذلك في الصلاة التي انصرفا عنها الآن، وقلنا إنهم يذكرون ربهم.\nوقال أبو جعفر: يعني يقرءون القرآن\nيُرِيدُونَ وَجْهَهُ جواب لقوله ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ","vol":"4","page":150},{"text":"مِنْ شَيْءٍ\n«١» وقوله فَتَكُونَ جواب لقوله وَلا تَطْرُدِ لا أحد هو جواب نفي والله جواب النهي مِنَ الظَّالِمِينَ من الضارين لنفسك بالمعصية والنفس الطرد في غير موضعه وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ التعريف الوضيع والعرفي بالمولى والغني الآية لِيَقُولُوا يعني الأشراف الأغنياء أَهؤُلاءِ يعني الفقراء والضعفاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا قال الكلبي: كان الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد آمن قبله حمى أنفا أن يسلم ويقول: سبقني هذا بالإسلام فلا يسلم أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ يعني المؤمنين وهذا جواب لقوله أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا وقيل: أليس الله أعلم بالشاكرين، من يشكر على الإسلام إذا هديته له.\nالعلاء بن بشير عن أبي بكر الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة فيها ضعفاء المهاجرين، وإن بعضهم يستر بعضا من العري وقارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته فقال النبي ﷺ حتى قام علينا فلما رأى القارئ سكت، فسلم وقال: ما كنتم تصنعون؟ قلنا: يا رسول الله كان قارئ يقرأ علينا ونحن نستمع إلى قراءته، فقال النبي ﷺ: الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر نفسي معهم ثم جلس وسطنا ليعدل نفسه فينا ثم قال هكذا بيده هكذا، فحلق القوم وبرزت وجوههم فلم يعرف رسول الله ﷺ منهم أحدا وكانوا ضعفاء المهاجرين. فقال النبي ﷺ: «أبشروا صعاليك المهاجرين بالفوز التام يوم القيامة تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم مقداره خمس مائة سنة» [١٣٦] «٢» .\nهشام بن سليمان عن أبي يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال النبي ﷺ: «يا معشر الفقراء إن الله رضي لي أن أتأسى بمجالسكم وأن الله معنا فقال: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فإنها مجالس الأنبياء قبلكم والصالحين» [١٣٧] «٣» .\nمعاوية بن مرّة عن عائذ بن عمرو: أن سلمانا وصهيبا وبلالا كانوا قعدوا فمر بهم أبو سفيان فقالوا له: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها بعد. فقال لهم أبو بكر (﵁): تقولون هذا لشيخ قريش وسيّدها ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر لعلك أغضبتهم إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك» فوقع أبو بكر فيهم فقال: لعلي أغضبتكم؟ قالوا:\nلا يا أبا بكر يغفر الله لك «٤» .\nوَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا اختلفوا فيما نزلت هذه الآية.\nفقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله ﷿ نبيه ﷺ عن طردهم وكان النبي ﷺ إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال:\n_________\n(١) سورة الأنعام، ٥٢\n. (٢) تهذيب الكمال: ٢٢/ ٤٧٨\n. (٣) كنز العمال: ٦/ ٤٨٤ ح ١٦٦٥٤\n. (٤) سنن النسائي: ٥/ ٧٥ ح ٨٢٧٧\n.","vol":"4","page":151},{"text":"«الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن أبدأهم بالسلام» [١٣٨] «١» .\nوقال الكلبي: لما نزلت هذه الآية وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ جاء عمر (﵁) للنبي ﷺ فاعتذر إليه من مقالته واستغفر الله تعالى منها، وقال: يا رسول الله ما أردت بهذا إلّا الخير فنزل في عمر (﵁) وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ الآية.\nوقال عطاء: نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وبلال وسالم وأبي عبيدة وصهيب بن عمير وعمر وجعفر وعثمان بن مظعون وعمار بن ياسر، والأرقم بن الأرقم وأبي سلمة بن الأسد ﵃ أجمعين.\nوقال أنس بن مالك (﵁) عنه: أتى رسول الله ﷺ رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبنا كثيرة عظيمة فسكت عنهم رسول الله ﷺ فأنزل الله على الرجال الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ\nقال مجاهد: لا يعلم حلالا من حرام ومن جهالته ربك الأمر وكل من عمل خطيئة فهو بها جاهل، وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب، يقال: جهل حين آثر المعصية على الطاعة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ فرجع عن دينه وَأَصْلَحَ عمله، وقيل: أخلص توبته فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف القراء في قوله تعالى أَنَّهُ [الكوفيون] بفتح الألف منهما جميعا. ابن كثير والأعمش وابن عمر وحمزة والكسائي على الاستئناف، ونصبها الحسن وعاصم ويعقوب بدلا من رحمة، وفتح أهل المدينة الأولى على معنى وكتب إنّه وكسروا الثانية على الاستئناف لأن ما بعدها لا يخبر أبدا وَكَذلِكَ أي هكذا، وقيل: معناه وفصلنا لك في هذه السورة والآية.\nوجاء في أعلى المشروح في المنكرين من كذلك نُفَصِّلُ الْآياتِ أي نميز ونبين لك حجتنا وأدلتنا في كل من ينكر أهل الباطل وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ مرّ رفع السبيل ومعناه وليظهر وليتضح طريق المجرمين. يقال بان الشيء وأبان وتبيان وتبين إذا ظهر ووضح والسبيل يذكر ويؤنث، فتميم تذكر، وأهل الحجاز يؤنثه، ودليل المذكر قوله ﷿ وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ودليل التأنيث قوله تعالى لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وقوله ﷿ قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ ولذلك قرأ وَلِتَسْتَبِينَ بالياء والتاء، وقرأ أهل المدينة وَلِتَسْتَبِينَ بالتاء، سَبِيلَ بالنصب على خطاب النبي ﷺ معناه وَلِتَسْتَبِينَ يا محمد سبيلَ المجرمين، يقال واستبين الشيء وتبينته إذا عرفته قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ في عبادة الأوثان وطرد بلال وسلمان قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ يعني إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق وسلكت غير الهدى.\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٤٧\n.","vol":"4","page":152},{"text":"وقرأ يحيى بن وثاب [وأبو رجاء]: قَدْ ضَلِلْتُ، بكسر اللام وهما لغتان ضلّ يضلّ مثل قلّ يقلّ. وضلّ يضلّ مثل ملّ يملّ، والأولى هي الأصح والأفصح لأنها لغة أهل الحجاز قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ بيان وبرهان وبصيرة وحجة مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ أي بربي ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يعني العذاب، نزلت في النضر بن الحرث إِنِ الْحُكْمُ ما القضاء إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ قرأ أهل الحجاز، وعاصم يَقُصُّ الْحَقَّ بالصاد المشددة أي يقول الحق قالوا: لأنه مكتوب في جميع المصاحف بغير ياء ولأنه قال الْحَقَّ فإنما يقال قضيت بالحق. وقرأ الباقون: بالضاد أي يحكم بالحق دليله قوله وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ والفصل جلب القضاء، والقرّاء إنما حذفوا الياء للاستثقال ثم [...] كقوله صالِ الْجَحِيمِ «١» وقوله يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ «٢» وفَما تُغْنِ النُّذُرُ «٣» سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «٤» ونحوها وحذفوا الباء من الحق لأنه صفة المصدر فكأنه يقضي القضاء الحق.\nقُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي بيدي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ هو العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي فرغ من العذاب وأهلكتم وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ.\nوَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ المفاتح جمع المفتح.\nوقرأ ابن السميقع: مفاتيح على جمع المفتاح، يعني ومن عنده معرفة الغيب وهو يفتح ذلك بلطفه، واختلفوا في مفاتيح الغيب.\n_________\n(١) سورة الصافّات: ١٦٣\n. (٢) سورة الرعد: ٣٩\n. (٣) سورة القمر: ٥\n. (٤) سورة العلق: ١٨\n.","vol":"4","page":153},{"text":"فروى عبد الله بن عمر إن النبي ﷺ قال: «مَفاتِحُ الْغَيْبِ خمس ... إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» «١» [١٣٩] .\nوقال السدي: مَفاتِحُ الْغَيْبِ خزائن الغيب. مقاتل، والضحّاك: يعني خزائن الأرض.\nوعلم نزول العذاب متى ينزل بكم.\nعطاء: يعني ما غاب عنكم من الثواب والعقاب وما يصير إليه أمري وأمركم، وقيل: هي الآجال ووقت انقضائها، وقيل: أحوال العباد من السعادة والشقاوة، وقيل: عواقب الأعمار وخواتيم الأعمال، وقيل: هي ما لم يكن بعد إنه يكون أم لا يكون وما يكون كيف يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون.\nوقال ابن مسعود: أوتي نبيّكم علم كل شيء إلّا مفاتيح الغيب وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.\nقال مجاهد: البر القفار والبحر كل قرية فيها ماء وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها قال ابن عباس: ما شجرة في بر ولا بحر إلّا وبها ملك وكلّ يعلم من يأكل وما يسقط من ورقها وقل منكم عند ما بقي من الورق على الشجر وما سقط منها.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدوس يقول: معناه يعلم كما تقلبت ظهرا لبطن إلى أن سقطت على الأرض وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ أي في بطون الأرض، وقيل: تحت الصخرة في أسفل الأرضين وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ قال ابن عباس:\nالرطب الماء، واليابس البادية. وقال عطاء: يريد ما ينبت وما لا ينبت.\nوقال الحسن: يكتبه الله رطبا ويكتبه يابسا لتعلم يا بن آدم إن عملك أولى بها [من إصلاح] تلك الجنة.\nوقال: الرطب لسان المؤمن رطب بذكر الله، واليابس لسان الكافر لا يتحرك بذكر الله.\nوبما يرضي الله ﷿. وقيل: هي الأشجار والنبات.\nوروى الأعمش عن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث، فقال: ما في الأرض من شجرة ولا كمغرز إبرة إلّا عليها ملك وكل يأتي الله بعلمها ويبسها إذا يبست ورطوبتها إذا رطبت.\nمحمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ: «ما من زرع على الأرض ولا ثمار\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٤/ ٤١١\n.","vol":"4","page":154},{"text":"على أشجار [وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ] «١» إلّا عليها مكتوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، رزق فلان ابن فلان وذلك قوله تعالى في محكم كتابه وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ» «٢» [١٤٠] .\nإِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ أي يقبض أرواحكم في منامكم وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ وأصله من [جارحة] اليد.\nثم قيل لكل عليك جارح أي عضو من أعضائه عمل ومنه [الزرع الجيد]، ويقال لا ترك الله له جارحا أي عبدا ولا أمة يكسب له ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ أي ينشركم ويوقظكم فِيهِ في النار لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى يعني أجل الحياة إلى الممات حتى ينقضي أثرها ورزقها.\nفقرأ أبو طلحة وأبو رجاء لنقضي بالنون المفتوحة أجلا نصب، وفي هذا إقامة الحجة على منكري البعث يعني كما قدرت على هذا فكذلك أقدر على بعثكم بعد الموت.\nوقال: مكتوب في التوراة: يا ابن آدم كما تنام كذلك تموت وكما توقظ كذلك تبعث ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ في الآخرة ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ يخبركم ويجازيكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً يعني الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم وهو جمع حافظ، ونظيره قوله وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ «٣» قال عمر بن الخطاب (﵁): ومن الناس من يعيش شقيّا جاهل القلب، غافل اليقظة، فإذا كان ذا وفاء ورأى حذر الموت واتقى الحفظة، إنما الناس راحل ومقيم الذي راح للمقيم عظة حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا يعني أعوان ملك الموت يقبضونه ثم يدفعونه إلى ملك الموت وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ لا يعصون ولا يضيعون.\nوقرأ عبيد بن عمر: لا يُفْرِطُونَ بالتخفيف معنى لا يجاوزون الحد ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ يعني الملائكة وقيل: يعني العباد مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ القضاء في خلقه وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ يعني لا يحتاج إلى رويّة ولا تقدير قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا ضللتم الطريق وخفتم الهلاك تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً وقرأ عاصم: وَخُفْيَةً وهما لغتان. وقرأ الأعمش وخيفة من الخوف كالذي في الأعراف لَئِنْ أَنْجانا الله مِنْ هذِهِ أي ويقولون لئن أنجيتنا من هذه يعني الظلمات لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ من المؤمنين قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ حزن ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ يعني\n_________\n(١) هكذا في المصدر\n. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٤\n. (٣) سورة الإنفطار: ١٠\n.","vol":"4","page":155},{"text":"الصيحة والحجارة والريح والطوفان كما فعل بعاد وثمود وقوم شعيب وقوم لوط وقوم نوح أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ يعني الخسف كما فعل بقارون.\nوقال مجاهد: عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ السلاطين، الذين مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ العبيد السوء.\nالضحّاك: عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ من قبل كباركم أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ من أسفل منكم أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا أو يخلقكم ويفرق ويبث فيكم الأهواء والمختلفة وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ يعني السيوف المختلفة بقتل بعضكم بعضا كما فعل ببني إسرائيل،\nفلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: «يا جبرئيل ما بقاء أمتي على ذلك؟ فقال له جبرائيل: إنما أنا عبد مثلك؟\nفسل ربك؟ فقام رسول الله ﷺ وتوضأ وصلى وسأل ربه فأعطى آيتين ومنع واحدة، قال رسول الله ﷺ: «سألته أن يبعد على أمتي عذابا من فوقهم ومن تحت أرجلهم فأعطاني ذلك، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعني، وأخبرني جبرئيل (﵇) أن فناء أمتي بالسيف» «١» [١٤١] .\nوقال الزهري: راقب خباب بن الإرث رسول الله ﷺ ذات ليلة يصلي فلما فرغ، قال:\nوقت الصباح لقد رأيتك تصلي صلاة ما رأيتك صليت مثلها، قال: أجل إنها صلاة رغبة ورهبة سألت ربي فيها ثلاثا وأعطاني إثنتين، وزوى عني واحدة، سألته أن لا يسلط على أمتي عدوا من غيرهم فأعطاني، وسألته أن لا يرسل عليهم سنة فتهلكهم فأعطاني، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فزواها عني» .\nانْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ وَكَذَّبَ قرأ إبراهيم بن عبلة وكذبت بالتاء بِهِ أي بالقرآن وقيل: بالعذاب قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ أي حفيظ ورقيب وقيل: مسلط إنما أنا رسول لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ موضع قوله وحقيقة ومنتهى ينتهي إليه فيتبين صدقه من كذبه وحقه من باطله.\nقال مقاتل: لكل خبر يخبره الله تعالى وقت ومكان يقع فيه من غير خلف ولا تأخير.\nقال الكلبي: لكل قول أو فعل حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه. وما كان منه في الآخرة فسوف يبدو لهم وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ذلك.\nوقال الحسن: لكل عمل جزاء فمن عمل عملا من الخير جوزي به الجنة، ومن عمل عمل سوء جوزي به النار، وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ يا أهل مكة.\nوقال السدي: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ أي ميعاد وحد تكتموه، فسيأتيكم حتى تعرفوه.\n_________\n(١) بتفاوت في تفسير الطبري: ٧/ ٢٩٢ [.....]\n.","vol":"4","page":156},{"text":"وقال عطاء: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ يؤخر عقوبته ليعمل ذنبه فإذا عمل ذنبه عاقبه.\nقال الثعلبي: ورأيت في بعض التفاسير إن هذه الآية نافعة من وجع الضرس إذا كتبت على كاغد ووضع عليه السن.\nوَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا يعني القرآن الاستهزاء والكذب فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ فاتركهم ولا تجالسهم حَتَّى يَخُوضُوا يدخلوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ غير القرآن، وذلك\nإن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين وقعوا في رسول الله ﷺ فسبوا واستهزؤا بالقرآن، فنهى الله المؤمنين عن مجالستهم\nوَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ.\nقرأ ابن عباس وابن عامر: ينسونك بالتشديد الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فقم من عندهم بعد ما ذكرت ثم قال وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ الخوض مِنْ حِسابِهِمْ من أيام الخائضين مِنْ شَيْءٍ.\nقال ابن عباس: قال المسلمون: فإنا نخاف الإثم حين نتركهم فلا ننهاهم فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: قال المسلمون: لئن كنا كلما استهزأ المشركون في القرآن وخاضوا فيه قمنا عنهم لم نستطع أن نجلس في المسجد الحرام وأن نطوف بالبيت فنزل وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى أي ذكروهم وعظوهم وهي في محل النصب على المصدر أي ذكروهم ذكرى والذكر والذكرى واحد ويجوز أن يكون في موضع الرفع أي هو ذكرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الخوض إذا وعظتموهم، وقيل: وإذا قمتم يسعهم في ذلك من الاستهزاء والخوض. وقيل: لعلهم يستحيون وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا باطلا","vol":"4","page":157},{"text":"وفرحا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وذلك أن الله تعالى جعل لكم قوم عيدا يعظمونه ويصلون فيه فكان قوم اتخذوا عيدهم لهوا ولعبا إلّا أمة محمد ﷺ فإنهم اتخذوا عيدهم صلاة لله.\nوذكرا مثل الجمعة والفطر والنحر وَذَكِّرْ بِهِ وعظ بالقرآن أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ يعني أن لا تبسل كقوله تعالى يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا. ومعنى الآية ذكرهم ليؤمنوا فلا تبسل نفس بما كسبت.\nقال ابن عباس: تهلك، قتادة: تحيس.\nالحسن، ومجاهد، وعكرمة، والسدي: تسلم للهلكة. علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس:\nتفضح.\nالضحاك: تفضح وتحرق. والمؤرخ، وابن زيد: تؤخذ.\nقال الشاعر:\nوإبسالي بني بغير جرم ... بعونها ولا بدم مراق «١»\nالعوف بن الأحوض: وكان رهن بيته وحمل عن غنى لبني قشير دم السحقية. فقالوا: لا نرضى بك، فدفعهم رهنا، وقوله بعونا أي جنينا، والبعو الجناية.\nوقال الأخفش: تُبْسَلَ أي تجزى. وقال الفراء: ترتهن.\nوأنشد النابغة الجعدي:\nونحن رهنا بالإفاقة عامرا ... بما كان في الدرداء رهنا فأبسلا «٢»\nوقال عطية العوفي: يسلم في خزية جهنم.\nوقال أهل اللغة: أصل الإبسال التحريم، يقال: أبسلت الشيء إذا حرمته، والبسل الحرام.\nقال الشاعر:\nبكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي «٣»\nفقال: أنشدنا بسل أي شجاع لا يقدّر موته كأنه قد حرم نفسه ثم جعل ذلك نعتا لكل شديد. يترك، ويبقى. ويقال: شراب بسل أي متروك.\nقال الشنفري:\n_________\n(١) الصحاح: ٤/ ١٦٣٤\n. (٢) الصحاح: ٢/ ٤٧٠\n. (٣) لسان العرب: ١١/ ٥٥\n.","vol":"4","page":158},{"text":"هنالك لا أرجو حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر «١»\nوقوله تعالى لَيْسَ لَها أي لتلك الأنفس مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ حميم وصديق وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم في الآخرة وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ تفد كل فداء، لا يُؤْخَذْ مِنْها.\nقال أبو عبيدة: وإن يقسطه كل قسط لا يقبل منها لأن التوبة في الحياة أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر حين دعا أباه إلى الكفر فأنزل الله تعالى قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا إن عبد ناه وَلا يَضُرُّنا إن تركناه وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا إلى الشرك بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ.\nوتقول العرب لكل راجع خائب لم يظفر بحاجته: ردّ على عقبيه ونكص على عقبيه فيكون مثله كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ أي أضلته.\nوقال ابن عباس (﵁): كالذي استغوته الغيلان في المهامة «٢» وأضلوه وهو حائر بائر فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ وحيران نصب على الحال.\nوقرأ الأعمش، وحمزة: كالذي استهوى به، بالباء. وقرأ طلحة: استهواه بالألف.\nوقرأ الحسن: استهوته الشياطون وفي مصحف عبد الله وأبي استهواه الشيطان على الواحد لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا يعني أتوا به، وقيل: أصحاب محمد ﷺ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ أي لأن نسلم لِرَبِّ الْعالَمِينَ وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إلى قوله يُنْفَخُ فِي الصُّورِ.\nقال أبو عبيدة: هو جمع صورة مثل سورة وسور.\nقال العجاج:\nورب ذي سرادق محجور ... سرت إليه في أعالي السور «٣»\nوقال آخرون: هو فرن ينفخ فيه بلغة أهل اليمن.\nوأنشد العجاج:\nنطحناهم غداة الجمعين ... بالضابحات في غبار النقعين\nنطحا شديدا لا كنطح الصورين «٤»\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٦٨٨\n. (٢) المهامة: البادية\n. (٣) تفسير القرطبي: ١٥/ ٤٠\n. (٤) الصحاح: ٢/ ٧١٦، ولسان العرب: ٤/ ٤٧٥\n.","vol":"4","page":159},{"text":"يدل على هذا\nالخبر المروي عن النبي ﷺ كيف أنعم صاحب القرن قد أكتم القرن [وحنى حنينه] وأصغى سمعه فنظر متى يؤمر فنفخ\n، ثم قال عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ.\nقال محمد بن إسحاق والضحاك والكلبي: وآزر أبو إبراهيم وهو تاريخ مثل إسرائيل ويعقوب وكان من أهل كوثى قرية من سواد الكوفة «١» .\nوقال مقاتل بن حيان: لأب إبراهيم.\nوقال سليمان [التيمي]: هو سب وعيب. ومعناه في كلامهم المعوج وقيل: معناه الشيخ [الهنم] بالفارسية وهو على هذه الأقاويل في محل الخفض على البدل أو الصفحة ولكنه نصب لأنه لا ينصرف.\nوقال سعيد بن المسيب، ومجاهد، ويمان: آزر اسم صنم وهو على هذا التأويل في محل نصب.\nوفي الكلام تقديم وتأخير تقديره أتتخذ آزر أصناما آلهة.\nوقرأ الحسن وأبو يزيد المدني ويعقوب الحضرمي: آزر بالرفع على النداء بالمفرد يعني يا آزر أَتَتَّخِذُ أَصْنامًا آلِهَةً من دون الله إلى قوله وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ\nيعني كما أريناه البصيرة في دينه والحق في خلاف قومه نريه ملكوت السماوات\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٣١٦\n.","vol":"4","page":160},{"text":"والأرض أي ملكهما والملكوت الملك وبدت فيه وجدت التاء للتأنيث في الجبروت والرهبوت والرحموت.\nوحكي عن العرب سراعا له ملكوت اليمن والعراق.\nوقال الكسائي: زيدت فيه التاء للمبالغة. وأنشد:\nوشر الرجال الخالب الخلبوت «١»\nوقال عكرمة: هو الملك غير إنها بالنبطية ملكوتا. وقرأها بالياء المعجمة مليّا.\nوقال ابن عباس: يعني خلق السماوات والأرض.\nمجاهد وسعيد بن جبير: يعني آيات السماوات والأرض، وذلك إنه أقيم على صخرة وكشفت له عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل الأرض ونظر إلى مكانه في الجنة.\nوذلك قوله وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا «٢» يعني أريناه مكانه في الجنة.\nقال قتادة: إن إبراهيم (﵇) حدث نفسه إنه أرحم الخلق. فرفعه الله ﷿ حتى أشرف على أهل الأرض وأبصر أعمالهم فلما رآهم يعملون بالمعاصي قال لله: دمرّ عليهم، وجعل يلعنهم. فقال له ربه: أنا أرحم بعبادي منك، اهبط فلعلّهم يتوبوا.\nقيس بن أبي حازم عن علي كرم الله وجهه عن النبي ﷺ قال: «لما أرى الله تعالى إبراهيم مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أشرف على رجل على معصية من معاصي الله فدعا الله عليه فهلك، ثم أشرف على آخر فدعا الله عليه فهلك، ثم أشرف على آخر فلما أراد أن يدعو عليه أوحى الله ﷿ إليه أن يا إبراهيم إنك رجل مستجاب الدعوة فلا تدعونّ على عبادي فإنهم مني على ثلاث خصال: إما أن يتوب إليّ فأتوب عليه، وإما أن أخرج منه نسمة تسبّح، وإما أن [يعود] إلي فإن شئت عفوت عنه وإن شئت عاقبته» .\nوقال الضحاك: مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الشمس والقمر والنجوم. وقال قتادة: خبئ إبراهيم (﵇) من جبار من الجبابرة فحول له رزق في أصابعه فإذا مص إصبعا من أصابعه وجد فيها رزقا فلما خرج أراه الله مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وكان ملكوت السماوات الشمس والقمر والنجوم، وملكوت الأرض الجبال والشجر والبحار.\nوَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا إلى آخر الآية.\nقال المفسرون: إن إبراهيم (﵇) ولد في زمن نمرود بن كنعان وكان نمرود أول\n_________\n(١) كتاب العين: ٤/ ٢٧١\n. (٢) سورة العنكبوت: ٢٧\n.","vol":"4","page":161},{"text":"من وضع التاج على رأسه وقلد التاج عليه ودعاء الناس [...] وكان له كهان ومنجمون.\nوقالوا: إنه يولد في بلدك هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه. ويقال إنهم وجدوا ذلك في كتب الأنبياء ﵈.\nوقال السدي: رأى نمرود في منامه كأن كوكبا اطلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء ففزع من ذلك فزعا شديدا ودعا السحرة والكهنة والجازة والقافة فسألهم عن ذلك فقالوا: مولود يولد في ناحيتك في هذه السنة يكون هلاك ملك وأهل بيتك على يديه. قالوا:\nفأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته تلك السنة وأمر بعزل الرجال عن النساء وجعل على كل عشر رجلا، فإذا حاضت امرأة خليت بينها وبينه، فإذا طهرت عزل بينها، فرجع آزر أبو إبراهيم فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فوقع عليها في طهرها فلقفت فحملت إبراهيم (﵇) .\nقال محمد بن إسحاق: بعث النمرود إلى كل امرأة حبلى بقريته فحبسها عنده، إلّا ما كان من أم إبراهيم فإنه لم يعلم بحبلها وذلك إنها كانت جارية حديثة السن لم تعرف الحمل في بطنها.\nقال السدي: خرج نمرود بالرجال إلى المعسكر ونحاهم عن النساء خوفا من ذلك المولود أن يكون فمكث بذلك ما شاء الله ثم بدت له حاجة إلى المدينة فلم يأمن عليها أحدا من قومه إلّا أزر فبعث إليه ودعاه. فقال: إن لي إليك حاجة أحبّ أن أوصيك بها ولا أبعثك إلّا لثقتي بك بما أقسمت عليك أن لا تدنو من أهلك ولا تواقعها، فقال آزر: أنا أشحّ على ديني من ذلك، فأوصاه بحاجته ثم بعثه فدخل المدينة وقضى حاجته، ثم قال: قد دخلت على أهلي ونظرت إليه فلما نظر إلى أم إبراهيم لم يتمالك حتى وقع عليها فحملت بإبراهيم.\nقال ابن عباس: لما حملت أم إبراهيم، قالت الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملته أمه الليلة، فأمر نمرود بذبح الغلمان فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ولدها فوضعته في نهر يابس، ثم لفته في خرقة فوضعته في حلفاء فرجعت فأخبرت بأنها ولدت وإن الولد في موضع كذا فانطلق أزر يأخذه من ذلك المكان وحفر له سربا عند نهر فواراه فيه وسدّ عليه بابه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه.\nوقال السدي: لما أعظم بطن أم إبراهيم خشي آزر أن يذبح فانطلق بها إلى أرض بين الكوفة والبصرة يقال لها أورمة فأنزلها في سرب من الأرض وجعل عندها ماء يصلهما وجعل يتعمدها ويكتم ذلك من أصحابه فولدت في ذلك السرب وشب وكان وهو ابن سنة كابن ثلاث سنين وصار من الشباب مخافة أن [يسقط في] طمع الذباحين ثم ذكر آزر لأصحابه أن لي ابنا كبيرا فانطلق به إليهم.","vol":"4","page":162},{"text":"وقال ابن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبا منها فولدت فيها إبراهيم فأصلحت من شأنه ما يصنع من المولود ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها ثم كانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل فتجده حيّا يمص إبهامه.\nوقال أبو روق: كانت أم إبراهيم كلما دخلت على إبراهيم وجدته يمص أصابعه، فقالت ذات يوم: لأنظرن إلى أصابعه فوجدته يمص من إصبع ماء ومن إصبع عسلا ومن إصبع لبنا ومن إصبع تمرا ومن إصبع سمنا.\nقال محمد بن إسحاق: وكان آزر قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل. فقالت: ولدت غلاما فمات، فصدقها فسكت عنها وكان اليوم على إبراهيم في الشباب كالشهر، والشهر كالسنة فلم يمكث إبراهيم في المغارة إلّا خمسة عشر شهرا ثم رجع إلى أبيه آزر فأخبره إنه ابنه وأخبرته أم إبراهيم إنه ابنه وأخبرته بما كانت صنعت في غيابه فسر بذلك آزر وفرح فرحا شديدا، قالوا:\nفإنما شب إبراهيم وهو في السرب بعد ما قال لأمه: من ربي؟\nقالت: أنا، قال: فمن ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن ربّ أبي؟ قالت له: أسكت، فسكت، فلما رجعت إلى زوجها قالت: أرأيت الغلام الذي كنّا نتحدّث إنه بغير دين أهل الأرض فإنه ابنك ثم أخبرته بما قال لها، فأتاه أبوه آزر فقال له إبراهيم: يا أبتاه من ربي؟ قال:\nأمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: من ربك أنت؟ قال نمرود، قال: فمن رب نمرود؟\nفلطمه لطمة وقال: أسكت وقم، قال لأبويه: أخرجاني، فأخرجاه من السرب وانطلقا به حين غابت الشمس فنظر إبراهيم إلى الإبل، والخيل، والغنم، فقال: أباه ما هذه؟ قال: إبل وخيل وغنم، فقال: ما لهذه بدّ من أن يكن لها رب وخالق ثم نظر وتفكر في خلق السماوات والأرض. فقال: إن الذي خلقني ورزقني وأطعمني وسقاني ربي ما لي إله غيره. ثم نظر فإذا المشتري قد طلع ويقال الزهرة وكانت تلك الليلة في آخر الشهر فرأى الكوكب قبل القمر. فقال:\nهذا ربي فذلك قوله ﷿: فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أي دخل يقال: جن الليل وأجن وجنه الليل وأجنه وجن عليه الليل يجن جنونا وجنانا إذا أظلم ومضى كلّ شيء، وإنما سميت الجن لاجتنانها فلا ترى.\nقال أبو عبيدة: جنون الليل سواده، وأنشد:\nفلولا جنان الليل أدرك ركضنا ... بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشب «١»\nورأى كوكبا ف قالَ هذا رَبِّي اختلفا فيه فأجراه بعضهم على الظاهر. وقالوا: ما كان\n_________\n(١) الصحاح: ٥/ ٢٠٩٤ وفيه: ركابنا، وتفسير القرطبي: ٧/ ٢٥. والرمث بالكسر مرعى الإبل، والأرطى شجر ينبت بالرمل\n.","vol":"4","page":163},{"text":"إبراهيم (﵇) مسترشدا متحيرا طالبا من التوفيق حتى وفقه الله تعالى، وآتاه رشده، فإنما كان هذا منه في حال طفولته، وقبل قيام الحجّة عليه وفي تلك يقول: لا يكون كفر ولا إيمان.\nيدل عليه ما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: لما جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فعبده حتى غاب فلما غاب قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي فعبده حتى غاب فلما غاب فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فعبدها حتى غابت الشمس فلما غابت قالَ: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.\nوأنكر الآخرون هذا القول، وقالوا: غير جائز أن يكون لله ﷿ رسول يأتي عليه وقت من الأوقات وهو غير موحد وعارف ومن كلّ معبود سواه بريء.\nقالوا: وكيف قومهم هذا على عصمة الله وطهره في مستقره ومستودعه وآتاه رشده من قبل، وأراه ملكوته فقال: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ «١» وقال وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ «٢» رأى كوكبا فقال هذا رَبِّي على الاعتقاد والحقيقة هذا ما لا يكون أبدا.\nثم قيل فيه أربعة أوجه من التأويل: الوجه الأول: أن إبراهيم (﵇) أراد أن يستدرجهم بهذا القول ويعرفهم خطأهم وجهلهم في تعظيم ما عظموا ويقيم عليهم الحجة ويريهم أنه معظم ما يعظموه ويلتمس الهدى من حيث التمسوا فلما أفل رأيهم النقص الداخل في النجوم ليتبينوا خطأ ما يدعون وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمونها.\nقالوا: ومثل هذا مثل الجواري الذي ورد على قوم يعبدون بدّا لهم وهو الصنم وأظهر فعظمه فأراهم الاجتهاد [...] كرموا وصدوا في كثير من الأمور عن رأيه إلى أن ذمهم عدو لهم خافه الملك على ملكه فشاور الحواري في أمره.\nفقالوا الرأي: أن تدعوا إلهنا حتى يكشف ما قد أضلنا فإنا لمثل هذا اليوم مجتمعون فاجتمعوا حوله يجأرون ويتضرعون وأمر عدوهم يستعجل ويتوكل فلما تبين لهم أن ربّهم لا ينفع ولا يرفع فقال لهم على جهة الاستفهام والتوبيخ لفعلهم هذا رَبِّي ومثل هذا يكون ربّا؟ أي ليس هذا ربي كقول الله تعالى تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ «٣» يعني أنهم الخالدون.\n_________\n(١) سورة الصافّات: ٨٤\n. (٢) سورة الأنعام: ٧٥\n. (٣) سورة الأعراف: ٢٠ [.....]\n.","vol":"4","page":164},{"text":"وكقول موسى (﵇) لفرعون: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ «١» يعني أو تلك نعمة نعمتها.\nقال الهذلي:\nرفعوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم «٢»\nوقال آخر:\nلعمرك ما أدري وإن كنت داريا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر «٣»\nوالوجه الثالث: أن إبراهيم (﵇) قال هذا على وجه الاحتجاج على قومه لا على معنى الشك في ربه كأنه قال: هذا ربي عندكم فَلَمَّا أَفَلَ قالَ: - وكان الهلال- قال: هذا أَكْبَرُ منه فنظر إلى الذي عكفت عليه هاهنا يعني عندك وقوله: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ «٤» بقوله حزنه في النار لأبي جهل يعني إنك كذا عند نفسك وأما عندنا فلا عزيزا ولا كريما، في الآية اختصار وإضمار ومعناها قال: يقولون هذا ربي كقوله وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا «٥» أي يقولون ربنا تقبل منا. فَلَمَّا أَفَلَ غاب وزال قالَ: لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ربا، لا يدوم، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا طالعا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ عن الهدى فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي.\nقال محمد بن مقاتل الرازي: إنما قال هذا ولم يقل هذه لأنه رأى ضوء الشمس ولم ير عين الشمس. فرده إلى الشعاع.\nوقال الأخفش: أراد هذا الطالع ربي أو هذا الآتي أراه ربي هذا أكبر لأنه رآه أضوأ وأعظم فلما غربت قالَ: يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ الآية. وكان آزر يصنع الأصنام فلما ضم إبراهيم إلى نفسه جعل يصنع الأصنام ويعطيها إبراهيم ليصرفها فيذهب بها إبراهيم فينادي: من يشتري ما يضره ولا ينفعه فلا يشتريها أحد، فإذا زادت عليه ذهب بها إلى نهر فصوّب فيها رؤسها وقال: اشربي استهزاء بقومه وبما هم عليه من الضلالة حتى فشى عيبه إياها واستهزاؤه بها في قومه وأهل قريته وَحاجَّهُ أي خاصمه قَوْمُهُ في دينه قالَ لهم أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ عرّفني التوحيد والحق وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ وذلك إنهم قالوا له: أما تخاف أن تمسك آلهتنا بسوء من برص أو خبل لعيبك إيّاها؟ فقال لهم: وَلا\n_________\n(١) سورة الشعراء: ٢٢\n. (٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٢٥، والصحاح: ٣/ ١٢٢٣، والبيت لأبي خراش\n. (٣) المصدر السابق\n. (٤) سورة الدخان: ٤٩\n. (٥) سورة البقرة: ١٢٧\n.","vol":"4","page":165},{"text":"أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ من الأصنام إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي سواء فيكون بما شاء وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا يعني أحاط علمه بكل شيء أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ يعني الأصنام وهي لا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا حجة وبرهانا وهو القاهر القادر على كل شيء ثم قال فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ أولى بالأمن [أنحن ومن أتّبع ديني] إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فقال الله ﷿ قاضيا وحاكما بينهما الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ ولم يخلطوا إيمانهم بشرك أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ.\nقال عبد الله بن مسعود: لما نزلت هذه الآية طبق ذلك على أصحاب النبي ﷺ وقالوا: إننا لم نظلم نفسه، فقال رسول الله ﷺ: «ليس هو كما تظنون إنما هو كما قال لقمان لابنه» يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ «١»» [١٤٢] . (إنما هو الشرك) .\nوَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ يعني خصمهم وغلبهم بالحجة قال هي قوله الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ. قال بعبادة الأوثان نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالعلم.\nوقرأ أهل الكوفة ويحيى بن يعمر وابن [محيصن]: دَرَجاتٍ بالتنوين يعني نرفع من نشاء درجات، مثله سورة يوسف إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.\nوَوَهَبْنا لَهُ لإبراهيم إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنا وقفنا وأرشدنا وَنُوحًا هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ إبراهيم وولده وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ يعني ومن داود ونوح لأن داود لم يكن من ذرية إبراهيم وهو داود بن أيشا داوُدَ وَسُلَيْمانَ يعني ابنه وَأَيُّوبَ وهو أيوب بن [أموص بن رانزخ بن] «٢» روح ابن عيصا بن إسحاق بن إبراهيم وَيُوسُفَ وهو يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الذي\nقال رسول\n_________\n(١) سورة لقمان: ١٣\n. (٢) هكذا في الأصل\n.","vol":"4","page":166},{"text":"الله ﷺ «إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم» «١» [١٤٣]\nوَمُوسى وهو موسى بن عمران بن [صهر بن فاعث بن لاد] «٢» بن يعقوب.\nوَهارُونَ وهو أخو موسى أكبر منه بسنة وَكَذلِكَ أي كما جزينا إبراهيم على توحيده وثباته على دينه بأن رفعنا درجته ووهبنا له أولادا أنبياء أتقياء «٣» نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم وَزَكَرِيَّا وهو زكريا بن أزن بن بركيا «٤» وَيَحْيى وهو ابنه وَعِيسى وهو ابن مريم بنت عمران بن أشيم بن أمون بن حزقيا وَإِلْياسَ.\nواختلفوا فيه، فقال عبد الله بن مسعود: هو إدريس مثل يعقوب وإسرائيل.\nوقال غيره: هو إلياس بن بستي بن فنخاص بن العيزار بن هارون بن عمران نبي الله (﵇) وهو [النصيح] لأن الله تعالى نسب في هذه الآية الناس إلى نوح وجعله من ذريته ونوح هو ابن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس «٥» ومحال أن يكون جدّ أبيه منسوبا إلى أنه من ذريته «٦» وكُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ يعني الأنبياء والمؤمنين وَإِسْماعِيلَ وهو ابن إبراهيم وَالْيَسَعَ وهو اليسع بن إخطوب بن العجون وَيُونُسَ وهو يونس بن متى وَلُوطًا وهو لوط بن هارون أو ابن أخي إبراهيم (﵇) وَكلًّا فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ يعني عالمي زمانهم وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ اختبرناهم واصطفيناهم وَهَدَيْناهُمْ سددناهم وأرشدناهم، إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا يعني ولو أشرك هؤلاء الأنبياء الذين سميناهم بربهم تعالى ذكره فعبدوا معه غيره لَحَبِطَ عَنْهُمْ بطل عنهم وذهب عنهم ما كانُوا يَعْمَلُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني تلك الكتب وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ يعني قريشا فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ يعني الأنصار وأهل المدينة.\nوقال قتادة: يعني الأنبياء الثمانية عشر الذين قال الله ﷿ أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ بسنّتهم وسيرتهم اقتده الهاء فيه هاء الوقف قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا جعلا ورزقا إِنْ هُوَ ما هو يعني محمد ﷺ إِلَّا ذِكْرى عظة لِلْعالَمِينَ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظموا الله حق عظمته. وما وصفوا الله حق صفته إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٣٥٦\n. (٢) هكذا في الأصل\n. (٣) زاد المسير: ٣/ ٥٥\n. (٤) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٠\n. (٥) راجع فتح الباري: ٦/ ٢٦٤\n. (٦) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٠\n.","vol":"4","page":167},{"text":"قال سعيد بن جبير: جاء رجل من يهود الأنصار يقال له مالك بن الصيف يخاصم النبي ﷺ، فقال النبي: أتشرك بالله الذي أنزل التوراة على موسى؟ ما تجد في التوراة إن الله يبغض الحبر السمين وكان حبرا سمينا فغضب وقال: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فقال لأصحابه الذين معه ويحك ولا موسى؟ فقال: [والله] ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ. فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال السدي: إنها نزلت في فحاص بن عازورا، وهو قائل بهذه المقالة.\nمحمد بن كعب القرضي: جاء ناس من اليهود إلى النبي ﷺ وهو محتب وقالوا: يا أبا القاسم ألا تأتينا بكتاب من السماء كما جاء به موسى (﵇) ألواحا يحملها من عند الله؟\nفأنزل الله ﷿ يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ «١» الآية.\nفجاء رجل من اليهود فقال: ما أنزل الله عليك ولا على موسى ولا على عيسى ولا على أحد شيئا. فأنزل الله هذه الآية.\nوقال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا؟ قال: نعم. قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا فأنزل الله وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «٢» .\nمعلى بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت في الكفار أنكروا قدرة الله تعالى عليهم فمن أقرّ أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره. ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره.\nوقال مجاهد: نزلت في بشر من قريش. قالوا: ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ.\nوقوله قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى إلى قوله وَتُخْفُونَ كَثِيرًا قال: هم اليهود.\nوقوله وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قال هذه المسلمين وهكذا.\nروى أيوب عنه إنه قرأ وَعُلِّمْتُمْ معشر العرب ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ وقوله تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ أي دفاتر كتبنا جمع قرطاس أي تفرقونها وتكتبونها في دفاتر مقطعة حتى لا تكون مجموعة لتخفوا منها ما شئتم ولا يشعر بها العوام، تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيرًا من ذكر محمد وآية الرجم ونحوها مما كتبوها.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمرو بن العلاء: يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيرا كلها بالياء على الإخبار عنهم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٤٨، أسباب النزول للواحدي: ١٤٣ [.....]\n. (٢) سورة الأنعام: ٩١\n.","vol":"4","page":168},{"text":"وقرأها الباقون: بالتاء على الخطاب، ودليلهم قوله تعالى ممّا قبله من الخطاب. قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ.\nوقرأ بعده وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ فإن أجابوك وقالوا: وإلّا ف قُلِ اللَّهُ فعل ذلك ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ حال وليس بجواب تقديره ذرهم في خوضهم لاعبين.\nوَهذا كِتابٌ يعني القرآن أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ أي وهذا كتاب مبارك أنزلناه مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ تخبر.\nوقرأ عاصم: بالياء أي ولينذر الكتاب أُمَّ الْقُرى يعني مكة سمّاها أم القرى لأن الأرض دحيت من تحتها وَمَنْ حَوْلَها تحمل الأرض كلها شرقا وغربا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ بالكتاب وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يعني الصلوات الخمس يُحافِظُونَ يداومون وَمَنْ أَظْلَمُ أي أخطأ قولا وأجهل فعلا مِمَّنِ افْتَرى اختلق عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فزعم إنه بعثه نبيا وقالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ\nنزلت في مسيلمة الكذاب الحنفي وكان يستمع ويتكهن ويدعي النبوة ويزعم إن الله أوحى إليه وكان قد أرسل إلى رسول الله ﷺ رجلين، فقال لهما النبي ﷺ: «أتشهدان أنّ مسيلمة نبي؟ فقالا: نعم، فقال النبي ﷺ: «لولا أنّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما» «١» [١٤٤] .\nوقال رسول الله ﷺ: «رأيت فيما يرى النائم كأنّ في يدي شوارين من ذهب فكبرا عليّ وأهماني فأوحى الله إليّ أن أنفخهما فنفختهما فطارا فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما كذاب اليمامة مسيلمة، وكذاب صنعاء الأسود العبسي» «٢» [١٤٥] .\nوَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ\nنزلت في عبد الله بن سعيد بن أبي سرح القرشي،\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٤٨٨\n. (٢) صحيح البخاري: ٥/ ١١٩، والسنن الكبري: ٨/ ١٧٥ بتفاوت\n.","vol":"4","page":169},{"text":"وكان يكتب للنبي ﷺ فكان إذا قال سَمِيعًا عَلِيمًا كتب هو عليما حكيما، وإذا قال عَلِيمًا حَكِيمًا كتب غفورا رحيما، وأشباه ذلك فلما نزلت وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «١» الآية.\nأملاها رسول الله عجب عبد الله من تفصيل خلق الإنسان فقال تبارك اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ. فقال رسول الله ﷺ: «أكتبها فهكذا نزلت» «٢» [١٤٦] فشك عبد الله وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إليّ كما أوحي إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت [كما كتب] «٣» فارتدّ عن المسلمين ولحق بالمشركين، وقال لهما: عليكم بمحمد لقد كان يملي عليّ فأغيره وأكتب كما أريد.\nووشى بعمار وجبير عبد لبني الحضرمي يأخذوهما وعذبوهما حتى أعطياهما الكفر وجذع أذن عمار يومئذ فأخبر عمار النبي ﷺ بما لقي وبما أعطاهم من الكفر فأبى النبي ﷺ أن يتولّاه هؤلاء فأنزل الله ﷿ فيه\n، وفي خبر: وابن أبي سرح مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إلى قوله بِالْكُفْرِ.\nيعني عبد الله بن سعيد بن أبي سرح ثم رجع إلى الإسلام قبل فتح مكة إذ نزل النبي ﷺ [بمرط هران]\nوَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ وهم الذين ذكرهم الله ووصفهم قبل فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ سكراته وهي جمع غمرة وغمرة كل شيء كثرته ومعظمه وأضل الشيء الذي يغمر الأشياء فيغطيها ومنه غمرة الماء ثم استعملت في معنى الشدائد والمكاره وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ بالعذاب والضرب وجوههم وأدبارهم كما يقال بسط يده بالمكروه أَخْرِجُوا أي يقولون أخرجوا أَنْفُسَكُمُ أرواحكم كرها لأنّ نفس المؤمن تنشط للخروج للقاء ربه، والجواب محذوف يعني ولو تراهم في هذا الحال لرأيت عجبا.\nالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ تثابون عَذابَ الْهُونِ أي الهوان بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ يعني محمدا ﷺ والقرآن تَسْتَكْبِرُونَ تتعظمون.\nقال النبي ﷺ: «من سجد لله سجدة فقد برىء من الكبر»\n«٤» [١٤٧] وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى هذا خبر من الله تعالى أنه يقول للكفار يوم القيامة: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى وحدانا لا مال معكم ولا زوج ولا ولد ولا خدم ولا حشم.\nقال الحسن: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كل واحدة على حدة.\nوقال ابن كيسان: مفردين من المعبودين، وفُرادى جمع فردان مثل سكران وسكارى،\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ١٢\n. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٤٠ وفيه: وهكذا أنزلت علي\n. (٣) هكذا في الأصل\n. (٤) كنز العمال: ٧/ ٣٠٨\n.","vol":"4","page":170},{"text":"وكسلان وكسالى. ويقال أيضا في واحد فرد بجزم الراء وفرد بكسرها وفرد بالفتح وأفرد وجمعها أفراد مثل أحاد وفريد وفردان مثل قضيب وقضبان وكثيب وكثبان.\nوقرأ الأعرج: فردي بغير ألف مثل كسرى [وكسلى] كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ عراة حفاة غرلا بهم وَتَرَكْتُمْ وخلفتم ما خَوَّلْناكُمْ أعطيناكم ومكنّاكم من الأموال والأولاد والخدم وَراءَ ظُهُورِكُمْ خلف ظهوركم في الدنيا.\nروى محمد بن كعب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ينفخ نفخة البعث فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملئت ما بين السماء والأرض فيقول الجبار ﷻ: [وعزّتي] وجلالي ليرجعن كل روح إلى جسده، فتدخل الأرواح في الأجساد وإنما يدخل في الخياشم كما يدخل السم في اللديغ ثم يشق عليكم الأرض وأنا أول من يشق عنه الأرض فينسلون عنهم سراعا إلى ربكم على سن ثلاثين مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ فيوقفون في موقف منه سبعين عاما حفاة عراة غرلا بهم لا يناظر إليكم فلا يقضي بينكم فتبكي الخلائق حتى ينقطع الدمع ويجف العرق» «١» [١٤٨] .\nوقال القرضي: قرأت عائشة زوج النبي ﷺ قول الله ﷿ وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فقالت: يا رسول الله واسوتاه إن الرجال والنساء يحشرون جميعا ينظر بعضهم إلى سوأة بعض؟ فقال رسول الله ﷺ: «لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ لا ينظر الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال شغل بعضهم عن بعض» «٢» [١٤٩] .\nوَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ وذلك إن المشركين زعموا أنهم يعبدون الأصنام لأنهم شركاء الله وشفعاؤهم عنده لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ.\nقرأ أهل المدينة، والحسن، ومجاهد، وأبو رجاء، والكسائي: بَيْنَكُمْ نصبا.\nوقرأ أهل المدينة، والحسن، ومجاهد: وهي قراءة أبي موسى الأشعري على معنى لقد تقطع ما بينكم وكذلك هو في قراءة عبد الله وقرأ الباقون: بالرفع على معنى لقد تقطع وصلكم فالبين من الأضداد يكفي وصلا وهجرا وأنشد:\nلعمرك لولا البين لا يقطع الهوى ... ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف «٣»\nوَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ.\n_________\n(١) الأحاديث الطوال: ٩٧، وتفسير القرطبي: ١٧/ ٢٨ بتفاوت يسير\n. (٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٦٢\n. (٣) لسان العرب: ١٣/ ٦٢\n.","vol":"4","page":171},{"text":"إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ أي فلق الحب عن النبات، ومخرج منها الزرع وشاق النوى عن الشجر والنخل ومخرجها منها.\nوقال مجاهد: يعني الشقين الذين عناهما.\nوقال الضحاك: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى، الحب جمع الحبة وهي كل ما لم يكن لها نواة مثل البر والشعير والذرة والحبوب كلها.\nوالنوى جمع النواة وهي كل ما يكون له حب مثل الخوخ والمشمش والتمر والإجاص ونحوها.\nيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ تصدون عن الحق فالِقُ الْإِصْباحِ شاق عمود الصبح من ظلمة الليل وكاشفه.\nوقال الضحاك: خالق النهار، والأصباح مصدر كالإقبال والإدبار وهي الإضاءة.\nوقرأ الحسن والقيسي: فالِقُ الْإَصْباحِ بفتح الهمزة جعله جمع مثل قرص وأقراص.\nوجاعل الليل سكنا سكن فيه خلقه. وقرأ النخعي: فلق الأصباح وجعل الليل سكنا.\nوقرأ أهل الكوفة: فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا على الفعل اتباعا للمصحف.\nوقرأ الباقون: كلاهما بالألف على الإسم.\nوَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبانًا أي جعل الشمس والقمر بحساب لا يجاوزاه حتى ينتهيا إلى أقصى منازلهما.\nوقرأ [يزيد بن قعنب]: وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ بالخفض عطفا على اللفظ، والحسبان مصدر كالنقصان والرحمان وقد يكون جمع حساب مثل شهاب وشهبان، وركاب وركبان.\nذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ أي خلقها لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ خلقكم وابتدأكم مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم (﵇) .","vol":"4","page":172},{"text":"فَمُسْتَقَرٌّ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: فَمُسْتَقِرٌّ بكسر القاف على الفاعل يعني فلكم مستقر.\nوقرأ الباقون: بفتح على معنى فلكم مستقر.\nواختلف المفسرون في المستقر والمستودع. فقال عبد الله بن مسعود: فَمُسْتَقَرٌّ في الرحم إلى أن يوادع مُسْتَوْدَعٌ في القبر إلى أن يبعث.\nوقال مقسم: مستقر حيث يأوي إليه، وَمُسْتَوْدَعٌ حيث يموت.\nوقال سعيد بن جبير: فَمُسْتَقَرٌّ في بطون الأمهات، وَمُسْتَوْدَعٌ في أصلاب الآباء.\nوقال: قال لي ابن عباس (﵁) أتزوجت يا ابن جبير؟ فقلت: لا وما أريد ذلك بوجه. قال: فضرب ظهري وقال: إنه مع ذلك ما كان مستودع في ظهرك فسيخرج.\nعكرمة عن ابن عباس: المستقر الذي قد خلق واستقر في الرحم، والمستودع الذي قد استودع في الصلب مما لم يخلق بعد وهو خالقه.\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: المستقر في الرحم، والمستودع ما استودع في أصلاب الرجال والدواب.\nمجاهد: فَمُسْتَقَرٌّ على ظهر الأرض في الدنيا. وَمُسْتَوْدَعٌ عند الله تعالى في الآخرة.\nوقال أبو العالية: مُسْتَقَرَّها أيام حياتها، وَمُسْتَوْدَعَها حيث تموت وحيث يبعث.\nوقال كرب: دعاني ابن عباس (﵁) فقال: اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عباس إلى فلان حبر تيماء، أما بعد فحدثني عن مستقر وَمُسْتَوْدَعٌ. قال: ثم بعثني بالكتاب إلى اليهودي فأعطيته إياه، فقال: مرحبا بكتاب خليلي من المسلمين فذهب إلى بيته ففتح أسفاطا له كثيرة فجعل يطرح تلك الأشياء لا يلتفت إليها. قال: قلت له: ما شأنك؟ قال: هذه أشياء كتبها اليهود، حتى أخرج سفر موسى فنظر إليه مرتين فقال: مستقر في الرحم ومستقر فوق الأرض ومستقر تحت الأرض ومستقر حيث يصير إلى الجنة أو إلى النار، ثم قرأ: وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ. وقرأ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ «١» .\nفقرأ الحسن: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا، وكان يقول: يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك يوشك أن تلحق، بصاحبك وأنشد قول لبيد:\nوما المال والأهلون إلا وديعة ... ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع «٢»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٧٧\n. (٢) لسان العرب: ٨/ ١٩٠\n.","vol":"4","page":173},{"text":"وقال سليمان بن يزيد العدوي في هذا المعنى:\nفجمع الأحبة بالأحبة قبلنا ... فالناس مفجوع به ومفجع\nومستودع أو مستقر مدخلا ... فالمستقر يزوره المستودع «١»\nقَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ. وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ بالماء نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ من الماء، وقيل: من النبات خَضِرًا يعني أخضر، وهو رطب البقول، يقول: هو لك خضرا مظرا أي هنيئا مريئا.\nوقال نخلة: خضيرة: إذا كانت ترمي ببسرها أخضر قبل أن ينضج، وقد اختضر الرجل واغتضر إذا مات شابا مصححا «٢» وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها أي ثمرها [وكثيرا منها] وما يطلع منها قِنْوانٌ جمع قنو وهو العذق مثل صنو وصنوان.\nقال أبو عبيدة: [ولا ضير بهذا الكلام] .\nوقرأ الأعرج: قُنْوانٌ بضم القاف، وهي لغة قيس، مثل قضبان. ولغة تميم: قنيان. وجمعه القليل أقنا مثل حنو وأحنا، دانِيَةٌ قريبة ينالها القائم والقاعد. وقال مجاهد: متدلّية.\nوقال قتادة: متهدّلة «٣» .\nوقال الضحاك قصار ملتزقة بالأرض «٤» . ومعنى الآية ومن النخل قنوانها دانية ومنها ما هي بعيدة فاكتفى بالقريبة عن البعيدة كقوله تعالى سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ «٥» والبرد وَجَنَّاتٍ يعني وأخرجنا منه جنات.\nوقرأ يحيى بن يعمر والأعمش وعاصم: وَجَنَّاتٌ رفعا نسقيا على قِنْوانٌ لفظا وإن لم يكن في المعنى من جنسها مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ يعني وشجر الزيتون والرمان، فاكتفى بالتمر عن الشجر كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ قتادة: متشابه ورقه يختلف بثمره، وقيل: مُشْتَبِهًا في المنظر غَيْرَ مُتَشابِهٍ في المطعم. وقال الحسن: الفعل منها ما يشبه بعضه بعضا ومنها ما يخالف، وقيل: مُشْتَبِهًا في الخلقة من منشأه من الحكمة انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ.\nقرأ أهل الكوفة: بضم الثاء والميم على جمع الثمار. وقرأ الباقون بفتحهما على جمع الثمرة مثل بعر ووبر إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ نضجه وإدراكه.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٤/ ١٢٠\n. (٢) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٠ [.....]\n. (٣) تفسير الطبري: ٧/ ٣٨٢\n. (٤) نسب في زاد المسير (٣/ ٦٥) لابن عباس بلفظ: قصار النخل اللاحقة عذوقها بالأرض\n. (٥) سورة النحل: ٨١\n.","vol":"4","page":174},{"text":"وقرأ أبو رجاء ومحمد بن السميقع: ويانعه بالألف على الإسم إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.\nوَجَعَلُوا يعني الكافرين لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ يعني وجعلوا لله الجن شركاء، وإن شئت نصبته على التفسير «١» وَخَلَقَهُمْ يعني وهو خلقهم وخلق الجن.\nوقرأ يحيى بن معمر: وَخَلْقَهُمْ بسكون اللام وفتح القاف أراد إفكهم وادّعاءهم ما يعبدون من الأصنام حيث جعلوها شركاء لله ﷿ يعني وجعلوا له خلقهم.\nوقرأ يحيى بن وثاب: وَخَلْقِهِمْ بسكون اللام وكسر القاف، يعني جعلوا لله شركاء ولخلقهم أشركوهم مع الله في خلقه إياهم.\nوقال الكلبي: نزلت في الزنادقة قالوا: إن الله وإبليس شريكان، والله خالق النور والناس والدواب والأنعام. وإبليس خالق الظلمة والسباع والعقارب والحيّات، وهذا كقوله وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا يعني في الجنة، وهم صنف من الملائكة خزان الجنان أشق لهم منهم صنف من الجن وَخَرَقُوا أي اختلفوا وخرصوا.\nوقرأ أهل المدينة: بكثرته وخرّقوا على التكثير لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ وهم كفار مكة، قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله. واليهود قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. والنصارى قالوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ثم نزّه نفسه. وقال تعالى سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ زوجة وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ\nإلى قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أجراه بعضهم على العموم فقال: معناه لا تحيط به الأبصار بل تراه وهو يحيط بها «٢» .\n_________\n(١) أي بدلا من شركاء\n. (٢) راجع تفسير القرطبي: ٧/ ٥٤\n.","vol":"4","page":175},{"text":"قال الله ﷿ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا فكما تعرفه في الدنيا لا كالمعروفين فكذلك تراه في العقبى لا كالمرئيين.\nقالوا: وقد ترى الشيء ولا تدركه كما أخبر الله تعالى عن قول أصحاب موسى (﵇) حين قرب منهم فرعون إِنَّا لَمُدْرَكُونَ وكان قوم فرعون قد رأوا قوم موسى ولم يدركوهم لأن الله تعالى قد وعد نبيه موسى (﵇) إنهم لا يدركون بقوله لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى.\nوكذلك قال سعيد بن المسيب: لا تحيط به الأبصار. وقال عطاء: كلّت أبصار المخلوقين عن الإحاطة به.\nوقال الحسن: لا تقع عليه الأبصار ولا تدلّ عليه العقول ولا يدركه الإذعان.\nيدلّ عليه ما\nروى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ. قال: لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا صفوا صفا واحدا ما أحاطوا بالله «١» أبدا.\nوأجراه بعضهم على النصوص. قال ابن عباس ومقاتل: معناه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ في الدنيا وهو يرى في الآخرة وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ ... لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يفوته.\nوقيل: معناه لا تدركه أبصار الكافرين، فأما المؤمنون فيرونه، والله أعلم وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.\nقال أبو العالية: لطيف باستخراج الأشياء خبير بها.\nوقال أكثر العلماء في معنى اللطيف. فقال الجنيد: اللَّطِيفُ: من نوّر قلبك بالهدى وربي جسمك بالغدا، وجعل لك الولاية في البلوى ويحرسك من لظى ويدخلك جنة المأوى.\nوقيل: اللَّطِيفُ الذي أنسى العباد ذنوبهم لئلّا يخجلوا. وقيل: الذي ركّب من النطفة مِنْ ماءٍ مَهِينٍ وقيل: هو الذي يستقل الكثير من نعمه ويستكثر القليل من طاعة عباده.\nقتادة: وقيل: اللَّطِيفُ الذي يغير ولا يغير. وقيل: اللَّطِيفُ الذي إن رجوته لبّاك وأن قصدته آواك، وإن أحببته أدناك وإن أطعته كافاك، وإن عصيته عافاك وإن أعرضت عنه دعاك، وإن أقبلت إليه عداك.\nوقيل: اللَّطِيفُ: الذي لا يطلب من الأحباب الأحساب والأنساب. وقيل: اللَّطِيفُ: الذي يغني المفتقر إليه ويعز المفتخر به. وقيل: اللَّطِيفُ: من يكافي الوافي ويعفو عن الباقي. وقيل:\nاللَّطِيفُ: من أمره تقريب ونهيه تأريب.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦٧\n.","vol":"4","page":176},{"text":"وقيل: اللَّطِيفُ: الذي يكون عطاؤه خير ومنعه ذخيرة. وأصل اللطيف دقة النظر في جميع الأشياء قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ يعني الحجج البينة التي يبصرون بها الهدى من الضلال والحق من الباطل.\nقال الكلبي: يعني بينات القرآن.\nفَمَنْ أَبْصَرَ يعني عرفها وآمن بها فَلِنَفْسِهِ عمل وحظه أصاب وإياها بغى الخير «١» وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها عنها فلم يعرفها ولم يصدقها.\nوقرأ طلحة بن مصرف: ومن عمّي بضم العين وتشديد الميم على المفعول التي تدل عليها، يقول: فنفسه ضر وإليها أساء لا إلى غيره وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ رقيب أحصي إليكم أعمالكم وإنما أنا رسول أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وهو الحفيظ عليكم الذي لا يخفى عليه شيء من أفعالكم وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ نبينها في كل وجه لندعوكم بها وَلِيَقُولُوا وليلا يقولوا إذا قرأت عليهم القرآن دَرَسْتَ أي تلوت وقرأت يا محمد بغير ألف قرأه جماعة منهم أبي رجاء وأبي وائل والأعرج ومعظم أهل العراق وأهل الحجاز، وكان عبد الله بن الزبير يقول: إن صبيانا يقرءونها دارست بالألف وإنما هي دَرَسْتَ.\nوقرأ علي ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: دارست بالألف يعني قارأت أهل الكتاب وتعلمت منهم تقرأ عليهم يقرءوا عليك.\nوقال ابن عباس: يعني جادلت وخاصمت، وكذلك كان يقرأها، وقرأ قتادة: دُرِسَتْ بمعنى قرئت وتليت.\nوقرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: دَرَسَتْ بفتح الدال والراء وجزم التاء بمعنى تقادمت وانمحت وقرأ ابن مسعود وأبي طلحة والأعمش: دَرَسَ بفتحها يعنون النبي درس الآيات وَلِنُبَيِّنَهُ يعني القول والتحريف والقرآن لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اتَّبِعْ يا محمد ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني القرآن اعمل به لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فلا تجادلهم ولا تعاقبهم وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا رقيبا. ويقال ربا.\nقال عطاء: وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا تمنعهم مني وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ والإعراض منسوخ بآية السيف. وهذه الآية نزلت حين قال المشركون لرسول الله ﷺ: إلى دين آبائك.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ٣٩٧\n.","vol":"4","page":177},{"text":"وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.\nقال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ «١» .\nقال المشركون: يا محمد لتنتهينّ عن سبّ الهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم الله تعالى أن يسبوا أوثانهم.\nقال قتادة: كان المسلمون يسبون أصنام الكفار فنهاهم الله عن ذلك كيلا يسبوا الله فإنهم قوم جهلة.\nوقال السدي: لما حضرت أبا طالب الوفاة، قالت قريش: انطلقوا فلندخل على هذا الرجل ولنأمرنّه أن ينهى عنا ابن أخيه فإنا نستحي أن نقتله بعد موته فيقول العرب: كان يمنعه فلما مات قتلوه، فانطلق أبو سفيان، وأبو جهل، والنضر بن الحرث، وأمية وأبي بن أخلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، والأسود بن البحتري، إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وإن محمدا قد آذانا وآذى الهتنا فنحب أن تدعوه فتنهاه عن ذكر الهتنا ولندعه وإلهه، فدعاه فجاء النبي ﷺ فقال له أبو طالب: هؤلاء قومك وبنو عمك، قال رسول الله ﷺ: «ما يريدون؟ قالوا: نريد أن تدعنا وآلهتنا وندعك وإلهك» «٢» [١٥٠] .\nقال: قد أنصف قومك، فاقبل منهم، فقال النبي ﷺ «أرأيتم إن أعطيتكم هذا هل أنتم معطيّ كلمة إن تكلمتم بها ملكتم العرب ودانت لكم بها العجم» «٣» [١٥١] .\nقال أبو جهل: نعم وأبيك لنعطينكها وعشرا أمثالها فما هي؟ قال: قولوا: لا إله إلّا الله، فأبوا واشمأزّوا.\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٩٨\n. (٢) جامع البيان: ٧/ ٤٠٤\n. (٣) تفسير الطبري: ٧/ ٤٠٤\n.","vol":"4","page":178},{"text":"وقال أبو طالب: قل غيرها يا ابن أخي، فإن قومك قد فزعوا منها. فقال: «يا عم ما أنا بالذي أقول غيرها ولو أتوني بالشمس فوضعوها في يدي ما قلت غيرها» «١» [١٥٢] .\nفقالوا: لتكفّنّ عن شتمك آلهتنا أو لنشتمن من يأمرك. فأنزل الله تعالى وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأوثان فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا.\nوقرأ أبو رجاء والحسن وقتادة ويعقوب: عُدُوّا بضم العين والدال وتشديد الواو أي أعداء الله.\nبِغَيْرِ عِلْمٍ\nفلما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ لأصحابه «لا تسبوا ربهم» [١٥٣] فأمسك المسلمون عن سبّ آلهتهم.\nوكَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ يعني كما زيّنا لهؤلاء المشركين عبادة الأوثان وطاعة الشيطان، الحرمان والخذلان كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ من الخير والشر والطاعة والمعصية ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ يخبرهم ويجازيهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ.\nقال محمد بن كعب القرضي والكلبي: قالت قريش: يا محمد تخبرنا بأن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فتنفجر مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ثمود كانت لهم ناقة فأتنا من الآيات حتى نصدقك. قال رسول الله ﷺ: «أي شيء تحبون أن آتيكم به؟» .\nقالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا وابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم عنك أحق ما تقول أم باطل، وأرنا الملائكة يشهدون لك أو ائتنا بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا. فقال رسول الله ﷺ: «لئن فعلت بعض ما تقولون تصدقوني» [١٥٤] قالوا: نعم والله لئن فعلت نتبعك أجمعين.\nوسأل المسلمون رسول الله ﷺ أن ينزلها عليهم حتى يؤمنوا، فقام رسول الله ﷺ يدعو الله أن يجعل الصفا ذهبا، فجاء جبرئيل ﵇ فقال له: إن شئت أصبح ذهبا ولكن إن لم يصدقوا عذبتهم فإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله ﷺ «بل يتوب تائبهم» «٢»\nفأنزل الله تعالى وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ يعني أوكد ما قدروا عليه من الإيمان وحدها.\nقال الكلبي ومقاتل: إذا حلف الرجل بالله سبحانه فهو جهد بيمينه. لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ كما جاء من قبلهم من أمم لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ يا محمد إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وهو القادر على\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٤٩\n. (٢) تفسير الطبري: ٧/ ٤٠٦، وأسباب النزول للواحدي: ١٥٠\n.","vol":"4","page":179},{"text":"إتيانها دوني ودون كل من خلقه. ثم قال وَما يُشْعِرُكُمْ وما يدريكم فحذف المفعول وما أدريكم، واختلفوا في المخاطبين، بقوله وَما يُشْعِرُكُمْ حسب اختلافهم في قراءة قوله أَنَّها. فقال بعضهم: إن الخطاب للمشركين الذين أقسموا وتمّ الكلام عند قوله وَما يُشْعِرُكُمْ، ثم استأنف، فقال: أَنَّها يعني الآيات إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ حكم عليهم بأنهم لا يؤمنون.\nوقرءوا: إنها بالكسر على الابتداء، وهو في قراءة مجاهد وقتادة وابن محيصن وابن كثير وشبل وأبي عمر والجحدري.\nوقال آخرون: الخطاب لرسول الله ﷺ وأصحابه وقرءوا: أَنَّها بالفتح وجعلوا «لا» صلة يعني وما يدريكم يا معشر المؤمنين أَنَّها إِذا جاءَتْ المشركين لا يُؤْمِنُونَ كقوله ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ «١» يعني: أن تسجد، وقوله وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ «٢» يعني إنهم يرجعون. وقيل: معنى إنها: لعلها وكذلك هي قراءة أبيّ، تقول العرب: اذهب إلى السوق إنك تشتري شيئا بمعنى لعلك تمر.\nوقال عدي بن زيد:\nأعاذل ما يدريك أن منيتي ... إلى ساعة في اليوم أو في ضحى الغد «٣»\nيعنى: لعلّ منيّتي.\nوقال دريد بن الصمة:\nذريني أطوف في البلاد لأنّني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا «٤»\nيعني: لعلّني.\nوقال أبو النجم:\nقلت لسينان أدن من لقائه ... إنا نغدي القوم من سرائه «٥»\nأي ثعلبا تغدي.\nوقرأ ابن عامر والسدي وحمزة: لا تؤمنون بالتاء على [حساب] الكفار وَما يُشْعِرُكُمْ، واعتبر بقراءة أبيّ: لعلكم إذا جاءكم لا يؤمنون.\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٢\n. (٢) سورة الأنبياء: ٩٥ [.....]\n. (٣) لسان العرب: ١٣/ ٣٤\n. (٤) معجم ما استعجم: ١/ ٢١٥. وفيه: لعلني ألالقي بائد ثلة من محارب، وراجع تفسير الطبري: ٧/ ٤٠٩\n. (٥) تفسير الطبري: ٧/ ٤٠٩\n.","vol":"4","page":180},{"text":"وقرأ الباقون: بالياء على الخبر وتصديقها قراءة الأعمش إنّها إذا جاءتهم لا يؤمنون وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.\nقال ابن عباس وابن زيد: يعني نحول بينه وبين الإيمان. ولو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها كما لم يؤمنوا بالتي قبلها مثل انشقاق القمر وغيره عقوبة لهم على ذلك.\nوقيل: كما لم يؤمنوا به في الدنيا قبل مماتهم. نظيره قوله تعالى وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «١» وَنَذَرُهُمْ قرأ أبو رجاء: ويذرهم بالياء. وقرأ النخعي: ويقلب ويذرهم كلاهما بالياء فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ فرأوهم عيانا وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى بإحيائنا إياهم فشهدوا لك بالنبوة كما سألوا وَحَشَرْنا وجمعنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا بكسر القاف وفتح الباء أي معاينة وهي قراءة أكثر القراء، قرأ أبو جعفر: التي في الأنعام قبلا بالكسر والتي في الكهف قُبُلًا عيانا بالضم. أبو عمرو بالنصب وكذلك اختار أبو عبيد وأبو حاتم لأنها في قراءة أبيّ قبيلا بجمعها القبل. والتي في الكهف قُبُلًا يعني عيانا.\nوقرأ أهل الكوفة: بضم القاف والباء، ولها ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون جمع قبيل وهو الكفيل أي ضمنا وكفلا. والقبالة الكفالة، يقال: قبيل وقبل مثل رغيف ورغف، وقضيب وقضب.\nوالثاني: جمع قبيل هو القبيلة يعني فوجا فوجا وصنفا صنفا.\nوالثالث: أن يكون بمعنى المقابلة والمواجهة من قول القائل: أتيتك قبلا لا دبرا إذا أتاه من قبل وجهه ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ذلك لهم. وقيل: الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ إن ذلك كذلك وَكَذلِكَ جَعَلْنا يعزي نبيه ﷺ يعني كما أتيناك بهؤلاء القوم وكذلك جعلنا لِكُلِّ نَبِيٍّ قبلك عَدُوًّا أعداء وفسّرهم فقال شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ.\nعكرمة والضحاك والسدي والكلبي: معناه: شياطين الإنس التي مع الإنس وشياطين الجن التي مع الجن وليس للإنس شياطين.\nوذلك أن إبليس قسم جنده فريقين، بعث منهم فريقا إلى الإنس وفريقا إلى الجن، شياطين الإنس والجن فهم ملتقون في كل حين، فيقول شيطان الإنس لشيطان الجن أضللت صاحبي بكذا فاضل صاحبك بمثله، ويقول شيطان الجن لشيطان الإنس كذلك فذلك يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ.\nوقال آخرون: إنّ من الإنس شياطين ومن الجن شياطين، والشيطان: العاتي المتمرّد من كل شيء.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٢٨\n.","vol":"4","page":181},{"text":"قالوا: إن الشيطان إذا أغوى المؤمن وعجز عن إغوائه ذهب إلى متمرد من الإنس وهو شيطان من الإنس فأغراه المؤمن.\nقال أبو طلحة ما روى عوف بن مالك عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا أبا ذر هل تعوذت بالله من شر شياطين الإنس والجن» «١» [١٥٥] قال: يا رسول الله فهل للإنس من شياطين؟ قال: نعم هو شر من شياطين الجن.\nوقال النبي ﷺ: «ما منكم من أحد إلّا وقد وكّل قرينه من الجن» قيل: ولا أنت يا رسول الله؟\nقال: «ولا أنا إلّا أن الله قد أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلّا بخير» «٢» [١٥٦] .\nوقال مالك بن دينار: إن شيطان الإنس أشد من شيطان الجن وذلك إني إذا تعوذت بالله ذهب عني شيطان الجن، وشيطان الإنس يحبني فيجرني إلى المعاصي عيانا يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي يلقي زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وهو القول المموّه والمزيّن بالباطل، وكل شيء حسّنته وزينته فقد زخرفته ثم وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغى أي ولكي تميل.\nوقال ابن عباس: ترجع يقال: صغى يصغى صغا وصغى يصغى ويصغو صغوا وصغوا إذا مال.\nقال الفطامي:\nأصغت إليه هجائن بحدودها ... آذانهن تلى الحداة السوق «٣»\nترى عينها صغواء في جنب ماقها ... تراقب كفي والقطيع المحرما «٤»\n١ إِلَيْهِ يعني إلى الزخرف والغرور، ويقال: صغو فلان معك، وصغاه معك أي ميله وهواه.\nوقرأ النجعي: وَلِتُصْغى بضم التاء وكسر الغين أي تميل، والإصغاء الإمالة. ومنه\nالحديث إن رسول الله ﷺ كان يصغي الإناء للهرة.\nأَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ الأفئدة جمع الفؤاد مثل غراب وأغربة وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ أي وليكتسبوا ما هم مكتسبون.\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٨/ ٢١٧، وجامع البيان: ٨/ ٧\n. (٢) صحيح ابن حبان: ١٤/ ٣٢٧ وتفسير القرطبي: ٧/ ٦٨\n. (٣) الدرّ المنثور: ٣/ ٤٠\n. (٤) لسان العرب: ١٤/ ٤٦٢\n.","vol":"4","page":182},{"text":"وقال ابن زيد: وليعملوا ما هم عاملون «١» . يقال: اقترف فلان مالا أي اكتسبه، وقارف فلان هذا الأمر إذا واقعه وعمله، قال الله تعالى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً «٢» .\nقال لبيد:\nوإني لآتي ما أتيت وإنني ... لما اقترفت نفسي عليّ لراهب «٣»\nوقيل: هو من التهمة يقال: قرفه بسوء إذا اتهمه به.\nقال رؤبة:\nأعيا اقتراف الكذب المقروف ... تقوى التقيّ وعفّة العفيف «٤»\nقوله تعالى أَفَغَيْرَ اللَّهِ فيه إضمار أي قل لهم يا محمد أفغير الله أَبْتَغِي حَكَمًا قاضيا بيني وبينكم، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلًا مبيّنا يعني وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني التوراة والإنجيل وهم مؤمنو أهل الكتاب.\nقال عطاء: هم أصحاب النبي ﷺ أبو بكر، وعمر وعثمان وعلي وأتباعهم ﵃ والكتاب هو القرآن.\nيَعْلَمُونَ أَنَّهُ يعني القرآن مُنَزَّلٌ.\nقرأ الحسن والأعمش وأبي عامر: وخص بالتشديد من التنزيل لأنه أنزل نجوما مرة بعد مرة.\nوقرأ الباقون: بالتخفيف من الإنزال لقوله ﷿ يعني أنزل إليكم الكتاب\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ١٧٣\n. (٢) سورة الشورى: ٢٣\n. (٣) الدر المنثور: ٣/ ٤٠\n. (٤) جامع البيان: ٨/ ١١\n.","vol":"4","page":183},{"text":"مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ قرأ أهل الكوفة كَلِمَةُ: على الواحد والباقون:\nكلمات على الجمع، واختلفوا في الكلمات.\nفقال قتادة: هي القرآن لا مبدل له لا يزيد المفترون ولا ينقصون.\nوقال بعضهم: هي أقضيته وعدالته لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ لا مغير لها وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يعني الكفار يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ عن دين الله ثم قال إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يكذبون إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ.\nقال بعضهم: موضع من نصب لأنّه ينزع الخافض وهو حرف الصفة أي بمن.\nوقيل: موضعه رفع لأنه بمعنى أي والرافع ليضل.\nوقيل: محله نصب لوقوع العلم عليه وأعلم بمعنى يعلم كقول حاتم الطائي:\nفحالفت طيء من دوننا حلفا ... والله أعلم ما كنا لهم خذلا «١»\nوقالت الخنساء:\nالقوم أعلم أن جفنته ... تغدو غداة الريح أو تسري «٢»\nوَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.\nقال ابن عباس: قال المشركون للمؤمنين: أنكم تعبدون الله فما قبل الله لكم الحق الحق أن تأكلوا مما قتلتم بسكاكينكم فنزل الله فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وقت الذبح يعني المذكاة بسم الله إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا وما يمنعكم أن لا تأكلوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ من الذبائح وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.\nقرأ الحسن وأبو رجاء [الأعرج] وقتادة والجبائي وطلحة ومجاهد وحميد وأهل المدينة:\nبالفتح فهما على معنى فصل الله ما حرمه عليكم لقوله اسْمُ اللَّهِ جرى ذكره تعالى.\nوقرأ محمد بن عامر وأبو عمرو: بضمهما على غير تسمية الفاعل لقوله ذُكِرَ.\nوقرأ أصحاب عبد الله وأهل الكوفة: فَصَّلَ بالفتح يحرم بالضم.\nوقرأ عطية العوفي فَصَلَ مفتوحا خفيفا بمعنى قطع الحكم فيما حرم عليكم وهو ما ذكر في سورة المائدة قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ «٣» الآية إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ من هذه الأشياء فإنه حلال لكم عند الاضطرار ثم قال وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ قرأ الحسن وأهل الكوفة:\nبضم الياء كقوله: يُضِلُّوكَ.\n_________\n(١) جامع البيان: ٨/ ١٥\n. (٢) جامع البيان: ٨/ ١٥ [.....]\n. (٣) سورة المائدة: ٣\n.","vol":"4","page":184},{"text":"وقرأ الباقون: بالفتح كقوله: مَنْ يَضِلُّ ومَنْ ضَلَّ ... بِأَهْوائِهِمْ بمرادهم بِغَيْرِ عِلْمٍ حين دعوا إلى أكل الميتة إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ المتجاوزين من الحلال إلى الحرام.\nوَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ يعني الذنوب كلها لا يخلو من هذين الوجهين.\nواختلفوا فيها فقال قتادة: سرّه وعلانيته، عطاء: قليله وكثيره. ومجاهد: ما ينوي وما هو عامله. الكلبي: ظاهِرَ الْإِثْمِ الزنا وَباطِنَهُ المخالة.\nالسدي: الزواني الذي في الحوانيت وهو بيت أصحاب الرايات وَباطِنَهُ الصديقة يتخذها الرجل فيأتيها سرّا «١» . وقال مرّة الهمذاني: كانت العرب تجوز الزنا وكان الشريف إن يزني يستر ذلك وغيره لا يبالي إذا زنا ومتى زنا فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الضحاك: كان أهل الجاهلية يسترون الزنا ويرون ذلك حلالا ما كان سرّا، فحرم الله تعالى لهذه الأمة السرّ منه والعلانية.\nوروى حيان عن الكلبي: ظاهِرَ الْإِثْمِ طواف الرجال بالنهار عراة وَباطِنَهُ طواف النساء بالليل عراة.\nوقال سعيد بن جبير: الظاهر ما حرم الله تعالى بقوله وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ «٢» وقوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ «٣» الآية والباطن منه الزنا.\nوقال ابن زيد: ظاهِرَ الْإِثْمِ التعرّي والتجرّد من الثياب في الطواف والباطن الزنا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠\n. (٢) سورة النساء: ٢٢\n. (٣) سورة النساء: ٢٣\n.","vol":"4","page":185},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ في الآخرة بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ بما يكسبون في الآخرة وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فاقد [التسمية] ولم يدرك ذكاته أو ذبح لغير الله وَإِنَّهُ يعني الأكل لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ ليوسوسون إِلى أَوْلِيائِهِمْ من المشركين لِيُجادِلُوكُمْ. وذلك\nإن المشركين قالوا: يا محمد أخبرنا عن الشاة إذا ماتت من قتلها؟ قال:\nالله قتلها. وقالوا: فتزعم إن ما قتلت أنت وأصحابك حلال وما قتل الصقر والكلب حلال وما قتله الله حرام؟ فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال عكرمة: معناه ولي الشياطين يعني مردة المجوس لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ من مشركي قريش وكانوا أولياءهم في الجاهلية وذلك أن المجوس من أهل فارس لما أنزل الله تعالى تحريم الميتة كتبوا إلى مشركي قريش. وكانت بينهم مكاتبة. إن محمدا وأصحابه يزعمون إنهم يتبعون أمر الله ثم يزعمون إن ما ذبحوا فهو حلال، وما ذبحه الله فهو حرام ولا يأكلونه، فوقع في أنفس ناس من المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله تعالى هذه الآية وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ في أكل الميتة إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ قوله تعالى أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ هو ألف الاستفهام والتقدير دخلت على واو النسق فبقيت على فتحها يعني أومن كان كافرا ميتا بالضلالة فهديناه واجتبيناه بالإيمان وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يستضيء به ويَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ على قصد السبيل ومنهج الطريق.\nقال ابن زيد: يعني بهذا النور الإسلام نيابة قوله يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ.\nوقال قتادة: هذا المؤمن معه من الله نورا وبينة يعمل بها ويأخذ وإليها ينتهي كتاب الله كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ.\nقال بعضهم: المثل زائد تقديره كمن في الظلمات.\nوقال بعضهم: معناه كن أو شبه بشيء كان يشبهه من في الظلمات من ظلمة الكفر والجهل والضلالة والمسير.\nلَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها لا يبصر شيئا ولا يعرف طريقا كالذي ضل طريقه في ظلمة الليل فهو لا يجد مخرجا ولا يهتدي طريقا.\nوقيل: إن هذه الآية نزلت في رجلين بأعيانهما، ثم اختلفوا فيهما.\nفقال ابن عباس: أَوَمَنْ كانَ [مَيْتًا] فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ. يريد حمزة بن عبد المطلب كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها. أبو جهل، وذلك\nإن أبا جهل رمى النبي ﷺ بالحجارة وحمزة لم يؤمن بعد فأخبر حمزة بما فعل أبو جهل، وهو راجع من قنصه وبيده قوس، فأقبل غضبان حتى علا أبا جهل بالقوس وهو يتضرع كعبد مسكين يقول: يا با يعلى أما ترى ما جاء به سفّه عقولنا وسبّ آلهتنا وخالف أبانا.","vol":"4","page":186},{"text":"فقال حمزة: ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله، أشهد أن لا إله إلّا الله لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الضحاك [ويمان]: نزلت في عمر بن الخطاب وأبي جهل.\nقال عكرمة والكلبي: نزلت في عمار بن ياسر وأبي جهل.\nكَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية وَكَذلِكَ أي وكما زيّنا للكافرين أعمالهم كذلك جعلنا.\nوقيل: وكما جعلنا فسّاق مكة أكابرها كذلك جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ يعني عظماء، جمع أكبر مثل أفضل وأحمر وأحامر وأسود وأساود مُجْرِمِيها إن شئت نصبته على التقديم تقديره وكذلك جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر، كما تقول: جعلت زيدا رئيسها وإن شئت خفضته على الإضافة لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ لأن وبال مكرهم وجزاءه راجع إليهم وَما يَشْعُرُونَ إنه كذلك وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ من النبوة، وذلك إن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة حقا لكنت أولى بها منك لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال مقاتل: نزلت في أبي جهل بن هشام وذلك أنه قال: زاحمنا عبد مناف في الشرف حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا إلّا أن يأتينا وحي كما يأتيه وأنزل الله تعالى وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ حجة على صدق محمد ﷺ وصحت نبوته. قالُوا: يعني أبو جهل. قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ يعني محمدا رسول الله ﷺ ثم قال اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ فخص بها محمدا ﷺ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ ذل وهوان عِنْدَ اللَّهِ أي من عند الله نصب بنزع حرف الصفة.\nقال النحاس: سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ على التقديم والتأخير وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ.\nوقال أبو روق: صغار في الدنيا وهذا العذاب في الآخرة.\nفَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ أي يوسّع عقله أو ينوّره ليقبل الإسلام فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nسئل رسول الله ﷺ عن شرح الصدر ما هو؟ قال: «نور يقذفه الله تعالى في قلب المؤمن فينشرح له صدره وينفسح» [١٥٧] قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت «١» .\n_________\n(١) زاد المسير: ٣/ ٨٢، وفيه: قبل نزوله\n.","vol":"4","page":187},{"text":"وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا قرأ ابن كثير: ضيْقا بالتخفيف. والباقون:\nبالتشديد وهي لغتان مثل هين وهيّن، ولين وليّن، حَرَجًا كسر أهل المدينة، راءه وفتحها الباقون وهما لغتان مثل الأنف والأنف، والفرد والفرد، والوعد والوعد.\nوقال سيبويه: الحرج بالفتح المصدر كالصلب والحلب ومعناه ذا حرج، والحرج بالكسر الإسم وهو أشد الضيق، يعني قلبه ضيقا لا يدخله الإيمان.\nوقيل: أثيما لقول العرب: حرج عليك ضلمي أي ضيق وأثم. وقال السدي: حرجها شاكا. وقال قتادة: ملتبسا.\nوقال النضر بن شميل: ملقا. وقال ليس للخير فيه منفذ.\nوقال عبيد بن عمير. قرأ ابن عباس: هذه الآية، فقال: هل هاهنا أحد من بني بكر؟ فقال.\nرجل: نعم، قال: ما الحرج فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر المتمسك الذي لا طريق فيه.\nقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر.\nوقال أبو الصلت الثقفي وعمر بن الخطاب (﵁): هذه الآية ضَيِّقًا حَرَجًا بنصب الراء. وقرأ بعض من عنده من أصحاب رسول الله ﷺ حَرِجًا بالكسر. فقال عمر: ابعثوا إلى رجل من كنانة وجعلوه راعيا فأتوه به فقال له عمر: يا فتى ما الحرجة فيكم؟ قال الحرجة فينا الشجرة التي تكون بين الأشجار التي لا يصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء.\nفقال عمر (﵁): كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ يعني يشق عليه الإيمان، ويمتنع ويعجز عنه كما يشق عليه صعود السماء.\nواختلف القراء في ذلك، فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وحمزة والكسائي: يَصَّعَّدُ بتشديد الصاد والعين بغير ألف أي يصعد فأدغمت التاء في الصاد.\nفاختاره أبو حاتم وأبو عبيد [اعتزازا] بقراءة عبد الله كأنما يتصعد في السماء.\nوقرأ طلحة وعاصم وأبو عبيد والنخعي ومجاهد: بالألف مشددا بمعنى تصاعد «١» .\nوقرأ ابن كيسان وابن [محيصن]، والأعرج وأبو رجاء: يَصْعُدُ حقيقة «٢» .\nكَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ قال مجاهد: الرجس ما لا خير فيه.\nابن زيد: الرجس العذاب مثل الرجز. وقال ابن عباس: هو الشيطان الذي يسلطه عليه.\nوقال الكلبي: هو المأثم، وقيل: هو النجس. ويقال: رجس رجاسة ونجس نجاسة «٣» .\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٨/ ٤٢\n. (٢) أي من الصعود\n. (٣) راجع تفسير القرطبي: ٧/ ٨٣\n.","vol":"4","page":188},{"text":"وكان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من نجس منجس الخبث المخبث الشيطان الرجيم» «١» [١٥٨] .\nوَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا أي هذا الذي بيّنا طريق ربّك والذي ارتضاه لنفسه دينا وجعله مستقيما لا عوج فيه وهو الإسلام.\nوقال ابن مسعود: هو القرآن. وقال: إن الصراط محتضر يحضره الشياطين ينادون: يا عبد الله هلم هذا الطريق لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ف اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ وهو كتاب الله قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ.\nلَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ يعني الجنة في الآخرة.\nقال أكثر المفسرين: السلام هو الله ﷿ وداره الجنة. وقيل: سميت الجنة دارُ السَّلامِ لسلامتها من الآفات والعاهات.\nوقيل: لأن من دخلها سلّم من البلايا والرزايا أجمع.\nوقيل: لأنها سلمت من دخول أعداء الله كيلا ينتغص أولياء الله فيها كما ينغّص مجاورتهم في الدنيا.\nوقيل: سميت بذلك لأن كل حالة من حالات أهلها مقرونة بالسلام فاما ابتداء دخولها فقوله ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ وبعد ذلك قوله وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ الآية.\nوبعده قوله وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وبعده قوله لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلَّا سَلامًا «٢» وقوله لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا «٣» وبعده قوله تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ «٤»\n_________\n(١) جامع البيان: ٨/ ٤٣، بتفاوت واختلاف\n. (٢) سورة مريم: ٦٢\n. (٣) سورة الواقعة: ٢٥. ٢٦\n. (٤) سورة الأحزاب: ٤٤\n.","vol":"4","page":189},{"text":"وبعد ذلك سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ «١» . فلما كان حالات أهل الجنة مقرونة بالسلام إما من الخلق وإما من الحق سمّاها الله دار السلام وَهُوَ وَلِيُّهُمْ ناصرهم ومعينهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ.\nقال الحسن بن الفضل: يعني يتولاهم في الدنيا بالتوفيق وفي الآخرة بالجزاء. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا الجن والإنس يجمعهم في يوم القيامة فيقول: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ أي من إضلال الناس وإغوائهم وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ الذين أطاعوهم رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ.\nقال الكلبي: استمتاع الإنس بالجن. هو أن الرجل إذا سافر أو خرج فمشى بأرض قفر أو أصاب صيدا من صيدهم فخاف على نفسه منهم. فقال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه فيثبت جواز منهم، واستمتاع الجن بالإنس هو أن قالوا: قد سدنا الإنس مع الجن حتى عاذوا بنا فيزدادون شرفا في قومهم وعظما في قومهم وهذا معنى قوله تعالى وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ. الآية.\nوقال محمد بن كعب وعبد العزيز بن يحيى: هو طاعة بعضهم بعضا وموافقة بعضهم بعضا وقيل: استمتاع الإنس بالجن بما كانوا يأتون إليهم. من الأراجيف والسحر والكهانة، فاستمتاع الجن بالإنس إغراء الجن الإنس واتباع الإنس إياهم وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا يعني الموت والبعث. قال الله تعالى قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ يعني قدّر مدة ما بين بعثهم إلى دخولهم جهنم.\nقال ابن عباس: هذا الاستثناء هو أنه لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه لا يولهم جنة ولا نارا.\nوقال الكلبي: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وكان ما شاء الله أبدا.\nوقيل: معناه النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها سوى ما شاءَ اللَّهُ من أنواع العذاب وقيل: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من إخراج أهل التوحيد من النار.\nوقيل: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن يزيدهم من العذاب فيها.\nوقيل: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من كونهم في الدنيا بغير عذاب.\nوقال عطاء: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من الحق في عمله أن يؤمن فمنهم من آمن من قبل الفتح ومنهم من آمن من بعد الفتح.\n_________\n(١) سورة يس: ٥٨\n.","vol":"4","page":190},{"text":"إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ.\nروي عن قتادة: يجعل بعضهم أولياء بعض. والمؤمن ولي المؤمن والكافر ولي الكافر حيث كان.\nوروى معمر عن قتادة: تبع بعضهم بعضا في النار من الموالاة.\nوقيل: معناه نولي ظلمة الإنس ظلمة الجن ونولي ظلمة الجن ظلمة الإنس، يعني نكل بعضهم إلى بعض كقوله نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى.\nقال ابن زيد: نسلط بعضهم على بعض. يدل عليه\nقوله ﷺ: «من أعان ظالما سلّطه الله عليه» «١» [١٥٩] .\nوقال مالك بن دينار: قرأت في كتب الله المنزلة: إن الله تعالى قال: أفني أعدائي بأعدائي ثم أفنيهم بأوليائي.\nوروى حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: تفسيرها: هو أن الله تعالى إذا أراد بقوم خيرا ولى أمرهم خيارهم وإذا أراد بقوم شرا ولى أمرهم شرارهم.\nوفي الخبر: يقول الله: إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا مالك الملوك قلوبهم ونواصيهم فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة، فلا تشتغلوا بسبّ الملوك ولكن توبوا إلى الله تعالى يعطفهم عليكم.\nمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ.\nقال الأعرج وابن أبي إسحاق: تأتكم بالتاء كقوله: لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ.\nقرأ الباقون: بالياء كقوله تعالى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ قُصُّونَ\nيقرءون لَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا\nوهو يوم القيامة.\nواختلف العلماء في الجن هل أرسل إليهم رسول أم لا؟ فقال عبيد بن سليمان: سئل الضحاك عن الجن هل كان فيهم مؤمن قبل أن يبعث النبي ﷺ؟ فقال: ألم تسمع قوله تعالى:\nمَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ\nيعني بذلك رسلا من الإنس ورسلا من الجن.\nقال الكلبي: كانت الرسل قبل أن يبعث النبي ﷺ يبعثون إلى الجن والإنس جميعا.\nقال مجاهد: الرسل من الإنس. والنذير من الجن ثم قرأ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ.\nقال ابن عباس: هم الذين استمعوا القرآن وأبلغوه قومهم.\n_________\n(١) الجامع الصغير: ٢/ ٥٧٤، ح ٨٤٧٢ [.....]\n.","vol":"4","page":191},{"text":"وقال أهل المعاني: لم يكن من الجن رسول وإنما الرسل من الإنس خاصة وهذا كقوله تعالى يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «١» وإنما يخرج من المالح دون العذب.\nوقوله يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ «٢» وهي أيام العشر وإنما الذبح في يوم واحد من العشر فهو يوم النحر. وقوله وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا «٣» وإنما هو في سماء واحدةالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا\nأقروا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أي بشرك من أشرك وَأَهْلُها غافِلُونَ حتى يبعث إليهم رسلا ينذرونهم. وقيل: معناه: لم يكن ليهلكهم دون البينة والتذكير بالرسل والآيات فيكون قد ظلمهم وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا يعني بالثواب والعقاب على قدر أعمالهم في الدنيا منهم من هو أشد عذابا ومنهم من هو أجزل ثوابا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ.\nوَرَبُّكَ الْغَنِيُّ بعلمه ذُو الرَّحْمَةِ بهم إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ثم يميتكم ويهلككم وَيَسْتَخْلِفْ يخلق مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ خلقا غيركم أمثل وأطوع منكم.\nوقال عطاء: يريد الصحابة والتابعين كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ قرنا بعد قرن، وقال مقاتل: يعني أهل سفينة نوح. وقرأ زيد بن ثابت: ذِرِّيَّةِ بكسر الذال مشدّدة.\n_________\n(١) سورة الرحمن: ٢٢\n. (٢) سورة الحج: ٢٨\n. (٣) سورة نوح: ١٦\n.","vol":"4","page":192},{"text":"وقال أبان بن عثمان: ذَرِيَّةِ بفتح الذال وكسر الراء خفيفة على قدر فعله، الباقون: بضم الذال مشددة، وهي لغات صحيحة. وقال ثعلب: الذرية بالكسر الأصل، والذرية بالضم الولد إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ لجائي كائن وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ بفائتين سابقين أي حيث كنتم يدرككم. والإعجاز أن يأتي بالشيء يعجز عنه خصمه ويقصر دونه فيكون قد قهره وجعله عاجزا عنه قُلْ يا محمد لهم يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ.\nقال ابن عباس: على ناحيتكم. قال ابن زيد: على حيالكم. يمان: على مذاهبكم. عطاء:\nعلى حالتكم التي أنتم عليها. مقاتل: على جديلتكم. مجاهد: على وتيرتكم. الكلبي: على منازلكم. وقيل: اعملوا ما أمكنكم.\nقرأ السلمي وعاصم: مكاناتكم على الجمع في كل القرآن.\nإِنِّي عامِلٌ يقول اعملوا ما أنتم عاملون فإني عامل ما أمرني ربي، وهذا أمر وعيد وتهديد لا أمر إباحة وإطلاق كقوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ. «١»\nوقال الكلبي: معناه اعملوا ما أمكنكم من أمري فإني عامل في أموركم بإهلاك.\nفَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ قرأ مجاهد وأهل الكوفة: يكون بالياء، الباقون: بالتاء، لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ يعني الجنة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ أي لا يأمن الكافرون.\nقال عطاء: لا يبعد. وقال الضحاك: لا يفوز. وقال عكرمة: لا يبقى في الثواب.\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا.\nقال المفسرون: كانوا يجعلون لله من حروثهم وأنعامهم وثمارهم وسائر أموالهم نصيبا وللأوثان نصيبا فما كان للصنم أنفق عليه، وما كان لله أطعم الضيفان والمساكين ولا يأكلون من ذلك كله شيئا فما سقط مما جعلوا لله في نصيب الأوثان تركوه. وقالوا: إن الله غني عن هذا، وإن سقط مما جعلوه للأوثان في نصيب الله التقطوه فردوه إلى نصيب الصنم وقالوا: إنه فقير.\nوكانوا إذا بذروا ما وقع من بذر الله في حصة الصنم تركوه، وما وقع من حصّة الصنم في حصّة الله تعالى ردوه وان انفجر من سقي ماء جعلوه للشيطان في نصيب الله، شدّوه، وإن انفجر من سقي ماء جعلوه لله في نصيب الشيطان تركوه. فإذا هلك الذي سموا لشركائهم أو أجدب وكثر الذي لله، قالوا: ليس لآلهتنا بدّ من نفقة فأخذوا الذي لله وأنفقوا على الهتهم فإذا أجدب الذي لله وكثر الذي لآلهتهم قالوا: لو شاء الله لأزكى الذي له فلا يردون عليه شيئا مما للآلهة فإذا أصابتهم السنة استعانوا بما جزوا منه ووفروا بما يجزون لشركائهم وذلك قوله تعالى مما ذَرَأَ مِنَ\n_________\n(١) سورة فصلت: ٤٠\n.","vol":"4","page":193},{"text":"الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا أي مما خلف من الحرث والأنعام نصيبا، وفيه إضمار واختصار مجازه: وجعلوا لله نصيبا ولشركائهم نصيبا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ.\nيحيى بن رئاب والسلمي والأعمش والكسائي: بالضم.\nوقرأ الباقون: بالفتح. وهما لغتان وهو القول من غير حقيقة.\nسمعت الحسين يقول: سمعت العنبري عن أبي العباس الأزهري عن أبي حاتم إنه قال:\nقال شريح القاضي: إن لكل شيء كنية وكنية الكذب زعموا، والزعم أيضا في الطمع وَهذا لِشُرَكائِنا يعني الأوثان فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي بئس ما كانوا يقضون وَكَذلِكَ زَيَّنَ أي كما زين لهم تحريم الحرث والأنعام كذلك زين لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ (ساء) موضع فرفع والمعنى:\nساء الحكم حكمهم شُرَكاؤُهُمْ يعني شياطينهم زيّنوا وحسّنوا لهم وأد البنات خيفة العيلة.\nوقال الكلبي: شركاؤهم سدنة الهتهم هم الذين كانوا يزينون للكفار قتل أولادهم. وكان الرجل في الجاهلية يحلف بالله لئن ولد له كذا غلاما لينحرنّ أحدهم كما حلف عبد المطلب على ابنه عبد الله «١» .\nوقرأ أهل الشام: زين بالضم، قتل: رفع، أولادهم نصب، شركائهم بالخفض على التقديم، كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل شركائهم أولادهم. ففرّقوا بين الفعل وفاعله.\nيقول الشاعر:\nيمر على ما يستمر وقد شقت ... غلائل غير نفس صدورها\nيريد شقت.\nعبد القيس: غلائل صدورها.\nوقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: زُين بضم الزاي قتلُ رفعا، أَوْلادِهِمْ خفضا، شُرَكاؤُهُمْ رفعا على [التوضيم] «٢» والتكرير.\nكأنه لما قال: زيّن لكثير من المشركين قتل أولادهم. تم الكلام. ثم قال: من زيّنه؟\nفقال: شركاؤهم أي زيّنه شركاؤهم فارتفع الشركاء بفعل ضمير دلّ عليه زين، كما تقول: أكل اللحم زيد: كأنه قيل: من الآكل فتقول زيد.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٩١\n. (٢) هكذا في الأصل\n.","vol":"4","page":194},{"text":"قال الشاعر:\nليبك لزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح «١»\nفزيد مفعول مستقل بنفسه غير مسمّى فاعله، ثم بيّن فقال: ضارع.\nأي ليبكيه ضارع، وقوله تعالى لِيُرْدُوهُمْ ليهلكوهم وَلِيَلْبِسُوا أي ليخلطوا ويشبهوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وكانوا على دين إسماعيل فرجعوا عنه وَلَوْ شاءَ اللَّهُ هداهم ووفقهم وعصمهم عن ما فَعَلُوهُ ذلك من تحريم الأنعام والحرث، وقيل: الأولاد فَذَرْهُمْ يا محمد وَما يَفْتَرُونَ يختلقون على الله الكذب فإن الله لهم بالمرصاد ولا يُخْلِفُ الْمِيعادَ وَقالُوا يعني المشركين هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ يعني ما كانوا جعلوه لله ولآلهتهم التي قد مضى ذكرها «٢» .\nوقال مجاهد: يعني بالأنعام، البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، والحجر: الحرام. قال الله تعالى ويقولون حِجْرًا مَحْجُورًا «٣» أي حراما حرما.\nقال الليث:\nحنّت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام ألا تلك الدهاريس «٤»\nوأصله من الحجر وهو المنع والحظر، ومنه: حجر القاضي على المفسد.\nوقرأ الحسن وقتادة: وحرث حُجر بضم الحاء وهما لغتان. وقرأ أبي بن كعب وابن عباس وابن الزبير وأبي طلحة والأعمش: وحرث حرج بكسر الحاء والراء قبل الجيم وهي لغة أيضا مثل جذب وجبذ.\nوأنشد أبو عمرو:\nألم تقتلوا الحرجين إذ أعرضا لكم ... يمران بالأيدي اللحاء المضفرا «٥»\nلا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ يعنون الرجال دون النساء وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها يعني الحامي إذا ركب ولد ولده. قالوا: حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا.\nقال مجاهد: كانت لهم من أنعامهم طائفة لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا ولا في شيء من شأنها لا أن ركبوا ولا أن حلبوا ولا أن نتجوا ولا أن باعوا ولا أن حملوا.\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٥٣٦، والبيت أنشده سيبويه\n. (٢) تفسير الطبري: ٨/ ٥٩\n. (٣) سورة الفرقان: ٢٢\n. (٤) كتاب العين: ٤/ ١٢٠، ولسان العرب: ٦/ ٩٠، والبيت الجرير، ويروى حجّت\n. (٥) لسان العرب: ٢/ ٢٣٦، والبيت للهذلي\n.","vol":"4","page":195},{"text":"وقال أبو عاصم: قال لي أبو وائل: أتدري ما أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها؟ قلت: لا. قال: لا يحجّون عليها.\nوقال الضحاك: هي التي إذا ذكوها أهلوا عليها بأصنامهم ولا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ «١» يعني إنهم كانوا يفعلون ذلك ويزعمون إن الله أمرهم به سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا.\nقال ابن عباس والشعبي وقتادة: يعني ألبان النحائر كانت للذكور دون النساء فإذا ماتت اشترك في لحمها ذكورهم وإناثهم.\nوقال السدي: يعني أخذ النحائر ما ولد منها أخذ خالص للرجل دون النساء [وأما ما ولد ميت فيأكله] الرجال والنساء، ودخل الهاء في (خالِصَةٌ) على التأكيد والمبالغة، كما فعل ذلك بالراوية والنسابة والعلامة.\nقال الفراء: أهلت الهاء لتأنيث الأنعام، لأن ما في بطنها مثلها، فأنث لتأنيثها قال: وقد يكون الخالصة كالعاقبة ومنه قوله إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ «٢»، وقرأ عبد الله والأعمش: خالص لذكورنا بغير الهاء ردّا إلى ما، وقرأ ابن عبّاس: خالصة بالإضافة [ويخلص] والخالصة والخليصة والخلصان واحد. قال الشاعر:\nكنت أميني وكنت خالصتي ... وليس كل امرئ بمؤتمن «٣»\nوَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا يعني النساء وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً قرأ أهل المدينة: تكن بالتاء، ميتةٌ بالرفع على معنى: وإن تقع الأنعام ميتة، وقرأ أهل مكّة: يَكُنْ بالياء، ميتةٌ بالرفع على معنى:\nوإن يقع ما في بطون الأنعام ميتة، وقرأ الأعمش: تكن بالتاء، مَيْتَةً نصبا على معنى: وإن يكن [ما في بطون الأنعام ميتة] «٤» وقرأ الباقون: يَكُنْ بالياء، مَيْتَةً بالنصب، ردّوه إلى ما يؤيّد ذلك قوله: فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ ولم يقل: فيها. سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ أي بوصفهم وعلى وصفهم الكذب على الله كقوله وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ «٥» والوصف والصفة واحد كالوزن والزنة والوعد والعدة، إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا الآية نزلت في ربيعة ومضر وفي العرب الذين يدفنون بناتهم أحياء مخافة السبي والفقر، إلّا ما كان من بني كنانة فإنّهم كانوا لا يفعلون ذلك.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٣٨.\n(٢) سورة ص: ٤٦.\n(٣) البيت من أبيات قالها سليمان بن قتة يرثي بها الإمام الحسن ﵇ كما في شرح النهج لابن أبي الحديد: ٦/ ٥٢ وفيه بدل العجز المذكور هنا قوله:\nلكل حي من أهله سكن\n. [.....]\n(٤) زيادة عن تفسير القرطبي: ٧/ ٩٦.\n(٥) سورة النحل: ٦٢.","vol":"4","page":196},{"text":"وقرأ أبو عبد الرحمن والحسن وأهل مكّة والشام: قتّلوا، مشددا على التكثير والباقون بالتخفيف بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام افْتِراءً عَلَى اللَّهِ حين قالوا: إنّ الله أمرهم بها وقَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ اخترع وابتدع جَنَّاتٍ بساتين.\nمَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ مسموكات مرفوعات وغير مرفوعات قال ابن عباس:\nمَعْرُوشاتٍ ما انبسط على وجه الأرض وانتثر ممّا يعرش مثل الكرم والقرع والبطيخ وغيرها، وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ما كان على ساق مثل النخيل وسائر الأشجار وما كان على نسق، ومثل [البروج]، وقال الضحاك: مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ الكرم خاصة منها ما عرش ومنها ما لم يعرش.\nوروي عن ابن عباس أيضا أنّ المعروشات ما عرش الناس «١»، وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ ما خرج في البراري والجبال من الثمار «٢» .\nيدلّ عليه قراءة علي (مغروسات وغير مغروسات) بالغين والسين. (وَالنَّخْلَ) يعني وأنشأ النخل وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ ثمره وطعمه الحامض والمرّ والحلو والجيّد والرديء وارتفع معنى الأكل [ومختلفا نعته] إلّا أنّه لمّا تقدّم النعت على الاسم وولي منصوبا نصب، كما تقول: عندي طبّاخا غلام وأنشد:\nالشر منتشر لقاك [من مرض] ... والصالحات عليها مغلقا باب\nوَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهًا في المنظر وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ في الطعم مثل الرمانتين لونهما\n_________\n(١) أي رفع أغصانه.\n(٢) تفسير الطبري: ٨/ ٦٩.","vol":"4","page":197},{"text":"واحد وطعمهما مختلف، إحداهما حلوة والأخرى حامضة وقد مرّ القول فيه كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ ولا تحرّموه كفعل أهل الجاهلية وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ قرأ أهل مكّة والمدينة والكوفة حِصادِهِ بكسر الحاء والباقون بالفتح، وهما واحدة كالجداد. والجداد [والصرام والصرام] واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال ابن عباس وطاوس والحسن وجابر بن زيد ومحمد ابن الحنفية وسعيد بن المسيب والضحاك وابن زيد: [هي الزكاة] المفروضة العشر ونصف العشر.\nوقال عليّ بن الحسين وعطاء وحمّاد والحكم: هو حق في المال سوى الزكاة.\nقال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألف لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته وذرّيته فاطرح لهم منه، وإذا كدسته ونقيته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته.\nوقال إبراهيم: هو الضغث «١»، قال الربيع: لقاط السنبل. قال مجاهد: كانوا يعلّقون العذق عند الصرام فيأكل منه الضيف [ومن مرّ به] «٢» .\nقال زيد بن الأصم: كان أهل [الجاهليّة] إذا صرموا يجيئون بالعذق فيعلّقونه في جانب المسجد فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فيسقط منه ويأخذه.\nوقال سعيد بن جبير وعطيّة: كان هذا قبل الزكاة فلمّا فرض الزكاة نسخ هذا.\nوقال سفيان والسدي: سألت عن هذه الآية فقال: نسخها العشر ونصف العشر، قلت:\nممّن؟ فقال: من العلماء مقسّم عن ابن عباس: نسخت الزكاة كلّ [صدقة] في القرآن.\nوَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ كان رجال [ينفقونها بالحرام] فيقول الرجل لا أمنع سائلا حتّى [أمسي] فعمد ثابت بن قيس بن شمّاس إلى خمس مائة نخلة فجذها ثمّ قسّمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيئا فنزلت (وَلا تُسْرِفُوا) أي لا تعطوا كلّه، وقال السدي: لا تُسْرِفُوا لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء، وقال سعيد بن المسيّب: لا تمنعوا الصدقة، وقال [يمان بن رئاب]: ولا تبذّروا تبذيرا، مجاهد وعطية العوفي: ولا تتركوا الأصنام في الحرث والأنعام.\nوقال الزهري: [فوقعوا في] المعصية، وقال مجاهد: لو كان أبو قبيس ذهبا لرجل فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفا ولو أنفق درهما أو مدّا في معصية الله [كان] مسرفا، وفي هذا المعنى قيل لحاتم الطائي: لا خير في السرف فقال: لا سرف في الخير.\nوقال محمد بن كعب: السرف أن لا يعطي في حق، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٧٥.\n(٢) تفسير القرآن لعبد الرزاق: ٢/ ٢١٩.","vol":"4","page":198},{"text":"الإسراف ما لا يقدر على ردّه إلى الصلاح، والفساد ما يقدر على ردّه إلى الصلاح.\nقال النضر بن شميل: الإسراف التبذير والإفراط، والسرف الغفلة والجهل. قال الشاعر:\nأعطوا هنيدة يحدوها ثمانية ... ما في عطائهم من ولا سرف «١»\nقال إياس بن معاوية: ما تجاوز أمر الله فهو سرف، وروى ابن وهب عن ابن زيد قال:\nالخطاب [للمساكين] يقول: لا تأخذوا فوق حقّكم.\nوَمِنَ الْأَنْعامِ يعني أنشأ من الأنعام حَمُولَةً بمعنى كلّ ما محمّل عليها ويركب مثل كبار الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير، سمّيت بذلك لأنّها تحمل أثقالهم، قال عنترة:\nما دعاني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار [تسف] حب الخمخم «٢»\nوالحمولة الأحمال.\nوقال أهل اللغة: الفعولة بفتح الفاء إذا كانت [يعني] الفاعل استوى فيه المذكّر والمؤنّث نحو قولك: رجل فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف، ورجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا، وإذا كانت بمعنى المفعول فرّق بين الذكر والأنثى بالهاء كالخلويّة والزكويّة وَفَرْشًا والفرش ما يؤكل ويجلب ولا يحمل عليه مثل الغنم والفصلان والعجاجيل، سمّيت فرشا للطافة أجسامها وقربها من الفرش. هي الأرض المستوية، وأصل الفرش الخفة واللطافة ومنه فراشة العقل وفراش العظام، والفرش أيضا نبت ملتصق بالأرض [تأكله] الإبل قال الراجز:\nكمفشر الناب تلوك الفرشا «٣»\nوالفرش: صغار الأولاد من الأنعام وقال الراجز:\nأورثني حمولة وفرشا ... أمشها في كلّ يوم مشا «٤»\nكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ما حرم الحرث الأنعام إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثمّ بيّن الحمولة والفرش فقال: ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ نصبها على البدل من الحمولة [بالفرض] يعني [واحد من] الأنعام ثمانية أزواج أي أصناف مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ فالذكر زوج والأنثى زوج والضأن والنعاج جمعه، واحده: ضائن، والأنثى: ضائنة، والجمع: ضوائن.\nقرأ الحسن وطلحة بن مصرف: الضَأَن مفتوحة الهمزة، والباقون ساكنة الهمزة، تميم بهمزة وسائر لا بهمزة وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ والمعز المعزى لا واحد له من لفظه، وأمّا الماعز\n_________\n(١) البيت لجرير كما في الكنز اللغوي لابن السكيت الأهوازي ص ١١٦.\n(٢) لسان العرب: ١٢/ ١٩١.\n(٣) لسان العرب: ٦/ ٣١٧.\n(٤) تفسير القرطبي: ٧/ ١١٢، ومش الناقة: حلبها.","vol":"4","page":199},{"text":"فجمعه معيزة وجمع الماعزة مواعز، وقرأ أهل المدينة والكوفة: مِنَ الْمَعْزِ ساكنة العين والباقون بالفتح، وفي مصحف أبيّ: من المعزى، وقرأ أبان بن عثمان: من الضأن اثنان ومن المعز اثنين، قُلْ يا محمد: آلذَّكَرَيْنِ حرّم الله عليكم؟ ذكر الضأن حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ والمعز؟ أم أنثييهما [والنصب] قوله آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ منهما نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ.\nوذلك أنّهم كانوا يقولون هذِهِ أَنْعامٌ [وَحَرْثٌ حِجْرٌ]، وقالوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا، فحرّموا البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.\nفلما قام الإسلام وثبتت الأحكام جادلوا النبيّ ﷺ وكان خطيبهم يومئذ مالك بن عوف وأبو النضر [النصري] فقال: يا محمد [رأينا] أنّك تحرّم ما كان آباؤنا يفعلونه؟\nفقال لهم رسول الله ﷺ: إنكم قد حرّمتم أصنافا من النعم على [غير ...] «١» إن الله خلق الله هذه الأزواج الثمانية للأكل والانتفاع بها فمن أين حرمت ذكران هذه النعم على نسائكم دون رجالكم؟\nفإن زعمتم أن تحريمه من أجل الذكران وجب أن تحرموا كل ذكر، لأن للذكر فيها حظا، وإن زعمتم أنّ تحريمه من جهة الأنثى وجب أن تحرموا كل أنثى لأن للإناث فيها حظّا، وإن زعمتم أن تحريمه لاجتماع الذكر والأنثى فيه وما اشتمل الرحم عليه وجب أن تحرّموا الذكر والأنثى والحي والميّت، لأنّه لا يكون ولد إلّا من ذكر وأنثى ولا يشتمل الرحم إلّا على ذكر وأنثى، فلم تحرمون بعضا وتحلّون بعضا؟ فسكت.\nفلما لزمته الحجّة أخذ بالافتراء على الله فقال: كذا أمرنا الله\nفقال الله تعالى أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ [حضورا] إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا.\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.\n_________\n(١) كلام غير مقروء.","vol":"4","page":200},{"text":"[ثمّ بيّن] المحرمات فقال قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا أي شيئا محرّما عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ آكل يأكله.\nوقرأ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: يَطَعَّمُهُ مثقلة بالطاء\nأراد يتطعّمه فأدغم، وقرأت عائشة على طاعم طعمه «١» إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا [مهراقا] سائلا. قال عمران بن جرير: سألت أبا مجلز عمّا يتلطخ من اللحم بالدم وعن القدر تعلوها حمرة الدم. قال: لا بأس به إنّما نهى الله سبحانه عن الدم المسفوح.\nوقال إبراهيم: لا بأس الدم في عروق أو مخ إلّا المسفوح الذي تعمّد ذلك، قال عكرمة:\nلولا هذه الآية لاتّبع المسلمون من العروق ما تتبّع اليهود «٢» أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ خبيث أَوْ فِسْقًا معصية أُهِلَّ ذبح لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا يعني اليهود حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ، وهو ما لم يكن مشقوق الأصابع من البهائم والطير. مثل الإبل والنعّام والإوزة والبط.\nقال ابن زيد: هو الإبل فقط. وقال القتيبي: هو كلّ ذي مخلب من الطيور وكل ذي حافر من الدواب، وقد حكاه عن بعض المفسّرين، وقيل: سمّي الحافر ظفرا على الاستعارة وأنشد قول طرفة:\nفما رقد الولدان حتّى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر «٣»\nفجعل الحافر موضع القدم.\nوقرأ الحسن كُلَّ ذِي ظِفْرٍ مكسورة الظاء مسكنة الفاء. وقرأ [أبو سماك] ظِفِرٍ بكسر الظاء والفاء وهي لغة.\n_________\n(١) بفعل ماض.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٧/ ١٢٤.\n(٣) البيت لجبيها الأسدي كما في اللسان: ٤/ ٢٠٦. [.....]","vol":"4","page":201},{"text":"وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما يعني [الشروب] وشحم الكليتين إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أي ما علق بالظهر والجانب إلّا من داخل بطونها أَوِ الْحَوايا يعني الماعز أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ مثل لحم الإلية ذلِكَ التحريم جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ بظلمهم عقوبة لهم بقتلهم الأنبياء وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا واستحلالهم أموال الناس بالباطل وَإِنَّا لَصادِقُونَ في أخبارنا عن هؤلاء اليهود وعمّا حرّمنا عليهم من اللحوم والشحوم.\nسَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [لمّا الزمنا بينهم] الحجّة وتبيّنوا وتيقنوا باطل ما كانوا عليه لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا من قبل وَلا حَرَّمْنا ما حرّمنا من التغاير والسوايب وغير ذلك لأنّه قادر على أن يحمل بيننا وبين ذلك حتّى لا نفعله ولكنّه رضي منا ما نحن عليه من عبادة الأصنام وتحريم الحرث والأنعام وأراد منّا وأمرنا به فلم يحل بيننا وبين ذلك فقال الله تعالى تكذيبا لهم وردّا عليهم كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولو كان كذلك خيرا من الله تعالى عن من كذّبهم في قولهم لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا لقال كذلك (كذّب الذين من قبلهم) بتخفيف الذال وكان نسبهم إلى الكذب لا إلى التكذيب.\nوقال الحسن بن الفضل: [لمّا خبّروا بهذه المقالة] تعظيما وإجلالا لله ﷾ وصفة منهم به لمّا عابهم ذلك، لأن الله قال وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكُوا وقال سبحانه: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وقال وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ والمؤمنون يقولون هذا ولكنّهم قالوا ذلك تكذيبا وتخرصا وبدلا من غير معرفة بالله تعالى وبما [يقولون] نظيره قوله وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ «١»، قال الله تعالى ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ بقولهم هذا من غير علم بيّنهم بآية والمؤمنون وبقوله وعلم منهم بالله ﷿ ثمّ قال هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ من حظ وحجّة على ما يقولون من غير علم ويقين وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ تكذّبون قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ التامة الكافية على خلقه فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا أي احضروهم وأتوا بهم فقالوا: نحن نشهد، فقال الله تعالى: فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ إلى قوله يَعْدِلُونَ يشركون.\n_________\n(١) سورة الزخرف: ٢٠.","vol":"4","page":202},{"text":"ثمّ قال قُلْ يا محمد تَعالَوْا أَتْلُ أقرأ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ حقّا يقينا كما أوحى إليّ ربّي وأمرني به لا ظنّا ولا تكذيبا كما يزعمون أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا اختلفوا في محل أن فقال بعضهم: [محلّه] نصب، ثمّ اختلفوا في وجه انتصابه فقيل معناه: حرّم أن تشركوا ولا صلة كقولهم: (ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) .\nوقيل: إنّك ألّا تشركوا، وقيل: أوحى ألا تشركوا، وقيل: [ما] بدل [من] ما حرّم، وقيل: الكلام عند قوله حَرَّمَ رَبُّكُمْ ثمّ قال: عليكم أن لا تشركوا على الكفر، وقال بعضهم:\nموضع [من] معناه: وهو أن لا تشركوا جهرا بكفركم، وأما بعده فيجوز أن يكون في محل النصب عطفا على قوله أَلَّا تُشْرِكُوا) وأن [...] «١» لأنّه يجوز أن يكون جزم على الأقوى كقوله قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ.\nوَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عطف بالنهي على الخبر قال الشاعر:\nحج وأوصي بسليمي إلا عبدا ... أن لا ترى ولا تكلم أحدا\nولا يزال شرابها مبردا «٢»\nوَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ولا تئدوا بناتكم خشية العيش فإني أرزقكم وإياهم والإملاق الفقر ونفاد الزاد.\nوَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها يعني علانية وَما بَطَنَ يعني السرّ قال المفسّرون:\nكانوا في الجاهلية يستقبحون الزنا في العلانية ولا يرون به بأسا في السرّ فحرّم الله تعالى الزنا في العلانية والسر وقال الضحاك: ما ظَهَرَ الخمر وَما بَطَنَ ... وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ [نهى وهي] نفس مؤمن أو معاهد إِلَّا بِالْحَقِّ يعني بما أباح قبلها وهي الارتداد والقصاص والرجم.\nوروى مطر الوراق عن نافع بن عمر عن عثمان ﵁ أشرف على أصحابه وقال:\nعلام يقتلونني فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلّا بإحدى ثلاث:\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) تفسير الطبري ٨: ١٠٨.","vol":"4","page":203},{"text":"رجل زنا بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عامدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا قتلت أحدا فاقيد نفسي، ولا ارتدت منذ أسلمت، إنّي أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله» [١٦٠] «١»\nذلِكُمْ النبيّ الذي ذكرت وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني بما فيه صلاحه وتثميره، وقال مجاهد: هو التجارة فيه، وقال الضحاك: أموال يبتغي له فيه ولا يأخذ من ربحه شيئا.\nوقال ابن زيد: وأن يأكل بالمعروف إن افتقر، وإن استغنى لم يأكل، وقال الشعبي: من خالط مال اليتيم حتّى يفصل عليه فليخالطه، ومن خالطه ليأكل منه وليدعه حتّى يبلغ أشده.\nوقال يحيى بن يعمر: بلوغ الحلم، وقال الشعبي: الأشد الحلم حيث يكتب له الحسنات وعليه السيئات، وقال أبو العاليّة: حتّى يعقل ويجتمع قوّته.\nوقال الكلبي: الأشد ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة. وقال السدّي: هو ثلاثون سنة ثمّ جاء بعدها حتّى بلغوا النكاح.\nوالأشد جمع شدّ، مثل قدّ وأقدّ، وهو استحكام قوما لفتى وشبابه وسنه، ومنه شد النهار وهو ارتفاعه، يقال: أتيته شدّ النهار ومد النهار وقال الفضل بن محمد في شد بيت عنترة:\n[عهدي به] شدّ النهار كأنّما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم «٢»\nوقال آخر:\nتطيف به شد النهار ضعينة ... طويلة أنقاء اليدين سحوق «٣»\nوليس بلوغ الأشد ممّا يدع قرب ماله بغير الأحسن وقد تمّ الكلام.\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ\n[على الأبد] حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ\nفادفعوا إليه ماله إن كان رشيدا وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ\nبالعدل لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها\nأي طاقتها في إيفاء الكيل والوزن، وقال أهل المعاني: معناه: إلّا يسعها ويحلّ لها ولا يخرج عليه ولا يضيق عنه وذلك أنّ لله تعالى من عباده أنّ كثيرا منهم ضيق نفسه عن أن يطيّب لغيره بما لا يجب عليها له فأمر المعطي بإيفاء الحق ربّه الذي هو له ويكلّفه الزيادة لما في الزيادة عليه من ضيق نفسه بها، وأمر صاحب الحق بأخذ حقّه ولم يكلفه الرضا بأقل منه لمّا فيه في النقصان عليه من ضيق نفسه، فلم يكلّف نفسا منهما إلّا ما لا حرج فيه ولا يضيق عليه.\n_________\n(١) الطبقات الكبرى: ٣/ ٦٧.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ٢٣٥.\n(٣) لسان العرب: ١٠/ ١٥٤.","vol":"4","page":204},{"text":"قال ابن عباس: إنكم معشر الأعاجم فقد وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم المكيال والميزان وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا\nأي فاصدقوا في الحكم والشهادة وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى\nمحذوف الاسم يعني ولو كان المحكوم والمشهود عليه ذا قربة وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ\nيتّعظون.\nقال ابن عباس: هذا الآيات محكمات لم ينسخهنّ شيء في جميع الكتب وهنّ محرّمات على بني آدم كلّهم وهنّ أمّ الكتاب من عمل بهن دخل الجنّة ومن تركهن دخل النار.\nقال كعب الأحبار: والذي نفس كعب بيده إنّ هذا لأوّل شيء في التوراة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ الآيات.\nوقال الربيع بن خيثم لأصحابه: ألا أقرأ عليكم صحيفة عليها خاتم محمد ﷺ لم يفك فقرأ هذه الآية قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ وَأَنَّ هذا يعني وصّاكم به في هاتين الآيتين صِراطِي طريقي وديني مُسْتَقِيمًا مستويا قويما فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ يعني الطرق المختلفة التي عداها مثل اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر البدع والضلالات فَتَفَرَّقَ فيمتدّ وتخالف [وتشتت] بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ عن طريقه ودين النبيّ الذي ارتضى وبها وصّى ذلِكُمْ الذي ذكرت وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ يعني ثمّ قل يا محمد لهم آتينا موسى الكتاب، لأنّ موسى أوتي الكتاب قبل محمد عليهما الصلاة والسلام. وقيل: ثمّ بمعنى الواو لأنّهما حرفا عطف قال الشاعر:\nقل لمن ساد ثمّ ساد أبوه ... ثمّ قد ساد قبل ذلك جدّه «١»\nتَمامًا نصب على القطع، وقيل: على التفسير عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ قال بعضهم: معناه تماما على المحسنين. ويكون (الَّذِي) بمعنى (من) وتقديره على الذين أحسنوا، لفظه واحد ومعناه جمع كما تقول: أوصي بمالي للذي غزا وحجّ يريد الغازين والحاجين.\nوقال الشاعر:\nشبّوا عليّ المجد وشابوا واكتهل\nيريد: واكتهلوا.\nيدلّ عليه قراءة عبد الله بن مسعود (على الذين أحسنوا) .\nوقال أبو عبيد: معناه على كل من أحسن، ومعنى هذا القول أتممنا [طلب] موسى بهذا الكتاب، على المحسنين يعني أظهرنا فضله عليهم، والمحسنون هم الأنبياء والمؤمنون. وقيل:\n_________\n(١) البيت لأبي نؤاس في مدح العباس بن عبيد الله، كما في شرح الرضي على الكافية: ٤/ ٣٩٠.","vol":"4","page":205},{"text":"معناه: ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ متما للمحسنين يعني تتميما منّا للأنبياء والمؤمنين الكتب (عَلَى) بمعنى (اللام) كما تقول أتم الله عليه فأتم له. قال الشاعر:\nرعته أشهرا وخلا عليها ... فطار التي فيها واستعارا «١»\nأراد: وخلا لها.\nوقيل: (الَّذِي) بمعنى (ما)، يعني آتينا موسى الكتاب تماما على ما أحسن موسى من العلم والحكمة أي زيادة على ذلك.\nوقال عبد الله بن بريدة: معناه تماما منّي على منّي وإحساني إلى موسى، وقال ابن زيد:\nمعناه تماما على إحسان الله إلى أنبيائه وأياديه عندهم، وقال الحسن: فمنهم المحسن ومنهم المسيء فنزل الكتاب تماما على المحسنين، وقرأ يحيى بن يعمر: على الذي أحسنُ، بالرفع أي على الذي أحسن وَتَفْصِيلًا بيانا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه من شرائع الدين وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ هذا يعني وهذا القرآن كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واعملوا بما فيه وَاتَّقُوا وأطيعوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فلا تعذبون.\nأَنْ تَقُولُوا يعني [لئلّا] تقولوا كقوله يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وقوله: قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا «٢» يعني أي لا تقولوا يعني لئلّا تقولوا.\n_________\n(١) شرح الرضي على الكافية: ٤/ ٣٢٢\n. (٢) سورة المائدة: ١٩\n.","vol":"4","page":206},{"text":"وقيل: معناه أنزلناه كراهة أن يقول، وقال الكسائي: معناه: اتقوا أن تقولوا: يا أهل مكّة، وقرأ ابن محيصن والأعمش كلاهما والقراءة بالياء بقوله تعالى فقد جاءكم إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا يعني اليهود والنصارى وَإِنْ كُنَّا وقد كنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ قرأتهم لَغافِلِينَ لا نعلم ما هي وإنّما قال: دراستهم، ولم يقل: دراستهما، لأن كل طائفة جماعة، كقوله تعالى هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا وأن ما يقال من المؤمنين اقتتلوا. أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ يعني أصوب من اليهود والنصارى دينا فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ حجّة واضحة لمن يعرفونها وَهُدىً وبيان وَرَحْمَةٌ ونعمة لمن اتبعه وعمل به فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ وأعرض عنها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ شدة العذاب بِما كانُوا يَصْدِفُونَ يعرضون هَلْ يَنْظُرُونَ وينتظرون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ لقبض أرواحهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ بلا كيف لفصل القضاء من خلقه في موقف القيامة، وقال الضحاك: يأتي أمره وقضاؤه أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يعني طلع الشمس من مغربها يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها وقرأ ابن عمر وابن الزبير: يوم تأتي بعض آيات ربّك بالتاء، قال المبرّد: على التأنيث على المجاورة لا على الأصل، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه. قال جرير:\nلمّا أتى خبر الزبير تواضعت ... سور المدينة والجبال الخشع «١»\nفأتت فعل السور، وهو مذكّر لاتصاله بمؤنّث.\nروى عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتّى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعين وذلك حين لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ» [١٦١] الآية «٢» .\nوروى مقاتل بن حيّان عن عكرمة عن ابن عباس: قال: قال رسول الله ﷺ «إذا غربت الشمس رفع بها إلى السماء السابعة في سرعة طيران الملائكة وتحبس تحت العرش فتستأذن من أين تؤمر بالطلوع إلى مغربها أو من مطلعها [فكسى] ضوؤها، وإن كان القمر منوّر على مقادير ساعات الليل والنهار ثمّ ينطلق بها ما بين السماء السابعة العليا وبين أسفل درجات الجنان في سرعة طيران الملائكة فتنحدر [جبال] المشرق من سماء إلى السماء، فإذا ما وصلت إلى هذه السماء فذلك حين ينفجر الصبح ويضيء النهار فلا يظل الشمس والقمر، كذلك حتّى يأتي الوقت الذي وقت الله التوبة لعباد وتكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا يأمر به أحد ويفشو المنكر فلا ينهى عنه أحد، فإذا فعلوا ذلك حبست الشمس مقدار ليلة تحت العرش كلما\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ١٤٨\n. (٢) مسند أحمد: ٢/ ٢٣١\n.","vol":"4","page":207},{"text":"سجدت واستأذنت من أن تطلع لم يجيء لها جواب حتّى يراقبها القمر [فيجيء معها] ويستأذن من أن تطلع فلا يجاب لهما بجواب حتّى تحبسا مقدار ثلاث ليالي للشمس وليلتين للقمر، فلا يعرف طول تلك الليالي إلّا المتهجّدون في الأرض، وهم يومئذ عصابة قليلة في كل بلدة من بلاد المسلمين في هوان من الناس وذلّة من أنفسهم، فينام أحدهم تلك الليلة قدر ما كان ينام قبلها من الليالي، ثمّ يقوم ويتوضّأ ويدخل مصلّاه فيصلّي ورده، فلا يصبح نحو ما كان يصبح كلّ ليلة فينكر ذلك فيخرج فينظر إلى السماء فإذا هو بالليل فكأنه والنجوم قد استدارت مع السماء فصارت إلى أماكنها من أول الليل، فينكر ذلك ويظن فيها الظنون فيقول: قد خففت قراءتي وقصرت صلواتي أم قمت قبل حيني.\nقال: ثمّ يقوم فيعود إلى مصلّاه فيصلّي نحو صلاته الليلة الثانية ثمّ ينظر فلا يرى الصبح فيخرج أيضا فإذا بالليل مكانه فيزيده ذلك إنكارا ويخالطه الخوف ويظن في ذلك الظنون من السوء، ثمّ يقول فلعلّي قصّرت صلواتي ثمّ خفّفت قراءتي [أم قمت] في أوّل الليل ثمّ يعود وهو وجل مشتت خائف لما توقّع من هول تلك الليلة فيقوم فيصلّي أيضا مثل [ورده] كلّ ليلة قبل ذلك، ثمّ ينظر فلا يرى الصبح فيخرج الثالثة فينظر إلى السماء فإذا بالنجوم قد استدارت مع السماء فصارت في أماكنها عند أوّل الليل فيشفقه عند ذلك شفقة المؤمن العارف لما كان يحذر فيستحييه الخفّة ويستخفّه الندامة، ثمّ ينادي بعضهم بعضا وهم كانوا قبل ذلك يتعارفون ويتواصلون فيجتمع المتهجدون من كل بلدة في تلك الليلة في مسجد من مساجدهم ويجأرون إلى الله تعالى بالبكاء ويصلّوا بقيّة تلك الليلة.\nفإذا ما تمّ لهما مقدار ثلاث ليال أرسل الله إليهما جبرائيل فيقول: إنّ الرب ﵎ يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه وإنّه لا ضوء لكما عندنا ولا نور فيبكيان عند ذلك وجلا من الله ﷿ وخوف يوم القيامة وبكاء يسمعه أهل سبع سماوات ومن دونها وأهل سرادقات العرش وحملته ومن فوقهما، فيبكون جميعا لبكائهما من خوف الموت والقيامة، فيرجع الشمس والقمر فيطلعان من مغربهما فبينما المتهجّدون يبكون ويتضرّعون إلى الله ﷿، والغافلون في غفلاتهم إذ نادى مناد: ألا إن الشمس والقمر قد طلعا من المغرب فينظر الناس فإذا هم بهما أسودان لا ضوء للشمس ولا نور للقمر مثلهما في كسوفهما قبل ذلك. فذلك قوله وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وقوله إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ فيرتفعان كذلك مثل البعيرين القرنين ينازع كلّ واحد منهما صاحبه اشتياقا، ويتصايح أهل الدنيا وتدخل الأمّهات «١» على أولادها والأحبّة عن غمرات قلوبها، فتشتغل كلّ نفس بما ألمها، فأمّا الصالحون والأبرار فإنّه ينفعهم بكاؤهم يومئذ فيكتب لهم ذلك عبادة، وأمّا الفاسقون والفجّار فلا ينفعهم بكاؤهم يومئذ ويكتب\n_________\n(١) في تفسير الدر المنثور (٣/ ٦١): وتذهل الأمهات وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها\n.","vol":"4","page":208},{"text":"ذلك حسرة عليهم فإذا ما بلغ الشمس والقمر سرّت السماء وهي منصفها جاءهما جبرائيل (﵇) فأخذ بقرونهما فردّهما إلى المغرب فلا يغربهما من مغاربهما ولكن يغربهما من باب التوبة» .\nفقال له عمر بن الخطاب (﵁): بأبي أنت وأمّي يا رسول الله وما باب التوبة؟\nفقال ﷺ: «يا عمر خلق الله تعالى بابا للتوبة خلف المغرب له مصراعان من ذهب مكلّلان بالدرّ والجوهر ما بين المصراع إلى المصراع الآخر أربعون سنة للراكب المسرع فذلك الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغاربهما ولم يتب عبد من عباد الله توبة نصوحا منذ خلق الله آدم إلى ذلك اليوم إلّا ولجت تلك التوبة في ذلك الباب. لم يرفع إلى الله تعالى» .\nفقال له معاذ بن جبل: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وما التوبة النصوح؟\nقال: «أن يندم المذنب على الذنب الذي أصاب فيعتذر إلى الله ﷿ ثمّ لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع.\nقال: فيغر بهما جبريل في ذلك الباب ثمّ يرد المصراعين ثمّ يلتئم ما بينهما فيصير كأنّه لم يكن بينهما صدع قط، فإذا أغلق باب التوبة لم يقبل من العبد بعد ذلك توبة ولم ينفعه حسنة يعملها في الإسلام، إلّا من كان قبل ذلك محسنا فإنّه يجري عليه ما كان يجري عليه قبل ذلك اليوم فذلك قوله ﷿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْرًا.\nفقال أبي بن كعب: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله فكيف بالشمس والقمر يومئذ بعد ذلك وكيف بالناس والدنيا.\nفقال: «يا أبي إنّ الشمس والقمر يكسيان بعد ذلك الضوء والنور، ثمّ يطلعان على الناس ويغربان، كما كانا قبل ذلك يطلعان ويغربان، فإنّ الناس رأوا ما رأوا في فظاعة تلك الآية يلحون على الدنيا حتّى يجروا فيها الأنهار ويغرسوا فيها الأشجار ويبنوا البنيان. وأمّا الدنيا فلو نتج لرجل مهرا «١» لم يركبه حتّى تقوم الساعة من لدن طلوع الشمس من مغربها إلى أن ينفخ في الصور» [١٦٢] «٢» .\nقال حذيفة بن أسيد والبراء بن عازب: كنّا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله ﷺ فقال: «ما تذاكرون؟»\n_________\n(١) في كتاب الفتن: فرسا\n. (٢) تفسير الدر المنثور: ٣/ ٦١، وكتاب الفتن لنعيم: ٣٩٧ [.....]\n.","vol":"4","page":209},{"text":"[قلنا:] نتذاكر الساعة.\nقال: «إنها لا تقوم حتّى تروا قبلها عشر آيات: الدخان، ودابة الأرض، وخسفا بالمشرق، وخسفا بالمغرب، وخسفا بجزيرة العرب، ويأجوج ومأجوج، ونارا تخرج من قعر عدن، ونزول عيسى، وطلوع الشمس من مغربها» [١٦٣] «١» .\nويقال: إنّ الآيات تتابع كالنظم في الخيط عاما فعاما «٢» .\nوقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: والحكمة في طلوع الشمس من مغربها إنّ إبراهيم (﵇) قال لنمرود: ربّي الله يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ «٣» .\nوأن الملحدة والمنجّمة عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون هو غير [كائن] فيطلعها الله تعالى يوما من المغرب ليري المنكرين قدرته فإنّ الشمس من ملكه إن شاء أطلعها من المطلع وإن شاء من المغرب.\nوقال عبد الله بن عمر: يبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها مائة وعشرين سنة حتّى يغرسوا النخل.\nقال الله: قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ العذاب إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ\nقرأ حمزة والكسائي: فارقوا بالألف أي خرجوا من دينهم وتركوه وهي قراءة عليّ بن أبي طالب- كرّم الله وجهه-، ورواه معاذ عن النبيّ ﷺ\nوقرأ الباقون مشدّدا بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب أي جعلوا دين الله- وهو واحد دين الحنيفيّة- أديانا مختلفة فتهوّد قوم وتنصّر آخرون يدلّ عليه قوله وَكانُوا شِيَعًا أي صاروا فرقا مختلفة وهم اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك.\nوروى ليث عن طاوس عن أبي هريرة: قال: قال رسول الله ﷺ: «[إنّ] هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ وليسوا منك، هم أهل البدع وأهل الشبهات وأهل من هذه الأمّة\nلَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ»، أي [نفر] منهم ورسول الله [١٦٤] «٤» .\nقالوا: وهذه اللفظة منسوخة بآية القتال.\nوقال زادان أبو عمر قال لي علي (﵇): «يا أبا عمر أتدري كم افترقت اليهود؟\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٦\n. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ١٤٧\n. (٣) سورة البقرة: ٢٥٨\n. (٤) جامع البيان للطبري: ٨/ ١٣٩\n.","vol":"4","page":210},{"text":"قلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: «افترقت على إحدى وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلّا واحدة وهي الناجية. أتدري على كم افترقت النصارى»؟\nقلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: «افترقت على ثنتين وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلّا واحدة هي [الناجية] .\nأتدري على كم تفترق هذه الأمّة»؟\nقلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: «تفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلّها في الهاوية إلّا واحدة فهي الناجية.\nثمّ قال علي﵁- أتدري على كم تفترق فيّ؟\nقلت: وإنّه لتفترق فيك يا أمير المؤمنين؟\nقال: نعم تفترق فيّ اثنا عشر فرقة كلّها في الهاوية إلّا واحدة وهي الناجية وأنت منهم يا أبا عمر» [١٦٥] «١» .\n[ومنهم فرق الروافض والخوارج] .\nمَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ يعني التوحيد: لا إله إلّا أنت فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها قرأ الحسن وسعيد بن جبير. ويعقوب عشرٌ [منون] أمثالُها رفع على معنى فله حسنات عشر أمثالها، وقرأ الباقون بالإضافة على معنى: فله عشر حسنات أمثالها، وإنما لم يقل عشرة والمثل مذكر فأنث العدد لأنه مضاف إلى مؤنث فرده إلى الحسنة والدرجة وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ في الشرك فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها النار وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وقيل: هو عام في جميع الحسنات والسيّئات.\nروى [المقدوس] بن يزيد عن أبي ذر: قال: حدّثني الصادق المصدّق أنّ الله ﷿ قال: «الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أغفرها فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة ثمّ لا يشرك بي شيئا جعلت له مثلها مغفرة» [١٦٦] «٢» .\nقال ابن عمر وابن عباس: هذه الآية في الأحزاب وأهل البدو، قيل: فما لأهل القرى قال: وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا وأقلها سبعمائة ضعف، وقال\nقتادة: في هذه الآية ذكر لنا أنّ رسول الله ﷺ قال: «الأعمال ستة فموجبة وموجبة مضاعفة ومثل وبمثل فأمّا الموجبتان فمن لقى الله لا يشرك به شيئا دخل الجنّة ومن لقى الله يشرك به\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ٣٧٨/ ح ١٦٤٣\n. (٢) مسند أحمد: ٥/ ١٥٥، والمعجم الأوسط: ٧/ ٢٣٦\n.","vol":"4","page":211},{"text":"دخل النار، فأمّا المضاعفتان فنفقة الرجل على أهله عشر بعشر أمثالها ونفقة الرجل في سبيل الله سبعمائة ضعف، وأمّا مثل بمثل فإنّ العبد إذا همّ بحسنة ثمّ لم يعملها كتبت واحدة وإذا عملها كتبت [عشرة]» [١٦٧] .\nوعن سفيان الثوري لمّا نزلت مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها قال النبيّ ﷺ «ربّي زدني» فنزلت مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ الآية قال: يا رب زدني فنزلت مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافًا كَثِيرَةً، قال: ربّ زدني؟ فنزلت: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [١٦٨] .\nقُلْ يا محمد إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا» قرأ أهل الكوفة والشام:\nقِيَمًا بكسر القاف وفتح الياء مخففا. وقرأ الباقون: قَيِّمًا بفتح القاف وكسر الياء مشددا وهما لغتان وتصديق التشديد قوله تعالى ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ «١» . ودِينًا قِيَمًا معناهما: ذلك الدين القويم المستقيم.\nواختلف النّحاة في وجه انتصابه فقال الأخفش: معناه هداني دينا قيّما، وقيل: عرفت دينا قيّما، وقيل: أعني دينا قيّما، وقيل: نصب على الآخر يعني ابتغوا دينا قيّما.\nوقال قطرب: نصب على الحال [وضع] مِلَّةَ إِبْراهِيمَ بدل من الدين حَنِيفًا نصب على الحال وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي قال أهل التفسير يعني ذبيحتي في الحج والعمرة.\nوقيل: ديني وَمَحْيايَ وَمَماتِي يعني حياتي ووفاتي قال: يمان: مَحْيايَ بالعمل الصالح وَمَماتِي إذا مت على الإيمان. وقرأ أهل المدينة وَمَحْيايْ بسكون الياء.\nوقرأت العامة بفتح الياء لئلّا يجتمع ساكنان. وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى: ومحييّ بتشديد الياء الثانية من غير ألف وهي [لغة عليا مضر] يقولون: [قفي وعصي] وقرأ السلمي نُسْكِي بجزم السين والباقون بضمّتين لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قال قتادة أوّل المسلمين من هذه الأمّة، قال الكلبي: أوّل من أطاع الله من أهل زمانه.\nوروى سعيد بن جبير عن عمران بن [حصين] قال: قال رسول الله ﷺ: «يا فاطمة قومي واشهدي أضحيّتك فإنّه يغفر لك في أوّل قطرة من دمها كل ذنب عملته ثمّ قولي: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي- إلى قوله- الْمُسْلِمِينَ» .\n_________\n(١) سورة التوبة: ٣٦، والروم: ٣٠، ويوسف: ٤٠\n.","vol":"4","page":212},{"text":"قال عمران: يا رسول الله هذه الآية لأهل بيتك خاصة أم للمسلمين عامة؟\nقال: «بل للمسلمين عامّة» [١٦٩] «١» .\nقُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا سوى الله أطلب سيّدا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها لا تؤخذ مما أتت من المعصية وارتكبت من الذنوب سواها.\nوَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى يعني ولا تحمل نفس حمل طبق محل اخرى ما عليها من الذنوب ولا تأثم نفس آثمة بإثم أخرى، بل كل نفس مأخوذ بجرمها ومعاقبة بإثمها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ يعني أهل القرون الماضية والأمم الخالية وأورثكم الأرض من بعدهم ثمّ جعلكم خلائف منهم فيما يخلفونهم فيها ويعمرونها بعدهم والخلاف جمع خليفة، كالوصيف يجمع وصيفة فكل من جاء من بعد من مضى فهو خليفة يقال: خلف فلان فلانا في داره يخلفه خلافة فهو خليفة كما قال الشماخ:\nتصيبهم وتخطئني المنايا ... وأخلف في ربوع عن ربوع «٢»\nوَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ يعني وخالف بين أحوالكم فجعل بعضكم فوق بعض في الخلق والرزق والقوّة والبسطة والعلم والفضل والمعاش والمعاد لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ يعني الغنى والفقر والشريف والوضيع والحر والعبد إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ يعني ما هو آت قريب، وقيل: الهلاك في الدنيا.\nوقال الكلبي: إذا عاقب فعاقبه سريع، وقال عطاء: سريع العقاب لأعدائه وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لأوليائه.\n_________\n(١) كنز العمال: ٥/ ١٠٢/ ح ١٢٢٣٦\n. (٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٥٠، ولسان العرب: ٨/ ١٠٢\n.","vol":"4","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>سورة الأعراف</span>\nوهي مائتان وست آيات\nروى أبو أمامة عن أبي بن كعب عن النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة الأعراف جعل الله بينه وبين إبليس سترا وكان آدم له شفيعا يوم القيامة» [١٧٠] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمص روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المص قسم أقسم الله ﷿، وقال عطاء بن أبي رباح: هو من ثناء الله سبحانه على نفسه، أبو صالح عن ابن عباس:\nاسم من أسماء الله تعالى، أبو الضحى عن ابن عباس: أنا الله أفصل وقال وهي هجاء موضوع، قتادة: اسم من أسماء القرآن. وقيل: اسم السورة، مجاهد: فواتح افتتح الله بها كتابه، الشعبي: فواتح السور من أسماء الله تعالى إذا وصلها كانت اسما.\nوقال أبو روق: أنا الله الصادق، سعيد بن جبير: أنا الله أصدق، محمد بن كعب: إلّا أن افتتاح اسمه أحد أول آخر، واللام افتتاح اسمه لطيف، والميم افتتاح اسمه مجيد وملك، والصاد افتتاح اسمه صمد وصادق أحد وصانع المصنوعات.\nورأيت في بعض التفاسير معنى المص: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وقيل: هي حروف هجاء مقطّعة، وقيل: هي حساب الجمل، وقيل: هي حروف اسم الله الأعظم، وقيل: هي\n_________\n(١) تفسير الكشاف: ٢/ ١٩٣\n.","vol":"4","page":214},{"text":"حروف تحوي معاني كثيرة، وقيل: الله بها خلقه على مراده كلّه من ذلك، وموضعه رفع بالابتداء وكِتابٌ خبره كأنّه قال: (المص) حروف كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وقيل: كِتابٌ خبر ابتدأ في هذا كتاب.\nوقيل رفع على التقديم والتأخير، يعني أنزل كتاب إليك وهو القرآن فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ قال أبو العالية: ضيق، وقال مجاهد: تنك، وقال الضحاك: إثم، وقال مقاتل: فلا يكن في قلبك شك في القرآن. إنّه من الله، وقيل: معناه لا أطبق قلبك بإنذار من أرسلتك بإنذاره وإبلاغ من أمرتك بإبلاغه إياه وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ أي عظة لهم وموعظة، وموضعه رفع مردود على الكتاب.\nوقيل: هو نصب على المصدر تقديره ويذكر ذكرى. ويجوز أن يكون في موضع الخفض على معنى لِتُنْذِرَ في موضع خفض، والمعنى الإنذار والذكرى، وأمّا ذِكْرى فمصدر فيه ألف التأنيث [بمنزلة] دعوت دعوى ورجعت رجعي إلّا أنّه اسم في موضع المصدر.\nاتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ أي قل لهم: اتبعوا ولا تتبعوا من دونه أولياء.\nقرأ العامّة بالعين من الاتباع، وروى عاصم الجحدري عن أبي [الشيخ] ومالك بن دينار «ولا تبتغوا» بالغين المعجمة أي لا تطلبوا قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها بالعذاب وموضع (كَمْ) الرفع بالابتداء وخبره في (أَهْلَكْناها) وإن شئت نصبته برجوع الهاء، فَجاءَها بَأْسُنا عذابنا بَياتًا ليلا [كما يأت بالعساكر] أَوْ هُمْ قائِلُونَ يعني نهارا في وقت [القائلة] وقائلون نائمون ظهيرة، ومعنى الآية: (أَوْ هُمْ قائِلُونَ) يعني: إن من هذه القرى ما أهلكت ليلا ومنها ما أهلكت نهارا وإنّما حذفوها [لاستثقالهم] نسقا على نسق، هذا قول الفراء، وجعل [الزجاج] بمعنى أو [التحيّر] والإباحة تقديره: جاءهم بأسنا مرّة ليلا ومرّة نهارا فَما كانَ دَعْواهُمْ أي قولهم ودعاؤهم مثل قوله تعالى فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ «١» قال الشاعر:\nوإن مذلت رجلي دعوتك أشتفي ... بدعواك من مذل بها فتهون «٢»\nمذل رجله إذا خدرت إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا عذابنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ مسيئين آثمين ولأمره مخالفين أقرّوا على أنفسهم.\nروى ابن مسعود عن النبيّ ﷺ قال: «ما هلك قوم حتّى يعذروا من أنفسهم. قال: قلت:\nكيف يكون ذلك؟\nفقرأ هذه الآية: فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا الآية [١٧١] «٣» .\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ١٥\n. (٢) لسان العرب: ١١/ ٦٢١\n. (٣) مسند أحمد ٤/ ٢٦٠، وليس فيه ذكر الآية\n.","vol":"4","page":215},{"text":"فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ يعني الأمم عن إجابتهم الرسل وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ عن تبليغ الأمم فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ قال ابن عباس: ينطق لهم كتاب أعمالهم يدلّ عليه قوله هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ الآية «١» .\nوَما كُنَّا غائِبِينَ عن الرسل فيما يلقون وعن الأمم فيما أجابوا وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ يعني [السؤال] الْحَقُّ قال مجاهد: والقضاء يومئذ العدل، وقال آخرون: أراد به دون [وزن الأعمال] وذلك أن الله ﷿ ينصب الميزان له [يدان وكفّان] يوم القيامة يوزن أعمال العباد خيرها وشرها فيثقل مرّة ميزان الحسنات لنجاة من يريد نجاته. ويخفّف مرّة ميزان الحسنات علامة هلاك من يريد هلاكه.\nفإن قيل: ما الحكمة في وزن أعمال العباد والله هو العالم بمقدار كلّ شيء قبل خلقه إياه وبعده قلنا أربعة أشياء: أحدهما: امتحان الله تعالى عباده بالإيمان به في الدنيا، والثاني: جعل ذلك علامة لأهل السعادة والشقاوة في العقبى.\nوالثالث: تعريف الله ﷿ للعباد ما عند الله من جزاء على خير وشر، والرابع: إلقائه الحجّة عليه.\nونظيره قوله هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ «٢» الآية فأخبر ما تأتي الأعمال ونسخها مع علمه بها ما ذكرناه من المعاني والله أعلم.\nفَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ قال مجاهد: حسناته فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ إلى قوله تعالى يَظْلِمُونَ يجحدون قال حذيفة: صاحب الموازين يوم القيامة جبرائيل يقول الله تعالى «يا جبرائيل زن بينهم فردّ بعضهم على بعض» قال: ليس ثمّ ذهب ولا فضّة وإن كان للظالم حسنات أخذ من حسناته فيرد على المظلوم وإن لم يكن له حسنات يحمل عليه من سيئات صاحبه، يرجع الرجل وعليه مثل الجبال [١٧٢] .\nقال ابن عباس: توزن الحسنات والسيئات في ميزان لسان وكفتان فأمّا المؤمن فيؤتي بعمله في أحسن صورة فيرتفع في كفّة الميزان وهو الحق فينقل حسناته على سيئات فيوضع عمله في الجنّة يعرفها بعمله فذلك قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الناجون ولهم غرف بمنازلهم في الجنّة إذا انصرفوا إليها من أهل [الجنّة] إذا انصرفوا إلى منازلهم.\nوأمّا الكفّار فيؤتى بأعمالهم في أقبح صورة فيوضع في كفّة الميزان وهي الباطل فيخفّ وزنه حتّى يقع في النار ثمّ يقال للكافر: الحق بعملك.\n_________\n(١) سورة الجاثية: ٢٩ [.....]\n. (٢) سورة الجاثية: ٢٩\n.","vol":"4","page":216},{"text":"فإن قيل: كيف تصح وزن الأعمال وهي غراض وليست بأجسام فيجوز وزنها ووصفها بالثقل والخفة وإنما توزن الأعمال التي فيها أعمال العباد مكتوبة.\nيدلّ عليه حديث عبد الله بن عمر، وقال: يؤتى بالرجل يوم القيامة إلى الميزان ثمّ خرج له تسعة وتسعون سجلّا كلّ سجل منها مثل مدى البصر فيها خطاياه وذنوبه فيوضع في الكفّة ثمّ يخرج له كتاب مثل الأنملة فيها شهادت أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ يوضع في الكفّة الأخرى فيرجّح خطاياه وذنوبه، ونظير هذه الآية قوله وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ «١» .\nفإنّ قيل: لما جمعه وهو ميزان واحد.\nقيل: يجوز أن يكون [أعظم] جميعا ومعناه واحد كقوله الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ «٢» ويا أَيُّهَا الرُّسُلُ «٣» وقال الأعشي:\nووجه نقي اللون صاف يزيّنه ... مع الجيد لبّات لها ومعاصم\nأراد لبّة ومعصما.\nوقيل: أراد به الأعمال الموزونة.\nوقيل: الأصل ميزان عظيم ولكل عبد فيه ميزان معلّق به.\nوقيل: جمعه لأن الميزان ما اشتمل على الكفتين والشاهدين واللسان ولا يحصل الوزن إلّا باجتماعهما.\nوقيل: الموازين أصله: ميزان يفرق به بين الحق والباطل وهو العقل، وميزان يفرّق بين الحلال والحرام وهو العلم، وميزان يفرّق به بين السعادة والشقاوة هو عدم سهو الإرادة، وبالله التوفيق.\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ ملّكناكم في الأرض ووطّأنا لكم وجعلناها لكم قرارا وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ يعيشون بها أيام حياتكم من المأكل والمشرب والمعايش جمع المعيشة الياء من الأصل فلذلك لا تهمز قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ فيما صنعت إليكم.\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٤٧\n. (٢) سورة آل عمران: ١٧٣\n. (٣) سورة المؤمنون: ٥١\n.","vol":"4","page":217},{"text":"وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ قال ابن عباس: خلقنا أصلكم وأباكم آدم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ في أرحام أمهاتكم قال قتادة والربيع والضّحاك والسدي: أمّا خَلَقْناكُمْ فآدم وأمّا صَوَّرْناكُمْ فذرّيّته. قال مجاهد: خلقنا آدم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ في ظهر آدم.\nوقال عكرمة: خَلَقْناكُمْ في أصلاب الرجال وصَوَّرْناكُمْ في أرحام النساء قال عطاء: خلقوا في ظهر آدم ثمّ صوروا في الأرحام.\nوقال يمان: خلق الإنسان في الرحم ثمّ صوّره ففتق سمعه وبصره وأصابعه، فإن قيل: ما وجه قوله ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وإنّما خلقنا بعد ذلك وثمّ يوجب الترتيب والتراخي.\nكقول القائل: قمت ثمّ قعدت لا يكون القعود إلّا بعد القيام.\nقلنا: قال قوم: على التقديم والتأخير، قال يونس: الخلق والتصوير واحد [...] «١»\nإلينا، كما نقول: قد ضربناكم وإنّما ضربت سيّدهم، قال الأخفش: ثمّ بمعنى الواو ومجازه:\nقلنا، كقول الشاعر:\nسألت ربيعة من خيرها ... أبا ثم أما فقالت لمّه «٢»\nأراد أبا وأمّا.\nفَسَجَدُوا يعني الملائكة إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ لآدم فقال الله لإبليس حين امتنع من السجود لآدم قالَ ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ قال بعضهم: لا زائدة [وإن صلة] تقدير الكلام: ما منعك السجود لآدم، لأن المنع يتعدّى إلى مفعولين قال الله ﷿: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ «٣» .\nقال الشاعر:\nويلحينني في اللهو أن لا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل «٤»\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n. (٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٦٩\n. (٣) سورة الأنبياء: ٩٥\n. (٤) جامع البيان: ١/ ١٢١، ومغني اللبيب: ١/ ٢٤٨\n.","vol":"4","page":218},{"text":"أراد: أن أحبّة.\nوقال آخر:\nفما ألوم البيض أن لا تسخروا ... لما رأيتي الشمط القفندرا «١»\nوقال آخر:\nأبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم الفتى لا يمنع الجود قاتله «٢»\nأراد: أبى جوده البخل.\nسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الهيثم الجهني يحكي عن أحمد بن يحيى ثعلب قال: كان بعضهم يكره القالا، وتناول في المنع بمعنى القول، لأن القول والفعل يمنعان، وتقديره: من قال لك لا تسجد. قال بعضهم: معنى المنع الحول بين المرء وما يريد. والممنوع مضطر إلى خلاف ما منع منه فكأنّه قال: أي شيء اضطرّك إلى أن لا تسجد «٣» .\nإِذْ أَمَرْتُكَ قال إبليس مجيبا له قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لأنّك خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ والنار خير وأفضل وأصفى وأنور من الطين قال ابن عباس: أوّل من قاس إبليس. فأخطأ القياس فمن قاس الدين بشيء من رأيه قرنه مع إبليس.\nوقال ابن سيرين: أوّل من [قاس] إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلّا بالمقاييس.\nوقالت الحكماء: أخطأ عدو الله حين فضّل النار على الطين، لأن الطين أفضل من النار من وجوه:\nأحدها: إنّ من جوهر الطين الرزانة والسكون والوقار والاناة والحلم والحياء والصبر، وذلك هو الداعي لآدم في السعادة التي [سبقت] له إلى التوبة والتواضع والتضرّع وأدرته المغفرة والاجتنباء والهداية والتوبة ومن جوهر النار الخفّة والطيش والحدّة والارتفاع والاضطراب، وذلك الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سيقت له إلى الاستكبار والإصرار فأدركه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاق.\nوالثاني: إنّ الطين سبب جمع الأشياء والنار سبب تفريقها.\nوالثالث: إن الخبر ناطق بأن تراب الجنّة مسك أذفر ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وفي النار ترابا.\n_________\n(١) جامع البيان: ١/ ١٢١/، ولسان العرب: ٢/ ١١٢\n. (٢) تفسير الطبري: ٨/ ١٧٠، ولسان العرب: ١٢/ ٥٨٩\n. (٣) تفسير الطبري: ٨/ ١٧١\n.","vol":"4","page":219},{"text":"والرابع: إن النار سبب العذاب وهي عذاب الله لأعدائه وليس التراب سببا للعذاب.\nوالخامس: إنّ الطين [يسقى] من النار والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب.\nفقال الله له: قالَ فَاهْبِطْ مِنْها أي من الجنّة، وقيل: من السماء إلى الأرض فألحقه بجزائر البحور وإنّما سلطانه وعظمته في خزائن البحور وعرشه في البحر الأخضر فلا يدخل في الأرض إلّا لهبة السارق عليه أطمار تروع فيها [من يخرج] منها فَما يَكُونُ لَكَ فليس لك أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها في الجنّة، وليس ينبغي أن يسكن الجنّة ولا السماء [متكبر] ولا بخلاف أمر الله ﷿ فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ الأذلاء والصغر الذل والمهانة قال إبليس عند ذلك قالَ أَنْظِرْنِي أخّرني واجلني وأمهلني ولا تمتني إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ من قبورهم وهو النفخة الأخيرة عند قيام الساعة، أراد الخبيث أن لا يذوق الموت، قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ المؤخّرين.\nثمّ بيّن مدّة النظر والمهلة في موضع آخر، فقال إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ «١» وهي النفخة الأولى حين ثبوت الخلق كلّهم قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي. اختلفوا في ما قال: فبعضهم قال: هو استفهام يعني فبأي شيء أغويتني ثمّ ابتدأ فقال لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ فقيل: هو ما الجزاء يعني فإنّك أغويتني لأجل أنك أغويتني لأقعدن، وقيل: هو ما المصدر في موضع القسم تقديره: بإغوائك إياي لأقعدن كقوله بِما غَفَرَ لِي «٢» يعني بغفران ربّي «٣» .\nوقوله أَغْوَيْتَنِي أضللتني عن الهدى. وقيل: أهلكتني، من قول العرب غوى الفصيل [يعني] غوي وذلك إذا فقد اللبن فمات. قال الشاعر:\nمعطفة الأثناء ليس فصيلها ... برازئها درا ولا ميّت غوى «٤»\nوحكى عن بعض قبائل طيئ أنها تقول: أصبح فلان غاويا أي مريضا غارا، وقال محمد بن جرير: أصل الإغواء في كلام العرب تزيين الرجل للرجل الشيء حتّى يحسنه عنده غارا له «٥» .\nقال الثعلبي: وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد الحسين بن هاني قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد [الراوساني] قال: حدثنا عليّ بن سلمة قال: حدثنا أبو معاوية الضرير عن رجل لم يسمّ قال: كنت [عند] طاوس في المسجد الحرام فجاء رجل ممّن يرمي القدر من كبار الفقهاء فجلس إليه فقال طاوس: [يقوم أو يقام] فقام الرجل فقال لطاووس: تقول هذا الرجل فقيه، فقال إبليس: أفقه منه بقول إبليس رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي ويقول: هذا أنا أغوي نفسي.\n_________\n(١) سورة الحجر: ٣٨\n. (٢) سورة يس: ٢٧\n. (٣) تفسير الطبري: ٨/ ١٧٦ [.....]\n. (٤) الصحاح: ٦/ ٢٤٥٠، والبيت لعامر المجنون كما في تاج العروس\n. (٥) جامع البيان للطبري: ٨/ ١٧٥\n.","vol":"4","page":220},{"text":"لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ يعني لأجلسنّ [لبني آدم] على طريقك القويم وهو الإسلام كما قال أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يعني عن أمر ربّكم.\nوروي عن النبيّ ﷺ أنّه كان يقول: «إن الشيطان قعد لبني آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال له: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك، فعصاه فأسلم ثمّ قعد له بطريق الهجرة فقال:\nأتهاجر وتذر أرضك وسماءك فإنّما مثل المهاجر كالفرس في الطول. فعصاه وهاجر ثمّ قعد له بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال: أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال فعصا له وجاهد» [١٧٣] «١» .\nوعن عون بن عبد الله لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ قال: طريق مكّة ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآية قال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس: (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ) يقول [أشككهم] في آخرتهم وَمِنْ خَلْفِهِمْ [أن يقيم في كتابهم] وَعَنْ أَيْمانِهِمْ اشتبه عليهم أمر دينهم وَعَنْ شَمائِلِهِمْ [أشهّي] لهم المعاصي.\nروى عطيّة عن ابن عباس قال: أما بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فمن قبل دنياهم وأمّا مِنْ خَلْفِهِمْ [فإنّه] آخرتهم وأمّا عَنْ أَيْمانِهِمْ فمن قبل حسناتهم وأما عَنْ شَمائِلِهِمْ فمن قبل سيئاتهم.\nوقال قتادة: أتاهم مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ فأخبرهم أنّه لا يعذّب ولا جنّة ولا نار، وَمِنْ خَلْفِهِمْ من أمر الدنيا فزيّنها لهم ودعاهم إليها، وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل حسناتهم بطأهم عنها، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ يزين لهم السيئات والمعاصي ودعاهم إليها وأمرهم بها، إياك يا بن آدم من كل وجه غير أنّه لم يأتك من فوقك لم يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة الله.\nوقال الحكم والسدّي لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ: يعني الدنيا أدعوهم إليها وأرغبهم فيها وأزينها لهم. وَمِنْ خَلْفِهِمْ من قبل الآخرة أشككهم و[أثبطهم] فيها. وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل الحق أصدهم عنه [أبتلكم] فيه، وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل الباطل أخففه عليهم وأزينه لهم وأرغبهم فيه.\nوقال مجاهد: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وعَنْ أَيْمانِهِمْ من حيث يبصرون ومِنْ خَلْفِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ حيث لا يبصرون، قال ابن جريج: معنى قوله: من حيث يبصرون أي يخطئون حيث يعلمون أنّهم يخطئون وحيث لا يبصرون لا يعلمون أنهم يخطئون.\nوقال الكلبي: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ من قبل آخرتهم أخبرهم أنّه لا جنّة ولا نار ولا نشور. وَمِنْ خَلْفِهِمْ من قبل دنياهم فأمرهم بجمع الأموال لا يعطون لها حقّا [وأخوفهم الضيعة] على ذرّيتهم.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٨/ ١٧٧\n.","vol":"4","page":221},{"text":"وَعَنْ أَيْمانِهِمْ من قبل دينهم [فأبيّن] لكلّ قوم ما كانوا [يعبدون] وإن كانوا على هدى شبّهته عليهم حتّى أخرجتهم منه وَعَنْ شَمائِلِهِمْ من قبل الشهوات واللذات فأزيّنها لهم «١» .\nوقال شقيق بن إبراهيم: ما من صباح إلّا وقعد لي الشيطان على أربعة مراصد من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي، أما من بين يدي فأقول: لا تحزن فإنّ الله غفور رحيم، ويقول ذلك لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى «٢» .\nوأمّا من خلفي فتخوّفني الضيعة على عيالي ومحللي فأقول وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها «٣» .\nوأما من قبل يميني فيأتيني من قبل [الثناء] فأقول وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.\nوأمّا من قبل شمالي فيأتيني من قبل الشهوات واللّذات فأقول وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ «٤» .\nوَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ قال الله ﷿ لإبليس قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُمًا مَدْحُورًا أي معيبا والذيم والذأم أشد العيب، وهو أبلغ من الذم، يقال: ذمّه يذمّه ذمّا فهو مذموم [وذائمه يذائمه] ذأما [فهو مذءوم وذامه] بذمة ذيما، مثل سار يسير، فهو مذيم والمدحور [المقصي] يقال: دحره يدحره دحرا إذا أبعده وطرده «٥» .\nقال ابن عباس: مذءوم عنه مَذْؤُمًا مَدْحُورًا يعني غير مطرودا إذ قال الربيع ومجاهد:\nمَذْؤُمًا [ممقوتا] وروى عطيّة: مَذْؤُمًا مقوتا، أبو العالية: مَذْؤُمًا [مزريا] به.\nوقال الكلبي: مَذْؤُمًا ملوما مَدْحُورًا مقصيا من الجنّة ومن كل خير، وقال عطاء: مَذْؤُمًا ملعونا.\nوقال الكسائي: المذؤوم المقبوح. وقال النضير بن شميل: المذؤوم [المحبوس] وقال أبان عن ثعلب والمبرّد: المذؤوم المعيب.\nقال الأعشى:\nوقد قالت قبيلة إذ رأتني ... وإذ لا تعدم الحسناء ذأما «٦»\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٨/ ١٨٠\n. (٢) سورة طه: ٨٢\n. (٣) سورة هود: ٦\n. (٤) سورة سبأ: ٥٤\n. (٥) راجع مجمع البحرين: ٢/ ٨٢ وتاج العروس: ٨/ ٣٠٠\n. (٦) في لسان العرب: ١٢/ ٢٢٣ وفي المثل: لا تعدم الحسناء ذاما، وذكر شعر لأنس المحاربي:\nوكنت مسودا فينا حميدا ... وقد لا تعدم الحسناء ذاما\n.","vol":"4","page":222},{"text":"وقال أميّة بن أبي الصلب:\nقال لإبليس رب العباد ... أخرج [رجس الدنيا] مذؤما\nلَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ من بني آدم لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ منك ومن ذريتك وكفار ذرية آدم أَجْمَعِينَ.\nوَيا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ فَوَسْوَسَ يعني إليهما ومعناه فحدث إليهما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما يعني ليظهر لهما ما غطى وستر عنهما من عوراتهما، وقال وهب: كان عليهما نور لا يرى سوءاتهما ثمّ بين الوسوسة وَقالَ ما نَهاكُما يا آدم وحواء رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ يعني إلّا أن تكونا وكراهيّة أن يكونا من الملائكة يعملان الخير والشر.\nوقرأ ابن عباس والضحاك ويحيى بن أبي معين: مَلِكَيْنِ بكسر اللام من الملك أخذوها من قوله هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى.\nأَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ من الباقين الذين لا يموتون وَقاسَمَهُما أي أقسم وحلف لهما، وقاسم من المفاعلة أي يختصّ الواحد مثل المعافاة المعاقبة والمناولة.\nقال خالد بن زهير:\nوقاسمهما بالله جهدا لأنتم ... ألذ من السلوى إذا ما نشورها «١»\nقال قتادة: حلف لهما بالله ﷿ حتّى خدعهما وقد يخدع المؤمن بالله فقال: إني خلقت قبلكما وأنا أعلم منكما فاتبعاني أرشدكما، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ١٨٦\n.","vol":"4","page":223},{"text":"وقال رسول الله ﷺ: «المؤمن غر كريم، والفاجر خبّ لئيم [١٧٤] «١» .\n[وحدّثنا] أبو القاسم الحبيبي في بعضها. قال: أنشدنا أبو الحسن المظفّر بن محمد بن غالب قال: أنشدنا نفطويه:\nإن الكريم إذا تشاء خدعته ... وترى اللئيم مجربا لا يخدع «٢»\nإِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُما بِغُرُورٍ يعني فخدعهما يقال: ما زال فلان يدلي لفلان يعرّفه، يعني ما زال يخطّئه ويكلّمه بزخرف القول الباطل، وقال مقاتل: فزين لهما الباطل.\nوقال الحسن بن الفضل: يعني تعلقهما بغرور، يقال: تدلي بنفسه ودلى غيره. ولا يكون التدلّي إلّا من علو إلى أسفل، وقيل أصله دللهما فأبدل من إحدى اللامات ياء، كقوله: (يَتَمَطَّى) و(دَسَّاها)، وقال أبو عبيدة: دلّيهما أخذ لهما وكلاهما من تدلين الدلو إذا أرسلتها في البئر لتملأها فَلَمَّا ذاقَا الشَّجَرَةَ أكلا منها ووصل إلى بطنيهما بَدَتْ ظهرت لَهُما سَوْآتُهُما عوراتهما وتهافت عنهما لباسهما حتّى أبصر كل واحد منهما ما ورى عنه من عورة صاحبه وكانا لا يريان ذلك.\nقال قتادة: كان لباس آدم وحوّاء في الجنّة ظفر أكله فلما واقعا الذنب كشط عنهما وبدت سوءاتهما فاستحييا وَطَفِقا يَخْصِفانِ [يوقعان] ويشدان [ويمزّقان ويصلّان] عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وهو ورق التين حتّى صار بهيئة الثوب ومنه خصف النعل.\nوروى أبي بن كعب: عن رسول الله ﷺ قال: «كان آدم رجلا [طوّالا] كأنّه نخلة [سحوق] كثير شعر الرأس فلمّا وقع في الخطيئة بدت له سوءاته وكان لا يراها فانطلق هاربا في الجنّة فعرضت له شجرة من شجر الجنّة فحسبه بشر. فقال: أرسلني، قالت: لست بمرسلتك، فناداه ربّه يا آدم أمنّي تفر، قال: لا يا رب ولكنّي أستحيي منك» [١٧٥] «٣» .\nوقال ابن عباس وقتادة: قال الله ﷿ لآدم: ألم يكن لك فيما أبحته ومنحته لك من الجنّة [مندوحة] من الشجرة، قال: على عهدي ولكن ما ظننت أن أحدا من خلقك يحلف بك كاذبا، قال: فبعزّتي لأهبطنّك إلى الأرض ثمّ لا تنال العيش [إلّا نكدا] فاهبطا من الجنّة، فكانا يأكلان رغدا إلى غير رغد من طعام وشراب، تعلم صنعة الحديد وأمر بالحرث فحرث وزرع ثمّ سقى حتّى إذا بلغ حصد ثمّ طحنه ثمّ عجنه ثمّ خبزه ثمّ أكل ثمّ بلعه حتّى بلغ منه ما شاء الله أن بلغ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما الآية، قال محمد بن قيس: ناداه ربّه يا آدم لم أكلت منها وقد\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٩٤\n. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ١٨٠\n. (٣) المستدرك: ٢/ ٢٦٢. والنخلة السحوق: الطويلة التي بعد ثمرها على المجتني\n.","vol":"4","page":224},{"text":"نهيتك قال: يا رب أطعمتني حواء، قال: لحواء لم أطعمتيه قالت: أخبرتني الحيّة، قال للحيّة:\nلم أمرتيها؟ قالت: أمرني [إبليس] فقال الله ﷿: أمّا إنّك يا حوّاء فكما أدميت الشجرة [فسأدميك] «١»، وأمّا أنت يا حيّة فاقطع قوائمك فتمشين جهتي الماء على وجهك وسيندفع رأسك من لقيك، وأمّا أنت يا إبليس فملعون مدحور.\nقالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا ضررناها بالمعصية وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ الهالكين قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ قالَ فِيها تَحْيَوْنَ يعني في الأرض وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ.\nيا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ أي خلقنا لكم، وقيل: نزّلنا أسبابه وآلاته لأنه [المثبّت] بما يقول.\nوقيل: [على الحكم] كبقيّة صنعته وذلك أن قريشا كانوا يطوفون بالبيت عراة وقوله لِباسًا وهو ما يلبس من الثياب يُوارِي يستر سَوْآتِكُمْ عوراتكم واحدها سوءة، وهي فعلة من السوء سمّيت سوأة لأنّه يسوء صاحبها انكشافها من جسده وَرِيشًا يعني مالا في قول ابن عباس والضحاك والسدي، فقال: الريش: الرجل إذا [تموك] وقال ابن زيد: الريش الجمال.\nوقيل: هو اللباس. وحكي أبو عمرو أنّ العرب تقول: أعطاني فلان ريشة أي كسوة وجهازة.\nوقرأ عثمان بن عفان والحسن وأبو عبد الرحمن وأبو رجاء وقتادة: ورياشا بالألف وهو جمع ريش مثل ذئب وذياب وبير وبيار وقدح وقداح.\n_________\n(١) وهو كناية عن الحيض [.....]\n.","vol":"4","page":225},{"text":"قال قطرب: الريش والرياش واحد، كقولك دبغ ودباغ ولبس ولباس وحل وحلال وحرم وحرام، ويجوز أن يكون مصدرا من قول القائل: راشه إليه بريشه رياشا.\nوالرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من المتاع والثياب والفراش وغيرها. وقال ابن عباس: الرياش اللباس والعيش والنعيم. وقال الأخفش: الرياش الخصبة والمعايش.\nوَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ قرأ أهل المدينة والشام. والكسائي وَلِباسَ التَّقْوى بالنصب عطفا على الريش. وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء وخبره (خَيْرٌ) .\nوجعلوا ذلك صلة في الكلام، وكذلك قرأ ابن مسعود وأبي بن كعب: ولباس التقوى خير. واختلفوا في لباس التقوى ما هو [هل] يدلّ على لباس التقوى [الدرع] والساعدان.\nوالساقان. والآلات التي يتّقى بها في الحرب مع العدو.\nوقال قتادة والسدي وابن جريج: لباس التقوى هو الإيمان. وقال معبد الجهني: هو الحياة. وأنشدني أبو القاسم [السدوسي] قال: أنشدني أبو عرابة الدوسي في معناه\nإني كأني أرى من لا حيالة ... ولا أمانة وسط الناس عريانا.\nعطيّة عن ابن عباس: هو العمل الصالح وروى الذبال بن عمرو عن ابن عباس قال: هو السمت الحسن في الوجه.\nوقال الحسن: رأيت عثمان بن عفان (﵁) على منبر رسول الله ﷺ عليه قميص قوهي «١» محلول الزر وسمعته يأمر بقتل الكلاب وينهى عن اللعب بالحمام، ثمّ قال: أيها الناس اتقوا الله في هذه السرائر، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والذي نفس محمد بيده ما عمل أحد قط سرا إلّا ألبسه الله رداءه علانية إن خيرا فخير وإن شرا فشر» [١٧٦] «٢» ثمّ تلا هذه الآية وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ قال: السمت الحسن.\nوقال عروة بن الزبير: لِباسُ التَّقْوى خشية الله، ابن زيد: ستر للعورة يتقي الله فيواري عورته ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ قال وهب بن منبه: الإيمان عريان لباسه التقوى وزينته الحياء وفاله [الفقه] وجماله العفّة، وثمره العمل الصالح. يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ لا يعلّمنّكم ولا يستزلّنكم فتبدي برأيكم للناس في الطواف بطاعتكم. كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يعني الشيطان يَراكُمْ يا بني آدم هُوَ وَقَبِيلُهُ خيله وجنوده وهم الجن والشياطين.\n_________\n(١) نسبة إلى القوهاء بالضم وهي كور بين نيسابور وهراة، ومراده نوع من الثياب البيض\n. (٢) تفسير الطبري: ٢/ ٢١٦\n.","vol":"4","page":226},{"text":"قال ابن زيد: نسله مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ قال مجاهد: قال إبليس: جعل لنا أربعا: نرى ولا يرى ونخرج من تحت الثرى. ويعود شيخنا فتى.\nقال مالك بن دينار: إن عدوا [يراك] ولا تراه لشديد [المؤنة] إلّا من عصم الله.\nوسمعت أبا القاسم [الحبيبي] قال: سمعت أبي قال: سمعت عليّ بن محمد الورّاق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: الشيطان قديم وأنت حديث والشيطان ليّن وأنت ناعم الناحية والشيطان يراك وأنت لا تراه والشيطان لا ينساك وأنت لا تزال تنساه ومن نفسك له عون وليس لك منه عون.\nوقيل: صدر ابن آدم مسكن له ويجري من ابن آدم مجرى الدم، وأنه لا يقاومه إلّا بعون الله. ومنه يقول: ولا أراه من حيث يراني. وعند ما أنساه لا ينساني فسيدي إن لم [تغث] يسبيني كما سبا آدم من جنانك.\nقال ذو النون المصري: إن كان هو يراك من حيث لا تراه فإنّ الله يراه من حيث لا يرى الله فاستعن بالله عليه ف إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا.\nإِنَّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ أعوانا وقرناء لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً وفاحشتهم أنّهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال [بالنهار والنساء بالليل] . ويقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا ولا نطوف في الثياب التي اقترفنا فيها الذنوب.\nوكانت المرأة تضع على قبلها النسعة أو الشيء وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كلّه ... وما بدى منه فلا أحلّه «١»\nوفي الآية إضمار ومعناه وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ونهوا عنها قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا قيل:\nمن أين أخذوا آباؤكم قالوا: اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ قال ابن عباس: بلا إله إلّا الله، وقال الضحاك: التوحيد، وقال مجاهد والسدي: بالعدل وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قال مجاهد والسدي وابن زيد: يعني وجهوا وجوهكم حيث ما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.\nوقال الضحاك: إذا حضرت الصلاة وأنتم عند المسجد فصلّوا فيه ولا تقولن: أحب أن أصلي في مسجدي، وإذا لم يكن عند مسجد [فليأت] أيّ مسجد فليصلّ فيه.\nوقال الربيع: معناه واجعلوا سجودكم لله ﷾ خالصا دون ما سواه من الآلهة\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٧/ ١٧٩\n.","vol":"4","page":227},{"text":"والأنداد وَادْعُوهُ واعبدوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الطاعة والعبادة كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ\nقال النبيّ ﷺ «تبعث كل نفس على ما كانت عليه» [١٧٧] «١» .\nقال ابن عباس: إن الله سبحانه بدأ خلق ابن آدم مؤمنا وكافرا كما قال هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ «٢» ثمّ يعيده يوم القيامة كما بدأ خلقهم كافرا ومؤمنا، فيبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا.\nوقال جابر: يبعثون على ما ماتوا عليه المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه. وقال أبو العالية: عادوا إلى علمه فيهم.\nقال محمد بن كعب: من ابتدأ خلقه على الشقوة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه وإن عمل بإعمال أهل السعادة، كما أنّ إبليس عمل أعمال أهل السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، ومن ابتدأ خلقه على السعادة صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه وإن عمل أهل الشقاوة، كما أنّ السحرة عملت أعمال أهل الشقاء ثم صاروا إلى ما ابتدأ عليه خلقهم.\nوقال سعيد بن جبير: معناه كما كتب عليكم يكونون نضير قوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.\nقال قتادة: خلقكم من التراب وإلى التراب تعودون نضير قوله مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ «٣» .\nوقال الربيع ابن أنس: كَما بَدَأَكُمْ عريانا تَعُودُونَ لهم عريانا. نضيره قوله: وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ «٤» .\nوقال السدي: كما خلقكم فريق مهتدون وفريق ضلال، كذلك تعودون تخرجون من بطون أمهاتكم، قال الحسن ومجاهد: كَما بَدَأَكُمْ فخلقكم فريق مهتدون وفريق ضلال. كذلك تَعُودُونَ يوم القيامة، نظيره قوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ «٥» .\nروي سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ ﷺ قال «يحشر الناس حفاة عراة وأوّل من يكسى إبراهيم ﵇» [١٧٨] «٦» ثمّ قرأ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٠٦\n. (٢) سورة التغابن: ٢\n. (٣) سورة طه: ٥٥\n. (٤) سورة الأنعام: ٩٤\n. (٥) سورة الأنبياء: ١٠٤\n. (٦) مسند أحمد: ١/ ٢٢٣\n.","vol":"4","page":228},{"text":"فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ أربابا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.\nيا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ قال المفسّرون: كانت بنو عامر في الجاهلية يطوفون في البيت عراة الرجال بالنهار والنساء بالليل، وكانوا إذا قدموا مسجد منى طرح أحدهم ثيابه في رحله وإن طاف وهي عليه ضرب] وانبزعت [منه فأنزل الله تعالى: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يعني الثياب.\nوقال مجاهد: ما تواري به عورتك [للصلاة والطواف] وقال عطيّة وأبو روق وأبو رزين:\nالمشط «١» .\nوسمعت أبو القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الهيثم [الجهني] يحكي عن السنوخي القاضي: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يعني: رفع الأيدي في مواقيت الصلاة.\nوروى علي عن النبيّ ﷺ في الخبر، قول جبرائيل (﵇) للنبي ﷺ: «إن لكل شيء زينة وإن زينة الصلاة برفع الأيدي فيها في ثلاث مواضع إذا تحرمت [للصلاة]: إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع» [١٧٩] .\nوَكُلُوا وَاشْرَبُوا\nقال الكلبي: كانت بنو عامر لا يأكلون من الطعام إلّا قوتا ولا يأكلون دسما في أيام حجّهم يعظّمون بذلك حجّهم فقال المسلمون: يا رسول الله نحن أحق أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى وَكُلُوا يعني اللحم والدسم وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا يعني الحرام.\nقال ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك سرف ومخيلة «٢»، وقال مجاهد:\nالإسراف ما قصرت به عن حق الله. وقال: لو أنفقت مثل أحد في طاعة الله لم يكن سرفا ولو أنفقت درهما أو مدا في معصية الله كان إسرافا.\n_________\n(١) زاد المسير لابن الجوزي: ٣/ ١٢٧\n. (٢) ذكر أخبار أصبهان: ٢/ ٣٠٣\n.","vol":"4","page":229},{"text":"وقال الكلبي: وَلا تُسْرِفُوا يعني لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ... إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ المتجاوزين من فعل الحرام في الطعام والشراب،\nوبلغني أنّ الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعليّ بن الحسين بن واقد: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان، قال عليّ: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ فقال النصراني: ولا يؤثر [عن رسولكم] شيء في الطب؟\nفقال عليّ: جمع رسول الله ﷺ الطب فيّ [ألفاظ يسيرة] قال: وما هي؟ قال: قوله:\n«المعدة بيت الداء والحمية رأس كلّ دواء وأعط كل بدن ما عودته» [١٨٠] «١» .\nفقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّا.\nقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ يعني الثياب وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قال ابن زيد: كان قوم إذا حجّوا أو اعتمروا حرموا الشاة عليهم وما يخرج منها لبنها وسمنها ولحمها وشحمها، فأنزل الله تعالى: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ الآية.\nقال ابن عباس وقتادة: يعني بالطيبات من الرزق ما حرم أهل الجاهلية من البحائر والسوائب والوصايا والحوامي. قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ قال ابن عباس: إنّ المؤمنين يشاركون المشركين في الطيّبات من الدنيا فأكلوا من طيّبات طعامهم وألبسوا من جياد ثيابهم وانكحن الزوج إلخ ... كما هم، ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا وليس للمشركين فيها شيء ومجاز الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الحياة الدنيا وخاصة في يوم القيامة.\nوقراءة ابن عباس وقتادة ونافع: خالصةٌ بالرفع يعنون قل هي خالصة.\nوقرأ الباقون: بالنصب على القطع لأن الكلام قد تمّ دونه كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ يعني الطواف عراة ما ظَهَرَ مِنْها طواف الرجال بالنهار وَما بَطَنَ طواف النساء بالليل.\nوقيل: هي الزنا و[المخالة] .\nوقال النبيّ ﷺ «ليس أحد أحب إليه من المدح من الله سبحانه من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحد أغير من الله من أجل ذلك حرم الْفَواحِشَ، ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ، وليس أحد أحب إليه العذر من الله ﷿ من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل [١٨١] «٢» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ١٩٢\n. (٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠٢\n.","vol":"4","page":230},{"text":"وَالْإِثْمَ يعني الذنب والمعصية. وقال الحسن: الإثم الخمر. وقال الشاعر:\nشربت الإثم ظل عقلي كذلك ... الإثم يذهب بالعقول\nوقال الآخر:\nنشرب الإثم بالصواع جهارا ... ونرى السكر بيننا مستعارا\nوَالْبَغْيَ وهو الظلم بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا حجة وبرهانا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ تحريم الملابس والمأكل وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مدّة وأجل، وقيل: وقت حلول العقاب وأوّل العذاب. فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ وإذا انقطع أجلهم، وقرأ ابن سيرين آجالهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً لا يتأخّرون وَلا يَسْتَقْدِمُونَ لا يتقدّمون يا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ شرط معناه: إن أتاكم [عجزا به] فمن بقي، وقيل فأطيعوه وقال: مقاتل:\nأراد بقوله يا بَنِي آدَمَ لا تشركوا بالرب، وبالرسل محمد ﷺ وحده. يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى الله وَأَصْلَحَ عمله فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها عن الإيمان بمحمد والقرآن أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ.\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حظّهم بما كتبوا لهم في اللوح المحفوظ. وقال الحسن والسدي وأبو صلاح: ما كسب لهم من العذاب.\nوقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطيّة: ما سبق لهم من الشقاوة والسعادة. وروى بكر الطويل عن مجاهد في هذه الآية قال: قوم يعملون أعمالا لا بد من أن يعملوها ولم يعملوها","vol":"4","page":231},{"text":"بعد. قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يعني أعمالهم وما كتب عليهم من خير أو شر، فمن عمل خيرا أجزي به ومن عمل شرا أجزي به. مجاهد عن ابن عباس قال: هو ما وعد من خير وشر.\nعطيّة عن ابن عباس أنّه قال: ينالهم ما كتب لهم وقد كتب لمن يفتري على الله أن وجهه مسود «١»، يدل عليه [قوله تعالى]، وُجُوهُهُمْ يومئذ مُسْوَدَّةٌ.\nقال الربيع والقرظي وابن زيد: يعني ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال والأعمار فإذا فنيت و[تم خرابها] حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ يقبضون أرواحهم يعني ملك الموت وأعوانه قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا انشغلوا بأنفسهم وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أقروا أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ قالوا: [شهدنا] على أنفسنا [بتبليغ الرسل] وغرّتهم الحياة الدنيا وشهدوا وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين قالَ ادْخُلُوا يقول الله ﷿ لهم يوم القيامة ادخلوا فِي أُمَمٍ يعني مع جماعات قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ يعني كفار الأمم الماضية كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها في الدين والملة ولم يقل أخاها لأنّه عنى بها الأمّة فيلعن المشركون المشركين واليهود اليهود، وكذلك النصارى النصارى والمجوس المجوس ويلعن الأتباع القادة يقولون: لعنكم الله أنتم غررتمونا يقول الله ﷿ حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها أي تلاحقوا جَمِيعًا قرأ الأعمش: حتّى إذا تداركوا، على الأصل، وقرأ النخعي: حتّى إذا أدّركوا، مثقلة الدال من غير ألف أراد فنقلوا من الدرك.\nقالَتْ أُخْراهُمْ قال مقاتل: يعني أخراهم دخولا للنار وهم الأتباع، لِأُولاهُمْ دخولا وهم القادة.\nقال ابن عباس: (أُخْراهُمْ) يعني آخر الأمم، (لِأُولاهُمْ) يعني أوّل الأمم، وقال السدي:\nأُخْراهُمْ يعني الذين كانوا في آخر الزمان. (لِأُولاهُمْ) يعني الذين شرعوا لهم ذلك الدين رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا عن الهدى. يعني الفساد فَآتِهِمْ أي فأعطاهم عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ أي مضعفا من النار قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ من العذاب وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ حتّى يحل بكم وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ لأنّكم كفرتم كما كفر به ونحن وأنتم في الكفر شرع سواء وفي العذاب أيضا فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ قرئ بالياء والياء والتشديد والتخفيف جميعا لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ يعني لا أرواحهم وأعمالهم لأنّها خبيثة فلا يصعد بل تهوى بها إلى [سجن] تحت الصخرة التي تحت الأرضين.\nروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: إن الميت ليحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا: اخرجي أيتها النفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة، وأبشري\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٢٥ [.....]\n.","vol":"4","page":232},{"text":"بروح من الله وريحان ورب غير غضبان فيقولون ذلك حتّى تخرج ثمّ تعرج بها إلى السماء فينفتح لها فيقال: من هذا [فيقال: فلان] فيقولون: مرحبا بالنفس الطيبة التي كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان، فيقال: ذلك لها حتّى يعرج بها إلى السماء السابعة.\nوإذ كان الرجل السوء قالوا: اخرجي أيتها النفس الخبيثة من الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ، فيقولون ذلك حتّى يخرج، ثمّ يعرج بها إلى السماء فتفتح لها فيقال: من هذا فيقولون فلان، فيقولون: لا مرحبا بالنفس الخبيثة التي كانت في الجسد الخبيث أرجعي ذميمة فإنه لا يفتح لك أبواب السماء فيرسل من السماء والأرض فيصير إلى القبر «١» .\nوَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ يعني يدخل البعير في ثقب الإبرة [وهذا مثل والسمّ] وهو الإبرة.\nوقرأ عكرمة وسعيد بن جبير: الجُمَّل بضم الجيم وبتشديد الميم. وهو حبل السفينة ويقال لها الفلس قال عكرمة: هو الحبل الذي يصعد به إلى النخل وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ فراش من نار وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وهي جمع غاشية وذلك ما غشاهم وغطاهم وقال القرظي ومجاهد: هي اللحف وَكَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ\nقال البراء: قال رسول الله ﷺ: «يكسي الكافر لوحين من نار في قبره»\n[١٨٢] «٢»، فذلك قوله لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها أي طاقتها وما يسعها ويحلّ لها فلا تخرج منه ولا تضيق عليه أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ وَنَزَعْنا وأخرجنا وأذهبنا ما فِي صُدُورِهِمْ قلوبهم مِنْ غِلٍّ وحقد وعداوة كان من بعضهم على بعض في الدنيا فجعلناهم إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ لا [يحسد] بعضهم بعض على شيء خص الله به بعضهم وفضلهم به،\nروى الحسن بن عليّ (﵁) قال: فينا والله أهل البيت نزلت وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ «٣» .\nوقال عليّ- كرّم الله وجهه- أيضا: «إنّي لا أرجوا أن أكون أنا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال الله وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ الآية «٤» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٦٤\n. (٢) الدر المنثور: ٣/ ٨٥\n. (٣) كنز العمال: ٢/ ٤٥٠ ح ٤٤٧٢، وفضائل الصحابة لأحمد: ٢/ ٥٩٧ ح ١٠١٨\n. (٤) تفسير القرآن لعبد الرزاق: ٢/ ٢٢٨\n.","vol":"4","page":233},{"text":"وقال السدي: في هذه الآية: إن أهل الجنة إذا سيقوا إلى الجنّة وجدوا عند بابها شجرة في أصل ساقها عينان فشربوا من إحداهما، فينزع ما في صدورهم من غل فهو الشراب الطهور واغتسلوا من الأخرى فجرت عليهم نضرة النعيم فلم يشعثوا ولم يتسخوا بعدها أبدا «١» .\nوروى الجزائري عن أبي نضرة قال: تحتبس أهل الجنّة حتّى تقتص بعضهم من بعض حتى يدخلوا الجنّة حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحدا علاقة ظفر ظلمها إياه وتحبس أهل النار دون النار حتّى تقتص لبعضهم من بعض يدخلون النار حين يدخلونها، ولا يطلب أحد منهم أحدا بعلاقة ظفر ظلمها إياه تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وفقنا وأرشدنا إلى هذا يعني طريق الجنّة وقال سفيان الثوري: معناه الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لعمل هذا ثوابه وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ\nقال رسول الله ﷺ: كل أهل النار يرى منزلة من بالجنّة فيقولون: لو هدانا الله نكون [من المؤمنين] وكل أهل الجنّة ترى منزلة من بالنار ويقولون: لولا أنّه هدانا الله فهذا شكرهم قال: وليس [هناك] من كافر ولا مؤمن إلّا وله في الجنّة أو النار منزل [فإذا] دخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار فدخلوا منازلهم رفعت الجنّة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها فقيل لهم هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله، ثمّ يقال: يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنّة منازلهم، ونودوا أن صحوا ولا تسقموا وأخلدوا فلا تموتوا وأنعموا ولا تيأسوا وشبّوا فلا تهرموا «٢» .\nوَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا من الثواب حَقًّا صدقا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ من العذاب حَقًّا [هذا قول محمد بن جرير] قالُوا نَعَمْ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٤١\n. (٢) انظر جامع البيان للطبري: ٨/ ٢٤٣، بتفاوت\n.","vol":"4","page":234},{"text":"قال الكسائي «نَعِمْ» بكسر العين وتجوز بإسكانها وهما لغتان فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فنادى مناد منهم أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الكافرين الَّذِينَ يَصُدُّونَ يصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الله وَيَبْغُونَها عِوَجًا يطلبونها زيغا وميلا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ وَبَيْنَهُما حِجابٌ يعني بين الجنّة والنار حجاب حاجز وهو السور الذي ذكر الله ﷿ في قوله فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ.\nوَعَلَى الْأَعْرافِ يعني على ذلك الحجاب. والأعراف سور بين الجنّة والنار وهي جمع عرف وهو كلّ تل مرتفع ومنه عرف الديك لارتفاعه على ما سواه من جسده.\nوقال الشماخ:\nوظلت بأعراف تعالى كأنها ... رماح نحاها وجهة الريح راكز «١»\nويروى: بأعراف قفالا، أي قفالى أي قفلى بعضهم بعضا، بمشغرة نصف حمير، وشبّه [قوامها] بالرماح نحاها قصد بها وجهة الريح، أي جهة الريح، وقوله: بأعراف أي نشوز من الأرض.\nوقال آخر:\nكل كناز لحمها نياف ... كالعلم الموفي على الأعراف «٢»\nيعني كل كناز نياف لحمها والكناز الصلب.\nقال السدي: سمي أعرافا لأن أصحابه يعرفون الناس. وقال الحسين بن الفضل: هو الصراط، واختلفوا في الرجال الذين أخبر الله عنهم أنهم على الأعراف من هم وما السبب الذي من أجله صاروا هناك؟ فقال حذيفة وابن عباس: أصحاب الأعراف قوم استوت حسناتهم في سيّئاتهم وقصرت بهم سيّئاتهم عن الجنّة وتجاوزت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك حتّى يقضي الله فيهم ما يشاء ثمّ يدخلهم الجنّة بفضل رحمته وهم آخر من يدخل الجنّة قد عرفوا أهل الجنّة وأهل النار، فإذا أراد الله أن يعافيهم انطلق بهم إلى نهر يقال له نهر الحياة حافتاه من الذهب مكلّلا باللؤلؤ ترابه المسك فالقوا فيه حتّى يصلح ألوانهم ويبدو في نحورهم شامة بيضاء يعرفون بهم فأتى بهم فقال الله لهم: تمنوا ما شئتم فيتمنون متى إذا انقطعت أمنيتهم قال لهم:\nلكم الذي تمنيتم ومثله سبعون ضعفا فيدخلون الجنّة وفي نحورهم شامة بيضاء يعرفون بها يسمون مساكين أهل الجنّة.\nقال ابن مسعود: يحاسب الله ﷿ الناس يوم القيامة فمن كانت حسناته أكثر من\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٤٧\n. (٢) المصدر السابق: ٨/ ٢٤٧\n.","vol":"4","page":235},{"text":"سيّئاته بواحدة دخل الجنّة ومن كانت سيئاته أكثر من حسناته بواحدة دخل النار، ثمّ قرأ: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ، ثمّ قال:\nالميزان يخفف بمثقال حبّة [فيرجح] .\nومن استوت حسناته وسيّئاته كان من أصحاب الأعراف فوقفوا على الصراط ولم ينزع منهم النور الذي كان في أيديهم.\nوروى يحيى بن [شبل] أنّ رجلا من بني النضير أخبره عن رجل من بني هلال أن أباه أخبره أنّه سأل رسول الله ﷺ عن أصحاب الأعراف فقال: «هم رجال غزوا في سبيل الله عصاة لآبائهم فقتلوا فاعفوا من النار لقتلهم في سبيل الله وحبسوا عن الجنّة بمعصية آبائهم فهم آخر من [يدخل] الجنّة» [١٨٣] .\nقال شرحبيل بن سعيد: هم قوم خرجوا في الغزو بغير إذن آبائهم، وقال مجاهد: هم قوم صالحون فقهاء علماء، وقال [التميمي] وأبو مجلن: هم ملائكة يعرفون أهل الجنّة وأهل النار فقيل لأبي مجلن يقول الله: وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ وتزعم أنت أنهم ملائكة، فقال: إنهم ذكور ليسوا بإناث، قال ابن عباس: هم رجال كانت لهم ذنوب كثيرة، وكان حبسهم أمر الله يقومون على الأعراف يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وروى [صالح مولى الكوفة] أنّ ابن عباس قال: أَصْحابُ الْأَعْرافِ أولاد الزنا. وقال أبو العالية: هم قوم يطمعون أن يدخلوا الجنّة وما جعل [الله] ذلك الطمع فيهم إلّا كرامة يريدها بهم.\nوقال عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه قال: هم قوم رضي عنهم آبائهم دون أمهاتهم أو أمهاتهم دون آبائهم فلم يدخلهم الله الجنّة، لأن آباءهم وأمهاتهم غير راضين عنهم ولم يدخلهم النار الرضا آبائهم أو أمهاتهم عنهم فيحبسون على الأعراف إلى أن يقضي الله ﷿ بين الخلق ثمّ يدخلهم الجنّة، وقال عبد العزيز بن يحيى [الكناني]: هم الذين ماتوا [بالفقر] ولم يبدلوا دينهم، وفي تفسير المنجوني: إنهم أولاد المشركين.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت محمد بن محمد بن الأشعب يحكي عن بعضهم أنهم أناس عملوا الله ﷿ ولكنهم رأوا في أعمالهم فلا يدخلون النار لأنّهم عملوا أعمالهم لله ولا يدخلون الجنّة لأنّهم طلبوا الثواب من غير الله فيوقفون على الأعراف إلى أن يقضي الله بين الخلق قوله: يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ.\nوروى جويبر بن سعيد عن الضحاك عن ابن عباس في قوله ﷿ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ قال: «الأعراف موضع عال [من] الصراط عليه العباس وحمزة، وعليّ بن أبي طالب وجعفر ذو الجناحين يعرفون محبيهم بياض الوجوه ومبغضيهم سواد الوجوه» [١٨٤] .","vol":"4","page":236},{"text":"وقوله: (يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ) يعني يعرفون أهل الجنّة ببياض وجوههم ونظرة النعيم عليهم ويعرفون أهل النار بسواد الوجوه وزرقة عيونهم.\nوَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ يعني أهل الأعراف.\nقال سعيد بن جبير: والله ما جعل ذلك الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يريدها بهم «١» لأن الله تعالى [...] «٢»، ويود المنافقون وهم على الصراط لو بقي أحدهم ولم [...] «٣» .\nوَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ [وجوه] أهل النار أَصْحابِ النَّارِ وحيالهم تعوذوا بالله قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الكافرين في النار وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا كانوا عظماء أهل النار جبّارين يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ في الدنيا من المال و[الأولاد] وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان.\nوقال الكلبي: إنهم ينادون وهم على السور يا وليد بن المغيرة ويا أبا جهل بن هشام ويا فلان. ثمّ ينظرون إلى الجنّة فيرون فيها الضعفاء والفقراء والمساكين ممن كانوا يستهزؤن بهم مثل سلمان وصهيب وو خبّاب وأتباعهم فينادون أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ حلفتم وأنتم في الدنيا لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ يعني الجنّة ثمّ يقال لأصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ.\nوقال مقاتل أقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف لا يدخلون الجنّة بل يدخلون النار معهم.\nفقالت الملائكة الذين حبسوا أصحاب الصراط هؤُلاءِ الَّذِينَ يعني أصحاب الأعراف الذين أَقْسَمْتُمْ يا أهل النار لا [يَنالُهُمُ] اللَّهُ بِرَحْمَةٍ، ثمّ قالت الملائكة لأصحاب الأعراف ادْخُلُوا الْجَنَّةَ.\nوَنادى أَصْحابُ النَّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا [صبّوا] وأوسعوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ من طعام الجنّة قالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما يعني الماء والطعام عَلَى الْكافِرِينَ\nقال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس: أي الصدقة أفضل قال: قال رسول الله ﷺ «أفضل الصدقة الماء ألا رأيت أهل النار لما استغاثوا بأهل الجنّة قالوا أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ» [١٨٥] «٤» .\nالَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وهو ما زيّن لهم الشيطان من تحريم البحيرة والسائبة\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٥٢\n. (٢) كلمة غير مقروءة\n. (٣) كلمة غير مقروءة\n. (٤) مجمع الزوائد: ٣/ ١٣١\n.","vol":"4","page":237},{"text":"والوصيلة والحام والمكاء والتصدية حول البيت وسائر الخصال الرديئة الدنيئة التي كانوا يفعلونها في جاهليتهم، والدين كل ما أطيع به والتزم من حق أو باطل، وقال أبو روق: دينهم أو عقيدتهم وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ نتركهم في النار كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ.\nوَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ من القرآن فَصَّلْناهُ بيّناه عَلى عِلْمٍ منّا بذلك هُدىً وَرَحْمَةً نصبها على القطع لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون إِلَّا تَأْوِيلَهُ أي ما يؤول إليه أمرهم من العذاب وورود النار.\nقال قتادة: تأويله ثوابه. وقال مجاهد: جزاؤه. وقال السدي: عاقبة. وقال ابن زيد:\nحقيقته يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا اليوم مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ إلى الدنيا فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قال الله تعالى قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ زال وبطل عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ قال سعيد بن جبير: قدّر الله على من في السماوات والأرض في لمحة ولحظة وإنما خلقهن في ستة أيام تنظيما لخلقه بالرفق والتثبيت في الاسم ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال الكلبي ومقاتل: يعني استقر وقال أبو عبيد [فصعد] وقال بعضهم: استولى وغلب.\nوقيل: ملك وغلب، وكلّها تأويلات مدخولة لا يخفى [بعدها] وأمّا الصحيح والصواب فهو ما قاله الفراء وجماعة من أهل المعاني [إن أول ما] خلق العرش وعهد إلى خلقه يدل عليه قوله تعالى ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ «١» أي إلى خلق السماء.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٩\n.","vol":"4","page":238},{"text":"وقال أهل الحق من المتكلمين: أحدث الله فعلا سماه استواء، وهو كالإتيان والمجيء والنزول [وهي] صفات أفعاله.\nروى الحسن عن أم سلمة في قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى «١» قالت: الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والنزول به إيمان والجحود به كفر.\nعن محمد بن شجاع البلخي قال: سئل مالك بن أنس عن قول الله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى كيف استوى؟ قال: الكيف مجهول والاستواء غير معقول والإيمان واجب فالسؤال عنه بدعة.\nوروى محمد بن شعيب بن شابور عن أبيه أن رجلا سأل [الأوزاعي] في قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال: هو على العرش كما وصف نفسه، وإني لأراك رجلا ضالا.\nوبلغني أن رجلا سأل إسحاق بن الهيثم الحنظلي فقال: كيف استوى على العرش أقائم هو أم قاعد؟\nفقال: يا هذا إنما يقعد من يمل القيام ويقوم من يمل القعود وغير هذا أولى لك ألّا تسأل عنه.\nوالعرش في اللغة السرير.\nوقال آخرون: هو ما علا وأظل، ومنه عرش الكرم، وقيل: العرش الملك.\nقال زهير:\nتداركتما الاحلاف قد ثل عرشها ... وذبيان قد زلت بأقدامها النعل «٢»\nيُغْشِي [يطمس] اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا مسرعا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ أي مذلّلات بِأَمْرِهِ وقرأ أهل الشام بالرفع على الابتداء والخبر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ سمعت أبا القاسم [الحبيبي] يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع التاجر بهرات الشجري يقول: سمعت أبا زيد حاتم بن محبوب السامي يقول: سمعت عبد الجبار ابن العلاء العطّار يقول: سألت سفيان بن عيينة عن قوله أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فقال: فرق الله بين الخلق والأمر ومن جمع بينهما فقد كفر.\nوقال رسول الله ﷺ: «من لم يحمد الله على [ما عمل من] عمل صالح وحمد نفسه فقد\n_________\n(١) سورة طه: ٥ [.....]\n. (٢) الصحاح: ٤/ ١٣٤٦\n.","vol":"4","page":239},{"text":"قلّ شكره وحبط عمله، ومن زعم أن الله جعل للعباد من الأمر شيئا فقد كفر بما أنزل الله على أنبيائه لقوله تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ» [١٨٦] «١» .\nوأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي، أنشدنا أبو المثنّى معاذ بن المثنى العنبري عن أبيه محمود بن الحسن الورّاق قال:\nإن لله كل الأمر في كل خلقه ... ليس إلى المخلوق شي من الأمر\nتَبارَكَ اللَّهُ قال الضحاك: تَبارَكَ تعظم، الخليل ابن أحمد: تَبارَكَ تمجد، القتيبي: تفاعل من البركة، الحسين بن الفضيل: تَبارَكَ في ذاته وبارك فيمن شاء من خلقه رَبُّ الْعالَمِينَ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا تذلّلا واستكانة وَخُفْيَةً سرّا.\nوروى عاصم الأحول عن ابن عثمان الهندي عن أبي موسى قال: كان النبيّ ﷺ في غزاء فأشرفوا على واد فجعل [ناس] يكبّرون ويهلّلون ويرفعون أصواتهم فقال النبيّ ﷺ: «أيّها الناس أربعوا على أنفسكم إنّكم لا تدعون أصم ولا [غائبا] إنّكم تدعون سميعا قريبا إنّه معكم» [١٨٧] «٢» .\nوقال الحسن: بين دعوة السر ودعوة العلانية سبعون ضعفا ثمّ قال: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما شعر به جاره فالرجل لقد فقه الفقه الكثير وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلّي الصلاة الطويلة في بيت وعنده الدور وما يشعرون به، ولقد أدركنا أقواما ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السرّ فيكون علانية أبدا.\nولقد كان المسلمون [يجتهدون] في الدعاء ولا يسمع لهم صوتا كأن كان إلا همسا بينهم وبين دينهم، وذلك أن الله تعالى يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) وإن الله ذكر عبدا صالحا ورضى فعله فقال عزّ من قائل: (نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا) .\nإِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ في الدعاء، قال أبو مجلن: هم الذين يسألون منازل الأنبياء، وقال عطيّة العوفي: هم الذين يدعونه فيما لا يحل على المؤمنين فيقولون: اللهمّ أخزهم اللهمّ ألعنهم، قال ابن جريج: من [الاعتداء] رفع الصوت والنداء بالدعاء والصفح وكانوا يؤمرون بالتضرّع والاستكانة وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالشرك والمعصية والدعاء إلى غير عبادة الله بَعْدَ إِصْلاحِها بعد [إصلاح] الله إيّاها يبعث الرسل، والأمر بالحلال والنهي عن المنكر والحرام وكل أرض قبل أن يبعث لها نبي فاسدة حتّى يبعث الرسل إليها فيصلح الأرض بالطاعة.\nوقال عطيّة: معناه لا تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر ويهلك الحرث بمعاصيكم وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا قال الكلبي: خَوْفًا منه ومن عذابه وَطَمَعًا فيما عنده من مغفرته وثوابه،\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٦٩\n. (٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٢/ ٣٧٢\n.","vol":"4","page":240},{"text":"الربيع بن أنس: خَوْفًا وَطَمَعًا كقوله رَغَبًا وَرَهَبًا «١» . وقيل: خوف العاقبة وطمع الرحمة، ابن جريج: خوف العدل وطمع الفضل. عطاء: خَوْفًا من النيران وَطَمَعًا في الجنان. ذو النون المصري: خَوْفًا من الفراق وَطَمَعًا في التلاق إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وكان حقه قربته. واختلف النحاة فيه وأكثروا وأنا ذاكر نصوص ما قالوا.\nقال سعيد بن جبير: الرحمة هاهنا الثواب. وقال الأخفش: هي المطر فيكون القريب نعتا للمعنى دون اللفظ كقوله تعالى وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ «٢» ولم يقل: منها، لأنه أراد بالقسمة الميراث والمال. وقال فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ «٣» والصواع مذكّر لأنّه أراد به القسمة، والميراث [كالمنشريّة] والسقاية.\nوقال الخليل بن أحمد: القريب والبعيد يستوي فيهما المذكر والمؤنث والجمع [يذكر ويؤنث] يقول الشاعر:\nكفى حزنا أنّي مقيم ببلدة ... أخلّائي عنها نازحون بعيد «٤»\nوقال آخر:\nكانوا بعيدا فكنت آملهم ... حتّى إذا ما تقربوا هجروا «٥»\nوقال آخر:\nفالدار منّي غير نازحة ... لكن نفسي ما كادت مواتاتي\n[وقال سيبويه]: لمّا أضاف المؤنث إلى المذكّر. أخرجه على مخرج المذكر، وقال الكسائي: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مكانها قريب كقوله: وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ أي إتيانها قريب.\nقال النضر بن شميل: الرحمة مصدر وحق المصادر التذكير كقوله: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ «٦» وقال الشاعر:\nإنّ السماحة والمروة ضيمنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح «٧»\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٩٠\n. (٢) سورة النساء: ٨\n. (٣) سورة يوسف: ٧٦\n. (٤) تاريخ دمشق: ٥/ ٢٧\n. (٥) ذيل تاريخ بغداد: ١/ ٢٠٢، والبيت لعبد الوهاب بن صباح\n. (٦) سورة البقرة: ٢٧٥\n. (٧) تفسير الطبري: ١٤/ ١٧٤\n.","vol":"4","page":241},{"text":"ولم يقل: ضمنتا لأنّها مصدر. وقال أبو عمر بن العلاء: القريب في اللغة على ضربين قريب قرب [مقربه أبوابه] كقول العرب: هذه المرأة قريبة منك إذا كانت بمعنى القرابة وهذه المرأة قريب منك إذا كانت بمعنى المسافة والمكان. قال امرؤ القيس:\nله الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكر «١»\nوقال أبو عبيدة: القريب والبعيد يكونان للتأنيث والتذكير واحتج بقول عروة بن الورد:\nخشيته لا عفراء منك قريبة ... فتدنوه ولا عفراء منك بعيد\nوقال أبو عبيدة: القريب والبعيد إذا كانا اسمين استوى فيهما المذكر والمؤنث وان بنيتهما على قربت وبعدت فهي قريبة وبعيدة.\nوَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا قرأ عاصم بُشْرًا بالباء المضمومة والشين المجزومة يعني أنّها تبشّر بالمطر يدلّ عليه قوله: الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ «٢» .\nوروى عنه بُشُرًا بضم الباء والشين على جمع البشير مثل نذير و[نذار] .\nوهي قراءة ابن عباس. وقرأ غيره من أهل الكوفة نُشْرًا بفتح النون وجزم الشين وهو الريح الطيبة اللينة.\nقال امرؤ القيس:\nكان المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامي ونشر القطر\nوهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وزر بن حبيش، واختاره أبو عبيد لقوله: وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا وقرأ أهل الحجاز والبصرة نُشُرًا بضم النون والشين واختياره أبو حاتم فقال: هي جمع نشور مثل صبور وصابر، وشكور وشاكر. وهي الرياح التي تهب من كل ناحية وتجيء من كل [وجه] وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن عامر نُشْرًا بضم النون وجزم الشين على التخفيف.\nوقرأ مسروق (نَشَرًا) بفتحتين أراد منشورا [كالمقبض] والقبض بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ يعني قدّام المطر حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ حملت سَحابًا ثِقالًا المطر سُقْناهُ رد الكناية إلى لفظ السحاب لِبَلَدٍ مَيِّتٍ يعني إلى بلد.\nوقيل: معناه [لأجل] بلد لا نبات له فَأَنْزَلْنا بِهِ أي السحاب وقيل: بالبلد الْماءَ يعني المطر، وقال أبو بكر بن عيّاش: لا تقطر من السماء قطرة حتّى يعمل فيها أربع: رياح\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ٦٦٣\n. (٢) سورة الروم: ٤٦\n.","vol":"4","page":242},{"text":"الصبا تهيّجه والشمال تجمعه والجنوب تدرّه والدبور تفرّقه كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى أحياء قال أبو هريرة وابن عباس: إذا مات الناس كلّهم في النفخة الأولى أمطر عليهم أربعين عاما [يسقى] الرجال من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان فينبتون في قبورهم بذلك المطر كما ينبتون في بطون أمهاتهم، وكما ينبت الزرع من الماء حتّى إذا استكملت أجسادهم نفخ فيهم الروح ثمّ يلقى عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في الصور الثانية عاشوا وهم يجدون طعم النوم في رؤوسهم وأعينهم كما يجد النائم إذا استيقظ من نومه فعند ذلك يقولون يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا «١» فيناديهم المنادي هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ «٢» .\nوَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ هذا مثل ضربه الله المؤمن والكافر فمثل المؤمن مثل البلد الطيب الزاكي يخرج نباته ريعة بإذن الله، فمثل الكافر كمثل الأرض الصبخة الخبيثة التي لا يخرج نباتها] وغلّتها [إِلَّا نَكِدًا [أي عسيرا قليلا بعناء] ومشقّة وقرأ أبو جعفر: (نَكَدًا) بفتح الكاف أي النكد كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ بينهما لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ.\nلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ وهو نوح بن ملك بن متوشلح بن أخنوخ، وهو إدريس بن\n_________\n(١) سورة يس: ٥٢\n. (٢) تفسير الطبري: ٨/ ٢٧٤ [.....]\n.","vol":"4","page":243},{"text":"مهلائيل بن يزد بن قيثان ابن انوش بن شيث بن آدم ﵈، وهو أول نبي بعد إدريس وكان نجارا بعثه الله ﷿ إلى قومه وهو ابن خمسين سنة فقال لهم: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قرأ محمد بن السميقع (غَيْرَهُ) بالنصب.\nقال الفراء: بعض بني [أسد وقضاعة أجاز نصب (غير) في كل موضع يحسن فيه «إلا»] «١» ثمّ الكلام قبلها أو لم يتم فيقولون: ما جاءني مشرك وما أتاني أحد غيرك. فأنشد الفضل:\nلم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في ذات أو قال «٢»\nوقال الزجاج: قد يكون النصب من وجهين: أحدهما الاستثناء من غير [جنسه] .\nوالثاني الحال من قوله اعْبُدُوا اللَّهَ لأن «غيره» نكرة، وإن أضيف إلى المعارف. وقرأ أبو جعفر ويحيى بن وثّاب والأعمش والكسائي: ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ بكسر الراء على نعت الإله، واختاره أبو عبيد ليكون كلاما واحدا.\nوقرأ الباقون (غَيْرُهُ) بالرفع على وجهين: أحدهما: التقديم وإن كان مؤخّرا في اللفظ تقديره: ما لكم غيره من إله غيره.\nوالثاني أن يجعله نعت التأويل الإله لأن المعنى ما لكم إله غيره إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ إن لم تؤمنوا عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ يعني الأشراف والسادة، وقال الفراء: هم الرجال ليست فيهم امرأة إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ خطال وزوال عن الحق مُبِينٍ يعني ظاهر قالَ نوح يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ ولم يقل: ليست لأن معنى الضلالة الضال، وقد يكون على معنى تقديم الفعل وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ قرأ أبو عمرو: أُبْلِغُكُمْ خفيفة في جميع القرآن لقوله: (لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي)، ولِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ. ولأن جميع كتب الأنبياء نزلت دفعة واحدة [منها] القرآن، وقرأ الباقون: أُبَلِّغُكُمْ بالتشديد واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لأنّها أجزل اللغتين، قال الله: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ «٣» .\nوَأَنْصَحُ لَكُمْ يقال [بتخفيفه] ونصحت له وشكرته وشكرت له وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من عقابه لا يرد عن القوم المجرمين أَوَعَجِبْتُمْ الألف للاستفهام دخلت على واو العطف كأنه قال: إن أضعتم كذا وكذا أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ يعني نبوّة الرسالة، وقيل:\n[معجزة وبيان] .\nعَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ عذاب الله إن لم يؤمنوا وَلِتَتَّقُوا [ولكي يتّقوا] الله\n_________\n(١) المخطوط مشوش واللفظ مقوم من تفسير القرطبي: ٧/ ٢٣٣\n. (٢) لسان العرب: ١٠/ ٣٥٤\n. (٣) سورة المائدة: ٦٧\n.","vol":"4","page":244},{"text":"وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لكي ترحموا فَكَذَّبُوهُ يعني نوحا فَأَنْجَيْناهُ من الطوفان وَالَّذِينَ مَعَهُ قال ابن إسحاق: يعني بنيه الثلاثة، سام وحام ويافث وأزواجهم وستة أناس ممن كان آمن به وحملهم في الفلك وهو السفينة «١» .\nوقال الكلبي: كانوا ثمانين إنسانا أربعون ذكورا وأربعون امرأة وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا عَمِينَ عن الحق جاهلين بأمر الله، وقال الضحاك: (عَمِينَ) كفّارا.\nوقال الحسين بن الفضل: (عَمِينَ) في البصائر يقال: رجل عم عن الحق وأعمى في البصر. وقيل: العمي والأعمى واحد كالخضر والأخضر. وقال مقاتل: عموا عن نزول العذاب بهم وهو الحرث.\nوَإِلى عادٍ يعني وأرسلنا إلى عاد فلذلك نصب أَخاهُمْ وهو علاء بن عوص بن آدم ابن سام بن نوح وهو عاد الأولى أَخاهُمْ في النسب لا في الدين هُودًا وهو هود بن عبد الله بن رياح بن الخلود بن عاد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح وقال ابن إسحاق: هود بن [شالخ] بن أرفخشد بن سام بن نوح قالَ لهم يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ الله فتوحدونه وتعبدونه قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ جهالة وضلالة [بتركك ديننا] وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ إنّك رسول الله إلينا وأن العذاب نازل بنا قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أدعوكم إلى التوبة أَمِينٌ قال الضحاك: أمين على الرسالة، وقال الكلبي: قد كنت فيكم قبل ذلك [اليوم أمينا] أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ يعني نفسه\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٤٨\n.","vol":"4","page":245},{"text":"لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ يعني أهلكهم [بشركاء منهم] وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً أي طولا وشدّة وقوّة.\nقال مقاتل: طول كل رجل اثنا عشر ذراعا، ابن عباس: تمثّل ذراعا وقال الكلبي: كان أطولهم مائة ذراع وأقصرهم ستّين ذراعا. أبو حمزة الثمالي سبعون ذراعا. ابن عباس: ثمانون، وهب: كان رأس أحدهم مثل قبة عظيمة وكان عين الرجل يفرخ فيها السباع، وكذلك مناخرهم فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ نعم الله واحدها [إل وإلي وإلو وإلى كالآناء واحدها إنى وإني وإنو وأني] «١» لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا وندع ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام فَأْتِنا بِما تَعِدُنا يعني العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ قَدْ وَقَعَ وجب ونزل عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ أي عذاب [والسين مبدأ من الزاي] «٢» وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها وضعتموها على الأصنام [...] «٣» يعبد نارا أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ قبلكم ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ حجّة وبيان وبرهان فانتظروا نزول العذاب.\nإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ فَأَنْجَيْناهُ يعني هودا عند نزول العذاب.\nوَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أي استأصلناهم وأهلكناهم عن آخرهم وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ وكانت قصّة عاد وهلاكهم على ما ذكره محمد بن إسحاق والسدي وغيرهما من الرواة والمفسّرين: إن عادا كانوا ينزلون اليمن وكان مساكنهم منها بالشجرة والأحقاف، وهي رمال يقال لها رمل عالج (ودمما وبيرين) «٤» ما بين عمان إلى حضرموت، وكانوا مع ذلك قد فشوا في الأرض فكلّها وقهروا أهلها بفضل قوتهم التي آتاهم الله ﷿ وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها من دون الله صنم يقال له: صنا، وصنم يقال له: صمود، وصنم يقال لها: الهبار.\nفبعث الله ﷿ إليهم هودا نبيّا وهو من أوسطهم نسبا وأفضلهم حسبا وأمرهم أن يوحدوا الله ولا يشركوا معه إلها غيره، وأن يكفّوا عن ظلم الناس [ولم] يأمرهم فيما تذكر بغير ذلك.\nفأبوا عليه وكذّبوه وَقالُوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً، وبنو المصانع وبطشوا بطشة الجبارين كما ذكر الله تعالى فلما فعلوا ذلك أمسك الله المطر عنهم ثلاث سنين حتّى جهدهم ذلك.\n_________\n(١) زيادة من تفسير القرطبي: ٧/ ٢٣٧\n. (٢) كذا في المخطوط ومراده أن الرجز بالزاي والرجس بالسين هما بمعنى واحد قلبت السين زايا، وهذا قول أبو عمرو بن العلاء، راجع زاد المسير: ٣/ ١٥١\n. (٣) كلمة غير مقروءة\n. (٤) بيرين: من قرى حمص، ودمما: قرية دون الأنبار على الفرات\n.","vol":"4","page":246},{"text":"وكانت الناس في ذلك الزمان إذا نزل بهم بلاء أو حرب دعوا إلى الله الفرج وطلبتهم إلى الله عند البيت الحرام بمكّة مسلمهم ومشركهم فتجتمع بمكّة ناس كثير شتى مختلفة أديانهم وكلّهم معظّم لمكّة عارف بحرمتها ومكانها من الله ﷿. وأهل مكّة يومئذ العماليق وإنّما سمّوا العماليق لأن أباهم عمليق بن لاود بن سام بن نوح وكان سيّد العماليق إذ ذاك بمكة رجل يقال له: معاوية بن بكر وكانت أم معاوية كلهدة بنت [الخبيري] رجل من عاد الأكبر فلمّا قحط المطر عن عاد [وجمدوا] قال: جهزوا وفدا إلى [أن يستسقوا] لكم فبعثوا قيل بن عنز ولقيم بن هزال وعتيل بن ضد بن عاد الأكبر ومرثد بن سعد بن عقير.\nوكان مسلما يكتم إسلامه وجهلمة بن الخيبري، قال معاوية بن بكرة: ثمّ بعثوا لقمان ابن عاد بن صد بن عاد الأكبر، فانطلق كل رجل من هؤلاء القوم ومعه رهط من قومه حتّى بلغ [عدّة فعدّهم] سبعين رجلا فلمّا قدموا مكّة نزلوا على معاوية بن بكر وهو بظاهر مكّة خارجا من الحرم. فأنزلهم وأكرمهم وكانوا إخوانه وأصهاره فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم الجرادتان قينتان لمعاوية بن بكر، وكان مسيرهم شهرا ومقامهم شهرا، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوّثون من البلاء الذي أصابهم أشفق ذلك عليه وقال: هلك إخواني وأصهاري وهؤلاء يقيمون عندي وهم ضيفي والله ما أدري كيف أصنع بهم إنّي لأستحي أن آمرهم بالخروج إلى ما بعثوا له فيظنون أنّه ضيق منّي ببقائهم عندي، وقد هلك من ورائهم من قومهم [جدبا] وعطشا، فشكى ذلك من أمرهم إلى قينتيه الجرادتين فقالتا: اصنع شعرا نغني به لا يدرون من قاله لعلّ ذلك [يحرّكهم] .\nفقال معاوية بن بكر:\nلعل الله يسقينا غماما ... ألا يا قيل ويحك قم فهينم\nقد أمسوا لا يبينون كلاما ... فيسقي أرض عاد ان عادا\nبه الشيخ الكبير ولا الغلاما ... من العطش الشديد فليس نرجو\nفقد أمست نساؤهم عيامى ... وقد كانت نسائهم بخير\nولا يخشى لعادي سهاما ... وإن الوحش يأتيهم جهارا\nنهاركم وليلكم التماما ... وأنتم هاهنا فيما اشتهيتم\nقوم ولا لقوا التحيّة والسلاما «١» ... فقبح وفدكم من وفد\nفلما قال الشعر غنتهم به الجرادتان فلما سمع القوم قال بعضهم لبعض: إنّما بعثكم قومكم يتغوّثون بكم من هذا البلاء الذي نزل بهم وقد أطلتم عليهم فادخلوا هذا الحرم واستسقوا\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٨/ ٢٨٣\n.","vol":"4","page":247},{"text":"لقومكم، وقال مرثد بن سعد بن عفير: إنكم والله ما تسقون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيّكم وأنبتم إليه سقيتم، فأظهر إسلامة عند ذلك فقال جلهمة بن [الخيبري] خال معاوية حين سمع قوله وعرف أنّه اتبع دين هود (﵇):\nذوي كرم وأمك من ثمود ... أبا سعد فإنّك من قبيل\nولسنا فاعلين لما تريد. ... فإنا لا نطيعك ما بقينا\nورمل والصداء مع الصمود. ... أتأمرنا لنترك دين رفد\nذوي رأي ونتبع دين هود ... ونترك دين آباء كرام\nثم قال لمعاوية بن بكر وأبيه بكر وكان شيخا كبيرا: [احبسا] عنّا مرثدا بن سعد فلا يدخل معنا مكّة فإنّه اتبع دين هود وترك ديننا.\nثمّ خرجوا إلى مكّة يستسقون بها لعاد فلمّا ولّوا إلى مكّة خرج مرثد بن سعد من منزل معاوية حتّى أدركهم بها فقال: لا أدعو الله ﷿ بشيء مما خرجوا له، فلما انتهى إليهم قام يدعو الله وهم قد اجتمعوا يدعون الله ويقول: اللهم أعطني سؤلي وحدي ولا تدخلني في شيء مما يدعونك، وكان قيل بن عنز على رأس وفد عاد، وقال وفد عاد: اللهمّ أعطه ما سألك واجعل سؤالنا مع سؤاله، وكان [قد تخلف] عن وفد عاد حين دعا لقمان بن عاد وكان سيّد عاد حتى إذا فرغوا من دعوتهم قام فقال: اللهمّ إنّي جئتك وحدي في حاجتي فأعطني سؤلي وسأل الله ﷿ طول العمر. فعمّر عمر سبعة أنسر. وقال: قيل بن عنز: [يا إلهنا] إن كان هود صادقا فاسقنا فإنّا قد هلكنا.\nوقال: اللهمّ إنّي لم [أجئ] لمريض فأداويه ولا لأسير فأناديه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فأنشأ الله ﷿ له [سحائب] ثلاثا بيضاء وحمراء وسوداء ثمّ نادى مناد من السماء: يا قيل اختر لنفسك وقومك من هذا السحاب ما شئت، فقال قيل: اخترت السحابة السوداء فإنّها أكبر السحب، فناداه مناد قد اخترت رمادا رمددا، لا تبقى من عاد أحدا، لا والدا ولا ولدا، إلا جعلتهم همدا، إلا بني اللوذية المهدا.\nوبنو اللوذية هم بنو لقيم بن هزال بن هزيلة بن بكر فكانوا سكان بمكّة مع أخوالهم ولم يكونوا مع عاد بأرضهم وعاد الآخر كان من نسل الذي بقوا من عاد.\nونادى الله ﷿ السحابة السوداء التي اختارها قيل: [فيها من النقمة] من عاد حتّى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيث فلما رأوها استبشروا بها وقالوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يقول الله تعالى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها «١» .\n_________\n(١) سورة الأحقاف: ٢٤. ٢٥\n.","vol":"4","page":248},{"text":"وكان أول من أبصر ما فيها وعرف إنّها ريح امرأة من عاد يقال لها: مهدر، فلمّا أتت عليهم صاحت وصعقت. فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت؟ قالت: رأيت ريحها فيها كشهب النار أمامها رجال يقودونها سَخَّرَها الله عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا «١» أي دائمة فلم يدع من عاد أحدا إلّا هلك.\nفاعتزل هود (﵇) ومن معه من المؤمنين في حظيرة ما يصيبها ومن ريح إلّا ما تلين عليه الجلود وتلتذ الأنفس. وإنها لترتفع بعاد والظعن إلى ما بين السماء والأرض وتدفعهم بالحجارة.\nوخرج وفد عاد من مكّة حتّى مرّوا بمعاوية بن بكر فنزلوا عليه فبينما هم عنده إذا أقبل رجل على ناقة له في ليلة مقمرة مساء ثالثة من مصاب عاد فأخبرهم الخبر. فقالوا له: فأين فارقت هود وأصحابه؟ قال: فارقتهم بساحل البحر وكأنّهم شكوا فيما حدّثهم به فقالت هذيلة بنت بكر:\nصدق ورب مكّة.\nوذكروا أنّ مراد بن سعد ولقمان بن عاد، وقيل: بن عنز حين دعوا بمكّة قيل لهم قد أعطيتهم مناكم فاختاروا لأنفسكم إلّا أنّه لا سبيل إلى الخلود ولا بد من الموت فقال مهد: اللهم أعطني [برّا وصدقا] فأعطي ذلك. وقال لقمان: أعطني يا رب عمرا، فقيل له: اختر لنفسك بقاء سبع بعرات «٢» سمر من أظب عفر في جبل وعر لا يمسها القطر، أو بقاء سبعة أنسر إذا مضى نسر خلف بعده نسر واختار سبعة أنسر فعمر لقمان عمر سبعة أنسر يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضة ويأخذ الذكر منها لقوته حتّى إذا مات أخذ غيره، ولم يزل يفعل ذلك حتّى على السابع، وكان كل نسر يعيش مائتي سنة وكان آخرها لبد، فلما مات لبد مات لقمان معه.\nوأما قيل: فإنّه اختار أن يصيبه ما أصاب قومه فقيل له: أنّه الهلاك فقال: لا أبالي لا حاجة لي في البقاء بعدهم فأصابه الذي أصاب عادا من العذاب فهلك «٣» .\nعن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: أوحى الله إلى الريح العقيم أن تخرج على قوم عاد فتنتقم له منهم، فخرجت بغير كيل على قدر منخر ثور حتّى رجفت الأرض ما بين المشرق والمغرب فقال [الخزان] يا رب لن نطيقها، ولو خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ومغاربها فأوحى الله إليها أن ارجعي فاخرجي على قدر خرق الخاتم [فرجعت] فخرجت على قدر خرق الخاتم وهي الخلقة «٤» .\n_________\n(١) سورة الحاقة: ٧\n. (٢) بهامش تفسير القرطبي (١٩/ ٢٥): «في نسخة: بقرات» وهو مخالف لما في صحاح الجوهري: ٢/ ٥٣٤\n. (٣) بطوله في تفسير الطبري: ٨/ ٢٨٢ ح ١١٤٩٣\n. (٤) الدر المنثور: ٣/ ٩٦ [.....]\n.","vol":"4","page":249},{"text":"عن عاصم بن عمرو والبجلي عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ: «يبيت قوم من هذه الأمّة على طعام وشراب ولهو فيصبحون قردة وخنازير وليصيبنّهم خسف وقذف فيقولون:\nلقد خسف الليلة [ببنيّ] فلان وخسف الليلة بدار فلان وليرسلن عليهم الريح العقيم التي أهلكت عادا بشربهم الخمور وأكلهم الربا واتخاذهم القينات ولبسهم الحرير وقطعهم الأرحام» [١٨٨] «١» .\nوفي الخبر: أنّه أرسل عليهم من الريح قدر ما تجري في خاتم\n، قال السدي: بعث الله إلى عاد الريح العقيم فلمّا دنت منهم نظروا إلى [الإبل] والرجال تطير بهم الريح من السماء والأرض فلمّا رأوها [بادروا] إلى البيوت فلمّا دخلوا البيوت دخلت عليهم وأهلكتهم فيها ثمّ أخرجتهم من البيوت، فلمّا أهلكهم الله أرسل عليهم طيرا سودا فلقطتهم إلى البحر وألقتهم فيه ولم تخرج ريح قط إلّا مكيال إلّا يومئذ فإنّها عتت على الخزنة فقلبتهم فلم يعلموا كم مكيالها.\nوقال أبو الطفيل عامر بن واثلة: سمعت عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يقول لرجل من حضرموت: هل رأيت كثبا أحمر يخالطه مدرة حمراء وسدر كثير بناحية كذا وكذا من حضرموت، قال: نعم يا أمير المؤمنين، والله إنّك لتنعته نعت رجل قد رآه، وقال: ولكنّي قد حدّثت عنه، فقال الحضرمي: [وما شأنه] يا أمير المؤمنين؟ قال: فيه قبر هود- صلوات الله عليه- «٢» .\nعطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن سابط أنّه قال: بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيّا وإن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل في تلك البقعة.\nوفي رواية أخرى: وكان النبيّ من الأنبياء إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون معه إلى مكّة بمن معه فيعبدون الله فيها حتّى يموتوا.\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ٢٥/ ٢٨٤\n. (٢) المستدرك: ٢/ ٥٦٤\n.","vol":"4","page":250},{"text":"وَإِلى ثَمُودَ قرأ يحيى بن وثاب: إلى ثمودٍ بالصرف والتنوين. والباقون بغير الصرف وإنّما يعني: وإلى بني ثمود، وهو ثمود بن [عاد] بن إرم بن سام بن نوح وهو أخو [جديس] وأراد هاهنا القبيلة.\nقال أبو عمرو بن العلا: سمّيت ثمود لقلّة مائها والثمد الماء القليل، وكانت مساكنهم الحجر بين الحجاز والشام إلى وادي القرى أَخاهُمْ صالِحًا وهو صالح بن [عبيد] بن أسف ابن ماسخ بن عبيد بن خادر بن ثمود قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ حجّة ودلالة من ربّكم على صدقي هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ أضافها إليه على التفضيل والتخصيص كما يقال: بيت الله «١» .\nوقيل: أضيفت إلى الله لأنّها كانت بالتكوين من غير اجتماع ذكر وأنثى ولم يكن في صلب ولا رحم ولم يكن للخلق فيها سعي آيَةً نصب على الحال أي انظروا إلى هذه الناقة فَذَرُوها تَأْكُلْ العشب فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ولا تصيبوها [بعقر] فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ أسكنكم وأنزلكم فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ قرأ الحسن (وَتَنْحَتُونَ) بفتح الحاء وهي لغة الْجِبالَ بُيُوتًا وكانوا ينقبون في الجبال البيوت فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ يعني الأشراف والقادة الذين تعظّموا عن الإيمان بصالح ﵇ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا يعني الأتباع لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ جاحدون فَعَقَرُوا النَّاقَةَ نحروها وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا يعني العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ أي من الصادقين فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ يعني الصيحة والزلزلة وأصلها الحركة مع الصوت. قال الله:\nيَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ.\nقال الشاعر:\nوظلّت جمال القوم بالقوم ترجف «٢» ... ولمّا رأيت الحج قد آن وقته\nوقال الأخطل:\n_________\n(١) راجع تاريخ الطبري: ١/ ١٥٨\n. (٢) انظر: تفسير القرطبي: ٧/ ٢٤٢، وفيه: وظلت مطايا القوم\n.","vol":"4","page":251},{"text":"كبر كالنسر أرجف الإنسان مهدود فيه «١» ... أما تريني [حناتي] الشيب من\nفَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ أي في أرضهم وبلدتهم ولذلك وحد الدار. وقيل: أراد به الديار فوحد كقوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ «٢» ومعنى جاثِمِينَ جامدين [مبتلين] صرعى هلكوا، وأصل الجاثم البارك على الركبة.\nقال جرير:\nمطايا القدر كالحدأ الجثوم «٣» ... عرفت المنتأى وعرفت منها\nفَتَوَلَّى أعرض صالح عَنْهُمْ وَقالَ: يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ وكانت قصّة صالح وثمود وعقرهم الناقة سبب هلاكهم على ما ذكره ابن إسحاق والسدي ووهب وكعب وغيرهم من أهل الكتب قالوا: إن عادا لمّا هلكت وانتهى أمرها عمّرت أعمارهم واستخلفوا في الأرض فربوا فيها وعمّروا، حتّى جعل أحدهم يبني المسكن من [المدر] فينهدم والرجل منهم حي. فلما رأوا ذلك اتخذوا الجبال بيوتا فنحتوها وجابوها وخرقوها وكانوا في سعة من معائشهم فعتوا على الله وأفسدوا في الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحا وكانوا فيها عربا كان صالح من أوسطهم نسبا وأفضلهم موضعا.\nفبعثه الله تعالى إليهم شابّا فدعاهم إلى الله ﷿ حتّى شمط وكبر لا يتبعه منهم إلّا قليل مستضعفون فلمّا ألحّ عليهم صالح بالدعاء والتبليغ وأكثر لهم التحذير والتخويف سألوه أن يريهم آية تكون مصداقا لقوله، قال: أي آية تريدون؟ قالوا: نريد أن تخرج معنا إلى عيدنا هذا وكان اسم عيد يخرجون إليه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة فتدعو إلهك وندعو وإن أستجيب لك اتبعناك وإن استجيب لنا اتبعتنا.\nفقال لهم صالح: نعم، فخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم ذلك وخرج صالح معهم ودعوا أوثانهم وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء ممّا يدعو به. ثمّ قال جندع بن عمرو بن حراش وهو يومئذ سيّد ثمود: يا صالح اخرج لنا من هذه الصخرة. لصخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثبة. ناقة مخترجة جوفاء وبراء. فالمخترجة ما شاكلت البخت من الإبل، فإن فعلت صدّقناك وآمنّا بك، فأخذ صالح عليهم مواثيقهم إن فعلت لتصدقنني ولتؤمنن به، قالوا: نعم.\nفصلّى صالح ركعتين ودعا ربه فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها ثمّ تحرّكت الهضبة فانصدعت عن ناقة عشرا وجوفاء وبراء كما سألوا لا يعلم ما بين جنبيها إلّا الله ﷿ عظما\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٣٠٢\n. (٢) سورة العصر: ٢\n. (٣) تفسير الطبري: ٨/ ٣٠٣\n.","vol":"4","page":252},{"text":"وهم ينظرون ثمّ [نتجت] ثقبا مثلها في العظم. فآمن به جندع بن عمرو ورهط من قومه، وأراد أشراف ثمود أن يؤمنوا به ويصدّقوه فنهاهم ذوءاب بن عمرو بن لبيد والحباب صاحب أوثانهم ورباب بن صمعر وكانوا من أشراف ثمود. وكان لجندع بن عمرو ابن عم يقال له شهاب بن خليفة بن مخلاة بن لبيد فأراد أن يسلم فنهاه أولئك الرهط فأطاعهم فقال رجل من آل ثمود:\nإلى دين النبيّ دعوا شهابا ... وكانت عصبة من آل عمرو\nفهمّ بأن يجيب ولو [أجابا] ... عزيز ثمود كلّهم جميعا\nوما عدلوا بصاحبهم ذوءابا ... لأصبح صالح فينا عزيزا\nتولّوا بعد رشدهم ذئابا «١» ... ولكن الغواة من آل حجر\nفلما خرجت الناقة قال صالح (﵇): هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ «٢»، فمكثت الناقة ومعها سقيها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب الماء وكانت ترد الماء سبتا فإذا كان يومها وضعت رأسها في بئر من الحجر يقال لها بئر الناقة فما ترفعها حتّى تشرب كلّ ما فيها لا تدع قطرة ماء فيها ثم ترفع رأسها [فتفسح] يعني تفجج لهم فيحتلبون ما شاؤوا من لبن فيشربون ويدخرون حتّى يملؤوا أوانيهم كلهم ثمّ تصدر من [غير] الفج الذي وردت لا تقدر على أن تصدر من حيث وردت لضيقه عنها فلا يرجع منه ثمّ ترفع رأسها.\nقال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستين ذراعا، حتّى إذا كان الغد كان يومهم فيشربون ما شاؤوا من الماء ويدخرون ما شاؤوا ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة ودعة [وكانت] الناقة تصيف إذا كان الحر بظهر الوادي فتهرب منها أغنامهم وأبقارهم وإبلهم فتهبط إلى بطن الوادي في حرّه وجدبه.\nوالمواشي تنفر منها إذا رأتها [تشتو] في بطن الوادي إذا كان الشتاء، فتهرب مواشيهم إلى ظهر الوادي في البرد والجدب. فأضرّ ذلك بمواشيهم للبلاء والاختبار وكانت مراتعها في ما يزعمون [الجناب] وحسمى، كل ذلك ترعى مع واد الحجر.\nفكبر ذلك عليهم فعتوا عن أمر ربّهم وحملهم ذلك على عقر الناقة فأجمعوا على عقرها.\nوكانت امرأة من ثمود يقال لها عنيزة بنت غنم بن مجلز تكنّى أم غنم وهي من بني عبيد ابن المهل، وكانت امرأة ذوءاب بن عمر، وكانت عجوزا مسنّة وكانت ذات بنات حسان، وكانت ذات مال من إبل وبقر وغنم، وامرأة أخرى يقال لها: صدوف بنت المحيا بن زهير ابن المحيا سيد بني عبيد وصاحب أوثانهم في الزمن الأول، وكان الوادي يقال له: وادي المحيا\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٨/ ٢٩٤\n. (٢) سورة الشعراء: ١٥٥\n.","vol":"4","page":253},{"text":"الأكبر جد المحيا الأصغر أبي صدوف، وكانت صدوف من أحسن الناس وكانت غنية ذات مال من إبل وغنم وبقر وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح (﵇) وأعظمهم به كفرا، وكانتا تحبان أن يعقرا الناقة مع كفرهما به لما أضرت به من مواشيهما وكانت صدوف عند ابن خال لها يقال له: صنتم بن هراوة بن سعد بن الغطريف من بني هليل فأسلم وحسن إسلامه، وكانت صدوف قد فوّضت إليه مالها فأنفقه على من أسلم له من أصحاب صالح حتّى رق المال فاطلعت على ذلك [من] إسلام صدوف وحاسبته على ذلك. فأظهر لها دينه فدعاها إلى الله وإلى الإسلام فأبت عليه وأخذت بنيها وبناتها منه فغيبتهم في عبيد بطنها الذي [هي] منه وكان صنتم زوجها من بني هليل، وكان ابن خالها فقال لها: ردي عليّ ولدي، فقالت: حتّى أنافرك إلى بني صنعان بن عبيد أو إلى بني [جندع] بن عبيد، فقال لها صنيم: بل أنافرك إلى بني مرداس بن عبيد. وذلك أن بني مرداس كانوا مسلمين.\nفقالت: لا أنافرك إلّا إلى من دعوتك إليه. فقالت بنو مرداس: والله لتعطينه ولده كارهة أو طائعة فلما رأت ذلك أعطته إياهم.\nثم إنّ صدوف وعنيزة تحيّلا في عقر الناقة للشقاء الذي نزل بهم فدعت صدوف رجلا من ثمود يقال له [الحبّاب] لعقر الناقة وعرضت نفسها إن هو فعل ذلك [فأبى] عليها فدعت ابن عم لها يقال له: مصدع بن مهرج بن المحيا وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة، وكانت من أحسن الناس وجها وأكثرهم مالا فأجابها إلى ذلك، ودعت عنيزة بنت غنم قدار ابن سالف بن جندع رجلا من أهل قرح\nوذكره رسول الله ﷺ وقال: «انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعه»\n[١٨٩] «١» واسم أمّه قدير. وكان رجال أحمرا أزرقا قصيرا يزعمون أنّه كان لزنية من رجل يقال له: صبيان ولم يكن لسالف الذي يدعى السر، ولكنه قد ولد على فراش سالف فقالت: أعطيك أيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان قدار عزيزا منيعا في قومه فانطلق قدار بن سالف هو ومصدع بن مهرج فاستنفرا غواة من ثمود فاتبعهما سبعة نفر، وكانوا تسعة رهط أحدهم هويل بن مسطح خال عزيز من أهل حجر [ودعيت] بن غنم بن ذاغر ذؤاب بن مهرج بن مصدع وخمسة لم يذكر لنا أسماءهم فاجمعوا على عقر الناقة.\nوقال السدي وغيره: أوحى الله تعالى إلى صالح (﵇) أن قومك سيعقرون ناقتك، فقال لهم ذلك.\nفقالوا: ما كنّا لنفعل ذلك. فقال صالح: إنّه يولد في قومكم غلام يعقرها فيكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد لنا ابن في هذا الشهر إلّا قتلناه.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٢٦٩\n.","vol":"4","page":254},{"text":"قال: فولد لهم تسعة في ذلك الشهر. فدعوا أبناءهم ثمّ ولد العاشر فأبى أن يذبح أبنه وكان لم يولد له قبل ذلك ابن وكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا، وكان إذا مرّ بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، فغضب التسعة على صالح، لأنّه كان سبب قتلهم أبنائهم فتقاسموا بالله لنبيتنّه وأهله قالوا: نخرج فنري الناس أنا قد خرجنا إلى [سفرنا] فنأتي الغار فنكون فيه حتّى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده أتيناه فقتلناه ثمّ رجعنا إلى الغار فكنّا فيه ثمّ رجعنا فقلنا مهلك أهله وإنّا لصادقون يصدّقوننا يعلمون إنّا قد خرجنا إلى سفرنا، وكان صالح ﷺ لا ينام معهم في القرية. وكان في مسجد يقال له مسجد صالح فيه يبيت الليل. فإذا أصبح أتاهم فوعظهم ويذكرهم، وإذا أمسى خرج إلى المسجد فبات فيه فانطلقوا فلمّا دخلوا الغار وأرادوا أن يخرجوا من [الجبل] سقط عليهم الغار فقتلهم فانطلق رجل ممّن قد اطلع على ذلك منهم فإذا هم رطخ فرجعوا وجعلوا يصيحون في القرية أي عباد الله أما رضي صالح [بأن] أمرهم بقتل أولادهم حتّى قتلهم فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة.\nوقال ابن إسحاق: إنّما كان تقاسم التسعة على قتل صالح ﷺ بعد عقرهم الناقة وإنذار صالح إياهم بالعذاب. ذلك أن التسعة الذين عقروا الناقة قالوا: هلمّ فلنقتل صالحا وإن كان صادقا عجّلنا قتله، وإن كان كاذبا قد ألحقناه بناقته فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله فدفعتهم الملائكة بالحجارة فلمّا أبطئوا على أصحابهم أتوا منزل صالح فوجدوهم مشتدخين قد رضخوا بالحجارة فقالوا لصالح: أنت قتلتهم، ثمّ همّوا به فقامت عشيرته دونه ولبسوا السلاح. وقالوا لهم: والله لا تقتلونه أبدا وقد وعدكم أنّ العذاب نازل بكم في ثلاث فإن كان صادقا لم تزيدوا ربّكم إلّا غضبا وإن كان كاذبا فأنتم من وراء ما تريدون فانصرفوا عنهم ليلتهم تلك.\nقال السدي وغيره: فكان شر مولود- يعني قدار- وكان يشبّ في اليوم شباب غيره في الجمعة. ويشبّ في الشهر شباب غيره في السنة فلمّا كبر جلس مع أناس يصيبون من الشراب فأرادوا ما يمزجون به شرابهم وكان ذلك اليوم شرب الناقة فوجدوا الماء قد شربته الناقة. فاشتد ذلك عليهم وقالوا في شأن الناقة وشدّتها عليهم ونحن ما نصنع باللبن لو كنّا نأخذ من هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة نسقيه أنعامنا وحروثنا كان خيرا لنا، فقال ابن العاشر هل لكم في أن أعقرها لكم؟\nقالوا: نعم.\nوقال كعب: كان سبب عقرهم الناقة أنّ امرأة يقال لها ملكا كانت قد ملكت ثمود فلمّا أقبل الناس على صالح وصارت الرئاسة إليه حسدته فقالت لامرأة يقال لها قطام وكانت معشوقة قدّار بن سالف ولامرأة أخرى يقال لها قبال كانت معشوقة مصدح بن وعد ويقال ابن مهرج، وكان قدار ومصدع يجتمعان كل ليلة معهما ويشربون الخمر فقالت لهما ملكا: إن أتاكم الليلة قدار ومصدع فلا تطيعاهما وقولا لهما: إن الملكة حزينة لأجل الناقة ولأجل صالح فنحن لا","vol":"4","page":255},{"text":"نطيعكما حتّى تعقرا الناقة فإن عقرتماها أطعناكما، فلمّا أتياهما قالتا لهما هذه المقالة فقالا:\nيكون من وراء عقرهما.\nوقال ابن إسحاق وغيره: فانطلق قدار ومصدع وأصحابهما السبعة فرصدوا الناقة حين صدرت عن الماء وقد كمن لها قدار في أصل حفرة على طريقها، وكمن لها مصدع في طريق آخر فمرّت على مصدع فرماها بسهم فانتظم به عضلة ساقها وخرجت أم غنم وعنيزة وأمرت ابنتها وكانت من أحسن الناس فاستقرّت لقدار ثمّ دمرته فشد على الناقة بالسيف فكشف عرقوبها فخرجت ورغت رغاة واحدة فحدر سقبها ثمّ طعن في لبّتها فنحرها.\nوخرج أهل البلدة واقتسموا لحمها وطبخوه فلمّا رأى سقبها «١» ذلك انطلق حتّى أتى جبلا منيعا يقال له صور، وقيل: اسمه قارة، وأتى صالح فقال له: أدرك الناقة قد عقرت فأقبل وخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه يا نبي الله إنّما عقرها فلان وفلان ولا ذنب لنا. فقال صالح (﵇): أنظروا هل تدركون فصيلها فإن أدركتموه فعسى أن يرفع عنكم العذاب. فخرجوا يطلبونه فلمّا رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه فأوحى الله ﷿ إلى الجبل فتطاول في السماء حتّى لا تناله الطير. وجاء صالح (﵇) فلمّا رآه الفصيل بكى حتّى سالت دموعه ثمّ استقبل صالحا فرغا رغوة ثم رغا أخرى ثم رغا أخرى.\nفقال صالح (﵇): لكل رغاة أجل يومكم تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ.\nوقال ابن إسحاق: أتبع السقب أربعة نفر من التسعة الذين عقروا الناقة وفيهم مصدع ابن مهرج وأخوه داب بن مهرج فرمى مصدع بسهم فانتظم قلبه ثمّ جر برجله وأنزله وألقوا لحمه مع لحم أمّه. فقال لهم صالح: انتهكتم حرمة الله تعالى فأبشروا بعذاب الله ونقمته، فقالوا له وهم يهزئون به: ومتى ذلك يا صالح وما آية ذلك؟ وكان يسمّون الأيام فيهم الأحد الأوّل والإثنين أميون والثلاثاء دبار والأربعاء جبار والخميس مؤنس والجمعة غروبة والسبت شيار. وكانوا عقروا الناقة يوم الأربعاء فقال لهم صالح (﵇) حين قالوا ذلك: تصبحون غداء يوم مؤنس ووجوهكم مصفرّة، ثمّ تصبحون يوم غروبة ووجوهكم محمرّة ثمّ تصبحون يوم شيّار ووجوهكم مسودّة، ثمّ يصبحكم العذاب يوم الأوّل، فأصبحوا يوم الخميس ووجوههم مصفرّة كأنّما طليت بالخلوق صغيرهم وكبيرهم ذكرهم وإناثهم، فأيقنوا العذاب وعرفوا أن صالحا قد صدقهم فطلبوه ليقتلوه، وخرج صالح هاربا حتّى لجأ إلى بطن من ثمود، يقال له: بنو غنم، فنزل على سيّدهم رجل منهم يقال له: نفيل ويكنّى أبا هدب وهو مشرك فغيّبه فلم يقدروا عليه، وقعدوا على أصحاب صالح يعذّبونهم ليدلّوهم عليه.\n_________\n(١) وهو ولدها\n.","vol":"4","page":256},{"text":"فقال رجل من أصحاب صالح يقال له مبدع بن هرم: يا نبي الله إنّهم ليعذبونا لندلهم عليك أفندلهم؟ قال: نعم، فدلّهم عليه ميدع فأتوا أبا هدب وكلّموه في ذلك، فقال: نعم عندي صالح وليس لكم إليه سبيل فأعرضوا عنه وتركوه وشغلهم عنه ما أنزل الله ﷿ فيهم من عذابه فجعل بعضهم يخبّر بعضا بما يرون في وجوههم فلما أصبحوا صاحوا بأجمعهم: ألا قد مضى يوم من الأجل، فلمّا أصبحوا اليوم الثاني إذا وجوههم محمّرة كأنّما خضّبت بالدماء فصاحوا وضجّوا وبكوا وعرفوا آية العذاب، فلمّا أمسوا صاحوا بأجمعهم ألا قد مضى يومان من الأجل وحضركم العذاب. فلما كان اليوم الثالث إذا وجوههم مسودّة كأنّما طليت بالنار فصاحوا جميعا ألا قد حضركم العذاب.\nفلمّا كان ليلة الأحد خرج صالح (﵇) من بين أظهرهم ومن أسلم معه إلى الشام فنزلوا رملة فلسطين فلمّا أصبح القوم تكفّنوا وتحنّطوا وكان حنوطهم الصبر والمقر وكانت أكفانهم [الأنطاع] ثمّ ألقوا أنفسهم بالأرض فجعلوا يقلّبون به أبصارهم فينظرون إلى السماء مرّة وإلى الأرض مرّة لا يدرون من أين يأتيهم العذاب.\nفلمّا اشتد الضحى يوم الأحد أتتهم صيحة من السماء فيها صوت كلّ صاعقة وصوت كل [شيء] له صوت في الأرض فتقطّعت قلوبهم في صدورهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلّا هلك كما قال الله تعالى: فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ إلّا جارية منهم مقعدة يقال لها: ذريعة بنت سلق وكانت كافرة شديدة العداوة لصالح (﵇) فأطلق الله ﷿ لها رجلها بعد ما عاينت العذاب أجمع، فخرجت كأسرع ما يرى شيء قط حتّى أنت قزح «١» وهي وادي القرى فأخبرتهم بما [عاينت] من العذاب وما أصاب ثمود ثمّ استسقت من الماء فسقيت فلمّا شربت ماتت.\nوروى أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لمّا أمر النبيّ ﷺ بالحجر في غزوة تبوك قال لأصحابه: «لا يدخلن أحدكم القرية ولا تشربوا من مائهم ولا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين إلّا أن تكونوا باكين خائفين فإن لم تكونوا فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم» .\nثمّ قال: «أمّا بعد فلا تسألوا رسولكم الآيات، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية فبعث الله ﷿ لهم الناقة فكانت ترد من هذا الفج وتصدر من هذا الفج فتشرب ماءهم يوما فيردها وراءهم مرتقى الفصيل حين ارتقى في الغار فعتوا عن أمر ربّهم وعقروها فأهلك الله من [تحت] أديم السماء منهم إلّا رجلا واحدا كان في حرم الله» .\nقيل: من هو؟ قال: «أبو رغال» [١٩٠] .\n_________\n(١) قزح: وادي بالمزدلفة\n.","vol":"4","page":257},{"text":"فلمّا خرج أصابه ما أصاب قومه [فدفن هاهنا] ودفن معه غصن من ذهب وأراهم قبر أبي رغال فول القوم فابتدروه بأسيافهم وبحثوا عليه فاستخرجوا ذلك الغصن، ثمّ قبع رسول الله ﷺ رأسه وأسرع السير حتّى جاز الوادي «١» .\nقال أهل العلم: توفي صالح (﵇) بمكّة وهو ابن ثمان وخمسين [سنة فلبث] في قومه عشرين سنة.\nعن الضحاك بن مزاحم قال: قال رسول الله (﵇): «يا عليّ أتدري من أشقى الأوّلين؟» قال: قلت: الله ورسوله أعلم.\nقال: «عاقر الناقة» .\nقال: «أتدري من أشقى الآخرين؟» قال: الله ورسوله أعلم.\nقال: «قاتلك» [١٩١] «٢» .\nوَلُوطًا يعني وأرسلنا لوطا وقيل معناه: واذكر لوطا. وهو لوط بن [هاران] بن تارخ أخي إبراهيم (﵇) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ وهم أهل سدوم، وذلك أنّ لوطا شخص من أرض بابل مع عمّه إبراهيم (﵇) مؤمنا به مهاجرا معه إلى الشام فنزل إبراهيم (﵇) فلسطين وأنزل ابن أخيه لوطا الأردن فأرسل الله إلى أهل سدوم فقال لهم: أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ يعني إتيان الذكران ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ قال عمرو بن دينار: ما كان يزني ذكر على ذكر في الدنيا حتّى كان قوم لوط إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ [في أدبارهم] شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ يعني أدبار الرجال أشهى عندكم من فروج النساء بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ مشركون [تبدّلون] الحلال إلى الحرام.\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٢/ ٨٥ وتاريخ الطبري: ١/ ١٥٩ مع تفاوت\n. (٢) الطبقات الكبرى: ٣/ ٣٥، وتاريخ بغداد: ١/ ١٤٦، وشواهد التنزيل: ٢/ ٤٤٤ ح ١١٠٨ [.....]\n.","vol":"4","page":258},{"text":"قال محمد بن إسحاق: كانت لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها فقصدهم الناس فآذوهم فعرض لهم إبليس في صورة شيخ قال: إن [عضلتم] بهم كلهم أنجوتكم منهم فأبوا، فلما ألحّ الناس عليهم فعبدوهم فأصابوا غلمانا صباحا فأخبثوا واستحكم فيهم ذلك.\nوقال الحسن: كانوا لا ينكحون [إلّا الرجال] وقال الكلبي: أوّل من عمل عمل قوم لوط إبليس الخبيث لأن بلادهم أخصبت فانتجعها أهل البلدان فتمثّل لهم إبليس في صورة شاب ثمّ دعا [في] دبره فنكح في دبره ثمّ عتوا بذلك العمل فأكثر فيهم ذلك فعجّت الأرض إلى ربّها فسمعت السماء فعجّت إلى ربّها فسمع العرش فعجّ إلى ربّه فأمر الله السماء أن تحصبهم وأمر الأرض أن تخسف بهم وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إذا قال لهم ذلك إِلَّا أَنْ قالُوا قال بعضهم لبعض أَخْرِجُوهُمْ لوطا وأهل دينه مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ يتنزّهون ويتحرّجون عن إتيان أدبار الرجال وأدبار النساء فَأَنْجَيْناهُ يعني لوطا وَأَهْلَهُ المؤمنين به، وقيل: وأهله بنتاه: نعوذا وديثا.\nإِلَّا امْرَأَتَهُ فاعلة فإنّها كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ يعني الباقين في العذاب وقيل: معناه:\nكانت من الباقين والمعمّرين قبل الهلاك الذين قد أتى عليهم عمرت دهرا طويلا فهرمت فيمن هرم من الناس. فهلكت مع من هلك من قوم لوط حين أتاهم العذاب. وإنّما قال: (الْغابِرِينَ) ولم يقل: الغابرات لأنه أراد أنّها ممّن بقي مع الرجال فلمّا ضم ذكرها إلى ذكر الرجال قيل:\nالْغابِرِينَ. وقيل: له غبر يغبر غبورا، وغبر إذا بقي. قال الشاعر:\nوأبي الذي فتح البلاد بسيفه ... فأذلّها لبني أبان الغابر «١»\nيعني الباقي.\nوقال أبو ذؤيب:\nوغبرت بعدهم بعيش ناصب ... وإدخال أنّي لاحق مستتبع «٢»\nوَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا يعني حجارة من سجّيل فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وسنذكر القصّة بتمامها في موضعها إن شاء الله.\nوروى أبو اليمان بن الحكم بن نافع الحمّصي عن صفوان بن عمر قال: كتب عبد الملك ابن مروان إلى ابن حبيب قاضي حمص سأله كم [عقوبة] اللوطي فكتب أن عليه أن يرمى بالحجارة كما رجم قوم لوط فإن الله تعالى قال: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا وقال: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ «٣» فقبل عبد الملك ذلك منه وأستحسنه.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٨/ ٣٠٦\n. (٢) لسان العرب: ١/ ٧٥٨\n. (٣) سورة الحجر: ٧٤\n.","vol":"4","page":259},{"text":"وروى عكرمة عن النبيّ ﷺ: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» .\nوقال محمد بن المنكدر: كتب خالد بن الوليد إلى أبي بكر أنّه وجد رجلا في بعض قوافل العرب ينكح كما تنكح المرأة فشاور أصحاب النبيّ ﷺ وأشهدهم في ذلك عليه، فاجتمع عليهم على أن يحرقوه فأحرقوه.\nوَإِلى مَدْيَنَ يعني وأرسلنا إلى بني مدين بن إبراهيم خليل الله وهم أصحاب الأيكة.\nوقال قتادة: أرسل مرّتين إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة أَخاهُمْ شُعَيْبًا قال قتادة: هو شعيب بن [نويب] وقال عطاء: هو شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم، وقال ابن إسحاق: هو شعيب بن ميكيل بن إسحاق بن مدين بن إبراهيم واسمه بالسريانية يثروب وأمّه ميكيل بنت لوط وكان شعيب أعمى.\nويقال: إنّه خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه وكان قومه أهل كفر يكفرون بالله وبخس المكيال والميزان ف قالَ لهم يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ [يعني يجيء] شعيب فَأَوْفُوا فأتمّوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ولا تظلموا الناس حقوقهم ولا تنقصوها [إياهم] وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها كانت الأرض قبل أن يبعث إليها شعيبا رسولا يعمل فيها بالمعاصي ويستحلّ فيها المحارم ويسفك فيها الدماء بغير","vol":"4","page":260},{"text":"حقّها فذلك فسادها، فلمّا بعث إليها شعيبا ودعاهم إلى الله صلحت الأرض وكلّ نبيّ بعث إلى قومه فهو يدعوهم لإصلاحهم الذي ذكرت لكم وأمرتكم به.\nخَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ مصدّقين بما أقول وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ [يعني] في هذا الطريق كقوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ «١» .\nتُوعِدُونَ تهددون وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الله مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجًا زيغا وذلك أنّهم كانوا يجلسون على الطرق فيخبرون من قصد شعيبا ليؤمن به إنّ شعيبا كذّاب.\nفلا يفتننّك عن [ذلك] وكانوا يتوعدون المؤمنين بالقتل ويخوّفونهم.\nقال السدي وأبو روق: كانوا [جبّارين] . قال عبد الرحمن بن زيد: كانوا يقطعون الطريق.\nوقال النبيّ ﷺ «رأيت ليلة أسري بي خشبة على الطريق لا يمرّ بها ثوب إلّا شقّته ولا شيء إلّا خرقته فقلت ما هذا يا جبرائيل؟\nقال: هذا مثل أقوام من أمّتك يقعدون على الطريق فيقطعونه ثمّ تلا: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ «٢» [١٩٢] .\nوَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ [فكثّر بينكم] وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ يعني آخر قوم لوط وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ إلى قوله تعالى قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ\nيعني الرؤساء الذين تعالوا عن الإيمان به لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا لترجعن إلى ديننا الذي نحن عليه وتدعون دينكم.\nقال شعيب: قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ لذلك يعني ولو كنّا كارهين لذلك تجبروننا عليه فأدخلت ألف الاستفهام على ولو قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها نرجع إليها بعد إذ أنقذنا الله منها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا تقول إلّا أن يكون سبق لنا في علم الله ومشيئته أن نعود فيها فيمضي حينئذ قضاء الله فينا [وينفذ] حكمه وعلمه علينا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أحاط علمه بكل شيء فلا يخفى عليه شيء كان ولا شيء هو كائن عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا فيما تتوعدوننا به.\nواختلف العلماء في معنى قوله أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا وقوله وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها فقال بعضهم: معناه أو لتدخلن فيها ولن تدخل [إلّا] إن يشاء الله ربّنا فيضلنا بعد إذ هدانا.\nوسمعت أبا القاسم الحسين بن محمد الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري بها يقول: إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ أي صرنا، لا أن نعود، يكون ابتداء ورجوعا.\n_________\n(١) سورة الفجر: ١٤\n. (٢) الدر المنثور: ٣/ ١٠٣\n.","vol":"4","page":261},{"text":"قال أميّة بن أبي الصلت:\nتلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا «١»\nأي صار الآن اللبن، كأن لم تكن قط بولا.\nوسمعت [الحسين بن الحبيبي] قال: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه: إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها في سابق علمه وعند اللوح والقلم.\nوقال بعضهم: كان شعيب ومن آمن معه في بدء أمرهم مستخفين ثمّ أظهروا أمرهم وإنما قال لهم قومهم أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا حسبوا أنّهم على ملّتهم [قيل: من هو معه] «٢» على أصحاب شعيب دون شعيب لأنّهم كانوا كفّارا ثمّ آمنوا بالخطاب لهم وجواب شعيب عنهم لا عن نفسه، لأن شعيبا لم يكن كافرا قط وإنّما ناوله الخطاب في أصناف من فارق دينهم إليه.\nورأيت في بعض التفاسير أن الملّة هاهنا الشريعة وكان عليه قبل نبوّته فلمّا [نبّئ] فارقهم.\nثمّ دعا شعيب على قومه إذ لمس ما فيهم فقال رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ أي اقض.\nوقال [المؤرخ]: افصل.\nوقال ابن عباس: ما كنت أدري ما قوله رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ حتّى سمعت بنت ذي يزن تقول لزوجها: تعالى أفاتحك. أي أقاضيك ...\nوقال الفراء: أهل عمان يسمّون القاضي الفاتح والفتّاح. وذكر غيره أنّه لغة مهاد. فأنشد لبعضهم:\nألا أبلغ بني عصم رسولا ... بأنّي عن فتاحتكم غنيّ «٣»\nأي حكمكم. وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ يعني الحاكمين وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا وتركتم دينكم إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ قال ابن عباس: مغبونون. قال عطاء:\nجاهلون. قال الضحاك: فجرة. فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قال الكلبي: الزلزلة.\nقال ابن عباس: وغيره من المفسّرين: فتح الله عليهم بابا من أبواب جهنم فأرسل عليهم ريحا وحرّا شديدا، فأخذ بأنفاسهم فدخلوا أجواف البيوت فلم ينفعهم ظل ولا ماء فأنضجهم الحر فبعث الله ﷿ سحابة فيها ريح طيّبة فوجدوا برد الريح بطيبها وظل السحابة فتنادوا\n_________\n(١) كتاب العين: ١/ ١٨٢\n. (٢) كذا في المخطوط\n. (٣) جامع البيان للطبري: ١/ ٥٢٥\n.","vol":"4","page":262},{"text":"عليكم بها فخرجوا إلى البريّة فلمّا اجتمعوا تحت السحابة رجالهم ونساؤهم وصبيانهم ألهبها الله عليهم نارا ورجفت بهم الأرض فاحترقوا كما يحترق الجراد المعلّى وصاروا رمادا وهو عذاب يوم الظلّة، وذلك قوله: فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ ميّتين قال أبو العالية: ديارهم منازلهم، وقال محمد بن مروان: كل شيء في القرآن (دارِهِمْ)\nفهو [مرغمهم] وكلّ شيء (دِيارِهِمْ) فهو عساكرهم.\nقال ابن إسحاق: بلغني أن رجلا من أهل مدين يقال له عمر بن [جلهاء] لمّا رأى الظلّة فيها الغضب. قال: يا قوم إن شعيبا مرسل فذروا عنكم سميرا أو عمران بن شداد إني أرى غيمة يا قوم طلعت دعوا بصوت على صمانة الوادي، فإنّكم إن تروا فيها ضحاة غد إلّا الرقيم يمشي بين أنجاد وسميرا وعمران: كاهناهم راعيين، والرقيم كلبا لهما «١» .\nقال أبو عبد الله البجلي: أبجد وهوز وحطي وكلمن وسعفص وقرشت: أسماء ملوك وكان ملكهم يوم الظلة في زمان شعيب. فقالت أخت كلمون تبكيه:\nكلمون هدّ ركني هلكه وسط المحلة سيّد القوم أتاه الحتف نارا وسط ظلة.\nجعلت نار عليهم دارهم كالمضمحلة.\nالَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أي لم يعيشوا ولم ينزلوا ولم يقيموا ولم ينعموا، وأصله من قولهم غنيّة بالمكان إذا أقمت به والمغاني المنازل وأحدها مغنى قال لبيد:\nوغنيت ستا قبل مجرى داهس ... لو كان للنفس اللجوج خلود\nوقال حاتم:\nغنينا زمانا للتصعلك والغنى ... فكلا سقانا بكأسيهما الدهر «٢»\nالَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ لا المؤمنون كما زعموا فَتَوَلَّى أعرض عَنْهُمْ شعيب [بن شامخ] من أظهرهم حين أتاهم العذاب وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى [أحزن] عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ حين يعذّبون، يقال: آسيتم آسي أسى. قال الشاعر:\nآسيت على زيد ولم أدر ما فعل «٣»\nوالأسى الحزن [والأسى] الصبر.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٩/ ٧ بتفاوت\n. (٢) لسان العرب: ١٠/ ٤٥٦\n. (٣) تفسير القرطبي: ١٤/ ١١٨\n.","vol":"4","page":263},{"text":"وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ فيه إضمار واختصار يعني فكذّبوه إِلَّا أَخَذْنا عاقبنا أَهْلَها حين لم يؤمنوا بِالْبَأْساءِ يعني بالبؤس الشدّة وضيق العيش وَالضَّرَّاءِ تعني أضر وهو الحال. وقيل: المرض والزمناء قال: السدي البأساء يعني الفقر والجوع لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ لكي يتضرعوا [فينيبوا] ويتوبوا ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ وهي البأساء والجواب والجوع الْحَسَنَةَ يعني النعمة والسعة والرخاء والخصب حَتَّى عَفَوْا أي كثروا وأثروا وكثرت أموالهم وأولادهم، قال ابن عباس: (عَفَوْا) يعني [جهدوا]، وقال ابن زيد: يعني كثروا كما يكثر النبات والريش.\nقال قتادة: (حَتَّى عَفَوْا): سروا بذلك، وقال مقاتل بن حيان: (عَفَوْا) حتى كثروا وتركوا ولم يستكثروا وأصله من الكثرة.\nوقال النبيّ ﷺ: «أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى» «١» .\nوقال الشاعر:\nيقول من بعد أولاك أولات ... أتوا زمانا ليس عندهم بعيد\nوقال آخر:\nولكنا نعض السيف منها ... بأسوق عافيات الشحم كوم «٢»\nوَقالُوا من جهلهم وغفلتهم قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فنحن مثلنا فقال الله تعالى فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً [فجأة عبرة «٣» لمن بعدهم] . وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بنزول العذاب\n_________\n(١) مسند أبي يعلي: ١٠/ ١٠٥ ح ٥٧٣٨\n. (٢) تفسير الطبري: ٢/ ٤٩٨\n. (٣) في تفسير القرطبي (٧/ ٢٥٢): ليكون أكثر حسرة [.....]\n.","vol":"4","page":264},{"text":"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا يعني وحدوا الله وأطاعوه لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات، وأصل البركة المواظبة على الشيء تقول: برك فلان على فلان إذا [أجابه، وبركات الأرض أي] تابعنا عليهم بالمطر والنبات والخصب ورفعنا الحرث والقحط وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ فجعلنا لهم العقوبات بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والمعصية والأعمال الخبيثة.\nأَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى الذين كفروا وكذّبوا أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتًا وَهُمْ نائِمُونَ آمنون.\nأَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى نهارا وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهون.\nأَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ومعني (مكر) استدراج القوم بما أراهم في دنياهم.\nقال قتادة: مكر الله استدراجه بطول الصحة وتظاهر النعم، وقال عطيّة: يعني أخذه وعذابه، وحكى [الشبلي] أنه سئل عن مكر الله فأجاب بقول\nمحبتك لا ببعضي بل بكلي ... وإن لم يبقّ حبك لي حراكا\nومقبح من موالد ليفعل ... سنتي ويفعله فيحسن\nفقال السائل: اسأله عن آية من كتاب الله ويجيبني من الشعر فعلم الشبلي أنه لم يفطن لما قال، فقال: يا هذا [...] «١» إياهم على ما هم فيه.\nأَوَلَمْ يَهْدِ قرأ أبو عبد الرحمن وقتادة ويعقوب في رواية زيد (نهد) بالنون على التعظيم والباقون بالياء على [التفريد] لِلَّذِينَ يَرِثُونَ يستخلفون في الْأَرْضَ بعد هلاك آخرين قبلهم كانوا أهلها فساروا بسيرتهم [...] «٢» ربّهم أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ أهلكناهم بِذُنُوبِهِمْ بما أهلكنا من قبلهم وَنَطْبَعُ نختم عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ الهدى ولا يقبلون الموعظة تِلْكَ الْقُرى هذه القرى التي ذكرت لك وأهلكناهم وهي قرى نوح وعاد وثمود وقوم لوط وشعيب نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها نخبرك أخبارها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ [بالآيات والعلامات والدلالات] فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ اختلف في تأويله.\nقال أبي بن كعب: معناه فما كانوا ليؤمنوا عند مجيء الرسل بما سبق في علم الله أنّهم يكذّبون به يوم أقرّوا له بالميثاق حين أخرجهم من صلب آدم.\nوقال ابن عباس والسدي: يعني فما كان هؤلاء الكفار الذين أهلكناهم ليؤمنوا عند إرسال الرسل بما كذبوا من قبل يوم أخذ ميثاقهم حتّى أخرجهم من ظهر آدم فآمنوا كرها وأقروا باللسان وأظهروا التكذيب.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n. (٢) كلمة غير مقروءة\n.","vol":"4","page":265},{"text":"وقال مجاهد: معناه فَما كانُوا لو أحييناهم بعد هلاكهم ورددناهم إلى الدنيا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا به من قبل هلاكهم كقوله وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «١» وقال يمان بن رئاب: هذا معنى أنّ كلّ نبي أخذ قومه بالعذاب ما كانوا ليؤمنوا بما كذب به أوائلهم من الأمم الكفار بل كذّبوا كما كذب نظير قوله كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَواصَوْا بِهِ «٢» .\nوقيل: معناه: وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ يعني بالمعجزات والعجائب التي سألوهم فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بعد ما رأوا الآيات والعجائب بِما كَذَّبُوا به من قبل رؤيتهم تلك العجائب نظيره قوله قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ «٣» وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ «٤» .\nكَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ الذين كتب عليهم أن لا يؤمنون من قومك وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ يعني وفاء بالعهد، والعهد الوصية وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ أي ما وجدنا أكثرهم إلّا فاسقين ناقضين العهد.\nثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد قوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب مُوسى بِآياتِنا بحجّتنا وأدلّتنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَظَلَمُوا فجحدوا وكفروا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وكيف فعلنا بهم وَقالَ مُوسى لمّا دخل على فرعون واسمه قابوس في قول أهل الكتاب.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٢٨\n. (٢) سورة الذاريات: ٥٢. ٥٣\n. (٣) سورة المائدة: ١٠٢\n. (٤) سورة الإسراء: ٥٩\n.","vol":"4","page":266},{"text":"قال وهب: كان اسمه الوليد بن مصعب بن الربان وكان من القبط وعمّر أكثر من أربعمائة عام وقال موسى: يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ إليك فقال فرعون كذبت فقال موسى: حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ يعني أنا [خليق] بأن لا أقول على الله إلّا الحق، فعلى بمعنى الباء، كما يقال: رميت بالقوس على القوس وجاءني على حال حسنة وبحالة حسنة يدل عليه، [قول الفراء] والأعمش: حقيق بأن لا أقول. وقال أبو عبيدة: معناه حريص على أن لا أقول على الله إلّا الحق، وقرأ شيبة ونافع: حقيّق على تشديد الياء يعني حق واجب عليّ ترك القول على الله ﷿ إلّا الحق.\nقَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني العصا وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري يقول: إنّه تعريض يقول: لحقيق مصرف الخطاب وحَقِيقٌ [فعيل] من الحق يكون بمعنى القائل فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي اطلق عنهم وخلهم يرجعون إلى الأرض المقدسة.\nقال وهب: وكان سبب استعباد فرعون بني إسرائيل أنّ فرعون حاجّ [موسى] وكان [أشد من] فرعون يوسف [...] «١» في يوسف [وانقرضت] الأسباط عليهم فرعون فاستعبدهم فأنقذهم الله بموسى.\nقال: وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخل موسى رسولا أربعمائة عام قالَ فرعون مجيبا لموسى إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ من يده فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ.\nقال ابن عباس والسدي: كانت [عظيمة ذكرا] من الحيات، إذا فتحت فاها صار شدقها ثمانين وقد ملأت ما بين سماطي فرعون واضعة لحييها ذراعا واضع لحية الأسفل في الأرض الأعلى على سور القصر، حتى رأى بعض من كان خارج مدينة مصر رأسها.\nثمّ توجهت نحو فرعون لتبتلعه فوثب فرعون من سريره وهرب منها فأحدث ولم يكن حدث قبل ذلك وهرب الناس وصاحوا وحملت على الناس فانهزموا منها فمات منهم خمسة وعشرون ألفا قتل بعضهم بعضا، ودخل فرعون البيت وصاح يا موسى خذها وأنا مؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذها موسى فعادت عصا كما كانت.\nثمّ قال له فرعون: هل معك آية أخرى، قال: نعم، فأدخل يده في جيبه ثمّ نزعها فأخرجها بيضاء مثل الثلج لها شعاع غلب على نور الشمس، وكان موسى أدم ثمّ أدخلها جيبه فصارت يدا كما كانت.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n.","vol":"4","page":267},{"text":"قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يعنون أنّه يأخذ بأعين الناس بخداعه إيّاهم حتّى تخيّل إليهم العصا حيّة والأدم أبيض [يري الشيء] بخلاف ما هو به، كما قيل سحر المطر الأرض إذا جاءها فقطع نباتها من أصلها وقلب الأرض على البطن فهو يسحرها سحرا والأرض مسحورة فشبه سحر الساحر به لتخيله إلى من سحره أنّه يري الشيء بخلاف ما هو به، ومنه قول بني الرمة في صفة السراب\nوساحرة العيون من الموامي ... ترقص في نواشزها الأروم «١»\nيُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ [من القبط] مِنْ أَرْضِكُمْ مصر فَماذا تَأْمُرُونَ هذا من قول فرعون للملأ ولم يذكر فرعون فيه كقوله الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ «٢» هذا من كلام يوسف ولم يذكر قالُوا أَرْجِهْ أحبسه وَأَخاهُ هارون ولا تقتلهما ولا يؤمن بهما، وقال عطاء: احبسه وهذا أعجب إليّ لأنّه قد علم أنه لا يقدر على حبسه بعد ما رأى الآيات من العصا واليد.\nوَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني الشرطة وكانت له مدائن فيها السحرة عدة للأشياء إذا [حزّ به أمر] أرسل.\nيَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ قرأها أهل الكوفة على التكثير وقرأ العامّة بِكُلِّ ساحِرٍ. والفرق بين الساحر والسحّار أن الساحر الذي لا يعلم والسحار الذي يعلم ولا يعلم. وقال المؤرخ:\nالساحر من سحره في وقت دون وقت، والسحار من قديم السحر.\nقال: فإن غلبهم موسى صدقناه على ذلك وعلمت أنه ساحر.\nقال ابن عباس وابن إسحاق والسدي: قال فرعون لمّا رأى من سلطان الله في العصا ما رأى: إنا لا نغالب موسى إلّا بمن هو مثله فأخذ غلمان بني إسرائيل فبعث بهم إلى قرية يقال لها الفرقاء يعلّمونهم السحر كما يعلّم الصبيان الكتابة في المكتب فعلّموهم سحرا كثيرا وواعد فرعون موسى موعدا، فبعث فرعون إلى السحرة فجاء بهم ومعهم معلمهم فقال له ماذا صنعت؟\nقال: قد علمتهم سحر لا يطيقه سحرة أهل الأرض إلّا أن يكون أمر من السماء فإنّه لا طاقة لهم به، ثم بعث فرعون الشرطي في [مملكته] فلم يترك في سلطانه ساحرا إلّا أتى به واختلفوا في عدد السحرة الذين جمعهم فرعون.\nفقال مقاتل: كان السحرة اثنين وسبعين ساحرا اثنان فيهم من القبط وهما رئيسا القوم وسبعون من بني إسرائيل.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢\n. (٢) سورة يوسف: ٥١. ٥٢\n.","vol":"4","page":268},{"text":"وقال الكلبي: كانوا سبعين ساحرا غير رئيسهم وكان الذين يعلّمونهم السحر رجلين مجوسيين من أهل نينوى، وقال كعب: كانوا اثني عشر ألفا. قال السدي: كانوا بضعة وثلاثين.\nعكرمة: سبعين ألفا، ابن المنكدر: ثمانين ألفا فاختار منهم سبعة آلاف ليس منهم إلا ساحر ماهر ثم اختار منهم سبعمائة ثم اختيار منهم سبعين من كبرائهم وعلمائهم، وقاله ابن جريج، فلمّا أجتمع السحرة قالُوا لفرعون إِنَّ لَنا لَأَجْرًا أي جعلا وثوابا.\nإِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ فرعون نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ في المنزلة عندي.\nقال الكلبي: أوّل من يدخل عليّ وآخر من يخرج قالُوا يعني السحرة.\nيا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ بعصيّنا [وحبالنا] .\nقالَ موسى أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ أي أرعبوهم وأفزعوهم وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ وذلك أنّهم ألقوا حبالا وعظاما وخشبا طوالا فإذا هي حيّات كالجبال قد ملأت الوادي [يأكل] بعضهم بعضا.","vol":"4","page":269},{"text":"وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فألقاها فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ تبتلع، ومن قرأ تَلْقَفُ ساكنة اللام خفيفة القاف فهو من لقف يلقف، ودليله قراءة سعيد بن جبير: تلقم من لقم يلقم.\nما يَأْفِكُونَ يكذّبون، وقيل: يقلبون ويزوّرون على الناس فأكلت سحرهم كله فقالت السحرة: لو كان هذا سحرا لبقت حبالنا وعصينا. فذلك قوله: فَوَقَعَ الْحَقُّ أي ظهر.\nقال النضير بن شميل: فَوَقَعَ الْحَقُّ أي فزعهم وصدّعهم [كوقع الميقعة] وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من السحر فَغُلِبُوا هُنالِكَ وبطل ما كانوا يعملون وَانْقَلَبُوا صاغِرِينَ ذليلين ومقهورين.\nوَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ لله حيث عرفوا أنّ ذلك أمر سماوي وليس سحرا، وقيل:\nألهمهم الله ذلك، وقال الأخفش: من سرعة ما سجدوا كأنهم ألقوا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ فقال فرعون: إياي تعنون فقالوا رَبِّ مُوسى وَهارُونَ.\nقال عطاء: فكان رئيس السحرة بأقصى مدائن مصر وكانا أخوين فلمّا جاءهما رسول فرعون قالا لأمّهما [دلّينا] على قبر أبينا فدلتهما عليه فأتياه فصاحا باسمه فأجابهما فقالا: إن الملك وجه إلينا رسولا أن نقدم عليه، لأنّه أتاه رجلا ليس معهما رجال ولا سلاح ولهما [عزّ ومنعة] وقد ضاق الملك ذرعا من عزّهما، ومعهما عصا إذا ألقياها لا يقوم لهما [شيء] تبلغ الحديد والحجر والخشب. فأجابهما أبوهما: انظرا إذا هما ناما فإنّ قدرتما أن تسلا العصا فسلّاها فإنّ الساحر لا يعمل سحره إذا نام، وإن عملت العصا وهما نائمان فذلك أمر ربّ العالمين، ولا طاقة لكما به ولا الملك ولا جميع أهل الدنيا، فأتاهما في خفية وهما نائمان ليأخذا العصا فقصدتهما العصا قاله مقاتل.\nقال موسى للساحر الأكبر: تؤمن بي إن غلبتك فقال لآتين بسحر لا يغلبه سحر ولئن غلبتني لأومنن بك وفرعون ينظر قالَ لهم فرعون حين آمنوا آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ صنيع وخديعة مَكَرْتُمُوهُ صنعتموه أنتم وموسى فِي الْمَدِينَةِ في مصر قبل خروجكم إلى هذا الموضع.\nلِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها بسحركم فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ما أفعل بكم.\nلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وهو أن يقطع من شق طرفا قال سعيد بن جبير: أوّل من قطع من خلاف فرعون ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ على شاطئ نهر مصر قالُوا يعني السحرة لفرعون إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ راجعون في الآخرة وَما تَنْقِمُ مِنَّا قرأ العامّة بكسر القاف.\nوقرأ الحسن وابن [المحيصن] بفتح القاف وهما لغتان نقم ينقم ونقم ينقم.\nقال الشاعر:","vol":"4","page":270},{"text":"وما نقموا من بني أميّة إلا ... أنّهم يحلمون إن غضبوا «١»\nوقال الضحاك وغيره: يعني وما يطعن علينا. قال عطاء: ما لنا عندك من ذنب وما ارتكبنا منك مكروها تعذّبنا عليه إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا ثمّ [فزعوا] إلى الله ﷿ فقالوا رَبَّنا أَفْرِغْ اصبب عَلَيْنا صَبْرًا أصبب علينا الصبر عند القطع والصلب حتّى لا نرجع كفارا وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ واقبضنا إليك على دين موسى، فكانوا أول النهار كفارا سحرة وآخره شهداء بررة.\nوَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ أتدع مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا كي يفسدوا عليك ملكك عبيدك فِي الْأَرْضِ في أرض مصر وَيَذَرَكَ يعني وليذرك.\nوروى سليمان التيمي عن أنس بن مالك أنّه قرأ وَنَذَرُكَ بالرفع والنون، [أخبروا] عن أنفسهم أنهم يتركون عبادته إن ترك موسى حيا فيصرفهم عنّا.\nوقرأ الحسن (وَيَذَرُكَ) بالرفع على تقدير المبتدأ، أي وهو يذرك، آلِهَتَكَ فلا نعبدك ولا نعبدها. قال ابن عباس: كان لفرعون بقرة يعبدها وكانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، ولذلك أخرج السامري لهم عجلا.\nوروى عمرو عن الحسين قال: كان لفرعون حنانة معلقة في نحره يعبدها ويسجد عليها كأنّه صنم كان عابده يحن إليه.\nوروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: كان فرعون يصنع لقومه أصناما صغارا ويأمرهم بعبادتها ويقول لهم: أنا رب هذه الأصنام، وذلك قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى «٢» .\nقال أبو عبيد: وبلغني عن الحسن أنه قيل له: هل كان فرعون يعبد شيئا؟ قال: نعم كان يعبد تيسا.\nوقرأ ابن مسعود وابن عباس وبكر بن عبد الله [الشعبي] والضحاك وابن أبي إسحاق:\nإلهتك بكسر الألف أي [إلهك] فلا يعبدك كما تعبد. قالوا: لأن فرعون كان يعبد ولا يعبد.\nوقيل أراد بالآلهة الشمس وكانوا يعبدونها.\nقال [عيينة] بن [شهاب]:\nتروحنا من الأعيان عصرا ... فأمحلنا الآلهة أن تؤوبا «٣»\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ٥٩١\n. (٢) سورة النازعات: ٢٤\n. (٣) تاج العروس: ٩/ ٣٧٥، وبلاغات النساء: ٢٠٨ وفيه: اللعاب قصرا\n.","vol":"4","page":271},{"text":"بمعنى الشمس قالَ يعني فرعون سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ بالتشديد على التكثير. وقرأ أهل الحجاز.\nبالتخفيف وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ غالبون.\nقال ابن عباس: كان فرعون يقتل بني إسرائيل في العام الذي قيل له إنّه يولد مولد يذهب بملكك فلم يزل يقتلهم حتّى أتاهم موسى (﵇) بالرسالة فلما كان من أمر موسى ما كان أمر بإعادة عليهم القتل فشكت بنو إسرائيل إلى موسى (﵇) فعند ذلك قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يعني أرض مصر يُورِثُها يعطيها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وقرأ الحسن يُوَرِّثُها بالتشديد والاختيار التخفيف لقوله تعالى وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ... وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ يعني النصر والظفر، وقيل: السعادة والشهادة، وقيل: الجنّة.\nوروى عكرمة عن ابن عباس قال: لما آمنت السحرة اتّبع موسى ست مائة ألف من بني إسرائيل قالُوا يعني قوم موسى أُوذِينا بقتل الأبناء واستخدام النساء والتسخير. مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا بالرسالة وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا بالرسالة وإعادة القتل والتعذيب وأخذ الأموال والأتعاب في العمل.\nقال وهب: كانوا أصنافا في أعمال فرعون فأما ذوو القوة منهم فيسلخون السوابي من الجبال وقد [...] «١» أعناقهم وعواتقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطع ذلك وقتله.\nوطائفة أخرى قد [قرحوا] من ثقل الحجارة وسير [الليل] له، وطائفة يلبنون اللبن ويطنبون الأجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفاء بينهم عليهم الخراج ضريبة يودون كانت ضربت عليه الشمس، قيل: وإن يردى ضريبته غلت يده إلى عنقه شهرا، وأما النساء فيقرن اختان وينسجنه فقال موسى (﵇) لهم عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ فرعون وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ ويسكنكم مصر من بعدهم بالتسخير والاستعباد وهم بنو إسرائيل\nمَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا يعني مصر والشام الَّتِي بارَكْنا فِيها بالماء والأشجار والثمار وإنما ذكر بلفظ [...] «٢» .\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n. (٢) سقط قريب الورقة [.....]\n.","vol":"4","page":272},{"text":"[...] فأورثهم ذلك بمهلك أهلها من العمالقة والفراعنة. وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى يعني تمت كلمة الله وهي وعده إياهم بالنصر والتمكين في الأرض. وذلك قوله عز وعلى وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ إلى قوله ما كانُوا يَحْذَرُونَ.\nوقيل: معناه [رحبت] نعمة ربّك الحسنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ يعني أنهم مجزون الحسنى يوم القيامة بِما صَبَرُوا على دينهم وَدَمَّرْنا أهلكنا [فدمرنا] ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ\nفي أرض مصر من المغارات وَما كانُوا يَعْرِشُونَ.\nقال الحسن: وَما كانُوا يَعْرِشُونَ من الثمار والأعشاب.\nوقال مجاهد: يعني يبنون البيوت، والقصور ومساكن وكان [غنيّهم] غير معروش.\nوقرأ ابن عامر وابن عباس: بضم الراء وهما لغتان فصيحتان عرش يعرش.\nوقرأ إبراهيم بن أبي علية: يعرِّشون بالتشديد على الكسرة وَجاوَزْنا قطعنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ بعد الآيات التي رأوها والعير التي عاينوها.\nقال الكلبي: عبر بهم موسى يوم عاشوا بعد هلاك فرعون وقومه وصام يومئذ شكرا لله ﷿ فَأَتَوْا فمرّوا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ يصلّون، قرأ حمزة والكسائي يَعْكِفُونَ بكسر الكاف والباقون بالضم وهما لغتان عَلى أَصْنامٍ أوثان لَهُمْ أوثان لهم كانوا يعبدونها من دون الله ﷿.\nقال ابن جريج: كانت تماثيل بقر وذلك أوّل [شأن] العجل «١» .\nقال قتادة: كانوا أولئك القوم من لخم وكانوا هؤلاء بالرمة، وقيل: كانوا من الكنعانيين الذين أمر موسى بقتالهم فقالت بنو إسرائيل له عند ما رأوا ذلك قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا تمثالا نعبده كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ موسى إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عظمة الله ونعمته وحرمته.\nوروى معمر عن الزهري عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين فمررنا بشجرة خضراء عظيمة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفّار ذات أنواط. فقال النبيّ ﷺ: «الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى (﵇) اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ والذي نفسي بيده [لتركبنّ سنن] من كان قبلكم» [١٩٣] «٢» .\nوروي عنه (﵇) أنه قال: «لا تقوم الساعة حتّى تأخذ أمّتي أخذ الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع كما قالت فارس والروم» [١٩٤] «٣» .\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٩/ ٦١\n. (٢) مسند أحمد: ٥/ ٢١٨. وجامع البيان للطبري: ٩/ ٦١\n. (٣) صحيح البخاري: ٨/ ١٥١\n.","vol":"4","page":273},{"text":"إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مهلك ومفسد ومخسر ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ مضمحل زائل ما كانُوا يَعْمَلُونَ قالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ أطلب وأبغي لكم فحذف حرف الصفة لقوله (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ) ... إِلهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ على أهل زمانكم وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ قرأ أهل المدينة أَنْجَيْناكُمْ، وقرأ أهل الشام وإذا أنجاكم وكذلك في مصاحفهم بغير نون.\nمِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ.\nقرأ نافع: (يَقْتُلُونَ) خفيفة من القتل على القليل، وقرأ الباقون التشديد على الكثير من القتل وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ.\nوَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً ذا القعدة وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ من ذي الحجّة فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقال عند انطلاقه لأخيه هارون اخْلُفْنِي كن خليفتي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وأصلحهم بحملك إياهم على طاعة الله وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ولا تسلك طريق العاصين ولا تكن مرنا للظالمين، وذلك أن موسى وعد بني إسرائيل وهم بمصر إذا أهلك الله عدوّهم واستنقذهم من أيديهم أتاهم بكتاب فيه ما يأتون وما يذرون، فلما فعل الله ذلك بهم سأل موسى ربه الكتاب فأمره الله ﷿ صوم ثلاثين يوما وهو شهر ذي القعدة فلما تمت ثلاثون ليلة أنكر خلوق «١» فمه فتسوك بعود [ضرنوب] فقالت له الملائكة: كنّا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك «٢» .\n_________\n(١) الخلوق: الرائحة\n. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٢٧٤\n.","vol":"4","page":274},{"text":"وقال أبو العالية: إنّه أكل من لحاء الشجرة فأمره الله ﷿ بصوم عشرة أيام من ذي الحجّة. وقال: أما علمت أن خلوق فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، فكان فتنتهم في العشر التي زادها الله ﷿ وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا أي الوقت سأله أن يكلمه فيه والميقات مفعال من الوقت كالميعاد والبلاد انقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.\nقال المفسّرون: إنّ موسى (﵇) تطهّر وطهّر ثيابه لميعاد ربه فلما أتى بطور سيناء وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ وناجاه وأدناه حتّى سمع حروف القلم فاستجلى كلامه واشتاق [إلى رؤيته] وطمع فيها قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قال ابن عباس: أعطني أنظر إليك قالَ الله تعالى لَنْ تَرانِي وليس بشرا [لا] يطيق النظر إليّ في الدنيا، من نظر إليّ مات، فقال له: سمعت كلامك واشتقت إلى النظر إليك [فلئن] أنظر إليك وأموت أحب إليّ من أن أعيش ولا أراك فقال الله تعالى وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فهو أعظم جبل بمدين يقال له: زبير فلمّا سمعت الجبال ذلك تعاظمت رجاء أن يتجلّى منها الله لها وجعل زبير يتواضع من تبيان فلمّا رأى الله تعالى تواضعه رفعه من بينهما وخصّه بالتجلّي.\nقال السدي: لمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى خاض الخبيث إبليس في الأرض حتّى خرج بين قدمي موسى فوسوس إليه وقال: إن مكلمك الشيطان فعند ذلك سأل الرؤية فقال الله تعالى: لَنْ تَرانِي [...] «١» تعلّقت [...] «٢» الرؤية بهذه الآية، ولا دليل لهم فيها لأنّ (لَنْ) هاهنا لا توجب التأبيد وإنما هي للتوقيت لقوله تعالى حكاية عن اليهود لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ «٣» يعني الموت ثمّ حكى عنهم أنهم يقولون لمالك يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ «٤» . ويا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ «٥» يعني الموت، وقال سبحانه لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ يعني الجنّة حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وقد يدخل الجنّة من لا ينفق ممّا [علمت] فمعنى الآية لن تراني في الدنيا وإنما تراني في العقبى.\nقال عبد العزيز بن يحيى: قوله لَنْ تَرانِي جواب قول موسى (أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ) ولا تقع على الآخرة، لأن موسى لم يقل أرني أنظر إليك في الآخرة إنما سأله الرؤية في الدنيا فأجيب عما سأل ولا حجّة فيه لمن أنكر الرؤية.\nوقيل: معنى لَنْ تَرانِي أي لا تقدر أن تراني، وقيل: معناه لَنْ تَرانِي بعين فانية وإنما تراني بعين باقية، وقيل: لَنْ تَرانِي قبل محمد وأمته وإنما تراني بعد محمد وأمته، وقيل: معناه\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n. (٢) كلمة غير مقروءة\n. (٣) سورة البقرة: ٩٥\n. (٤) سورة الزخرف: ٧٧\n. (٥) سورة الحاقة: ٢٧\n.","vol":"4","page":275},{"text":"لَنْ تَرانِي بالسؤال والدعاء وإنما تراني بالنوال والعطاء إنّه لو أعطاه إياه بسؤاله لكانت الرؤية مكافأة السؤال، ويجوز أن يكون فعله مكافأة فعل عبده ولا يجوز أن يكون هو مكافأة فعل عبده.\nوقيل: معناه لَنْ تَرانِي بالعين التي رأيت بها عدوي وذلك أنّ الشيطان تراءى له فوسوس إليه، فقال الله تعالى: يا موسى أما تعلم أنّ رؤية الخبيث والله لا يجتمعان في حال واحد ومكان واحد وزمان واحد.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت عليّ بن مهدي الطبري يقول: لو كان سؤال موسى مستحيلا لما أقدم عليه نبي الله موسى (﵇) مع علمه ومعرفته بالله عن اسمه كما لم تجز أن يسأله لنفسه صاحبة ولا ولدا.\nوقال الله ﷿: وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي واستقراره بكونه وثباته.\nقال المتكلّمون من أهل الشام: لما علق الله [الرؤية باستقراره] دلّ على جواز الرؤية لأن استقراره غير محال فدلّ على أنّ ما [علق] عليه. من كون الرؤية. غير محال أيضا ألا ترى أن دخول الكفار الجنّة لما كان مستحيلا علقه بشيء مستحيل. وهو قوله وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ «١» .\nوقال أهل الحكمة والإشارة: إن الكليم لما أراد الخروج إلى الميقات جعل بين قومه وبين ربه واسطة يقول لأخيه هارون: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي فلما سأل الرؤية جعل الله تعالى بينه وبينها واسطة وهو الجبل لقوله تعالى لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فقال: وكأنّه يقول إن لم أصلح لخلافتك دون أخيك فأنت أيضا لأنه لم ترونني دون استقرار الجبل فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ.\nقال وهب: لما سأل موسى الرؤية أرسل إليه الضباب والصواعق والظلمة والرعد والبرق فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى فأمر الله ملائكة السماوات أن يعترضوا على موسى أربعة فراسخ من كل ناحية فمرت به ملائكة سماء الدنيا كثير، إن البقر تتبع أفواههم بالتقديس والتسبيح بأصوات عظيمة كأصوات الرعد الشديد، ثمّ أمر الله ملائكة سماء الثانية أن اهبطوا على موسى فهبطوا عليه مثل الأسد لهم لجبّ بالتسبيح والتقديس ففزع العبد الضعيف ابن عمران مما رأى وسمع واقشعر كل شعرة في رأسه وجسده.\nثمّ قال: ندمت على مسألتي فهل ينجيني من مكاني الذي أنا فيه؟\nفقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا موسى اصبر لما سألت فقليل من كثير ما رأيت ثمّ\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٤٠\n.","vol":"4","page":276},{"text":"هبطت ملائكة السماء الثالثة كأمثال النسور لهم قصف ورجف ولجب شديد وأفواههم تتبع بالتسبيح بالتقديس كجلب الجيش العظيم ولهب النار.\nثمّ هبطت عليه ملائكة السماء الرابعة لا يشبههم شيء من الذين مروا به قبلهم ألوانهم كلهب النار وسائر خلقهم كالثلج الأبيض أصواتهم عالية بالتسبيح والتقديس لا يقاربهم شيء من أصوات الذين مروا به من قبلهم.\nثمّ هبطت عليهم ملائكة السماء الخامسة سبعة ألوان فلم يستطيع أن يتبعهم طرفه ولم ير مثلهم ولم يسمع مثل أصواتهم فامتلأ جوفه خوفا واشتد حزنه وكثر بكاؤه فقال له حبر الملائكة ورأسهم: يا بن عمران مكانك حتّى ترى ما لا تصبر عليه ثمّ أمر الله تعالى ملائكة السماء السادسة أن اهبطوا على عبدي أراد أن يراني فاعترفوا عليه فهبطوا عليه في يد كل ملك مثل النخلة العظيمة الطويلة نار أشد ضوءا من الشمس ولباسهم كلهيب النار، إذا سبحوا وقدّسوا جاوبهم من كان قبلهم من ملائكة السماوات كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح قدوس رب العزّة أبدا لا يموت، في رأس كل ملك منهم أربعة أوجه، فلما رآهم موسى رفع صوته يسبح معهم حين سبحوا وهو يبكي ويقول: رب اذكرني ولا تنس عبدك لا أدري أنقلب مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجت أحرقت وإن مكثت متّ، فقال له رأس الملائكة ورئيسهم: قد أوشكت يا ابن عمران أن يمتلئ جوفك وينخلع قلبك فاصبر للذي جلست.\nثمّ أمر الله تعالى أن يحمل عرشه في ملائكة السماء السابعة وقال: أروه، فلما بدا نور العرش انفرج الجبل من عظمة الرب ورفعت ملائكة السماوات أصواتهم جميعا فارتج الجبل واندكت كل شجرة كانت فيه وَخَرَّ العبد الضعيف مُوسى صَعِقًا على وجهه ليس معه روحه فقلب الله الحجر الذي كان عليه موسى وجعله كالمعدة كهيئة القبّة لئلّا يحترق موسى، فأرسل الله تعالى إليه روح الحياة فقام موسى يسبح الله تعالى ويقول: آمنت بأنك ربّي وصدقت بأنه لا يراك أحد فيحيا. ومن نظر الى ملائكتك انخلع قلبه فما أعظمك وأعظم ملائكتك أنت رب الأرباب وإله الآلهة وملك الملوك، لا يعدلك شيء ولا يقوم لك شيء رب تبت إليك الحمد لله لا شريك لك رب العالمين «١» .\nوقال السدي: حفّت حول الجبل بالملائكة وحفّت حول الملائكة بنار وحفّ حول النار بالملائكة وحفّ حول الملائكة بنار ثمّ تجلّى ربّك للجبل.\nوقال ابن عباس: ظهر نور ربّه للجبل جبل زبير «٢»، وقال الضحاك [أخرج] الله تعالى له من نور الحجب مثل منخر الثور.\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ٩/ ٧٠ مع تفاوت وزيادة\n. (٢) زاد المسير: ٣/ ١٧٤\n.","vol":"4","page":277},{"text":"وقال عبد الله بن سلام وكعب الأحبار: ما تجلّى من عظمة الله للجبل إلّا مثل سمّ الخياط، يعني صار دكّا.\nوقال السدي: ما تجلّى منه إلّا قدر الخنصر. يدلّ عليه ما\nروى عن ثابت عن أنس عن النبيّ ﷺ أنّه قرأ هذه الآية فقال: هكذا، ووضع الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر، فساخ الجبل.\nوقال سفيان: ساخ الجبل في الأرض حتّى وقع في البحر فهو يذهب معه.\nوقال أبو بكر الهذلي: انقعر فدخل تحت الأرض فلا يظهر إلى يوم القيامة.\nوقال عطيّة العوفي: جَعَلَهُ دَكًّا أي رملا هائلا، وقال الكلبي: جَعَلَهُ دَكًّا أي كسرا جبالا صغيرا. قال الحسن: جَعَلَهُ دَكًّا أي ذاهبا أصلا. وقال مسروق: صار صغيرا [كالرابية] «١» .\nالحسن: أوحى الله تعالى إلى الجبل هل تطيق رؤيتي فغار الجبل وساخ في الأرض وموسى ينظر حتّى ذهب أجمع.\nوقال قطرب: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ أي: أمر ربّه لِلْجَبَلِ كقوله. وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها «٢» .\nوقال المبرد: معناه فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ آية لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ فعلا متعدّيا [كالتخلّص والتبدّل والتوعد] .\nوقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: حكي لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من [وراء] سبعين ألف حجاب ضوءا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا.\nوقال أبو بكر: فعذب إذ ذاك كل ماء وأفاق كل مجنون وبرأ كل مريض. وزالت الأشواك عن الأشجار وخصبت الأرض وأزهرت وخمدت نيران المجوس. وخرت الأصنام لوجهها جَعَلَهُ دَكًّا مستويا بالأرض. وقال ابن عباس: جعله ترابا.\nعن معونة بن قرّة عن أنس بن مالك قال: قال النبيّ ﷺ في قوله: فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا: «طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان، ورضوى. ووقع ثلاثة بمكّة ثور وثبيرة وحراء» [١٩٥] «٣» .\nواختلفت القراءة في هذا الحرف، وقرأ عاصم دَكًّا بالقصر والتنوين. والتي في الكهف بالمد، وقرأ غيره من أهل الكوفة وحمير (دكاء) ممدودة غير مجراه في التنوين.\n_________\n(١) راجع فتح القدير: ٢/ ٢٤٣ [.....]\n. (٢) سورة يوسف: ٨٢\n. (٣) تاريخ بغداد: ١٠/ ٤٤٠، وفتح الباري: ٦/ ٣٠٧\n.","vol":"4","page":278},{"text":"وقرأ الباقون مقصورة الرفع منونة. وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، فمن قصره فمعناه جعله مدكوكا. والدك والدق بمعنى واحد لأن الكاف والقاف يتعاقبات، لقولهم: كلام رقيق وركيك، ويجوز أن يكون معناه: دكه الله دكا أي فتّه الله أغبارا لقوله إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا وقوله وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً «١» .\nقال حميد:\nيدك أركان الجبال هزمه ... تخطر بالبيض الرقاق بهمه «٢»\nومن مده فهو من قول العرب ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام. وحينئذ يكون معناه: جعله أيضا دكاء، أي مستوية لا شيء فيها، لأن الجبل مذكر، هذا قول أهل الكوفة.\nوقال نحاة البصرة: معناه فجعله مثل دكّا وحذف مثل فأجرى مجرى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ قال الأخفش: من مدّ قال في الجمع: دكاوات، وذلك مثل حمراوات وحمرة، ومن قال: أرض دك، قال في الجمع: دكوك، وَخَرَّ أي وقع مُوسى صَعِقًا قال ابن عباس: فغشي عليه، وقال قتادة: ميّتا.\nوقال الكلبي: خَرَّ مُوسى صَعِقًا يوم الخميس يوم عرفة وأعطى التوراة يوم الجمعة [يوم النحر] .\nوقال الواقدي: لما خَرَّ مُوسى صَعِقًا قالت ملائكة السماوات: ما لابن عمران وسؤاله الرؤية؟! وفي بعض الكتب أنّ ملائكة السماوات أتوا موسى وهو مغشي عليه فجعلوا يلكزونه بأرجلهم ويقولون: يا ابن النساء الحيض أطمعت في رؤية ربّ العزّة.\nفَلَمَّا أَفاقَ من صعقته وعقله عرف أنّه قد فعل أمرا لا [ينبغي فعله] قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ من سؤالي الرؤية وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ بأنك لا ترى في الدنيا [قال السدي] ومجاهد:\nوأنا أوّل من آمن بك من بني إسرائيل.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا القاسم النصرآبادي يحكي عن الجنيد [أنه قال:] جئت إليك من الأسباط في شيء لا تعلقه نيتي، فأنا أوّل المؤمنين بأنّك لا ترى في الدنيا لأن أول من سألك الرؤية [...] «٣» .\n_________\n(١) سورة الحاقة: ١٤\n. (٢) تفسير الطبري: ٩/ ٧٢\n. (٣) كلمة غير مقروءة\n.","vol":"4","page":279},{"text":"قال ابن عباس: لمّا سار موسى إلى طور سيناء للميقات قال له ربه: ما تبتغي؟ قال: جئت أبتغي الهدي. قال قد وجدته يا موسى، فقال موسى: يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني. قال: أي عبادك أقصى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال:\nأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه فيسمع الكلمة تهديه إلى الهدى ويرد سنن رديء.\nوقال عبد الله بن مسعود: لمّا قرب الله موسى بطور سيناء رأى عبدا في ظلّ العرش جالسا فقال: [ما هذا]، قال: هذا عبد لا يحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله وبرّ بوالديه ولا يمشي بالنميمة.\nفقال موسى: يا رب اغفر لي ما مضى من ذنبي وما مضى وما بين ذلك وما أنت أعلم به مني، أعوذ بك من وسوسة نفسي وأعوذ بك من شر عملي. فقال: قد كفيت ذلك يا موسى، قال: يا رب أي العمل أحب إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني ولا تنساني، قال: أي عبادك خير عملا؟ قال: من لا يكذّب لسانه ولا يفجر قلبه ولا يزني فرجه [وهو ذو خلق حسن]، قال: فأي عبادك شر عملا؟ قال: فاجر في خلق سيء [جيفة ليل] بطال النهار «١» . اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ أعطيتك وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لله سبحانه على نعمه.\nأخبرنا أبو عمرو أحمد بن أحمد بن حمدون الفراتي. أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين بن بكير الرازي، حدثنا الحسن بن عليّ بن يحيى بن سلام الإمام، حدثنا أحمد بن حسان بن موسى البلخي. حدثنا أبو عاصم إسماعيل بن عطاء بن قيس [الأموي] عن أبي حازم المدني عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لما أعطى الله تعالى موسى الألواح فنظر فيه قال: يا رب لقد أكرمتني بكرامة لم تكرمها أحدا قبلي قالَ: يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ، بجد ومحافظة وموت على حب محمد ﷺ.\nقال موسى: يا رب ومن محمد؟ قال: أحمد النبي الذي أثبت اسمه على عرشي من قبل أن أخلق السماوات بألفي عام، إنّه نبيي وصفيي وحبيبي وخيرتي من خلقي وهو أحب إلي من جميع خلقي وجميع ملائكتي.\nقال موسى: يا رب إن كان محمد أحب إليك من جميع خلقك فهل خلقت أمته أكرم عليك من أمتي؟ قال: يا موسى إنّ فضل أمة محمد على سائر الخلق كفضلي على جميع خلقي. قال:\nيا رب ليتني رأيتهم، قال: يا موسى إنّك لن تراهم، لو أردت أن تسمع كلامهم أسمعتك، قال:\nيا ربّ فإني أريد أن أسمع كلامهم، قال الله تعالى: يا أمة أحمد، فأجبنا كلنا من أصلاب آبائنا\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ٦١/ ١٣٣\n.","vol":"4","page":280},{"text":"وأرحام أمهاتنا لبيك اللهم لبيك إنّ الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك لبيك. قال الله تعالى: يا أمة أحمد إن رحمتي سبقت غضبي وعفوي سبق حسابي قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني وقد غفرت لكم قبل أن تعصوني. من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلّا الله وأن محمدا عبدي ورسولي دخل الجنّة ولو كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر. وهذا قوله ﷿» [١٩٦] .\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ... وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إلى قوله الشَّاهِدِينَ.\nقال الثعلبي: وأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عليّ بن نصير المزكى، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا رشد بن سعيد عن سعيد بن عبد الرحمن المعافري عن أبيه أن كعب الأحبار رأى حبر اليهود يبكي قال: ما يبكيك؟\nقال: ذكرت بعض الأمور.\nفقال له كعب: أنشدك الله لئن أخبرتك ما أبكاك تصدقني؟\nقال: نعم.\nقال: أنشدك الله تجد في [الكتاب] المنزل أنّ موسى (﵇) نظر في التوراة فقال:\nإني أجد أمة خير أمم أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله والرسول والكتاب الآخر ويقاتلون أهل الضلالة حتّى يقاتلوا الأعور الدجال، فقال موسى: ربّ اجعلهم أمّتي، قال: هم أمّة محمد يا موسى، قال الحبر: نعم.\nقال: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة فقال: رب إني أجد أمّة يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، وكان الأولون يحرقون صدقاتهم بالنار غير أن موسى كان يجمع صدقات بني إسرائيل فلا يجد عبدا مملوكا ولا أمة إلّا اشتراه ثمّ أعتقه من تلك الصدقات فما فضل حفر له بئر عميقة القعر فألقاه فيها ثمّ دفنه كيلا يرجعوا فيه، وهم المستجيبون والمستجاب لهم الشافعون والمشفوع لهم.\nقال موسى: اجعلهم أمّتي؟ قال: هي أمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم.\nقال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى (﵇) نظر في التوراة، فقال: إنّي أجد أمة إذا أشرف أحدهم على نشر كبر الله وإذا هبط واديا حمد الله، الصعيد لهم طهور والأرض لهم مسجد حيث ما كانوا، يتطهرون من الجنابة، طهورهم بالصعيد كطهورهم بالماء حيث لا يجدون الماء، غير محجلون من آثار الوضوء، فاجعلهم أمتي؟ قال: هي أمة أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم.\nقال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة فقال: رب إني","vol":"4","page":281},{"text":"أجد أمة إذا همّ أحدهم بحسنة لم يعملها كتبت له حسنة مثلها، وإن عملها ضعف عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، فإذا همّ بسيئة ولم يعملها لم يكتب عليه وإن عملها كتبت سيئة مثلها.\nقال: اجعلهم أمتي؟ قال: هي أمة أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم.\nقال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أن موسى نظر في التوراة وقال: رب إنّي أجد أمّة مرحومة ضعفاء يرثون الكتاب الذين اصطفيناهم، فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ فلا أجد منهم أحدا إلّا مرحوما. اجعلهم أمّتي؟ قال: هي أمة أحمد يا موسى، قال الحبر: نعم.\nقال كعب: أنشدك الله تجد في كتاب الله المنزل أنّ موسى نظر في التوراة قال: رب إنّي أجد في التوراة أمة مصاحفهم في صدورهم يلبسون ألوان ثياب أهل الجنّة، يصفون في صلواتهم صفوف الملائكة أصواتهم [في مساجدهم] كدوي النحل، لا يدخل النار منهم أحدا أبد إلا من يرى الحساب مثل ما يرى الحجر من وراء الشجر، قال موسى: فاجعلهم أمتي؟ قال: هي أمة أحمد يا موسى. قال الحبر: نعم.\nفلما عجب موسى من الخير الذي أعطى الله ﵎ محمدا ﷺ قال: يا ليتني من أصحاب محمد فأوحى الله ﷿ ثلاث آيات يرضيه بها هي يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ الى قوله دارَ الْفاسِقِينَ وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ قال: فرضي موسى كل الرضا «١» .\nقوله تعالى وَكَتَبْنا لَهُ يعني لموسى فِي الْأَلْواحِ.\nقال الربيع بن أنس: كانت ألواح موسى (﵇) من برد «٢»، وقال ابن جريج: كانت من زمرّد أمر الله تعالى جبرئيل حتّى جاء بها من عدن يكتبها بالقلم الذي كتب به [الذكر فاستمد] من بحر النور فكتب له الألواح.\nوقال الكلبي: كانت الألواح زبرجدا خضراء وياقوتة حمراء كتب الله فيها ثماني عشرة آية من بني إسرائيل وهي عشر آيات في التوراة. قال وهب: أمره الله تعالى بقطع الألواح من صخرة صماء ليّنها الله له فقطعها بيده ثمّ شقها بأصابعه وسمع موسى صرير القلم بالكلمات العشر، وكان ذلك أول يوم من ذي القعدة وكانت الألواح عشرة على طول موسى (﵇) .\nوقال مقاتل وكعب وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ كنقش الخاتم وكتب فيها: إني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئا من أهل السماء ولا من أهل الأرض فإنّ كل ذلك خلقي ولا تقطعوا\n_________\n(١) بطوله في تفسير الدر المنثور: ٣/ ١٢٥\n. (٢) راجع تفسير الطبري: ٩/ ٨٩\n.","vol":"4","page":282},{"text":"السبل ولا تحلفوا باسمي كاذبا فإن من حلف باسمي كاذبا فلا أزكّيه ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقّوا الوالدين.\nوقال الربيع بن أنس: نزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير، يقرأ منها الجزء في سنة لم يقرأها إلّا أربعة نفر: موسى يوشع وعزيز وعيسى (﵈) «١»، وقال: هذه الآية ألف آية يعني قوله وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا وتبيانا لِكُلِّ شَيْءٍ من الأمر والنهي الحلال والحرام والحدود والأحكام.\nفَخُذْها بِقُوَّةٍ قال مقاتل: بجد ومواظبة. قال الضحاك: بطاعة وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها قال ابن عباس في رواية الكلبي: بأحسن ما أمروا [في] الأرض فيحلوا حلالها ويحرموا حرامها، وكان موسى أشد عداوة من قومه فأمر بما لم يؤمروا به. وقال ابن كيسان وابن جرير: أحسنها الفرائض لأنه قد كان فيها أمر ونهي، فأمرهم الله تعالى أن يعملوا بما أمرهم به ويتركوا ما نهاهم عنه فالعمل بالمأمور به أحسن من العمل بالمنهي عنه.\nوقيل: معناه أخذوا بها وأحسن عمله. وقال قطرب: يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها أي بحسنها و[كلّها حسن] كقوله وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ «٢» وقال الحسين بن الفضل: معنى قوله (أحسنها) أن يتخيل للكلمة معنيين أو ثلاثة فيصرفوا إلى الشبهة بالحق. وقيل: كان فيها فرائض لا مبرّك لها وفضائل مندوبا إليها والأفضل أن يجمع بين الفرائض و[الفضائل] .\nسَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ قال أهل المعاني: هذا كقول القائل لمن يخاطبه سأريك غدا إلى بصير [فيه قال] من يخالف أمري على وجه الوعيد والتهديد.\nوقال مجاهد: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ قال: مصيرهم في الآخرة. قال الحسن: جهنم، وقال قتادة وغيره: سأدخلكم النار فأريكم منازل الكافرين الذين هم سكانها من الجبابرة والعمالقة.\nوقال عطيّة العوفي: معناه سأريكم دار فرعون وقومه وهي مصر يدلّ عليه.\nقرأ ابن عباس وقسامة بن زهير: سأورّثكم دار الفاسقين. وقال الكلبي: دار الفاسقين ما مرّوا عليه إذا سافروا من منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكوا. وقال ابن كيسان: سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ ما يصير قرارهم في [الأرض] .\nوقال ابن زيد: يعني سنن الأوّلين، وقيل: الدار الهلاك وجمعه أدوار. وذلك أن الله تعالى لمّا أغرق فرعون أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم إلى الساحل ففعل فنظر إليهم بنو إسرائيل فأراهم هلاك الفاسقين.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٨٩\n. (٢) سورة العنكبوت: ٤٥\n.","vol":"4","page":283},{"text":"وقال يمان: يعني مسكن فرعون.\nسَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ قال قوم: حكم الآية لأهل مصر خاصة يعني بقوله آياتِيَ يعني الآيات التسع التي أعطاها الله سبحانه موسى (﵇) .\nوقال آخرون: هي عامة، وقال ابن جريج وابن زيد: يعني عن خلق السماوات والأرض وما فيها من الشمس والقمر والنجوم والبحور والشجر والنبات وغيرها أصرفهم عن أن يتفكروا فيها ويعتبروا بها، وقال الفراء أي الغرباني: إنّي أمنع قلوبهم عن التفكر في أمري.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا سعيد محمد بن نافع السجزي بهراة يقول:\nسمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي قال: سمعت عبد الجبار بن العلاء العطار قال:\nسمعت سفيان بن عيينة وسئل عن هذه الآية: أحرمهم فهم القرآن.\nسمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد بن سعيد الرازي قال:\nسمعت العباس بن حمزة قال: سمعت ذا النون المصري يقول: أبى الله أن يكرم قلوب الظالمين مكتوب حكمة القرآن وَإِنْ يَرَوْا يعني هؤلاء المتكبّرين.\nقرأ مالك بن دينار فَإِنْ يُرَوْا بضم الياء أي يفعل بهم سَبِيلَ الرُّشْدِ طريق الهدي والسداد لا يَتَّخِذُوهُ لأنفسهم سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يعني الضلال والهلاك يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا\nوقرأ مجاهد وحميد وطلحة والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي: الرَّشَدِ، بفتح الراء والشين وهما لغتان كالسقم والسقم والحزن والحزن والبخل البخل، وكان أبو عمرو يفرق بينهما فيقول:\nالرُّشْدِ بالضم والصلاح في الأمر كقوله: فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا «١» والرَّشَدِ بفتح بفتحتين الاستقامة في الدين، وقرأ أبو عبد الرحمن الرشاد بالألف وهو مصدر كالعفاف والصلاح.\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ لاهين ساهين لا يتفكرون فيها ولا يتعظون بها وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ ورؤية القيامة، وقيل: العالية في الآخرة حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ في العقبى إِلَّا ما كانُوا أي جزاء ما كانوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.\n_________\n(١) سورة النساء: ٦\n.","vol":"4","page":284},{"text":"وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد انطلاقه إلى الجبل مِنْ حُلِيِّهِمْ التي استعاروها من قوم فرعون.\nوكانت بنو إسرائيل في القبط بمنزلة أهل الجزية في الإسلام، وكان لهم يوم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فزامن ذلك عيدهم فاستعادوا الحلي للقبط فلما أخرجهم الله من مصر وغرق فرعون بقيت تلك الحلي في أيديهم فاتخذ السامري منها عجلا وهو ولد البقر عِجْلًا جَسَدًا مجسّد لا روح فيه.\nوقال وهب: جَسَدًا لحما ودما لَهُ خُوارٌ وهو صوت البقر خار خورة واحدة ثمّ لم تعد.\nوقال وهب: كان يسمع منه الخوار إلّا أنّه لا يتحرك.\nوقرأ عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه:\nجوار بالجيم والهمز وهو الصوت أيضا\nواختلفت القراء في قوله (حُلِيِّهِمْ)، فقرأ يعقوب بفتح الحاء وجزم اللام وتخفيف الياء على الواحد.\nوقرأ حمزة والكسائي: حِلِيِّهِمْ بكسر الحاء وتشديد الياء، الباقون بضم الحاء وهما لغتان مثل [صلى] وجثى وبكى [وعثى] يجوز فيها الكسر والضم أَلَمْ يَرَوْا يعني الذين عبدوا العجل من دون الله أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا قال الله اتَّخَذُوهُ عبدوه واتخذوه إلها وَكانُوا ظالِمِينَ كافرين وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ أي ندموا على عبادة العجل وهذا من فصيحات القرآن.\nوالعرب تقول لكل نادم أو عاجز عن شيء: سقط في يديه وأسقط، وهما لغتان وأصله من [الاستئسار] وذلك أن يضرب الرجل الرجل أو يصرعه فيرمي به من يديه إلى الأرض ليأسره فيكتفه، والمرمي فيه مسقوط في يد الساقط «١» .\nوَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا يتب علينا ربنا وَيَغْفِرْ لَنا ويتجاوز عنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ بالعقوبة وَلَمَّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قال أبو الدرداء:\nالأسف منزلة وراء الغضب أشد منه، وقال ابن عباس والسدي: [رجع حزينا من صنيع قومه] «٢» قال الحسن بن غضبان: حزينا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أي بئس الفعل فعلتم بعد ذهابي، يقال: منه خلفه بخير أو شر إذا ألاه في أهله أو قومه بعد شخوصه عليهم خيرا أو شرا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٨٤\n. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٢٨٦\n.","vol":"4","page":285},{"text":"أَعَجِلْتُمْ أسبقتم أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ غضبا على قومه حين عبدوا العجل، وقال قتادة: إنّما ألقاها حين سمع من فضائل أمّة محمد ﷺ وفي الألواح: قال: يا رب اجعلني من أمّة محمد\nقال رسول الله ﷺ: «يرحم الله أخي موسى ما المخبر كالمعاين لقد أخبره الله بفتنة قومه فعرف أنّ ما أخبره الله حق وأنه على ذلك لمتمسّك بما في يديه، فرجع إلى قومه ورآهم فغضب وَأَلْقَى الْأَلْواحَ» «١» .\nقالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع فلمّا ألقى الألواح تكسرت فوقع منها ستة أسباع وبقي سبع وكان فيها رقع موسى وفيما بقي الهدى والرحمة وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ أي لحيته وذقنه يَجُرُّهُ إِلَيْهِ وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين وأحبّ إلى بني إسرائيل من موسى، لأنه كان لين الغضب قالَ هارون عند ذلك يا ابْنَ أُمَّ قرأ [أهل] الكوفة بكسر الميم هاهنا وفي طه أراد يا بن أمي فحذف ياء الإضافة، لأنه مبنى النداء على الحذف وأبقى الكسرة في الميم لتدل على الاضافة كقوله يا عِبادِ يدل عليه، قراءة ابن السميقع: يا ابن أمي بإثبات الياء على الأصل، وقرأ الباقون بفتح الميم فهما على معنى يا ابن أماه جعل أصله اسما واحدا وبناه على الفتح كقولهم: حضرموت وخمسة عشر ونحوهما «٢» .\nإِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي باتخاذهم العجل وَكادُوا يعني همّوا وقاربوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بضم التاء وكسر الميم ونصب الأعداء قرأه العامّة وقرأ مالك بن دينار فَلا تَشْمَتْ بِيَ الْأَعْداءُ بفتح التاء والميم الأعداء رفع وَلا تَجْعَلْنِي في [موعدتك] عليّ وعقوبتك لي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني أصحاب العجل قالَ موسى لمّا تبيّن له عذر أخيه رَبِّ اغْفِرْ لِي ما صنعت إلي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا جميعا أنا وأخي فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ في الآخرة وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال أبو العالية:\nهو ما أمروا به من قتل أنفسهم.\nوقال عطيّة العوفي: أراد سَيَنالُهُمْ أولادهم [الكبير] كابرا على عهد رسول الله ﷺ غَضَبٌ ...\nوَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا، وهو ما أصاب بني قريظة والنضير من القتل والجلاء لتوليتهم متخذي العجل ورضاهم به، وقال ابن عباس: هو الجزية.\nوَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ الكاذبين قال أبو قلابة: هي والله جزاء كل مفتر إلى يوم القيامة، قال يذله الله ﷿.\nوسمعت أبا عمرو الفراتي سمعت أبا سعيد بكر بن أبي عثمان الخيري سمعت السراج\n_________\n(١) تاريخ بغداد: ٣: ٤١٨ [.....]\n. (٢) راجع تفسير القرطبي فقد فصل ذلك: ٧/ ٢٩١\n.","vol":"4","page":286},{"text":"سمعت سوار بن عبد الله الغزّي سمعت أبي يقول: قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلّا [وتجد فوق] رأسه ذلّة ثمّ قرأ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ الآية يعني المبتدعين.\nوَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا إلى قوله وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى يعني سكن عن موسى الْغَضَبُ يدلّ عليه قراءة معاوية بن مغيرة: ولمّا سكن، بالنون.\nقال أبو النجم:\nوهمت الأفعى بأن تسيحا ... وسكت المكاء أن يصيحا «١»\nوأصله الكف عن الشيء، ومنه الساكت عن الكلام.\nأَخَذَ الْأَلْواحَ التي ألقاها وذهب منها ستة أسباعها وَفِي نُسْخَتِها أي فما نسخ منها.\nقال عطاء: يعني فيما بقي منها، ولم يذهب من الحدود و[الأحكام] شيء فقال ابن عباس: وعمرو بن دينار: صام موسى أربعين يوما فلمّا ألقى الألواح فتكسّرت صام مثلها فردّت عليه وأعيدت له في لوحين مكان الذي انكسر [ولم يفقد منها شيئا] هُدىً وَرَحْمَةٌ.\nقال ابن عباس: هُدىً من الضلالة وَرَحْمَةٌ من العذاب لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ [يخلفون] وقال الراجز:\nيصنع الجزع فيها أو استحيوا ... للماء في أجوافها خريرا\nأي من أصل الجزع وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ أي من قومه فلمّا نزع حرف الصفة نصب كقول الفرزدق:\nومنّا الذي اختير الرجال سماحة ... وبرا إذا هبّ الرياح [الزعازع] «٢»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٩٦\n. (٢) تاج العروس: ٣/ ١٩٤\n.","vol":"4","page":287},{"text":"وقال آخر:\nاخترتك للناس إذ رثت خلائقهم ... واعتل من كان يرجى عنده السؤل «١»\nأي من الناس، واختلفوا في سبب اختيار موسى السبعين.\nوقال السدي: أمر الله أن سيأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ووعد موعدا، واختار موسى من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا ثمّ ذهب إليه ليعتذر فلمّا أتوا ذلك المكان قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً وإنّك قد كلّمته فأرناه فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فماتوا.\nوقال ابن إسحاق: اختارهم ليتوبوا إليه مما صنعوه ويسألوه التوبة على من تركوا وراءهم من قومهم.\nوقال مجاهد: اختارهم لتمام الموعد.\nوقال وهب: قالت بنو إسرائيل لموسى (﵇): إن طائفة يزعمون أنّ الله لا يكلمك ولو كلمك فأقمت لكلامه ألم تر أنّ طائفة منّا سألوه النظر إليه فماتوا فلا تسأله أن [ينزل] طائفة منّا حتّى يكلمك فيسمعوا كلامه فيؤمنوا وتذهب التهمة، فأوحى الله تعالى إلى موسى (﵇) أن اختر من خيارهم سبعين رجلا، ثمّ ارتق بهم إلى الجبل أنت وهارون. واستخلف على بني إسرائيل يوشع بن نون يقول كما أمر الله تعالى وَاخْتارَ ... سَبْعِينَ رَجُلًا.\nروى المنهال عن الربيع بن حبيب قال: سمعنا أبا سعيد الرقاشي وقرأ هذه الآية قال: كان السبعون ابنا ما عدا عشرين. ولم يتجاوز الأربعين. وذلك أن ابن عشرين قد ذهب [جماله] وصباه وأنّ من لم يتجاوز الأربعين لم يعد من عقله شيء. وقال الآخرون: كانوا شيوخا.\nقال الكلبي: اخْتارَ مُوسى ... سَبْعِينَ رَجُلًا لينطلقوا إلى الجبل فلم يصب إلّا ستين شيخا وأوحى الله تعالى إليه أن يختار من الشباب عشرة فاختار وأصبحوا شيوخا فاختار من كل سبط ستّة رهط فصاروا اثنين وسبعين.\nفقال موسى: إنّما أمرت سبعين رجلا فاستخلف منكم رجلان فتشاجروا على ذلك. فقال:\nإن لمن قعد مثل أجر من خرج، فقعد رجلان أحدهما كالب بن [يوقيا] والآخر يوشع بن نون.\nفأمر موسى السبعين أن تصوموا وتطهروا، وتطهّروا ثيابكم ثمّ خرج بهم إلى طور سيناء لميقات ربّه وكان لا يأتيه إلّا بإذن منه وذلك قوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اختلفوا في كيفية هذه الرجفة وسبب أخذها إياهم.\nفقال ابن إسحاق والسدي: إنّهم لمّا أتوا ذلك المكان قالوا لموسى: اطلب لنا نسمع كلام\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٣٥٠\n.","vol":"4","page":288},{"text":"ربّنا فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى (﵇) من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتّى يغشي الجبل كله ودنا موسى ودخل فيه وقال للقوم: ادنوا وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه الحجاب ودنا القوم حتّى إذا دخلوا في الغمام وهو عمود فسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره فيها: افعل لا تفعل فلما فرغ انكشف عن موسى الغمام فأقبل إليهم فقالوا: يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ...،\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فماتوا جميعا.\nوقال ابن عباس: إن السبعين الذين قالوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ... فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ كانوا قبل السبعين الذين أخذتهم الرجفة، وإنما أمر الله موسى أن يختار من قومه سبعين رجلا فاختارهم وبرزهم ليدعوا ربهم، فكان فيما دعوا أن قالوا: اللهم أعطنا ما لم تعطه أحدا قبلنا ولا تعطيه أحدا بعدنا، فكره الله ذلك من دعائهم فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ.\nقال عليّ بن أبي طالب. كرّم الله وجهه: إنّما أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ من أجل دعواهم على موسى قبل هارون، وذلك أن موسى وهارون وشبر وشبير (﵈) انطلقوا إلى سفح جبل فنام هارون على سرير فتوفّاه الله فلمّا مات دفنه موسى فلمّا رجع موسى إلى بني إسرائيل قالوا له: أين هارون؟ قال: توفّاه الله، فقالوا: بل أنت قتلته [عمدا] على خلقه ولينه، قال: فاختاروا من شئتم، فاختاروا سبعين رجلا وذهب بهم، فلما انتهوا إلى القبر قال موسى: يا هارون أقتلت أم توفّيت؟\nفقال هارون: ما قتلني أحد. ولكن الله توفاني إليه.\nفقالوا: يا موسى لن تقصّ بعد اليوم فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وصعقوا وماتوا، وقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، يقولون: أنت قتلتهم فأحياهم الله وجعلهم أنبياء كلّهم.\nوقال ابن عباس: إنّما أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لأنهم لم يرضوا ولم ينهوا عن العجل، وقال قتادة وابن جريج ومحمد بن كعب: أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ لأنّهم لم [يزايلوا] قومهم حين عبدوا العجل ولم يأمروهم بالمعروف ولم ينهوهم عن المنكر.\nوقال وهب: لم تكن تلك الرجفة موتا ولكن القوم لما رأوا تلك الهيبة أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وخلقوا فرجفوا حتّى كادت أن تبيّن مفاصلهم وتنقص ظهورهم فلمّا رأى ذلك موسى (﵇) رحمهم وخاف عليهم الموت واشتدّ عليه فقدهم وكانوا له ولدا على الخير سامعين مطيعين فعند ذلك دعا وبكى وناشد ربّه فكشف الله عنهم تلك الرجفة والرعدة فسكنوا واطمأنوا وسمعوا كلام ربهم فذلك قوله قالَ يعني موسى رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ بقتل القبطي أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا يعني عبدة العجل. وظن موسى أنّه عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل.","vol":"4","page":289},{"text":"وقال السدي: أوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل وكان موسى لا يعلم ذلك فقال موسى: يا رب كيف أرجع إلى بني إسرائيل وقد أهلكت أخيارهم وليس معي رجل واحد فما الذي يصدقوني به ويأمنونني عليه بعد هذا، فأحياهم الله وقال [المبرّد]: قوله أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا استعلام واستعطاف أي لا تهلكنا قد علم موسى أن الله أعدل من أن يؤاخذ بجريرة الجاني غيره ولكنّه كقول عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ الآية «١» .\nإِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي اختيارك.\nقال سعيد بن جبير وأبو العالية والربيع: محنتك، وقال ابن عباس: عذابك تصيب به من تشاء وتصرفه عن من تشاء تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا ناصرنا ومولانا وحافظنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ وَاكْتُبْ لَنا أي حقق [ووفقنا للأعمال الصالحة] «٢» يقال: [كتب] الله عليك السلامة فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً يعني الأعمال الصالحة وَفِي الْآخِرَةِ يعني المغفرة والجنّة إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قرأ أبو رجزة السعدي: وكان مصححا من القراء شاعرا. هِدْنا بكسر الهاء يقال: هاد يهيد ويهود إذا رجع وتحرك [فأدلّه الميل] قال الشاعر:\nقد علمت سلمى [رجلا] ... أني من الناس لها هائد\nقالَ الله تعالى: عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ من خلقي وقال الحسن وابن السميقع:\nمَنْ أَشاءُ [...] «٣» من الإشاءة وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ عمّت كُلَّ شَيْءٍ قال الحسن وقتادة:\nإن رحمته في الدنيا وسعت البر والفاجر وهي يوم القيامة للمتّقين خاصة.\nوقال عطيّة العوفي: وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ولكن لا يجيب إلّا الذين يتقون، وذلك أنّ الكافر يرزق ويدفع عنه بالمؤمن لسعة رحمة الله للمؤمن يعيش فيها، فإذا صار إلى الآخرة وجبت للمؤمنين خاصة كالمسير في كالمستضيء بنار غيره إذا ذهب صاحب السراج بسراجه، قال أبو روق: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ يعني الرحمة التي قسمها بين الخلائق يعطفه بها بعضهم على بعض، وقال ابن زيد: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) هو التوبة، وقال آخرون: لفظه عام ومعناه خاص لهذه الأمّة.\nوقال ابن عباس وقتادة وابن [جرير] وأبو بكر الهذلي: لما نزلت هذه الآية وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ قال إبليس: أنا من ذلك الشيء ونزعها الله من إبليس فقال\n_________\n(١) سورة المائدة: ١١٨\n. (٢) زيادة عن تفسير القرطبي: ٧/ ٢٩٦\n. (٣) كلمة غير مقروءة\n.","vol":"4","page":290},{"text":"فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فقالت اليهود والنصارى نحن نتّقي ونؤتي الزكاة ونؤمن بآيات ربنا فنزعها الله منهم وجعلها لهذه الأمة.\nالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الآية قال نوف البكالي الحميري: لما اخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لميقات ربه قال الله تعالى لموسى أجعل لكم في الأرض مسجدا وطهورا تصلّون حيث أدركتكم الصلاة إلّا عند مرحاض أو حمام أو قبر وأجعل السكينة في قلوبكم وأجعلكم تقرأون التوراة عن ظهور قلوبكم، يقرأها الرجل منكم والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير.\nفقال ذلك موسى لقومه فقالوا: لا نريد أن نصلي في الكنائس ولا نستطيع حمل السكينة في قلوبنا، ونريد أن تكون كما كانت في التابوت، ولا نستطيع أن نقرأ التوراة عن ظهور قلوبنا، ولا نريد أن نقرأها إلّا نظرا، فقال الله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ إلى قوله الْمُفْلِحُونَ فجعلها الله لهذه الأمة، فقال موسى: رب اجعلني نبيهم، فقال: نبيهم منهم، قال: رب اجعلني منهم، قال: إنك لن تدركهم، فقال موسى: يا رب أتيتك بوفد بني إسرائيل فجعلت وفادتنا لغيرنا فأنزل الله تعالى وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ أنفسهم بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ فرضي موسى، قال نوف: إلا تحمدون ربّا حفظ غيّكم وأجزل لكم سهمكم وجعل وفادة بني إسرائيل لكم «١» .\nواختلف العلماء في معنى الأمّي.\nفقال ابن عباس: هو منكم كان أميّا لا يكتب ولا يقرأ ولا يحاسب قال الله تعالى وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ «٢»\nوقال ﷺ «إنا أمة أميّة لا نكتب ولا نحاسب»\n[١٩٧] «٣» .\n_________\n(١) تمامه في تفسير الطبري: ٩/ ١١٢ مع تفاوت بسيط\n. (٢) سورة العنكبوت: ٤٨\n. (٣) مسند أحمد: ٢/ ٤٣ ح ١٢٩ وفيه: لا نحسب\n.","vol":"4","page":291},{"text":"وقيل: هو منسوب إلى أمّته كأن أصله أمتي فسقطت التاء من النسبة كما سقطت من اليكي والمدى.\nوقيل: منسوب إلى أم القرى وهي مكّة أم القرى الَّذِي يَجِدُونَهُ أي صفته ونبوّته ونعته وأمره مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ\nقال عطاء بن يسار: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة كصفته في القرآن. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب «١» بالأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ولن أقبضه حتّى يقيم الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا الله فيفتح به قلوبا غلفا وآذنا صما وأعينا عميا «٢» .\nقال عطاء: ثمّ لقي كعبا فسأله عن ذلك فما اختلفا حرفا إلّا أن كعبا قال: بلغته قلوبا غلوفيا وآذانا صموميا وأعينا عموميّا «٣» .\nوروى كعب في صفة رسول الله ﷺ فقال: مولده مكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون يحمدون الله على كل حال وفي كل منزلة، يوضئون أطرافهم و[ويتورّون] إلى [الجهاد] وفيهم وعاة الشمس ويصلون الصلاة حيث أدركتهم ولو على ظهر الكناسة، صفهم في القول مثل صفهم في الصلاة ثمّ قرأ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا «٤» .\nوقال الواقدي: حدّثني عثمان بن الضحاك عن يزيد بن [الهادي] عن ثعلبة بن مالك عن عمر بن الخطاب نه سأل أبا مالك عن صفة النبيّ ﷺ في التوراة وكان من علماء اليهود، فقال:\nصفته في كتاب بني هارون الذي لم يغير ولم يبدّل أحد من ولد إسماعيل بن إبراهيم ومن آخر الأنبياء وهو النبي العربي الذي يأتي بدين إبراهيم الحنيف، يأتزر على وسطه ويغسل أطرافه في [عينيه] حمرة وبين كتفيه خاتم النبوّة مثل زر الحجلة، ليس بالقصير ولا بالطويل، يلبس الشملة ويجرى بالبلغة ويركب الحمار ويمشي في الأسواق، معه حرب وقتل وسبي سيفه على عاتقه لا يبالي من لقي من الناس، معه صلاة لو كانت في قوم نوح ما أهلكوا بالطوفان ولو كانت في عاد ما أهلكوا بالريح ولو كانت في ثمود ما أهلكوا بالصيحة.\nمولده بمكّة ومنشأه بها وبدء نبوّته بها ودار هجرته يثرب بين جرّة ونخل [وسبخة] وهو أمّي لا يكتب بيده، هو بجهاد، يحمد الله على كل شدة ورخاء، سلطانه الشام، صاحبه من الملائكة\n_________\n(١) في بعض المصادر: صخاب\n. (٢) صحيح البخاري: ٣/ ٢١، ودلائل النبوة لأبي نعيم: ١٥١\n. (٣) الزيادة في تفسير الطبري: ٩/ ١١٣\n. (٤) سورة الصف: ٤ [.....]\n.","vol":"4","page":292},{"text":"جبرئيل يلقى من قومه أذى شديدا. ويحبّونه حبّا شديدا ثمّ يدال على قومه يحصرهم حصر [الجرين] يكون له وقعات في يثرب، منها له ومنها عليه، ثمّ يكون له العاقبة يعدّ معه أقوام هم إلى الموت أسرع من الماء من رأس الجبل إلى أسفله، صدورهم أناجيلهم قربانهم دماؤهم ليوث النهار ورهبان بالليل يرعب منه عدوه بمسيرة شهر، يباشر القتال بنفسه حتّى يخرج ويكلم لا شرطة معه ولا حرس يحرسه «١» .\nيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ أي بالإيمان وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ يعني الشرك، وقيل: المعروف والشريعة والسنة والمنكر ما لا يعرف في شريعة، ولا سنّة.\nوقال عطاء: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وبخلع الأنداد ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ يعني الحلالات التي كانت أهل الجاهلية تحرمها: البحائر السوائب والوصائل والحوامي وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ يعني لحم الخنزير والدم والميتة والربا وغيرها من المحرمات. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ ابن عباس والحسن والضحاك والسدي ومجاهد يعني: جهدهم الذي كان يأخذ على بني إسرائيل بالعمل بما في التوراة. وقال ابن زيد وقتادة: يعني الشدائد الذي كان عليهم في الدين وَالْأَغْلالَ يعني الأنفال الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ [بما أمروا] به من قتل الأنفس في التوراة وقطع الأبهاء، شبّه ذلك بالأغلال كما قال الشاعر:\nفليس لعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل\nوعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا واستراح العواذل «٢» .\nفشبه حدود الإسلام وموانعه عن التخطّي إلى المحذورات بالسلاسل المحيطات بالرقاب فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ أعانوه ووقّروه وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ يعني القرآن أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى قوله تعالى: بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ.\nقال قتادة: وآياته. وقال مقاتل والسدي: يعني عيسى ابن مريم وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَمِنْ قَوْمِ مُوسى يعني بني إسرائيل أُمَّةٌ جماعة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ أي يرشدون إلى الحق، وقيل: خلفاء يهتدون ويستقيمون عليه ويعملون به وَبِهِ يَعْدِلُونَ أي ينصفون من أنفسهم ويحمدون.\nوقال السدي: هم قوم بينكم وبينهم [قوم] من سهل.\n_________\n(١) راجع الصفات الرسول وأمته: تفسير الدر المنثور: ٣/ ١٣٤\n. (٢) تفسير الطبري: ١/ ٤٦٦، وتفسير القرطبي: ٧/ ٣٠١\n.","vol":"4","page":293},{"text":"وقال ابن جريج: بلغني أن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم وكفروا وكانوا اثني عشر سبطا تبرأ سبط منهم ممّا صنعوا واعتذروا وسألوا الله أن يفرق بينهم [وبينه] ففتح الله عليم نفقا في الأرض فساروا فيه سنة ونصف حتّى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك حقّا مسلمون يستقبلون قبلتنا.\nقال الكلبي والربيع والضحاك وعطاء: هم قوم من قبل المغرب خلف الصين على نهر من الرمل يسمى نهر أودق وليس لأحد منهم مال دون صاحبه يمطرون بالليل ويصبحون بالنهار ويزرعون لا يصل إليهم منّا أحد ولا منهم إلينا أحد وهم على الحق\nوذكر عن النبيّ ﷺ أن جبرئيل [ذهب إليهم ليلة] أسري به فكلّمهم فقال لهم جبرئيل: هل تعرفون من تكلّمون؟\nقالوا: لا.\nقال: هذا محمد النبيّ فآمنوا به، وقالوا: يا رسول الله إنّ موسى أوصانا أن من أدرك منكم أحمد فليقرأ عليه منّي السلام.\nفردّ محمد ﷺ على موسى: فعليه السلام، ثمّ أقرأهم عشر سور من القرآن نزلت بمكة ولم يكن نزلت فريضة غير الصلاة والزكاة فأمرهم بالصلاة والزكاة وأمرهم أن يقيموا مكانهم وكانوا يسبتون فأمرهم أن يجمعوا وأن يتركوا السبت.\nوَقَطَّعْناهُمُ يعني بني إسرائيل اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطًا أُمَمًا روى أبان بن يزيد العطار عن عاصم: وَقَطَعْناهُمُ بالتخفيف وأراد بالأسباط القبائل والفرق ولذلك أنشأ العدد والأسباط جمع مذكر.\nقال الشاعر:\nوإن قريشا كلّها عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر «١»\nفذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة فلذلك كان [البطن] مذكر وإنما قال: (أَسْباطًا أُمَمًا)\n_________\n(١) في جامع البيان للطبري: ٩/ ١١٩، ولسان العرب: ١/ ٧٢٢: وإن كلابا هذه عشر أبطن\n.","vol":"4","page":294},{"text":"بالجمع ولا يقال: أتاني اثنا عشر رجالا، لأنه أراد الأعداد والجموع فأقام كل عدد مقام واحد، وقيل: معناه وقطعناهم أسباطا أمما اثني عشر.\nوَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ في التيه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ قال عطاء:\nكان الحجر أربعة وجوه لكل وجه ثلاثة أعين لكل سبط عين لا يخالطهم سواه فَانْبَجَسَتْ أخصبت وانفجرت.\nقال أهل التفسير: انبجست وانفجرت واحد، وكان أبو عمرو بن العلاء يفرق بينهما فيقول انبجست عرفت وانفجرت [سالت] .\nقال عطاء: كان يظهر على كل موضع من الحجر يضربه موسى (﵇) مثل ثدي المرأة فيعرق أوّلا ثمّ يسيل قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ من كل سبط مَشْرَبَهُمْ لا يدخل سبط على غيره في شربه وكل سبط من أب واحد. وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ في التيه يقيهم من الشمس وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى إلى قوله: يغفر لكم خطاياكم وقرأ أهل المدينة يُغْفَرْ [بياء] مضمومة وخطاياكم بالرفع، وقرأ ابن [عامر] بتاء مضمومة.\nوَسْئَلْهُمْ واسأل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك سؤال تقرير وتوبيخ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ أي بقربه وعلى شاطئه، واختلفوا فيها فروى عكرمة عن ابن عباس قال: هي قرية يقال لها ايلديس مدين والطور.\nوروى عليّ بن أبي طلحة عنه فقال: هي قرية على شاطئ البحر من مصر والمدينة يقال لها: أيلة وقال ابن زيد: هي قرية يقال لها: مقنى بين مدين وعينونا، وقيل: هي الطبريّة إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ أي يتجاوزون أمر الله وقرأ أبو نهيك إذ تُعدون بضم الياء وكسر العين بتثقيل الدال من الأعداد يريد [يهيبون] الآلة لأخذها.\nوقرأ ابن السميقع: في الأسبات، على جمع السبت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا قرأ ابن عبد العزيز يوم إسباتهم شرعا الى [شراع] ظاهرة على الماء كثيرة، وقال الضحاك:\nمتتابعة وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ أي لا يفعلون السبت. يقال سبت يسبت سبتا وسبوتا إذا أعظم السبت.","vol":"4","page":295},{"text":"وقرأ الحسن: يُسْبَتُونَ بضم الياء أي يدخلون في السبت كما يقال أجمعنا وأشهرنا أي دخلنا في الجمعة والشهر لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ نختبرهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وسمعت الحسن بن محمد بن الحسن سمعت إبراهيم بن [محارب] بن إبراهيم سمعت أبي يقول: سألت الحسين بن الفضل هل تجد في كتاب الله الحلال لا [يأتيك] إلّا قوتا والحرام يأتيك جزفا جزفا؟ قال: نعم، في قصّة داود وتأويله: إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ «١» .\nقال عكرمة: جئت ابن عباس يوما فإذا هو يبكي ووضع المصحف في حجرة فقلت:\nما يبكيك جعلني الله فداك. قال: هؤلاء الورقات فإذا هو في سورة الأعراف، فقال: تعرف الآية؟ قلت: نعم، قال: فإنّه كان بها حي من اليهود في زمن داود حرم عليهم الحيتان في السبت، وذلك أنّ اليهود أمروا باليوم الذي أمرتهم به يوم الجمعة فتركوه واختاروا السبت فابتلوا به وحرّم عليهم فيه الصيد فأمروا بتعظيمه إن أطاعوا لم يؤجروا وإن عصوا عذبوا، وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا بيضاء سمانا كأنها الماخض تنتطح ظهورها لبطونها بأفنيتهم حتّى لا يرى الماء من كثرتها وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ فكانوا كذلك برهة من الدهر.\nثمّ إنّ الشيطان أوحى إليهم فقال: إنما نهيتم عن أخذها يوم السبت فاتّخذوا الحياض وكانوا يسوقون الحيتان إليها يوم الجمعة] فتسقي [فيها ولا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فيأخذونها يوم الأحد «٢» .\nوقال ابن زيد: كانوا قد قرّبوا بحب الحيتان وكان في غير يوم السبت لا تأتيهم حوت واحد فأخذ رجل منهم حوتا فربط في ذنبه خيطا فأخذه وشواه فوجد جار له ريح الحوت. فقال له: يا فلان أنا أجد في بيتك ريح نون، قال: لا فتطلع في تنوره فإذا هو فيه فقال: إني أرى الله سيعذّبك، فلما لم يره عذب ولم يعجل عليهم بالعذاب أخذ في السبت الأخرى حوتين اثنين.\nفلما رأوا أن العذاب لا يعاجلهم أكلوا وملحوا وباعوا وأثروا وكثر مالهم، وكانوا نحوا من سبعين ألف، فصارت أهل القرية [ثلاثا]: ثلث نهوا. وكانوا نحوا من اثني عشر ألفا. وثلث قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ، وثلث أصحاب الخطيئة، فلما لم ينتهوا قال المسلمون: لا [نسألهم] فقسموا القرية بجدار للمسلمين باب وللمعتدين باب ولعنهم داود (﵇) فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس شأنا لعل الخمر غلبتهم فعلوا على الجدار فنظروا فإذا بهم قردة ففتحوا الباب ودخلوا عليهم وعرفت القردة [أنسابها] من الأنس. ولا تعرف الأنس أنسابهم من القرود. فجعلت القردة تأتي نسيبها من\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٠٦.\n(٢) بتفاوت في تفسير الطبري: ٩/ ١٢٧.","vol":"4","page":296},{"text":"الأنس وتشم ثيابه وتبكي فيقول: ألم ننهكم؟ فتقول برأسها: نعم «١» .\nقال قتادة: صار الشبان قردة والشيوخ خنازير فما نجا إلّا الذين نهوا وهلك سائرهم.\nواختلف العلماء في الفرقة الذين قالوا: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا) كانت من الناجية أو من الهالكة؟\nفقال بعضهم: كانت من الناجية لأنّها كانت من الناهية.\nوقال آخرون: كانت من الفرقة الهالكة، لأنّهم كانوا من الخاطئة وذلك أنهم لما نهوا وقالوا لهم انتهوا عن هذا العمل قبل أن ينزل بكم العذاب فإنّا قد علمنا أن الله تعالى منزل عليكم بأسه إن لم تنتهوا قالوا لهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ إذ علمتم أنّ الله معذبهم أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذابًا شَدِيدًا قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ أي هذه معذرة، وقرأ حفص: مَعْذِرَةً أي يفعل ذلك معذرة وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ صيد الحيتان والصواب أنها كانت من الفرقة الناجية وأن هذا الكلام من قول المؤمنين بعضهم لبعض لأنّه لو كان الخطاب للمعتدين لقالوا: ولعلكم تتّقون يدلّ عليه قول يمان بن رئاب نحن الطائفتان اللذان قالوا لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ والذين قالوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ فأهلك الله أهل المعصية الذين أخذوا الحيتان فجعلهم قردة وخنازير.\nوقال ابن عباس: ليت شعري ما فعل هؤلاء الذين قالوا: لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ قال عكرمة: فقلت له: جعلني الله فداك ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم وقالوا:\nلِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ فلم أزل به حتّى عرّفته أنهم قد نجوا فكساني حلّة «٢» .\nفَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ تركوا ما وعظوا به أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ أي المعصية وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا أي عاقبنا باعتدائهم في السبت واستحلالهم ما حرم الله بِعَذابٍ بَئِيسٍ شديد وجيع من البأس وهو الشدة والفعل منه بؤس يبئس، فاختلف القراء فيها فقرأ أهل المدينة بيس بكسر الباء وجزم الياء من غير همزة على وزن فعل، وقرأ ابن عامر كذلك على وزن فعل إلّا أنّه الهمزة.\nوقرأ عاصم: في رواية أبي بكر: بيئس بفتح الباء وجزم الياء وفتح الهمزة على وزن فيعل مثل صيقل ويثرب.\nكما قال الشاعر:\nكلاهما كان رئيسا بيئسا ... يضرب في الهيجاء منه القونسا «٣»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١٢٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ١٢٦ بتفاوت.\n(٣) نسبه الطبري في تفسيره إلى امرئ القيس بن عابس الكندي: ٩/ ١٣٤، وفيه:\nكلاهما كان رئيسا بيئسا ... يضرب في يوم الهياج القونسا","vol":"4","page":297},{"text":"وقرأ بعضهم: بيئس بفتح الباء وكسر الهمزة على وزن فعل مثل [حذر] كقول ابن قيس الرقيات:\nليتني ألقى رقيّة في ... خلوة من غير ما بيئس «١»\nوقرأ الحسن: بكسر الباء وفتح السين على معنى بيئس العذاب.\nوقرأ مجاهد: بائس على وزن فاعل وقرأ أبو أياس بفتح الباء والياء من غير همزة.\nوقرأ نصر بن عاصم: بيئس بفتح الباء وكسر الياء مشددا من غير همزة.\nوقرأ بعض أهل مكة بِئِيس بكسر الياء والهمزة كما يقال: بعر للبعير. وقال أهل اللغة: كل فعل ثانية أحد حروف الحلق فإنّه يجوز كسر أوّله مثل بعير وصغير ورحيم و[حميم] وبخيل، وقرأ الباقون بَئِيسٍ على وزن فعيل وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لأن فعيلا أشبهه بصفات [التعريف] كقول ذي الإصبع العدواني:\nلقد رأيت بني أبيك ... محمجين «٢» إليك شوسا «٣»\nحنقا عليّ ولن ترى ... لي فيهم أثرا بئيسا «٤»\nوقوله فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قال ابن عباس: أبوا أن يرجعوا عن المعصية قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ صاغرين. قال سعيد بن جبير: رأى موسى (﵇) رجلا يحمل قصبا يوم السبت فضرب عنقه «٥»، أبو روق: الخاسئون الذين لا يتكلّمون.\nوقال المؤرخ مبعدين كما بعد الكلاب. قال ابن عباس: [مكثوا] ثلاث أيام ينظر إليهم الناس ثمّ هلكوا ولم يتوالدوا ولم يتناسلوا ولم يمكث مسخ فوق ثلاثة أيام.\nقال مقاتل: عاشوا سبعة أيام يعرف الكبير بكبره والصغير بصغره، ثمّ ماتوا.\nوروى ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال: إن الله لم يمسخ شيئا فجعل له نسلا وعاقبه «٦» .\n_________\n(١) شرح الرضي على الكافية: ٤/ ٤٩.\n(٢) التحميج: التحديق في النظر.\n(٣) تاج العروس: ٢/ ٢٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٣٥.\n(٥) تفسير الطبري: ٩/ ١٣٦.\n(٦) كتاب السنة للضحاك: ١١٦. [.....]","vol":"4","page":298},{"text":"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أذّن وأعلم ربّك مثل قولهم تعلم بمعنى أعلم. وأنشد المبرّد:\nتعلم أن خير الناس حي ... ينادي في شعارهم يسار «١»\nوقال زهير:\nفقلت تعلم أن للصيد غرّة ... فان لا تضيعها فإنّك قاتله «٢»\nوقال ابن عباس: (تَأَذَّنَ رَبُّكَ) قال ربّك، وقال مجاهد: أمر ربّك، وقال عطاء: حتم، وقال أبو عبيد: أخبر، وقال قطرب: وعد.\nلَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ هم اليهود بعث الله عليهم محمدا وأمته يقاتلونهم حتّى يسلموا أو يعطوا الجزية، وقال سعيد بن جبير: هم أهل الكتاب بعث الله عليهم العرب يجبونهم الخراج إلى يوم القيامة فهو سوء العذاب ولم يجب نبي قط الخراج إلّا موسى (﵇) فهو أول من وضع الخراج فجباه ثلاث عشرة سنة ثمّ أمسك فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أي حضرت وجاء وتبدل من بعد هؤلاء الذين وصفناهم خلف.\nقال أبو حاتم: الخلف بسكون اللام الأولاد والواحد والجميع فيه سواء والخلف بفتح اللام البدل ولدا كان أو غريبا، وقال الآخرون: هم خلف سوء.\nوقال ابن الأعرابي: الخلف بالفتح الصالح و[بالجزم] الصالح. قال لبيد:\nذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب»\nومنه قيل للرديء من الكلام: خلف، ومنه المثل السائر: سكت الفا وبطن خلفا.\nوقال النضر بن شميل: الخلف بجزم اللام وإسكانها في غير القرآن السوء واحد، فأمّا في القرآن الصالح [بفتح] اللام لا غير، وأنشد:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٠٩.\n(٢) معاني القرآن للنحاس: ٣/ ٩٦، ولسان العرب: ١٣/ ١٣.\n(٣) كتاب العين: ٤/ ٢٦٦.","vol":"4","page":299},{"text":"إنا وجدنا خلفا بئس الخلف ... عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف «١»\nوقال محمد بن جرير الطبري: أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام وفي الذم بتسكينها وقد تحرك في الذم وتسكن في المدح ومن ذلك قول حسان بن ثابت:\nلنا القدم الأولى وإليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع «٢»\nقال: واحسب أنّه إذا وجّه إلى الفساد مأخوذ من قولهم: خلف اللبن وحمض من طول تركه في السقاء حتى تفسد، ومن قولهم: خلف فم الصائم إذا تغير ريحه وفسد، فكان الرجل الفاسد مشبه به.\nوَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى والعرض متاع الدنيا أجمع. والعرض بسكون الراء ما كان من المال سوى الدراهم والدنانير.\nقال المفسّرون: [إن] اليهود ورثوا كتاب الله فقرأوه وعلموه وضيعوا العمل به وخالفوا حكمه يرتشون في حكم الله وتبديل كتاب الله وتغيير صفة رسول الله ﷺ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا ذنوبنا ما عملناه بالليل كفّر عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل تمنيا على الله الأباطيل.\nوَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ. قال سعيد بن جبير: وإن عرض لهم ذنب آخر عملوه.\nوقال مجاهد: ما أشرف لهم في اليوم من شيء من الدنيا الحلال أو حرام يشتهونه أخذوه. وكلما وهف «٣» لهم شيء من الدنيا أكلوه وأخذوا من الدنيا، ما وهف أي ما سهل، لا يبالون حلالا كان أو حراما ويبتغون في المغفرة فإن يجدوا الغد مثله يأخذوه «٤» .\nقال السدي: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلّا ارتشى في الحكم. وإن خيارهم اجتمعوا فأخذوا منهم بعض العهود أن لا يفعلوا فجعل الرجل منهم إذا استقضى وارتشى يقال له: مالك ترتشي في الحكم، فيقول: سيغفر لي، فيطعن عليه البقية [عرض] من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نزع وجعل مكانه رجلا ممن كان يطعن فيرتشي فيقول وأن يأتي الآخرين عرض مثله يأخذوه ومعناه: وإن يأت يهود يثرب الذين كانوا عاهدوا رسول الله ﷺ عرض مثله يأخذوه كما أخذ أسلافهم. والأدنى تذكير الدنيا وعرض هذه الدار الدنيا فلما ترك الاسم المؤنث ذكر النعت لتذكير اللفظ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٣١١.\n(٢) لسان العرب: ٩/ ٨٩.\n(٣) وهف: بدا.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٤٢، وتفسير مجاهد: ١/ ٢٤٩.","vol":"4","page":300},{"text":"سمعت أبا القاسم الحبيبي قال: سمعت أبا بكر محمد بن عبد [...] «١» يقول فيه تقديم وتأخير أي: يأخذون هذا العرض الأدنى أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وقرءوا ما فيه، وقرأ السلمي: ادّارسوا أي تدارسوا مثل إذا زكّوا أي قارأ بعضهم بعضا.\nوَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك والحرام أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء قرأ أكثر القراء على الخبر.\nوقرأ الحسن وابن الأشهب بالتاء على الخطاب وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ قرأ عمر بن الخطاب وأبو العالية وعاصم ورواية أبي بكر بسكون خفيفة. وقرأ الباقون بسكون التشديد.\nقال أبو عبيد وأبو حاتم: لأنه يقال تمسكت بالشيء ولا يقال أمسكت بالشيء: إنما يقال أمسكته ويدل عليه قراءة أبي ابن كعب (والذين مسكوا الكتاب) على الماضي وهو جيد لقوله:\n(وَأَقامُوا الصَّلاةَ) إذ قال ما يعطف (من) على مستقبل إلّا في المعنى.\nوقرأ الأعمش: (والذين استمسكوا بالكتاب) ومعنى الآية: وأن يعملوا بما في كتاب الله قال مجاهد وابن زيد: هم من اليهود والنصارى الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ الذي جاء به موسى فلا يحرفونه ولا يكتمونه أحلّوا حلاله وحرموا حرامه ولم يتخذوه [ما كله نزل] في عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال عطاء: فيهم أنّه محمد ﷺ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ.\nوَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ أي قلعنا الجبل.\nقال مجاهد: كما ينتق الزبد «٢» . وقال المؤرخ: قطعنا.\nوقال أبو عبيدة: زعزعنا. وقال الفراء: خلقنا. وقال بعضهم رفعناه. واحتج بقول العجاج:\nينتقن أقتاد الشليل نتقا «٣»\nيعني يرفعه عن ظهره.\nوقال آخر:\nونتّقوا أحلامنا الأثاقلا «٤»\nوقال بعضهم: أصل النتق والنتوق أن يقلع الشيء من موضعه فيرمى. قال أبان بن تغلب:\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) في تفسير القرطبي (١/ ٤٣٦): وقال القتيبي: أخذ ذلك من نتق السقاء وهو نفضه حتى تقتلع الزبدة منه.\n(٣) تفسير الطبري: ٩/ ١٤٧.\n(٤) تفسير الطبري: ٩/ ١٤٧.","vol":"4","page":301},{"text":"سمعت رجلا من العرب يقول لغلامه: فخذ الحجر ألقه فانتقه أي نكسه وانثره.\nويقال للمرأة الكثيرة الولد: ناتق ومنتاق لأنها ترمي [صدرها] رميا قال النابغة:\nلم يحرموا حسن الغذاء وأمهم ... حقت عليك بناتق مذكار «١»\nوقال بعضهم: هو من التحريك فقال: ينتفي السير أي حركني، يقال: ينتق برجله ويركض إذا حركت رجله على الدابة حين تعدو به. كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ الظلة ما أضللك وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ نازل بهم خُذُوا أي قلنا خذوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ فاعملوا به لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وذلك حين أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ويعملوا بها لتغليظها وكانت شريعة ثقيلة فرفع الله ﷿ جبلا على رؤوسهم مقدار عسكرهم وكان فرسخا في فرسخ.\nوقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها ليقعن عليكم. قال الحسن البصري: فلما نظروا للجبل خرّ كل رجل ساجدا على حاجبه الأيسر ونظر بعينه اليمنى على الجبل خوفا من أن يسقط عليهم فلذلك ليس اليوم في الأرض يهودي يسجد إلّا على حاجبه الأيسر، يقولون: هذه السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة.\nنشر موسى الألواح فيها كتاب الله كتب بيده لم يبق على وجه الأرض جبل، ولا بحر ولا حجر إلّا اهتزّ فليس اليوم يهودي على الأرض صغير ولا كبير يقرأ عليه التوراة إلّا اهتزّ وتعفّر لها رأسه.\nوَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ.\n_________\n(١) تاج العروس: ٧/ ٧٥.","vol":"4","page":302},{"text":"قال المفسّرون: لمّا خلق الله ﷿ آدم مسح ظهره وأخرج منه ذريته كلهم وهي الذرية واختلفوا في موضع الميثاق.\nفقال ابن عباس: يسكن نعمان واد إلى جنب عرفة، وروي فيه أيضا أنّ ذلك [برهبا] أرض بالهند وهو الموضع الذي أهبط الله فيه آدم ﷺ «١» .\nوقال الكلبي: بين مكّة والطائف. وقال السدي: أخرج الله آدم من الجنّة ولم يهبط من السماء ثمّ مسح ظهره وأخرج ذريته. قالوا: فأخرج من صفحة ظهره اليسرى ذرية سوداء فقال لهم: ادخلوا النار ولا أبالي فذلك حين يقول أصحاب اليمين وأصحاب الشمال. وأصحاب المنامة.\nوقال لهم: جميعا أعلموا أن لا إله غيري وأنا ربكم لا رب لكم غيري فلا تشركوا بي شيئا فإنّي مرسل إليكم رجالا يذكرونكم بعهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتاب فتكلّموا وقالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا ولا رب لنا غيرك، فأقرّوا يومئذ كلهم طائفة طائعين. وطائفة على وجه التقدير تقيّة، فأخذوا بذلك مواثيقهم وسمّيت آجالهم وأرزاقهم وحسابهم فنظر إليهم آدم، ورأى منهم الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك، فقال: رب لولا سويت بينهم، فقال: إنّي [أحببت أن] أشكر «٢» .\nقالوا: وفيهم الأنبياء يومئذ أمثال السرج فرأى آدم نورا ساطعا فقال: من هذا؟ فقال: هذا داود نبي من ذريتك قال: كم عمره؟ قال: ستّون سنة قال: رب زده.\nقال: جرى القلم بآجال بني آدم، قال: رب زده من عمري أربعين سنة، فأثبت لداود أربعين وكان عمر آدم ألف سنة، فلما استكمل آدم تسعمائة وستين سنة جاء ملك الموت، فلما رآه آدم قال: مالك؟ قال: استوفيت أجلك، قال له آدم: بقي من عمري أربعون سنة، قال: أليس قد وهبتها لداود؟ قال: لا فجحد آدم، فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته، وخطأ فخطئت ذريته، فرجع الملك إلى ربه فقال: إن آدم يدعي أنه بقي من عمره أربعون سنة، قال: أخبر آدم أنه وهبها لابنه داود (﵇) والأقلام بطيئة فأثبتت لداود، فلما قررهم بتوحيده وآثر بعضهم على بعض أعادهم إلى صلبه فلا تقوم الساعة حتّى يولد كل من أخذ ميثاقه ولا يزداد فيهم ولا ينقص عنهم، فذلك قوله تعالى وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ونظم الآية: وإذا أخذ ربّك من ظهر بني آدم ذريتهم، ولم يذكر أمر آدم فإنما أعرجوا يوم الميثاق في ظهره، لأن الله ﷿ أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء، فاستغنى عن ذكر\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٣١٦، وراجع الدر المنثور: ١/ ٥٥.\n(٢) راجع تاريخ دمشق: ٧/ ٣٩٨. [.....]","vol":"4","page":303},{"text":"ظهر آدم بقوله (من بني آدم) فلما علم أنهم كلهم بنوه و[خرجوا] من ظهره ترك ذكر ظهر آدم وذكر ظهور بنيه.\nوقوله: ذرياتهم قرأ أهل مكة والكوفة: ذُرِّيَّتَهُمْ بغير ألف على الواحد، وقرأ الباقون على الجمع بالألف وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ وقال لهم أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ سؤال تقرير قالُوا جميعا بَلى أنت ربّنا شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا قرأ ابن عباس وابن محيصن وأبو عمرو: (يقولوا) بالباء، والباقون بالتاء كقوله: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، واختلفوا في قوله: (شَهِدْنا) فقال السدي: خبر من قوله تعالى عن نفسه وعن ملائكته أنهم شهدوا على إقرار بني آدم، وقال الآخرون: بل ذلك على إقرار بني آدم حين أشهد بعضهم على بعض أن يقولوا يعني أن لا يقولوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا الميثاق والإقرار غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاتبعناهم أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ\nيعني المشركين وإنما اقتدينا بهم وكنا في غفلة عن التوحيد وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لقومك يا محمد وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا اختلفوا فيه.\nفقال عبد الله بن مسعود: هو بلعم بن ابرة. وقال ابن عباس: هو بلعم بن باعورة. وقال مجاهد: هو بلعام بن باعر. وقال مقاتل: هو بلعام بن باعور بن ماث بن لوط. عطية عن ابن عباس: هو من بني إسرائيل.\nوقال عليّ بن أبي طلحة: هو من الكنعانيين من مدينة الجبارين، وقال مقاتل: هو من مدينة بلقا، وسميت بلقا لأن ملكها كان رجلا يقال له: بالق وكانت وصيته على ما ذكره ابن عباس وابن إسحاق والسدي وغيرهم: إن موسى (﵇) لما قصد حرب الجبارين ونزل أرض بني كنعان من أرض الشام أتي قوم بلعم إلى بلعم وكان عنده اسم الله الأعظم.\nفقالوا: إن موسى رجل شديد ومعه جنود كثيرة وإنّه قد جاء يخرجنا من بلادنا ويقتلنا ويحلها بني إسرائيل وأنا قومك وبنو عمك وليس لنا قول وأنت رجل مجاب الدعوة فأخرج وادع الله تعالى أن يرد عنا موسى وقومه فقال: ويلكم نبي الله معه الملائكة والمؤمنون كيف أدعو عليهم وأنا أعلم من الله ما أعلم وإني إن فعلت هذا ذهبت دنياي وآخرتي. وقالوا ما لنا من [نزل] وراجعوه في ذلك قال: حتى أؤامر ربّي، وكان لا يدعو حتّى ينظر ما يؤمر في المنام فيأمرني الدعاء عليهم.\nفقيل له في المنام: لا تدع عليهم، فقال لقومه: إني قد أمرت ربّي في الدعاء عليهم وإنّي قد نهيت، فهدوا له هدية، فقبلها ثمّ راجعوه وقالوا: أدع عليهم، فقال: حتّى أؤمر فلما أمّر لم يجيء إليه شيء. فقال: قد أمّرت فلم يجيء إليّ شيء، فقالوا: لو كره ربّك أن تدعو عليهم لنهاك كما نهاك في المرة الأولى. فلم يزالوا به [يروقونه] ويتضرعون إليه حتّى فتنوه فافتن فركب [أتانا] له متوجها إلى جبل يطلعه على عسكر بني إسرائيل يقال له جسبان.","vol":"4","page":304},{"text":"فلما سار عليها غير كثير ربضت به فنزل عنها فضربها حتّى إذا أذاقها قامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتّى ربضت، ففعل بها مثل ذلك فقامت فركبها فلم تسر به كثيرا حتّى ربضت فضربها حتّى إذا أذاقها أذن الله لها بالكلام فتكلمت حجّة عليه فقالت: ويحك يا بلعم أين تذهب ألا ترى الملائكة أمامي تردني عن وجهي هذا لنذهب إلى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم، فلم ينزع عنها فخلّى الله سبيلها فانطلقت حتّى إذا أشرقت به على جبل جسبان جعل يدعو عليهم فلا يدعو عليهم بشيء إلّا صرف به لسانه إلى قومه ولا يدعو لقومه بخير إلّا صرف مسألته إلى بني إسرائيل.\nفقال له قومه: أتدري يا بلعم ما تصنع إنما تدعو لهم وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك هذا شيء قد غلب الله عليه واندلع لسانه فوقع على صدره فقال لهم: قد ذهبت الآن مني الدنيا والآخرة، فلم يبق إلّا المكر والحيلة فسأمكر لكم وأحتال، اجملوا النساء وزينوهن وأعطوهن السلع ثمّ أرسلوهن إلى العسكر يتعدوا فيه ومروهن فلا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها فإنهم إن زنا رجل واحد منهم يفتنوهم ففعلوا.\nفلمّا دخل النساء العسكر مرّت امرأة بين الكنعانيين اسمها بشتي بنت صور برجل من عظماء بني إسرائيل يقال له زمري بن شلوم رأس سبط شمعون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (﵇) فقام إليها فأخذ بيدها حين أفتنه جمالها ثمّ أقبل حتّى وقف على موسى فقال: إني أظنك ستقول هذه حرام عليك قال: أجل هي حرام عليك لا تقربها قال: فو الله لا نطيعك في هذا ثمّ دخل بها قبته فوقع عليها فأرسل الله الطاعون على بني إسرائيل في الوقت.\nوكان لفنحاص بن العيزار بن هارون صاحب أمر موسى رجل قد أعطى بسطة في الخلق وقوة في البطش وكان غائبا حين صنع زمري بن شلوم ما صنع فجاء والطاعون [يمجّس] في بني إسرائيل وأخبر الخبر فأخذ حربته وكانت من حديد كلّها ثمّ دخل عليه القبة وهما متضاجعان [فاستقبلها] بحربته ثمّ خرج بهما رافعا بهما إلى السماء والحربة قد أخذها بذراعه واعتمد بمرفقه على خاصرته وأسند الحربة إلى لحيته.\nوكان [يكره العيزار] وجعل يقول: اللهم هكذا نفعل بمن يعصيك فرفع الطاعون. فحسب من هلك من بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمري المرأة إلى أن قتله فنحاص فوجوده قد هلك منهم سبعون ألفا في ساعة من نهار، فمن هنا لك يعطي بنو إسرائيل ولد فنحاص كل ذبيحة ذبحوها الفشة والذراع واللحى، لاعتماده بالحربة على خاصرته وأخذه إياها بذراعه وبإسناده إياها إلى لحيته، والبكر من كل أموالهم وأنفسهم لأنّه كان [بكرا] لعيزار بن هارون وفي بلعم أنزل الله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا الآية «١» .\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ٩/ ١٦٩.","vol":"4","page":305},{"text":"وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: أدع على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه فنصبت خشبة ليصلب فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليهم، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها فقالت: لم تضربني إني مأمورة فلا تظلمني وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك، فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك فدعا على موسى بالاسم الأعظم ألا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه فقال موسى: يا رب [بأي] ذنب وقعنا في التيه قال: بدعاء العالم، قال: فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فذلك قوله تعالى فَانْسَلَخَ مِنْها فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية.\nوقال عبد الله بن عمر بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت هذه الآية في أميّة بن أبي الصلت الثقفي وكانت قصّته أنّه كان في ابتداء [أمره] قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولا في ذلك الوقت ورجاء أن يكون هو ذلك الرسول «١» .\nفلما أرسل محمد (﵇) حسده وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مرّ على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل قتلهم محمد فقال: لو كان نبيا ما قتل أقرباءه. لمّا مات أميّة أتت أخته فارعة رسول الله ﷺ فسألها رسول الله ﷺ عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو قد [أتانا فنام على سريري فأقبل طائران] ونزلا فقعد أحدهما عند رجله والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجله للذي عند رأسه: أدعي؟ قال: دعي، قال: أزكّي؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك. قال:\nخيرا زيدي، فصرف عني ثمّ غشي عليه فلما أفاق قال:\nكل عيش وإن تطاول دهرا ... صائر أمره إلى أن يزولا\nليتني كنت قبل ما بدا لي ... في قلال الحبال أرعى الوعولا\nيوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الصغير نوما ثقيلا\nثمّ قال لها رسول الله ﷺ أنشديني شعر أخيك. فأنشدته:\nلك الحمد والنعماء والفضل ربنا ... ولا شيء أعلى منك جدا وأمجد\nمليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد\nوهي قصيدة طويلة حتّى أتت على آخرها. وأنشدته قصيدته:\nوقف الناس للحساب جميعا ... فشقي معذب وسعيد\nثمّ أنشدته قصيدته التي فيها\n_________\n(١) زاد المسير: ٣/ ١٩٥\n.","vol":"4","page":306},{"text":"عند ذي العرش يعرضون عليه ... يعلم الجهر والسرار الخفيا\nيوم يأتي الرحمن وهو رحيم ... إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا\nيوم يأتيه مثل ما قال فرد ... ثم لا بد راشدا أو غويا\nأو سعيدا سعادة أنا أرجو ... أو مهانا لما اكتسبت شقيا\nإن أؤاخذ بما أجرمت فإني ... سوف ألقى في العذاب قويا\nورب إن تعفوا فالمعافاة ظنّي ... أو تعاقب فلم تعاقب بريّا\nقال رسول الله ﷺ: آمن شعره وكفر قلبه.\nوأنزل الله ﷿: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا الآية «١» .\nومنهم من قال: إنها نزلت في البسوس.\nوكان رجلا قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات.\nوكانت له امرأة وكان له منها ولد فقالت له: اجعل منها دعوة واحدة لي. فقال: لك منها واحدة، فما تريدين؟ فقالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الرجل. ودعا عليها فصارت كلبة نبّاحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا قرار دعوت على أمّنا فصارت كلبة نبّاحة والناس يعيروننا أدعوا الله أن يردها على الحال التي كانت عليها، فدعا الله ﷿ فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات.\nوقال سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر بن النعمان بن صيفي الراهب الذي سمّاه النبيّ ﷺ الفاسق.\nوكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوخ فقدم المدينة وقال للنبيّ ﷺ: ما هذا الذي جئت به.\nقال: «جئت بالحنفية دين إبراهيم»، فقال: أنا جئتها، فقال النبيّ ﷺ: «لست عليها ولكنك أدخلت إبليس فيها» [١٩٨]، فقال أبو عامر: أمات الله كاذبا منا طريدا وحيدا فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا القوّة والسلاح وابنوا إلي مسجدا ثمّ أتى الراهب قيصر وأتى بجند ليخرج النبيّ ﷺ وأصحابه من المدينة فذلك قوله: وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يعني انتظارا لمجيئه فمات بالشام طريدا وحيدا.\nوقال عبادة بن الصامت: نزلت في قريش أتاهم الله الآيات فانسلخوا منها فلم يقبلوها،\n_________\n(١) الإصابة: ٨/ ٢٦١ باختصار. وانظر القصة والأبيات في البداية والنهاية: ٢/ ٢٨٥\n.","vol":"4","page":307},{"text":"فقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبيّ ﷺ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ.\nوقال عمرو بن دينار: سئل عكرمة عن هذه الآية فقال: هذا وهذا ليست في خاصة.\nوقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله فذلك قوله: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا.\nوقال ابن عباس والسدي: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئا إلّا أعطاه.\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: أعظم أنها كتابا من كتب الله. مجاهد: هو نبي من بني إسرائيل يقال له بلعم أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه «١» .\nفَانْسَلَخَ [خرج] مِنْها كما تنسلخ الحيّة من جلدها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ أي لحقه وأدركه فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها أي فضلناه وشرفناه ورفعنا منزلته بالآيات.\nوقال ابن عباس: رفعناه بها.\nوقال مجاهد وعطاء: يعني لرفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه.\nوَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ قال سعيد بن جبير: ركن الى الأرض. مجاهد: سكن.\nمقاتل: رضي بالدنيا. أبو عبيدة: لزمها وأبطأ، والمخلد من الرجال هو الذي يبطئ شيبه ومن الدواب التي تبقى ثناياه حتّى تخرج رباعيتاه «٢» .\nقال الزجاج: خلد وأخلد واحد وأجعله من الخلود وهو الدوام والمقام يقال خلد فلان بالمقام إذا أقام به. ومنه قول زهير\nلمن الديار غشيتها بالغرقد ... كالوحي في حجر المسيل المخلد «٣»\nيعني: المقيم.\nوقال مالك بن نويرة:\nفما نبأ حيّ من قبائل مالك ... وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا «٤»\nوَاتَّبَعَ هَواهُ قال الكلبي: يتبع [خسيس] الأمور ويترك معاليها.\n_________\n(١) زاد المسير: ٣/ ١٩٥\n. (٢) تفسير الطبري: ٦/ ١٧١\n. (٣) لسان العرب: ٣/ ١٦٤\n. (٤) تفسير الطبري: ٦/ ١٧١\n.","vol":"4","page":308},{"text":"وقال أبو روق: اختار الدنيا على الآخرة. وقال ابن زيد: كان هواه مع [القدم] قال عطاء: أراد الدنيا وأطاع شيطانه، وقال يمان: وَاتَّبَعَ هَواهُ أي امرأته لأنّها حملته على الخيانة.\nفَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ قال مجاهد: هو مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به، وقال ابن جريج: الكلب منقطع الفؤاد لا فؤاد له إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ وهو مثل الذي يترك الهدى لا فؤاد له إنما فؤاده منقطع.\nوروى معمر عن بعضهم قال: هو الكافر ضال إن وعظته أو لم تعظه.\nقال ابن عباس: معناه إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ الحكمة لم يحملها وإن تتركه لم يهتد بخير كالكلب إن كان [رابضا] لهث وإن طرد لهث.\nوقال الحسن: هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أو لم يدع وعظ أو لم يوعظ [كالكلب] يلهث طرد أو ترك، قال عطاء: ينبح إن يحمل عليه وإن لم يحمل، وقال القتيبي: كل شيء يلهث من إعياء أو عطش إلّا الكلب، فإنّه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الصحة وحال المرض، وحال [الجوع] وحال العطش فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته.\nفقال: إن وعظته فهو ضال وإن تركته فهو ضال كالكلب إن طردته لهث وإن تركته لهث ونظيره قوله وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ «١» ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ روى محمد بن إسحاق عن سالم [أبي الخضر] قال: يعني مثل بني إسرائيل أي إن جئتهم بخبر ما كان فيهم ما غاب عنك (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) .\nفيعرفون أنه لم يأت بهذا الخبر عما مضى فيهم إلّا نبي يأتيهم خبر السماء ساءَ مَثَلًا أي بئس المثل مثلا حال من المثل المضمر.\nكما قال جرير:\nفنعم الزاد زاد أبيك زادا «٢» .\nهذا إذا جعلت (ساءَ) من فعل المثل ورفعت الْقَوْمُ بدلا من الضمير فيه. وإن حولت فعله إلى القوم ورفعتهم به كان [انتهاء] به على التمييز، يريد سأمثل القوم فلما حولته إليهم خرج المثل مفسّرا كما يقال: قربه عينا وضاق ذرعا، متى ما سقط التنوين عن المميز [المخفض] بالإضافة دليله قراءة [الجحدري] والأعمش سأمثّل القوم بالإضافة، وقال أبو حاتم: يريد بها (مثلا) مثل القوم فحذف مثل.\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٩٣\n. (٢) لسان العرب: ٣/ ١٩٨\n.","vol":"4","page":309},{"text":"وأقام القوم [به أمّة] فرفعهم كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ.\nوَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ إلى قوله تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وإنما قال ذلك لنفاد علمه فيهم بأنهم يصيرون إليها بكفرهم بربهم ويسمّي بعض أهل المعاني هذه اللام لام [الصيرورة] فيه كقوله: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا «١» . وأنشدوا:\nأموالنا لذوي الميراث نجمعها ... [ودورنا] لخراب الدهر نبنيها «٢»\nوقال الآخر:\nفللموت تغدو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدهر تبنى المساكن «٣»\nوروى عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «إن الله تعالى كما ذرأ لجهنم ما ذرأ كان ولد الزنا ممن ذرأ لجهنم»\n[١٩٩]، ثمّ وصفهم فقال لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولا يعلمون الخير والهدى وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها طريق الحق والرشاد وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها مواعظ الله والقرآن فيفكرون ويعتبرون بها فيعرفون بذلك توحيد الله ثمّ يعملون بتحقيق [النبوّة] فآتينا بهم ثمّ ضرب لهم مثلا في الجهل والاقتصاد على الشرب والأكل وبعدهم من موجبات العمل. وقال عز من قائل أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره ويطيعوه والكافرون لا يعرفون ربهم ولا يطيعونه\nوفي الخبر: «كل شيء أطوع لله من ابن آدم» [٢٠٠] «٤» .\nأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ.\nوَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها قال مقاتل: وذلك أن رجلا دعا الله في صلاته ودعا الرحمن، فقال رجل من مشركي مكة: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا فما\n_________\n(١) سورة القصص: ٨\n. (٢) لسان العرب: ١٢/ ٥٦٢\n. (٣) القاموس المحيط: ٤/ ١٧٨\n. (٤) المعجم الصغير: ٢/ ٥١\n.","vol":"4","page":310},{"text":"بال هذا يدعو ربين اثنين، فأنزل الله وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وهو تأنيث الأحسن كالكبرى والأكبر والصغرى والأصغر، والأسماء الحسنى هي الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ ... الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ ونحوها.\nالأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن لله ﵎ تسعة وتسعين اسما، مائة غير واحدة، من أحصاها كلّها دخل الجنّة» [٢٠١] «١» .\nوَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ. قال ابن عباس: يكذبون، وقال قتادة: يشركون، وقال عطاء: ظامئون، زيد بن أسلم: يميلون عن الحق. ابن عباس ومجاهد: هم المشركون.\nوإلحادهم في أسماء الله ﷿ أنهم عدلوا بها عمّا هي عليه فسموا بها أوثانهم وزادوا فيها ونقصوا منها فاشتقوا اللات من الله تعالى والعزّى من العزيز ومنات من المنّان.\nوقال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تعالى يسميه بما لم يسم به ولا ينطق به كتاب ولا دعا إليه رسول، وأصل الإلحاد الميل والعدول عن القصد ومنه لحد القبر. فيقال: ألحد يلحد إلحادا ولحد يلحد لحدا ولحودا إذا مال.\nوقد قرئ بهما جميعا فقرأ يحيى بن رئاب والأعمش وحمزة: بفتح الياء والحاء هاهنا وفي النحل (رحم) . وقرأ الباقون: بضم الياء وكسر الحاء وهما لغتان [صحيحتان] .\nوأمّا الكسائي فإنّه قرأ التي في النحل بفتح الياء والحاء وفي الأعراف (رحم) بالضم وكل يفرق بين الإلحاد واللحود فيقول: الإلحاد العديل عن القصد واللحد واللحود الركون، ويزعم أن التي في النحل يعني الركون سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في الآخرة وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ عصبة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ\nقال قتادة وابن جريج: بلغنا أن النبيّ ﷺ قرأ هذه الآية فقال: هي أحق بالحق يأخذون ويقضون ويعطون وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ» [٢٠٢] .\nقال الربيع بن أنس: قرأ النبيّ ﷺ هذه الآية فقال: «إن من أمتي قوما على الحق حتّى ينزل عيسى» (﵇) [٢٠٣] «٢» .\nعن عمير بن هاني قال: سمعت معاوية على هذا المنبر يقول: سمعت النبيّ ﷺ قال: لا يزال من أمّتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من غالطهم حتّى يأتي أمر الله ﷿، وهم ظاهرون على الناس» [٢٠٤] «٣» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٤٩٩ [.....]\n. (٢) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٢٩\n. (٣) مسند أحمد: ٤/ ١٠١\n.","vol":"4","page":311},{"text":"وقال ابن حيان: هم مؤمنوا أهل الكتاب. وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان قد سماهم الله تعالى في سورة براءة. وقال الكلبي: هم من جميع الخلق وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ قال بعضهم: سنأخذهم بالعذاب، وقال الكلبي: نزيّن لهم أعمالهم فنهلكهم. وقال الضحاك: كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة، وقال الخليل بن أحمد: سنطوي وإن أعمارهم في اغترار منهم «١» .\nوقال أبو عبيدة والمؤرخ: الاستدراج أن يأتيه من حيث لا يعلم.\nوقال أهل المعاني: الاستدراج أن ندرج إلى الشيء في خفيّة قليلا قليلا ولا يباغت ولا يجاهر. يقال: استدرج فلانا حتّى تعرف ما صنع أي لا يجاهر ولا يهجم عليه، قال: ولكن استخرج ما عنده قليلا قليلا وأصله من [الدرج] وذلك أن الراقي والنازل يرقى وينزل مرقاة مرقاة فاستعير [هذا عنه] . ومنه الكتاب إذا طوى شيئا بعد شيء، ودرج القوم إذا مات بعضهم في دار بعض، ودرج الصبي إذا قارب من خطاه في المشي وَأُمْلِي لَهُمْ يعني أمهلهم وأطيل من الملاواة وهو الدهر، ومنه مليت أي غشت دهرا إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أي أخذي قوي مديد قلت:\nفي المستهزئين، فقتلهم الله في ليلة واحدة أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ\nقتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قام على الصفا ليلا فجعل يدعو قريشا فخذا فخذا يا بني فلان يا بني فلان يحذرهم بأس الله ﷿، ووقائعه فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت حتى الصباح فأنزل الله أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ. ما بمحمد من مجنون «٢» .\nإِنْ هُوَ ما هو إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ مخوف أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ ملك السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فيهما مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى وهي أن لعلّ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فيهلكوا على الكفر ويصبروا إلى العذاب فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ بعد القرآن يُؤْمِنُونَ ثمّ بيّن العلّة في إعراضهم عن القرآن وتركهم الإيمان فقال عز من قائل: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ فلا مرشد له وَيَذَرُهُمْ قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة بالياء، لأن ذكر الله سبحانه قد مرّ من قبل. والباقون بالنون، لأنّه كلام [مستأنف] ومن جزم الراء فهو ممدود على يُضْلِلِ.\n_________\n(١) راجع زاد المسير: ٣/ ٢٠٠\n. (٢) زاد المسير: ٣/ ٢٠١\n.","vol":"4","page":312},{"text":"يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ\nقال ابن عباس: قال [وجيل] بن أبي فشير وسموأل بن زيد:\nوهما من اليهود: يا محمد أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا كما تقول فلنعلم متى هي؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال قتادة: قالت قريش لمحمد ﷺ: إن بيننا وبينك قرابة فأنشر إلينا متى الساعة فأنزل الله يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ يعني القيامة أَيَّانَ متى\n، ومنه قول الراجز:\nأيان تقضي حاجتي أيانا ... أما ترى لنجحها إبانا «١»\nمُرْساها قال ابن عباس: ومنتهاها، وقال قتادة: قيامها. وأصل الكلمة الثبات والحبس قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي استأثر بعلمها لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ... لا يُجَلِّيها لا يكشفها ولا يظهرها.\nوقال مجاهد: لا يأتي بها، وقال السدي: [لا يرسلها] لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني ثقل علمها على أهل السموات والأرض لخفائها فلا يعرفو مجيئها ووقتها فلم يعلم قيامها ملك مقرّب ولا نبي مرسل.\nوقال الحسن: يقول إذا جاءت ثقلت على السموات والأرض وأهلها وكبرت وعظمت وذلك أنها إذا جاءت انشقت السموات وانتثرت النجوم وكورت الشمس وسُيِّرَتِ الْجِبالُ. وليس من الخلق شيء إلّا ويصيبه ضرر الساعة وثقلها ومشقتها لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً فجأة على غفلة منكم.\nسعيد عن قتادة قال: إن رسول الله ﷺ كان يقول «إن الساعة تهيج الناس والرجل يصلح حوضه والرجل يسقي ماشيته والرجل يقيم سلعته في السوق ويخفض ميزانه ويرفعه» [٢٠٥] «٢» .\nوعن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ «قال جبرئيل: تقوم الساعة عند ثلاث مواطن:\nإذا كثر القول وقلّ العمل وعند قلّة المواشي حتّى يمضي كل رجل ممّا عنده، وإذا قال الناس من يذكر الله فيها بدعة» [٢٠٦] .\nيَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قال أهل التفسير في الآية تقديم وتأخير تقديرها. يسألونك عنها كأنّك حفي أي [بار فيهم] صديق لهم قريب، قاله ابن عباس وقتادة، وقال مجاهد والضحاك: كأنّك عالم بها وقد يوضع عن موضع مع الياء قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ إلى قوله (نَفْعًا وَلا ضَرًّا)\nفقال ابن عباس: إن أهل مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك بالسعر الرخيص قبل أن يغلا فتشتريه فتربح فيه، والأرض الذي تريد أن تجذب فترتحل منها إلى ما قد أخصبت فأنزل الله\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١٨٤، ولسان العرب: ١٣/ ٤\n. (٢) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٨٢\n.","vol":"4","page":313},{"text":"تعالى قُلْ يا محمد لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا\nأي اجتناب نفع ولا دفع إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أي أملكه بتمليكه إياي وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ يعني المال وتهيأت لسنة القحط ما يكفيها وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ وما مسّني الله [بسوء] .\nوقال ابن جريج: قُلْ لا أَمْلِكُ (لِنَفْسِي) نَفْعًا وَلا ضَرًّا يعني الهدى والضلالة وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ متى أموت لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ من العمل الصالح وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ.\nقال ابن زيد: فاجتنبت ما يكون من الشر وأتقيه. قال بعض أهل المعاني: (لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ من معرفته حتّى لا يخفى عليّ شيء وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ يعني التكذيب.\nوقال مقاتل: هذا متصل بالكلام الأول معناه: لا أقدر أن [أسوق] لنفسي خيرا أو أدفع عنها شرا حتّى ينزل بي فكيف أعلم وأملك علم الساعة؟ وتمام الكلام قوله: لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ، ثم ابتدأ فقال: (وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ) [يعني الجنون] .\nوقيل يعني لم يلحقني تكذيب إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدقون.\nهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني آدم (﵇) وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها خلق منها حواء لِيَسْكُنَ إِلَيْها يستأنس إليها ويأوي إليها لقضاء حاجته فَلَمَّا تَغَشَّاها واقعها وجامعها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا وهو ماء الرجل خفيف عليها فَمَرَّتْ أي استمرت بِهِ وقامت وقعدت ولم تكثرت بحملها، يدل عليه قراءة ابن عباس: فاستمرت به.\nوقال قتادة: (فَمَرَّتْ بِهِ) أي استبان حملها. وقرأ يحيى بن يعمر (فمرت) خفيفة الراء من المرية أي: شكّت أحملت أم لا؟ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي كبر الولد في بطنها وتحرك وصارت ذات ثقل بحملها كما يقال: أثمر إذا صار ذا ثمر دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما يعني آدم وحواء لَئِنْ آتَيْتَنا يا ربنا صالِحًا.\nقال الحسن: غلاما ذكرا. وقال الآخرون: بشرا سويّا مثلنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ وذلك أنهما أشفقا أن يكون بهما أو شيئا سوى آدمي أو غير سوي.","vol":"4","page":314},{"text":"قال الكلبي: إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال: ما هذا الذي في بطنك قالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، فقالت ذلك لآدم، فلم يزالا في نعم من ذلك ثمّ عاد إليها فقال: إني من الله [منزّل] فإن دعوت الله فولدت إنسانا [أتسمّينه فيّ] قالت: نعم، قال: فإنّي أدعوا الله فأتاها وقد ولدت فقال: سميه باسمي، فقالت:\nوما اسمك؟ قال: الحارث، ولو سمّى نفسه لعرفته فسمته عبد الحارث» .\nوقال سعيد بن جبير: لما هبط آدم وحواء (﵉) الأرض ألقيت الشهوة في نفس آدم فأصابها فحملت فلما تحرك ولدها في بطنها جاءها إبليس فقال ما هذا [ما ترين] في الأرض إلّا ناقة أو بقرة أو ضائنة أو [ماعزة] أو نحوها فما يدريك ما في بطنك لعله كلب أو خنزير أو حمار وما يدريك من أين يخرج أمن دبرك فيقتلك أو أذنك أو عينيك أو فيك أو يشق بطنك فيقتلك، فخافت حواء من ذلك قال: فأطيعيني وسميه عبد الحرث. وكان اسمه في الملائكة الحرث، تلدين شبيهكما مثلكما، فذكرت ذلك لآدم فقال: لعلّه صاحبنا الذي قد علمت، فعاودها إبليس فلم يزل بهما حتّى غرهما فسمّياه عبد الحرث «٢» .\nقال السدي: ولدت حواء غلاما فأتاها إبليس فقال سموه بي وإلّا قتلته، قال له آدم: قد أطعتك فأخرجتني من الجنّة، فأبى أن يطيعه فمات الغلام، فحملت بآخر فلما ولدته قال لهما مثل ذلك فأبيا أن يطيعاه، فمات الولد، فحملت بآخر فأتاهما وقال لهما: إذ غلبتماني فسمياه عبد الحرث، وكان اسم إبليس الحرث.\nولم يشعروا به فوالله لا أزال أقتلهم حتّى تسمياه عبد الحرث. كما قتلت الأول والثاني فسمياه عبد الحرث فعاش.\nوقال ابن عباس: كانت حواء تلد لآدم فتسميه عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن ونحو ذلك فيصيبهم الموت فأتاهما إبليس فقال: إن [وعدتكما] أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحرث فولدت ابنا فسمياه عبد الحرث ففيهما أنزل الله ﷿ فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا أي ولدا بشرا سويا حيا آدميا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ.\nقرأ ابن عباس وسعيد بن جبير وأبان بن ثعلب وعاصم وعكرمة وأهل المدينة شِرْكًا بكسر الشين والتنوين أي شركه.\nقال أبو عبيدة: أي حظا ونصيبا من غيره، وقرأ الباقون شُرَكاءَ مضمومة الشين ممدودة على جمع شريك أخبر عن الواحد بلفظ الجمع، لقوله تعالى الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ\n_________\n(١) أنظر تفسير القرطبي: ٧/ ٣٣٨\n. (٢) تحفة الأحوذي: ٨/ ٣٦٧\n.","vol":"4","page":315},{"text":"جَمَعُوا لَكُمْ «١» مفردا، تم الكلام هاهنا ثمّ قال: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ يعني أهل مكة.\nواختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء فقال المفسرون: كان شركاء في التسمية والصفة لا في العبادة والربوبية.\nوقال أهل المعاني: أنهما لم يذهبا إلى أن الحرث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحرث لكنهما قصدا إلى أن الحرث سبب نجاة الولد وسلامة أمّه فسمياه، كما [يسمى] ربّ المنزل، وكما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له لا على أن الضيف ربّه.\nكما قال حاتم:\nوإنّي لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما فيّ إلّا تلك من شيمة العبد «٢»\nوقال قوم من أهل العلم: إن هذا راجع إلى المشركين من ذرية آدم وإن معناه جعل أولادهما له شركاء فحذف الأولاد وأقامهما مقامهم كقوله تعالى وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٣» وكما أضاف فعل الآباء إلى الأبناء في تفريقهم بفعل آبائهم، فقال لليهود الذين كانوا في عهد رسول الله ﷺ: ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ. وقال وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها. وقال سبحانه:\nفَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ «٤» ونحوها، ويدل عليه ما روى معمر عن الحسن قال: عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يكن عنى آدم.\nوروى قتادة عنه قال: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصّروا.\nوقال ابن كيسان: هم الكفار جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ عبد العزى وعبد مناة.\nوقال عكرمة: لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع بني آدم من بعد آدم.\nقال الحسين بن الفضل: وهذا حجب إلى أهل النظر لما في القول الأول من إلصاق العظائم بنبي الله آدم (﵇) ويدل عليه جمعه في الخطاب حيث قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ، ثمّ قال: فَلَمَّا تَغَشَّاها انصرف من ذلك الخطاب إلى الخبر يعني فلما تغشى الرجل منكم امرأته.\nقال الله ﷿: أَيُشْرِكُونَ يعني كفار مكة ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ يعني الأصنام.\nقال ابن زيد: ولد لآدم ولد فسمياه عبد الله فاتاهما إبليس فقال: ما سميتما ابنكما هذا؟\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٧٣\n. (٢) تاريخ دمشق: ١٦/ ٤٢١\n. (٣) سورة يوسف: ٨٢\n. (٤) سورة البقرة: ٩١\n.","vol":"4","page":316},{"text":"قال: وكان ولد لهما قبل ذلك ولد سمياه عبد الله فمات فقالا: سميناه عبد الله، فقال إبليس: أتظنان أن الله تارك عبده عندكما لا [والله] ليذهبن كما ذهب الآخر، ولكن أدلكما على اسم يبقى لكما ما بقيتما فسمياه عبد شمس.\nفذلك قوله أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. الشمس لا تخلق شيئا حتّى يكون لها عبدا إنّما هي مخلوقة\nقال: وقال رسول الله ﷺ «خدعهما مرتين خدعهما في الجنّة وخدعهما في الأرض» [٢٠٧] «١» .\nوالذي يؤيد القول الأول قراءة السلمي: أتشركون بالتاء.\nوَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى يعني الأصنام لا يَتَّبِعُوكُمْ لأنها غير عاقلة سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ ساكتون إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ مخلوقة مملوكة مقدرة مسخرة أَمْثالُكُمْ أشباهكم فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّها آلهة.\nأَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها يأخذون بها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ يا معشر المشركين ثُمَّ كِيدُونِ أنتم وهم فَلا تُنْظِرُونِ.\nإِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي يعني الذي [يحفاني] ويمنعني منكم الله نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يا محمد يعني الأصنام يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ وهذا كما يقول العرب: داري ينظر إلى دارك أي يقابلها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١١٩\n.","vol":"4","page":317},{"text":"ويقول العرب: إذا أتيت مكان كذا فنظر إليك الحمل فخذ يمينا وشمالا أي: استقبلك.\nوحدث أبو عبيدة عن الكسائي قال: الحائط ينظر إليك إذا كان قريبا منك حيث تراه. ومنه قول الشاعر:\nإذا نظرت بلاد بني تميم ... بعين أو بلا بني صباح «١»\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: معناه: وتراهم كأنهم ينظرون إليك كقوله: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى\n«٢» أي كأنهم سكارى وإنّما أخبر عنهم بالهاء والميم، لأنّها مصوّرة على صورة بني آدم مخبرة عنها بأفعالهم.\nخُذِ الْعَفْوَ قال مجاهد: يعني العفو من أخلاق الناس وأعمالهم بغير تخميس.\nقال ابن الزبير: ما أنزل الله تعالى هذه الآية إلّا في أخلاق الناس.\nوقال ابن عباس والسدي والضحاك والكلبي: يعني ما عفا لك من أموالهم وهو الفضل من العيال والكل فما أتوك به عفوا فخذه ولا تسألهم ما ذرأ ذلك.\nوهذا قبل أن ينزل فريضة الصدقات. ولما نزلت آية الصدقات نسخت هذه الآية وأمر بأخذها منهم طوعا وكرها وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ أي بالمعروف. قرأ عيسى بن عمر: العرف ضمتين مثل الحلم وهما لغتان والعرف المعروف والعارفة كل خلصة حميدة فرضتها العقول وتطمئن إليها النفوس. قال الشاعر:\nمن يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس «٣»\nقال عطاء: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني لا إله إلّا الله وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أبي جهل وأصحابه نسختها آية السيف.\nويقال لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ لجبرئيل: «ما هذه؟ قال: لا أدري حتّى أسأل، ثمّ رجع فقال: يا محمد إن ربّك يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك» [٢٠٨] «٤» .\nفنظم الشاعر فقال:\nمكارم الأخلاق في ثلاث ... من كملت فيه فذاك الفتى\nإعطاء من يحرمه ووصل من ... يقطعه والعفو عمن عليه اعتدى\nقال جعفر الصادق: «أمر الله تعالى نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية» [٢٠٩] «٥» .\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٩/ ٢٠٣ [.....]\n. (٢) سورة الحج: ٢\n. (٣) لسان العرب: ١٤/ ١٤٣، والبيت للحطيئة\n. (٤) جامع البيان للطبري: ٩/ ٢٠٧\n. (٥) فتح الباري: ٨/ ٢٣٠\n.","vol":"4","page":318},{"text":"قال النبيّ ﷺ: (رحمهما الله) [٢١٠] «١» .\nوقالت عائشة: مكارم الأخلاق عشرة: صدق الحديث. وصدق البأس في طاعة الله.\nوإعطاء السائل. ومكافأة الصنيع. وصلة الرحم. وأداء الأمانة. والتذمم للصاحب. والتذمم للجار وقرى الضيف ورأسهن الحياء «٢» .\nأنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد المذكور أنشدنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، أنشدنا ابن أبي [الدنيا] أنشدني أبو جعفر القرشي.\nكل الأمور تزول عنك وتنقضي ... إلّا الثناء فإنه لك باق\nلو أنني خيّرت كل فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق «٣»\nقال عبد الرحمن بن زيد: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ ﷺ: «كيف يا رب [والغضب]» [٢١١] فنزل وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ يعني يصيبنك ويفتننك ويغرنك ويعرض لك من الشيطان نَزْغٌ\nوأصله الولوع بالفساد والشر.\nيقال نزغ عرقه إذا [جنّ] وهاج، وفيه لغتان: نزغ ونغز، يقال: إياك والنزاغ والنغاز وهم المورشون «٤» .\nوقال الزجاج: النزغ أدنى حركة تكون من الإنسان ومن الشيطان أدنى وسوسة، وقال سعيد\nابن المسيب: شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا ثمّ لم يبرحا حتّى استغفر كل واحد منهما لصاحبه\n«٥» فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ فاستجر بالله إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني المؤمنين إِذا مَسَّهُمْ أصابهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ قرأ النخعي وابن كثير وأبو عمرو والأعمش وابن يزيد والجحدري وطلحة: طيف، وقرأ الباقون:\nطائِفٌ، وهما لغتان كالميت والمائت، ومعناهما الشيء الذي [بكم بك] «٦» وفرق قوم بينهما «٧» .\nفقال أبو عمرو: الطائف ما يطوف حول الشيء والطيف اللمة والوسوسة الخطرة. وقال بعض [المكيين]: الطائف ما طاف به من وسوسة الشيطان والطيف اللحم والمس. ويجوز أن يكون الطيف مخفّفا عن طيّف مثل هيّن وليّن. يدل عليه قراءة سعيد بن جبير: طيّف بالتثقيل.\n_________\n(١) السنن الكبرى للبيهقي: ١٠/ ١٩٢\n. (٢) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا: ٢٧ ح ٣٦\n. (٣) مكارم الأخلاق لابن أبي الدنيا ٣٠، وفيه: غير محاسن الأخلاق\n. (٤) التوريش: التحريش\n. (٥) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٤٧\n. (٦) كذا في المخطوط\n. (٧) راجع لسان العرب: ٢/ ٩١\n.","vol":"4","page":319},{"text":"وقال ابن عباس: إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ أي نزغ من الشيطان.\nوقال الكلبي: ذنب. وقال مجاهد: هو الغضب.\nتَذَكَّرُوا وتفكروا وعرفوا، وقال أبو روق: ابتهلوا، وفي قراءة عبد الله بن الزبير: إذا مسهم طائف من الشيطان [فأملوا] .\nقال سعيد بن جبير: هو الرجل يغضب الغضبة فيذكر الله فيكظم الغيظ، ليث عن مجاهد:\nهو الرجل هم بالذنب فيذكر الله فيدعه. وقال السدي: معناه إذا زلوا تابوا. وقال مقاتل: إن المتقي إذا أصابه نزغ من الشيطان تذكر وعرف أنها معصية فأبصرها ونزغ من مخالفة الله فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ ينظرون مواضع خطيئتهم بالتفكر والتدبر [يمرون] فيقصرون، فإنّ المتّقي من يشتهي [...] «١» ويبصر فيقصر، ثم ذكر الكفار فقال وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ يعني إخوان الشيطان وهم الكفار يمدهم الشياطين في الغي حتى يطلبوا لهم ويزيدوهم في الضلالة.\nوقرأ أهل المدينة: يُمِدّونهم بضم الياء وكسر الميم وهما لغتان بمعنى واحد. وقرأ الجحدري يمادونهم على يفاعلونهم.\nثُمَّ لا يُقْصِرُونَ أي لا يشكون ولا ينزغون. وقال ابن زيد: لا يسأمون ولا يفترون.\nقال ابن عباس: لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات ولا [الجن ممسك] عنهم.\nوقرأ عيسى بن عمر: يَقصرون بفتح الياء وضم الصاد وقصر وأقصر واحد وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ يا محمد يعني المشركين بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَها أي هلّا أقلعتها وأنشأتها من قبل نفسك واختيارك، قاله قتادة، وقال مجاهد: لولا اقتضيتها وأخرجتها من نفسك.\nوقال ابن زيد: لولا يقبلها [لجئت] بها من عندك.\nوقال ابن عباس: لولا تلقيتها من عندك، أيضا لولا حدثتها فأنشأتها. قال العوفي عن ابن عباس: [فنسيتها وقلتها] «٢» من ربّك.\nوقال الضحاك: لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء، قال الفراء: تقول العرب:\n[جئت] الكلام وأخلقته وارتجلته وانتحلته إذا افتعلته من قبل نفسك.\nقال ابن زيد: إنّما يقول العرب ذلك الكلام بتهدئة الرجل ولم يكن قبل ذلك أعده لنفسه قُلْ يا محمد إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي ثمّ قال هذا يعني القرآن بَصائِرُ حجج وبيان وبرهان مِنْ رَبِّكُمْ واحدتها بصيره. وقال الزجاج: طرق من ربكم، والبصائر طرق «٣» الدم.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n. (٢) كذلك في المخطوط\n. (٣) جمعها طرائق [.....]\n.","vol":"4","page":320},{"text":"قال الجعفي:\nراحوا بصائرهم على أكتافهم ... وبصيرتي يعدو بها عتد وآي «١»\nتعدّوا عداوي وأصلها ظهور الشيء وقيامه واستحكامه حتّى يبصر الإنسان فيهتدي إليها وينتفع بها، ومنه قيل: [ما لي في الأمر] «٢» من بصيرة وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا قال عبد الله بن مسعود: كنا نسلم بعضنا على بعض في الصلاة سلام على فلان وسلام على فلان فجاء القرآن: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا يعني في الصلاة وقال أبو هريرة: كانوا يتكلّمون في الصلاة فأتت هذه الآية وأمروا بالإنصات.\nوقال الزهري: نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار كان رسول الله ﷺ كلما قرأ شيئا قرأه، فنزلت هذه الآية.\nوروى داود بن أبي هند عن بشير بن جابر قال: صلّى ابن مسعود فسمع ناسا يقرءون مع الإمام فلما انصرف قال: أما آن لكم أن تفقهوا، أما آن لكم أن تعقلوا وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا كما أمركم الله «٣» .\nوروى الحريري عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدّثان والقارئ يقرأ فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوحيان الموعود، قال: فنظرا إلي ثمّ أقبلا على حديثهما، قال: فأعدت الثانية فنظرا لي فقالا: إنّما ذلك في الصلاة: وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا.\nوروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: نزلت هذه الآية في رفع الأصوات وهم خلف رسول الله ﷺ في الصلاة «٤» .\nوقال الكلبي: وكانوا يرفعون أصواتهم في الصلاة حتّى يسمعون ذكر الجنّة والنار فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال قتادة: كانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم في أول ما فرضت عليهم، وكان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله ﷿ هذه الآية «٥» .\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٥٩٢، وتفسير القرطبي: ٧/ ٣٥٣ وفيه بدل راحوا: جاءوا، وفي تفسير الطبري (٧/ ٣٩٧): حملوا\n. (٢) بياض في المخطوط، والظاهر ما أثبتناه\n. (٣) راجع تفسير الدر المنثور: ٣/ ١٥٦\n. (٤) راجع تفسير الطبري: ٩/ ٢١٧، ونصب الراية: ٢/ ٢١\n. (٥) أسباب النزول للواحدي: ١٥٤\n.","vol":"4","page":321},{"text":"وقال ابن عباس: إنّ رسول الله ﷺ قرأ في الصلاة المكتومة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم فخلطوا عليه فنزلت هذه الآية.\nوقال سعيد بن المسيب: كان المشركون يأتون رسول الله ﷺ إذا صلّى فيقول بعضهم لبعض بمكّة: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ فأنزل الله جوابا لهم وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ.\nقال سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم، والقاسم بن يسار، وشهر بن حوشب: هذا في الخطبة أمر بالإنصات للإمام يوم الجمعة.\nقال عبد الله بن المبارك: والدليل على حكم هذه الآية في [الجمعة] إنّك لا ترى خطيبا على المنبر يوم الجمعة يخطب، فأراد أن يقرأ في الخطبة آية من القرآن إلّا قرأ هذه الآية قبل [فواة] قراءة القرآن.\nقال الحسن: هذا في الصلاة المكتوبة وعند الذكر. وقال مجاهد وعطاء: وجب الإنصات في اثنين عند الرجل يقرأ القرآن وهو يصلّي وعند الإمام وهو يخطب.\nوقال عمر بن عبد العزيز: الإنصات لقول كل واعظ والإنصات الإصغاء والمراعاة.\nقال الشاعر:\nقال الإمام عليكم أمر سيّدكم ... فلم نخالف وأنصتنا كما قالا «١»\nوقال سعيد بن جبير: هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام «٢» .\nقال الزجاج: ويجوز أن يكون معنى قوله فَاسْتَمِعُوا وأَنْصِتُوا اعملوا بما فيه لا تجاوزوه، لأن معنى قول القائل: سمع الله: أجاب الله دعاءك.\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ قال ابن عباس: يعني بالذكر القراءة في الصلاة تَضَرُّعًا جهرا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ دون رفع القول في خفض وسكوت يسمع من خلفك.\nوقال أهل المعاني: وَاذْكُرْ رَبَّكَ اتعظ بالقرآن وآمن بآياته وَاذْكُرْ رَبَّكَ بالطاعة في ما يأمرك (تَضَرُّعًا) تواضعا وتخشّعا (وَخِيفَةً) خوفا من عقابه، فإذا قرأت دعوت بالله أي دُونَ الْجَهْرِ:\nخفاء لا جهار «٣» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٥٤\n. (٢) أسباب النزول للواحدي: ١٥٥\n. (٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢١\n.","vol":"4","page":322},{"text":"وقال مجاهد وابن جريج: أمر أن يذكروه في الصدور. ويؤمر بالتضرع في الدعاء والاستكانة.\nويكره رفع الصوت [والبداء] بالدعاء وأمّا قوله بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ فإنه يعني بالبكر والعشيات، واحد الآصال أصيل، مثل أيمان ويمين، وقال أهل اللغة: هو ما بين العصر إلى المغرب وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني الملائكة والمراد هو عند قربهم من الفضل والرحمة لا من حيث المكان والمعاقبة.\nوقال الحسين بن الفضل: قد يعبد الله غير الملائكة في المعنى من عند ربّك جاءهم التوفيق والعصمة لا يَسْتَكْبِرُونَ لا يتكبرون ولا يتعظمون عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وينزهونه ويذكرونه ويقولون سبحان الله وَلَهُ يَسْجُدُونَ يصلّون.\nمغيرة عن إبراهيم: إن شاء ركع وإن شاء سجد.","vol":"4","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>سورة الأنفال</span>\nمدنيّة، وهي خمسة آلاف ومائتان وأربعة وتسعون حرفا، وألف ومائتان وإحدى وثلاثون كلمة\nزيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له وشاهد يوم القيامة أنّه برىء من النفاق وأعطي من الأجر بعدد كل منافق ومنافقة في دار الدنيا عشر حسنات ومحي عنه عشر سيّئات ورفع له عشر درجات وكان العرش وحملته يصلّون عليه أيام حياته في الدنيا» [٢١٢] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ الآية\nقال ابن عباس: أن النبيّ ﷺ قال يوم بدر: «من أتى مكان كذا وكذا فله من الفضل كذا، ومن قتل قتيلا فله كذا، ومن أسر أسيرا فله كذا» [٢١٣]، فلمّا التقوا سارع إليه الشبّان والفتيان وأقام الشيوخ ووجوه الناس عند الرايات، فلمّا فتح الله على المسلمين جاءوا يطلبون ما جعل النبيّ ﷺ فقال لهم الأشياخ: كنّا ردءا لكم ولو انهزمتم فلا تستأثروا علينا، ولا تذهبوا [بالغنائم دوننا] .\nوقام أبو اليسر بن عمرو الأنصاري أخو بني سلمة فقال: يا رسول الله إنّك وعدت من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا وإنّا قد قتلنا سبعين وأسرنا سبعين، فقام سعد بن معاذ فقال: والله ما منعنا أن نطلب ما طلب هؤلاء زهادة في الآخرة ولا جبن عن العدو لكن كرهنا أن يعرّي مصافك فيعطف عليه خيل من خيل المشركين فيصيبوك، فأعرض عنهما رسول الله ﷺ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٤/ ٤٢٢\n.","vol":"4","page":324},{"text":"ثمّ عاد أبو اليسر بمثل مقالته وقام سعيد بمثل كلامه وقال: يا رسول الله إنّ الناس كثير وإن الغنيمة دون ذلك وإن تعط هؤلاء التي ذكرت لا يبق لأصحابك كثير شيء فنزلت يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ\nالآية. فقسّم رسول الله ﷺ بينهم بالسويّة «١» .\nوروى مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال:\nفينا معاشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في الفعل وساءت فيه أخلاقنا فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله ﷺ فقسّمه بين المسلمين عن سواء على السواء وكان في ذلك تقوى الله وطاعة رسوله صلاح ذات البين.\nوقال سعد بن أبي وقاص: نزلت في هذه الآية ذلك أنّه لمّا كان يوم بدر وقتل أخي عمير وقتلت سعيد بن العاص بن أميّة وأخذت سيفه وكان يسمّى ذا الكثيفة فأعجبني فجئت به النبيّ ﷺ فقلت: يا رسول الله إن الله قد شفى صدري من المشركين فهب لي هذا السيف فقال ليس هذا لي ولا لك اذهب فاطرحه في القبض فطرحته ورجعت وبي ما لا يعلمه إلّا الله ﷿ من قتل أخي وأخذ بيدي قلت: عسى أن يعطي من لم يبل بلائي فما جاوزت إلّا قليلا حتّى جاءني الرسول ﷺ وقد أنزل الله ﷿: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ فخفت أن يكون قد نزل فيّ شيء، فلما انتهيت إلى رسول الله ﷺ قال: «يا سعد إنّك سألتني السيف وليس لي وإنّه قد صار»\nليّ فاذهب فخذه فهو لك» [٢١٤] «٣» .\nوقال أبو [أميّة] مالك بن ربيعة: أصبت سيف ابن زيد يوم بدر وكان السيف يدعى المرزبان فلمّا نزلت هذه الآية أمر رسول الله ﷺ الناس أن يردّوا ما في أيديهم من النفل فأقبلت به وألقيته في النفل وكان رسول الله ﷺ لا يمنع شيئا يسأله فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي فسأله رسول الله ﷺ فأعطاه إيّاه.\nوقال ابن جريج: نزلت في المهاجرين والأنصار ممن شهد بدرا فاختلفوا فكانوا أثلاثا فنزلت هذه الآية وملّكها الله رسوله يقسّمها كما أراه الله.\nعليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس [قال:] كانت المغانم لرسول الله ﷺ خاصة ليس لأحد فيها شيء وما أصاب سرايا المسلمين من شيء أتوه به فمن حبس منه إبرة أو ملكا فهو غلول فسألوا رسول الله أن يعطيهم منها فأنزل الله ﷿ يَسْئَلُونَكَ يا محمد عَنِ الْأَنْفالِ أي حكم الأنفال وعلمها وقسمها.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٦ وأسباب النزول للواحدي، ونصب الراية: ٤/ ٢٩٧\n. (٢) في تفسير ابن كثير: وهب لي\n. (٣) تفسير الطبري: ٩/ ٢٣٠، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٢٩٥\n.","vol":"4","page":325},{"text":"وقيل: معناه يسألونك من الأنفال (عن) بمعنى (من) .\nوقيل: «من» صلة أي يسألونك الأنفال. وهكذا قرأ ابن مسعود بحذف (عن) وهو قول الضحاك وعكرمة.\nوالأنفال الغنائم واحدها نفل. قال لبيد:\nإن تقوى ربّنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي والعجل «١»\nوأصله الزيادة يقال: نفلتك وأنفلتك أي: زدتّك.\nواختلفوا في معناها:\nفقال أكثر المفسّرين: معنى الآية يسألونك عن غنائم بدر لمن هي.\nوقال عليّ بن صالح بن حيي: هي أنفال السرايا «٢» .\nوقال عطاء: فأنشد من المشركين إلى المسلمين بغير قبال من عبد أو أمة أو سلاح فهو للنبي ﷺ يصنع به ما يشاء.\nوقال ابن عباس: هي ما يسقط من المتاع بعد ما يقسم من الغنائم فهي نفل لله ولرسوله.\nوقال مجاهد: هي الخمس وذلك أنّ المهاجرين سألوا النبيّ ﷺ عن الخمس بعد الأربعة الأخماس وقالوا: لم يرفع منّا هذا الخمس، لم يخرج منّا فقال الله تعالى: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ يقسّمانها كما شاءا أو ينفلان فيها ما شاءا أو يرضخان منها ما شاءا.\nواختلفوا في هذه الآية أهي محكمة أم منسوخة:\nفقال مجاهد وعكرمة والسدي: هي منسوخة نسخها قوله وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ «٣» الآية.\nوكانت الغنائم يومئذ للنبيّ ﷺ خاصّة فنسخها الله بالخمس.\nوقال عبد الرحمن بن أيد: هي ثابتة وليست منسوخة وإنّما معنى ذلك قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ. وهي لا شك لله مع الدنيا بما فيها والآخرة. وَالرَّسُولِ يضعها في مواضعها التي أمره الله بوضعها فيها ثمّ أنزل حكم الغنائم بعد أربعين آية فإنّ لله خمسه ولكم أربعة أخماس.\nوقال النبيّ ﷺ «هذا الخمس مردود على فقرائكم»\n[٢١٥] «٤»، وكذلك يقول في تنفيل\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٦٧٠\n. (٢) تفسير الطبري: ٩/ ٢٢٥ [.....]\n. (٣) سورة الأنفال: ٤١\n. (٤) مسند أحمد: ٢/ ١٨٤\n.","vol":"4","page":326},{"text":"الأيام بعض القوم واقتفائه إياه ليلا، وعلى هذه يفرق بين الأنفال والغنائم بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وذلك حين اختلفوا في الغنيمة أمرهم بالطاعة والجماعة ونهاهم عن المفارقة والمخالفة.\nقال قتادة وابن جريج: كان نبيّ الله ﷺ ينفل الرجل من المؤمنين سلب الرجل من الكفّار إذا قتله وكان ينفل على قدر عنائه وبلائه حتّى إذا كان يوم بدر ملأ الناس أيديهم غنائم، فقال أهل الضعف: ذهب أهل القوّة بالغنائم فنزلت قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ليرد أهل القوّة على أهل الضعف فأمرهم رسول الله ﷺ أن يرد بعضهم على بعض فأمرهم الله بالطاعة فيها فقال وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ\n«١» واختلفوا في تأنيث ذات البين فقال أهل البصرة أضاف ذات البين وجعله ذات لأن بعض الأشياء يوضع عليه اسم المؤنث وبعضها يذكر نحو الدار والحائط أنّث الدار وذكّر الحائط.\nوقال أهل الكوفة: إنّما أراد بقوله ذاتَ بَيْنِكُمْ الحال التي للبين فكذلك ذات العشاء يريد الساعة التي فيها العشاء.\nقالوا: ولم يضعوا مذكّرا لمؤنّث ولا مؤنّثا لمذكّر إلّا لمعنى به وقوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الآية يقول الله تعالى ليس المؤمنون من الذي يخالف الله ورسوله إنما المؤمنون الصادقون في إيمانهم الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ فرقّت به قلوبهم وهكذا هو في مصحف عبد الله.\nوقال السدي: هو الرجل يريد أن يهتم بمعصية فينزع عنه وَإِذا تُلِيَتْ قرئت عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا وقال ابن عباس: تصديقا، وقال الضحاك: يقينا. وقال الربيع بن أنس: خشية.\nوقال عمير بن حبيب وكانت له صحبة: إن للإيمان زيادة ونقصان، قيل: فما زيادته؟\nقال: إذا ذكرنا الله وجدناه فذلك زيادته وإذا سهونا وقصّرنا وغفلنا فذلك نقصان.\nوقال عدي بن عدي: كتب إلى عمر بن عبد العزيز أن للإيمان سننا وفرائض وشرائع فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، [قال عمر بن عبد العزيز:\nفإن أعش فسأبينها لكم، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص] «٢» .\nوَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي يفوّضون إليه أمورهم ويتّقون به فلا يرجون غيره ولا يخافون سواه والتوكل الفعل من الوكول الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا أي حقّوا حقا يعني يقينا صدقا. وقال ابن عباس: يقول برأوا من الكفر. وقال مقاتل:\nحَقًّا لا شك في إيمانهم كشك المنافقين «٣» .\n_________\n(١) انظر: جامع البيان للطبري: ٩/ ٢٣٦\n. (٢) مستدرك عن تفسير القرطبي: ٨/ ٢٩٨\n. (٣) زاد المسير: ٣/ ٢١٧\n.","vol":"4","page":327},{"text":"وقال قتادة: استحقّوا الإيمان بحق فأحقّه الله لهم. وقال ابن عباس: من لم يكن منافقا فهو مؤمن حقّا.\nأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله الرازي، قال: أخبرنا عليّ بن محمد بن عمير قال:\nإسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا هشام بن عبيد الله قال: حدّثنا عبيد [الله هشام] بن حاتم عن عمرو بن [درّ] عن إبراهيم قال: إذا قيل لأحدكم أمؤمن أنت حقّا، فليقل: إنّي مؤمن حقّا فإن كان صادقا فإنّ الله لا يعذّب على الصدق ولكن يثيب عليه.\nفإن كان كاذبا فما فيه من الكفر أشد عليه من قوله له: إنّي مؤمن حقّا. وقال ابن أبي نجيح: سأل رجل الحسن فقال: أمؤمن أنت؟\nفقال: الإيمان إيمانان فإنّ كنت تسأل عن الإيمان بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ والجنّة والنار والبعث والحساب فأنا بها مؤمن، وإن كنت تسألني عن قوله إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ\nإلى قوله تعالى عِنْدَ رَبِّهِمْ فوالله ما أدري أمنهم أنا أم لا.\nوقال علقمة: كنّا في سفر فلقينا قوما فقلنا: من القوم؟ فقالوا: نحن الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، فلم ندر ما نجيبهم حتّى لقينا عبد الله بن مسعود فأخبرناه بما قالوا فقال: فما رددتم عليهم؟ قلنا: لم نرد عليهم شيئا.\nقال: أفلا قلتم أمن أهل الجنّة أنتم؟ إن المؤمنين من أهل الجنّة.\nوقال سفيان الثوري: من زعم أنّه مؤمن حقّا أمن عند الله ثمّ [وجد] أنّه في الجنّة بعد إيمانه بنصف الآية دون النصف، ووقف بعضهم على قوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ.\nوقال: تم الكلام هاهنا.\nثمّ قال: حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ فجعل قوله حَقًّا تأكيدا لقوله لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وقال مجاهد: أعمال رفيعة. وقال عطاء: يعني درجات الجنّة يرقونها بأعمالهم.\nهشام بن عروة: يعني ما أعدّ لهم في الجنّة من لذيذ المأكل والمشارب وهني العيش.\nوقال ابن محيريز: لَهُمْ دَرَجاتٌ سبعون درجة كلّ درجة لحافر الفرس الجواد المغير سبعين عاما وَمَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أي حسن [وعظيم وهو] الجنّة.","vol":"4","page":328},{"text":"كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ اختلفوا في الجالب لهذه الكاف التي في قوله: كَما، فإما الذي شبه «١» بإخراج الله نبيّه من بيته بِالْحَقِّ قال عكرمة: معنى ذلك فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن ذلك خير لكم كما كان إخراج الله تعالى محمد من بيته بالحق خيرا لكم وإن كرهه فريق منكم.\nوقال مجاهد: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ يا محمد مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ على كره فريق من المؤمنين كذلك يكرهون القتال ويجادلونك فيه، أي أنّهم يكرهون القتال ويجادلونك فيه كما فعلوا ببدر.\nوقال بعضهم: أمر الله تعالى رسوله ﵇ أن يمضي لأمره في الغنائم على كره من أصحابه كما مضى لأمره في خروجه من بيته لطلب العير وهم كارهون.\nوقيل: معناه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ مجادلة كما جادلوك يوم بدر فقالوا: أخرجت العير ولم تعلمنا قتالا [فنسخطه] .\nوقيل: معناه أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ.\nوقال بعضهم: الكاف بمعنى (على) تقديره: أمض على الذي أخرجك ربّك.\nقال ابن حيّان: عن الكلبي وقال أبو عبيدة: هي بمعنى القسم مجازها: الذي أخرجك من بيتك بالحق. وقيل: الكاف بمعنى (إذ) تقديره: وإذا أخرجك ربّك من بيتك بالمدينة إلى بدر بالحق «٢» .\nوَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ لطلب المشركين يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ أي في القتال وذلك\nأن المؤمنين لمّا أيقنوا [الشوكة] والحرب يوم بدر وعرفوا أنّه القتال كرهوا ذلك وقالوا: يا رسول الله إنّه لم تعلمنا إنّا نلقي العدو فنستعد لقتالهم وإنّما خرجنا للعير فذلك جدالهم من بعد ما تبين لهم إنّك لا تصنع إلّا ما أمر الله به.\n_________\n(١) وتكون الكاف للتشبيه راجع تفسير القرطبي: ٧/ ٣٦٨\n. (٢) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ٣/ ٢١٨\n.","vol":"4","page":329},{"text":"وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يجادلونه في الحق كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ [يعني] من يدعون للإسلام لكراهتهم إيّاه.\nوَهُمْ يَنْظُرُونَ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ الآية.\nقال ابن عباس وابن الزبير وابن يسار والسدي: أغار كرز بن جابر القرشي على سرح المدينة حتّى بلغ الصفراء فبلغ النبيّ ﷺ فركب في أثره فسبقه كرز فرجع النبيّ ﷺ فأقام سنة وكان أبو سفيان أقبل من الشام في عير لقريش فيها عمرو بن العاص وعمرو بن هشام ومخرمة بن نوفل الزهري في أربعين راكبا من كبار قريش وفيها تجارة عظيمة. وهي اللطيمة. حتّى إذا كان قريبا من بدر بلغ النبيّ ﷺ فندب أصحابه إليهم وأخبرهم بكثرة المال وقلّة الجنود فقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلّ الله ﷿ ينفلكموها» [٢١٦] فخرجوا لا يريدون إلّا أبا سفيان والركب لا يرونها إلّا غنيمة لهم وخفّ بعضهم وثقل بعض.\nوذلك أنّهم كانوا لم يظنّوا أنّ رسول الله ﷺ يلقي حربا فلمّا سمع أبو سفيان بمسير النبيّ ﷺ استأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكّة وأمره أن يأتي قريشا فيستنفرهم ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم وأصحابه.\nفخرج ضمضم سريعا إلى مكّة وخرج الشيطان معه في صورة سراقة بن خثعم فأتى مكّة فقال: إنّ محمدا وأصحابه قد عرضوا لعيركم ف لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ، فغضب أهل مكّة وانتدبوا وتنادوا لا يتخلف عنا أحد إلّا هدمنا داره واستبحناه، وخرج رسول الله ﷺ في أصحابه حتّى بلغ واديا يقال له: وفران، فأتاه الخبر عن مسير قريش ليمنعوا عيرهم، فخرج رسول الله ﵇ حتّى إذا كانوا بالروحاء أخذ عينا للقوم فأخبره بهم وبعث رسول الله ﷺ أيضا عينا له من جهينة حليفا للأنصار يدعى ابن الأريقط فأتاه بخبر القوم، وسبقت العير رسول الله ﷺ فنزل جبرئيل فقال: إن الله وعدكم إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إمّا العير وإمّا قريش، وكان العير أحب إليهم فاستشار النبيّ ﷺ أصحابه في طلب العير وحرب النفير فقام أبو بكر فقال وأحسن وقام عمر وقال وأحسن، ثمّ قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله امض لما أمرك الله ونحن معك والله ما نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ «١»، ولكن اذهب أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إنّا معكم مقاتلون، فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك العماد لجالدنا معك من دونه حتّى نبلغه.\nفقال له رسول الله ﷺ خيرا ودعا له بخير، ثمّ قال رسول الله ﷺ: «أشيروا عليّ أيّها الناس» [٢١٧] .\nوإنّما يريد الأنصار، وذلك أنّهم حين بايعوه بالعقبة قالوا: يا رسول الله إنّا براء من ذمامك\n_________\n(١) سورة المائدة: ٢٤\n.","vol":"4","page":330},{"text":"حتّى تصل إلى ديارنا فإذا وصلت إلى دارنا فأنت في ذمامنا فنمنعك ممّا نمنع عنه أبناءنا ونساءنا، وكان رسول الله ﷺ يتخوّف أن تكون الأنصار لا ترى عليها نصرته إلّا على من داهمه بالمدينة من عدّوه فإن ليس عليهم أن يسيّرهم إلى عدوّهم من بلادهم، فلمّا قال ذلك رسول الله ﷺ فقال له سعد بن معاذ: والله كأنّك تريدنا يا رسول الله؟\nقال ﷺ: «أجل» .\nقال: فقد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله ما أردت فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضت لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن يلقانا بنا عدوّنا غدا إنّا لصبر عند الحرب، صدق عند اللقاء لعل الله ﷿ يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله، ففرح بذلك النبيّ ﷺ ونشّطه قول سعد ثمّ قال: سيروا على بركة الله وابشروا فإنّ الله قد وعدكم إحدى الطائفتين. والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم\n«١» وذلك قوله وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ أي الفريقين أحدهما أبو سفيان مع العير والأخرى أبو جهل مع النفير وَتَوَدُّونَ تريدون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ يعني العير التي ليس فيها قتال والشوكة الشدة والقوة وأصلها من الشوك وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ أي يحققه ويعلنه بِكَلِماتِهِ بأمره إيّاكم بقتال الكفّار وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ فيستأصلهم لِيُحِقَّ الْحَقَّ الإسلام وَيُبْطِلَ الْباطِلَ الكفر.\nوقيل: الحق القرآن والباطل الشيطان وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ أي المشركون.\nإِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ أي تستجيرون به من عدوّكم وتسألونه النصر عليهم،\nقال عمر ابن الخطاب. ﵁: لمّا كان يوم بدر ونظر رسول الله ﷺ إلى كثرة المشركين وقلّة المسلمين دخل العرش هو وأبو بكر واستقبل القبلة وجعل يدعو ويقول: اللهمّ أنجز لي ما وعدتني اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض، فلم يزل كذلك حتّى سقط رداؤه وأخذ أبو بكر رداءه وألقاه على منكبيه ثمّ التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفا مناشدتك ربّك فإن الله سينجز لك ما وعدك\nفَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي أي بأنّي. وقرأ عيسى: إِنِّي بكسر الألف وقال إنّي مُمِدُّكُمْ وزائدكم ومرسل إليكم مددا بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ قرأ أهل المدينة: مُرْدَفِينَ بفتح الدال والباقون بكسره، لغتان متتابعين بعضهم في أثر بعض يقال: اردفه وردفته بمعنى تبعته قال الشاعر:\nإذا الجوزاء أردفت الثريّا ... ظننت بآل فاطمة الظنونا «٢»\n_________\n(١) بطوله متفرقا في تفسير الطبري: ٩/ ١٤٥. ٢٤٨، ودلائل البيهقي: ٣/ ١١٠\n. (٢) تاج العروس: ٦/ ١١٥، وتفسير الطبري: ٩/ ٢٤٥\n.","vol":"4","page":331},{"text":"أراد ردفت جاءت بعدها، لأن الجوزاء تطلع بعد الثريا ومن فتح فعلى المفعول، أي\nأردف الله المسلمين وجاءهم به فأمدّهم الله بالملائكة ونزل جبرئيل في خمسمائة ملك مجنبة على الميمنة فيها أبو بكر﵁- ونزل ميكائيل في خمسمائة على الميسرة وفيها عليّ- كرّم الله وجهه- وهم في صورة الرجال عليهم ثياب بيض، وعمائم بيض أرخوا ما بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر ولم تقاتل يوم الأحزاب ولا يوم حنين ولا تقاتل أبدا إنّما يكونون حددا أو مددا.\nوقال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتدّ في أثر رجل من المشركين إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت لفارس يقول قدم حيزوم ونظر إلى المشرك أمامه خرّ مستلقيا، فنظر إليه فإذا هو قد حطم وشق وجهه كضربة السوط فجاء الرجل فحدّث بذلك رسول الله ﷺ فقال: «صدقت ذلك من مدد السماء» فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين [٢١٨] .\nقال مجاهد: ما مدّ النبيّ ﷺ فيما ذكر الله تعالى غير الألف من الملائكة مُرْدِفِينَ التي ذكر الله في الأنفال وأمّا الثلاثة والخمسة فكانت بشرى وَما جَعَلَهُ اللَّهُ يعني الإمداد.\nالفراء: يعني الأرداف.\nإِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً قرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمرو: يَغْشيكم بفتح الياء النعاسُ رفع على أن الفعل له واحتجّوا بقوله في سورة آل عمران أَمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ «١» فجعل الفعل له.\nوقرأ أهل المدينة يُغْشِيكُمُ بضم الياء مخففة على أن الفعل الله ﷿ ليكون موافقا لقوله (وَيُنَزِّلُ ولِيُطَهِّرَكُمْ) واحتجّوا بقوله تعالى كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ «٢» .\nوقرأ عروة بن الزبير والحسن وأبو رجاء وعكرمة والجحدري وعيسى وأهل الكوفة:\nيُغَشِّيكُمُ بضمّ الياء مشدّدا.\nفاختاره أبو عبيد وأبو حاتم: لقوله فَغَشَّاها ما غَشَّى «٣» والنعاس النوم تخفيف. وقال أبو عبيدة: هو ابتداء القوم: أَمَنَةً بفتح الميم قراءة العامّة، وقرأ أبو حياة وابن محيصن: أَمْنَةً بسكون الميم وهو مصدر قولك: أمنت من كذا أمنا وأمنة وأمانة وكلّها بمعنى واحد فلذلك نصب.\nقال عبد الله بن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله ﷿ وفي الصلاة من الشيطان\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٥٤\n. (٢) سورة يونس: ٢٧\n. (٣) سورة النجم: ٥٤\n.","vol":"4","page":332},{"text":"وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً وذلك أن المسلمين نزلوا كثيبا أخضر ببدر يسوخ فيه الأقدم وحوافر الدواب وسبقهم المشركون إلى ماء بدر العظمى وغلبوهم عليه وأصبح المسلمون بعضهم محدّثين وبعضهم مجنبين وأصابهم الظمأ ووسوس لهم الشيطان فقال تزعمون أن فيكم نبي الله وأنّكم أولياء الله وقد غلبكم المشركون على الماء وأنتم تصلّون مجنبين ومحدثين فكيف ترجون أن يظفركم عليهم.\nقال: فأرسل الله ﷿ مطرا سال منه الوادي فشرب منه المؤمنون واغتسلوا وتوضّأوا وسقوا الركاب وملؤوا الأسقية وأطفى الغبار ولبّد الأرض حتّى ثبّت عليه الأقدام وزالت وسوسة الشيطان وطابت أنفسهم فذلك قوله وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ من الأحداث والجنابة.\nوقرأ سعيد بن المسيب: لِيُطْهِرَكُمْ بطاء ساكنة من أطهره الله وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ أي وسوسة الشيطان.\nوقرأ ابن محيصن: رجزُ بضم الراء. وقرأ أبو العالية: رجس بالسين والعرب تعاقب بين السين والزاء فيقول بزق وبسق.\nوالسراط والزراط والأسد والأزد وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ اليقين والصبر وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ حتّى لا يسرح في الرمل بتلبيد الأرض.\nوقيل: بالصبر وقوّة القلب إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ للذين أمدّ بهم المؤمنين أَنِّي مَعَكُمْ بالعون والنصر فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي نوّروا قلوبهم وصحّحوا عزائمهم وثباتهم في الجهاد، فقيل: إنّ ذلك المثبت بحضورهم الحرب معهم.\nوقيل: معونتهم إياهم في قتال عدوهم، وقال أبو روق: هو أن الملك كان يشبّه بالرجل الذي يعرفون وجهه فيأتي الرجل من أصحاب النبيّ ﷺ فيقول: إنّي قد دنوت من المشركين فسمعتهم يقولون والله لئن حملوا علينا [لنكشفنّ] .\nفتحدّث بذلك المسلمون بعضهم بعضا فيقوّي أنفسهم ويزدادون جرأة، قال ابن إسحاق والمبرد: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا أي ووازروهم سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ثمّ علّمهم كيف الضرب والقتل فقال فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ قال بعضهم: هذا الأمر متّصل بقوله: فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا.\nوقال آخرون: هو أمر من الله ﷿ للمؤمنين واختلفوا في قوله فَوْقَ الْأَعْناقِ فقال عطيّة والضحاك: معناه: فاضربوا الأعناق لقوله فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ «١» .\n_________\n(١) سورة محمد: ٤ [.....]\n.","vol":"4","page":333},{"text":"وقال رسول الله ﷺ: «لم أبعث لأعذب بعذاب الله وإنّما بعثت لضرب الرقاب وشدّ الوثاق» [٢١٩] .\nوقال بعضهم: معناه: فاضربوا على الأعناق، (فَوْقَ) بمعنى على. وقال عكرمة: معناه فاضربوا الرؤوس فوق الأعناق. وقال ابن عباس: معناه واضربوا فوق الأعناق أي على الأعناق، نظيره قوله فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ «١» أي اثنتين فما فوقهما.\nوَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ قال عطيّة: يعني كل مفصل.\nوقال ابن عباس وابن جريج والضحاك: يعني الأطراف والبنان جمع بنانه، وهي أطراف أصابع اليدين والرجلين واشتقاقه من أبن بالمقام إذا قام به «٢» .\nقال الشاعر:\nألا ليتني قطعت منه بنانه ... ولاقيته في البيت يقظان حاذرا «٣»\nوقال يمان بن رئاب: فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ يعني الصناديد وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ يعني السفلة، والصحيح: القول الأوّل. قال أبو داود المازني وكان شهد بدرا: اتّبعت رجلا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يديّ قبل أن يصل سيفي فعرفت أنّه قتله غيري.\nوروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: لقد رأيت يوم بدر وأن أحدنا ليشير بسيفه إلى المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف.\nوقال ابن عباس: حدثني رجل عن بني غفار قال: أقبلت أنا وابن عم لي حتّى صعدنا في جبل ليشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الواقعة على من يكون الدبرة فننتهب مع من ينتهب.\nقال: فبينما نحن في الجبل إذ دنت منّا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل. فسمعت قائلا يقول: أقدم حيزوم «٤» قال فأمّا ابن عمّي فانكشف قناع قلبه فمات أمّا أنا فكدت أهلك ثمّ تماسكت.\nوقال عكرمة: قال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ كنت غلاما للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت وأسلمت أم الفضل وأسلمت وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه وكان أبو لهب عدوّ الله قد تخلّف\n_________\n(١) سورة النساء: ١١\n. (٢) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ٣٠٥\n. (٣) البيت لعباس بن مرداس كما في اللسان: ١٣/ ٥٩\n. (٤) هو اسم فرس جبرائيل\n.","vol":"4","page":334},{"text":"عن بدر فقد بعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة، وكذلك صنعوا لم يتخلّف رجل إلّا بعث مكانه رجلا فلمّا جاء الخبر عمّا أصاب أصحاب بدر من قريش كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوّة وحزما فكان رجلا ضعيفا قال: وكنت أعمل الأقداح أنحتها في حجرة زمزم فوالله إنّي لجالس فيها أنحت الأقداح وعندي أم الفضل جالسة وقد سرّنا ما جاء من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجر رجليه حتّى جلس على طنب الحجرة وكان ظهره إلى ظهري فبينما هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب قد قدم، فقال أبو لهب: هلم إلي يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس، قال: لا شيء والله كأن الآن لقينا فمنحناهم أكتافا يقتلون ويأسرون كيف شاؤوا وأيم الله مع تلك ما لمّت الناس:\nلقينا رجالا بيضا على خيل [معلّق] بين السماء والأرض [ما تليق] شيئا ولا يقوم لها شيء.\nقال أبو رافع: فرفعت طرف الحجرة بيدي ثمّ قلت: تلك الملائكة، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة فناورته فاحملني فضرب بي الأرض، ثمّ برك عليّ فضربني وكنت رجلا ضعيفا فقامت أم الفضل الى عمود من عمد البيت فأخذته فضربته ضربة فلقت رأسه شجة منكرة وقالت: تستضعفه أن غاب عنه سيّده، فقام مولّيا ذليلا فوالله ما عاش إلّا سبع ليال حتّى رماه الله بالعدسة «١» فقتله.\nولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثا ما يدفناه حتّى أنتن في بيته، وكانت قريش تتقي العدسة كما تتّقي الناس الطاعون حتّى قال لهما رجل من قريش: ويحكما ألا تستحيان أنّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغسّلانه فقالا: إنّا نخشى هذه القرحة، قال: فانطلقا فإنّا معكما فما غسلوه إلّا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه ثمّ حملوه فدفنوه بأعلى مكّة إلى جدار وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه «٢» .\nوروي مقسّم عن ابن عباس قال: كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة وكان أبو اليسر رجلا مجموعا وكان العباس رجلا جسيما، فقال رسول الله ﷺ لأبي اليسر: يا أبا اليسر كيف أسرت العباس؟\nفقال: يا رسول الله لقد أعانني عليه رجل ما رأيته قبل ذلك ولا بعده، هيئته كذا وكذا، قال رسول الله ﷺ: لقد أعانك عليه ملك كريم «٣» .\nِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ\nخالفوا الله رَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ\n_________\n(١) العدسة: حبة تشبه العدسة تخرج على الجسد من جنس الطاعون تقتل غالبا\n. (٢) مستدرك الصحيحين: ٣/ ٣٢٢، ومجمع الزوائد: ٦/ ٨٩\n. (٣) جامع البيان للطبري: ٤/ ١٠٣\n.","vol":"4","page":335},{"text":"أي هذا العقاب الذي أعجلته لكم أيّها الكفّار فَذُوقُوهُ عاجلا وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ في المعاد عَذابَ النَّارِ وفي فتح (أن) وجهان من الإعراب أحدهما الرفع والأخر النصب:\nفأمّا الرفع فعلى تقدير ذلكم تقديره: ذلكم فذوقوه، وذلك أن للكافرين عذاب النار.\nوأمّا النصب فعلى وجهين: أحدهما: بمعنى فعل مضمر: ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وأعلموا وأيقنوا أَنَّ لِلْكافِرِينَ.\nوالآخر بمعنى: وما للكافرين فلما حذف الياء نصب.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا أي [مخفقين] متزاحفين بعضكم إلى بعض والتزاحف التداني والتقارب.\nقال الأعشى:\nلمن الضغائن سيرهن زحيف ... عرم السفين إذا تقاذف مقذف\nوالزحف مصدر ولذلك لم يجمع كقولهم: قوم عدل ورضى فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ يقول:\nفلا تولّوهم ظهوركم فتنهزموا عنهم ولكن اثبتوا لهم وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ظهره وقرأ الحسن ساكنة إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أي متعطّفا مستطردا لقتال عدوّه بطلب عورة له تمكنه إصابتها فيكرّ عليه «١» .\nأَوْ مُتَحَيِّزًا منضمّا صابرا إِلى فِئَةٍ جماعة من المؤمنين يفيئون به بسهم الى القتال فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ واختلف العلماء في حكم قوله وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الآية هل هو خاص في أهل بدر أم هو في المؤمنين جميعا.\nفقال أبو سعيد الخدري: إنّما كان ذلك يوم بدر خاصة لم يكن لهم أن ينحازوا ولو\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٢٦٥\n.","vol":"4","page":336},{"text":"انحازوا إلى المشركين، ولم يكن يومئذ في الأرض مسلم غيرهم ولا للمسلمين فيه غير النبيّ ﷺ فأمّا بعد ذلك فإنّ المسلمين بعضهم فئة لبعض ممثّلة، قاله الحسن والضحاك وقتادة.\nقال يزيد ابن أبي حبيب: أوجب الله لمن فرّ يوم بدر النار.\nفقال مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ الآية. فلمّا كان يوم أحد بعد ذلك قال: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ «١» ثمّ كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين. فقال:\nثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ... ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ «٢» . وقال عطاء بن أبي رباح: هذه الآية منسوخة بقوله الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ «٣» الآية فليس لقوم أن يفروا من مثليهم فنسخت تلك الآية إلّا هذه العدّة.\nوقال الكلبي: من قبل اليوم مقبلا أو مدبرا فهو شهيد ولكن سبق المقبل المدبر الى الجنة.\nوروي جرير عن منصور عن إبراهيم قال: انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة الى عمر.\nفقال: يا أمير المؤمنين هلكت فررت من الزحف، فقال عمر﵁- أنا فئتك «٤» .\nوقال محمد بن سيرين: لمّا قتل أبو عبيد جاء الخبر إلى عمر﵁- فقال لو أنحاز إليّ فكنت له فئة [فأنا فئة] كل مسلم «٥» .\nعبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر قال: كنّا في مصيل بعثنا رسول الله ﷺ فخاض الناس خيضة فانهزمنا وكنّا نفر، قلنا نهرب في الأرض حياء ممّا صنعنا فدخلنا البيوت.\nثمّ قلنا: يا رسول الله نحن الفارون. قال رسول الله ﷺ «بل أنتم الكرارون وإنّا فئة المسلمين»\n[٢٢٠] «٦» .\nوقال بعضهم: بل حكمنا عام في كل من ولى عن العدو وفيهم من\nروى ما قال رسول الله ﷺ لبعض أهله: «[إياك والفرار] من الزحف فإن هلكوا فاثبتوا فما [...]»\nإلّا على ارتكاب الكبائر وإلّا الشرك بالله والفرار من الزحف لأن الله تعالى يقول وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ.» الآية.\nفَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ الآية\nفقال أهل التفسير والمغازي لمّا ورد رسول الله ﷺ\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٥٥\n. (٢) سورة التوبة: ٢٥. ٢٧\n. (٣) سورة الأنفال: ٦٦\n. (٤) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٨٣\n. (٥) المصدر السابق\n. (٦) بدائع الصنائع: ٧/ ٩٩، والبداية والنهاية: ٤/ ٢٨٣ [.....]\n. (٧) كلام غير مقروء ولم نجده في المصادر\n.","vol":"4","page":337},{"text":"بدرا قال: «هذه مصارع القوم إن شاء الله»، فلمّا طلعوا عليه قال رسول الله ﷺ: «هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها يكذبون رسولك، اللهمّ إنّي أسألك ما وعدتني فأتاه جبرئيل وقال:\nخذ حفنة من تراب فارمهم بها» [٢٢١] .\nفقال رسول الله ﷺ لمّا التقى الجمعان لعلّي ﵁: «أعطني قبضة من حصا الوادي» فناوله من حصى عليه تراب فرمى رسول الله ﷺ به في وجوه القوم وقال: «شاهت الوجوه» .\nفلم يبق مشرك إلّا دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شيء ثمّ ردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم وكانت تلك الرمية سبب الهزيمة «١» .\nوقال حكيم بن حزام: لمّا كان يوم بدر سمعنا صوتا وقع من السماء كأنّه صوت حصاة وقعت في طست ورمي رسول الله ﷺ تلك الرمية فانهزمنا.\nوقال قتادة وابن زيد: ذكر له أنّ رسول الله ﷺ أخذ يوم بدر ثلاث حصيات فرمى حصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين أظهرهم.\nوقال: «شاهت الوجوه» فانهزموا [٢٢٢] «٢» .\nالزهري عن سعيد بن المسيب قال: نزلت هذه الآية في قتل أبي بن كعب الجمحي. وذلك أنّه أتى رسول الله ﷺ بعظم حائل وهو يفتّه فقال: يا محمد الله يحيي هذا وهو رميم؟\nفقال النبيّ ﷺ: يحيه الله ثمّ يميتك ثمّ يدخلك النار فلمّا كان يوم بدر أسره ثمّ فدي، فلمّا افتدي قال لرسول الله ﷺ: إن لي فرسا أعلفها كل يوم [فرق] ذرة لكي أقتلك عليها، فقال رسول الله ﷺ: بل أنا أقتلك إن شاء الله، فلمّا كان يوم أحد أقبل أبيّ بن خلف يركض بفرسه ذلك حتّى دنا من رسول الله ﷺ فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه، فقال لهم رسول الله ﷺ: «استاخروا» [٢٢٣]، فاستأخروا فقام رسول الله ﷺ بحربة في يده فرمى بها أبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعا من أضلاعه فرجع أبي إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه وطفقوا يقولون:\nلا بأس، فقال أبي: والله لو كانت الناس لقتلهم، ألم يقل إني أقتلك إن شاء الله، فانطلق به أصحابه ينعونه حتّى مات ببعض الطريق فدفنوه ففي ذلك أنزل الله هذه الآية وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى الآية «٣» .\nوروى صفوان بن عمرو عن عبد العزيز بن [جبير] أنّ رسول الله ﷺ يوم خيبر دعا بقوس\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٢٧٠. ٢٧١\n. (٢) المصدر السابق\n. (٣) الطبقات الكبرى: ٢/ ٤٦\n.","vol":"4","page":338},{"text":"فأتي بقوس طويلة فقال: جيئوني بغيرها، فجاءوا بقوس كبداء فرمى النبيّ ﷺ الحصن فأقبل السهم يهوي حتّى قتل كنانة بن أبي الحقيق وهو على فراشه فأنزل الله تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ فهذا سبب نزول الآية «١» .\nفأمّا معناها فإن الله تعالى أضاف القتل والرمي إلى نفسه لأنّه كان منه تعالى التسبيب والتسديد ومن رسوله والمؤمنين الضرب والحذف. وكذلك سائر أفعال الخلق المكتسبة من الله تعالى الإنشاء والإيجاد بالقدرة القديمة التامّة ومن الخلق الاكتساب بالقوى المحدثة، وفي هذا القول دليل على ثبوت مذهب أهل الحق وبطلان قول القدريّة.\nوقيل: إنّما أضافها إلى نفسه لئلّا يعجب القوم.\nقال مجاهد: قال هذا: قتلت، وقال هذا: قتلت، فأنزل الله هذه الآية.\nوقال الحسن: أراد فلم تميتوهم ولكن الله أماتهم وأنتم جرحتموهم لأن إخراج الروح إليه لا إلى غيره.\nقال وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي [قتل] يبلغ إلى المشركين بها وملأ عيونهم منها.\nوقال ابن إسحاق: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي لم يكن ذلك رميتك لولا الذي جعل الله فيها من نصرك وما ألقى في صدور عدوك منها حتّى هزمهم.\nوقال أبو عبيده: تقول العرب: رمى الله لك، أي نصرك. قال الأعمش: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى أي وفّقك وسدّد رميتك «٢» .\nوَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا أي ولينعم على المؤمنين نعمه عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر والثواب.\nوقال ابن إسحاق: ليعرف المؤمنين نعمة نصرهم وإظهارهم على عدوهم مع قلّة عددهم وكثرة عدوّهم ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا نعمه إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالهم عَلِيمٌ بأفعالهم سميع بأسرارهم عليم بإضمارهم ذلِكُمْ يعني: ذكرت من القتل والرمي والأجل الحسن وَأَنَّ اللَّهَ\n_________\n(١) أسباب النزول: ١٥٦، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٠٨\n. (٢) أقول هذا حاصل من الآية، إنما الآية تريد أن تنزل ضربة الرسول الأعظم منزلة ضربة الباري ﷿، ففي عين أن الرسول هو الرامي الله تعالى هو الرامي، وهو في قوة\nالحديث القدسي المشهور: «لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل [والعبادات] حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده الذي يبطش بها ورجله التي يمشي بها»\nراجع غوالي اللئالي: ٤/ ١٠٣ ح ١٥٢، وكنز العمال: ١/ ٢٢٩ ح ١١٥٥\n.","vol":"4","page":339},{"text":"أي: وأعلموا أن الله، وفي فتح (أن) من الوجوه ما في قوله تعالى ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ [وقد بيناه هناك] «١» .\nمُوهِنُ مضعف كَيْدِ الْكافِرِينَ قرأ الحجازي والشامي والبصري: مُوَهِّنٌ بالتشديد والتنوين (كَيْدَ) نصبا وقرأ أكثر أهل الكوفة (مُوهِنٌ) بالتخفيف والتنوين (كَيْدَ) نصبا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم.\nوقرأ الحسن وأبو رجاء وابن محيصن و[الأعمش] وحفص: مُوهِنُ كَيْدِ، مخفّفة مضافة بالجر فمن نوّن معناه: وهن، ومن خفّف وأضاف قصر الخفّة كقوله مُرْسِلُوا النَّاقَةِ «٢» وكاشِفُوا الْعَذابِ «٣» ووهن وأوهن لغتان صحيحتان فصيحتان إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وذلك أنّ أبا جهل قال يوم بدر: اللهمّ أينا كان أفجر وأقطع للرحم وآتانا بما لا نعرف فانصرنا عليه، فاستجاب الله دعاءه وجاء بالفتح وضربه ابنا عفراء: عوف ومسعود، وأجهز عليه عبد الله بن مسعود «٤» .\nوقال السدي والكلبي: كان المشركون حين خرجوا الى النبيّ ﷺ من مكّة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهمّ انصرنا على الحزبين وأهدى القبتين وأكرم الجندين وأفضل الدينين فأنزل الله هذه الآية.\nوقال عكرمة: قال المشركون اللهمّ لا نعرف ما جاء به محمد فأفتح بيننا وبينه بالحق فأنزل الله تعالى إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ أي أن تستقضوا فقد جاءكم القضاء.\nوقال أبي بن كعب وعطاء الخراساني: هذا خطاب أصحاب رسول الله قال الله للمسلمين: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ أي تستنصروا الله وتسألوه الفتح فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ أي بالنصرة.\nوقال خبّاب بن الأرت: شكونا الى رسول الله ﵇ فقلنا: لا تستنصر لنا، فاحمر وجهه وقال: «كان الرجل قبلكم يؤخذ ويحفر له في الأرض، ثمّ يجاء بالمنشار فيقطع بنصفين ما يصرفه عن دينه شيء، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه عن دينه، وليتمنّ الله هذا الأمر حتّى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت ولا يخشى إلّا الله ﷿ والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون» [٢٢٤] «٥» .\n_________\n(١) عبارة المخطوط غير مقروء والظاهر ما أثبتناه، وهو موافق لما في تفسير الطبري الحرف بالحرف: ٩/ ٢٧٣\n. (٢) سورة القمر: ٢٧\n. (٣) سورة الدخان: ١٥\n. (٤) تفسير الطبري: ٩/ ٢٧٤\n. (٥) مسند أحمد: ٥/ ١٠٩، والمعجم الكبير: ٤/ ٦٣\n.","vol":"4","page":340},{"text":"ثمّ قال للكفّار وَإِنْ تَنْتَهُوا عن الكفر بالله وقتال نبيّه ﷺ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا لقتاله وحربه نَعُدْ بمثل الواقعة التي أوقعت لكم يوم بدر «١» .\nوقيل: وَإِنْ تَعُودُوا إلى هذا القول وقتال محمد ﷺ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ [قرأ] أهل المدينة والشام: وَأَنَّ اللَّهَ بفتح الألف، والمعنى: ولأن الله، وقيل: هو عطف على قوله وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ.\nوقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف، واختلفوا فيه وقراءة أبي حاتم (لأن) في قراءة عبد الله: والله مع المؤمنين.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ ولا تدبروا عن رسول الله ﷺ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ أمره وليّه.\nقال ابن عباس: وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ القرآن ومواعظه وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا يعني المنافقين والمشركين الذين سمعوا كتاب الله بآذانهم فقالوا سمعنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ يعني لا يتّعظون بالقرآن ولا ينتفعون بسماعهم وكأنهم لم يسمعوا الحقيقة.\nإِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ يعني أن شرّ [الدواب] على وجه الأرض من خلق الله عِنْدَ اللَّهِ فقال الأخفش: كل محتاج إلى غذا فهو دابة.\nالصُّمُّ الْبُكْمُ عن الحق كأنّهم لا يسمعون ولا ينطقون.\nقال ابن زيد: هم صم القلوب وبكمها وعميها. وقرأ فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ «٢» .\nوقال ابن عباس وعكرمة: هم بنو عبد الدار بن قصي كانوا يقولون نحن صمّ بكم عمّي عن\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ٧/ ٣٨٧\n. (٢) سورة الحج: ٤٦\n.","vol":"4","page":341},{"text":"مخاطبة محمد لا نسمعه ولا نجيبه، [فكانوا] جميعا [بأحد]، وكانوا أصحاب اللواء ولم يسلم منهم إلّا رجلان مصعب بن عمير وسويبط بن حرملة الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ أمر الله وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا صدقا وإسلاما لَأَسْمَعَهُمْ لرزقهم الفهم والعلم بالقرآن وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا عن القرآن وَهُمْ مُعْرِضُونَ عن الإيمان بالقرآن لعلم الله فيهم وحكمه عليهم بالكفر يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ اختلفوا في قوله (لِما يُحْيِيكُمْ):\nفقال السدي: هو الإيمان يحييهم بعد موتهم أي كفرهم. وقال مجاهد: للحق. وقال قتادة هو هذا القرآن فيه الحياة والفقه والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة.\nوقال ابن إسحاق: لِما يُحْيِيكُمْ يعني الحرب والجهاد التي أعزكم الله بها بعد الذل.\nوقوّاكم بها بعد الضعف ومنعكم بها عن عدوكم بعد القهر منهم لكم.\nوقال [القتيبي]: لِما يُحْيِيكُمْ: لما يتقيكم، يعني الشهادة. وقرأ قوله بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «١» فاللام في قوله (لِما) بمعنى إلى ومعنى الاستجابة في هذه الآية الطاعة يدلّ عليه ما\nروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: مرّ رسول الله ﷺ على أبي بن كعب وهو قائم يصلّي فصاح له فقال: «تعال إلي»، فعجل أبي في صلاته ثمّ جاء الى رسول الله ﷺ فقال: «ما منعك يا أبي أن تجيبني إذا دعوتك؟ أليس الله يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ» .\nقال: لا جرم يا رسول الله لا تدعوني إلّا أجبتك وإن كنت مصليا.\nقال: «تحب أن أعلّمك سورة لم تنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها»؟\nقال أبي: نعم يا رسول الله.\nقال: «لا تخرج من باب المسجد حتّى تعلمها» والنبيّ ﷺ يمشي يريد أن يخرج من المسجد فلما بلغ الباب ليخرج قال له أبي: يا رسول الله، فوقف فقال: «نعم كيف تقرأ في صلاتك» فقرأ أبي أمّ القرآن فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن «٢» [مثلها] وإنّها لهي السبع المثاني التي أتاني الله ﷿ [٢٢٥] «٣» .\nوَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ قال سعيد بن جبير: معناه يحول بين الكافر أن يؤمن وبين المؤمن أن يكفر.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٦٩ [.....]\n. (٢) وهي سورة الفاتحة\n. (٣) السنن الكبرى للبيهقي: ٢/ ٣٧٦\n.","vol":"4","page":342},{"text":"ابن عباس: بين الكافر وبين طاعته ويحول بين المؤمن وبين معصيته.\nوقال مجاهد: يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ فلا يعقل ولا يدري ما يفعل، وروى خصيف عنه قال: يحول بين قلب الكافر وبين أن يعمل خيرا.\nوقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن ولا أن يكفر إلّا بإذنه.\nوقال قتادة: معنى ذلك أنّه قريب من قلبه ولا يخفى عليه شيء أظهره أو أسره. وهي كقوله ﷿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «١» .\nوقيل: هو أن القوم لما دعوا إلى القتال في الحال الصعبة جاءت ظنونهم واختلجت صدورهم فقيل [فيهم] قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ «٢» وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وبين ما في قلبه فيبدّل الخوف أمنا والجبن جرأة «٣» .\nوقيل: يحول بينه وبين مراده، لأن الأجل حال دون الأمل. والتقدير منع من التدبير.\nوقرأ الحسن: بين المرّء، وبتشديد الراء من غير همزة.\nوقرأ الزهري: بضم الميم والهمزة وهي لغات صحيحة.\nوَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ويجزيكم بأعمالكم.\nقال أنس بن مالك: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك، قلنا: يا رسول الله أمنّا بك فهل تخاف علينا؟\nقال: «إن قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبه كيف شاء إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه» [٢٢٦] «٤» .\nوالإصبع في اللغة الأثر الحسن، فمعنى قوله: بين إصبعين: بين أثرين من أثار الربوبية وفيها الإزاغة والإقامة.\nقال الشاعر:\nصلاة وتسبيح والخطأ نائل ... وذو رحم تناله منك إصبع\nأي أثر حسن.\nوقال آخر:\n_________\n(١) سورة ق: ١٦\n. (٢) سورة آل عمران: ١٦٧\n. (٣) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٩١\n. (٤) جامع البيان للطبري: ٣/ ٢٥٦\n.","vol":"4","page":343},{"text":"من يجعل الله عليه إصبعا ... في الشر أو في الخير يلقه معا\nفالإصبع أيضا في اللغة الإصبع.\nفمعنى الحديث بين مملكتين من ممالكه، وبين الإزاغة والإقامة والتوفيق والخذلان.\nقال الشاعر:\nحدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن ... للغدر خائنة مغل الإصبع «١»\nوَاتَّقُوا فِتْنَةً أي اختبار وبلاء يصيبكم.\nوقال ابن زيد: الفتنة الضلالة لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً واختلفوا في وجه قوله لا تُصِيبَنَّ من الاعراب.\nفقال أهل البصرة: قوله (لا تُصِيبَنَّ) ليس بجواب ولكنّه نهي بعد أمره، ولو كان جوابا ما دخلت النون.\nوقال أهل الكوفة: أمرهم ثمّ نهاهم وفيه تأويل الجزاء فإن كان نهيا كقوله: يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ «٢» . أمرهم ثمّ نهاهم، وفيه تأويل الجزاء وتقديره: واتقوا الله إن لم تنتهوا أصابتكم.\nوقال الكسائي: وقعت النون في الجر بمكان التحذير، فلو قلت: قم لا أغضب عليك لم يكن فيه النون لأنّه جزاء محض.\nوقال الفراء: هو جزاء فيه طرف من النهي كما تقول: أنزل عن الدابة لا يطرحك. ولا يطرحنك فهذا [جزاء من] الأمر بلفظ النهي. ومعناه: إن تنزل عنه لا يطرحنّك.\nقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في أصحاب النبيّ ﷺ خاصة. وقال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب.\nوقال الحسن: نزلت في عليّ وعمار وطلحة والزبير قال الزبير بن العوّام: يوم الجمل لقد قرأنا هذه الآية زمانا وما أرنا من أهلها فإذا نحن المعنيون بها.\nوَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً. فحلفنا حتّى أصابتنا خاصّة. قال السدي:\nهذه الآية نزلت في أهل بدر خاصّة فأصابتهم يوم الجمل فأقبلوا.\nوقال عبد الله بن مسعود ما منكم من أحد إلّا هو مشتمل على الفتنة إنّ الله يقول:\n_________\n(١) البيت أنشده أبو عبيد للكلابي كما في اللسان: ١٣/ ١٤٤، وتاج العروس: ٩/ ١٩٤\n. (٢) سورة النمل: ١٨\n.","vol":"4","page":344},{"text":"أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ\n«١» فأيّكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلّات الفتن.\nحذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون من ناس من أصحابي إساءة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستنّ بهم فيها ناس يعذبهم فيدخلهم الله بها النار» [٢٢٧] «٢» .\nيحيى بن عبد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تقوم الساعة حتّى تأتي فتنة [عمياء مظلمة] المضطجع فيها خير من الجالس والجالس فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي والماشي فيها خير من الساعي» «٣» .\nفقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله إن أدركتني [وأنا مضطجع] قال:\n«فامش» .\nقال: أفرأيت إن أدركتني وأنا أمشي. قال «ارقد» قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا راقد فأجلس. قال: أفرأيت إن أدركتني وأنا جالس.\nقال: «فقل هكذا بيدك، وضم يديه الى جسده، حتّى تكون عند الله المظلوم ولا تكون عند الله الظالم» [٢٢٨] .\nعن زيد بن أبي زياد عن زيد بن الأصم عن حذيفة قال: أتتكم فتن كقطع الليل المظلم يهلك فيها كل شجاع بطل وكل راكب موضع وكل خطيب مشفع وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ في العدد مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ أرض مكّة في عنفوان الإسلام تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ يذهب بكم النَّاسُ كفّار مكّة، وقال وهب: فارس والروم فَآواكُمْ إلى المدينة وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ يوم بدر أيديكم بالانتصار وأمدّكم بالملائكة وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني الغنائم أجالها لكم ولم يجلها لأحد قبلكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.\nقال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذلّ الناس ذلّا وأشقاهم عيشا وأجوعهم بطنا وأغراهم جلودا وآمنهم ضلالا، من عاش منهم عاش شقيا ومن مات منهم ردى في النار معكوبين على رأس الحجرين الأشدين فارس والروم.\nيؤكلون ولا يأكلون وما في بلادهم شيء عليه يحسدون، والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا شر منزلا منهم حتّى جاء الله ﷿ بالإسلام فمكن في البلاد ووسع به في الرزق وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٢٨\n. (٢) مجمع الزوائد: ٧/ ٢٣٤\n. (٣) إلى هنا في مسند أحمد: ٥/ ٣٩\n.","vol":"4","page":345},{"text":"وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يجب الشكر له [وأجمل] الشكر في مزيد من الله تعالى.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ\nقال عطاء ابن أبي رباح: حدّثني جابر بن عبد الله أن أبا سفيان خرج من مكّة فأتى جبرئيل (﵇) النبيّ ﷺ فقال: إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا.\nفقال النبيّ ﷺ لأصحابه: «إنّ أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا» [٢٢٩] قال: فكتب رجلا من المنافقين إليه أن محمدا يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله تعالى الآية «١» .\nوقال السدي: كانوا يسمعون الشيء من النبيّ ﷺ فيفشونه حتّى بلغ المشركين.\nوقال الزهري والكلبي: نزلت هذه الآية في أبي لبابة واسم أبي لبابة هارون بن عبد المنذر الأنصاري من بني عوف بن مالك وذلك أن رسول الله ﷺ حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة فسألوا رسول الله الصلح على ما صالح عليه إخوانهم بني النظير على أن يسيروا الى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام فأبى أن يعطيهم ذلك رسول الله ﷺ إلّا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ فأبوا وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر وكان مناصحا لهم، لأن عياله وماله وولده كانت عندهم فبعثه رسول الله ﷺ فأتاهم فقالوا: يا أبا لبابة ما ترى أنزل على حكم سعد بن معاذ فأشار أبو لبابة بيده إلى طقه أنّه الذبح فلا تفعلوا.\nقال أبو لبابة: والله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أن قد خنت الله والرسول فلمّا نزلت هذه الآية شد نفسه على سارية من سواري المسجد وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتّى أموت أو يتوب الله عليّ فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتّى خرّ مغميّا عليه ثمّ تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة قد تبت عليك.\nقال: لا والله لا أحلّ نفسي حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلّني فجاءه فحله بيده، ثمّ قال أبو لبابة: إن من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب. وأن أنخلع من\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٩ ٢٩١\n.","vol":"4","page":346},{"text":"مالي، فقال رسول الله ﷺ: «يجزيك الثلث إن تصدقت» [٢٣٠] «١» .\nفقال المغيرة بن شعبة: نزلت هذه الآية في قتل عثمان بن عفان ﵁ «٢» .\nقال محمد بن إسحاق: معنى الآية لا تظهروا له من الحق ما يرضى به منكم ثمّ تخالفونه في السر إلى غيره.\nوقال ابن عباس: لا تَخُونُوا اللَّهَ بترك فرائضه، وَالرَّسُولَ بترك سنته، وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ.\nقال السدي: إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.\nوعلى هذا التأويل يكون قوله (وَتَخُونُوا) نصبا على جواب النهي.\nوالعرب تنصب جواب النهي وقالوا كما ينصب بالفاء.\nوقيل: هو نصب على الصرف كقول الشاعر:\nلا تنهى عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «٣»\nوقال الأخفش: هو عطف على ما قبله من النهي، تقديره: ولا تخونوا أماناتكم.\nوقرأ مجاهد: أمانتكم واحدة. واختلفوا في هذه [الآية] فقال ابن عباس: هو ما يخفي عن أعين الناس من فرائض الله ﷿ والأعمال التي ائتمن الله عليها العباد يقول لا تنقضوها.\nوقال ابن زيد: معنى الأمانات هاهنا الدين وهؤلاء المنافقون ائتمنهم الله على دينه فخانوا، إذ أظهروا الإيمان وأسرّوا الكفر.\nقال قتادة: إنّ دين الله أمانة فأدّوا الى الله ما ائتمنكم عليه من فرائضه وحدوده. ومن كانت عليه أمانة فليردّها إلى من أئتمنه عليها.\nوَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ\nالتي عند بني قريظةتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ\nبطاعته وترك معصيته واجتناب خيانته يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقانًا قال مجاهد: مخرجا في الدنيا والآخرة.\nوقال مقاتل بن حيان: مخرجا في الدين من الشبهات. وقال عكرمة: نجاة. وقال الضحاك: بيانا. وقال مقاتل: منقذا.\n_________\n(١) راجع جامع البيان للطبري: ٩/ ٢٩٢، والمعروف أن فاطمة بنت النبي ﵉ جاءت لتحلّه فأبى فقال رسول الله «فاطمة بضعة مني» فحلّته، راجع عمدة الأخبار: ٩٩ الباب الرابع، فصل في فضل المسجد الشريف، والروض الأنف للسهيلي: ١/ ١٦٠ كتاب المبعث، فصل في قوله لخديجة: إنّ جبرائيل يقرئك السلام، و٢/ ١٩٦ فصل في خبر أبي لبابة\n. (٢) المصدر السابق [.....]\n. (٣) قال في اللسان: ٧/ ٤٤٧: البيت للمتوكل الليثي ويروى لأبي الأسود الدؤلي\n.","vol":"4","page":347},{"text":"قال الكلبي: بصرا، وقال ابن إسحاق: فصلا بين الحق والباطل، يظهر الله به حقكم ويطفئ به باطل من خالفكم.\nوقال ابن زيد: فرقا يفرق في قلوبهم بين الحق والباطل حتّى يعرفوه ويشهدوا به.\nوالفرقان مصدر كالرحمان والنقصان.\nتقول: فرقت بين الشيء والشيء أفرق بينهما فرقا وفروقا وفرقانا، وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ ما سلف من ذنوبكم وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ هذه الآية معطوفة على قوله تعالى: وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ «١» . وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا.\nوَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ «٢» لأن هذه السورة مدينة.\nوهذا القول والمكر كان بمكة، ولكن الله تعالى ذكرهم ذلك بالمدينة كقوله إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ «٣» وكان هذا المكر على ما\nذكره ابن عباس وغيره من المفسّرين أن قريشا لمّا أسلمت الأنصار فرقوا أن تتفاقم أمور رسول الله ﷺ.\nفاجتمع نفر من مشايخهم وكبارهم في دار الندوة ليتشاوروا في أمر رسول الله ﷺ. وكانت رؤسائهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبا جهل وأبا سفيان وطعمة بن عدي والنضر بن الحرث وأبو البحتري بن هشام وزمعة بن الأسود وحكيم بن حزام وبنيه ومنبّه ابنا الحجاج وأميّة بن خلف فاعترض لهم إبليس في صورة شيخ فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: أنا شيخ من نجد سمعت اجتماعكم فأردت أن أحضركم ولن تعدموا من رأي ونصح، قالوا: ادخل فدخل.\nفقال أبو البحتري: أمّا أنا فأرى أن تأخذوه وتحبسوه في بيته وتشدوا وثاقه وتسدوا باب البيت فتتركوه وتقدموا إليه طعامه وشرابه وتتربصوا به ريب المنون حتّى يهلك فيه كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة، وإنّما هو كأحدهم.\nفصرخ. إبليس. الشيخ النجدي وقال: بئس الرأي رأيتم تعمدون إلى الرجل وتحبسونه فيتم أجره، وقد سمع به من حولكم، [فأوشكوا أن يشبّوا فينتزعوه من أيديكم] «٤» ويقاتلونكم عنه حتّى يأخذوه منكم.\nقالوا: صدق الشيخ. فقال هشام بن عمرو وهو من بني عامر بن لؤي: أمّا أنا فأرى أن تحملوه على بعير فيخرجوه من بين أظهركم فلا يضركم [ما ضر من] وقع إذا غاب عنكم\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٢٦\n. (٢) سورة الأنفال: ٣٠- ٣٢\n. (٣) سورة التوبة: ٤٠\n. (٤) زيادة عن تاريخ الطبري: ٢/ ٩٨\n.","vol":"4","page":348},{"text":"واسترحم وكان أمره في غيركم. فقال إبليس بئس الرأي رأيكم تعمدون الى رجل قد أفسد سفهاءكم فتخرجوا به الى غيركم يفسدهم كما أفسدكم، ألم تروا حلاوة قوله وطلاقه لسانه وأخذ القلوب ما يسمع من حديثه. والله لئن فعلتم، ثمّ استعرض العرب لتجتمعن عليه ثم ليأتين إليكم فيخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم.\nقالوا: صدق والله الشيخ.\nفقال أبو جهل: لأشيرن عليكم برأي ما أرى غيره: إني أرى أن نأخذ واحدا من كل بطن من قريش غلاما وسبطا ثمّ يعطى كل رجل منهم سيفا صارما ثمّ يضربونه ضربة رجل واحد فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلّها، ولا أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلّها وإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل فتؤدّي قريش ديته واسترحنا، فقال إبليس: صدق هذا الفتى و[هذا] أجودكم رأيا، القول ما قاله لا أرى غيره.\nفتفرقوا على قول أبي جهل، وهم مجتمعون فأتى جبرئيل النبيّ ﷺ وأخبره بذلك وأمره أن لا يبيت على مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأذن الله تعالى له عند ذلك بالخروج الى المدينة وأمر رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه فنام في مضجعه فقال: اتشح ببردي فإنّه لن يخلص إليك أمر تكرهه.\nثمّ خرج النبيّ ﷺ وأخذ قبضه من تراب فأخذ الله أبصارهم عنه وجعل ينثر التراب على رؤسهم وهو يقرأ إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ ومضى إلى الغار من ثور فدخله هو وأبو بكر وخلّف عليّا. ﵁. بمكّة حتّى يؤدّي عنه الودائع التي قبلها وكانت الودائع توضع عنده لصدقة وأمانته وكان المشركون يتحرسون عليّا. ﵁.\nوهو على فراش رسول الله ﷺ يحسبون أنّه النبيّ، فلمّا أصبحوا ثاروا إليه فرأوا عليّا. ﵁.\nوقد ردّ الله مكرهم وما ترك منهم رجلا إلّا وضع على رأسه التراب.\nفقالوا: أين صاحبك؟\nقال: لا أدري فاقتصّوا أثره وأرسلوا في طلبه فلما بلغوا الجبل، فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، وقالوا: لو دخل هاهنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث أيام ثمّ قدم المدينة فذلك قوله تعالى: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ «١» .\nقال ابن عباس ومجاهد ومقسم والسدي: ليوثقوك. وقال قتادة: ليشدوك وثاقا.\n_________\n(١) راجع تفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٥، وتاريخ الطبري: ٢/ ٩٧. ٩٩\n.","vol":"4","page":349},{"text":"وقال عطاء. وعبد الله بن كثير: ليسجنوك. وقال أبان بن ثعلب. وأبو حاتم: ليثخنوك بالجراحات والضرب. وأنشد:\nفقلت ويحك ماذا في صحيفتكم ... قالوا الخليفة امسى مثبتا وجعا «١»\nوقيل: معناه ليسخروك.\nوروى ابن جريج عن عطاء عن عبيد بن عمير عن عبد المطلب بن أبي وداعة أن أبا طالب قال لرسول الله ﷺ: هل تدري ما أضمر بك قومك؟\nقال: «نعم [يريدون] أن يسخروا بي ويقتلوني أو يخرجوني» فقال: من أخبرك بهذا؟\nقال: «ربّي» .\nقال: نعم الرب ربّك فاستوص ربّك خيرا.\nفقال رسول الله ﷺ «أنا استوصي به بل هو يستوصي بي خيرا» [٢٣١] «٢» .\nوقرأ إبراهيم النخعي (ليبيتوك) من البيات أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ قال الحسن: فيقولون ويقول الله.\nوقال الضحاك: ويصنعون ويصنع الله وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ خير من استنقذك منهم وأهلكهم وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا يعنى النضر بن الحرث قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا وذلك\nأنّه كان [يختلف] تاجرا إلى فارس والحيرة فيسمع سجع أهلها وذكرهم أخبار العجم وغيرهم من الأمم، فمر باليهود والنصارى فرآهم يقرءون التوراة والإنجيل ويركعون ويسجدون، فجاء مكّة فوجد محمدا يقرأ القرآن ويصلّي. فقال النضر: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أخبار الأمم الماضية وأعمارهم\n، قال السدي: أساجيع أهل الحيرة.\nوالأساطير جمع الجمع وأصلها من قوله: سطرت أي كتبت، وواحدها سطر ثمّ تجمع أسطار أو سطور ثمّ فيجمعان أساطر وأساطير. وقيل: الأساطير واحدها أسطورة وأسطار.\nوالجمع القليل: أسطر.\n_________\n(١) نسبه ابن كثير في البداية والنهاية: ٨/ ١٥٣، ليزيد بن معاوية\n. (٢) تفسير الطبري: ٩/ ٢٩٩، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣١٤\n.","vol":"4","page":350},{"text":"وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ الآية نزلت أيضا في النضر بن الحرث بن علقمة بن كندة من بني عبد الدار.\nقال ابن عباس: لمّا قصّ رسول الله ﷺ شأن القرون الماضية، قال النضر: لو شئت لقلت مثل هذا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ في كتبهم.\nفقال عثمان بن مظعون: اتق الله فإن محمدا يقول الحق. قال: فأنا أقول الحق. قال: فإن محمدا يقول: لا إله إلّا الله. قال: فأنا أقول لا إله إلّا الله. ولكن هذه شأن الله يعني الأصنام. فقال رسول الله ﷺ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ «١» قال النضر: ألا ترون أن محمدا قد صدقني فيما أقول يعني قوله إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ.\nقال له المغيرة بن الوليد: والله ما صدّقك ولكنه يقول ما كان للرحمن ولد.\nففطن لذلك النضر فقال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ.\nإِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ ... (هُوَ) عمادا «٢» وتوكيد وصلة في الكلام، و(الْحَقَّ) نصب بخبر كان فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ كما أمطرتها على قوم لوط.\nقال أبو عبيدة: ما كان من العذاب. يقال: فينا مطر ومن الرحمة مطر أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي بنفس ما عذبت به الأمم وفيه نزل: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ «٣» .\nقال عطاء: لقد نزل في النضر بضعة عشرة آية من كتاب الله فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر.\nقال سعيد بن جبير: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: «ثلاثة صبروا منكم من قريش المطعم بن عدي. وعقبة بن أبي معيط. والنضر بن الحرث» .\nوكان النضر أسير المقداد فلمّا أمر بقتله قال المقداد: أسيري يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «إنّه كان يقول في كتاب الله ما يقول» قال المقداد: أسيري يا رسول الله، قالها ثلاث مرّات. فقال رسول الله ﷺ في الثالثة: «اللهمّ اغن المقداد من فضلك» [٢٣٢] .\nفقال المقداد: هذا الذي أردت «٤» .\n_________\n(١) سورة الزخرف: ٨١\n. (٢) العماد: الذي يكون بين كلامين لا يتم المعنى إلّا به، ويسمى عند البصريين ضمير الفصل\n. (٣) سورة المعارج: ١\n. (٤) تاريخ دمشق: ٦٠/ ١٦٧\n.","vol":"4","page":351},{"text":"وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ اختلفوا في معنى هذه الآية فقال محمد بن إسحاق بن يسار: هذه حكاية عن المشركين، إنهم قالوها وهي متصلة بالآية الأولى، [وقيل]: إن المشركين كانوا يقولون: والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ولا يعذب أمة ونبيّها معهم، وذلك من قولهم ورسول الله بين أظهرهم، فقال الله تعالى لنبيّه ﷺ يذكر له جهالتهم وغرتهم واستفتاحهم على أنفسهم إذ قالوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ وقالوا: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ثمّ قال ردّا عليهم وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وإن كنت بين أظهرهم أن كانوا يستغفرون وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ.\nوقال آخرون: هذا كلام مستأنف وهو قول الله تعالى حكاية عن نفسه ثمّ اختلفوا في وجهها وتأويلها:\nفقال ابن أبزي وأبو مالك والضحاك: تأويلها: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ مقيم بين أظهرهم.\nقالوا: فأنزلت هذه الآية على النبيّ ﷺ وهو مقيم بمكّة ثمّ خرج النبيّ من بين أظهرهم.\nوبقيت منها بقية من المسلمين يستغفرون. فأنزل الله بعد خروجه عليه حين استغفر أولئك بها وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.\nثمّ خرج أولئك البقية من المسلمين من بينهم فعذبوا وأذن الله بفتح مكّة، فهو العذاب الذي وعدهم.\nابن عباس: لم يعذب أولئك حتّى يخرج النبيّ منها والمؤمنون. قال الله: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ يعني المسلمين فلما خرجوا قال الله:\nوَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ يعذبهم يوم بدر.\nوقال بعضهم: هذا الاستغفار راجع الى المشركين: وما كان الله ليعذب هؤلاء المشركين ما دمت فيهم وما داموا يستغفرون. وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت ويقولون لبيك لبيك لا شريك هو لك إلّا شريك هو لك بملكه لو ما ملك، ويقولون غفرانك غفرانك. هذه رواية أبي زميل عن ابن عباس.\nوروى ابن معشر عن يزيد بن روحان ومحمد بن قيس قالا: قالت قريش بعضها لبعض:\nمحمد أكرمه الله من بيننا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ. الآية فلمّا أمسوا ندموا على ما قالوا، فقالوا: غفرانك اللهم. فأنزل الله ﷿ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.\nوقال أبو موسى الأشعري: إنّه كان فيكم أمانا لقوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ.","vol":"4","page":352},{"text":"وأمّا النبيّ ﷺ فقد مضى وأمّا الاستغفار فهو كائن إلى يوم القيامة.\nوقال قتادة [وابن عباس] وابن يزيد معنى: وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ: أن لو استغفروا، يقول إن القوم لو كانوا يستغفرون لما عذبوا ولكنهم لم يكونوا استغفروا ولو استغفروا فأقروا بالذنوب لكانوا مؤمنين.\nوقال مجاهد وعكرمة: (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي يسلمون، يقول: لو أسلموا لمّا عذّبوا.\nوقال عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي وفيهم من سبق له من الله الدخول في الإيمان.\nوروى عن ابن عباس ومجاهد والضحاك: وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ أي يصلّون. وقال الحسن: هذه الآية منسوخة بالآية التي تلتها: وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ إلى قوله: بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فقاتلوا بمكّة فأصابوا فيها الجوع والخير.\nوروى عبد الوهاب عن مجاهد (وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) أي في [أصلابهم] من يستغفره.\nقال وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أي: ما يمنعهم من أن يعذّبوا. قيل: [إنّ (أن) هنا زائدة] «١» .\nوَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ المؤمنون من حيث كانوا ومن كانوا، يعني النبيّ ﷺ ومن آمن معه.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً والمكاء الصفير. يقال مكاء تمكّوا مكا ومكوا. وقال عنترة:\nوحليل غانية تركت مجدّلا ... تمكوا فريصته كشدق الأعلم «٢»\nومنه قيل: مكت اسم الدابة مكأ إذا نفخت بالريح. (وَتَصْدِيَةً) يعني التصفيق.\nقال جعفر بن ربيعة: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن قوله إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً فجمع كفيه ثمّ نفخ فيها صفيرا.\nوقال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة يصفرون ويصفقون.\nو[قال] مجاهد: كان نفر من بني عبد الدار يعارضون النبيّ ﷺ في الطواف يستهزئون به فيدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون، يخلطون عليه صلاته وطوافه.\nوقال مقاتل: كان النبيّ ﷺ إذا صلّى في المسجد قام رجلان من المشركين عن يمينه\n_________\n(١) المخطوط مشوش والظاهر ما أثبتناه وهو موافق لما في تفسير القرطبي: ٧/ ٤٠٠\n. (٢) لسان العرب: ١١/ ١٦٤ [.....]\n.","vol":"4","page":353},{"text":"فيصفران ويصفقان ورجلان كذلك عن يساره ليخلطوا على النبيّ ﷺ صلاته. وهم بنو عبد الدار فقتلهم الله ببدر.\nوقال السدي: المكاء الصفير على لحن طائر أبيض يكون بالحجاز يقال له: المكا.\nقال الشاعر:\nإذا غرّد المكاء في غير روضة ... قيل لأهل الشاء والحمرات «١»\nوقال سعيد بن جبير وابن إسحاق وابن زيد: التصدية صدهم عن بيت الله وعن دين الله، والتصدية على هذا التأويل التصديد فقلبت إحدى الدالين تاء كما يقال تظنيت من الظن.\nقال الشاعر:\nتقضي البازي إذا البازي كسر «٢»\nيريد: تظنيت وتفضض.\nوقرأ الفضل عن عاصم: وما كان صلاتَهم بالنصب إلا مكاءٌ وتصديةٌ بالرفع محل الخبر في الصلاة كما قال القطامي:\nقفي قبل التفرق يا ضباعا ... ولا يك موقف منك الوداعا «٣»\nوسمعت من يقول: كان المكاء أذانهم والتصفيق إقامتهم فَذُوقُوا الْعَذابَ يوم بدر بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ليصرفوا عن دين الله الناس.\nقال سعيد بن جبير: وابن ابزى نزلت في أبي سفيان بن حرب استأجر يوم أحد ألفين من [الأحابيش] يقاتل بهم النبيّ ﷺ [سوى] من أشخاص من العرب. وفيهم يقول كعب بن مالك:\n_________\n(١) كتاب العين للفراهيدي: ٤/ ٣٩١، ولم ينسبه\n. (٢) هذا من رجز للعجاج كما في اللسان: ٤/ ٣٥٨\n. (٣) لسان العرب: ٨/ ٢١٨\n.","vol":"4","page":354},{"text":"فجينا إلى موج البحر وسطه ... أحابيش منهم حاسر ومقنع\nوفينا رسول الله نتبع قوله ... إذ قال فينا القول لا ينقطع\nثلاثة الألف ونحن نظنه ثلاث ... مئين أن كثرن فاربع «١»\nوقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان بن حرب حيث أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية وكانت أوقيته اثنين وأربعين مثقالا.\nوقال ابن إسحاق عن رجاله: لما أصيبت قريش من أصحاب القليب يوم بدر، فرجع فيلهم إلى مكّة ورجع أبو سفيان ببعيره إلى مكّة [مشى] عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أميّة في رجال من قريش أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم [بدر] فكلّموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال الذي أفلت على حربه أملنا أن ندرك منه ثأرا بمن أصيب منا، ففعلوا فأنزل الله فيهم هذه الآية «٢» .\nوقال الضحاك: هم أهل بدر.\nوقال مقاتل والكلبي: نزلت في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا: عتبة وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس وبنيه ومنبه ابنا الحجّاج البحتري بن هشام والنضر بن حارث وحكم بن حزام وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود والحرث بن عامر ونوفل والعباس بن عبد المطلب كلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم عشر جزر.\nقال الله فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ولا يظفرون وَالَّذِينَ كَفَرُوا منهم خصّ الكفّار لأجل من أسلم منهم إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ بذلك الحشر الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ الكافر من المؤمن فيدخل الله المؤمن الجنان والكافر النيران.\nوقال الكلبي: يعني العمل الخبيث من العمل الطيب الصالح فيثيب على الأعمال الصالحة الجنّة ويثيب على الأعمال الخبيثة النار.\nقرأ أهل الكوفة والحسن وقتادة والأعمش وعيسى: لِيَمِيزَ اللَّهُ بالتشديد.\nواختاره أبو عبيد وأبو حاتم.\nوقال ابن زيد: يعني الإنفاق الطيب في سبيل الله من الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان فجعل نفقاتهم في قعر جهنم ثمّ يقال لهم: الحقوا بها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ٣٢٢، والبداية والنهاية ٤/ ٦٢ وذكر بقية الأبيات\n. (٢) عين العبرة: ٥٤، وعيون الأثر: ١/ ٣٩٢\n.","vol":"4","page":355},{"text":"وقال مرّة الهمداني: يعني يميز المؤمن في علمه السابق الذي خلقه حين خلقه طيبا من الخبيث الكافر في علمه السابق الذي خلقه خبيثا، وذلك أنّهم كانوا على ملة الكفر فبعث الله الرسول بالكتاب لِيَمِيزَ [اللَّهُ] الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فمن [أطاع] استبان أنّه طيب ومن خالفه استبان أنّه خبيث «١» وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ بعضه فوق بعض فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا أي يجمعه حتّى يصيّره مثل السحاب الركام وهو المجتمع الكثيف فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ فوحد الخبر عنهم لتوحيد قول الله تعالى لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ ثمّ قال أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فجمع، رده إلى أول الخبر «٢»، يعني قوله: الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ ... أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الذين غنيت صفقتهم وخسرت تجارتهم لأنّهم اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أبي سفيان وأصحابه إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ان ينتهوا من الشرك وقال محمد: يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ من عملهم قبل الإسلام وَإِنْ يَعُودُوا لقتال محمد ﷺ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ في نصر الأنبياء والأولياء وهلاك الكفّار والأعداء مثل يوم بدر.\nقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق: سمعت الحسن بن محمد بن الحسن يقول: سمعت أبي يقول: سمعت عليّ بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول: إنّي لأرجو أنّ توحيدا لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر لا يعجز عن هدم ما بعده من ذنب.\nوأنشدني أبو القاسم الحبيبي بذلك أنشدني أبو سعيد أحمد بن محمد الزيدي:\nيستوجب العفو الفتى إذا اعترف ... ثمّ انتهى عمّا أتاه واقترف «٣»\nلقوله سبحانه [في المعترف:] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ.\n... وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي شرك، وقال أبو العالية: بلاء، وقال الربيع: حتّى لا يفتن مؤمن عن دينه وَيَكُونَ الدِّينُ التوحيد خالصا كُلُّهُ لِلَّهِ ﷿ ليس فيه شرك ويخلع ما دونه من الأنداد.\nوقال قتادة: حتّى يقال: لا إله إلّا الله، عليها قاتل نبي الله وإليها دعا.\nوقيل: حتّى تكون الطاعة والعبادة لله خالصة دون غيره «٤» فَإِنِ انْتَهَوْا عن الكفر والقتال فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا عن الإيمان وعادوا إلي فقال أهله فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ ناصركم ومعينكم نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ الناصر.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٤٠١\n. (٢) تفسير الطبري: ٩/ ٣٢٥\n. (٣) تفسير القرطبي: ٧/ ٤٠١\n. (٤) تفسير الطبري: ٢/ ٢٦٢\n.","vol":"4","page":356},{"text":"وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ حتّى الخيط والمخيط.\nواختلف العلماء في معنى الغنيمة والفيء، ففرّق قوم بينهما:\nقال الحسن بن صالح: سألت عطاء بن السائب عن الفيء والغنيمة فقال: إذا ظهر المسلمون على المشركين على أرضهم فأخذوه عنوة فما أخذوا من مال ظهروا عليه فهو غنيمة.\nوأمّا الأرض فهو في سواد هذا الفيء.\nوقال سفيان الثوري: الغنيمة ما أصاب المسلمون عنوة بقتال، والفيء ما كان من صلح بغير قتال.\nوقال قتادة: هما بمعنى واحد ومصرفهما واحد وهو قوله تعالى فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ.\nاختلاف أهل التأويل في ذلك فقال بعضهم قوله: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ مفتاح الكلام. ولله الدنيا والآخرة فإنّما معنى الكلام: فإنّ للرسول خمسه وهو قول الحسن وقتادة وعطاء، فإنّهم جعلوا سهم الله وسهم الرسول واحدا، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس. قالوا: كانت الغنيمة تقسم خمسة أخماس فأربعة أخماس لمن قاتل عليها، وقسّم الخمس الباقي على خمسة أخماس: خمس للنبيّ ﷺ كان له ويصنع فيه ما شاء وسهم لذوي القربى، وخمس اليتامى وخمس للمساكين وخمس لابن السبيل. فسهم رسول الله ﷺ خمس الخمس.\nوقال بعضهم: معنى قوله: (فَأَنَّ لِلَّهِ) فإن لبيت الله خمسه. وهو قول الربيع وأبي العالية\nقالا: كان يجاء بالغنيمة فيقسمها رسول الله ﷺ خمسة أسهم، فجعل أربعة لمن شهد القتال ويعزل أسهما [فيضرب يده] في جميع ذلك فما قبض من شيء جعله للكعبة وهو الذي سمّي لله ثمّ يقسّم ما بقي على خمسة أسهم: سهم للنبيّ ﷺ، وسهم لذي القربى، وسهم اليتامى، وسهم للمساكين، وخمس لابن السبيل، وسهم رسول الله ﷺ خمس الخمس.","vol":"4","page":357},{"text":"وقال ابن عباس: سهم الله وسهم رسوله جميعا لذوي القربى وليس لله ولا لرسوله منه شيء.\nوكانت الغنيمة تقسّم على خمسة أخماس فأربعة منها لمن قاتل عليها وخمس واحد تقسّم على أربعة، فربع لله والرسول ولذي القربى. فما كان لله والرسول فهو لقرابة النبيّ ﷺ، ولم يأخذ النبيّ من الخمس شيئا. والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل.\nوأمّا قوله (وَلِذِي الْقُرْبى) فهم رسول الله ﷺ لا يحل لهم الصدقة فجعل لهم خمس الخمس مكان الصدقة واختلفوا فيهم.\nفقال مجاهد وعليّ بن الحسين وعبد الله بن الحسن: هم بنو هاشم.\nوقال الشافعي: هم بنو هاشم وبنو عبد المطلب خاصّة. واحتج في ذلك بما\nروى الزهري عن سعيد بن جبير بن مطعم قال: لما قسم رسول الله ﷺ سهم لذوي القربى من خيبر على بني هاشم والمطلب مشيت أنا وعثمان بن عفان فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك بنو هاشم لا تنكر فضلهم مكانك الذي حملك الله منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وإنّما نحن وهم بمنزلة واحدة، فقال ﷺ: «إنّهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام. إنّما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» ثمّ أمسك رسول الله ﷺ إحدى يديه بالأخرى [٢٣٣] «١» .\nوقال بعضهم: هم قريش كلّها.\nكتب نجدة الى ابن عباس وسأله عن ذوي القربى فكتب إليه ابن عباس: قد كنا نقول: إنا هم، فأبى ذلك علينا قومنا وقالوا: قريش كلّها ذو قربى «٢» .\nواختلفوا في حكم النبيّ ﷺ وسهم ذي القربى بعد رسول الله ﷺ. فكان ابن عباس والحسن يجعلانه في الخيل والسلاح، والعدّة في سبيل الله ومعونة الإسلام وأهله.\nوروى الأعمش عن إبراهيم. قال: كان أبو بكر ﵁ وعمر يجعلان سهم النبيّ ﷺ في الكراع والسلاح، فقلت لإبراهيم: ما كان لعليّ ﵁ قول فيه. قال: كان أشدهم فيه.\nقال الزهري: إنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر الصديق يطلبان ميراثهم من فدك وخيبر. فقال\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٨١\n. (٢) الأم للشافعي: ٤/ ١٦٠، والمصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ٧٠٠\n.","vol":"4","page":358},{"text":"لهم أبو بكر﵁-: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركنا صدقة» فانصرفا «١» [٢٣٤] . «٢» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٤، وليس فيه فانصرفا.\n(٢) قال ابن طاوس في الطرائف: ومن الطرائف العجيبة ما تجدّدت على فاطمة (﵍) بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم من الأذى والظلم وكسر حرمتها وحرمة أبيها والاستخفاف بتعظيمه لها وتزكيتها، كما تقدّمت رواياتهم عنه في حقّها من الشهادة بطهارتها وجلالتها وشرفها على سائر النسوان وأنّها سيّدة نساء أهل الجنّة.\nفذكر أصحاب التواريخ في ذلك رسالة طويلة تتضمّن صورة الحال أمر المأمون الخليفة العباسي بإنشائها وقراءتها في موسم الحج. وقد ذكرها صاحب التاريخ المعروف بالعبّاسي وأشار الروحي الفقيه صاحب التاريخ إلى ذلك في حوادث سنة ثماني عشرة ومائتين جملتها:\nأن جماعة من ولد الحسن والحسين (﵉) رفعوا قصة إلى المأمون الخليفة العباسي من بني العبّاس يذكرون أن فدك والعوالي كانت لأمّهم فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم، وان أبا بكر أخرج يدها عنها بغير حق، وسألوا المأمون انصافهم وكشف ظلامتهم، فأحضر المأمون مائتي رجل من علماء الحجاز والعراق وغيرهم وهو يؤكّد عليهم في أداء الأمانة واتباع الصدق، وعرفهم ما ذكره ورثة فاطمة في قضيتهم وسألهم عمّا عندهم من الحديث الصحيح في ذلك.\nفروى غير واحد منهم عن بشير بن الوليد والواقدي وبشر بن عتاب في أحاديث يرفعونها إلى محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم لما فتح خيبر اصطفى لنفسه قرى من قرى اليهود، فنزل عليه جبرائيل (﵇) بهذه الآية (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ) (الإسراء: ٢٦.) .\nفقال محمّد (صلى الله عليه وآله): ومن ذو القربى وما حقّه؟\nقال: فاطمة (﵍) تدفع إليها فدك، فدفع إليها فدك.\nثم أعطاها العوالي بعد ذلك، فاستغلتها حتى توفي أبوها محمّد (صلى الله عليه وآله) فلمّا بويع أبو بكر منعها أبو بكر منها، فكلّمته فاطمة (﵍) في ردّ فدك والعوالي عليها وقالت له: انها لي وان أبي دفعها إليّ.\nفقال أبو بكر: ولا أمنعك ما دفع إليك أبوك.\nفأراد أن يكتب لها كتابا فاستوقفه عمر بن الخطاب وقال: إنها امرأة فادعها بالبيّنة على ما ادّعت، فأمر أبو بكر أن تفعل، فجاءت بأمّ أيمن وأسماء بنت عميس مع علي بن أبي طالب (﵇) فشهدوا لها جميعا بذلك، فكتب لها أبو بكر، فبلغ ذلك عمر فأتاه فأخبره أبو بكر الخبر، فأخذ الصحيفة فمحاها (ذكره في السيرة الحلبية:\n٣/ ٣٦٢ ط. بيروت المكتبة الاسلامية ومصر ١٣٢٠ هـ- نعم بلفظ: شق عمر الكتاب) فقال: إن فاطمة امرأة وعلي بن أبي طالب زوجها وهو جار إلى نفسه ولا يكون بشهادة امرأتين دون رجل.\nفأرسل أبو بكر إلى فاطمة (﵍) فأعلمها بذلك، فحلفت بالله الذي لا إله إلّا هو أنّهم ما شهدوا إلّا بالحق.\nفقال أبو بكر: فلعل أن تكوني صادقة ولكن احضري شاهدا لا يجر إلى نفسه.\nفقالت فاطمة: ألم تسمعا من أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول: أسماء بنت عميس وأم أيمن من أهل الجنّة؟ فقالا: بلى.\nفقالت: امرأتان من الجنة تشهدان بباطل! فانصرفت صارخة تنادي أباها وتقول: قد أخبرني أبي بأنّي أوّل من يلحق به، فوالله لأشكونهما، فلم تلبث أن مرضت فأوصت عليا أن لا يصلّيا عليها وهجرتهما فلم تكلّمهما حتى ماتت، فدفنها علي (﵇) والعباس ليلا فدفع المأمون الجماعة عن مجلسه ذلك اليوم، ثم أحضر في اليوم الآخر ألف رجل من أهل الفقه والعلم وشرح لهم الحال وأمرهم بتقوى الله ومراقبته، فتناظروا واستظهروا ثم افترقوا فرقتين، فقالت طائفة منهم: الزوج عندنا جار إلى نفسه فلا شهادة له، ولكنّا نرى يمين فاطمة قد أوجبت لها ما ادّعت مع شهادة الامرأتين، وقالت طائفة:\nنرى اليمين مع الشهادة لا توجب حكما ولكن شهادة الزوج عندنا جائزة ولا نراه جارا إلى نفسه، فقد وجب بشهادته مع شهادة الامرأتين لفاطمة (﵍) ما ادّعت، فكان اختلاف الطائفتين إجماعا منهما على استحقاق فاطمة (﵍) فدك والعوالي.\nفسألهم المأمون بعد ذلك عن فضائل لعلي بن أبي طالب (﵇)، فذكروا منها طرفا جليلة قد تضمّنه رسالة المأمون، وسألهم عن فاطمة (﵍) فرووا لها عن أبيها فضائل جميلة، وسألهم عن أمّ أيمن وأسماء بنت عميس فرووا عن نبيّهم محمّد (صلى الله عليه وآله) انّهما من أهل الجنّة، فقال المأمون: أيجوز أن يقال أو يعتقد أن علي بن أبي طالب مع ورعه وزهده يشهد لفاطمة بغير حق؟\nوقد شهد الله تعالى ورسوله بهذه الفضائل له، أو يجوز مع علمه وفضله أن يقال إنه يمشي في شهادة وهو يجهل الحكم فيها؟\nوهل يجوز أن يقال إن فاطمة مع طهارتها وعصمتها وانها سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة كما رويتم تطلب شيئا ليس لها، تظلم فيه جميع المسلمين وتقسم عليه بالله الذي لا إله إلّا هو؟\nأو يجوز أن يقال عن أمّ أيمن وأسماء بنت عميس انّهما شهدتا بالزور وهما من أهل الجنّة؟ إن الطعن على فاطمة وشهودها طعن على كتاب الله وإلحاد في دين الله، حاشا الله أن يكون ذلك كذلك.\nثم عارضهم المأمون بحديث رووه أن علي بن أبي طالب (﵇) أقام مناديا بعد وفاة محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم ينادي: من كان له على رسول الله (صلى الله عليه وآله) دين أو عدّة فليحضر، فحضر جماعة فأعطاهم علي بن أبي طالب (﵇) ما ذكروه بغير بيّنة، وان أبا بكر أمر مناديا ينادي بمثل ذلك فحضر جرير بن عبد الله وادّعى على نبيّهم عدّة فأعطاها أبو بكر بغير بيّنة، وحضر جابر بن عبد الله وذكر أن نبيّهم وعده أن يحثو له ثلاث حثوات من مال البحرين، فلما قدم مال البحرين بعد وفاة نبيّهم أعطاه أبو بكر الثلاث الحثوات بدعواه بغير بيّنة.\n(قال عبد المحمود): وقد ذكر الحميدي هذا الحديث في الجمع بين الصحيحين في الحديث التاسع من أفراد مسلم من مسند جابر وان جابرا قال: فعددتها فإذا هي خمسمائة فقال أبو بكر خذ مثليها (راجع صحيح مسلم: ٤ ١٨٠٧ كتاب الفضائل ح ٤٢٧٨، وفتح الباري بشرح البخاري: ٤/ ٥٩٨ ح ٢٢٩٦ كتاب الكفالة باب من تكفل عن يتيم) .\nقال رواة رسالة المأمون: فتعجّب المأمون من ذلك وقال: أما كانت فاطمة وشهودها يجرون مجرى جرير بن عبد الله وجابر بن عبد الله، ثم تقدّم بسطر الرسالة المشار طليها وأمر أن تقرأ بالموسم على رؤوس الاشهاد، وجعل فدك والعوالي في يد محمد بن يحيى بن الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب (﵇) يعمرها ويستغلها ويقسم دخلها بين ورثة فاطمة بنت محمّد (صلى الله عليه وآله) نبيّهم. انتهى. (ذكر بعض هذه الأمور المسعودي في مروج الذهب: ٢/ ٤٠٢ ط. مصر و٤/ ٥١ ط. بيروت، والسقيفة وفدك: ١٠٣. ١٤٦، وشرح النهج لابن أبي الحديد: ١/ ٥٦ شرح الخطبة ٢٦ و١٦/ ٢١٠ إلى ٢٨٦، وسيرة ابن هشام: ٣/ ٣٠١، وبلاغات النساء: ٢٦. ٢٨. ٣٠: وتاريخ الذهبي: ٣/ ٢١، وكنز العمال: ٥/ ٥٨٥ و٦٣٦ ح ١٤٠٤٠ و١٤١٠١ و١٤٠٤٥ و١٤١٢٠ و١٤٠٩٧)\n.","vol":"4","page":359},{"text":"وقال قتادة: كان سهم ذي القربى طعمة لرسول الله ﷺ ما كان حيّا. فلمّا توفي جعل لولي الأمر بعده.","vol":"4","page":360},{"text":"وقال عليّ كرم الله وجهه: يعطى كل إنسان نصيبه من الخمس لا يعطى غيره، ويلي الإمام سهم الله ورسوله.\nوقال بعضهم: سهم رسول الله ﷺ مردود بعده في الخمس. والخمس بعده مقسوم على ثلاث أسهم: على اليتامى والمساكين وابن السبيل وهو قول جماعة من أهل العراق.\nوقال عمرو عن عيينة: صلّى رسول الله ﷺ إلى بعير من المغنم فلمّا فرغ أخد وبره من جسد البعير فقال: «إنّه لا يحلّ لي من هذا المغنم مثل هذا إلّا الخمس، والخمس مردود فيكم» [٢٣٥] «١» .\nوقال آخرون: الخمس كلّه لقرابة رسول الله ﷺ.\nفقال المنهال ابن عمرو: سألت عبد الله بن محمد بن عليّ وعليّ بن الحسين عن الخمس فقالا: هو لنا، فقلت لعلي ﵁: إن الله تعالى يقول وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ فقال: يتامانا ومساكيننا.\nوأمّا اليتامى فهم أطفال المسلمين الذين هلك آباؤهم، والمساكين أهل الفاقة والحاجة من المسلمين، وابن السبيل المسافر المنقطع.\nوقال ابن عباس: هو الفتى الضعيف الذي ترك المسلمين إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد ﷺ يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم فرق فيه بين الحق والباطل ببدر يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع المسلمين وجمع المشركين وهو يوم بدر وكان رأس المشركين عتبة بن ربيعة وكان يوم الجمعة لسبع عشر مضت من شهر رمضان وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِذْ أَنْتُمْ يا معشر المسلمين بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا شفير الوادي الأدنى إلى المدينة وَهُمْ يعني عدوكم من المشركين بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى من الوادي الأقصى من المدينة وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ إلى ساحل البحر كان رسول الله ﷺ بأعلى الوادي والمشركين بأسفله والعير قد [انهرم] به أبو سفيان على الساحل حتّى قدم مكّة.\nوفي العدوة قراءتان: كسر العين وهو قراءة أهل مكّة والبصرة.\nوضم العين وهو قرأ الباقين واختيار أبي عبيد وأبي حاتم، وهما لغتان مشهورتان كالكسوة والكسوة. والرشوة والرّشوة. وينشد بيت الراعي:\nوعينان حمر مآقيهما ... كما نظر العدوة الجؤذر\nبكسر العين «٢» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣١٦ [.....]\n. (٢) من العدوة\n.","vol":"4","page":361},{"text":"وينشد بيت أوس بن حجر:\nوفارس لو تحل الخيل عدوته ... ولّوا سراعا وما همّوا بإقبال\nبالضم «١» .\nوالدنيا تأنيث الأدنى، والقصوى تأنيث الأقصى.\nوكان المسلمون خرجوا ليأخذوا العير وخرج الكفار ليمنعوها فالتقوا من غير ميعاد قال الله وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ لقلّتكم وكثرة عدوكم وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا من نصر أوليائه وإعزاز دينه وإهلاك أعدائه لِيَهْلِكَ هذه اللام مكررة على اللام في قوله لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا ويهلك مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ أي ليموت من يموت على بينة [ولها وعبرة] عاينها وحجّة قامت عليه، وكذلك حياة من يحيى لوعده وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا.\nوقال محمد بن إسحاق: ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت معذرته ويؤمن من آمن على [مثواك] .\nوقال قتادة: ليضل من ضل عن بينة ويهتدي من اهتدى على بيّنة.\nوقال عطاء: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ عن علم بما دخل فيه من الفجور وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ عن علم ويقين بلا إله إلّا الله. وفي (حَيَّ) قولان، قرأ أهل المدينة: (حيي) بيائين مثل خشيي على الإيمان، وقرأ الباقون (حَيَّ) بياء واحدة مشددة على الإدغام، لأنّه في الكتاب بياء واحدة وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ يا محمد يعني المشركين فِي مَنامِكَ أي في نومك، وقيل: في موضع نومك يعني عينك قَلِيلًا وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ لجبنتم وَلَتَنازَعْتُمْ اختلفتم فِي الْأَمْرِ وذلك أن الله تعالى أراهم إياه في منامه قليلا فأخبر ﷺ بذلك، فكان تثبيتا لهم ونعمة من الله عليهم شجعهم بها على عدوهم فدلك قوله ﷿ وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ قال ابن عباس: سلم الله أمرهم حين أظهرهم على عدوهم وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا\nقال مقاتل: ذلك أن النبيّ ﷺ رأى في المنام أن العدو قليل قبل [لقاء] العدو فأخبر النبيّ ﷺ أصحابه بما رأى. فقالوا: رؤيا النبيّ حق، القوم قليل، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين المؤمنين وأصدق رؤيا النبيّ ﷺ.\nقال عبد الله بن مسعود: لقد قللوا في أعيننا يوم بدر حتّى قلت لرجل إلى جنبي: [نراهم سبعين] قال أراهم مائة فأسرنا رجلا فقلنا كم كنتم؟ قال: ألفا. وَيُقَلِّلُكُمْ يا معشر المؤمنين فِي أَعْيُنِهِمْ.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥\n.","vol":"4","page":362},{"text":"قال السدي: قال أناس من المشركين: إن العير قد انصرفت فارجعوا. فقال أبو جهل:\nالآن إذا [ينحدر لكم] محمد وأصحابه فلا ترجعوا حتّى تستأصلوهم ولا تقتلوهم بالسلاح خذوهم أخذا كي لا يعبد الله بعد اليوم، إنّما محمد وأصحابه أكلة جزور فاربطوهم بالجبال.\nكقوله من القدرة على نفسه.\nقال الكلبي: استقلّ المؤمنون المشركين والمؤمنين، البحتري: بعضهم على بعض. لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا كائنا في علمه، نصير الإسلام وأهله ذل الشرك وأهله.\nوقال محمد بن إسحاق: لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا بالانتقام من أعدائه والإنعام على أوليائه وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً أي جماعة كافرة (فَاثْبُتُوا) لقتالهم ولا تنهزموا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أي ادعوا الله بالنصر عليهم والظفر بهم، وقال قتادة: أمر الله بذكره [أثقل] ما يكونون عند الضراب بالسيوف لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ تنجحون بالنصر والظفر وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا ولا تختلفوا فَتَفْشَلُوا أي تخسروا وتضعفوا.\nوقال الحسن: فَتَفْشِلُوا بكسر الشين وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ قال مجاهد: نصركم وذهبت ريح أصحاب محمد ﷺ حين نازعوه يوم أحد «١» .\nوقال السدي: جماعتكم وحدتكم، وقال مقاتل: [حياتكم]، وقال عطاء: جلدكم.\nوقال يمان: غلبتكم، وقال النضر بن شميل: قوتكم، وقال الأخفش: دولتكم، وقال ابن زيد: هو ريح النصر لم يكن نصر قط إلّا بريح يبعثه الله في وجوه العدو، فإذا كان كذلك لم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١\n.","vol":"4","page":363},{"text":"يكن لهم قوام، ومنه\nقول النبيّ ﷺ: «نصرت بالصّبا وأهلكت عاد بالدّبور» [٢٣٦] «١» .\nيقال للرجل إذا أقبلت الدنيا عليه بما يهواه: الريح اليوم لفلان.\nقال عبيد بن الأبرص:\nكما حميناك يوم النعف من شطب ... والفضل للقوم من ريح ومن عدد «٢»\nوقال الشاعر:\nيا صاحبي ألا لا حي بالوادي ... إلا عبيد وأم بين أذواد «٣»\nأتنتظران قليلا ريث غفلتهم ... أو تعدوان فإن الريح للعادي «٤»\nأنشدني أبو القاسم المذكور قال: أنشدني أبا نصر بن منصور الكرجي الكاتب:\nإذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإن لكلّ خافقة سكون\nولا يغفل عن الإحسان فيها ... فما تدري السكون متى يكون «٥»\nقوله تعالى وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًا فخرا وأشرا وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ معطوف على قوله: (بَطَرًا وَرِئاءَ النَّاسِ) ومعناه ينظرون ويرون، إذ لا يعطف مستقبل على ماض، وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ\nوهؤلاء أهل مكّة خرجوا يوم بدر ولهم بغي وفخر فقال رسول الله ﷺ: «اللهمّ إن قريشا أقبلت بفخرها وخيلائها ليحادك ورسولك» [٢٣٧] «٦» .\nقال ابن عباس: لمّا رأى أبو سفيان أنّه أحرز عيره أرسل إلى قريش أنّكم خرجتم لتمنعوا عليكم فقد نجاها الله فارجعوا فوافى الركب الذي فيه أبو سفيان ليأمروا قريشا بالرجعة إلى مكّة فقال لهم: انصرفوا، فقال أبو جهل: والله لا ننصرف حتّى نرد بدرا. وكان بدر موسما من مواسم العرب يجتمع لهم بها سوق كل عام. فنقيم بها ثلاثا وننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمور ونعزف عليها القيان «٧» وتسمع بها العرب. فلا يزالون يهابوننا أبدا فوافوها فسقوا كؤوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان «٨» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٢٢٨، وصحيح البخاري: ٢/ ٢٢\n. (٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١، ومعجم البلدان: ٣/ ٣٤٣\n. (٣) تاج العروس: ١٠/ ٢٢\n. (٤) الصحاح: ١/ ٣٦٨، والبيت لامرئ القيس في معلقته\n. (٥) تاج العروس: ٢/ ١٤٩، وتفسير القرطبي: ٥/ ٣٨٤\n. (٦) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤\n. (٧) القيان: جمع القينة وهي الفتيات المغنيات\n. (٨) زاد المسير: ٣/ ٢٤٩\n.","vol":"4","page":364},{"text":"ونهى الله عباده المؤمنين بأن يكونوا مثلهم وأمرهم بإخلاص النيّة والخشية في نصرة دينه وموأزرة نبي ﷺ.\nوَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وكانت الزينة لهم على ما قاله ابن عباس وابن إسحاق والسدي والكلبي وغيرهم: إن قريشا لمّا أجمعت المسير ذكرت الذي بينها وبين بني بكر بن عبد مناف بن كنانة من الحرب التي بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فكان ذلك أن يثبتهم، فجاء إبليس في جند من الشياطين معه رأيته فتبدّى في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الشاعر الكناني، وكان من أشراف كنانة «١» .\nقال الشاعر:\nيا ظالمي أنّى تروم ظلامتي ... والله من كل الحوادث خالي\nفَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ أي التقى الجمعان ورأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء وعلم أنّه لا طاقة له بهم نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ قال الضحاك. ولّى مدبرا. قال النضر بن شميل رجع القهقري على قفاه هاربا، وقال قطرب وابان بن ثعلبة: رجع من حيث جاء.\nقال الشاعر:\nنكصتم على أعقابكم يوم جئتم ... وترجون أنفال الخميس العرمرم\nوقال عبد الله بن رواحة: فلمّا رأيتم رسول الله نكصتم على أعقابكم هاربينا.\nقال الكلبي: لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة بن كنانة آخذا بيد الحرث بن هشام، ف نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وقال له الحرث: يا سراقة أين؟ أتخذلنا على هذه الحالة؟\nفقال له إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ فقال: والله ما نرى إلا جواسيس يثرب. فقال: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ.\nقال الحرث: فهلّا كان هذا أمس، فدفع في صدر الحرث فانطلق وانهزم الناس، فلمّا قدموا مكة قالوا هزم الناس سراقة فبلغ ذلك سراقة فقال بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس، فو الله ما شعرت حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا أما أتيتنا في يوم كذا فحلف لهم، فلمّا تابوا علموا أن ذلك كان الشيطان.\nوقال الحسن في قوله: (إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ) فأتى إبليس جبرئيل معتجرا بردة يمشي بين يدي النبي ﷺ وفي يده اللجام يقود الفرس ما ركب.\nسمعت أبا القاسم الحبيبي سمعت أبا زكريا العنبري، سمعت أبا عبد الله محمد بن\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٤/ ٤٧٧\n.","vol":"4","page":365},{"text":"إبراهيم البوشنجي يقول أفخر بيت قيل في الإسلام قوله بغيض الأنصاري يوم بدر:\nوببئر بدر إذ نردّ وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد «١»\nوقال قتادة وابن إسحاق. قال إبليس: إِنِّي أَرى ما- لا تَرَوْنَ وصدق الله في عدوّه، وقال:\nإِنِّي أَخافُ اللَّهَ، وكذب عدوّ الله، والله ما به مخافة الله ولكن علم أنّه لا قوة له ولا منعة فأيّدهم وأسلمهم، وذلك عادة عدو الله لمن أطاعه، حتى إذا التقى الحق والباطل أسلمهم وتبرّأ منهم.\nقال عطاء إِنِّي أَخافُ اللَّهَ أن يهلكني فيمن هلك، وقال الكلبي: خاف أن يأخذه جبرئيل ويعرّفهم حاله فلا يطيعوه من بعد، وقال معناه: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ، أي أعلم صدق وعده لأوليائه لأنه على ثقة من أمره.\nقال الأستاذ الامام أبو إسحاق، رأيت في بعض التفاسير: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ عليكم وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ. قال بعضهم هذا حكاية عن إبليس، وقال آخرون: انقطع الكلام عند قوله: إِنِّي أَخافُ اللَّهَ قال الله وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nإبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله ﷺ قال: «ما رؤي الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدجر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لمّا رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر» [٢٣٨]، وذلك أنه رأى جبرائيل وهو يزع الملائكة «٢» .\nإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ يعني المؤمنين هؤلاء قوم بمكة مستضعفين حبسهم آباؤهم وأقرباؤهم من الهجرة، فلمّا خرجت قريش إلى بدر أخرجوهم كرها، فلمّا نظروا إلى حلة المسلمين ارتابوا وارتدّوا وقالوا: غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ فقتلوا جميعا منهم: قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة المخزوميان والحرث بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب، وعلي بن أمية بن خلف، والعاص بن منبه بن الحجاج والوليد بن عتبة وعمرو بن بن أمية، فلما قتلوا مع المشركين ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم فذلك قوله تعالى: وَلَوْ تَرى تعاين يا محمد إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ أي يقبضون أرواحهم ببدر يَضْرِبُونَ حال أي ضاربين وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ قال سعيد بن جبير، ومجاهد: يريد أستاههم ولكن الله تعالى كريم [يكني] .\nوقال مرّة الهمذاني وابن جريج: وُجُوهَهُمْ ما أقبل عنهم، وَأَدْبارَهُمْ ما أدبر عنهم،\n_________\n(١) انظر البداية والنهاية لابن كثير: ١/ ٣٩١، وقد نسب البيت فيه إلى حسّان بن ثابت. ونسبه البكري الأندلسي لكعب بن مالك انظر: معجم ما استعجم: ١/ ٢٣٢\n. (٢) تفسير القرطبي: ٢/ ٤١٩، وتاريخ دمشق: ٤٣/ ٥٣٩، وموطأ مالك: ١/ ٤٢٢، ح ٢٤٥ [.....]\n.","vol":"4","page":366},{"text":"وتقديره: يضربون أجسادهم كلها، وقال ابن عباس: كانوا إذا أقبل المشركون بوجوههم إلى المسلمين ضربوا وجوههم بالسيوف، وإذا ولّوا أدركتهم الملائكة فضربوا أدبارهم،\nوقال الحسن: قال رجل: يا رسول الله رأيت بظهراني رجل مثل الشراك، قال: ذلك ضرب الملائكة\n، وقال الحسين بن الفضل: ضرب الوجه عقوبة كفرهم، وضرب الأدبار عقوبة معاصيهم.\nوَذُوقُوا فيه إضمار، أي ويقولون لهم ذوقوا عَذابَ الْحَرِيقِ في الآخرة، ورأيت في بعض التفاسير: كان مع الملائكة مقامع من حديد كلّما ضربوا التهب النار في الجراحات فذلك قوله تعالى: وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ، ومعنى قوله ذُوقُوا: قاسوا واحتملوا. قال الشاعر:\nفذوقوا كما ذقنا غداة محجر ... من الغيظ في أكبادنا والتحوب «١»\nويجوز ذُوقُوا بمعنى موضع الابتلاء والاختبار يقول العرب اركب هذا الفرس فذقه، وانظر فلانا وذق ما عنده. قال الشماخ في وصف قوس:\nفذاق وأعطاه من اللين جانبا ... كفى ولها أن يغرق السهم حاجز «٢»\nوأصله من الذوق بالفم ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ كسبت وعملت أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ أخذهم من غير جزم، وفي محل «أنّ» وجهان من الاعراب: أحدهما النصب عطفا على قوله (بِما قَدَّمَتْ) تقديره: وأن الله، والآخر: الرفع عطفا على قوله (ذلِكَ) معناه: وذلك أن الله.\n_________\n(١) البيت لطفيل الغنوي كما في لسان العرب: ١/ ٣٣٩\n. (٢) لسان العرب: ١٠/ ١١٢ وفيه: النيل حاجز\n.","vol":"4","page":367},{"text":"كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ قال ابن عباس: كفعل آل فرعون، وقال الضحاك: كصنيعهم، وقال مجاهد، وعطاء: كسنّتهم، وقال يمان: كمثلهم يعني أن أهل بدر فعلوا كفعل آل فرعون من الكفر والذنوب، ففعل الله بهم كما فعل بآل فرعون من الهلاك والعذاب، وقال الكسائي: كما أن آل فرعون جحدوا كما جحدتم وكفروا كما كفرتم. قال الأخفش، والمؤرخ، وأبو عبيدة:\nكعادة آل فرعون.\nوَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ فعاقبهم الله بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.\nقال الكلبي: يعني أهل مكة، أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ، وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ، وبعث إليهم محمدا (﵇) فغيّروا نعم الله، وتغييرها أن كفروا بها وتركوا شكرها، وقال السدّي: نعمة الله محمد ﷺ أنعم به على قريش فكذبوه وكفروا به فنقله إلى الأنصار.\nوَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ بعضا بالرجفة وبعضا بالخسف وبعضا بالمسخ وبعضا بالحصى وبعضا بالماء، فكذلك أهلكنا كفار مكة بالسيف والذل وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ الآية الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ.\nسمعت أبا القاسم بن حبيب، سمعت أبا بكر عبدش يقول: من هاهنا صلة الذين عاهدتهم، وسمعته يقول سمعت المنهل بن محمد بن محمد بن الأشعث يقول: دخلت بين لأن المعنى: الذين أخذت منهم العهد، وقيل: عاهدت منهم أي معهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وهم بنو قريظة، نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ، وأعانوا مشركي مكة بالسلاح على قبال النبي ﷺ وأصحابه، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم الثانية فنقضوا العهد ومالوا إلى الكفار على رسول الله يوم الخندق، وكتب كعب بن الأشرف إلى مكة يوافقهم على مخالفة رسول الله ﷺ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ لا يخافون الله في نقض العهد.\nفَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ ترينّهم وتجدنّهم فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ قال ابن عباس:\nفنكّل بهم من ورائهم، وقال قتادة: عظ بهم من سواهم من الناس، وقال سعيد بن جبير: أنذر بهم من خلفهم، وقال ابن زيد: أخفهم بهم.\nوقيل: فرّق جمع كل ناقض مما بلغ من هؤلاء، وقال عطاء: أثخن فيهم القتل حتى يخافك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن، وقال ابن كيسان: اقتلهم فلا من يهرب عنك من بعدهم.\nوقال القتيبي: سمّع بهم، وأنشد:\nأطوّف في الأباطح كل يوم ... مخافة أن يشردّ بي حكيم","vol":"4","page":368},{"text":"وأصل التشريد: التطريد والتفريق والتبديد، وقرأ أبن مسعود (وشرّذ) بالذال معجم وهو واحد. قال قطرب التشريذ بالذال التنكيل، وبالدال للتفريق من خلفهم أي من ورائهم، وقيل من يأتي خلفهم، وقرأ الأعمش مِنْ خَلْفِهِمْ بكسر الميم والفاء تقديره: فشرّد بهم من خلفهم من عمل قبل عملهم لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ يعتبرون العهد فلا ينقضون العهد.\nوَإِمَّا تَخافَنَّ تعلمنّ يا محمد مِنْ قَوْمٍ معاهدين لك خِيانَةً نكث عهد ونقض عقد بما يظهر لك منهم من آثار الغدر والخيانة كما ظهر من قريظة والنضير فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ فاطرح إليهم عهدهم عَلى سَواءٍ وهذا من الحان القرآن، ومعناه: فناجزهم الحرب، وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك فسخت العهد بينك وبينهم حتى تصير أنت وهم على سواء من العلم بأنك محارب، فيأخذوا للحرب أهبتها وتبرؤوا من الغدر، وقال الوليد بن مسلم: عَلى سَواءٍ أي على مهل وذلك قوله فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ «١» .\nإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ وَلا يَحْسَبَنَّ قرأ أبو جعفر، وابن عامر بالباء على معنى لا تحسبن الذين كفروا انهم أنفسهم سابقين فائتين من عذابنا، وقرأ الباقون بالتاء على الخطاب الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ قرأ العامة بالكسر على الابتداء، وقرأ أهل الشام وفارس بالفتح ويكون لا صلة، تقديره: ولا تحسبن الذين كفروا أن سبقوا أنّهم يعجزون أي يفوتون.\nوَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أي من الآلات يكون قوة له عليهم من الخيل والسلاح والكراع.\nصالح بن كيسان عن رجل عن عقبة بن مسافر الجهني أن النبي ﷺ قرأ على المنبر، وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ، فقال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي\n، وروى ضمرة بن ربيعة عن رجاء بن أبي سلمة فقال: لقي رجل مجاهدا بمكة ومع مجاهد جوالق فقال مجاهد هذا من القوة، ومجاهد يتجهز للغزو «٢»، وقال عكرمة القوة الحصون.\nوَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ [الإناث] «٣» تُرْهِبُونَ بِهِ تخوفون، ابن عباس: تخزون، وقرأ يعقوب: تُرَهِّبُونَ بتشديد الهاء وهما لغتان: أرهبته ورهّبته عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ قال مجاهد: بنو قريظة. السدّي: أهل فارس. ابن زيد: المنافقون لا تَعْلَمُونَهُمُ لأنهم منكم يقولون: لا إله إلا الله، ويغزون معكم، وقال بعضهم: هم كفار الجن، وقال بعضهم: هم كل عدو من المسلمين غير الذي أمر النبي ﷺ أن يشردّ بهم.\nوَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ يدّخر ويوفّر لكم أجره وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ.\n_________\n(١) سورة التوبة: ٢\n. (٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠\n. (٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٤٠\n.","vol":"4","page":369},{"text":"وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها أي فمن إليها وصالحهم، قالوا: وكانت هذه قبل (براءة) ثم مسخت بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، الآية وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ يغدروا ويمكروا بك، قال مجاهد: يعني قريظة فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ كافيك الله هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ قال السدّي: يعني الأنصار وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ جمع بين قلوبهم. وهم الأوس والخزرج. على دينه بعد حرب سنين، فصيّرهم جميعا بعد أن كانوا أشتاتا، وإخوانا بعد أن كانوا أعداء لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا إلى قوله تعالى حَكِيمٌ.\nروى ابن عفّان عن عمير بن إسحاق، قال: كنّا نتحدث أن أول ما يرفع من الناس الالفة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ.\n[...] «١»\nأبي المغيرة عن سعيد بن جبير، قال: أسلم مع النبي ﷺ ثلاثة وثلاثون رجلا وستّ نسوة، ثم أسلم عمر (﵁) فنزلت هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ\nقال اكثر المفسرين: محل مَنِ نصب عطفا على الكاف في قوله حَسْبُكَ، ومعنى الآية: وحسب من أتبعك، وقال بعضهم رفع عطفا على اسم الله تقديره: حسبك الله ومتّبعوك من المؤمنين.\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ حثّهم عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ رجلا صابرون محتسبون يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من عدوّهم ويقهروهم وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابرة محتسبة تثبت عند اللقاء وقتال العدو يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ من أجل أن المشركين قوم يقاتلون على غير احتساب، ولا طلب ثواب، فهم لا يثبتون إذا صدقتموهم القتال\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة\n.","vol":"4","page":370},{"text":"خشية أن يقتلوا، وصورة الآية خبر ومعناه أمر.\nوكان هذا يوم بدر قرن على الرجل من المؤمنين قتال عشرة من الكافرين، فثقلت على المؤمنين وضجّوا فخفّف الله الكريم عنهم وأنزل الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا أي في الواحد عن قتال عشرة والمائة عن قتال الألف، وقرأ أبو جعفر ضَعْفًا بفتح الضاد، وقرأ بعضهم: ضعفاء بالمد على جمع ضعيف مثل شركاء.\nفَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ من الكفّار وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [أي عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد فكسر أول عشرين كما كسر اثنان] «١»، وإذا كانوا على الشطر من عدوهم لم ينبغ [لهم أن يفروا منهم، وإن كانوا دون ذلك لم يجب عليهم] القتال وجاز لهم أن [يتحوزوا] «٢» عنهم.\nما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى\nروى الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم بدر جيء بالأسرى، قال رسول الله ﷺ: ما تقولون في هؤلاء؟\nفقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم فاستعن بهم، لعلّ الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية [تكن] لنا قوة على الكفار.\nوقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم، ومكّن عليا من عقيل يضرب عنقه، ومكّني من فلان. نسيب لعمر. أضرب عنقه فإن هؤلاء أئمة الكفر، وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا، فقال العباس، قطعتك رحمك، فسكت رسول الله ﷺ فلم يجبهم. ثم دخل فقال أناس: يأخذ بقول أبو بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول ابن رواحة.\nثم خرج رسول الله ﷺ فقال: إن الله يلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللين، وأن الله يشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال:\nفَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي، وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى. قال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، ومثلك يا عمر مثل نوح قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا، ومثلك كمثل موسى قال رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ «٣» الآية.\nثم قال رسول الله ﷺ: أنتم اليوم عالة فلا يفلتنّ أحد منكم إلا بفداء أو ضرب عنق، قال\n_________\n(١) زيادة عن تفسير القرطبي: ٨/ ٤٤ والمخطوط ممسوح\n. (٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٥٠ وتصويب العبارة منه والمخطوط ممسوح\n. (٣) سورة يونس: ٨٨\n.","vol":"4","page":371},{"text":"عبد الله بن مسعود إلا سهيل بن البيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ، قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع عليّ الحجارة من السماء مني ذلك اليوم حتى قال رسول الله ﷺ: «إلا سهيل بن البيضاء» «١» .\nقال: فلمّا كان من الغد جئت رسول الله ﷺ وإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء ما بكيت، فقال رسول الله ﷺ: أبكي للذي عرض على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض عليّ عذابكم، ودنا من هذه الشجرة شجرة، قريبة من نبي الله فأنزل الله تعالى ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى\nبالتاء بصري الباقون بالياء، أَسْرى: جمع أسير مثل قتيل وقتلى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ أي يبالغ في قتل المشركين وأسرهم وقهرهم، أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ، وأثخنته معرفة بمعنى قلته معرفة.\nقال قتادة هذا يوم بدر، فاداهم رسول الله بأربعة آلاف بأربعة آلاف، ولعمري ما كان أثخن رسول الله ﷺ يومئذ، وكان أول قتال قاتل المشركين.\nقال ابن عباس كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل، فلمّا كثروا واشتد سلطانهم، أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً فجعل الله نبيه والمؤمنين في أمر الأسارى بالخيار إن شاؤوا قتلوهم وإن شاؤوا استعبدوهم وأن شاءوا فادوهم وإن شاؤوا رفقوا بهم.\nتُرِيدُونَ أيها المؤمنين عَرَضَ الدُّنْيا بأخذكم الفداء وَاللَّهُ يُرِيدُ ثواب الْآخِرَةَ بقهركم المشركين ونصركم دين الله وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.\n_________\n(١) انظر: مسند أحمد: ١/ ٣٨٤. وجامع البيان للطبري: ١٠/ ٥٧\n.","vol":"4","page":372},{"text":"لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ الآية، قال ابن عباس كانت الغنائم قبل أن يبعث النبي ﷺ حرام على الأنبياء والأمم كلهم كانوا إذا أصابوا مغنما جعلوه للنيران «١» وحرّم عليه أن يأخذوا منه قليلا أو كثيرا، وكان الله ﷿ كتب في أم الكتاب أن الغنائم والأسارى حلال لمحمد وأمته، فلمّا كان يوم بدر أسرع المؤمنون في الغنائم، فأنزل الله تعالى لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لولا قضاء من الله سبق لكم يا أهل بدر في اللوح المحفوظ بأن الله تعالى أحل لكم الغنيمة.\nوقال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وابن زيد: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنه لا يعذّب أحدا شهد بدر مع النبي ﷺ وقال: لولا كتاب سبق أن يغفر الصغائر لمن اجتنب الكبائر، وقال ابن جريج: لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ أنه لا يضل قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ، وأنه لا يأخذ قوما فعلوا شيئا بجهالة لَمَسَّكُمْ لنالكم وأصابكم فِيما أَخَذْتُمْ من الغنيمة والفداء قبل أن يؤمروا به عَذابٌ عَظِيمٌ.\nروى محمد بن سيرين عن عبيدة السلماني قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه في أسارى بدر: «إن شئتم قتلتموهم وإن شئتم فاديتموهم، واستشهد منكم بعدّتهم»، وكانت الأسارى سبعون. فقالوا: بل نأخذ الفداء ونتمتع به ونقوى على عدونا ويستشهد منا بعدتهم، قال عبيدة طلبوا الخيرتين كليهما فقتل منهم يوم أحد سبعون\n، قال ابن إسحاق وابن زيد: لم يكن من المؤمنين أحد ممن حضر إلّا أحب الغنائم إلا عمر بن الخطاب (﵁) جعل لا يلقى أسيرا إلا ضرب عنقه، وقال لرسول الله: ما لنا والغنائم! نحن قوم نجاهد في دين الله حتى يعبد الله، وأشار على رسول الله بقتل الأسرى، وسعد بن معاذ قال: يا رسول الله كان الإثخان في القتل أحب إليّ من استبقاء الرجال، فقال رسول الله ﷺ: لو نزل عذاب من السماء ما نجا منه غير عمر بن الخطاب وسعد بن معاذ\nفقال الله فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ\nهمان بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد قال: قال ﷺ: «لم تحل الغنائم لمن كان قبلنا» ذلك أن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا.\nعكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت خمسا لم يعطهنّ نبي قبلي من الأنبياء وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى بلغ محرابه وأعطيت الرعب مسيرة شهر يكون بيني وبين المشركين شهر فيقذف الله الرعب في قلوبهم وكان النبي ﷺ يبعث إلى خاصة قومه، وبعثت إلى الجن والإنس، وكان الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله، وأمرت أن أقاسمها في فقراء أمتي ولم يبق نبي إلا قد أعطي سؤله وأخّرت\n_________\n(١) في المخطوط: للقرآن\n.","vol":"4","page":373},{"text":"شفاعتي لأمتي» [٢٣٩] .\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى\nنزلت في العباس بن عبد المطلب وكان أسيرا يومئذ، وكان العباس أحد العشرة الذين ضمنوا طعام أهل بدر فبلغته التوبة يوم بدر، وكان خرج بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها الناس، فأراد أن يطعم ذلك اليوم فاقتتلوا قبل ذلك وبقيت العشرون أوقية مع العباس فأخذت منه في الحرب، فكلم النبي ﷺ أن يحسب العشرون أوقية من فدائه فأبى، وقال: أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا أتركه لك، وكلّفه فداء بني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث فقال العباس: يا محمد تركتني اتكفف قريشا ما بقيت فقال رسول الله ﷺ: «فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل أوّل خروجك من مكة، فقلت لها:\nإني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا فإن حدث بي حدث فهذا لك ولعبد الله ولعبيد الله والفضل وقثم يعني بنيه» فقال له العباس: وما يدريك؟\nقال: «أخبرني ربي» فقال العباس: فأنا أشهد أنك صادق، وأن لا إله الا الله وأنك عبده ورسوله، ولم يطلع عليه أحد إلا الله فذلك قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى الذين أخذتم منهم الفداء [٢٤٠] «١» .\nوقرأ أبو محمد وأبو جعفر: من الأسارى وهما لغتان إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا أي إيمانا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ من الفداء وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذنوبكم، قال العباس: فأبدلني الله مكانها عشرين عبدا كلهم يضرب بمال كثير، فأدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان العشرين الأوقية، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي،\nوقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ لما قدم عليه مال البحرين ثمانون ألفا، وقد توضأ لصلاة الظهر، فما أعطى يومئذ ساكنا ولا حرم سائلا حتى فرّقه، فأمر العباس أن يأخذ منه فأخذ، فكان العباس يقول: هذا خير مما أخذ منا، وأرجوا المغفرة.\nوَإِنْ يُرِيدُوا يعني الأسرى خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا قومهم وعشيرتهم ودورهم يعني المهاجرين وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا رسول الله ﷺ والمهاجرين ﵃، أي أسكنوهم منازلهم وَنَصَرُوا على أعدائهم، وهم الأنصار أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ دون أقربائهم من الكفار، وقال ابن عباس: هذا في الميراث، كانوا يتوارثون بالهجرة، وجعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، وكان الذي آمن ولم يهاجر لا يرث لأنه لم يهاجر، ولم ينصر، وكانوا يعملون بذلك، حتى أنزل الله ﷿: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٦٢\n.","vol":"4","page":374},{"text":"أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فنسخت هذا وصار الميراث لذوي الأرحام المؤمنين ولا يتوارث أهل ملّتين.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني الميراث حَتَّى يُهاجِرُوا وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي بكسر الواو، والباقون بالفتح وهما واحد، وقال الكسائي: الولاية بالنصب: الفتح، والولاية بالكسر: الإمارة.\nوَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ لأنهم مسلمون إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ عهد وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في العون والنصرة.\nقال ابن عباس: نزلت في مواريث مشركي أهل العهد وقال السدّي: قالوا نورث ذوي أرحامنا من المشركين فنزلت هذه الآية، وقال ابن زيد: كان المهاجر والمؤمن الذي لم يهاجر لا يتوارثان. وإن كانا أخوين مؤمنين، وذلك لأن هذا الدين بهذا البلد كان قليلا، حتى كان يوم الفتح وانقطعت الهجرة توارثوا بالأرحام حيثما كانوا،\nوقال النبي ﷺ: «لا هجرة بعد الفتح إنّما هي الشهادة» [٢٤١] .\nوقال قتادة: كان الرجل ينزل بين المسلمين والمشركين فيقول إن ظهر هؤلاء كنت معهم، وإن ظهر هؤلاء كنت معهم فأبى، الله عليهم ذلك، وأنزل فيه وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ «١» فلا تراءى نار مسلم و] نار [مشرك إلا صاحب جزية مقرّا بالخراج «٢» .\nإِلَّا تَفْعَلُوهُ قال عبد الرحمن بن زيد: إلّا تتركهم يتوارثون كما كانوا يتوارثون، وقال ابن عباس: إلّا تأخذوه في الميراث ما أمرتكم به، وقال ابن جريج: إلّا تعاونوا وتناصروا، وقال ابن إسحاق: جعل الله سبحانه المهاجرين والأنصار أهل ولايته في الدين دون سواهم، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم قال: إِلَّا تَفْعَلُوهُ، هو أن يتولى المؤمن الكافر دون المؤمن.\nتَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ إلى قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قال ابن كيسان حققوا ايمانهم بالهجرة والجهاد وبذل المال في دين الله لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ الذي عنده وهو اللوح المحفوظ، وقيل: كتاب الله في قسمته التي قسمها وبيّنها في القرآن في سورة النساء.\nإِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، وقال قتادة: كان الاعرابي لا يرث المهاجر فأنزل الله هذه الآية، وقال ابن الزبير: كان الرجل يعاقد الرجل ويقول: ترثني وأرثك فنزلت هذه الآية.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٧٣\n. (٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٧٢ [.....]\n.","vol":"4","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-349>محتوى الجزء الرابع من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة المائدة ٥ سورة الأنعام ١٣١ سورة الأعراف ٢١٤ سورة الأنفال ٣٢٤","vol":"4","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-350>[الجزء الخامس]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>سورة التوبة</span>\nمدنية، وهي عشرة آلاف وأربعمائة وثمانون حرفا، وأربعة آلاف وثمان وتسعون كلمة، ومائة وثلاثون آية\nهشام بن عامر عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّه ما نزل عليّ القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا خلا سورة براءة، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، فإنّهما أنزلتا عليّ ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة كل يقول: يا محمد استوص بنسبة الله خيرا» «١» .\nيزيد الرقاشي عن ابن عباس. قال: قلت لعثمان بن عفان ﵁: ما حملكم على أن [عمدتم] إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم)، ووضعتموها في السبع الطوال؟.\nقال عثمان ﵁: إن رسول الله ﷺ كان مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فلا انزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وينزل عليه الآية فيقول ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال مما نزلت بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزلت، وكانت قصتها شبيهة بقصتها [فظننت أنها منها]، وقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم اكتب سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتها في السبع الطوال «٢» .\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي، سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع السجزي بهراة يقول:\nسمعت أبا يزيد حاتم بن محبوب الشامي، سمعت عبد الجبار بن العلاء العطار يقول: سئل سفيان بن عيينة: لم لم يكن في صدر براءة: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال: لأن التسمية رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت في المنافقين وبالسيف، ولا أمان للمنافقين.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٥/ ٦.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٧٠.","vol":"5","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>[سورة التوبة (٩): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)\nبَراءَةٌ رفع بخبر ابتداء مضمر أي: هذه الآيات براءة، وقيل: رفع بخبر معرّف الصفة على التقدير تقديره يعني إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ براءة بنقض العهد وفسخ العقد، وهي مصدر على فعالة كالشناءة والدناءة.\nمِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إلى الذين عاهدهم رسول الله ﷺ، كان هو المتولي على العقود وأصحابه كلهم بذلك راضون، فكأنهم عقدوا وعاهدوا فَسِيحُوا رجع من الخبر إلى الخطاب أي قل لهم: سيحوا أي سيروا فِي الْأَرْضِ مقبلين ومدبرين، آمنين غير خائفين من أحد من المسلمين بحرب ولا سلب ولا قتل ولا أسر «١» .\nأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ يقال: ساح في الأرض يسيح سياحة وسيوحا وسياحا وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ أي غير فائتين ولا سابقين وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ أي مذلّهم ومورثهم العار في الدنيا وفي الآخرة.\nواختلف العلماء في كيفية هذا التأجيل وفي هؤلاء الذين برئ الله منهم ورسوله إليكم من العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله من المشركين.\nفقال محمد بن إسحاق وغيره من العلماء: هم صنفان من المشركين: أحدهما كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت مدة عهده بغير أجل محدود فقصر به على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه ثم [....] «٢» بحرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين، يقتل حيث ما أدرك، ويؤسر إلى أن يتوب وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر، وانتهاؤه إلى عشر من ربيع الآخر.\nوأما من لم يكن له عهد فإنّما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوما، وقال الزهري: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم لأن هذه الآية نزلت في شوال، وقال الكلبي: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد دون أربعة أشهر، فأتمّ له الأربعة الأشهر، ومن كان عهده أكثر من أربعة أشهر، فهذا الذي أمر أن يتم له عهده، وقال:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٧.\n(٢) كلمة مطموسة في الأصل.","vol":"5","page":6},{"text":"فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ،\nوقال مقاتل: نزلت في ثلاثة أحياء من العرب: خزاعة وبني مذحج وبني خزيمة كان النبي ﷺ عاهدهم بالحديبية سنتين فجعل الله ﷿ أجلهم أربعة أشهر، ولم يعاهد النبي ﷺ بعد هذه الآية أحدا من الناس.\nوقال الحسن: بعث الله محمدا ﷺ وأمره أن يدعو إلى التوحيد والطاعة، وفرض عليه الشرائع، وأمره بقتال من قاتله من المشركين، فقال: قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وكان لا يقاتل إلّا من قاتله، وكان كافّا عن أهل العهد الذين كانوا يعاهدونه الثلاثة والأربعة الأشهر حتى ينظروا في أمرهم، فإما أن يسلموا وإما أن يؤذنوا بالحرب، ثم أمره بقتال المشركين والبراءة منهم وأجلهم أربعة أشهر على أن يسلموا أو يؤذنوا بالحرب، ولم يكن لأحد منهم أجل أكثر من أربعة أشهر، لا من كان له عهد قبل البراءة، ولا من لم يكن له عهد، وكان الأجل لجميعهم أربعة أشهر، وأحلّ دماء المشركين كلهم من أهل العهد وغيرهم بعد انقضاء الأجل.\nقال عبد الرحمن بن زيد: نقض كل عهد كان أكثر من أربعة أشهر فردّه إلى الأربعة،\nوقال محمد بن إسحاق ومجاهد وغيرهما: نزلت في أهل مكة، وذلك أن رسول الله ﷺ عاهد قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، فدخلت خزاعة في عهد محمد ﷺ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش، وكان مع ذا عهود من رسول الله ﷺ ومن قبائل من العرب خصائص، فعدت بنو بكر على خزاعة [فقتلوا رجلا] منها ورفدتهم قريش بالسلاح فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خزاعة ونقضوا عهودهم خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى وقف على رسول الله ﷺ فقال:\nيا رب إني ناشد محمدا ... حلف أبينا وأبيه إلا تلدا\nكنت لنا أبا وكنا ولدا ... ثمّت أسلمنا ولم ننزع يدا\nفانصر هداك الله نصرا [عتدا] ... وادع عباد الله يأتوا مددا\nفيهم رسول الله قد تجرّدا ... أبيض مثل الشمس ينمو صعدا\nإن سيم خسفا وجهه تربدا ... في فيلق في البحر تجري مزبدا\nإن قريشا لموافوك «١» الموعدا ... ونقضوا ميثاقك المؤكدا\nوزعموا أن لست تدعوا أحدا ... وهم أذلّ وأقلّ عددا\nهم [وجدونا] بالحطيم هجّدا ... وقتلونا ركّعا وسجّدا «٢»\nفقال رسول الله ﷺ: «أنصرف إن لم أنصركم» [١] فخرج وتجهز إلى مكة، وفتح الله مكة\n_________\n(١) في تفسير القرطبي: أخلفوك، وهو الصواب بحسب ما يظهر من السياق.\n(٢) انظر تفسير القرطبي: ٨/ ٦٥.","vol":"5","page":7},{"text":"وهي سنة ثمان من الهجرة، ثم لما خرج إلى غزوة تبوك وتخلف من تخلف من المنافقين وأرجفوا الأراجيف جعل المشركون ينقضون عهودهم، وأمره الله بإلقاء عهودهم إليهم ليأذنوا بالحرب، وذلك قوله تعالى وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ الآية.\nفلمّا كانت سنة تسع أراد رسول الله ﷺ الحج فقال: إنه يحضر المشركون فيطوفون عراة ولم [........] «١» أن حج حتى لا يكون ذلك، فبعث رسول الله ﷺ أبا بكر ﵁ تلك السنة أميرا على الموسم ليقيم للناس الحج وبعث معه بأربعين آية من صدر براءة ليقرأها على أهل الموسم، فلمّا سار دعا ﷺ عليا فقال: «اخرج بهذه القصة من صدر براءة فأذّن بذلك في الناس إذا اجتمعوا» .\nفخرج علي ﵁ على ناقة رسول الله ﷺ الجدعاء حتى أدرك أبا بكر بذي الحليفة فأخذها منه فرجع أبا بكر ﵁ إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أنزل بشأني شيء؟\nقال: «لا ولكن لا يبلّغ عني غيري أو رجل مني، أما ترضى يا أبا بكر أنّك كنت معي في الغار وأنّك صاحبي على الحوض» [٢] «٢» . قال: بلى يا رسول الله، وذلك أن العرب جرت عادتها في عقد عهودها ونقضها أن يتولى ذلك عن القبيلة رجل منهم فبعث النبي ﷺ عليا لئلا، يقولوا: هذا خلاف ما نعرفه في بعض العهود.\nقال جابر: كنت مع علي ﵁ حتى أتبعه رسول الله ﷺ أبا بكر، فلمّا كنا [بالعرج ثوب] بصلاة الصبح، فلمّا استوى أبو بكر ليكبّر سمع الرغاء فوقف وقال: هذه رغاء ناقة رسول الله ﷺ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله في الحج، فإذا عليها عليّ، فقال أبو بكر أمير أم مأمور؟\nقال: بل ارسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرأها على الناس، فكان أبو بكر أميرا على الحج وعليا ليؤذن ببراءة، فقدما مكة، فلمّا كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس وحدثهم عن مناسكهم وأقام للناس بالحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على مناسكهم التي كانوا عليها في الجاهلية من الحج، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب ﵁ فأذّن في الناس بالحج بالذي أمره به، وقرأ عليهم سورة براءة «٣» .\nقال الشعبي: حدّثني محمد بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي ﵁ حين بعثه النبي ﷺ ينادي، وكان إذا [ضحل] «٤» صوته ناديت قلت: بأيّ شيء كنتم تنادون؟ قال: بأربع لا يطف بالكعبة عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فعهده إلى مدّته، ولا تدخل الجنة إلا\n_________\n(١) كلام مطموس في الأصل.\n(٢) زاد المسير لابن الجوزي: ٣/ ٢٦٦.\n(٣) سنن الدارمي: ٢/ ٦٧، سنن الترمذي: ٤/ ٣٣٩.\n(٤) الضحل: الماء القليل على وجه الأرض لا عمق له وفي بعض المصادر: اضمحل.","vol":"5","page":8},{"text":"نفس مؤمنة، ولا يحج بعد عامنا هذا مشرك، قالوا: فقال المشركون: نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب، وطفقوا يقولون: اللهم أنا قد منعنا أن نبرّك، فلمّا كان سنة عشر حج النبي ﷺ حجة الوداع، ونقل إلى المدينة، فمكث بقية ذي الحجة والمحرم وصفر وليالي من شهر ربيع الأول حتى لو لحق بالله ﷿.\nوَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ عطف على قوله بَراءَةٌ، ومعناه: إعلام، ومنه الأذان بالصلاة، يقال:\nأذنته فأذن أي أعلمته فعلم، وأصله من الأذن أي أوقعته في أذنه، وقال عطية العوفي [و...] «١»\n[الأذان] وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ إلى قوله: وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً الآية، وذلك ثمان وعشرون آية.\nوَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ اختلفوا فيه فقال أبو جحيفة وعطاء وطاوس ومجاهد: يوم عرفة، وهي رواية عمرو عن ابن عباس، يدل عليه\nحديث أبي الصّهباء البكري، قال: سألت علي بن أبي طالب عن يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر بن أبي قحافة يعلم الناس الحج وبعثني معه بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفة، فخطب الناس يوم عرفة فلمّا قضى خطبته التفت اليّ وقال: هلمّ يا علي فأدّ رسالة رسول الله، فقمت فقرأت عليهم أربعين آية من براءة، ثم صدرنا حتى أتينا منى، فرميت الجمرة ونحرت البدنة وحلقت رأسي، وعلمت أن أهل الجمع لم يكونوا حضروا كلهم خطبة أبي بكر ﵁ يوم عرفة فطفت أتتبع بها الفساطيط أقرأها عليهم، فمن ثم أخال حسبتم أنه يوم النحر ألا وهو يوم عرفة «٢» .\nوروى شهاب بن عباد القصري عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: هذا يوم عرفة يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فلا يصومنّه أحد. قال: فحججت بعد أبي فأتيت المدينة فسألت عن أفضل أهلها فقالوا: سعيد بن المسيب، فأتيته فقلت: أخبرني عن صوم يوم عرفة فقال: أخبرك عمّن هو أفضل مني مائة ضعف عن عمر وابن عمر، كان ينهى عن صومه ويقول هو يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.\nوقال معقل بن داود: سمعت ابن الزبير يقول يوم عرفة: هذا يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فلا يصمه أحد، وقال غالب بن عبيد الله: سألت عطاء عن يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فقال: يوم عرفة فاقض منها قبل طلوع الفجر.\nوقال قيس بن مخرمة: خطب رسول الله ﷺ عشية عرفة ثم قال: أما بعد- وكان لا يخطب إلّا قال أما بعد- فإنّ هذا يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ «٣»\n، وقال نافع بن جبير، وقيس بن عباد، وعبد الله\n_________\n(١) كلام غير مقروء.\n(٢) البداية والنهاية لابن كثير: ٥/ ٤٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٨٩.","vol":"5","page":9},{"text":"ابن شراد، والشعبي والنخعي والسدي، وابن زيد هو يوم النحر وهو إحدى الروايتين عن علي ﵁.\nقال يحيى بن الجواد: خرج علي ﵁ يوم النحر على بغلة بيضاء يريد الجبّانة فجاءه رجل فأخذ بلجام دابته وسأله عن الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فقال: هو يومك هذا فخلّ سبيلها.\nوقال عياش العامري: سئل عبد الله بن أبي أوفى عن يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ فقال: سبحان الله هو يوم النحر يوم يهراق فيه الدماء ويحلق فيه الشعر ويحل فيه الحرام.\nوروى الأعمش عن عبد الله بن سنان. قال خطبنا المغيرة بن شعبة على ناقة له يوم الأضحى فقال: هذا يوم الأضحى، وهذا يوم النحر، وهذا يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ.\nوروى شعبة بن أبي بشر، قال: اختصم علي بن عبد الله بن عباس ورجل من آل شيبة في يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، فقال علي: هو يوم النحر، وقال الذي من آل شيبة: هو يوم عرفة فأرسلوا إلى سعيد بن جبير فسألوه فقال: هذا يوم النحر إلا ترى أنه من فاته يوم عرفة لم يفته الحج، وإذا فاته يوم النحر فقد فاته الحج، يدل عليه ما\nروى الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في نفر بعثهم يوم النحر يؤذّنون بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فأردف رسول الله ﷺ عليا يأمره أن يؤذّن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذّن معنا علي كرم الله وجهه أهل منى يوم النحر ببراءة.\nصالح عن ابن شهاب أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أبا بكر بعث في الحجة التي أمره عليها رسول الله ﷺ قبل حجة الوداع في رهط يؤذّنون في الناس: لا يحجّنّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ\nمن أصل حديث أبي هريرة.\nابن عيينة عن ابن جريج عن مجاهد قال: يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ حين الحج أيام منى كلها ومجامع المشركين بعكاظ وذي المجارة ومخشة، ويوم نادى فيه علي بما نادى\n، وكان سفيان الثوري يقول: يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أيامه كلّها مثل يوم صفين ويوم الجمل ويوم بعاث «١» والزمان، لأن كل حرب من هذه الحروب كانت أياما كثيرة.\nواختلفوا أيضا في السبب الذي لأجله قيل: هذا اليوم يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. فقال الحسن:\nيسمّى الحج الأكبر من أجل أنه اجتمع فيها حج المسلمين والمشركين، وقال عبد الله بن الحرث ابن نوفل: يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ كان لحجة الوداع، اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى والمشركين، ولم يجتمع قبله ولا بعده.\n_________\n(١) يوم بعاث: حرب كانت بين الأوس والخزرج. [.....]","vol":"5","page":10},{"text":"وروى منصور وحماد عن مجاهد قال: يقال الحج الأكبر القرآن، والحج الأصغر أفراد الحج، وقال الزهري والشعبي وعطاء: الحج الأكبر: الحج، والحج الأصغر: العمرة، وقيل لها [..........] «١» عملها [..........] «٢» من الحج.\nقوله ﷿: أَنَّ اللَّهَ قرأ عيسى إِنَّ اللَّهَ بالكسر على الابتداء لأن الأذان قول بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره مضمر تقديره: ورسوله أيضا بريء، وقرأ ابن أبي إسحاق وعيسى ويعقوب (وَرَسُولَهُ) بالنصب عطفا على اسم الله، ولم يقل بريئان لأنه يرجع إلى كل واحد منهما كقول الشاعر:\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فأني وقيار بها لغريب «٣»\nوروي عن الحسن وَرَسُولِهِ بالخفض على القسم، وبلغني أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ هذه القراءة. فقال: إن كان أمرا من رسوله فإني بريء منه أيضا، فأخذ الرجل [بتلنته] وجرّه إلى عمر ابن الخطاب، فقص الأعرابي قصته وقوله أيضا، فعند ذلك أمر عمر بتعليم العربية.\nفَإِنْ تُبْتُمْ رجعتم من كفركم وأخلصتم بالتوحيد فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الإيمان [إلى الإصرار] على الكفر فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ وأخبر الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ ثم قال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ.\nوهو استثناء من قوله: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى الناس إلا من الذين عاهدتم مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا من عهدكم الذي عاهدتموهم عليه وَلَمْ يُظاهِرُوا يعاونوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا من عدوكم بأنفسهم ولا بسلاح ولا بخيل ولا برجال ولا مال.\nوقرأ عطاء بن يسار ثُمَّ لَمْ يَنْقُضُوكُمْ بالضاد المعجمة من نقض العهد، وقرأ العامة بالصاد.\nقوله فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ فأوفوا بعهدهم إِلى مُدَّتِهِمْ أجلهم الذي عاهدتموهم عليه ف إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ وهم بنو ضمرة وكنانة وكان بقي لهم من مدتهم تسعة أشهر فأمر بإتمامها لهم فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ انتهى ومضى وقتها، يقال: منه سلخت أشهر كذا نسلخه سلخا وسلوخا بمعنى خرجنا. قال الشاعر:\nإذا ما سلخت الشهر أهللت مثله ... كفى قاتلا سلخي الشهور وإهلالي «٤»\nوفيه قيل: شاة مسلوخة المنزوعة من جلدها، وحية سالخ إذا أخرجت من جلدها الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ\n_________\n(١) كلام مطموس في الأصل.\n(٢) كلام مطموس في الأصل.\n(٣) قيار: قيل اسم جمل وقيل اسم فرس، والبيت في لسان العرب: ٥/ ١٢٥.\n(٤) لسان العرب: ٣/ ٢٥.","vol":"5","page":11},{"text":"وهي أربعة، ثلاثة فرد، وواحد زوجي وهي: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب.\nوقال مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمر بن شعيب: هي شهور العهد، وقيل لها الحرم لأن الله حرّم فيها على المؤمنين دماء المشركين والتعرض لهم إلا سبيل الخير فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ في الحلّ والحرم، وجدتموهم فأسروهم وَاحْصُرُوهُمْ وامنعوهم دخول مكة والتصرف في بلاد الإسلام وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ أي على كل طريق ومرقب، يقال:\nرصدت فلانا أرصده رصدا إذا رقبته. قال عامر بن الطفيل.\nولقد علمت وما إخالك ناسيا ... أن في المنيّة للفتى بالمرصد «١»\nفَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ يقول: دعوهم في أمصارهم، ودعوهم يدخلوا مكة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [........] «٢» في حكم هذه الآية.\nقال الحسين بن الفضل: فنسخت هذه الآية كل آية في القرآن فيها ذكر الإعراض والصبر على أذى الأعداء، وقال الضحاك والسدّي وعطاء: قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) منسوخة بقوله:\nفَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً «٣» وقال قتادة: بل هي ناسخة لقوله: فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً.\nوالصحيح أنّ حكم هذه الآية ثابت، وأنها غير منسوخة إحداهما بصاحبتها لأنّ المنّ، والقتل، والفداء لم يزل من حكم رسول الله ﷺ فهم من أول حاربهم وهو يوم بدر، ويدلّ عليه قوله تعالى: وَخُذُوهُمْ والأخذ هو الأسر، والأسر إنّما يكون للقتل أو الفداء، والدليل عليه أيضا\nقول عطاء قال: أتى النبي ﷺ بأسير يقال له أبو أمامة وهو سيد اليمامة، فقال له النبي ﷺ:\n«يا أبا أمامة أيّها أحب إليك: أعتقك أو أفاديك أو أقتلك أو تسلم؟» [٣] . فقال: أن تعتق تعتق عظيما، وأن تفاد عظيما، وإن تقتل تقتل عظيما، وأما أن أسلم فلا والله لا أسلم أبدا.\nقال فأني أعتقتك. فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسوله.\nوكانت مادّة ميرة مكة من قبل اليمامة فقال لأهل مكة: والذي لا إله إلا هو لا تأتيكم ميرة أبدا، ولا حبّة من قبل اليمامة حتى تؤمنوا بالله ورسوله فأضرّ إلى أهل مكة فكتبوا إلى النبي ﷺ أيّهم له حزب يشكون ذلك إليه، فكتب إلى أبي أمامة: لا تقطع عنهم ميرة كانت من قبلك، ففعل ذلك أبو أمامة.\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٨/ ٧٣.\n(٢) كلام غير مقروء.\n(٣) سورة محمّد: ٤.","vol":"5","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦ الى ١١]</span>\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ (٦) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧) كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ (٨) اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًاّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)\nفَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ معناه وإن استجارك أحد، لأن حروف الجر لا تلي غير الفعل يقول الشاعر:\nعاود هراة وإن معمورها خربا «١»، أي وإن غرب معمورها. وقال أخر:\nأتجزع إن نفس أتاها حمامها ... فهلّا التي عن بين جنبيك تدفع «٢»\nومعنى الآية: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الذين أمرتك بقتالهم وقبلهم اسْتَجارَكَ أي استعاذ بك واستأمنك بعد انسلاخ الأشهر الحرم ليسمع كلام الله فَأَجِرْهُ فأعذه وأمنه حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فتقيم عليه حجة الله، وتبين له دين الله ﷿، فإن أسلم فقد نال عز الإسلام وخير الدنيا والآخرة وصار رجلا من المسلمين، وإن أبي أن يسلم ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ دار قومه فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ دين الله وتوحيده.\nقال الحسن: وهذه الآية محكمة إلى يوم القيامة وليست بمنسوخة.\nقال سعيد بن جبير:\nجاء رجل من المشركين إلى علي بن أبي طالب ﵁، فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء هذا الأجل يسمع كلامه أو يأتيه لحاجته، فقال علي لا لأن الله ﷿ يقول:\nوَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ الآية.\nكَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ على [معنى] التعجب، ومعناه جحد أي لا يكون لهم عهد، كما تقول في الكلام: هل أنت إلا واحد منّا، أي أنت، وكيف يستيقن مثلك؟ أي لا يستيقن، ومنه:\nهل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت\nثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ واختلفوا فيه فقال ابن عياش:\nهم قريش،\nوقال قتادة وابن زيد: هم أهل مكة الذين عاهدهم رسول الله ﷺ يوم الحديبية، قال\n_________\n(١) الصحاح: ٦/ ٢٥٣٥.\n(٢) القاموس المحيط: ٤/ ٢٥٠.","vol":"5","page":13},{"text":"الله ﷿ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ على العهد فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ قالوا: فلم يستقيموا ونقضوا العهد وأعانوا بني بكر على خزاعة، فضرب لهم رسول الله ﷺ بعد الفتح بأربعة أشهر يختارون من أمرهم أما أن يسلموا، واما أن يلحقوا بأي بلاد شاؤوا، فأسلموا قبل الأربعة أشهر.\nقال السدي وابن إسحاق والكلبي: هم من قبائل بكر بن خزيمة وهو مدلج وبنو ضمرة وبنو الدئل، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهد قريش، وعقدهم يوم الحديبية إلى المدة التي كانت بين رسول الله وبين قريش، فلم يكن نقضها إلا قريش وبنو الدئل من بني بكر، فأمر بإتمام العهد لمن لم يكن نقض من بني بكر إلى مدته، وهذا القول أقرب إلى الصواب، لأن هذه الآيات نزلت بعد نقض قريش العهد وبعد فتح مكة، فكيف يأتي شيء قد مضى.\nفَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ وإنما هم الذين قال الله ﷿ إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا كما نقصكم قريش، وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا كما ظاهرت [من] قريش بني بكر على خزاعة [سلفا] رسول الله (ﷺ) .\nكَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ مردود على الآية الأولى تقديره: كيف يكون لهؤلاء عهود وهم إن يظهروا عليكم يظفروا فيقتلوكم لا يَرْقُبُوا قال ابن عباس: لا يحفظوا، وقال الأخفش: كيف لا يقتلونهم، وقال الضحاك: لا ينتظروا، وقال قطرب: لا يراعوا فِيكُمْ إِلًّا قال ابن عباس والضحاك: قرابة، وقال يمان: رحما، دليله قول حسان:\nلعمرك إنّ إلّك من قريش ... كإلّ السقب من رأل النعام «١»\nوقال قتادة: الإلّ: الحلف، دليله قول أوس بن حجر:\nلولا بنو مالك والالّ من فيه ... ومالك فهم اللألاء والشرف\nوقال السدّي وابن زيد: هو العهد، ولكنه لما اختلف الفظان كرّر وإن كان معنا هما واحدا كقول الشاعر:\nوألفى قولها كذبا ومينا «٢»\nوهو إحدى الروايتين عن مجاهد يدلّ عليه قول الشاعر:\nوجدناهم كاذبا إلّهم ... وذو الإلّ والعهد لا يكذب «٣»\nوقيل: هو اليمين والميثاق، وقال أبو مجلز ومجاهد في ساير الروايات: الإلّ هو الله عز\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٢٦.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢٢١٠، والجمع: ميون، ولسان العرب: ١٣/ ٤٢٥.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ١١٠.","vol":"5","page":14},{"text":"وجل، وكان عبيد بن عميرة يقرأ جبرإلّ بالتشديد «١»، يعني عبد الله، وفي الخبر أنّ ناسا قدموا على أبي بكر الصديق ﵁ من قوم المسلمين فاستقرأهم أبو بكر كتاب مسيلمة فقرأوا، فقال أبو بكر: إن هذا الكلام لم يخرج من إلّ.\nوالدليل على هذا التأويل قراءة عكرمة: لا يرقبون في مؤمن ايلا، بالياء يعني بالله ﷿ مثل جبرئيل وميكائيل وَلا ذِمَّةً عهدا وجمعها ذمم، وقيل: تذمما ممن لا عهد له يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ يعطونكم ويرونكم بألسنتهم خلاف ما في قلوبهم مثل قول المنافقين وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ الإيمان وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ ناكثون ناقضون كافرون.\nاشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وذلك أنّهم نقضوا العهد الذي بينهم وبين الرسول الله ﷺ لمّا أطعمهم أبو سفيان بن حرب، وقال مجاهد: أطعم أبو سفيان حلفا وترك حلف محمد ﷺ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ فمنعوا الناس عن دينه وعن الدخول فيه، قال عطاء كان أبو سفيان يعطي الناقة والطعام ليصدّ الناس بذلك عن متابعة النبي ﷺ، وقال ابن عباس: وذلك أن أهل الطائف أمدّوهم بالأموال ليقوّوهم على حرب رسول الله ﷺ وعداوته.\nإِنَّهُمْ ساءَ بئس ما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً يقول: لا تبقوا عليهم أيّها المؤمنون كما لا يبقون عليكم لو ظهروا عليكم «٢» .\nوَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ بنقض العهد فَإِنْ تابُوا من الشرك وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ يعني فهم إخوانكم فِي الدِّينِ لهم ما لكم وعليهم ما عليكم وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ قال ابن عباس: حرّمت هذه الآية دماء أهل القبلة.\nوقال ابن زيد: افترض الصلاة والزكاة جميعا ولم يفرق بينهما، وأبي أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة، وقال: يرحم الله أبا بكر فكان ما أفقهه، وقال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزكّ لا صلاة له.\n_________\n(١) أي اللام المشددة ومرادة: (جبر) وهو عبد، و(إل) هو الله.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١١٢. [.....]","vol":"5","page":15},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-354>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢ الى ١٨]</span>\nوَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢) أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣) قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)\nما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ (١٧) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)\nوَإِنْ نَكَثُوا نقضوا يقال منه: نكث فلان قويّ حبله إذا نقضه أَيْمانَهُمْ عهودهم مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ عقدهم وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ ثلبوه وعابوه وذلك انهم قالوا: ليس دين محمد بشيء فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ قرأ أهل الكوفة أأمّة الكفر بهمزتين على التحقيق لأن أصلها أمّمة مثل:\nمثال وأمثله وعماد وأعمدة، ثم أدغمت الميم التي هي عن أفعلة في الميم الثانية ونقلت حركتها إلى الهمزة الساكنة التي هي فاء الفعل فصار أئمة، فإنّما كتبت الهمزة الثانية ياء لما فيها من الكسرة وهي لغة تميم، وقرأ الباقون: أيمة [بهمزة واحدة] من دون الثانية طلبا للخفّة، أَئِمَّةَ الْكُفْرِ: رؤس المشركين وقادتهم من أهل مكة.\nقال ابن عباس: نزلت في أبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وسائر رؤساء قريش يومئذ الذين نقضوا العهد، وهم الذين همّوا بإخراج النبي ﷺ وقال مجاهد: هم أهل فارس والروم، وقال حذيفة بن اليمان: ما قوتل أهل هذه الآية ولم يأت أهلها بعد إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ عهودهم، جمع يمين أي وفاء باليمين. قال قطرب:\nلا وفاء لهم بالعهد وأنشد:\nوإن حلفت لا ينقض النّأي عهدها ... فليس لمخضوب البنان يمين «١»\nالحسين وعطاء وابن عامر: لا إِيمانَ لَهُمْ بكسر الهمزة، ولها وجهان: أحد هما لا تصديق لهم، يدل عليه تأويل عطية العوفي قال: لا دين لهم ولا ذمّة، فلا تؤمنوا بهم فاقتلوهم، حيث وجدتموهم فيكون مصدرا من الإيمان الذي هو ضد الإخافة قال الله ﷿: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ لكي ينتهوا عن الطعن في دينكم والمظاهرة عليكم، وقيل: عن الكفر.\nثم قال حاضّا المسلمين على جهاد المشركين أَلا تُقاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ نقضوا عهودهم وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ محمد ﷺ من مكة وَهُمْ بَدَؤُكُمْ بالقتال أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني يوم بدر، وقال أكثر المفسرين: أراد بدءوكم بقتال خزاعة حلفاء رسول الله أَتَخْشَوْنَهُمْ أتخافونهم فتتركون قتالهم فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ تخافوه في ترككم قتالهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ يقتلهم الله بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ يذلّهم بالأسر والقهر وَيَنْصُرْكُمْ ويظهركم عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ ويبرئ قلوب قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ بما كانوا ينالونه من الأذى\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٨/ ٨١.","vol":"5","page":16},{"text":"والمكروه منهم. قال مجاهد والسدي: أراد صدور خزاعة حلفاء رسول الله ﷺ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ كربها ووجدها بمعونة قريش نكدا عليهم.\nثم قال مستأنفا وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ يهديه للإسلام كما فعل بأبي سفيان، وعكرمة ابن أبي جهل وسهيل بن عمرو وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وقرأ الأعرج وعيسى وابن أبي إسحاق:\nوَيَتُوبَ على النصب على الصرف.\nقوله أَمْ حَسِبْتُمْ أظننتم، وإنما دخل الميم لأنه من الاستفهام المعترض بين الكلام فأدخلت فيه أم ليفرّق بينه وبين الاستفهام والمبتدأ، واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية: قال الضحاك عن ابن عباس قال: يعني بها قوما من المنافقين كانوا يتوسلون إلى رسول الله ﷺ بالخروج معه للجهاد دفاعا وتعذيرا والنفاق في قلوبهم.\nوقال سائر المفسرين: الخطاب للمؤمنين حين شقّ على بعضهم القتال وكرهوه فأنزل الله تعالى أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا ولا تؤمروا بالجهاد ولا تمتحنوا ليظهر الصادق من الكاذب، والمطيع من العاصي وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ في تقدير الله، والألف صلة جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم، وقال قتادة وَلِيجَةً: خيانة وقال الضحّاك: خديعة، وقال ابن الأنباري: الوليجة قال:\nخيانة، والولجاء الدخلاء، وقال الليثي: خليطا وردا.\nوقال عطاء: أولياء، وقال الحسن: هي الكفر والنفاق، وقال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، والرجل يكون في القوم وليس منهم ووليجة، وأصله من الولوج ومنه سمي [الكناس] الذي يلج فيه الوحش تولجا. قال الشاعر:\nمن زامنها الكناس تولّجا\nفوليجة الرجل من يختصه بدخلة منها دون الناس يقال: هو وليجتي وهم وليجتي للواحد وللجميع. وأنشد أبان بن تغلب:\nفبئس الوليجة للهاربين ... والمعتدين وأهل الريب «١»\nوَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قراءة العامة بالتاء متعلق بالله بقوله: أَمْ حَسِبْتُمْ وروى الحسن عن أبي عمرو بالياء ومثله روى عن يعقوب أيضا.\nما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ قال ابن عباس: لمّا أسر أبي يوم بدر أقبل عليه المسلمون فعيّروه بكفره بالله ﷿ وقطيعة الرحم وأغلظ عليّ له القول، فقال العباس:\n_________\n(١) فتح القدير: ٢/ ٣٤٢.","vol":"5","page":17},{"text":"إنكم تذكرون مساوئنا ولا تذكرون محاسننا، قال له علي: ألكم محاسن؟ قال: نعم، إنا لنعمر المسجد ونحجب الكعبة ونسقي الحاج ونفك: العاني، فأنزل الله تعالى رادّا على العباس ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ «١» يقول: ما ينبغي للمشركين أَنْ يَعْمُرُوا، قرأت العامة بفتح الياء وضم الميم من عمر يعمر، وقرأ ابن السميقع يُعْمِرُوا بضم الياء وكسر الميم أي يعينوا على العمارة، أو يجعلوه عامرا، ويريد: إن المساجد إنما تعمر بعبادة الله وحده، فمن كان بالله كافرا فليس من شأنه أن يعمرها، وقال الحسن: ما كان للمشركين أن يتركوا فيكونوا أهل المسجد الحرام.\nواختلف القراء في قوله: (مَساجِدَ اللَّهِ) قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وابن أبي رباح وحميد بن كثير وأبو عمرو: مسجد الله بغير ألف أرادوا المسجد الحرام، واختاره أبو حاتم لقوله تعالى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ، وقرأ الباقون (مَساجِدَ) بالألف على الجمع، واختاره أبو عبيد لأنّه أعم القراءتين.\nقال الحسن: فإنّما قال (مَساجِدَ اللَّهِ) لأنّه قبلة المساجد كلها وأمامها، وقال أبو حاتم أنّ عمران بن جدير قال لعكرمة: إنما يقرأ: مَساجِدَ اللَّهِ وإنّما هو مسجد واحد؟ فقال عكرمة: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، وقال الضحاك ومجاهد: حدّث العرب بالواحد إلى الجمع والجمع إلى الواحد، ألا ترى الرجل على البرذون يقول ركبت البراذين؟ ويقال للرجل: إنّه لكثير الدر والذمار، وتقول العرب: عليه أخلاق نعل واسمال ثوب. وأنشدني أبو الجراح العقيلي:\nجاء الشتاء وقميصي أخلاق ... وشرذم يضحك مني التواق «٢»\nيعني: خلق.\nوقوله: شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أراد وهم شاهدون، فلمّا طرحت (وهم) نصبت، وقال الحسن: يقولون: نحن كفار [نشهد] عليهم بكفرهم، وقال السدّي: شهادتهم على أنفسهم بالكفر هي أن النصراني يسأل: ما أنت فيقول: نصراني، واليهودي فيقول: يهودي والصابئي، فيقول: صابئي ويقال للمشرك: ما دينك؟ فيقول: مشرك.\nوقال حمزة عن الضحاك عن ابن عباس: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم بأنّها مخلوقة، وذلك أنّ كبار قريش نصبوا أصنامهم خارجا من بيت الله الحرام عند القواعد، وكانوا يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف وعلينا ثياب قد عملنا فيها بالمعاصي، وكانوا يصفقون ويصفرون ويقولون:\nإن تغفر اللهم تغفره جمّا، ... وأي عبد لك لا ألمّا [...]\n«٣»\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٦٣.\n(٢) الصحاح: ٤/ ١٤٥٣ ويروى: النواق.\n(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"5","page":18},{"text":"سجدوا لأصنامهم فلم يزيدوا بذلك من الله إلّا بعدا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ.\nثم قال: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ قرأ العامة بالألف، وقرأ الجحدري: مسجد الله أراد المسجد الحرام مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ [لأنّ عسى] «١» من الله واجب فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ\nروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ: إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد فاشهدوا له بالإيمان فإن الله ﷿ يقول إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [٤] «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٩ الى ٢٣]</span>\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)\nأَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ [أي أهل سقاية] .\nعن معاوية بن سلام عن زيد ابن أبي سلام عن النعمان بن بشير، قال: كنت عند منبر رسول الله ﷺ فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد سقي الحاج، قال الآخر: لا أبالي أن لا أعمل عملا بعد أن أعمر المسجد الحرام، وقال الآخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صليت دخلت واستفتيت رسول الله فيما اختلفتم فيه فقال: فأنزل الله أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إلى قوله الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. قال: قال العباس بن عبد المطلب: لئن كنتم سبقتمونا بالهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد ونسقي الحاج، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يعني: إن ذلك كان في الشرك ولا أقبل ما كان في الشرك. عطية العوفي قال: إن المشركين قالوا: إعمار بيت الله والقيام على السقاية خير ممّن آمن وجاهد، وكانوا يفتخرون بالحرم من أجل أنهم أهله وعمّاره، فأنزل الله هذه الآية وأخبرهم أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على\n_________\n(١) زيادة عن تفسير القرطبي.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٦٨.","vol":"5","page":19},{"text":"السقاية لا تنفعهم عند الله مع الشرك، وأن الإيمان بالله والجهاد مع نبيّه خير مما هم عليه.\nالحسن والشعبي ومحمد بن كعب القرضي: نزلت في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والعباس بن عبد المطلب وطلحة بن شيبة، وذلك أنهم افتخروا فقال طلحة: إنّ البيت بيدي مفاتيحه ولو أشاء بتّ فيه، وقال العباس: أنا صاحب السقاية والقائم عليها ولو أشاء بتّ في المسجد، وقال علي ﵁: لا أدري ما تقولون لقد صلّيت إلى القبلة ستة أشهر قبل الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .\nوقال ابن سيرين ومرّة الهمداني عن ابن عباس أن عليا قال للعباس: ألا تهاجر وتلحق بالنبي؟ فقال: ألست في أفضل من الهجرة؟ ألست أسقي حاج بيت الله واعمر المسجد الحرام؟\nفنزلت هذه «٢» الآية.\nوعند ما أمروا بالهجرة قال العباس: أنا أسقي الحاج، وقال طلحة أخو بني عبد الدار:\nوأنا صاحب الكعبة فلا نهاجر.\nوالسقاية مصدر كالرعاية والحماية، قال الضحّاك: السقاية بضم السين وهي لغة.\nوفي معنى الآية وجهان أحدهما أن يجعل الكلام مختصرا تقديره: أجعلتم سقاية وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله وجهاد من جاهد في سبيل الله، وهذا كما تقول: السخاء حاتم، والشعر زهير وقال الشاعر:\nلعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندي «٣»\nوالوجه الآخر أن يجعل العمارة والسقاية بمعنى العامر والساقي تقديره: أجعلتم ساقي الحاج وعامر المسجد الحرام كقوله هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، يدلّ عليه قراءة عبد الله بن الزبير وأبي وجزة السعدي: أجعلتم سقّاء الحاج وعمّار المسجد الحرام على جمع الساقي والعامر لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ\nقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال العباس: ما أراني إلا تارك سقايتنا، فقال رسول الله ﷺ: أقيموا على سقايتكم فإن لكم فيها خيرا.\nوقال الحسن:\nوكانت السقاية نبيذ زبيب.\nالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ من الذين افتخروا بعمارة المسجد الحرام وسقاية الحاج وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ الناجون من النار يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ دائم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٢٤، وزاد المسير: ٣/ ٢٧٩.\n(٢) زاد المسير: ٣/ ٢٧٩.\n(٣) مغني اللبيب: ٢/ ٦٩١.","vol":"5","page":20},{"text":"خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ قال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها منزلة في قصة العباس وعلي قبل الهجرة،\nقال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما أمر الله ﷿ المؤمنين بالهجرة وكانت قبل فتح مكة، من آمن ولم يكتمل إيمانه إلّا بمجانبة الآباء والأقرباء إن كانوا كفارا، فقال المسلمون: يا نبي الله إن نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين قطعنا أباءنا وعشائرنا وذهبت تجارتنا وخربت دارنا، فأنزل الله هذه الآية.\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، قال: لمّا أمر رسول الله ﷺ الناس بالهجرة إلى المدينة جعل الرجل يقول لابنه وأخيه وامرأته وقرابته: إنّا قد أمرنا بالهجرة إلى المدينة فاخرجوا معنا إليها فمنهم من يعجبه ذلك ويسارع إليه، ومنهم من أبى على صاحبه [وتعلق به] فيقول الرجل لهم: والله لئن ضمني وإياكم دار الهجرة فلا أنفعكم بشيء أبدا ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم، ومنهم من تتعلق به زوجته وعياله وولده ويقولون: أنشدك الله أن تضيعنا فيرق [قلبه] فيجلس ويدع الهجرة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدّوا عن الإسلام فنهى الله ﷿ عن ولايتهم «١» فأنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ بطانة وأصدقاء فتفشون إليهم أسراركم، ومن المقام بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام.\nإِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فهم في صورة الإسلام وأهله و[في] المكث معهم على الهجرة والجهاد فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ العاصون الواضعون [.....] «٢»\nفي غير موضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٤ الى ٢٧]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٢٤) لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)\nثم قال: قُلْ يا محمد للمتخلّفين عن الهجرة والجهاد إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وقرأ أبو رجاء ويعقوب وعشيراتكم بالألف على الجمع\n_________\n(١) الأقوال كلها في زاد المسير: ٣/ ٣٨٠.\n(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"5","page":21},{"text":"واختلف فيه عن عاصم وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها اكتسبتموها وقال قتادة: اكتسبتموها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وهو ضد النفاق وأصله البقاء. قال الشاعر:\nكسدن من الفقر في قومهن ... وقد زادهن مقامي كسودا «١»\nوَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها [تعجبكم] قال السدي: يعني القصور والمنازل أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا فانتظروا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ قال عطاء: بقضائه، وقال مجاهد ومقاتل: يعني فتح مكة وَاللَّهُ لا يَهْدِي لا يرشد ولا يوفّق الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ الخارجين من طاعته إلى معصيته.\nلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ أيّها المؤمنون فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ أي مشاهدوها أماكن حرب تستوطنون فيها أنفسكم على لقاء عدوكم وَيَوْمَ حُنَيْنٍ يعني وفي يوم حنين وهو واد بين مكة والطائف.\nوقال عروة بن الزبير: هو واد إلى جنب ذي المجاز والحري، ولأنه اسم لمذكر فقد يترك إجزاؤه يراد به اسم البلدة التي هو بها، ومنه قول الشاعر:\nنصروا نبيهم وشدّوا أزره ... بحنين يوم تواكل الابطال «٢»\nوكانت قصة حنين على ما ذكره المفسّرون بروايات كثيرة لفّقتها ونسّقتها لتكون أقرب إلى الأفهام وأحسن [....] «٣»\nأن رسول الله ﷺ افتتح مكة وقد بقيت عليه أيام من شهر رمضان ثم خرج متوجها إلى حنين لقتال هوازن وثقيف في اثني عشر الفا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطائف.\nقال قتادة، وقال مقاتل: كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة، وقال الكلبي: كانوا عشرة آلاف وكانوا يومئذ أكثر ما كانوا [.......] «٤» وكان المشركون أربعة آلاف من هوازن وثقيف، وعلى هوازن ملك بن عوف النضري، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما التقى الجمعان قال رسول الله ﷺ: لن تغلب اليوم من قلّة، ويقال: بل قال ذلك رجل من المسلمين يقال له سلمة بن سلامة [وسمع] رسول الله ﷺ كلامه، ووكلوا إلى كلمة الرجل.\nقال: فاقتلوا قتالا شديدا. فانهزم المشركون وخلوا من الذراري، ثم نادوا: يا حماة السوء اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون.\n_________\n(١) فتح القدير: ٢/ ٣٤٦.\n(٢) معجم ما استعجم: ٢/ ٤٧٢، ونسبه لحسّان بن ثابت. [.....]\n(٣) كلمة غير مقروءة في الأصل.\n(٤) كلمة غير مقروءة في الأصل.","vol":"5","page":22},{"text":"وقال قتادة: وذكر لنا أن الطلقاء [انجفلوا] يومئذ بالناس وسأل رجل البراء بن عازب:\nأفررتم يوم حنين؟ فقال: كانت هوازن رماة وإنّا لمّا حملنا عليهم وانكشفوا وأقبلنا على الغنائم، فاستقبلوا بالسهام فانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ، وقال الكلبي: كان حول رسول الله ﷺ يومئذ ثلاثمائة من المسلمين وانهزم سائر الناس عنهم.\nوقال الآخرون: لم يبق يومئذ مع النبي ﷺ غير العباس بن عبد المطلب وعلي وأيمن بن أم أيمن، وقتل يومئذ بين يدي رسول الله ﷺ، وطفق رسول الله يركض بغلته نحو الكفار لا يألوا، وكانت بغلة شهباء أهداها له فروة الجدامي.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا العمري، حدّثنا أحمد بن محمد، حدّثنا الحمامي، حدّثنا شريك عن أبي إسحاق، قيل للبراء: كان النبي ﷺ فيمن ولى دبره يوم حنين قال: والذي لا إله إلّا هو ما ولّى رسول الله دبره قط، لقد رأيناه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالركاب والعباس آخذ لجام الدابة، وهو يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا بن عبد المطلب\n، قالوا: قال رسول الله ﷺ للعباس: ناد يا معشر المهاجرين ويا معشر الأنصار وكان العباس رجلا صوّيتا.\nويروى من شدة صوت العباس أنه أغير يوما على مكة فنادى: وا صباحاه فأسقطت كل حامل سمعت صوته جنينها.\nفجعل ينادي: يا عباد الله، يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، وعطف المسلمون حين سمعوا صوته عطفة البقر على أولادها فقالوا: يا لبيك يا لبيك يا لبيك وجاءوا عنقا واحدا فالتفت رسول الله ﷺ إلى عصابة من الأنصار فقال: هل معكم غيركم؟ فقالوا: يا نبي الله لو عمدت إلى برك العماد من ذي يمن لكنّا معك، ثم أقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون، وتنادى الأنصار: يا معشر الأنصار أم قصرت الدعوة على بني الحرث والخزرج، فتنادوا فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول إلى قتالهم فقال هذا حين حمي الوطيس، فأخذ بيده كفّا من [الحبّ] «١» فرماهم وقال: شاهت الوجوه، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، انهزموا ورب الكعبة.\nقال: فوالله ما زال أمرهم مدبرا وجدّهم كليلا حتى هزمهم الله تعالى.\nقال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بقي منا أحد يومئذ إلا وامتلأت عيناه من ذلك التراب، قال يزيد بن عامر وكان في المشركين يومئذ: فانصرفنا ما بقي منّا أحد، وكأن أعيننا عميت فأنجز الله وعده وأنزل نصره وجنده فقهر المشركين ونصر المسلمين\n، وقال سعيد بن جبير: أمدّ الله [المسلمين] بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وقال الحسن: كانوا ثمانية آلاف من الملائكة.\n_________\n(١) في المصادر: تراب، وفي بعضها: حصيّات.","vol":"5","page":23},{"text":"قال عطاء: كانوا ستة عشر ألفا،\nوقال سعيد بن المسيب: حدّثني رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ لم يقفوا لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم، حتى إذا انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء يعني رسول الله ﷺ فتلقّانا رجال بيض الوجوه، حسان الوجوه فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانوا إياها، يعني الملائكة.\nوفي الخبر أن رجلا من بني نضر يقال له شجرة قال للمؤمنين بعد القتال: أين الخيل البلق، والرجال عليهم ثياب بيض ما كنا نراكم فيها [..........] «١»، وما كان قتلنا إلا بأيديهم فأخبروا بذلك رسول الله ﷺ فقال: تلك الملائكة.\nقال الزهري: وبلغني أن شيبة بن عثمان قال: استدبرت رسول الله ﷺ يوم حنين وأنا أريد أن أقتله بطلحة بن عثمان، وعثمان بن طلحة، وكانا قتلا يوم أحد، فأطلع الله تعالى رسوله على ما في نفسي فالتفت إليّ وضرب في صدري وقال: أعيذك بالله يا شيبة، فارتعدت فرائصي فنظرت إليه وهو أحبّ إليّ من سمعي ومن بصري فقلت: أشهد أنك رسول الله، وأن الله أطلعك على ما في نفسي.\nفلمّا هزم الله المشركين وولّوا مدبرين وانطلقوا حتى أتوا [أوطاس] وبها عيالهم وأموالهم فبعث رسول الله إلى هناك رجلا من الأشعريين يقال له: أبو عامر وأمّره على الناس، فسار إليهم فاقتتلوا بها، ثم إن الله تعالى هزمهم، وثبتوا قبال المشركين وهزم أميرهم مالك بن عوف النضري، فأتى الطائف فتحصّن بها وأخذ أهله وماله فيمن أخذ، وقتل أمير المسلمين ابن عامر، ثم إن رسول الله ﷺ أتى الطائف من فوره ذلك فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلمّا دخل ذو القعدة وهو شهر حرام لا يحلّ فيه القتال انصرف عنهم فأتى الجعرانة فأحرم فيه بعمرة، فقسم بها النبي المال وغنائم حنين وأوطاس وتألّف أناسا، كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل بن عمرو والأقرع بن حابس فأعطاهم فجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، فقالت الأنصار: حنّ الرجل وآثر قومه يا للعجب إنّ أسيافنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهو في قبة من أدم فجمعهم فقال لهم: يا معشر الأنصار ما هذا الذي بلغني عنكم.\nفقالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، فقال: ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم أذلاء فأعزكم الله بي، وكنتم وكنتم، فقال سعيد بن عبد الله: أتأذن لي أتكلم، فقال:\nتكلم.\n_________\n(١) كلام غير مقروء في المخطوط.","vol":"5","page":24},{"text":"قال: أما قولك: كنتم ضلالا فهداكم الله بي، فكنّا كذلك، وأما قولك: كنتم أذلّة فأعزّكم الله فقد علمت العرب أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منّا. فقال عمر:\nيا سعيد أتدري من تكلّم؟ قال: يا عمر أكلّم رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديا لسلكت واد الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم، ثم قال: يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاة وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم» [٥] .\nفقالت الأنصار: رضينا بالله ورسوله، والله ما قلنا ذلك الا ضنّا بالله ورسوله، فقال رسول الله ﷺ: إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم «١» .\nفلما قدم النبي ﷺ المدينة قام خطيبا فقال: أما إنّ خطيب الأنصار قد قال: كنت طريدا فآويناك، وكنت خائفا فأمّنّاك، وكنت مخذولا فنصرناك، وكنت وكنت، فإنّه قد صدق، فبكت الأنصار، وقالت بل الله ورسوله أعظم علينا منّا.\nقال قتادة: وذكر لنا أن ظئر النبي ﷺ التي أرضعته من بني سعد أتته يوم حنين وسألته سبايا يوم حنين، فقال رسول الله ﷺ: إني لا أملكهم إنّما لي نصيبي منهم، ولكن ائتني غدا فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس، فجاءت في الغد فبسط لها ثوبه فقعدت عليه ثم سألته ذلك فأعطاها نصيبه، فلما رأى الناس منه أعطوها أنصباءهم «٢» .\nقال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب أنهم أصابوا يومئذ ستة آلاف سبي، وكان رسول الله ﷺ أمر مناديا ينادي يوم أوطاس: ألا لا توطأ الحبالى حتى يضعن، ولا غير الحبالى حتى يستبرئن بحيضة.\nثم [....] «٣» من هوازن أقبلوا مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبرّهم وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ: إن عندي من ترون، وخير القول أصدقه، اختاروا إمّا ذراريكم ونساءكم، وإمّا أموالكم، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، فقام النبي منتصبا فقال: إن هؤلاء قد جاءوني مسلمين «٤»، وإنا خيّرناهم بين الذراري والأموال فلم يعدلوا بالأحساب شيئا، فأمّا ما أصاب بنو هاشم رددناه إليهم، فمن كان بيده منهم شيء وطابت نفسه أن يردّه عليهم فذلك، ومن لا فليعطنا وليكن قرضا علينا حتى نصيب شيئا فنعطيه مكانه، ومن لم يرد ففديته خمسون من الإبل.\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٠.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٠.\n(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٤) في المصنّف لعبد الرزاق: ٥/ ٣٨١: مستسلمين.","vol":"5","page":25},{"text":"فلما رأى الناس أن رسول الله ﷺ قد ردّ قالوا يا نبي الله رضينا وسلّمنا، فقال النبي: لا أدري لعلّ منكم من لا يرضى فمروا عرفاءكم فليرفعوا ذلك إليه فرفعت إلينا العرفاء أن قد رضوا وسلّموا، وردوا جميعا غير رجل واحد وهو صفوان بن أميّة لأنه وقع على امرأت أصابها فحبلت منه «١» .\nفأنزل الله لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ حتى قلتم:\nلن نغلب اليوم من قلّة فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ كثرتكم شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ أي برحبها وسعتها وهما المصدر ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ منهزمين ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بعد الهزيمة سَكِينَتَهُ يعني الأمنة والطمأنينة وهي فعيلة من السكون عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها يعني الملائكة وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالقتل والأسر وسلب الأموال وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ فيهديه إلى الإسلام ولا يؤاخذه بما سلف وَاللَّهُ غَفُورٌ لعباده المؤمنين رَحِيمٌ بهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>[سورة التوبة (٩): الآيات ٢٨ الى ٣٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ قال الضحاك وأبو عبيدة: قذر، وقال ابن الأنباري: خبيث يقال: رجل نجس وامرأة نجس ورجلين وامرأتان نجس ورجال ونساء نجس بفتح النون والجيم أو نجس بضم الجيم ورجس في هذه الأحوال لا يثنّى ولا يجمع لأنّه مصدر، وأما النجس بكسر النون وجزم الجيم فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس، فإذا أفرد قيل: نجس بفتح النون وكسر الجيم أو نجس بضم الجيم.\nوقرأ ابن السميقع: إنما المشركون أنجاس، كقولك أخباث على الجمع، واختلفوا في\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٣١.","vol":"5","page":26},{"text":"معنى النجس والسبب الذي من أجله سمّاهم بذلك، فروي عن ابن عباس: ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب، وهذا قول غير مرضي لمعنيين أحدهما أنه روي عنه من وجه غير حميد فلا يصح عنه، والآخر أن هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولا يستوي في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد، واحتج من قال أعيانهم نجسة بما روي أن عمر بن عبد العزيز كتب أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه بقول الله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ.\nوكما روي عن الحسن أنه قال: لا تصافحوا المشركين. فمن صافحهم فليتوضّأ، وقال قتادة: سمّاهم نجسا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون، فمنعوا من دخول المسجد لأن الجنب لا ينبغي أن يدخل المسجد.\nوقال الحسين بن الفضل: هذه نجاسة الحكم لا نجاسة العين فسموا نجسا على الذّم، يدلّ عليها ما\nروي أن النبي ﷺ لقى حذيفة فأخذ ﷺ بيده، فقال حذيفة: يا رسول الله إنّي جنب، فقال: «إن المؤمن لا ينجس» [٦] .\nفَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ قال أهل المعاني: أراد بهذا منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا المسجد الحرام، قال عطاء الحرم كلّه قبلة ومسجد «١» وتلا هذه الآية.\nجابر عن عبد الله عن رسول الله ﷺ: لا يدخل الحرم إلا أهل الجزية أو عبد لرجل من المسلمين، ونساؤهم حل لكم، وقرأ: بَعْدَ عامِهِمْ هذا يعني العام الذي حج فيه أبو بكر ﵁ عنه بالناس، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة وهو سنة تسع في الهجرة\nوَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً الآية.\nقال المفسرون: وكان المشركون يجلبون إلى البيت الطعام ويتّجرون ويتبايعون، فلمّا منعوا من دخول الحرم شقّ ذلك على المسلمين، والقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال لهم: من أين تأكلون وتعيشون وقد بقي المشركون وانقطعت عنهم العير.\nفقال المؤمنون: يا رسول الله قد كنّا نصيب من تجارتهم وبياعاتهم فالآن تنقطع عنّا الأسواق ويملك التجارة، ويذهب ما كنّا نصيب منها من المرافق، فأنزل الله ﷿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً.\nوقال عمرو بن فائد: معناه وإذا خفتم لأن القوم كانوا قد خافوا، وذلك هو قول القائل:\nإن كنت أبي فأكرمني يعني [إن خفت] عيلة فقرا وفاقة. يقال عال يعيل عيلة وعيولا. قال الشاعر:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٣٦، وتفسير القرطبي: ٨/ ١٠٥.","vol":"5","page":27},{"text":"فلا يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغني متى يعيل «١»\nوفي مصحف عبد الله: وإن خفتم عايلة أي [حصلة] يعول عليكم أي يشق فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وذلك أنه أنزل عليهم مطرا مدرارا فكثر خيرهم حين ذهب المشركون.\nوقال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وطهوا الطعام إلى مكة على ظهور الإبل والدواب، وكفاهم الله ﷿ ما كانوا يتخوّفون.\nقال الكلبي: أخصبت [............] «٢»، وكفاهم الله ما أهمّهم، وقال الضحاك وقتادة: قسم الله منها ما هو خير لهم وهو الجزية فأغناهم الله وذلك قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ\nقال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر رسول الله ﷺ بحرب الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك.\nوقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود وأراد رسول الله ﷺ [أخذ الجزية فأنزل الله] «٣» ﷿: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أراد الدين الحق فأضاف الاسم إلى الصفة.\nقال قتادة: الحق هو الله ﷿، ودينه الإسلام، وقال أبو عبيدة «٤» معناه:\nطاعة أهل الإسلام، وكل من أطاع ملكا أو ذا سلطان فقد دان له دينا. قال زهير:\nلئن حللت بجوفي بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك «٥»\nأي في طاعة عمرو.\nمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يعني اليهود والنصارى يؤخذ منهم الجزية وألّا يقاتلوا، ويؤخذ الجزية أيضا من الصابئين والسامرة لأن سبيلهم في أهل الكتاب سبيل أهل البدع فيها، ويؤخذ الجزية أيضا من المجوس، وقد قيل: إنهم كانوا من أهل الكتاب فرفع كتابهم.\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، حدّثنا محمد بن يحيى و[..........] «٦» قالا: حدّثنا عثمان بن صالح، حدّثنا ابن وهب، أخبرنا يوسف عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ أخذ الجزية من مجوس\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٤٨٨، ونسبه إلى أحيحة.\n(٢) كلام غير مقروء في المخطوط.\n(٣) المخطوط غير مقروء والظاهر ما أثبتناه.\n(٤) في معاني القرآن للنحاس: ٣/ ١٩٧، نسبه لأبي جعفر. [.....]\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤١، ولسان العرب: ١٠/ ٤٧٣.\n(٦) كلام غير مقروء في المخطوط.","vol":"5","page":28},{"text":"هجر «١»، وأن عمر أخذها من مجوس السواد وأن عثمان بن عفان أخذها من بربر «٢» .\nابن حامد أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسين، حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا أبو عاصم عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: لا أدري كيف أصنع بالمجوس؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سنّوا بهم سنة أهل الكتاب» [٧] «٣» .\nقال أبو عاصم: مشيت ميلا وهرولت ميلا حتى سمعت من جعفر بن محمد، حدّثنا، يعني هذا الحديث\n، وإنما منعنا من نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم [وإتيان] الفروج والأطعمة على الخطر، ولا يجوز الإقدام عليها بالشك.\nقال الحسن: قاتل رسول الله ﷺ أهل هذه الجزيرة على الإسلام لا يقبل منهم غيره، وكان أفضل الجهاد، وكان بعده جهاد آخر على هذه الطعمة في شأن أهل الكتاب «٤» .\nقاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ألّا يتبعوا ما سواهما بدعة وضلالة، ولا يؤخذ الجزية من الأوثان حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ وهو ما يعطي المعاهد على عهده من الجزية، وهي فعلة من جزى يجزي إذا قضى عليه، والجزية مثل القعدة والجلسة ومعنى الكلام: حتى يعطوا الخراج عن رقابهم الذي يبذلونه للمسلمين دفعا عنها.\nوأما قدرها:\nفقال أنس: قسّم النبي على كل محتلم دينارا\n، وقسم عمر بن الخطاب ﵁ على الفقراء من أهل الذمة كل واحد منهم درهما، وعلى الأوساط أربعة وعشرين، وعلى أهل الثروة ثمانية وأربعين درهما، ولم يجاوز به خمسين درهما، وليس شيء موقت ولكن على ما صولحوا عليه.\nعَنْ يَدٍ أي بالنقل من يده إلى يد من يدفعه إليه، كما يقال كلّمته فما لفم «٥» .\nوقال أبو عبيدة: يقال: أكلّ من [............] «٦» من غير طيب نفس منه أعطاه عن يد، وقال القتيبي: يقال: أعطاه عن يد وعن ظهر يد إذا أعطاه مبتدئا غير مكلف.\nوقال ابن عباس: هو أنها يعطونها بأيديهم، يمشون بها كارهين ولا يجيئون بها ركبانا ولا\n_________\n(١) أحكام القرآن للجصاص: ٢/ ٤١٢.\n(٢) المصنّف لعبد الرزاق: ٦/ ٦٩، ح ١٠٠٢٧.\n(٣) المسند للشافعي: ٢٠٩.\n(٤) الدر المنثور: ٣/ ٢٢٩.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤١.\n(٦) كلام غير واضح في المخطوط.","vol":"5","page":29},{"text":"يرسلون وَهُمْ صاغِرُونَ أذلّاء مقهورون، قال ابن عباس يتلتلون بها تلتلة وقال عكرمة: معنى الصغار هو أن تأخذها وأنت جالس وهو قائم. قال الكلبي: إنه إذا [جاء يعطي] صفع في قفاه، وقيل: إعطاؤه إياها هو الصغار، وقيل: إنّه لا يقبل فيها رسالة ولا وكالة، وقيل: إنه يجري عليهم أحكام الإسلام وهو الصغار.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن جعفر، حدّثنا علي بن حرب، حدّثنا السباط، حدّثنا عبد العزيز بن [............] «١» عن حبيب بن أبي ثابت قال: جاء إلى ابن عباس رجل فقال: الأرض من أرض الخراج يعجز عنها أهلها أفأعمرها وأزرعها وأودي خراجها؟\nقال: لا، وجاء آخر فقال له ذلك قال: لا وتلا قوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ الآية إلى قوله: وَهُمْ صاغِرُونَ، أيعمد أحدكم إلى الصغار في عنق أحدهم فينزعه فيجعله في عنقه «٢»؟\nوقال كليب بن وائل: قلت لا بن عمر: اشتريت أرضا، قال: الشراء حسن. قال: فإنّي أعطي من كل جريب أرض درهما وقفيز طعام؟ قال: ولا تجعل في عنقك صغارا.\nوروى ميمون بن مهران عن ابن عمر قال ما يسرّني أن لي الأرض كلها بجزية خمسة دراهم أقر فيها الصغار على نفسي.\nوَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ الآية،\nروى سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس. قال:\nأتى رسول الله ﷺ سلام بن مسلم والنعمان بن أوفى وشاس بن قيس ومالك بن الصيف قالوا:\nكيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيرا ابن الله. فأنزل الله في قولهم: وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ\n، وقرأ ابن محيصن وعاصم والكسائي: عُزَيْرٌ بالتنوين، وهو قول أبي عبيد وأبي حاتم.\nوقرأ الباقون بغير تنوين، فمن نوّن قال: لأنه اسم خفيف فوجهه أن ينصرف وإن كان أعجميا مثل نوح ولوط وهود، وقال أبو حاتم والمبرّد: الاختيار التنوين لأنه ليس بمنسوب، والكلام ناقص وفي موضع الخبر وليس بنصب، وإنما جاز التنوين في النعت إذا كان الاسم يستغني عن الابن أو ينسب إلى اسم معروف أو لقب غلب عليه، مثل محمد بن عبد الله ويزيد ابن عبد الله، لأن النعت والمنعوت كالشيء الواحد فينوّن في الخبر ويحذف في الصفة، وربما أثبتوا التنوين في الصفة، ويقول الشاعر، أنشده الفرّاء:\nوالّا تكن مال هناك فإنّه ... سيأتي ثنائي زيدا بن مهلهل\nوأنشد الكسائي [............] «٣» مذهبه.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) تفسير القرطبي: ٨/ ١١٦، وكذلك روى الأحاديث الآتية.\n(٣) كلام مطموس في الخطوط.","vol":"5","page":30},{"text":"وقال أبو عبيدة: هذا ليس بمنسوب إلى أبيه إنما هو كقولك: زيد ابن الأمير، وزيد بن عبد الله، فعزير يكون بعده خبر.\nومن ترك التنوين قال: لأنه اسم اعجمي ويشبه اسما مصغرا.\nوقال الفرّاء: لما كانت النون من عزير ساكنة [وهي نون التنوين] والباء من الابن ساكنة والتقى ساكنان حذف الأول منهما استثقالا لتحريكه، كما قال: لتجدني بالأمير برا، وبالقناة مدعا مكرا، إذا غطيف السلمّي فرّا «١» .\nفحذف النون الساكن الذي استقبلها، وقال الزجّاج: يجوز أن يكون الخبر محذوفا تقديره:\nعزير ابن الله معبودنا.\nقال عبيدة بن عمير: إنما قال هذه المقالة رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازورا وهو الذي قال: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ يستقرض «٢» .\nعطية العوفي عن ابن عباس قال: قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ فإنما قالوا ذلك من أجل أن عزيرا كان في أهل الكتاب، وكانت التوراة عندهم ما شاء الله أن يعلموا، ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق، وكان التابوت فيهم، فلمّا رأى الله ﷿ أنهم أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء وأذهبوا التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم، فأرسل الله ﷿ عليهم مرضا فاستطالت بطونهم حتى جعل الرجل يمسّ كبده، حتى نسوا التوراة ونسخت من صدورهم، وفيهم عزير فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا بعد ما نسخت التوراة من صدورهم، وكان عزير قبل من علمائهم فدعا عزير [الله] وابتهل إليه أن يرد إليه الذي نسخ من صدورهم، فبينما هو يصلي مبتهلا إلى الله ﷿ نزل نور من السماء فدخل جوفه، فعاد إليه الذي كان ذهب من جوفه من التوراة، فأذّن في قومه فقال: يا قوم قد آتاني الله التوراة وردّها إليّ فعلق يعلّمهم فمكثوا ما شاء الله أن يمكثوا وهو يعلّمهم، ثم إن التابوت ترك بعد ذلك، وبعد ذهابه منهم، فلمّا رأوا التابوت عرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلّمهم فوجدوه مثله، فقالوا: والله ما اتي عزير هذا إلا إنّه ابن الله «٣» .\nوقال السدّي وابن عباس في رواية عمار بن عمار: إنما قالت اليهود عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ لأنهم ظهرت عليهم العمالقة فقتلوهم وأخذوا التوراة وهرب علماؤهم الذين بقوا ودفنوا كتب التوراة في الجبال وغيرها، فلحق عزير بالجبال والوحوش، وجعل يتعبّد في الجبال، ولا يخالط ولا يخالط الناس ولا ينزل إلا يوم عيد، وجعل يبكي ويقول: يا رب تركت بني إسرائيل بغير عالم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٤، ولسان العرب: ٣/ ٤٣٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٤/ ٢٥٩.\n(٣) بتمامه في تفسير الطبري: ١٠/ ١٤٣. [.....]","vol":"5","page":31},{"text":"فجعل يبكي حتى سقطت أشفار عينيه، فنزل مرة إلى العيد فلمّا رجع إذا هو بامرأة قد خلت «١» له عند قبر من تلك القبور تبكي وتقول: يا مطعماه يا كاسياه.\nفقال لها عزير: يا هذه اتقي الله واصبري واحتسبي، أما علمت أنّ الموت سبيل الناس، وقال: ويحك من كان يطعمك ويكسوك قبل هذا الرجل- يعني زوجها الذي كانت تندبه- قالت:\nالله، قال: فإن الله حي لم يمت، قالت: يا عزير فمن كان يعلّم العلماء قبل بني إسرائيل؟ قال:\nالله، قالت: فلم تبكي عليهم، وقد علمت أن الموت حق وأن الله حي لا يموت، فلمّا عرف عزير أنه قد خصم ولّى مدبرا.\nفقالت له: يا عزير إنّي لست بامرأة ولكني الدنيا، أما إنّه ينبع ماء في مصلاك عين، وتنبت شجرة فكل من ثمرة تلك الشجرة واشرب من ماء تلك العين واغتسل وصلّ ركعتين فإنه يأتيك شيخ فما أعطاك فخذ منه، فلمّا أصبح نبعت من مصلّاه عين، ونبتت شجرة ففعل ما أمرته به، فجاء شيخ فقال له: افتح، قال: ففتح فاه وألقى فيه شيئا كهيئة الجمرة العظيمة مجتمعا كهيئة القوارير ثلاث مرات، ثم قال له: ادخل هذه العين فامش فيها حتى تبلغ قومك، قال: فدخلها فجعل لا يرفع قدمه إلا زيد في علمه حتى انتهى إلى قومه، فرجع إليهم وهو من أعلم الناس بالتوراة. فقال: يا بني إسرائيل قد جئتكم بالتوراة.\nقالوا: يا عزير ما كنت كاذبا، فربط على كل إصبع له قلما وكتب بأصابعه كلها حتى كتب التوراة على ظهر قلبه، فأحيا لهم التوراة، وأحيا لهم السنّة، فلمّا رجع العلماء استخرجوا كتبهم التي دفنوها من توراة عزير فوجودها مثلها، فقالوا: ما أعطاه الله ذلك إلا لأنه ابنه «٢» .\nوقال الكلبي: إن بختنصر لما ظهر على بني إسرائيل وهدم بيت المقدس وقتل من قرأ التوراة كان عزير إذ ذاك غلاما صغيرا فاستضعفوه، فلم يقبله ولم يدر أنه قرأ التوراة، فلمّا توفي مائة سنة ورجعت بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس منهم من يقرأ التوراة، فبعث الله ﷿ عزيرا ليجدد لهم التوراة ويكون آية لهم، فأتاهم عزير وقال: أنا عزير فكذّبوه وقالوا: إن كنت كما تزعم عزير فاتل علينا التوراة، فكتبها وقال: هذه التوراة.\nثم إن رجلا قال: إن أبي حدّثني عن جدي أن التوراة جعلت [لنبي] ثم دفنت في كوّم فانطلقوا معه حتى احتفرها وأخرجوا التوراة وعارضوا بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر منه حرفا ولا آية فعجبوا وقالوا: ابن الله، ما جعل التوراة في قلب رجل واحد بعد ما ذهبت من قلوبنا إلا أنه ابنه، فعند ذلك قالَتِ الْيَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.\n_________\n(١) في تفسير الطبري: مثلت.\n(٢) المصدر السابق بتفاوت.","vol":"5","page":32},{"text":"وأما النصارى [فقيل]: إنّهم كانوا على [دين واحد] سنة بعد ما رفع عيسى، يصلّون القبلة ويصومون رمضان، حتى وقع فيما بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له: يونس قتل جماعة من أصحاب عيسى ﵇، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فكفرنا وجحدنا والنار مصيرنا، فنحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، إني احتال فأضلّهم حتى يدخلوا النار، وكان لها فرس يقال له: العقاب يقاتل عليها فغرقت فرسه وأظهر الندامة ووضع على رأسه التراب.\nفقال له النصارى: من أنت؟ قال يونس: عدوكم [سمعت] «١» من السماء: ليس لك توبة إلا أن تتنصّر وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة ودخل بيتا سنة لا يخرج منه ليلا ولا نهارا حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال [لهم] «٢» إن الله قبل توبتك، فصدّقوه وأحبوه ثم مضى إلى بيت المقدس، واستخلف عليهم نسطور وعلّمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم وعلّمهم اللاهوت والناسوت وقال: لم يكن عيسى بإنس فتأنّس ولا بجسم فتجسّم ولكنّه ابن الله، وعلّم ذلك رجلا يقال له: يعقوب.\nثم دعا رجلا يقال له: ملكا وقال له: إن الله لم يزل ولا يزال عيسى ﵁، فلمّا استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدا واحدا، وقال لكل واحد منهم: أنت خليفتي، ولقد رأيت عيسى في المنام فرضي عني، وقال لكل واحد منهم: إني غدا أذبح نفسي فادع الناس للمذبحة، ثم دخل المذبحة فذبح نفسه، وقال: إنما أفعل ذلك لمرضاة عيسى، فلمّا كان يوم ثالثه دعا كل واحد منهم الناس إلى [نحلته] فتبع كل واحد طائفة من الناس واقتتلوا واختلفوا إلى يومنا هذا، فجميع النصارى من الفرق الثلاث.\nذلِكَ يعني قول النصارى: إن المسيح ابن الله قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يقولون بألسنتهم من غير علم.\nقال أهل المعاني: إن الله ﷿ لا يذكر قولا مقرونا بذكر الأفواه والألسن إلا وكان ذلك القول زورا كقوله تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، ويَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ، وقوله: كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا ... يُضاهِؤُنَ قال ابن عباس:\nيشبهون وعنه أيضا: يحكون، وقال مجاهد: يواطئون.\nوقال ذي نون: وفيه لفظان يُضاهِؤُنَ بالهمزة وهي قراءة عاصم، ويضاهون بغير همزة وهي قراءة العامة، يقال: ضاهيته وضاهأته بمعنى واحد قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قال قتادة\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق.\n(٢) كلمة غير واضحة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.","vol":"5","page":33},{"text":"والسدي: ضاهت النصارى قول اليهود من قبل، فقال النصارى: المسيح ابن الله كما قال اليهود: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقال مجاهد: يضاهئون قول المشركين حين قالوا اللات والعزى ومناة بنات الله، وقال الحسن: شبّه كفرهم بكفر الذين مضوا من الأمم الكافرة، وقال لمشركي العرب حين حكى عنهم، وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ، ثم قال: كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ وقال القتيبي: يريد إن من كان في عهد النبي ﷺ من اليهود والنصارى يقولون ما قال أوّلوهم.\nقاتَلَهُمُ اللَّهُ قال ابن عباس: لعنهم الله، وكل شيء في القرآن قتل هو لعن، ومثله قال أبان بن تغلب:\nقاتلها الله تلحاني وقد علمت ... أني لنفسي إفسادي وإصلاحي «١»\nوقال ابن جريج: قاتَلَهُمُ اللَّهُ وهو بمعنى التعجب أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي يكذبون، ويصرفون عن الحق بعد قيام الدلالة عليه اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ قال الضحاك: علماءهم، وقرأ:\nرهبان، وأحبار العلماء: واحدهم حبر وحبر بكسر الحاء وفتحها والكسر أجود، وكان يونس الجرمي يزعم أنه لم يسمع فيه إلا بكسر الحاء، ويحتج فيه بقول الناس: هذا محبر يريدون مداد عالم، والرهبان من النصارى أصحاب الصوامع وأهل الأصفاد في دينهم، يقال: راهب ورهبان مثل فارس وفرسان، وأصله من الرّهبة وهي الخوف كأنهم يخافون الله أَرْبابًا سادة مِنْ دُونِ اللَّهِ يطيعونهم في معاصي الله.\nمصعب بن سعد عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب. فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته ثم انتصب وهو يقرأ سورة براءة فقرأ هذه الآية: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ حتى فرغ منها فقلت له: إنّا لسنا نعبدهم، فقال: أليس يحرّمون حلال الله فتحرّمونه، ويحلّون ما حرّم الله فتحلّونه، قال:\nفقلت: بلى «٢» .\nقال أبو الأحوص: عن عطاء بن أبي البختري في قول الله ﷿: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا قال: أما [لو أمروهم] أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم ولكنّهم أمروهم فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية «٣» .\nوقال الربيع: قلت لأبي العالية كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: إنهم\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٨/ ١١٩.\n(٢) المعجم الكبير للطبراني: ١٧/ ٩٢.\n(٣) الأحكام لابن حزم: ٦/ ٨٨٣.","vol":"5","page":34},{"text":"وجدوا في كتاب الله ﷿ ما أمروا به ونهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء فما أمرونا بشيء ائتمرنا وما نهينا عنه فانتهينا، الرجال ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم.\nوقال أهل المعاني: معناه اتخذوا أحبارهم ورهبانهم كالأذناب حيث أطاعوهم في كل شيء، كقوله: قال انفخوا حتى إذا جعله نارا أي كالنار، وقال عبد الله المبارك:\nوهل بدّل الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها «١» .\nوَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ نزّه نفسه عَمَّا يُشْرِكُونَ القراءة بالياء وقرأ ابن أبي إسحاق بالتاء يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ أي يبطلوا دين الله بألسنتهم، بتكذيبهم إياه وإعراضهم عنه.\nوقال الكلبي: يعني يردون القرآن بألسنتهم تكذيبا له، وقال ابن عباس: يريد اليهود والنصارى أن يلزموا توحيد الرحمن بالمخلوقين الذين لا تليق بهم الربوبية، وقال الضحاك:\nيريدون أن يهلك محمد وأصحابه ولا يعبد الله بالإسلام.\nوَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ أي يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ وإنما أدخلت إلا لأن في أبت طرفا من الجحد، ألا ترى أنّ قولك يثبت أن أفعل ولما فيه من الحذف تقديره: وَيَأْبَى اللَّهُ كل شيء إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، كما قال:\nوهل لي أمّ غيرها أن تركتها ... أبى الله إلّا أن أكون لها ابنا\nهو الذي يعني يأبى إلّا إتمام دينه هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ يعني محمدا ﷺ بِالْهُدى قال ابن عباس: بالقرآن، وقيل: تبيان فرائضه على خلقه، وَدِينِ الْحَقِّ وهو الإسلام.\nوَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ أي يعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث به رسوله وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ... لِيُظْهِرَهُ ليعليه وينصره ويظفره عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ على سائر الملل كلها وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.\nواختلف العلماء بمعنى هذه الآية، فقال ابن عباس: الهاء عائدة على الرسول ﷺ يعني ليعلمه شرائع الدين كلها فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه منها شيء، وقال الآخرون: الهاء راجعة إلى دين الحق.\nقال أبو هريرة والضحاك: ذلك عند خروج عيسى ﵇ إذا خرج اتبعه كل دين وتصير الملل كلها واحدة، فلا يبقى أهل دين إلا دخل في الإسلام أو أدى الجزية إلى المسلمين.\n_________\n(١) الجهاد لابن المبارك: ٢٨.","vol":"5","page":35},{"text":"قال السدّي: وذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحد إلا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج «١» .\nوقال الكلبي: لا يبقى دين إلا ظهر عليه الإسلام وسيكون ذلك، ولم يكن بعد، ولا تقوم الساعة حتى يكون ذلك.\nقال المقداد بن الأسود: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلّا أدخله الله كلمة الإسلام إما يعز عزيز وإما يذل ذليل، إما يعزهم الله فيجعلهم من أهله فيعزّوا، وإما يذلّهم فيدينون له» [٨] «٢» .\nعن الأسود أو سويد بن العلاء عن أبي سلمة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات والعزى» [٩] .\nقالت: قلت: يا رسول الله ما كنت أظن أن يكون ذلك بعد ما أنزل الله على رسوله.\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ. قال: يكون ذلك ما شاء الله ﷿، ثم يبعث ريحا فيقبض كل من كان في قلبه مثقال ذرة من خير، ثم يبقي من لا خير فيه ويرجع الناس إلى دين آبائهم.\nوقال الحسين بن الفضل: معناه: ليظهره على الأديان كلها بالحجج الواضحة والبراهين اللامعة فيكون حجة هذا الدين أقوى، وقال بعضهم: قد فعل الله ذلك ونجزت هذه العدة لقوله سبحانه الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «٣» .\nوقال بعضهم: هو أن يظهر الإسلام في كل موضع كان يجري على أهلها صغار في أي موضع كانوا، لا يؤخذ منهم جزية كما يؤخذ من أهل الذمة.\nوقيل: معناه: ليظهره على الأديان كلها التي في جزيرة العرب فيظهره على دينهم ويغلبهم في ذلك المكان.\nوقيل: هو جريان حكمته عليهم والله أعلم.\n_________\n(١) زاد المسير لابن الجوزي: ٣/ ٢٩٠، وتفسير القرطبي: ٨/ ١٢١.\n(٢) مجمع الزوائد: ٦/ ١٤.\n(٣) سورة المائدة: ٣.","vol":"5","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-358>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٤ الى ٣٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ يعني العلماء والقرّاء من أهل الكتاب لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ أي يأخذون الرشوة في أحكامهم ويحرّفون كتاب الله ويكتبون بأيديهم كتبا يقولون: هذه من عند الله، ويأخذون بها ثمنا قليلا من سفلتهم، وهي المآكل التي كانوا يصيبونها منهم على تكذيبهم محمد ﷺ ولو آمنوا به لذهبت عنهم تلك المآكل وَيَصُدُّونَ ويصرفون الناس ويمنعونهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ دين الله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ يعني ويأكلون أيضا بالباطل الذين يكنزون الذهب والفضة.\nسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن المظفر بن محمد بن غالب الهمذاني يقول: سمعت إبراهيم بن محمد بن عرفة الإيجي بن نفطويه يقول: سمّي ذهبا لأنه يذهب فلا يبقى، وسمّيت فضة لأنها تنفض أي تتفرق ولا تبقى، وحسبك الأسمان دلالة على فنائهما، والله أعلم فيها.\nواختلف العلماء في معنى الكنز: فروى نافع عن ابن عمر قال: كل مال آتى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وكل مال لم يؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان فوق الأرض.\nومثله قال ابن عباس والضحاك والسدّي، ويدلّ عليه ما روي عن ابن الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: إذا أخرجت الصدقة من مالك فقد أذهبت شره وليس بكنز.\nوقال سعيد بن المسيب: سأل عمر رجلا عن أرض باعها فقال: [أحسن موضع هذا المال؟ فقال: أين أضعه؟] قال: احفر تحت فراش امرأتك. فقال: يا أمير المؤمنين أليس بكنز، قال: ما أدّى زكاته فليس بكنز «١» .\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: كل ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، أدّيت منه الزكاة أم لم تؤدّ، وما دونها نفقة.\nوقال عن الوليد بن زيد: كل ما فضل من المال عن حاجة صاحبه إليه فهو كنز.\nمنصور عن عمر بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان قال لما نزلت هذه الآية\n_________\n(١) مصنف عبد الرزاق: ٤/ ١٠٨ ح ٧١٤٦ وتصويب العبارة منه.","vol":"5","page":37},{"text":"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ قال النبي ﷺ: «تبّا للذهب وتبّا للفضة» يقولها ثلاثا: فشقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقال المهاجرون: فأي المال نتّخذ؟ فقال عمر: فإنّي أسال النبي ﷺ عن ذلك، قال: فأدركته فقلت: يا رسول الله إن المهاجرين قالوا: أي المال نتّخذ؟\nفقال رسول الله ﷺ: «لسانا ذاكرا وقلبا شاكرا وزوجة مؤمنة تعين أحدكم على دينه» «١» [١٠] .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان أخبر طليحة بن عبدان، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا محمد بن عبدل، حدّثنا الأعمش عن [المعرور] بن سويد عن أبي ذر قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو في قبال الكعبة فلمّا رآني قد أقبلت قال: هم الأخسرون وربّ الكعبة، هم الأخسرون وربّ الكعبة، هم الأخسرون وربّ الكعبة.\nقال: فدخلني غمّ وما أقدر أن أتنفس قلت: هذا شيء حدث فيّ، قلت: من هم فداك أبي وأمي؟ قال: المكثرون إلا من مال بالمال في عباد الله هكذا وهكذا عن يمينه وعن شماله ومن فوقه وبين يديه وعن [..........] «٢» كل صفراء وبيضاء أولى عليها صاحبها فهو كنز [..........] «٣» من ترك خير الشيء فهي له يوم القيامة «٤» .\nوروى طلحة بن عبد الله بن كريز الخزاعي عن أبي الضيف عن أبي هريرة قال: من ترك عشرة آلاف درهم جعل صفائح يعذّب بها صاحبها يوم القيامة قبل القضاء، وعن سلمان بن ثروان قال: سمعت عمار بن ياسر يقول: إن أهل المائدة سألوا المائدة ثم نزلت فكفروا بها، وإن قوم صالح سألوا الناقة فلمّا أعطوها كفروا بها، وانكم قد نهيتم عن كنز الذهب والفضة فستكنزونها، فقال رجل نكنزها [وقد سمعنا] قوله؟ قال: نعم، ويقتل عليه بعضكم بعضا،\nوقال شعبة: كان فصّ سيف أبي هريرة من فضة فنهاه عنها أبو ذر، وقال: إنّ رسول الله ﷺ قال:\n«من ترك صفراء وبيضاء كوي بها» [١١] «٥» .\nوروى قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي امامة صديّ بن عجلان قال: إن رجلا توفي من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال النبي ﷺ: «كيّة» ثم توفي رجل آخر فوجد في مئزره ديناران فقال ﵇: «كيّتان» [١٢] «٦» .\nوأولى الأقاويل بالصواب القول الأول لأن الوعيد وارد في منع الزكاة لا في جمع المال\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٦٦.\n(٢) كلام مطموس في الأصل. [.....]\n(٣) كلام مطموس في الأصل.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٣٠٩، بتفاوت وبدون ذيل الحديث.\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥٣.\n(٦) تفسير الطبري: ١٠/ ١٥٤.","vol":"5","page":38},{"text":"الحلال.\nيدل عليه قول النبي ﷺ: «من أدى زكاة ماله فقد أدى الحق الذي عليه، ومن زاد فهو خير له» «١» .\nوقال ﷺ: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» [١٣] «٢» .\nوقال ابن عمر وسئل عن هذه الآية فقال: من كنزها ولم يؤدّ زكاتها فويل له. ثم قال: لا أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكّيه وأعمل بطاعة الله ﷿.\nأما أصل الكنز في كلام العرب: كل شيء مجموع بعضه على بعض، على ظهر الأرض كان أو في بطنها. يدلّ على ذلك قول الشاعر:\nلا درّيّ إن أطعمت نازلهم ... [قرف الحتي] وعندي التبر مكنوز «٣»\nأراد: مجموع بعضه إلى بعض والحتي: مذر المقل، وكذلك يقول العرب للشيء المجتمع: مكتنز لانضمام بعضه إلى بعض.\nقرأ يحيى بن عمر يَكْنُزُونَ بضم النون، وقراءة العامة بالكسر، وهما لغتان مثل يَعْكُفُونَ ويعكُفون، ويَعْرِشُونَ ويعرُشون وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولم يقل فينفقونهما، اختلف النحاة فيه، قال قطرب: أراد الزكاة أو الكنوز أو [.....] «٤» الذهب والفضة، وقال الفرّاء: استغنى بالخبر عن أحدهما في عائد الذكر عن الآخر لدلالة الكلام على أن الخبر على الآخر مثل الخبر عنه، وذلك موجود في كلام العرب وأخبارهم، قال الشاعر:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف «٥»\nوقال ابن الأنباري: قصد الأغلب والأعم لأن الفضة أعم والذهب [أخص] مثل قوله وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ «٦» ردّ الكناية إلى الصلاة لأنّها أعم، وقوله: رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها «٧» ردّ الكناية إلى التجارة لأنها أعم وأفضل.\nفَبَشِّرْهُمْ فأخبرهم وأنذرهم بِعَذابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها أي يدخل النار مرتديا\n_________\n(١) الجامع الصغير للسيوطي: ٢/ ٥٦٠/ ح ٨٣٦.\n(٢) كشف الخفاء للعجلوني: ٢/ ٣٢٠/ ح ٢٨٢٣.\n(٣) لسان العرب: ٤/ ٥٥، والصحاح: ٦/ ٢٣٠٨.\n(٤) كلمة غير واضحة في الأصل.\n(٥) مغني اللبيب: ٢/ ٦٢٢. لسان العرب: ٣/ ٣٦٠، وقد نسب هذا البيت إلى قيس بن العظيم أحد فحول الشعراء في الجاهلية انظر شرح ابن عقيل: ١/ ٢٤٤، الهامش.\n(٦) سورة البقرة: ٤٥.\n(٧) سورة الجمعة: ١١.","vol":"5","page":39},{"text":"بعض الكنوز، ومنه يقال: حميت الحديدة في النار فَتُكْوى فتحرق بِها جِباهُهُمْ جباه كانزيها وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ.\nقال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله غيره ما من رجل يكوى، يكنز موضع دينار على دينار ودرهم على درهم، ولكن يوسع جلده فيوضع كل دينار ودرهم على خدّيه.\nوسئل أبو بكر الوراق: لم خص الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ فقال: لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير انقبض، فإذا ضمّه وإياه مجلس ازورّ عنه وولّى ظهره عليه، وقال محمد بن علي الترمذي: ذلك لأنّه يبذخ ويستكبر بماله ويقع على كنزه بجنبيه ويتساند إليه.\nوقال الأحنف بن قيس: قدمت المدينة، فبينما أنا في حلقة فيها ملأ من قريش إذ جاء رجل خشن الثياب، خشن الجسد، خشن الوجه فقام عليهم، فقال: بشّر الكنّازين برضف «١» يحمى عليه في نار جهنم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثدييه، ويزلزل ويكوي الجباه والجنوب والظهور حتى تلتقي الحمة في أجوافهم.\nقال: فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا، قال: فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية فقلت: ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم، فقال: إن هؤلاء لا يعقلون شيئا «٢» .\nهذا أي يقال لهم: هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ كقوله: فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي تجحدون حقوق الله في أموالكم وتمنعونها.\nواختلف العلماء في حكم هذه الآية، وفيمن نزلت منهم، فروى ابن شهاب عن خالد بن زيد بن أسلم عن ابن عمر وسئل عن قوله تعالى الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فقال ابن عمر:\nإنّما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلمّا نزلت جعلها الله تطهير الأموال.\nمجاهد عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا يبقي لولده ما لا يبقي بعده، فقال عمر ﵁: أنا أفرّج عنكم فانطلقوا، وانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إنّه قد كبر على أصحابك هذه فقال: «إن الله ﷿ لم يفرض الزكاة إلا ليطيّب بها ما بقي من أموالكم وإنما فرض المواريث في أموال\n_________\n(١) الرضف: حجارة على وجه الأرض قد حميت (لسان العرب: ٩/ ١٢١) .\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٠/ ١٦٠. صحيح ابن حبّان: ٨/ ٥١.","vol":"5","page":40},{"text":"تبقى بعدكم» ثم قال: «الا أخبركم بخير ما يكنز المرء، المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، فإذا غاب عنها حفظته» «١» [١٤] .\nوقال بعض الصحابة: هي في أهل الكتاب خاصة، وقال السدّي: هي في أهل القبلة، وقال الضحاك: هي عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين، من كسب مالا حلالا فلم يعط حق الله منه كان كنزا وإن قلّ فكان على وجه الأرض، وما أعطي حق الله منه لم يكن كنزا وإن كان كثيرا ودفنه في الأرض.\nعن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا انا بأبي ذر فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الآية، فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينهم كلام في ذلك فكتب إلى عثمان ﵁ يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة، فقدمتها فكثر الناس علي حتى كأنّهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحّيت فكنت قريبا، فذلك الذي أنزلني هذه المنزل، ولو أمّروا عليّ جيشا لسمعت وأطعت.\nوقال بعضهم: نزلت في مانعي الزكاة خاصة، وهو أولى الأقاويل بالصحة، يدلّ عليه ما\nروى سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلّا حمي عليه في نار جهنم، فجعل صفائح فيكوي بها جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرسله أمّا إلى الجنّة وأمّا إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلجاء كلّما مضى عليه أخراها ردّت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرسله إما إلى الجنة وأمّا إلى النار، وما من صاحب أبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت [.........] «٢» كلّما مضى عليها أخراها ردّت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرسله أما إلى الجنة وأما إلى النار» [١٥] «٣» . قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أو لا؟\nوروى ثوبان أن النبي ﷺ كان يقول: «من ترك بعده كنزا مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يتبعه، يقول: ويلك ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته بعدك، فلا يزال يتبعه حتى يلقمه يده فيقضمها، ثم يلقمه سائر جسده» [١٦] «٤» .\n_________\n(١) سنن أبي داود: ١/ ٣٧٥. [.....]\n(٢) كلام غير مقروء في المخطوط.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٢٦٢، بتفاوت يسير.\n(٤) تفسير الطبري: ١٠/ ١٦٠، ومسند أحمد: ٢/ ١٥٦. ٢٧٩، بتفاوت، وكتاب المسند للشافعي: ٨٧.","vol":"5","page":41},{"text":"إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ يعني عدد شهور السنة عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ قراءة العامة بفتح العين والشين، وقرأ أبو جعفر بجزم الشين، وقرأ طلحة بن سليمان بسكون الشين، شَهْرًا نصب على التمييز.\nوهي المحرم وصفر وشهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر وجمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة.\nوأما المحرم فسمي بذلك لتحريم القتال فيه، وسمي صفر لأن مكة تصفر من الناس فيه أي تخلو منهم، وقيل: وقع فيه وباء فاصفرّت وجوههم، وقال أبو عبيدة: سمّي صفر لأنه صفرت فيه وطابهم «١» من اللبن، وشهرا الربيع سمّيا بذلك لجمود الماء فيهما، وسمّي رجب لأنهم كانوا يرجبونه أي يعظمونه، رجبته ورجّبته بالتخفيف والتشديد إذا عظمته، قال الكميت:\nولا غيرهم أبغي لنفسي جنّة ... ولا غيرهم ممن أجلّ وأرجب\nوقيل: سمي بذلك لترك القتال فيه من قول العرب: رجل أرجب إذ كان أقطع لا يمكنه العمل،\nوروي عن النبي ﷺ أنّه قال: إن في الجنة نهرا يقال له رجب ماؤه أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل، من صام يوما من رجب شرب منه «٢»\n، وقال عمر: سمّي شعبان لتشعب القبائل فيه.\nوروى زياد بن ميمون أن النبي ﷺ قال: «سمّي شعبان لأنه يتشعب فيه خير كثير لرمضان» [١٧] «٣» .\nوقد مضى القول في رمضان، وسمّي شوال لشولان النوق اللقاح بأذنابها فيه «٤» .\nقال أبو زيد البلخي: سمّي بذلك لأن القبائل تشول فيه أي تبرح عن أماكنها، وسمّي ذو القعدة لقعودهم عن القتال، وذو الحجة لقضاء حجهم فيه، والله أعلم.\nقال بعض البلغاء: إذا رأت العرب السادات تركوا العادات وحرموا الغارات قالوا:\nمحرم، وإذا ضعفت أركانهم ومرضت أبدانهم، واصفرت ألوانهم قالوا: صفر، وإذا ظهرت الرياحين وزهرت البساتين قالوا: ربيعان، وإذا قل الثمار وجمد الماء قالوا: جماديان، فإذا هاجت البحار وحمت الأنهار وترجبت الأشجار قالوا: رجب، وإذا بانت الفضائل وتشعبت القبائل قالوا: شعبان، وإذا حمي الفضا، ونفي جمر الغضاء قالوا: رمضان، وإذا انكشف\n_________\n(١) الوطب: سقاء اللبن وهو جلد الجذع فما فوقه.\n(٢) فضائل الأوقات للبيهقي: ٩٠.\n(٣) كنز العمّال: ٨/ ٥٩١/ ح ٢٤٢٩٣.\n(٤) لسان العرب: ١١/ ٣٧٧.","vol":"5","page":42},{"text":"السحاب، وكثرت الذباب وشالت الناقة إلا ذبحوها قالوا: شوال، وإذا قعد التجار عن الأسفار قالوا: ذو القعدة، وإذا قصدوا الحج من كل فج، وأظهروا النج والعج قالوا: ذو الحجة.\nفِي كِتابِ اللَّهِ يعني اللوح المحفوظ وقيل في قضائه الذي قضى يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها من الشهور أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ كانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة ومحرم، واحد فرد وثلاثة سرد «١» .\nذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ الحساب المستقيم فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ أي في الأشهر الحرم بالعمل بمعصية الله ﷿ وترك طاعته، وقال ابن عباس: استحلال القتال والغارة فيهن، وقال محمد بن إسحاق عن يسار: لا تجعلوا حلالها حراما ولا حرامها حلالا كما فعل أهل الشرك، وقال قتادة: إن العمل الصالح والأجر أعظم في الأشهر الحرم، والذنب والظلم فيهن أعظم من الظلم فيما سواهنّ، وإن كان الظلم على كل حال عظيم، ولكن الله يعظم من أمره ما شاء كما يصطفي من خلقه صفايا.\nوَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً جميعا عامّا مؤتلفين غير مخلّفين كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً نصب على الحال وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.\nواختلف العلماء في تحريم القتال في الأشهر الحرم فقال قوم: إنه منسوخ، وقال قتادة وعطاء الخرساني: كان القتال كثيرا في الأشهر الحرم ثم نسخ وأحل القتال فيه بقوله وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً يقول: فيهن وفي غيرهنّ.\nقال الزهري: كان رسول الله ﷺ يحرّم القتال في الأشهر الحرم بما أنزل الله سبحانه من تحريم ذلك حتى نزلت براءة فأحل قتال المشركين\n، وقال أبو إسحاق: سألت سفيان الثوري عن القتال في الشهر الحرام فقال: هذا منسوخ، وقد مضى، ولا بأس بالقتال فيه وفي غيره، قالوا:\nلأن النبي ﷺ غزا هوازن بحنين وثقيفا بالطائف في شوال وبعض ذي القعدة فيدل على أنه منسوخ\n، وقال آخرون: إنه غير منسوخ، وقال ابن جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح ما يحلّ للناس أن يغزوا في المحرم ولا في الأشهر الحرم إلا أن يقاتلوا فيها وما نسخت، وقال ابن حيان نسخت هذه الآية كل آية فيها رخصة.\nإِنَّمَا النَّسِيءُ قرأ الحسن، وعلقمة وقتادة ومجاهد ونافع غير ورش وأبو عامر وعيسى والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: النسيء ممدود مهموز، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم، وهو مصدر كالخرير والسعير والحريق ونحوها، ويجوز أن يكون مفعولا مصروفا إلى\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٦/ ٣٩.","vol":"5","page":43},{"text":"فعيل مثل الجريح والقتيل والغريق، تقديره: إنما الشهر المؤخّر، وقرأ أبو عبد الرحمن وطلحة والأشهب وشبل: (إِنَّمَا النَّسْئُ) ساكنة السين مهموزة على المصدر لا غير، وقرأ أبو عمرو وورش «١» النسيّ بالتشديد من غير همزة.\nوروي ذلك عن ابن كثير على معنى النسيّ أي المتروك قال الله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ من النسيان، ويحتمل أن يكون أصله الهمز مخفف، واختلفوا في أصل الكلمة، فقال الأخفش:\nهو من التأخير ومنه النسيئة في البيع، ويقال: أنسأ الله أجله، ونسأ في أجله أي أخّره، وقال قطرب: هو من الزيادة، وكل زيادة حدثت في شيء فهو نسيء، وكذلك قيل للبن إذ كثر بالماء نسئ، ونسؤ، وللمرأة الحبلى نسؤت، لزيادة الواو فيها، وقد نسأت الناقة وأنسأتها إذا زجرتها ليزداد سيرها، وقال قتادة: عهد ناس من أهل الضلالة فزادوا صفرا في الأشهر الحرم، وكان يقوم قائمة في الموسم ويقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت المحرم فيحرمونه ذلك العام، ثم يقوم في العام المقبل فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرّمت صفر فيحرمونه ذلك العام وكان يقال لهما: صفران.\nوأما معنى النسيء وبدوّ أمره على ما ذكره العلماء بألفاظ مختلفة ومعنى متفق، فهو إن العرب كانت تحرّم الشهور الأربعة وكان ذلك مما تمسّكت به من ملّة إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل، وكان العرب أصحاب حروب وغارات فشق عليهم أن يمكثوا ثلاثة أشهر متوالية لا يغزون فيها، وقالوا: لئن توالت علينا ثلاثة أشهر حرم لا نصيب فيها شيئا لنجوعنّ، وإنما نصيب على ظهر دوابنا فربّما احتاجوا مع ذلك إلى تحليل المحرم أو غيره من الأشهر الحرم لحرب تكون بينهم فيكرهون استحلاله ويستحلون المحرم.\nوكانوا يمكثون بذلك زمانا يحرّمون صفر، وهم يريدون به المحرم ويقولون: هو أحد الصفرين، وقد تأوّل بعض الناس قول النبي ﷺ: ولا صفر، على هذا ثم يحتاجون أيضا إلى تأخير الصفر إلى الشهر الذي بعده كحاجتهم إلى تأخير المحرم، فيؤخّرون تحريمه إلى ربيع، ثم يمكثون بذلك ما شاء الله، ثم يحتاجون إلى مثله، ثم كذلك فكذلك يتدافع شهرا بعد شهر حتى استدار التحريم على السنة كلّها، فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى وضعه الذي وضعه الله ﷿ وذلك بعد عمر طويل.\nوقال مجاهد: كان المشركون يحجّون في كل شهر عامين، فحجّوا في ذي الحجة عامين، ثم حجّوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر عامين، وكذلك في الشهور التي وافقت حجة أبي بكر التي حجها قبل حجة الوداع السنة الثانية من ذي القعدة، ثم حج النبي ﷺ في العام القابل حجة الوداع فوافقت ذي الحجة، فذلك حين\nقال النبي ﷺ في خطبته: «ألا إن الزمان قد ابتدأ فدعيت يوم خلق السموات والأرض إن السنة اثْنا عَشَرَ شَهْرًا ...، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثلاث\n_________\n(١) ورش: وهو أبو سعيد وأبو عمرو عثمان بن سعيد بن عبد الله بن عمرو.","vol":"5","page":44},{"text":"متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب الذي بين جمادى وشعبان» [١٨] «١» .\nأراد ﷺ أنّ الأشهر الحرم رجعت إلى مواضعها وعاد الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء.\nواختلفوا في أول من نسأ، فقال ابن عباس وقتادة والضحاك: أوّل من نسأ بنو مالك بن كنانة وكان [يليه] أبو ثمامة عبادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كل عام على حمار فيقول: أيّها الناس إني أحدّث ولا أخاف ولا مردّ لما أقول. إنّا قد حرمنا المحرم، وأخّرنا صفر، ثم يجيء العام المقبل فيقول: إنّا قد حرّمنا صفر وأخّرنا المحرم.\nوقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة، وكان يكون قبل الناس بالموسم، وإذا همّ الناس بالصّدر قام فخطب الناس فقال: لا مردّ لما قضيت، أنا الذي لا أغاب ولا أخاب فيقول له المشركون: لبيك، ثم يسألهم أن ينسئهم شهرا يغيّرون فيه، فيقول:\nإن القتال العام حرام، وإذا قال ذلك حلّوا الأوتار وقرعوا الأسنّة والأزجّة، وإن قال: حلال عقدوا الأوتار وشددوا الأزجّة وأغاروا على الناس.\n[وقيل بعد] نعيم بن ثعلبة رجل يقال له: جنادة بن عوف وهو الذي أدركه رسول الله (ﷺ) .\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس أن أوّل من نسأ النسيء عمرو بن لحي بن بلتعة بن خندف، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هو رجل من بني كنانة يقال له القلمّس في الجاهلية، وكان أهل الجاهلية لا يغير بعضهم على بعض في الأشهر الحرم، يلقي الرجل قاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له فيقول قائلهم: اخرجوا بنا فيقال له: هذا المحرم، فيقول القلمّس: إني قد نسأته العام صفران، فإذا كان العام المقبل قضينا فجعلناهما محرمين، وقال [............] «٢» وقال الكميت:\nألسنا الناسئين على معدّ ... شهور الحلّ نجعلها حراما «٣»\nفهو النسيء الذي قال الله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ ... زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ قرأ أهل المدينة وعاصم وأبو عمرو يَضِلُّ بفتح الياء وكسر الضاد، واختاره أبو حاتم لأنه ضمّ الضالون لقوله بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا وقرأ أبو رجاء والحسن وأبو عبد الرحمن وقتادة ومجاهد وابن محيصن: يَضِلُّ مكسورة الضاد، ولها وجهان: أحدهما أن يكون الَّذِينَ كَفَرُوا في محل النصب أي يضل الله به الذين كفروا.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٧.\n(٢) كلام مطموس في الأصل.\n(٣) لسان العرب: ١/ ١٦٧.","vol":"5","page":45},{"text":"والوجه الثاني أن يكون الَّذِينَ في محل رفع على معنى يضل به الذين كفروا الناس المفسدين منهم، وقرأ أهل الكوفة: يُضَلُّ بضم الياء وفتح الضاد وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيدة لقوله زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ ويُحِلُّونَهُ يعني النسيء عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا ليوافقوا، قال ابن عباس: ليشبهوا، قال المؤرّخ: هو أنهم لم يحلّوا شهرا من الحرم إلا حرّموا مكانه شهرا من الحلال، ولم يحرّموا شهرا من الحلال إلّا أحلوا مكانه شهرا من الحرم لئلّا تكون الحرم أكثر من أربعة أشهر ممّا حرم الله فيكون موافقا للعدد، فذلك المراد.\nفَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>[سورة التوبة (٩): الآيات ٣٨ الى ٤١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠) انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ الآية فيها حثّ من الله سبحانه لأصحاب رسول الله ﷺ على غزوة تبوك، وذلك\nأن رسول الله ﷺ لما رجع من الطائف أمر بالجهاد لغزوة الروم، وذلك في زمان عسرة من الناس وجدب من البلاد وشدة من الحر [حين] فأحرقت النخل وطابت الثمار وعظم على الناس غزوة الروم، وأحبّوا الظلال والمقام في المسكن والمال، فشقّ عليهم الخروج إلى القتال، وكان رسول الله ﷺ قلّ ما خرج في عزوة الّا كنّى عنها وورّى بغيرها إلا غزوة تبوك لبعد شقتها وكثرة العدو ليتأهب الناس وأمرهم بالجهاد، وأخبرهم بالذي يريد\n، فلمّا علم الله تثاقل الناس، انزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ أي شيء أمركم إِذا قِيلَ لَكُمُ إذا قال لكم رسول الله انْفِرُوا اخرجوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وأصل النفر مفارقة مكان إلى مكان آخر لأمر هاج على ذلك، فقالت نفر فلان إلى ثغر كذا، ينفر نفرا ونفورا، ومنه نفور الدابة ونفارها اثَّاقَلْتُمْ تباطأتم.\nقال المبرّد: أخلدتم إِلَى الْأَرْضِ ومعناه: لزمتم أرضكم ومساكنكم، وأصله تثاقلتم فأدغمت التاء في الثاء وأخرجت لها ألف يوصل إلى الكلام بها حين الابتداء بها، كقوله حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها «١» وقالُوا: اطَّيَّرْنا وأرجفت، العلاء والكسائي.\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٣٨.","vol":"5","page":46},{"text":"تولى الضجيج إذا ما اشتاقها خضرا ... عذب المذاق إذا ما اتَّابع القبل\nأي إذا تتابع.\nأَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ أي أرضيتم الدنيا ودعتها عوضا من نعيم الآخرة وثوابها فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ثم أوعدهم على ترك الجهاد إِلَّا تَنْفِرُوا وقرأ عبيد بن عمير تُنْفِرُوا بضم الفاء وهما لغتان يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا في الآخرة، وقيل: هو احتباس القطر عنهم،\nسئل نجدة بن نفيع عن ابن عباس عن هذه الآية فقال: إنّ رسول الله ﷺ استنفر حيا من أحياء العرب فتثاقلوا عنه، فأمسك عنهم المطر فكذلك كان عذابهم «١» وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ خيرا منكم وأطوع\n، قال سعيد بن جبير: هم أبناء فارس، وقال أبو صلاح: هم أهل اليمن وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا بترك النفير وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ هذا إعلام من الله أنه هو المتكفّل بنصر رسوله وإظهار دينه أعانوه أو لم يعينوه، وأنه قد نصره حين كان أولياؤه قليلا وأعدائه كثيرا، فكيف به اليوم وهو في كثرة من العدد والعدّة فقال عزّ من قائل: إِلَّا تَنْفِرُوا أيها المؤمنون إذا استنفركم، ولا تنصروه إذا استنصركم فالله يعينه يعوّضه عنكم كما نصره إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا.\nوقيل: [معناه]: إن لم تنصروه فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا من مكة حين مكروا به وأرادوا [إخراجه] وهموا بقتله ثانِيَ اثْنَيْنِ نصب على الحال، وهو أحد الاثنين، والاثنين رسول الله وأبو بكر الصديق إِذْ هُما فِي الْغارِ وهو نقب في جبل بمكة يقال له ثور إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ أبي بكر ﵁ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا للعون والنصرة، ولم يكن حزن أبي بكر ﵁ جبنا منه ولا سوء ظن وإنما كان إشفاقا على رسول الله ﷺ، يدلّ عليه أنه قال: يا رسول الله إن قتلت فأنا رجل واحد، وإن قتلت هلكت الأمة.\nهمام عن ثابت عن أنس أن أبا بكر حدّثه قال: قلت للنبي ﷺ ونحن في الغار: لو أن أحدا نظر إلى تحت قدميه لأبصرنا فقال: يا أبا بكر ما ظنّك باثنين الله ثالثهما.\nقال مجاهد مكث رسول الله ﷺ في الغار ثلاثا.\nقال عروة: كان لأبي بكر منيحة من غنم فكان عامر بن فهيرة يروح بتلك الغنم على النبي ﷺ في الغار.\nوقال قتادة: كان عبد الرحمن بن أبي بكر يختلف إليهما، فلمّا أراد رسول الله ﷺ الخروج دعاهم وكانوا أربعة: النبي ﷺ، وأبو بكر وعامر بن فهيرة وعبد الله بن أريقط الليثي.\nقال الزهري: لما دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر الغار أرسل الله زوجا من حمام حتى\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٧٤. [.....]","vol":"5","page":47},{"text":"باضا أسفل النقب، والعنكبوت حتى نسج بيتا، فلمّا جاء سراقة بن مالك في طلبهما فرأى بيض الحمام وبيت العنكبوت، قال لو دخلاه لتكسر البيض، وتفسخ بيت العنكبوت، فانصرف.\nوقال النبي: «اللهم أعم أبصارهم» [١٩] فعميت أبصارهم عن دخوله، وجعلوا يضربون يمينا وشمالا حول الغار.\nروى السري بن يحيى عن محمد بن سيرين قال: ذكر رجال على عهد عمر بن الخطاب فكأنّهم فضّلوا عمر على أبي بكر، قال: فبلغ ذلك عمر فقال: والله لليلة من أبي بكر خير من آل عمر، وليوم من أبى بكر خير من آل عمر، لقد خرج رسول الله ﷺ ليلة انطلق إلى الغار ومعه أبو بكر فجعل يمشي وساعة بين يديه وساعة خلفه حتى وصل رسول ﷺ، فقال: يا أبا بكر ما لك تمشي ساعة بين يدي وساعة خلفي فقال: يا رسول الله أذكر الطلب فأمشي خلفك ثم أذكر الرصد يديك، فقال: يا أبا بكر لو كان شيء أحببت أن يكون بك دوني؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق.\nفلما أتيا إلى الغار قال أبو بكر ﵁: مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ الغار «١»، فدخل فاستبرأ حتى إذا كان في أعلاه ذكر أنّه لم يستبرئ الحجر، فقال مكانك يا رسول الله حتى استبرئ الحجر فدخل فاستبرأ ثم قال: انزل يا رسول الله فنزل، فقال عمر: والذي نفسي بيده لتلك الليلة خير من آل عمر.\nأبو عوانة عن فراس عن الشعبي قال: لقد عاتب الله أهل الأرض جميعا غير أبي بكر ﵁ في هذه الآية، وقال أبو بكر:\nقال النبي ولم يجزع يوقّرني ... ونحن في شدة من ظلمة الغار\nلا تخش شيئا فإن الله ثالثنا ... وقد توكل لي منه بإظهار\nوإنما كيد من تخشى بوادره ... كيد الشياطين كادته لكفّار\nوالله مهلكهم طرا بما كسبوا ... وجاعل المنتهى منها إلى النار «٢»\nفَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ سكونه وطمأنينته عَلَيْهِ أي على رسول الله ﷺ، وقال ابن عباس:\nعلى أبي بكر، فأمّا النبي ﷺ فكانت السكينة عليه قبل ذلك وَأَيَّدَهُ قرأ مجاهد: وآيده بالمد بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى أي المقهورة المغلوبة وَكَلِمَةُ اللَّهِ رفع على مبتدأ وقرأ يعقوب: وَكَلِمَةَ اللَّهِ على النصب على العطف هِيَ الْعُلْيا العالية.\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٣/ ٢٢١.\n(٢) سبل الهدي والرشاد: ٣/ ٣٤٩، وذكر بقية الأبيات. والبداية والنهاية: ٣/ ٢٢٤، ولم يذكر إلّا البيتين الأولين، وفيه: ونحن في سدف من ظلمة الغار.","vol":"5","page":48},{"text":"قال ابن عباس: الكلمة السفلى: كلمة الشرك، والعليا: لا إله إلّا الله وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا قال أبو الضحى: أول آية نزلت من براءة هذه الآية وقال مقاتل: قالوا:\nفينا الثقيل وذو الحاجة والضيعة، والشغل والمنتشر أمره، فأنزل الله ﷿ هذه الآية، وأبى أن يعذرهم.\nواختلفوا في معنى الخفاف والثقال، فقال أنس والحسن والضحاك ومجاهد وقتادة وعكرمة وشمر بن عطية ومقاتل بن حيان: مشاغيل، وقال الحكم: مشاغيل وغير مشاغيل. الحسن:\nمشاغيل، وقال أبو صالح: خفافا من المال، أي فقراء وثقالا منه أي أغنياء، وقال ابن زيد:\nالثقيل الذي له الضيعة فهو ثقيل يكبره بأن يضع ضيعته من الخفيف الذي لا ضيعة له. قال:\nنشاط وغير نشاط، وقال عطية العوفي: ركبانا ومشاة، وقال مرة الهمذاني: أصحّاء ومرضى، وقال يمان بن رباب: عزّابا ومتأهلين.\nوقيل: خفافا مسرعين غير خارجين ساعة اتباع النفير. قال: خفّ الرجل خفوفا إذا مشى مسرعا، وثقالا أي بعد التروية فيه والاستعداد له.\nوقيل: خفافا من السلاح أي مقلّين منه وثقالا مستكثرين منه، فالعرب تسمي الأعزل مخفّا.\nوقيل: خِفافًا من ماشيتكم وأبنائكم وَثِقالًا متكثّرين بهم وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ علي بن زيد عن أنس: إن أبا طلحة قرأ سورة براءة فأتى على هذه الآية انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا فقال: أي بني جهّزوني جهّزوني. فقال بنوه:\nيرحمك الله قد غزوت مع النبي ﷺ حتى مات، ومع أبي بكر وعمر ﵄ حتى ماتا، فنحن نغزو عنك، فقال: جهزوني، فغزا البحر فمات في البحر فلم يجدوا له جزيرة يدفنونه فيها إلّا بعد سبعة أيام فدفنوه فيها فلم يتغير «١» .\nوقال الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزوة وقد ذهبت إحدى عينيه، فقيل له: إنّك عليل، صاحب ضرّ فقال استنفر له الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنني الحرب كثّرت السواد وحفظت المتاع.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٨/ ١٥٥.","vol":"5","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>[سورة التوبة (٩): الآيات ٤٢ الى ٤٩]</span>\nلَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣) لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦)\nلَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩)\nثم نزل في المتخلفين عن غزوة تبوك من المنافقين لَوْ كانَ اسمه مضمر أي لو كان ما يدعوهم إليه عَرَضًا قَرِيبًا غنيمة حاضرة وَسَفَرًا قاصِدًا وموضعا قريبا.\nقال المبرّد: قاصِدًا أي ذا قصد نحو تامر ولابن «١»، وقيل: هو طريق مقصود فجعلت صفته على [فاعلة بمعنى مفعولة] كقوله عِيشَةٍ راضِيَةٍ «٢» أي مرضية. لَاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ يعني المسافة وقال الكسائي: هي الغزاة التي يخرجون إليها، وقال قطرب: هي السفر البعيد سمّيت شقة لأنّها تشقّ على الإنسان، والقراءة بضم الشين وهي اللغة الغالبة، وقرأ عبيد ابن عمير بكسر الشين وهي لغة قيس.\nوَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا قرأ الأعمش بضم الواو لأن أصل الواو الضمة، وقرأ الحسن بفتح الواو لأن الفتح أخفّ الحركات، وقرأ الباقون بالكسر لأن الجزم يحرّك بالكسر لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ بالحلف الكاذب وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في أيمانهم [واعتلالهم] عَفَا اللَّهُ عَنْكَ قدّم العفو على القتل.\nقال قتادة وعمرو بن ميمون: شيئان فعلهما رسول الله ﷺ ولم يؤمر بهما: إذنه للمنافقين وأخذه من الأسارى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون «٣» .\nوقال بعضهم: إنّ الله ﷿ وقره ورفع محله [فهو افتتاح] الكلام بالدعاء له، كما يقول الرجل لمخاطبه إن كان كريما عنده: عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي ورضي الله عنك إلّا زرتني، وقيل: معناه: أدام الله لك العفو.\nلِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا في أعذارهم وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ فيها لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى قوله تعالى وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ شكّت ونافقت قلوبهم فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ متحيّرين، وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ إلى الغزو لَأَعَدُّوا لهيّأوا\n_________\n(١) أي ذو تمر وذو لبن.\n(٢) سورة الحاقة: ٢١.\n(٣) راجع تفسير الطبري: ٨/ ١٥٥.","vol":"5","page":50},{"text":"لَهُ عُدَّةً وهي المتاع والكراع وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ لم يرد الله انْبِعاثَهُمْ [خروجهم] فَثَبَّطَهُمْ فمنعهم وحبسهم وَقِيلَ اقْعُدُوا في بيوتكم مَعَ الْقاعِدِينَ يعني المرضى والزمنى، وقيل:\nالنساء والصبيان.\nلَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ الآية، وذلك\nأن رسول الله ﷺ أمر الناس بالجهاد لغزوة تبوك، فلمّا خرج رسول الله ﷺ هو وعسكره على ثنيّة الوداع، ولم يكن بأقلّ العسكرين، فلمّا سار رسول الله ﷺ تخلف عنه عبد الله بن أبيّ فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب، فأنزل الله تعالى [يعزي] نبيه ﷺ: لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ يعني المنافقين ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا فسادا\n، وقال الكلبي:\nشرّا وقيل: غدرا ومكرا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يعني ولأوضعوا ركابهم بينكم، يقال: وضعت الناقة تضع وضعا ووضوعا إذا أسرعت السير، وأوضعها إيضاعا أي جدّ بها فأسرع، قال الراجز:\nيا ليتني فيها جذع ... أخبّ فيها وأضع «١»\nوقال: أقصر فإنك طالما ... أوضعت في إعجالها\nقال محمد بن إسحاق يعني: أسرع الفرار في أوساطكم وأصل الخلال من الخلل وهو الفرجة بين الشيئين وبين القوم في الصفوف وغيرها، ومنه\nقول النبي ﷺ: «تراصّوا في الصفوف لا يخللكم الشيطان كأولاد الحذف» [٢٠] «٢» .\nيَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي يبغون لكم، يقول: يطلبون لكم ما تفتنون به، يقولون: لقد جمع [العدو] لكم فعل وفعل، يخبلونكم.\nوقال الكلبي: يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ يعني الغيب والسر، وقال الضحاك: يعني الكفر، يقال فيه:\nبغيته أبغيه بغاء إذا التمسته بمعنى بغيت له، ومثله عكمتك إن عكمت لك فيها، وإذا أرادوا أعنتك عليه قالوا: أبغيتك وأحلبتك وأعكمتك «٣» .\nوَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ قال مجاهد وابن زيد بينكم عيون لهم عليكم [يوصلون] ما يسمعون منكم، وقال قتادة وابن يسار: وفيكم من يسمع كلامهم ويطبعهم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ أي عملوا بها لصد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر بتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي بالتخذيل عنك وتشتّت أصحابك.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٧. البيت لدريد بن الصمة قاله في يوم هوازن كما في لسان العرب: ٨/ ٣٩٨.\n(٢) المعجم الصغير للطبراني: ١/ ١١٩.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ١٨٧.","vol":"5","page":51},{"text":"حَتَّى جاءَ الْحَقُّ أي النصر والظفر وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ دين الله وَهُمْ كارِهُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي الآية.\nنزلت في جد بن قيس المنافق وذلك\nأن رسول الله ﷺ لمّا تجهّز لغزوة تبوك، قال له: يا أبا وهب، هل لك في جلاد بني الأصفر تتخذ منهم وصفاء، قيل: وإنما أمر بذلك لأن الحبش غلبت على ناحية الروم فولدت لهم بنات قد أنجبت من بياض الروم وسواد الحبشة فكنّ صفر اللعس «١»، فلمّا قال له ذلك رسول الله ﷺ قال جد: يا رسول الله لقد عرفت قومي أني رجل مغرم بالنساء وأني أخشى إن رأيت بنات الأصفر أن لا أصبر عنهن فلا تفتنّي بهن وائذن لي في القعود وأعينك بمالي، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: قد أذنت لك، فأنزل الله (وَمِنْهُمْ) يعني ومن المنافقين (مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي) في التخلف (وَلا تَفْتِنِّي) ببنات الأصفر «٢»\n، قال قتادة:\nولا تأتمنّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ألا في الإثم والشرك وقعوا بخيانتهم وخلافهم أمر الله ورسوله وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ مطيفة بهم وجامعتهم فيها،\nفلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ لبني سلمة وكان منهم: من سيّدكم؟ قالوا: جدّ بن قيس غير أنه نحيل جبان، فقال النبي ﷺ وأي داء أدوى من البخل، بل سيّدكم الفتى الأبيض الجعد بشر بن البراء بن معرور، فقال فيه حسّان:\nوقال رسول الله والقول لاحق ... بمن قال منّا من تعدّون سيّدا\nفقلنا له جدّ بن قيس على الذي ... نبخّله «٣» فينا وإن كان أنكدا\nفقال وأي الداء أدوى من الذي ... رميتم به جدا وعالى بها يدا\nوسوّد بشر بن البراء لجوده ... وحق لبشر ذي الندى أن يسوّدا\nإذا ما أتاه الوفد أنهب ماله ... وقال خذوه إنه عائد غدا «٤»\n_________\n(١) اللعس: سواد اللثة والشفة، وقيل: سواد في حمزة وقيل: سواد يعلو شفة المرأة البيضاء.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٠/ ١٩٢.\n(٣) في أسباب النزول: ببخله.\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ١٦٧، وتفسير القرطي: ٨/ ١٥٩.","vol":"5","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>[سورة التوبة (٩): الآيات ٥٠ الى ٥٩]</span>\nإِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)\nفَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩)\nإِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ نصر وغنيمة تَسُؤْهُمْ [يعني] بهم المنافقين وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا عذرنا وأخذنا الجزم في القعود وترك الغزو مِنْ قَبْلُ من قبل هذه المصيبة.\nقُلْ لهم يا محمد لَنْ يُصِيبَنا وفي مصحف عبد الله: قل هل يصيبنا، وبه قرأ طلحة ابن مصرف إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا في اللوح المحفوظ، ثم قضاه علينا هُوَ مَوْلانا وليّنا وناصرنا وحافظنا، وقال الكلبي: هو أولى بنا من أنفسنا في الموت والحياة وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ تنتظرون بِنا أيها المنافقون إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ أما النصر والفتح مع الأجر الكبير، وأمّا القتل والشهادة وفيه الفوز الكبير.\nأخبرنا أبو القاسم الحبيبي قال: حدّثنا جعفر بن محمد العدل، حدّثنا أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم العبدي، حدّثنا أبو بكر أمية بن بسطام، أخبرنا يزيد بن بزيع عن بكر بن القاسم عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: يضمن الله لمن خرج في سبيله ألّا يخرج إيمانا بالله وتصديقا برسوله أن [يرزقه] الشهادة، أو يردّه إلى أهله مغفورا له مع ما نال من أجر وغنيمة.\nوَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ إحدى الحسنيين أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ فيهلكهم الله كما أهلك الأمم الخالية. قال ابن عباس: يعني الصواعق، قال ابن جريج يعني الموت [والعقوبة] بالقتل بأيدينا كما أصاب الأمم الخالية من قبلنا فَتَرَبَّصُوا هلاكنا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ وقال الحسن: فَتَرَبَّصُوا مواعيد الشيطان إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ مواعيد الله من إظهار دينه واستئصال من خالفه، وكان الشيطان يمنّي لهم بموت النبي (ﷺ) .\nقُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا نزلت في منجد بن قيس حين استاذن النبي ﷺ في القعود عن الغزوة، وقال: هذا مالي أعينك به، وظاهر الآية أمر معناه خبر وجزاء تقديره: إن أنفقتم طوعا أو كرها فليس بمقبول منكم كقول الله ﷿: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ الآية. قال الشاعر:\nأسيئي بنا أو أحسني لا ملامة ... لدينا ولا مقلية إن تفلت","vol":"5","page":53},{"text":"إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فاسِقِينَ منافقين وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ قرأ نافع وعاصم ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي: (أن يقبل) بالياء لنعتهم الفعل، الباقون بالتاء نَفَقاتُهُمْ صدقاتهم إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ الاولى في موضع نصب، و«أن» الثانية في محل رفع تقديره:\nوما منعهم قبول نفقاتهم إلّا كفرهم وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى مستاؤون لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابا، ولا يخافون بتركها عقابا وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ لأنهم يتخذونها مغرما ومنعها مغنما.\nفَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ لأن العبد إذا كان من الله تعالى في استدراج [..........] «١» إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا قال مجاهد وقتادة والسدّي:\nفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة.\nوقال الحسن: إنما يريد الله أن يعذبهم في الحياة الدنيا بالزكاة والنفقة في سبيل الله، وقال ابن زيد: بالمصائب فيها، وقيل التعب في جمعه، والوجل في حفظه وحبه. وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ أي تخرج وتذهب أنفسهم على الكفر: يقال: زهقت الخيول أي خرجت عن الحلبة، وزهق السهم إذا خرج عن الهدف، وزهق الباطل أي اضمحل، قال المبرّد: وفيه لغتان: زهق يزهق وزهيق يزهق.\nوَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ على دينكم وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ يخافون لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً يعني حرزا وحصنا ومعقلا، وقال عطاء مهربا، وقال ابن كيسان: قوما يأمنون فيهم أَوْ مَغاراتٍ غيرانا في الجبال، وقال عطاء: سرادب، وقال الأخفش: كلّ ما غرت فيه فغبت فهو مغارة، وهي مفعلة من غار الرجل في الشيء يغور فيه إذا دخل، ومنه غار الماء وغارت العين إذا دخلت في الحدقة، ومنه غور تهامة، والغور: ما انخفض من الأرض، وقرأ عبد الرحمن بن عوف مُغارات بضم الميم جعله مفعلا من أغار يغير إذا أسرع ومعناه موضع فرارا، قال الشاعر:\nفعدّ طلابها وتعدّ عنها ... بحرف قد تغير إذ تبوع «٢»\nأَوْ مُدَّخَلًا موضع دخول، وهو مفتعل من تدخّل يتدخّل متدخّل، وقال مجاهد:\nمُدَّخَلًا: محرزا. قتادة: سردابا، وقال الكلبي وابن زيد: نفقا كنفق اليربوع، وقال الضحاك:\nمأوىّ يأوون إليه، وقال الحسن: وجها يدخلونه على خلاف رسول الله ﷺ، وقال ابن كيسان:\nدخلا من مدخلا لا ينالهم منكم ما يخافون [منه] وقرأ الحسن: أَوْ مَدْخَلًا، مفتوحة الميم خفيفة\n_________\n(١) كلام غير مقروء في المخطوط. [.....]\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٣٥.","vol":"5","page":54},{"text":"الدال من دخل يدخل، وقرأ مسلمة بن محارب مُدْخَلًا بضم الميم وتخفيف الدال من دخل يدخل، وقرأه أبيّ مندخلا، منفعل من اندخل. كما قال:\nفلا يدي في حميت السكن تندخل «١»\nوقرأ الأعرج بتشديد الدال والخاء [............] «٢» جعله متّفعلا ثم أدغم التاء في الدال كالمزمّل والمدّثّر لَوَلَّوْا إِلَيْهِ لأدبروا إليه هربا منكم، وفي حرف أبي: لولّوا وجوههم إليه، وقرأ الأعمش والعقيلي: لوالوا إليه بالألف من الموالاة أي تابعوا وسارعوا.\nوروى معاوية بن نوفل عن أبيه عن جده- وكانت له صحبة- لَوَلَوْا إِلَيْهِ بتخفيف اللام لأنها من التولية يقال: ولي إليه بنفسه إذا انصرف ولولّوا إليه من المولي وَهُمْ يَجْمَحُونَ يسرعون في الفرار [لا يردهم شيء] . قال الشاعر أبان بن ثعلب:\nسبوحا جموحا وإحضارها ... كمعمعة السعف الموقد «٣»\nوقيل: إن الجماح مشي بين مشيين وهو مثل [الصماح] . قال مهلهل:\nلقد جمحت جماحا في دمائهم ... حتى رأيت ذوي أحسابهم خمدوا «٤»\nوقرأ الأعمش: وهم يجمزون أي يسرعون ويشدّون وَمِنْهُمْ يعني من المنافقين مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ.\nالزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، قال: بينا رسول الله ﷺ يقسم قسما- قال ابن عباس كانت غنائم هوازن يوم حنين- جاء ابن ذي الخريصر التميمي وهو حرقوص بن زهير اصل الخوارج فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويلك ومن يعدل أن لم أعدل.\nفقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي ﷺ: دعه فأن له أصحابا يحتقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر فلا يوجد فيه شيء، وقد سبق الفرث والدم، أشبههم برجل أسود في إحدى يديه، أو قال: أحدى ثدييه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على فترة من الناس، وفي غير هذا الحديث: وإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا\n_________\n(١) الصحاح: ٤/ ١٦٩٦.\n(٢) كلام غير مقروء في الأصل.\n(٣) لسان العرب: ٢/ ٤٢٧ وفيه: جموحا مروحا وإحضارها.\n(٤) جامع البيان للطبري: ١٠/ ١٩٨.","vol":"5","page":55},{"text":"فاقتلوهم، ثم إذا اخرجوا فاقتلوهم.\nفنزل، وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ «١» أي يعيبك في أمرها، ويطعن عليك فيها يقال: هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ. قال الشاعر:\nإذا لقيتك عن شحط تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة «٢»\nوقال مجاهد: يهمزك: يطعنك، وقال عطاء: يغتابك، وقال الحسن والأعرج وأبو رجاء وسلام ويعقوب: يُلْمِزُكَ بضم الميم، وروى عوف بن كثير يَلْمِزْكَ بكسر الميم خفيفة فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ وقرأ [إياد بن لقيط]: ساخطون «٣» . قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون قالوا: والله لا يعطيها محمد إلا من أحب ولا يؤثر بها إلّا هواه.\nوَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ إلى قوله راغِبُونَ في أن يوسع علينا من فضله فيغنينا عن الصدقة وغيرها من أموال الناس، وقال ابن عباس: راغبون إليه فيما يعطينا من الثواب، ويصرف عنا من العقاب.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٥٦.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٤٢٦.\n(٣) راجع تفسير الدر المنثور: ٣/ ٢٤٠.","vol":"5","page":56},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-362>[سورة التوبة (٩): الآيات ٦٠ الى ٦٩]</span>\nإِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦١) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣) يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ (٦٤)\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ (٦٥) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦) الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٦٧) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨) كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٩)\nثم بين [لمن] الصدقات فقال عز من قال إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ لا للمنافقين، واختلف العلماء في صفة الفقر والمسكين.\nوقال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ومجاهد وابن زيد: الفقير: المتعفف عن المسألة، والمسكين: المحتاج السائل، وقال قتادة: الفقير: المؤمن المحتاج [الذي به زمانة] والمسكين: [الذي لا زمانة به] «١»، وقال الضحاك وإبراهيم النخعي: الفقراء فقراء المهاجرين، والمساكين من لم يهاجروا من المسلمين المحتاجين، وروى ابن سلمة عن ابن علية عن ابن سيرين عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: ليس الفقير الذي لا مال له ولكن الفقير الأخلق الكسب قال ابن علية: الأخلق المحارف عندنا «٢»، وقال عكرمة: الفقراء فقراء المسلمين، والمساكين من أهل الكتاب.\nوقال أبو بكر العبسي: رأى عمر بن الخطاب ذميما مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر: ما لك؟ قال: استكروني في هذه الجزيرة حتى إذا كف بصري تركوني فليس لي أحد يعود عليّ بشيء، فقال: ما أنصفت إذا، فأمر له بقوته وما يصلحه، ثم قال: هذا من الذين قال الله تعالى: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وهم زمنى أهل الكتاب «٣»، وقال ابن عباس: المساكين:\n[الطوافون]، والفقراء، من المسلمين «٤» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا محمد بن جعفر. حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب. حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: ليس المسكين هذا الطوّاف الذي يطوف على الناس تردّه اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان، إنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يسأل الناس، ولا يفطن له فيتصدق عليه «٥» .\nقال الفرّاء: الفقراء أهل الصفة لم يكن لهم عشائر ولا مال، كانوا يلتمسون الفضل ثم يأوون إلى مسجد رسول الله ﷺ، والمساكين: الطوّافون على الأبواب «٦»، وقال عبد الله بن الحسن: المسكين الذي يخشع ويستكين وإن لم يسأل، والفقير الذي يحتمل ويقبل الشيء سرا ولا يخشع وقال [ابن السكيت والقتيبي ويونس] الفقير الذي له البلغة من العيش والمسكين الذي لا شيء له، واحتج بقول الشاعر:\n_________\n(١) زيادة عن زاد المسير: ٣/ ٣٠٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٠٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٨/ ١٧٤، والمصنف لابن أبي شيبة: ٣/ ٦٨.\n(٤) فتح القدير: ٢/ ٣٧٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ١/ ٢١٤.\n(٦) تاج العروس: ٣/ ٤٧٣. [.....]","vol":"5","page":57},{"text":"إنّ الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد «١»\nفجعل له حلوبة وجعلها وقفا لعياله أي قوتا لا فضل فيه، يدلّ عليه ما روي عن عبد الرحمن بن أبزي قال: كان ناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو فنسبهم الله تعالى إلى أنهم فقراء وجعل لهم سهما في الزكاة «٢» .\nوقال محمد بن مسلمة: الفقير الذي له مسكن يسكنه، والخادم إلى [.......] «٣» لأن ذلك المسكين الذي لا ملك له. قالوا: وكل محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه وإن كان غنيا من غيره، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ، والمسكين المحتاج إلى كل شيء، ألا ترى كيف حضّ على إطعامه وجعل الكفّارة من الأطعمة له، ولا فاقة أعظم من [.....] «٤» في شدة الجوعة.\nأما قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ وإن مسكنتهم هاهنا مساكين على جهه الرحمة والاستعفاف لا بملكهم السفينة كما قيل لمن امتحن بنكبة أو دفع إلى بلية: مسكين،\nوفي الحديث: «مساكين أهل النار»\n[٢١] «٥» وقال الشاعر:\nمساكين أهل الحبّ حتى قبورهم ... [عليها] تراب الذل بين المقابر «٦»\nوَالْعامِلِينَ عَلَيْها يعني سقاتها وجباتها الذين يتولّون قبضها من أهلها ووضعها في حقها ويعملون عليها يعطون ذلك بالسعاية، أغنياء كانوا أو فقراء.\nواختلفوا في قدر ما يعطون، فقال الضحّاك: يعطون: الثمن من الصدقة، وقال مجاهد:\nيأكل العمال من السهم الثامن، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: يعطون على قدر عمالتهم، وهو قول الشافعي وأبي يعفور قالا: يعطون بقدر أجور أمثالهم، وإن كان أكثر من الثمن، يدلّ عليه قول عبد الرحمن بن زيد قال: لم يكن عمر ولا أولئك يعطون العامل الثمن إنما يفرضون له بقدر عمله «٧»، وقال مالك وأهل العراق: إنّما ذلك إلى الامام واجتهاده، يعطيهم الامام على قدر ما يرى.\nوَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، قال قتادة: هم ناس من الأعراب وغيرهم كان النبي ﷺ يألفهم\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٧٨٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٠٤.\n(٣) كلام غير مقروء في المخطوط.\n(٤) كلام غير مقروء في المخطوط.\n(٥) تفسير القرطبي: ٨/ ١٧٠.\n(٦) تفسير القرطبي: ٨/ ١٧٠.\n(٧) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٠٧.","vol":"5","page":58},{"text":"بالعطية كيما يؤمنوا، وقال معقل بن عبد الله: سألت الزهري عن الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، قال: من أسلم من يهودي أو نصراني، قلت: وإن كان غنيا؟ قال: وإن كان غنيا،\nوقال ابن عباس: هم قوم قد أسلموا، كانوا يأتون رسول الله ﷺ يرضخ لهم من الصدقات، فإذا أعطاهم من الصدقة فأصابوا منها خيرا قالوا: هذا دين صالح، فإن كان غير ذلك عابوه وتركوه.\nوقال ابن كيسان: هم قوم من أهل الحرب كان النبي ﷺ يتألّفهم بالصدقات ليكفّوا عن حربه\n، وقال الكلبي ويحيى بن أبي كثير وغيرهم: ذوو الشرف من الأحياء، كان رسول الله ﷺ يعطيهم في الإسلام يتألّفهم وهم الذين قسم بينهم يوم حنين الإبل، وهم: من بني مخزوم الحرث ابن هشام، وعبد الرحمن بن يربوع، ومن بني أمية أبو سفيان بن حرب ومنهم من بني جمح صفوان بن أمية، ومن بني عامر بن لؤي سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، ومن بني أسد بن عبد العزى حكيم بن خزام، ومن بني هاشم أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، ومن بني فزارة عيينة بن حصين، وحذيفة بن بدر، ومن بني تميم الأقرع بن حابس، ومن بني النضر مالك بن عوف بن مالك ومن بني سليم العباس بن مرداس، ومن بني ثقيف العلاء بن خارجة، أعطى النبي ﷺ كل رجل منهم مائة ناقة إلا عبد الرحمن بن يربوع وحويطب بن عبد العزى، قال وفي رواية أخرى: مخرمة بن نوفل، وعمير بن وهيب وهشام بن عمرو.\nوزاد الكلبي: أبا البعائل بن يعكل وجد بن قيس السهمي وعمرو بن مرداس وهشام بن عمرو. قال: أعطى كل واحد منهم خمسين ناقة «١»، فقال العباس بن مرداس في ذلك للنبي ﷺ:\nفأصبح نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع\nوما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في المجمع\nوقد كنت في الحرب ذا [قوّة] ... فلم أعط شيئا ولم أمنع\nالا أفائل أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع\nوكانت نهابا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع\nوايقاظي القوم أن يرقدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع\nوما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع «٢»\nفأعطاه النبي ﷺ مائة ناقة، وأعطى حكيم بن حزام سبعين ناقة فقال: يا رسول الله ما كنت أدري أن أحدا أحق بعطائك مني فزاده عشرة أبكار، ثم زاده عشرة أبكار حتى أتمها له مائة، فقال حكيم: يا رسول الله أعطيتك التي رغبت عنها خير أم هذه التي زادت؟ قال: لا، بل هذه\n_________\n(١) نصب الراية: ٢/ ٤٧٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٨/ ١٨٠ وفيه تقديم وتأخير.","vol":"5","page":59},{"text":"التي رغبت فيها. فقال: لا آخذ غيرها، فأخذ السبعين، فمات حكيم وهو أكثر قريش مالا.\nفقال النبي ﷺ: «أعطي رجلا وأترك الآخر، والذي أترك أحب إلي من الذي أعطي، ولكني أتألف هذا بالعطية، وأوكل المؤمن إلى إيمانه» [٢٢] .\nوقال صفوان بن أمية: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس اليّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.\nثم اختلفوا في وجود المؤلّفة اليوم وهل يعطون من الصدقة وغيرها أم لا؟، فقال الحسن:\nأما المؤلفة قلوبهم فليس اليوم، وقال الشعبي: إنه لم يبق في الناس اليوم من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، إنما كانوا على عهد رسول الله ﷺ، فلمّا ولي أبو بكر انقطعت الرشى، وهذا تأويل أهل القرآن، يدل عليه حديث عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حصين، فقال الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إن الإسلام أجلّ من أن يرشى عليه، أي ليس اليوم مؤلّفة.\nوروى أبو عوانة عن مهاجر أبي الحسن، قال: أتيت أبا وائل وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال فأخذاها، ثم جئت مرة أخرى فوجدت أبا وائل وحده فقال ردّها فضعها في مواضعها، قلت: فما أصنع بنصيب المؤلفة قلوبهم؟ فقال ردّه على الآخرين.\nوقال أبو جعفر محمد بن علي: [في الناس] اليوم المؤلفة قلوبهم ثابتة\n، وهو قول أبي ثور قال: لهم سهم يعطيهم الامام قدر ما يرى.\nوقال الشافعي: المؤلّفة قلوبهم ضربان: ضرب مشركون فلا يعطون، وضرب مسلمون [إذا اعطاهم الإمام كفّوا شرهم عن المسلمين]، فأرى أن يعطيهم من سهم النبي وهو خمس الخمس ما يتألّفون به سوى سهمهم مع المسلمين، يدلّ عليه أن النبي ﷺ أعطى المؤلّفة قلوبهم بعد أن فتح الله عليه الفتوح وفشا الإسلام وأعزّ أهله، وأمّا سهمهم من الزكاة فأرى أن يصرف في تقوية الدين وفي سدّ خلة الإسلام ولا يعطى مشرك تألّف على الإسلام، ألا إنّ الله تعالى يغني دينه عن ذلك، والله أعلم.\nوَفِي الرِّقابِ مختصر أي في فك الرقاب من الرق، واختلفوا فيهم، فقال أكثر الفقهاء:\nهم المكاتبون، وهو قول الشافعي والليث بن سعد، ويروى أنّ مكاتبا قام إلى أبي موسى الاشعري وهو يخطب الناس يوم الجمعة فقال له: أيها الأمير حثّ الناس عليّ، فحث أبو موسى، فألقى الناس ملاءة وعمامة وخاتما حتى ألقوا عليه سوادا كثيرا، فلمّا رأى أبو موسى ما ألقى الناس، قال أبو موسى: أجمعوه فجمع، ثم أمر به فبيع فأعطى المكاتب مكاتبته، ثم أعطى الفضل في الرقاب ولم يردّه على الناس، وقال إنما أعطى الناس في الرقاب «١» .\n_________\n(١) نصب الراية: ٢/ ٤٧٧.","vol":"5","page":60},{"text":"وقال الحسن وابن عباس: يعتق منه الرقاب وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وقال سعيد بن جبير والنخعي، لا يعتق من الزكاة رقبة كاملة لكن يعطي منها في ميقات رقبة مكاتب، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد.\nقال الزهري: سهم الرقاب نصفان: نصف لكلّ مكاتب ممن يدّعي الإسلام، والنصف الثاني لمن يشتري به رقاب ممن صلّى وصام وقدّم إسلامه من ذكر وأنثى يعتقون لله «١» .\nوَالْغارِمِينَ قتادة: هم قوم غرقتهم الديون في غير إملاق ولا تبذير ولا فساد «٢» .\nوقال مجاهد: من احترق بيته وذهب السيل بماله، وأدان على عياله «٣»،\nوقال أبو جعفر الباقر: الغارمون صنفان: صنف استدانوا في مصلحتهم أو معروف أو غير معصية ثم عجزوا عن أداء ذلك في العرض والنقد فيعطون في غرمهم، وصنف استدانوا في جمالات وصلاح ذات بين ومعروف ولهم عروض إن بيعت أضرّ بهم فيعطى هؤلاء قدر عروضهم «٤» .\nوذلك إذا كان دينهم في غير فسق ولا تبذير ولا معصية، وأما من ادان في معصية الله فلا أرى أن يعطى، وأصل الغرم الخسران والنقصان، ومنه الحديث في الرحمن له غنمه وعليه غرمه، ومن ذلك قيل للعذاب غرام، قال الله تعالى إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا وفلان مغرم بالنساء أي مهلك بهنّ، وما أشدّ غرامه وإغرامه بالنساء.\nوَفِي سَبِيلِ اللَّهِ فيهم الغزاة والمرابطون والمحتاجون.\nفأما إذا كانوا أغنياء فاختلفوا فيه، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: لا يعطى الغازي إلا أن يكون منقطعا مفلسا، وقال مالك والشافعي وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور: يعطى الغازي منها وإن كان غنيا، يدلّ عليه\nقول النبي ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل عليها أو رجل اشتراها بماله، أو في سبيل الله أو ابن السبيل، أو رجل كان له جار تصدّق عليه فأهداها له» [٢٣] «٥» .\nوَابْنِ السَّبِيلِ المسافر المجتاز، سمّي ابن السبيل للزومه إيّاه، كقول الشاعر:\nأيا ابن الحرب رجّعني وليدا ... إلى أن شبت فاكتملت لداتي\nقال مجاهد والزهري: لابن السبيل حق من الزكاة وإن كان غنيا إذا كان منتفعا به، وقال\n_________\n(١) الدر المنثور: ٣/ ٢٥٢.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١١.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١١.\n(٤) راجع كتاب الام للشافعي: ٢/ ٧٨. [.....]\n(٥) تفسير الطبري: ١٠/ ٢١٢.","vol":"5","page":61},{"text":"مالك وفقهاء العراق: هو الحاج المنقطع، وقال الشافعي: ابن السبيل من [جيران] الصدقة الذين يريدون السفر في غير معصية فيعجزون من بلوغ سفرهم إلا بمعونة، وقال قتادة: هو الضيف.\nفَرِيضَةً واجبة مِنَ اللَّهِ وهو نصب على القطع في قول الكسائي، وعلى المصدر في قول سيبويه أي: فرض الله هذه الأشياء فريضة، وقال إبراهيم بن أبي عبلة: رفع فَرِيضَةٌ فجعلها خبرا كما تقول: إنّما يزيد خارج وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.\nواختلف العلماء في كيفية قسم الصدقات المذكورة في هذه الآية، [وهل] يجب لكل صنف من هؤلاء الأصناف الثمنية فيها حق، أو ذلك إلى رب المال ومن يتولى قسمها في أن له أن يعطي جميع ذلك من شاء من الأصناف الثمنية، فقال بعضهم: له قسمها ووضعها في أي الأصناف يشاء وإنما سمّى الله تعالى الأصناف الثمانية في الآية إعلاما منه إن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها لا إيجاد القسمة بينهم، وهو قول عمر بن الخطاب وحذيفة وابن عباس وابن [جبير] وعطاء وأبي العالية وميمون بن مهران وأبي حنيفة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد. أخبرنا أبو بكر الطبري. حدّثنا علي بن حرب، أخبرنا ابن فضيل، حدّثنا عطاء عن سعيد إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ الآية، أيّ هذه الأصناف وجدت أجزاك أن تعطيه صدقتك، ويقول أبو حنيفة: يجوز الاقتصار على رجل واحد من الفقراء، وقال مالك يخصّ بأمسّهم حاجة.\nكان الشافعي يجري الآية على ظاهرها ويقول: إذا تولّى رب المال قسمتها فإن عليه وضعه في ثلاثة أصناف لأن سهم المؤلّفة ساقط، وسهم العاملين يبطل بقسمته إياها، فإذا تولّى الإمام قسمتها فإن عليه أن يقسمها على سبعة أصناف، يجزيه أن يعطي من كل صنف منهم أقل من ثلاثة أنفس ولا يصرف السهم ولا شيئا منه عن أهله أحد يستحقه، ولا يخرج من بلد وفيه أحد يردّ حقه ممّن لم يوجد من أهل السهام على من وجد منهم، وهذا قول عمر بن عبد العزيز، وعكرمة والزهري.\nثمّ رجع إلى ذكر المنافقين وقال: وَمِنْهُمُ يعني من المنافقين الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ\nنزلت في حزام بن خالد، والجلاس بن سويد، وإياس بن قيس، ومخشي بن خويلد، وسمّاك بن يزيد، وعبيد بن هلال ورفاعة بن المقداد، وعبيدة بن مالك، ورفاعة بن زيد، كانوا يؤذون النبي ﷺ ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم: لا تفعلوا ما يقولون فيقع بنا، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا، ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول: فإنّما محمد أذن سامعة فأنزل الله هذه الآية «١» .\n_________\n(١) زاد المسير: ٣/ ٣١٢.","vol":"5","page":62},{"text":"وقال محمد بن إسحاق عن يسار وغيره نزلت في رجل من المنافقين يقال له: نهشل بن الحرث، وكان حاسر الرأس أحمر العينين أسفح الخدين مشوّه الخلقة، وهو الذي قال النبي ﷺ:\n«من أراد أن ينظر الى الشيطان فلينظر إلى نهشل بن الحرث» [٢٤] «١»، وكان ينمّ حديث النبي ﷺ إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل، فقال: إنما محمد أذن، من حدّثه شيئا يقبل، نقول ما شئنا ثم نأتيه فنحلف له ويصدقنا عليه، فأنزل: الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ\nيسمع من كل واحد ويقبل ما يقال له ومثله أذنة على وزن فعلة ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، وأصله: أذن يأذن أذنا إذا استمع، ومنه\nقول النبي ﷺ: ما اذن الله لشيء كأذنه لنبي بمعنى القرآن\n، وقال عدي بن زيد:\nأيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن «٢»\nوقال الأعشى:\nصمّ إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بشرّ عندهم أذنوا «٣»\nوكان استأذنا أبو القاسم الحبيبي يحكي عن أبي زكريا العنبري عن ابن العباس الازهري عن أبي حاتم السجستاني أنّه قال: هُوَ أُذُنٌ أي ذو أذن سامعة.\nقُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ قراءة العامة بالإضافة أي أذن خير لا أذن شرّ، وقرأ الحسن والأشهب العقيلي: والأعمش والبرجمي: أُذُنٌ خَيْرٌ لَكُمْ مرفوعا من المنافقين ومعناه: إن كان محمدا كما تزعمون بأن يسمع منكم ويصدقكم خير لكم من أن يكذبكم ولا يقبل قولكم.\nثم كذّبهم فقال يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ يعلمهم، وقيل: يقال أمنتك وأمنت لك بمعنى صدقتك كقوله: الَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ «٤» أي [..........] «٥» ربهم وَرَحْمَةٌ قرأ الحسن وطلحة والأعمش وحمزة: (ورحمة) عطفا على معنى أذن خير وأذن شر في قول عبد الله وأبي، وقرأ الباقون: (وَرَحْمَةٌ) بالرفع أي: هو أذن خير، وهو رحمة، جعل الله تعالى محمدا ﷺ مفتاح الرحمة ومصباح الظلمة وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.\nوَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ\nقال قتادة والسدّي: [اجتمع نفر] من المنافقين منهم جلاس بن سويد وذريعة بن ثابت فوقعوا في النبي ﷺ\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي ١١٨، وفيه: نبتل بن الحارث، وكذا في تفسير القرطبي: ٨/ ١٩٢.\n(٢) تاج العروس: ٩/ ١٢٠.\n(٣) تاج العروس: ٩/ ١٢٠.\n(٤) سورة المؤمنون: ٥٨.\n(٥) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":63},{"text":"وقالوا: لئن كان ما يقول محمد حق لنحن شر من الحمير، وكان سمعهم غلام من الأنصار يقال له عامر بن قيس، فحقروه وقالوا هذه المقالة، فغضب الغلام وقال: والله إنّ ما يقوله محمد حق وأنتم شر من الحمير، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره فدعاهم فسألهم فحلفوا إن عامرا كذّاب، وحلف عامر أنهم كذبة، فصدقهم النبي ﷺ فجعل عامر يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب، وقد كان قال بعضهم في ذلك: يا معشر المنافقين والله إني شر خلق الله، لوددت أني قدمت فجلدت مائة جلدة ولا ينزل فينا شيء يفضحنا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية «١» .\nوقال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك، فلمّا رجع رسول الله ﷺ من تبوك أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلّفهم، ويطلبون ويحلفون، فأنزل الله يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وقد كان حقه يرضوهما\nوقد مضت هذه المسألة، قال الشاعر:\nما كان حبك والشقاء لتنتهي ... حتى يجازونك في مغار محصد\nأي الحبل.\nأَلَمْ يَعْلَمُوا وقراءة العامة بالياء على الخبر، وقرأ السلمي بالتاء على الخطاب أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إلى قوله يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ، قال مجاهد: كانوا يقولون القول بينهم ثم يقولون: عسى الله أن لا يفشي سرّنا فقال الله لنبيّه متهددا قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ قال قتادة: كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، أثارت مخازيهم ومثالبهم. قال الحسن: كان المسلمون يسمّون هذه السورة الحفّارة، حفرت ما في قلوب المنافقين فأظهرته.\nقال ابن كيسان نزلت هذه الآية في اثني عشر رجلا من المنافقين وقفوا لرسول الله ﷺ على العقبة لما رجع من غزوة تبوك ليفتكوا به إذا حلأها، ومعهم رجل مسلم يخفيهم شأنه وتنكروا له في ليلة مظلمة فأخبر جبرئيل رسول الله ﷺ ما قدموا له، وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، وعمار بن ياسر يقود برسول الله ﷺ وحذيفة يسوق به.\nفقال لحذيفة: اضرب بها وجوه رواحلهم، فضربها حتى نحاهم، فلمّا نزل قال لحذيفة:\nهل عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحدا، فقال رسول الله ﷺ: إنّهم فلان وفلان حتى عدهم كلّهم، فقال حذيفة ألا تبعث إليهم فتقتلهم، قال: «أكره أن يقول العرب لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم، بل يكفيكم الله الدبيلة» قيل: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: «شهاب من جهنم يوضع على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه فكان كذلك» [٢٥] «٢» .\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٦٨.\n(٢) انظر القصّة في: تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٧، بتفاوت.","vol":"5","page":64},{"text":"وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ الآية،\nقال ابن عمر وقتادة وزيد بن أسلم ومحمد ابن كعب: قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل [قرائنا] هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال له عوف بن مالك:\nكذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ قد ارتحل وركب ناقة فقال: يا رسول الله إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ونتحدث بحديث الركب يقطع به عنا الطريق.\nقال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ والحجارة تنكبه وهو ويقول: إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. فيقول له رسول الله ﷺ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ فالتفت إليه وما يزيده عليه «١» .\nوقال قتادة: بينما رسول الله ﷺ يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا أيظن هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات، فأطلع الله نبيّه على ذلك فقال النبي ﷺ: احبسوا عليّ الركب، فدعاهم فقال لهم: قلتم كذا وكذا، فقالوا يا نبي الله إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وحلفوا على ذلك، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال مجاهد: قال رجل من المنافقين: يحدثنا محمد أن ناقة فلان بوادي كذا وكذا وما يدريه ما الغيب، فأنزل الله هذه الآية\n، وقال ابن كيسان: نزلت في وديعة بن ثابت وهو الذي قال هذه المقالة،\nوقال الضحاك: نزلت في عبد الله بن أبي ورهطه كانوا يقولون في رسول الله ﷺ وأصحابه ما لا ينبغي، فإذا بلغ رسول الله ﷺ ذلك قالوا: إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قال الله ﷿: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ.\nلا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بقولكم هذا بَعْدَ إِيمانِكُمْ إقراركم إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً قراءة العامة بضم الياء والتاء على غير تسمية الفاعل، وقرأ عاصم: إِنْ نَعْفُ بنون مفتوحة وفاء مضمومة، نُعَذِّبْ بالنون وكسر الذال طائِفَةٍ بالنصب، والطائفة في هذه الآية رجل يقال له مخشي بن حمير الأشجعي، أنكر عليهم بعد ما سمع ولم يمالئهم عليه وجعل يسير مجانبا لهم، فلمّا نزلت هذه الآية تاب من نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقرأ اعنى بها، تقشعر منها الجلود وتجل وتجب «٢» فيها القلوب، اللهم فاجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا يقول أحد: أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت، فأصيب يوم اليمامة فيمن قتل فما أحد من المسلمين الا وجدوه وعرف مصرعه غيره «٣» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٠، وأسباب نزول الآيات: ١٦٩.\n(٢) كذا في تفسير ابن كثير وفي المصدر: تجل.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٠، وتفسير ابن كثير: ٢/ ٣٨٢.","vol":"5","page":65},{"text":"وقيل: معناه إن يتب على طائفة منكم فيعفو الله عنهم ليعذب طائفة بترك التوبة بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي شكل بعض وعلى دين بعض، يعني إنهم صنف واحد وعلى أمر واحد، ثم ذكر أمرهم فقال يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ بالكفر والمعصية وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ عن الإيمان والطاعة وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ يمسكونها ويكفّونها عن الصدقة والنفقة في الحق ولا يبسطونها بالخير، وأصله: إنّ المعطي يمد يده ويبسطها بالخير، فقيل: لمن بخل ومنع قد قبض يده، ومنه قوله: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أي ممسكة عن النفقة.\nنَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ تركوا طاعة الله فتركهم الله من توفيقه وهدايته في الدنيا ومن رحمته المنجية من عذابه وناره في العقبى إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ كافيتهم عذابا وجزاء على كفرهم وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ طردهم وأبعدهم من رحمته وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني فعلتم كفعل الذين كانوا من قبلكم ولعنتم وعذّبتم كما لعن الذين كانوا من قبلكم من كفار الأمم الخالية كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً بطشا ومنعة وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا وتمتعوا وانتفعوا بِخَلاقِهِمْ بنصيبهم من الدنيا ورضوا به عوضا من الآخرة.\nقال أبو هريرة: الخلاق «١»: الدين فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ في الباطل والكذب على الله وتكذيب رسله والاستهزاء بالمؤمنين كَالَّذِي خاضُوا أراد كالذين خاضوا وذلك أن (الذي) اسم ناقص مثل (ما) و(من) يعبّر بها عن الواحد والجميع نظير قوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ثم قال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ «٢» قال الشاعر:\nوإنّ الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد «٣»\nوأن شئت جعلت (الذي) إشارة إلى ضمير، وقوله: خضتم كالخوض الذي خاضوا فيه إلى قوله الْخاسِرُونَ.\nروى أبو هريرة عن النبي ﷺ: لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعا بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع، حتى لو أن أحد من ثمّ أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه، قال أبو هريرة اقرءوا إن شئتم كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً الآية، قالوا: يا رسول الله كما صنعت\n_________\n(١) وقال الراغب: الخلاق ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه.\n(٢) سورة البقرة: ١٧. [.....]\n(٣) كتاب العين للفراهيدي: ٨/ ٢٠٩، والبيت للأشهب بن زميلة كما في هامش الصحابة للجوهري: ١/ ٣٣٥.","vol":"5","page":66},{"text":"فارس والروم وأهل الكتاب، قال: «وهل الناس إلا هم» «١» [٢٦] «٢» .\nقال ابن عباس في هذه الآية: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، وقال ابن مسعود: أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، تتبعون عملهم حذو القذّة بالقذّة غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا «٣» .\nوقال حذيفة: المنافقون الذين فيكم اليوم شرّ من المنافقين الذي كانوا على عهد النبي ﷺ، قلنا: وكيف؟ قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم وهؤلاء أعلنوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٠ الى ٧٢]</span>\nأَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)\nأَلَمْ يَأْتِهِمْ يعني المنافقين والكافرين نَبَأُ خبر الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حين عصوا رسلنا وخالفوا أمرنا كيف أهلكناهم وعذّبناهم ثم ذكرهم. فقال قَوْمِ نُوحٍ بالمعنى بدلا من الذين أهلكوا بالطوفان وَعادٍ أهلكوا بالريح وَثَمُودَ أهلكوا بالرجفة وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ بسلب النعمة وهلاك نمرود وَأَصْحابِ مَدْيَنَ يعني قوم شعيب بعذاب يوم الظلّة وَالْمُؤْتَفِكاتِ المنقلبات التي جعلت عاليها سافلها، وهم قوم لوط أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فكذبوهم وعصوهم كما فعلتم يا معشر الكفّار فاحذروا بتعجيل النقمة فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ إلى قوله بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الدين والملة والعون والنصرة والمحبة والرحمة.\nقال جرير بن عبد الله سمعت النبي ﷺ يقول: «المهاجرون والأنصار بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الدنيا والآخرة»، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف، بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ في الدنيا والآخرة» [٢٧] «٤»\n، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ بالإيمان والخير وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة.\nقال أبو العالية كلّما ذكر الله تعالى في كتابة من الأمر بالمعروف فهو رجوع من الشرك إلى\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٢٥، ومسند أبي يعلى: ١١/ ١٨٢.\n(٢) مسند أبي يعلى: ١١/ ١٨٢.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ٢٦١ ورواه ابن مسعود عن النبي (ﷺ) .\n(٤) المستدرك: ٤/ ٨١.","vol":"5","page":67},{"text":"الإسلام، والنهي عن المنكر فهو النهي عن عبادة الأوثان والشيطان وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ المفروضة وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ إلى قوله وَمَساكِنَ طَيِّبَةً ومنازل طيبة.\nقال الحسن: سألت أبا هريرة وعمران بن حصين عن قول الله وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ. قالا: على الخبير سقطت، سألنا رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «قصر في الجنة من لؤلؤ فيه سبعون دار من ياقوتة حمراء، في كل دار سبعون بيتا من زبرجدة خضراء، في كل بيت سبعون سريرا، على كل سرير سبعون فراشا، على كل فراش زوجة من الحور العين، وفي كل بيت مائدة وعلى كل مائدة سبعون لونا من الطعام، وفي كل بيت وصيفة، ويعطى المؤمن من القوة في غداة واحدة ما يأتي على ذلك أجمع» [٢٨] «١» .\nفِي جَنَّاتِ عَدْنٍ في بساتين ظلال وإقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به، ومنه المعدن،\nقال رسول الله ﷺ: «عدن دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ، يقول الله: طوبى لمن دخلك» [٢٩] .\nوقال عبد الله بن مسعود: هي بطنان الجنة أي وسطها، وقال ابن عباس: سألت كعبا عن جنات عدن فقال: هي الكروم والأعناب بالسريانية «٢»، وقال عبد الله بن عمر: إنّ في الجنة قصرا يقال له عدن، حوله البروج، والمروج، له خمسة آلاف باب، على كل باب [حبرة] لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد.\nقال الحسن: جَنَّاتِ عَدْنٍ، وما أدراك ما جَنَّاتِ عَدْنٍ، قصر من ذهب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد أو حكم عدل، ورفع به صوته. [في حديث آخر قصر] في الجنة يقال له: عدن، حوله البروج والمروج له خمسون ألف باب، وقال الضحاك: هي مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنان حولها.\nوقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة جناته على حافتيه، وقال مقاتل والكلبي: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم، والجنان حولها محدقة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله ﷿ حتى ينزلها أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن شاء الله، وفيها قصور الدرة والياقوت والذهب، فتهب الريح الطيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأحلى، وقال عطاء الخراساني في قوله: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قال: قصر من الزبرجد والدرّ والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام في جنات عدن، وهي قصبة الجنة وسقفها عرش الرحمن.\nوَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ رفع على الابتداء، أي رضا الله عنهم أكبر من ذلك كله.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٣/ ١٤١.\n(٢) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٣٠.","vol":"5","page":68},{"text":"روى مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربّنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من رضاك؟ فيقول: ألا أعلمكم أفضل من ذلك؟ قالوا: وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» [٣٠] «١» .\nذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٣ الى ٧٤]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٧٤)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ بالسيف والقتال وَالْمُنافِقِينَ.\nاختلفوا في صفة جهاد المنافقين، قال ابن مسعود: بيده فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فإن لم يستطع فاكفهر «٢» في وجهه. قال ابن عباس: باللسان وشدة الزجر بتغليظ الكلام، قال الحسن وقتادة: بإقامة الحدود عليهم، ثم قال وَمَأْواهُمْ في الآخرة جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ قال [ابن مسعود وابن عباس] وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو [والصلح] والصفح.\nيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا\nقال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة فقال:\nإنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان، إذا جاء فلا تكلّموه، فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق فدعاه رسول الله ﷺ فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق الرجل فجاء بأصحابه، فحلفوا بالله ما قالوا، فأنزل الله تعالى هذه الآية «٣» .\nوقال الضحاك: خرج المنافقون مع رسول الله ﷺ إلى تبوك، وكانوا إذا خلا بعضهم ببعض سبّوا رسول الله ﷺ وأصحابه وطعنوا في الدين، فنقل ما قالوا حذيفة إلى رسول الله ﷺ فقال النبي: «يا أهل النفاق ما هذا الذي بلغني عنكم؟» [٣١] فحلفوا لرسول الله ﷺ ما قالوا بشيء من ذلك، فأنزل الله تعالى هذه الآية إكذابا لهم «٤» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٨٨.\n(٢) اكفهر: عبس.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٣٧.\n(٤) أسباب النزول للواحدي: ١٦٩.","vol":"5","page":69},{"text":"وقال الكلبي: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت [لأنّ] رسول الله ﷺ خطب ذات يوم بتبوك وذكر المنافقين فسمّاهم رجسا وعابهم، فقال الجلاس: والله إن كان محمد صادقا فيما يقول فنحن شر من الحمير فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل والله إن محمدا لصادق مصدق وأنتم شر من الحمير.\nفلما انصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه عامر بن قيس فأخبره بما قال الجلاس، فقال الجلّاس: كذب يا رسول الله عليّ، ما قلت شيئا من ذلك، فأمر رسول الله ﷺ أن يحلفا عند المنبر بعد العصر، فحلف بالله الذي لا إله إلّا هو ما قاله، وإنه كذب عليّ عامر، ثم قام عامر فحلف بالله الذي لا إله إلّا هو لقد قاله وما كذبت عليه، ثم رفع عامر بيديه إلى السماء فقال:\nاللهم أنزل على نبيك الصادق منا المصدّق، فقال رسول الله ﷺ والمؤمنون: آمين، فنزل جبرئيل على النبي ﷺ قبل أن يتفرقا بهذه الآية حتى بلغ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ فقام الجلاس، فقال: يا رسول الله أسمع الله قد عرض عليّ التوبة، صدق عامر بن قيس في ذلك، لقد قلته وأنا أستغفر الله وأتوب إليه، فقبل رسول الله ﷺ ذلك منه ثم تاب فحسن توبته.\nقال قتادة: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا: رجلا من جهينة، ورجلا من غفار، وكانت جهينة حلفاء الأنصار، وظفر الغفاري على الجهيني، فنادى عبد الله بن أبي: أيّها الأوس انصروا أخاكم فو الله ما مثلنا ومثل محمد إلّا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك.\nثم قال: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فأرسل ﷺ إليه، فجعل يحلف بالله ما قال، فأنزل الله ﷿: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ.\nقال مجاهد: هم المنافقون بنقل المؤمن الذي يقول لنحن شر من الحمير لكي لا يفشيه عليه.\nقال السدي: قالوا إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجا يباهي به [...........] «١» إليه.\nوقال الكلبي: هم خمسة عشر رجلا منهم عبد الله بن أبي، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وطعمة بن أبيرق والجلاس بن سويد وعامر بن النعمان وأبو الأحوص، همّوا بقتل النبي ﷺ في غزوة تبوك فأخبر جبرائيل بذلك رسول الله ﷺ، وقيل: إنهم من قريش هموا في قتل النبي ﷺ فمنعه الله ﷿.\nجابر عن مجاهد عن ابن عباس ﵁ في هذه الآية قال: همّ رجل من قريش يقال له\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":70},{"text":"الأسود بقتل رسول الله ﷺ وَما نَقَمُوا منه، ما أنكروا منه ولا [ينقمون] إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ [ويقال: إنّ القتيل] مولى الجلاس قتل، فأمر رسول الله ﷺ بديته اثني عشر ألفا فاستغنى\n، وقال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي ﷺ في ضنك من عيشهم، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة، فلمّا قدم النبي ﷺ استغنوا بالغنائم\n، وهذا مثل مشهور: اتّق شر من أحسنت إليه.\nثم قال الله ﷿ فَإِنْ يَتُوبُوا من نفاقهم وكفرهم يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يعرضوا عن الإيمان يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيا بالقتل والخزي وَالْآخِرَةِ بالنار وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٥ الى ٧٨]</span>\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٧٨)\nوَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية.\nروى القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء ثعلبة بن حاطب الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال رسول الله ﷺ: «ويحك يا ثعلبة قليل تؤدّي شكره خير من كثير لا تطيقه» ثم أتاه بعد ذلك. فقال: يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقال رسول الله ﷺ: ولَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، والذي نفسي بيده لو أردت أن تصير الجبال معي ذهبا وفضة لصارت» ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالا، والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالا لأعطينّ كلّ ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم ارزق ثعلبة مالا» [٣٢] .\nقال: فاتخذ غنما فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها، فنزل واديا من أوديتها وهي تنمو كما تنمو الدود، وكان يصلّي مع النبي ﷺ الظهر، ويصلّي في غنمه ساير الصلوات، ثم كثرت ونمت حتى تباعد عن المدينة فصار لا يشهد إلا الجمعة، ثم كثرت ونمت فتباعد حتى كان لا يشهد جمعة ولا جماعة، فكان إذا كان يوم الجمعة يمر على الناس يسألهم عن الأخبار، فذكره رسول الله ﷺ وسأل ذات يوم فقال: ما فعل ثعلبة؟ قالوا يا رسول الله اتخذ ثعلبة غنما ما يسعها واد.\nفقال رسول الله ﷺ: «يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة» وأنزل الله تعالى آية الصدقة فبعث رسول الله ﷺ رجلا من بني سليم ورجل من جهينة وكتب لهما إتيان الصدقة","vol":"5","page":71},{"text":"وكيف يأخذان وقال لهما رسول الله ﷺ: «مرّا بثعلبة بن حاطب ورجل من بني سليم فخذا صدقاتهما» .\nفخرجا حتى أتيا ثعلبة فسألاه الصدقة وقرءا له كتاب رسول الله ﷺ، فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، انطلقا حتى تفرغا ثم عودا إليّ، فانطلقا وسمع بهما السلمي فنظر إلى خيار أسنان ابله، فعزلها للصدقة ثم استقبلهما بها فلمّا زادها قالا: ما هذا عليك، قال: خذاه فإن نفسي بذلك طيبة، فمرّا على الناس وأخذا الصدقات، ثم رجعا إلى ثعلبة فقال:\nأروني كتابكما فقرأه ثم قال: ما هذه إلا جزية، ما هذه الا أخت الجزية، اذهبا حتى أرى رأيي، قال: فأقبلا فلمّا رآهما رسول الله ﷺ قبل أن يتكلّما قال: «يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة» ثم دعا للسلمي بخير فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، فأنزل الله فيه وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ إلى قوله وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ وعند رسول الله ﷺ رجل من أقارب ثعلبة فسمع قوله فخرج حتى أتاه فقال: ويحك يا ثعلبة قد أنزل الله ﷿ فيك كذا وكذا، فخرج ثعلبة حتى أتى النبي ﷺ فسأله أن يقبل منه الصدقة.\nفقال: «إن الله تعالى منعني أن أقبل منك صدقتك» فجعل يحثي على رأسه التراب، فقال له رسول الله ﷺ: «هذا عملك قد أمرتك فلم تطعني» [٣٣] فلما نهى أن يقبض رسول الله ﷺ رجع إلى منزله وقبض رسول الله ﷺ ولم يقبض ولم يقبل منه شيئا ثم أتى أبا بكر (﵁) حين استخلف فقال: قد علمت منزلتي من رسول الله ﷺ وموضعي من الأنصار فاقبل صدقتي، فقال أبو بكر: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ وأنا أقبلها؟ فلم يقبل، وقبض أبو بكر فلم يقبلها، فلمّا ولي عمر (﵁) أتاه فقال: يا أمير المؤمنين اقبل صدقتي، فقال: لم يقبلها منك رسول الله ﷺ ولا أبو بكر، أنا لا أقبلها، فقبض عمر ولم يقبلها، ثم ولي عثمان فأتاه فسأله أن يقبل صدقته فقال: لم يقبلها منك رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر، أنا لا أقبلها منك، فلم يقبلها منه وهلك في خلافة عثمان «١» .\nوقال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: أتى ثعلبة مجلسا من الأنصار فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله أتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدّقت منه، ووصلت القرابة، فمات ابن عم له فورثه مالا فلم يوف بما قال، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال مقاتل: مرّ ثعلبة على الأنصار وهو محتاج، فقال: لئن آتاني الله من فضله لأصّدقن ولأكوننّ من الصالحين فآتاه الله من فضله وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلا من المنافقين خطأ فدفع النبي ﷺ ديته إلى ثعلبة، وكان قرابة المقتول فبخل ومنع حق الله فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٢، واسد الغابة: ١/ ٢٣٨.","vol":"5","page":72},{"text":"وقال الحسن ومجاهد: نزلت هذه الآية في ثعلبة بن حاطب ومعتب بن قشير وهما رجلان من بني عمرو بن عوف خرجا على ملأ قعود فقالا: والله لئن رزقنا الله لنصّدقنّ، فلمّا رزقهما الله تعالى بخلا.\nوقال الضحاك: نزلت في رجال من المنافقين [نبتل] بن الحرث وجدّ بن قيس وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير قالوا: لَئِنْ آتانا الله مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ، ... فَلَمَّا آتاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ وبسط لهم الدنيا بَخِلُوا بِهِ ومنعوا الزكاة.\nوقال الكلبي: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، كان له مال بالشام فجهد لذلك جهدا شديدا فحلف بالله: لئن آتانا الله من فضله من رزقه يعني المال الذي بالشام لأصدّقن منه ولأصلنّ ولآتين حق الله منه، فآتاه الله ذلك المال فلم يفعل ما قال، فأنزل الله ﷿ وَمِنْهُمْ يعني من المنافقين مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا الله مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولنوفّينّ حق الله منه وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ أي نعمل ما يعمل أهل الصلاح بأموالهم من صلة الرحم والنفقة في الخير فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ فأتبعهم، وقيل فجازاهم ببخلهم. قال النابغة:\nفمن أطاعك فانفعه بطاعته ... كما أطاعك وادلله على الرشد «١»\nنِفاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ حرمهم الله التوبة بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ قال معبد بن ثابت: إنما هو [شيء] ظاهر في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع قول الله ﷿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ؟\nعن مسروق عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خصم فجر» [٣٤] «٢» .\nالأشعث عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام وزعم أنه مؤمن. إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، إذا أؤتمن خان» [٣٥] .\nوقال عبد الله بن مسعود اعتبروا المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، أنزل الله تصديق ذلك في كتابه وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ إلى قوله كانُوا يَكْذِبُونَ، وهذا خبر صعب الظاهر. فمن لم يعلم تأويله عظم خطؤه وتفسيره.\nأخبرني شيخي الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر، قال: أخبرني أبي عن جدي\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ٣٥/ ٤٢٦. [.....]\n(٢) صحيح البخاري: ١/ ١٤.","vol":"5","page":73},{"text":"الحسين بن جعفر، قال: حدّثنا محمد بن يزيد السلمي، قال: حدّثنا عمار بن قيراط عن بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان قال: كنت على قضاء سمرقند فقرأت يوما حديث المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف» [٣٦] .\nفتوزع فيه فكري وانقسم قلبي وخفت على نفسي وعلى جميع الناس وقلت من ينجو من هذه الخصال؟ [فأخللت] بالقضاء وأتيت بخارى وسألت علماءها فلم أجد فرجا، فأتيت مرو فلم أجد فرجا، فأتيت نيشابور فلم أجد عند علمائها فرجا، فبلغني أن شهر بن حوشب بجرجان فأتيته وعرضت عليه قصتي وسألت عن الخبر، فقال لي: لم [أكن] أنا [حين] سمعت هذا الخبر كالحبة على المقلاة «١» خوفا فأدرك سعيد بن جبير فأنه متولد بالريّ فاطلبه وسله لعلك تجد لي ولك، وسمعت أن عنده فرجا، فأتيت الري وطلبت سعيدا فأتيته وعرضت عليه القصة وسألته عن معنى الخبر.\nفقال: أنا كذلك خائف على نفسي منذ بلغني هذا الخبر، وأنا خائف عليك وعلى نفسي من هذه الخصال: ولقد قاسيت وعانيت سفرا طويلا وبلايا فعليك بالحسن البصري فإني أرجو أنك تجد عنده لي ولك وللمسلمين فرجا، فأتيت البصرة وطلبت الحسن وقصصت عليه القصة بطولها، فقال رحم الله شهرا قد بلغها النصف من الخبر ولم يبلغهما النصف، أن رسول الله ﷺ لما قال هذا الخبر شغل قلوب أصحابه [وهابوا] أن يسألوه، فأتوا فاطمة وذكروا لها شغل قلوبهم بالخبر، فأتت فاطمة ﵂ رسول الله ﷺ فأخبرته شغل قلوب أصحابه، فأمر سلمان فنادى الصلاة جامعة، فلمّا اجتمعوا صعد المنبر فقال: «يا أيها الناس أما إنّي كنت قلت: ثلاث من كنّ فيه فهو منافق: إذا حدّث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، ما عنيتكم بها، إنّما عنيت بها المنافقين، إنما قولي: إذا حدّث كذب فإن المنافقين أتوني وقالوا لي: والله إن إيماننا كإيمانك وتصديق قلوبنا كتصديق قلبك، فأنزل الله ﷿: إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ الآية، وأما قولي: إذا أؤتمن خان: فإن الأمانة الصلاة والدين كلّه أمانة، قال الله تعالى: إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا\nوفيهم قال: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ وأما قولي: إذا وعد أخلف، فإنّ ثعلبة بن حاطب أتاني فقال: إني فقير ولي غنيمات فادع الله أن يبارك فيهن، فدعوت الله فنمت وزادت حتى ضاقت الفجاج بها، فسألته الصدقات فأبى عليّ وبخل بها، فأنزل الله ﷿ وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ إلى قوله بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ» [٣٧] .\n_________\n(١) مثل، والمقلاة وعاء من نحاس أو غيره يقلى فيه الطعام.","vol":"5","page":74},{"text":"فسرّ أصحاب رسول الله (﵌) وكبّروا وتصدّقوا بمال عظيم «١» .\nوروى القاسم بن بشر عن أسامة عن محمد [المخرمي] قال: سمعت الحسن يقول: قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: [من] إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» [٣٨] «٢» فقال الحسن: يا أبا سعيد والله لئن كان لرجل عليّ دين فلقيني فتقاضاني وليس عندي فخفت أن يحبسني ويهلكني فوعدته أن أقضيه رأس الهلال فلم أفعل أمنافق أنا؟! هكذا جاء الحديث.\nثم حدّث عن عبد الله بن عمرو أن أباه لما حضره الموت قال: زوّجوا فلانا فإني وعدته أن أزوجه، لا ألقى الله بثلث النفاق، قال: قلت: يا أبا سعيد ويكون ثلث الرجل منافقا وثلثاه مؤمنا؟ قال: هكذا جاء الحديث.\nقال محمد: فحججت فلقيت عطاء بن أبي رباح فأخبرته بالحديث الذي سمعته من الحسن وما الذي قلت له عن المنافق وما قال لي: فقال لي أعجزت أن تقول له: أخبرني عن إخوة يوسف ألم يعدوا أباهم فأخلفوه وحدثوه فكذبوه وائتمنهم فخانوه أفمنافقين كانوا ألم يكونوا أنبياء، أبوهم نبيّ وجدّهم نبيّ؟\nفقلت لعطاء: يا أبا محمّد حدّثني بأصل هذا الحديث، فقال: حدّثني جابر بن عبد الله أنّ رسول الله ﷺ إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة الذين حدثوا النبي ﷺ فكذبوه وائتمنهم على سرّه فخانوه ووعدوه أن يخرجوا معه إلى الغزو فأخلفوه، قال: فخرج أبو سفيان من مكة فأتى جبريل فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فقال النبي ﷺ: «إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا فاخرجوا إليه واكتموا» [٣٩] فكتب رجل من المنافقين إليه: إن محمدا يريد بعثكم فأنزل الله ﷿ لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ «٣» وأنزل في المنافقين وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا إلى قوله تعالى: بِما كانُوا يَكْذِبُونَ. قال: إذا أتيت الحسن فاقرأه مني السلام فأخبره أصل هذا الحديث وبما قلت لك.\nفقدمت على الحسن وقلت: يا أبا سعيد إن أخاك محمّدا يقرئك السلام، فأخبرته بالحديث الذي حدث. فأخذ الحسن يدي فأحالها وقال: يا أهل العراق أعجزتم أن تكونوا مثل هذا، سمع منا حديثا فلم يقبله حتى استنبط أصله، صدق عطاء هكذا الحديث في المنافقين خاصة «٤» .\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٤. ٢٤٥.\n(٢) صحيح مسلم: ١/ ٥٦.\n(٣) سورة الأنفال: ٢٧.\n(٤) بطوله في تفسير الطبري: ١٠/ ٢٤٥. ٢٤٦ ح ١٣٢١٥.","vol":"5","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-366>[سورة التوبة (٩): الآيات ٧٩ الى ٩١]</span>\nالَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٨٠) فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ (٨٣)\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٨٥) وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٨٧) لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨)\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩) وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠) لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)\nالَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ\nقال أهل التفسير: حثّ رسول الله ﷺ على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم وقال: يا رسول الله مالي ثمانية آلاف فجئتك بأربعة آلاف فاجعلها في سبيل الله، فأمسكت أربعة آلاف لعيالي. فقال رسول الله ﷺ: «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» [٤٠] .\nفبارك الله في مال عبد الرحمن حتى مات وعنده امرأتين يوم مات فبلغ ثمن مالهما مائة وستون ألف درهم لكل واحدة منهما ثمانون ألفا، وتصدّق يومئذ عاصم بن عدي العجلاني بمائة وستين وسقا من تمر، وجاء أبو عقيل الأنصاري- واسمه الحباب- بصاع من تمر وقال: يا رسول الله بت ليلتي أجرّ بالجرير أحبلا حتى نلت صاعين من تمر فأمسكت أحدهما لأهلي وأتيتك بالآخر فأمره رسول الله ﷺ أن ينثره في الصدقات، فلمزهم المنافقون، وقالوا: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلّا رياء، ولقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبي عقيل، ولكنه أحبّ أن يزكي نفسه ليعطي الصدقة «١» فأنزل الله ﷿: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ أي يعيبون ويغتابون الْمُطَّوِّعِينَ المتبرعين مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٥١، وفتح الباري: ٢٥٠٨، وأسباب النزول للواحدي: ١٧٢- ١٧٣.","vol":"5","page":76},{"text":"وقال النضر بن شميل: هو الطيب نفسه في الصدقة يعني عبد الرحمن وعاصم.\nوَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ طاقتهم يعني أبا عقيل.\nقرأ عطاء والأعرج: جَهْدَهُمْ بفتح الجيم، وهما لغتان مثل الجهد والجهيد، والضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد.\nوكان الشعبي يفرق بينهما فيقول الجهد: في العمل والجهد في القوة، وقال القتيبي في الجهد: الطاقة والجهد المشقة فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أو جازاهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.\nروى ابن عليّة عن الحريري عن أبي العليل قال: وقف على الحجر رجل فقال: حدثني أبي أو عمّي قال: شهدت رسول الله ﷺ وهو يقول: «من يصّدق اليوم بصدقة أشهد له بها عند الله يوم القيامة» . قال: وعليّ عمامة لي فنزعت منها لوثا أو لوثين لأتصدق بها ثم أدركني بما يدرك ابن آدم فعصّبت بها رأسي، قال: فجاء رجل لا أرى بالبقيع رجلا أقصر قامة ولا أشدّ سواد ولا أدم منه يقود ناقة لم أر بالبقيع ناقة أحسن ولا أجمل منها. فقال: هي وما في بطنها صدقة يا رسول الله، فألقى إليه بخطامها قال: فلمزه رجل جالس فقال: والله لم يتصدق بها ولهي خير منه. فنظر رسول الله ﷺ وقال: «بل هو خير منك ومنها «١»» [٤١]، يقول ذلك مليا فأنزل الله ﷿ هذه الآية ثم قال اسْتَغْفِرْ لَهُمْ يعني لهؤلاء المنافقين أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ\nلفظه [أمر ومعناه] جزاء تقديره: إن أستغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ والسبعون عند العرب غاية تستقصى بالسبعة، والأعضاء، والسبعة تتمة عدد الخلق، كالسماوات والأرض والبحار والأقاليم.\nورأيت في بعض التفاسير: إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً بإزاء صلواتك على [قبر] حمزة «٢» لن يغفر الله لهم.\nقال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله قد رخّص لي فسأزيدن على السبعين لعل الله أن يغفر لهم» [٤٢] .\nفأنزل الله ﷿: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ «٣» .\nوذكر عروة بن الزبير أن هذه الآيات نزلت في عبد الله بن أبي حين قال لأصحابه: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضّوا من حوله، ثمّ قال: لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ. فأنزل الله تعالى اسْتَغْفِرْ لَهُمْ. فقال النبي ﷺ: «لأزيدن على السبعين»\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٠/ ٢٥٠.\n(٢) كذا في المخطوط، وكلمة «قبر» زيادة منّا.\n(٣) سورة المنافقون: ٦.","vol":"5","page":77},{"text":"[٤٣] فأنزل الله: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ\nفأبى الله أن يغفر لهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ عن غزوة تبوك بِمَقْعَدِهِمْ بقعودهم خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ قال قطرب والمؤرخ: يعني مخالفة لرسول الله حين سار وأقاموا، وقال أبو عبيدة: يعني بعد رسول الله (ﷺ) .\nوأنشد الحرث بن خالد:\nعقب الربيع خلافهم فكأنما ... بسط الشواطب بينهن حصيرا «١»\nأي بعدهم، ويدل على هذا التأويل قراءة عمرو بن ميمون: خلف رسول الله ﷺ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ وكانت غزوة تبوك في شدة الحر قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ يعلمون ذلك، هو في مصحف عبد الله فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا في الدنيا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ قال أبو موسى الأشعري: إن أهل النار ليبكون الدموع في النار حتى لو أجريت السفن من دموعهم لجرت، ثمّ إنهم ليبكون الدم بعد الدموع ولمثل ما هم فيه فليبكي.\nوقال ابن عباس: إن أهل النفاق ليبكون في النار عمر الدنيا فلا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.\nشعبة عن قتادة عن أنس قال: قال أنس: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا وبكيتم كثيرا كثيرا فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ رجعك الله من غزوة تبوك إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ يعني من المخلّفين فإنما قال طائفة منهم لأنه ليس كل من تخلّف عن تبوك كان منافقا فَاسْتَأْذَنُوكَ في أن يكونوا في غزاة أخرى فَقُلْ لهم لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا عقوبة لهم على تخلّفهم إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ بمعنى تخلّفوا عن غزوة تبوك فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ قال ابن عباس: الرجال الذين تخلفوا بغير عذر.\nالضحاك: النساء والصبيان والمرضى والزمنى، وقيل: مَعَ الْخالِفِينَ. قال الفراء: يقال:\nعبد خالف وتخالف إذ كان مخالفا، وقيل: [ضعفاء] الناس ويقال: خلاف أهله إذ كان ذويهم، وقيل مع أهل الفساد من قولهم: خلف الرجل على أهله يخلف خلوفا إذ فسد، ونبيذ خالف أي فاسد [من قولك]: خلف اللبن خلوفا إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فم الصائم إذا تغيّرت ريحه، ومنه خلف سوء، وقرأ مالك بن دينار: مع المخالفين.\nوَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا\nقال المفسرون- بروايات مختلفة: بعث عبد الله بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ وهو مريض فلما دخل عليه رسول الله ﷺ قال له: أهلكك يهود، فقال: يا رسول الله إني لم أبعث إليك لتؤنبني ولكن بعثت إليك لتستغفر لي وسأله أن\n_________\n(١) لسان العرب: ٩/ ٨٦.","vol":"5","page":78},{"text":"يكفنه في قميصه ويصلي عليه، فلما مات عبد الله بن أبي انطلق ابنه إلى النبي (﵇) ودعاه إلى جنازة أبيه فقال له النبي ﷺ: ما اسمك؟ قال: الحباب بن عبد الله فقال ﷺ: «أنت عبد الله بن عبد الله، فإنّ الحباب هو الشيطان» [٤٤] «١» . ثم انطلق رسول الله ﷺ فلما قام قال له عمر بن الخطاب (﵁): يا رسول الله تصلي على عدو الله ابن أبي القائل يوم كذا وكذا، وجعل يعد أيامه ورسول الله ﷺ يبتسم حتى إذا أكثر عليه قال: عني يا عمر إنما خيرني الله فاخترت، قيل لي اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ هو أعلم فإن زدت على السبعين غفر له؟؟ ثم شهّده وكفّنه في قميصه ونفث في جنازته «٢» ودلاه في قبره.\nقال عمر (﵁): فعجبت من جرأتي على رسول الله (ﷺ) . فما لبث رسول الله ﷺ إلّا يسيرا حتى نزلت وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي لا تصلي على قبره بمحل لا تتولّ دفنه: من قولهم قام فلان بأمر فلان إذا كفاه أمره.\nإِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ فما صلى رسول الله ﷺ بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض، وعيّر رسول الله ﷺ فيما فعل بعبد الله بن أبي فقال رسول الله ﷺ: «وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله والله إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه» [٤٥] «٣» .\nقال الزجاج: فأسلم ألف من الخزرج لما رأوه يطلب الاستغفار بثوب رسول الله ﷺ وذكروا أنّ النبي ﷺ أسرّ إلى حذيفة أثني عشر رجلا من المنافقين فقال ستة يكفيهم الله بألف مائة شهاب «٤» من نار تأخذ كتف أحدهم حتى يفضي إلى صدره، وستة يموتون موتا. فسأل عمر حذيفة عنهم فقال: ما أنا بمخبرك أحد منهم ما كان حيا. فقال عمر: يا حذيفة أمنهم أنا؟ قال:\nلا. قال: أفي أصحابي منهم أحد. فقال: رجل واحد. قال: قال: فكأنما دلّ عليهم عمر حتى نزعه من غير أن يخبره به «٥» .\nوَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها الآية وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ الغني منهم جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأمثالهما وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ورحالهم رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٣٩٠.\n(٢) في تفسير الطبري: جلده.\n(٣) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٦٢. [.....]\n(٤) في تفسير الطبري: تكفيهم الدبيلة سراج من نار، والدبيلة الطاعون.\n(٥) تفسير الطبري: ١١/ ١٦.","vol":"5","page":79},{"text":"يعني النساء وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ يعني الحسنات.\nوقال المبرد: يعني الجواري الفاضلات. قال الله تعالى: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ «١» واحدها الخيرة وهي الفاضلة من كل شيء. قال الشاعر:\nولقد طعنت مجامع الربلات ... ربلات هند خير الملكات «٢»\nوَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ الآية وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ قرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن والضحاك وحميد ويعقوب ومجاهد وقتيبة: المعذرون خفيفة، ومنهم المجتهدون المبالغون في العذرة،\nوقال الضحاك: هم رهط عامر بن الطفيل تخلّفوا عن رسول الله ﷺ يوم تبوك خوفا على أنفسهم فقالوا: يا رسول الله إن نحن غزونا معك تغير أعراب طيّ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا، فقال رسول الله ﷺ لهم: «قد أنبأني الله من أخباركم وسيغنيني الله عنكم»\n[٤٦] .\nقال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بغير إذن رسول الله ﷺ، لأن الميم لا تدغم في العين، وقرأ مسلمة: المعّذّرون بتشديد العين والذال ولا وجه لها لأن الميم لا يدغم في العين لبعد مخرجيهما، وقرأ الباقون: بتشديد الذال، وهم المقصرون.\nيقال: أعذر في الأمر بالمعذرة وعذر إذا قصر.\nوقال الفراء: أصله المعتذر فأدغمت التاء في الذال وقلبت حركة التاء إلى العين.\nوَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ قراءة العامة بتخفيف الذال يعنون المنافقين، وقرأ أبي والحسن:\nكَذَّبُوا اللَّهَ بالتشديد سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ثم ذكر أهل العذر فقال لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ قال ابن عباس: يعني الزمنى والمشايخ والعجزة وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ يعني الفقراء حَرَجٌ إثم إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ في مغيبهم ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n_________\n(١) سورة الرحمن: ٧٠.\n(٢) صحاح الجوهري: ٢/ ٦٥٢، ونسبه لرجل من عدي جاهلي.","vol":"5","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>[سورة التوبة (٩): الآيات ٩٢ الى ١٠٥]</span>\nوَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٩٣) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤) سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ (٩٦)\nالْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨) وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩) وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ (١٠١)\nوَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢) خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)\nقال قتادة نزلت في عايد بن عمرو وأصحابه، وقال الضحاك: في عبد الله بن زائد وهو ابن أم مكتوم وكان ضرير البصر فقال: يا نبي الله إني شيخ ضرير البصر خفيف الحال نحيف الجسم وليس لي فائدة هل لي رخصة في التخلف عن الجهاد؟ فسكت النبي ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ نزلت في البكائين وكانوا سبعة: معقل بن يسار وصخر بن خنساء «١» . وهو الذي واقع امرأته في رمضان فأخبره رسول الله ﷺ أن يكفّر «٢» - وعبد الله بن كعب الأنصاري وعلبة بن زيد الأنصاري وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة وعبد الله بن معقل أتوا رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله إن الله ﷿ قد ندبنا للخروج معك فاحملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزوا معك، فقال النبي ﷺ: لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فتولوا وهم يبكون «٣» فذلك قوله تعالى: تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ\nقال مجاهد: نزلت هذه الآية [في عبد الله وعبد الرحمن وعقيل والنعمان وسويد]\n_________\n(١) راجع اسد الغابة: ٣/ ١٣، فذكره باسم: صخر بن سليمان، وفي الإصابة: صخر بن أميّة بن خنساء.\n(٢) قال ابن حجر في الإصابة: (٣/ ٣٣٢ ترجمة: ٤٠٦٤) المشهور أنّ صاحب قصّة الوقاع سلمة بن صخر فلعلّه تحريف من الثعلبي.\n(٣) أسباب النزول: ١٧٤.","vol":"5","page":81},{"text":"[وسنان] «١» إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ الآية يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ أن نصدّقكم قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ فيما بعد أتتوبون من نفاقكم أم تقيمون عليه ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ من المحسن والمسيء سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ انصرفتم إِلَيْهِمْ عندهم لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ [لتصفحوا عن جرمهم ولا] تردونهم ولا تؤنبونهم فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ودعوهم وما اختاروا لأنفسهم من الشأن والمعصية إِنَّهُمْ رِجْسٌ نجس، قال عطاء: أن عملهم نجس وَمَأْواهُمْ في الآخرة جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ\nقال ابن عباس: نزلت في جدّ بن قيس ومعتب بن قشير وأصحابهما وكانوا ثمانين رجلا من المنافقين فقال النبي ﷺ: «إذا قدموا المدينة لا تجالسوهم ولا تكلموهم» [٤٧] «٢» .\nوقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن أبي حلف النبي ﷺ بالذي لا إله إلّا هو أن لا يرضى عنهم بعدها، وليكون معه على عدوه وطلب إلى النبي ﷺ أن يرضى عنه فأنزل الله ﷿ هذه الآية\nيَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ الْأَعْرابُ يعني أهل البدو أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا من أهل الحضر وَأَجْدَرُ أحرى وأولى أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال قتادة: هم أقل علما بالسنن.\nوروى الأعمش عن إبراهيم قال: جلس أعرابي إلى زيد بن صوحان وهو مع أصحابه وكانت يده قد أصيبت يوم نهاوند فقال الأعرابي: والله ما أدري إن حديثك ليعجبني وإنّ يدك لترعبني فقال: أي يد من يدي «٣» إنها الشمال، فقال الأعرابي: والله ما أدري اليمين يقطعون أم الشمال؟ فقال زيد بن صوحان: صدق الله الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفاقًا الآية «٤» وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا قال عطاء: لا يرجو على إعطائه ثوابا ولا يخاف على إمساكه لها إنما ينفق خوفا رياء وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ يعني صروف الزمان التي تأتي مرّة بالخير ومرّة بالشرّ. قال: أن متى ينقلب الزمان عليكم فيموت الرسول ويظهر المشركون عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ قرأ ابن كثير وابن محصن ومجاهد وأبو عمرو بضم السين هاهنا وفي سورة الفتح، ومعناه الشر والضر والبلاء والمكروه، وقرأ الباقون على الفتح بالمصدر واختاره أبو عبيد وأبو حاتم في هذه الآية مِنَ الْأَعْرابِ أسد وغطفان وتميم واعراب حاضري المدينة ثم استثنى فقال\n_________\n(١) عن هامش تفسير القرطبي، وفي أسباب النزول: في بني مقرن معقل وسويد والنعمان، والمخطوط مطموس.\n(٢) انظر زاد المسير: ٣/ ٣٣١.\n(٣) في المصدر: ما يريبك من يدي.\n(٤) جامع البيان: ١١/ ٦.","vol":"5","page":82},{"text":"وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وقال الضحاك: يعني عبد الله ذا النجادين ورهطه.\nوقال الكلبي أسلم وغفار بنو جهينة وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ جمع قرابة وَصَلَواتِ الرَّسُولِ يعني دعاءه واستغفاره أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا منازلهم وأوطانهم وَالْأَنْصارِ الذين نصروا رسول الله ﷺ على أعدائه من أهل المدينة وأيّدوا أصحابه وقد كانوا آمنوا قبل أن يهاجروا إليهم بحولين وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ يعني الذين سلكوا سبيلهم في الإيمان والهجرة والنصرة إلى يوم القيامة.\nوقال عطاء: هم الذين يذكرون المهاجرين بالوفاء والترحّم والدعاء ويذكرون مجاورتهم ويسألون الله أن يجمع بينهم.\nوروي أن عمر بن الخطاب (﵁) قرأ: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان برفع الواو وحذف الواو من الذين، قال له أبيّ بن كعب: إنما هو وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ وإنه قد كرّرها مرارا ثلاثة، فقال له: إني والله لقد قرأتها على رسول الله ﷺ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ، وإنك يومئذ شيخ تسكن ببقيع الغرقد، قال: حفظتم ونسينا وتفرغتم وشغلنا وشهدتم وغبنا ثم قال عمر لأبيّ: أفيهم الأنصار؟ قال: نعم ولم يستأمن الخطاب ومن ثمّ قال عمر: قد كنت أظن إنّا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا فقال أبي: بلى، تصديق ذلك أول سورة الجمعة وأواسط سورة الحشر وآخر سورة الأنفال. قوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ إلى آخره وقوله تعالى: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ إلى آخر الآية، وقوله:\nوَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ، وقرأ الحسن وسلام ويعقوب: والأنصار رفعا عطفا على السابقين ولم يجعلوهم منهم وجعلوا السبق للمهاجرين خاصة والمقاسة على الخبر نسقا على المهاجرين.\nواختلف العلماء في السابقين الأولين من هم. فقال أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلّوا القبلتين جميعا.\nوقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدرا.\nوقال الشعبي: هم الذين شهدوا حجة الرضوان.\nواختلفوا أيضا في أول من آمن برسول الله ﷺ بعد امرأته خديجة بنت خويلد مع اتفاقهم أنها أول من آمن بالنبي ﷺ وصدّقته.\nفقال بعضهم: أول ذكر آمن برسول الله ﷺ وصلّى معه على بن أبي طالب (﵁)\nوهو قول ابن عباس وجابر وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر وربيعة الرأي وأبي حازم المدني.","vol":"5","page":83},{"text":"وقال الكلبي: أسلم علي وهو ابن تسع سنين\n، وقال مجاهد وابن إسحاق: أسلم وهو ابن عشر سنين.\nوقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال: كان نعمة الله على علي ابن أبي طالب (﵁) وما صنع الله له وأراد به من الخير أن قريشا أصابتهم أزمة شديدة وكان أبو طالب ذا عيال كثير فقال رسول الله للعباس وكانا من أيسر بني هاشم: «يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة فانطلق بنا فلنخفف عنه من عياله آخذ من بنيه رجلا وتأخذ من بنيه رجلا فنكفيهما عنه» .\nفقال العباس: نعم، فانطلقا حتى أتيا أبا طالب [فقالا: إنا نريد أن نخفّف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب]: إن تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله ﷺ عليا كرم الله وجهه فضمّه إليه وأخذ العباس جعفرا يضمّه إليه فلم يزل علي (﵁) مع رسول الله ﷺ حتى بعثه الله نبيّا فاتبعه علي (﵁) .\nفآمن به وصدقه ولم يزل جعفر مع العباس ﵁ حتى أسلم واستغنى عنه [٤٨] «١» .\nوروى إسماعيل بن أياس بن عفيف عن أبيه عن جده عفيف قال: كنت امرأ تاجرا فقدمت مكة أيام الحج فنزلت على العباس بن عبد المطلب وكان العباس لي صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشتري القطن فيبيعه أيام الموسم، فبينما أنا والعباس بمنى إذ جاء رجل شاب حين حلقت الشمس في السماء فرمى ببصره إلى السماء ثم استقبل الكعبة فلبث مستقبلها، حتى جاء غلام فقام عن يمينه فلم يلبث أن جاءت امرأة فقامت خلفهما فركع الشاب وركع الغلام والمرأة فخرّ الشاب ساجدا فسجدا معه فرفع الغلام والمرأة فقلت: يا عباس أمر عظيم! فقال: أمر عظيم. فقلت: ويحك ما هذا؟ فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب يزعم أن الله تعالى بعثه رسولا وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذا الغلام ابن أخي علي بن أبي طالب، وهذه المرأة خديجة بنت خويلد زوجة محمد قد تابعاه على دينه، ما على ظهر الأرض كلها على هذا الدين غير هؤلاء «٢» .\nقال عبد الله الكندي بعد ما رسخ الإسلام في قلبه: ليتني كنت رابعا. فيروي أن أبا طالب قال لعلي (﵁): أي بني ما هذا الذي أنت عليه قال: آمنت بالله ورسوله وصدقته فيما جاء وصليت معه لله. فقال له: أما أن محمدا لا يدعو إلّا إلى خير فالزمه «٣» .\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٥٨ والمستدرك: ٣/ ٥٧٦ وما بين المعقوفتين أثبتناه من المصادر.\n(٢) تاريخ دمشق: ٨/ ٣١٤ ط. دار الفكر.\n(٣) تاريخ الطبري: ٢/ ٥٨، وعيون الأثر لابن سيد الناس: ١/ ١٢٦، وذخائر العقبى: ٦٠. [.....]","vol":"5","page":84},{"text":"وروى عبد الله بن موسى عن العلاء بن صالح عن المنهال بن عمرو عن عبّاد بن عبد الله قال: سمعت عليّا يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلّا كذاب مفتر، صلّيت قبل الناس بسبع سنين «١» .\nوقال بعضهم: أول من أسلم بعد خديجة أبو بكر (﵁) وهو قول إبراهيم النخعي وجماعة يدلّ عليه ما\nروى أبو أمامة الباهلي عن عمرو بن عنبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، قلت: يا رسول الله من تبعك في هذا الأمر؟ قال ﷺ: «اتبعني رجلان حر وعبد أبو بكر وبلال» [٤٩] فأسلمت عند ذلك، فلقد رأيتني إذ ذلك ربع الإسلام.\nقال: وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا الحسن علي بن عبد الله البدخشي يقول سمعت أبا هريرة مزاحم بن محمد بن شاردة الكشي يقول: سمعت غياث بن معاذ يقول:\nسمعت وكيع بن الجراح يقول: عن إسماعيل بن خالد عن الشفهي قال: قال رجل لابن عباس:\nمن أول الناس إسلاما قال: أبو بكر (﵁) أما سمعت قول حسان بن ثابت:\nإذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا\nخير البرية أزكاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا\nالثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدّق الرسلا «٢»\nقال بعضهم: أول من أسلم من الرجال زيد بن حارثة، وهو قول الزهري وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس، وكان إسحاق بن إبراهيم الحنظلي جمع بين الأخبار فيقول: أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي ومن الموالي زيد بن حارثة.\nقال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر الصديق (﵁) أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله. قال: وكان أبو بكر رجلا مؤالفا لقومه محبا سهلا وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بها وبما كان منها من خير أو شر، وكان رجلا [ناجيا] ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يهابونه ويأتونه لغير واحد من الأمر لعلمه وتجاربه وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم على يديه- فيما بلغني- عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبد الله، فجاء بهم إلى رسول الله (﵁) حين استجابوا له فأسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية النفر الذين سبقوا إلى الإسلام من المهاجرين.\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٤٤، ومستدرك الصحيحين: ٣/ ١١٢، والمصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ٤٩٨.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٨/ ٤٤، وتفسير القرطبي: ٨/ ٢٣٦، وتاريخ بغداد: ١٥/ ٥١.","vol":"5","page":85},{"text":"فأما سبّاق الأنصار فأهل بيعة العقبة الأولى فكانوا سبعة، والثانية كانوا سبعين، والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد الدار فعلّمهم القرآن، فهو أول من جمع الصلاة بالمدينة وكانت الأنصار تحبه فأسلم معه سعد بن معاذ وعمرو بن الجموح وبنو عبد الأشهل كلهم وخلق من النساء والصبيان، وكان مصعب بن عمير صاحب راية رسول الله ﷺ يوم بدر ويوم أحد وكان وقى رسول الله ﷺ بنفسه يوم أحد حيث انهزم الناس، وبقي رسول الله ﷺ حتى نفذت المشاقص في جوفه، فاستشهد يومئذ فقال رسول الله ﷺ: «عند الله أحتسبه ما رأيت قط أشرف منه لقد رأيته بمكة وإن عليه بردين ما يدري ما قيمتهما وإنّ شراك نعليه من ذهب، وإنّ عن يمينه غلامين وعن يساره غلامين بيد كل واحد منهما [جفنة] من [طعام] يأكل ويطعم الناس، فآثره الله بالشهادة» [٥٠] «١» .\nوكان رسول الله ﷺ إذا [أهديت إليه طرفة حناها] «٢» لمصعب بن عمير فأنزل الله تعالى فيه: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ «٣» الآية\n، وأخذ أخوه يوم بدر أسيرا فقال: أنا أبو غدير بن عمير أخو مصعب فلم يشدد من الوثاق مع الأسرى وقالوا: هذا الطريق فاذهب حيث شئت، فقال:\nإني أخاف أن تقتلني قريش فذهبوا به إلى [...] «٤» فيمدّ يده بالخبز والتمر وكان يمدّ يده إلى التمر ويدع الخبز، والخبز عند أهل المدينة أعزّ من التمر، والتمر عند أهل مكة أعزّ من الخبز فلما أصبحوا حدّثوا مصعب بن عمير وقالوا له: أخوك عندنا وأخبروه بما فعلوا به. فقال: ما هو لي بأخ ولا كرامة، فشدّوا وثاقه فإن أمه أكثر أهل البطحاء حليّا فأرسلت أمه في طلبه ثمّ أقبل يوم أحد فلما رأى أخاه مصعب بن عمير. قال في نفسه: والله لا يقتلك غيري فما زال حتى قتله وفيه أنزل الله تعالى: فَأَمَّا مَنْ طَغى. وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى «٥» ثمّ جمعهم في الثواب فقال رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وقرأ أهل مكة «٦»: من تحتها الأنهار [وكذا هو في مصاحفهم] خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.\nقال الحسن بن الفضل: والفرق بينهما أن قوله تجري من تحتها الأنهار معناه تجري من تحت الأشجار، وقوله: تجري من تحتها أي ينبع الماء من تحتها ثمّ تجري من تحت الأشجار.\nوروي في هذه الآية أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل: «أين السابقون؟» [٥١] قال معاذ: قد مضى ناس فقال: السابقون المستهترون بذكر الله من أراد أن يرتع في رياض الجنة\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٠٨.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) سورة النازعات: ٤٠.\n(٤) كلام غير مقروء.\n(٥) سورة النازعات: ٣٧.\n(٦) نسبه في زاد المسير (٣/ ٣٣٤) لابن كثير.","vol":"5","page":86},{"text":"فليكثر ذكر الله تعالى\nوَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ نزلت في مزينة وجهينة وأسلم وأشجع وغفار وكانت منازلهم حول المدينة وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فيه اختصار وإضمار تقديره ومن أهل المدينة قوم مردوا على النفاق، أي مرّنوا وتربّوا عليه يقال: تمرّد فلان على ربّه ومرد على معصيته أي مرن وثبت عليها واعتادها ومنه: تمريد ومارد وفي المثل: تمرّد مارد وعزّ الإباق، وقال ابن إسحاق: لجّوا فيه وأبوا غيره، وقال ابن زيد وابان بن تغلب: أقاموا عليه ولم يتوبوا كما تاب الآخرون، وأنشد الشاعر:\nمرد القوم على حيهم ... أهل بغي وضلال وأشر\nلا تَعْلَمُهُمْ أنت يا محمد نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ قال قتادة في هذه الآية: ما بال أقوام يتكلّفون على الناس يقولون فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري أخبرني أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه الأنبياء قبلك قال نبي الله نوح (﵇): وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ «١» وقال نبي الله شعيب (﵇): وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ «٢» وقال الله لنبيه ﵇: لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ واختلفوا في هذين العذابين\nوروي عن أبي مالك عن ابن عباس قال: قام رسول الله ﷺ خطيبا يوم الجمعة فقال: «أخرج يا فلان فإنك منافق. اخرج يا فلان فإنك منافق» [٥٢] .\nفأخرج من المسجد ناسا وفضحهم فهذا العذاب الأول، والثاني عذاب القبر.\nوقال مجاهد: بالجوع وعذاب القبر، وعنه أيضا: بالجوع والقتل وعنه بالجوع مرّتين، وعنه: بالخوف والقتل.\nوقال قتادة: عذاب الدنيا وعذاب القبر، وفيه قصة الاثني عشر في حديث حذيفة.\nوقال ابن زيد: المرّة الأولى المصائب في الأموال والأولاد، والمرة الأخرى في جهنم.\nوقال ابن عباس: إن المرة الأولى إقامة الحدود عليهم والثاني عذاب القبر.\nقال الحسن: إحدى المرتين أخذ الزكاة من أموالهم والأخرى عذاب القبر، فيقول تفسيره في سورة النحل ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ.\nوقال ابن إسحاق: هو ما يدخل عليهم في الإسلام، ودخولهم من غير حسبة ثمّ عذابهم في القبور إذا صاروا إليها ثمّ العذاب العظيم في الآخرة والخلد فيه.\n_________\n(١) سورة الشعراء: ١١٢.\n(٢) سورة هود: ٨٦.","vol":"5","page":87},{"text":"وفي بعض التفاسير: الاولى ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم والأخرى عذاب القبر.\nوقيل: تفسيره في سورة النحل زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ.\nوقال مقاتل بن حيان: الأول بالسيف يوم بدر والثاني عند الموت.\nمعمر عن الزهري عن الحسن قال: عذاب النبي وعذاب الله. يعني بعذاب النبي ﷺ قوله تعالى: مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا «١» . قال عطاء: الأمراض في الدنيا والآخرة فإن من مرض من المؤمنين كفّر الله سيّئاته ومحض ذنوبه فأبدله لحما من لحمه ودما كثيرا من دمه وأعقبه ثوابا عظيما، ومن مرض من المنافقين زاده الله نفاقا وإثما وضعفا كما قال في هذه السورة: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ يريد أنهم يمرضون في كل عام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فيردّون إلى عذاب عظيم شديد فظيع.\nوقال الربيع: بلايا الدنيا وعذاب الآخرة ثم يردون الى عذاب عظيم عذاب جهنم.\nوقال إسماعيل بن زياد: أحد العذابين ضرب الملائكة والوجوه والأدبار، والثاني عند البعث يوكل بهم عتق من النار.\nوقال الضحاك: مرّة في القبر ومرّة في النار، وقيل: المرّة الأولى بإحراق مسجدهم مسجد ضرار والثانية بإحراقهم بنار جهنم، وقيل: مرّة بإنفاق أموالهم ومرّة بقتلهم بالسيف إن أظهروا ما في قلوبهم «٢» .\nوَآخَرُونَ يعني ومن أهل المدينة آخرون أو من الأعراب وليس براجع إلى المنافقين اعْتَرَفُوا أقرّوا بك وبربّهم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وهو إقرارهم وتوبتهم وَآخَرَ سَيِّئًا أي بعمل سيّئ وضع الواو وموضع الياء فكما يقال: استوى الماء والخبث أي بالخبث وخلطت الماء واللبن أي باللبن فالعمل السيء تخلفهم عن رسول الله ﷺ وتركهم الجهاد عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ وعسى ولعل من الله واجب وهما حرف ترجّ.\nإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ\nنزلت هذه الآية في قوم كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك ثم ندموا عليه وتذمموا، وقالوا: نكون في الكن والظلال مع النساء ورسول الله ﷺ في الجهاد! والله لنوثقنّ أنفسنا بالقيود في أيدينا حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقنا أو يعذبنا، وبقوا أنفسهم بسواري المسجد فلما رجع رسول الله ﷺ مرّ بهم فرآهم فقال: من هؤلاء؟ قالوا: تخلّفوا عنك فعاهدوا الله ألّا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٦١.\n(٢) راجع زاد المسير: ٣/ ٣٣٥، وتفسير القرطبي: ٨/ ٢٤١.","vol":"5","page":88},{"text":"وتعذرهم، فقال رسول الله ﷺ: «وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى أؤمر بإطلاقهم، رغبوا عني وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين» فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلما نزلت أرسل إليهم النبي ﷺ فأطلقهم وعذرهم فلما أطلقوا قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلّفتنا عنك فتصدّق بها عنا وطهّرنا واستغفر لنا.\nفقال رسول الله ﷺ: «ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا» [٥٣] فأنزل الله ﷿:\nخُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً الآية «١» .\nواختلفوا في أعداد هؤلاء الناس وأسمائهم فروى علي بن ابي طلحة عن ابن عباس قال:\nكانوا عشرة رهط منهم أبو لبابة، وقال سعيد بن جبير وزيد بن أسلم أبو [منية]: منهم هلال وأبو لبابة وكردم ومرداس وأبو قيس، وقال قتادة والضحاك: كانوا سبعة منهم جد بن قيس وأبو لبابة وجذام وأوس، كلّهم من الأنصار.\nوقال عطية عن ابن عباس: كانوا خمسة أحدهم أبو لبابة، وقال آخرون: نزلت في أبي لبابة واختلفوا في ذنبه. فقال مجاهد: نزلت هذه الآية في أبي لبابة حين قال لقريظة: إن نزلتم على حكمه فهو الذبح وأشار إلى رقبته، وقد مضت القصة في سورة الأنفال. فندم وتاب فأقرّ بذنبه فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nقال الزهري: نزلت في تخلّفه عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فربط نفسه بسارية فقال:\nوالله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ. فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا حتّى خرّ مغشيا عليه فأنزل الله تعالى وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ الآية فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة فقال: والله لا أحل نفسي منها حتى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يحلّني، فجاء النبي ﷺ فحلّه بيده، ثمّ قال أبو لبابة: يا رسول الله إن من توبتي أن أبرّ دار قومي التي أصبت بها الذنب وأن انخلع من مالي كله صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: «يجزيك يا أبا لبابة الثلث» [٥٤] «٢» .\nقالوا جميعا: وأخذ رسول الله ﷺ منهم ثلث أموالهم وترك الإثنين لأن الله ﷿ قال: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ ولم يقل: أموالهم، فذلك لم يأخذ كلها.\nوقال الحسن وقتادة: هؤلاء سوى الثلاثة الذين تخلّفوا تطهرهم بها من ذنوبهم والقراءة بالرفع حالا لا جوابا، أي خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً مطهرة ومزكّية كقول الحطيئة:\nمتى تأته تعشو الى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقف\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ١٧٤.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١١/ ٢٢. [.....]","vol":"5","page":89},{"text":"وقرأ مسلمة بن محارب: تطهِّرْهم وتزكيهم بالجزم على الجواب، وقرأ الحسن: تُطْهِرُهُمْ خفيفة من أطهر تطهير وَتُزَكِّيهِمْ أي تطهرهم، وقيل: تصلحهم، وقيل: ترفعهم من منازل المنافقين الى منازل المخلصين، وقيل: هي أموالهم.\nوَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي استغفر لهم وادع لهم، وقيل: هو قول الوالي إذا أخذ الصدقة: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، والصلاة في اللغة الدعاء ومنه\nقول النبي ﷺ: «إذا دعي أحدكم الى طعام فليجبه فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل»\n[٥٥] «١» أي فليدع، وقال الأعشى:\nوقابلها الريح في دنّها ... وصلّي على دنّها وارتسم «٢»\nأي دعا لها بالسلامة والبركة.\nوقال أيضا:\nتقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا\nعليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا «٣»\nإِنَّ صَلاتَكَ قرأ أهل الكوفة: صلاتك على الواحد «٤» هاهنا وفي سورة هود «٥» والمؤمنين بإضماره.\nأبو عبيد قال: لأن الصلاة هي من الصلوات، وروى ذلك عن ابن عباس، ألا تسمع الله يقول: أَقِيمُوا الصَّلاةَ فهذه صلاة الأبد، والصلوات للجمع كقوله: صليت صلوات أربع وخمس صلوات، وقرأ الباقون كلها بالجمع واختاره أبو حاتم، قال: ومن زعم أنّ الصلوات من الصلاة لأن الجمع بالتاء قليل فقد غلط، لأن الله تعالى قال: ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ «٦» وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها «٧» لم يرد القليل.\nسَكَنٌ لَهُمْ قال ابن عباس: رحمة لهم، وقال قتادة: وقار لهم، وقال الكلبي: طمأنينة لهم إن الله قد قبل منهم «٨»، وقال معاذ: تزكية لهم منك، أبو عبيدة: تثبيت.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٥٠٧.\n(٢) الصحاح للجوهري: ٥/ ١٩٣٣.\n(٣) معاني للقرآن للنحاس: ١/ ٨٤.\n(٤) في تفسير القرطبي: التوحيد.\n(٥) قوله تعالى: (أَصَلاتُكَ)\n. (٦) سورة لقمان/ ٢٧.\n(٧) سورة التحريم/ ١٢.\n(٨) في زاد المسير: ٣/ ٣٣٧ نسبه لأبي صالح عن ابن عباس.","vol":"5","page":90},{"text":"وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ\nشعبة عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن أبي أوفى، وكان من أصحاب الشجرة: أنّ النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقاتهم قال: «اللهم صلّ عليهم»، فأتيته بصدقتي فقال:\n«اللهم صلّ على أبي أوفى» قال ابن عباس: ليس هذا صدقة الفرض، إنما هو كصدقة كفارة اليمين، وقال عكرمة: هو صدقة الفرض. فلما نزلت توبة هؤلاء قال الذين لم يذنبوا متخلّفين:\nهؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فقال الله ﷿: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ الآية\nومعنى أخذ الصدقات. قبولها.\nالشافعي عن سفيان بن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة قال:\nسمعت أبا القاسم ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة من كسب قوته ولا يقبل الله [عمله] ولا يصعد الى السماء إلّا طيّب إلّا كان إنما يضعها في يدي الرحمن فيربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى أن [اللقمة] لتأتي يوم القيامة وإنها كمثل الجبل العظيم» [٥٦] . ثم قرأ:\nأَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ\n، وتصديق ذلك في كتاب الله المنزل يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ إلى قوله بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nوقال مجاهد: هذا وعيد لهم،\nوفي الخبر: لو أتى عبد الله في صخرة لا باب لها ولا كوّة لخرج عمله الى الناس كائنا ما كان «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٠٦ الى ١١٠]</span>\nوَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)\nوَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ أي مؤخرون لأمر الله ليقضي فيهم ما هو قاض،\nوهم الثلاثة الذين خلفوا وربطوا بالسواري أنفسهم ولم يبالغوا في التوبة والاعتذار كما فعل أبو لبابة وأصحابه فرفق بهم رسول الله ﷺ ونهى الناس عن مكالمتهم وأمر نساءهم باعتزالهم حتى شقهم القلق وتهتكهم الحزن وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ برحبها وكانوا من أهل [بدر، فجعل الناس] يقولون: هلكوا إذا لم ينزل لهم عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى أن يغفر الله لهم،\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢٨\n.","vol":"5","page":91},{"text":"فصاروا فرحين لأمر الله لا يدرون يعذبون أو يرحمون حتى تاب الله عليهم بعد خمسين ليلة ونزلت وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.\nقوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا الآية،\nقال المفسرون: إنّ بني عمر بن عوف اتخذوا مسجد قبا وبعثوا الى رسول الله ﷺ يأتيهم فأتاهم فصلى فيهم فحسدهم إخوتهم بنو غنم ابن عوف، وقالوا: نبني مسجدا ونرسل الى رسول الله ﷺ يصلي فيه كما صلى في مسجد إخوتنا وليصلي فيه أبو عامر النعمان الراهب إذا قدم من الشام وكان أبو عامر رجلا منهم وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة وكان قد ترهّب في الجاهلية وتنصّر ولبس المسوح. فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الذي جئت به؟ قال: «جئت بالحنيفيّة دين إبراهيم»، قال أبو عامر: فأنا عليها قال النبي ﷺ: «فإنك لست عليها» قال: بلى ولكنك أدخلت في الحنيفيّة ما ليس منها، فقال النبي ﷺ: «ما فعلت ولكني جئت بها بيضاء نقية»، فقال للنبي ﷺ:\nأمات الله الكاذب منّا طريدا وحيدا، فقال رسول الله ﷺ: «آمين»، وسمي العامر الفاسق. فلما كان يوم أحد قال أبو عامر لرسول الله ﷺ: إن أجد قوما يقاتلونك إلّا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله الى يوم حنين فلما انهزمت هوازن خرج الى الروم يستنصر وأرسل الى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي مسجدا فإني ذاهب الى قيصر ملك الروم فآت بجند من الروم فأخرج محمدا وأصحابه، وذلك قوله تعالى: وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فبنوا مسجدا الى جنب مسجد قبا وكان الذين بنوه اثنا عشر رجلا: خذام بن خالد ومن داره أخرج المسجد، وثعلبة بن حاطب، ومعتب بن قشير، وأبو الأرعد، وعباد بن حنيف، وحارثة بن عامر، [وجارية وابناه] «١» مجمّع وزيد، ونبتل بن الحارث. ولحاد بن عثمان، ووديعة ابن ثابت، وكان يصلي بهم مجمع بن يسار، فلما فرغوا أتوا رسول الله ﷺ وهو يتجهز الى تبوك، وقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فقال رسول الله ﷺ: «إني على جناح السفر ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه» [٥٧] .\nفلما انصرف رسول الله ﷺ من تبوك ونزل [بذي أوان] بلد بينه وبين المدينة ساعة، فسألوه إتيان مسجدهم فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم فنزل عليه القرآن فأخبره الله ﷿ خبر مسجد الضرار وما هموا به فدعا رسول الله ﷺ مالك بن الدخشم ومعن بن عدي وعامر بن السكن والوحشي قاتل حمزة وقال لهم: «انطلقوا الى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه وأحرقوه» فخرجوا سريعا حتى أتوا سالم بن عوف وأتوا رهط مالك بن الدخشم فقال مالك لهم: انتظروا حتى آتي لكم بنار من أهلي فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجوا ينشدون\n_________\n(١) التصحيح من أسباب النزول للواحدي: ١٧٥.","vol":"5","page":92},{"text":"حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدّموه وتفرّق عنه أهله وامر النبي ﷺ أن يتخذ ذلك كناسة تلقى فيه الجيف والدنس والقمامة، ومات أبو عامر الراهب بالشام وحيدا غريبا وفيه يقول كعب بن مالك:\nمعاذ الله من فعل الخبيث ... كسعيك في العشيرة عبد عمرو\nفاما قلت بأن لي شرف ونخل ... فقدما بعت إيمانا بكفر «١»\nقال عكرمة: سأل عمر بن الخطاب رجلا منهم ماذا أعنت في هذا المسجد فقال: أعنت في سارية فقال عمر: أبشر بها في عنقك في نار جهنم.\nويروى أنّ بني عمر بن عوف الذين بنوا مسجد قبا سألوا عمر بن الخطاب في خلافته ليأذن لمجمع بن حارثة فيؤمّهم في مسجدهم فقال: لا ولا نعمة عين أليس هو مسجد الضرار، فقال له مجمّع: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ. فو الله لقد صليت فيه واني لا أعلم ما أضمروا عليه، ولقد علمت ما صلّيت معهم فيه كنت غلاما قارئا للقرآن وكانوا ثبوتا قد رغبوا وكانوا لا يعلمون من القرآن شيئا فصليت ولا أحسب منعوا شيئا إلّا أنهم يتضرعون الى الله ولم أعلم ما في أنفسهم.\nفعذره عمر وصدّقه وأمره بالصلاة في مسجد قبا.\nفهذا قصة مسجد الضرار الذي أنزل الله ﷿ فيه وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا قرأه العامة بالواو، وقول أهل المدينة والشام بغير الواو، وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة والشام.\nقال عطاء: لما فتح الله على عمر بن الخطاب الأمصار أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأمرهم ألّا يتخذوا في مدينتهم مسجدين مجاورا أحدهما لصاحبه.\nوروى ليث أن شقيقا لم يدرك الصلاة في مسجد بني عامر فقيل له: مسجد بني فلان لم يصلوا بعد. قال: لا أحب أن أصلي فيه فإنه بني على ضرار وكل مسجد بني على ضرار أو رياء أو سمعة فإن أصله ينتهي الى مسجد ضرار «٢» .\nوَكُفْرًا نفاقا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ يفرقون به جماعتهم لأنهم كانوا يصلون جمعا في مسجد قبا فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم دون مسجد قبا وبعضهم في مسجد قبا فيختلفوا بسبب ذلك ويفترقوا وَإِرْصادًا وانتظارا وإعدادا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وهو أبو عامر الراهب الذي سماه رسول الله ﷺ الفاسق ليصلي فيه إذا رجع من الشام ويظهر على رسول الله (ﷺ) .\n_________\n(١) القصّة بطولها مذكورة في أسباب النزول للواحدي ١٧٥، وزاد المسير: ٣/ ٣٣٩، والشعر في السيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ٤٢٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٣٦.","vol":"5","page":93},{"text":"قرأ الأعمش وإرصادا للذين حاربوا الله وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا ما أردنا إِلَّا الْحُسْنى إلّا الفعلة الحسنى وهي للمرضى المسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المسير الى مسجد رسول الله ﷺ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ في قولهم وحلفهم ثم قال لنبيه ﷺ لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا. لَمَسْجِدٌ اللام فيه لام الابتداء والقسم تقديره والله لمسجد أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى أى بني أصله وابتدئ بناؤه مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أي من أول يوم بني، وقيل معناه: منذ أول يوم وضع أساسه. قال المبرد: قيل في معنى البيت من حج وأمن دهر. أي من هو حج وأمن دهر، وأنشأ زهير:\nلمن الديار بقنة الحجر ... أقوين من حج، ومن دهر «١»\nمنذ حج ومنذ دهر. أَحَقُّ أولى أَنْ تَقُومَ فِيهِ مصليا، واختلفوا في المسجد الذي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى ما هو؟ فقال قوم: هو مسجد رسول الله ﷺ الذي فيه منبره وقبره.\nأخبرنا عبد الله بن حامد وأخبرنا العبدي. حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا الجماني، حدثنا عبد العزيز بن محمد عن عثمان بن عبد الله بن ابي رافع عن ابن عمر وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري قالوا: المسجد الذي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مسجد رسول الله (ﷺ) . يدل عليه ما\nروى حميد الخراط عن ابي سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الرحمن حدثه أنه دخل على رسول الله ﷺ في بيت بعض نسائه قال: فقلت: يا رسول الله اي المسجد الذي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى؟ فأخذ كفّا من الحصى فضرب به الأرض. ثم قال: «هو مسجدكم هذا مسجد المدينة» .\nوروى أنس بن ابي يحيى عن أبيه عن أبي سعيد الخدري: هو مسجد رسول الله ﷺ، وقال العوفي: هو مسجد قبا، فأتيا رسول الله ﷺ في ذلك فقال: هو هذا، يعني مسجد رسول الله (ﷺ) .\nقال ابن يزيد وابن زيد وعروة بن الزبير: هو مسجد قبا، وهي رواية علي بن أبي طلحة وعطية عن ابن عباس.\nفِيهِ ومن حضر رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا من الأحداث والنجاسات بالماء، قال الكلبي: هو غسل الأدبار بالماء، وقال عطاء: كانوا يستنجون بالماء لا ينامون بالليل على الجنابة.\nيروى أن رسول الله ﷺ قال لأهل قبا لما نزلت هذه الآية: «إن الله ﷿ قد أثنى عليكم في الطهور فما هو؟» [٥٨] قالوا: إنا نستنجي بالماء «٢» .\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٢٠٩، ولسان العرب: ٤/ ١٧٠ بذكر الصدر.\n(٢) كنز العمال: ١٣/ ٧ ح ٣٣٧٠٩. [.....]","vol":"5","page":94},{"text":"وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ اي المتطهرين فأدغمت التاء في الطاء لقرب مخرجيهما.\nقال يزيد بن عجرة: أتت الحمّى رسول الله ﷺ في صورة جارية سوداء فقال لها رسول الله ﷺ: «من أنت؟» قالت: أم ملدم انشف الدم، وآكل اللحم وأصفر الوجه وارقق العظم.\nفقال النبي ﷺ: «فاقصدي الأنصار فإن لهم علينا حقوقا» فحمّ الأنصار.\nفلما كان الغد قال: «ما للأنصار؟» قال: فحموا عن آخرهم. فقال: «قوموا بنا نعودهم» فعادهم وجعل يقول: «أبشروا فإنها كفارة وطهور» [٥٩] .\nقالوا: يا رسول الله ادعوا الله أن يديمها علينا [أعواما] «١» حتى تكون كفّارة لذنوبنا، فأنزل الله تعالى عليهم فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بالحمى عن معاصيهم وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ من الذنوب.\nأَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ اختلف القراء به فقرأ نافع وأهل الشام: أُسِّسَ بُنْيانُهُ بضم الهمزة والنون على غير تسمية الفاعل، وذكر أبو حاتم عن زيد بن ثابت، وقرأ عمارة بن صايد: آسَسَ بالمد وفتح السين والنون في وزن آمن، وكذلك الثانية وآسس واسّس واحد افعل وفعل يتقاربان في التعدية.\nوقرأ الباقون بفتح الهمزة وتشديد السين الاولى على تسمية الفاعل واختاره أبو عبيد وأبو حاتم.\nعَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وقرأ عيسى بن عمر تَقْوًى مِنَ اللَّهِ منوّنا وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا أي شفير وقال أبو عبيد: الشفا الحد وتثنيته: الشفوان.\nجُرُفٍ قرأ عاصم وحمزة بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتثقيل وهما لغتان وهو البئر التي لم تطؤ. قال أبو عبيدة: هو الهوّة وما يجرفه السيل من الأودية هارٍ أي هائر وهو الساقط الذي يتداعى بعضه في أثر بعض كما ينهار الرمل والشيء الرخو. يقال هو من المقلوب يقلب ويؤخر ياؤها فيقال هار [ولات] كما يقال شاكي السلاح وشائك السلاح وعاق وعائق، قال الشاعر:\nولم يعقني عن هواها عاق.\nوقيل: هو من هار يهار إذا انهدم مثل: خاف يخاف، وهذا مثل لضعف نيّاتهم وقلّة بصيرتهم في علمهم فَانْهارَ فانتثر يقال: هار وانهار ويهور بمعنى واحد إذا سقط وانهدم ومنه قيل تهوّر الليل إذا ذهب أكثره، وفي مصحف أبيّ: فانهارت به قواعده فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ\n_________\n(١) في المخطوط: الماء.","vol":"5","page":95},{"text":"قال قتادة: والله [ما تنامى] أن وقع في النار، وذكر لنا أنه حفرت بقعة فيها فرأى الدخان يخرج منه قال جابر بن عبد الله: رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار، وقال خلف بن ياسين الكوفي: حججت مع أبي في زمان بني أمية فرأيت في المدينة مسجد القبلتين يعني مسجد رسول الله ﷺ بقبا وفيه قبلة بيت المقدس، فلما كان زمان أبي جعفر قالوا:\nيدخل الجاهل فلا يعرف القبلة فهدّم البناء الذي بني على يدي عبد الصمد بن عليّ، ورأيت مسجد المنافقين الذي ذكره الله تعالى في القرآن وفيه جحر يخرج منه الدخان وهو اليوم مزبلة «١» .\nلا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً شكّا ونفاقا فِي قُلُوبِهِمْ يحسبون أنهم كانوا ببنائه محسنين كما حبب العجل إلى قوم موسى. قال ابن عباس: شكا ونفاقا، وقال الكلبي: حبّبه وزيّنه لأنّهم زعموا أنهم لا يتبعونه، وقال السدي وحبيب والمبرد: لأنّ الله هدم بنيانهم الذي بنوا حزازة في قلوبهم إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ تتقطع قلوبهم فيموتوا كقوله تعالى: لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ «٢» لأن الحياة تنقطع بانقطاع القلب.\nوقرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم: إلى أن تقطع، خفيفة على الغاية، يدل عليه تفسير الضحاك وقتادة، لا يزالون في شك منهم إلى أن يموتوا فيستيقنوا ويتبيّنوا.\nواختلف القراء في قوله تَقَطَّعَ. قال أبو جعفر وشيبة وابن عامر وحمزة والمفضل وحفص: تَقَطَّعَ بفتح التاء والطاء مشددا، يعني تقطع ثم حذفت إحدى التائين، وقرأ يحيى بن كثير ومجاهد ونافع وعاصم وأبو عمرو والكسائي تُقَطَّعَ بضم التاء وتشديد الطاء على غير تسمية الفاعل وهو اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم، وقرأ يعقوب تُقْطَعَ بضم التاء خفيفة من القطع.\nوروي عن ابن كثير (تَقْطَعَ) بفتح التاء خفيفة قُلُوبَهُمْ نصبا أي تفعل أنت ذلك بهم، وقرأ ابن مسعود والأعمش ولو قطعت قلوبهم.\nوَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٠٥.\n(٢) سورة الحاقة: ٤٦.","vol":"5","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١١ الى ١١٤]</span>\nإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١) التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)\nإِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ\nقال محمد بن كعب القرظي: لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نفسا. قال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال: «اشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، واشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم»، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟\nقال: «الجنة» [٦٠] «١» .\nوقال الأعمش: الجنة وهي قراءة عمر بن الخطاب (﵁) يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ قال إبراهيم النخعي والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بتقديم المفعول على الفاعل على معنى فيقتل بعضهم ويقتل الباقون، وقرأ الباقون: بتقديم الفاعل على المفعول وَعْدًا نصب على المصدر عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ ثم هنّأهم فقال عزّ من قائل:\nفَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ قال قتادة: ثامنهم وأغلى ثمنهم، وقال الحسن: أسمعوا بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على وجه الأرض مؤمن إلّا دخل في هذه البيعة.\nقال: ومرّ أعرابي بالنبي ﷺ وهو يقرأ هذه الآية قال: كلام من هذا؟ قال: كلام الله.\nقال: بيع والله مربح لا نقيله ولا نستقيله فخرج إلى الغزو فاستشهد «٢» .\nأنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي. قال: أنشدنا أبو الحسن العقيلي. أنشدنا بشر بن موسى الأسدي. أنشدني الأصمعي عن جعفر الصادق (﵁) .\nأثامن بالنفس النفيسة ربها ... فليس لها في الخلق كلهم ثمن\nبها تشترى الجنات إن أنا بعتها ... بشيء سواها إن ذلكم غبن\nإذا أذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... فقد ذهب الدنيا وقد ذهب الثمن «٣»\nوكان الصادق يقول: أيا من ليست له قيمة أنه ليس لأبدانكم إلّا الجنة فلا تبيعوها إلّا بها.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١١/ ٤٩.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: ٨/ ٢٦٨.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٨/ ٢٦٨، وفيه بدل الشطر الأخير:\nلقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن.","vol":"5","page":97},{"text":"وأنشدنا أبو القاسم الحبيبي. أنشدنا القاضي أبو الربيع محمد بن علي. أنشدنا أبو علي الحسن بن عاصم الكوفي:\nمن يشتري قبة في العدن عالية ... في ظل طوبى رفيعات مبانيها\nدلالها المصطفى والله بايعها ... فمن أراد وجبريل يناديها\nثم وصفهم فقال التَّائِبُونَ أي هم التائبون، وقرأ ابن مسعود التائبين العابدين بالنصب آخرها، قال المفسرون: تابوا من الشرك وبرأوا من النفاق الْعابِدُونَ المطيعون الذي أخلصوا فيه الشهادة.\nوقال الحسن وقتادة: هم قوم اتخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم فعبدوا الله على أحايينهم كلها في السراء والضراء الْحامِدُونَ الله على كل حال في كل نعمة السَّائِحُونَ الصائمون.\nالأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «السائحون الصائمون» [٦١] «١» .\nوروى شيبان بن عبد الرحمن عن الأشعث قال: سألت سعيد بن جبير عن السائحين فقال:\nهم الصائمون ألم تر أنّ الله ﷿ إذا ذكر الصائمين لم يذكر السائحين وإذا ذكر السائحين لم يذكر الصائمين.\nقال سفيان بن عيينة: أما إنّ الصائم سائح لأنه تارك اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح.\nوقال الشاعر في الصوم:\nتراه يصلي ليله ونهاره ... يظل كثير الذكر لله سائحا «٢»\nوقال الحسن: السَّائِحُونَ الذين صاموا عن الحلال وأمسكوا عن الحرام وهاهنا والله أقوام رأيناهم يصومون عن الحلال ولا يمسكون عن الحرام فالله ساخط عليهم، وقال عطاء:\nالسَّائِحُونَ الغزاة والمجاهدون، وعن عمرو بن نافع. قال: سمعت عكرمة وسئل عن قول الله تعالى: السَّائِحُونَ قال: هم طلبة العلم الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ يعني المصلين الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ قال بسام بن عبد الله: المعروف السنّة والمنكر البدعة.\nوَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ قال ابن عباس: القائمون على طاعة الله، وقال الحسن: أهل\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١١/ ٥٢.\n(٢) فتح القدير: ٢/ ٤٠٨.","vol":"5","page":98},{"text":"الوفاء ببيعة الله وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ. ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية، واختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية.\nفروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال له رسول الله ﷺ: «أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقا وأحسنهم عندي [قولا] ولأنت أعظم عليّ حقا من والدي فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي يوم القيامة. قل: لا إله إلا الله احاجّ لك بها عند الله» .\nفقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا يكلمانه حتى كان آخر شيء تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب. فقال النبي ﷺ: «لأستغفر لك يا عم الله» [٦٢] فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية، ونزلت إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ «١» الآية «٢» .\nقال الحسن بن الفضل: وهذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام والنبي ﷺ بمكة.\nوقال عمرو بن دينار: قال النبي ﷺ: استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى نهاني عنه ربي. فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي ﷺ لعمّه.\nفأنزل الله تعالى هذه الآية «٣» .\nوروى جعفر بن عون عن موسى بن عبيدة عن محمّد بن كعب [قال حدثنا محمد بن عبد الوهاب أخبرنا جعفر بن عون] «٤» قال: بلغني أنه لما اشتكى أبو طالب شكواه الذي قبض فيه، قالت قريش له: يا أبا طالب أرسل إلى ابن أخيك فيرسل إليك من هذه الجنّة فيكون لك شفاء، فخرج الرسول حتى وجد رسول الله ﷺ أبو بكر معه جالس فقال زيد: إنّ عمك يقول لك يا ابن أخي إني كبير وشيخ ضعيف فادعوا إليّ من جنتك هذه التي تذكر من طعامها وشرابها شيء يكون لي فيه شفاء.\n_________\n(١) سورة القصص: ٥٦.\n(٢) المستدرك ٢/ ٣٣٦.\n(٣) قال ابن حجر في فتح الباري: «وهذا فيه إشكال لأن وفاة أبي طالب كانت بمكة قبل الهجرة اتفاقا، وقد ثبت أن النبي (ﷺ) أتى قبر امه لما اعتمر فاستأذن ربّه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية، والأصل عدم تكرار النزول» ثم ذكر عدة روايات في ذلك من طرق مختلفة إلى أن قال: «فهذه طرق يعضد بعضها بعضا وفيها دلالة على تأخير نزول الآية عن وفاة أبي طالب،..، ويؤيد تأخير النزول ما تقدم في تفسير براءة من استغفاره (ﷺ) للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك ...» انتهى كلامه (فتح الباري: ٨/ ٣٩١، تفسير سورة القصص ح ٤٤٩٤.\n(٤) زيادة عن أسباب النزول للواحدي: ١٧٧.","vol":"5","page":99},{"text":"فقال أبو بكر: إن الله حرّمها على الكافرين. قال: فرجع إليهم الرسول فقال: بلغت محمّدا الذي أرسلتموني به فلم يحر إليّ شيئا فقال أبو بكر: إن الله حرمها على الكافرين قال:\nفحملوا أنفسهم عليه حتى أرسل رسولا من عنده فوجد الرسول في مجلسه فقال له مثل ذلك فقال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ طعامها وشرابها»، ثم قام في أثره حتى دخل معه البيت فوجده مملوءا رجالا فقال: «خلوّا بيني وبين عمي»، فقالوا: ما نحن بفاعلين وما أنت أحق به منا إن كانت لك قرابة فإن لنا قرابة مثل قرابتك فجلس إليه فقال: «يا عم جزيت عني خيرا كفلتني صغيرا وحفظتني كبيرا فجزيت عني خيرا. يا عماه أعنّي على نفسك بكلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة، قال: وما هي يا ابن أخي؟\nقال: قل لا إله إلّا الله وحده لا شريك له» . قال: إنك لي لناصح، والله لولا أن تعيّر بها بعدي يقال جزع عمك عند الموت لأقررت بها عينك، قال: فصاح القوم: يا أبا طالب أنت رأس الحنيفية ملة الأشياخ لا تحدث نساء قريش أني جزعت عند الموت. فقال رسول الله ﷺ:\n«لا أزال أستغفر لك ربي حتى يردّني فاستغفر له بعد ما مات» [٦٣] .\nفقال المسلمون: ما منعنا أن نستغفر لآبائنا ولذوي قرابتنا وقد استغفر إبراهيم لأبيه وهذا محمد يستغفر لعمه فاستغفروا للمشركين فنزلت هذه الآية.\nوالدليل- على ما قيل- أن أبا طالب مات كافرا «١» ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال أخبرنا المزني. قال: حدثنا أحمد بن نجدة حدثنا سعد بن منصور حدثنا أبو الأحوص أخبرنا أبو إسحاق قال: قال علي (﵇) لما مات أبو طالب: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن عمك.... «٢» ... قال: اذهب فادفنه ولا تحدثن شيئا حتى تأتيني، فانطلقت فواريته ثم رجعت إلى النبي ﷺ وعليّ أثر التراب فدعا لي بدعوات ما يسرني أنّ لي بها ما على الأرض من شيء.\nوقال أبو هريرة وبريدة: لما قدم النبي ﷺ مكة أتى قبر أمّه آمنة فوقف عليه حتى حميت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر لها فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية، فقام وبكى وبكى من حوله فقال: «إني استأذنت ربي أن أزورها فأذن لي واستأذنته أن أستغفر لها فلم يأذن لي فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت» [٦٤]، فلم نر باكيا أكثر من يومئذ.\n_________\n(١) روى ابن إسحاق وابن عساكر وغيرهما سماع العباس عمّ النبي الشهادة: (لا إله إلا الله) من أبي طالب، راجع تاريخ دمشق: ٧٠/ ٢٤٥ ط. دار إحياء التراث، وسيرة ابن إسحاق: ٢٣٨، والمواهب اللدنية: ١/ ١٣٣، وتاريخ الخميس: ١/ ٣٠٠.\n(٢) وذكر كلمة قبيحة على ما قيل، وعلي (﵇) أجل من أن يصدر منه هذا الكلام في حق شخص عادي فكيف تجاه أبيه. [.....]","vol":"5","page":100},{"text":"علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذه الآية فأمسكوا عن الاستغفار فنهاهم ولم ينتهوا أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا،\nوقال قتادة: قال رجال من أصحاب النبي ﷺ: يا نبي الله إن من آبائنا من كان يحسن الجوار ويصل الأرحام ويفك العاني ويوفي بالذمم ألا نستغفر لهم؟\nفقال النبي ﷺ: «بلى، وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه» [٦٥]، فأنزل الله تعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ أي ما ينبغي للنبي وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ.\nوقال أهل المعاني: ما كان في القرآن على وجهين أحدهما بمعنى النفي كقوله تعالى: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها «١» وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «٢» والأخرى بمعنى النهي كقوله تعالى: وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ «٣»، وقوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا نهي.\nمِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ بموتهم على الكفر، وتأوّل بعضهم الاستغفار في هذه الآية على الصلاة. قال عطاء بن أبي رباح: ما كنت أدع الصلاة على أحد من أهل هذه القبلة، ولو كانت حبشية حبلى من الزنا لأني لم أسمع الله حجب الصلاة إلّا عن المشركين «٤» كقوله: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا الآية، ثم عذر خليله إبراهيم ﵊ فقال: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ الآية.\nقال علي بن أبي طالب (﵁): أنزل الله قوله تعالى خبرا عن إبراهيم ﷺ قال: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا «٥» . [قال علي:] سمعت فلانا يستغفر لوالديه وهما مشركان فقلت له: أتستغفر لهما مشركان، قال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه، فأتيت النبي ﷺ فرويت ذلك له فأنزل الله تعالى هذه الآية «٦»\n، وأنزل قوله تعالى: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ إلى قوله إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ «٧» وقوله: إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ يعني بعد موعده.\nوقال بعضهم: الهاء في إيّاه عائدة إلى إبراهيم، وذلك إن أباه وعده أن يسلم فعند ذلك\n_________\n(١) سورة النمل: ٦٠.\n(٢) سورة آل عمران: ١٤٥.\n(٣) سورة الأحزاب: ٥٣.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ٦١.\n(٥) سورة مريم: ٤٧.\n(٦) تفسير الطبري: ١١/ ٦٠.\n(٧) سورة الممتحنة: ٤.","vol":"5","page":101},{"text":"قال إبراهيم: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي وقال بعضهم: هي راجعة إلى إبراهيم وذلك أن إبراهيم وعد أباه أن يستغفر له رجاء إسلامه، وهو قوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي، وقوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ الآية، تدلّ عليه قراءة الحسن: وعدها أباه بالباء.\nفَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ [بموت أبيه] تَبَرَّأَ مِنْهُ وقيل: معناه: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ في الآخرة أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، وذلك على ما\nروى في الأخبار أن إبراهيم ﷺ يقول يوم القيامة: رب والدي رب والدي، فإذا كانت الثالثة يريه الله فيقول له إبراهيم: إني كنت آمرك في الدنيا فتعصيني ولست بتاركك اليوم لشيء فخذ [بحبري] فتعلق به حتى تريد الجواز على الصراط حتى إذا أراد أن يجاوزه به كانت من إبراهيم (﵇) التفاتة فإذا هو بأبيه في صورة ضبع، فتخلّى عنه وتبرأ منه يومئذ\nوعلى هذا التأويل يكون معنى الكلام الاستقبال، تقديره: يتبيّن ويتبرأ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ اختلفوا في معناه،\nفروى شهر بن حوشب عن عبد الله بن شداد بن الهاد مرسلا أن رسول الله ﷺ سئل عن الأوّاه فقال: الخاشع المتضرع، وقال أنس: تكلّمت امرأة عند النبي ﷺ بشيء كرهه فنهاها عمر (﵁) فقال رسول الله ﷺ: «أعرض عنها فإنها أوّاهة» قيل: يا رسول الله وما الأوّاهة؟ قال: «الخاشعة» [٦٦] .\nوروى عبد الله بن رباح عن كعب في قول الله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ فقال: كان إذا ذكر النار قال: أوه.\nوقال عبد الله بن مسعود وعبيد بن عمير: الأواه الدعّاء، وقال الضحاك: هو الجامع الدعاء.\nوروى الأعمش عن الحكم عن يحيى بن الجرار قال: جاء أبو العبيدي رجل من سواد وكان ضريرا إلى ابن مسعود قال: يا عبد الرحمن من يسأل إذا لم يسألك، ما الأوّاه؟ فكأن ابن مسعود رق له فقال: الأواه الرحيم.\nوقال الحسن وقتادة: الأواه الرحيم بعباد الله، وقال أبو ميسرة: الأواه الرحيم يوم الحشر، عطية عن ابن عباس الأواه المؤمن بالحبشية. علي بن أبي طلحة عن ابن عباس الأواه المؤمن التواب، مجاهد: الأواه المؤمن [الموقن، وروي عن......] «١» عن ابن عباس وعلي ابن الحكم عن الضحاك، وقال عكرمة: هو المستيقن، بلغة الحبشة، ألا ترى أنك إذا قلت للحبشي الشيء فعرفه قال: أوّه، ابن أبي نجيح: المؤتمن. الكلبي: الأواه: المسبح الذي يذكر الله في الأرض القفرة الموحشة، وقال عقبة بن عامر: الأواه الكثير الذكر لله،\nوروى الحكم عن الحسن بن مسلم بن [ساق] أن رجلا كان يكثر ذكر الله ويسبح فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال:\nإنه أوّاه، وقيل: هو الذي يكثر تلاوة القرآن.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.","vol":"5","page":102},{"text":"وقال ابن عباس: أن رسول الله ﷺ دفن ميّتا فقال: «يرحمك الله إن كنت لأواه» [٦٧]، يعني تلاوة القرآن «١» .\nوقيل: هو الذي يجهر صوته بالذكر والدعاء والقرآن ويكثر تلاوته، وكان إبراهيم (﵇) يقول: آه من النار قبل أن لا تنفع آه «٢» .\nوروى شعبة عن أبي يونس الباهلي عن قاضي كان يجمع الحديث عن أبي ذر قال: كان رجل يطوف بالبيت ويقول في دعائه: أوه أوه، فشكاه أبو ذر إلى النبي ﷺ قال: «دعه فإنه أواه» [٦٨] . قال: فخرجت ذات ليلة فإذا رسول الله ﷺ يدفن ذلك الرجل ليلا ومعه المصباح «٣» .\nوقال النخعي: الأواه: الفقيه، وقال الفراء: هو الذي يتأوه من الذنوب، وقال سعيد بن جبير: الأواه المعلم للخير، وقال عبد العزيز بن يحيى: هو المشفق، وكان أبو بكر (﵁) يسمّى الأواه لشفقته ورحمته، وقال عطاء: هو الراجع عن كلمة ما يكره الله، وقال أيضا: هو الخائف من النار، وقال أبو عبيدة: هو المتأوه شفقا وفرقا المتضرع يقينا ولزوما للطاعة. قال الزجاج: انتظم قول أبي عبيدة جميع ما قيل: في الأواه وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوتا من تنفس الصعداء والفعل منه أوه وتأوه، وقال المثقب العبدي:\nإذا ما قمت ارحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين «٤»\nقال الراجز:\nفأوه الراعي وضوضا كلبه ... ولا يقال منه فعل يفعل\nحَلِيمٌ عمن سبه وناله بالمكروه وقد قيل أنه (﵇) استغفر لأبيه عند وعده إياه وشتمه، وقوله: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا «٥» فقال له: سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا «٦» وقال ابن عباس: الحليم السيد.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٦٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٨/ ٢٧٥.\n(٣) تفسير الطبري: ١١/ ٦٩.\n(٤) كتاب العين للفراهيدي: ٤/ ١٠٤.\n(٥) سورة مريم: ٤٦.\n(٦) سورة مريم: ٤٧. [.....]","vol":"5","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>[سورة التوبة (٩): الآيات ١١٥ الى ١٢١]</span>\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١١٦) لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)\nما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)\nوَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ يقول: وما كان الله [ليحكم] عليكم بالضلال بعد استغفاركم للمشركين قبل أن يتقدم إليكم بالنهي.\nوقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة، وبيانه لهم في معصيته وطاعته عامة، فافعلوا أو ذروا.\nوقال مقاتل والكلبي: لما أنزل الله تعالى الفرائض فعمل بها الناس [ثم] نسخها من القرآن وقد غاب [ناس] وهم يعملون للأمر الأول من القبلة والخمر وأشباه ذلك، فسألوا عنه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ يعني وما كان الله ليبطل عمل قوم عملوا بالمنسوخ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ\nقال الضحاك: ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا ... حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يأتون وما يذرون إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ثم عظّم نفسه فقال: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني يحكم فيهما بما يشاء يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ قال ابن عباس: ومن تاب الله عليه لم يعذبه أبدا.\nواختلفوا في معنى التوبة على النبي ﷺ فقال أهل التفسير: بإذنه للمنافقين في التخلف عنهم، وقال أهل المعاني: هو مفتاح كلام ما كان هو صنف توبتهم ذكر معهم كقوله فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ونحوه وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ أي في وقت العسرة ولم يرد ساعة بعينها. قال جابر: عسرة الظهر وعسرة الزاد وعسرة الماء.\nقال الحسن: كان الناس من المسلمين يخرجون على بعير يعقبونه بينهم يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه، كذلك كان زادهم التمر المسوس والشعير والأهالة المنتنة وكان النفر منهم يخرجون ما معهم إلّا التمرات بينهم فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها ثم يعطيها صاحبه فيمصها ثم يشرب عليها جرعة من الماء كذلك حتى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلّا النواة فمضوا [في قيض شديد] ورسول الله ﷺ على صدقتهم ويقينهم.","vol":"5","page":104},{"text":"وقال ابن عباس: قيل لعمر بن الخطاب (﵁) ما في شأن العسرة؟ فقال عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ [إلى قيض شديد] فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش حتى قلنا أن رقابنا ستقطع، حتى أن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى أنّ الرجل سينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق (﵁) لرسول الله: إن الله قد عودك في الدعاء خيرا فادع لنا، قال: «تحب ذلك»؟ قال: نعم، فرفع يديه ولم يرجع بها حتى أظلت السماء بسحاب ثم سكبت فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر «١» .\nمِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ تميل قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ لعظم البلاء، وقرأ العامة: تزاغ، بالتاء ودليله قراءة عبد الله قال: [زغيّهم] «٢»، قراءة حمزة والأعمش والجحدري والعباس بن زيد الثقفي بالياء. قال الأعمش: قرأتها بالياء في نية التأخير وفيه ضمير فاعل ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ. وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا يعني تاب على الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فلم يخرجوا، وقيل: خلفوا عن توبة أبي لبابة وأصحابه وأرجى أمرهم وقد مضت السنة.\nوقرأ عكرمة وحميد: خَلَفُوا بفتح الخاء واللام والتخفيف أي [فدله بعقب] رسول الله ﷺ،\nوروي عن جعفر بن محمد الصادق (﵁) انه قرأ: خالفوا\n، وقراءة الأعمش: وعلى الثلاثة المخلفين، وهم كعب بن مالك الشاعر ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية كلهم من الأنصار\nوروى عبيد عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري عن أبيه عبد الله بن كعب وكان قائد أبيه كعب حين أصيب بصره. قال: سمعت أن كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ قال: لم أتخلف عن النبي ﷺ في غزوة غزاها حتى كانت غزوة تبوك غير بدر ولم يعاتب النبي ﷺ أحدا تخلف عن بدر إنما خرج يريد العير فخرجت قريش مغيثين لعيرهم فالتقوا من غير موعد كما قال الله ﷿، ولعمري أن أشرف مشاهد رسول الله ﷺ في الناس لبدر، وما أحب أني كنت شهدتها مكان بيعتي ليلة العقبة حيث تواثقنا على الإسلام، ثم لم أتخلف عن النبي ﷺ بعد في غزوة غزاها إلى أن كانت غزوة تبوك وأذن الناس بالرحيل وذلك حين طاب الظلال وطابت الثمار، وكان قلّ ما أراد غزوة إلّا [ورى غيرها] «٣» وكان يقول: الحرب خدعة فأراد النبي ﷺ في غزوة تبوك أن يتأهّب الناس أهبتها وأنا أيسر ما كنت قد جهزت راحلتين، وأنا أقدر شيء في نفسي الجهاد وأنا في ذلك أصغو إلى الظلال وطيب الثمار فلم أزل كذلك حتى قام النبي ﷺ غاديا بالغداة وذلك يوم الخميس وكان يحب أن يخرج يوم الخميس فأصبح\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٣/ ٢٨٦.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) زيادة عن مسند أحمد: ٦/ ٣٨٧.","vol":"5","page":105},{"text":"غاديا فقلت: أنطلق غدا إلى السوق أشتري جهازي ثم ألحق بهم فانطلقت إلى السوق من غد فعسر عليّ بعض شأني فرجعت فقلت: أرجع غدا إن شاء الله فألحق بهم، فعسر عليّ بعض شأني أيضا فلم أزل كذلك حتى التبس بي الذنب وتخلّفت عن رسول اله صلى الله سلّم فجعلت أمشي في الأسواق وأطوف بالمدينة فيحزنني أنّي لا أرى أحدا تخلف إلّا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء وكان الناس كثيرا لا يجمعهم ديوان وكان جميع من تخلّف عن النبي ﷺ بضعا وثمانين رجلا ولم يذكرني النبي ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو بتبوك جالس: «ما فعل كعب بن مالك؟» [٦٩] .\nفقال رجال من قومي: يا نبيّ الله خلّفه راحلته والنظر في عطفيه، فقال له معاذ بن جبل:\nبئس ما قلت والله يا نبي الله ما نعلم إلّا خيرا، فبينما هم كذلك إذا همّ برجل مبيضا يزول به السراب فقال النبي ﷺ: كن أبا خيثمة الأنصاري وهو الذي تصدّق بصاع التمر فلمزه المنافقون، فلما قضى النبي ﷺ غزوة تبوك وقفل إلى المدينة [جعلت بما أخرج] من سخط النبي ﷺ فأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي حتى إذا قيل أن النبي ﷺ [مضى يصلي] بالغداة راح عني الباطل وعرفت أن لا أنجو إلّا بالصدق فدخل النبي ﷺ وصلّى في المسجد ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المخلفون يحلفون له ويعتذرون إليه فيستغفر لهم فقبل منهم علانيتهم ووكّل سرائرهم إلى الله تعالى فدخلت المسجد فإذا هو جالس فلما رآني تبسّم تبسّم المغضب فجئت فجلست بين يديه فقال: «ألم تكن قد ابتعت ظهرك» [٧٠] قلت: بلى يا رسول الله قال: «فما خلّفك»؟ [٧١] .\nقلت: والله لو كنت بين يديّ أجد من الناس غيرك جلست لخرجته من سخطته بعذر ولقد أوتيت جدلا، ولكن قد علمت يا نبي الله أني أن أخبرك اليوم بقول تجد علي فيه وهو حقّ فإنّي أرجو فيه عفو الله وإن حدّثتك اليوم حديثا ترضى عني فيه وهو كذب أو شك أن يطلعك الله عليه والله يا نبي الله ما كنت قط أيسر ولا أخف حاذا مني حين تخلفت عنك.\nفقال ﷺ: «أما هذا فقد صدقكم الحديث قم حتى يقضي الله فيك» .\nفقمت فإذا على أثري ناس من قومي فاتبعوني فقالوا: والله ما نعلمك أذنبت ذنبا قبل هذا فهلّا اعتذرت إلى النبي ﷺ حتى يرضى عنك فيه وكان استغفار رسول الله ﷺ لك كافيك من ذنبك ولم تقف نفسك موقفا ما تدري ماذا يقضي لك به؟! فلم يزالوا يؤنّبوني حتى صمّمت أن أرجع فأكذب نفسي فقلت: هل قال هذا القول أحد غيري؟ قالوا: نعم، قالوا: هلال بن أمية الواقفي وأبو مرارة بن ربيعة العامري. فذكروا رجلين صالحين قد شهدوا بدرا لي فيهما أسوة فقلت: والله لا أرجع إليه في هذا أبدا، ولا أكذب نفسي قال: ونهى النبي ﷺ الناس عن كلامنا [أيها الثلاثة من بين من تخلّف عنه قال: فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد وتنكّر لنا الناس حتى] ما هم بالذين نعرف، وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي الحيطان التي نعرف وتنكرت","vol":"5","page":106},{"text":"لنا الأرض حتى ما هي الأرض التي نعرف، [وكنت أقوى أصحابي وكنت أخرج فأطوف بالأسواق وآتي المسجد فأدخل فآتي النبي ﷺ فأسلّم عليه فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه بالسلام، فإذا قمت فأقبلت فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ بمؤخر عينيه وإذا نظرت إليه، واستكان أعرض عني فاستكانا صاحباي فجعلا يبكيان الليل لا يطلعان نفسيهما فلما طال علي ذلك المسلمين من جفوة حتى تسمّرت بظلّة حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إليّ فسلمت عليه فو الله ما ردّ عليّ السلام فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلمنّ أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت، فعدت فناشدته فقال: الله ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدران فبينا أطوف في السوق إذا برجل نصراني نبطي من نبط أهل الشام جاء بطعام له يبيعه ويقول: من سيدلّ على كعب بن مالك. فطفق الناس يشيرون له إليّ فأتاني فدفع إليّ كتابا من ملك غسّان فإذا فيه: أمّا بعد فإنه بلغني أن صاحبك قد جفاك وأقصاك [ولست بدار مضيعة ولا هوان] فالحق بنا نواسيك، فقلت: هذا من البلاء والشرف فسجّرت التنور فأحرقته فلما مضيت له بغضون ليلة إذا رسول الله ﷺ، أتاني فقال: «اعتزل امرأتك» فقلت: أطلقها. قال:\n«لا ولكن لا تقربها» وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك وكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر، قال: فجاءت امرأة هلال فقالت: يا نبي الله إنّ هلال بن أمية شيخ ضعيف فهل تأذن لي أن أخدمه قال: «نعم ولكن لا يقربك» .\nقالت: يا نبي الله والله ما به حركة لشيء ما زال مكبّا يبكي الليل والنهار. قد كان من أمره ما كان. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت: لا أستأذن فيها رسول الله وما يدريني ماذا يقول إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب. فلما مضت خمسون ليلة من حين نهى النبي ﷺ عن كلامنا فصلّيت على ظهر بيت لمّا صلّى الفجر وجلست وأنا في المنزلة التي قال الله ﷿: ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقت علينا أنفسنا إذ سمعت نداء من جبل سلع أن أبشر يا كعب بن مالك، فخررت ساجدا وعلمت أن الله قد جاء بالفرج ثم جاء رجل يركض على فرس وكان الصوت أسرع من فرسه [فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي، فكسوتها إياه ببشارته واستعرت ثوبين فلبستهما] «١» قال: وكانت توبتنا نزلت على النبي ﷺ ثلثي الليل فقالت أم سلمة عشيّتئذ: يا نبي الله ألا تبشر كعب بن مالك. قال: إذا يحطمك الناس ويمنعونكم النوم بسائر الليل وكانت أم سلمة محسنة في شأني حزنى بأمري فاستطلت إلى النبي ﷺ فإذا هو جالس في المسجد وحوله المسلمون فقام إلي طلحة ابن عبيد الله يهرول حتى صافحني وقال: «ليهنك توبة الله عليك»، والله ما قام رجل من المهاجرين غيره وكان كعب لا ينساها لطلحة.\n_________\n(١) عن تفسير الطبري، وفي مسند أحمد: فأعطيته ثوبي بشارة ولبست ثوبين آخرين.","vol":"5","page":107},{"text":"قال كعب: فلمّا سلمت على رسول الله وقلت: يا نبي الله من عند الله أم من عندك؟\nقال: «بل من عند الله» ثم تلا عليهم: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ إلى قوله وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ وقلت: يا نبي الله إن من توبتي ألّا أحدث الأصدقاء حتى أنخلع من مالي كلّه صدقة إلى الله وإلى رسوله فقال: «أمسك عليك بعض مالك فهو أخير لك» [٧٢]، قلت: فإني أمسك سهمي الذي من خيبر قال: فما أنعم الله عليّ نعمة بعد الإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﷺ حين صدقته أنا وصاحباي أن لا يكون كذبنا فهلكنا كما هلكوا وأني لأرجو أن لا يكون الله ﷿ أبلى أحدا في الصدق [منذ ذكرت ذلك لرسول الله أحسن مما ابتلاني والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله إلى يومي هذا] «١» وأني لأرجو أن يحفظني الله ﷿ فيما بقي\n، هذا ما انتهى إلينا من حديث الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا «٢» .\nحَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ المفسرون: أي ضاقت عليهم الأرض برمّتها وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ [ضاقت صدورهم بالهمّ والوحشة] وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ سمعت الحسن بن محمد بن جعفر النيسابوري وإبراهيم بن محمد بن زيد النيسابوري وعبد الله ختن والي بلد العراق يقول: سئل أبو بكر الوراق عن التوبة النصوح قال: أن تضيق علينا بما رحبت ويضيق عليه نفسه كتوبة كعب وصاحبه ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إعادة تأكيد لِيَتُوبُوا فهذا بالتوبة منه.\nسمعت أبا القاسم بن أبي بكر السدوسي، سمعت أبا سعيد أحمد بن محمد بن رميح الزيدي، سمعت الحسن بن علي الدامغاني يقول: قال أبو يزيد: غلطت في أربعة أشياء: في الابتداء مع الله سبحانه ظننت أني أحبه فإذا هو أحبّني قال الله تعالى: يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ «٣» فظننت أني أرضى عنه فإذا هو رضي عني قال الله تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وظننت أني أذكره فإذا هو ذكرني قال الله تعالى: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ «٤» وشئت أن أتوب فإذا هو تاب عليّ قال الله تعالى: ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال نافع: يعني مع محمد وأصحابه. سعيد بن جبير: مع أبي بكر وعمر، ابن جريح وابن حبّان: مع المهاجرين دليله قوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ إلى قوله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ «٥» .\nأخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله. محمد بن عثمان بن الحسن. محمد بن الحسين\n_________\n(١) عن تفسير الطبري.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ١١/ ٨١. ٨٣، ومسند أحمد: ٦/ ٣٨٧. ٣٩٠.\n(٣) سورة المائدة: ٥٤.\n(٤) سورة العنكبوت: ٤٥.\n(٥) سورة الحشر: ٨.","vol":"5","page":108},{"text":"ابن صالح. علي بن جعفر بن موسى. جندل بن والق. محمد بن عمر المازني. الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال:\nمع عليّ بن أبي طالب وأصحابه «١» .\nوأخبرني عبد الله محمد بن عثمان. محمد بن الحسن. علي بن العباس المقانعي. جعفر ابن محمد ابن الحسين. أحمد بن صبيح الأسدي. مفضل بن صالح. عن جابر عن أبي جعفر في قوله تعالى وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ قال: مع آل محمد (ﷺ) .\nيمان بن رباب: أصدقوا كما صدق الثلاثة الَّذِينَ خُلِّفُوا.\nابن عباس: مع الذين صدقت نياتهم فاستقامت قلوبهم وأعمالهم وخرجوا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك. بإخلاص ونيّة.\nقتادة: يعني الصدق في النية وقال: أو الصدق في الليل والنهار والسرّ والعلانية، وكان ابن مسعود يقول: كُونُوا مَعَ! الصَّادِقِينَ وكذا كان يقرأها، وابن عباس (ورضي عنه) عن النبي (ﷺ) .\nأخبرنا عبد الله بن حامد. عبد الله بن محمد بن الحسين. محمد بن يحيى، وهب بن جرير عن شعيب بن عمرو بن زيد عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: إن الكذب لا يصلح منه جدّ ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيته شيئا ثم لا ينجز شيئا اقرءوا إن شئتم الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ هل ترون في الكذب [رخصة] ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ظاهره خبر معناه نهي كقوله تعالى: ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ «٢» وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ سكان البوادي مزينة وجهينة وأسجح وأسلم وغفار أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ إذا غزا وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ في مصاحبته ومعاونته والجهاد معه.\nقال الحسن: يعني لا يرغبون بأنفسهم أن تصيبهم من الشدائد مثل ما يصيب رسول الله ﷺ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ في سفرهم ظَمَأٌ عطش، وقرأ عبد بن عمير ظماء بالمدّ وهما لغتان مثل خطا وخطأ وَلا نَصَبٌ ولا تعب وَلا مَخْمَصَةٌ مجاعة فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا أرضا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وطيهم إياها وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ولا يصيبون من عدوهم شيئا قتلا أو أسرا أو غنيمة أو عزيمة يقال: نلت الشيء فهو منيل إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ قال ابن عباس: بكل روعة تنالهم في سبيل الله سبعين ألف حسنة إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ فإن أصابهم ظمأ سقاهم الله من نهر الحيوان ولا يصيبهم ظمأ بعد، وإن أصابهم\n_________\n(١) انظر: نظم درر السمطين ٩١، وشواهد التنزيل للحسكاني: ١/ ٣٤٢.\n(٢) سورة الأحزاب: ٥٣.","vol":"5","page":109},{"text":"نصب أعطاهم الله العسل من نهر الحيوان [ولا يصيبهم] فيهم النصب، ومن خرج في سبيل الله لم يضع قدما ولا يدا ولا جنبا ولا أنفا ولا ركبة ساجدا ولا راكعا ولا ماشيا ولا نائما في بقعة من بقاع الله إلّا أذن الله له بالشهادة وبالشفاعة.\nواختلفوا في حكم هذه الآية، فقال قتادة: وهذه خاصة لرسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه خلافه إذا لم يكن للمسلمين اليه ضرورة وحاجة.\nقال: وذكر لنا أن النبي ﷺ قال: «لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلف سريّة يغزو في سبيل الله لكني لا أجد سعة فانطلق بهم معي ويشق عليّ أن أدعهم بعدي» . [٧٣] «١» .\nوقال الوليد بن مسلم: سمعت الأوزاعي وابن المبارك والفزاري والسبيعي وابن جابر وسعيد بن عبد العزيز يقولون في هذه الآية: انها لأول هذه الأمة وآخرها.\nوقال ابن زيد: هذا حين كان أهل الإسلام قليلا فلما كثروا نسخها الله وأباح التخلف لمن شاء فقال: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الآية وَلا يُنْفِقُونَ في سبيل الله نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً ولو علاقة سوط وَلا يَقْطَعُونَ ولا يتجاوزون وادِيًا في مسيرهم مقبلين أو مدبرين إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ يعني آثارهم وخطاهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ لهم بالثواب ويدخلهم الجنة بغير حساب.\nقال ابن عباس: أخبرنا أبو عمر الفراتي بقراءتي عليه أخبرنا أبو موسى أخبرنا مسدّد عن هارون ابن عبد الله الجمّال أخبرنا ابن أبي فديك عن الخليل بن عبد الله عن الحسين عن علي ابن أبي طالب وأبي الدرداء وأبي هريرة وأبي أمامة الباهلي وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين كلهم يحدّثون عن رسول الله ﷺ أنه قال: ومن أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه وأنفق في وجه ذلك فله بكل درهم يوم القيامة سبعمائة ألف درهم» ثم تلا هذه الآية وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ «٢» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٥٠٢.\n(٢) سورة البقرة: ٢٦١، والحديث في سنن ابن ماجة: ٢/ ٩٢٢ ح ٢٧٦١.","vol":"5","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>[سورة التوبة (٩): الآيات ١٢٢ الى ١٢٩]</span>\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ (١٢٥) أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)\nوَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٢٧) لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)\nوَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الآية\nقال ابن عباس في رواية الكلبي كان رسول الله ﷺ إذا خرج غازيا لم يتخلف إلّا المنافقون والمعذرون فلما أنزل الله تعالى عيوب المنافقين ومن نفاقهم في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلّف عن غزوة بعدها يغزوها رسول الله ﷺ ولا عن سرية أبدا.\nفلما أمر رسول الله ﷺ بالسرايا إلى الجهاد ونفر المسلمون جميعا إلى الغزو وتركوا رسول الله ﷺ وحده بالمدينة فأنزل الله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً يعني ليس لهم أن يخرجوا جميعا إلى العدو ويتركوا رسول الله ﷺ وحده.\nفَلَوْلا نَفَرَ فهلّا خرج مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ قبيلة مِنْهُمْ طائِفَةٌ جماعة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ يعني الفرقة القاعدين فإذا رجعت السرايا وقد نزلت بعدهم قوله تعالى: الْقاعِدُونَ. قالوا لهم إذا رجعوا: قد أنزل الله على نبيكم بعدكم قرآنا وقد تعلمنا فيمكث السرايا يتعلمون ما أنزل الله على نبيّهم من بعدهم ويبعث سرايا أخر فذلك لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ وليعلمونهم الأمر لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ولا يعملون خلافه.\nوقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة ومعنى الآية: لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ أي ليتبصّروا ويتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين ونصرة الدين وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ من الكفار إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ من الجهاد فيخبروهم بنصر الله النبي والمؤمنين، ويخبرونهم أنهم لا يدان «١» لهم بقتال النبي ﷺ والمؤمنين، لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ قتال النبي ﷺ فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار.\nقال الكلبي: ولها وجه آخر: ذكر أن أحياء من بني أسد بن خزيمة أصابتهم [سنة شديدة وأظهروا الشهادتين ولم يكونوا مؤمنين في السر فقدموا] حتى نزلوا بالمدينة فأفسدوا طرقها بالعذرات وأغلوا أسعارها فأنزل الله تعالى هذه الآية «٢» .\nوقال مجاهد: في أصحاب النبي ﷺ خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا\n_________\n(١) لا يدان: لا طاقة. [.....]\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ٢٦٦ وما بين المعكوفين منه.","vol":"5","page":111},{"text":"وخصبا ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى. قال الناس لهم: ما نراكم إلّا وقد تركتم صاحبكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك حرج وأقبلوا كلهم من البادية حتى دخلوا على النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ويستمعوا ما أنزل إليهم وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ الناس كلهم إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ويدعوهم إلى الله لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ بأس الله ونقمته باتباعهم وطاعتهم، وقعدت طائفة تريد المغفرة.\nوقال عكرمة: لما نزلت إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ الآية قال المنافقون من أهل البدو الذين تخلفوا عن محمد ولم ينفروا معه وقد كان ناس من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا إلى البدو إلى قومهم ليفقهوهم، فأنزل الله تعالى في المعذر لأولئك هذه الآية.\nوروى عن عبد الرزاق بن همام في قوله فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ قال: هم أصحاب الحديث.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أمروا بقتال الأقرب فالأقرب إليهم في الدار والنسب.\nقال ابن عباس: مثل قريظة والنضير وخيبر وفدك ونحوها.\nابن عمر: أراد بهم الروم لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ، والشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق.\nوكان الحسن إذا سئل عن قتال الروم والديلم تلا هذه الآية «١» .\nوَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً شدة وحمية، وقال الضحاك: جفاء، وقال الحسن: صبرا على جهادهم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالعون والنصر.\nوَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ قراءة العامة: برفع الياء لمكان الهاء وقرأ عبيد بن عمير: أَيَّكُمْ بفتح الياء وكلّ صواب زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا قال الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا يقينا وإخلاصا وتصديقا.\nوقال الربيع: خشية وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يفرحون بنزول القرآن. عن الضحاك عن ابن عباس: (وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) يعني سورة محكمة فيها الحلال والحرام فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيمانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وتصديقا بالفرائض مع إيمانهم بالرحمن\n_________\n(١) وقيل العرب قاله ابن زيد، راجع زاد المسير: ٣/ ٣٥١.","vol":"5","page":112},{"text":"وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بنزول الفرائض وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق فَزادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ كفرا إلى كفرهم وضلالا إلى ضلالهم وشكا إلى شكهم.\nوقال مقاتل: إثما إلى أثمهم وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ قال مجاهد في هذه الآية: الإيمان يزيد وينقص، وقال عمر بن الخطاب (﵁): لو وزن إيمان أبو بكر (﵁) بإيمان أهل الأرض لرجحهم، بلى إن الإيمان ليزيد وينقص، قالها ثلاث مرات.\nوروى زيد الشامي عن ذر قال: كان عمر يأخذ بيد الرجل والرجلين من أصحابه فيقول:\nتعالوا حتى نزداد إيمانا.\nقال علي بن أبي طالب (﵇): إن الإيمان يبدو لمظة بيضاء في القلب كلما ازداد الإيمان عظما ازداد ملك الناس حتى يبيض القلب كله، وأن النفاق يبدو لمظة سوداء في القلب فكلما إزداد النفاق إزداد ذلك السواد فيسود القلب كله. فأيم الله لو شققتم عن قلب مؤمن لوجدتموه أبيض ولو شققتم عن قلب منافق لوجدتموه أسود.\nوكتب الحسن إلى عمر بن الخطاب (﵁): إن للإيمان تشاد شرائع وحدود وفرائض من استكملها استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.\nوقال ابن المبارك عن الحسن: إلّا قرابة بزيادة الإيمان أو أردّ كتاب الله تعالى.\nأَوَلا يَرَوْنَ قرأ العامة بالياء خبرا عن المنافقين المذكورين، وقرأ حمزة ويعقوب: أولا ترون بالتاء على خطاب المؤمنين، وهي قراءة أبي بن كعب. قرأ الأعمش: أولم تر، وقرأ طلحة: أولا ترى وهي قراءة عبد الله بن عمر أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ يختبرون فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ قال: يكذبون كذبة أو كذبتين يصلون فيه، وقال مجاهد: يُفْتَنُونَ بالقحط والغلاء، عطية:\nبالأمراض والأوجاع وهي روائد الموت.\nقتادة: بالغزو والجهاد، وقيل: بالعدوّ، وقيل: يُفْتَنُونَ فيعرفون مرة وينكرون بأخرى. مرّة الهمداني: يُفْتَنُونَ يكفرون. مقاتل بن حيان: يفضحون بإظهار نفاقهم. عكرمة: ينافقون ثم يؤمنون ثمّ ينافقون كما أنهم ينقضون عهدهم في سنة مرة أو مرتين «١» ثُمَّ لا يَتُوبُونَ من نقضهم وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [بما صنع الله بهم]\nوكان رسول الله ﷺ إذا انقضوا عهودهم بعث إليهم السرايا فيقتلونهم.\nالحسن: يُفْتَنُونَ بالجهاد في سبيل الله مع رسوله ويرون تصديق ما وعده الله من النصر والظفر على من عاداه الله ثُمَّ لا يَتُوبُونَ لما يرون من صدق موعد الله، ولا يتّعظون، الضحاك: يُفْتَنُونَ بالغلاء والبلاء ومنع القطر وذهاب الثمار ثم لا يرجعون عن نفاقهم ولا يتفكرون في عظمة الله، وفي قراءة عبد الله: وما يذكرون.\n_________\n(١) يراجع زاد المسير: ٣/ ٣٥٣.","vol":"5","page":113},{"text":"وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فيها عيب المنافقين وتوبيخهم نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ كلام مختصر تقديره نظر بعضهم في بعض وقالوا أو أشاروا هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ إن قمتم فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد وإن علموا أحدا يراهم قاموا فانصرفوا ثُمَّ انْصَرَفُوا عن الإيمان بها، وقال الضحاك: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ يعني أطلع أحد منهم على سرائركم مخافة القتل قال الله صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان بالقرآن بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ قال ابن عباس: لا تقولوا إذا صليتم: انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، لكن قولوا قضينا الصلاة «١» .\nلَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ قراءة العامة بضم الفاء أي: من نسبكم تعرفون نسبه وحسبه وأي قبيلة من العرب من بني إسماعيل. قال ابن عباس: ليس في العرب قبيلة إلّا وقد ولدت النبي ﷺ مضريها وربيعها ويمانيها «٢» .\nقال الصادق: لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، حدثنا حامد بن محمد. علي بن عبد العزيز. محمد بن أبي هاشم حدّثني المدني عن أبي الحويرث عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ولدني من سفاح أهل الجاهلية وما ولدني إلّا نكاح كنكاح الإسلام»\n«٣» [٧٤] فإن الله تعالى جعله من أنفسهم، فلا تحسدونه على ما أعطاه الله من النبوة والكرامة.\nقرأ ابن عباس وابن ثعلبة: عبد الله بن فسيط المكي وابن محيصن والزهري مِنْ أَنْفَسِكُمْ بفتح الفاء أي من أشرفكم وأفضلكم من قولك: شيء نفيس إذا كان مرغوبا فيه. قال يمان: من أعلاكم نسبا عَزِيزٌ شديد عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ما صلة أي عنتكم وهو دخول المشقة والمضرّة عليكم. قال ابن عباس: ما ضللتم. قال الضحاك والكلبي: أثمتم، وقال العتيبي: ما عنتكم وضرّ بكم، وقال ابن الأنباري: ما هلكتم عليه حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي على إيمانكم وهداكم وصلاحكم، وقال قتادة: حريص على ضالهم أن يهديه الله، وقال الفراء: الحريص الشحيح أن تدخلوا النار.\nبِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رفيق رَحِيمٌ قيل: رَؤُفٌ بالمطيعين رَحِيمٌ بالمذنبين رَؤُفٌ بعباده رَحِيمٌ بأوليائه. رَؤُفٌ بمن يراه رَحِيمٌ بمن لم يره.\nقال عبد العزيز بن يحيى: نظم الآية: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ٩٩. ١٠١.\n(٢) تاريخ دمشق: ٣/ ٩٥ ط. دار الفكر.\n(٣) المعجم الكبير: ١٠/ ٣٢٩ ح ١٠٨١٢.","vol":"5","page":114},{"text":"بالمؤمنين رحيم عليه ما عنتم لا يهمه إلّا شأنكم وهو القائم بالشفاعة فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته فإنه لا يرضيه إلّا دخولكم الجنة\nلقوله ﷺ: «من ترك ما لا فلنؤتينه ومن ترك كلّا ودينا فعليّ وإلىّ» [٧٥] .\nفَإِنْ تَوَلَّوْا أعرضوا عن الإيمان وناصبوك فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ قراءة العامة بخفض الميم على العرش، وقرأ ابن محيصن: الْعَظِيمُ بالرفع على نعت الربّ، وقال الحسين بن الفضل: لم يجمع الله لأحد من الأنبياء بين اسمين من أسمائه إلّا للنبي ﷺ فإنه قال: بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ «١» .\nوقال يحيى بن جعدة: قال عمر بن الخطاب (﵁): لا تثبت آية في المصحف حتى يشهد عليها رجلان فجاء رجل من الأنصار بالآيتين من آخر سورة التوبة لَقَدْ جاءَكُمْ فقال عمر:\nوالله لا أسألك عليها بيّنة، كذلك كان رسول الله ﷺ فأثبتهما، وهي آخر آية نزلت من السماء في قول بعضهم، وآخر سورة كاملة نزلت سورة براءة.\nأخبرنا أبو عبد الله بن حامد، عن محمد بن الحسن عن علي بن عبد العزيز عن حجاج عن همام. عن قتادة قال: إن آخر القرآن عهدا بالسماء هاتان الآيتان خاتمة براءة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ إلى قوله رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.\nأبي بن كعب: إن أحدث القرآن عهدا بالله تعالى لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ إلى آخر السورة.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٤٣.","vol":"5","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>سورة يونس (ع)</span>\nمكية، وهي عشرة آلاف وثمانمائة وتسع وثمانون حرفا، وألفان وخمسمائة كلمة غير واحدة، ومائة وتسع آيات\nحدثنا حامد بن أحمد وسعيد بن محمد، ومحمد بن القاسم. قالوا: أخبرنا محمد بن مطر. إبراهيم بن شريك. أحمد بن يونس. سلام بن سليم. هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ سورة يونس أعطي من الأجر ومن الحسنات بعدد من صدّق بيونس وكذّب به، وبعدد من غرق مع فرعون»\n[٧٦] صدق رسول الله بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>[سورة يونس (١٠): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (١) أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ (٢) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤)\nالر قرئ بالتفخيم والإمالة وبين اللفظين، وكلها لغات صحيحة فصيحة.\nابن عباس والضحاك: أنا الله أرى، وقيل: أنا الرب لا رب غيري. عكرمة والأعمش والشعبي. الر وحم ون حروف الرحمن مقطعة. فإذا وصلت كان الرَّحْمنُ. قتادة: اسم من أسماء القرآن. أبو روق: فاتحة السورة، وقيل: عزائم الله، وقيل: هو قسم كأنّه قال: والله إنّ تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ.\nقال مجاهد وقتادة: أراد به التوراة والإنجيل والكتب المقدسة، وتلك إشارة إلى غائب مؤنث.\nوقال الآخرون: أراد به القرآن وهو أولى بالصواب لأنه لم يخص الكتب المقدمة قبل ذكره","vol":"5","page":116},{"text":"ولأن الحكيم من بعث القرآن، دليله قوله: الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ «١» ونحوها فيكون على هذا التأويل تِلْكَ يعني هذه وقد مضى القول في هذه المسألة في أول سورة البقرة الْحَكِيمِ المحكوم بالحلال والحرام والحدود والأحكام.\nوقال مقاتل: المحكم من الباطل لا كذب فيه ولا اختلاف وهو فعيل بمعنى فاعل كقول الأعمش في قصيدته:\nوعزيمة تأتي الملوك حكيمة ... قد قلتها ليقال من ذا قالها\nوقيل: هو الحاكم فعيل بمعنى فاعل بأنه قرأ: نزل فيهم الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ «٢» وقيل: بمعنى المحكوم فيه فعيل بمعنى المفعول.\nقال الحسن: حكم فيه بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وحكم فيه بالنهي عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ وحكم فيه بالجنة لمن أطاعه وبالنار لمن عصاه.\nوقال عطاء: حكيم بما حكم فيه من الأرزاق والآجال بما شاء.\nأَكانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا الآية، قال ابن عباس: لما بعث الله محمدا رسولا أنكرت الكفار وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد فأنزل الله تعالى: أَكانَ لِلنَّاسِ أهل مكة والألف للتوبيخ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنا ... أَنْ في محل الرفع وأَوْحَيْنا صلة له تقديره أكان للناس عجبا لإيحائنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ محمد، وفي حرف عبد الله: عجيب، بالرفع على اسم كان، وأن في محل نصب على خبره أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ أن على محل نصب بقصد الخافض وكذلك الثانية.\nوَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ.\nقال ابن عباس: أجرا حسنا بما قدموا من أعمالهم. قال الضحاك: ثواب صدق. مجاهد:\nالأعمال الصالحة، علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: سبقت لهم السعادة في الذكر الأول.\nسلف صدق، زيد بن أسلم: محمد ﷺ شفيع لهم. يمان: إيمانهم، عطاء: مقام صدق لا زوال فيه ولا بؤس، نعيم مقيم وخلود وخلود لا موت فيه، الحسن: عمل صالح أسلفوه [فأثابهم] عليه، الأعمش: سابقة صدق. أبو حاتم: منزل صدق نظيره وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ «٣» عبد العزيز بن يحيى: قَدَمَ صِدْقٍ. قوله ﷿: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى «٤» . الزجاج: منزلة رفيعة، وقيل: هو بعثهم وتقديم الله تعالى هذه الأمة في البعث يوم\n_________\n(١) سورة هود: ١.\n(٢) سورة البقرة: ٢١٣.\n(٣) سورة الإسراء: ٨٠.\n(٤) سورة الأنبياء: ١٠١.","vol":"5","page":117},{"text":"القيامة، بيانه\nقوله ﷺ: نحن الآخرون السابقون يوم القيامة\n، وقيل: عدة الله تعالى لهم، والقدم: القدم كالنقص والقبض وأضيف القدم إلى الصدق وهو [علة] كما قيل: مسجد الجامع، وحقّ اليقين.\nقال ابن الأعرابي: القدم المتقدم في الشرف.\nقال العجاج:\nزل بنو العوام عن آل الحكم ... وتركوا الملك لملك ذي قدم «١»\nأي متقدم.\nقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم. يقال: لفلان قدم في الإسلام، وله عندي قدم صدق، وقدم سوء، وهو مؤنث يقال: قدم حسنة وقدم صالحة. قال حسان بن ثابت:\nلنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأوّلنا في طاعة الله تابع «٢»\nقال ذو الرمّة:\nلكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العاديّ طمت على البحر «٣»\nوقال آخر:\nقعدت بهم قدم الفجار وذكرت ... أنسابهم من فضة من مالق\nأي ما يقدّم لهم من الفجّار.\nقالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ قال المفسرون: القرآن، وقرأ أهل الكوفة: لَساحِرٌ يعني محمد (ﷺ) .\nإِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال مجاهد: يقضيه وحده ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ أمره ذلِكُمُ اللَّهُ الذي فعل هذه الأشياء رَبَّكُمُ لا ربّ لكم سواه فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ معادكم جَمِيعًا نصب على الحال وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا صدقا لا خلف فيه، وهو نصب على المصدر، أي وعد الله وعدا حقّا فجاء به حقّا، وقيل: على القطع، وقرأ ابن أبي عبلة: وعد الله حق على الاستئناف، ثم قال: إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي يحميهم ابتداء ثم يميتهم ثم يحييهم، وقرأ العامة: إِنَّهُ،\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ١٠٣، وفيه: وشنئوا الملك لملك ذي قدم.\n(٢) تفسير القرطبي: ٨/ ٣٠٧.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١١/ ١١٠. [.....]","vol":"5","page":118},{"text":"[بكسر الألف على الاستئناف. وقرأ أبو جعفر: أَنَّهُ، بالفتح على معنى: لأنه وبأنه «١»، كقول الشاعر:\nأحقا عباد الله أن لست زائرا «٢» ... بثينة أو يلقى الثريا رقيبها «٣»\nلِيَجْزِيَ ليثيب الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ بالعدل ثم قال: مبتدئا وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ ماء حار قد انتهى حرّه حَمِيمٍ وهو بمعنى محموم فعيل بمعنى مفعول، وكل مسخن مغلي عند العرب فهو حميم. قال المرقش:\nوكل يوم لها مقطرة ... فيها كباء معدّ وحميم «٤»\nوَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥ الى ١٤]</span>\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)\nدَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٢) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣) ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً بالنهار وَالْقَمَرَ نُورًا بالليل. قال الكلبي: تضيء وجوههما لأهل السموات السبع وظهورهما لأهل الأرضين السبع.\n[قرأ الأكثرون: ضِياءً بهمزة واحدة] وروي عن ابن كثير: ضئاء بهمزت الياء، ولا وجه لها\n_________\n(١) في زاد المسير (٤/ ٧) زيادة: وقرأت عائشة وأبو رزين وعكرمة وأبو العالية والأعمش بفتحها قال الزجاج: من كسر فعلى الاستئناف ومن فتح فالمعنى إليه مرجعكم.\n(٢) في اللسان: لاقيا.\n(٣) لسان العرب: ١/ ٤٢٥.\n(٤) الكباء: ضرب من العود يتبخّر به، والبيت في لسان العرب: ٥/ ١٠٧.","vol":"5","page":119},{"text":"لأن ياءه كانت واوا مفتوحة، وهي عين الفعل أصله ضواء فسكنت وجعلت ياء كما جعلت في الصيام والقيام وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ أي قدر له بمعنى هيأ له وسوى له منازل لا يجاوزها ولا يقصر دونها.\nوقيل: جعل قدر مما يتعدى لمفعولين ولم يقل قدرهما، وقد ذكر الشمس والقمر وفيه وجهان: أحدهما أن يكون الهاء للقمر خاصة بالأهلة يعرف انقضاء الشهور والسنين لا بالشمس، والآخر أن يكون قد اكتفى بذكر أحدهما من الآخر، كما قال: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ «١» وقد مضت هذه المسألة لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ دخولها وانقضائها وَالْحِسابَ يعني وحساب الشهور والأيام والساعات ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ مثل ما في الفصل والخلق والتقدير، ولولا [وجود] الأعيان المذكور لقال: تلك إِلَّا بِالْحَقِّ لم يخلقه باطلا بل إظهارا لصنعه ودلالة على قدرته وحكمته، وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ فهذا الحق يُفَصِّلُ الْآياتِ يبيّنها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ.\nقال ابن كثير وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: يُفَصِّلُ بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله قبله ما خَلَقَ اللَّهُ وبعده وَما خَلَقَ اللَّهُ فيكون متبعا له، وقرأ ابن السميقع بضم الياء وفتح الصاد ورفع التاء من الآيات على مجهول الفعل، وقرأ الباقون بالنون على التعظيم.\nإِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ يوقنون فيعلمون ويقرّون.\nقال ابن عباس: قال أهل مكة: آتينا بآية حتى نؤمن بك فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nإِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا يعني لا يخافون عقابنا ولا يرجون ثوابنا، والرجاء يكون بمعنى الهلع والخوف وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا فاختاروها دارا لهم وَاطْمَأَنُّوا بِها وسكنوا إليها.\nقال قتادة في هذه الآية: إذا شئت رأيت صاحب دنيا لها يفرح ولها يحزن ولها يرضى ولها يسخط.\nوَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا أدلتنا غافِلُونَ لا يعتبرون. قال ابن عباس عَنْ آياتِنا محمد والقرآن غافِلُونَ معرضون تاركون مكذبون أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ من الكفر والتكذيب إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ فيه إضمار واختصار أي يهديهم ربهم بإيمانهم إلى مكان تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ قال أبو روق: يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ إلى الجنة، قال عطية: يَهْدِيهِمْ ويثيبهم ويجزيهم، وقيل ينجيهم.\n_________\n(١) سورة التوبة: ٦٢.","vol":"5","page":120},{"text":"مجاهد ومقاتل: يَهْدِيهِمْ بالنور على الصراط إلى الجنة يجعل لهم نورا يمشون به.\nقال النبي ﷺ: «إن المؤمن إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة [حسنة وبشارة حسنة] فيقول له. من أنت فو الله أني لأراك امرأ صدق؟ فيقول له: أنا عملك، فيكون له نورا وقائدا إلى الجنة، والكافر إذا خرج من قبره صوّر له عمله في صورة سيئة وريح منتنة فيقول: من أنت فو الله إني لأراك امرء سوء؟ فيقول: أنا عملك فينطلق به حتى يدخله النار «١» .\nوقيل: معنى الآية: بإيمانهم يهديهم ربهم لدينه أي بتصديقهم هداهم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ لم يرد أنها تجري تحتهم وهم فوقها، لأن أنهار الجنة تجري من غير أخاديد «٢» . وإنما معناه أنها تجري من دونهم وبين أيديهم وتحت أمرهم كقوله تعالى: قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا «٣» ومعلوم أنه لم يجعل السري تحتها وهي عليه قاعدة وإنما أراد به بين يديها، وكقوله تعالى مخبرا عن فرعون: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «٤»، أو من دوني وتحت أمري فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ. دَعْواهُمْ قولهم وكلامهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ.\nقال طلحة بن عبد الله سئل رسول الله ﷺ: عن سُبْحانَ اللَّهِ، فقال: هو تنزيه الله من كل سوء\n، وسأل ابن الكوّا عليا عن ذلك فقال: كلمة رضيها الله لنفسه «٥» .\nقال المفسرون: [هذه نعمة علم بين له وعين الخدام في] «٦» الطعام فإذا اشتهوا شيئا من الطعام والشراب قالوا: سبحانك اللهم. فيأتوهم في الوقت بما يشتهون على مائدة، فإذا فرغوا من الطعام والشراب حمدوا الله على ما أعطاهم فذلك قوله تعالى: وَآخِرُ دَعْواهُمْ قولهم أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ وما يريد آخر كلام يتكلّمون به ولكن أراد ما قبله.\nقال الحسن: بلغني بأن رسول الله ﷺ قال حين قرأ هذه الآية: «إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس»\n«٧» . وذلك قوله تعالى: دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها في الجنة سَلامٌ يحيّي بعضهم بعضا بالسلام وتأتيهم الملائكة من عند ربهم بالسلام.\nقال ابن كيسان: يفتحون كلامهم بالتوحيد ويختمون بالتحميد.\n_________\n(١) بتفاوت في الدر المنثور: ٣/ ٣٠١.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ١/ ٢٤٦.\n(٣) سورة مريم: ٢٤.\n(٤) سورة الزخرف: ٥١.\n(٥) المصدر السابق: ١١/ ١١٩.\n(٦) كذا في المخطوط.\n(٧) ذيل تاريخ بغداد: ١/ ١٨٠.","vol":"5","page":121},{"text":"وقرأ العامة: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بالتخفيف والرفع، وقرأ بلال بن أبي بردة وابن محيصن أَنَّ مثقلا الْحَمْدَ نصبا.\nوَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ فيه اختصار ومعناه: وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الآية ذهابهم في الشرك اسْتِعْجالَهُمْ بالإجابة في الخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ أي لفرض من هلاكهم ولماتوا جميعا. قال مجاهد: هو قول الإنسان لولده وماله إذا غضب: [اللهم أهلكه، اللهم لا تبارك له فيه والعنه] يتخذها الرجل على نفسه وولده وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له.\nشهر بن حوشب. قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول للملكين الموكلين: لا تكتبا على عبدي في حال ضجره شيئا.\nوقرأ العامة: لقضي إليهم آجالهم برفع القاف واللام على خبر تسمية الفاعل، وقرأ عوف وعيسى وابن عامر ويعقوب: بفتح القاف واللام، وقرأ الأعمش: لقضينا، وكذلك هو في مصحف عبد الله، وقيل: أنها نزلت في النضر بن الحرث حين قال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ «١» الآية يدل عليه قوله تعالى: فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لا يخافون البعث والحساب ولا يأملون الثواب فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ. وَإِذا مَسَّ أصاب الْإِنْسانَ الضُّرُّ الشدة والجهد دَعانا لِجَنْبِهِ على جنبه مضطجعا أَوْ قاعِدًا أَوْ قائِمًا فإنما يريد جميع حالاته لأن الإنسان لا يعدو أحد هذه الخلال فَلَمَّا كَشَفْنا رفعنا وفرجنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ أي استمر على طريقته الأولى، قيل: أن يصيبه الضرّ ونسي ما كان فيه من الجهد والبلاء وترك الشكر والدعاء، قال الأخفش: كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا وكَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا وأمثالها، كأن الثقيلة والشديدة كأنه لم يدعنا كَذلِكَ أي كما زيّن لهذا الإنسان الدعاء عند البلاء والإعراض عند الرخاء كذلك زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ الآية زين الجد في الكفر والمعصية ما كانُوا يَعْمَلُونَ من الكفر والمعصية والإسراف يكون في النفس، وفي قراءة: ضيّع نفسه وجعلها عابد وثن وضيع ماله إذ جعله [سائبا بلا خير] «٢»، ومعنى الكلام أسرفوا في عبادتهم وأسرفوا في نفقاتهم.\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعني الأمم الماضية. قال ابن عباس: بين القرنين ثمان وعشرون سنة.\nلَمَّا ظَلَمُوا أشركوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ أي كما أهلكناهم بكفرهم وتكذيبهم رسلهم نَجْزِي نهلك الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ المشركين تكذيبهم\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٣٢.\n(٢) كذا الظاهر من المخطوط. [.....]","vol":"5","page":122},{"text":"محمد ﷺ يخوّف كفّار مكة عذاب الأمم الخالية المكذبة ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد القرون التي أهلكناهم لِنَنْظُرَ لنرى كَيْفَ تَعْمَلُونَ وهو أعلم بهم.\nقال النبي ﷺ: «إن الدنيا خضرة حلوة وأن الله استخلفكم فيها فانظر كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [٧٧] .\nقتادة: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب (﵁) قال: صدق الله ربنا ما جعلنا خلفاء إلّا لينظر إلى أعمالنا فأروا الله من أعمالكم خيرا بالليل والنهار والسرّ والعلانية.\nوروى ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عوف بن مالك قال لأبي بكر: رأيت فيما يرى النائم كأنّ شيئا دلّي من السماء فانتشط رسول الله ﷺ ثم أعيد فانتشط أبو بكر (﵁) ثم ذرع الناس حول المنبر ففصّل عمر بثلاثة أذرع إلى المنبر، فقال عمر: دعنا من رؤياك لا أرب لنا فيها، فلما استخلف عمر قال: قل يا عوف رؤياك، قال: هل لك في رؤياي من حاجة؟\nأو لم تنهوني؟ فقال: ويحك إني كرهت أن تنعى لخليفة رسول الله ﷺ نفسه. فقصّ عليه الرؤيا حتى إذا بلغ ذرع الناس المنبر بهذه الثلاثة الأذرع. قال: أما إحداهن فإنّه كائن خليفة وأما الثانية فإنه لا يخاف في الله لومة لائم، وأما الثالثة فإنّه شهيد، ثم قال: يقول الله تعالى: ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ إلى قوله لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فقد استخلفت يا ابن أم عمر فانظر كيف تعمل، وأما قوله: فإني لا أخاف في الله لومة لائم فيما شاء الله، وأما قوله: إني شهيد فإنّى لعمر الشهادة والمسلمون مطيفون به، ثم قال: إن الله على ما يشاء لقدير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٥ الى ٢٠]</span>\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٦) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)\nوَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا قتادة: يعني مشركي مكة، مقاتل:\nهم خمسة نفر: عبد الله بن أمية المخزومي والوليد بن المغيرة ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هاشم. قالوا للنبي ﷺ: ائْتِ بِقُرْآنٍ ليس فيه ترك عبادة اللات والعزى ومناة وهبل وليس فيه عنهما أي بَدِّلْهُ تكلم به من تلقاء نفسك.","vol":"5","page":123},{"text":"وقال الكلبي: نزلت في المستهزئين، قالوا: يا محمد ائْتِ بِقُرْآنٍ غيره [ليس فيه ما يغيظنا، أَوْ بَدِّلْهُ] فاجعل مكان آية عذاب آية رحمة أو آية رحمة آية عذاب أو حرام حلالا أو حلال حراما قُلْ لهم يا محمد ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي من قبل نفسي ومن عندي إِنْ أَتَّبِعُ ما أطيع فيما آمركم وأنهاكم إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ أعلمكم بِهِ وقرأ الحسن: ولا أدراتكم «١» به، وهي لغة بني عقيل يحولون الياء ألفا فيقولون: أعطأت بمعنى أعطيت، ولبأت بمعنى لبّيت وجاراة وناصاة للجارية والناصية. فأنشد المفضل:\nلقد أذنت أهل اليمامة طيّ ... بحرب كناصاة الأغر المشهر\nوقال زيد الخيل:\nلعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا ... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا\nأي ما بقي، وقال آخر:\nزجرت فقلنا لا نريع لزاجر ... إن الغويّ إذا نها لم يعتب\nأي نهى «٢» .\nوروى البري عن ابن كثير ولا دراكم بالقصر على الإيجاب يريد: ولا عملكم به من غير قراءتي عليكم «٣» . وقرأ ابن عباس: ولا أدراتكم «٤» من الإنذار، وهي قراءة الحسن فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا حينا وهو أربعون سنة مِنْ قَبْلِهِ من قبل نزول القرآن ولم آتكم بشيء أَفَلا تَعْقِلُونَ انه ليس من قبلي.\nقال ابن عباس: نبّئ رسول الله ﷺ وهو ابن أربعون سنة وأقام بمكة ثلاثة عشرة وبالمدينة عشرة وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فزعم أنه له شريكا أو صاحبة أو ولدا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ محمد والقرآن إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ لا يأمن ولا ينجو المشركون وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ إن عصوه وَلا يَنْفَعُهُمْ أن أطاعوه يعني الأصنام وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ تخبرون اللَّهِ قرأه العامة:\nبالتشديد، وقرأ أبو الشمال العدوي: أَتُنْبِئُونَ بالتخفيف وهما لغتان. نبأ ينبئ بنية، وأنبأني إنباء بمعنى فاعل جمعها.\n_________\n(١) وفي النسبة للحسن خلاف هل: أدرأتكم بالهمزة أم بغير همزة: أدراتكم وله تفصيل راجع تفسير القرطبي:\n٨/ ٣٢١.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ١٢٧.\n(٣) وهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل.\n(٤) بتحويل الياء ألفا فالأصل: أدريتكم.","vol":"5","page":124},{"text":"قوله تعالى: قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ «١» بِما لا يَعْلَمُ بما لا يعلم الله تعالى صحته وحقيقته ولا يكون فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ ومعنى الآية: أتخبرون الله أنّ له شريكا أو عنده شفيعا بغير إذنه ولا يعلم الله أنّ له شريكا في السماوات وَلا فِي الْأَرْضِ لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه نظيره قوله ﷿: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ «٢» .\nثم نزّه نفسه فقال: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ قرأ يحيى بن ثابت والأعمش وأبو حمزة والكسائي وخلف: تشركون بالتاء هاهنا وفي سورة النحل والروم، وهو اختيار أبي عبيد للمخاطبة التي قبلها، وقرأ الباقون كلها بالياء، واختارها أبو حاتم، وقال: كذلك تعلمناها.\nوَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً على ملة واحدة الإسلام دين آدم (﵇) إلى أن قتل أحد ابني آدم أخاه فَاخْتَلَفُوا. قاله مجاهد والسدي.\nقال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فَاخْتَلَفُوا على عهد نوح فبعث الله إليهم نوحا، وقيل: كانوا أمة واحدة مجتمعة على التوحيد يوم الميثاق.\nوقيل: أهل سفينة نوح «٣»، وقال أبو روق: كانوا أمة واحدة على ملّة الإسلام زمن نوح (﵇) بعد الغرق، وقال عطاء: كانوا على دين واحد الإسلام من لدن إبراهيم (﵇) إلى أن غيّره عمرو بن يحيى «٤»، عطاء: يدلّ على صحة هذه التأويلات قراءة عبد الله: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً على هدى فَاخْتَلَفُوا عنه، وقال الكلبي: وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً كافرة على عهد إبراهيم فَاخْتَلَفُوا فتفرقوا، مؤمن وكافر.\nوَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ بأن جعل للدنيا مدة لكل أمة أجلا لا تتعدى ذلك، قال أبو روق وقال الكلبي: هي أن الله أخّر هذه الأمة ولا يهلكهم بالعذاب في الدنيا، وقيل: هي أنه لا يأخذ إلّا بعد إقامة الحجة.\nوقال الحسن، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ مضت في حكمه أنه لا يقضي فيهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة.\nلَقُضِيَ بَيْنَهُمْ في الدنيا فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين في النار بكفرهم ولكنه سبق من الله الأجل فجعل موعدهم يوم القيامة.\n_________\n(١) سورة التحريم: ٣.\n(٢) سورة الرعد: ٣٣.\n(٣) والقائل الواقدي.\n(٤) هو أول من غير دين إبراهيم (﵇) وعبد الصنم في العرب.","vol":"5","page":125},{"text":"وقال أبو روق: لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ، لأقام عليهم الساعة، وقيل: الفزع من هلاكهم، وقال عيسى ابن عمر: لَقَضَي بَيْنَهُمْ بالفتح لقوله: مِنْ رَبِّكَ ... فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الذين وَيَقُولُونَ يعني أهل مكة لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ أي على محمد آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ لهم يا محمد ما سألتموني الغيب إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ ما يعلم أحدكم بفعل ذلك إلّا هو، وقيل: الغيب، نزول الآية متى تنزل نزل فَانْتَظِرُوا نزول الآية إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ لنزولها، وقيل: فَانْتَظِرُوا قضاء الله بيننا بإظهار الحق على الباطل. وقال الحسن: فَانْتَظِرُوا مواعيد الشيطان وكانوا مع إبليس على موعد فيما يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ. فأنجز الله وعده ونصر عبده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢١ الى ٢٥]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ (٢١) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣) إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤) وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ يعني الكفار رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ أي راحة ورخاء بعد شدة وبلاء، وقيل: عنى به القطر بعد القحط إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قال مجاهد: استهزاء وتكذيب. مقاتل بن حسان: لا يقولون هذا رزق الله فإنما يقولون: سقينا بنوء كذا «١» وهو قوله:\nوَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ «٢» قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على الجزاء، وقال مقاتل صنيعا. إِنَّ رُسُلَنا حفظتنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ قرأ العامة بالتاء لقوله، وقراءة الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب: يمكرون بالياء لقوله: إِذا لَهُمْ وهي رواية هارون عن أبي عمرو «٣» .\nهُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ يبحر بكم ويحملكم على التسيير، وقرأ أبو جعفر وابن عامر: ينشركم بالنون من النشر، وهو [البسط] في البر على الظهر وفي البحر على الفلك\n_________\n(١) أي إضافة النعم إلى غير الله.\n(٢) سورة الواقعة: ٨٢.\n(٣) وهو هارون العتكي يروي عن أبي عمرو قراءة: يمكرون بالياء.","vol":"5","page":126},{"text":"حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ أي في السفن يكون واحد أو جمعا، وقرأ عيسى الْفُلُكِ بضم اللام.\nوَجَرَيْنَ بِهِمْ يعني جرت السفن بالناس وهذا خطاب تكوين رجع من الخطاب إلى الخبر بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها أي الريح جاءَتْها يعني الفلك وهو جواب لقوله حتى إذا جاءتها رِيحٌ عاصِفٌ شديد يقال: عصفت الريح وأعصفت والريح، مذكر ومؤنث، وقيل: لم يقل:\nعاصفة لاختصاص الريح بالعصوف، وقيل: للنسب أي ذات عصوف وَجاءَهُمُ يعني سكان السفينة الْمَوْجُ وهو حركة الماء وأخلاطه مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا وأيقنوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ إذا أحاط بهم الهلاك دَعَوُا اللَّهَ هنالك مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ للدعاء دون أوثانهم وكان مفزعهم إلى الله دونها.\nروى [الثوري] عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيد في قوله تعالى: مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قال: قالوا في دعائهم: أهيا شراهيا «١» وتفسيره: يا حيّ يا قيوم لَئِنْ أَنْجَيْتَنا خلصتنا يا ربنا مِنْ هذِهِ الريح العاصف لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ لك بالإيمان والطاعة فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ يظلمون ويتجاوزون إلى غير أمر الله فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ الآن وباله راجع إليها وجزاؤه لاحق، وأتم الكلام هاهنا كقوله تعالى:\nلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ «٢» أي هذا بلاغ وقيل هو كلام متصل، والبغي ابتداء ومتاع خبره، وقوله عَلى أَنْفُسِكُمْ صلة المتاع ومعناه إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ولا يصلح لزاد المعاد لأنّكم استوجبتم غضب الله.\nوقرأ ابن إسحاق وحفص: متاعا بالنصب على الحال ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا في فنائها وزوالها كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ من الحبوب والبقول والثمار وَالْأَنْعامُ من الحشيش والمراعي.\nحَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها حسنها وبهجتها وَازَّيَّنَتْ هذا قراءة العامة، وتصديقها قراءة عبد الله بن مسعود: وتزينت، وقرأ أبو عثمان النهدي والضحاك: وازّانت على وزن اجّازت قال عوف بن أبي جميلة: كان أشياخنا يقرءونها كذلك «٣» وازيانت نحو اسوادّت، وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والشعبي والحسن والأعرج: وازينت على وزن أفعلت مقطوعة الألف [بالتخفيف]، قال قطرب: معناه: أتت بالزينة عليها، كقولهم: أحبّ فأذمّ واذكرت المرأة فأنثت وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أخبر عن الأرض ويعني للنبات إذ كان مفهوما وقيل: ردّه إلى الغلّة وقيل: إلى الزينة أَتاها أَمْرُنا قضاؤنا بهلاكها لَيْلًا أَوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا مقطوعة\n_________\n(١) راجع تاج العروس: ٩/ ٣٩٤ ففي ضبطها خلاف.\n(٢) سورة الأحقاف: ٣٥.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٨/ ٣٢٧. [.....]","vol":"5","page":127},{"text":"مقلوعة وهي محصورة صرفت إلى حصيد كَأَنْ لَمْ تَغْنَ تكن، وأصله من غني المكان إذا أقام فيه وعمّره، وقال مقاتل: تغم، وقرأها العامة: تَغْنَ بالتاء لتأنيث الأرض، وقرأها قتادة بالياء يذهب به إلى الزخرف «١» كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ قال قتادة: السلام الله وداره الجنة، وقيل: السلام والسلامة واحد كاللذاذ واللذاذة والرضاع والرضاعة. قال الشاعر:\nتحيّى بالسلامة أم بكر ... وهل لك بعد رهطك من سلام «٢»\nفسميت الجنة دار السلام لأن من دخلها سلم من الآفات. قال الله تعالى: ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ «٣»، وقال ذو النون المصري: سميت بذلك لأن من دخلها سلم من القطيعة والفراق، وقيل: أراد به التحية يقال: سلم تسليما وسلاما كما يقال: كلم تكليما وكلاما فسميت الجنة دار السلام لأن أهلها يحيي بعضهم بعضا والملائكة يسلمون عليهم، وقال الحسن: السلام لا ينقطع عن أهل الجنة وهو تحيتهم.\nوقال أبو بكر الوراق: سميت بذلك لأن من دخلها سلم عليه المولى وذلك أن الله يعلم ما فيه أهل الجنة من ذكر الذنوب والهيبة لعلّام الغيوب فيبدأ هم بالسلام والتحية لهم تقريبا وإيناسا وترحيبا.\nقال جابر بن عبد الله خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال: «إني رأيت في المنام كأن جبرائيل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا فقال: اسمع سمعت اذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل ملك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعوهم إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه، فالله هو الملك، والدار الإسلام، والبيت الجنة وأنت يا محمد الرسول، من أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل مما فيها» [٧٨] «٤» .\nقال يحيى بن معاذ: يا ابن آدم دعاك الله إلى دار السلام فانظر من أين تجيبه فإن أجبته من دنياك دخلتها وإن أجبته من قبرك منعتها ثم قال: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ عمّ بالدعوة إظهارا لحجته وخصّ بالهداية استغناء عن خلقه، وقيل: الدعوة إلى الدار عامة لأنها الطريق إلى النعمة وهداية الصراط خاصة لأنها الطريق إلى المنعم.\n_________\n(١) في زاد المسير: يعني الحصيد.\n(٢) تفسير القرطبي: ٨/ ٣٢٨، وفيه: قومك بدل: رهطك.\n(٣) سورة الحجر: ٤٦.\n(٤) سنن الترمذي: ٤/ ٢٢٣.","vol":"5","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-377>[سورة يونس (١٠): الآيات ٢٦ الى ٣٦]</span>\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٦) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ (٢٩) هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣١) فَذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢) كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)\nوَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٣٦)\nلِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ\nأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف بن يعقوب الفقيه في آخرين قالوا: حدثنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفار. الحسن بن عرفة العبدي حدثني سلم بن سالم البلخي عن نوح عن أبيّ عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: سئل رسول الله ﷺ عن هذه الآية لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ فقال: «الذين أحسنوا العمل في الدنيا الحسنى وهي الجنّة والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم» [٧٩]» .\nوهو قول أبي بكر الصديق (﵁) وحذيفة وأبي موسى وصهيب وعبادة بن الصامت وكعب ابن عجرة وعامر بن سعد وعبد الرحمن بن سابط والحسن وعكرمة وأبي الجوزاء والضحاك والسدي وعطاء ومقاتل، يدلّ عليه:\nما\nأخبرنا أبو إسحاق بن الفضل القهندري أخبرنا أبو علي الصفار. الحسن بن عرفة. يزيد ابن هارون عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب قال:\nقال: رسول الله ﷺ: «إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا أن: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا لم تروه، قال: فيقولون وما هو؟ ألم تبيضّ وجوهنا وتزحزحنا عن النار وتدخلنا الجنة. قال:\nفيكشف الحجاب﵎- فينظرون إليه- قال: فو الله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم منه [٨٠] «٢» .\n_________\n(١) معاني القرآن للنحاس: ٣/ ٢٨٩.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٣٣٢.","vol":"5","page":129},{"text":"قال ابن عباس: الذين أَحْسَنُوا الْحُسْنى يعني الذين شهدوا أن لا إله إلّا الله الجنة.\nوروى عطية عنه هي أن واحدة من الحسنات واحدة والزيادة التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف «١» .\nوروى جويبر عن الليث عن عبد الرحمن بن سابط قال: الحسنى: النظرة، والزيادة:\nالنظر. قال الله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ «٢» .\nوروى الحكم عن علي بن أبي طالب (﵁) قال: الزيادة غرفة من لؤلؤ واحدة لها أربعة ألف باب.\nمجاهد: الحسنى: حسنة مثل حسنة والزيادة مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ، ابن زيد:\nالحسنى: الجنة والزيادة ما أعطاهم في الدعاء لا يحاسبهم به يوم القيامة.\nحكى منصور بن عمار عن يزيد بن شجرة قال: الزيادة: هي أن تمرّ السحابة بأهل الجنة فتمطرهم من كل النوادر، وتقول لهم: ما تريدون ان أمطركم؟ فلا يريدون شيئا إلّا مطرتهم.\nوَلا يَرْهَقُ يغشى ويلحق وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ غبار وهو جمع قترة. قال الشاعر:\nمتوج برداء الملك يتبعه ... موج ترى فوقه الرايات والقترا «٣»\nوقال ابن عباس وقتادة: سواد الوجوه، وقرأ الحسن: قَتْرٌ بسكون التاء وهما لغتان كالقدر والقدر وَلا ذِلَّةٌ هوان، وقال قتادة: كآبة وكسوف. قال ابن أبي ليلى: هذا بعد نظرهم إلى ربهم أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها يجوز أن يكون الجزاء مرفوعا بإضمار أي: لهم جزاء، ويجوز أن يكون مرفوعا بالياء، فيجوز أن يكون ابتداء وخبره بمثلها أي: مثلها بزيادة الباء فيها كقولهم: بحسبك قول السوء.\nوَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ من عذاب الله مِنْ عاصِمٍ أي من مانع، ومن صلة كَأَنَّما أُغْشِيَتْ ألبست وُجُوهُهُمْ قِطَعًا أكثر القراء على فتح الطاء وهو جمع قطعة ويكون «مُظْلِمًا» على هذه القراءة نصبا على الحال والقطع دون النعت كأنه أراد قطع من الليل المظلم فلما حذف الألف واللام نصب. يجوز أن يكون مُظْلِمًا صفة لقطع- وسط الكلام- كقول الشاعر:\nلو أن مدحة حي منشر أحدا\nوقرأ أبو جعفر والكسائي وابن كثير قِطَعًا بإسكان الطاء وتكون مُظْلِمًا على هذا نعت كقوله: بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، اعتبارا بقراءة أبيّ: كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ. وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٤١/ ١٤٢.\n(٢) سورة القيامة: ٢٢. ٢٣.\n(٣) البيت للفرزدق كما في الصحاح: ٢/ ٧٨٥.","vol":"5","page":130},{"text":"اثبتوا وقفوا في موضعكم ولا تبرحوا أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ يعني الأوثان فَزَيَّلْنا ميّزنا وفرقنا بين المشركين وشركائهم وقطعنا ما كان بينهم من التواصل في الدنيا بذلك حين [اتخذوا] كل معبود من دون الله من خلقه وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيَّانا تَعْبُدُونَ يقولون بلى كنا نعبدكم فيقول الأصنام: فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ أي ما كنا عن عبادتكم إيّانا إلّا غافلين، ما كنا نسمع ولا نبصر ولا نعقل. قال الله تعالى: هُنالِكَ تَبْلُوا أي تخبر وقيل: تعلم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وطلحة وعيسى وحمزة والكسائي (تَبْلُوا) بالتاء «١»، وهي قراءة ابن مسعود في معنى: وتقرأ.\nكُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ صحيفتها، وقيل: معناه تتبع ما قدمت من خير وشرّ، وقال ابن زيد [تعاون] وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ [بطل] عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ [من الآلهة] قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ الذي فعل هذه الأشياء فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ أفلا تخافون عقابه في شرككم فَذلِكُمُ اللَّهُ الذي يفعل هذه الأشياء رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ فمن أين تصرفون عن عبادته وأنتم مقرّون كَذلِكَ فسرها الكلبي هكذا في جميع القرآن حَقَّتْ وجبت كَلِمَةُ رَبِّكَ حكمه وعلمه السابق.\nوقرأ الأعرج: كلمات عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا كفروا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ينشئ من غير أصل ولا [مثال] ثُمَّ يُعِيدُهُ يحييه بهيئته بعد الموت [أي قل لهم يا محمد ذلك على وجهة التوبيخ والتقرير] «٢» فإن أجابوك وإلّا قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ تصرفون عن قصد السبيل قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ أوثانكم مَنْ يَهْدِي يرشد إِلَى الْحَقِّ فإذا قالوا: لا، فلا بدّ لهم منه قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أي إلى الحق أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي.\nاختلف القراء فيه، فقرأ أهل المدينة: مجزومة الهاء مشدّدة الدال لأن أصله يهتدي فأدغمت التاء في الدال وتركت الهاء على [السكون] في قراءتهم بين ساكنين كما فعلوا في قوله:\n(تَعُدُّوا ويَخِصِّمُونَ) .\nوقرأ ابن كثير وابن عامر بفتح الهاء وتشديد الدال وقلبت الياء المدغمة الى الهاء، فاختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ عاصم وورش بكسر الهاء وتشديد الدال فرارا من التقاء الساكنين.\n[لأن الجزم إذا اضطر إلى حركته] تحول إلى الكسر. قال أبو حاتم: هي لغة سفلى مضر.\n_________\n(١) أي تتلو، راجع زاد المسير: ٤/ ٢٥.\n(٢) أثبتناه من تفسير القرطبي: ٨/ ٣٤١.","vol":"5","page":131},{"text":"وروى يحيى ابن آدم عن أبي بكر عن عاصم بكسر الهاء والياء وتشديد الدال [لإتباع] الكسر الكسر وقيل: هو على لغة من يقرأ نَعْبُدُ ونَسْتَعِينُ ولَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ونحوها، وقرأ أبو عمرو بين الفتح والجزم على مذهبه في الإخفاء، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بجزم الهاء وتخفيف الدال على معنى يهتدي، يقال: هديته فهدى أي اهتدى فقال: خبرته فخبر ونقصته فنقص.\nإِلَّا أَنْ يُهْدى في معنى الآية وجهان: فصرفها قوم إلى الرؤساء والمظلين. أراد لا يرشدون إلّا أن يرشدوا وحملها الآخرون على الأصنام، قالوا: وجه الكلام والمعنى لا يمشي إلّا أن يحمل وينتقل عن مكانه إلّا أن ينقل كقول الشاعر:\nللفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه قدمه «١»\nيريد حيث يحمل فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ تقضون لأنفسكم وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا منهم إنها آلهة وأنها تشفع لهم في الآخرة وأراد بالأكثر الكل إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>[سورة يونس (١٠): الآيات ٣٧ الى ٥٢]</span>\nوَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠) وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ (٤٣) إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦)\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)\nثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)\n_________\n(١) البيت لطرفه كما في الصحاح: ٦/ ٢٥٣٤.","vol":"5","page":132},{"text":"وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللَّهِ قال الفراء: معناه وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله تعالى: وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ «١» وقوله: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً «٢»، وقال الكسائي: أن في محل نصب الخبر ويفترى صلة له وتقديره: وما كان هذا القرآن مفترى، وقيل: أن بمعنى اللام أي وما كان القرآن ليفترى من دون الله وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ تمييز الحلال من الحرام والحق من الباطل لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ أي يقولون.\nقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو أي ويقولون افتراه، اختلق محمّد القرآن من قبل نفسه.\nقُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ شبيه القرآن وقرأ ابن السميقع: بِسُورَةِ مِثْلِهِ مضافة، فتحتمل أن تكون الهاء كناية عن القرآن وعن الرسول وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ ممن تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ ليعينوكم على ذلك، وقال ابن كيسان: وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ على المخالفة ليعينوكم، وقال مجاهد: شهداءكم بمعنى ناسا يشهدون لكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّ محمدا افتراه.\nثم قال: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ يعني القرآن وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ تفسيره.\nوقال الضحاك: يعني عاقبته وما وعد الله في القرآن انه كائن من الوعيد والتأويل ما يؤول إليه الأمر.\nوقيل للحسين بن الفضل: هل تجد في القرآن (من جهل شيئا عاداه؟) فقال: نعم في موضعين بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ، وقوله: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ «٣» كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من كفار الأمم الخالية فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ أي كما كذب هؤلاء المشركون بالقرآن كذلك كذب في هذا وبشّر المشركون بالهلاك والعذاب وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي ومن قومك من سيؤمن بالقرآن وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ لعلم الله السابق فيهم وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ الذين لا يؤمنون وَإِنْ كَذَّبُوكَ يا محمد فَقُلْ لِي عَمَلِي الإيمان وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ الشرك أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ.\nقال مقاتل والكلبي: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد، ثم أخبر أن التوفيق للإيمان به لا بغيره، وأن أحدا لا يؤمن إلّا بتوفيقه وهدايته، وذكر أن الكفار يستمعون القرآن وقول محمد ﷺ فينظرون إليه ويرون أعلامه وأدلته على نبوته ولا ينفعهم ذلك ولا يهتدون لإرادة الله وعلمه فيهم فقال: وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ بأسماعهم الظاهرة أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٦١.\n(٢) سورة التوبة: ١٢٢. [.....]\n(٣) سورة الأحقاف: ١١.","vol":"5","page":133},{"text":"بأبصارهم الظاهرة أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ وهذا تسلية من الله تعالى لنبيّه ﷺ يقول ما لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به فكذلك لا تقدر أن توفقهم للإيمان وقد حكمت عليهم أن لا يؤمنوا إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا لأنه في جميع أفعاله عادل.\nوَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفر والمعصية وفعلهم ما ليس لهم أن يفعلوا [وألزمهم] ما ليس للفاعل أن يفعله.\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا قال الضحاك: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ قصرت الدنيا في أعينهم من هول ما استقبلوا، وقال ابن عباس: كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا في قبورهم إلّا قدر ساعة مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ حين بعثوا من القبور يعرف بعضهم بعضا كمعرفتهم في الدنيا ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا أهوال القيامة قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ. وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يا محمد في حياتك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ذلك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ في الآخرة ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ مجزيهم به.\nقال المفسرون: فكان البعض الذي أراه قبلهم ببدر وسائر العذاب بعد موتهم وَلِكُلِّ أُمَّةٍ خلت رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ فكذبوه قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ أي عذبوا في الدنيا واهلكوا بالحق والعدل.\nوقال مجاهد ومقاتل: فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ يوم القيامة قُضِيَ بينه وبَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ لا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة ولا ينقصون من حسناتهم ويزادوا على سيئاتهم وَيَقُولُونَ أي المشركون مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي وعدتنا يا محمد من العذاب.\nوقيل: قيام الساعة إِنْ كُنْتُمْ أنت يا محمد وأتباعك صادِقِينَ. قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا لا أقدر لها على ضرّ ولا نفع إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن أملكه لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ مدة [وأجل] إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ وقت [انتهاء] أعمارهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ يتأخرون ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ. قُلْ لهم إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ الله بَياتًا ليلا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ المشركون وقد وقعوا فيه أَثُمَّ هنالك وحينئذ، وليس بحرف عطف إِذا ما وَقَعَ نزل العذاب آمَنْتُمْ بِهِ صدقتم بالعذاب في وقت نزوله.\nوقيل: بأنه في وقت البأس آلْآنَ فيه إضمار أي، وقيل: أنّهم الآن يؤمنون وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ وتكذبون ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أشركوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ اليوم إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ في الدنيا.","vol":"5","page":134},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-379>[سورة يونس (١٠): الآيات ٥٣ الى ٦١]</span>\nوَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٥٤) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٥) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)\nقُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩) وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٦٠) وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦١)\nوَيَسْتَنْبِئُونَكَ ويستخبرونك يا محمد أَحَقٌّ هُوَ ما تعدنا من العذاب وقيام الساعة قُلْ إِي كلمة تحقيق وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ لا شك فيه وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فأتيقن وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ أشركت ما فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ يوم القيامة وَأَسَرُّوا وأخفوا النَّدامَةَ على كفرهم لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وفرغ من عذابهم وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ. أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ إلى قوله قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ تذكرة مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ ودواء لِما فِي الصُّدُورِ إلى قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ.\nقال أبو سعيد الخدري: فضل الله القرآن ورحمته أن جعلكم من أهله.\nوقال ابن عمر: فضل الله الإسلام وَبِرَحْمَتِهِ تزيينه في القلب.\nخالد بن معدان: فضل الله الإسلام وَبِرَحْمَتِهِ السنّة.\nالكسائي: فضل الله النعم الظاهرة، ورحمته النعم الباطنة. بيانه: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً.\nأبو بكر الوراق: فضل الله النعماء وهو ما أعطى وجنى ورحمته الآلاء وهي ما صرف.\nوروى ابن عيينة فضل الله التوفيق ورحمته العصمة.\nسهل بن عبد الله: فضل الله الإسلام ورحمته السنة.\nالحسين بن الفضل: فضل الله الإيمان ورحمته الجنة.\nذو النون المصري: فضل الله دخول الجنان ورحمته النجاة من النيران.\nعمر بن عثمان الصدفي: فضل الله كشف الغطاء ورحمته الرؤية واللقاء.\nوقال هلال بن يساف ومجاهد وقتادة: فضل الله الإيمان ورحمته القرآن فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ من الأموال قرأ العامة كلاهما بالياء على الخبر، وقرأهما أبو جعفر:","vol":"5","page":135},{"text":"بالتاء وذكر ذلك عن أبي بن كعب، وقرأ الحسين ويعقوب: فلتفرحوا بالتاء خطابا للمؤمنين يدل عليه\nقول النبي ﷺ في بعض مغازيه «لتأخذوا [مصافكم] [٨١] ويجمعون»\nبالياء خبرا عن الكافرين قُلْ يا محمد لكفار مكة أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ خلق الله لَكُمْ عبّر عن الخلق بالإنزال لأن ما في الأرض من خيراتها أنزل من السماء مِنْ رِزْقٍ زرع أو ضرع فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرامًا وَحَلالًا وهو ما حرموا من الحرث والأنعام والبحيرة والسائبة والوصيلة والحامي.\nقال الضحاك: هو قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا «١» الآية قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ في هذا التحريم والتحليل أَمْ بل عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وهو قولهم: اللَّهُ أَمَرَنا بِها وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ أيحسبون أن الله لا يؤاخذهم ولا يعاتبهم عليه إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ منّ على الناس حين لا يعجل عليهم بالعذاب بافترائهم وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ. وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ عمل من الأعمال، وجمعه:\nشؤون، قال الأخفش: يقول العرب ما شأنك شأنه، أي لمّا عملت على عمل وَما تَتْلُوا مِنْهُ من الله مِنْ قُرْآنٍ ثم خاطبه وأمته جميعا فقال: وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ أي تأخذون وتدخلون فيه، والهاء عائدة على العمل، يقال: أفاض فلان في الحديث وفي القول إذا أبدع فيه.\nقال الراعي:\nوأفضن بعد كظومهن بجرة ... من ذي الأبارق إذ رعين حقيلا «٢»\nقال ابن عباس: تُفِيضُونَ تفعلون، الحسن: تعملون، الأخفش: تكلمون، المؤرّخ:\nتكثرون، ابن زيد: تخرصون. ابن كيسان: تنشرون. يقال: حديث مستفيض، وقيل: تسعون.\nوقال الضحاك: الهاء عائدة إلى القرآن أي تستمعون في القرآن من الكذب. قيل: من شهد شهود الحق قطعا ذلك عن مشاهدة الأغيار أجمع وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ قال ابن عباس: فلا يغيب، أبو روق: يبعد، وقال ابن كيسان يذهب «٣» .\nوقرأ يحيى والأعمش والكسائي: يَعْزِبُ بكسر الزاء وقرأ الباقون: بالضم وهما لغتان [صحيحتان] مِنْ مِثْقالِ من صلة معناه وما يعزب عن ربك مثقال ذرة أو وزن ذرة [وهي النملة الحمراء الصغيرة]، يقول العرب: [خذ] هذا، فإنهما أثقل مثقالا وأخفها مثقالا أي وزنا فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ قرأ الحسن وابن أبي يحيى وحمزة برفع\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٣٦.\n(٢) تاج العروس: ٥/ ٧٢.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٨/ ٣٥٦.","vol":"5","page":136},{"text":"الراء فيهما عطفا على موضع المثقال فبرّر دخول من، وقرأ الباقون بفتح الراء عطفا على الذرة ولا مثقال أصغر وأكبر إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ بمعنى اللوح المحفوظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>[سورة يونس (١٠): الآيات ٦٢ الى ٧٠]</span>\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٦٦)\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧) قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)\nأَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ثم وصفهم فقال الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ قال ابن زيد: فلن يقبل الإيمان إلّا بالتقوى، واختلفوا فيمن يستحق هذا الاسم.\nفروى سعيد بن جبير عن رسول الله ﷺ أنّه سئل عن أولياء الله تعالى فقال: «هم الذين يذكر الله لرؤيتهم» «١» .\nوقال عمر (﵁) في هذه الآية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من عباد الله عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بإيمانهم عند الله تعالى، قالوا: يا رسول الله خبرنا من هم وما أعمالهم فلعلنا نحبّهم؟ قال: هم قوم تحابوا في الله على غير أرحام منهم ولا أموال يتعاطونها، والله ان وجوههم لنور وإنهم لعلى منابر من نور لا يخافون إذا خاف الناس ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [٨٢] «٢» .\nقال علي بن أبي طالب (﵁): أولياء الله قوم صفر الوجوه من السهر [عمش] العيون من العبر خمص البطون من الخواء «٣» يبس الشفاه من الذوي «٤» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٠.\n(٢) الصحاح: ٣/ ١١٠٠.\n(٣) في نهج البلاغة وتفسير القرطبي: الجوع.\n(٤) الذوي: من لا يصيبه ريه، أو يضر به الحر فيذبل يقال: أذواه العطش، وفي تاريخ دمشق: من الظمأ، وفي نهج البلاغة: من الدعاء.","vol":"5","page":137},{"text":"وقال ابن كيسان: [هم الذين] تولى الله هداهم بالبرهان الذي أتاهم وتولّوا القيام بحقّه والدعاء إليه. هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ.\nعن عبادة بن الصامت قال: سألت النبي ﷺ عن قول الله ﷿: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\n. قال: «هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له» [٨٣] .\nوعن عطاء بن يسار عن أبي الدرداء أنه سئل عن هذه الآيةهُمُ الْبُشْرى\nقال: لقد سألت عن [شيء] ما سمعت أحدا سأل عنه بعد أن سألت رسول الله ﷺ وقال رسول الله ﷺ:\n«ما سألني عنها أحد قبلك منذ نزل الوحي، هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له وفي الآخرة الجنة» [٨٤] «١» .\nوعن يمان بن عبيد الراسبي قال: حدثنا أبو الطفيل عامر بن واثلة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا نبوة بعدي إلّا المبشرات» .\nقيل: يا رسول الله وما المبشرات؟. قال: «الرؤيا الصالحة» [٨٥] «٢» .\nمحمد بن سيرين عن أبي هريرة (﵁) قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا قال: والرؤيا ثلاثة: فرؤيا بشرى من الله ورؤيا من الشيء يحدث الرجل به نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان، والرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة. فإذا رأى أحدكم ما يكره فلا يقصّه فليقم وليصل، قال: وأحبّ القيد في النوم وأكره الغل، القيد ثبات في الدين» «٣» .\nوقال عبادة بن الصامت: قلت: يا رسول الله الرجل يحبّه القوم لعمله ولا يعمل مثل عمله.\nقال ﷺ: «تلك عاجل بشرى المؤمن» «٤» .\nوقال الزهري وقتادة: هي البشارة التي يبشر بها المؤمن بالدنيا عند الموت، وقال الضحاك: هي أن المؤمن يعلم أين هو قبل أن يموت، وقال الحسن: هي ما بشرهم الله به في كتابه، جنته وكرم ثوابه لقوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا «٥» وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ «٦» وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ «٧» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١١/ ١٧٧، ومسند أحمد: ٦/ ٤٤٥.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٤٥٤.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٥٠٧.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ٥٦.\n(٥) سورة يونس: ٢.\n(٦) سورة البقرة: ٢٢٣. [.....]\n(٧) سورة فصلت: ٣٠.","vol":"5","page":138},{"text":"وقال عطاء: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\nعند الموت تأتيهم الملائكة بالرحمة والبشارة من الله وتأتي أعداء الله بالغلظة والفظاظة في الآخرة ساعة خروج نفس المؤمن تعرج بها إلى الله كما تزف العروس تبشر برضوان من الله، قال الله تعالى: الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ «١» الآية قال ابن كيسان: هي ما بشرهم الله في الدنيا بالكتاب والرسول بأنّهم أولياء الله وتبشرهم في قبورهم وفي كتابهم الذي فيه أعمالهم بالجنة.\nوسمعت أبا بكر محمد بن عبد الله الجوزقي يقول: رأيت أبا أحمد «٢» الحافظ في المنام راكبا برذونا وعليه طيلسان وعمامة فسلمت عليه وسلّم عليّ فقلت له: أيها الحاكم نحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، فعطف عليّ وقال لي: ونحن لا نزال نذكرك ونذكر محاسنك، قال الله تعالى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\nالثناء الحسن، وأشار بيده تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ\nلا تغيير لقوله ولا خلف لوعده.\nروى ابن عليّة عن أيوب عن نافع. قال: أطال الحجاج الخطبة فوضع ابن عمر رأسه في حجري. فقال الحجاج: إن ابن الزبير بدّل كتاب الله، فقعد ابن عمر فقال: لا تستطيع أنت ذلك ولا ابن الزبير تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ\n. فقال الحجاج: لقد رأيت حلما وسكت [لقد أوتيت علما أن تفعل، قال أيوب: فلما أقبل عليه في خاصة نفسه سكت] «٣» .\nذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يعني قول المشركين، تمّ الكلام هاهنا.\nثم قال مبتدئا: إِنَّ الْعِزَّةَ القدرة لِلَّهِ جَمِيعًا وهو المنتقم منهم. قال سعيد بن المسيب: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا يعني أن الله يعز من يشاء كما قال في آية أخرى: لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وعزة الرسول والمؤمنين من الله فهي كلها لله قال الله: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ «٤» هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ هو ما الاستفهام يقول وأي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء يعني أنهم ليسوا على شيء، وقراءة السلمي: تدعون بالتاء أي ما تصنع شركاؤكم في الآخرة إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ يعني ظنوا أنها تشفع لهم يوم القيامة، ويقربهم إلى الله زلفى وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ. هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا لتهدءوا وتقروا وتستريحوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا مضيئا يبصر فيه كقولهم: ليل نائم وسرّ كاتم وماءٍ دافِقٍ وعِيشَةٍ راضِيَةٍ، وقال جرير:\n_________\n(١) سورة النحل: ٣٢.\n(٢) في تفسير القرطبي ٨/ ٣٥٩: أبا عبد الله.\n(٣) زيادة عن تفسير الطبري: ١١/ ١٨١.\n(٤) سورة الصافات: ١٨٠.","vol":"5","page":139},{"text":"لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السرى ... ونمت وما ليل المطيّ بنائم «١»\nوقال قطرب: يقول العرب: أظلم الليل وأضاء النهار فأبصر، أي صار ذا ظلّة وضياء وبصر.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ المواعظ فيعتبرون قالُوا يعني المشركين اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا هو قولهم: الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ عن خلقهما إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا [ما عندكم من حجة] وبرهان بهذا، إنما سميتموها جهلا بها سلطانا [ولا يمكن] التمسك بها أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ. قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ.\nقال الكلبي: لا يؤمنون، وقيل: لا ينجون، وقيل: لا يفوزون، وقيل: لا يبقون في الدنيا ولكن متاع قليل يتمتعون به متاعا وينتفعون به إلى وقت انقضاء أجلهم، ومتاع رفع بإضمار أي لهم متاع، قاله الأخفش، وقال الكسائي: مَتاعٌ فِي الدُّنْيا «٢» ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ.\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٢٤٤٢، وتفسير الطبري: ١١/ ١٨٣.\n(٢) أي هو متاع أو ذلك متاع.","vol":"5","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>[سورة يونس (١٠): الآيات ٧١ الى ٨٧]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤) ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)\nفَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦) قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ (٧٨) وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)\nفَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢) فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣) وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤) فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)\nوَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٨٦) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ اقرأ يا محمد على أهل مكة نَبَأَ خبر نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ ولد وأهل يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عظم وثقل وشق عَلَيْكُمْ مَقامِي فلو شق مكثي بين أظهركم وَتَذْكِيرِي ووعظي إياكم بِآياتِ اللَّهِ بحججه وبيناته فعزمتم على قتلي أو طردي فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فبالله وثقت فَأَجْمِعُوا قرأه العامة بقطع الألف وكسر الميم أي فأعدوا وأبرموا وأحكموا أَمْرَكُمْ فاعزموا عليه. قال المؤرخ: أجمعت الأمر أفصح من أجمعت عليه، وأنشد:\nيا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع «١»\nوقرأ الأعرج والجحدري موصولة مفتوحة الميم من الجمع اعتبارا بقوله فَجَمَعَ كَيْدَهُ، وقال أبو معاذ: ويجوز أن يكون بمعنى وأجمعوا أي فأجمعوا واحد يقال: جمعت وأجمعت بمعنى واحد.\nقال أبو ذؤيب: [عزم عليه كأنه جمع نفسه له، والأمر مجمع]»\nوَشُرَكاءَكُمْ فيه إضمار أي: وادعوا شركاءكم أي آلهتكم فاستعينوا، وكذلك في مصحف أبي وادعوا شركاءكم، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وعيسى وسلام ويعقوب: وشركاؤكم رفعا على معنى: فأجمعوا أمركم أنتم وشركاؤكم، أي وليجمع معكم شركاؤكم، واختار أبو عبيد وأبو حاتم النصب لموافقة الكتاب وذلك أنه ليس فيه واو.\nثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً أي خفيا مظلما ملتبسا مبهما من قولهم: غمّ الهلال على الناس إذا أشكل عليهم فلم يتبيّنوه، قال طرفة:\nلعمرك ما أمري عليّ بغمّة ... نهاري وما ليلي عليّ بسرمد «٣»\nوقيل: هو من الغمّ لأن الصدر يضيق فلا يتبين صاحبه لأمره مصدرا ينفرج عنه ما بقلبه، قالت الخنساء:\nوذي كربة راخى ابن عمرو خناقه ... وغمته عن وجهه فتجلت «٤»\nثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي آمنوا إلى ما في أنفسكم أو افرغوا منه، يقال: قضى فلان إذا مات ومضى وقضى منه إذا فرغ منه.\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ٥٧.\n(٢) راجع تفسير القرطبي فقد فصّل ما أجمله المصنف: ٨/ ٣٦٣.\n(٣) لسان العرب: ١٢/ ٤٤٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١١/ ١٨٦.","vol":"5","page":141},{"text":"وقال الضحاك: يعني انهضوا إليّ، وحكى الفراء عن بعض القرّاء: افضوا إليّ بالفاء، أي توجهوا حتى تصلوا إليّ، كما يقال أنصت [الخلائق] إلى فلان وأفضى إلى الوجه وَلا تُنْظِرُونِ ولا تؤمرون، وهذا إخبار من الله تعالى عن نبيه نوح (﵇) أنه كان من نصر الله واثقا ومن كيد قومه وبوائقهم غير خائف علما منه بأنهم وآلهتهم لا تنفع ولا تضر شيئا إلّا أن يشاء الله، وتعزية لنبيه محمد ﷺ وتقوية لقلبه فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن قولي وأبيتم أن تقبلوا نصحي فَما سَأَلْتُكُمْ على الدعوة وتبليغ الرسالة مِنْ أَجْرٍ جعل وعوض إِنْ أَجْرِيَ ما جزائي وثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَكَذَّبُوهُ يعني نوحا فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ سكان الأرض خلفا عن الهالكين وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ يعني [أخزى] من الذين أنذرتهم الرسل ولم يؤمنوا ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد نوح رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ بالآيات والأمر والنهي فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا ليصدقوا بِما كَذَّبُوا بما كذبت بِهِ وأنّهم مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ نختم عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ المجاوزين الحلال إلى الحرام ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد نوح (مُوسى) وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ يعني أفراد قومه بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ. فَلَمَّا جاءَهُمُ يعني فرعون وقومه الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ. قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا تقدير الكلام: أتقولون للحق لما جاءكم سحرا سحر هذا الحذف السحر الأول، فدلالة الكلام عليه كقوله: فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ «١» المعنى: يغشاكم ليسوؤا وجوهكم.\nوقال ذو الرمّة:\nفلما لبسن الليل أو حين نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح «٢»\nأي: أو حين أقبل وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ. قالُوا يعني فرعون وقومه أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا لتلوينا وتصرفنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا من الدين وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ الملك والسلطان فِي الْأَرْضِ أرض [مصر] وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ. وَقالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ. فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ. فَلَمَّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ أي الذي جئتم به السحر.\nوقراءة مجاهد وأبو عمر وأبو جعفر: آلسحر بالمد على الاستفهام، ودليل قراءة العامة قراءة ابن مسعود: ما جئتم به سحر وقراءة أبيّ: ما أتيتم به سحر إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ. وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ. فَما آمَنَ لِمُوسى لم\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٧.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١١/ ١٨٩.","vol":"5","page":142},{"text":"يصدق موسى مهما آتاهم من الحجج إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ فقال قوم: هي راجعة إلى موسى وأراد بهم مؤمني بني إسرائيل.\nقال ابن عباس: كانوا ستمائة ألف وذلك أن يعقوب (﵇) دخل مصر في اثني وسبعين إنسانا فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ستمائة ألف.\nوقال مجاهد: أراد بهم أولاد الذين أرسل إليهم موسى إلى بني إسرائيل لطول الزمان هلك الآباء وبقي الأبناء، وقال آخرون: الهاء راجعة إلى فرعون.\nروى عطية عن ابن عباس: هم ناس يسير من قوم فرعون آمنوا منهم امرأة فرعون، ومؤمن آل فرعون وخازن فرعون وامرأة خازنه وماشطته.\nوروي عن ابن عباس من وجه آخر: أنهم سبعون أهل بيت من القبط من آل فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل فجعل الرجل يتبع أمه وأخواله.\nقال الفراء: وإنما سموا ذرية لأن آباءهم كانوا من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل، كما يقال لأولاد أهل فارس الذين انتقلوا إلى اليمن الأبناء، لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم والذرية العقب من الصغار والكبار عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ يريد الكناية في قومه إلى فرعون، ردّ الكناية في قوله: وَمَلَائِهِمْ، إلى الذرية، ومن رد الكناية إلى موسى يكون: إلى ملأ فرعون.\nقال الفراء: وإنما قال: وَمَلَائِهِمْ بالجمع وفرعون واحد لأن الملك إذا ذكر ذهب الوهم إليه وإلى أصحابه «١» .\n[فيكون من باب حذف المضاف] وذكر وهب بن منبه، [أنه] إليه وإلى عصابته كما يقال:\nقدم الخليفة تريد والذين معه، ويجوز أن يكون أراد بفرعون آل فرعون [كقوله تعالى]: سْئَلِ الْقَرْيَةَ «٢» ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ «٣» أَنْ يَفْتِنَهُمْ بصرفهم عن دينهم، ولم يقل: يفتنوهم لأنّه أخبر أنّ فرعون وقومه كانوا على [الضلال] .\nوَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ [من المجاوزين الحدّ في العصيان والكفر] لأنّه كان قد ادّعى الربوبية وَقالَ مُوسى لمؤمني قومه: يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ فَقالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا.\nثم دعوا فقالوا: رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قال أبو مجلز: ربّنا لا تظهر فرعون وقومه علينا فيروا أنّهم خير منا فيزدادوا طغيانا. وقال عطية: لا تسلّطهم علينا فيسيئون\n_________\n(١) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ٤/ ٤٦. [.....]\n(٢) سورة يوسف: ٨٢.\n(٣) سورة الطلاق: ١.","vol":"5","page":143},{"text":"ويقتلون. وقال مجاهد: لا تعذّبنا بأيدي قوم [ظالمين ولا تعذّبنا] بعذاب من عندك، فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق لما عذّبوا، ولا تسلّطنا عليهم فيفتتنوا وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ. وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ [أمرناهما] أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتًا يقال: تبوّأ فلان لنفسه بيتا [والمبوأ المنزل ومنه بوّأه الله منزلا] «١» إذا اتخذه له.\nوَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً قال أكثر المفسّرين: كانت بنو إسرائيل لا يصلّون إلّا في كنائسهم وبيعهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخرّبت، ومنعهم من الصلاة، فأمروا أن يتّخذوا مساجد لهم يصلّون فيها خوفا من فرعون، وهذا قول إبراهيم وابن زيد والربيع وهي كذلك، ورواية عكرمة عن ابن عباس.\nقال مجاهد وخلف: [قال موسى] لمن معه من قوم فرعون أن صلّوا إلى الكنائس الجامعة، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد مستقبلة للكعبة فيصلّون فيها سرّا. ومعنى البيوت هنا [يكون] المساجد.\nوتقدير الآية: واجعلوا بيوتكم إلى القبلة. وهذا رواية ابن جريج عن ابن عباس، قال:\nكانت الكعبة قبلة موسى ومن معه. قال سعيد بن جبير: معناه: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا، والقبلة الوجهة.\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ يا محمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>[سورة يونس (١٠): الآيات ٨٨ الى ٩٢]</span>\nوَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨٩) وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ (٩٢)\nوَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً من متاع الدنيا وأثاثها. مقاتل: شارة حسنة، لقوله: فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ... وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ.\nاختلفوا في هذه اللام فقال بعضهم هي لام (كي) ومعناه [أعطيتهم لكي يضلّوا ويبطروا ويتكبّروا] لتفتنهم بها فيضلّوا ويضلّوا إملاء منك، وهذا كقوله تعالى: لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ،\n_________\n(١) زيادة عن تفسير القرطبي: ٨/ ٣٧١.","vol":"5","page":144},{"text":"وقيل: هي لام العاقبة ولام الصيرورة يعني أعطاهم ليضلّوا [......] «١» آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا، وقيل: هي لام أي آتيتهم لأجل ضلالهم عقوبة لهم كقوله: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ أي لأجل إعراضكم عنهم، ولم يحلفوا لتعرض عنهم.\nرَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ، قال عطية ومجاهد: أعفها، فالطمس: المحو والتعفية، وقال أكثر المفسرين: امسخها وغيّرها عن هيئتها، قال محمد بن كعب القرضي: جعل سكّتهم حجارة، وقال قتادة: بلغنا أن زروعهم صارت حجارة، وقال ابن عباس: إن الدراهم والدنانير صارت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا. قال ابن زيد: صارت حجارة ذهبهم، ودراهمهم وعدسهم وكل شيء، وقال السدّي: مسخ الله أموالهم حجارة، النخل والثمار والدقيق والأطعمة، وكانت احدى الآيات التسع.\nوَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ يعني: واطبع عليها حتى لا تلين ولا تنشرح للإيمان.\nفَلا يُؤْمِنُوا قيل: هو نصب جواب الدعاء بالفاء، وقيل: عطف على قوله: [لِيُضِلُّوا] .\nقال الفراء: هو دعاء ومحله جزم كأنه: اللهم فلا يؤمنوا وقيل: معناه فلا آمنوا.\nقالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما [وقرأ علي والسملي: «دعواتكما» بالجمع وقرأ ابن السميقع:\nقد أجبت دعوتكما] خبرا عن الله تعالى.\nكقول الأعشى:\nفقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا «٢»\nفَاسْتَقِيما على الرسالة والدعوة، وامضيا لأمري إلى أن يأتيهم عقاب الله.\nقال ابن جريج: مكث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين سنة.\nوَلا تَتَّبِعانِّ نهي بالنون الثقيلة ومحله جزم ويقال في الواحد لا تتبعن، فيفتح النون لالتقاء الساكنين، وتكسر في التثنية لهذه العلة. وقرأ ابن عامر بتخفيف النون لأن نون التوكيد تثقّل وتخفف.\nسَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يعني: ولا تسلكا طريق الذين يجهلون حقيقة وعدي فتستعجلان قضائي فإن قضائي ووعدي لا خلف لهما، ووعيدي نازل بفرعون وقومه.\nوَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ الآية، وذلك أن الله تعالى أمر موسى (﵇) أن يخرج ببني إسرائيل من مصر و[تبعا] بنو إسرائيل من القبط [فأخرجهم] بعلة عرس لهم وسرى\n_________\n(١) بياض بالمخطوط.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١١/ ٢٠٨، وفي الصحاح (لا تحبسانا) بدل (لا تعجلانا) الصحاح: ٣/ ٨٦٨.","vol":"5","page":145},{"text":"بهم موسى وهم ستمائة ألف وعشرون ألفا لا يعدّ فيهم ابن سبعين سنة ولا ابن عشرين سنة، [إلى البحر وقال لكما] «١» القبط تلك الليلة، فتتبعوا بني إسرائيل حتى أصبحوا وهو قوله:\nفَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ بعد ما دفنوا أولادهم، فلمّا بلغ فرعون ركب [البحر] ومعه ألف ألف وستمائة ألف.\nقال محمد بن كعب: كان في عسكر فرعون مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشهبان، وكان [........] «٢» وكان هارون على مقدمة بني إسرائيل وموسى في الساقة، فلمّا انتهوا إلى البحر وقربت منهم مقدمة فرعون مائة ألف رجل، كل قد غطّى أعلى رأسه ببيضة وبيده حربة، وفرعون خلفهم في الدميم، فقالت بنو إسرائيل لموسى: أين ما وعدتنا؟ هذا البحر أمامنا [إن عبرناه] غرقنا وفرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا، ولقد أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا.\nف قالَ موسى: عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، وقالَ: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ، فأوحى الله إليه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه فلم ينفلق وقال: أنا أقدم منك وأشد خلقا، فأوحى الله تعالى إلى موسى أن كنه وقل: انفلق أبا خالد بإذن الله ﷿، ففعل ذلك فانفلق البحر وصار اثنا عشر طريقا لكل سبط طريق. وكشف الله عن وجه الأرض فصارت يابسة وارتفع بين كل طريقين جبل.\nوكانوا بني عمّ لا يرى بعضهم بعضا ولا يسمع بعضهم كلام بعض، فقال كل فريق: قد غرق أصحابنا فأوحى الله تعالى إلى الجبال من الماء تشبّكي فتشبكت وصارت فيه شبه الخروق فجعل ينظر بعضهم إلى بعض.\nفلمّا وصل فرعون بجنوده إلى البحر ورأوا البحر بتلك الهيئة قال فرعون: هابني البحر، وهابوا دخول البحر، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبرئيل على فرس وديق «٣» وخاض البحر وميكائيل يسوقهم، لا يشذ رجل منهم إلّا ضمّه إليهم.\nفلما شمّ أدهم فرعون ريح فرس جبرئيل، وفرعون لا يراه انسلّ خلف فرس جبريل ولم يملك فرعون من أمره شيئا واقتضمت الخيول في الماء، فلما دخل آخرهم البحر وهمّ أولهم أن يخرج انطبق الماء عليهم، فلمّا أدرك فرعون الغرق: قال آمنت بالذي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ فدسّ جبرئيل في فيه من حمأة البحر، وقال: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ.\nقال أبو بكر الوراق: قال الله لموسى وهارون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى حين لم ينفعه تذكّره وخشيته.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) بياض في المخطوط.\n(٣) وديق: تشتهي الفحل.","vol":"5","page":146},{"text":"قال كعب: لمّا أمسك نيل مصر عن الجري قالت القبط لفرعون: [إن كنت ربّنا فأجر لنا الماء]، فركب وأمر جنوده بالركوب وكان مناديه ينادي كل ساعة: ليقف فلان بجنوده قائدا قائدا فجعلوا يقفون على درجاتهم [وقفز] حتى بقي هو وخاصته، فأمرهم بالوقوف حتى بقي في حجّابه وخدّامه، فأمرهم بالوقوف وتقدّم وحده بحيث لا يرونه [ونزل عن دابته] ولبس ثيابا أخر وسجد وتضرع إلى الله، فأجرى الله تعالى له الماء فأتاه جبرئيل وحده في هيئة مستفت وقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سيد له غيره، فكفر نعمته وجحد حقّه وادعى السيادة دونه؟ [فكتب فرعون: جزاؤه أن يغرق في البحر] «١» .\nفلمّا أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قالت بنو إسرائيل: ما مات فرعون ولا يموت أبدا، فأمر الله تعالى بالبحر فألقى فرعون على الساحل أحمر قصير كأنه ثور فتراءاه بنو إسرائيل، البحر حتى جازوه، وقرأ الحسن [وجوزنا، وهما لغتان] .\nفَأَتْبَعَهُمْ فأدركهم، يقال: تبعه وأتبعه إذا أدركه ولحقه، واتّبعه بالتشديد إذا سار خلفه [واقتدى به] فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ.\nبَغْيًا وَعَدْوًا ظلما واعتداء، يقال: عدا يعدو عدوا مثل: غزا يغزو غزوا، وقرأ الحسن (عُدُوّا) بضم العين وتشديد الواو مثل: علا يعلو علوّا. قال المفسرون: بَغْيًا في القول وَعَدْوًا في الفعل.\nحَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ أي أحاط به قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ قرأ حمزة والكسائي وخلف إنّه بالكسر أي آمنت وقلت: إنّه، وهي قراءة عبد الله. وقرأ الآخرون: أنّ بالفتح لوقوع آمَنْتُ عليها، وهي اختيار أبو عبيد وأبي حاتم.\nلا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال جبرئيل آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ.\nقال رسول الله ﷺ: «قال لي جبرئيل: ما أبغضت أحدا من عباد الله إلّا أنا أبغضت عبدين أحدهما من الجنّ والآخر من الأنس، فأما من الجنّ فإبليس حين أبى بالسجود لآدم وأما من الإنس ففرعون حين قال: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى، ولو رأيتني يا محمد وأنا أدسّ الطين في فيه مخافة أن تدركه الرحمة» [٨٦] «٢» .\n_________\n(١) زيادة عن تفسير القرطبي: ٨/ ٣٧٨.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٩/ ١٠٢ بتفاوت يسير.","vol":"5","page":147},{"text":"فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ أي نجعلك على نجوة من الأرض وهي النجو: المكان المرتفع، قال أوس بن حجر:\nفمن بعقوته كمن بنجوته ... والمستكنّ كمن يمشي بقرواح «١»\nبِبَدَنِكَ بجسدك لا روح فيك. وقال مجاهد والكسائي: البدن هاهنا الدرع وكان دارعا.\nقال الأعشى:\nوبيضاء كالنهى موضونة ... لها قونس فوق جيب البدى «٢»\nوقرأ عبد الله: فاليوم ننجيك ببدنك، أي نلقيك على ناحية البحر. وقيل: شعرك.\nلِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً عبرة وعظة.\nوقرأ علي بن أبي طالب (﵁): لِمَنْ خَلَقَكَ [بالقاف]، أي تكون آية لخالقك «٣» .\nوَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قال مقاتل: يعني أهل مكة، قال الحسن: هي عامة.\nعَنْ آياتِنا عن الإيمان بآياتنا لَغافِلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٣ الى ٩٧]</span>\nوَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣) فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٩٧)\nوَلَقَدْ بَوَّأْنا أنزلنا بَنِي إِسْرائِيلَ بعد هلاك فرعون مُبَوَّأَ منزل صِدْقٍ يعني خير، وقيل الأردن وفلسطين وهي: الأرض المقدسة التي بارك الله فيها لإبراهيم وذريته. الضحاك:\nهي مصر والشام.\nوَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ الحلالات.\nفَمَا اخْتَلَفُوا يعني اليهود الذين كانوا على عهد النبي محمد ﷺ حَتَّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ البيان بأن محمدا ﷺ يقول صدقا ودينه حق. وقيل: العلم بمعنى المعلوم لقولهم للمخلوق:\nخلق، وللمقدور: قدر، وهذا [....... فتم طرف الأمر، قال الله.....] «٤»، ومعنى الآية\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١١/ ٢١٣، وفي الصحاح فمن بنجوته كمن بعقوته، الصحاح: ١/ ٣٩٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٨/ ٣٨٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ٨/ ٣٨١.\n(٤) هكذا في الأصل. [.....]","vol":"5","page":148},{"text":"فما اختلفوا في محمد حتى جاءهم المعلوم وهو كون محمد ﷺ نبيا لأنهم كانوا يعلمونه قبل خروجه.\nإِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من الدين.\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ، الآية، وقد أكثر العلماء في تفسير معنى الآية، قال مقاتل: قالت كفار مكة: إنما ألقى هذا الوحي على لسان محمد شيطان، فأنزل الله تعالى:\nفَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ يعني القرآن.\nفَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ يخبرونك أنه مكتوب عندهم في التوراة رسولا نبيا.\nوقيل: الخطاب للرسول ﷺ والمراد به غيره من الشاكّين به، كما ذهب العرب في خطابهم الرجل بالشيء ويريدون به غيره، كقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ كأن الخطاب للنبي ﷺ والمراد به المؤمنون، ويدلّ عليه قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ولم يقل: تعمل.\nقال المفسرون: كان الناس على عهد رسول الله ﷺ قالوا: آمنا بالله بلسانهم، ومنهم كافر مكذّب لا يرى إلّا أن ما جاء به باطل، أو شاكّ في الأمر لا يدري كيف هو يقدّم رجلا ويؤخّر أخرى، فخاطب الله هذا الصنف من الناس فقال: فَإِنْ كُنْتَ أيها الإنسان فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ من الهدى على لسان محمد (ﷺ) .\nفَسْئَلِ الأكابر من علماء أهل الكتاب مثل عبد الله بن سلّام، وسلمان الفارسي، وتميم الداري وأشباههم فيشهدوا على صدقه، ولم يرد المعاندين منهم.\nوقيل: إن بمعنى (ما)، وتقديره: فما كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسألوا يا معاشر الناس أنتم دون النبي. كما قال: وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ بمعنى وما كان مكرهم.\nوقيل: إنّ الله علم أن الرسول ﷺ لم يشكّ ولكنّه أراد أن يأخذ الرسول بقوله لا أشك ولا [أماري] إدامة للحجة على الشاكّين من قومه كما يقول لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو يعلم أنه لم يقل ذلك، بدليل قوله: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إدامة للحجة على النصارى.\nوقال الفرّاء: علم الله تعالى أن رسول الله ﷺ غير شاكّ، فقال له: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ، وهذا كما تقول لغلامك الذي لا تشك في ملكك «١» إياه: إن كنت عبدي فأطعني، أو تقول لابنك: إن كنت ابني فبرّني.\n_________\n(١) في المخطوط: لا يشك في ملكه إيّاه.","vol":"5","page":149},{"text":"وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: الشاك في الشيء يضيق به صدرا، فيقال لضيّق الصدر شاك، يقول: إن ضقت ذرعا بما تعاين من تعنتهم وأذاهم فاصبر، واسأل الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ يخبروك كيف صبر الأنبياء على أذى [قومهم] وكيف كان عاقبة أمرهم من النصر والتمكين.\nوسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب سمعت أبا بكر محمد بن محمد بن أحمد القطان في [ذلك:] كان جائزا على الرسول ﷺ وسوسة الشيطان لأن المجاهدة في ردّها يستحق عليها عظيم الثواب والله [.........] «١» وكان يضيق صدره من ذلك والله أعلم. وقال الحسين بن الفضل مع [حيث] «٢» الشرط لا يثبت الفعل.\nوالدليل عليه ما\nروي أن رسول الله ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: «والله لا أشك ولا أسأل» [٨٧] «٣» .\nثم أفتى [وزوّدنا] «٤» بالكلام فقال: لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ القرآن.\nفَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ [الذين تحبط أعمالهم] إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لعنته إياهم [لنفاقهم]، قال ابن عباس: ينزل بك السخط، وقال: إن الله خلق الخلق [فمنهم شقي ومنهم] سعيد، فمن كان سعيدا لا يكفر إلّا ريثما يراجع الإيمان ومن كان شقيا لا يؤمن إلّا ريثما يراجع الكفر، وإنما العمل [...] «٥» وقرأ أهل المدينة: (كلمات) جمعا.\nلا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ دلالة حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ قال الأخفش: أنّث فعل (كل) لأنها مضافة إلى مؤنث، ولفظة كل للمذكر والمؤنث سواء.\n_________\n(١) كلمات غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) الدرّ المنثور: ٣/ ٣١٧، وجامع البيان للطبري: ١١/ ٢١٨.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) بياض في الأصل.","vol":"5","page":150},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>[سورة يونس (١٠): الآيات ٩٨ الى ١٠٣]</span>\nفَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (٩٨) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (١٠٠) قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)\nثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)\nفَلَوْلا أي فهلّا، وكذلك هي في حرف عبد الله وأبي، قال الشاعر:\nتعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... [بني ضوطري] لولا الكميّ المقنعا «١»\nأي فهلّا.\nوقرأ في الآية: (فلا تكن قرية) لأن في الاستفهام ضربا من الجحد.\nآمَنَتْ عند معاينتها العذاب فَنَفَعَها إِيمانُها في وقت اليأس إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ فإنّهم نفعهم إيمانهم في ذلك الوقت لما علم من صدقهم. قال أهل النحو: قوم منصوب على الاستثناء المنقطع، وإن شئت قلت من جنسها لأن القوم مستثنى من القرية، ومنجون من الهالكين، وتقديره: لكن قوم يونس كقول النابغة:\nوقفت فيها أصيلانا أسائلها ... أعيت جوابا وما بالربع من أحد\nألا الأواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد «٢»\nوفي يونس ست لغات، ضم النون، وقرأ [...] «٣» بضمّ الياء لكثرة من قرأ بها، وقرأ طلحة والأعمش والحميري وعيسى بكسر النون، وعن بعضهم بفتح النون، وروى أبو قرظة الأنصاري عن العرب همزة مع الضمة والكسرة والفتحة.\nلَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ وهو وقت انقضاء آجالهم، قال بعضهم: إنّما نفعهم إيمانهم في وقت اليأس لأن آجالهم بقي منها بقية فنجوا لما بقي من آجالهم، فأما إيمان من انقضى أجله فغير نافع عند حضور العذاب.\nوقصة الآية على ما ذكره عبد الله بن مسعود وسعيد بن جبير والسدّي ووهب وغيرهم أن قوم يونس كانوا بنينوى من أرض الموصل فأرسل الله إليهم يونس يدعوهم إلى الإسلام وترك ما هم عليه فدعاهم فأبوا، فقيل له: أخبرهم أن العذاب يجيئهم إلى ثلاث، فأخبرهم بذلك فقالوا:\nإنّا لم نجرّب عليه كذبا فانظروا، فإن بات فيكم تلك الليلة فليس بشيء وإن لم يبت فاعلموا أن العذاب مصبحكم، فلمّا كان في جوف الليل خرج ماشيا من بين ظهرانيهم فلمّا أصبحوا تغشّاهم العذاب كما يغشي الثوب القصير إذا أدخل فيه صاحبه.\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/ ٤٨٩.\n(٢) الأواري: واحدها: آري وهو الحبل تشدّ به الدابّة، واللأي: المشقّة، والنؤي: حفرة حول البيت تحول دون وصول الماء، والجلد: الأرض الصلبة، والبيت في تفسير الطبري: ١/ ١١٧.\n(٣) بياض في الأصل.","vol":"5","page":151},{"text":"قال مقاتل: كان العذاب فوق رؤوسهم قدر ميل. قال ابن عباس: قدر ثلثي ميل. قال وهب: غامت السماء غيما أسود هائلا يدخل دخانا شديدا، وهبط حتى غشى مدينتهم واسودّت سطوحهم، فلما رأوا ذلك أيقنوا بالهلاك فطلبوا نبيّهم فلم يجدوه، فقذف الله في قلوبهم التوبة فخرجوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابّهم ولبسوا المسوح وأظهروا الإيمان والتوبة وأخلصوا النية، وفرّقوا بين كل والدة وولدها من الناس والأنعام، فحنّ بعضهم إلى بعض، وعلت أصواتهم واختلطت أصواتها بأصواتهم وحنينها بحنينهم، وعجوا وضجوا إلى الله تعالى وقالوا: آمنّا بما جاء به يونس، فرحمهم ربّهم واستجاب دعاءهم، وكشف عنهم العذاب بعد ما أظلّهم وتدلّى إلى سمعهم، وذلك يوم عاشوراء.\nقال ابن مسعود: بلغ من توبة أهل نينوى أن ترادّوا المظالم بينهم حتى أن كان الرجل ليأتي الحجر وقد وضع عليه أساس فيقلعه ويردّه.\nوروى صالح المري عن أبي عمران الجوني عن أبي الجلد، قال: لما غشى قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا له: قد نزل بنا العذاب فما ترى؟ فقال: قولوا:\nيا حيّ حين لا حي ويا حي [يا] محيي الموتى، ويا حي لا إله إلّا أنت، فقالوها، فكشف عنهم العذاب ومتّعوا إلى حين.\nقالوا: وكان يونس (﵇) وعدهم العذاب فخرج ينتظر العذاب وهلاك قومه فلم ير شيئا، وكان من كذب ولم تكن له بيّنة قتل، فقال يونس لما كشف عنهم العذاب: كيف أرجع إلى قومي وقد كذبتهم؟ فانطلق عاتبا على ربه، مغاضبا لقومه فأتى البحر [فإذ سفينة قد شحنت] فركب السفينة [لوحده] بغير أجر، فلمّا دخلها وقفت السفينة، والسفن تسير يمينا وشمالا قالوا:\nما لسفينتكم؟ قال يونس: إنّ فيها عبدا آبقا ولا تجري ما لم تلقوه، فقالوا: وأنت يا نبي العبد فلا نلقيك، فاقترعوا فوقعت القرعة عليه ثلاثا فوقع في الماء ووكل عليه حوت فابتلعه.\nقال ابن مسعود: فابتلعه الحوت وجرى به حتى أتاه إلى قرار الأرض، وكان في بطنه أربعين ليلة فسمع تسبيح الحصى فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فاستجاب الله له فأمر الحوت فنبذه على ساحل البحر [عريانا]، فأنبت الله عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ، فجعل يستظلّ بها، ووكل الله به سخلا يشرب من لبنها، فيبست الشجرة فبكى عليها، فأوحى الله إليه: تبكي على شجرة يبست، ولا تبكي على مائة ألف إنسان أهلكهم! فخرج يونس فإذا هو بغلام يرعى، فقال: من أنت يا غلام؟\nقال: من قوم يونس، قال: إذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس، قال الغلام: إن كنت يونس فقد تعلم أنه لم يكن لي بينة، [فإن] قلت: فمن يشهد لي؟ قال يونس: يشهد لك هذه البقعة وهذه الشجرة، قال الغلام: أراهما؟ قال يونس: إذا جاءكما هذا الغلام فاشهدا له، قالا:","vol":"5","page":152},{"text":"نعم. فرجع الغلام إلى قومه، فقال للملك: إني قد لقيت يونس وهو يقرأ عليكم السلام، وكان له أخوة وكان في منعة فأمر الملك بقتله، فقال: إنّ لي بينة فانسلّوا معه إلى البقعة والشجرة، فقال الغلام: أنشدكما هل أشهدكما يونس؟ قالا: نعم، فرجع القوم مذعورين، وقالوا للملك:\nشهد له الشجرة والأرض، فأخذ الملك بيد الغلام فأجلسه في مجلسه، وقال: أنت أحق بهذا المكان مني، قال ابن مسعود: فأقام لهم أميرا فيهم ذلك الغلام أربعين سنة «١» .\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ يا محمد لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا قال الحسين بن الفضل:\nلأضطرّهم إلى الإيمان. قال الأخفش: جاء بقوله: (جَمِيعًا) مع (كل) تأكيدا كقوله: لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ.\nأَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ\nقال ابن عباس: كان رسول الله ﷺ حريصا على أن يؤمن جميع الناس ويبايعوه على الهدى، فأخبره الله تعالى أنّه لا يؤمن إلّا من سبق له من الله سعادة في الكتاب الأول، ولا يضلّ إلّا من سبق له من الله الشقاء في الذكر الأول.\nوَما كانَ لِنَفْسٍ قال الحسن: وما ينبغي لنفس. وقال المبرد: معناه وما كنت لتؤمن إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. قال ابن عباس: بأمر الله. وقال عطاء: بمشيئة الله، كقوله: وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ. وقال الكوفي: ما سبق من قضائه. وقال [الدّاني]: بعلمه وتوفيقه.\nوَيَجْعَلُ أي ويجعل الله، وقرأ الحسن وعاصم بالنون الرِّجْسَ العذاب والسخط.\nوقرأ الأعمش الرجز بالزاي عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ حجج الله في التوحيد والنبوة.\nقُلِ يا محمد لهؤلاء المشركين السائليك الآيات انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ من الشمس والقمر والنجوم وَالْأَرْضِ من الجبال والبحار والأنهار والأشجار وغيرها من الآيات ثم قال: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ في علم الله.\nفَهَلْ يَنْتَظِرُونَ يعني مشركي مكة إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ من الذين مضوا. قال قتادة: يعني وقائع الله في قوم نوح وعاد وثمود، والعرب تسمي العذاب والنعيم: أياما، كقوله تعالى: وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ وكل ما مضى عليك من خير أو شر فهو أيام.\nقُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا معهم عند نزول العذاب، كذلك كما أنجيناهم.\nكَذلِكَ حَقًّا واجبا، عَلَيْنا غير شك، نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بك يا محمد. وقرأ\n_________\n(١) راجع زاد المسير: ٤/ ٥٦.","vol":"5","page":153},{"text":"يعقوب: نُنْجِي رُسُلَنا بالتخفيف، وقرأ الكسائي وحفص: نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ بالتخفيف وشدّدهما الآخرون، وهما لغتان فصيحتان أنجى ينجي إنجاء ونجّي ينجّي تنجية بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>[سورة يونس (١٠): الآيات ١٠٤ الى ١٠٩]</span>\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)\nوَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (١٠٩)\nقُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي الذي أدعوكم إليه.\nفَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الأوثان التي لا تعقل ولا تفعل ولا تبصر ولا تسمع ولا تضر ولا تنفع وَلكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ تقدير أن يسلم ويقبض أرواحهم.\nوَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ قال ابن عباس: عملك. وقيل: نفسك، أي استقم على الدين حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ\nقال رسول الله ﷺ على المنبر: «لم أعبد ربي بالرهبانية وأن خير الدين الحنيفية السهلة» [٨٨] «١» .\nوَلا تَدْعُ تعبد مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ إن أطعته وَلا يَضُرُّكَ إن عصيته فَإِنْ فَعَلْتَ فعبدت غير الله فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ الضارّين لأنفسهم، الواضعين العبادة في غير موضعها وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ يصبك الله ببلاء وشدّة فَلا كاشِفَ دافع لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ رخاء ونعمة فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ فلا مانع لرزقه.\nيُصِيبُ بِهِ واحد من الضر والخير مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ يعني القرآن فيه البيان.\nفَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ [أي له ثواب اهتدائه] «٢» وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها فعلى نفسه جنا وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ بكفيل وحفيظ يحفظ أعمالكم. قال ابن عباس: نسختها آية القتال.\n_________\n(١) كنز العمّال: ٣/ ٤٧، ح ٥٤٢٢ بتفاوت.\n(٢) زيادة عن زاد المسير: ٥/ ١٣.","vol":"5","page":154},{"text":"وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ من نصرك وقهر أعدائك وإظهار دينه وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ.\nقال الحسن: لما نزلت هذه الآية جمع رسول الله ﷺ الأنصار وقد تجمع خيرتهم فقال:\n«إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني» [٨٩]» قال أنس: فلم نصبر. فأمرهم بالصبر كما أمره الله به.\nوقال عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب: لما قدم معاوية المدينة تلقّته الأنصار وتخلّف أبو قتادة ودخل عليه بعد فقال: ما لك لا تلقنا؟ قال: لم تكن عندنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال: ربطناها في طلبك وطلب أبيك يوم بدر، وقد قال رسول الله ﷺ: «فاصبروا حتى تلقوني» [٩٠] «٢»، قالوا: إذا نصبر، ففي ذلك قال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت:\nألا أبلغ معاوية بن حرب ... أمير المؤمنين ثنا «٣» كلام\nفإنّا صابرون ومنظروكم ... إلى يوم التغابن والخصام «٤»\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٨/ ٣٨٩، وفي مسند أحمد (ستلقون) بدل (ستجدون)، مسند أحمد: ٣/ ٥٧.\n(٢) مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٨. [.....]\n(٣) ويروى: نبا، ويروي: عني كلامي.\n(٤) المصنّف لعبد الرزّاق: ١١/ ٦١، ح ١٩٩٠٩، تفسير القرطبي: ٨/ ٣٨٩.","vol":"5","page":155},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>سورة هود (ع)</span>\nمكية،\nأخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثني أبو بكر محمد بن إسحاق، محمد بن علي بن محمد، محمد بن علي بن صالح عن ابن إسحاق عن أبي جحيفة قال: قيل: يا رسول الله قد أسرع إليك المشيب، قال: «شيبتني هود وأخواتها:\nالحاقة، والواقعة، وعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ» [٩١] «١» .\nوعن زيد قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقرأت عليه سورة هود فلمّا ختمتها قال: يا زيد قرأت، فأين البكاء؟.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>[سورة هود (١١): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣) إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)\nأَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٥) وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٦)\nالر كِتابٌ قيل الر مبتدأ وكِتابٌ خبره، وقيل: كِتابٌ رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره: هذا كتاب أُحْكِمَتْ آياتُهُ قال ابن عباس: أُحْكِمَتْ آياتُهُ: لم تنسخ بكتاب كما نسخت الكتب والشرائع بها ثُمَّ فُصِّلَتْ بيّنت بالأحكام والحلال والحرام، قال الحسن وأبو العالية:\nفُصِّلَتْ: فسّرت مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلَّا تَعْبُدُوا يحتمل أن يكون موضع أن رفعا على مضمر تقديره: وفي ذلك الكتاب أن لا تعبدوا، ويحتمل أن يكون محله نصبا بنزع الخافض تقديره: ثم فصّلت أن لا تعبدوا إِلَّا اللَّهَ أو لئلّا تعبدوا إلّا الله.\nإِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ من الله نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وأن عطف على الأول وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٥/ ٢٣٩.","vol":"5","page":156},{"text":"أي ارجعوا إلى الله بالطاعة والعبادة، وقال الفرّاء: ثمّ هاهنا بمعنى (الواو) أي وتوبوا إليه لأنّ الاستغفار من التوبة، والتوبة من الاستغفار يُمَتِّعْكُمْ مَتاعًا حَسَنًا أي يعيشكم عيشا في [منن] ودعة وأمن وسعة [رزق]، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو الموت وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ويؤت كل ذي عمل مبلغ أجره وثوابه [سمى فضله] باسم الابتداء.\nقال ابن مسعود: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات، وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر، واحدة وبقيت له تسع حسنات ثم قال: هلك من غلبت آحاده عشراته.\nوقال ابن عباس: من زادت حسناته على سيئاته دخل الجنة، ومن زادت سيئاته على حسناته دخل النار، ومن استوت حسناته وسيئاته كان من أهل الأعراف، ثم يدخلون الجنة بعد، وقال أبو العالية: من زادت طاعته في الدنيا زادت درجاته في الجنة، لأن الدرجات تكون بالأعمال. وقال مجاهد: إن ما يحتسب الإنسان من كلام يقوله بلسانه، أو عمل يعمله بيده ورجله، أو ما يتصدّق به من حق ماله.\nوَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ وهو يوم القيامة.\nإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ قال ابن عباس:\nيخفون ما في صدورهم من الشحناء والعداوة، نزلت في الأخنس بن شريق وكان رجلا حلو الكلام، حلو المنظر، يأتي رسول الله ﷺ بما يحب وينطوي بقلبه على ما يكره. مجاهد: يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ شكّا وامتراء، السدّي: يعرضون بقلوبهم عنك من قولهم [..............] «١» .\nعن عبد الله بن شداد: نزلت في بعض المنافقين كان إذا مرّ برسول الله ﷺ ثنى صدره وظهره، وطأطأ رأسه، وتغشّى ثوبه كي لا يراه النبي (ﷺ) .\nقتادة: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله ولا ذكره. ابن زيد: هذا حين يناجي بعضهم بعضا في أمر رسول الله (ﷺ) .\nلِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أي من رسول الله ﷺ، وقال مجاهد: ليستخفوا من الله إن استطاعوا، وقال ابن عباس: يثنون صدورهم على وزن يحنون، جعل الفعل للصدور أي [يلقون] .\nأَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يغطّون رؤوسهم بثيابهم، وذلك أخفى ما يكون لابن آدم إذا حنى صدره وتغشّى ثوبه وأضمر همه في نفسه.\nيَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَما مِنْ دَابَّةٍ من بغلة وليس دابّة وهي كل حيوان دبّ على وجه الأرض، وقال بعض العلماء: كل ما أكل فهو دابة.\n_________\n(١) بياض في المخطوط.","vol":"5","page":157},{"text":"إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها غذاؤها وقوتها وهو المتكفّل بذلك فضلا لا وجوبا، وقال بعضهم:\n(على) بمعنى (من) أي من الله رزقها، ويدل عليه قول مجاهد، قال: ما جاء من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها حتى تموت جوعا، ولكن ما كان من رزق فمن الله.\nوَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها أي مأواها الذي تأوي إليه وتستقر فيه ليلا ونهارا، وَمُسْتَوْدَعَها الموضع الذي تودع فيه أما بموتها أو دفنها، قال ابن عباس: مُسْتَقَرَّها حيث تأوي، وَمُسْتَوْدَعَها حيث تموت، مجاهد: مُسْتَقَرَّها في الرحم وَمُسْتَوْدَعَها في الصلب، عبد الله: مُسْتَقَرَّها الرحم، وَمُسْتَوْدَعَها المكان الذي تموت فيه، الربيع: مُسْتَقَرَّها أيام حياتها، وَمُسْتَوْدَعَها حيث تموت، ومن حيث تبعث.\nوقيل: يَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها في الجنة أو في النار، وَمُسْتَوْدَعَها القبر، ويدلّ عليه قوله تعالى في وصف أهل الجنة والنار: حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا وساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا.\nكُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ كل ذلك مثبت في اللوح المحفوظ قبل أن يخلقها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>[سورة هود (١١): الآيات ٧ الى ١٦]</span>\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)\nفَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٣) فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قبل أن يخلق السماوات والأرض وذلك الماء على متن الريح. وقال كعب: خلق الله ياقوتة حمراء لا نظير لها [فنظر إليها بالهيبة] فصارت ماء، [يرتعد من مخافة الله تعالى] ثمّ خلق الريح فجعل الماء [على قشرة] «١» ثم وضع العرش على الماء. وقال ضمرة: إنّ الله تعالى كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ ثم\n_________\n(١) في تفسير القرطبي: ٩/ ٨، على متنها.","vol":"5","page":158},{"text":"خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بالحق، وخلق القلم وكتب به ما هو خالق وما هو كائن من خلقه، ثم إن ذلك الكتاب سبّح الله ومجدّه قبل أن يخلق شيئا من الخلق.\nلِيَبْلُوَكُمْ ليختبركم وهو أعلم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا\nروى عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «ليبلوكم أيّكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله وأسرع في طاعة الله» [٩٢] «١» .\nقال ابن عباس: أيّكم أعمل بطاعة الله. قال مقاتل: أيّكم أتقى لله، الحسن: أيّكم أزهد في الدنيا زاهدا وأقوى لها تركا.\nوَلَئِنْ قُلْتَ يا محمد إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ يعنون القرآن، ومن قرأ: ساحر ردّه إلى محمد (ﷺ) .\nوَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ إلى أجل معدود ووقت محدود، وأصل الأمّة الجماعة، وإنما قيل للحين: أمّة، لأن فيه يكون الأمّة، فكأنه قال: إلى مجيء أمّة وانقراض أخرى قبلها، كقوله: وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ.\nلَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ يقولون استعجالا للعذاب واستهزاء، يعنون أنه ليس بشيء. قال الله تعالى: أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ العذاب لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ خبر (ليس) عنهم. وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي رجع إليهم ونزل بهم وبال استهزائهم وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً سعة ونعمة ثُمَّ نَزَعْناها سلبناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ قنوط في الشدّة كَفُورٌ في النعمة.\nوَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ بعد بلاء وشدة لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي زالت الشدائد عني إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ أشر بطر، ثم استثنى فقال: إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ\nفإنهم إن نالتهم شدّة وعسرة صبروا، وإن نالوا نعمة شكروا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وهو الجنة، وإنما جاز الاستثناء مع اختلاف الحالين لأن الإنسان اسم الجنس كقوله: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا.\nفَلَعَلَّكَ يا محمد تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ فلا تبلّغه إياهم، وذلك أن مشركي مكة قالوا: آتنا بكتاب ليس فيه سبّ آلهتنا.\nوَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لأن يقولوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ ينفقه أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ يصدّقه، قال عبد الله بن أمية المخزومي قال الله: يا أيها النذير ليس عليك إلّا البلاغ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مثله مُفْتَرَياتٍ بزعمكم وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ لفظه جمع والمراد به الرسول وحده كقوله: يا أَيُّهَا الرُّسُلُ ويعني الرسول.\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٤/ ٢١١.","vol":"5","page":159},{"text":"وقال مجاهد: عنى به أصحاب محمد ﷺ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ يعني القرآن وَأَنْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ لفظه استفهام ومعناه أمر.\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا أي من كان يريد بعمله الحياة الدنيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ نوفر لهم أجور أعمالهم في الدنيا وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ لا ينقصون. قتادة يقول:\nمن كانت الدنيا همّه وقصده وسروره وطلبته ونيّته جازاه الله تعالى ثواب حسناته في الدنيا، ثم يمضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطى بها جزاء، وأما المؤمن فيجازى بحسناته في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة.\nقال النبي ﷺ: «من أحسن من محسن فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ في عاجل الدنيا وآجل الآخرة» «١» .\nواختلفوا في المعنيّ بهذه الآية فقال بعضهم: هي للكفار، وأما المؤمن فإنه يريد الدنيا والآخرة، وإرادته الآخرة غالبة على إرادته للدنيا، ويدل عليه قوله: أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها في الدنيا وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ قال مجاهد: هم أهل الربا.\nوروى ابن المبارك عن حيوة بن شريح قال: حدثني الوليد بن أبي الوليد بن عثمان أن عقبة بن مسلم حدّثه أن شقي بن قابع الأصبحي حدّثنا أنه دخل المدينة فإذا هو برجل قد اجتمع عليه الناس، فقال: من هذا؟ قيل: أبو هريرة.\nقال: فدنوت منه حتى قعدت بين يديه وهو يحدّث الناس، فلما سكت وخلا، قلت:\nوأنشدك الله لما حدثتني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ [عقلته وعلمته] فقال: لأحدّثنّك حديثا حدثنيه رسول الله ﷺ في [هذا البيت] ثم غشي عليه ثم أفاق فقال: أحدثك حديثا حدّثنيه رسول الله ﷺ في هذا البيت، ولم يكن أحد غيره وغيري، ثم شهق أبو هريرة شهقة شديدة ثم قال:\n[فأرى على وجهه ثمّ استغشى] طويلا ثم أفاق فقال: حدثني رسول الله ﷺ: «إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة دعا «٢» العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية فأول من يدعو رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال. فيقول الله للقارئ: ألم أعلّمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب.\nقال: ماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله تعالى له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، فيقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٢/ ١٨، وتاريخ دمشق: ٤٧/ ٢١٤. ٢١٦.\n(٢) في المصدر: ينزل إلى.","vol":"5","page":160},{"text":"قيل ذلك، ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسّع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟\nقال: كنت أصل الرحم وأتصدّق، فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله تعالى: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقال له: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك» ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال: «يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» [٩٣] «١» .\nقال الوليد: وأخبرني غيره أن شقيا دخل على معاوية وأخبره بهذا عن أبي هريرة فقال معاوية: وقد فعل بهؤلاء هذا فكيف بمن بقي من الناس؟ ثم بكى معاوية [وضرب خدّيه] حتى ظننّا أنه هالك، ثم أفاق معاوية لا يمسح وجهه وقال: صدق الله ورسوله مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وقرأ إلى قوله: باطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>[سورة هود (١١): الآيات ١٧ الى ٢٢]</span>\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (١٩) أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠) أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)\nلا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ بيان وحجة مِنْ رَبِّهِ وهو رسول الله ﷺ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ يتبعه من يشهد له ويصدقه.\nواختلفوا في هذا الشاهد فقال ابن عباس وعلقمة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وأبو صالح وأبو العالية وعكرمة: هو جبريل (﵇)، وقال الحسن (﵁): هو رسول الله (ﷺ) . وقال الحسن وقتادة: هو لسان رسول الله (ﷺ) .\nوقال محمد بن الحنفية: قلت لأبي أنت التالي؟ قال: وما تعني بالتالي؟ قلت: قوله: وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ قال:\nوددت أني هو ولكنه لسان رسول الله (ﷺ) .\nوقال بعضهم: الشاهد صورة\n_________\n(١) كنز العمّال: ٣/ ٤٦٩، ح ٧٤٦٩.","vol":"5","page":161},{"text":"النبي ﷺ ووجهه ومخائله، لأنّ كل من كان له عقل ونظر إليه علم أنه رسول الله (ﷺ) .\nوقال الحسين بن الفضل: هو القرآن في نظمه وإعجازه والمعاني الكثيرة منه في اللفظ القليل. وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو ملك يحفظه ويسدّده. وقيل: هو علي بن أبي طالب.\nأخبرني عبد الله الأنصاري عن القاضي أبو الحسين النصيري، أبو بكر السبيعي، علي بن محمد الدهان والحسن بن إبراهيم الجصاص، قال الحسين بن حكيم، الحسين بن الحسن عن حنان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ رسول الله ﷺ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ علي خاصة (﵁) «١» .\nوبه عن السبيعي عن علي بن إبراهيم بن محمد [العلوي]، عن الحسين بن الحكيم، عن إسماعيل بن صبيح، عن أبي الجارود، عن حبيب بن يسار، عن زاذان قال: سمعت عليا يقول:\nوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو ثنيت لي وسادة فأجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما من رجل من قريش جرت عليه المواسي إلّا وأنا أعرف به يساق «٢» إلى جنة أو يقاد إلى نار. فقام رجل فقال: ما آيتك يا أمير المؤمنين التي نزلت فيك؟\nقال: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ رسول الله ﷺ على بينة من ربه وأنا شاهد منه [٩٤] «٣» .\nوبه عن [السبيعي]، وأحمد بن محمد بن سعيد الهمداني حدثني الحسن بن علي بن برقع وعمر بن حفص الفراء، حدثنا صباح القرامولي، عن محارب عن جابر بن عبد الله [الأنصاري]، قال علي (﵁): ما من رجل من قريش إلّا وقد نزلت فيه الآية والآيتان، فقال له رجل: فأنت أي شيء نزل فيك؟ قال علي (﵁): أما تقرأ الآية التي في هود، وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ «٤» .\nوفي الكلام محذوف تقديره: أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كمن هو في الضلالة [متردّد]، ثم قال: وَمِنْ قَبْلِهِ يعني ومن قبل محمد والقرآن كان كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً أُولئِكَ أي\n_________\n(١) كنز العمّال: ٢/ ٤٣٩، ح ٤٤٤٠.\n(٢) في بعض المصادر: «إلّا قد نزلت فيه آية من كتاب الله تسوقه إلى الجنّة أو تقوده إلى النار» . راجع شواهل التنزيل: ١/ ٣٦٦.\n(٣) كنز العمّال: ٢/ ٤٣٩، ح ٤٤٤١.\n(٤) تفسير القرطبي: ٩/ ١٦، والدرّ المنثور: ٣/ ٣٢٤، وتفسير الطبري: ١٢/ ٢٢.","vol":"5","page":162},{"text":"بني إسرائيل يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ أي بمحمد وقيل بالقرآن، وقيل بالتوراة مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ.\nروى سعيد بن جبير عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «لا يستمع لي يهودي ولا نصراني، ولا يؤمن بي إلّا كان من أهل النار» [٩٥] .\nقال أبو موسى فقلت في نفسي: إن النبي لا يقول مثل هذا القول إلّا من الفرقان فوجدت الله يقول: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ.\nفَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ أي في شكّ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا زعم أن لله ولدا أو شريكا أو كذب بآيات القرآن أُولئِكَ يعني الكاذبين، يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ فيسألهم عن أعمالهم ويجزيهم بها.\nوَيَقُولُ الْأَشْهادُ يعني الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا، في قول مجاهد والأعمش، وقال الضحاك: يعني الأنبياء والرسل، وقال قتادة: يعني الخلائق.\nوروى صفوان بن محرز المازني قال: بينا نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر إذ عرض له رجل فقال: يا بن عمر ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعت نبي الله ﷺ [يقول]: «يدنو المؤمن من ربّه حتى يضع كتفيه عليه فيقرّره بذنوبه فيقول: هل [تعرف ما فعلت؟ يقول: [رب أعرف مرّتين، حتى إذا بلغ ما شاء الله أن يبلغ فقال: وإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، وقال [ثمّ يعطى صحيفة حسناته، أو كتابه بيمينه قال]: وأما الكافر والمنافق فينادى بهم على رؤوس الأشهاد» [٩٦] «١» .\nهؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ. أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ قال ابن عباس: سابقين.\nمقاتل بن حيان: قانتين، قتادة: [هرابا] وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ أنصار تغني [عنهم] يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ يعني يزيد في عذابهم.\nما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ اختلف في تأويله: قال قتادة (....) «٢»: وَما كانُوا يُبْصِرُونَ الهدى، وقوله: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ قال ابن عباس: إن الله تعالى إنّما حال بين أهل الشرك وبين طاعته في الدنيا، وأما في الدنيا فإنه قال ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٥، ح ١٨٣. [.....]\n(٢) كلام غير مقروء.","vol":"5","page":163},{"text":"فإنه قال: فلا يستطيعون خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ، وقال بعضهم: إنما عنى بذلك الأصنام.\nأُولئِكَ وآلهتهم لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ ويُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ يوم القيامة ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ ولا يسمعونه وَما كانُوا يُبْصِرُونَ [......] «١» فلا يعتبرون بها، فحذف الباء، كما يقول: لا يجزينك ما عملت وبما عملت.\nأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ لا جَرَمَ\nأي [.....] «٢»، قال الفرّاء: معناها لا بدّ ولا محالة أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ يعني من غيرهم، وإن كان الكل في الخسار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-390>[سورة هود (١١): الآيات ٢٣ الى ٤٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٣) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٤) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاَّ بَشَرًا مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ (٢٧)\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ (٢٨) وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣٠) وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١) قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)\nقالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣) وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥) وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)\nوَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (٤٠)\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) كلام غير مقروء في المخطوط.","vol":"5","page":164},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ قال عطية عن ابن عباس وقتادة:\nأنابوا وتضرّعوا إليه، مجاهد: اطمأنّوا إلى ذكره، مقاتل: أخلصوا، الأخفش «١»: تخشّعوا له، وقيل «٢»: تواضعوا له.\nأُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ المؤمن والكافر كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا قال الفرّاء: وإنّما لم يقل هل يستوون مثلا، لأنّ الأعمى والأصم في خبر كأنهما واحد، لأنهما من وصف الكافر، والسميع والبصير في خبر كأنهما واحد، لأنهما من وصف المؤمن.\nأَفَلا تَذَكَّرُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ إِنِّي قرأ أهل مكة وأبو عمرو والكسائي: أَنِّي بفتح الألف ويعنون بأني، وقرأ الباقون بكسر الألف إني، قال: إني لأن في الإرسال معنى القول.\nلَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ مؤلم، قال مقاتل: بعث نوح وأمره ربّه ببناء، السفينة وهو ابن ستمائة سنة وكان عمره ألفا وخمسين عاما ولبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة، قال الله تعالى فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا أي فلبث فيهم داعيا فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ يا نوح إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنا آدميا مثلنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا سفلتنا بادِيَ الرَّأْيِ قال مجاهد وأبي المعين وحمزة أبو عمرو وبصير على معنى بادِيَ الرَّأْيِ من غير روية ولا فكرة يعني: آمنوا من غير روية.\nوَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ قالَ نوح يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً هدى ومغفرة مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ التبست واشتبهت وقرأ أهل الكوفة: فَعُمِّيَتْ بضم العين وتشديد الميم، أي اشتبهت ولبّست ومعنى الكلام: عمّيت الأبصار عن الحق، وهذا كما يقال: دخل الخاتم في إصبعي، والخفّ في رجلي وإنما يدخل الأصبع في الخاتم والرجل في الخفّ أَنُلْزِمُكُمُوها يعني البيّنة والرحمة وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ لا تريدونها يعني لا يقبل ذلك.\nوَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالًا أي على الوحي وتبليغ الرسالة كناية عن غير مذكور إِنْ أَجرِيَ ما ثوابي إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا الباء صلة إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ بالمعاد فيجزيهم بأعمالهم وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي\n_________\n(١) في زاد المسير نسبه للفرّاء (٤/ ٧٦)، وفي تفسير القرطبي ٩/ ٢١، خلاف في بعض الأقوال.\n(٢) وهو ابن قتيبة كما في زاد المسير.","vol":"5","page":165},{"text":"تحتقر وتستصغر أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا يعني يؤخذ وانما اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ من النية والعزم والخير والشر إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ إن فعلت ذلك.\nقالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا ماريتنا وخاصمتنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا يعني العذاب إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي نصيحتي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ يهلككم ويضلكم هُوَ رَبُّكُمْ والأمر والحكم له وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيجازيكم بأعمالكم وهو ردّ على المعتزلة و[المرجئة] .\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قال ابن عباس: يعني نوحا، مقاتل يعني محمدا ﷺ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي إثمي ووبال أمري، لا تؤخذون بذنبي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ لا أواخذ بذنوبكم وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ ولا تحزن وهو منفعل من البؤس بِما كانُوا يَفْعَلُونَ فإني مهلكهم ومنقذك منهم فحينئذ دعا عليهم وقال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا.\nوَاصْنَعِ الْفُلْكَ واعمل السفينة بِأَعْيُنِنا بمرأى منّا، الضحاك: بمنظر منّا، مقاتل:\nبعلمنا، ربيع: بمسمعنا «١»\nوَوَحْيِنا [على ما أوحينا إليك]، قال ابن عباس: وذلك إنّه لم يعلم كيف يصنع الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها على جؤجؤ الطائر وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ولا تسألني العفو عن هؤلاء الذين كفروا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ بالطوفان، أمر أن لا يشفع لهم عنده، وقال: عنى امرأته وابنه.\nوَيَصْنَعُ الْفُلْكَ قيل: معناه وكان يصنع الفلك، وقيل: معناه وصنع الفلك وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ هزءوا به.\nقالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا الآن فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ إذا عاينتم عذاب الله فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ يهينه وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ دائم، قال ابن عباس: اتخذ نوح (﵇) السفينة في سنتين، وكان طول السفينة ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وطولها في السمك ثلاثين ذراعا، وكانت من خشب الساج، وجعل لها ثلاثة بطون فحمل في البطن الأسفل الوحوش والسباع والهوام، وفي البطن الأوسط الدواب والأنعام، وركب هو في البطن الأعلى [.....] «٢»\n، عمّا يحتاج إليه من الزاد.\nروي عن عائشة عن النبي ﷺ قال: «مكث نوح في قومه أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا\n_________\n(١) في تفسير القرطبي: بحفظنا.\n(٢) كلام غير مقروء.","vol":"5","page":166},{"text":"يدعوهم إلى الله، فأوحى الله ﷿ لما كان آخر زمانه وغرس شجرة [فعظمت وذهبت كلّ مذهب ثمّ قطعها] «١» ويقطع ما يبس منها، ثمّ جعل يعمل سفينة ويمرون عليه قومه فيسألونه فيقول: أعمل سفينة فيسخرون منه ويقولون: يعمل سفينة في البر فكيف تجري؟ فيقول: فسوف تعلمون، فلمّا فرغ منها وَفارَ التَّنُّورُ وكثر الماء في السكك، خشيت أمّ صبي عليه وكانت تحبّه حبّا شديدا، فخرجت به إلى الجبل حتى بلغت ثلثه، فلمّا بلغها الماء خرجت حتى بلغت ثلثيه، فلمّا بلغها الماء خرجت حتى صعدت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بيديها حتى ذهب بها الماء، فلو رحم الله أحدا منهم لرحم أمّ الصبي» [٩٧] «٢» .\nوروى علي بن زيد بن صوحان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قال الحواريون لعيسى ابن مريم ﵊: لو بعثت لنا رجلا شهد السفينة فيحدّثنا عنها، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفّا من ذلك التراب بكفّه قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا كفن حام بن نوح، قال: فضرب الكثيب بعصاه وقال: قم بإذن الله، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه وقد شاب، قال له عيسى: هكذا هلكت؟\nقال: لا بل متّ وأنا شاب ولكنني ظننت أنها الساعة فمن ثمّ شبت، قال: حدّثنا عن سفينة نوح، قال: كان طولها ألف ذراع ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع، وكانت ثلاث طبقات، فطبقة فيها الدواب والوحش، وطبقة فيها الإنس، وطبقة فيها الطير، فلمّا كثرت فضلات الدواب أوحى الله تعالى إلى نوح أن اغمز ذنب الفيل، فغمز فوقع منه خنزير وخنزيرة فأقبلا على الروث، فلمّا وقع الفار بحوض السفينة وحبالها فقرضها، وذلك أن الفار ولدت في السفينة فأوحى الله تعالى إلى نوح أن اضرب بين عيني الأسد فضرب فخرج من منخره سنور وهرّة فأقبلا على الفار.\nفقال له عيسى: كيف علم نوح أن البلاد قد غرقت؟ قال: بعث الغراب يأتيه بالخبر فوجد جيفة فوقع عليها فدعا عليه بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجلها فعلم أن البلاد قد غرقت قال: فطوّقها بالحمرة التي في عنقها ودعا لها أن تكون في قصر بأمان «٣»\nفمن ثم تألف البيوت.\nقال: فقالوا: يا رسول الله ألا ننطلق به إلى أهلنا فيجلس معنا ويحدّثنا؟ قال: كيف يتبعكم من لا رزق له؟ فقال له: عد بإذن الله، قال: فعاد ترابا «٤» .\n_________\n(١) زيادة عن الطبري.\n(٢) تفسير الطبري: ١٢/ ٤٦٦.\n(٣) في تفسير الطبري: أنس وأمان.\n(٤) تفسير الطبري: ١٢/ ٤٧.","vol":"5","page":167},{"text":"وروى محمد بن إسحاق عن عبيد بن عمير أنّه كان يحدّث الأحاديث وكانوا يبطشون به، يعني قوم نوح- فيخنقونه حتى يغشى عليه فإذا أفاق قال: ربّ اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون، حتى إذا تمادوا في المعصية وعظمت في الأرض منهم الخطيئة وتطاولوا عليه، وتطاول عليه وعليهم الشأن واشتد عليه منهم البلاء، وانتظر البخل بعد البخل، فلا يأتي قرن إلّا كان أخبث من الذي قبله حتى إذا كان الآخر منهم ليقول: قد كان هذا مع آبائنا وأجدادنا هكذا مجنونا لا يقبلون منه شيئا، حتى شكا ذلك من أمرهم إلى الله ﷿ فقال: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا، حتى قال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا إلى آخر القصة، فأوحى الله إليه أن اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أي بعد اليوم إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.\nفأقبل نوح على [عمل] الفلك ولجأ عن قومه إلى جبل يقطع الخشب ويضرب بيديه [الحديد]، ويهيّئ عدة الفلك من القار وغيره مما لا يصلحه إلّا هو، وجعل قومه يمرون به وهو في ذلك من عمله فيسخرون منه ويقولون: يا نوح هل صرت نجارا بعد النبوة؟ وأعقم الله أرحام النساء فلبثوا سنين فلا يولد لهم ولد.\nقال: ويزعم أهل التوراة أن الله أمره أن يصنع الفلك من خشب الساج وأن يصنعه أزور وأن يطليه بالقار من أسفله وخارجه، وأن يجعل طولها ثمانين ذراعا وعرضها خمسين ذراعا، ومائة في عرضه وبطوله في السماء ثلاثين ذراعا، والذراع إلى المنكب، وجعلها ثلاثة طوابق سفلى ووسطى وعليا، فجعل فيه كوى، ففعل نوح كما أمره الله تعالى «١» .\nحَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا عذابنا وَفارَ التَّنُّورُ يعني انبجس الماء من وجه الأرض، والعرب تسمي وجه الأرض تنور الأرض، وذلك أنه إذا قيل: إذا رأيت الماء يسيح على وجه الأرض فاركب أنت ومن اتبعك، ومنها قول ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة،\nوقال علي بن أبي طالب (﵁) في تفسير ووَ فارَ التَّنُّورُ: أي طلع الفجر ونور الصبح\n، ومن ذلك عبارته نوّر الفجر تنويرا، قتادة: موضع في الأرض وأعلى مكان فيها. قال الحسن: أراد بالتنور الذي يخبز فيه وكان تنورا من حجارة وكان لحواء حتى صار إلى نوح، فقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك، فنبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته، وهذا قول مهران «٢»\n. ورواه عطية عن ابن عباس، قال مجاهد: وكان ذلك في ناحية الكوفة، وروى السدي عن الشعبي أنه كان يحلف بالله ما يظهر التنور إلّا من ناحية الكوفة، وقال: اتخذ نوح السفينة في جوف مسجد الكوفة، وكان التنور على يمين الداخل مما يلي باب كندة، وكان فوران الماء منه علما لنوح ودليلا على هلاك قومه.\n_________\n(١) المصدر السابق: ٤٨.\n(٢) في تفسير القرطبي: ٩/ ٣٣، قول الحسن ومجاهد وعطية عن ابن عباس.","vol":"5","page":168},{"text":"وقال مقاتل: كان ذلك تنور آدم وإنّما كان بالشام بموضع يقال له: عين وردة، وقال ابن عباس: فارَ التَّنُّورُ بالهند، والفور: الغليان.\nقُلْنَا احْمِلْ فِيها أي في السفينة مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ قال المفسرون أراد بالزوجين:\nاثنين ذكرا وأنثى، وقال أهل المعاني: كل اثنين لا يستغني أحدهما عن صاحبه، فإن العرب تسمي كل واحد منهما زوجا، يقال له: زوجا نعال إذا كانت له نعلان وكذلك عنده زوجا حمام، وعليه زوجا قيود، قال الله تعالى وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، وقال بعضهم: أراد بالزوجين الضربين والصنفين وكل ضرب يدعى زوج، قال الأعشى:\nوكل زوج من الديباج يلبسه ... أبو قدامة محبوّ بذاك معا «١»\nأراد كل ضرب ولون. وقال لبيد:\nوذي [.....] «٢» كرّ المقاتل صولة ... وذرّته أزواج [........] «٣»\nيشرّب\nأي ألوان وأصناف، وقرأ حفص هاهنا وفي سورة المؤمنين مِنْ كُلٍّ بالتنوين أي من كل صنف، وجعل اثْنَيْنِ على التأكيد.\nوَأَهْلَكَ أي واحمل أهلك ومالك وعيالك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ بالهلاك يعني امرأته راحلة وابنه كنعان.\nوَمَنْ آمَنَ يعني واحمل من آمن بك، قال الله تعالى وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ واختلفوا في عددهم، فقال قتادة والحكم وابن جريج ومحمد بن كعب القرضي: لم يكن في السفينة إلّا نوح وامرأته»\nوثلاثة بنيه، سام وحام ويافث أخوة كنعان وزوجاتهم [ورحلهم] فجميعهم ثمانية، فأصاب حام امرأته في السفينة فدعا الله نوح أن يغير نطفته فجاء بالسودان. وقال الأعمش:\nكانوا سبعة: نوح وثلاث كنائن وثلاثة بنين له. وقال ابن إسحاق: كانوا عشرة سوى نسائهم:\nنوح وبنوه حام وسام ويافث وستة أناس ممن كان آمن معه وأزواجهم جميعا.\nوقال مقاتل: [كانوا] اثنين وسبعين رجلا وامرأة وبنيه الثلاثة ونساءهم، فكان الجميع ثمانية وسبعين نفسا، نصفهم رجال ونصفهم الآخر نساء.\nقال ابن عباس: كان في سفينة نوح ثمانون إنسانا أحدهم جرهم «٥» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ٥٥. [.....]\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) غير التي عوقبت (تفسير القرطبي: ٩/ ٣٥) .\n(٥) كذا أيضا في تفسير الطبري: ١٢/ ٥٧، وفي تاريخ دمشق (٦٢/ ٢٦٧): معهم أهلوهم.","vol":"5","page":169},{"text":"قال مقاتل: وحمل نوح معه جسد آدم وجعله معترضا بين الرجال والنساء، وحمل نوح جميع الدواب من الغنم والوحوش والطير وفرق فيما بينها.\nقال ابن عباس: أول ما حمل نوح في السفينة من الدواب الإوزة، وآخر ما حمل الحمار، فلمّا دخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس بذنبه فلم يستقل رجلاه فجعل نوح يقول له: ادخل فينهض فلا يمشي، حتى قال نوح: ويحك ادخل وإن كان الشيطان معك، فقال له نوح: ما أدخلك عليّ يا عدو الله؟ فقال له: ألم تقل ادخل وان كان الشيطان معك، قال نوح: اخرج عني يا عدو الله، قال: ما لك بدّ من أن تحملني معك، فكان فيما يزعمون في ظهر الفلك «١» .\nوفي تفسير مالك بن إبراهيم الهروي الذي أخبرني بالإسناد إلى أبي القاسم والحسن بن محمد ببعضه قراءة وأجاز لي بالباقي في غير مرة، قال يحدثنا أبو العباس محمد بن الحسن الهروي، قال: حدثنا جابر بن عبد الله عنه أن الحية والعقرب أتيا نوحا فقالتا: احملنا، فقال نوح: إنكما سبب الضرّ والبلايا والأوجاع فلا أحملكما، فقالتا: احملنا فنحن نضمن لك بأن لا نضر أحدا ذكرك، فمن قرأ حين خاف مضرّتهما: سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ما ضرّتاه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>[سورة هود (١١): الآيات ٤١ الى ٤٨]</span>\nوَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣) وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤) وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥)\nقالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٤٧) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٨)\nوَقالَ نوح لهم: ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها قرأ أبو رجاء العطاردي: مُجْراها وَمُرْساها بضم الميمين وكسر الراء والسين وهي قراءة عبد الله.\nقال ابن عباس: مَجْراها حيث تجري وَمُرْساها حيث ترسو، أي تحسر في الماء.\nوقرأ محمد بن محيصن بفتح الميمين وهما مصدران، يعني أن الله تعالى بيده جريها\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٤٩.","vol":"5","page":170},{"text":"ورسوّها أي ثبوتها، جرى يجري جريا ومجرى، ورسا يرسو رسوّا ومرسى، مثل ذهب مذهبا وضرب مضربا. قال امرؤ القيس:\nتجاوزت أحراسا وأهوال معشر ... عليّ حرام لو يسرّون مقتلي «١»\nأي: قتلي.\nوقرأ الباقون بضم الميمين، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، ومعناه: بسم الله إجراؤها وإرساؤها، كقوله تعالى أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وأَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ بمعنى الإنزال والإدخال والإخراج.\nإِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ قال الضحاك: كان نوح إذا أراد أن يرسو قال: بِسْمِ اللَّهِ، فرست، وإذا أراد أن تجري قال: بِسْمِ اللَّهِ، فجرت.\nوَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ كنعان وكان عنيدا وقيل وكان كافرا.\nوَكانَ فِي مَعْزِلٍ عنه لم يركب معه الفلك.\nيا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ فتهلك، قال له ابنه: سَآوِي سأصير وأرجع إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي يمنعني مِنَ الْماءِ ومنه عصام القربة الذي [يربط] رأسها فيمنع الماء أن يسيل منها.\nقالَ نوح لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عذاب الله إلّا من رحمناه، وأنقذناه منه، ومن في محل رفع، وقيل: في محل النصب ومعناه لا معصوم اليوم من أمر الله إلّا من ﵀، كقوله تعالى عِيشَةٍ راضِيَةٍ وماءٍ دافِقٍ قال الشاعر:\nبطيء القيام رخيم الكلام ... أمسى فؤادي به فاتنا\nأي مفتونا.\nوَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ فصار مِنَ الْمُغْرَقِينَ وَقِيلَ بعد ما تناهى أمر الطوفان يا أَرْضُ ابْلَعِي أي اشربي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي امسكي وَغِيضَ الْماءُ فذهب ونقص ومصدره الغيض والغيوض.\nوَقُضِيَ الْأَمْرُ أي وفرغ من العذاب وَاسْتَوَتْ يعني السفينة استقرّت ورست وحلّت عَلَى الْجُودِيِّ وهو جبل بالجزيرة بقرب الموصل، قال مجاهد: تشامخت الجبال وتطاولت لئلّا ينالها الماء فعلا الماء فوقها خمسة عشر ذراعا وتواضع الجودي وتطامن لأمر ربّه فلم يغرق، فأرسيت السفينة عليه.\n_________\n(١) إعجاز القرآن للباقلاني: ١٧١.","vol":"5","page":171},{"text":"وَقِيلَ بُعْدًا هلاكا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الكافرين،\nقال رسول الله ﷺ: «في أوّل يوم من رجب وفي بعض الأخبار: لعشر مضت من رجب- ركب نوح في السفينة فصام هو ومن معه وجرت بهم السفينة ستة أشهر، ومرّت بالبيت فطاف به سبعا وقد رفعه الله من الغرق، وأرسيت السفينة على الجودي يوم عاشوراء، فصام نوح وأمر جميع من معه من الوحوش والدواب فصاموا شكرا لله ﷿» [٩٨] «١» .\nوَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وقد وعدتني أن تنجيني وأهلي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ أي الصدق وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ أي تحكم على قوم بالنجاة وعلى قوم بالهلاك.\nقالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ وقرأ أهل الكوفة (عَمِلَ) بكسر الميم وفتح اللام، غَيْرَ بنصب الراء على الفعل ومعناه: إنه عمل الشرك والكفر، وقرأ الباقون عَمَلٌ بفتح الميم وضمّ اللام وتنوين غير بالرفع ومعناه: إنّ سؤالك إياي أن أنجيه عمل غير صالح.\nفَلا تَسْئَلْنِ يا نوح ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ بما لا تعلم وقرأ ابن كثير بتشديد النون وفتحه، وقرأ أهل المدينة والشام بتشديد النون وكسره.\nإِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ واختلفوا في هذا الابن فقال بعضهم: إنه لم يكن ابن نوح، ثم اختلفوا فيه، فقال بعضهم: كان ولد خبث من غيره، ولم يعلم بذلك نوح، فقال الله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ أي من ولدك، وهو قول مجاهد والحسن، وقال قتادة: سألت الحسن عنه فقال: والله ما كان بابنه، وقرأ فَخانَتاهُما فقال: إن الله حكى عنه إنه قال: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، وقال: وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وأنت تقول: لم يكن ابنه، وإن أهل الكتابين لا يختلفون في انه كان ابنه. فقال الحسن: ومن يأخذ دينه من أهل الكتاب، إنهم يكذبون.\nوقال ابن جريج: ناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد على فراشه، وقال عبيد بن عمير، نرى أن رسول الله ﷺ إنما قضى أن الولد للفراش من أجل ابن نوح،\nوقال بعضهم: إنه كان ابن امرأته واستدلّوا بقول نوح: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ولم يقل: منّي، وهو قول أبي جعفر الباقر.\nوقال الآخرون: كان ابنه ومن فصيلته، ومعنى قوله: إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، وقالوا: ما بغت امرأته ولا امرأة لوط وإنما كانت خيانتهما في الدين لا في الفراش، وذلك أن هذه كانت تخبر الناس أنه مجنون، وهذه كانت تدلّ على الأضياف، وهو قول ابن عباس وعكرمة والضحاك وسعيد بن جبير وميمون بن مهران.\nقال أبو معاوية البجلي: قال رجل لسعيد بن جبير: قال نوح إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي، أكان ابن نوح؟ فسبّح طويلا، وقال: لا إله إلّا الله يحدث الله محمدا ﷺ انه ابنه وتقول ليس ابنه، كان\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٦١، وتاريخ الطبري: ١/ ١٣١.","vol":"5","page":172},{"text":"ابنه ولكنه كان مخالفا في النية والعمل والدين، فمن ثم قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، وهذا القول أولى بالصواب وأليق بظاهر الكتاب.\nفقال نوح (﵇) عند ذلك رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ انزل من السفينة إلى الأرض بِسَلامٍ بأمن وسلامة مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وهم الذين كانوا معه في السفينة.\nوقال أكثر المفسّرين: معناه وعلى قرون تجيء من ذريّة من معك من الذين آمنوا معك من ولدك، وهم المؤمنون وأهل السعادة من ذريته وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ في الدنيا ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا في الآخرة عَذابٌ أَلِيمٌ وهم الكافرون وأهل الشقاوة. وقال محمد بن كعب القرضي: داخل في ذلك السلام كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، وكذلك داخل في ذلك العذاب والمتاع كل كافر وكافرة إلى يوم القيامة.\nقال الضحاك: زعم أناس إن من غرق من الولدان مع آبائهن وإنّما ليس كذلك وإنّما الولدان بمنزلة الطير، وسائر من أغرق الله يعود لابنه ولكن حضرت آجالهم فماتوا لآجالهم والمذكورين من الرجال والنساء ممّن كان الغرق عقوبة من الله لهم في الدنيا ثم مصيرهم إلى النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>[سورة هود (١١): الآيات ٤٩ الى ٦٠]</span>\nتِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (٥٠) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ (٥١) وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)\nإِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧) وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٨)\nوَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)\nتِلْكَ الذي ذكرت مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ يا محمد وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا من قبل إخباري إياك فَاصْبِرْ على القيام بأمر الله وتبليغ رسالته وما تلقى من أذى الكفار كما صبر نوح إِنَّ الْعاقِبَةَ آخر الأمر بالسعادة والظفر والمغفرة لِلْمُتَّقِينَ كما كان لمؤمني قوم نوح وسائر الأمم.","vol":"5","page":173},{"text":"وَإِلى عادٍ أي فأرسلنا إلى عاد أَخاهُمْ هُودًا في النسب لا في الدين قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وحّدوا الله وأكثروا العبادة في القرآن بمعنى التوحيد ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ما أنتم في إشراككم معه الأوثان إلّا كاذبون.\nيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على تبليغ الرسالة ولا أبتغي جعلا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي والفطرة ابتداء الخلقة أَفَلا تَعْقِلُونَ وذلك أن الأمم قالت للرسل: ما تريدون إلّا أن تأخذوا أموالنا فقالت الرسل لهم هذا.\nوَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي آمنوا به يغفر لكم، والاستغفار هنا بمعنى الإيمان ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ من عبادتكم غيره وسالف ذنوبكم، وقال الفرّاء: معناه وتوبوا إليه لأن التوبة استغفار والاستغفار توبة.\nيُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا متتابعا، وقال مقاتل بن حيان وخزيمة بن كيسان: غزيرا كثيرا.\nوَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ شدّة مع شدّتكم، وذلك أن الله حبس عنهم القطر في سنين وأعقم أرحام نسائهم ثلاث سنين فقال لهم هود: إن آمنتم أحيا الله بلادكم ورزقكم المال والولد.\nوَلا تَتَوَلَّوْا ولا تدبروا مشركين قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ بيان وبرهان على ما تقول فنقر ونسلّم لك وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ أي بقولك، والعرب تضع الباء موضع عن، وعن موضع الباء.\nوَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ بمصدّقين إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ يعني لست تتعاطى ما تتعاطاه من مخالفتنا وسبّ آلهتنا إلّا أن بعض آلهتنا اعتراك وأصابك بسوء، بل جنون، وهذيان، هو الذي يحملك على ما تقول وتفعل، ولا نقول فيك إلّا هذا ولا نحمل أمرك إلّا على هذا، فقال لهم هود: إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ على نفسي وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ يعني الأوثان فَكِيدُونِي جَمِيعًا فاحتالوا جميعا في ضرّي ومكري أنتم وأوثانكم ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها.\nقال الضحاك: يحييها ويميتها، قال الفرّاء: مالكها والقادر عليها، قال القتيبي: يقهرها لأن من أخذت بناصيته فقد قهرته، قال ابن جرير: إنما خصّ الناصية لأن العرب تستعمل ذلك إذا وصفت إنسانا بالذلة والخضوع فيقولون: ما ناصية فلان إلّا بيد فلان أي إنه مطيع له يصرفه كيف شاء، وكانوا إذا أسروا الأسير فأرادوا إطلاقه والمنّ عليه جزوا [ناصيته] ليغتروا بذلك فخرا عليه، فخاطبهم بما يعرفون في كلامهم.","vol":"5","page":174},{"text":"إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يقول: إنّ ربي على طريق الحق يجازي المحسن بإحسانه والمسيء بمعصيته ولا يظلم أحدا غيّا ولا يقبل إلّا الإسلام، والقول فيه إضمار أنّي: إنّ ربي يدلّ أو يحثّ أو يحملكم على صراط مستقيم.\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ أي قل يا محمد: فقد أبلغتكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ يوحّدونه ويعبدونه وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا بتولّيكم وإعراضكم وإنما تضرون أنفسكم، وقيل: معناها لا تقدرون له على خير إن أراد أن يضلكم، وقرأ عبد الله: ولا يضره هلاككم إذا أهلككم ولا تنقصونه شيئا، لأنه سواء عنده كنتم أو لم تكونوا.\nإِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ أي لكل شيء حافظ، على بمعنى اللام، فهو يحفظني من أن تنالوني بسوء.\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا نَجَّيْنا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وكانوا أربعة آلاف بِرَحْمَةٍ بنعمة مِنَّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ وقيل: الريح، قيل: أراد بالعذاب الغليظ عذاب القيامة أي كما نجّيناهم في الدنيا من العذاب كذلك نجّيناهم في الآخرة من العذاب.\nوَتِلْكَ عادٌ رده إلى القبيلة جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ يعني هودا وحده لأنه لم يرسل إليهم من الرسل سوى هود، ونظيره قوله تعالى يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ يعني النبي ﷺ وإنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هاهنا لأن من كذّب رسولا واحدا فقد كذّب جميع الرسل.\nوَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ متكبّر لا يقبل الحق ولا يذعن له، قال أبو عبيد: العنيد والعنود والعاند والمعاند: المعارض لك بالخلاف، ومنه قيل للعرق الذي يفجر دما فلا يرقى:\nعاند قال الراجز:\nإنّي كبير لا أطيق العندا «١»\nوَأُتْبِعُوا ألحقوا وأردفوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً يعني بعدا وعذابا وهلاكا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أي وفي يوم القيامة أيضا كذلك لعنوا في الدنيا والآخرة أَلا إِنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أي بربهم، كما يقال: شكرته وشكرت له، وكفرته وكفرت به ونصحته ونصحت له، قيل بمعنى:\nكفروا نعمة ربهم.\nأَلا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ البعد بعدان: أحدهما البعد ضد القرب، يقال: بعد يبعد بعدا، والآخر بمعنى الهلاك ويقال منه: بعد يبعد بعدا وبعدا.\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٣٠٧، ومطلعه: إذا رحلت فاجعلوني وسطا.","vol":"5","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>[سورة هود (١١): الآيات ٦١ الى ٦٨]</span>\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)\nوَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ ابتدأ خلقكم مِنَ الْأَرْضِ وذلك أن آدم خلق من الأرض وهم منه وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها وجعلكم عمّارها وسكانها، قال ابن عباس: أعاشكم فيها، الضحّاك: أطال أعماركم، مجاهد: أعمركم من العمر أي جعلها داركم وسكنكم، قتادة: أسكنكم فيها.\nفَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ ممّن رجاه مُجِيبٌ لمن دعاه.\nقالُوا يعني قوم ثمود يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا القول أي كنا نرجو أن تكون فينا سيّدا، وقيل: كنا نرجو أن تعود إلى ديننا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الآلهة.\nوَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ موقع في الريبة وموجب إليها، يقال: أربته إرابة إذا فعلت به فعلا يوجب لديه الريبة، قال الهذلي:\nكنت إذا أتيته من غيب ... يشم عطفي ويبز ثوبي\nكأنما أربته بريب «١»\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً نبوة وحكمة فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ لا يمنعني من عذاب الله إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ قال ابن عباس: غير خسارة في خسارتكم، الفرّاء: تضليل، قال الحسين بن الفضيل: لم يكن صالح في خسارة حين قال، علمت علم العرب، فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ، وإنما المعنى ما تزيدونني، كما يقولون: ما أسبق إياكم إلى الخسارة، وهو قول العرب: فسقته وفجرته إذا نسبته إلى الفسق والفجور، وكذلك خسرته: نسبته إلى الخسران.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٨٢، والصحاح: ١/ ١٤١.","vol":"5","page":176},{"text":"وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً نصب على الحال والقطع فَذَرُوها أي دعوها تأكل في أرض الله من العشب والنبات فليس عليكم رزقها ولا مؤنتها.\nوَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ ولا تصيبوها بعقر ونحر فَيَأْخُذَكُمْ إن قتلتموها عَذابٌ قَرِيبٌ من عقرها فَعَقَرُوها فَقالَ لهم صالح تَمَتَّعُوا حتى يحين [عذابه] فِي دارِكُمْ منازلكم ثَلاثَةَ أَيَّامٍ تمهلون ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ غير كذب وقيل: غير مكذوب فيه.\nفَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ نعمة وعصمة مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ عذابه وهوانه.\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ يعني صيحة جبريل فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ صرعى، هلكى كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا يقيموا ويكونوا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>[سورة هود (١١): الآيات ٦٩ الى ٧٣]</span>\nوَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠) وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)\nوَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا يعني الملائكة، واختلفوا في عددهم، فقال ابن عباس: كانوا ثلاثة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل. الضحّاك: تسعة، السدّي: أحد عشر، وكانوا على صورة الغلمان الوضاء وجوههم.\nإِبْراهِيمَ الخليل بِالْبُشْرى بالبشارة بإسحاق ويعقوب، وبإهلاك قوم لوط قالُوا لإبراهيم سَلامًا سلّموا عليه ونصب سَلامًا بإيقاع القول عليه، لأن السلام قول أي [مثل] قالُوا وسلّموا سَلامًا (قالَ) إبراهيم (سَلامٌ) أي عليكم سلام، وقيل: لكم سلام وقيل: رفع على الحكاية، (قِيلَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ) (وَقُولُوا حِطَّةٌ)، وقرأ حمزة والكسائي سِلام بكسر السين من غير ألف ومثله في والذاريات، وكذلك هو في مصحف عبد الله ومعناه: نحن سلام صالح لكم غير حرب، وقيل: هو بمعنى السلم أيضا كما يقال: حل وحلال، وحرم وحرام. وأنشد الفراء:\nمررنا فقلنا إيه سلّم فسلمت ... كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح «١»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٨٩.","vol":"5","page":177},{"text":"فَما لَبِثَ فما أقام ومكث إبراهيم أَنْ بمعنى حتى بإسقاط الخافض أي بأن جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ قال ابن عباس: مشوي بالحجارة الحارة في خد من الأرض، قتادة ومجاهد:\nنضج بالحجارة وشوي، ابن عطية: شوي بعضه بحجارة، أبو عبيدة: كل ما أسخنته فقد حنذته فهو حنيذ ومحنوذ وأصل يحنذ أن إذا ألقيت عليها الجلال بعضها على بعض لتعرق «١» .\nفَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ أي للعجل نَكِرَهُمْ أي: أنكرهم، ويقال: نكرت الشيء وأنكرته بمعنى واحد. قال الأعشى:\nوأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلّا الشيب والصلعا «٢»\nفجمع المعنيين في وقت واحد.\nوَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً أضمر وأحسّ منهم خوفا، وقال مقاتل: وقع في قلبه، الأخفش:\nخامر نفسه. الفرّاء: استشعر. الحسن: حدّث نفسه، وأصل الوجوس الدخول، وكان الخوف دخل قلبه. قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم ضيف فلم يأكل من طعامهم ظنوا أنه لم يجئ لخير وأنّه يحدّث نفسه بشرّ.\nقالُوا لا تَخَفْ يا إبراهيم فإنّا ملائكة الله إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ قال الوالبي: لمّا عرف إبراهيم أنهم ملائكة خاف أنه وقومه المقصودون بالعذاب لأن الملائكة كانت تنزل إذ ذاك بالعذاب، نظير ما في الحجر ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ أي بالعذاب، قالت الملائكة: لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ لا إلى قومك.\nوَامْرَأَتُهُ سارة بنت هاران بن ناحور بن شاروع بن أرغوا بن فالغ وهي ابنة عم إبراهيم قائِمَةٌ من وراء الستر تسمع كلام الملائكة وكلام إبراهيم، وقيل: كانت قائمة (......) «٣»\nالرسل وإبراهيم جالس معهم فهو كلام أوّلي، وقرأ ابن مسعود: وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ وهو جالس فَضَحِكَتْ.\nواختلفوا في العلة الجالبة للضحك، فقال السدي: لما قرب إليهم الطعام فلم يأكلوا خاف إبراهيم فظنهم لصوصا، فقال لهم: أَلا تَأْكُلُونَ؟ فقالوا: يا إبراهيم إنا لا نأكل طعاما إلّا بثمن، قال: فإن لهذا ثمنا، قالوا: وما ثمنه؟ قال: تذكرون اسم الله على أوّله وتحمدون على آخره، فنظر جبريل إلى ميكائيل وقال: حق أن يتخذك خليلا، فَلَمَّا رَأى إبراهيم وسارة أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ\n_________\n(١) في لسان العرب (٣/ ٤٨٥): هو أن يحضره شوطا أو شوطين ثمّ يظاهر عليه الجلال في الشمس ليعرق تحتها، فهو محنوذ وحنيذ، وإن لم يعرق قيل: كبا.\n(٢) تاج العروس: ٣/ ٥٨٤.\n(٣) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":178},{"text":"إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ، ... فَضَحِكَتْ سارة وقالت: إنا قمنا لأضيافنا هؤلاء أنا نخدمهم بأنفسنا تكرمة لهم، وهم لا يأكلون طعامنا.\nوقال قتادة: فَضَحِكَتْ من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وقال مقاتل والكلبي:\nفَضَحِكَتْ من خوف إبراهيم من ثلاثة نفر وهو فيما بين خدمه وحشمه، وقال ابن عباس ووهب:\nضحكت عجبا من أن يكون لها ولد على كبر سنّها وسنّ زوجها، وقالوا: هو من التقديم الذي معناه التأخير، وكان بمعنى: [.....] «١»\nوامرأته قائمة.\nفَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ فضحكت وقالت يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ الآية، وقيل: ضحكت سرورا بالأمن عليهم لما قالوا: لا تخف. وقال مجاهد وعكرمة: فَضَحِكَتْ أي حاضت في الوقت، تقول العرب: ضحكت الأرنب إذا حاضت، وقال الشاعر:\nوضحكت الأرانب فوق الصفا ... كمثل دم الخوف يوم اللقا\nفَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قال ابن عباس والشعبي: الوراء ولد الولد، واختلف القرّاء في قوله: يَعْقُوبَ، فنصبه ابن عامر وعاصم وقيل: في موضع جر في الصفة أي من وراء إسحاق بيعقوب، فلمّا حذف الباء نصب، وقيل: بإضمار فعل له، ووهبنا له يعقوب. ورفعه الآخرون على خبر حذف الصفة، فلمّا بشّرت بالولد والحفيد صكت وَجْهَها أي ضر الله تعجبا وقالَتْ يا وَيْلَتى والأصل: يا ويلتاه أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وكانت لتسعين سنة في قول ابن إسحاق، وتسع وتسعين سنة في قول مجاهد.\nوَهذا بَعْلِي زوجي سمي بذلك لأنه قيّم أمرها كما سمّي مالك الشيء بعله، والنخل الذي استغنى بالأمطار عن ماء الأنهار يسمّى بعلا شَيْخًا وكان إبراهيم ابن مائة سنة في قول مجاهد، وعشرين ومائة سنة في قول ابن إسحاق.\nإِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ فقالت الملائكة أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ يعني هنا إبراهيم إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ قال السدّي: قالت سارة لإبراهيم (﵇): ما آية قولك؟ قال: فأخذ بيده عودا يابسا فلواه بين أصابعه، فاهتزّ أخضر فقال إبراهيم: هو لله إذا ذبيحا.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة. [.....]","vol":"5","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>[سورة هود (١١): الآيات ٧٤ الى ٨٣]</span>\nفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥) يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)\nقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ (٧٩) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)\nفَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ الخوف وَجاءَتْهُ الْبُشْرى بإسحاق ويعقوب يُجادِلُنا في [.......] «١»\nلأنّ إبراهيم لا يجادل ربّه إنّما يسأله ويطلب إليه.\nوقال عامّة أهل التفسير معناه يجادل رسلنا وذلك أنهم لما قالوا: إنا مهلكوا أهل هذه القرية، قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا لا، فقال إبراهيم:\nوأربعون؟\nقالوا: لا، قال: أو ثلاثون؟ قالوا: لا، قال: حتى بلغ عشرة، قالوا: لا، فقال: خمسة قالوا: لا، قال: أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونه؟ قالوا: لا، فقال إبراهيم عند ذلك:\nإِنَّ فِيها لُوطًا، ف قالُوا: نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ.\nقال ابن جريج: وكان في قرى لوط أربعة آلاف ألف، قال قتادة: في هذه الآية لا يرى مؤمن إلّا لوط المؤمن، فقالت الرسل عند ذلك لإبراهيم: يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا أي دع عنك الجدال، وأعرض عن هذا المقال إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ عذاب ربك وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ نازل بهم، يعني قوم لوط عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ غير مدفوع ولا ممنوع.\nوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا يعني الملائكة لُوطًا سِيءَ بِهِمْ حزن لمجيئهم، يقال: سؤته فسيء مثل شغلته فانشغل، وسررته فانسر وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا قلبا وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ شديد، ومنه عصبصب، كالعصب به الشر والبلاء أي شدّ ومنه عصابة الرأس، قال عدي بن زيد:\nوكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب «٢»\nوقال آخر:\nوانك إلّا ترض بكر بن وائل ... يكن لك يوم بالعراق عصيب «٣»\n_________\n(١) كلام غير مقروء في المخطوط.\n(٢) تاريخ دمشق: ٤٠/ ١١٩.\n(٣) تاريخ دمشق: ٦٧/ ٢٥٧.","vol":"5","page":180},{"text":"وقال الراجز:\nيوم عصيب يعصب الأبطالا ... عصب القوي السلم الطوالا «١»\nوذلك أن لوطا (﵇) لم يكن يعلم أنهم رسل الله في تلك الحال، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيان الفواحش فخاف عليهم، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه قال قتادة والسدّي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم ﵊ نحو قرية لوط فأتوا لوطا وهو في أرض يعمل فيها، وقد قال الله تعالى لهم: لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطا أربع شهادات، واستضافوه فانطلق معهم، فلمّا خشي عليهم، قال لهم: ما بلغكم، أمر هذه القرية؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشرّ قرية في الأرض عملا يقول، ذلك أربع مرات، فدخلوا معه منزله، ولم يعلم بذلك أحد إلّا أهل بيت لوط، فخرجت امرأته فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط.\nوَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ قال ابن عباس وقتادة والسدّي: يسرعون، ومجاهد:\nيهرولون، الضحاك: يسعون، ابن عيينة: كأنهم يدفعون، شمر بن عطية: مشي بين الهرولة والجمزى «٢»\n، الحسن: مشي بين مشيتين، قال أهل اللغة: يقال: أهرع الرجل من برد وغضب أو أهرع إذا أرعد فهو مهرع إذا كان معجلا مسرعا، قال مهلهل:\nفجاءوا يهرعون وهم أسارى ... يقودهم على رغم الأنوف «٣»\nوقال الراجز:\nبمعجلات نحوه مهارع «٤»\nوَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أي من قبل مجيء الرسل إلى لوط كانوا يأتون الرجال في أدبارهم، فقال لهم لوط حين قصدوا أضيافه وظنوا أنهم غلمان: يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ واختلفوا في معنى قوله، قال محمد بن الفضل: يعني على شريعة الإسلام. وقال تميم: فلعلّ ذلك إلّا إذا كان تزويجه بناته من الكفرة جائزا كما زوج النبي ﷺ بنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل الوحي وكانا كافرين، وقال مجاهد وسعيد بن جبير: أراد بقوله بَناتِي: النساء، وكلّ نبي أبو أمّته. وقرأ بعض القراء النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أب لهم، وقال بعضهم: كان لهم سيّدان مطاعان فأراد أن يزوجهما بنتيه، زعوراء وريثا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ١٠٧، وذكر الأبيات السابقة.\n(٢) الجمزى: السريع يقال: الناقة تعدو الجمزى وكذلك الفرس، لسان العرب: ٥/ ٣٢٣.\n(٣) تاج العروس: ٥/ ٥٥٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١٢/ ١٠٨.","vol":"5","page":181},{"text":"وقوله: (هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ) قراءة العامة برفع الراء، وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو: (أَطْهَرَ) بالنصب على الحال «١»\n، فإن قيل: فأي طهارة في نكاح الرجال حتى قال لبناته هن أطهر لكم؟\nقيل: ليس هذا زيادة النسل، إنما يقال ليس ألف «أطهر» للتفضيل وهذا سائغ جائز في كلام العرب كقول الناس: الله أكبر، فهل يكابر الله أحد حتى يكون هو أكبر منه؟ ويدلّ عليه ما\nروي عن أبي سفيان حين قال يوم أحد: أعل هبل، فقال النبي ﷺ لعمر: «قل الله أعلى وأجل»\n[٩٩] «٢»\n، وهبل لم يكن قط عاليا.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أي لا تهينوني فيهم بركوبهم، وهم لا يركبون، وعجزي من دفعهم عنهم. وقيل: أراد ولا تشهروني بهم. تقول العرب: خزي خزيا إذا افتضح، وخزي يخزي خزاية بمعنى الاستحياء، قال ذو الرمة:\nخزاية أدركته بعد جولته ... من جانب الحبل مخلوطا بها الغضب «٣»\nأَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ صالح، قال ابن عباس: معناه رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.\nقالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ أي ليس لنا أزواجا [نلتصقهنّ] بالتزويج وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ من إتيان الأضياف، فقال لهم لوط عند ذلك لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أي منعة وشيعة تنصرني أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ أي ألجأ وأنضوي إلى عشيرة مانعة، وجواب (لو) مضمر [تقديره: لرددت أهل الفساد]، وقالوا: ما بعث الله بعده نبيا إلّا في ثروة من قومه،\nوروي أن النبي ﷺ لما قرأ هذه الآية قال: «رحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ» [١٠٠] «٤» .\nقال ابن عباس وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه في الدار وهو يناظرهم ويناشدهم من وراء الباب، وهم يعالجون تسوّر الجدار، فلما رأت الملائكة ما لقي لوط من الكرب والنصب بسببهم، قالوا: يا لوط إنّ ركنك لشديد وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فافتح الباب ودعنا وإيّاهم ففتح الباب ودخلوا، فاستأذن جبريل (﵇) ربه في عقوبتهم فأذن له، فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحه وله جناحان [وعليه وشاح من در منظوم وهو برّاق الثنايا أجلى الجبين، ورأسه بك حبك] مثل المرجان وهو اللؤلؤ كأنّه ثلج، وقدماه إلى الخضرة فقال: يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ، امض يا\n_________\n(١) كلام غير مقروء.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٢٨٨.\n(٣) لسان العرب: ١٤/ ٢٢٧.\n(٤) المعجم الأوسط للطبراني: ٨/ ٣٤٢.","vol":"5","page":182},{"text":"لوط من الباب، ودعني وإيّاهم، فتنحى لوط عن الباب فخرج عليهم فنشر جناحه فضرب [به] «١» وجوههم فطمس أعينهم فعموا وانصرفوا على أعقابهم فلم يعرفوا طريقا ولم يهتدوا إلى بيوتهم.\nفانصرفوا وهم يقولون: النجا النجا فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وقد سحرونا، وجعلوا يقولون: يا لوط كما أنت حتى نصبح، يتوعدونه، فقال لهم لوط: متى موعد هلاكهم؟\nفقالوا: الصبح قال: أريد أسرع من ذلك أن تهلكونهم الآن، فقالوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ قالوا له: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ، قرأ أهل الحجاز بوصل الألف من سرى يسري ويدلّ عليه قوله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري اعتبارا بقوله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ وهما بمعنى واحد.\nفَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ قال ابن عباس: بطائفة من الليل، الضحّاك: ببقية، قتادة:\nبعد مضي صدره، الأخفش: بعد جنح، وقيل: بعد هدوء، وبعضها قريب من بعض.\nوَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: إِلَّا امْرَأَتُكَ برفع التاء على الاستثناء من الالتفات أي وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ فإنها تلتفت وتهلك، وإنّ لوطا خرج بها، ونهى من معه ممن أسرى بهم أن يلتفت سوى زوجته، فإنها لما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: وا قوماه فأدركها حجر فقتلها.\nوقرأ الباقون بنصب المرأة على الاستثناء من الأهل، أي فأسر بأهلك بقطع من الليل إلّا امرأتك ولا يلتفت منكم أحد، ف إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ من العذاب غير مخطئها ولا يخطيهم.\nإِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أي إن موعد هلاكهم هو الصبح، فقال لوط: أريد أسرع من ذلك، فقالوا: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا عذابنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وذلك أن جبريل (﵇) أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات سدوم وعامورا ودادوما وصبوا، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم جعل عالِيَها سافِلَها.\nروي أن النبي ﷺ قال لجبريل (﵇): «إن الله ﵎ سمّاك بأسماء ففسّرها لي، قال الله في وصفك ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ فأخبرني عن قوّتك، قال: يا محمد رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض على جناحي في الهواء حتى سمعت ملائكة سماء الدنيا أصواتهم وأصوات الديكة ثم قلبتها ظهرا لبطن، قال: فأخبرني عن قوله مُطاعٍ قال: إن رضوان خازن الجنان، ومالكا خازن النيران متى كلفتهما فتح أبواب الجنة والنار فتحاهما لي، قال: فأخبرني عن قوله أَمِينٍ قال: إن الله ﷿ أنزل من السماء مائة وأربعة كتب على أنبيائه لم يأتمن عليها غيري» [١٠١] .\n_________\n(١) المخطوط غير مقروء وما أثبتناه من تفسير الطبري: ١٢/ ١٢٠.","vol":"5","page":183},{"text":"وَأَمْطَرْنا عَلَيْها أي على شذاذها وسافليها، وقال أبو عبيدة: مطر في الرحمة، وأمطر في العذاب حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ قال مجاهد: أولها حجر وآخرها طين، وقال ابن عباس ووهب وسعيد بن جبير (سنك) «١»: و(كل) حجارة وطين، قتادة وعكرمة: السجّيل: الطين دليله قوله تعالى لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ قال الحسن: كان أصل الحجارة طينا فشدّدت.\nوروى عكرمة أيضا أنه قال: هو حجر معلق في الهواء بين الأرض والسماء منه أنزل الحجارة، وقيل: هو جبال في السماء وهي التي أشار الله إليها فقال: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ وقال أهل المعاني: السجّيل والسجّين واحد، وهو الشديد من الحجر والضرب. قال ابن مقبل:\nورجلة يضربون البيض عن عرض «٢» ... ضربا تواصت به الأبطال سجينا «٣»\nوالعرب تعاقب بين اللام والنون، قالوا: لأنّها كلها ذلقة من مخرج واحد ونظيره في الكلام هلّت العين وهنّت إذا أصيبت وبكت، وقيل: هو فعيل من قول العرب أسجلته إذا أرسلته فكأنها مرسلة عليهم، وقيل: من سجلت لهم سجلا إذا أعطيتهم كأنهم أعطوا ذلك البلاء والعذاب، قال الفضل بن عباس:\nمن يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب «٤»\nمَنْضُودٍ قال ابن عباس: متتابع، قتادة: بعضها فوق بعض، الربيع: قد نضد بعضه على بعض، عكرمة: مصفوف، أبو بكر الهذلي: معدّ وهي من عدة [الله] التي أعدت للظلمة.\nمُسَوَّمَةً من نعت الحجارة، وهي نصب على الحال ومعناها معلّمة قتادة وعكرمة:\nمطوقة بها نضح من حمرة، ابن جريج: كانت لا تشاكل حجارة الأرض، الحسن والسدّي:\nمختومة، وقيل: مشهورة، ربيع: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به.\nوَما هِيَ يعني تلك الحجارة مِنَ الظَّالِمِينَ من مشركي مكّة بِبَعِيدٍ قال مجاهد:\nيرهب بها قريشا، قتادة وعكرمة: يعني ظالمي هذه الأمة والله ما أجار الله منها ظالما بعد،\nوقال أنس بن مالك: سأل رسول الله ﷺ جبريل (﵇) عن قوله تعالى وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ قال: يعني بها ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلّا هو يعرف أي حجر سقط عليه «٥» .\n_________\n(١) كلمة فارسية معناها: الحجر.\n(٢) في المخطوط وتفسير القرطبي: ضاحية، وفي مصادر اللغة ما ذكرنا. [.....]\n(٣) تاج العروس: ٧/ ٣٣٦.\n(٤) لسان العرب: ١١/ ٣٢٦.\n(٥) راجع تفسير ابن كثير: ٢/ ٤٧١.","vol":"5","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-396>[سورة هود (١١): الآيات ٨٤ الى ١٠٩]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧) قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)\nوَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩) وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠) قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ (٩١) قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢) وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩) ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)\nوَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)\nفَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)\nوَإِلى مَدْيَنَ يعني وأرسلنا إلى قوم مدين بن إبراهيم، أَخاهُمْ شُعَيْبًا بن شرون بن أيوب بن مدين بن إبراهيم.\nقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ وكانوا يطفّفون","vol":"5","page":185},{"text":"إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ قال ابن عباس (﵁): موسرين في نعمة، الحسن: الغنى ورخص السعر، قتادة: المال وزينة الدنيا، الضحاك: رغد العيش وكثرة المال، مجاهد: خصب وسعة، وغيرهم في غلاء السعر وزوال النعمة وحلول النقمة إن لم يتوبوا وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ محيط بكم فلا يفلت منكم أحد.\nوَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ اكتالوا بالقسط وَلا تَبْخَسُوا ولا تنقصوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قال ابن عباس: ما أبقى الله لكم من الحلال، وإيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف «١»، قال مجاهد:\nالطاعة، سفيان «٢»: رزق الله، قتادة: حظكم من ربكم، ابن زيد: الهلاك في العذاب والبقية:\nالرحمة، الفرّاء: مراقبة الله وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ وإنما قال هذا لأن شعيبا لم يؤمر بالقتال.\nقالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأوثان، قال ابن عباس:\nكان شعيب كثير الصلاة لذلك قالوا هذا، قال الأعمش: يعني قراءتك أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا يعني أو أن نترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، وقرأ بعضهم: تفعل وتشاء بالتاء يعني:\nتأمرك أن تفعل في أموالنا ما تشاء فيكون راجعا إلى الأمر لا إلى الترك.\nقال أهل التفسير: كان هذا نهيا لهم عنه وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم. فلذلك قالوا: وأن نفعل ما نشاء إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ قال ابن عباس: السفيه الغاوي. قال القاضي: والعرب تصف الشيء بضده، للتطير والفأل كما قيل للديغ: سليم، وللفأرة: مفازة.\nوقيل: هو على الاستهزاء، كقولهم للحبشي: أبو البيضاء، وللأبيض: أبو الجون، ومنه قول خزنة النار لأبي جهل: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. وقيل: معناه الحليم الرشيد بزعمك وعند كن ومثله في صفة أبي جهل، وقال ابن كيسان: هو على الصحة أي أنّك يا شعيب لنا حليم رشيد، فليس يجمل بك شق عصا قومك ولا مخالفة دينهم، كقول قوم صالح له: يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا.\nقالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ حجّة وبصيرة وبيان وبرهان مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا حلالا طيبا من غير بخس ولا تطفيف، وقيل: علما ومعرفة وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ ما أريد أن أنهاكم عن أمر وأرتكبه إِنْ أُرِيدُ ما أريد فيما آمركم به وأنهاكم عنه إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ أي أرجع فيما ينزل بي من النوائب، وقيل: إليه أرجع في الآخرة.\n_________\n(١) وهو نقص المكيال والميزان.\n(٢) زاد المسير: ٤/ ١١٦.","vol":"5","page":186},{"text":"وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ لا يحملنكم شِقاقِي خلافي وفراقي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ من العذاب وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ وذلك أنهم كانوا حديثي عهد بهلاك قوم لوط، وقيل: ما دار قوم لوط منكم ببعيد وَيا قوم اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ محبّ المؤمنين، وقيل: مودود للمؤمنين ومحبوبهم.\nقالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا وذلك أنه كان ضريرا، قال سفيان: كان ضعيف البصر، وكان يقال له خطيب الأنبياء وَلَوْلا رَهْطُكَ عشيرتك وكان في عزة ومنعة من قومه لَرَجَمْناكَ لقتلناك وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا قيل: الهاء راجعة إلى الله وقيل: إلى أمر الله وما جاء به شعيب، أي نبذتموه وراء ظهوركم وتركتموه، يقال: جعلت أمري بظهر إذا قصر في أمره وأخلّ بحقه.\nإِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي تؤدتكم ومكانكم، يقال:\nفلان يعمل على مكانته ومكنته إذا عمل على تؤدّه تمكن. ويقال: مكن يمكن مكنا مكانا ومكانة، إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ أيّنا الجاني على نفسه، والأخطى في فعله، وذلك قوله مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ قيل:\n(مَنْ) في محل النصب أي فسوف تعلمون من هو كاذب، وقيل: ويخزي من هو كاذب، وقيل: محله رفع تقديره: ومن هو كاذب فيعلم كذبه ويذوق وبال أمره ف ارْتَقِبُوا وانتظروا العذاب إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ منتظر.\nوَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ صيحة من السماء أخذتهم وأهلكتهم، ويقال: إن جبريل صاح بهم صيحة فخرجت أرواحهم من أجسادهم.\nفَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ميتين ساقطين هلكى صرعى كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا يكونوا فِيها أَلا بُعْدًا هلاكا وغضبا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ هلكت ثَمُودُ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة بيّنة إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وخالفوا أمر موسى وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ يَقْدُمُ قَوْمَهُ أي يتقدمهم ويقودهم إلى النار يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ وبئس المدخل المدخول فيه.\nوَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ العون المعان، وذلك أنه ترادفت عليهم اللعنات، لعنة في الدنيا، ولعنة في الآخرة.\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ خراب، ابن عباس: قائِمٌ ينظرون إليه، وَحَصِيدٌ قد خرب وهلك أهله، مقاتل: قائِمٌ يعني له أثر، وَحَصِيدٌ لا أثر له، مجاهد:","vol":"5","page":187},{"text":"قائِمٌ: خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَحَصِيدٌ: مستأصل يعني محصودا كالزرع إذا حصد، قال قتادة:\nالقائم منها لم يذهب أصلا، ومنها حصيد قد ذهب أصلا، القرضي: مِنْها قائِمٌ بجدرانها وحيطانها، وحصيد: ساقط، محمد بن إسحاق: منها قائم يعني [.....] «١» وأمثالها من القرى التي لم تهلك، وَحَصِيدٌ يعني التي قد أهلكت.\nوَما ظَلَمْناهُمْ بالعذاب والإهلاك وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعصية يظلمون فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ (مِنْ شَيْءٍ) لَمَّا جاءَ أَمْرُ عذاب رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ غير تخسير.\nوَكَذلِكَ وهكذا أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ نظير قوله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ» .\nإِنَّ فِي ذلِكَ لعبرة وعظة لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يعني يوم القيامة يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ قال عبد الله بن مسعود لأصحابه: إنكم مجموعون يوم القيامة في صعيد واحد تسمعون الداعي [......] «٣» وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يشهده أهل السماء وأهل الأرض.\nوَما نُؤَخِّرُهُ يعني وما نؤخّر ذلك اليوم ولا نقيم عليكم القيامة إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ أي مؤقّت لا يتقدم ولا يتأخر يَوْمَ يَأْتِ وقرئ بإثبات الياء وحذفه، وهما لغتان وحذف الياء له طريقان كالكسرة عن الياء «٤» والضمة من الواو، كقول الشاعر:\nكفاك كفّ ما تليق ودرهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما «٥»\nلا تَكَلَّمُ أي: لا تتكلم نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ نظير تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ أي: تتنزل.\nقال لبيد:\nوالعين ساكبة على أطلائها ... عوذا تأجّل بالفضاء بهامها «٦»\n[أي تتأجل] .\nفَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ قال ابن عباس: فمنهم شقي كتبت عليه السعادة،\nوروى عبد الله ابن دينار عن ابن عمر عن عمر، قال: لمّا نزلت هذه الآية سألت النبي ﷺ، فقلت: يا نبي الله\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) سورة البروج: ١٢.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) نحو: لا أدر.\n(٥) لسان العرب: ١٠/ ٣٣٤.\n(٦) لسان العرب: ١١/ ١١.","vol":"5","page":188},{"text":"فعلى ما عملنا، على شيء فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه؟ فقال ﷺ: «على شيء قد فرغ منه يا عمر، وجرت به الأقلام ولكن كلّ ميسّر لما خلق له» [١٠٢] «١» .\nوروي عنه (﵇): «الشقي من شقي في بطن أمّه، والسعيد من سعد في بطن أمّه» [١٠٣] «٢» .\nفَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ خالدين فيها لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ قال ابن عباس: الزفير:\nالصوت الشديد، والشهيق: الصوت الضعيف، الضحّاك ومقاتل: الزفير: أول نهيق الحمار، والشهيق آخره حين يفرغ من صوته إذا ردّده في الجوف. أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر خالِدِينَ لابثين ومقيمين فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ يسمى هنا (ما) الوقت.\nقال ابن عباس: ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ من ابتدائها إلى وقت فنائها، قال الضحّاك:\nما دامت سماوات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك فأظلّك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك فهو أرض.\nقال الحسين: أراد ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا قدر مدة بقائها، قال أهل المعاني: العرب [...] «٣» في معنى التأبيد والخلود، يقولون: هو باق ما [...] «٤» وأطت الإبل، وأينع الثمر، وأورق الشجر، ومجن الليل وسال سيل، وطرق طارق، وذرّ شارقن ونطق ناطق، وما اختلف الليل والنهار، وما اختلف الذرة والجمرة، وما دام عسيب، وما لألأت العفراء ونابها، وما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، فخاطبهم الله تعالى بما تعارفوا بينهم.\nثم استثنى فقال: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ اختلف العلماء في هذين الاستثناءين، من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة، فقال بعضهم هو في أهل التوحيد الذين يخرجهم الله من النار.\nقال ابن عباس: وما شاءَ رَبُّكَ أن يخرج أهل التوحيد منها، وقال في قوله في وصف السعداء: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ أن يخلدهم في الجنة، وقال قتادة: في هذه الآية الله أعلم بها، وذكر لنا أن ما أقوله سيصيبهم سفع من النار بذنوب اقترفوها ثم يخرجهم الله منها، وعلى هذا القول يكون استثناء من غير جنسه لأن الأشقياء في الحقيقة هم الكافرون، والسعداء في الحقيقة هم المؤمنون.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٦.\n(٢) مجمع الزوائد: ٧/ ١٩٣، وتأويل مختلف الحديث: ١٣.\n(٣) كلام غير مقروء. [.....]\n(٤) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":189},{"text":"وقال أبو مجلز: هو جزاؤه إلّا أن يشاء ربك أن يتجاوز عنهم، ولا يدخلهم النار، وفي وصف السعداء إلّا ما شاء ربك بقاءهم في الجنة. قال ابن مسعود: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ، لا يموتون فيها ولا يخرجون منها إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ. وهو أن يأمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ثم يجدّد خلقهم.\nقال: وليأتين على جهنم زمان تغلق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعد ما يلبثون فِيها أَحْقابًا، وقال الشعبي: جهنم أسرع الدارين عمرا وأسرعهما خرابا، وقال ابن زيد: في هذه الآية أخبرنا بالذي أنشأ لأهل الجنة فقال: هذا غير مجذوذ، ولم يخبرنا بالذي أنشأ لأهل النار، وقال ابن كيسان: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الفريقين من تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، وقيل: ما شاءَ رَبُّكَ من احتباس الفريقين في البرزخ ما بين الموت والبعث.\nالزجّاج: في هذه الآية أربعة أقوال: قولان منها لأهل اللغة، وقولان لأهل المعاني، فأمّا أحد قولي أهل اللغة فإنهم قالوا: إِلَّا هاهنا بمعنى سوى كما يقال في الكلام: ما كان معنا رجل إلّا زيد، ولي عليك ألف درهم إلّا الألفان التي لي عليك، فالمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما شاء ربك من الخلود، والقول الثاني: إنّه استثنى من الإخراج وهو لا يريد أن يخرجهم منها، كما يقول في الكلام: أردت أن أفعل كذا إلّا أن أشاء غيره، وأنت مقيم على ذلك الفعل، والمعنى أنّه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكنّه أعلمهم أنهم خالدون فيها، قال الزجّاج: فهذان مذهبا أهل اللغة.\nوأما قولا أهل المعاني، فإنهم قالوا: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من مقدار مواقفهم على رأس قبورهم وللمحاسبة إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من زيادة النعيم لأهل النعيم، وزيادة العذاب لأهل الجحيم، وقال الفراء: معناه: وقد شاء ربك خلود هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة، وإِلَّا بمعنى الواو سائغ جائز في اللغة، قال الله تعالى لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ومعناه، ولا الذين ظلموا، وأنشدني أبو ثروان:\nمن كان أشرك في تفرّق فالج ... فلبونه جربت معا وأغدت\nإلّا كناشرة الذي ضيعتم ... كالغصن في غلوائه المثبت «١»\nمعناه، لكن هنا كناشرة، وهي كاسم قبيلة، وقال: معناه كما شاء ربك كقوله وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ معناه كما قد سلف.\nوَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا قرأ أهل الكوفة: (سعدوا) بضم السين أي رزقوا السعادة، وسعد وأسعد بمعنى واحد، وقرأ الباقون بفتح السين قياسا على الذين شقوا، واختاره أبو عبيد وأبو\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٩٥، وتاج العروس: ١/ ٥٩.","vol":"5","page":190},{"text":"حاتم فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ. الضحّاك: إلّا ما مكثوا في النار حتى أدخلوا الجنة، أبو سنان: إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ من الزيادة على قدر مدة دوام السماء والأرض، وذلك هو الخلود فيها، قال الله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ غير مقطوع.\nوكيع بن الجراح: كفرت الجهمية بأربع آيات من كتاب الله، قال الله تعالى في وصف نعيم الجنة مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ وقالت الجهمية: يقطع فيمنع عنهم، وقال الله أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها\nوقالوا: لا يدوم، وقال الله ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وقالوا: لا يبقى، وقال الله عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ وقالوا: يجذ ويقطع.\nفَلا تَكُ يا محمد فِي مِرْيَةٍ في شك مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ فهم ضلّال.\nما يَعْبُدُونَ إِلَّا كَما يَعْبُدُ فيه إضمار أي: [كعبادة] آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ حظهم من الجزاء غَيْرَ مَنْقُوصٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>[سورة هود (١١): الآيات ١١٠ الى ١١٥]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠) وَإِنَّ كُلًاّ لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١) فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (١١٣) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)\nوَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)\nوَلَقَدْ آتَيْنا أعطينا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ممّن صدف عنه وكذّب به، كما فعل قومك بالقرآن يعزّي نبيه ﷺ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ في تأخير العذاب لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ أفرغ من عقابهم وإهلاكهم، يعني المختلفين المخالفين.\nوَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ موقع في الريب والتهمة، يقال: أراب الرجل، أي جاء بريبة، وألام إذا أتى بما يلام عليه، قال الشاعر:\nتعد معاذرا لا عذر فيها ... ومن يخذل أخاه فقد ألاما «١»\nوَإِنَّ كُلًّا لَمَّا اختلف فيه القرّاء، فقرأ ابن عامر وأبو جعفر وحمزة وأن بتخفيف النون ولَمَّا بتشديد الميم على معنى فإنّ كلا لمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ، ولكن لما اجتمعت الميمات حذفت واحدة، كقول الشاعر:\nكان من أخرها لقادم ... مخرم نجد فارع المحارم «٢»\n_________\n(١) الصحاح: ٥/ ٢٠٣٤، ولسان العرب: ١٢/ ٥٥٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١٢/ ١٦١.","vol":"5","page":191},{"text":"أراد إلى القادم، فحذف اللام عند اللام وتكون (ما) بمعنى من تقديره لممّن يوفينّهم، كقول الشاعر:\nوأنّي لمّا أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره «١»\nوقيل: أراد وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا بالتنوين والتشديد، قرأها الزهري بالتنوين أي وَإِنَّ كُلًّا شديدا وحقا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ من قوله تعالى: كُلًّا لَمَّا، أي شديدا فحذفوا التنوين وأخرجوه على هذا فعلى، كما فعلوا في قوله: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا، وقرأ نافع وابن كثير بتخفيف النون والميم على معنى إن الثقيلة مخفّف، وأنشد أبو زيد:\nووجه مشرق النحر كأن ثدييه حقّان «٢»\nأراد كان فخفّف ونصب به، و(ما) صلة تقديره وإن كلا ليوفينّهم. وقرأ أبو عمرو والكسائي ويعقوب وحفص وأيوب وخلف بتشديد النون وتخفيف الميم على معنى وأن كلا ليوفينّهم، جعلوا (ما) صلة. وقيل: أرادوا وأن كلا لممّن كقوله فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ أي من. وقرأ أبو بكر بن عياش بتخفيف النون وتشديد الميم أراد أن الثقيلة فخفّفها.\nوقيل: (أن) بمعنى (ما) الجحد و(لما) بمعنى (إلا) تقديره وما كلا إلّا ليوفينّهم، ولكنه نصب كلّا بإيقاع التوفية عليه أي ليوفينّ كلا وهو أبعد القراءات فيها من الصواب، إنه بما تعملون خبير.\nفَاسْتَقِمْ يا محمد على أمر ربك والعمل به والدعاء إليه كَما أُمِرْتَ أن لا تشرك بي شيئا وتوكّل عليّ مما ينوبك، قال السدّي: الخطاب له ﷺ والمراد أمته.\nوَمَنْ تابَ مَعَكَ فليستقيموا، يعني المؤمنين وَلا تَطْغَوْا ولا تجاوزوا أمري، وقال ابن زيد: ولا تعصوا الله ولا تخالفوه، وقيل: ولا تتخيّروا «٣» .\nإِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لا يخفى عليه من أعمالكم شيء، قال ابن عباس: ما نزلت على رسول الله ﷺ في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشقّ عليه من هذه الآية، ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب، فقال: «شيبتني سورة هود وأخواتها» [١٠٤] «٤» .\nوَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قال ابن عباس: ولا تميلوا على غيّهم ولا تدهنوا لهم\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ١٠٥.\n(٢) تفسير الطبري: ١٢/ ١٦٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٩/ ١٠٧.\n(٤) الجامع الصغير: ٢/ ٨٢ ح/ ٤٩١٦، وكنز العمّال: ١/ ٥٧٣.","vol":"5","page":192},{"text":"قال، أبو العالية: لا ترضوا على أعمالهم. قتادة: لا تلحقوا بالمشركين. السدّي وابن زيد، ولا تداهنوا الظلمة، ابن كيسان: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا.\nفَتَمَسَّكُمُ تصيبهم النار وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ أي أعوان يمنعون ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ يعني الغداة والعشي، قال ابن عباس: يعني صلاة العصر والمغرب. مجاهد: صلاة الفجر وصلاة العشاء، القرظي: هي الفجر والظهر والعصر، الضحاك: صلاة الفجر والعصر، [وقيل: الطرفان] صلاة الفجر والظهر طرف وصلاة العصر والمغرب طرف.\nوَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ يعني صلاة العتمة، وقال الحسن: هما المغرب والعشاء، قال الأخفش: يعني ساعات الليالي واحدتها زلفة، وأصل الزلفة المنزلة والقربة، ومنه المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة، قال العجاج:\nطيّ الليالي زلفا فزلّفا ... سماوة الهلال حتى أحقوقفا «١»\nوفيه أربع لغات زُلَفًا: بفتح الفاء وضم اللام وهي قراءة العامة، وقرأ أبو جعفر بضم الزاي واللام، وقرأ ابن محيصن بضم الزاي وجزم اللام، وقرأ مجاهد زلفى، مثل قربى.\nإِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ يعني: إن الصلوات الخمس يذهبن الخطيئات، هذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: هي قول العبد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر.\nنزلت هذه الآية في أبي اليسر عمرو بن غزية الأنصاري وكان يبيع التمر فأتته امرأة تبتاع تمرا فقال: إن هذا التمر ليس بجيد وفي البيت أجود منه، فهل لك فيه، فقالت: نعم، فذهب بها إلى بيته فضمها إليه وقبّلها، فقالت له: اتق الله فتركها وندم على ذلك، فأتى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله، ما تقول في رجل راود امرأة عن نفسها ولم يبق شيئا مما يفعل الرجال بالنساء إلّا ركبه غير أنه لم يجامعها، فقال عمر بن الخطاب: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يردّ عليه رسول الله ﷺ شيئا، وقال: أنظر فيه أمر ربي، وحضرت صلاة العصر، فصلّى النبي ﷺ العصر، فلما فرغ أتاه جبريل بهذه الآية، فقال النبي ﷺ: «أين أبو اليسر؟» فقال: ها أنا ذا يا رسول الله، قال: «أشهدت معنا هذه الصلاة؟» قال: نعم، قال: «اذهب فإنها كفارة لما عملت» فقال عمر: يا رسول الله أهذا له خاصّة أم لنا عامة؟ فقال ﷺ: «بل للناس عامة» [١٠٥] «٢» .\nذلِكَ الذي ذكرناه، وقيل: هو إشارة إلى القرآن ذِكْرى عظة لِلذَّاكِرِينَ وَاصْبِرْ يا\n_________\n(١) لسان العرب: ٩/ ٥٢.\n(٢) المصنّف لعبد الرزّاق: ٧/ ٣٢٦، ح/ ١٣٣٤٩.","vol":"5","page":193},{"text":"محمد على ما تلقى من الأذى، وقيل: على الأذى، وقيل: على الصلاة، نظير قوله وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ من أعمالهم، وقال فيه ابن عباس: يعني المصلّين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>[سورة هود (١١): الآيات ١١٦ الى ١٢٣]</span>\nفَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ (١١٧) وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩) وَكُلًاّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)\nوَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)\nفَلَوْلا كانَ فهلّا كان مِنَ الْقُرُونِ التي أهلكناهم مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ أصحاب دين وعقل يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ومعناه: فلم يكن، لأن في الاستفهام ضربا من الجحد إِلَّا قَلِيلًا استثناء منقطع مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وهم أتباع الأنبياء وأهل الحق.\nوَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ قال ابن عباس: ما أنظروا فيه، وروي عنه: أبطروا.\nالضحّاك: اعتلّوا، مقاتل بن سليمان: أعطوا، ابن حيان: خوّلوا، مجاهد: تجبّروا في الملك وعتوا عن أمر الله، الفرّاء: ما سوّدوا من النعيم واللذات وإيثار الدنيا على الآخرة وَكانُوا مُجْرِمِينَ كافرين وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ [بظلم منه لهم] وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ في أعمالهم غير مسيئين، لكنه يهلكها بكفرهم وإتيانهم السيئات، وقيل: معناه لم يكن ليهلكهم بشركهم وأهلها مصلحون فيما بينهم لا يتظالمون، ويتعاطون الحق بينهم وإن كانوا مشركين، وإنّما يهلكهم إذا ظلموا.\nوَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ كلّهم أُمَّةً جماعة واحِدَةً على ملّة واحدة وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ على أديان شتى من يهودي ونصراني ومجوسي ونحو ذلك إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ويعني بهم المؤمنون وأهل الحق.\nوَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ قال الحسن ومقاتل بن حيان ويمان وعطاء: وللاختلاف خلقهم، قال الأشهب: سألت مالكا عن هذه الآية فقال: خلقهم ليكون فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ، وقيل: اللام بمعنى على، أي وعلى ذلك خلقهم، كقول الرجل للرجل: أكرمتك على برّك بي ولبرّك بي، ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة: وللرحمة خلقهم ولم يقل: ولتلك، والرحمة مؤنّثة لأنها مصدر وقد مضت هذه المسألة، وهذا باب سائغ في اللغة [وهو أن يذكر] لفظان","vol":"5","page":194},{"text":"متضادان ثم يشار إليهما بلفظ التوحيد فمن ذلك قوله تعالى لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ ثم قال:\nعَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ، وقوله وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا وقوله:\nقُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا فكذلك معنى الآية، ولذلك أي وللاختلاف والرحمة خلقهم أحسن خلق، هؤلاء لجنّته، وهؤلاء لناره.\nوَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ قال ابن عباس: نسدد، الضحاك: نقوّي، ابن جريج: نصبّر حتى لا تجزع، أهل المعاني: ما نثبّت به قلبك.\nوَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ قال الحسن وقتادة: في هذه الدنيا، وقال غيرهما: في هذه السورة، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا ما يحلّ بنا من رحمة الله إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ما يحل بكم من النقمة.\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن عباس: خزائن الله، الضحّاك: جميع ما غاب عن العباد، وقال الباقون: غيب نزول العذاب من السماء وإلينا يرجع الأمر كله في المعاد حتى لا يكون للخلق أمر، وقرأ نافع وحفص بضم الياء أي يُرْجَعُ ... فَاعْبُدْهُ وحده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ توثّق به وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ قال كعب: خاتمة التوراة خاتمة هود والله أعلم. يعملون قراءة العامة بالياء، وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالتاء.","vol":"5","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>سورة يوسف (ع)</span>\nمكية، وهي سبعة آلاف وستة وسبعون حرفا، وألف وسبعمائة وستة وسبعون كلمة، ومائة وإحدى عشرة آية\nأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقرئ غير مرة، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن إبراهيم الجرجاني، وأبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصفهاني قالا: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، قال: حدثنا أحمد بن يونس اليربوعي، قال: حدثنا سلام بن سليم المدائني، قال: حدثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «علّموا أرقّاءكم سورة يوسف فإنه أيّما مسلم تلاها وعلّمها أهله وما ملكت يمينه هوّن الله عليه سكرات الموت وأعطاه القوّة أن لا يحسد مسلما» [١٠٦] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ (٣) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)\nقالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ يعني البيّن حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه وهداه وبركته، قال معاذ بن جبل: بيّن فيه الحروف التي سقطت من ألسن الأعاجم وهي ستة أحرف.\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ يعني الكتاب قُرْآنًا عَرَبِيًّا بلغتكم يا معشر العرب لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ لكي تعلموا معانيه وتقيموا ما فيه نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أي نقرأ، وأصل القصص تتبع الشيء، ومنه قوله تعالى وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فالقاص يتتبع الآثار ويخبر بها.\nأَحْسَنَ الْقَصَصِ يعني قصة يوسف بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ و(ما) المصدر أي بإيحائنا إليك هذا القرآن وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ من قبل وحينا لَمِنَ الْغافِلِينَ\nقال سعد بن أبي وقاص:\nأنزل القرآن على رسول الله ﷺ فتلاه عليهم زمانا، وكأنهم ملّوا فقالوا: لو قصصت علينا، فأنزل الله تعالى نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ الآية، فقالوا: يا رسول الله لو ذكرتنا وحدثتنا فأنزل الله تعالى أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ الآية، فقال الله تعالى على هذه الآية:\nأَحْسَنَ الْقَصَصِ.\nواختلف الحكماء فيها لم سميت أحسن القصص من بين الأقاصيص؟ فقيل: سماها أَحْسَنَ","vol":"5","page":196},{"text":"الْقَصَصِ\nلأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم والنكت ما تتضمن هذه القصة، وقيل: سمّاها أحسن لامتداد الأوقات فيما بين مبتداها إلى منتهاها، قال ابن عباس: كان بين رؤيا يوسف ومصير أبيه وأخوته إليه أربعون سنة، وعليه أكثر المفسرين، وقال الحسن البصري:\nكان بينهما ثمانون سنة.\nوقيل: سماها أَحْسَنَ الْقَصَصِ لحسن مجاورة يوسف إخوته، وصبره على أذاهم، وإغضائه عند الالتقاء بهم عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم وقيل: لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين والأنس والجن والأنعام والطير، وسير الملوك والمماليك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء، وحيلهن ومكرهن، وفيها أيضا ذكر التوحيد والعفة والسير وتعبير الرؤيا والسياسة وتدبير المعاش، وجعلت أحسن القصص لما فيها من المعاني الجزيلة والفوائد الجليلة التي تصلح للدين والدنيا، وقيل: لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب. وقيل: أَحْسَنَ الْقَصَصِ هاهنا بمعنى أعجب.\nإِذْ قالَ يُوسُفُ قراءة العامة يوسف بضم السين، وقرأ طلحة بن مصرف بكسر السين، واختلفوا فيه فقال أكثرهم: هو اسم عبريّ فلذلك لا يجري، وقال بعضهم: هو اسم عربي.\nسمعت أبا القاسم الحبيبي، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا الحسن الأقطع، وكان حكيما، وسئل عن يوسف، فقال: الأسف: الحزن، والأسيف: العبد واجتمعا في يوسف فلذلك سمي يوسف.\nلِأَبِيهِ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (﵈) .\nروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (﵈)» [١٠٧] «١» .\nيا أَبَتِ قرأ أبو جعفر وابن عامر بفتح التاء في جميع القرآن على تقدير يا أبتاه، وقرأ الباقون بالكسر، لأنه أصله يا أبه على هاء الوقف والجر.\nإِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا نصب الكوكب على التمييز، وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ولم يقل: رأيتها لي ساجدة، والهاء والميم والياء والنون من كنايات ما يعقل لأن السجود فعل ما يعقل فعبّر عنها بكنايتها كقوله يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ الآية.\nروى السدّي عن عبد الرحمن بن [ساريا]، عن جابر، قال: سأل النبيّ ﷺ رجل من اليهود يقال له بستان، فقال: يا محمد أخبرني عن الكواكب التي رآها يوسف ساجدة له ما أسماؤها، فسكت؟ رسول الله ﷺ وقال: «هل أنت مؤمن إن أخبرت بأسمائها؟» قال: نعم،\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٣٥٦، ح ٥١١٩.","vol":"5","page":197},{"text":"فقال: «حرثان «١» والطارق والذيال وذو النقاب «٢» وقابس ووثاب وعمودان والمصبح والفليق والضروح وذو الفرغ «٣»، رآها يوسف والشمس والقمر نزلن من السماء فسجدن له» فقال اليهودي: إي والله إنها لأسماؤها [١٠٨] «٤» .\nقال ابن عباس: الشمس والقمر أبواه والكواكب إخوته الأحد عشر. وقال قتادة: الشمس أبوه والقمر خالته، وذلك أن أمه راحيل كانت قد ماتت، قال وهب: وكان يوسف رأى وهو ابن سبع سنين، أن احدى عشرة عصا طوالا كانت مركوزة في الأرض كهيئة الدائرة وإذا عصا صغيرة ثبتت عليها حتى اقتلعتها وغلبتها فوصف ذلك لأبيه، فقال له: إياك أن تذكر هذا لإخوتك، ثم رأى وهو ابن اثني عشرة سنة أنّ أحد عشر كوكبا والشمس والقمر سجدن له فقصّها على أبيه فقال له: لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا فيبغوا لك الغوائل ويحتالوا في إهلاكك، لأنهم يعلمون تأويلها فيحسدونك إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ.\nواختلف النحاة في وجه دخول اللام في قوله لك، فقال بعضهم: معناه فيكيدوك واللام صلة، كقوله لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ «٥» وقال آخرون: هو مثل قولهم: نصحتك ونصحت لك، وشكرتك وشكرت لك، وحمدتك وحمدت لك، وقصدتك وقصدت لك.\nوَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ كقوله: [يصطفيك ويختارك] ليوسف وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ تعبير الرؤيا وسمي تأويلا لأنه يؤوّل أمره إلى ما رأى في منامه وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ بالخلة وإنجائه من النار قال عكرمة:\nبأن نجّاه من الذبح وفداه بذبح عظيم. وقال الباقون: بإخراج يعقوب، والأسباط من صلبه.\nإِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ولهذا قيل: العرق نزّاع والأصل لا يخطئ، فلمّا بلغت هذه الرؤيا إخوة يوسف حسدوه، قال ابن زيد: كانوا أنبياء، وقالوا: ما رضي أن يسجد له إخوته حتى يسجد له أبواه، فبغوه بالعداوة «٦» .\n_________\n(١) في الطبري: جربان.\n(٢) في تفسير الطبري: ذو الكنفين، وفي الدرّ المنثور: الكفّتان.\n(٣) في بعض المصادر: القرع. [.....]\n(٤) تفسير الطبري: ١٢/ ١٩٧، والدرّ المنثور: ٤/ ٤.\n(٥) سورة الأعراف: ١٥٤.\n(٦) عن تفسير القرطبي: ٩/ ١٣٠.","vol":"5","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-401>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧ الى ١٨]</span>\nلَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ (٩) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (١٠) قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ (١١)\nأَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١٢) قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ (١٣) قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ (١٤) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٥) وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ (١٦)\nقالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ (١٧) وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١٨)\nيقول الله تعالى: لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ أي في خبره وخبر إخوته وَإِخْوَتِهِ وأسماؤهم روبيل وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوي، ويهودا، وزيالون، وأمنجر، وأمهم ليا بنت أيان وهي ابنة خال يعقوب، وولد له من سريّتين له اسم إحداهما زاد والأخرى ملده، أربعة نفر، دان ونفتالي وجاد وآشر، ثم توفيت ليا فتزوج يعقوب أختها راحيل، فولدت له يوسف وبنيامين، وكان بنو يعقوب اثني عشر رجلا.\nآياتٌ قرأ أهل مكة آية على الواحد، أي عظة وعبرة، وقيل: عجب، يقال: فلان آية في الحسن والعلم أي عجب، وقرأ الباقون: آياتٌ على الجمع لِلسَّائِلِينَ وذلك\nأن اليهود سألت رسول الله ﷺ عن قصة يوسف فأخبرهم بها كما في التوراة فعجبوا منه وقالوا: من أين لك هذا يا محمد؟ قال: «علّمنيه ربي» [١٠٩]\nوقيل: معناه للسائلين ولمن لم يسأل، كقوله:\nسَواءً لِلسَّائِلِينَ.\nإِذْ قالُوا لَيُوسُفُ اللام فيه جواب القسم تقديره: تالله ليوسف وأخوه بنيامين أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ أي جماعة والعصبة ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة عشر، وقيل: ما بين العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها كالنفر والرهط إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ خطأ بيّن في إيثاره يوسف وأخاه علينا.\nاقْتُلُوا يُوسُفَ اختلفوا في تأويل هذا القول، فقال وهب: قاله شمعون، كعب: دان، مقاتل: روبيل أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا أي في أرض يَخْلُ لَكُمْ يخلص ويصفو لكم.\nوَجْهُ أَبِيكُمْ عن شغله بيوسف فإنه قد شغله عنّا وصرف وجهه إليه عنّا وَتَكُونُوا مِنْ","vol":"5","page":199},{"text":"بَعْدِهِ\nمن بعد قتل يوسف قَوْمًا صالِحِينَ تائبين، وقال مقاتل: يصلح أمركم فيما بينكم وبين أبيكم.\nقالَ قائِلٌ مِنْهُمْ وهو روبيل، وقال السدي: هو يهودا، وهو أعظمهم وكان ابن خالة يوسف، وكان أحسنهم فيدايا نهاهم عن قتله وقال لهم: لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ فإن قتله عظيم.\nوَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ أي في قعر الجب وظلمته حيث يغيب خبره، قتادة: في أسفله، والغيابة: كل شيء غيّب شيئا، وأصلها من الغيبوبة، وقرأ أهل المدينة: غيابات الجب، على الجمع، والباقون: غَيابَتِ، على الواحد، والجبّ: البئر غير المطويّة، قتادة: هو بئر بيت المقدس، وقال وهب: هو بأرض الأردن، كعب: بين مدين ومصر، مقاتل: على ثلاث فراسخ من منزل يعقوب.\nيَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ يأخذه، قراءة العامة بالياء لأنه البعض وقرأ الحسن: تلتقطه بالتاء لأجل السيارة، والعرب تفعل ذلك في كل خبر كان عن مضاف إلى مؤنث يكون الخبر عن بعضه خبرا عن جميعه، كقول الشاعر:\nأرى مرّ السنين أخذن مني ... كما أخذ السرار من الهلال «١»\nولم يقل أخذت وقال الآخر:\nإذا مات منهم سيد قام سيد ... فدانت له أهل القرى والكنائس «٢»\nبَعْضُ السَّيَّارَةِ بعض مارّي الطريق من المسافرين فيذهب به إلى ناحية أخرى فينستر خبره إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ما أقول لكم.\nقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: ما أنساك بني يعقوب؟ ولهذا قيل: الأب جلاب، والأخ سلاب، فعند ذلك أجمعوا على التفريق بينه وبين والده بضرب من الاحتيال، فقالوا ليعقوب قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا قرأ أبو جعفر بالنون، وقرأ الباقون بإشمام النون للضمّة، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأن أصله تأمننا بنونين فأدغمت أحدهما في الأخرى.\nوَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ نحوطه ونحفظه حتى نردّه إليك، مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وذلك أن أخوة يوسف قالوا لأبيهم أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ قال أبوهم:\nإِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ فحينئذ قالوا ما لَكَ لا تَأْمَنَّا عَلى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَناصِحُونَ أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا إلى الصحراء يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ.\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ٧٣، وشرح ابن عقيل: ١/ ٦٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٠٥.","vol":"5","page":200},{"text":"وقرأ أبو عمرو بالنون فيهما وكذلك ابن عامر قال، هارون: فقلت لأبي عمرو: كيف تقرأ نرتع ونلعب وهم أنبياء؟ قال: لم يكونوا يومئذ أنبياء «١»، وقرأ أهل الكوفة كلاهما بالياء أي ننعم ونأكل وننشط ونلهو، يقال: رتع فلان في ماله إذا أنعم وأنفقه في شهواته. قال القطامي:\nأكفرا بعد ردّ الموت عنّي ... وبعد عطائك المائة الرتاعا «٢»\nوقال ابن زيد: معناه يرعى غنمه، وينظر ويعقل فيعرف ما يعرف الرجل «٣» .\nوقرأ يعقوب نرتع بالنون وَيَلْعَبْ بالياء ردّا للعب إلى يوسف والرتوع إلى إخوته، وقرأ أهل الحجاز نرتعِ بكسر العين من الارتعاء، أي نتحارس ويحفظ بعضنا بعضا وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ.\nقالَ لهم يعقوب إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ أي ذهابكم وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ لا تشعرون، وذلك أن يعقوب رأى في منامه أن الذئب قد شدّ على يوسف وكان يحذره، ومن ثم قال هذا فلقّنهم العلة وكانوا لا يدرون فقالوا: لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ عشرة رجال إِنَّا إِذًا لَخاسِرُونَ ضعفة عجزة مغبونون.\nفَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ في الكلام إضمار واختصار تقديره فأرسله معهم فلمّا ذهبوا به وَأَجْمَعُوا وعزموا على أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ هذه الواو مقحمة زائدة تقديره أوحينا، كقوله تعالى فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ أي ناديناه وقال امرؤ القيس:\nفلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى ... بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل «٤»\nأراد انتحى.\nلَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أوحينا إلى يوسف، [سوف تتحقق] رؤياك، ولتخبرنّ إخوتك بصنيعهم هذا وما فعلوه بك، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بوحي الله إليه وإعلامه إياه ذلك، وهذا معنى قول مجاهد، وقيل «٥»: معناه وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنك يوسف.\nقال ابن عباس: لما دخل إخوة يوسف على يوسف فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ دعا بالصواع فوضعه على يده ثم نقره فطنّ وقال: أنه ليخبرني هذا الجام إنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف، يدنيه دونكم، وإنكم انطلقتم به فألقيتموه في غيابة الجب ثم جئتم أباكم فقلتم: إن\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٠٦.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ٦٩.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) غريب الحديث: ٢/ ١٨٨.\n(٥) قاله أبو صالح عن ابن عبّاس (زاد المسير: ٤/ ١٤٧) .","vol":"5","page":201},{"text":"الذئب أكله وبعتموه بِثَمَنٍ بَخْسٍ، فذلك قوله لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ» .\nقال السدّي: أرسل يعقوب يوسف معهم فأخرجوه وبه عليهم من الكرامة، فلمّا برزوا إلى البرية أظهروا له العداوة وجعل أخوه يضربه فيستغيث بالآخر فيضربه، فجعل لا يجد منهم رحمة، فضربوه حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه يا يعقوب، لو تعلم ما يصنع بابنك هؤلاء الأبناء.\nفلمّا كادوا ليقتلوه قال يهودا: أليس سألنا أبانا موثقا ألّا تقتلوه؟ فانطلقوا به إلى الجب ليطرحوه فجعلوا يدلونه في البئر، فتعلق بشفير البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه فقال: يا إخوتاه، ردّوا عليّ القميص أتوارى به في الجب، فقالوا: ادع الشمس والقمر والأحد عشر كوكبا تؤنسك، قال: إنّي لم أر شيئا.\nفدلوه في البئر حتى إذا بلغ نصفها ألقوه إرادة أن يموت، وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فيه فقام عليها، فلمّا ألقوه في الجب جعل يبكي فنادوه فظن أنّها رحمة أدركتهم، فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه بصخرة فيقتلوه فقام يهودا فمنعهم وقال: قد أعطيتموني موثقا ألّا تقتلوه، وكان يهودا يأتيه بالطعام «٢» .\nويقال: إن الله تعالى أمر صخرة حتى ارتفعت من أسفل البئر فوقف يوسف عليها وهو عريان، وكان إبراهيم الخليل ﷺ حين ألقي في النار جرّد من ثيابه وقذف في النار عريانا فأتاه جبريل (﵇) بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه وكان ذلك [القميص] عند إبراهيم، فلمّا مات ورثه إسحاق، فلمّا مات إسحاق ورثه يعقوب، فلمّا شب يوسف جعل يعقوب ذلك القميص في تعويذ وعلّقه في عنقه، فكان لا يفارقه، فلمّا ألقي في البئر عريانا جاء جبرئيل وكان عليه ذلك التعويذ فأخرج القميص منه وألبسه إياه، قال ابن عباس: ثم ذبحوا سخلة وجعلوا دمها على قميص يوسف.\nوَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ ليكونوا أجرأ في الظلمة على الاعتذار وترويج ما مكروا، وقد قيل: لا تطلب الحاجة بالليل وإن الحياء في العينين، ولا يعتذر من ذنب في النهار فيتلجلج في الاعتذار فلا يقدر على إتمامه، وقيل: أخّروا المجيء إلى وقت العشاء الآخرة ليدلّسوا على أبيهم.\nقال السدّي: فلمّا سمع أصواتهم فزع وقال: ما لكم يا بنىّ؟ وهل أصابكم في غنمكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسف؟\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٢١١.\n(٢) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٠٩.","vol":"5","page":202},{"text":"قالُوا يا أَبانا إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ أي نترامى، دليله قول عبد الله: ننتضل، السدّي وابن حيان: نشتد وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ مصدّق لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ لسوء ظنّك بنا وتهمتك لنا، وهذا قميصه ملطخ بالدم فذلك قوله وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ أي بدم كذب، وقيل: بدم ذي كذب لأنه لم يكن دم يوسف وإنما كان دم شاة، وهذا كما يقال: الليلة الهلال، وقيل: معناه بدم مكذوب فيه، فوضع المصدر موضع الاسم، كما يقال: ماله عقل ولا معقول.\nوقرأت عائشة: بدم كدب بالدال غير المعجمة، أي طري، فبكى يعقوب عند ذلك، وقال لبنيه: أروني قميصه فأروه، فقال: يا لله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يخرق عليه قميصه، فحينئذ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ رتبت لكم أَمْرًا فَصَبْرٌ أي فمنّي أو فعليّ صبر، وقيل: فصبري صبر جَمِيلٌ وقرأ الأشهب والعقيلي: فصبرا على المصدر أي فلأصبرنّ صبرا جميلا، وهو الصبر الذي لا جزع ولا شكوى فيه.\nوقيل: معناه لا أعاشركم على كآبة الوجه وحبوس الحنين، بل أكون في المعاشرة معكم جميلا كما كنت.\nوروى عبد الرزاق عن الثوري عن حبيب بن ثابت أن يعقوب النبي (﵇) كان قد سقط حاجباه على عينيه وكان يرفعهما بخرقة فقيل له: ما هذا؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ قال: يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.\nوَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ من الكذب، قالوا: وكان يوسف حين ألقي في الجب ابن ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، وقيل: كان ابن عشر، ومكث فيه ثلاثة أيام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٩ الى ٢٢]</span>\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (١٩) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠) وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)\nوَجاءَتْ سَيَّارَةٌ أي رفقة مارة من قبل مدين يريدون مصر، فأخطأوا الطريق فانطلقوا يمشون على غير الطريق حتى نزلوا قريبا من الجب، وكان الجب في قفرة بعيدا من العمران، إنما هو للرعاة والمجتازة، وكان ماؤه مالحا فعذب حين ألقي فيه يوسف، فلما نزلوا أرسلوا رجلا من أهل مدين يقال له مالك بن ذعر ليطلب لهم الماء فذلك قوله فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ الوارد: الذي يتقدم الرفقة إلى الماء فيهيّئ الأرشية والدلاء، فوصل إلى البئر فَأَدْلى فيها","vol":"5","page":203},{"text":"دَلْوَهُ أي أرسلها يقال: أدليت الدلو في الماء إذا أرسلتها فيها، ودلوتها دلوا إذا أخرجتها منها، فتعلّق يوسف (﵇) بالحبل، فلمّا خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان.\nقال النبي ﷺ: «أعطي يوسف شطر الحسن والنصف الآخر لسائر الناس»\n[١١٠]، قال كعب الأحبار: كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر، ضخم العينين، مستوي الخلق، أبيض اللون، غليظ الساقين والساعدين والعضدين، خميص البطن، صغير السرة، وكان إذا ابتسم رأيت النور في ضواحكه، وإذا تكلم رأيت في كلامه شعاع النور، ينبهر بين ثناياه ولا يستطيع أحد وصفه، وكان حسنه كضوء النهار عند الليل، وكان يشبه آدم (﵇) يوم خلقه الله وصوره ونفخ فيه من روحه قبل أن يصيب المعصية، ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدّته سارة وكانت قد أعطيت سدس الحسن.\nفلمّا رآه مالك بن ذعر قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ واختلفت القراء في قوله: يا بُشْرى، فقرأ أهل الكوفة بسكون الياء، وقالوا: نادى مالك في رجلا من أصحابه، اسمه بشري، فقال:\nيا بشر، كما يقول: يا زيد، وهذا في محل رفع على النداء المفرد، وهذا قول السدّي.\nوقرأ الباقون: يا بشراي بالألف وفتح الياء على الإضافة وقالوا: بشّر المستقي أصحابه بأنه أصاب عبدا.\nوَأَسَرُّوهُ واخفوه بِضاعَةً نصب على الحال، قال مالك بن ذعر وأصحابه من التجار الذين معه وقالوا لهم: هو بضاعة استبضعناها بعض أهل الماء إلى مصر خيفة أن يطلبوا منهم فيه الشركة إن علموا بثمنه، عطية عن ابن عباس: يعني بذلك إخوة يوسف، أسرّوا شأن يوسف أن يكون أخاهم وقالوا: هو عبد لنا أبق منّا.\nقال الله تعالى وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ فأتى يهودا يوسف بالطعام فلم يجده في البئر فأخبر أخوته بذلك فطلبوه، فإذا هم مالك وأصحابه نزول، فأتوهم فإذا هم بيوسف فقالوا: هذا عبد أبق منّا، وقال وهب: كان يهودا [مستندا] من بعيد ينظر ما يطرأ على يوسف، فلمّا أخرجوه رآه فأخبر الآخرين، فأتوا مالكا وقالوا: هذا عبدنا، وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته، فقال مالك: أنا أشتريه منكم، فباعوه منه فذلك قوله تعالى وَشَرَوْهُ أي باعوه، قال ابن مفرغ الحميري:\nوشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامة «١»\nأي بعت بردا وهو غلامه.\nبِثَمَنٍ بَخْسٍ ناقص وهو مصدر وضع موضع الاسم، قال قتادة: ظلم، الضحاك ومقاتل\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ٢/ ٤٤٧.","vol":"5","page":204},{"text":"والسدي: حرام، لأن ثمن الحر حرام، عكرمة والشعبي: قليل، ابن حيان: زيف دَراهِمَ بدل من الثمن مَعْدُودَةٍ وذكر العدد عبارة عن القلة، أي باعوه بدراهم معدودة قليلة غير موزونة، ناقصة غير وافية، وقال قوم: إنما قال مَعْدُودَةٍ لأنهم كانوا في ذلك الزمان لا يزنون ما كان وزنه أقل من أربعين درهما، إنما كان يعدونها عدّا، فإذا بلغ أوقية وزنوه، لأن أقل أوزانهم وأصغرها يومئذ كان أوقية، والأوقية أربعون درهما.\nواختلف العلماء في مبلغ عدد الدراهم التي باعوه بها، فقال ابن مسعود وابن عباس وابن قتادة والسدّي: عشرون درهما، فاقتسموها درهمين درهمين، مجاهد: اثنان وعشرون درهما، عكرمة: أربعون درهما.\nوَكانُوا يعني أخوة يوسف فِيهِ في يوسف مِنَ الزَّاهِدِينَ لم يعلموا كرامته على الله ولا منزلته عنده.\nثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف وتبعهم إخوته يقولون لهم: استوثقوا منه لا يأبق، فذهبوا حتى قدموا به مصر، فاشتراه قطفير، قاله ابن عباس، وقيل: اطفير بن روجيت وهو العزيز وكان على خزائن مصر.\nوكان الملك يومئذ بمصر ونواحيها الريان بن الوليد بن ثروان بن ارامة بن فاون بن عمرو ابن عملاق بن لاود بن سام بن نوح، وقيل: إن هذا الملك لم يمت حتى آمن واتبع يوسف على دينه ثم مات ويوسف بعد حيّ، فملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية بن نمير بن اليبلواس بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوي بن سام بن نوح وكان كافرا فدعاه يوسف إلى الإسلام فأبى أن يقبل.\nقال ابن عباس: لما دخلوا مصر تلقى قطفير مالك بن ذعر فابتاع يوسف منه بعشرين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين، وقال ابن منبه: قدمت السيّارة بيوسف مصر [فعرضوه] للبيع فترافع الناس في ثمنه وتزايد حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا فابتاعه قطفير بن مالك بهذا الثمن فذلك قوله تعالى وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ.\nفإن قيل: كيف أثبت الشرى في قوله وَشَرَوْهُ واشْتَراهُ ولم ينعقد عليه؟ والجواب: إن الشراء هو المماثلة فلمّا ماثله بمال من عنده جاز أن يقال: اشْتَراهُ، على التوسع، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ الآية، فلمّا مرّ قطفير وأتى به منزله قال لامرأته- واسمها راحيل بنت رعابيل، قاله محمد بن إسحاق بن يسار.\nقال الثعلبي: وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن منبه، قال: حدثنا أبو حامد المستملي، حدثنا أبو هشام الرفاعي، قال: اسم امرأة العزيز التي ضمّت يوسف زليخا بنت موسى-.","vol":"5","page":205},{"text":"أَكْرِمِي مَثْواهُ منزله ومقامه، قتادة وابن جريج: منزلته عَسى أَنْ يَنْفَعَنا فيكفينا إذا بلغ وفهم الأمور وبعض ما نحن [نستقبله] من أمورنا.\nأَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا أي نتبنّاه، قال ابن إسحاق: كان قطفير لا يأتي النساء، وكانت امرأته راحيل «١» حسناء ناعمة طاعمة في ملك ودنيا «٢» .\nقال الثعلبي: أخبرنا أبو بكر الجوزقي، أخبرنا أبو العباس الدغولي، حدثنا علي بن الحسن الهلالي، حدثنا أبو نعيم، حدثنا زهير عن أبي إسحاق عن أبي عبيد عن عبد الله قال:\nأفرس الناس ثلاثة: العزيز حين تفرّس في يوسف فقال: أَكْرِمِي مَثْواهُ، والمرأة التي أتت موسى فقالت لأبيها: يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ، وأبو بكر حين استخلف عمر.\nوَكَذلِكَ أي وكما أنقذ يوسف من أيدي إخوته وقد هموا بقتله فأخرجناه من الجبّ بعد أن ألقي فيه، فصيرناه إلى الكرامة والمنزلة الرفيعة عند عزيز مصر مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، فجعلناه على خزائنها، قال أهل الكتاب: لما تمّت ليوسف (﵇) ثلاثون سنة، استوزره فرعون.\nوَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ أي ولكي نعلّمه من عبارة الرؤيا، مكنّا له في الأرض وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ اختلفوا في هذه الكناية، فقال قوم: هي راجعة إلى الله ﷿، وتقدير الكلام: لا يغلب الله شيء، بل هو الغالب على أمره يفعل ما يشاء، ويعلم ما يريد، وقال آخرون: راجعة إلى يوسف، ومعنى الآية: والله مستول على أمر يوسف يسوسه ويحوطه ويدبّر أمره، ولا يكله إلى غيره.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ما الله صانع بيوسف، و[ما] إليه يوسف من أمره صائر، وهم الذين زهدوا فيه وباعوه بثمن بخس وفعلوا به ما فعلوا «٣» .\nقالت الحكماء في هذه: وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ حيث أمر يعقوب يوسف (﵉) أن لا يقصّ رؤياه على إخوته فغلب أمر الله حين قصّ، ثم أراد يعقوب أن لا يكيدوا فغلب أمره حتى كادوا، ثم أراد أخوة يوسف قتله فغلب أمره حتى لم يقتلوه، ثم أرادوا أن يلقوه في الجب ليلتقطه بعض السيارة فيندرس اسمه، فغلب أمره حتى لم يندرس اسمه وصار مذكورا مشهورا.\nثم باعوه ليكون مملوكا فغلب أمره حتى صار ملكا والعبيد بين يديه، ثم أرادوا أن يخلوا لهم وجه أبيهم، فغلب أمره حتى ضاق عليهم قلب أبيهم، ثم تدبّروا أن يكونوا من بعده قوما\n_________\n(١) في الطبري: راعيل، وهو إطفير. [.....]\n(٢) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٢٩.\n(٣) تفسير الطبري بتفاوت: ١٢/ ٢٣٠.","vol":"5","page":206},{"text":"صالحين تائبين، فغلب أمره حتى نسوا الذنب وأصروا حتى أقروا بين يدي يوسف في آخر الأمر بعد أربعين سنة، وقالوا: وإن كنا خاطئين، وقالوا لأبيهم: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ.\nثم أرادوا أن يغرّوا باسم القميص والدم والبكاء، فغلب أمره حتى لم يخدع، وقال: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ثم احتالوا أن تذهب محبته من قبل أبيه، فغلب أمره حتى ازدادت المحبة والشوق في قلبه، ثم تدبّر يوسف أن يتخلص من السجن بذكر الساقي، فغلب أمره حتى نسي الساقي في ذكره، ولبث في السجن بضع سنين، ثم احتالت امرأة العزيز أن [تترك] المراودة عن نفسها حتى قالت ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا الآية، فغلب أمره حتى شهد الشاهد من أهلها.\nوَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ أي منتهى شبابه وشدّة قوته، قال مجاهد: ثلاثا وثلاثين سنة، الضحاك: عشرين سنة، وروى ابن عباس أنه ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين، وقيل: إلى ستين، والأشدّ: جمع شد، مثل قدّ، أقدّ، وشرّ وأشرّ، وضر وأضرّ، قال حميد:\nوقد أتى لو تعبت العواذل ... بعد الأشل أربع كوامل\nقال الشاعر:\nهل غير أن كثر الأشل وأهلكت ... حرب الملوك أكاثر الأموال «١»\nآتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا قال مجاهد: العقل والفهم والعلم قبل النبوة، وقال أهل المعاني:\nيعني إصابة في القول، وعلما بتأويل الرؤيا وموارد الأمور ومصادرها.\nوَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ قال ابن عباس: المؤمنين، وعنه أيضا: المهتدين، وقال [الصدوق] عن الضحاك: يعني الصابرين على النوائب كما صبر يوسف، وقال محمد بن كعب:\nهذا وإن كان مخرج ظاهره على كل محسن، فإن المراد به محمد نبي الله ﷺ يقول: كما فعلت بيوسف بعد ما لقي من إخوته ما لقي وقاسى من البلاء ما قاسى فمكّنته في الأرض، ووطّأت له في البلاد، وآتيته الحكم والعلم فكذلك أفعل بك، أنجيك من مشركي قومك الذين يقصدونك بالعداوة، وأمكّن لك في الأرض، وأزيدك الحكم والعلم لأن ذلك جزائي لأهل الإحسان في أمري ونهيي.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٣١.","vol":"5","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٢٣ الى ٢٩]</span>\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤) وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٥) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)\nفَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)\nوَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها يعني امرأة العزيز، وطلبت منه أن يواقعها وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وكانت سبعة.\nوَقالَتْ هَيْتَ لَكَ، اختلف القراء فيه، فقرأ ابن عباس والسلمي وأبو وائل وقتادة:\nهئت لك بكسر الهاء وضم التاء مهموزا، بمعنى تهيأت لك، وأنكرها أبو عمرو، قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: سمعت أبا عمرو وسئل عن قراءة من قرأ: هئت لك بكسر الهاء وهمز الياء فقال أبو عمرو: باطل، جعلها من تهيأت، اذهب واستعرض العرب حتى تنتهي إلى اليمن، هل تعرف أحدا يقول هذا؟\nوقال الكسائي أيضا: لم يحك هئت عن العرب، وقال عكرمة: هئت لك: أي زيّنت لك وحسنت وهي قراءة غير مرضية، وقرأ نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر وعبد الله بن أبي إسحاق:\nهيت لك بفتح الهاء وكسر التاء، وقرأ يحيى بن وثاب: هِيتُ بكسر الهاء وضم التاء، وقرأ ابن كثير بفتح الهاء وضم التاء، وأنشد طرفة:\nليس قومي بالأبعدين إذا ... ما قال داع من العشيرة هيت\nهم يجيبون إذا هم سراعا ... كالأبابيل لا يغادر بيت «١»\nوقرأ أهل المدينة والشام بكسر الهاء وفتح التاء، وقرأ الباقون بفتح الهاء والتاء، وهي لغة النبي ﷺ واللغة المعروفة عند العرب،\nالشعبي عن عبد الله بن مسعود: أقرأني النبي ﷺ هيت لك.\nوروى الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه قرأ هيت لك، فقيل له: هَيْتَ لَكَ، فقال ابن مسعود: إنما نقرأها كما تعلّمناها وسمعناها جميعا هلمّ وأقبل وادن، قال الشاعر [يخاطب] أمير المؤمنين علي (﵁):\nأبلغ أمير المؤمنين اهل العراق إذا أتيتا ... أن العراق وأهله سلم [إليك] فهيت هيتا «٢»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٣٧، وتفسير التبيان: ٦/ ١١٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ١٦٤.","vol":"5","page":208},{"text":"قال السّدّي: هي بالقبطيّة هلمّ لك، وقال الحسين: هَيْتَ لَكَ كلمة بالسريانية أي عليك، قال أبو عبيد: كان الكسائي يقول هي لغة لأهل حوران وقعت إلى الحجاز معناها تعال، قال أبو عبيد: سألت شيخا عالما من حوران فذكر أنها لغتهم، وكذا قال عكرمة، وقال مجاهد وغيره:\nهي لغة عربية تدعوه بها إلى نفسها وهي كلمة حثّ وإقبال على الشيء، وأصلهما من [الدعوة] والصياح تقول العرب: هيّت فلان بفلان إذا دعاه وصاح به، قال الشاعر:\nقد رابني أنّ الكريّ أسكتا ... لو كان معنيّا بها لهيّتا «١»\nأي صاح به، والكريّ المكاري.\nوقال أستاذنا أبو القاسم بن حبيب: رأيت في بعض التفاسير هَيْتَ لَكَ يقول: هل لك رغبة في حسني وجمالي، وذكر أبو عبيدة أن العرب لا تثنّي هيت ولا تجمع ولا تؤنّث، وإنّها بصورة واحدة في كلّ حال وإنّما تتميّز بما بعدها وبما قبلها.\nقالَ يوسف (﵇) عند ذلك: مَعاذَ اللَّهِ أعتصم وأستجير بالله ممّا دعوتني إليه وهو مصدر تقديره: عياذا بالله.\nإِنَّهُ رَبِّي يعني إنّ زوجك قطفير سيدي، أَحْسَنَ مَثْوايَ أي منزلتي، وعلى هذا أكثر المفسّرين، قال بعضهم: إنّها مردودة الى الله أَحْسَنَ مَثْوايَ أي آواني ومن بلاء الحب عافاني.\nإِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ يعني إن فعلت، وأتمنني هذا فخنته في أهله بعد ما أكرمني وأتمنني وأَحْسَنَ مَثْوايَ فأنا ظالم ولا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ، وقيل الزناة.\nوَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها يعني الهمّ بالشيء: حديث المرء نفسه به، ولمّا يفعل ذلك.\nيقول الشاعر:\nهممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله «٢»\nفأما ما كان من همّ يوسف (﵇) بالمرأة وهمتها به، فإنّ أهل العلم [اختلفوا] في ذلك، فروى سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس سئل: ما بلغ من همّ يوسف قال: حلّ الهميان وجلس منها مجلس المجامع.\nوروى ابن جريح عن ابن أبي عطية، قال: سألت ابن عباس (﵁): ما بلغ من همّ يوسف، قال: استلقت له على قفاها وقعد بين رجليها لينزع ثيابه.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ١٦٥، لسان العرب: ٢/ ٤٣، وفيه نبا بدل بها.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ١٢٥.","vol":"5","page":209},{"text":"سعيد بن جبير: أطلق تكة سراويله، مجاهد: حل السراويل حتّى بلغ الثفن، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته.\nالضحاك: جرى الشيطان فيما بينهما فضرب بيده إلى جيد يوسف، وباليد الأخرى إلى جيد المرأة حتّى جمع بينهما.\nقال السديّ وابن إسحاق: لمّا أرادت امرأة العزيز مراودة يوسف عن نفسه جعلت تذكر له محاسن نفسه وتشوّقه إلى نفسها فقالت له: يا يوسف ما أحسن شعرك! قال: هو أوّل ما ينتثر من جسدي، قالت: يا يوسف ما أحسن عينك! قال: هي أوّل ما تسيل إلى الأرض من جسدي، قالت: ما أحسن وجهك! قال: هو للتراب يأكله، فلم تزل تطيعه مرّة وتخيفه أخرى وتدعوه إلى اللذّة، وهو شاب مستقبل بجد من شبق الشباب ما يجد الرجل، وهي حسناء جميلة حتى لان لها ممّا يرى من كلفها به ولما يتخوف منها حتى خليا في بعض البيوت وهمّ بها، فهذه أقاويل المفسّرين من السلف الصالحين.\nوقالت جماعة من المتأخرين: لا يليق هذا بالأنبياء [:] فأوّلوا الآية بضروب من التأويل، وقال بعضهم: وهمّ بالفرار منها، وهذا لا يصحّ لأنّ الفرار مذكور وليس له في الآية ذكر، وقيل: همّ بضربها ودفعها، وقيل: همّ بمخاصمتها ومرافعتها إلى زوجها، وقيل: وَهَمَّ بِها هو كناية عن غير مذكور، وقيل: تمّ الكلام عند قوله: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ثمّ ابتدأ الخبر عن يوسف وقال: وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ: على التقديم والتأخير تقديرها: لولا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها ولكنّه رأى البرهان فلم يهمّ كقوله: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ «١» وهذا فاسد عند أهل اللغة لأنّ العرب لا تقدّم جواب (لولا) قبلها، لا يقول: لقد قمت لولا زيد، وهو يريد، لولا زيد لقمت، جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: همّت بيوسف أن يفترشها وَهَمَّ بِها يوسف يعني تمنّاها أن تكون له زوجة.\nوهذه التأويلات التي حكيناها كلها غير قويّة ولا مرضية لمخالفتها أقوال القدماء من العلماء الذين يؤخذ عنهم التأويل، وهم قد أخذوا عن الذين شهدوا التنزيل.\nوكما\nروي في الخبر الصحيح أنّ يوسف لما دخل على الملك وأقرّت المرأة، وقال يوسف: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له جبرئيل ﵇: ولا حين هممت بها يا يوسف؟ فقال يوسف عند ذلك وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي.\n_________\n(١) سورة النساء: ٨٣.","vol":"5","page":210},{"text":"وأما أهل الحقائق فإنّهم قالوا في وجه هذه الآية: إنّ الهمّ همّان: همّ مقيم (ثابت) وهو إذا كان مع عزيمة وعقد ونيّة ورضى مثل همّ امرأة العزيز فالعهد مأخوذ.\nوهمّ عارض وارد وهو الخطرة والفكرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزيمة مثل همّ يوسف (﵇)، والعهد غير مأخوذ ما لم يتكلّم به أو يفعله، يدلّ عليه ما روي عن ابن (المبارك) قال: قلت لسفيان: أيؤخذ العهد بالهمّة؟ قال: إذا كان عزما أخذ بها.\nوروي عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: يقول الله ﷿: «إذا همّ عبدي بالحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، وإن عملها كتبتا له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا همّ عبدي بالسيّئة ولم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها عليه سيّئة واحدة، فإن تركها من أجلي كتبتها له حسنة» [١١١] «١» .\nوالقول بإثبات مثل هذه: الزلّات والصغائر على الأنبياء (﵈) غير محظور لضرب من الحكمة:\nأحدها: ليكونوا من الله تعالى على وجل إذا ذكروها فيجدّون في طاعته إشفاقا منها ولا يتّكلون على سعة رحمة الله.\nوالثاني: ليعرّفهم موقع نعمته وامتنانه عليهم بصرفه عنهم.\nوالثالث: ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك اليأس من عفوه وفضله.\nوقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من أحد إلّا يلقى الله ﷿ قد همّ بخطيئة أو عملها إلّا يحيى بن زكريا فإنّه لم يهم ولم يعملها» «٢» [١١٢] .\nوعن مصعب بن عبد الله قال: حدّثني مصعب بن عثمان قال: كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجها، فدخلت عليه امرأة تستفتيه: [فتأمنته] بنفسه فامتنع عليها وذكّرها، فقالت له: إن لم تفعل لأشهّرنّ بك ولأصيحنّ بك، قال: فخرج وتركها، فرأى في منامه يوسف النبي (﵇)، فقال له: أنت يوسف؟ قال: أنا يوسف النبي هممت وأنت سليمان الذي لم تهمّ.\nوأمّا البرهان الذي رآه يوسف (﵇) فإنّ العلماء اختلفوا فيه، فأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن أبي العباس الأصمّ عن الحسن بن علي، عن الحسين بن عطية عن إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد عن ابن عباس لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال: مثل له يعقوب فضرب يده في صدره، فخرجت شهوته من أنامله.\n_________\n(١) كنز العمال: ٤/ ٢١٩، ح ١٠٢٤١، تفسير القرطبي: ١٧/ ١١٥.\n(٢) كنز العمال: ١١/ ٥٢١ ح ٣٢٤٣٤، بتفاوت يسير.","vol":"5","page":211},{"text":"وقال الحسن وسعيد بن جبير وحميد بن عبد الرحمن ومجاهد وعكرمة وابن سيرين وأبو صالح وشمر بن عطية والضحّاك: انفرج له سقف البيت فرأى يعقوب عاضا على إصبعه.\nوقال ابن جبير: فكل ولد يعقوب ولد له اثنا عشر ولدا إلّا يوسف فإنه ولد له أحد عشر ولدا من أجل نقص من شهوته حين رأى صورة أبيه فاستحياه.\nقتادة: رأى صورة يعقوب فقال: يا يوسف تعمل عمل السّفهاء وأنت مكتوب من الأنبياء؟\nابن أبي مليكه: عن ابن عباس قال: نودي: يا يوسف أتزني فتكون كالطير وقع ريشه فذهب يطير فلا ريش له؟\nالسدّي: نودي يا يوسف تواقعها؟ إنّما مثلك- ما لم تواقعها- مثل الطير في جو السماء لا يطلق، ومثلك إن واقعتها مثل [الطير] إذا مات وقع في الأرض لا يستطيع أن يدفع عن نفسه، ومثلك ما لم تواقعها مثل الثور الصعب الذي لا يعمل عليه، ومثلك إن واقعتها مثل الثور حين يموت فيدخل النمل في أصل قرنيه، فلا يستطع أن يدفع عنه نفسه.\nأبو مردود عن محمّد بن كعب القرضي: قال: رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت حين همّ فرأى كتابا في حائط البيت لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا «١» .\nأبو معشر عنه: لولا ما رأى بالقرآن من تعظيم الزنا وتحريمه، وزاد القرضي: بالقرآن وصحف إبراهيم (﵇) .\nليث عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها قال: حلّ سراويله وقعد منها مقعد الرجل من امرأته وإذا بكفّ قد مدّت فيما بينهما ليس فيها عضد ولا معصم مكتوب فيها: إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِرامًا كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ «٢» .\nقال: فقام هاربا وقامت، فلمّا ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته فإذا بكف قد مدّت فيما بينهما ليس فيها عضد ولا معصم مكتوب فيها وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ «٣»، فقام هاربا وقامت فلمّا ذهب عنهما الرعب عادت وعاد، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من امرأته، قال الله تعالى لجبريل (﵇): يا جبرئيل أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة، فرأى جبريل عاضّا على إصبعه أو كفّه وهو يقول: يا يوسف أتعمل عمل السفهاء وأنت مكتوب عند الله في الأنبياء؟\nفذلك قوله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ.\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٣٢.\n(٢) سورة الإنفطار: ١٠- ١٢.\n(٣) سورة البقرة: ٢١٨.","vol":"5","page":212},{"text":"قتادة عن عطية عن وهب بن منبه، إنّه قال: لمّا همّ يوسف وامرأة العزيز بما همّا خرجت كفّ بلا جسد بينهما مكتوب عليها بالعبرانية أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ «١» ثمّ انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، ثمّ رجعت الكفّ بينهما مكتوب عليها بالعبرانية إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ. كِرامًا كاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ، ثمّ انصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكفّ بالعبرانية مكتوب عليها: وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا «٢» فانصرفت الكفّ وقاما مقامهما، فعادت الكفّ رابعة مكتوب عليها بالعبرانية: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ فولّى يوسف هاربا.\nوروى عطية عن ابن عباس، أنّ البرهان الذي رآه يوسف أنّه أري تمثال الملك، وروى عمر بن إسحاق عن بعض أهل العلم أنّه قطفير سيّده حين دنا من الباب في ذلك الحين، إنّه لما هرب منها واتّبعته ألفاه لدى الباب.\nروى علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر الصادق ﵁ قال: حدّثني أبي عن أبيه علي ابن الحسين، في قوله تعالى: لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ قال: قامت امرأة العزيز إلى الصنم فأظلت دونه بثوب فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت: أستحيي من الصنم أن يرانا، فقال يوسف:\nأتستحيين ممّن لا يسمع ولا يبصر ولا يفقه ولا يشهد ولا أستحيي ممّن خلق الأشياء وعلّمها؟\nوقال جعفر بن محمد: البرهان النبوّة التي: أودع الله صدره هي التي حالت بينه وبين ما يسخط الله.\nوقيل: هو ما آتاه الله من العلم والحكمة، وقال أهل الإشارة: إنّ المؤمن له برهان من ربّه في سرّه من معرفته فرأى ذلك البرهان وهو زاجره.\nفالبرهان الآية والحجّة، وجواب (لولا) محذوف تقديره لولا أن رأى برهان ربّه لزنا، وحقّق الهمّة الغريزية بهمّة الكسب، لقوله تعالى: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ مجازه لهلكتم، وقال امرؤ القيس:\nفلو أنّها نفس تموت سوية ... ولكنّها نفس تساقط أنفسنا «٣»\nأراد [بسقطت] فنيت ولهان عليّ، ونحوها.\nقال الله تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ الإثم وَالْفَحْشاءَ الزنا.\nإِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ قرأ أهل مكّة والبصرة بكسر اللام أي المخلصين التوحيد\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٣٣. [.....]\n(٢) سورة الإسراء: ٣٢.\n(٣) لسان العرب: ٨/ ٥٤، تفسير القرطبي: ٩/ ٣١٩، وفيهما جمعية بدل سوية.","vol":"5","page":213},{"text":"والعبادة لله، وقرأ الآخرون بفتح اللام أي المختارين للنبوّة، دليلها قوله إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ.\nوروى الزهري عن حمزة بن عبيد الله بن عمران بن عمر قال: قال: لمّا اشتكى النبي ﷺ الألم الذي توفّي فيه، قال ﷺ: «يصلّي بالناس أبو بكر» «١»، قالت عائشة: يا رسول الله إنّ أبا بكر رجل رقيق، وإنّه لا يملك نفسه حين يقرأ القرآن، فمره عمر يصلّي بالناس، قال رسول الله ﷺ: «يصلّي بالناس أبو بكر» فراجعته، فقال «ليصلّ بالناس أبو بكر فإنّكن صويحبات يوسف» «٢» [١١٣]، قالت عائشة: والله ما حملني في ذلك الأمر عليهم أن يكون أوّل رجل قام مقام رسول الله (ﷺ) .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي قال: حدّثنا بعض أصحابنا قال: قال جعفر بن سليمان: سمعت امرأة في بعض الطرق وهي تتكلّم ببعض الرفث فقلت لها [....] «٣» إنّكن صويحبات يوسف، فقالت له المرأة: وا عجبا نحن دعوناه إلى اللذّة، وأنتم أردتم قتله، فمن أصحابه نحن أو أنتم، وقتل النفس أعظم ممّا أردناه؟\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ وذلك أنّ يوسف لمّا رأى البرهان قام مبادرا إلى باب البيت، هاربا ممّا أرادته منه، واتبعته المرأة فذلك قوله تعالى.\nوَاسْتَبَقَا الْبابَ: يعني بادر يوسف وراحيل إلى الباب، أمّا يوسف ففرارا من ركوب الفاحشة، وأمّا المرأة فطلبها ليوسف لتقضي حاجتها أيّ راودته عليها، فأدركته فتعلّقت بقميصه من خلفه فجذبته إليها مانعة له من الخروج.\nوَقَدَّتْ أي خرّقت وشقّت قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ: من خلف لا من قدّام، لأنّ يوسف كان الهارب والمرأة الطالبة، فلمّا خرجا وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ، أي وجدا زوجها قطفير عند الباب جالسا مع ابن عمّ لراحيل، فلمّا رأته هابته فقالت: سابقة بالقول لزوجها: قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا يعني الزنا، إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ يحبس، أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني الضرب بالسياط، قاله ابن عباس:\nقالَ يوسف: بل هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها، اختلفوا في هذا الشاهد، قال سعيد بن جبير وهلال بن يسار والضحّاك: كان صبيّا في المهد أنطقه الله بقدرته.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٦١، السنن الكبرى: ٣/ ٧٨ بتفاوت.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٦١، السنن الكبرى: ٣/ ٧٨ بتفاوت.\n(٣) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":214},{"text":"وحدّثنا العوفي عن ابن عباس وشهر بن حوشب عن أبي هريرة، ويدلّ عليه ما\nروى عطاء ابن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: تكلّم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب بن جريج، وعيسى ابن مريم (﵇) .\nوقيل: كان ذلك الصبيّ ابن خال المرأة، وقال الحسن: غلامه، قتادة والضحّاك ومجاهد برواية [...] «١»: ما كان بصبي ولكنه كان رجلا حكيما ذا لحية، له رأي ومقال وآية، وهو رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس، قال: وكان من خاصّة الملك. وقال السدي: هو ابن عمّ راحيل، وكان جالسا مع زوجها على الباب فحكّم وأخبر الله تعالى عنه: إِنْ كانَ قَمِيصُهُ الآية.\nقال عيسى عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إنّ الشاهد قميصه المقدود من دبر، ومعنى شَهِدَ شاهِدٌ حكم حاكم مِنْ أَهْلِها، قال مجاهد: قال الشاهد: تبيان هذا الأمر في القميص.\nإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ وإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ أي قدام فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وخفّف ابن أبي إسحاق القبل والدبر وثقّلهما الآخرون وهما لغتان.\nفجيء بالقميص فإذا هو قدّ من دبر، فلمّا رأى قطفير قميصه قدّ من دبر عرف خيانة امرأته وبراءة يوسف ف قالَ لها إِنَّهُ أي إنّ هذا الصنيع مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ، وقيل: إنّ هذا من قول الشاهد.\nثمّ أقبل قطفير على يوسف فقال: يُوسُفُ يعني يا يوسف، لفظ مفرد أَعْرِضْ عَنْ هذا الحديث فلا تذكره لأحد، وقيل: معناه لا تكترث له فقد كان عفوك لبراءتك، ثمّ قال لامرأته: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ وقيل: هو من الشاهد ليوسف والراحيل، وأراد بقوله: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، يقول: سلي زوجك ألّا يعاقبك على ذنبك ويصفح عنك، وهذا معنى قول ابن عباس.\nإِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ من المذنبين حين راودت شابّا عن نفسه وخنت زوجك، فلمّا استعصم كذبت عليه، يقال خطأ يخطأ خطأ، وخطأ، وخطا وخطاء، إذا أذنب والاسم منه الخطيئة، قال الله تعالى: كانَ خِطْأً كَبِيرًا وقال أميّة:\nعبادك يخطئون وأنت ربّ ... بكفّيك المنايا والحتوم «٢»\nأيّ يذنبون فإذا أرادوا التعمّد قيل: خطأ خطأ هنا لأنّ الفعل بالألف قال الله تعالى:\nوَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً، وإنّما قال مِنَ الْخاطِئِينَ ولم يقل: الخاطئات\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) الصحاح: ٥/ ١٨٩٢، تاج العروس: ٨/ ٢٣٩.","vol":"5","page":215},{"text":"لأنّه لم يقصد بذلك قصد الخبر عن النساء، وإنّما قصد به الخبر عمّن يفعل ذلك، وتقديره: من القوم الخاطئين. ومثله قوله: وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ، بيانه قوله: إنّها كانت من قوم كافرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٠ الى ٣٥]</span>\nوَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٠) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)\nثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)\nوَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ يقول: شاع أمر يوسف والمرأة في مدينة مصر وتحدّثت النساء بذلك، وقلن يعني امرأة الساقي وامرأة الخباز وامرأة صاحب السجن وامرأة الحاجب، قاله مقاتل امْرَأَتُ الْعَزِيزِ وهو في كلام العرب الملك، قال أبو داود:\nدرّة غاص عليها تاجر ... جليت عند عزيز يوم طلّ «١»\nأيّ ملك.\nتُراوِدُ فَتاها عدّها الكنعاني عن نفسه.\nقَدْ شَغَفَها حُبًّا أي أحبّها حتى دخل حبّه شغاف قلبها، وهو حجابه وغلافه. قال السدّي: الشغاف جلدة رقيقة على القلب يقال لها: لسان القلب، تقول: دخل الحبّ الجلد حتى أصاب القلب، قال النابغة الذبياني:\nوقد حال همّ دون ذلك داخل ... دخول الشّغاف تبتغيه الأصابع «٢»\nوقال ابن عباس: علقها حبّا، الحسن: بطنها حبا، قتادة: استبطنها حبّها إيّاه، أبو رجاء:\nصدقها حبّا، الكلبي: حجب حبّه قلبها حتى لا يعقل سواه.\nوقرأ أبو رجاء العطاردي والشعبي والأعرج، شعفها بالعين غير معجمة واختلفوا في معناها فقال الفرّاء: ذهب بها كلّ مذهب، وأصله من شعف الجبال وهي رؤوسها، والنخعي والضحّاك: فتنها، وذهب بها، وأصله من شعف الدابة حين تتمرّغ بذعر، قال امرؤ القيس:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٢/ ٢٥٩.\n(٢) كتاب العين: ٤/ ٣٦٠، لسان العرب: ٩/ ١٧٩، وفيه والج بدل داخل- ومكان بدل دخول.","vol":"5","page":216},{"text":"أتقتلني وقد شعفت فؤادها ... كما شعف المهنوءة الرجل الطالي «١»\nومراده: ذهب قلب امرأته كما ذهب الطالي بالإبل بالقطران يتلو بها، والإبل تخاف من ذلك ثمّ تستروح إليه، وقال الأخفش: من حبّها، وقال محمد بن جرير: عمّها الحب.\nإِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ: خطا بيّن، فَلَمَّا سَمِعَتْ راحيل، بِمَكْرِهِنَّ بقولهنّ وحديثهنّ، قال قتادة والسدّي وقال ابن إسحاق: وإنّما قلن ذلك مكرا بها ليرين يهمّن يوسف وكان قد وصف لهنّ حسنه وجماله أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ قال وهب: اتّخذت مأدبة ودعت أربعين امرأة فيهنّ هؤلاء اللائي عيّرنها، وَأَعْتَدَتْ وأعدّت وهو أفعلت العتاد وهو العدّة، قال الله تعالى: إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا «٢» .\nلَهُنَّ مُتَّكَأً مجلسا للطعام وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، يقال: ألقى له متّكأ أيّ ما يتّكأ عليه، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة. وقال سعيد بن جبير والحسن وقتادة وأبي إسحاق وابن زيد: طعاما، قال القتبيّ: والأصل فيه أنّ من دعوته إلى مطعم عندك أعددت له وسادة أو متّكأ، فسمّي الطعام متّكأ على الاستعارة، يقال: اتّكأنا عند فلان أي أكلنا، قال عدي بن زيد:\nفظللنا بنعمة واتّكأنا ... وشربنا الحلال من قلله «٣»\nوروي عن الحسن أنّه قال: متّكاء بالتشديد والمدّ وهي غير فصيحة، وعن الحسن: فما أظنّ بصحيحة، وقرأ مجاهد متّكأ خفيفة غير مهموزة، وروي ذلك عن ابن عباس.\nواختلفوا في معناه، فقال ابن عباس: هو الأترج، عكرمة: هو الطعام، وأبو روق عن الضحّاك: الزماورد، علي بن الحكم وعبيد بن حكيم، عنه: كلّ شيء يحزّ بالسكّين فهو عند العرب المتّكأ، والمتك والبتك: القطع والعرب تعاقب بين الباء والميم تقول سمد رأسه وسبده، وأغبطت عليه وأغمطته [لازب] ولازم قال الله تعالى: فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ «٤» .\nوَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقالَتِ ليوسف اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ وذلك أنّها قد كانت أجلسته في مجلس غير المجلس الذي هنّ فيه جلوس، فخرج عليهنّ يوسف (﵇)، قال عكرمة: وكان فضل يوسف على الناس في الحسن والجمال كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٢/ ٢٦٢، لسان العرب: ٩/ ١٧٧، وفيه لتقتلني بدل أتقتلني.\n(٢) سورة الكهف: ٢٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ٩/ ١٧٨.\n(٤) سورة النساء: ١١٩.","vol":"5","page":217},{"text":"وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «مررت ليلة أسري بي إلى السماء فرأيت يوسف، فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: هذا يوسف» قالوا: وكيف رأيته يا رسول الله، قال: «كالقمر ليلة البدر» [١١٤] «١» .\nوعن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: قال: «هبط جبرئيل فقال: يا محمد إنّ الله تعالى يقول: كسوت حسن يوسف من نور الكرسي، وكسوت نور حسن وجهك من نور عرشي»»\n[١١٥] .\nوروى الوليد بن مسلم عن إسحاق عن عبد الله بن أبي فروة قال: كان يوسف إذا سار في أزقّة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس والماء على الجدران.\nفَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ أي أعظمنه وأجللنه، قال أبو العالية: هالهنّ أمره وبهتن، وروى عبد الصمد بن علي عن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده ابن عباس في قوله تعالى: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ قال حضن من الفرح، ثم قال:\nنأتي النساء على أطهارهنّ ولا ... نأتي النساء إذا أكبرن إكبارا «٣»\nوعلى هذا التأويل يكون أَكْبَرْنَهُ بمعنى أكبرن له أي حضن لأجله من جماله، ووجدن ما تجد النساء في مثل تلك الحال «٤» وهذا كقول عنترة:\nولقد أبيت على الطوى وأظلّه ... حتى أنال به كريم المطعم «٥»\nأي وأظلّ عليه.\nقال الأصمعي: أنشد بين يدي رسول الله ﷺ هذا البيت، فقال:\nما من شاعر جاهلي أحببت أن أراه ... دون [.............]\n«٦» البيت\nوَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ، يعني وحززن أيديهنّ بالسكاكين التي معهنّ وكنّ يحسبن أنّهنّ يقطّعن الأترج، عن قتادة: قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ حتى ألقينها، وقال مجاهد: فما أحسسن إلّا بالدم ومنهنّ لم يجدن من ألم إلّا يرى الدم لشغل قلوبهنّ بيوسف، قال وهب: وبلغني أنّ تسعا من الأربعين متن في ذلك المجلس وجدا بيوسف.\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ٣/ ٤٨٤، باختصار. [.....]\n(٢) تاريخ بغداد: ٣/ ٥٨، وتاريخ دمشق: ٣/ ٢٩٩.\n(٣) تفسير الطبري: ١٢/ ٢٦٩.\n(٤) راجع زاد المسير: ٤/ ١٦٧.\n(٥) كتاب العين: ٧/ ٤٦٦، لسان العرب: ١١/ ٤١٩.\n(٦) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":218},{"text":"وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ أي معاذ الله، قال أبو عبيدة: لهذه الكلمة معنيان: التنزيه والاستثناء، واختلف القرّاء فيها فقرأت العامّة: حاشَ لِلَّهِ، [...] «١» حذفوا الألف لكثرة دورها على الألسن كما حذفت العرب الألف من قولهم: لأب لغيرك ولأب لشانئك، وهم يعنون لا أب، واختار أبو عبيدة هذه القراءة وقال: اتّباعا للكتاب وهو الذي عليه الجمهور الأعظم، مع إنّي قرأتها في الإمام مصحف عثمان (﵇): حاشَ لِلَّهِ والأخرى مثلها. وقرأ أبو عمرو: حاشي لله بإثبات الياء على الأصل، وقرأ ابن مسعود حاشى الله، كقول الشاعر:\nحاشا أبي ثوبان إن به ... ضنّا عن الملحاة والشتم «٢»\nما هذا بَشَرًا نصب بنزع حرف الصفة وعلى خبر ما الجحد كما تقول: ما زيد قائما، وقرأ الأعمش: ما هذا بشر بالرفع وهي لغة أهل نجد، وأنشد الفرّاء:\nويزعم «٣» حسل أنه فرع قومه ... وما «٤» أنت فرع يا حسيل ولا أصل «٥»\nوأنشد آخر:\nلشتّان ما أنوي وينوي بنو أبي ... جميعا فما هذان مستويان\nتمنّوا لي الموت الذي يشعب الفتى ... وكلّ فتى والموت يلتقيان «٦»\nوروى الفرّاء عن دعامة بن رجاء التيمي عن أبي الحويرث الحنفي أنّه قرأ: ما هذا بشريّ، قال الفرّاء: يعني بمشتري، إِنْ هذا ما هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ من الملائكة.\nقال الثعلبي: سمعت ابن فورك يقول: إنّما قلن له مَلَكٌ كَرِيمٌ لأنّه خالف ميوله وأعرض عن الدنيا وزينتها وشهوتها حين عرضن عليه، وذلك خلاف طبائع البشر.\nقالَتْ: راحيل للنسوة: فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ أي في حبّه وشغفي فيه، ثمّ أقرّت لهنّ فقالت: وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ أي امتنع واستعصى، فقلن له أطع مولاتك، فقالت راحيل: وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ ولئن لم يطاوعني فيما دعوته إليه، لَيُسْجَنَنَّ أحبسنّه، وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ أي الأذلّاء ونون التوكيد تثقّل وتخفّف والوقف على قوله: لَيُسْجَنَنَّ بالنون لكنّها مشدّدة. وعلى قوله: وَلَيَكُونًا بالألف لأنّها مخفّفة وهي تشبه نون الإعراب في\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) لسان العرب: ١٤/ ١٨٢.\n(٣) في المصدر: ويزغم روى حسل.\n(٤) في المصدر: وما ولم أنت.\n(٥) زاد المسير: ٧/ ٣١٧.\n(٦) جامع البيان للطبري: ١٢/ ٢٧٤، وفيه لي بدل إليّ.","vol":"5","page":219},{"text":"الأسماء كقولك: رأيت رجلا، فإذا وقفت قلت: رجلا ومثله قوله تعالى: لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ «١»، ونحوه الوقف عليها بالألف كقول الأعشى:\nوصلّ على حين العشيّات والضحى ... ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا «٢»\nأي أراد فاعبدن، فلمّا وقف عليه كان الوقف بالألف.\nواختار يوسف حين عاودته المرأة في المراودة وتوعّدته، السجن على المعصية، قالَ رَبِّ: يا ربّ، منادى مضاف، السِّجْنُ المحبس، قراءة العامّة بكسر السين على الاسم وقرأ يعقوب برفع السين على المصدرية يعني الحبس، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ، ثمّ علم أنّه لا يستعصم إلّا بعصمة الله فقال: وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ أمل إِلَيْهِنَّ وأبايعهن، فقال صبا فلان إلى كذا، وصبا يصبو، صبوا وصبوة، إذا مال واشتاق إليه، قال يزيد بن ضبّة:\nإلى هند صبا قلبي ... وهند مثلها يصبي «٣»\nوَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعائه وشكايته، الْعَلِيمُ بمكرهنّ.\nثُمَّ بَدا لَهُمْ أي العزيز وأصحابه، في الرأي مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ الدّالة على براءة يوسف، وهي قدّ القميص من دبر وخمش في الوجه وتقطيع النسوة أيديهنّ لَيَسْجُنُنَّهُ قال الفرّاء: هذه اللام في اليمين وفي كلّ مضارع القول كقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ «٤» وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ «٥» دخلتهما (اللام وما) لأنّهما في معنى القول واليمين.\nحَتَّى حِينٍ يعني إلى الوقت الذي يرون فيه رأيهم.\nقال عكرمة: تسع سنين، الكلبي: خمس سنين، و(حتى) بمعنى (إلى) كقوله تعالى: حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وقال السدّي: وذلك أنّ المرأة قالت لزوجها: إنّ هذا العبد العبراني قد فضحني في الناس، يعتذر إليهم ويخبرهم أنّي راودته عن نفسه، ولست أطيق أن أعتذر بعذري، فإمّا أن تأذن لي فأخرج فأعتذر، وأمّا أن تحبسوه كما حبستني، فحبسه بعد علمه ببراءته، وذكر أنّ الله تعالى جعل ذلك الحبس تطهيرا ليوسف من همّته بالمرأة وتكفيرا لزلّته.\nقال ابن عباس: عثر يوسف ثلاث عثرات: حين همّ بها فسجن، وحين قال:\n_________\n(١) سورة العلق: ١٥.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٢/ ٢٧٥، لسان العرب: ٢/ ٤٧٣، وفيه سبح بدل صل.\n(٣) لسان العرب: ١٤/ ٤٥٠. [.....]\n(٤) سورة البقرة: ١٠٢.\n(٥) سورة فصلت: ٤٨.","vol":"5","page":220},{"text":"اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ... فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ... فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ، وحين قال لهم: إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ف قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٣٦ الى ٤٩]</span>\nوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٣٨) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٤٠)\nيا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (٤١) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢) وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (٤٣) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (٤٤) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)\nيُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)\nوَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ وهما غلامان كانا للملك الأكبر الوليد بن الريان، أحدهما خبّازه صاحب طعامه واسمه مجلث، والآخر ساقيه صاحب شرابه واسمه بنو غضب عليهما الملك فحبسهما، وذلك أنّه بلغه أنّ خبازه يريد أن يسمّه وأنّ ساقيه مالا على ذلك، وكان السبب أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فدسّوا إلى هذين، وضمنوا لهما مالا ليسمّا طعام الملك وشرابه فأجاباهم إلى ذلك، ثمّ إنّ الساقي نكل عنه وقبل الخباز الرشوة فسمّ الطعام.","vol":"5","page":221},{"text":"فلمّا حضر وقته وأحضر الطعام، قال الساقي: أيّها الملك لا تأكل فإنّ الطعام مسموم، فقال الخباز: لا تشرب أيّها الملك فإنّ الشراب مسموم، فقال الملك للساقي: اشرب فشربه فلم يضرّه، وقال للخباز: كل من طعامك، فأبى، فجرّب ذلك الطعام على دابّة من الدواب فأكلته فهلكت، فأمر الملك بحبسهما.\nوكان يوسف لمّا دخل السجن قال لأهله: إنّي أعبر الأحلام، فقال أحد الفتيان لصاحبه:\nهلمّ فلنجرّب هذا العبد العبراني، فتقرّبا له وسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا، قال عبد الله بن مسعود: ما رأى صاحبا يوسف شيئا، إنّما كانا تحالفا أن يجرّبا علمه.\nروى عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «من أرى عينيه في المنام ما لم تريا كلّف أن يعقد بين شعرتين «١» يوم القيامة، ومن استمع لحديث قوم وهم له كارهون صبّ في أذنه الآنك» «٢» [١١٦] .\nوقال قوم: كانا رأيا على صحّة وحقيقة، قال مجاهد: لمّا رأى الفتيان يوسف قالا له:\nوالله لقد أحببناك حين رأيناك فقال لهما يوسف: أنشدكما الله أن لا تحباني فإنّه ما أحبّني أحد قط إلّا دخل عليّ من حبّه بلاء.\nلقد أحبتني عمّتي فدخل عليّ في حبّها بلاء، ثمّ أحبّني أبي فدخل عليّ بحبه بلاء ثمّ أحبتني زوجة الملك هذا، فدخل عليّ بحبّها إيّاي بلاء، فلا تحبّاني بارك الله فيكما، قال: فأبيا إلّا حبّه وألفته حيث كان، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله، وقد كانا رأيا حين دخلا السجن رؤيا فأتيا يوسف فقال له الساقي: أيّها العالم إنّي رأيت كأنّي غرست حبّة من عنب عليها ثلاث عناقيد من عنب فحبستها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه.\nوقال الخبّاز: إنّي رأيت كأنّ فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز وألوان الأطعمة فإذا سباع الطير تنهش منه، فذلك قوله تعالى: قالَ أَحَدُهُما يعني بنو إِنِّي أَرانِي أي رأيتني، أَعْصِرُ خَمْرًا يعني عنبا بلغة عمان، ويدلّ عليه قراءة ابن مسعود أعصر عنبا.\nقال الأصمعي: أخبرني المعتمر أنّه لقي أعرابيا معه عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر، ومنه يقال للخلّ العنبي خلّ خمرة، وهذا على قرب الجوار، قال القتيبي: وقد تكون هي الخمر بعينها كما يقال: عصرت زيتا وإنّما عصر زيتونا.\nوقال الآخر: وهو مجلث: إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ أخبرنا تفسيره وتعبيره وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا.\n_________\n(١) في كنز العمال: ١٥/ ٣٧٤، ح ٤١٤٤١: شعيرتين.\n(٢) سنن الدارمي: ٢/ ٢٩٨، كنز العمال: ٣/ ٦٦٢، ح ٨٣٩٧.","vol":"5","page":222},{"text":"إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ أي العالمين الذين أحسنوا، قال الفرّاء وقال ابن إسحاق: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ إلينا إن فعلت ذلك وفسّرت رؤيانا، كما يقال: افعل كذا وأنت محسن.\nوروى سلمة بن نبط عن الضحّاك بن مزاحم في قوله: إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ما كان إحسانه؟ قال كان إذا مرض رجل في السجن قام إليه، وإذا ضاق وسع له، وإن احتاج جمع له، وسأل له.\nقتادة: بلغنا أنّ إحسانه كان يداوي مريضهم، ويعزّي حزينهم، ويجتهد لربّه.\nوقيل: لمّا انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوما قد انقطع رجاؤهم واشتدّ بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول: أبشروا واصبروا تؤجروا، وإنّ لهذا لأجرا وثوابا، فقالوا له: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وأحسن حديثك! لقد بورك لنا في جوارك بالحبس، إنّا كنا في غير هذا منذ حبسنا لما تخبرنا به من الأجر والكفارة والطهارة، فمن أنت يا فتى؟\nقال: أنا يوسف بن صفي الله يعقوب بن ذبيح الله إسحاق بن إبراهيم خليل الله، فقال له عامل السجن: يا فتى والله لو استطعت لخلّيت سبيلك، ولكن ما أحسن جوارك وأحسن أخبارك! فكن في أي بيوت السجن شئت.\nفكره يوسف (﵇) أن يعبر لهما ما سألاه لما علم في ذلك من المكروه على أحدهما، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في غيره، قال لهما: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ في نومكما إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ في اليقظة.\nهذا قول أكثر المفسّرين، وقال بعضهم: أراد به في اليقظة فقال: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ تطعمانه وتأكلانه إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ بتفسيرة قال: إنّه أيّ طعام أكلتم ومتى أكلتم وكم أكلتم، فقالا له: هذا من فعل العرّافين والكهنة، فقال لهما (﵇): ما أنا بكاهن وإنّما ذلِكُما العلم مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ كرّرهم على التأكيد. وقيل: هم الأوّل جماد كقوله تعالى: أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «١» فصارت الأولى الملغاة والثانية ابتداء، وكافرون خبره.\nوَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي فتح ياءه قوم وسكّنها آخرون، [فما وفي] أمثالها فالجزم على الأصل والفتح على موافقة الألف استقلّته لأنّها أخت الفتحة وقرأها الأعمش آباي إبراهيم دعاي إلّا فرارا مقصورا غير مهموز وفتح ياءهما مثل [...] .\nإِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا ما ينبغي أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ من صلة، تقديره: أن نشرك بالله شيئا.\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ٣٥.","vol":"5","page":223},{"text":"ذلِكَ التوحيد والعلم مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ فأراهما يوسف فطنته وعلمه ثمّ دعاهما إلى الإسلام، فأقبل عليهما وعلى أهل السجن وكان بين أيديهم أصناما يعبدونها فقال إلزاما للحجّة يا صاحِبَيِ السِّجْنِ جعلهما صاحبي السجن لكونهما فيه كقوله تعالى لسكّان الجنّة أَصْحابُ الْجَنَّةِ «١» ولسكّان النار: أَصْحابَ النَّارِ «٢» .\nأَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ آلهة شتى لا تنفع ولا تضرّ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الذي لا ثاني له الْقَهَّارُ قد قهر كلّ شيء، نظيرها، قوله: آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ «٣» ثمّ بين الحجر والأصنام وضعفها فقال: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ أي ممّن دون الله، وإنّما قال ما تَعْبُدُونَ وقد ابتدأ الكلام بخطاب الإثنين لأنّه قصد به جميع من هو على مثل حالهما من الشرك، إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها وذلك تسميتهم أوثانهم آلهة وأربابا من غير أن تكون تلك التسمية حقيقة، أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ حجّة وبرهان إِنِ الْحُكْمُ القضاء والأمر والنهي، إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ نظيره وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، ذلِكَ الذي دعوتكم إليه من التوحيد وترك الشرك، الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.\nثمّ فسّر رؤياهما فقال: يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما وهو الساقي، فَيَسْقِي رَبَّهُ سيّده يعني الملك خَمْرًا وأمّا العناقيد الثلاثة التي رآها فإنّها ثلاثة أيّام، يبقى في السجن ثمّ يخرجه الملك ويكون على ما كان عليه، وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ وأمّا السلال الثلاث التي رآها فإنّها ثلاثة أيّام، يبقى في السجن ثمّ يخرجه الملك [في] اليوم الرابع فيصلبه، فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ.\nقال ابن مسعود: لمّا سمعا قول يوسف قالا: ما رأينا شيئا إنّما كنا نلعب، فقال يوسف (﵇): قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ أي فرغ من الأمر الذي عنه تسألان، ووجب حكم الله عليكما بالذي أخبرتكما به.\nمعلّى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين العقيلي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنّ الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبّرت وقعت، وإنّ الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة، فأحسبه قال: لا تقصّه إلّا على ذي رأي» [١١٧] «٤» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد عن إسماعيل بن محمد عن الحسن بن علي بن عفان عن ابن نمير\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٤٤.\n(٢) سورة الأعراف: ٤٤.\n(٣) سورة النمل: ٥٩.\n(٤) مسند أحمد: ٤/ ١٠.","vol":"5","page":224},{"text":"عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «الرؤيا لأول عابرة» «١»\n[١١٨] .\nوَقالَ يوسف عند ذلك، لِلَّذِي ظَنَّ علم، أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا وهو الساقي، هذا قول أكثر المفسّرين، وفسّره قتادة على الظن الذي هو خلاف اليقين، وقال: إنّما عبارة الرؤيا بالظنّ ويخلق الله ما يشاء، والقول الأوّل أولى وأشبه بحال الأنبياء، اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ سيّدك يعني الملك، وقيل له: إنّ في السجن غلاما محبوسا ظلما فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ يعني أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه ﷿ حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بالمخلوق، وتلك غفلة عرضت ليوسف من قبل الشيطان، ونسي لهذا ربّه ﷿ الذي لو به استغاث لأسرع خلاصه ولكنّه [غفل] وطال من أجلها حبسه.\nوقال محمد بن إسحاق: الهاء راجعة في قوله فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ إلى الساقي فنقول: أنسى الشيطان الساقي ذكر يوسف للملك وعلى هذا القول يكون معنى الآية: فأنساه الشيطان ذكره لربه كقوله: خوف يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ «٢» أي يخوّفكم بأوليائه.\nفَلَبِثَ مكث، فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ اختلف العلماء في معنى بضع فقال أبو عبيدة:\nهو ما بين الثلاثة إلى الخمسة، ومجاهد: ما بين الثلاث إلى التسع، الأصمعي: ما بين الثلاث إلى التسع، وابن عباس: ما دون العشرة، وزعم الفرّاء أنّ البضع لا يذكر إلّا مع العشرة والعشرين إلى التسعين، وهو نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، وقال: كذلك رأيت العرب تعمل ولا يقولون: بضع ومائة ولا بضع وألف، وإذا كانت للذكران قيل: بضعة، وأكثر المفسّرين على أنّ البضع في هذه الآية سبع سنين، قال وهب: أصاب أيوب (﵇) البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذّب بخت نصّر فحوّل في السباع سبع سنين.\nروى يونس عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله يوسف، لولا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث» «٣» [١١٩]، يعني قوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ قال: ثمّ بكى الحسن وقال: نحن إذا نزل بنا أمر نزعنا إلى الناس\n، وقال مالك بن دينار: لما قال يوسف للساقي:\nاذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، قيل له: يا يوسف اتّخذت من دوني وكيلا لأطيلنّ حبسك، فبكى يوسف (﵇) وقال: يا ربّ إنّني رابني كثرة الطوى فقلت كلمة، فويل لإخوتي.\nوحكي أنّ جبرئيل دخل على يوسف (﵉)، فلمّا رآه يوسف عرفه وقال: يا أخا\n_________\n(١) النهاية في غريب الحديث: ١/ ٨١، وفيه عابر بدل عابرة.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٢/ ٢٩١.\n(٣) سورة آل عمران: ١٧٥.","vol":"5","page":225},{"text":"المنذرين ما لي أراك بين الخاطئين؟، ثمّ قال له جبرئيل: يا طاهر الطاهرين، يقرأ عليك السلام ربّ العالمين ويقول: مالك؟ أما استحييت منّي إذ استغثت بالآدميين؟، فو عزّتي لألبثنّك فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ، قال يوسف: وهو في ذلك عليّ راض؟ قال: نعم، قال إذا لا أبالي.\nوقال كعب: قال جبرئيل ليوسف: إنّ الله تعالى يقول: من خلقك؟ قال: الله، قال: فمن حبّبك إلى أبيك؟ قال: الله، قال فمن أنيسك في البئر إذ دخلته عريان؟ قال: الله، قال: فمن نجّاك من كرب البئر؟ قال: الله، قال: فمن علّمك تأويل الرؤيا؟ قال: الله، قال فكيف استشفعت بآدمي مثلك؟\nفلمّا انقضت سبع سنين، قال الكلبي- وهذه السبعة سوى الخمسة التي كانت قبل ذلك- ولمّا دنا فرج يوسف رأى ملك مصر الأكبر رؤيا عجيبة هائلة وذلك أنّه رأى، إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ خرجن من نهر يابس وسبع بقرات عجاف أيّ مهازيل فابتلعت العجاف السمان، أكلنهنّ حتى أتين عليهنّ فلم ير منهنّ شيئا، وأرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ قد انعقد حبّها وسبعا أخر يابسات قد استحصدت وأفركت والتفّت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع السحرة والكهنة والحازة والقافة وقصّها عليهم وقال: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أي الأشراف أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ فاعبروها، إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ تفسّرون، والرؤيا: الحلم وجمعها رؤي.\nقالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي أحلام مختلطة مشتبهة، أهاويل بأباطيل، واحدها ضغث، وأصله الحزمة من الزرع والحشيش، قال الله تعالى وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا قال ابن مقبل:\nخود كأنّ فراشها وضعت ... أضغاث ريحان غداه شمال\nوقال آخر:\nبحمى ذمار حين قلّ مانعه ... طاو كضغث الخلا في البطن مكتمن «١»\nوالأحلام جمع الحلم وهو الرؤيا والفعل منه حلمت وأحلم، بفتح العين في الماضي، وحلمتها في الغابرة لها وحلما فعاد فحذف يا من حالم.\nوَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ، وَقالَ الَّذِي نَجا من القتل، منهما: من الفتيين وهو الساقي، وَادَّكَرَ: أي وتذكر حاجة يوسف قوله: اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، ... بَعْدَ أُمَّةٍ:\nبعد حين، قراء ابن عباس وعكرمة والضحّاك [بعد أمة] أي بعد نسيان ويقال أمة، يأمه، أمها، إذا نسي، ورجل [ما هو] أي ذاهب العقل.\nوأنشد أبو عبيدة:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٢/ ٢٩٥، وفيه:\nيعمي ذمار جنين قال مانعه ... طاو كضغث الخلا في البطن مكتمن.","vol":"5","page":226},{"text":"أمهت وكنت لا أنسى حديثا ... كذاك الدّهر يودي بالعقول «١»\nوقرأ مجاهد: أَمْه، بسكون الميم وفتح الألف وهاء لخالصة، وهو مثل الأمه أيضا وهما لغتان ومعناهما النسيان، أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ: أخبركم بتفسيره وما ترون فَأَرْسِلُونِ:\nفأطلقوني، وأذنوا لي أمضي وآتيكم بتأويله وفي الآية اختصار تقديرها فأرسلون، فأتي السجن، قال ابن عباس لم يكن السجن في المدينة فقال يُوسُفُ يعني يا يوسف، أَيُّهَا الصِّدِّيقُ:\nفيما عبّرت لنا من الرؤيا والصدّيق الكثير الصديق ولذلك سمّي أبو بكر صدّيقا، وفعّيل للمبالغة والكثرة مثل الفسّيق والضليل والشريب والخمير ونحوها.\nأَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ: الآية فإنّ الملك رأى هذه الرؤيا.\nلَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ أهل مصر، لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ، تأويلها، وقيل: لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ فضلك وعلمك، فقال لهم يوسف معلّما ومعبّرا: أمّا البقرات السمان والسنبلات الخضر فسبع سنين مخصبات، والبقرات العجاف والسنبلات اليابسات السنون المهولة المجدبة، وذلك قوله تعالى: تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا أي كعادتكم، وقال: بعضهم أراد بجدّ وو اجتهاد وقرأ بعضهم دَأَبًا بفتح الهمزة وهما لغتان، يقال دبت في الأمر أدأب دأبا ودأبا إذا اجتهد، قال الفرّاء: وكذلك كلّ حرف فتح أوّله وسكن ثانية فتثقيله جائز إذ كان ثانيه همزة أو عينا أو حاء أو خاء أو هاء.\nفَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ في [بذره] إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ وإنّما أشار عليهم بذلك بذلك ليبقى ولا يفسد، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يعني سبع سنين جدد بالقحط يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ يعني يؤكل، فيهنّ ما أعددتم لهنّ من الطعام في السنين الخصبة، وهذا كقول القائل:\nنهارك يا مغرور سهو وغفلة ... وليلك نوم والردى لك لازم «٢»\nوالنهار لا يسهو والليل لا ينام، وإنّما يسهى في النهار وينام في الليل. إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ أي: تخزنون وخزنون وتدّخرون.\nثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ وهذا خبر من يوسف (﵇) عمّا لم يكن في رؤيا الملك، ولكنّه من علم الغيب الذي آتاه الله ﷿، كما قال قتادة: زاده الله علم سنة لم يسألوه عنها، فقال: ثُمَّ يَأْتِي (مِنْ) بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ أي يمطرون بالغيث وهو المطر، وقيل: يغاثون، من قول العرب استغثت بفلان وأغاثني، وَفِيهِ يَعْصِرُونَ قرأ أهل الكوفة إلّا\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٤٧١. [.....]\n(٢) البداية والنهاية: ٩/ ٢٣١.","vol":"5","page":227},{"text":"عاصما تعصرون، بالتاء لأنّ الكلام كلّه بالخطاب، وقرأ الباقون بالياء ردّا إلى الناس، قال أكثر المفسّرين يعصرون العنب خمرا، والزيتون زيتا، والسمسم دهنا، وإنّما أراد بعض الأعناب والثمار والحبوب كثرة النعم والخير، وروى الفرج بن فضالة عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: تعصرون تحلبون، وقال أبو عبيدة: ينجون من الجدب والكرب، والعصر: المنجى والملجأ، وقال أبو زبيد الطائي:\nصاديا يستغيث غير مغاث ... ولقد كان عصرة المنجود «١»\nوأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، أبو علي بن حبش المقرئ، أبو القاسم بن الفضل المقرئ، حدّثني أبو زرعة، حدّثني حفص بن عمر، حدّثني أبو جميلة عن عيسى بن عبيد قال: سمعت عيسى بن الأعرج يقرأها فيه يغاث الناس وفيه يُعْصَرُونَ، برفع الياء قال: قلت: ما يُعْصَرُونَ؟ قال: المطر أي تمطرون وقرأ وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٠ الى ٥٧]</span>\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ (٥٢) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)\nقالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)\nوَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ الآية، وذلك أن بنو لمّا رجع إلى الملك وأخبره بما أفتاه به يوسف من تأويل رؤياه كالنهار، وعرف الملك أنّ الذي قال كائن، قال: ائتوني بالذي عبر رؤياي هذه، فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ يوسف، وقال له: أخبر الملك أبى أن يخرج مع الرسول حتى يظهر عذره وبراءته ويعرف صحة أمره من قبل النسوة ف قالَ للرسول ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ أيّ سيّدك يعني الملك فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ والمرأة التي سجنت بسوء فعلها وروى عبد الحميد بن صباح البرجمي ومحمد بن حبيب الشموني عن أبي بكر بن عباس عن عاصم قرأ النُسوة بضمّ النون.\nإِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ إنّ الله تعالى بصنيعهنّ عالم، وقيل: معناه: إنّ سيدي قطفير العزيز عالم ببراءتي ممّا ترميني به المرأة.\nقال ابن عباس: فأخرج يوسف يومئذ قبل أن يسلّم الملك لشأنه، فلما زالت في نفس العزيز منه شيء يقول: هذا الذي راود امرأتي،\nقال رسول الله ﷺ: «لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره، والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٧٤٩.\n(٢) سورة النبأ: ١٤.","vol":"5","page":228},{"text":"اشترط أن يخرجوني، ولقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره والله يغفر له حتى أتاه الرسول فقال ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ، ولو كنت مكانه ولبث في السجن ما لبثت لأسرعت الإجابة ولبادرتهم الباب، وما ابتغيت الغفران كان حليما ذا أناة» [١٢٠] «١» .\nقالَ ما خَطْبُكُنَّ: الآية، في الكلام متروك قد استغني عنه (يدلّ) الكلام عليه، وهو:\nفرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالة، فدعا الملك النسوة اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وامرأة العزيز فقال لهنّ: ما خَطْبُكُنَّ: ما شأنكنّ وأمركنّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ، فأحببنه ف قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ معاذ الله، ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أي ظهر وتبيّن والأصل فيه: حصّ وقيل: حصّص، كما قيل: كبكبوا في كبوا، وكفكف في كفّ، وردد في ردّ، وأصل الحص استئصال الشيء، يقال حصّ شعره إذا استأصله جزّا، وقال أبو قيس ابن الأصلت:\nقد حصّت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع «٢»\nوتعني ب الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ: ذهب الباطل والكذب وانقطع وتين الحق فظهر وبهر أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فتنته عن نفسه، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ في قوله: هِيَ راوَدَتْنِي.\nفلمّا سمع ذلِكَ يوسف، قال: ليعلم ذلك الذي [مضى] من ردّي رسول الملك في شأن النسوة لِيَعْلَمَ العزيز.\nأَنِّي لَمْ أَخُنْهُ في زوجته بِالْغَيْبِ في حال غيبتي عنه وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ واتّصل قول يوسف: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ بقول المرأة: أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ من غير تبيين، وفرّق بينهما لمعرفة السامعين معناه، كاتّصال قول الله تعالى: وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ «٣» بقول بلقيس: وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وكذلك قول فرعون لأصحابه: فَماذا تَأْمُرُونَ وهو متّصل بقول الملأ: يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ «٤» .\nروى أبو عبيدة عن الفراء أنّه قال هذا من أغمض ما يأتي في الكلام أنّه حكى عن رجل شيئا ثمّ يقول في شيء آخر من قول رجل آخر لم يجر له ذكر.\nوحدّثنا الحسين بن محمد بن الجهمين، عبد الله بن يوسف بن أحمد بن علي قال: حدّثنا علي بن الحسين بن مجلز، قال الحسن بن علي البغدادي، خلف بن تيم عن عطاء بن مسلم عن\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٥/ ٤١٣، بتمامه، جامع البيان للطبري: ١٢/ ٣٠٧، بتفاوت يسير.\n(٢) الصحاح: ٣/ ١٠٣٢.\n(٣) سورة النمل: ٣٤.\n(٤) سورة الشعراء: ٣٥.","vol":"5","page":229},{"text":"الخفاف عن جعفر بن نوقان عن ميمون بن مهران عن عبد الله بن عمر أنّ علي بن أبي طالب أتى عثمان وهو محصور فأرسل إليه بالسلام وقال إنّي قد جئت لأنصرك فأرسل إليه بالسلام وقال:\nجزاك الله خيرا، لا حاجة في قتال القوم، فأخذ عليّ عمامته عن رأسه، فنزعها فألقاها في الدار ثمّ ولّى وهو يقول ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ.\nقال أهل التفسير: لما قال يوسف هذه المقالة قال له جبرئيل: ولا حين هممت بها؟ فقال عند ذلك يوسف وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي من الخطأ والزلل فاركبها، إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ بالمعصية إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي يعني إلّا من رحمه ربي فعصم، وما بمعنى من كقوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ «١» أي من طاب، وقوله إلّا استثناء منقطع عمّا قبله كقوله تعالى: وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ. إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا «٢» يعني إلّا أن يرحموا، فإنّ إذا كانت في معنى المصدر تضارع ما.\nإِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ، فلمّا تبيّن للملك [حق] يوسف وعرف أمانته وعلمه، قال:\nائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي أجعله خالصا لي دون غيره، فلمّا جاء الرسول يوسف قال له:\nأجب الملك، الآن، فخرج يوسف ودعا لأهل السجن بدعوة تعرف إلى اليوم وذلك أنّه قال:\nاللهمّ اعطف عليهم بقلوب الأخيار وأنعم عليهم الأخبار، فهم أعلم الناس بالأخبار في كلّ بلدة، فلمّا خرج من السجن كتب على باب السجن: (هذا قبر الأحياء وبيت الأحزان وحرقة الأصدقاء وشماتة الأعداء)، ثمّ اغتسل يوسف (﵇) وتنظّف من قذر السجن، ولبس ثيابا جددا حسانا، وقصد الملك.\nقال وهب: فلمّا وقف بباب الملك قال (﵇): حسبي ربي من دنياي، وحسبي ربّي من خلقه، عزّ جاره، وجلّ ثناؤه ولا إله غيره.\nثمّ دخل الدار، فلمّا دخل على الملك قال: اللهمّ إنّي أسألك عزّك من خيره، وأعوذ بك من شرّه وشرّ غيره، فلمّا نظر إليه الملك سلّم عليه يوسف بالعربية، فقال له: الملك، ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمّي إسماعيل، ثمّ دعا له بالعبرانية، فقال له الملك: ما هذا اللسان؟ قال:\nلسان آبائي.\nقال وهب: وكان الملك يتكلّم بسبعين لسانا، فكلّما كلّم يوسف بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، فأجابه الملك، فأعجب الملك ما رأى منه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلمّا رأى الملك حداثة سنة، قال لمن عنده: إنّ هذا علم تأويل رؤياي ولم يعلمه السحرة والكهنة،\n_________\n(١) سورة النساء: ٣.\n(٢) سورة يس: ٤٣- ٤٤.","vol":"5","page":230},{"text":"ثمّ أجلسه على سريره، وقال له: إنّي أحبّ أن أسمع رؤياي منك شفاها، فقال له يوسف: نعم، أيّها الملك، رأيت سبع بقرات سمان شهب غرّ حسان، كشف لك عنهنّ النيل وطلعن عليك من شاطئه تشخب أخلافهنّ لبنا، فبينا أنت تنظر إليهنّ وتتعجّب من حسنهنّ إذ نضب النيل فغار ماؤه وبدا يبسا، فخرج من حمأته ووحله سبع بقرات عجاف شعث غبر مقلّصات البطون، ليس لهنّ ضروع ولا أخلاف، ولهنّ أنياب وأضراس وأكفّ كأكف الكلاب وخراطيم كخراطيم السباع، فاختلطن بالسمان فافترسنهنّ افتراس السبع، فأكلن لحومهنّ ومزّقن جلودهنّ وحطّمن عظامهنّ وتشمشن مخّهنّ.\nفبينا أنت تنظر وتتعجّب وإذا بسبع سنابل خضر وسبع أخر سود في منبت واحد عروقهنّ في الثرى والماء، فبينا أنت تقول في نفسك: أنّى هذا؟ هؤلاء خضر مثمرات وهؤلاء سود يابسات والمنبت واحد، وأصولهنّ في الماء إذ هبّت ريح فذرّت الأوراق من اليابسات السود على الخضر المثمرات فاشتعلت فيهنّ النار فاحرقتهنّ وصرن سودا متغيّرات.\nفهذا آخر ما رأيت من الدنيا ثمّ انتبهت من نومك مذعورا، فقال الملك: والله ما شأن هذه الرؤيا وإن كانت عجبا بأعجب ممّا سمعته منك، فما ترى في رؤياي أيّها الصدّيق؟ فقال يوسف: أرى أن تجمع الطعام، وتزرع الزرع الكثير في هذه السنين المخصبة وتبني [الأهواء] والخزائن، فتجعل الطعام فيها بقصبه وسنبله ليكون قصبه وسنبله علفا للدواب، وتأمر الناس فيرفعون من طعامهم الخمس فيكفيك من الطعام الذي جمعته لأهل مصر ومن حولها، وتأتيك الخلق من النواحي يمتارون منك، ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بهذا ومن يجمعه و[يبيعه] ويكفي الشغل فيه؟ فقال: يوسف اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ مجاز الآية: على خزائن أرضك وهي جمع الخزانة فدخلت الألف واللام خلفا من الإضافة، كقول النابغة:\nوالأحلام غير كواذب.\nإِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ: كاتب حاسب، قتادة: حَفِيظٌ لما وليت، عَلِيمٌ بأمره، ابن إسحاق:\nحَفِيظٌ لما استودعتني، عَلِيمٌ بما ولّيتني، شيبة الضبي: حَفِيظٌ لما استودعتني وعَلِيمٌ بسنّي المجاعة، الأعشى: حافظ للحساب عَلِيمٌ بالألسن أعلم لغة من سألني، الكلبي: حفيظ التقدير في هذه السنين الجدبة، عَلِيمٌ بوقت الجوع متى يقع، وقيل: حَفِيظٌ لما وصل إليّ عَلِيمٌ بحسابة المال، فقال له الملك: ومن أحقّ به منك؟ فولّاه ذلك، وقال له: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ذو مكانة ومنزلة، أَمِينٌ على الخزائن،\nروى جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس أنّه قال: قال رسول الله ﷺ: «رحم الله أخي يوسف لو لم يقل: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ لاستعمله من ساعته ولكنّه أخّر ذلك سنة فأقام عنده في بيته سنة مع الملك [١٢١] «١» .\n_________\n(١) زاد المسير: ٤/ ١٨٥، تفسير القرطبي: ٩/ ٢١١.","vol":"5","page":231},{"text":"روى سفيان عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل، قال: قال الملك ليوسف: إنّي أريد أن تخالطني في كلّ شيء غير أنّي آنف أن تأكل معي، فقال يوسف (﵇): أنا أحقّ أن آنف، أنا ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، فكان يأكل بعدئذ معه.\nروى حمزة الريّان عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة، قال: لما رأى العزيز رأي يوسف وظرفه دعاه وكان يتغدّى ويتعشى معه دون غلمانه، فلمّا كان بينه وبين المرأة ما كان، قالت له مرّة: فليتغدّ مع الغلمان، فقال: اذهب فتغدّ مع الغلمان فقال له يوسف في وجهه استنكفت أن تأكل معي، أنا والله يوسف بن يعقوب نبي الله ابن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله.\nروى مقاتل عن يحيى بن أبي كثير أنّ عمر بن الخطاب عرض على أبي هريرة الإمارة فقال: لا أفعل ولا أريدها سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «من طلب الإمارة لم يعدل» [١٢٢] «١» فقال عمر: لقد طلب الإمارة من هو خير منك، يوسف (﵇)، قال: اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ.\nروى بن إسحاق عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما انصرمت السنة من يوم سأل الإمارة دعاه الملك فتوّجه وردّأه سيفه، ووضع له سريرا من ذهب، مكلّلا بالدرّ والياقوت، وضرب عليه حلّة من إستبرق، وكان طول السرير ثلاثين ذراعا وعرضه عشرة أذرع، عليه ثلاثون فراشا وتسعون مرفقة، ثمّ أمره أن يخرج فخرج متوّجا، لونه كالثلج ووجهه كالقمر، يرى الناظر وجهه في صفاء لون وجهه، فانطلق حتى جلس على السرير ودانت له الملوك، ودخل الملك بيته مع نسائه، وفوّض إليه أمر مصر، وعزل قطفير عمّا كان عليه وجعل يوسف مكانه.\nقال ابن إسحاق: قال ابن زيد: وكان لفرعون ملك مصر خزائن كثيرة غير الطعام، فسلّم سلطانه كلّه إليه، وجعل أمره وقضاءه نافذا، ثمّ أنّ قطفير هلك في تلك الليالي فزوّج الملك يوسف راحيل امرأة قطفير، فلمّا دخل عليها قال: أليس هذا خيرا مما كنت تريدين؟ فقالت: أيّها الصدّيق لا تلمني فإنّي كنت امرأة حسناء ناعمة كما ترى، في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك فغلبتني نفسي، فوجدها يوسف عذراء فأصابها فولدت له رجلين: أفرائيم بن يوسف ومنشا بن يوسف.\nواستوسق ليوسف ملك مصر وأقام فيهم العدل فأحبّه الرجال والنساء فذلك قوله تعالى:\nوَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر: أي مكّناه يَتَبَوَّأُ مِنْها أين نزل حَيْثُ يَشاءُ: ويصنع فيها ما يشاء، والبواء المنزل يقال: بوّأته فتبوّأ، وقرأ أهل مكّة: حيث نشاء بالنون ردّا على قوله مَكَّنَّا وبعده، نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ أي بنعمتنا.\n_________\n(١) في سير أعلام النبلاء (١٢/ ٩٤): من يحرص على الإمارة لم يعدل فيها.","vol":"5","page":232},{"text":"وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قال ابن عباس ووهب: يعني الصابرين كصبره في البئر، وصبره في السجن وصبره في الرق، وصبره عما دعته اليه المرأة، قال مجاهد وغيره: فلم يزل يدعو ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس فهذا في الدنيا وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ [نعيم] الآخرة خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ قال البحتري:\nأما في رسول الله يوسف أسوة ... لمثلك محبوسا [....] «١»\nأقام جميل الصبر في الحبس برهة ... فآل به الصبر الجميل إلى الملك «٢»\nوكتب بعضهم إلى صديق له:\nوراء مضيق الخوف متّسع الأمن ... وأوّل مفروح به آخر الحزن\nفلا تيأسن فالله ملّك يوسفا ... خزائنه بعد الخلاص من السجن «٣»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٥٨ الى ٧١]</span>\nوَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨) وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩) فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ (٦٠) قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنَّا لَفاعِلُونَ (٦١) وَقالَ لِفِتْيانِهِ اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٦٣) قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥) قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦) وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)\nوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨) وَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٦٩) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ (٧٠) قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ (٧١)\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٢٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٢٠، وفيه: غاية الحزن بدل آخر الحزن. [.....]","vol":"5","page":233},{"text":"قالوا: فلمّا اطمأنّ بيوسف ملكه دخلت السنون المخصبة، ودخلت السنون المجدبة أصاب الناس الجوع وجاءت تلك السنون [.......] «١» وكان ابتداء القحط، بينا الملك ذات ليلة أصابه الجوع نصف الليل، وهتف الملك: يا يوسف الجوع الجوع فقال: هذا أوّل القحط، فلمّا دخلت السنة الأولى من سنيّ الجدب هلك فيها كلّ شيء أعدّوه في السنين المخصبة، فجعل أهل مصر يبتاعون الطعام من يوسف، فباعهم أوّل سنة بالنقود حتى لم يبق في مصر دينار ولا درهم إلّا قبضه، وباعهم في السنة الثانية بالحليّ والجواهر حتى لم يبق في أيدي الناس منها شيء، وباعهم بالسنة الثالثة بالمواشي والدواب حتى احتوى عليها أجمع، وباعهم بالسنة الرابعة بالعبيد والإماء حتى لم يبق عبد ولا أمّة في يد أحد منهم، ثمّ باعهم السنة الخامسة بالضياع والعقار والدور حتى احتوى عليها، وباعهم السنة السادسة بأولادهم حتى استرقّهم، وباعهم السنة السابعة برقابهم حتى لم يبق بمصر حر ولا حرّة إلّا صار عبدا له، حتى قال الناس: تالله ما رأينا كاليوم ملكا أجلّ ولا أعظم من هذا، ثمّ قال يوسف لفرعون كيف رأيت صنيع ربّي فيما خوّلني، فما ترى لي؟ قال الملك: الرأي رأيك، وإنّما نحن لك تبع، قال: فإنّي أشهد وأشهدك أنّي أعتقت أهل مصر عن آخرهم ورددت عليهم أموالهم وأملاكهم.\nوروي أنّ يوسف (﵇) كان لا يشبع من طعام في تلك الأيّام، فقيل له: تجوع وبيدك خزائن الأرض، فقال: أخاف أن شبعت أن أنسى الجائع، وأمر يوسف أيضا طباخي الملك أن جعلوا الغداة نصف النهار، وأراد بذلك أن يذوق الملك طعم الجوع فلا ينسى الجائعين، ويحسن إلى المحتاجين، ففعل الطهاة ذلك، ومن ثمّ جعلت الملوك غداءهم نصف النهار.\nقالوا: وقصد الناس مصر من كلّ حدب يمتارون، فجعل يوسف لا يمكّن أحدا منهم وإن كان عظيما بأكثر من حمل بعير تقسيطا بين الناس وتوسّعا عليهم، وتزاحم الناس عليه، قالوا:\nوأصاب أرض كنعان وبلاد الشام من القحط والشدّة ما أصاب سائر البلاد، ونزل بيعقوب ما نزل بالناس فأرسل بنيه إلى مصر للميرة، فأمسك بنيامين أخا يوسف لأمّه فذلك قوله تعالى: وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ وكانوا عشرة، وكان منزلهم بالقربات من أرض فلسطين ثغور الشام، وكانوا أهل بادية وإبل وشاة فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ يوسف وأنكروه لما أراد الله أن يبلغ يوسف فيما أراد.\nقال ابن عباس: وكان بين أن قذفوه في البئر وبين أن دخلوا مصر أربعين سنة فلذلك أنكروه وقيل: إنّه كان متّزيا بزيّ فرعون مصر، عليه ثياب حرير، جالس على سريره، وفي عنقه طوق من ذهب، وعلى رأسه تاج، فلذلك لم يعرفوه، وكان بينه وبينهم ستر ولذلك لم يعرفوه.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":234},{"text":"قال بعض الحكماء: المعصية تورث الكبرة، قال الله تعالى: فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ فلمّا نظر إليهم يوسف وكلّموه بالعبرانية، قال لهم: أخبروني من أنتم؟ وما أمركم؟ فإنّي أنظر شأنكم، قالوا: نحن قوم من أهل الشام رعاة أصابنا الجهد فجئنا نمتار، قال: لعلّكم عيون تنظرون عورة بلادي، قالوا: والله ما نحن جواسيس وإنّما نحن إخوة بنو أب واحد وهو شيخ صدّيق يقال له: يعقوب، نبي من أنبياء الله، قال: وكم أنتم؟.\nقالوا: كنّا اثني عشر فذهب أخ لنا إلى البريّة فهلك فيها، وكان أحبّنا إلى أبينا، فقال: فكم أنتم ها هنا، قالوا: عشرة، قال: فأين الآخر؟ قالوا: عند أبينا لأنّه أخ الذي هلك من أمّه، وأبونا يتسلّى به، قال: فمن يعلم أنّ الذي تقولون حقّ؟ قالوا: أيّها الملك إنّا ببلاد لا يعرفنا أحد، قال يوسف: فأتوني بأخيكم الذي من أبيكم إن كنتم صادقين، فأنا أرضى بذلك.\nقالوا: إنّ أبانا يحزن على فراقه وسنراوده عنه وإنّا لفاعلون، قال: فدعوا بعضكم عندي رهينة حتى تأتوني بأخيكم فاقترعوا بينهم فأصابت القرعة شمعون وكان أحسنهم رأيا في يوسف وأبرّهم به فخلّفوه عنده، فذلك قوله تعالى: وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ يعني حمل لكل رجل منهم بعيرا بعدّتهم، قالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ يعني بنيامين، أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ أي لا أبخس الناس شيئا وأتمّ لهم كيلهم فأزيد لكم حمل بعير في خراجكم، وأكرم مثواكم، وأحسن إليكم، وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ المضيّفين.\nفَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي ليس لكم عندي طعام أكيله لكم وَلا تَقْرَبُونِ ولا تقربوا بلادي بعد ذلك، وهو جزم يدلّ على النهي.\nقالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ نطلبه ونسأله أن يرسله معنا، قال ابن عباس: سنخدعه حتى نخرجه معنا، وَإِنَّا لَفاعِلُونَ ما أمرت به.\nوَقالَ يوسف لِفِتْيانِهِ أي لغلمانه الذين يعملون بالطعام، قرأ الحسن وحميد ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي وحفص، لِفِتْيانِهِ بالألف والنون وهو اختيار أبي عبيدة، وقال: هي في مصحف عبد الله كذلك، وقرأ الباقون لفتيته بالتاء من غير ألف وهما لغتان مثل الصبيان والصبية.\nاجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ أي طعامهم، قال قتادة: أوراقهم، الضحّاك عن ابن عباس قال:\nكانت النعل والأدم، فِي رِحالِهِمْ في أوعيتهم وهي جمع رحل، والجمع القليل منه الرحيل، قال ابن الأنباري: يقال للوعاء: رحل وللمسكن رحل.\nلَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا انْقَلَبُوا انصرفوا، إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إليّ واختلف العلماء في السبب الذي فعل يوسف من أجله، فقال الكلبي: تخوّف يوسف أن لا يكون عند أبيه من الورق فلا يرجعون مرّة أخرى، وقيل: خشي أن يضرّ أخذه ذلك منهم بأبيه إذ كانت السنة سنة","vol":"5","page":235},{"text":"جدب وقحط، فأحبّ أن يرجع إليه، وإنّما أراد أن يتّسع به أبوه، وقيل: رأى لو أخذ ثمن الطعام من أبيه وإخوته مع حاجتهم إليه فردّه عليهم من حيث لا يعلمون تكرّما وتفضّلا.\nوقيل: فعل لأنّه علم أنّ ديانتهم وأمانتهم تحملهم على ردّ البضاعة ولا يستحلّون إمساكها فيرجعون لأجلها، وقيل: أبدا لهم كرمه في ردّ البضاعة وتقديم الضمان في البرّ والإحسان ليكون أدعى لهم إلى العود إليه طمعا في برّه.\nفَلَمَّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا قدمنا على خير رجل أنزلنا وأكرمنا كرامة، لو كان رجلا من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامته، قال لهم يعقوب: إذا أتيتم ملك بمصر فاقرؤوه منّي السلام وقولوا له: إنّ أبانا يصلّي عليك ويدعو لك بما أوليتنا، ثمّ قال: أين شمعون؟ قالوا: إنّه عند ملك مصر وأخبروه بالقصّة، فقال: ولم أخبرتموه؟ قالوا: إنّه أخذنا وقال: إنّكم جواسيس عند ما كلّمناه بلسان العبرانيين، وقصّوا عليه القصّة.\nوقالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا بنيامين نَكْتَلْ قرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي يكتل بالياء يعني يكتل لنفسه هو كما كنّا نكتل نحن، وقرأ الآخرون بالنون بمعنى نكتل نحن، واختاره أبو عبيد وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ قالَ يعقوب، هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ يوسف مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا قرأ ابن محصن ويحيى والأعمش وحمزة والكسائي: حافِظًا بالألف على التمييز والتفسير، كما يقال: هو خير رجلا، ومجاز الآية خيركم حافظا فحذف الكاف والميم، ويدلّ عليه أنّها مكتوبة في مصحف عبد الله: والله خير الحافظين.\nوقرأ الآخرون حفظا بغير الألف على المصدر بمعنى خيركم حفظا واختلف فيه عن عاصم وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.\nوَلَمَّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ الذي حملوه من مصر وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ ثمن الطعام رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي أي ماذا نبغي؟ وأي شيء نطلب وراء هذا؟ أوفى لنا الكيل وردّ علينا الثمن، أرادوا بذلك أن يطيّبوا نفس أبيهم، و(ما) استفهام في موضع نصب ويكون معناه جحدا كأنّهم قالوا: لسنا نريد منك دراهم.\nهذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا ونشتري لهم الطعام فنحمله إليهم، يقال مار أهله يمير ميرا فهو مائر، إذا حمل إليهم أقواتهم من غير بلده في مثله امتار يمتار امتيارا، قال الشاعر:\nبعثتك مائرا فمكثت حولا ... متى يأتي غياثك من تغيث «١»\nوقال آخر:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ١٥، لسان العرب: ٢/ ١٧٤.","vol":"5","page":236},{"text":"أتى قرية كانت كثيرا طعامها ... كعفر التراب كل شيء يميرها «١»\nوَنَحْفَظُ أَخانا بنيامين وَنَزْدادُ على أحمالنا كَيْلَ بَعِيرٍ لنا من أجله ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ: لا مؤونة فيه ولا مشقّة، وقال مجاهد: كَيْلَ بَعِيرٍ يعني: حمل حمار، قال: وهي لغة يقال للحمار بعير، قالَ لهم يعقوب: لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ تعطوني مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ يعني تحلفوا لي بحقّ محمّد خاتم النبيين وسيد المرسلين أن لا تغدروا بأخيكم لَتَأْتُنَّنِي بِهِ وإنّما دخلت فيه اللام لأنّ معنى الكلام اليمين إِلَّا أَنْ يُحاطَ بِكُمْ إلّا أن تهلكوا جميعا، قاله مجاهد، وقال قتادة: إلّا أن يغلبوا حتى لا يطيقوا ذلك.\nفَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ أعطوه عهودهم، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: حلفوا له بحقّ محمد ﷺ ومنزلته من ربّه قالَ يعقوب اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ أي شاهد وحافظ بالوفاء، وقال القتيبي: كفيل، وقال كعب: لمّا قال يعقوب: فَاللَّهُ خَيْرٌ حافِظًا، قال الله جلّ ذكره: وعزّتي لأردّن عليك كليهما بعد ما توكّلت عليّ، وقال لهم يعقوب لما أرادوا الخروج [هذا]، وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مصر مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وذلك أنّه خاف عليهم العين لأنّهم كانوا ذوي جمال وهيئة وصور حسان وقامات ممتدّة، وكانوا ولد رجل واحد، وأمرهم أن يفترقوا في دخولها ثمّ، قال: وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ علم (﵇) أنّ المقدور كائن، وأنّ الحذر لا ينفع من القدر، وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ وإلى الله فليفوّض أمورهم المفوّضون.\nوَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ وكان لمصر أربعة أبواب فدخلوها من أبوابها كلّها، ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ صدّق الله تعالى يعقوب فيما قال إِلَّا حاجَةً حزازة وهمّة فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها أشفق عليهم إشفاق الآباء على أبنائهم وَإِنَّهُ يعقوب لَذُو عِلْمٍ لِما: أي مما عَلَّمْناهُ يعني لتعليمنا إيّاه، قاله قتادة، وروى سفيان عن [ابن] أبي عروة قال: إنّه العامل بما علم، قال سفيان: من لا يعمل لا يكون عالما، وقيل: إنّه لذو حظّ لما علّمناه.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ما يعلم يعقوب، أي لا يعرفون مرتبته في العلم.\nوَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، قد جئناك به فقال لهم: أحسنتم وأصبتم وستجدون ذلك عندي، ثمّ أنزلهم فأكرم منزلهم ثمّ أضافهم وأجلس كلّ اثنين منهم على مائدة فبقى بنيامين وحيدا، فبكى وقال لو كان أخي يوسف حيّا لأجلسني معه، فقال لهم يوسف (﵇): لقد بقي هذا أخوكم وحيدا، فأجلسه على مائدته فجعل يؤاكله.\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ٤٣٠، وتاج العروس: ٦/ ١٢.","vol":"5","page":237},{"text":"فلمّا كان الليل أمر لهم بمثل أي فرش، فقال: لينم كلّ أخوين منكم على مثال، فلمّا بقي بنيامين وحده، قال يوسف (﵇): هذا ينام معي على فراشي فبات معه فجعل يوسف يضمّه إليه ويشمّ خدّه حتى أصبح فجعل روبيل يقول: ما رأينا مثل هذا، فلمّا أصبح قال لهم:\nإنّي أرى هذا الرجل الذي جئتم به ليس معه ثان فسأضمّه إليّ فيكون منزله معي، ثمّ أنزلهم [معه]، وأجرى عليهم الطعام والشراب وأنزل أخاه لأمّه معه فذلك، قوله تعالى: آوى إِلَيْهِ أَخاهُ\nفلمّا خلا به قال له: ما اسمك؟ قال: بنيامين.\nقال ابن من يا بنيامين؟ قال: ابن المثكل، وذلك أنّه لما ولد هلكت أمّه، قال: وما اسمها؟ قال: راحيل بنت لاوي بن ناحور، قال: فهل لك بنون؟ قال: نعم، عشر بنين وقد اشتققت أسماءهم من اسم أخ لي من أمّي هلك، قال: لقد اضطرّك إلى ذاك حزن شديد، قال:\nفما سمّيتهم؟ قال: بالعا وأخيرا وأثكل وأحيا وكنر ونعمان وادر وأرس وحيتم وميثم، قال فما هذه؟ قال: إما بالعا فإنّ أخي قد ابتلعته الأرض، وأما أخيرا فإنه بكر أبي لأمّي، وأمّا أثكل فإنّه كان أخي لأبي وأمي وسنّي، وأما كثير فإنّه خير حبيب كان، وأمّا نعمان فانه ناعم بين أبويه وأمّا أدّر فإنّه كان بمنزلة الورد في الحسن، قال: وأما أرس فإنّه كان بمنزلة الرأس من الجسد، وأما حيتم فأعلمني أنّه حيّ، وأمّا ميثم فلو رأيته قرّت عيني.\nفقال يوسف: أتحبّ أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال بنيامين: ومن يجد أخا مثلك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف (﵇) وقام إليه وعانقه وقالَ له: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ يوسف فَلا تَبْتَئِسْ فلا تحزن بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لشيء فعلوه بنا فيما مضى فإنّ الله قد أحسن إلينا ولا تعلمهم شيئا ممّا علمت.\nوقال عبد الصمد بن معقل: سمعت وهب بن منبه وسئل عن قول يوسف لأخيه: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ، فقيل له كيف آخاه حين أخذ بالصواع وقد كان أخبره أنّه أخوه، وأنتم تزعمون أنّه لم يزل متنكّرا لهم يكابرهم حتى رجعوا؟\nفقال: إنّه لم يعترف له بالنسبة ولكنّه قال: أنا أخوك مكان أخيك الهالك، ومثله قال الشعبي، قال: لم يقل له: أنا يوسف، ولكن أراد أن يطيّب نفسه «١» .\nومجاز الآية أي: أَنَا أَخُوكَ بدل أخيك المفقود فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ فلا تشتك ولا تحزن لشيء سلف من إخوتك إليك في نفسك وفي أخيك من أمّك، وما كانوا يفعلون قبل اليوم بك، ثمّ أوفى يوسف لإخوته الكيل وحمل لهم بعيرا، وحمل لبنيامين بعيرا باسمه كما حمل لهم، ثمّ أمر بسقاية الملك فجعل في رحل بنيامين، قال السدّي: جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ، والأخ لا يشعر.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٢١.","vol":"5","page":238},{"text":"قال كعب: لما قال له: إِنِّي أَنَا أَخُوكَ قال بنيامين: فأنا لا أفارقك، قال يوسف (﵇): قد علمت [عنهم] والدي بي، فإذا حبستك ازداد غمه، فلا يمكنني هذا إلّا أن أشهرك بأمر وأنسبك إلى ما لا يجمل بك، قال: لا أبالي فافعل ما بدا لك فإنّي لا أفارقك.\nقال: فإنّي أدسّ صاعي هذا في رحلك ثمّ أنادي عليك بالسرقة لجهازي ليتهيأ لي ردك بعد تسريحك، قال: فافعل، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ أي لما قضى لهم حاجتهم، جَعَلَ السِّقايَةَ: وهي المشربة التي كان يشرب بها الملك، قال ابن زيد: وكان كأسا من ذهب فيما يذكرون، وقال ابن إسحاق: هو شيء من فضّة، عكرمة: مشربة من فضّة مرصّعة بالجواهر، جعلها يوسف مكيلا لئلّا يكال بغيرها وكان يشرب بها، سعيد بن جبير: هو [المقياس] الذي يلتقي طرفاه وكان يشرب بها الأعاجم وكان للعباس منها واحدة في الجاهلية، والسقاية والصواع واحد، فِي رَحْلِ أَخِيهِ في متاع بنيامين، ثمّ ارتحلوا وأمهلهم يوسف حتى انطلقوا ومضوا ثمّ أمر بهم فأدركوا وحبسوا.\nثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ نادى مناد، أَيَّتُهَا الْعِيرُ هي القافلة التي فيها الأحمال، قال الفرّاء: لا يقال عير إلّا لأصحاب الإبل، وقال مجاهد كانت العير حميرا.\nإِنَّكُمْ لَسارِقُونَ قفوا، فوقفوا، فلمّا انتهى إليهم الرسول قال لهم: ألم نكرم ضيافتكم ونحسن منزلكم ونوفكم كيلكم ونفعل بكم ما لم نفعله بغيركم؟ قالوا: بلى، وما ذاك؟ قال:\nسقاية الملك، فقال: إنّه لا يتّهم عليها غيركم، فذلك قوله تعالى: قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ عطفوا على المؤذّن وأصحابه: ماذا تَفْقِدُونَ؟ ما الذي ضلّ منكم؟ فالفقدان ضدّ الوجود، والمفقد: الطلب.","vol":"5","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٧٢ الى ٨٣]</span>\nقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ (٧٣) قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ (٧٤) قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)\nقالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (٧٧) قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قالَ مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاَّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ (٧٩) فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ (٨٠) ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاَّ بِما عَلِمْنا وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ (٨١)\nوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٨٢) قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)\nقالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ واختلف القرّاء في قراءة ذلك، فروى قثم عن داود بن أبي هند عن مولى بني هاشم عن أبي هريرة أنّه قرأ صاع الملك، وقرأ أبو رجاء صوع، وقرأ يحيى بن معمر صوغ بالغين، [فإنّه] وجهنا إلى مصر، صاغ يصوغ صوغا، وجمع الصواع صيعا، وجمع صاع أصواع.\nوَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ من الطعام وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ كفيل يقوله المؤذّن، وأصل الزعيم: القائم بأمر القوم، ويقال للرئيس زعيم، يقال: زعم، زعامة وزعاما، قالت ليلى الأخيلية:\nحتى إذا رفع اللواء رأيته ... تحت اللواء على الخميس زعيما «١»\nوقالُوا يعني اخوة يوسف، تَاللَّهِ أي والله، أصلها الواو قلبت تاء كما فعل القراء في التقوى والتكلان والتراب والتخمة، وأصلها الواو، والواو في هذه الحروف كلّها حرف من الأسماء، وليست كذلك في تَاللَّهِ لأنّها إنّما هي واو القسم وإنّما جعلت بالكثرة ما جرى على ألسن العرب، وهم زعموا أنّ الواو من نفس الحرف فقلبوها تاء، ووضعت في هذه الكلمة الواحدة دون غيرها من أسماء الله تعالى.\nلَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ فإن قيل: من أين علموا ذلك؟\nالجواب عنه: قال الكلبي قال: إن فتى يوسف وهو المؤذّن قال لهم: إنّ الملك ائتمنني بالصاع وأخاف عقوبة الملك، فلي اليوم عنده مقولة حسنة، فإن لم أجده تخوّفت أن تسقط منزلتي وأفتضح في مصر، قالُوا: ... لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ إنا منذ قطعنا هذا الطريق لم ننزل عند أحد ولا أفسدنا شيئا وسلوا عنا من مررنا به، هل ضررنا أحدا؟ أو هل أفسدنا شيئا؟ وإنّا قد رددنا الدراهم كما وجدنا في رحلنا، فلو كنّا سارقين ما رددناها.\nقال فتى يوسف: إنّه صواع الملك الأكبر الذي يكتال فيه، وقال بعضهم: إنّما قالوا ذلك لأنّهم كانوا معروفين أنّهم لا يتناولون ما ليس لهم، وقيل: إنّهم كانوا حين دخلوا مصر كمّوا أفواه دوابهم لكي لا تتناول من حروث الناس.\nفإن قيل: كيف استجاز يوسف تسميتهم سارقين؟\n_________\n(١) كتاب العين: ١/ ٣٦٤.","vol":"5","page":240},{"text":"قيل: فيه جوابان: أحدهما أنّه أضمر في نفسه أنّهم سرقوه من أبيه، والآخر أنّه من قول المنادي لا من أمر يوسف والله أعلم.\nقالُوا يعني المنادي وأصحابه، فَما جَزاؤُهُ ثوابه قال الأخفش: إن شئت رددت الكناية إلى السارقين، وإن شئت رددتها إلى السّرق إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ في قولكم: (ما كُنَّا سارِقِينَ) .\nقالوا: جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ أن يسلّم سرقته إلى المسروق منه، ويسترقّ سنة، وكان ذلك سنّة آل يعقوب في حكم السارق كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الفاعلين ما ليس لهم فعله من أخذ مال غيره سرقا، وأما وجه الكلام فقال الفرّاء من في معنى جزاؤه، ومن معناها الرفع بالهاء التي جاءت وجواب الجزاء الفاء في قوله فَهُوَ جَزاؤُهُ ويكون قوله: جَزاؤُهُ الثانية مرتفع بالمعنى المجمل في الجزاء وجوابه، ومثله في الكلام أن يقول: ماذا لي عندك؟ فيقول:\nلك عندي أن بشّرتني فلك ألف درهم كأنّه قال: لك عندي هذا، وإن شئت الجزاء مرفوعا بمن خاصّة وصلتها كأنّك قلت: جزاؤه الموجود في رحله، كأنّك قلت: ثوابه أن يسترق [في المستأنف] أيضا فقال: فَهُوَ جَزاؤُهُ، وتلخيص هذه الأقاويل: جزاؤه جزاء الموجود في رحله، أو جزاؤه الموجود في رحله. تمّ الكلام.\nوقال مبتدئا فَهُوَ جَزاؤُهُ فقال الرسول عند ذلك: إنّه لا بدّ من تفتيش أمتعتكم ولستم سارقين حتى أفتّشها فانصرف بهم إلى يوسف، فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ لإزالة التهمة قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ وكان فتّش أمتعتهم واحدا واحدا، قال قتادة: ذكر لنا أنّه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلّا استغفر الله تأثّما ممّا قذفهم به، حتى إذا لم يبق إلّا الغلام، قال: ما أظنّ هذا أخذ شيئا، فقال أخوته: والله لا نتحرّك حتى تنظر في رحله، فإنّه أطيب من نفسك وأنفسنا، فلمّا فتحوا متاعه استخرجوه منه فذلك قوله تعالى: اسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ وإنّما أتت الكناية في قوله استخرجها والصواع مذكر، وقد قال الله تعالى: وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ لأنّ ردّه إلى السقاية كقوله: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ، ثمّ قال: هُمْ فِيها خالِدُونَ «١» ردّها إلى الجنّة وقوله:\nوَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ، ثمّ قال: فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ «٢»، أي من الميراث.\nوقيل: ردّ الكناية إلى السرقة.\nوقيل: إنّما أنّثها لأنّ الصواع يذكر ويؤنّث فمن أنّثه قال: ثلاث أصوع مثل أدود ومن ذكّره قال: ثلاثة أصواع مثل ثلاثة أثواب.\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ١١.\n(٢) سورة النساء: ٨.","vol":"5","page":241},{"text":"كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ يعني كما فعلوا في الابتداء بيوسف فعلنا بهم لأنّ الله تعالى حكى عن يعقوب أنّه قال ليوسف فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا فالكيد جزاء الكيد، قال ابن عباس: كَذلِكَ كِدْنا أي صنعنا، ربيع: ألهمنا، ابن الأنباري: أردنا.\nومعنى الآية: كذلك صنعنا ليوسف حتى ضمّ أخاه إلى نفسه وفصل بينه وبين إخوته بعلّة كادها الله له فاعتلّ بها يوسف، ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ إليه ويضمّه إلى نفسه فِي دِينِ الْمَلِكِ في حكمه وقضائه، قاله قتادة.\nوقال ابن عباس: في سلطان الملك، وأصل الدين: الطاعة، وكان حكم الملك في السارق أن يسترقّ ويغرّم ضعف ما سرق للمسروق منه، وقال الضحّاك: كان الملك إذا أتي بسارق كشف عن فرجتيه وسمل عينيه، إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، يعني أنّ يوسف لم يكن ليتمكّن من أخذ أخيه بنيامين من أخوته وحبسه عنده في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك وهو ما أجراه على ألسنة إخوته أنّ جزاء السارق الاسترقاق فأقرّوا به وأبدوا من تسليم الأخ إليه، وكان ذلك مراد يوسف (﵇) «١» .\nنَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ بالحكم كما رفعنا يوسف على إخوته.\nوَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ قال ابن عباس: يكون هذا أعلم من هذا، وهذا أعلم من هذا، والله فوق كلّ عالم، قال قتادة والحسن: والله ما من عالم على ظهر الأرض إلّا فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله الذي علّمه ومنه بدأ وإليه يعود، وفي قراءة عبد الله: وفوق كلّ عالم عليم.\nوعن محمّد بن كعب القرضي أنّ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه قضى بقضية فقال رجل من ناحية المسجد: يا أمير المؤمنين ليس القضاء كما قضيت، قال فكيف هو؟ قال: كذا وكذا قال: صدقت وأخطأت!!، وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.\nقالوا: فلمّا أخرج الصواع من رحل بنيامين نكّس إخوته رؤوسهم من الحياء وأقبلوا على بنيامين وقالوا: يا بنيامين أي شيء الذي صنعت، فضحتنا وسوّدت وجوهنا، يا بني راحيل ما يزال لنا منكم بلاء، متى أخذت الصواع؟.\nفقال بنيامين: بل بنو راحيل الذين لا يزال لهم منكم بلاء، ذهبتم بأخي فأهلكتموه بالبرّيّة، وضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم.\nثمّ قالوا ليوسف: إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ: من أبيه وأمّه، من قبل، واختلف العلماء في السرقة التي وصفوا بها يوسف، فقال سعيد بن جبير وقتادة: سرق يوسف صنما لجدّه أبي أمّه\n_________\n(١) يراجع فتح القدير: ٣/ ٤٣.","vol":"5","page":242},{"text":"فكسّره وألقاه في الطريق، الكلبي: بعثته أمّه حين أرادت أن ترتحل من حران مع يعقوب إلى فلسطين والأردن، أمرته أن يذهب فأخذ جونة فيها أوثان لابنها [أي] ذهب فيأتيها بها لكي إذا فقدها أبوها أسلم، فانطلق فأخذها وجاء بها إلى أمّة، فهذه سرقته التي يعنون.\nوعن ابن جريح: كانت أمّ يوسف أمرته أن يسرق صنما لخاله يعبده وكانت مسلمة، وروى أبو كريب عن أبي إدريس قال سمعت أبي قال: كان أولاد يعقوب على طعام ونظر يوسف إلى عرق فخبّأه فعيّروه بذلك، وأخبر عبد الله بن السدّي، عن أبيه عن مجاهد أنّ يوسف جاءه سائل إلى البيت فسرق [جبّة] من البيت فناولها السائل فعيّروها بها، وقال سفيان بن عيينة: سرق يوسف دجاجة من الطير التي كانت في بيت يعقوب فأعطاها سائلا.\nكعب: كان يوسف في المنزل وحده فأتاه سائل وكان في المنزل عتاق وهي الأنثى من الجدي، فدفعها إلى السائل من غير أمر أبيه. وهب: كان يخبّئ الطعام من المائدة للفقراء.\nهشام عن سعد بن زيد بن أسلم في هذه الآية قال: كان يوسف (﵇) مع أمّه عند خال له، قال: فدخل وهو صبي يلعب وأخذ تمثالا صغيرا من الذهب، فذلك تعيير إخوانه إيّاه.\nوروى ابن إسحاق عن مجاهد عن جويبر عن الضحّاك قال: كان أوّل ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أنّ عمّته بنت إسحاق وكانت أكبر أولاد إسحاق، وكانت لها منطقة إسحاق، وكانوا يتوارثوها بالكبر من أختانها ممّن وليها كان له سلما لا ينازع فيه، يصنع فيه ما يشاء، وكانت راحيل أمّ يوسف قد ماتت فحضنته عمّته وأحبّته حبّا شديدا، وكانت لا تصبر عنه.\nفلمّا ترعرع وبلغ سنوات وقعت محبّة يعقوب عليه فأتاها يعقوب فقال: يا أختاه سلّمي إليّ يوسف، فو الله ما أقدر على أن يغيب عنّي ساعة، فقالت: لا، فقال: والله ما أنا بتاركه.\nقالت: فدعه عندي أيّاما أنظر إليه لعلّ ذلك يسلّيني عنه، ففعل، فلمّا خرج يعقوب من عندها عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف تحت ثيابه وهو صغير ثمّ قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق فانظروا من أخذها فالتمسوها فلم توجد فقالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوهم فوجودها مع يوسف، فقالت: والله إنّه لسلم لي أصنع فيه ما شئت، فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال: إن كان فعل ذلك فهو سلم لك، ما أستطيع غير ذلك، فأمسكته، فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت، فهذا الذي قال أخوة يوسف: إن سرق فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ، وهذا هو المثل السائر الذي يقال عذره شر من جرمه.\nفَأَسَرَّها فأضمرها، يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ وإنّما أنّث الكناية لأنّه عنى بها الكلمة والمقالة وهي قراءة.\nقالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا أي شرّ منزلا عند الله ممّن رميتموه بالسرقة في صنيعكم بيوسف وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ تقولون، قتادة: تكذبون.","vol":"5","page":243},{"text":"وقالت الرواة: لما دخلوا على يوسف واستخرج الصواع من رحل بنيامين دعا يوسف بالصواع فنقر فيه ثمّ أدناه من أذنه ثمّ قال: إنّ صواعي هذا ليخبرني أنّكم كنتم اثني عشر رجلا وانّكم انطلقتم بأخ لكم فبعتموه، فلمّا سمعها بنيامين قام فسجد ليوسف ثمّ قال: أيّها الملك سل صواعك هذا عن أخي أين هو فنقره ثمّ قال: هو؟ حيّ وسوف تراه قال: فاصنع فيّ ما شئت فإنّه إن علم بي فسوف يستنقذني، قال: فدخل يوسف فبكى، ثمّ توضّأ وخرج فقال بنيامين: أيّها الملك إنّي أرى أن تضرب صواعك هذا فيخبرك بالحقّ من الذي سرقه فجعله في رحلي؟ فنقره فقال: إنّ صواعي هذا عصاني وهو يقول: كيف تسألني عن صاحبي وقد رأيت مع من كنت؟\nقال: وكان بنو يعقوب إذا غضبوا لم يطاقوا فغضب روبيل، وقال: والله أيّها الملك لتتركنّا أو لأصيحنّ صيحة لا تبقي بمصر امرأة حامل إلّا ألقت ما في بطنها وقامت كلّ شعرة في جسد روبيل فجرجت من [......] «١» فمسّه فذهب غضبه، فقال روبيل من هذا؟ إن في هذا البلد لبذرا من بذر يعقوب.\nفقال يوسف: ومن يعقوب؟ فغضب روبيل وقال: يا أيّها الملك لا يذكر يعقوب فإنّه سري الله ابن ذبيح الله ابن خليل الرحمن، قال يوسف [اشهد] إذا أنت كنت صادقا، احتبس يوسف أخاه وصار بحكم اخوته أولى به منهم، فرأوا أنّه لا بدّ لهم إلى تخليصه منه سألوه تخليته ببدل منهم يعطونه إيّاه، ف قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا: متعلّقا بحبّه يعنون يعقوب، فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ: بدلا منه إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ في أفعالك قيل: إلينا، وقال ابن إسحاق: يعنون إن فعلت ذلك كنت من المحسنين.\nقالَ يوسف مَعاذَ اللَّهِ أعوذ بالله وهو نصب على المصدر، وكذلك تفعل العرب في كلّ مصدر وضع موضع الفعل، تقول: حمدا لله وشكرا لله، بمعنى أحمد الله وأشكره أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ ولم يقل من سرق تحرّزا من الكذب، إِنَّا إِذًا لَظالِمُونَ إن أخذنا بريئا بسقيم.\nفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ يعني أيسوا من يوسف من أن يجيبهم إلى ما سألوه خَلَصُوا نَجِيًّا أي خلا بعضهم ببعض يتناجون ويتشاورون لا يخالطهم غيرهم، والنجيّ لقوم يتناجون وقد يصلح للواحد أيضا، قال الله في الواحد: وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا «٢»، وقال في الجمع خَلَصُوا نَجِيًّا وإنّما جاز للواحد والجمع لأنّه مصدر أبدل نعتا كالعدل والزور والفطر ونحوها، وهو من قول القائل نجوت فلانا أنجوه نجيّا، ومثله النجوى يكون اسما ومصدرا، قال الله تعالى:\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) سورة مريم: ٥٢.","vol":"5","page":244},{"text":"وَإِذْ هُمْ نَجْوى «١» أي يتناجون وقال: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ «٢» وقال في المصدر إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ «٣» وقال الشاعر:\nبني بدا خبّ نجوى الرجال ... (وك) «٤» عند سرّك خبّ النجيّ «٥»\nوالنجوى والنجيّ في هذا البيت بمعنى المناجاة، وجمع النجيّ أنجية، قال لبيد:\nوشهدت أنجية الإفاقة عاليا ... كعبي وأرداف الملوك شهود «٦»\nوقال آخر:\nإنّي إذا ما القوم كانوا أنجيه ... واضطربت أعناقهم كالأرشية\nهناك أوصيني ولا توصي به «٧» .\nقالَ كَبِيرُهُمْ يعني في العقل والعلم لا في السنّ وهو شمعون، وكان رئيسهم، قاله مجاهد، وقال قتادة والسدّي والضحاك وكعب: هو روبيل وكان أسنّهم وهو ابن خالة يوسف، وهو الذي نهى إخوته عن قتله، وهب والكلبي: يهودا، وكان أعقلهم، محمد بن إسحاق:\nلاوي.\nأَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ عهدا من الله وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ اختلفوا في محلّ ما فقال بعضهم: هو نصب إيقاع العلم عليه يعني: ألم تعلموا من قبل فعليكم بهذه تفريطكم في يوسف؟ وقيل: هو في محلّ الرفع على الابتداء، وتمام الكلام عند قوله: مِنَ اللَّهِ يعني: ومن قبلي هذا تفريطكم في يوسف، فيكون ما مرفوعا يخبر [....] الصفة وهو قوله: وَمِنْ قَبْلُ، وقيل: ما صلة، ويعني ومن هذا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ أي قصّرتم وضيّعتم، وقيل: رفع على الغاية.\nفَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ التي أنا بها وهي أرض مصر حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي بالخروج منها أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بالخروج منها وترك أخي بنيامين بها أو معه، وإلّا فإنّي غير خارج منها، وقال أبو صالح: أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي بالسيف فأحارب من حبس أخي بنيامين.\nوَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أفضل وأعدل من يفصل بين الناس.\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٤٧.\n(٢) سورة المجادلة: ٧.\n(٣) سورة المجادلة: ١٠.\n(٤) في المصدر: فكن. [.....]\n(٥) تفسير الطبري: ١٣/ ٤٤.\n(٦) لسان العرب: ٩/ ١١٧.\n(٧) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٤١.","vol":"5","page":245},{"text":"ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ يقوله الآخر في المحتبس بمصر لإخوته فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ بنيامين سَرَقَ الصواع، وقرأ ابن عباس والضحاك: سرّق بضمّ السين وكسر الراء وتشديده على وجه ما لم يسمّ فاعله، يعني أنّه نسب إلى السرقة مثل: خوّنته وفجّرته [....] أي نسبته إلى هذه الخلال.\nوَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا يعني ما كانت منّا شهادة في عمرنا على شيء إلّا بما علمنا وليست هذه شهادة منّا إنّما هو خبر عن صنيع ابنك بزعمهم، وقال ابن إسحاق: معناه: وما قلنا: إنّه سرق إلّا بما علمنا، قال: وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يسترقّ السارق بسرقته.\nوَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ قال مجاهد وقتادة: ما كنا نعلم أنّ ابنك يسرق ويصير أمرنا إلى هذا، فلو علمنا ذلك ما ذهبنا به معنا، وإنّما قلنا ونحفظ أخانا ممّا لنا إلى حفظه منه سبيل، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس يعنون: أنّه سرق ليلا وهم نيام والغيب هو الليل بلغة حمير، وقال ابن عباس: لم نعلم ما كان يعمل في ليله ونهاره ومجيئه وذهابه، عكرمة وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ لعلّها دسّت بالليل في رحله.\nوقيل معناه: قد أخذت السرقة من رحله ونحن ننظر إليه، ولا علم لنا بالغيب فلعلّهم سرّقوه ولم يسرق، وهذا معنى قول أبي إسحاق، وقال ابن كيسان: لم نعلم أنّك تنصاب كما أصبت بيوسف، ولو علمنا ذلك لم [نأخذ] فتاك ولم نذهب به.\nوَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يعني أهل القرية وهي مصر، ابن عباس: قرية من قرى مصر.\nوَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها يعني القافلة التي كنا فيها وكان معهم قوم من كنعان من جيران يعقوب (﵇)، قال ابن إسحاق: قد عرف الأخ المحتبس بمصر أنّ إخوته أهل تهمة عند أبيهم لما صنعوا في أمره فأمرهم أن يقولوا هذا الاسم، وَإِنَّا لَصادِقُونَ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ في الآية اختصار معناها، فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له ذلك، فقال: بَلْ سَوَّلَتْ أي زيّنت لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا أردتموه فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا يوسف وبنيامين وأخيهما المقيم بمصر إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ بحزني ووجدي على فقدهم الْحَكِيمُ في تدبير خلقه.","vol":"5","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-409>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٨٤ الى ٩٣]</span>\nوَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤) قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ (٨٥) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٨٦) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ (٨٧) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)\nقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ (٨٩) قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠) قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ (٩١) قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢) اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)\nوَتَوَلَّى عَنْهُمْ وذلك أنّ يعقوب لمّا بلغه خبر بنيامين تتامّ حزنه وبلغ جهده وجدّد حزنه على يوسف، فأعرض عنهم وَقالَ يا أَسَفى يا حزني عَلى يُوسُفَ وقال مجاهد: يا جزعاه، والأسف: شدّة الحزن والندم.\nوَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ مقاتل: لم يبصر بهما ستّ سنين فَهُوَ كَظِيمٌ أي مكظوم مملوء من الحزن، ممسك عليه لا يبثّه، ومنه كظم الغيظ، عطاء الخراساني: كَظِيمٌ: حزين، مجاهد: مكبود، الضحّاك: كميد، قتادة: تردّد حزنه في جوفه، ولم يتكلّم بسوء، ولم يتكلّم إلّا خيرا، ابن زيد: بلغ به الجزع حتى كان لا يكلّمهم، ابن عباس: مهموم، مقاتل: مكروب، وكلّها متقاربة.\nسعيد بن جبير: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لم يعط أمّة من الأمم إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عند المصيبة إلّا أمّة محمّد، ألا ترى إلى يعقوب حين أصابه لم يسترجع: إنّما قال يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ؟» [١٢٣] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه [قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك] القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، [قال: حدّثني] أبي، عن هشام [بن القاسم] عن الحسن، قال: كانت بين خروج يوسف من حجر أبيه إلى يوم التقى معه ثمانين عامّا لا تجف عينا يعقوب، وما على وجه الأرض أكرم على الله من يعقوب.\nقالُوا يعني ولد يعقوب تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ أي لا تزال تذكر يوسف، لا تفتر من حبّه، يقال: ما فتئت أقول ذلك، وما فتأت أو أفتؤ، فتأ وفتوّا، قال أوس بن حجر:\nفما فتئت حيّ كأن غبارها ... سرادق يوم ذي رياج ترفع «٢»\nوقال آخر:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٣/ ٥٣، تفسير مجمع البيان: ٥/ ٤٤٤ بتفاوت ويوجد بتمامه في التفسير الصافي للفيض الكاشاني: ٣/ ٣٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٥٥، لسان العرب: ١٢/ ٣٢٢ وفيه: وما فتئت خيل.","vol":"5","page":247},{"text":"فما فتئت خيل تثوب وتدّعي ... ويلحق منها لا حق وتقطع «١»\nأي فما زالت.\nوحذف (لا) قوله فتئ كقول امرئ القيس:\nفقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطّعوا رأسي لديك وأوصالي «٢»\nأي: لا أبرح.\nوقال خداش بن زهير:\nوأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله منتطقا مجيدا «٣»\nأي لا أبرح ومثله كثير.\nحَتَّى تَكُونَ حَرَضًا اختلف ألفاظ المفسّرين فيه، فقال ابن عباس: دنفا، العوفي: يعني الهد في المرض، مجاهد: هو ما دون الموت، يعني قريبا من الموت، قتادة: هرما، الضحّاك:\nباليا مدبرا، ابن إسحاق: فاسدا لا عمل لك، ابن زيد: الحرض: الذي قد ردّ إلى أرذل العمر حتى لا يعقل، الربيع بن أنس: يابس الجلد على العظم، مقاتل: مدنفا، الكسائي: الحرض:\nالفاسد الذي لا خير فيه، الأخفش: يعني ذاهبا، المخرج: ذائبا من الهمّ، الفرّاء عن بعضهم:\nضعيفا لا حراك بك، الحسن: كالشنّ المدقوق المكسور، علام تعبا مضنى، ابن الأنباري:\nهالكا فاسدا، القتيبي: ساقطا، وكلّها متقاربة.\nومعنى الآية: حتى يكون دنف الجسم مخبول العقل، وأصل الحرض: الفساد في الجسم أو العقل من الحزن أو العشق أو الهرم، ومنه قول العرجي:\nإنّي امرؤ لجّ بي حبّ فأحرضني ... حتى بليت وحتى شفني السقم «٤»\nيقال: منه رجل حرض وامرأة حرض ورجلان وامرأتان حرض، ورجال ونساء حرض يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، والمذكّر والمؤنّث، لأنّه مصدر وضع موضع الاسم، ومن العرب من يقول للذكر حارض وللأنثى حارضة، فإذا وصف بهذا اللفظ ثنّى وجمع وانّث، ويقال: حرض، يحرّض، حرضا وحراضة فهو حرض، ويقال: رجل محرّض وأنشد في ذلك:\nطلبته الخيل يوما كاملا ... ولو آلفته لأضحى محرضا «٥»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٥٥، زاد المسير: ٤/ ٢٠٥.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢٢٢٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ١١/ ٩، ولسان العرب: ١٠/ ٣٥٤ وفيه: على الأعداء، بدل بحمد الله.\n(٤) الصحاح: ٣/ ١٠٧.\n(٥) تفسير الطبري: ١٣/ ٥٧.","vol":"5","page":248},{"text":"وقال امرؤ القيس:\nأرى المرء ذا الأذواد يصبح محرضا ... كإحراض بكر في الدّيار مريض «١»\nأَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ أي الميّتين، وقال يعقوب عند ذلك لمّا رأى غلظتهم وسوء لفظهم، نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ\nلا إليكم، قال المفسّرون دخل على يعقوب جار له فقال: يا يعقوب ما لي أراك قد انهشمت وفنيت ولم تبلغ من السن ما بلغ أبوك؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من مصاب يوسف، فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي؟\nقال: يا ربّ خطيئة أخطأتها فاغفر لي، قال: فإنّي قد غفرتها لك وكان بعد ذلك إذا سئل الَ: إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ.\nوقال حبيب بن أبي ثابت: بلغني أنّ يعقوب كبر حتى سقط حاجباه على عينيه، وكان يرفعهما بخرقة، فقال له رجل: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: طول الزمان وكثرة الأحزان.\nفأوحى الله إليه: يا يعقوب تشكوني، فقال: خطيئة أخطأتها فاغفرها لي.\nوعن عبد الله بن قميط، قال: سمعت أبي يقول: بلغنا أنّ رجلا قال ليعقوب (﵇): ما الذي أذهب بصرك؟ قال: حزني على يوسف، قال: فما الذي قوّس ظهرك؟ قال:\nحزني على أخيه، فأوحى الله ﷿ إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ وعزّتي وجلالي لو كانا ميّتين لأخرجتهما لك حتى تنظر إليهما، وإنّما وجدت عليكم أنّكم ذبحتم شاة فأتاكم مسكين فلم تطعموه شيئا، وأنّ أحبّ خلقي إليّ الأنبياء ثمّ المساكين، فاصنع طعاما وادع إليه المساكين، فصنع طعاما، ثمّ قال: من كان صائما فليفطر الليلة عند آل يعقوب.\nوروى أبو عمران عن أبي الخلد ووهب بن منبه، قالا: أوحى الله تعالى إلى يعقوب:\nتدري لم عاقبتك وغيّبت عنك يوسف وبنيامين؟ قال: لا إلهي، قال: لأنّك شويت عتاقا وقترت على جارك، وأكلت ولم تطعمه، ويقال: إنّ سبب ابتلاء يعقوب بفقد يوسف، أنّه كانت له بقرة ولها عجول فذبح عجولها بين يديها، وإنّما كانت تخور فلم يرحمها، فأخذه الله به وابتلاه بفقد يوسف أعزّ ولده.\nوقال وهب بن منبه والسدّي وغيرهما: أتى جبرئيل يوسف وهو في السجن، فقال: هل تعرفني أيّها الصدّيق؟ قال: أرى صورة طاهرة وريحا طيّبة، قال: فإنّي رسول ربّ العالمين، وأنا الروح الأمين، قال: فما الذي أدخلك حبس المذنبين وأنت أطيب الطيّبين، ورأس المقرّبين، وأمين ربّ العالمين؟ قال: ألم تعلم يا يوسف أنّ الله يطهّر البيوت لهؤلاء الطيّبين، وأنّ الأرض\n_________\n(١) لسان العرب: ٧/ ١٣٤.","vol":"5","page":249},{"text":"التي تدخلونها هي أطهر الأرضين، وأنّ الله قد طهّر بك السجن وما حوله يا أطهر الطاهرين وابن الصالحين؟\nقال: كيف لي بابن الصدّيقين وتعدّني من المخلصين، وقد أدخلت مدخل المذنبين، وسمّيت باسم المفسدين؟ قال: لأنّه لم يفتتن قلبك ولم تطع سيدتك في معصية ربّك فلذلك سمّاك الله في الصدّيقين، وعدّك مع المخلصين وألحقك بآبائك الصالحين، قال: هل لك علم بيعقوب أيّها الروح الأمين؟ قال: نعم وهب الله له البلاء الجميل وابتلاه بالحزن عليك فَهُوَ كَظِيمٌ، قال:\nفما قدر حزنه؟ قال: حزن سبعين ثكلى، قال: فماذا له من الأجر يا جبرئيل؟ قال: أجر مائة شهيد، قال: أفتراني لاقيه؟ قال: نعم، فطابت نفس يوسف، قال: ما أبالي ما ألفيته أن رأيته.\nوأمّا قوله ثِّي\nفالبثّ: أشدّ الحزن سمّي بذلك لأنّ صاحبه لا يصبر عليه حتى يبثّه أي يظهره، يقال: بثّ، يبثّ فهو باثّ وأبثّ [يأبثه أبثا] «١» يبثّ فهو مبثّ إذا أظهره قال ذو الرمّة:\nوقفت على ربع لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه\nوأسقيه حتى كاد ممّا أبثّه ... تكلّمني أحجاره وملاعبة «٢»\nوقال الحسن: ثِّي\nأي حاجتي، وقال محمّد بن القاسم الأنباري: البثّ: التفرق، وقال محمّد بن إسحاق: معناه: إنّما أشكو حزني الذي أنا فيه إلى الله، وهو من بثّ الحديث.\nأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ\nقال ابن عباس: يقول أعلم أنّ رؤيا يوسف صادقة وأني وأنتم سنسجد له، وقال آخرون: وأعلم أنّ يوسف حيّ.\nقال السدّي: لما أخبره ولده بسيرة الملك وقوله أحسّت نفس يعقوب فطمع وقال: لعلّه يوسف، ويروى أنّه رأى الملك في المنام فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ قال: لا والله، وهو حيّ.\nويقال: أرسل الله إليه ذئبا فسلّم عليه وكلّمه، فقال له يعقوب: أكلت ابني وقرّة عيني وثمرة فؤادي؟ قال: قد والله علمت يا يعقوب أنّ لحوم الأنبياء وأولاد الأنبياء علينا حرام، فلذلك قال لبنيه: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ سيروا واطلبوا الخبر، من يوسف وأخيه: وهو تفعّلوا من الحسّ يعني تتّبعوا، قال ابن عباس: التمسوا، وَلا تَيْأَسُوا، أي لا تقنطوا، مِنْ رَوْحِ اللَّهِ: من فرج الله، قال ابن زيد وقتادة، والضحّاك:\nمن رحمة الله، ف إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ.\nيقال: سئل ابن عباس عن الفرق بين التجسّس والتحسّس فقال: لا يبعد أحدهما عن\n_________\n(١) زيادة لتقويم النصّ من تاج العروس: ١/ ٥٩٨، وعبارة المخطوط غير مقروءة.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٥١، لسان العرب: ١٤/ ٣٩١، وفيه: أسقي ربعها بدل أبكي عنده.","vol":"5","page":250},{"text":"الآخر إلّا أنّ التحسّس في الخير والتجسّس في الشرّ، الحسن وقتادة: ذكر لنا أنّ نبي الله يعقوب لم ينزل به بلاء قط إلّا أتى حسن ظنّه بالله من ورائه، وما ساء ظنّه بالله ساعة قط من ليل أو نهار،\nالحسن عن الأحنف بن قيس عن ابن عباس بن عبد المطّلب قال: قال رسول الله ﷺ:\n«قال داود: (إلهي) «١» أسمع الناس يقولون إله «٢» إبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني رابعا: فقال:\nلست هناك، إنّ ابراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلّا اختارني، وإنّ إسحاق جاد لي بنفسه، وإنّ يعقوب في طول ما كان لم ييأس من يوسف» [١٢٤] «٣» .\nقالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ في الآية متروك يستدلّ بسياق الكلام عليه تقريره: فجاؤوا راجعين إلى مصر حتى وصلوا إليها فدخلوا على يوسف، فقالوا له: يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ، يا أيّها الملك بلغة حمير، مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ الشدّة والجوع وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ قليلة، رديئة ناقصة، كاسدة. لا تنفق في شيء من الطعام إلّا [يتوجبن] من البائع فيها، وأصل الإزجاء السوق والدفع، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا «٤» قال النابغة الذبياني:\nوهبّت الريح من تلقاء ذي أزل ... تزجي مع الليل من صرّادها «٥» صرما «٦» «٧»\nوقال حاتم الطائي:\nليبك على ملحان ضيف مدفّع ... وأرملة تزجي مع الليل أرملا «٨»\nوإنّما قيل للبضاعة: مزجاة لأنّها غير نافقة وإنّما يجوز تجويزا على دفع من أخذها.\nوأمالها حمزة والكسائي وفخّمها الباقون.\nواختلف المفسّرون في هذه البضاعة ما هي؟ عكرمة عن عباس: كانت دراهم رديئة زيوفا لا تنفق إلّا بوضيعه بإذن عنه، يعني لا تنفق في الطعام لأنّه لا يؤخذ في ثمن الطعام إلّا الجيّد، ابن أبي مليكة: حبل خلق الغرارة والحبل ورثة المتاع، عبد الله بن الحرث: متاع الأعراب، الصوف والسّمن، الكلبي ومقاتل وابن حيّان: الصنوبر وحبّة خضراء، سعيد بن جبير: دراهم [قليلة]، ابن إسحاق: قليلة لا تبلغ ما كان يشترى به إلّا أن تتجاوز لنا فيها أحسن كانت أو أوطأ، جويبر عن الضحّاك: النعال والأدم، وروي عنه أنّها سويق المقل.\n_________\n(١) في المصدر: يا رب. [.....]\n(٢) في المصدر: رب.\n(٣) الدرّ المنثور: ٥/ ٢٨١.\n(٤) سورة النور: ٤٣.\n(٥) الصراد جمع الصارد: وهو سحاب بارد ندي ليس فيه ماء.\n(٦) صرم جمع الصرمة: القطعة من السحاب.\n(٧) لسان العرب: ١١/ ١٣.\n(٨) لسان العرب: ١١/ ٢٩٧.","vol":"5","page":251},{"text":"فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ أي أعطنا بها ما كنت تعطينا من قبل بالثمن الجيّد الوافي وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا وتفضّل علينا بما بين الثمنين الجيّد والرديء. ولا تنقصنا من السعر، هذا قول أكثر المفسّرين، وقال ابن جريج والضحّاك: تَصَدَّقْ عَلَيْنا بردّ أخينا إلينا.\nإِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ قال الضحّاك: لم يقولوا: إنّ الله يجزيك أن تصدّقت علينا لأنّهم لم يعلموا أنّه مؤمن، قال عبد الجبار بن العلاء: سئل سفيان بن عيينة: هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء سوى نبيّنا ﷺ؟ قال سفيان: ألم تسمع قوله: فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا أراد سفيان أنّ الصدقة كانت لهم حلالا وأنّها إنّما حرّمت على نبيّنا ﷺ، وروي أنّ الحسن البصري سمع رجلا يقول: اللهمّ تصدّق عليّ، فقال: يا هذا إنّ الله لا يتصدّق إنّما يتصدّق من يبغي الثواب، قل: اللهمّ أعطني أو تفضّل عليّ.\nقالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ اختلفوا في السبب الذي حمل يوسف على هذا القول، فقال ابن إسحاق: ذكر لي أنّهم لمّا كلّموه بهذا الكلام غلبته نفسه وأدركته الرقّة فانفضّ دمعه باكيا ثمّ باح لهم بالذي كان يكتم فقال: قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ.\nوقال الكلبي: إنّما قال ذلك حين حكى لإخوانه: أنّ مالك بن أذعر قال: إنّي وجدت غلاما في بئر حاله كيت وكيت وابتعته من قوم بألف درهم فقال: أيّها الملك نحن بعنا ذلك الغلام منه، فغاظ يوسف ذلك وأمر بقتلهم فذهبوا بهم ليقتلوهم، فولّى يهوذا وهو يقول: كان يعقوب يحزن لفقد واحد منّا حتى كفّ بصره فكيف به إذا لو قتل بنوه كلّهم، ثمّ قالوا: إن فعلت ذلك فابعث بأمتعتنا إلى أبينا وإنّه في مكان كذا وكذا، فذاك حين رحمهم وبكى وقال لهم ذلك القول.\nوقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين قرأ كتاب أبيه إليه وذلك أنّ يعقوب لما قيل له: إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ، كتب إليه: من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق ذبيح الله، بن ابراهيم خليل الله أمّا بعد فإنّا أهل بيت موكّل بنا البلاء، فأمّا جدّي فشدّت يداه ورجلاه وألقي في النار فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وأمّا أبي فشدّت يداه ورجلاه ووضع السكّين على قفاه، ليقتل، ففداه الله، وأمّا أنا فكان لي ابن وكان أحبّ أولادي إليّ فذهب به إخوته إلى البريّة ثمّ أتوني بقميصه ملطّخا بالدم وقالوا: قد أكله الذئب وذهب [..........] «١» ثمّ كان لي ابن وكان أخاه من أمّه وكنت أتسلّى به، فذهبوا به ثمّ رجعوا وقالوا: إنّه سرق، وإنّك حبسته بذلك وإنّا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا، فإن رددته إليّ وإلّا دعوت عليك دعوة تنزل بالسابع من ولدك، فلمّا قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك البكاء وعيل صبره فقال لهم ذلك.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":252},{"text":"وقال بعضهم: إنّما قال ذلك حين سأل أخاه بنيامين: هل لك ولد؟ قال: نعم، ثلاثة بنين، قال: فما سمّيتهم؟ قال: سمّيت الأكبر يوسف قال: ولم؟ قال: محبّة لك، لأذكرك به، قال:\nفما سمّيت الثاني؟ قال: ذئبا، قال: ولم سمّيته بالذئب وهو سبع عاقر؟ قال: لأذكرك به، قال:\nفما سمّيت الثالث؟ قال: دماء، قال: ولم؟ قال لأذكرك به، فلمّا سمع يوسف المقالة خنقته العبرة، ولم يتمالك، فقال لإخوته: لمّا دخلوا عليه: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إذ فرّقتم بينهما وصنعتم ما صنعتم إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ، بما يؤول إليه أمر يوسف.\nوقيل: يكون المذنب جاهل وقت ذنبه.\nقال ابن عباس: إذا أنتم صبيّان، الحسن: شبان وهذا غير بعيد من الصواب لأنّ مظنّة الجهل الشباب.\nفإنّ سئل عن معنى قول يوسف ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ وقيل ما كان عنهم إلى أخيه وهم لم يسعوا في حبسه، فالجواب أنّهم لمّا أطلقوا ألسنتهم على أخيهم بسبب الصاع [حبس] وقالوا: ما رأينا منكم يا بني راحيل كما ذكرناه، فعاتبهم يوسف على ذلك. وقيل: إنّهما لمّا كانا من أمّ واحدة وكانوا يؤذونه بعد فقد يوسف فعاتبهم على ذلك.\nقالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ: قرأ ابن محصن وابن كثير: إنّك على الخبر، وقرأ الآخرون على الاستفهام، ودليلهم قراءة أبي بن كعب أو أنت يوسف، قال ابن إسحاق: لمّا قال يوسف لأخوته هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ الآية، كشف عنهم الغطاء ورفع الحجاب فعرفوه، فقالوا: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ، جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس، قال: قالَ يوسف: هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ؟ ثمّ تبسّم، وكان إذا تبسّم كأنّ ثناياه اللؤلؤ المنظوم، فلمّا أبصروا ثناياه شبّهوه بيوسف، فقالوا له استفهاما: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ؟، ابن سمعان عن عطاء عن ابن عباس قال: إنّ إخوة يوسف لم يعرفوه حتى وضع التاج عنه، وكان في قرنه علامة، وكان ليعقوب مثلها، وكان لإسحاق مثلها، وكان لسارة مثلها شبه الشامة البيضاء، فلمّا قال لهم: [هَلْ] عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ ورفع التاج عنه، فعرفوه فقالوا: إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ «١» . قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا بأن جمع بيننا بعد ما فرّقتم إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، وَيَصْبِرْ عمّا حرّم الله عليه، قال ابن عباس: يَتَّقِ الزنا وَيَصْبِرْ على العزوبة، مجاهد: يَتَّقِ معصية الله وَيَصْبِرْ على السجن فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، ف قالُوا مقرّين معتذرين: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا اختارك الله علينا بالعلم والحكم والعقل والفضل والحسن والملك وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ وإن كنّا في صنيعنا بك\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٥٦.","vol":"5","page":253},{"text":"لمخطئين، مذنبين، يقال: خطئ، يخطأ، خطأ وخطأ وأخطأ إذا أذنب، قال أميّة بن الأكسر:\nوإنّ مهاجرين تكنّفاه ... لعمر الله قد خطئا وخابا «١»\nوقيل لابن عباس: كيف قالوا: إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ وقد تعمّدوا لذلك؟ فقال: أخطئوا الحقّ وإن تعمّدوا، وكلّ من أتى ذنبا كذلك يخطئ المنهاج الذي عليه من الحقّ حتى يقع في الشبهة والمعصية ف قالَ يوسف وكان حليما موفّقا: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ لا تعيير ولا تأنيب عليكم، ولا أذكر لكم ذنبكم بعد اليوم، وأصل التثريب: الإفساد، وهي لغة أهل الحجاز، ومنه\nقول النبي ﷺ: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها»\n[١٢٥] «٢» أي لا يعيّرها، ثمّ دعا لهم يوسف وقال: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.\nعطاء عن ابن عباس قال: أخذ النبي ﷺ بعضادتي الباب يوم فتح مكّة وقد لاذ الناس بالبيت، وقال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده» «٣» [١٢٦] ثمّ قال: «ما «٤» تظنون؟» قالوا: نظنّ خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت، قال: «وأنا أقول كما قال أخي يوسف: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ» [١٢٧] «٥» .\nقال السدي وغيره: فلمّا عرّفهم يوسف نفسه سألهم عن أبيه، فقال: ما فعل؟ قالوا: ذهبت عيناه، فأعطاهم قميصه وقال لهم: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا يعود مبصرا، لأنّه كان دعاء. قال الضحاك: كان ذلك القميص من نسج الجنّة، روى السدّي عن أبيه عن مجاهد عن هذه الآية قال: كان يوسف أعلم بالله ﷿ من أن يعلم أنّ قميصه يردّ على يعقوب بصره، ولكنّ ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله ﷿ في النار من حرير الجنّة، وكان كساه إسحاق، وكان إسحاق كساه يعقوب وكان يعقوب، أدرج القميص وجعله في قصبة وعلّقه في عنق يوسف لما كان يخاف عليه من العين، ثمّ أمره جبرئيل (﵇) أن أرسل بقميصك فإنّ فيه ريح الجنّة لا يقع على مبتل ولا سقيم إلّا صحّ وعوفي.\nوَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٣/ ٧٣ وفيه حابا بدل خابا.\n(٢) كنز العمّال: ٥/ ٣٣٨، ح ١٣١١٦.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ١١، تفسير القرطبي: ٩/ ٢٥٨.\n(٤) في المصدر: ماذا تظنون يا معشر قريش.\n(٥) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٥٦. [.....]","vol":"5","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-410>[سورة يوسف (١٢): الآيات ٩٤ الى ١٠١]</span>\nوَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤) قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥) فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٩٦) قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ (٩٧) قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)\nفَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠) رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)\nوَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ يعني خرجت من عريش مصر متوجّهة إلى كنعان.\nقالَ أَبُوهُمْ لولد ولده إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ روي أنّ الريح استأذنت ربّها في أن تأتي يعقوب (﵇) بريح يوسف قبل أن يأتيه البشير، فأذن لها فأتته بها، ابن السدّي عن أبيه عن مجاهد، قال: أصاب يعقوب ريح يوسف من مسيرة ثلاثة أيّام وذلك أنّه هبّت فصفقت القميص فاحتملت الريح ريح القميص إلى يعقوب فوجد ريح الجنّة فعلم أن ليس في الأرض من ريح الجنّة إلّا أن تأتي من ذلك القميص فمن ثمّ قال: إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ، وهو منه على مسيرة ثماني ليال.\nوروى شعيبة عن أبي سنان قال: سمعت عبد الله بن أبي الهذيل قال: سمعت ابن عباس يقول: وجد يعقوب ريح يوسف روى أبو سنان عن أبي هذيل قال: سمعت ابن عباس يقول:\nوجد يعقوب ريح يوسف وهو منه على مسيرة ثماني ليال، وروى شعيبة عن أبي سنان قال:\nسمعت عبد الله بن أبي الهذيل عن ابن عباس في هذه الآية قال: وجد ريحه من مسيرة ما بين البصرة والكوفة. وقال الحسن: ذكر لنا أنّه كان بينهما يومئذ ثمانون فرسخا.\nلَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ: سفيان عن حصيف، عن مجاهد لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ، قال: تسفهون الرأي، عن ابن عباس: تجهلون، ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد: لولا أن تقولوا ذهب عقلك: سعيد بن جبير والسدّي ولضحّاك: تكذّبون، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، والحسن وقتادة: تهرمون، ومثله روى إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد، ربيع: تحمقون، جويبر عن الضحّاك: تهرمون، فتقولون: شيخ كبير قد خرف وذهب عقله، ابن يسار: تضعفون، أبو عمرو بن العلاء: تقبحون، الكسائي: تعجزون، الأخفش: تلومون، أبو عبيدة: تضللون، وأصل الفند: الفساد، قال النابغة:\nإلّا سليمان إذ قال المليك له ... قم في البرية فاحددها عن الفند «١»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٤١١، لسان العرب: ٣/ ١٤٢ وفيه الإله بدل المليك.","vol":"5","page":255},{"text":"أي أمنعها من الفساد، ولذلك يقال: اللوم تفنيد، قال الشاعر:\nيا صاحبيّ دعا لومي وتفنيدي ... فليس ما فات من أمر بمردود «١»\nوقال جرير بن عطية:\nيا عاذليّ دعا الملام وأقصرا ... طال الهوى وأطلتما التفنيدا «٢»\nوقال آخر:\nأهلكتني باللوم والتفنيد «٣»\nوالفند: الخطأ في الكلام والرأي ويقال:\nأفند فلانا الدهر إذا أفسده، ومنه قول ابن مقبل:\nدع الدهر يفعل ما أراد فإنّه ... إذا كلّف الافناد بالناس أفندا «٤»\nقالُوا يعني أولاد أولاده تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ خطأك الْقَدِيمِ من حبّك يوسف لا تنساه، فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ المبشّر برسالة يوسف، قال ابن عباس: البريد يهوذا بن يعقوب، ابن مسعود: جاءَ الْبَشِيرُ من بين يدي العير قال السدّي: قال يهوذا: أنا ذهبت بالقميص ملطّخا بالدم إلى يعقوب وأخبرته أنّ يوسف أكله الذئب، وأنا أذهب اليوم بالقميص وأخبره أنّه حيّ وأفرحه كما أحزنته، قال ابن عباس: حمله يهوذا دونهم، وخرج حاسرا حافيا وجعل يعدو حتى أتى أباه، وكان معه سبعة أرغفة لم يستوف أكلها، وكانت المسافة ثمانين فرسخا، وروى الضحّاك عن ابن عباس، قال: البشير مالك بن ذعر من أهل مدين.\nأَلْقاهُ يعني ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب، فَارْتَدَّ بَصِيرًا: فعاد بصيرا بعد ما كان عمي.\nعبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي عبد الله السلمي: قال سمعت يحيى بن مسلم عمّن ذكره قال: كان يعقوب أكرم أهل الأرض على ملك الموت، وإنّ ملك الموت استأذن ربّه في أن يأتي يعقوب فأذن له فجاءه فقال يعقوب: يا ملك الموت أسألك بالذي خلقك، هل أخذت نفس يوسف فيمن قبضت من النفوس؟ قال: لا، قال ملك الموت: يا يعقوب ألا أعلّمك دعاء؟ قال:\nبلى، قال: قل: يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا ولا يحصيه غيرك، قال: فدعا به يعقوب في تلك الليلة فلم يطلع الفجر حتى طرح القميص عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا، قال الضحّاك: رجع إليه\n_________\n(١) زاد المسير: ٤/ ٢١٣.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٨١.\n(٣) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٦٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١٣/ ٧٨.","vol":"5","page":256},{"text":"بصره بعد العمى والقوّة بعد الضعف والشباب بعد الهرم والسرور بعد الحزن.\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ من حياة يوسف وأنّ الله يجمع بيننا قالُوا بعد ذلك يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ مذنبين.\nقالَ يعقوب (﵇): سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي في صلاة الليل، قال أكثر المفسّرين: أخّره من الليل إلى السحر، وذلك أنّ الدعاء بالأسحار لا يحجب عن الله، فلمّا انتهى يعقوب إلى الموعد تقدّم إلى الصلاة بالسحر، فلمّا فرغ منها رفع يده إلى الله تعالى: اللهمّ اغفر لي حزني على يوسف وقلّة صبري عنه، واغفر لولدي ما أتوا على يوسف، فأوحى الله إليه: إنّي قد غفرت لك ولهم أجمعين.\nقال محارب بن دثار: كان عمّ لي يأتي المسجد، قال: فمررت بدار عبد الله بن مسعود فسمعته يقول: اللهمّ إنّك دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت فهذا سحر فاغفر لي. فسألته عن ذلك فقال: إنّ يعقوب أخّر استغفار بنيه إلى السحر بقوله: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي.\nعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ: «سوف أستغفر لكم ربّي، يقول: حتى يأتي يوم «١» الجمعة» [١٢٨] «٢» .\nقال وهب: كان يستغفر لهم كلّ ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة، وقال طاوس: أخّر إلى السحر من ليلة الجمعة فوافق ذلك ليلة عاشوراء.\nعن أبي سلمة عن عطاء الخراساني قال: طلب الحوائج إلى الشاب أسهل منها في الشيوخ، ألا ترى إلى قول يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، وقول يعقوب (﵇):\nسَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي.\nأبو الحسن الملاني الشعبي: قال: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي، قال: أسأل يوسف إن عفا عنكم استغفر لكم ربي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ روي أنّ يعقوب (﵇) قال للبشير لمّا أخبره بحياة يوسف، قال: كيف تركت يوسف؟ قال: إنّه ملك مصر، فقال يعقوب: ما أصنع بالملك؟ على أيّ دين تركته؟ قال: على دين الإسلام. فقال يعقوب: الآن تمّت النعمة.\nوقال الثوري: لمّا التقى يعقوب ويوسف (﵉) عانق كلّ واحد منهما صاحبه وبكيا، فقال يوسف: يا أبة بكيت عليّ حتى ذهب بصرك، ألم تعلم أنّ القيامة تجمعنا؟ قال:\nبلى بنيّ، ولكن خشيت أن تسلب دينك، فيحال بيني وبينك.\n_________\n(١) في المصدر: ليلة الجمعة.\n(٢) سنن الترمذي: ٥/ ٢٢٤، تفسير الطبري: ١٣/ ٨٥.","vol":"5","page":257},{"text":"قالوا: قد كان يوسف بعث مع البشير إلى يعقوب جهازا ومائتي راحلة، وسأل يعقوب أن يأتيه بأهله وولده أجمعين، متهيّأ يعقوب للخروج إلى مصر، فلمّا دنا من مصر كلّ يوسف الملك الذي فوقه فخرج يوسف والملك في أربعة آلاف من الجند، وركب أهل مصر معهما، يتلقون يعقوب، ويعقوب يمشي ويقود ركابه يهوذا، فنظر يعقوب إلى الخيل والناس، فقال ليهوذا: هذا فرعون مصر؟ قال: لا، هذا ابنك.\nفلمّا دنا كلّ واحد منهما من صاحبه ذهب يوسف ليبدأه بالسلام فمنع من ذلك وكان يعقوب أحقّ بذلك منه وأفضل، فابتدأه يعقوب بالسلام وقال: السلام عليك أيّها الذاهب بالأحزان، فذلك قوله ﷿: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.\nفإن قيل: كيف قال لهم يوسف: ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ بعد ما دخلوها، وقد أخبر الله أنّهم لما دخلوا على يوسف وضمّ إليه أبويه قال لهم هذا القول حين تلقّاهم قبل دخولهم مصر كما ذكرنا.\nوقال بعضهم: في الآية تقديم وتأخير، وهذا الاستثناء من قول يعقوب حين قال: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ومعنى الكلام: سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إن شاء الله إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ: ادْخُلُوا مِصْرَ ... آمِنِينَ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وهذا معنى قول أبي جرير، وقال بعضهم: إنّما وقع الاستثناء على الأمن لا على الدخول كقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «١»\nوقول رسول الله ﷺ عند دخول المقابر: «وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» [١٢٩] «٢» .\nفالاستثناء وقع على اللحوق بهم لا على الموت، وقيل: (إن) هاهنا بمعنى (إذ) كقوله تعالى: وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٣»، وقوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٤»، وقوله إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا «٥» .\nوقال ابن عباس: إنّما قال: آمِنِينَ لأنّهم فيما خلا كانوا يخافون ملوك مصر ولا يدخلون مصر لأنّهم لا جواز لهم، وأمّا قوله تعالى آوى فقال ابن إسحاق: أباه وأمّه وقال الآخرون:\n_________\n(١) سورة الفتح: ٢٧.\n(٢) صحيح مسلم: ١/ ١٥٠.\n(٣) سورة البقرة: ٢٧٨.\n(٤) سورة آل عمران: ١٣٩.\n(٥) سورة النور: ٣٣.","vol":"5","page":258},{"text":"أبوه وخالته لعيّا، وكانت راحيل أمّ يوسف قد ماتت في نفاسها وتزوّج يعقوب بعدها أختها لعيا فسمى الخالة أمّا كما سمّى العمّ أبا في قوله: نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ\nوروى إسحاق عن بشر عن سعيد عن الحسن، قال: نشر الله راحيل أمّ يوسف من قبرها حتى سجدت تحقيقا للرؤيا.\nوَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ على السرير، يعني أجلسهما عليه قال ابن إسحاق يعني رفع اسمهما وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا يعني يعقوب وخالته وإخوته، كانت تحيّة الناس يومئذ السجود، ولم يرد بالسجود وضع الجباه على الأرض، لأنّ ذلك لا يجوز إلّا لله تعالى وإنّما هو الانحناء والتواضع على طريق التحيّة والتعظيم والتسليم إلّا على جهة العبادة والصلاة، وهذا قول الأعشى بن ثعلبة:\nفلمّا أتانا بعيد الكرى ... سجدنا له ورفعنا العمارا «١»\nوقال آخر:\nفضول أزمتها لأمّها أسجدت ... سجود النصارى لأربابها «٢»\nوقيل: السجود في اللغة الخضوع كقول النابغة «٣»:\nبجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيه سجّدا للحوافر «٤»\nأي متطامنة ذليلة.\nقال [ثعلبة]: خرّوا يعني مرّوا، ولم يرد الوقوع والسقوط على الأرض، نظيره قوله تعالى:\nلَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا «٥» إنّما أراد لم يمرّوا كذلك، مجاهد: بمعنى المرور، وروي عن ابن عباس أنّ معناه خرّوا لله سجّدا فقوله: له كناية عن الله تعالى وَقالَ يوسف عند ذلك واقشعرّ جلده: هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا، وهو قوله إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا.\nواختلفوا في مدّة غيبة يوسف عن يعقوب، فقال الكلبي: مائتان وعشرون سنة، سلمان الفارسي: أربعون سنة، عبد الله بن شدّاد: سبعون سنة وقيل: سبع وسبعون سنة، وقال الحسن:\nألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة، وعاش بعد لقائه\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٧٥٨.\n(٢) الصحاح: ٢/ ٤٨٤، تفسير القرطبي: ١/ ٢٩١ وفيه لأحبارها بدل لأربابها. [.....]\n(٣) في المصدر: كقول زيد الخيل بدل النابغة.\n(٤) الصحاح: ٢/ ٤٨٣، تفسير الطبري: ١/ ٤٢٧.\n(٥) سورة الفرقان: ٧٣.","vol":"5","page":259},{"text":"بيعقوب ثلاثا وعشرين سنة، ومات وهو ابن عشرين ومائه سنة، وفي التوراة: مائة وستّ وعشر سنين. في قول ابن إسحاق بن يسار: ثمانين وسبعة أعوام، وقال ابن أبي إسحاق: ثماني عشرة سنة، وولد ليوسف من امرأة العزيز: افراثيم وميشا ورحمة امرأة أيّوب، وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة.\nوَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ولم يقل من الجبّ استعمالا للكرم لئلّا يذكّر إخوته صنيعهم، وقيل: لأنّ نعمة الله عليه في النجاة من السجن أكبر من نعمته عليه في إنقاذه من الجب، وذلك أنّ وقوعه في البئر كان لحسد إخوته، ووقوعه في السجن مكافأة من الله لزلّة كانت منه.\nوَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ وذلك أنّ يعقوب وبنوه كانوا أهل بادية ومواشي، والبدو مصدر قولك: بدا، يبدو، بدوّا، إذا صار بالبادية، مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ أفسد الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ ذو لطف وصنع لِما يَشاءُ عالم بدقائق الأمور وحقائقها، إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.\nروى عبد الصمد عن أبيه عن وهب: قال: دخلوا- يعني يعقوب وولده- مصر وهم اثنان وسبعون إنسانا ما بين رجل وامرأة وخرجوا منها مع موسى ومقاطنهم ستّمائة ألف وخمسمائة وبضع وسبعون رجلا سوى الذرّية والهرمى والزمنى، وكانت الذرّية ألف ألف ومائتا ألف سوى المقاتلة.\nقال أهل التاريخ: أقام يعقوب بمصر بعد موافاته بأهله أربعا وعشرين سنة في أغبط حال وأهنأ عيش، ثمّ مات بمصر، ولمّا حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه يوسف أن يحمل جسده حتى يدفنه عند أبيه إسحاق، ففعل يوسف ذلك ومضى به حتى دفنه بالشام، ثمّ انصرف إلى مصر.\nقال سعيد بن جبير: نقل في تابوت من ساج إلى بيت المقدس ووافق ذلك يوم مات عيصوا فدفنا في قبر واحد، فمن ثمّ تنقل اليهود موتاهم إلى بيت المقدس من فعل ذلك منهم، وولد يعقوب وعيص في بطن واحد، ودفنا في قبر واحد وكان عمرهما جميعا مائة وسبعة وأربعين سنة.\nقالوا: فلمّا جمع الله ليوسف شمله وأقرّ له عينه وأتمّ له رؤياه، وكان موسّعا له في ملك الدنيا ونعيمها علم أنّ ذلك لا يدوم له وأن لا بدّ له من فراقه فأراد نعيما هو [أدوم] منه، فاشتاقت نفسه إلى الجنّة فتمنى الموت ودعا ربّه، ولم يتمنّ نبي قبله ولا بعده الموت فقال: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ يعني ملك مصر وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ يعني تعبير الرؤيا فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقها وبارئها.\nأَنْتَ وَلِيِّي معيني فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تتولّى أمري تَوَفَّنِي اقبضني إليك مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ بآبائي النبيين.","vol":"5","page":260},{"text":"قيل: فتوفّاه الله طيّبا طاهرا بمصر، ودفن في النيل في صندوق رخام، وذلك أنّه لما مات تشاحّ الناس عليه كلّ يحب أن يدفن في محلّتهم لما يرجون من بركته، فاجتمعوا على ذلك حتى همّوا بالقتال، فرأوا أن يدفنوه في النيل حيث مفرق الماء بمصر فيمرّ الماء عليه ثمّ يصل الماء إلى جميع مصر، فيكونوا كلّهم فيه شرعا واحدا ففعلوا.\nوروى صالح المرّي، عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، قال: إنّ الله ﷿ لمّا جمع ليعقوب شمله خلا ولده نجيّا، فقال بعضهم لبعض: أليس قد علمتم ما صنعتم وما لقي منكم الشيخ وما لقي منكم يوسف؟ قالوا: بلى، قال: فإن أعفوا عنكم ولكن كيف لكم بربّكم؟، فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جنب أبيه قاعد.\nقالوا: يا أبانا أتيناك في أمر لم نأتك في مثله قط، ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله، حتى حرّكوه، والأنبياء (﵈) أرحم البريّة، فقال: ما لكم يا بنيّ؟ قالوا: ألست قد علمت ما كان منّا إليك، وما كان منّا إلى أخينا يوسف؟ قالا: بلى، وقالوا: أفلستما قد عفوتما، قالا:\nبلى، قالوا: فإنّ عفوكما لا يغني عنّا إن كان الله لم يعف عنّا، قال: فما تريدون يا بني؟ قالوا:\nنريد أن تدعو الله فإذا جاء الوحي من عند الله بأنّه قد عفا صنعنا قرّت أعيننا واطمأنّت قلوبنا، وإلّا فلا قرّة عين لنا في الدنيا أبدا، فقام الشيخ واستقبل القبلة وقام يوسف خلف أبيه، وقاموا خلفهما أذلّة خاشعين، فدعا يعقوب وأمّن يوسف فلم يجب فيهم عشرين سنة.\nقال صالح المرّي: يخيفهم، حتى إذا كان رأس العشرين نزل جبرئيل على يعقوب فقال:\nإنّ الله ﵎ بعثني إليك أبشّرك، فإنّه قد أجاب دعوتك في ولدك، وإنّه قد عفا عمّا صنعوا، فإنّه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوّة، وذلك الذي ذكرت وقصصت عليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>[سورة يوسف (١٢): الآيات ١٠٢ الى ١١١]</span>\nذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢) وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (١٠٤) وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)\nأَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٠٧) قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩) حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)","vol":"5","page":261},{"text":"ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ والخطاب لرسول الله ﷺ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ وما كنت يا محمّد عند أولاد يعقوب إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أي تعاهدوا على إلقاء يوسف في غيابة الجب، وَهُمْ يَمْكُرُونَ بيوسف، وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ على إيمانهم بِمُؤْمِنِينَ وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ أي على تبليغ الرسالة والدعاء إلى الله مِنْ أَجْرٍ: جعل وجزاء إِنْ هُوَ يعني القرآن والوحي إِلَّا ذِكْرٌ: عظة وتذكير لِلْعالَمِينَ وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ وكم قول فيه عظة وعبرة ودلالة فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ لا يتفكّرون فيها ولا يعتبرون بها.\nالحرث بن قدامة عن عكرمة أنّه قرأ: وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها رفعا، عن محمّد بن عمر قال: سمعت عمرو بن وائل يقرأ: وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ قطعا، وَالْأَرْضُ يَمُرُّونَ عَلَيْها رفعا، أبو حمزة الثمالي عن السدي: أنّه قرأ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها نصبا، وقرأ: يمرون على الأرض، وعن ابن مجاهد قال: حدّثنا إسحاق الحربي أبو حذيفة، حدّثنا سفيان قال: وقرأ عبد الله: وكأيّن من آية في السماوات والأرض يمشون عليها.\nوَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ عكرمة في قول الله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: من إيمانهم إذا سئلوا: مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ؟ قالوا: الله، وإذا سئلوا من نزّل القطر؟ قالوا: الله، ثمّ هم يشركون، وروى جابر عن عكرمة وعامر، في قوله تعالى: وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قالا: يؤمنون بالله أنّه ربّهم وهو خالقهم ويشركون من دونه، وهذا قول أكثر المفسّرين.\nوروى بن جبير عن الضحّاك عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في تلبية مشركي العرب وكانوا يقولون في تلبيتهم: لبّيك لا شريك لك إلّا شريك هو لك، تملكه وما ملك، وكان فيها يخزونك من تلبي: فأجب يا الله لولا أن بكرا دونك بني غطفان وهم يلونك، ينزل الناس ويخزونك، ما زال منا غنجا يأتونك، وكانت تلبية حرمهم: خرجنا عبادك الناس طرف وهم تلادك، وهم قديما عمّروا بلادك، وقد تعادوا فيك من يعادك، وكانت تلبية قريش: [اللهمّ لبّيك، لا شريك لك إلّا شريكا هو لك تملكه وما ملك] «١»، وكانت تلبية حمدان وغسان وقضاعة وجذام وتلقين وبهرا: نحن عبادك اليماني إنّا نحجّ ثاني [على الطريق الناجي نحن نعادي] جئنا إليك حادي «٢» . فأنزل الله وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ يعني في التلبية.\nوقال: لمّا سمع المشركون ما قبل هذه الآية من الآيات قالوا: فإنّا نؤمن بالله الذي خلق هذه الأشياء ولكنّا نزعم أنّ له شريكا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\n_________\n(١) زيادة عن أخبار مكّة للأزرقي: / ١٩٤، وتاريخ دمشق: ١٩/ ٥٠١، والعبارة غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) ذكر اليعقوبي تلبية كلّ قبيلة من العرب مفصّلا فليراجع تاريخ اليعقوبي: ١/ ٢٥٥ وفيها اختلاف عمّا ذكره المصنّف هنا.","vol":"5","page":262},{"text":"عطاء: هذا في الدعاء وذلك أنّ الكفّار أشركوا بربّهم في الرخاء، فإذا أصابهم البلاء أخلصوا في الدعاء، بيانه قوله تعالى: وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «١» وقوله تعالى: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «٢» وقوله: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ «٣» وقوله: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ «٤» .\nوقال بعض أهل المعاني: معناه وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قبل إيمانهم، نظيره قوله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا «٥» يعني كانوا هم أشدّ منهم بطشا. وقال وهب: هذه في وقعة الدخان وذلك أنّ أهل مكّة لمّا غشيهم الدخان في سنيّ القحط قالوا: رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، وذلك إيمانهم وشكرهم عودهم إلى الكفر بعد كشف العذاب بيانه قوله: إِنَّكُمْ عائِدُونَ «٦» والعود لا يكون، إلّا بعد ابتداء والله أعلم أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ قال ابن عباس: مجللة، مجاهد: عذاب يغشاهم، نظيره قوله:\nيَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ «٧»: قتادة: وقيعة، الضحّاك: يعني الصواعق والقوارع أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ القيامة بَغْتَةً فجأة، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بقيامها، ابن عباس: تصيح الصيحة بالناس وهم في أسواقهم.\nقُلْ لهم يا محمّد هذِهِ الدعوة التي أدعو إليها والطريقة التي أنا عليها سَبِيلِي سنّتي ومنهاجي، قاله ابن زيد، وقال الربيع: دعوتي، الضحّاك: دعائي، مقاتل: ديني، نظيره قوله تعالى: ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ «٨» أي دينه، أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ على يقين، يقال: فلان مستبصر في كذا أي مستيقن أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي آمن بي وصدّقني فهو أيضا يدعو إلى الله، هذا قول الكلبي، وابن زيد قال: أحقّ والله على من اتّبعه أن يدعو إليّ بما دعا إليه، ويذكر بالقرآن والموعظة، وينهى عن معاصي الله.\nوقيل: معناه أنا ومن اتّبعني على بصيرة، يقول: كما أنّي على بصيرة، فكذلك من آمن بي واتّبعني فهو على بصيرة أيضا، قال ابن عباس: يعني أصحاب محمّد ﷺ كانوا على أحسن طريقة وأقصد هداية، معدن العلم، وكنز الإيمان وجند الرحمن. وَسُبْحانَ اللَّهِ أي وقل:\n_________\n(١) سورة يونس: ٢٢.\n(٢) سورة لقمان: ٣٢.\n(٣) سورة يونس: ١٢.\n(٤) سورة فصّلت: ٥١.\n(٥) سورة ق: ٣٦.\n(٦) سورة الدخان: ١٥.\n(٧) سورة العنكبوت: ٥٥.\n(٨) سورة النحل: ١٢٥.","vol":"5","page":263},{"text":"سبحان الله تنزيها له عمّا أشركوا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ: يا محمّد إِلَّا رِجالًا لا ملائكة، نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعني من أهل الأمصار دون أهل البوادي لأنّ أهل الأمصار أعقل وأفضل وأعلم وأحلم.\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا يعني هؤلاء المشركين المنكرين لنبوّتك فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أخبر بأمر الأمم المكذّبة من قبلهم، فيعتبروا وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا يقول جلّ ثناؤه: هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا أن ننجيهم عند نزول العذاب، وما في دار الآخرة لهم خير، فترك ما ذكرنا، آنفا لدلالة الكلام عليه، وأضيف الدار إلى الآخرة ولا خلاف لتعظيمها كقوله تعالى: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ «١» وقولهم: عام الأوّل، وبارحة الأولى ويوم الخميس وربيع الآخر: وقال الشاعر:\nولو أقوت عليك ديار عبس ... عرفت الذلّ عرفان اليقين «٢»\nيعني عرفانا.\nأَفَلا يَعْقِلُونَ يؤمنون حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا اختلف القرّاء في قوله: كُذِبُوا\nفقرأها قوم بالتخفيف «٣» وهي قراءة علي بن أبي طالب (﵇) وابن عباس وابن مسعود وأبي بن كعب وأبي عبد الرحمن السلمي وعكرمة والضحاك وعلقمة ومسروق والنخعي وأبي جعفر المدني ومحمّد بن كعب والأعمش وعيسى بن عمر الهمداني وأبي إسحاق السبيعي وابن أبي ليلى وعاصم وحمزة وعلي بن الحسين وابنه محمّد بن علي وابنه جعفر بن محمّد، وعبد الله بن مسلم وابن يسار\n، واختارها الكسائي وأبي عبيدة.\nوروي عن النبي ﷺ أنّه قرأ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا مخفّفة\nوهي قراءة عائشة و[هرقل] الأعرج ونافع والزهري وعطاء بن أبي رياح وعبد الله بن كثير وعبد الله بن الحارث وأبي رجاء والحسن.\nوقتادة وأبي عمرو وعيسى وسلام وعمرو بن ميمون ويعقوب، ورويت أيضا عن النبي ﷺ، فمن قرأ بالتخفيف، فمعناه: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنّ قومهم أنّ الرسل قد كذبتهم في وجود العذاب.\nوروى الخبر عن شعيب بن الحجاج عن إبراهيم عن أبي حمزة الجزري: قال صنعت طعاما فدعوت ناسا من أصحابنا منهم: سعيد بن جبير وأرسلت إلى الضحّاك بن مزاحم فأبى أن\n_________\n(١) سورة الواقعة: ٩٥. [.....]\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ١٠٦.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ٩/ ٢٧٥، وزاد المسير، تجد اختلاف في الأسماء فتأمّل.","vol":"5","page":264},{"text":"يجيئني فأتيته فلم أدعه حتى جاء، قال: فسأل فتى من قريش سعيد بن جبير فقال: يا أبا عبد الله كيف تقرأ هذا الحرف فإنّي إذا أتيت عليه تمنّيت إنّي لا أقرأ هذه السورة: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا قال: نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدّقوهم، وظنّ المرسل إليهم أنّ الرسل كذّبوهم.\nقال: فقال الضحّاك: ما رأيت كاليوم قط رجلا يدعى إلى علم فيتلكّأ، لو رحلت في هذه إلى اليمن لكان قليلا «١» .\nوقال بعضهم: معنى الآية على هذه القراءة حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من إيمان قومهم وظنّت الرسل أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا فيما وجدوا من النصرة. وهذه رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال:\nكانوا دعوا فضعفوا ويئسوا وظنوا أنّهم أخلفوا ثمّ قوله تعالى: حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ الآية، ومن قرأ بالتشديد فمعناها، حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من قومهم أن يؤمنوا بهم وظنّت الرسل أي استيقنت أنّ أممهم قد كذبوهم جاءَهُمْ نَصْرُنا، وعلى هذا التأويل يكون الظنّ بمعنى العلم واليقين كقول الشاعر:\nفقلت لهم ظنوا بألفي متلبب «٢» ... سراتهم في الفارسيّ المسرد «٣»\nأي أيقنوا.\nوهذا معنى قول قتادة، وقال بعضهم: معنى الآية على هذه القراءة حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ ممّن كذّبهم من قومهم أن يصدّقونهم، وظنّت الرسل أنّ من قد آمن بهم وصدّقوهم قد كذّبوهم فارتدوا عن دينهم لاستبطائهم النصر جاءَهُمْ نَصْرُنا وهذا معنى قول عائشة.\nوقرأ مجاهد كذبوا بفتح الكاف والذال مخفّفة ولها تأويلان: أحدهما: حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ أن يعذب قومهم، وظنّ قومهم أنّ الرسل قد كذبوا جاء الرسل نصرنا، والثاني:\nحَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ من إيمان قومهم وظنّت الرسل أنّ قومهم قد كذبوا على الله بكفرهم، ويكون معنى الظنّ اليقين على هذا التأويل، والله أعلم.\nفَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ عند نزول العذاب وهم المطيعون والمؤمنون وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عذابنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ يعني المشركين، واختلف القرّاء في قوله فنجّي فقرأها عامّة القراء فننجّي بنونين على معنى فنحن نفعل بهم ذلك، فأدغم الكسائي أحد النونين في الأخرى فقرأ: فَنُجِّيَ بنون واحدة وتشديد الجيم، وقرأ عاصم بضمّ النون وتشديد الجيم وفتح الياء على مذهب ما لم\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥١٦، والدرّ المنثور: ٤/ ٤١.\n(٢) في المصدر: [محجج] .\n(٣) لسان العرب: ١٣/ ٢٧٢، تفسير الطبري: ٢٥/ ١٧٩.","vol":"5","page":265},{"text":"يسمّ فاعله، واختار أبو عبيد هذه القراءة لأنّها في مصحف عثمان، وسائر مصاحف البلدان بنون واحدة وقرأ ابن محيصن فنجا من نشاء بفتح النون والتخفيف على أنّه فعل ماض ويكون محلّه على قراءة عاصم وابن محيصن رفعا، وعلى قراءة الباقين نصبا.\nلَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ أي في خبر يوسف وأخوته عِبْرَةٌ عظة لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ يعني القرآن حَدِيثًا يُفْتَرى يختلق وَلكِنْ تَصْدِيقَ يعني ولكن كان تصديق الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ أي ما قبله من الكتب وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ ممّا يحتاج إليه العباد وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.","vol":"5","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>سورة الرعد</span>\nمدنية قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: إنّها مكّيّة إلّا آيتين، قوله: وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا، وقوله وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ.\nوهي ثلاثة آلاف وخمسمائة وست أحرف وثمان و[..........] «١» وخمسون كلمة وثلاث وأربعون آية.\nسعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ سحاب مضى وكلّ سحاب يكون إلى يوم القيامة، وكان يوم القيامة من الموفين بعهد الله ﷿» [١٣٠] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالمر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)\nالمر قال ابن عباس: معناه: أنا الله أعلم وأرى تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ يعني تلك الأخبار التي قصصناها عليك آيات التوراة والإنجيل والكتب المتقدّمة وَالَّذِي أُنْزِلَ يعني وهذا القرآن الذي أنزل إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هو الْحَقُّ فاعتصم به واعمل بما فيه، فيكون محلّ الَّذِي رفعا على الابتداء و(الْحَقُّ) خبره، وهذا كلّه معنى قول مجاهد وقتادة، ويجوز أن يكون محلّ\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٦/ ٥.","vol":"5","page":267},{"text":"(الَّذِي) خفضا يعني تلك آيات الكتاب وآيات الذي أنزل إليك ثم ابتداء الحقّ يعني ذلك الحقّ كقوله: وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ يعني ذلك الحقّ.\nوقال ابن عباس: أراد بالكتاب القرآن فيكون معنى الآية على هذا القول: هذه آيات الكتاب يعني القرآن، ثمّ قال: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربّك هو الحقّ، قال الفرّاء: وإن شئت جعلت (الَّذِي) خفضا على أنّه نعت الكتاب وإن كانت فيه الواو كما تقول في الكلام: أتانا هذا الحديث عن أبي حفص والفاروق وأنت تريد ابن الخطّاب، قال الشاعر:\nأنا الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم «١»\nوَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ قال مقاتل: نزلت هذه الآية في مشركي مكّة حين قالوا:\nإنّ محمّدا يقول القرآن من تلقاء نفسه، ثمّ بين دلائل ربوبيّته وشواهد قدرته فقال عزّ من قائل:\nاللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ وهذه الآية من جملة مائة وثمانين آية أجوبة لسؤال المشركين رسول الله ﷺ: إنّ الربّ الذي تعبده ما فعله وصنيعه؟ وقوله: بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها يعني السواري والدعائم واحدها عمود وهو العمد والبناء، يقال: عمود وعمد مثل أديم وأدم، وعمدان، وكذا مثل رسول ورسل، ويجوز أن يكون العمد جمع عماد، ومثل إهاب وأهب، قال النابغة:\nوخيس الجنّ إنّي قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصّفاح والعمد «٢»\nواختلفوا في معنى الآية فنفى قوم العمد أصلا، وقال: رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ وهو الأقرب الأصوب، وقال جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس: يعني ليس من دونها دعامة تدعهما، ولا فوقها علاقة تمسكها، وروى حمّاد بن سملة عن إياس بن معاوية قال: السماء مقبّبة على الأرض مثل القبر، وقال آخرون: معناه: الله الذي رفع السماوات بعمد ولكن لا ترونها، فأثبتوا العمد ونفوا الرؤية، وقال الفرّاء من تأوّل ذلك فعلى مذهب تقديم العرب الجملة من آخر الكلمة الى أوّلها كقول الشاعر:\nإذا أعجبتك الدهر حال من أمرى ... فدعه وأوكل «٣» حاله واللياليا\nتهين «٤» على ما كان عن صالح به ... فان كان فيما لا يرى الناس آليا «٥»\nمعناه: وإن كان فيما يرى الناس لا يألو. وقال الآخر:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢/ ١٣٧.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٢٩١.\n(٣) في المصدر: وواكل.\n(٤) في المصدر: يجئن.\n(٥) تفسير الطبري: ١٢٣.","vol":"5","page":268},{"text":"ولا أراها تزال ظالمة ... تحدث لي نكبة وتنكرها «١»\nمعناه: أراها لا تزال ظالمة فقدّم الجحد.\nثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ علا عليه وقد مضى تفسيره، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ أي ذلّلها لمنافع خلقه ومصالح عباده كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أي كلّ واحد منهما يجري الى وقت قدّر له، وهو فناء الدنيا وقيام الساعة التي عندها تكور الشمس ويخسف القمر وتنكدر النجوم، وقال ابن عباس: أراد بالأجل المسمّى درجاتهما ومنازلهما التي ينتهين إليها لا يجاوزانها.\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ قال مجاهد: يقضيه وحده يُفَصِّلُ الْآياتِ ينتهيان، لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ لكي توقنوا بوعدكم وتصدّقوه وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ بسطها، وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ جبالا، واحدتها راسية وهي الثابتة، يقال: إنّما رسيت السفينة، وأرسيت الوتد في الأرض إذا أثبتّها، قال الشاعر:\nحبّذا ألقاه سائرين وهامد ... وأشعث أرست الوليدة بالفهر\nقال ابن عباس: كان أبو قبيس أوّل جبل وضع على الأرض، وَأَنْهارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ صنفين وضربين اثْنَيْنِ: قال أبو عبيدة يكون الزوج واحدا واثنين، وهو هاهنا واحد، قال القتيبي: أراد من كلّ الثمرات لونين حلوا وحامضا يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ يستدلّون ويعتبرون وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ أبعاض متقاربات متدانيات يقرب بعضها من بعض بالجوار ويختلف بالتفاضل، ومنها عذبة ومنها طيبة ومنها طيبة منبت لأنها بجنته ومنها سبخة لا تنبت.\nوَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ رفعها ابن كثير وأبو عمرو عطفا على الجنات، وكسرها الآخرون عطفا على الأعناب. والصنوان جمع صنو، وهي النخلات يجمعهن أصل واحد فيكون الأصل واحد، ويتشعب به الرءوس فيصير نخلا، كذا قال المفسرون، قالوا: صِنْوانٌ مجتمع وَغَيْرُ صِنْوانٍ متفرق.\nقال أهل اللغة: نظيرها في كلام العرب، صِنْوانٌ واحد، واحدها صنو والصنو المثل وفيه قيل: شمّ الرجل صنوانه ولا فرق فيهما بين التثنية والجمع إلّا بالإعراب وذلك أن النون في التثنية مكسورة غير منونة وفي الجمع منونة تجري جريان الإعراب.\nخالفوا كلهم على خفض الصاد من صنوان إلّا أبا عبد الرحمن السلمي فإنه ضم صاده.\n_________\n(١) مغني اللبيب: ٢/ ٣٩٣، وتفسير الطبري: ١٣/ ١٢٣.","vol":"5","page":269},{"text":"يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ. قرأ عاصم وحميد وابن الحسن وابن عامر: بالياء على معنى يسقى ذلك كله بماء واحد.\nوقرأ الباقون: بالتاء لقوله جَنَّاتٌ.\nواختاره أبو عبيد قال: وقال أبو عمرو: مما يصدق التأنيث قوله بَعْضَها عَلى بَعْضٍ ولم يقل بعضه. وَنُفَضِّلُ. قرأ الأعمش وحمزة والكسائي: بالياء ردا على قوله يُدَبِّرُ ويفضّل ويُغْشِي.\nوقرأها الباقون: بالنون بمعنى ونحن نفضل بعضها على بعض في الأكل.\nقال الفارسي: والدفل «١» والحلو والحامض.\nقال مجاهد: كمثل صالح بني آدم وخبيثهم أبوهم واحد.\nعبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول لعلي كرم الله وجهه:\n«الناس من شجر شتى وأنا وأنت من شجرة واحدة» [١٣١] ثم قرأ النبي ﷺ: وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ حتى بلغ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ «٢» .\nقال الحسن: هذا مثل ضربه الله لقلوب بني آدم، كانت الأرض في يد الرحمن طينة واحدة فبسطها وبطحها فصارت الأرض قطعا متجاورة، فينزل عليها الماء من السماء فيخرج هذه زهرتها وثمرها وشجرها ويخرج قاتها «٣» ويحيي موتاها ويخرج هذه سبخها وملحها وخبثها وكلتاهما تسقى بماء واحد. فلو كان الماء مجا قيل: إنما هذه من قبل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم فينزل عليهم من السماء تذكرة فترقّ قلوب فتخنع وتخشع، تقسوا قلوب فتلهو وتقسو وتجفو.\nوقال الحسن: والله ما جالس القرآن أحد إلّا قام من عنده إلّا في زيادة ونقصان.\nقال الله ﷿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا ... إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.\n_________\n(١) هكذا في الأصل. [.....]\n(٢) مستدرك الصحيحين: ٢/ ٢٤١، وكنز العمال: ١١/ ٦٠٨، ح ٣٢٩٤٤، وتاريخ دمشق: ٤٢/ ٦٤، ط.\nدار الفكر.\n(٣) هكذا في المخطوط.","vol":"5","page":270},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-414>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٥ الى ١٠]</span>\nوَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٥) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ (٧) اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَما تَزْدادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ (٨) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ (٩)\nسَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ (١٠)\nوَإِنْ تَعْجَبْ يا محمد من تكذيب هؤلاء المشركين واتخاذهم ما لا يضر ولا ينفع آلهة يعبدونها من دون الله، وهم قراء تعبدون من الله وامره وما ضرب الله من الأمثال فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ فتعجب أيضا من قيلهم إِذا كُنَّا تُرابًا بعد الموت إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ فيعاد خلقنا جديدا كما كنا قبل الوجود.\nقال الله: أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ «١» يوم القيامة وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ جهنم وَيَسْتَعْجِلُونَكَ يعني مشركي مكة بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ الرخاء والعافية، وذلك أنّهم سألوا رسول الله ﷺ إن جاءهم العذاب فاستهزأ منهم بذلك.\nوقالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ «٢» الآية وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وقد مضت من قبلهم في الأمم التي عصت ربها وكذبت رسلها، العقوبات المنكلات واحدتها: مثلة بفتح الميم وضم التاء مثل صدقة وصدقات.\nوتميم: بضم التاء والميم جميعا، وواحدتها على لغتهم مثلة بضم الميم وجزم الثاء مثل عرفة وعرفات والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وسكون الثاء.\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ.\nأحمد بن منبه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال: ولما نزلت هذه الآية وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ قال رسول الله ﷺ: لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ لأحد العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل أحد» [١٣٢] «٣» .\nوَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ يعني على محمد ﷺ آيَةٌ علامة وحجة على نبوته، قال الله: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ مخوف وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ داع يدعوهم إلى الله ﷿ إمام يأتمون به.\nوقال الكلبي: داع يدعوهم إلى الضلالة أو إلى الحق.\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٨٢.\n(٢) سورة الأنفال: ٣٢.\n(٣) الدر المنثور: ٤/ ٤٥.","vol":"5","page":271},{"text":"أبو العالية: قائد، أبو صالح قتادة مجاهد: نبي يدعوهم إلى الله.\nسعيد بن جبير: يعني بالهادي الله ﷿.\nوهي رواية العوفي، عن ابن عباس قال: المنذر محمد، والهادي الله.\nعكرمة وأبو الضحى: الهادي محمد (ﷺ) .\nوروى السدي عن عبد الله بن علي قوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال: قال النبي ﷺ: «المنذر أنا، الهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه» [١٣٣] «١» .\nوروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله ﷺ يده على صدره فقال: «أنا المنذر» وأومأ بيده إلى منكب علي (﵁) فقال:\n«فأنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي» [١٣٤] «٢» .\nودليل هذا التأويل:\nما\nروي عن سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن زيد عن ربيع عن حذيفة: إنّ النبي ﷺ قال: «إن وليتموها أبا بكر فزاهد في الدنيا راغب في الآخرة وفي جسمه ضعف، وإن وليتموها عمر فقوي أمين لا تأخذه في الله لومة لائم، وإن وليتموها عليا فهاد مهدي يقيمكم على طريق مستقيم» [١٣٥] «٣» .\nردا على منكري البعث القائلين أَإِذا كُنَّا تُرابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ فقال سبحانه: اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني تنقص.\nقال المفسرون: غيض الأرحام الحيض على الحمل، فإذا حاضت الحامل كان نقصانا في غذاء الولد وزيادة في مدة الحمل، فإنها بكل يوم حاضت على حملها يوم تزداد في طهرها حتى يستكمل ستة أشهر ظاهرا. فإن رأت الدم خمسة أيام ومضت التسعة أشهر وخمسة أيام، وهو قوله: وَما تَزْدادُ.\nروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ خروج الدم حتى تحض، يعني حين المولد، وَما تَزْدادُ استمساك الدم إذا لم تهرق المرأة تم الولد وعظم، وفي هذه الآية دليل على أنّ الحامل تحيض وإليه ذهب الشافعي.\nوقال الحسن: غيضها ما تنقص من التسعة الأشهر وزيادتها ما تزداد على التسعة الأشهر.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ١٢٦.\n(٢) الدر المنثور: ٤/ ٣٥.\n(٣) كنز العمال: ١١/ ٦٣١، ٣٣٠٧٥.","vol":"5","page":272},{"text":"الربيع بن أنس: ما يغيض الأرحام يعني السقط وَما تَزْدادُ يعني توأمين إلى أربعة.\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس: ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ يعني به السقط.\nوروى عبيد بن سليمان عن الضحاك قال: الغيض النقصان من الأجل، والزيادة ما يزداد على الأجل، وذلك أنّ النساء لا يلدن لعدّة واحدة ولا لأجل معلوم وقد يولد الولد لستة أشهر فيعيش ويولد لسنتين ويعيش.\nقال: وسمعت الضحاك يقول: ولدت لسنتين قد نبتت ثناياي، وروى هيثم عن حصين قال: مكث الضحاك في بطن أمه سنتين.\nوروى ابن جريح عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت: لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحو ظل المغزل، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وجماعة من الفقهاء «١» .\nوقال الشافعي وجماعة من الفقهاء: أكثر الحمل أربع سنين، يدل عليه ما أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الحافظ، أحمد بن إبراهيم بن الحسين بن محمد قال: سمعت أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الفرج الأحمري سمعت عباس بن نصر البغدادي سمعت صفوان ابن عيسى يقول: مكث محمد بن عجلان في بطن أمه ثلاث سنين فشق بطن أمه وأخرج وقد نبتت أسنانه.\nوروى ابن عائشة عن حماد بن سلمة قال: إنما سمي هرم بن حيان هرما لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين.\nوَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ بحد لا يجاوزه ولا ينقص عنه، والمقدار مفعال من القدر عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الذي كل شيء دونه الْمُتَعالِ المستعلي على كل شيء بقدرته سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ في ظلمته وَسارِبٌ ظاهر بِالنَّهارِ ضوءه لا يخفى عليه من ذلك.\nوقال أبو عبيدة: سارِبٌ بِالنَّهارِ أي سالك في سربه أي مذهب ووجهة، يقال: سارب سربه بفتح السين أي طريقه.\nقال قيس بن الحطيم:\nإني سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب\nالشعبي: سارِبٌ بِالنَّهارِ منصرف في حوائجه يقال: سرب يسرب.\nقال الشاعر:\n_________\n(١) راجع نصب الراية: ٣/ ٤٥٤، وسنن الدارقطني: ٣/ ٢٢١.","vol":"5","page":273},{"text":"أرى كلّ قوم قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب «١»\nأي ذاهب.\nقال ابن عباس: في هذه الآية هو صاحب ريبة مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ، فإذا خرج بالنهار رأى الناس أنه بريء من الإثم.\nوقال بعضهم: مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ أي ظاهر، من قولهم: خفيت الشيء إذا أظهرته، وَسارِبٌ بِالنَّهارِ أي متوار داخل في سرب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١١ الى ١٤]</span>\nلَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ (١٣) لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (١٤)\nلَهُ أي لله تعالى مُعَقِّباتٌ ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار فإذا صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة النهار أعقبتها ملائكة الليل، والتعقيب العود بعد المبدأ، قال الله وَلَمْ يُعَقِّبْ وإنما ذكرها هنا بلفظ جمع التأنيث لأنّ واحدهما معقب وجمعه معقبة، ثم جمع المعقبة معقبات فهي جمع الجمع. كما قيل أما قال قد حالات بكم وقوله:\nمِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يعني من قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار وَمِنْ خَلْفِهِ من وراء ظهره.\nقال ابن عباس: ملائكة يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ... مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ فإذا جاء القدر خلوا عنه.\nحماد بن سلمة عن عبد الله بن جعفر عن كنانه العمري قالوا: دخل عثمان بن عفان (﵁) على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أسألك عن العبد كم معه من ملك؟ قال: «ملك على يمينك يكتب حسناتك، وهو أمين على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا، وإذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين: أأكتب؟ قال: لا، لعله يستغفر الله أو يتوب فإذا قال ثلاثا قال: نعم اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين هو ما أقل مراقبته لله ﷿ وأقل استحياء منا يقول الله ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ «٢» وملكان من بين يديك\n_________\n(١) زاد المسير: ٤/ ٢٢٩، وفي لسان العرب: ١/ ٤٦٢ وفيه (كل أناس) بدل (أرى كل قوم) .\n(٢) سورة ق: ١٨.","vol":"5","page":274},{"text":"ومن خلفك يقول الله لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وملك قابض على ناصيتك، فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك، وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلّا الصلاة على محمد ﷺ، وآله، وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحيّة في فيك، وملكان على عينيك هؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي يتداولون ملائكة الليل على ملائكة النهار لأن ملائكة الليل أي ليسوا من ملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي وإبليس مع بني آدم بالنهار وولده بالليل» [١٣٦] «١» .\nقتادة وابن جريح: هذه ملائكة الله ﷿ يتعاقبون فيكم بالليل والنهار، وذكر لنا أنّهم يجتمعون عند صلاة العصر وصلاة الصبح.\nهمام بن منبه عن أبي هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون»\n[١٣٧] «٢» .\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: ذكر [أنّ] «٣» ملكا من ملوك الدنيا له حرس من دونه حرس فإذا جاء أمر الله لم ينفعوا شيئا.\nعكرمة: هؤلاء ملائكة من بين أيديهم ومن خلفهم لحفظهم.\nشعبة عن شرفي عن عكرمة قال: الجلاوزة «٤» .\nالضحاك: هو السلطان المحترس من الله وهم أهل الشرك، وقوله يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ اختلفوا فيه فقال قوم: يعني: بأمر الله، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، وهذا قول مجاهد وقتادة ورواية الوالبي عن ابن عباس، وقال الآخرون: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ما لم يجئ القدر «٥» .\nلبيد عن مجاهد: ما من عبد إلّا به ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس الهوام فما منهم شيء بأمره يريده إلّا قال فذاك لا يأتي بإذن الله ﷿ فيه فيصيبه.\nوقال كعب الأحبار: لولا وكل الله بكم ملائكة يذبّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا يحيطكم الجن.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٩٤.\n(٢) صحيح مسلم: ٢/ ١١٣.\n(٣) ما بين المعقوفتين زيادة اقتضاها السياق. [.....]\n(٤) تفسير الطبري: ١٣/ ١٥٦.\n(٥) راجع تفسير القرطبي: ٩/ ٢٩٢.","vol":"5","page":275},{"text":"وروى عمار بن أبي حفصة عن أبي مجلز قال: جاء رجل من مراد إلى علي (﵁) وهو يصلي، فقال: احترس فإنّ ناسا من مراد يريدون قتلك. فقال: إنّ مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه وإنّ الأجل جنة حصينة\n، وقال أهل المعاني: إنّ أوامر الله ﷿ على وجهين أحدهما قضى حلوله ووقوعه بصاحبه، فذلك ما لا يدفعه أحد ولا يغيره بشر ولا حتى الجن ولم يقض حلوله ووقوعه، بل قضى صرفه بالتوبة والدعاء والصدقة والحفظة كقصة يونس (﵇)، وقال ابن جريج: معناه يكنصون من الله أمر الله يعني يحفظون عليه الحسنات والسيئات، وقال بعض المفسرين أن هذه الآية أنّ الهاء في قوله: لَهُ راجعة إلى رسول الله (﵇) .\nجويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لَهُ مُعَقِّباتٌ يعني محمد (﵇) من الرحمن حراس مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، يعني من شر الجن والإنس ومن شر طارق الليل والنهار، وقال عبد الرحمن بن زيد: نزلت هذه الآية في عامر بن الطفيل وزيد بن ربيعة وكانت قصتهما على ما\nروى محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أقبل علينا زيد بن ربيعة هو وعامر بن الطفيل يريدان رسول الله ﷺ وهو جالس في نفر من أصحابه، فدخلا المسجد فاستشرف الناس لجمال عامر وكان أعور، وكان من أجمل الناس.\nوقال رجل من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله هذا عامر بن الطفيل وهو مشرك.\nفقال: دعه فإن يرد الله به خيرا بهذه، فأقبل حتى قام عليه، فقال: يا محمد ما لي إن أسلمت؟ قال: لك ما للمسلمين وعليك ما على المسلمين، قال: تجعل لي الأمر بعدك. قال:\nليس ذلك إليّ إنما ذاك إلى الله يجعله حيث يشاء.\nقال: فجعلني على الوبر وأنت على المدر، قال الرجل: فماذا يجعل لي؟ قال: أجعل لك أعنة الخيل تغزو عليها.\nقال: أوليس ذلك لي اليوم؟ قال: لا. قال: قم معي أكلمك، فقام رسول الله ﷺ وكان يوصي إلى أربد بن ربيعة إذا رأيتني أكلمه فدر من ورائه بالسيف فجعل يخاصم رسول الله ﷺ فدار أربد بن ربيعة خلف النبي ﷺ ليضربه فاخترط من سيفه شبرا ثم حبسه الله عنه فلم يقدر على قتله وعامر يومئ إليه فالتفت رسول الله ﷺ فرأى أربد وما منع بسيفه.\nفقال: اللهم أكفنيهما بما شئت، فأرسل الله على أربد صاعقة في يوم صاح صائف وولى عامر هاربا.\nوقال: يا محمد دعوت ربك فقتل أربد والله لأملأنها عليك خيلا جردا وفتيانا مردا.","vol":"5","page":276},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: «يمنعك الله من ذلك وأبناء قيلة» [١٣٨] «١» يعني الأوس والخزرج، فنزل عامر ببيت امرأة سلولية فأنشأ يقول:\nبخير أبيت اللعن إن شئت ودّنا ... فإن شئت حربا بأس ومصدق\nوإن شئت فنسيا ما يكفي أمرهم ... يكبون كبش العارفين متألق\nفلما أصبح ضم إليه سلاحه وقد تغير لونه، وهو يقول:\nواللات لئن أصحر محمد إلي وصاحبه- عني ملك الموت- لأنفذنهما برمحي، فلما رأى الله تعالى ذلك منه أرسل ملكا فلطمه بجناحه فأذراه في التارب، وخرجت على ركبته غدة في الوقت كغدة البعير فعاد إلى بيت السلولية وهو يقول: غدة كغدة البعير وموت في السلولية ثم مات على ظهر فرسه «٢» .\nلعمري وما عمري علي بهين ... لقد شأن حمر الوجه طعنة مسهر\nقد علم المزنوق أني أكرّ ... على جمعهم كرّ المنيح المشهر «٣»\nوأزود من وقع السنان زجرته ... وأخبرته أني امرؤ غير مقصر\nوأخبرته أن الفرار خزاية ... على المرء ما لم يبل عذرا فيعذر.\nلقد علمت عليا هوازن أنني ... أنا الفارس الحامي حقيقة «٤» جعفر\nفجعل يركض في الصحراء ويقول: أبرز يا ملك الموت، ثم أنشأ يقول:\nلا قرب المزنوق ولتجد ما أرى لنفر ... من يوم شره غير حامد.\nإلا قرباه إن غاية حرمناه إذا ... قرب المزنوق بين الصفائد هو من عامر قدن\nإذا ما دعوتهم أجابوا ... ولبى منهم كل ماجد\nوكان بعضهم يعيّر بعضا النزول على سلولية ولذلك ركب فرسه ليموت خارجا من بيتها ما أحس بالموت، ثم دعا بفرسه يركبه ثم أجراه حتى مات على ظهره.\nفأجاب الله تعالى دعاء رسوله ﷺ وقتل عامرا بالطاعون وأربد بالصاعقة، فرثى لبيد بن ربيعة أخاه أربد بجملة من المراثي فمنها هذه:\nوانا لك فاذهب والحق ... بأسرتك الكرام الغيب\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٩٨.\n(٢) أسباب النزول للواحدي ١٨٤.\n(٣) المزنوق اسم فرسه، والبيت في لسان العرب: ١٠/ ١٤٦.\n(٤) الحقيقة: الراية والبيت في لسان العرب: ١٠/ ٥٢، وجعفر هذا أبو جده.","vol":"5","page":277},{"text":"ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب «١»،\nيتآكلون مغالة وملاذة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب\nفنعد في هذا وقل في غيره ... واذكر شمائل من أخ لك معجب\nإنّ الرزيئة لا رزيئة بعدها ... مثلها فقدان كل أخ كضوء الكوكب\nمن معشر بنت لهم آباؤهم ... والعز لا يأتي بغير تطلب\nيا أربد الخير الكريم جدوده ... أفردتني أمشري بقرن أعضب «٢»\nومنها قوله:\nما أن تعزي المنون من أحد ... لا والد مشنق ولا ولد\nأخشى على أربد الحتوف ... أرهب نوأ السماك والأسد\nفعين هلا بكيت أربد إذ ... قمنا وقام النساء في كبد\nفجعني البرق والصواعق ... بالفارس يوم الكريهة النجد «٣»\nفأنزل الله تعالى في هذه القصة سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ الآية\nلَهُ مُعَقِّباتٌ يعني رسول الله ﷺ له معقبات يحفظونه مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ يعني تلك المعقبات من أمر الله وهي مقدم ومؤخر لرسول الله ﷺ معقبات يحفظونه مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ تلك المعقبات من أمر الله وقال الذين [آمنوا:] إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ «٤» .\nوقرأ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ حتى بلغ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ، ... إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من العافية والنعمة حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من الحال لا [.........] «٥» فيعصون ربهم ويظلمون بعضهم بعضا.\nوَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءًا عذابا وهلاكا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ علمها المخاوف «٦» بالله وقيل: وال ولي أمرهم ما يدفع العذاب عنهم هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا يخاف أذاه ومشقته وَطَمَعًا للمقيم يرجو بركته وشفعته أن يمطر وَيُنْشِئُ بينهم\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٩/ ١٤٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٩٨.\n(٣) الأبيات في ديوانه: ١٥٣، يرثي بها أخاه أربد وراجع معجم البلدان: ٥/ ٢٥٢، والبداية والنهاية: ٥/ ٧٠.\n(٤) عن تفسير الطبري: ١٣/ ١٦٢.\n(٥) كلمة غير مقروءة.\n(٦) هكذا في الأصل.","vol":"5","page":278},{"text":"السَّحابَ الثِّقالَ يعني قال إن شاء الله السحابة فيشاء أي أبدأها فبدلت وأسحاب جمع واحدتها سحابة وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ\nعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أقبلت اليهود إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم نسألك خمسة أشياء فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك قال: فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قالوا: اللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ.\nقال ﷺ: «هاتوا»، قالوا: أخبرنا عن الرعد ما هو؟ قال: «ملك من الملائكة الموكلة بالسحاب معه مخاريف من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله» .\nقالوا: فما هذا الذي نسمع؟ قال: «زجر السحاب إذا زجر حتى ينتهي إلى حيث أمر» .\nقالوا: صدقت «١» [١٣٩] .\nقال عطية: الرعد ملك، وهذا تسبيحه، والبرق سوطه الذي يزجر به السحاب فقال: لذلك الملك رعد وقد ذكرنا معنى الرعد والبرق بما أغنى عن إعادته.\nوقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ [إذا سمع صوت الرعد] قال سبحانه من يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ.\nعكرمة عن ابن عباس: إنه كان إذا سمع الرعد قال: سبحان الذي سبحت له.\nوقال ابن عباس: من سمع صوت الرعد فقال سبحان الذي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ في خيفته وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فإن أصابته صاعقة فعلى ذنبه.\nوروى مالك بن أنس عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال: سبحان من يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ويقول: إن هذا الوعيد لأهل الأرض شديد.\nوروى حجاج بن أرطأة عن أبي مطر عن سالم يحدث عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال: «اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك» [١٤٠] «٢» .\nوَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ يعني ويسبح الملائكة من خيفة الله وخشيته، وقيل أراد هو أنّ الملائكة أعوان الرعد، جعل لله تعالى له أعوانا فهم جميعا خائفون، خاضعون طائعون به يُرْسِلُ الصَّواعِقَ «٣» عن الضحاك عن ابن عباس قال: الرعد ملك يسوق السحاب، وإنّ بحور الماء لفي\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٣٥٧ ح ٥١٢١، ومسند أحمد: ١/ ٢٧٤، وذكر تمام الحديث.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ١٠٠، وتفسير القرطبي: ١/ ١٨. [.....]\n(٣) فتح القدير: ٣/ ٧٢.","vol":"5","page":279},{"text":"نقرة «١» إبهامه وإنه موكل بالسحاب يصرفه حيث ويؤمر وإنه يسبح الله فإذا سبح الرعد لم يبق ملك في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح فعندها ينزل المطر «٢» وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ أصاب أربد بن ربيعة.\nقال أبو جعفر الباقر: الصواعق تصيب المسلم وغير المسلم ولا تصيب ذاكرا.\nوَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وقد أصابت أربد وعامر، وقيل نزلت هذه الآية في بعض كفار العرب «٣» .\nحديث إسحاق الحنظلي عن ريحان بن سعيد الشامي عن عماد بن منصور عن عباس بن الناجي قالت: سألت الحسن عن قوله: وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ الآية.\nفقال كان رجل من طواغيت العرب بعث النبي ﷺ نفرا يدعونه إلى الله ورسوله والإسلام، فقال لهم: أخبروني عن رب محمد هذا الذي يدعوني إليه وما هو، ومم هو أمن فضة أم حديد أم نحاس، فاستعظم القوم مقالته وانصرفوا إلى النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ما رأينا رجلا آخر أكفر منه، ولا أعتى على الله منه، فقال رسول الله ﷺ: «ارجعوا إليه»، فرجعوا إليه فجعل يزيدهم على مثل مقالته الاولى «٤» وقال: أجيب محمدا إلى ربّ لا أراه ولا أعرفه فانصرفوا إليه، فقالوا: يا رسول الله ما زادنا على مقالته الأولى إلّا قوله: أجيب محمدا إلى رب لا يعرفه، فقال: فقال رسول الله ﷺ: ارجعوا إليه، فرجعوا إليه فبينا هم عنده ينازعونه ويدعونه ويعظمون عليه، وهو يقول: هذه المقالة إذ ارتفعت سحابة فكانت فوق رؤوسهم فرعدت ثم برقت فرمت بصاعقة فأحرقت الكافر وهم جلوس فجاؤوا يسعون ليخبروا النبي ﷺ فاستقبلهم بعض أصحاب النبي ﷺ فقالوا لهم: احترق صاحبكم.\nقالوا: من أين علمتم؟ قال: أوحى الله إلى النبي ﷺ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ فقال الحسن: ما شَدِيدُ الْمِحالِ؟\nقال: شديد الحمل.\nقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: شديد الأخذ «٥» .\nمجاهد: شديد القوة. أبو عبيدة: شديد العقوبة، والمحال والمماحلة المماكرة والمغالبة.\n_________\n(١) في المصدر: بخار.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٩٦.\n(٣) راجع المصدر السابق.\n(٤) جامع البيان للطبري: ١٣/ ١٦٥، وأسباب نزول الآيات: ١٨٣.\n(٥) التفسير الطبري: ١٣/ ١٦٧.","vol":"5","page":280},{"text":"وأنشد أبو عبيدة للأعشى:\nفرع نبع يهتز في غصن المجد ... غزير الندي شديد المحال «١»\nوقال الآخر:\nولبس بين أقوام كلّ ... أعد له الشغازب والمحالا «٢»\nلَهُ لله ﷿ دَعْوَةُ الْحَقِّ الصدق وأضيفت الدعوة إلى الحق لاختلاف الاسمين وقد مضت هذه المسألة.\nقال علي (﵁): دَعْوَةُ الْحَقِّ التوحيد.\nابن عباس (﵁): شهادة أن لا إله إلّا الله.\nوَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني المشركين الذين يعبدون الأصنام من دون الله لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ يريدونه منهم من نفع أو دفع إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ إلّا كما ينفع باسط كفيه إلى الماء من العطش يبسطه إياهما إليه يدعو الماء بلسانه ويشير إليه بيده فلا يأتيه أبدا.\nعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هذا مثل لمشرك عبد مع الله غيره، فمثله كمثل الرجل العطشان الذي نظر إلى خياله في الماء من بعيد فتصور أن يتناوله فلا يقدر عليه، عطية عنه يقول: مثل الأوثان التي يعبدون من دون الله كمثل رجل قد بلغه العطش حتى كربه الموت وكفاه في الماء وقد وضعهم الا يبلغان تناوله.\nالضحاك عنه يقول: كما أنّ العطشان إذا يبسط كفيه إلى الماء لا ينفعه ما لم يحفظهما ويروي بهما الماء ولا يبلغ الماء فاه مادام باسط كفيه إلى الماء ليقبض على الماء لأن القابض على الماء لا شيء في يده.\nقال ضابئ بن الحرث المزني:\nفإني وإيّاكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله «٣»\nوقال الشاعر:\nوأصبحت مما كان بيني وبينها ... من الود مثل القابض الماء باليد «٤»\nوَما دُعاءُ الْكافِرِينَ أصنامهم إِلَّا فِي ضَلالٍ يضل عنهم إذا احتاجوا إليه.\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٦١٩.\n(٢) لسان العرب: ١١/ ٦١٩، والبيت لذي الرملة.\n(٣) تفسير الطبري: ١٣/ ١٧٠، ولسان العرب: ١٠/ ٣٧٩.\n(٤) المصدر السابق، وسيرة ابن هشام: ٢/ ٤٦٤.","vol":"5","page":281},{"text":"جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: ما دُعاءُ الْكافِرِينَ ربهم إِلَّا فِي ضَلالٍ لأن أصواتهم تحجب عن الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>[سورة الرعد (١٣): الآيات ١٥ الى ٢٩]</span>\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (١٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ (١٧) لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٨) أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٩)\nالَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (٢٠) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (٢١) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (٢٣) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)\nوَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (٢٦) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ (٢٧) الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)\nوَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني الملائكة والمؤمنين طَوْعًا وَكَرْهًا يعني المنافقين والكافرين الذين أكرهوا على السجود بالسبعة.\nوروى ابن المبارك عن سفيان قال: كان ربيع بن هشيم إذا قرأ هذه الآية قال: بل طوعا يا رباه.\nوَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ يعني ضلال الساجدين طوعا أو كرها يسجد لله حين يقي ضلل أحدهم عن يمينه أو شماله.\nقال ابن عباس: نظيرها في النحل.","vol":"5","page":282},{"text":"قال الكلبي: إذا سجد بالغدو أو العشي سجد معه ظله.\nوقال مجاهد: ظل المؤمن يسجد طوعا وهو طائع، وظل الكافر يسجد طوعا وهو كاره، وَالْآصالِ جمع أصل، والأصل جمع الأصيل وهو العشاء من العصر إلى غروب الشمس. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي خالقهما ومدبرهما فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ولا بد لهم من ذلك فإذا أجابوك قُلْ أنت أيضا اللَّهُ ثم قيل لهم إلزاما للحجّة قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني الأصنام يعبدونها من دون الله وهي لا تملك لأنفسها نفعا ولا ضرا ثم نصرف لهم الأفعال قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وكذلك لا يستوي الضال والمؤمن المهتدي.\nوقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: أَمْ هَلْ يَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ بالياء.\nالباقون: بالتاء واختاره أبو عبيد قال: لأنه يحصل من اسم المؤنث ومن الفعل مقابل والظلمات والنور مثل الكفر والإيمان أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ فأصبحوا لا يدرون أمن خلق الله هو أو من خلق آلهتهم قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [.........] «١» للحق والباطل مثلين. فقال عز من قائل أَنْزَلَ هو مِنَ السَّماءِ يعني المطر ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها الكبير بقدره والصغير بقدره فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ الذي حدث على ذلك الماء زَبَدًا رابِيًا حال تعريفها يود الماء فالماء الباقي الصافي النافع هو الحق.\nوالذاهب الزائل الباطل الذي يتعلق بالأشجار وجوانب الأودية والأنهار وهو الباطل ويقال: إن هذا سيل القرآن ينزل من السماء فيحتمل منه القلوب حظها على قدر اليقين والشك والعقل والجهل فهذا مثل الحق والباطل «٢» .\nوالمثل الآخر قوله: وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ.\nقرأ حميد أبو محجن أبو وهب وحمزة والكسائي يُوقِدُونَ بالياء، واختاره أبو عبيد لقوله تعالى: يَنْفَعُ النَّاسَ ولا مخاطبة هاهنا ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أي زينة يتخذونها أَوْ مَتاعٍ وهو ما ينتفع به وكلّ ما تمتعت به فهو متاع.\nقال المشعث:\nتمتع يا مشعث أن شيئا ... سبقت به الممات هو المتاع «٣»\nأراد به جواهر الأرض من الذهب والفضة.\nوالحديد والصفر والنحاس والرصاص، ومنه يستخلص الأشياء مما ينتفع به من الحلي\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) زاد المسير: ٤/ ٢٣٧.\n(٣) تفسير الطبري: ١٣/ ١٨٠ وتاج العروس: ٥/ ٥٠٧.","vol":"5","page":283},{"text":"والأواني وغيرهما.\nزَبَدٌ مِثْلُهُ يقول: له زبد إذا أنث مثل زبد السيل، والباقي الصافي من هذه الجواهر فيذهب خبثه والزبد الذي لا يبقى ولا ينتفع به مثل الباطل.\nقال الله تعالى: كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْباطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ الذي علا السيل.\nفَيَذْهَبُ جُفاءً سريعا متفرقا.\nقال أبو عمرو: هو من قول العرب: أجفأت القدر النذر وجنات وذلك إذا غلت فأنصب زبدها أو سكنت لم يبق منه شيء «١» .\nوقال القبتي: الجفاء ما رمى به الوادي إلى جنانه. فقال: جفأته إذا صرعه.\nوقال ابن الأنباري: جفاء يعني باليا متفرقا.\nيقال: جفأت الريح بالغيم إذا فرقته وذهبت به.\nقال بعضهم: يعني تباعد الأرض. يقال جفأ الوادي وأجفأ إذا نشف.\nقال الفراء: إنما أراد بقوله جُفاءً الجفاء لأنه مصدر، قولك جفأ الوادي غثاه جفاء فخرج مخرج الاسم وهو مصدر.\nوكذلك يفعل العرب في مصدر كل ما كان من فعل شيء اجتمع بعضه إلى بعض كالقماش والرقاق والحطام والغنام يخرجه على مذهب الاسم، كما فعلت ذلك في قولهم أعطيته عطاء بمعنى الإعطاء، ولو أريد من القماش المصدر على الصحة لقيل قمشته قمشا.\nوَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ من العوالق فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ تم الكلام على هذا. ثم قال: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ أطاعوه الْحُسْنى بالجنة وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ يوم القيامة، قال الله أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ مجازيا بالعقوبة، قال إبراهيم النخعي والزبد. أتدري ما سوء الحساب؟\nقلت: لا. قال هو أن يحاسب الرجل على معصية فعلها ويكفر عنه خطيئته، وَمَأْواهُمْ في الآخرة جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ الفراش والمصير أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [.........] «٢» فهو كافيه كَمَنْ هُوَ أَعْمى عنه لا يعلمه ولا تعمل إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ الخطاب للأصحاب وذوي العقول الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ في أمرهم يعني فرضه عليهم فلا هم يخالفونه إلى ما هم فيه، وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ١٨٠. [.....]\n(٢) كلمة غير مقروءة.","vol":"5","page":284},{"text":"قيل أراد الإيمان بجميع الكتب والرسل ولا يعترفون بها.\nوقال أكثر المفسرين: يعني الرحم ويقطعونها.\nالزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: اشتكى أبو الدرداء فعاده عبد الرحمن بن عوف. فقال: خيّرهم أوصلهم ما علمت يا محمد. فقال عبد الرحمن: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﵎: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشقتت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته» [١٤١] «١» .\nعن شيبة قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن موهب وأبوه عثمان بن عبد الله، أنهما سمعا موسى بن طلحة يحدث عن أبي أيوب الأنصاري: أنّ رجلا قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ماله وماله. فقال النبي ﷺ: أرب ماله، فقال النبي ﷺ: «تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصل الرحم ذرها» [١٤٢] قال: كأنه كان على راحلته «٢» .\nعطاء بن أبي مروان عن أبيه عن كعب قال: والذي فلق البحر لبني إسرائيل إنّ في التوراة لمكتوبا يا ابن آدم اتق ربك وأبرّ والديك وصل رحمك أمدّ لك في عمرك وايسّر لك يسرك، وأصرف عنك عسرك «٣» .\nوعن أبي إسحاق عن مغراء العبدي عن عبد الله بن عمرو قال: من اتقى ربه ووصل رحمه نسئ له في عمره وثرا ماله وأحبه أهله «٤» .\nصالح عن جرير عن برد عن مكحول قال: قال رسول الله ﷺ: «اعمل الخير [ليس شيء اطيع الله فيه أعجل ثوابا من صلة] الرحم وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرحم، واليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع» [١٤٣] «٥» .\nوَالَّذِينَ صَبَرُوا على طاعة الله وتصبروا عن معصية الله.\nقاله ابن زيد، وقال ابن عباس: وصبروا على أمر الله.\nقال عطاء: على الرزايا والمصائب والحوادث والنوائب.\nأبو عمران الجوني: صبروا على دينهم.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ١٩٤ وفيه (بتته) بدل (قطعته) وبتمامه في تفسير القرطبي: ١/ ١٠٤.\n(٢) صحيح ابن حبان: ٨/ ٣٨.\n(٣) المصنف لابن أبي شيبة: ٦/ ٩٧.\n(٤) والأدب الفرد: ٢٤.\n(٥) كنز العمال: ٣/ ٣٦٨، الجامع الصغير: ٢/ ٤٥٥.","vol":"5","page":285},{"text":"ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ طالب يعتصم بالله ويستغفر ربه أن يعصيه ويخالفه في أمره وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني الزكاة وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ يقال: درأ الله عني بشرّك.\nقال ابن زيد: يعني لا يكافئون الشر بالشر ولكن يدفعونه بالخير.\nوقال القتيبي: معناه إذا سفه عليهم حلموا فالسفه السيئة والحلم الحسنة.\nقتادة: ردوا عليهم معروفا نظيره إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا «١» .\nقال الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا أخلصوا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا.\nابن كيسان: إذا أذنبوا أيسوا وإذا حرفوا أثابوا ليدفعوا بالتوبة عن أنفسهم فغفر الذنب.\nفهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك عنه قال: يدفعون بالصالح من العمل الشر من العمل، ويؤيد هذا\nالخبر المأثور: إن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله أوصني. قال: «إذا عملت سيئة فاعمل لجنبها حسنة تمحها، السر بالسر والعلانية بالعلانية» [١٤٤] «٢» .\nقال عبد الله بن المبارك: هذه ثماني خلال مشيرة إلى ثمانية أبواب الجنة.\nأبو بكر الوراق: هذه ثمانية جسور فمن أراد القربة من الله عبرها «٣» .\nأُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ثم بين فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها.\nقرأه العامة: بفتح الياء وضم الخاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمر: بضم الياء وفتح الخاء.\nقال عبد الله بن عمير: وإن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج «٤» فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلّا نبي أو صديق أو شهيد «٥» .\nوَمَنْ صَلَحَ لهن مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ أهلهم وولدهم أيضا يدخلونها وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ فيه آمنا تقديره ويقولون سلام عليكم بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.\nقال مقاتل: يدخلون في مقدار يوم وليلة من أيام الدنيا ثلاث كرات معهم الهدايا والتحف يقولون: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ.\nصالح عن يزيد عن أنس بن مالك: أنّه تلا هذه الآية جَنَّاتُ عَدْنٍ إلى قوله: فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.\n_________\n(١) سورة الفرقان: ٦٣.\n(٢) مجمع الزوائد: ٤/ ٢١٨.\n(٣) تفسير الثعالبي: ٣/ ٣٦٧.\n(٤) في الطبري: الروح، وفي مجمع الزوائد (٥/ ١٩٦): الصروح.\n(٥) كنز العمال ١٥/ ٨٣٤، وتفسير الطبري: ١٠/ ٢٣٢.","vol":"5","page":286},{"text":"ثم قال: إنه جنة من در وفضة طولها في الهواء ستون ميلا ليس فيها صدع ولا وصل منه كل زاوية منها أهل فقال: لها أربعة آلاف مصراع من ذهب يقوم على كل باب سبعون ألف من الملائكة مع كل ملك منهم هدية من الرحمن ليس في مثلها، لا يعلون [....] «١» ليس بينهم وبينه حجاب.\nوروى ابن المبارك عن عقبة بن الوليد قال: حدثنا أرطأة بن المنذر قال: سمعت رجلا من ملجف بالجند يقال له أبو الحجاج يقول: حدثني خالي أبي أمامة فقال: إنّ المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين سور فيقبل الملك، يستأذن فيقول الذي يليه: ملك يستأذن، ويقول الذي يليه: ملك يستأذن كذلك حتى يبلغ المؤمن فيقول: ائذنوا فيقول أقربهم إلى المؤمن: ائذنوا فيقول الذي يليه للذي يليه كذلك حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف «٢» .\nوعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «الفقراء والمهاجرون الذين تسدّ بهم الثغور ويتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في نفسه لا يستطيع لها قضاء» [١٤٥] «٣» .\nقال: فيأتيهم الملائكة ف يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ.\nوروى سهيل بن أبي صالح عن محمد بن إبراهيم قال: كان النبي ﷺ يأتي قبور الشهداء على رأس كل حول فيقول: السلام عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ.\nأبو بكر وعمر وعثمان ﵈ كانوا يفعلون كذلك.\nوَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ يعني النار.\nوقال سعد بن أبي وقاص: هم الحرورية.\nاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ يوسع عليه وَيَقْدِرُ ويقتر ويضيق وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا يعني فرطوا وجهلوا ما عند الله ويطمعون وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ قليل ذاهب قاله مجاهد، وقال عبد الرحمن بن سابط: كزاد الراعي يزود، أهله الكف من التمر أو الشيء من الدقيق أو الشيء يشرب عليه اللبن «٤» .\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ١٨٦.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ١٦٨. [.....]\n(٤) تفسير الطبري: ١٣/ ١٨٩.","vol":"5","page":287},{"text":"الكلبي: كمثل السكرجة «١» والقصعة أو القدح والقدر ونحوها ينتفع بها ثم يذهب وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ويرشد الأمّة إلى طاعته من رجع إليه بقلبه ثم وصفهم فقال الَّذِينَ آمَنُوا في محل النصب والأمن قبله من وَتَطْمَئِنُّ وتسكن فستأنس قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ.\nمقاتل: بالقرآن أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.\nقال ابن عباس: هذا في الحلف ويقولها إذا حلف الرجل المسلم بالله على شيء يم سكن قلوب المؤمنين إليه.\nوقال مجاهد: هم أصحاب رسول الله (ﷺ) .\nالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ابتداء طُوبى لَهُمْ خبره، وقيل:\nمعناه لهم طوبى فطوبى خبر الابتداء الأول.\nواختلف العلماء في تفسير «طُوبى» .\nالوالبي عن ابن عباس: طُوبى لَهُمْ: فرح وقرة عين لهم، عكرمة: نعم ما لهم، الضحاك:\nغبطة لهم.\nقتادة: حسنى لهم معمر عنه: هذه كلمة عربية، يقول الرجل للرجل طوبى لكم أي أصبت خيرا.\nإبراهيم: خير وكرامة لهم.\nشميط بن عجلان: طُوبى يعني دوام الخير. الفراء: أصله من الطيب وإنما جاءت الواو لضم ما قبلها وإتيان بقول العرب: طوباك، طوبى لك.\nسعيد بن جبير عن ابن عباس: طُوبى اسم الجنة بالحبشية.\nسعيد بن مسجوح: اسم الجنة بالهندية ربيع البستان بلغة الهند «٢» .\nوروى ابن سعيد الهندي عن رسول الله ﷺ أنّ رجلا قال له: يا رسول الله ما طُوبى؟\nقال: «شجرة في الجنة مسيرة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة يخرج من أكمامها» [١٤٦] «٣» .\nوروى معاوية بن مرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «طُوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه تنبت الحلي والحلل وإنّ أغصانها لترى من وراء سور الجنة» [١٤٧] «٤» .\n_________\n(١) السكرجة: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٢/ ٥٣.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٧١.\n(٤) كنز العمال: ١٤/ ٣٥٧ ح ٣٩٢٥٠.","vol":"5","page":288},{"text":"وقال أبو هريرة: طُوبى شجرة من الجنة [غرسها] الله لها [ثمر] تقتفي لعبدي عياشا صنعه له من الحلي بسرجها ولحمها وعن الإبل بأنّ تحتها قماشا من الكسوة.\nوقال مغيث بن سمي: طُوبى شجرة من الجنة، لو أنّ رجلا ركب قلوصا جذعا ثم دار بها لم يبلغ المكان الذي ارتحل منه حتى يموت هرما وما في أهل منزل إلّا فيه غصن من أغصان تلك الشجرة متدلّ يصلهم الماء بالدلاء وإذا أرادوا أن يأكلوا من الثمرة تدلى إليهم فأكلوا منه ما شاؤوا ويجئ عليها الطير أمثال البخت، يعني الطير ويأكلون منه قديدا وشواء ثم تطير «١» .\nقال عندر بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي ﷺ وفي كل دار وغرفة غصن منها لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلّا وفيها منها إلّا السواد ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلّا وفيها منها ينبع من أصلها عينان الكافور والسلسبيل مقابل كل ورقة منها تظل امة عليها ملك يسبح الله بأنواع التسبيح «٢» .\nوقال أبو سلام: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبيد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله في الجنة فاكهة؟ قال: «فيها شجرة تدعى طُوبى هي تطابق الفردوس» «٣» .\nقال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: «ليس تشبه شيئا من شجر أرضك ولكن أتيت الشام» [١٤٨]، فقال: أتيت الشام يا رسول الله ﷺ؟ قال: فإنها تشبه شجرة تدعى الجوز ينبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها. فقال: ما أعظم أصلها.\nقال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحاطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرما «٤» .\nقال وهب بن منبه: إنّ في الجنة شجرة. قال: الطوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام ولا يقطعها زهوها رياط وورقها برود وقضبانها عنبر وبطحاؤها ياقوت وترابها كافور وحملها مسك يخرج من أصلها أنها الخمر واللبن والعسل، وهي مجلس لأهل الجنة فبينما هم في مجلسهم إذا أتتهم الملائكة من ربهم يقودون لجامها مزمومة بسلاسل من ذهب وجوهها كالمصابيح حسنا ووبرها كخز المرعزي من لينة، عليها رحال ألواحها من ياقوت ودفوفها من ذهب وثيابها مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ فيفتحونها ويقولون: إنّ ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه.\nقال: فيركبونها فهي أسرع من الطائر وأوطأ من الفراش نجبا من غير مهنة يسير الرجل إلى\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ١٩٥.\n(٢) العمدة عن الثعلبي: ٣٥١، وفتح القدير: ٤/ ٣٧٣ ح ٥٣١٢.\n(٣) المعجم الكبير: ١٧/ ١٢٧، جامع البيان للطبري: ١٣/ ١٩٥.\n(٤) تفسير الطبري: ١٣/ ١٩٥.","vol":"5","page":289},{"text":"جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب اذن راحلة منها إذن صاحبتها حتى إنّ الشجرة لتنتحي عن طرقهم فهم لا يفرقون بين الرجل وبين أخيه، قال: فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه فإذا رأوه، قالوا: اللهم أنت السلام ومنك السلام وأنت الجلال والإكرام، ويقول ﵎ عند ذلك: أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي مرحبا بعبادي الذين خشوني بالغيب وأطاعوا أمري، قال: فيقولون ربنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدّرك حق قدرك فأذن لنا في السجود قدامك، قال: فيقول الله ﷿: إنها ليست بدار نصب وعبادة ولكنها دار ملك ونعيم وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم فإنّ لكل رجل منكم أمنيته، فيسألونه حتى إن أقصرهم أمنية يقول: رب يتنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا فيها فأتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت. فيقول الله ﷿: لقد قصرت بك أمنيتك ولقد سألت دون منزلتك هذا لك منّي وسألحقك بمن أتى، لأنه ليس في عطائي تكدير ولا تصدير.\nقال: ثم يقول: أعرضوا على عبادي ما لم تبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال، فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أما نبيهم التي في أنفسهم فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منهم سرير من ياقوتة واحدة على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة. في كل قبة منها فرش من فرش الجنة مظاهرة في كل قبة منها جاريتان من الحور العين وعلى كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة، وليس في الجنة لون إلّا وهو فيهما ولا ريح طيب إلّا وقد عبق بهما ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظنّ من يراهما أنهما دون القبة يرى مخهما من فوق سقفهما، كالسلك الأبيض من ياقوتة حمراء.\nيريان له من الفضل على صاحبته كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ويرى هو لهما مثل ذلك ثم يدخل إليهما فيطيبانه ويقبلانه ويعانقانه «١» ويقولان له: والله ما ظننا أنّ الله يخلق مثلك، ثم يأمر الله الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له «٢» .\nالكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: ف طُوبى لَهُمْ شجرة أصلها في دار علي في الجنة، وفي دار كل مؤمن منها غصن يقال له طُوبى.\nوَحُسْنُ مَآبٍ حسن المرجع.\nوروى داود بن عبد الجبار عن جابر عن أبي جعفر قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ.\n_________\n(١) في المصدر: فيحييانه ويقبلانه ويتعلقان به.\n(٢) بطوله في تفسير ابن كثير: ٣/ ٥٣٣، وتفسير الدر المنثور: ٤/ ٦٠.","vol":"5","page":290},{"text":"فقال: «شجرة أصلها في داري وفرعها في الجنة» . ثم سئل عنها مرة أخرى. فقال:\n«شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة» .\nفقيل له: يا رسول الله نسألك عنها مرة فقلت: «شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة» فقال: ذلك في داري ودار علي أيضا واحدة في مكان واحد»\n[١٤٩] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٠ الى ٣٤]</span>\nكَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٣٢) أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٣٤)\nكَذلِكَ المكان أَرْسَلْناكَ يا محمد فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ليقرأ عليهم القرآن وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ.\nقال قتادة ومقاتل وابن جريح: نزلت في صلح الحديبية حتى أرادوا كتاب الصلح. فقال رسول الله ﷺ لعلي (﵁): «اكتب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» [١٥٠] «٢» .\nفقال سهيل بن عمرو والمشركون معه: ما نعرف الرحمن إلّا صاحب اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب، اكتب باسمك اللهم وهكذا كان أهل الجاهلية يكتبون.\nثم قال رسول الله ﷺ: اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. فقال المشركون وقريش: لئن كتب رسول الله بم قاتلناك وصددناك قال فأمسك ولكن اكتب هذا ما صالح محمد ابن عبد الله.\nفقال أصحاب رسول الله ﷺ: دعنا نقاتلهم. قال: لا ولكن اكتبوا كما تريدون، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٣١٧، والعمدة عن الثعلبي: ٣٥١.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٣١٧.","vol":"5","page":291},{"text":"وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ﷺ: «اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ» [١٥١] «١» فقالوا: وَمَا الرَّحْمنُ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال: قُلْ لهم يا محمد: إنّ الرحمن الذي أنكرتم معرفته هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتابِ\nومضى وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا الآية نزلت في نفر من مشركي مكة فيهم أبو جهل ابن هشام وعبد الله بن أبي أمية المخزومي جلسوا خلف الكعبة فأرسلوا إلى النبي ﷺ فأتاهم فقال له عبد الله بن أبي أمية: إن تشرك نتبعك فسيّر لنا جبال مكة بالقرآن، فأذهبها عنا حتى تفتح. فإنها ضيّقة، واجعل لنا فيها عيونا وأنهارا حتى نغرس ونزرع فلست كما زعمت بأهون على ربك من داود حيث سخر له الجبال يسبح لربه، أو سخّر لنا الريح فنركبها إلى الشام فنقضي عليه أمورنا وحوائجنا ثم نرجع من يومنا.\nفقد كان سليمان سخرت له الريح، فكما حملت لنا فلست بأهون على ربك من سليمان في داود.\nوأحيي لنا جدك أيضا ومن شئت من موتانا لنسأله أحق ما يقول أم باطل؟ فإنّ عيسى قد كان يحيي الموتى ولست بأهون على الله منه، فأنزل الله تعالى وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ وأذهبت عن وجه الأرض أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي شققت فجعلت أنهارا وعيونا.\nأَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى واختلفوا في جواب لو، فقال قوم: هذا من النزول المحذوف الجواب اقتضى بمعرفة سامعه مراده وتقدير الآية لكان هذا القرآن.\nكقول امرئ القيس:\nفلو أنها نفس تموت بتوبة ... ولكنها نفس بقطع النفسا\nيعني لهان عليّ، وهي آخر بيت في القصيدة.\nوقال آخر:\nفأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مرفعا «٢»\nفأراد أرددناه، وهذا معنى قول قتادة. لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعل بقرآنكم.\nوقال آخرون: جواب لو يقدم وتقدير الكلام وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ ... وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ الآية كأنه قال وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى لكفروا بالرحمن وبما آمنوا.\nثم قال: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٣١٨، أسباب النزول الآيات: ١٨٤. [.....]\n(٢) لسان العرب: ٣/ ٤٥٢.","vol":"5","page":292},{"text":"قال المفسرون: أفلم يعلم.\nوقال الكلبي: هي بلغة النخع «١» حي من العرب.\nوقال القاسم معن: هي لغة هوازن.\nوقال سحيم بن وثيل الرياحي «٢»:\nأقول لهم بالشعب إذ يسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم «٣»\nأراد ألم يعلموا، وقوله: هاد يسرونني أي يقتسمونني من الميسر كما يقتسم الجزور.\nويروى: لمسرونني من الأسر.\nوقال الآخر:\nألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا «٤»\nودليل هذا التأويل قراءة ابن عباس: أفلم يتبين، وقيل لابن عباس: المكتوب «أَفَلَمْ يَيْأَسِ» قال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس «٥» .\nوأما الفراء: فكان ينكر ذلك ويزعم أنه لم يسمع أحد من العرب يقول: يئست وهو يقول هو في المعنى وإن لم يكن مسموعا يئست بمعنى علمت متوجه إلى ذلك، وذلك أنّ الله تعالى قد أوحى إلى المؤمنين أنه لو شاء الله لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا.\nفقال ألم ييئسوا علما يقول ييأسهم العلم فكان العلم فيه مضمرا كما يقول في الأعلام يئست منك أن لا يفلح علما كأنه قول علمته علما.\nقال الشاعر:\nحتى إذا يئس الرماة وأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا اعصامها «٦»\nبمعنى إذا يئسوا من كل شيء مما يمكن إلّا الذي ظهر لهم أرسلوا فهو في معنى: حتى إذا علموا أن ليس وجه إلّا الذي رأوا وانتهى علمهم فكان ما سواه يأسا «٧» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٣١٩.\n(٢) في المصدر: اليربوعي.\n(٣) لسان العرب: ٥/ ٢٩٨.\n(٤) كتاب العين: ٧/ ٣٣١.\n(٥) تفسير القرطبي: ٩/ ١٣٢٠.\n(٦) لسان العرب: ١١/ ٥٦١، جامع البيان للطبري: ١٣/ ٢٠١.\n(٧) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٠٢.","vol":"5","page":293},{"text":"أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا من كفرهم وأعمالهم الخبيثة قارِعَةٌ داهية ومصيبة وشديدة تقرعهم من أنواع البلاء والعذاب أحيانا بالجدب وأحيانا بالسلب وأحيانا بالقتل وأحيانا بالأسر.\nوقال ابن عباس: أراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله ﷺ يبعثهم إليها أَوْ تَحُلُّ أي تنزل أنت يا محمد بنفسك قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ.\nوقال قتادة: هي تاء التأنيث يعني وتحل القارعة قريبا من دارهم حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ الفتح والنصر وظهور رسول الله ﷺ ودينه، وقيل يعني القيامة إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أصلهم واطلب لهم ومنه الملاوة والملوان ويقال طبت حينا، ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ عاقبتهم فَكَيْفَ كانَ عِقابِ. أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أي حافظها ورازقها وعالم بها ومجاز بها ما عملت، وجوابه محذوف تقديره: كمن هو هالك بائد لا يسمع ولا يبصر ولا يفهم شيئا ولا يدفع «١» عن نفسه، نظيره قوله تعالى: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ يعني كمن ليس بقانت وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ بيّنوا أسماءهم ثم قال: أَمْ تُنَبِّئُونَهُ يعني يخبرون الله بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ فإنه لم يعلم لنفسه شريكا ولا في الأرض إلها غيره أَمْ بِظاهِرٍ يعني بظاهر مِنَ الْقَوْلِ مسموع وهو في الحقيقة باطل لا أصل له ولا باطل صالح ولا حاصل وكان أستاذنا أبو الاقسم الحبيبي يقول: معنى الآية عندي: قل لهم أتنبئون الله بباطن لا يعلمه أم بظاهر من القول يعلمه؟ فإن قالوا بباطن لا يعلمه أحالوا، وإن قالوا: بظاهر يعلمه قل لهم سموهم «٢»، وبينوا من هم، فإن الله لا يعلم لنفسه شريكا، ثم قال:\nبَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ كيدهم.\nقال مجاهد: قولهم! يعني شركهم وكذبهم على الله.\nوَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وصرفوا عن الدين والطريق المستقيم.\nقرأ أهل الكوفة: بضم الصاد واختاره أبو عبيد بأنه قراءة أهل السنة: وفيه إثبات القدر.\nوقرأ الباقون: بالفتح، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ «٣» وقوله وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ «٤» وقوله الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ «٥» ... وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ يعني إياه فَما لَهُ مِنْ هادٍ موفق لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا\n_________\n(١) زيادة عن تفسير الطبري: ١٣/ ٢٠٧- ٢٠٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٢٢.\n(٣) سورة الحج: ٢٥.\n(٤) سورة الفتح: ٢٥.\n(٥) سورة النساء: ١٦٧.","vol":"5","page":294},{"text":"بالقتل والأسر وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ\nأشد وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ\nمانع يمنعهم من العذاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٣٥ الى ٤٠]</span>\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ (٣٨) يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ (٣٩)\nوَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ (٤٠)\nمَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ في دخولها اختلفوا في الرافع للمثل.\nفقال الفراء: هو ابتداء وخبر على قوله تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وقيل معنى المثل الصفة كقوله وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى «١» أي الصفة العليا وقوله ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ «٢» ومجاز الآية صفة الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أنّ الأنهار تجري من تحتها وكذا وكذا.\nوقيل مثل وجه مجازها الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ، والعرب تفعل هذا كثيرا بالمثل والمثل كقوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ «٣» أي ليس هو كشيء.\nوقيل معناه: لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى «٤» . قيل الجنة [بدل] منها.\nقال مقاتل: معناه شبه الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ في الخير والنعمة والخلود والبقاء كشبه النار [في العذاب و] الشدّة والكرب «٥» .\nأُكُلُها دائِمٌ لا ينقطع ولا يفنى وَظِلُّها ظليل لا يزال وهذا رد على الجهمية، حيث قالوا: إن نعيم الجنة يفنى تِلْكَ عُقْبَى يعني ما فيه الَّذِينَ اتَّقَوْا الجنة وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يعني القرآن وهم أصحاب محمد يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من القرآن وَمِنَ الْأَحْزابِ يعني الكفار الذين كذبوا على رسول الله ﷺ وهم اليهود والنصارى\n_________\n(١) سورة النحل: ٦٠. [.....]\n(٢) سورة الفتح: ٢٩.\n(٣) سورة الشورى: ١١.\n(٤) سورة الرعد: ١٨.\n(٥) المصدر السابق: ٩/ ٣٢٥.","vol":"5","page":295},{"text":"مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ وذلك أنهم آمنوا بسورة يوسف وقالوا إنها واطأت كتابنا وهذا قول مجاهد وقتادة.\nوقال باقي العلماء: كان ذكر الرحمن في القرآن قليلا في بدء ما أنزل فلما أسلم عبد الله ابن سلام وأصحابه: ساءهم قلّة ذكر الرحمن في القرآن لأن ذكر الرحمن في التوراة كثير فسألوا رسول الله ﷺ في ذلك قوله الله تعالى قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ الآية.\nفقالت قريش حين نزلت هذه الآية: ما بال محمد كان يدعو إلى إله واحد فهو اليوم يدعو إلى إلهين: الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلّا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب فأنزل الله وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ وهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ وفرح مؤمنو أهل الكتاب بذكر الرحمن فأنزل الله وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ الله من ذكر الرحمن وَمِنَ الْأَحْزابِ يعني مشركي قريش من يذكر بعضه «١» .\nقال الله قُلْ يا محمد إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ مرجعي وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وكما أنزلنا إليك الكتاب يا محمد وأنكره الأحزاب، كذلك أيضا أنزلنا الحكم والدين حُكْمًا عَرَبِيًّا وإنما وصفه بذلك لأنه أنزل على محمد وهو عربي، فنسب الدين إليه إذ كان منزلا عليه فكذب الأحزاب بهذا الحكم أيضا، وقال قوم معنى الآية: وكما أنزلنا الكتب على الرسل بلغناهم كذلك أنزلنا عليك القرآن حُكْمًا عَرَبِيًّا ثم توعده على إتباع هوى الأحزاب فقال وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ قيل بما شاء الله، وقيل في أهل القبلة لأنّه ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ فجعلناهم بشرا مثلك وَجَعَلْنا لَهُمْ ينكحوهن وأولاد ينسلوهم ولم يجعلهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحوهن، فنجعل الرسول إلى قومك ملائكة ولكن أرسلنا إلى قومك بشرا مثلهم كما أرسلنا إلى من قبلهم من الأمم بشرا مثلهم وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وهذا جواب عبد الله بن أبي أمية ثم قال: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ لكل أمر أمضاه الله كان قد كتبه لجميع عبيده، الضحاك: معناه لكل كتاب نزل من السماء أجل ووقت ينزل فيه وهذا من المقلوب يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ.\nقرأ حميد وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: وَيُثْبِتُ بالتخفيف.\nوقرأ الآخرون: بالتثقيل واختاره أبو عبيد لكثرة من قرأها ولقوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا «٢» .\nواختلف المفسرون في معنى الآية،\nفروى نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ إلّا الشقاوة والسعادة والموت» [١٥٢] «٣» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٢٦.\n(٢) سورة إبراهيم: ٢٧.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٣/ ٢١٧.","vol":"5","page":296},{"text":"وعن ابن عباس قال: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ إلا أشياء: الخلق والخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة.\nعكرمة عنه هما كتابان سوى أم الكتاب يَمْحُوا اللَّهُ فهما ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ الذي لا يغير منه شيء.\nأبو صالح والضحاك: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ من ديوان الحفظة ما ليس فيه ثواب ولا عقاب وَيُثْبِتُ ما فيه ثواب وعقاب «١» .\nوروى عفان عن همام عن الكلبي: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ. قال: يمحو من الرزق ويزيد فيه ويمحو من الأجل ويزيد فيه. قلت من حدثك؟\nقال أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي ﷺ\nفقدم الكلبي بعد فسئل عن هذه الآية فقال: حتى إذا كان يوم الخميس يطرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب. مثل قولك أكلت، شربت، دخلت، خرجت ونحوها من الكلام وهو صادق، وَيُثْبِتُ ما كان فيه الثواب وعليه العقاب «٢» .\nوقال بعضهم: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ كل ما يشاء [من] «٣» غير استثناء كما حكى الكلبي عن راذان عن جابر عن النبي (ﷺ) .\nروى أبو عثمان النهدي: أنّ عمر بن الخطاب (﵁) كان يطوف بالبيت السبت وهو يبكي ويقول: اللهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فإن كنت كتبت عليّ الذنب والشقوة فامحني وأثبتني في أهل السعادة والمغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب «٤» .\nابن مسعود: إنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتني في السعداء فأثبتني فيهم وإن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء وأثبتني في السعداء فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.\nوروى حماد بن أبي حمزة عن إبراهيم: أن كعبا قال لعمر (﵁): يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبئنك بما هو كائن إلى يوم القيامة.\nقال: وما هو؟ قال: قول الله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ «٥» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٢٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٢١.\n(٣) زيادة اقتضاها السياق.\n(٤) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٣٠.\n(٥) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٢٠ تفسير القرطبي: ٩/ ٣٣٠.","vol":"5","page":297},{"text":"وروى عطية عن ابن عباس: في هذه الآية قال: هو الرجل يعمل للزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل الذي عمل بطاعة الله وقد كان يقول: خير أمتي يموت وهو في طاعة الله، فهو الذي يثبت «١» .\nقال علي بن أبي طالب (﵁): يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ من القرون وَيُثْبِتُ ما يشاء منها كقوله كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ «٢» وقوله ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ «٣» .\nسعيد بن جبير وقتادة: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله وَيُثْبِتُ ما يشاء وما ينسخه.\nالحسن: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يعني آجال بني آدم في كتاب يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ من جاء أجله فيذهب به وَيُثْبِتُ من لم يجيء أجله إلى أجله.\nمجاهد وابن قيس: حين ما أنزل ما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ «٤» ما نراك يا محمد تملك من شيء ولقد فرع من أمره. فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعدا لهم أي إن يشاء أحدثها من أمر. قاله بأشياء ويحدث في كل رمضان فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فيمحوا ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وينسئهم له «٥» .\nمحمد بن كعب القرظي: إذا ولد الإنسان. أثبت أجله ورزقه وإذا مات محى أجله ورزقه.\nوروى سعيد بن جبير: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ من ذنوب عباده فيغفرها وَيُثْبِتُ ما يشاء بتركها فلا يغفرها.\nعكرمة: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ يعني بالتوبة جميع الذنوب وَيُثْبِتُ بدل الذنوب حسنات فإنه إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ «٦» .\nوروى عن الحسن أيضا: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ يعني الآباء وَيُثْبِتُ يعني الأبناء.\nالسدي: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ يعني القمر وَيُثْبِتُ يعني الشمس.\nبيانه قوله: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً «٧» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٢٠.\n(٢) سورة يس: ٣١. [.....]\n(٣) سورة المؤمنون: ٣١.\n(٤) سورة الرعد: ٣٨.\n(٥) المصدر السابق: ٢٢٢.\n(٦) سورة الفرقان: ٧٠.\n(٧) سورة الإسراء: ١٢.","vol":"5","page":298},{"text":"ربيع: هذا في الأرواح في حال النوم يقبضها عند النوم فمن أراد موته محا وأمسكه ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه.\nبيانه قوله اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى «١» .\nوقيل: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ الدنيا وَيُثْبِتُ الآخرة.\nوروى محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل، في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه آخر غيره، فيمحو ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما يشاء» [١٥٣] «٢» .\nابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة جنانها رمان من ياقوت ولله في كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو منها ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.\nقال قيس بن عباد: العاشر من رجب هو يوم يَمْحُوا اللَّهُ فيه ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ يعني اللوح المحفوظ الذي لا يغير ولا يبدل.\nقال قتادة والضحاك: حلية الكتاب وأصله فيه ما يمحو ويثبت.\nفسأل ابن عباس كذا عن أم الكتاب.\nقال: يعلم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون فقال لعلمه: كن كتابا فكان كتابا «٣» وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن نريك ذلك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الذي عليك [أن تبلغهم] وَعَلَيْنَا الْحِسابُ والجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>[سورة الرعد (١٣): الآيات ٤١ الى ٤٣]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٤١) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ (٤٣)\nأَوَلَمْ يَرَوْا يعني أهل مكة الذين يسألون محمدا الإيمان أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نقصدها\n_________\n(١) سورة الزمر: ٤٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٣٢، وفي كنز العمال: ٢/ ٤٥٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٢٤.","vol":"5","page":299},{"text":"نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يفتحها لمحمّد ﷺ أرضا بعد أرض حوالي أرضهم فلا يخافون أن نفتح أرضهم كما فتحنا له غيرها، وبنحو ذلك قال أهل التأويل. روى صالح بن عمرو عن عمرو بن عبيد عن الحسن قال: ظهور المسلمين على المشركين.\nوروى وكيع عن سلمة بن سبط عن الضحاك قال: ما تغلب عليه محمد ﷺ من أرض العدو.\nجبير عن الضحاك قال: أو لم ير أهل مكة إنا نفتح لمحمد ما حوله من القرى.\nوروى إسحاق بن إبراهيم السلمي عن مقاتل بن سليمان قال: الْأَرْضَ مكة ونَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها غلبة النبي ﷺ والمؤمنين عليها وانتقاصهم وازدياد المسلمين. فكيف لا يعتبرون! وقال قوم: معناه أو لم يروا إلى الأرض نَنْقُصُها أفلا تخافون إن جعل بهم وبأرضهم مثل ذلك فيهلكهم ويخرب أرضهم.\nابن أبي نجيح عن مجاهد قال: خراب الأرض وقبض أهلها.\nيزيد الخوي عن عكرمة قال: يعني قبض الناس.\nوقال: لو نقصت الأرض لصارت مثل هذه وعقد بيده سويتين.\nعثمان بن السنّاج عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قال: موت أهل الأرض.\nطلحة بن أبي طلحة القناد عن الشعبي: قبض الأنفس والثمرات.\nعلي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نقصان أهلها وتركها.\nعثمان بن عطاء عن أبيه: قال ذهاب علمائها وفقهائها.\nقال الثعلبي: أخبرنا أبو علي بن أحمد الفقيه السرخسي قال: حدثنا أبو لبيد بن محمد بن إدريس البسطامي حدثنا سعد بن سعيد حدثنا أبي حدثنا أبو حفص عن محمد بن عبد الله عن عبد الملك بن عمير عن رجاء بن حيوة عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «خذوا العلم قبل أن يذهب» [١٥٤] «١» .\nقلنا: وكيف يذهب العلم والقرآن بين أظهرنا قد أثبته الله في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نقرأه ونقرئه أولادنا فأنصت ثم قال هل ظلت اليهود والنصارى الا والتوراة بين أظهرهم ذهاب العلم ذهاب العلماء.\n_________\n(١) سنن الدارمي: ١/ ٧٧.","vol":"5","page":300},{"text":"وحدثنا الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب لفظا في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة في آخرين.\nقالوا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف: حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبو ضمرة وأنس بن عياض عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» [١٥٥] «١» .\nوحدثنا أبو القاسم أخبرنا محمد بن أحمد بن سعيد حدثنا العباس بن حمزة حدثنا [.........] «٢» السدي حدثنا محمد بن فضيل بن غزوان عن عبد الله بن عبد الرحمن عن سالم بن أبي الجنيد عن أبي الدرداء أنه قال: يا أهل حمص مالي أرى أنّ علماؤكم يذهبون وجهالكم لا يتعلمون، فأراكم قد أقبلتم على ما يكفل لكم، وضيعتم ما وكلتم به اعلموا قبل أن يرفع العلم فإن رفع العلم ذهاب العلماء «٣» .\nوأخبرنا أبو القاسم حدثنا عبد الله بن المأمون بهرات حدثنا أبي حدثنا خطام بن الكاد بن الجراح عن أبيه عن جويبر عن الضحاك قال: قال علي (﵁): إنما مثل الفقهاء كمثل الأكف إذا قطعت كف لم تعد.\nحدثنا أبو القاسم حدثنا أبي حدثنا أبو عبد الله الحسين بن أحمد الرازي الزعفراني حدثنا عمر بن مدرك البلخي، أبو حفص حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا هشام بن حيان عن الحسين قال: قال عبد الله بن مسعود: موت العالم ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء ما اختلف الليل والنهار.\nومنه عن الرازي حدثنا عمرو بن تميم الطبري. أخبرنا محمد بن الصلت. حدثنا عباد بن العوام عن هلال عن حيان قال: قلت لسعيد بن جبير ما علامة هلاك الناس؟ قال: هلاك علمائهم، ونظير هذه الآية في سورة الأنبياء ﵈.\nوَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ لا راد لحكمه، والمعقب في كلام العرب الذي يكرّ على الشيء ويتبعه «٤» .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٨/ ٦٠.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) المصنف لابن أبي شيبة: ٨٠/ ١٧٠.\n(٤) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٢٩.","vol":"5","page":301},{"text":"قال لبيد:\nحتى تهجر في الرواح وهاجه ... طلب المعقب حقه المظلوم «١»\nوَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ. وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني من قبل مشركي مكة فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يعني له أسباب المكر وبيده الخير والشر وإليه النفع والضر فلا يضر مكر أحد أحدا إلّا من أراد الله ضره، وقيل: معناه له جزاء إليكم.\nيَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ ... سَيَعْلَمُ: قرأ ابن كثير وأبو عمر: الكافر على الواحد، والباقون على الجمع.\nلِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ عاقبة الدار الآخرة ممن يدخلون النار ويدخل المؤمنون الجنة وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إني رسوله إليكم، وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أيضا يشهدون على ذلك. هم مؤمنو أهل الكتاب.\nوقرأ الحسين وسعيد بن جبير: وَمِنْ عِنْدِهِ بكسر الميم والدال. عُلِمَ الْكِتابُ مبني على «٢» الفعل المجهول.\nوروى أبو عوانة عن أبي الخير قال: قلت لسعيد بن جبير وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أهو عبد الله بن سلام؟ قال: كيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية.\nوكان سعيد يقرأها وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتابُ، ودليل هذه القراءة قوله وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا «٣» وقوله الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ «٤» .\nوأخبرنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن بابويه أخبرنا أبو رجاء محمد بن حامد بن محمد المقرئ بمكة حدثنا محمد بن حدثنا عبد الله بن عمر حدثنا سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي ﷺ قرأها وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتابُ.\nوبه عن السمري حدثنا أبو توبة عن الكسائي عن سليمان عن الزهري عن نافع عن ابن عمر قال: قال: وذكر الله أشدّ فذكر إنه حيث جاء إلى الدار ليسلم سمع النبي ﷺ يقرأ وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الْكِتابُ بكسر الميم وسمعه في الركعة الثانية يقرأ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ الآية.\nأخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد الفاسي حدثنا القاضي الحسين بن محمد بن عثمان\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ١٦١، ولسان العرب: ١/ ٦١٤. [.....]\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) سورة الكهف: ٦٥.\n(٤) سورة الرحمن: ١. ٢.","vol":"5","page":302},{"text":"النصيبي أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين السميعي بحلب حدثني الحسين بن إبراهيم بن الحسين الجصاص. أخبرنا الحسين بن الحكم حدثنا سعيد بن عثمان عن أبي مريم وحدثني بن عبد الله ابن عطاء قال: كنت جالسا مع أبي جعفر في المسجد فرأيت ابن عبد الله بن سلام جالسا في ناحية فقلت لأبي جعفر: زعموا أنّ الذي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ عبد الله بن سلام. فقال: إنما ذلك علي بن أبي طالب (﵁) .\nوفيه عن السبيعي: حدثنا عبد الله بن محمد بن منصور بن الجنيد الرازي عن محمد بن الحسين بن الكتاب.\nأحمد بن مفضل حدثنا مندل بن علي عن إسماعيل بن سلمان عن أبي عمر زاذان عن ابن الحنيفة وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ قال: هو علي بن أبي طالب (﵁) «١» .\n_________\n(١) زاد المسير لابن الجوزي: ٤/ ٢٥٢، وتفسير القرطبي: ٩/ ٣٣٦، شواهد التنزيل: ١/ ٤٠١.","vol":"5","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-420>سورة إبراهيم (ع)</span>\nكلها مكية غير آيتين وهما قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا «١» . إلى قوله: فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ «٢» نزلتا في قتلى بدر وأسرائهم، [مكية] وهي ثلاثة آلاف وأربعمائة وأربعة وثلاثون حرفا وثمانمائة وإحدى وثلاثون كلمة في إثنتين وخمسون آية.\nأخبرنا أبو الحسين بن علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرة قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، أحمد بن يونس اليربوعي عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير عن يزيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة إبراهيم والحجر أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام وبعدد من لم يعبدها» [١٥٦] «٣» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) سورة إبراهيم: ٢٨.\n(٢) سورة ابراهيم: ٣٠.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٦/ ٥٥.","vol":"5","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجًا أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)\nالر ابتدأ كِتابٌ خبره وإن قلت هذا كتاب أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ يا محمد يعني القرآن لِتُخْرِجَ النَّاسَ لتدعوهم [إليه] «١» مِنَ الظُّلُماتِ الضلالة والجهالة إِلَى النُّورِ العلم والإيمان بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بتوفيق ربهم إياهم ولطفه بهم «٢» إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ.\nقرأ أهل المدينة والشام: اللَّهُ، برفع الهاء على الاستئناف وخبره: «الَّذِي» وقرأ الآخرون:\nبالخفض نعتا ل الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.\nوقال أبو عمر: بالخفض على التقديم والتأخير، مجازه: إلى صراط الله العزيز الحميد الله الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. كقول القائل مررت بالظريف عبد الله\nلو كنت ذا نبل وذا شريب ... ما خفت شدات الخبيث الذيب «٣»\nوكان يعقوب بن إسحاق الحضرمي إذا وقف على الْحَمِيدِ رفع قوله اللَّهِ وإذا وصل خفض على النعت «٤» وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ. الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ يختارون الحياة الدنيا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويضربون ويميلون الناس عن دين الله وَيَبْغُونَها عِوَجًا ويطلبونها زيغا وقيلا، والعوج بكسر العين في الدين والأمر والأرض كلا لم يكن قائما.\nوالعوج بفتح العين في كل ما كان قائما كالحائط والرمح ونحوهما أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ. وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ بلغتهم ليفهموا لبنية، بيانه قوله لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بالدعوة وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ.\nقال ابن عباس وأبي بن كعب ومجاهد وقتادة: بنعم الله.\nقال مقاتل: بوقائع الله في الأمم السالفة وما كان في أيام الله الخالية من النقمة والمحنة فاجتزأ بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ.\n_________\n(١) أي إلى القرآن.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٣٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٣٥.\n(٤) راجع تفسير القرطبي: ٩/ ٣٣٩.","vol":"5","page":305},{"text":"قال أهل المعاني: أراد لكل مؤمن لأن الصبر والشكر من خصال المؤمنين وأفعالهم إلى قوله تعالى وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ.\nقال الفراء: العلّة الجالبة لهذه الواو إن الله تعالى أخبرهم إن آل فرعون كانوا يعذبونهم بأنواع من العذاب غير الذبح والتذبيح وإن طرح الواو في قوله وَيُذَبِّحُونَ ويقتلون فإنه أراد تفسير صفات العذاب الذي كانوا يسومونهم وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يتركونهن حبالى لأنفسهنّ ومنه\nقول النبي ﷺ: «اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم»\n[١٥٧] «١» أي دعوا شبانهم أحياء وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ. وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ أي أعلم ودليله قراءة عبد الله بن مسعود وإذ قال ربكم به وأذن ويأذن بمعنى واحد مثل أوعد وتوعد.\nلَئِنْ شَكَرْتُمْ نعمتي وآمنتم وأطعتم لَأَزِيدَنَّكُمْ في النعمة قال ابن عيينة: الشكر بقاء النعمة ومن الزيادة ومرضاة المؤمن، وقيل الشكر قيد للموجود وقيد للمفقود.\nوَلَئِنْ كَفَرْتُمْ نعمتي فصددتموها ولم تشكروها.\nإِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ إلى قوله فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن خلقه حَمِيدٌ محمود في أفعاله لأنه فيها سيفصل أو يعدل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٩ الى ١٧]</span>\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١) وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)\nوَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ١٢.","vol":"5","page":306},{"text":"أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ يعني من كان بعد قوم نوح وعاد وثمود.\nوكان ابن مسعود يقرأها: وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ثم يقول كذب النسابون جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ.\nقال ابن مسعود: يعني عضوا على أيديهم غيظا.\nقال ابن زيد وقرأ: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ «١» .\nابن عباس: لما سمعوا كتاب الله عجبوا فرجعوا بأيديهم إلى أفواههم.\nمجاهد وقتادة: كذبوا الرسل وردّوا ما حلوا به.\nالأخفش وأبو عبيدة: أي تركوا ما أمروا به وكفوا عنه ولم يمضوه ولم يؤمنوا.\nتقول العرب للرجل إذا أمسك عن الجواب فلم يجب وسكت: قد ردّ يده في فيه.\nقال القيسي: إنا لم نسمع واحدا من العرب يقول ردّ يده في فيه إذا ترك ما أمر به وإنما المعنى إنهم عضوا على الأيدي حيفا وغيظا.\nكقول الشاعر:\nتردون في فيه غش الحسود «٢»\nيعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أنامله العشر وقال الهذلي:\nقد أفنى أنامله أزمة ... فأضحى يعض على الوظيفا «٣»\nالوظيف يعني الذراع والساق، واختار النحاس هذا القول لقوله تعالى وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ «٤» .\nوأنشد\nلو أن سلمى أبصرت تخددي ... ودقة في عظم ساقي ويدي\nوبعد أهلي وجفاء عودي ... عضت من الوجد بأطراف اليد «٥»\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١١٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/. [.....]\n(٣) لسان العرب: ١٥/ ٤٢٤.\n(٤) سورة آل عمران: ١١٩.\n(٥) لسان العرب: ١٤/ ٣٤٨، ومعاني القرآن للنحاس: ٣/ ٥٣٠.","vol":"5","page":307},{"text":"قال الكلبي: يعني من الأمم ردّوا بأيديهم إلى أفواههم أي في أفواه أنفسهم إشارة إلى الرسل إن اسكتوا.\nمقاتل: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ على أفواه الرسل حين يسكتونهم بذلك وَقالُوا يعني الأمم للرسل، إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ موجب الريبة موقع للتهمة قالَتْ رُسُلُهُمْ إلى قوله تعالى مِنْ ذُنُوبِكُمْ من تعجله وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني الموت فلا يعاجلكم بالعذاب والعقاب قالُوا الرسل إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا في الصورة والهيئة ولستم بملائكة وإنما يريدون بقولكم أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي بينة على صحة دعواكم، والسلطان في القرآن على وجهين وجه ملائكة ووجه بينة كقوله وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ «١» وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ «٢» فصحة قوله إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ «٣» بهذا وقوله: فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ «٤» .\nقالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ بالنبوة والحكمة إلى قوله وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا بيّن لنا الرشد وبصرنا طريق النجاة، وَلَنَصْبِرَنَّ اللام للقسم مجازه لنصبرن عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى قوله تعالى فِي مِلَّتِنا يعنون الآن ترجعوا وحتى ترجعوا إلى ديننا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هلاكهم ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي أي مقامه وقيامه بين يدي، فأضاف قيام العبد إلى نفسه، كما يقول يذهب على ضربك أي ضربي إياك، وسوف رويتكك أي برويتي إياك. قال الله وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ «٥» أي رزقي إليكم فإن شئت قلت ذلك لمن يخاف قيامي عليه ومراقبتي له، مثاله قوله أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ «٦» .\nوقال الأخفش: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي أي عذابي.\nوَخافَ وَعِيدِ وَاسْتَفْتَحُوا واستنصروا الله عليها «٧» .\nقال ابن عباس ومقاتل: يعني الأمم، وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل\n_________\n(١) سورة إبراهيم: ٢٢.\n(٢) سورة سبأ: ٢١.\n(٣) سورة يونس: ٦٨.\n(٤) سورة إبراهيم: ١٠.\n(٥) سورة الواقعة: ٨٢.\n(٦) سورة الرعد: ٣٣.\n(٧) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٥٣.","vol":"5","page":308},{"text":"صادقين فعذبنا، نظيره قوله تعالى ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ «١» وقالوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ «٢» الآية.\nوقال مجاهد وقتادة: يعني الرسل وذلك أنهم لما تبينوا من إيمان قومهم استنصروا عدوّهم ودعوا على قومهم بالعذاب.\nبيانه قوله تعالى في قصة نوح ولوط وموسى وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ.\nمجاهد: معاند للحق ويجانبه.\nوقال إبراهيم: الناكب عن الحق.\nابن عباس: المعرض.\nوقتادة: العنيد الذي لا يقول لا إله إلّا الله.\nمقاتل: المستكبر.\nابن كيسان: الشامخ بالحق.\nابن زيد: المخالف للحق.\nوالعرب تقول: شر الإبل العنيد الذي يخرج من الطريق خيره، المريد العاصي، ويقال عند العرب إذا لم يرقا دمه «٣» .\nوقال أهل المعاني: المعاند والعنيد هو المعارض لك بالخلاف وأصله من العند وهو الناحية.\nقال الشاعر:\nإذا نزلت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق العندا «٤»\nمِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ يعني أمامه وقدامه كما يقال: إن الموت من ورائك. قال الله وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ «٥» .\nقال الشاعر:\n_________\n(١) سورة العنكبوت: ٢٩.\n(٢) سورة الأنفال: ٣٢.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) تاج العروس: ١/ ١٠٨. [.....]\n(٥) سورة الكهف: ٧٩.","vol":"5","page":309},{"text":"أتوعدني وراء بني رياح ... كذبت لتقصرن يداك دوني «١»\nأي قدامهم.\nأبو عبيدة: من الأضداد.\nوقال الأخفش: هو كما يقال هذا الآخر من ورائك أي سوف يأتيك وأنا من وراء فلان يعني أصل إليه «٢» .\nوقال الشاعر:\nعسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب «٣»\nوقال بعضهم إنما يجوز هذا في الأوقات لأن الوقت يمر عليك فيصير إن أخرته خلفك.\nمقاتل: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ يعني بعده.\nوكان أستاذنا أبو القاسم الحبيبي يقول: الأصل في هذا أنّ كل ما ورائي عندك شيء من خلفك وقدام فهو [....] «٤»، وَيُسْقى مِنْ ماءٍ ثم بين ذلك لنا فقال صَدِيدٍ وهو القيح والدم.\nقتادة: هو ما يخرج من بين جلد الكافر ولحمه.\nمحمد بن كعب والربيع بن أنس: هو غسالة أهل النار وذلك ما يسيل من ابن الزنا يسقى الكافر يَتَجَرَّعُهُ يتحساه ويشربه ويجرع لا بمرة واحدة لمرارته وحرارته وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ لا يكاد أستقبله مجازه ولا يستسيغه كقوله لَمْ يَكَدْ يَراها «٥» أي لم يرها.\nقال ابن عباس: لم يحبوه، وقيل لا يحبّونه.\nوروى أبو أمامة عن النبي ﷺ في هذه الآية يعطى إليه فيكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه فقطع أمعاءه وحتى يخرج من دبره.\nيقول الله وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ «٦» وقال يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ «٧» وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ من أعضائه فيجد ألم الموت وسقمه.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ١٦٩، ولسان العرب: ١٥/ ٣٩٠.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٩/ ٣٥٠. ٣٥١.\n(٣) المعني: ١/ ١٥٢.\n(٤) كلمة غير مقروءة.\n(٥) سورة النور: ٤٠.\n(٦) سورة محمد: ١٥.\n(٧) سورة الكهف: ٢٩.","vol":"5","page":310},{"text":"وقال إبراهيم التيمي: حتى من تحت كل شعرة في جسده.\nالضحاك: حتى من إبهام رجله.\nالأخفش: يعني البلايا التي تصيب الكافر في النار سمّاها موتا.\nوَما هُوَ بِمَيِّتٍ ولا يخرج نفسه فيستريح.\nوقال ابن جريج: تعلق نفسه عند حنجرته فلا تخرج من فيه فيموت ولا يرجع إلى مكانها من جوفه فتنفعه الحياة، نظيره قوله لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى «١» وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ شديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ١٨ الى ٢٧]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٢)\nوَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (٢٣) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (٢٦) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ (٢٧)\nمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ «٢» اختلفت النحاة في رفع مثل، قال الفراء: أضاف المثل إلى الكافرين والمثل للأعمال لأن العرب تقدم الأسماء لأنها أعرف ثم تأتي بالخبر الذي يخبر عنه مع صاحبه، ومجاز الآية مثل الذين كفروا بربهم كَرَمادٍ، قوله: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ «٣» أي أحسن خلق كل شيء وقوله\n_________\n(١) سورة طه: ٧٤.\n(٢) سورة إبراهيم: ١٨.\n(٣) سورة السجدة: ٧.","vol":"5","page":311},{"text":"وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ «١» معناه يوم القيامة ترى وجوه الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة سيئة، في الآية إضمار معناها ولا يمنّ عليك مثل الذين كفروا بربهم، ثم ابتدأ وأخذ يفسره فقال:\nأعمالهم كَرَمادٍ وإن شئت جعلت المثل صفة فقلت الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ وصف اليوم بالعصوف وهو من صفة الريح لأن الريح تكون فيه كما يقال يوم بارد وحار لأن البرد والحر يكونان فيه، وليل نائم ونهار صائم. قال الله وَالنَّهارَ مُبْصِرًا «٢» ويدلّ عليه الليل والنهار.\nقال الشاعر:\nيومين غيمين ويوما شمسا «٣»\nوقال الفراء: إن شئت قلت: في يوم في عصوف وإن شئت قلت: في يوم عاصف الريح، تحذف الريح لأنها قد ذكرت قبل ذلك.\nكقول الشاعر:\nإذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف «٤»\nأراد كاسف الشمس.\nوقيل هو من نعت الريح غير أنه لما جاء بعد اليوم أتبع إعرابه كما قيل (حجر ضب خرب) ونحوه، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكافر يعني هم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا لأنهم أشركوا فيها كما أنّ الرماد الذي فرّقه الريح لا ينتفع به. فذلك قوله لا يَقْدِرُونَ يعني الكفار مِمَّا كَسَبُوا في الدنيا عَلى شَيْءٍ في الآخرة ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ.\nقرأ أهل الكوفة إلّا عامر: خالق السماوات والأرض على التعظيم «٥» .\nوقرأ الآخرون: خَلَقَ السَّماواتِ على الفصل بِالْحَقِّ قال المفسرون: لم يخلقهما باطلا وإنما خلقهما لأمر عظيم.\nإِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ يبدلكم أحسن وأفضل وأطوع منكم، وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ منيع متعذر وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا خرجوا من قبورهم وظهروا لله جميعا،\n_________\n(١) سورة الزمر: ٦٠.\n(٢) سورة يونس: ٦٧.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٣/ ٢٥٨. [.....]\n(٤) لسان العرب: ٩/ ٢٤٨، جامع البيان للطبري: ١٣/ ٢٥٨.\n(٥) على وزرن: فاعل، راجع تفسير الطبري: ١٣/ ٢٦٠.","vol":"5","page":312},{"text":"الاستقبال فَقالَ الضُّعَفاءُ يعني الأتباع لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا يعني المتبوعين من القادة إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا جمع تابع مثل حارس وحرس، وقيل: راصد ورصد ونافر ونفر، ويجوز أن يكون تبع مصدرا سمي به أي كنا ذوي تبع «١» .\nفَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي هل أنتم ودافعون عذاب الله عنا، قال المتبوعين قالُوا لَوْ هَدانَا اللَّهُ إلى قوله مِنْ مَحِيصٍ مهرب ولا منجى، ويجوز أن يكون بمعنى المصدر وبمعنى الإسم.\nيقال حاص فلان عن كذا أي فرّ وزاغ عنه يحيص حيصا وحيوصا وحيصانا.\nقال مقاتل: إنهم يقولون في النار تعالوا نجزع فيجزعون خمسمائة عام فلا ينفعهم الجزع.\nيقولون تعالوا نصبر فيصبرون خمسمائة عام فلا ينفعهم الصبر فحينئذ يقولون سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ. وَقالَ الشَّيْطانُ يعني إبليس لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ فرغ من الأمر فأدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.\nقال مقاتل: يوضع له منبر من نار فيرقاه ويجتمع الكفار عليه بالأئمة إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ يوفى لكم وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ ولاية ومملكة وحجة وبصيرة إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ هذا من الاستثناء المنقطع مجازه لمن يدعونكم فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ بإجابتي ومتابعتي من غير سلطان وغير برهان ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ بمعينكم وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ بمغنيّ وبمغيثي.\nقرأه العامة: بِمُصْرِخِيَّ بفتح الياء.\nوقرأ الأعمش وحمزة: بكسر الياء، والأصل فيه بمصرخيين فذهبت النون لأجل الإضافة وأدغمت ياء الجماعة في ياء الإضافة، فمن نصب فلأجل التضعيف ومن كسر فلالتقاء الساكنين حركت إلى الكسر لأن الياء أخت الكسرة «٢» إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ به مِنْ قَبْلُ أي لا يمكن أن أكون شريكا لله فيما أشركتموني به من طاعتكم إياي واستهزأت من ذلك إِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين الواضعين للعباد الطاعة في غير موضعها لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.\nروى عتبة بن عامر عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة قال: يقول عيسى (﵇):\nذلكم النبي الأمي فيأتونني فيأذن الله لي أن أقوم فيثور مجلسي أطيب ريح شمها أحد حتى آتي فيشفّعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي.\nثم يقول الكفار: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو غير\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٥٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٥٧.","vol":"5","page":313},{"text":"إبليس هو الذي أضلنا فيأتون فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أضللتنا قال: فيقوم فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد ثم يعظم نحيبهم فيقول عند ذلك إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ «١» .\n... وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله فِيها سَلامٌ يسلم الله ويسلم الملائكة عليهم أَلَمْ تَرَ يا محمد يعني فإن الله يعلم بإعلامي إياك كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً يعني ما بين الله شبهها كلمة طيبة شهادة أن لا إله إلّا الله كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ وهي النخلة يدل عليه\nحديث عتيب الحجاب قال: كان أبو العالية أميني فأتاني يوما في منزلي بعد ما صليت الفجر فانطلقت معه إلى أنس بن مالك فدخلت عليه فجيء بطبق عليه رطب.\nفقال أنس: كل يا أبا العالية فإنّ هذه من الشجرة التي قال الله في كتابه أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ. ثم قال أنس أتى رسول الله ﷺ بقناع بسر، فقرأ «٢» هذه الآية\n، ومعنى الآية: كشجرة طيبة الثمرة، فترك ذكر الثمرة استغناء بدلالة الطعام عليه.\nوقال أبو ظبيان عن ابن عباس: هذه شجرة في الجنة أَصْلُها ثابِتٌ في الأرض وَفَرْعُها عال فِي السَّماءِ كذلك أصل هذه الكلمة راجع في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق والإخلاص.\nوإذا تكلم بالشهادة تذهب في السماء فلا يكتب حتى ينتهي إلى الله تعالى. قال الله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.\nوروى مقاتل بن حيان عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: «إنّ لله عمودا من نور أسفله تحت الأرض السابعة ورأسه تحت العرش، فإذا قال العبد أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبده ورسوله اهتز ذلك العمود، فيقول الله ﷿: اسكن، فيقول: كيف أسكن؟ ولم تغفر لقائلها فيقول الرب: قد غفرت له فيسكن عند ذلك» [١٥٨] .\nفقال النبي ﷺ: «أكثروا من هز ذلك العمود» [١٥٩] «٣» .\nتُؤْتِي أُكُلَها تعطي ثمرها كُلَّ حِينٍ اختلفوا في الحين.\nفقال مجاهد وعكرمة وابن زيد: كل سنة.\nقال عكرمة: أرسلت إلى عمر بن عبد العزيز إني نذرت أن أقطع يد رجل من هكذا سنة وحينا، ما عندك فيه. قال ابن عباس: فقلت له: لا تقطع يده واحبسه سنة «٤» .\n_________\n(١) سنن الدارمي: ٢/ ٣٢٧، وتفسير الطبري: ١٣/ ٢٦٣.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٦٨.\n(٣) الموضوعات لابن الجوزي: ٣/ ١٦٧، ومجمع الزوائد باختصار: ١٠/ ٨٢.\n(٤) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٧٤.","vol":"5","page":314},{"text":"إنّ ابن عباس يقول: الحين حينان حين يعرف ويبدل وحين لا يعرف. فأما الحين الذي لا يعرف وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ «١» وأما الذي يعرف تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ فهو ما بين العام إلى العام المقبل.\nفقال: أصبت يا مولى ابن عباس وأحسنت «٢» .\nوقال سعيد بن جبير وقتادة والحسن: كل ستة أشهر ما بين عرامها «٣» إلى حملها.\nوروى طارق بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه سئل عن رجل حلف ألّا يكلم أخاه حينا فقال: الحين سبعة أشهر، وقرأ هذه الآية.\nفقال سعيد بن المسيب: الحين شهران لأن النخلة لا يكون فيها أكلها إلّا شهرين.\nوقال الربيع بن أنس: كُلَّ حِينٍ كل غدوة وعشية، كذلك يصعد عمل المؤمن عن أول النهار وآخره، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس.\nقال الضحاك: كل ساعة ليلا ونهارا، شتاء وصيفا يؤكل في جميع الأوقات. كذلك المؤمن لا يخلو من الخير في الأوقات كلها «٤» .\nوقرأ أبو الحكم في تمثيل الله الإيمان بالشجرة فهي أن الشجرة لا تكون شجرة إلّا بثلاثة أشياء عود راسخ وأصل قائم وفرع عال. كذلك الإيمان لا يتم ولا يقوم إلّا بثلاثة أشياء تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالأبدان.\nيدل عليه ما\nروى جعفر بن محمد عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالإيمان» [١٦٠] .\nلحميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا إن مثل هذا الدين مثل شجرة ثابتة، الإيمان أصلها، والزكاة فرعها، والصيام عروقها، والداعي في الله نباتها، وحسن الخلق ورقها، والكف عن محارم الله خضرتها، فكما لا- يكمل هذه الشجرة إلّا بثمر طيبة، لا يكمل الإيمان إلّا بالكف عن محارم الله» [١٦١] «٥» .\nوالحكمة في تشبهها إياه بالحنطة من بين سائر الأشجار أنها لما كانت أشبه الأشجار بالإنسان شبهت به وذلك أن كل شجرة إذا قطع رأسها تشعبت بالغصون عن جوانبها والنخلة إذا\n_________\n(١) سورة ص: ٨٨.\n(٢) معاني القرآن للنحاس باختصار: ٣/ ٥٢٨.\n(٣) العرام: الغشر، راجع لسان العرب: ١٢/ ٣٩٥.\n(٤) راجع زاد المسير: ٤/ ٢٦٣. ٢٦٤.\n(٥) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٦٠.","vol":"5","page":315},{"text":"قطع رأسها يبست وذهب أصلها ولأنها تشبه الإنسان وسائر الحيوانات في الإلقاح لأنها لا تحمل حتى يلقح.\nقال النبي ﷺ: «خير المال سكة مأبورة ومهدة مأمورة» [١٦٢] «١» .\nومنه\nحديث ابن عمر: إنّ النبي ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: «إن شجرة من الشجر لا يطرح ورقها وهي مثل المؤمن فأخبرني ما هي؟» قال: فوقع الناس في شجر البوادي ووقع في نفسي أنها النخلة ثم نظرت فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت وسكت. فقال رسول الله ﷺ: «هي النخلة» [١٦٣] فذكرت ذلك لأبي فقال: يا بني لو كنت قلتها لكانت أحبّ إليّ من فضلة لأنها من شجرة آدم «٢» .\nيروى أنّ رسول الله ﷺ قال: «أكرموا عمتكم» فقيل ومن عمتنا يا رسول الله؟ قال:\n«النخلة» [١٦٤] «٣» وذلك أنّ الله تعالى لما خلق آدم فصلت من طينه فصلة فخلق منها النخلة قال الله: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ وهي الشرك كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ هي الحنظلة.\nقال ابن عباس: هذا مثل ضربه الله ولم يخلق هذه الشجرة على وجه الأرض.\nاجْتُثَّتْ اقتلعت. قال ابن عباس، والسدي: استرخت.\nالضحاك: استوصلت. المؤرخ: أخذت حيث ما هي يقينا مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ كذلك الكافر لا خير فيه ولا يصعد له قول طيب ولا عمل صالح يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ يحقق الله إيمانهم وأعمالهم بالقول والتثبيت، وهو شهادة أن لا إله إلّا الله فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ يعني في القبر، وقيل: فِي الْحَياةِ في القبر عند الله تعالى وَفِي الْآخِرَةِ إذا بعث.\nمقاتل: ذلك أنّ المؤمن إذا مات بعث الله إليه ملكا يقال له: رومان فيدخل قبره فيقول له:\nإنه يأتيك الآن ملكان أسودان فيسألانك من ربك ومن نبيك وقادتك فأجبهما بما كنت عليه في حياتك، ثم يخرج فيدخل الملكان وهما منكر ونكير أسودان أزرقان فظان غليظان أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالريح العاصف معهما مهزبة، فيقعدان ويسألانه لا يشعران بدخول رومان فيقول ربي الله ونبيي محمد وديني الإسلام، فيقولان له عند الله سعيد ثم يقولان: اللهم فأرضه كما أرضاك، ويفتح له في قبره باب من الجنة يأتيه منها التحف، فإذا انصرفا عنه قال له: نم\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٣/ ٢٧٠. [.....]\n(٢) صحيح ابن حبان: ١/ ٤٨١ ح ١٢٤٦٠.\n(٣) كنز العمال: ١٢/ ٣٣٨ ح ٣٥٣٠٠، تفسير القرطبي: ٩/ ٣٦٠.","vol":"5","page":316},{"text":"نومة العروس، فهذا هو التثبيت وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ يعني يلعنهم وذلك أنّ الكافر إذا دخل عليه الملكان قالا له: من ربك وما دينك ومن نبيك؟ قال: لا أدري. قال له: لا دريت ولا هديت عشت عصيا ومتّ شقيا، ثم يقولان له نم نومة المنهوس ويفتح من قبره باب من جهنم ويضربانه ضربة بتلك المرزبة فيشهق شهقة يسمعها كل حيوان إلّا الثقلان ويعلنه كل من يسمع صوته فذلك قوله وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ «١» .\nروى البراء بن عازب أنّ رسول الله ﷺ ذكر قبض روح المؤمن فقال: «فيعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه في قبره، ويقولان من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد، وينتهرانه ويقولان الثانية من ربك وما دينك ومن نبيك؟ وهو آخر أسئلة الملكان فيثبته الله فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد ﷺ فينادي مناد في السماء أن ثبت عبدي»\n[١٦٥] «٢» فنزل قوله تعالى يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا الآية.\nوقال ابن عباس في هذه الآية: إنّ المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة فسلموا عليه وبشروه بالجنة فإذا مات مشوا مع جنازته وصلوا عليه مع الناس، فإذا دفن جلس في قبره فيقال له من ربك؟ فيقول ربي الله. فيقال له من رسولك؟ فيقول محمد. فيقال له ما شهادتك؟ فيقول أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله فيوسع له في قبره حد بصره، وذلك قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ.\nوروى أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كنا مع رسول الله ﷺ في جنازة فقال: «يا أيها الناس إنّ هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن ويتفرق عنه أحباؤه جاءه ملك بيده مطراق فأقعده فقال: ما تقول في هذا الرجل؟ فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله. فيقول له: صدقت فيفتح له باب إلى النار فيقال له: هذا منزلك كان لو كفرت بربك، فأما إذا آمنت به فإنّ الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض له فيقال له اسكن ثم يفتح له في قبره، وأما الكافر أو المنافق فيقال له ما تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، فيقال له: لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا كان منزلك لو آمنت بربك، فأما إذا كفرت فإنّ الله أبدلك به هذا ثم يفتح له باب إلى النار ثم يقمعه الملك بالمطراق قمعة يسمعه خلق الله كلهم إلّا الثقلين» .\nقال بعض أصحابه: يا رسول الله ما منا من أحد يقوم على رأسه ملك بيده مطراق إلّا هيل جزعا لذلك، قال رسول الله ﷺ: «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا» الآية [١٦٦] «٣» .\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٥٩.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٣/ ٢٨١، ومسند أحمد: ٤/ ٢٨٧، بتفاوت يسير.\n(٣) كنز العمال: ١٥/ ٦٣٧ ح ٤٢٥٠٩، جامع البيان للطبري: ١٣/ ٢٨١.","vol":"5","page":317},{"text":"وقال أبو هريرة: إن الميت يسمع خفق نعالهم حتى يولون عنه مدبرين وإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصيام عن يساره وفعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف فيصلي الناس عند رجليه فيؤتى من عند رأسه فيقول للصلاة: أقبلي فتدخل فيؤتى من يمينه فيقول الزكاة اقبلي فتدخل، فيؤتى عن يساره فيقول الصيام قبلي يدخل صوتي من عند رجليه فيقول فعل الخيرات اقبلي فتدخل، فيقال له: اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس وقد دخل الغروب، فيقال له: أخبرنا عما نسألك. فيقول: دعوني حتى أصلي فيقال إنك ستفعل، فأخبرنا عما نسألك عنه فيقول وعم تسألونني؟ فيقال أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ما نقول فيه وماذا شهد عليه، فيقول أمحمد؟ فيقال: نعم، فيقول: أشهد إنه لرسول الله قد جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه، فيقال له: على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعلى ذلك تبعث إن شاء الله، ثم يفتح إليه في قبره سبعون ذراعا وينوّر له فيه، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: أنظر إلى ما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا، ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له: انظر إلى ما صرف الله عنك لو عصيته، فيزداد غبطة وسرورا، ثم يجعل نسمه في النسيم الطيب، وهي طير [خضر] تعلق بشجر الجنة ويعاد جسده إلى ما بدئ منه من التراب، وذلك قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إلى قوله وَفِي الْآخِرَةِ «١» .\nوعن أبي نافع قال: بينما رسول الله ﷺ يمشي بغدير وأنا أمشي خلفه فقال ﷺ: «لا هديت لا هديت ثلاثا» [١٦٧] «٢» .\nقال أبو نافع قلت: يا رسول الله مالي؟ قال: ليس إياك أريد، وإنما أريد صاحب هذا القبر، يسأل عني فيزعم أنه لا يعرفني فإذا هو قبر قد رشّ عليه الماء حين دفن صاحبه.\nوأخبرنا أبو القاسم السلمي عن أبي الطيب محمد بن علي الخياط يقول: سمعت سهيل بن جابر العتكي يقول: رأيت يزيد بن عثمان بعد موته في المنام، فقلت له ما فعل الله بك فقال: إنه أتاني في قبري ملكان فظان غليظان فقالا من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فأخذت بلحيتي البيضاء وقلت لهما ألمثلي يقال هذا وقد علمت الناس جوابكما ثمانين سنة فذهبا وقالا أكتبت عن جرير بن عثمان؟ قلت: نعم. قالا: إنه كان يبغض عليا فأبغضه الله «٣» .\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٣/ ٢٨٣.\n(٢) المعجم الكبير: ١/ ٣٢٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٦٣.","vol":"5","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٢٨ الى ٣٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ (٢٩) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠) قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ (٣١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ (٣٢)\nوَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ (٣٣) وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا يعني غيّروا نعمة الله عليهم في تكذيبهم محمدا ﷺ حين بعثه الله منهم وفيهم فكفروا به وكذبوه فيصيروا نعمة الله عليهم كفرا وَأَحَلُّوا وأنزلوا قَوْمَهُمْ ممن تابعهم على كفرهم دارَ الْبَوارِ الهلاك ثم [ترجم] «١» عن دار البوار ما هي. فقال: جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يدخلونها وَبِئْسَ الْقَرارُ المستقر.\nعامر بن واثلة سمعت علي بن أبي طالب (﵁) يقول في قوله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا الآية قال: هم كفار قريش الذين نحروا يوم بدر «٢» .\nقال عمر بن الخطاب (﵁): هما الأفجران من قريش بني امية، فأما بنو امية فمتعوا إلى حين، وأما بنو مخزوم فاهلكوا يوم بدر «٣» .\nابن عباس: هم متنصرة العرب جبلة بن الأيهم وأصحابه «٤» .\nوَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلُّوا قرأ الكوفيون بضم الياء على معنى ليضلوا الناس عن سبيله، وقرأ الباقون بفتح الياء على اللزوم «٥» قُلْ تَمَتَّعُوا عيشوا متاع الدنيا.\nفَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ وهذا وعيد.\nقوله: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ. قال الفراء: «٦» جزم: يقيموا بتأويل الجزاء ومعناه الأمر «٧» .\nوَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً إلى قوله وَلا خِلالٌ مخالة فيقال خلت فلانا فأنا أخاله مخالة وخلال وخلّة «٨» .\n_________\n(١) زيادة عن تفسير الطبري: ١٣/ ٢٨٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٦٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٦٤، ونسبه لعمر وعلي معا.\n(٤) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٦٤.\n(٥) أي عاقبتهم إلى الإضلال والضلال، فهذه لام العاقبة.\n(٦) في جزم: يقيموا أوجه هذا أحدها، وقيل إنه على حذف لام الأمر أي: ليقيموا، وقيل أنه جواب الأمر وهو قل. [.....]\n(٧) زيادة عن تفسير الطبري: ١٣/ ٢٩٤، وعبارة المخطوط مشوشة.\n(٨) المصدر السابق.","vol":"5","page":319},{"text":"قال امرؤ القيس:\nصرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... وخلت بمقليّ الخلال ولا قالي «١»\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ إلى قوله الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ.\nقال ابن عباس: دؤوبهما في طاعة الله.\nوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ متعاقبان في الضياء والظلمة والنقصان والزيادة وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ يعني وآتاكم من كل شيء سألتموه شيئا فحذف الشيء الثاني اكتفاء بدلالة الكلام على التبعيض كقوله وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «٢» يعني وأوتيت من كل شيء في زمانها شيئا وقيل هو التكثير نحو قولك: فلان يعلم كل شيء وأتاه كل الناس، وأنت تعني بعضهم نظيره قوله فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ «٣» .\nوقال بعض المفسرين: معناه وآتاه من كل ما سألتموه وما لم تسألوه «٤»، وهذه قراءة العامة بالإضافة [.........] «٥» .\nوقرأ الحسن والضحاك وسلام: مِنْ كُلٍ، بالتنوين على النفي يعني من كل ما لم تسألوه فيكون ما يجد.\nقال الضحاك: أعطاكم أشياء ما طلبتموها ولا سألتموها، صدق الله لكم من شيء أعطاناه الله ما سألناه إياه ولا خطرنا ببال «٦» .\nوَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها لا تطيقوا ذكرها ولا القيام بشركها لا بالجنان ولا باللسان ولا بالبيان إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ لشاكر غير من أنعم عليه واضع الشكر في غير موضعه كَفَّارٌ جحود لنعم الله، وقيل ظلمه لنفسه بمعصيته كفار لربه في نعمته، وقيل ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٩٤.\n(٢) سورة النمل: ٢٣.\n(٣) سورة الانعام: ٤٤.\n(٤) المصدر السابق: ١٣/ ٢٩٧.\n(٥) كلمة غير مقروءة.\n(٦) المصدر السابق: ١٣/ ٢٩٧.","vol":"5","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-425>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٣٥ الى ٤١]</span>\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ (٣٥) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦) رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ (٣٨) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ (٣٩)\nرَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ (٤١)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا يعني الحرم مأمونا فيه وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ.\nأَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ ويقال جنبته أجنبه جنبا وأجنبته إجنابا بمعنى وأجنبّك وجنّبته تجنيبا.\nقال الشاعر: وهو أمية بن الأشكر الليثي:\nوتنفض مهده شفقا عليه ... وتجنّبه فلا يصعي الصّعابا «١»\nوالأصنام جمع صنم وهو التمثال المصور قال الشاعر:\nوهنانة كالزون يجلي ضمه ... تضحك عن أشنب عذب ملثمه «٢»\nوقال إبراهيم التيمي في قصصه: من يأمن من البلاء بعد خليل الله إبراهيم (﵇) حين يقول: وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يعني ضل بهن كثير من الناس عن طريق الهدى حتى عبدوهن وهذا من المغلوب. نظيره قوله الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ «٣» أي يخوفكم بأوليائه.\nفَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي على ديني وملتي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nقال السدي: معناه وَمَنْ عَصانِي فتاب.\nمقاتل بن حيان: وَمَنْ عَصانِي فيما دون الشرك.\nروى عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ رسول الله ﷺ تلا قول إبراهيم (﵇) فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nوقول عيسى (﵇) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ «٤» الآية، فرفع يداه ثم قال: اللهم أمتي اللهم أمتي وبكى، فقال الله: يا جبرئيل اذهب إلى محمد- وربك أعلم- فسأله ما بك، فأتى جبرئيل فسأله فأخبره رسول الله ﷺ ما قال، فقال الله: يا جبرئيل اذهب إلى محمد فقل:\nإنا سنرضيك في أمتك ولا يسؤك.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٩٨.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٢٩٨.\n(٣) سورة آل عمران: ١٧٥.\n(٤) سورة المائدة: ١١٨.","vol":"5","page":321},{"text":"رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي إنما أدخل: «من» للتبعيض ومجاز الآية أسكنت من ذريتي ولدا بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ وهو مكة عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ.\nقتادة: المحرم من المسجد محرم الله فيه، والاستخفاف بحقه، فإن قيل ما وجه قول إبراهيم عِنْدَ بَيْتِكَ وإنما بنى إبراهيم البيت بعد ذلك بمدة، وقيل معناه عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي كان قبل أن يرفعه من الأرض حتى رفعته في أيام الطوفان.\nوقيل عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ الذي قد مضى في علمك أنه يحدث في هذا البلد.\nوكانت قصة الآية على ما ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنّ أول من سعى بالصفا والمروة هاجر أم إسماعيل، وإنّ أول ما أحدثت جرّ الذيول لهي وذلك أنها لما فرت من ساره فأرخت من ذيلها ليعفى أثرها فجاء بها إبراهيم ومعها ابنها إسماعيل حتى انتهى بهما إلى موضع البيت فوضعهما ثم رجع فأثبتته فقالت: إلى من تكلنا، فجعل لا يرد عليها شيئا، فقالت:\nالله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا، فرجعت ومضى [إبراهيم] حتى إذا كان على ثنية كداء أقبل على الوادي. فقال: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ الآية «١» .\nقال: ومع الإنسانة شنّة فيها ماء فنفذ الماء فعطشت فانقطع لبنها فعطش الصبي، فنظرت إلى الجبال أدنى من الأرض فصعدت الصفا فتسمّعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا فلم تسمع شيئا فانحدرت فلما نزلت على الوادي سعت وما تريد السعي كالإنسان المجهود الذي يسعى وما يريد بذلك السعي، فنظرت أيّ الجبال أدنى من الأرض فصعدت المروة فتسمّعت هل تسمع صوتا أو ترى أنيسا، فسمعت صوتا، فقالت: كالإنسان الذي يكذب سمعه: صه حتى استيقنت، فقالت: قد أسمعتني صوتك فأغثني فقد هلكت وهلك من معي، فإذا هو الملك فجاء بها حتى انتهى بها إلى موضع زمزم فضرب بقدمه ففارت عينا فعجلت الإنسانة فجعلت تفرغ في شنتها،\nفقال رسول الله ﷺ يرحم الله أم إسماعيل لولا أنها عجلت لكانت زمزم عينا معينا\n، وقال لها الملك: لا تخافي الظمأ على أهل هذا البلد فإنما هي عين لشرب ضيفان الله وقال: إن أبا هذا الغلام سيجيء فيبنيان لله بيتا هذا موضعه.\nقال: ومرت رفقة من جرهم تريد الشام فرأوا الطير على الجبل وقال: إن هذا الطير لعائف على ماء فأشرفوا فإذا هم بالإنسانة فأتوا هاجر وقالوا إن شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك فأذنت لهم فنزلوا معها وكانوا هناك حتى شبّ إسماعيل وماتت هاجر فتزوج إسماعيل امرأة من جرهم فاستأذن إبراهيم سارة أن يأتي هاجر فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل «٢»، وذكر الحديث في صفة مقام إبراهيم وقد مضت هذه القصة في سورة آل عمران.\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٤/ ١١٤.\n(٢) تاريخ الطبري: ١/ ١٧٩. ١٨٠ وذكر بقية القصة. [.....]","vol":"5","page":322},{"text":"رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي تفزع وقيل تشتاق إِلَيْهِمْ وهذا دعاء منه (﵇) لهم بأن يرزقهم حجّ بيته الحرام.\nقال سعيد بن جبير: لو يقال أفئدة الناس تهوى إليهم لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه قال أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ منهم المسلمون.\nوقال مجاهد: لو قال أفئدة الناس لازدحمت عليه فارس والروم والترك والهند ولكنه أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ... وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ ما رزقت سكّان القرى ذوات المياه لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ. رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ من جميع أمورنا.\nوقال ابن عباس ومقاتل من الوجد إسماعيل وأمه حيث أسكنها بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ ... وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ.\nقال بعضهم: هذه صلة فولد إبراهيم (﵇) .\nوقال الآخرون: قال الله ﷿ وَما يَخْفى عَلَى اللَّهِ وهو قول الله ﷿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي أعطاني عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ.\nقال ابن عباس: ولد إسماعيل لإبراهيم وهو ابن تسع وتسعين سنة وولد له إسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة.\nوقال سعيد بن جبير: بشر إبراهيم بإسحاق بعد اثنتي عشرة ومائة سنة.\nرَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي أيضا واجعلهم مقيمي الصلاة رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ.\nقال المفسرون: أي عبادتي. نظيره\nقول النبي ﷺ: «الدعاء مخ العبادة»\n[١٦٨] «١» ثم قرأ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي «٢» فسمى الدعاء عبادة.\nرَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ إن آمنا وتابا، وقد أخبر الله عن عذر خليله في استغفاره لأبيه في سورة التوبة.\nوَلِلْمُؤْمِنِينَ كلهم.\nقال ابن عباس: من أمة محمّد يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ أي يبدو ويظهر. قال أهل المعاني:\nأراد يوم يقوم الناس للحساب فاكتفى بذكر الحساب عن ذكر الناس إذ كان مفهوما.\n_________\n(١) كنز العمال: ٢/ ٦٢ ح ٣١١٤.\n(٢) سورة غافر: ٦٠.","vol":"5","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>[سورة إبراهيم (١٤): الآيات ٤٢ الى ٥٢]</span>\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ (٤٢) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (٤٣) وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ (٤٦)\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ (٤٧) يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٤٩) سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (٥١)\nهذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٥٢)\nوَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ. قال ميمون بن مهران: فهذا وعيد للظالم وتعزية المظلوم «١» إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ يمهلهم ويؤخر عذابهم.\nوقرأه العامة: بالتاء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ، وقرأ الحسن والسّلمي: بالنون.\nلِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ أي لا تغمض من هول ما ترى في ذلك اليوم قاله الفراء.\nمُهْطِعِينَ قال قتادة: مسرعين. سعيد بن جبير عنه: منطلقين.\nعابد بن الأوزاعي وسعيد بن جبير: الإهطاع سيلان كعدو الذئب.\nمجاهد: مديمي النظر.\nالضحاك: شدّة النظر من غير أن يطرف، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، الكلبي:\nناظرين. مقاتل: مقبلين إلى النار.\nابن زيد: المهطع الذي لا يرفع رأسه، وأصل الإهطاع في كلام العرب البدار والإسراع، يقال: أهطع البعير في سيره واستهطع إذا أسرع «٢» .\nقال الشاعر:\nوبمهطع سرح كأنّ زمامه ... في رأس جذع من أراك مشذب\nوقال آخر:\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٣١٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٧٩.","vol":"5","page":324},{"text":"بمستهطع رسل كأن جديله ... بقدوم رعن من صوام ممنع «١»\nوقال آخر:\nتعبدني نمر بن سعد، وقد أرى ... ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع «٢»\nمُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ رافعيها.\nقال القتيبي: المقنع الذي يرفع رأسه ويقبل ببصره على ما بين يديه، ومنه الإقناع في الصلاة.\nقال الحسن: وجوه الناس يوم القيامة إلى السماء لا ينظر أحد إلى أحد وأصل الإقناع في كلام العرب رفع الرأس.\nقال الشماخ\nيباكرن العضاه بمقنعات ... نواجذهن كالجدا الوقيع «٣»\nيعني برءوس مرفوعات إليها ليتناولها.\nقال الراجز:\nأنغض نحوي رأسه وأقنعا ... كأنما أبصر شيئا أطمعا «٤»\nلا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ لا يرجع إليهم أبصارهم من شدة النظر فهي شاخصة وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ قال ابن عباس: خالية من كل خير.\nمجاهد ومرة بن شرحبيل وابن زيد: منخرقة خربة ليس فيها خير ولا عقل، كقولك في البيت الذي ليس فيه شيء: إنما هو هواء. هذه رواية العوفي عن ابن عباس «٥» .\nسعيد بن جبير: تمور في أجوافهم ليس لها مكان يستقر فيه.\nقتادة: انتزعت حتى صارت في حناجرهم لا تخرج من أفواههم ولا تعود إلى أمكنتها.\nالأخفش: جوفاء لا عقول لها.\nوالعرب تسمي كلّ أجوف نخبا وهواء، ومنه أهواء وهو الخط الذي بين الأرض والسماء.\nقال زهير يصف ناقه:\n_________\n(١) بغية الطلب: ٤/ ٢٠١٥ وهي في ديوانه: ٦٤. ٧٣.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ٢٧٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١٣/ ٣١٣.\n(٤) فتح الباري: ٥/ ٦٩.\n(٥) لسان العرب: ٩/ ٣٥.","vol":"5","page":325},{"text":"كان الرجل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء «١»\nوقال حبان\nألا أبلغ أبا سفيان عنّى ... فأنت مجوف نخب هواء «٢»\nوَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذابُ وهو يوم القيامة فَيَقُولُ عطف على يوم يأتيهم وليس بجواب فلذلك وقع الَّذِينَ ظَلَمُوا أشركوا رَبَّنا أَخِّرْنا أمهلنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ وهو الدنيا يعني أرجعنا إليها نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ فيجابون أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ حلفتم مِنْ قَبْلُ في دار الدنيا ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ فيها أي لا يبعثون، وهو قوله وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ «٣»، ... وَسَكَنْتُمْ في الدنيا فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والمعصية قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وَضَرَبْنا لَكُمُ الْأَمْثالَ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ أي جزاء مكرهم وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ.\nقرأه العامة: بالنون.\nوقرأ عمر وعلي وأبن مسعود: وأبيّ: وإن كان مكرهم ما يزال.\nلِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ. قرأه العامة: بكسر اللام الأول وفتح الثانية.\nوقرأ ابن جريج والكسائي: بفتح الميم الأولى وضم الثانية بمعنى قراءة العامة الزجاج في قوله وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ، أي ما كان مكرهم لتزول.\nأمر النبي ﷺ وأمر الإسلام وثبوته كثبوت الجبال الراسخة لأن الله وعده إظهار دينه على الأديان كلّها، وقيل معناه: كان مكرهم.\nقال الحسن: إن كان مكرهم لأوهن وأضعف من أن يزول منه الجبال، وقال خمس مواضع في القرآن (إن) بمعنى (ما) قوله وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ، وقوله: لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ «٤» وقوله: قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ «٥» فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ «٦» وقوله فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ «٧» ومن فتح اللام الأولى فعلى استعظام مكرهم «٨» .\n_________\n(١) الصحاح: ١/ ٣٤.\n(٢) لسان العرب: ٩/ ٣٥.\n(٣) سورة النحل: ٣٨.\n(٤) سورة الأنبياء: ١٧.\n(٥) سورة الزخرف: ٨١. [.....]\n(٦) سورة الأحقاف: ٢٦.\n(٧) سورة يونس: ٩٤.\n(٨) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٨٠.","vol":"5","page":326},{"text":"قال ابن جرير: الاختيار القراءة الأولى لأنها لو كانت قالت لم يكن ثابتة وكان مكرهم ما\nذكره علي بن أبي طالب (﵁) وغيره قالوا: نمرود الجبار الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ قال: إن كان ما يقوله إبراهيم حقا فلا انتهي حتى أعلم ما في السماء، فعمد إلى أربعة أفراخ من النسور وعلفها اللحم وربّاها حتى شبت واستعلجت ثم قعد في تابوت وجعل معه رجلا آخر «١»، وجعل له بابا من أعلى وبابا من أسفل وربط التابوت بأرجل النسور وعلق اللحم فوق التابوت على عصا ثم خلى النسور فطرن وصعدن طمعا في اللحم حتى بعدن في الهواء.\nقال نمرود لصاحبه افتح الباب الأول وانظر في السماء هل ترى منه شيئا ففتح ونظر، فقال: إن السماء كهيئتها ثم قال: افتح الباب الأسفل وانظر إلى الأرض كيف تراها ففعل ذلك فقال أرى الأرض مثل اللجة البيضاء، والجبال مثل الدخان، وطارت النسور وارتفعت حتى حالت بينها وبين التابوت فقال لصاحبه افتح البابين ففتح الأعلى فإذا السماء كهيئتها وفتح الأسفل فإذا الأرض سوداء مظلمة، ونودي: أيها الطاغية أين تريد.\nقال عكرمة: كان معه في التابوت غلام قد حمل القوس والنشاب فرمى عليهم فعاد إليه السهم متلطخا بدم. فقال: كفيت نفسك إله السماء واختلفوا في ذلك السهم من أي شيء تلطخ.\nقال عكرمة: سمكة فدت نفسها لله من بحر في الهواء معلق.\nوقال بعضهم: من طائر من الطيور أصابه السهم.\nقالوا: ثم أمر نمرود صاحبه أن يضرب العصا وأن ينكس اللحم ففعل ذلك فهبطت النسور بالتابوت فسمعت الجبال حفيف التابوت في النسور ففزعت وظنت أن قد حدث بها حدث في السماء أو أن القيامة قد قامت فذلك قوله وَإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ.\nفَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ بالنصر لأوليائه وهلاك أعدائه وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: ولا يحسبن الله مخلف رسله وعده لأن الخلف يقع بالوعد.\nيقول الشاعر:\nترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائر باد إلى الشمس أجمع «٢»\nوقال القتيبي: هو من المقدم الذي يوضحه التأخير والمؤخر الذي يوضحه التقديم، وهو قولك يخلف وعده رسله، ومخلف رسله وعده لأنه الخلف يقع بالوعد كما يقع بالرسل.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٣٢٠، بتفاوت.\n(٢) فتح القدير: ٣/ ١١٨، وتفسير الطبري: ١٣/ ٣٢٦.","vol":"5","page":327},{"text":"إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وروى عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية قال: البدل عرض كالفضة نبضا نقية لم يسل فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة «١» .\nوقال علي (﵁) في هذه الآية: الأرض من فضة والسماء من ذهب.\nوروى سهل بن سعيد عن رسول الله ﷺ قال: «يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد» [١٦٩] «٢» .\nفقال سعيد بن جبير ونجد ومحمد بن كعب القرظي: تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه «٣» .\nروى خيثمة عن ابن مسعود قال: تبدل الأرض نارا يصير الأرض كلها يوم القيامة نارا والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها وتلجم الناس العرق ولم يبلغوا الحساب بعد.\nقال كعب: يصير السماوات جنانا ويصير مكان البحر نارا وتبدل الأرض غيرها.\nابن عباس: الأرض هي تلك الأرض وإنما تبدل كلها وجبالها وأنهارها.\nثم أنشد:\nفما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا بالدار الدار التي كنت أعرف «٤»\nوتصديق قول ابن عباس،\nعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا تَرى فِيها عِوَجًا وأمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى من كان في بطنها كان في بطنها وما كان على ظهرها كان على ظهرها» [١٧٠] «٥» .\nوقيل: تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ بأرض [بيضاء كالفضة] .\nالشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله تعالى:\nتُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ أين يكون الناس يومئذ قال: «على الصراط» [١٧١] «٦» .\nوروى يحيى بن أبي كثير عن أبي أسماء عن ثوبان قال: سأل نفر من اليهود رسول الله ﷺ أين الناس يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ؟\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ٣٢٧.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٣٢٩، وصحيح البخاري: ٧/ ١٩٤.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٦٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ٥/ ٢٥٤.\n(٥) تفسير القرطبي: ٩/ ٣٨٣.\n(٦) مسند أحمد: ٦/ ٣٥.","vol":"5","page":328},{"text":"قال: «هم في الظلمة دون الحشر» [١٧٢] «١» .\nوروى حكيم بن ثوبان الكلابي عن أبي أيوب الأنصاري قال: أتى النبي ﷺ خبر من اليهود فقال: أرأيت إذ يقول الله ﷿ في كتابه: يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ فأين الخلق عند ذلك؟ فقال: أضياف الله فلم يعجزهم ما لديه.\nوَبَرَزُوا ظهروا وخرجوا من قبورهم لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ الغلاب الذي يفعل ما يشاء وقهر العباد بالموت وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ المشركين يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ مشدودين بعضهم ببعض، وقيل مقرنين بالشياطين. بيانه قوله احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ «٢» وهم الشياطين، فقال ابن زيد: مقرّنة أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم في الأصفاد بالقيود والأغلال، واحدها صفد والصفاد أيضا القيد وجمعه صفد يقال: صفدته صفدا وأصفادا التكثر، قلت:\nصفدته تصفيدا.\nقال عمرو بن كلثوم:\nفأتوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبناء الملوك مصفدينا «٣»\nسَرابِيلُهُمْ قمصهم واحدها سربال والفعل منه تسربلت وسربلت غيري مِنْ قَطِرانٍ وهو الذي تهنأ به الإبل ويقال له الخضخاض «٤» .\nقال الحسن وقرأ عيسى بن عمر: قَطْرانٍ بفتح القاف وتسكين الطاء، وفيه لغة ثالثة قطران بكسر القاف وجزم الطاء، ومنه قول أبي النجم:\nجون كأن العرق المنتوحا ... لبسه القطران والمسوحا «٥»\nوقرأ عكرمة: برواية زيد: قَطْرٍ آنٍ على كلمتين منونتين قَطْرٍ آنٍ والقطر النحاس الصفر المذاب. قال الله آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا «٦» والآن الذي انتهى خبره قال الله تعالى يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ «٧» وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ إلى قوله هذا أي هذا القرآن بَلاغٌ تبليغ وعظة لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا حجج الله التي أقامها فيه أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.\n_________\n(١) المستدرك: ٣/ ٤٨٢.\n(٢) سورة الصافات: ٢٢.\n(٣) تفسير الطبري: ١٣/ ٣٣٤. [.....]\n(٤) راجع الصحاح: ٣/ ٧٤.\n(٥) كتاب العين للفراهيدي: ٣/ ١٩٣.\n(٦) سورة الكهف: ٩٦.\n(٧) سورة الرحمن: ٤٤.","vol":"5","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>سورة الحجر</span>\nمكية، وهي ألفان وسبعمائة وستون حرفا، وستمائة وأربع وخمسون كلمة وتسع وتسعون آية\nروى حبيش عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد» [١٧٣] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-428>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١ الى ١٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ (٤)\nما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٥) وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (٩)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١١) كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)\nلَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)\nالر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ يعني وآيات قرآن. رُبَما يَوَدُّ.\nقرأ عاصم وأهل المدينة: بتخفيف الباء.\nوقرأ الباقون: بتشديده، وهما لغتان.\nقال أبو حاتم وأهل الحجاز: يخففون رُبَما.\nوقيس وبكر وتميم: يثقّلونها وإنما أدخل ما على رب ليتكلم بالفعل بعدها.\nيَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٦/ ٩٧.","vol":"5","page":330},{"text":"روى أبو موسى عن النبي ﷺ قال: «إذا كان يوم القيامة واجتمع أهل النار في النار ومعهم من يشاء الله من أهل القبلة. قال الكفار لمن في النار من أهل القبلة: ألستم مسلمين؟ قالوا:\nبلى، قالوا: فما أغنى عنكم إسلامكم شيئا؟ وقد صرتم معنا في النار. قالوا: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فغضب الله لهم بفضل رحمته فأمر بكل من كان من أهل القبلة في النار يخرجون منها فحينئذ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ» [١٧٤] «١» وقرأ رسول الله ﷺ هذه الآية.\nوروى مجاهد عن ابن عباس قال: ما يزال الله يدخل الجنة ويرحم ويشفع حتى يقول لمن كان من المسلمين: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فحينئذ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ ذَرْهُمْ يا محمد يعني الذين كفروا يَأْكُلُوا في الدنيا وَيَتَمَتَّعُوا من لذاتها وَيُلْهِهِمُ ويشغلهم الْأَمَلُ عن الأخذ بحظهم من الإيمان والطاعة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بما وردوا القيامة ونالوا وبال ما صنعوا فنسختها آية القتال وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ أي من أهل قرية إِلَّا وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ أجل مؤقت قد كتبناها لهم لا يعذبهم ولا يهلكهم حتى يلقوه ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ من ملة أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ونظيرها فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ «٢» وَقالُوا يعني مشركي مكة يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ يعني القرآن وهو محمد ﷺ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ لَوْ ما هلّا تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ شاهدين لك على صدق ما تقول إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.\nقال الكسائي: لولا ولو ما سواء في الخبر والاستفهام.\nومنه قول ابن مقبل:\nلوما الحياء ولوما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذا عبتما عودي «٣»\nيريد لولا الحياء ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ.\nقرأ أهل الكوفة: نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بضم النون ورفع اللام، الْمَلائِكَةَ نصبا، واختاره أبو عبيد.\nوقرأ الباقون: بفتح التاء ورفع اللام في الْمَلائِكَةُ رفعها، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقوله تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ ...\nإِلَّا بِالْحَقِّ بالعذاب ولو نزلت وَما كانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ القرآن وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ من الباطل ومن الشياطين وغيرهم أن يزيدوا فيه وينقصوا منه ويبدلوا حرفا، نظيره قوله: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ «٤» الآية.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٤/ ٥، بتفاوت يسير.\n(٢) سورة الأعراف: ٣٤.\n(٣) تفسير الطبري: ١٤/ ١٠.\n(٤) سورة فصّلت: ٤٢.","vol":"5","page":331},{"text":"وقيل بأن الهاء في قوله لَهُ راجعة إلى محمد ﷺ يعني وإنا لمحمد لحافظون ممن أراده بسوء نظيره وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١» .\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ في الآية إضمار، مجازها ولقد أرسلنا من قبلك في شيع أمم من الأولين.\nقاله ابن عباس وقتادة، وقال الحسن: فرق الأولين وواحدتها شيعة وهي الفرقة والطائفة من الناس وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ كما فعلوا بك يعزي نبيه ﷺ كَذلِكَ نَسْلُكُهُ يعني كما أسلكنا الكفر والتكذيب والاستهزاء بالرسل في قلوب شيع الأولين كذلك نسلكه أي نجعله وندخله فِي قُلُوبِ مشركي قومك لا يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني حتى لا يؤمنوا بمحمد، وفي هذه الآية ردّ على المعتزلة، فقال سلكه يسلكه سلكا وسلوكا وأسلكه إسلاكا.\nقال عدي بن زيد:\nوكنت لزاز خصمك لم أعرّد ... وقد سلكوك في قوم عصيب «٢»\nوَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ وقائع الله لا من خلا من هكذا في الأمم نخوف أهل مكة.\nوَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ يعني ولو فتحنا على هؤلاء القائلين لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ ... بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ فظلت الملائكة تعرج فيه وهم يرونهم عيانا، لَقالُوا: إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا، هذا قول ابن عباس وأكثر العلماء «٣» .\nقال الحسن: هذا العروج راجع إلى بني آدم يعني فظل هؤلاء الكافرون فِيهِ يَعْرُجُونَ أي يصعدون ومنه المعراج لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ سدّت أَبْصارُنا قاله ابن عباس، وقال الحسن:\nسحرت.\nقتادة: أخذت.\nالكلبي: أغشيت وعميت.\nوكان أبو عمرو وأبو عبيدة يقولان: هو من سكر الشراب ومعناه قد عش أبصارنا السكر «٤»، المؤرخ: دير بنا «٥» .\nوقرأ مجاهد وابن كثير: سُكِرَتْ بالتخفيف أي حبست ومنعت بالنظر كما سكر النهر ليحبس الماء بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ سحرنا محمد.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٦٧.\n(٢) لسان العرب: ١٠/ ٤٤٢، وتفسير الطبري: ١٢/ ١٠٧.\n(٣) راجع المصدر السابق: ١٤/ ١٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١٤/ ١٧.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٠/ ٨. [.....]","vol":"5","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-429>[سورة الحجر (١٥): الآيات ١٦ الى ٢١]</span>\nوَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاها لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ (١٨) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ (٢٠)\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)\nوَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجًا أي قصورا ومنازل وهي كواكب وبروج الشمس والقمر والكواكب السيارة وأسماؤها الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت.\nوَزَيَّنَّاها يعني السماء لِلنَّاظِرِينَ وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ لكن من استرق السمع، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ نار مُبِينٌ بيّن.\nقال ابن عباس: تصعد الشياطين أفواجا يسترق السمع فينفرد المارد منها فيعلو فيرمي بالشهاب فيصيب جبهته أو جبينه أو حيث شاء الله منه فيلتهب فيأتي أصحابه وهو ملتهب فيقول:\nإنه كان من الأمر كذا وكذا فيذهب أولئك إلى إخوانهم من الكهنة فيزيدون عليه تسعا فيحدثون بها أهل الأرض الكلمة حق والتسع باطل فإذا رأوا شيئا مما قالوا قد كان صدقوهم بما جاءوا به من كذبهم «١» .\nوقال ابن عباس أيضا: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات فكانوا يدخلونها فيأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة بأن ولد عيسى، ومنعوا عن ثلاث سماوات فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السماوات أجمع فما منهم من أحد يريد استراق السمع إلّا رمي بشهاب، فلما منعوا بتلك المقاعد ذكروا ذلك لإبليس فقال لقد حدث في الأرض حدث.\nقال: فبعثهم فوجدوا رسول الله ﷺ يتلو القرآن فقالوا: هذا والله حديث وإنهم ليرمون فإذا نوّر النجم عنكم فقد أدركه لا يخطئ أبدا ولكن لا يقتله بحرق وجهة جنبه ويده، وبعضهم من يخبّله فيصبر حولا، يضل الناس في البوادي.\nقال يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق: إن أول من فزع للرمي بالنجوم حين رما بها هذا الحي من ثقيف، وإنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية أحد بني علاج وكان أدهى العرب وأمكرها رأيا فقالوا له: ألم تر ما حدث في السماء في القذف بهذه النجوم؟\nقال: بلى، فانظروا فإن كانت معالم النجوم التي يهتدي بها في البر والبحر ويعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء؟ لما يصلح الناس من معايشهم هي التي يرمى بها فهو والله طيّ الدنيا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ١١.","vol":"5","page":333},{"text":"وهلاك الخلق الذي فيها، وإن كانت نجوم غيرها وهي ثابتة على حالها فهذا الأمر أراد الله به هذا في الخلق «١» .\nوروى عمارة بن زيد عن عبد الله بن العلا عن أبي الشعشاع عن أبيه عن أبي لهب بن مالك قال: حضرت رسول الله ﷺ وقد ذكرت عنده الكهانة فقلت: بأبي أنت وأمي نحن أول من تطوع لحراسة السماء وزجر الشياطين ومنع الجن من استراق السمع عند قذفها بالنجوم، وإنا لما رأينا ذلك اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له خطر بن مالك وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه ثلاثمائة وستون سنة هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها فأنا قد فزعنا وخفنا سوء عاقبتها، فقال لنا: اعدوا عليّ في السحر، ائتوني بسحر أخبركم الخبر إما بخير أو ضرر، قال: فانصرفوا عنه يومنا فلما كان في وقت السحر أتينا فإذا هو قائم على قدميه شاخص بعينيه إلى السماء فناديناه يا خطر فأومأ إلينا أن أمسكوا فأمسكنا فانقض من السماء نجم عظيم وصرخ الكاهن بأعلى صوته:\nأصابه أصابه خامره عاقبه عاجله عذابه أحرقه شهابه، زايله جوابه، يا ويله ما حاله، تغيرت أحواله «٢» .\nثم أمسك وطفق يقول يا معشر بني قحطان:\nأخبركم بالحق والبيان ... أقمت بالكعبة والأركان\nوالبلد المؤتمن السدان ... قد منع السمع عتاة الجان\nبثاقب بكف ذي سلطان ... من أجل مبعوث عظيم الشان\nيبعث بالتنزيل والفرقان ... وبالهدى وفاضل القرآن\nتبطل به عبادة الأوثان\nقال: فقلت: ويحك يا خطر إنك لتذكر أمرا عظيما فماذا ترى لقومك؟\nفقال:\nأرى لقومي ما أرى لنفسي ... أن يتبعوا خير بني الإنس\nبرهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث في مكة دار الحمس\nبمحكم التنزيل غير اللبس\nقال: فقلنا له: من هو وما اسمه وما مدته؟ قال:\nالحياة والعيش ... إنه لمن قريش\nما في حكمه من طيش ... ولا في خلقه هيش\n، تكون في جيش وأي جيش ... من آل قحطان وآل أيش\n،\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٢/ ٣٧٦.\n(٢) في المصدر: بلبله بلباله.","vol":"5","page":334},{"text":"والأيش الأخلاط من كل قوم، فقلنا له من أي البطون هو فقال: بطن إسماعيل ولد إبراهيم، فقلنا له بيّن لنا من أي قريش هو؟ قال:\nوالبيت ذي الدعائم ... والسدير والحمائم\nإنه لمن نسل «١» هاشم ... من معشر أكارم يبعث بالملاحم\nوقتل كل ظالم\nثم قال: الله أكبر الله أكبر جاء الحق وأظهره وانقطع عن الإنس الخبر هذا هو البيان أخبرني به رأس الجان، ثم قال هذا وسكت وأغمي عليه فما أفاق إلّا بعد ثلاثة أيام فلما أفاق قال: لا إله إلّا الله محمد رسول الله ثم مات.\nقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله سبحان الله لقد نطق عن مثل نبوة وإنه ليحشر يوم القيامة أمة وحده» [١٧٥] «٢» .\nوَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على رحبة الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَأَنْبَتْنا فِيها أي في الأرض مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ مقدر معلوم وقيل: بغى به في الجبال وهو جواهر من الفضة والذهب والحديد والنحاس وغيرها حتى الزرنيخ والكحل كل ذلك يوزن وزنا.\nقال ابن زيد هي الأشياء: التي توزن.\nوَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ جمع معيشة وَمَنْ لَسْتُمْ يعني ولمن لستم لَهُ بِرازِقِينَ هي الدواب والأنعام.\nعن شعبة قال: قرأ علينا منصور: وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ قال الوحش.\nقال أبو حسن: «مَنْ» في محل الخفض عطفا على الكاف والميم في قوله لَكُمْ.\nوقد يفعل العرب هذا كقول الشاعر:\nهلا سألت بذي الجماجم عنهم ... وأبي نعيم ذي اللوا المخرق\nفعطف بالظاهر على المكنى و(مَنْ) في هذه الآية بمعنى: ما، كقوله فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ... وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ «٣» ... وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ وما من شيء من أرزاق الخلق «٤» إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ من السماء إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ لكل أرض حد مقدر.\n_________\n(١) في المصدر: نجل.\n(٢) الإصابة: ٥/ ٥١٢، وعيون الأثر: ١/ ١٠٧.\n(٣) سورة النور: ٤٥.\n(٤) زيادة عن تفسير القرطبي: ١٠/ ١٤.","vol":"5","page":335},{"text":"قال ابن مسعود: وما من أرض أمطر من أرض، وما عام أمطر من عام ولكن الله يقسمه ويقدره في الأرض كيف يشاء عاما هاهنا وعاما هاهنا ثم قرأ هذه الآية.\nوروى إسماعيل بن سالم عن الحكم بن عيينة في هذه الآية: ما من عام بأكثر مطرا من عام ولكن يمطر قوم ويحرم آخرون وربما كان في البحار والقفار قال: وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يحصون كل قطرة حيث يقع وما ينبت.\nجعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال: «في العرش مثال كل شيء خلقه الله في البر والبحر. وهو تأويل قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ»\n[١٧٦] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-430>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٢ الى ٢٧]</span>\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ (٢٢) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ (٢٣) وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)\nوَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ (٢٧)\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ قرأ العامّة بالجمع لأنها موصوفة وهو قوله: لَواقِحَ، وقرأ بعض أهل الكوفة: الريح على الواحد وهو في معنى الجمع أيضا وإن كان لفظها لفظ الواحد، لأنه يقال: جاءت الريح من كل جانب، وهو مثل قوله: أرض سباسب وثوب أخلاق، وكذلك تفعل العرب في كل شيء اتّسع، وقول العلماء في وجه وصف الرياح: باللقح، وإنما هي ملقّحة لأنها تلقح السحاب والشجر.\nفقال قوم: معناها حوامل لأنها تحمل الماء والخير والنفع لاقحة كما يقال: ناقة لاقحة إذا حملت الولد، ويشهد على هذا قوله: الرِّيحَ الْعَقِيمَ فجعلها عقيما إذا لم تلقح ولم يكن فيها ماء ولا خير، فمن هذا التأويل قول ابن مسعود في هذه الآية قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فيمري السحاب فتدرّ كما تدرّ اللقحة ثمّ يمطر.\nقال الطرماح:\nلأفنان الرياح للاقح ... قال منها وحائل «٢»\nوقال الفراء: أراد ذات لقح. كقول العرب: رجل نابل ورامح وتامر.\nقال أبو عبيدة: أراد ملاقح جمع ملقحة كما في الحديث «أعوذ بالله من كل لامّة» أي ملمّة.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ١٥.\n(٢) انظر: زاد المسير: ٤/ ٢٨٨.","vol":"5","page":336},{"text":"قال النابغة:\nكليني لهمّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكب «١»\nأي منصب.\nقال زيد بن عمر: يبعث الله المبشرة فتقمّ الأرض قمّا، ثمّ يبعث الله المثيرة فتثير السحاب، ثمّ يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب، ثمّ يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر، ثمّ تلا:\nوَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ.\nوقال أبو بكر بن عياش: لا يقطر قطرة من السحاب إلّا بعد أن تعمل الرياح الأربع فيه:\nفالصبا تهيّجه، والدبور تلقحه، والجنوب تدرّه، والشمال تفرقه.\nويروي أبو المهزم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الريح الجنوب من الجنة وهي الرياح اللواقح التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس»\n«٢» .\nفَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ أي جعلنا المطر لكم سقيا، ولو أراد أنزلناه ليشربه لقال: فسقيناكموه، وذلك أن العرب تقول: سقيت الرجل ماء ولبنا وغيرهما ليشربه، إذا كان لسقيه، فإذا جعلوا له ماء لشرب أرضه أو ماشيته قالوا: أسقيته وأسقيت أرضه وماشيته، وكذلك إذا استسقت له، قالوا: أسقيته واستسقيته، كما قال ذو الرمة:\nوقفت على رسم لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه\nوأسقيه حتّى كاد مما أبثّه ... تكلمني أحجاره وملاعبة «٣»\nقال المؤرخ: ما تنال الأيدي والدلاء فهو السقي وما لا تنال الأيدي والدلاء فهو الإسقاء.\nوَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ يعني المطر. قال سفيان: بما نعين.\nوَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ بأن نميت جميع الخلق فلا يبقى من سوانا، نظيره قوله: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ «٤» .\nوَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ.\nابن عبّاس: أراد ب الْمُسْتَقْدِمِينَ: الأموات، والْمُسْتَأْخِرِينَ: الأحياء.\n_________\n(١) الصحاح: ٣/ ٩٠٤.\n(٢) تفسير الطبري: ١٤/ ٣٠.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) سورة مريم: ٤٠.","vol":"5","page":337},{"text":"عكرمة: الْمُسْتَقْدِمِينَ: من خلق، والْمُسْتَأْخِرِينَ: من لم يخلق، قد علم من خلق إلى اليوم وقد علم من هو خالقه بعد اليوم.\nقتادة: المستقدمون: من مضى، والمستأخرون: من بقي في أصلاب الرجال.\nالشعبي: من استقدم في أول الخلق، ومن استأخر في آخر الخلق.\nمجاهد: المستقدمون: القرون الاولى، والمستأخرون: أمة محمّد (ﷺ) .\nالحسن: المستقدمون بالطاعة والخير، والمستأخرون المبطئون عن الطاعة والخير.\nوقيل: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ في الصفوف في الصلاة، والْمُسْتَأْخِرِينَ فيها بسبب النساء.\nوروى أبو الجوزاء وابن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: كانت النساء يخرجن إلى الجماعات فيقوم الرجال صفوفا [خلف] النبي ﷺ والنساء صفوفا خلف صفوف الرجال، وربما كان في الرجال من في قلبه ريبة فيتأخر إلى الصف الأخير من صفوف الرجال، وربما كان في النساء من في قلبها ريبة فتتقدّم إلى أول صف النساء لتقرب من الرجال، وكانت امرأة من أحسن الناس لا والله ما رأيت مثلها قط، تصلي خلف النبي ﷺ وكان بعض الناس ويتقدّم في الصف الأوّل لئلا يراها، ويستأخر بعضهم حتّى يكون في الصف المؤخر، فإذا ركع وسجد نظر إليها من تحت يديه، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال النبي ﷺ: «خير صفوف الرجال أوّلها وشرّها آخرها وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أولها» «١» .\nوقال الربيع بن أنس: حضّ رسول الله ﷺ على الصف الأوّل في الصلاة فازدحم الناس عليه، وكانت بنو عذرة دورهم قاصية عن المسجد. فقالوا: نبيع دورنا ونشتري دورا قريبة من المسجد، فأنزل الله تعالى هذه الآية وفيهم نزلت: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ «٢» .\nالأوزاعي: وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ يعني المصلين في أوّل الأوقات، وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ يعني المؤخرين صلاتهم إلى آخر الأوقات.\nمقاتل بن حيان: يعني المستقدمين والمستأخرين في صف القتال. ابن عيينة: يعني من يسلم ومن لا يسلم.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٤٧، صحيح مسلم: ٢/ ٣٢. [.....]\n(٢) سورة يس: ١٢.","vol":"5","page":338},{"text":"وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ. قال ابن عبّاس: وكلهم ميت ثمّ يحشرهم ربهم جميعا الأوّل والآخر إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني آدم (﵇)، قال إنسانا لأنه عهد إليه فنسي. وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة وقالوا: وزنه إنسيان على وزن إفعلان فأسقط الياء منه لكثرة جريانه على الألسن، فإذا صغّر ردت الياء إليه فيقول أنيسان على الأصل لأنه لا يكثر صغرا كما لا يكبر مكبرا.\nوقال آخرون: إنما سمّي إنسانا لظهوره وإدراك البصر إياه وإليه ذهب نحاة البصرة وقالوا:\nهو على وزن فعلان فزيدت الياء في التصغير كما زيدت في تصغير رجل فقالوا: رويجل وليلة فقالوا: لويلة.\nمِنْ صَلْصالٍ وهو الطين اليابس إذا نقرته سمعت له صلصلة أي صوتا من يبسه، قيل:\nأن تمسه النار فإذا أصابته النار فهو فخار، هذا قول أكثر المفسرين.\nوروى أبو صالح عن ابن عبّاس: هو الطين الحرّ الطيب الذي إذا نضب عنه الماء تشقق وإذا حرّك تقعقع.\nوروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو الطين المنتن، واختاره الكسائي وقال هو من قول العرب: صل اللحم وأصلّ إذا أنتن.\nمِنْ حَمَإٍ جمع حمأة مَسْنُونٍ.\nقال ابن عبّاس: هو التراب المبتل المنتن، يجعل صلصالا كالفخار ومثله، قال مجاهد وقتادة: المنتن المتغير.\nقال الفرّاء: هو المتغير وأصله من قول العرب: سننت الحجر على الحجر أي أحككته وما يخرج من بين الحجرين يقال له السنن والسنانة ومنه المسن.\nأبو عبيدة: هو المصبوب، وهو من قول العرب: سننت الماء على الوجه وغيره إذا صببته.\n[سيبويه]: المسنون: المصور، مأخوذ من سنة الوجه وهي صورته.\nقال ذو الرمة:\n[تريك] سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب «١» .\nوَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ.\nقال ابن عبّاس: هو أب الجن.\n_________\n(١) لسان العرب: ٩/ ٢٨١.","vol":"5","page":339},{"text":"قتادة ومقاتل: هو إبليس، خلق قبل آدم.\nمِنْ نارِ السَّمُومِ.\nقال ابن عبّاس: السموم: الحارة التي تقتل.\nالكلبي عن أبي صالح عنه: هي نار لا دخان لها والصواعق تكون منها، وهي نار بين السماء وبين الحجاب، فإذا أحدث الله له أمرا خرقت الحجاب فهوت إلى ما أمرت، فالهدّة التي تسمعون خرق ذلك الحجاب.\nأبو روق عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: كان إبليس من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ.\nروى سعيد عن أبي إسحاق قال: دخلت على عمرو بن الأصم أعوده فقال: ألا أحدثك حديثا سمعته من عبد الله [قال: بلى، قال:] سمعت عبد الله يقول: هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان وتلا: وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٢٨ الى ٥٠]</span>\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٢٩) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١) قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)\nقالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)\nإِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨) قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ (٤٢)\nوَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ (٤٦) وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٧)\nلا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ (٤٨) نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ (٥٠)\nوَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ سأخلق بَشَرًا مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ عدلت صورته وأتممت خلقه وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فصار بشرا حيا فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ سجود تحية وتكرمة لا سجود صلاة وعبادة فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ المأمورون بالسجود كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ على التأكيد إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ.","vol":"5","page":340},{"text":"روى عكرمة عن ابن عبّاس قال: لما خلق الله الملائكة قال: إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فإذا أنا خلقته فاسجدوا له، قالوا: لا نفعل. فأرسل عليهم نارا فأحرقهم. ثمّ خلق ملائكة فقال: إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فإذا أنا خلقته فاسجدوا له، فأبوا، فأرسل الله عليهم نارا فأحرقهم. ثمّ خلق ملائكة فقال: إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فإذا أنا خلقته فاسجدوا له، قالوا: سمعنا وأطعنا إلّا إبليس كانَ مِنَ الْكافِرِينَ.\nقالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ محل (أن) النصب بفقد الخافض.\nقالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنة ومن السماوات فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ملعون طويلا وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو النفخة الأولى حين يموت الخلق كلهم قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي أي بإغوائك إياي وهو الإضلال والإبعاد لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ معاصيك ولأحببنّها إليهم وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ لأضلنهم أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ.\nقرأ أهل الكوفة والمدينة والشام: بفتح اللام. واختاره أبو عبيد، يعني إلّا من أخلصته بتوفيقك فهديته واصطفيته.\nوقرأ أهل مكة والبصرة: بكسر اللام، واختاره أبو حاتم، يعني من أخلص لك بالتوحيد والطاعة. وأراد بالمخلصين في القرائتين جميعا: المؤمنين.\nقالَ الله لإبليس هذا صِراطٌ طريق عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ.\nقال الحسن: هذا صراط إليّ مستقيم.\nوقال مجاهد: الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه لا يعرج على شيء.\nوقال الأخفش: يعني على الدلالة صراط مستقيم.\nوقال الكسائي: هذا على الوعيد فإنه تهديد كقولك للرجل خاصمته وتهدده: طريقك عليّ، كما قال الله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ «١» فكان معنى الكلام: هذا طريق مرجعه إلي فأجازي كلّا بأعمالهم.\nوقال ابن سيرين وقتادة وقيس بن عبادة وحميد ويعقوب: هذا صراطٌّ عليٌّ برفع الياء على نعت الصراط أي رفيع، كقوله: وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا «٢» .\n_________\n(١) سورة الفجر: ١٤.\n(٢) سورة مريم: ٥٧.","vol":"5","page":341},{"text":"إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ قوة.\nقال أهل المعاني: يعني على قلوبهم.\nوسئل سفيان بن عيينة عن هذه الآية، فقال: معناه لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أن تلقيهم في ذنب يضيق عنه عبدي، وهؤلاء يثبت الله الذين رأى فيهم إحسانهم.\nإِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ أطباق لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ يعني من أتباع إبليس جُزْءٌ مَقْسُومٌ حظ معلوم.\nوقال عليّ بن أبي طالب (﵁): تدرون كيف أبواب النار؟ قلنا: نعم كنحو هذه الباب.\nفقال: لا ولكنها هكذا- ووضع إحدى يديه على الأخرى- وإن الله تعالى وضع الجنان على الأرض، ووضع النيران بعضها فوق بعض، فأسفلها جهنم وفوقها لظى وفوقهما الحطمة وفوقها سقر وفوقها الجحيم وفوقها السعير وفوقها الهاوية.\nوأبو سنان عن الضحاك في قول الله: لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ قال: للنار سَبْعَةُ أَبْوابٍ هي سبعة أدراك بعضها على بعض.\nفأولها: أهل التوحيد يعذّبون على قدر أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثمّ يخرجون.\nوالثاني: فيه اليهود.\nوالثالثة: فيه النصارى.\nوالرابع: فيه الصابئون.\nوالخامسة: فيه المجوس.\nوالسادس: فيه مشركوا العرب.\nوالسابع: فيه المنافقون.\nفذلك قوله: إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ «١» الآية.\nأبو رياح عن أنس بن مالك عن بلال قال: كان رسول الله ﷺ يصلي في مسجد المدينة وحده، فمرّت به أعرابية فاشتهت أن تصلي خلف رسول الله ﷺ ركعتين، فدخلت وصلت ولم يعلم بها رسول الله، فقرأ رسول الله ﷺ حتّى بلغ هذه الآية: وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ فخرّت الأعرابية مغشية عليها فسمع رسول الله ﷺ وجبتها فانصرف وقال: «يا بلال عليّ بماء» فجاء فصب على وجهها حتّى أفاقت وجلست، فقال\n_________\n(١) سورة النساء: ١٤٥.","vol":"5","page":342},{"text":"لها رسول الله ﷺ: «يا هذه ما حالك؟» فقالت: رأيتك تصلي وحدك فاشتهيت أن أصلي خلفك ركعتين، فهذا شيء من كتاب الله أو تقول من تلقاء نفسك؟\nقال بلال: فما أحسبه إلّا قال: «يا أعرابية بل هو في كتاب الله المنزل» .\nفقالت: كل عضو من أعضائي يعذب على باب منها.\nفقال: «يا أعرابية لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ يعذب على كل باب على قدر أعمالهم» .\nفقالت: والله إني لامرأة مسكينة مالي مال ومالي إلّا سبعة أعبد أشهدك يا رسول الله أن كل عبد منهم على كل باب من أبواب جهنم حرّ لوجه الله. فأتاه جبرئيل فقال: يا رسول الله بشّر الأعرابية أن الله قد حرم عليها أبواب جهنم كلها، وفتح لها أبواب الجنة كلها «١» .\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ادْخُلُوها قرأه العامة بوصل الألف وضم الخاء على الأمر، مجازه: يقال لهم ادخلوها.\nوقرأ الحسن: أُدْخِلُوها بضم الهمزة وكسر الخاء على الفعل المجهول، وحينئذ لا يحتاج إلى الضمير.\nبِسَلامٍ بسلامة آمِنِينَ من الموت والعذاب والآفات وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوانًا نصب على الحال، وإن شئت قلت: جعلناهم إخوانا عَلى سُرُرٍ جمع سرير مثل جديد جدد مُتَقابِلِينَ يقابل بعضهم بعضا لا ينظر أحد منهم في قفا صاحبه لا يَمَسُّهُمْ لا يصيبهم فِيها نَصَبٌ تعب وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ نَبِّئْ أخبر عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.\nقال ابن عبّاس: يعني لمن تاب منهم.\nوَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ لمن لم يتب منهم.\nروى ابن المبارك عن مصعب بن ثابت عن عاصم بن عبيد الله عن ابن أبي رباح عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: طلع علينا رسول الله ﷺ من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة ونحن نضحك، فقال: «لا أراكم تضحكون»، ثمّ أدبر حتّى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال: «إني لمّا خرجت جاء جبرئيل فقال: يا محمّد لم تقنّط عبادي نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ «٢» .\n_________\n(١) التخويف من النار لابن رجب الحنبلي: ٥٩ بتفاوت، وتفسير القرطبي: ١٠/ ٣٢ سواء.\n(٢) تفسير الطبري: ١٤/ ٥٢، تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٤.","vol":"5","page":343},{"text":"وقال قتادة: بلغنا أنّ نبي الله ﷺ قال: «لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورّع عن محارم الله، ولو يعلم قدر عذابه لبخع نفسه» «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٥١ الى ٨٦]</span>\nوَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ (٥١) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢) قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٥٣) قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤) قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ (٥٥)\nقالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ (٥٦) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ (٦٠)\nفَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢) قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٦٤) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)\nوَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦) وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ (٦٩) قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ (٧٠)\nقالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)\nوَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (٧٩) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)\nوَآتَيْناهُمْ آياتِنا فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٨١) وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨٦)\nوَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ يعني الملائكة الذين أرسلهم الله ليبشروا إبراهيم بالولد ويهلكوا قوم لوط إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ جمع الخبر لأن الضيف اسم يصلح للواحد والإثنين والجمع والمؤنث والمذكر فَقالُوا سَلامًا قالَ إبراهيم إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ [خائفون] قالُوا لا تَوْجَلْ لا تخف إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ يعني إسحاق، فعجب إبراهيم من كبره وكبر امرأته قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ أي على الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ فأي شيء تبشرون.\nواختلف القراء في هذا القول، فقرأ أهل المدينة والشام بكسر النون والتشديد على معنى تبشرونني، فأدغمت نون الجمع في نون الإضافة.\nوقرأ بعضهم: بالتخفيف على الخفض.\nوقرأ الباقون: في النون من غير إضافة.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٤/ ٥٢، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٧٤.","vol":"5","page":344},{"text":"قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ.\nقرأه العامّة: بالألف.\nوقرأ يحيى بن وثاب: القانطين.\nقالَ وَمَنْ يَقْنَطُ.\nقرأ الأعمش وأبو عمرو والكسائي بكسر النون، وقرأ الباقون: بفتحه [وقال الزجاج]: قنط يقنط، وقنط يقنط إذا يئس من رحمة الله.\nمِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ قالَ لهم إبراهيم فَما خَطْبُكُمْ شأنكم وأمركم أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ مشركين إِلَّا آلَ لُوطٍ أتباعه وأهل دينه إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ.\nقرأ أهل الحجاز وعاصم وأبو عمرو: (لَمُنَجُّوهُمْ) بالتشديد، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وخففه الآخرون.\nإِلَّا امْرَأَتَهُ سوى امرأة لوط قَدَّرْنا قضينا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ الباقين في العذاب، وخفف ابن كثير قَدَرْنا.\nقال أبو عبيد: استثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثمّ استثنى امرأته من آل لوط فرجعت امرأته في التأويل إلى القوم المجرمين، لأنه استثناء مردود على استثناء، وهذا كما تقول في الكلام: لي عليك عشرة دراهم إلّا أربعة إلّا درهما، فلك عليه سبعة دراهم لأنك لما قلّت:\nإلّا أربعة، كان لك عليه ستة، فلما قلت: إلّا درهما كان هذا استثناء من الأربعة فعاد إلى الستة فصار سابعا.\nفَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ لوط لهم إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ يعني لا أعرفكم قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ يعني يشكّون إنه ينزل بهم وهو العذاب وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وجئناك باليقين، وقيل: بالعذاب وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ أي كن ورائهم وسر خلفهم وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ.\nقال ابن عبّاس: يعني الشام. وقال خليل: يعني مصدر.\nوَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ يعني وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر، وأخبرناه أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ.\nيدل عليه قراءة عبد الله: وقلنا له إن دابر هؤلاء، يعني أصلهم، مَقْطُوعٌ مستأصل مُصْبِحِينَ في وقت الصبح إذ دخلوا فيه وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يعني سدوم يَسْتَبْشِرُونَ","vol":"5","page":345},{"text":"بأضياف لوط طمعا منهم في ركوب الفاحشة قالَ لوط لقومه إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي وحق على الرجل بإكرام ضيفه فَلا تَفْضَحُونِ فيهم وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فلا تهينون ولا تخجلون، يجوز أن يكون من الخزي، ويحتمل أن يكون الخزاية قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ أو لم ننهك أن تضيّف أحدا من العالمين.\nقالَ هؤُلاءِ بَناتِي أزوجهنّ إياكم إن أسلمتم فأتوا النساء الحلال ودعوا ما حرم الله عليكم من إتيان الرجال إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ما أمركم به.\nقال قتادة: أراد أن يقي أضيافه ببناته، وقيل: رأى أنهم سادة إليهم يؤول أمرهم فأراد أن يزوجهم بناته ليمنعوا قومهم من التعرّض لأضيافه، وقيل: أراد بنات أمته لأن النبي [أب] لامته، قال الله لَعَمْرُكَ يا محمّد يعني وحياتك.\nوفيه لغتان: وعمر وعمر.\nيقول العرب: عمرك وعمرك.\nإِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ ضلالتهم وحيرتهم يَعْمَهُونَ يترددون.\nقاله مجاهد، وقال قتادة: يلعبون.\nابن عبّاس: يتمادون.\nأبو الجوزاء عن ابن عبّاس قال: فالخلق لله ﷿ ولا برأ ولا ذرأ نفسا أكرم عليه من محمّد، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد إلّا حياته قال: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ.\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ حيث أشرقت الشمس، أي أضاءت، وهو نصب على الحال فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قال ابن عبّاس والضحاك: للناظرين.\nمجاهد: للمتفرسين.\nقال رسول الله ﷺ: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» «١» [١٧٧] ثمّ قرأ هذه الآية.\nوقال الشاعر:\nتوسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من آل هاشم «٢»\nوقال آخر:\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٣٦٠.\n(٢) كتاب العين: ٧/ ٣٢٢، تفسير القرطبي: ١٠/ ٤٣.","vol":"5","page":346},{"text":"أو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إليّ عريفهم يتوسّم «١»\nوقال قتادة: للمعتبرين.\nوَإِنَّها يعني قرى قوم لوط لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ بطريق واضح.\nقاله قتادة، ومجاهد، والفراء، والضحاك: بطريق معلّم ليس بخفي ولا زائغ.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ وقد كان أصحاب الغيضة لكافرين، وهم قوم شعيب كانوا أصحاب غياض ورياض وشجر متناوش متكاوش ملتف وكانوا يأكلون في الصيف الفاكهة الرطبة وفي الشتاء اليابسة وكان عامة شجرهم الدوم وهو المقل فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ بالعذاب، وذلك أن الله سلّط عليهم الحرّ سبعة أيام لا يمنعهم منه شيء، فبعث الله عليهم سحابة فالتجأوا إلى ظلّها يلتمسون روحها فبعث الله عليهم منها نارا فأحرقتهم «٢» فذلك قوله: فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وَإِنَّهُما يعني مدينة قوم لوط ومدينة أصحاب الأيكة لَبِإِمامٍ مُبِينٍ طريق مستبين، وسمّي الطريق إماما لأنه يؤتم به.\nوَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ أي الوادي، وهو مدينة ثمود وقوم صالح وهي فيما بين المدينة والشام الْمُرْسَلِينَ أراد صالحا وحده.\nعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله قالا: مررنا مع النبي ﷺ على الحجر، فقال لنا رسول الله ﷺ: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلّا أن تكونوا باكين حذرا بأن يصيبكم مثل ما أصابهم» ثمّ قال: «هؤلاء قوم صالح أهلكهم الله إلّا رجلا في حرم الله منعه حرم الله من عذاب الله» قيل: من هو يا رسول الله؟ قال: «أبو رغال» [١٧٨] ثمّ زجر ﷺ فأسرع حتّى خلفها «٣» .\nوَآتَيْناهُمْ آياتِنا يعني الناقة وولدها و[السير] «٤» فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ من الخراب ووقوع الجبل عليهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ يعني صيحة العذاب والهلاك مُصْبِحِينَ في وقت الصبح وهو نصب على الحال فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ من الشرك والأعمال الخبيثة. وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ وإن القيامة لجائية فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ فأعرض عنهم واعف عفوا حسنا، نسختها آية القتال.\nإِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ.\n_________\n(١) البيت لطريف بن تميم العنبري، انظر: تفسير الطبري: ١٦/ ١١٣، الصحاح: ٤/ ١٤٠٢.\n(٢) تفسير الثعالبي: ٤/ ٢٣٥، الدرّ المنثور: ٤/ ١٠٤.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٤/ ٦٦، كنز العمال: ١٦/ ١٦ ح ٤٣٧٤٢.\n(٤) هكذا في الأصل. [.....]","vol":"5","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-433>[سورة الحجر (١٥): الآيات ٨٧ الى ٩٩]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩) كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)\nفَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)\nوَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)\nوَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي اختلفوا فيه.\nروى عبد الوهاب عن ابن مسعود عن أبي نصر عن رجل من عبد القيس يقال له جابر أو جويبر عن ابن مسعود أن عمر قال: السبع المثاني هي فاتحة الكتاب.\nروى إسماعيل السدي عن عبد خير عن علي (﵁) وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي قال:\nفاتحة الكتاب [١٧٩] .\nعن ابن سيرين أن ابن مسعود قال في السبع المثاني: فاتحة الكتاب، وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ سائر القرآن.\nوعن عبد الرحمن عن أحمد الطابقي قال: أتيت أبا هريرة وهو في المسجد فقرأت عليه فاتحة القرآن.\nفقال أبو هريرة: هذه السبع المثاني.\nشعبة عن قتادة في قوله: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي، قال: هي فاتحة الكتاب.\nوسمعت الكلبي يقول: هي أمّ الكتاب.\nابن جريج عن عطاء في قوله تعالى سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي قال: هي أم القرآن والآية السابعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nوهذا قول الحسن وأبي العالية وسعيد بن جبير وإبراهيم وابن أبي مليكة وعبد الله بن عبيد ابن عمرو ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس وصالح الحنفي قاضي مرو.\nويدل عليه ما روى أبو سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ سبع آيات إحداهن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وهي السبع المثاني وهي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب» [١٨٠] «١» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١/ ٧٣.","vol":"5","page":348},{"text":"وروى ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم» [١٨١] .\nوروى حفص بن عاصم عن أبي سعيد المعلّى عن أبيّ بن كعب قال: كنت أصلي فناداني رسول الله ﷺ فلم أجبه، فلمّا صلّيت أتيته، فقال: «ما منعك أن تجيبني»؟ قلت: كنت أصلي، قال: «أو لم يقل الله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ «١»» [١٨٢] الآية.\nثمّ قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن قبل أن نخرج من المسجد» فأخذ بيدي فلما أراد أن يخرج من المسجد قلت: يا رسول الله إنك قلت لأعلمنك أعظم سورة في القرآن.\nقال: «نعم، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت» «٢» .\nوعن أبي هريرة قال: قرأ أبي بن كعب على رسول الله ﷺ أمّ القرآن. فقال: «والذي نفسي بيده ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، إنها السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيت» [١٨٣] «٣» .\nعن ابن جريج قال: أخبرني أبي أنّ سعيد بن جبير أخبره فقال له: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي، قال: هي أم القرآن، قال: هي، وقرأ عليّ سعيد بن جبير بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حتّى ختمها، ثمّ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الآية السابعة.\nقال سعيد بن جبير: لأبي: وقرأ عليّ ابن عبّاس كما قرأتها عليك، ثمّ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الآية السابعة:\nقال ابن عبّاس: قد ادخرها الله لكم فما أخرجها لأحد قبلكم.\nفقلت: هذه إختيار الصحاح إن السبع المثاني هي فاتحة الكتاب، وأن الله تعالى امتن على رسوله ﷺ بهذه السورة كما امتن عليه بجميع القرآن، وقيل: نزلت هذه السورة في [خيبر] .\nوفي هذا دليل على إن الصلاة لا تجوز إلّا بها ويؤيد ما قلنا ما\nروى الزهري عن محمّد بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: «فاتحة الكتاب عوض من كل القرآن، والقرآن كلّه ليس منه عوض» [١٨٤] .\nواختلف العلماء في حديث آيات هذه السورة مثاني، فقال ابن عبّاس والحسن وقتادة والربيع: لأنها تثنى في كل صلاة وفي كل ركعة.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٢٤.\n(٢) مسند أبي داود الطيالسي: ١٧٨ والسنن الكبرى: ٦/ ٣٧٥.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"5","page":349},{"text":"وقال بعضهم: سمّيت مثاني لأنها مقسومة بين الله وبين العبد قسمين اثنين، بيانه والذي يدل عليه ما\nروى أبو السائب مولى هشام بن زهرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج هي خداج غير تمام» [١٨٥] «١» .\nقال أبو السائب لأبي هريرة: إني أحيانا أكون وراء الامام.\nقال: فغمز أبو هريرة ذراعي، وقال: يا فارسي اقرأها في نفسك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل» .\nوقال رسول الله ﷺ: «اقرؤا، يقول: العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، فيقول الله: حمدني عبدي، ويقول العبد: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فيقول الله: أثنى عليّ عبدي، فيقول العبد: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، فيقول الله: مجّدني عبدي، يقول العبد: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذه الآية بيني وبين عبدي، يقول العبد: اهْدِنَا الصِّراطَ إلى آخره، يقول الله: فهذا لعبدي ولعبدي ما سأل» [١٨٦] «٢» .\nويقال: سمّيت (مثاني) لأنها منقسمة إلى قسمين: نصفها ثناء ونصفها دعاء، ونصفها حق الربوبية ونصفها حق العبودية، وقيل: لأن ملائكة السماوات يصلّون الصلوات بها، كما أن أهل الأرض يصلّون بها. وقيل: لأن حروفها وكلماتها مثنّاة، ومثل الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إِيَّاكَ وإِيَّاكَ، الصِّراطَ ... صِراطَ، عَلَيْهِمْ ... عَلَيْهِمْ، غَيْرِ ... غير، في قراءة عمر.\nوقال الحسين بن الفضل وغيره: لأنها تقرأ مرّتين كل مرّة معها سبعون ألف ملك، مره بمكة من أوائل ما نزل من القرآن، ومرة بالمدينة، والسبب هو أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود بني قريضة والنضير في يوم واحد وفيها أنواع من البز وأوعية [وأفاوية] الطيب والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا لتقوينا بها ولأنفقناها في سبيل الله فأنزل الله تعالى هذه السورة «٣» .\nوقال: لقد أعطيتكم سبع آيات هي خير لكم من هذه السبع القوافل، ودليل هذه التأويل قوله في عقبها: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الآية.\nوقيل: لأنها متصدرة بالحمد، والحمد كل كلمة تكلم بها آدم حين عطس وهي آخر كلام أهل الجنة من ذريته، قال الله: وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٤» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٨٥.\n(٢) الدرّ المنثور: ١/ ٦، الجامع الصغير: ٢/ ٢٣٧.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ١٨٧.\n(٤) سورة يونس: ١٠.","vol":"5","page":350},{"text":"وقيل: لأن الله استثناها وادّخرها لهذه الأمة فما أعطاها غيرهم، كما روينا في خبر سعيد ابن جبير عن ابن عبّاس.\nوقال أبو زيد اللخمي: لأنها تثني أهل الدعارة والشرارة عن الفسق والبطالة من قول العرب ثنيت عنائي، قال الله: أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ «١» .\nوقيل: لأن أولها ثناء على الله ﷿.\nوقال قوم: إن السبع المثاني هو السبع الطوال، وهي: سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة معا.\nوقال بعضهم: يونس، وعليه أكثر المفسرين.\nروى سفيان عن منصور عن مجاهد عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي، قال: السبع الطوال.\nسعيد بن جبير عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي قال: هو السبع الطوال.\nوهو قول عمر، ورواية أبي بشر وجعفر بن المغيرة ومسلم البطين عن سعيد بن جبير، ورواية ليث وابن أبي نجيح عن مجاهد، ورواية عبيد بن سليمان عن الضحاك. يدل عليه ما\nروى أبو أسماء الرحبي عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المبين مكان الإنجيل، وأعطاني الطواسين مكان الزبور وفضلني ربي بالمفصّل» [١٨٧] «٢» .\nوروى الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: أوتي رسول الله ﷺ السبع المثاني الطوال، وأعطي موسى ستا فلما ألقى الألواح رفعت اثنان وبقي أربع.\nروى عروة عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «من أخذ السبع الأول فهو حبر» [١٨٨] «٣» .\nقال ابن عبّاس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والخبر والعبر تثبت فيه.\nطاوس وأبو مالك: القرآن كلّه مثاني، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس قال: ألم تسمع إلى قول الله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ «٤» وسمّي القرآن مثاني لأن القصص ثبتت فيه.\n_________\n(١) سورة هود: ٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٣/ ٨٧ وفيه: وفضلني بالحواميم والمفصل ما قرأهنّ نبي قبلي.\n(٣) مسند أحمد: ٦/ ٨٢.\n(٤) سورة الزمر: ٢٣.","vol":"5","page":351},{"text":"وعلى هذا القول المراد بالسبع سبعة أسباع القرآن. ويكون فيه إضمار تقديره: وهي للقرآن العظيم.\nفاحتج بقول الشاعر:\nالى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم «١»\nمجازة: الملك القرم ابن الهمام ليث الكتيبة في المزدحم.\nوروى عتاب بن بشر عن حنيف عن زياد بن أبي مريم في قوله: سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي قال:\nأعطيتك سبعة أجزاء وهي سبع معان في القرآن: مرّ، وانه، وبشّر، وأنذر، واضرب الأمثال وأعدد النعم، وآتيتك نبأ القرآن «٢» .\nلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ يا محمّد إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا أصنافا مِنْهُمْ من الكفار متمنيا إياها. نهى رسوله عن الرغبة في الدنيا.\nوقال أنس: مرّت برسول الله ﷺ إبل أيام الربيع وقد حبست في أبعارها وأبوالها. فغطى رسول الله ﷺ عينه بكمّه وقال: «بهذا أمرني ربي» [١٨٩] ثمّ تلا هذه الآية.\nوَاخْفِضْ جَناحَكَ ليّن جانبك لِلْمُؤْمِنِينَ وارفق بهم.\nوالجناحان من ابن آدم جانباه، ومنه قوله: وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ أي جنبك وناحيتك.\nوَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَما أَنْزَلْنا، قال الفراء: مجازه: أنذركم عذابا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ. فأختلفوا فيهم.\nفروى الأعمش عن أبي ظبيان قال: سمعت ابن عبّاس يقول في قوله: كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ، قال: هم اليهود والنصارى.\nالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ جزّءوه فجعلوه أعضاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه.\nوقال عكرمة: سمّوا مقتسمين لأنّهم كانوا يستهزؤن فيقول بعضهم: هذه السورة لي. وقال بعضهم: هذه لي، فيقول أحدهم: لي سورة البقرة، ويقول الآخر: لي سورة آل عمران.\nوقال مجاهد: هم اليهود والنصارى، قسّموا كتابهم ففرّقوه وبدّدوه.\nوقال مقاتل: كانوا ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم فاقتسموا عقاب\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢/ ١٣٧، تفسير القرطبي: ١/ ٣٨٥.\n(٢) تفسير الطبري: ١٤/ ٧٦. [.....]","vol":"5","page":352},{"text":"مكة وطرقها وقعدوا على أبوابها وأنقابها وإذا جاء الحجاج، قال فريق منهم: لا تغتروا بخارج منّا يدعي النبوة فإنه مجنون.\nوقالت طائفة أخرى: على طريق آخر أنه كاهن.\nوقالت طائفة: عرّاف. وقالت طائفة شاعر، والوليد قاعد على باب المسجد نصبوه حكما، فإذا سئل عن رسول الله ﷺ قال: صدق لوليك المقتسمين.\nوقال مقاتل بن حيان: هم قوم اقتسموا القرآن، فقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم:\nسمر، وقال بعضهم: كذب. وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: أساطير الأولين.\nوقال بعضهم: هم الذين تقاسموا صالح وأرادوا تبييته.\nوقرأ قول الله: وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ «١» الآية.\nالَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ يعني عضوا كتاب الله ونبيه وأمره ونهيه أي كذبوا.\nوقوله: عِضِينَ، قال بعضهم: هو جمع عضو وهو مأخوذ من قولهم عضيت يعضيه إذا فرّقته.\nوقال رؤبة:\nوليس دين الله بالمعضى «٢»\nيعني: بالمفرّق.\nوقال آخر:\nوعضى بني عوف، فأما عدوهم ... فأرضي وأمّا العز منهم فغيرا «٣»\nيعني بقوله عضّني بني عوف: سبّاهم وقطعهم بلسانه.\nوقال آخرون: بل هو جمع عضة، يقال: عضه وعضين. مثل يره ويرين، وكرة وكرين، وقلة وقلين، وعزة وعزين، وأصله عضهه ذهبت هاؤها الأصلية كما نقصوا الهاء من الشفة وأصلها شفهه ومن الشاة وأصلها شاهه يدلك على ذلك التصغير تقول: شفيهة وغويهة، ومعنى العضة: الكذب والبهتان،\nوفي الحديث: «لا يعضه بعضكم بعضا» «٤» .\n_________\n(١) سورة النمل: ٤٨. ٤٩.\n(٢) تفسير الطبري: ١٤/ ٣٠٦.\n(٣) تفسير الطبري: ١٤/ ٨٧.\n(٤) مسند أبي داود الطيالسي: ٧٩، الجامع الصغير: ٢/ ٧٥٧، ح ٩٩٧٤.","vol":"5","page":353},{"text":"فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يوم القيامة عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا.\nوروى أنس عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: «عن لا إله إلّا الله» «١» .\nقال عبد الله: والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلّا سيخلو الله تعالى به يوم القيامة، [كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر] فيقول: يا ابن آدم ماذا غرك مني، يا ابن آدم ما عملت فيما علمت، يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين «٢» .\nواعترضت الملحدة بأبصار كليلة وأفهام عليلة على هذه الآية على قوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ «٣» وحكموا عليهما بالتناقض.\nوالجواب عنه: ما روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس في قوله: لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ وقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ «٤» . قال:\nلا نسألهم هل عملتم كذا وكذا، لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يقول لهم: لم عملتم كذا وكذا؟\nواعتمد قطرب هذا القول، وقال: السؤال على ضربين: سؤال استعلام واستخبار، وسؤال توبيخ وتقرير. فقوله: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ يعني استعلاما واستخبارا، لأنه كان عالما بهم قبل أن يخلقهم. وقوله: لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ يعني تقريعا وتقريرا ليريهم القدرة في تعذيبنا إياهم.\nوقال عكرمة: سألت مولاي عبد الله بن عبّاس عن الآيتين، فقال: إن يوم القيامة يوم طويل وفيه مواقف، يسألون في بعض المواقف ولا يسألون في بعضها. ونظيره قوله: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ «٥» وقال في آية أخرى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ «٦» .\nوقال بعضهم: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ إذا كان المذنب مكرها مضطرا، ولَنَسْئَلَنَّهُمْ إذا كانوا مختارين، وقيل: لا يسأل إذا كان الذنب في حال الصبى أو الجنون أو النوم، بيانه\nقوله ﷺ:\n«رفع القلم عن ثلاث»\n«٧» [١٩٠] وقولهم: لَنَسْئَلَنَّهُمْ، إذا كان عملهم خارجا من هذه الأحوال، وقيل: لا يسأل إذا كان الذنب في حال الكفر.\n_________\n(١) مسند أبي يعلي: ٧/ ١١٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري: ١٤/ ٩٠، وتفسير القرطبي: ٢/ ٥٧٩.\n(٣) سورة الرحمن: ٣٩.\n(٤) سورة الرحمن: ٣٩.\n(٥) سورة الأنفال: ٤٨.\n(٦) سورة الزمر: ٣١.\n(٧) مسند أحمد: ١/ ١١٦.","vol":"5","page":354},{"text":"وقوله: لَنَسْئَلَنَّهُمْ يعني المؤمنين، بيانه قوله: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ «١»\nوقوله ﷺ: «إن الإسلام يجبّ ما قبله» [١٩١] «٢» .\nفَاصْدَعْ.\nقال ابن عبّاس: أظهر. الوالبي عنه: فاقض.\nعطية عنه: افعل. الضحاك: اعلم، الأخفش: افرق، المؤرّج: افصل، سيبويه: اقض.\nبِما تُؤْمَرُ يعني بأمرنا (ما) المصدر.\nوأصل الصدع: الفصل والفرق.\nقال ذؤيب يصف الحمار والأتن:\nوكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع «٣»\n[وقيل]: أمر رسول الله ﷺ بإظهار الدعوة.\nروى موسى عن عبيدة عن أخيه عبد الله بن عبيدة قال: ما زال النبي ﷺ مستخفيا حتّى نزلت فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ فخرج هو وأصحابه.\nوقال مجاهد: أراد الجهر بالقرآن في الصلاة.\nوَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ لا تبال بهم إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.\nيقول الله جل ثناؤه لنبيه ﷺ فَاصْدَعْ بأمر الله ولا تخف شيئا سوى الله فإن الله كافيك من عاداك وآذاك كما كفاك المستهزئين وهم من قريش ورؤسائهم خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، وعبد الله بن عمرو بن مخزوم وكان رأسهم، والعاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعيد بن سهم، والأسود بن المطلب بن الحرث بن [أسد] بن عبد العزى أبو زمعة- وكان رسول الله ﷺ قد دعا عليه فقال: «اللهم أعم بصره وأثكله بولده» [١٩٢] «٤» - والأسود بن عبد يغوث بن وهب ابن عبد مناف بن زهرة، والحرث بن قيس بن الطلاطلة فإنه عيطل.\nفأتى جبرئيل محمدا ﷺ والمستهزئون يطوفون بالبيت، فقام جبرئيل وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه فمرّ به الوليد بن المغيرة، فقال جبرئيل: يا محمّد كيف تجد هذا، قال: بئس عبد الله.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٤٨.\n(٢) مجمع الزوائد: ٩/ ٣٥١.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٠/ ٦١، ولسان العرب: ١/ ٤٠٦. [.....]\n(٤) جامع البيان للطبري: ١٤/ ٩٤.","vol":"5","page":355},{"text":"قال: «قد كفيت» «١» [١٩٣] وأومأ إلى ساقه ويده، فمرّ برجل من خزاعة [نبّال] يريّش نبلا له وعليه برد يمان وهو يجر إزاره فتعلقت شظيّة من نبل بإزاره فمنعه الكبر أن يطمئن ونبذ عمامته وجعلت تضرب ساقه فخدشته فمرض منه ومات.\nوقال الكلبي: تعلّق سهم بثوبه فأصاب أكحله فقطعه فمات.\nومرّ به العاص بن وائل، فقال جبرئيل: كيف تجد هذا يا محمّد؟ قال: «بئس عبد الله»، فأشار جبرئيل لأخمص رجله وقال: «قد كفيت» وقد خرج على راحلته ومعه اثنان يمنعانه فنزل شعبا من تلك الشعاب فوطئ على شرقة فدخلت منها شوكة في أخمص رجله، فقال: الوقت لدغت. فطلبوا ولم يجدوا شيئا فانتفخت رجله حتّى صارت مثل عنق بعير فمات مكانه.\nومرّ به الأسود بن عبد المطلب، فقال جبرئيل: كيف تجد هذا يا محمّد؟\nقال: «عبد سوء» فأشار إلى عينه، وقال: «قد كفيت» فعمى [١٩٤] «٢» .\nقال ابن عبّاس: رماه جبرئيل بورقة خضراء فذهب بصره ووجعت عينه، فجعل يضرب برأسه الجدار حتّى هلك.\nوفي رواية الكلبي: أتاه جبرئيل وهو قاعد في ظل شجرة ومعه غلام له فجعل ينطح رأسه بالشجرة ويضرب وجهه بالشوك واستغاث بغلامه، فقال غلامه: لا أرى أحدا يصنع بك شيئا غير نفسك حتّى مات وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.\nومرّ به الأسود بن عبد يغوث فقال جبرئيل: كيف تجد هذا؟ فقال: «بئس عبد الله، على أنه خالي»، فقال: قد كفيت، وأشار إلى بطنه فشقّ بطنه فمات حينها «٣» .\nوفي رواية الكلبي: أنه خرج من أهله فأصابه السموم فاسودّ حتّى عاد حبشيا فأتى أهله فلم يعرفوه فأغلقوا دونه الباب وهو يقول: قتلني ربّ محمّد.\nومرّ به الحرث بن قيس، فقال جبرئيل (﵇): يا محمّد كيف تجد هذا؟ قال: «عبد سوء» فأومأ إلى رأسه وقال: قد كفيت، فأمتخط قيحا فقتله.\nوقال ابن عبّاس: إنه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب عليه من الماء حتّى اتّقد بطنه فمات، فذلك قوله تعالى: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ يعنى بك وبالقرآن.\n_________\n(١) زاد المسير: ٤/ ٣٠٩.\n(٢) مجمع البيان: ٦/ ١٣٣.\n(٣) تفسير الطبري: ١٤/ ٩٧ بتفصيل وتفاوت.","vol":"5","page":356},{"text":"الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وعيدهم وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.\nقال ابن عبّاس: فصلّ يا محمّد لربك.\nوَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ المتواضعين.\nوقال الضحاك: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قال سبحان الله وبحمده وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ أي المصلين.\nويروى أن رسول الله ﷺ كان إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة.\nوَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ يعني الموت، ومجازه: الموفق به.\nروى يونس بن زيد عن ابن شهاب: أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره عن أم العلاء- امرأة من الأنصار قد بايعت النبي ﷺ- أخبرته أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة قالت: فصار لنا عثمان ابن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي مات فيه، فلما توفي وغسّل وكفّن في ثوبه دخل رسول الله ﷺ فقلت: يا عثمان بن مظعون رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله.\nفقال رسول الله ﷺ: «وما يدريك أن الله أكرمه» قالت: فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فمه؟ فقال رسول الله ﷺ: «أمّا هو فقد جاءه اليقين وو الله إني لأرجو له الخير» «١» .\nقالوا: فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله ﷺ: «ما أوحي إليّ أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إليّ أن سبح بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ» [١٩٥] «٢» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٤/ ١٠١، المستدرك: ١/ ٣٧٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ٦٤، تفسير الثعالبي: ٣/ ٤٠٩.","vol":"5","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>محتوى الجزء الخامس من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة التوبة ٥ سورة يونس (﵇) ١١٦ سورة هود (﵇) ١٥٦ سورة يوسف ﵇ ١٩٦ سورة الرعد ٢٦٧ سورة إبراهيم (﵇) ٣٠٤ سورة الحجر ٣٣٠","vol":"5","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-435>الجزء السادس</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-436>سورة النحل</span>\nمكية، إلى قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخره وهي سبعة ألف وسبعمائة وسبعة أحرف، والفان وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثمان وعشرون آية\nأبو أمامة الباهلي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «ومن قرأ سورة النحل لم يحاسبه الله بالنعم التي أنعمها عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كالذي مات فأحسن الوصية» [١] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>[سورة النحل (١٦): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١) يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)\nوَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٧) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ (٨) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)\nأَتى أَمْرُ اللَّهِ أي جاء فدنا، واختلفوا في هذا الأمر ما هو.\nفقال قوم: هو الساعة.\nقال ابن عبّاس: لما أنزل الله تعالى اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال الكفار بعضهم لبعض: إن هذا يزعم [أن] يوم القيامة قد قرب فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا أنه لا ينزل شيء، قالوا: ما نرى شيئا، فأنزل الله تعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ «٢» الآية.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٦/ ١٣٥.\n(٢) سورة الأنبياء: ١.","vol":"6","page":5},{"text":"فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة، فلما امتدت الأيام قالوا: يا محمّد ما نرى شيئا مما تخوّفنا به فأنزل الله أَتى أَمْرُ اللَّهِ «١» فوثب النبي ﷺ ورفع الناس رؤوسهم فنزلت فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ فاطمأنوا فلما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: «بعثت أنا والساعة كهاتين- وأشار بإصبعيه- إن كادت لتسبقني» [٢] «٢» .\nوقال ابن عبّاس: كان بعث النبي ﷺ من أشراط الساعة. وأن جبرئيل لما مرّ بأهل السماوات مبعوثا إلى محمد ﷺ قالوا: الله أكبر قد قامت الساعة.\nقال الآخرون: الأمر هاهنا العذاب بالسيف، وهو جواب للنضر بن الحرث حين قال:\nاللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ «٣» - الآية- يستعجل العذاب، فأنزل الله هذه الآية، وهذا من الجواب المقصور فقتل النضر يوم بدر صبرا.\nوقال الضحاك: أَمْرُ اللَّهِ: الأحكام والحدود والفرائض.\nوالقول الأوّل أولى بالصواب لأنه لم يبلغنا أن أحدا من الصحابة مستعجل بفريضة الله قبل أن تفرض عليهم، وأمّا مستعجل العذاب من المشركين فقد كانوا كثيرا.\nسُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ.\nقرأه العامّة: بضم الياء وكسر الزاي المشدد، الملائكة نصب. وخففه معظم أهل مكة والبصرة بمعنى ينزل الله.\nوقرأ المفضل وروح وسهيل وزيد: يَنْزَلُ بفتح الياء والزاي، الْمَلائِكَةُ رفع.\nوقرأ الأعمش: يَنْزِلُ بفتح الياء وجزم النون وكسر الزاي من النزول، والْمَلائِكَةُ رفع على هاتين القرائتين والفعل للملائكة.\nبِالرُّوحِ بالوحي سمّاه روحا، لأنه تحيا به القلوب والحق، ويموت به الكفر والباطل.\nوقال عطاء: بالنبوة فطرة يلقى الروح من أمره.\nقتادة: بالرحمة.\nأبو عبيدة: بِالرُّوحِ، يعني: مع الروح وهو جبرئيل.\nمِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ محله نصب بنزع الخافض، ومجازه بأن أَنْذِرُوا أعلموا، من قولهم: أَنْذِرْ بِهِ أي أعلم أَنَّهُ في محل النصب بوقوع الإنذار عليه.\n_________\n(١) سورة النحل: ١.\n(٢) أسباب النزول: ١٨٧.\n(٣) سورة الأنفال: ٣٢.","vol":"6","page":6},{"text":"لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ. خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ يجادل بالباطل مُبِينٌ نظيره قوله: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا «١» نزلت هذه الآية في أبي بن خلف الجمحي حين جاء بالعظم الرميم إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمّد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟ نظيرها قوله: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ «٢» إلى آخر السورة نزلت في هذه القصة أيضا.\nوَالْأَنْعامَ خَلَقَها يعني الإبل والبقر والغنم لَكُمْ فِيها دِفْءٌ يعني من أوبارها وأصوافها وأشعارها ملابس و[لحفا] وقطن يستدفئون وَمَنافِعُ بالنسل والدرّ والركوب والحمل وغيرها وَمِنْها تَأْكُلُونَ يعني لحومها وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ أي حين يردّونها بالعشي من مراعيها إلى مباركها التي تأوى إليها. يقال: أراح فلان ماشيته يريحها إراحة، والمكان الذي يراح إليه: مراح.\nوَحِينَ تَسْرَحُونَ اي يخرجونها بالغداة من مراعيها إلى مسارحها. يقال: سرّح ماشيته يسرّحها سرحا وسروحا إذا أخرجها للرعي، وسرحت الماشية سروحا إذا رعت.\nقال قتادة: وذلك أعجب ما يكون إذا راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها.\nوَتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ آخر غير بلدكم.\nعكرمة: البلد مكة.\nلَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ أي تكلفتموه إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ.\nقرأه العامّة: بكسر الشين، ولها معنيان: أحدهما: الجهد والمشقة.\nوالثاني: النصف، يعني لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ من القوة وذهاب شق منها حتّى لم تبلغوه إلّا بنصف قوى أنفسكم وذهاب نصفها الآخر.\nوقرأ أبو جعفر: بِشَقِّ بفتح الشين. وهما لغتان مثل برَق وبرِق، وحَصن وحصِن، ورطل ورطل.\nوينشد قول النمر بن تولب: بكسر الشين.\nوذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب من شقها ودؤوب «٣»\nويجوز أن يكون بمعنى المصدر من شققت عليه يشق شقا.\n_________\n(١) سورة النساء: ١٠٥.\n(٢) سورة يس: ٧٧.\n(٣) لسان العرب: ١٠/ ١٨٤. [.....]","vol":"6","page":7},{"text":"إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ بخلقه حيث خلق لهم هذه الأشياء وهيّأ لهم هذه المنافع والمرافق.\nوَالْخَيْلَ يعني وخلق الخيل وهو اسم جنس لا واحد له من لفظه كالإبل والنساء وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً يعني وجعلها زينة مع المنافع التي فيها.\nواستدل بعض الفقهاء بهذه الآية على تحريم لحوم الخيل، روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنه سئل عن أكل لحوم الخيل فكرهها وتلا هذه الآية: وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً.\nقال: هو المركوب، وقرأ التي قبلها: وَالْأَنْعامَ خَلَقَها الآية، وقال: هذه للأكل.\nوقال: الحكم بلحوم الخيل حرام في كتاب الله، ثمّ قرأ هذه الآيات، وقال: جعل هذه للأكل وهذا للركوب.\nوإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء، واحتجوا أيضا في ذلك بما\nروى صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جدّه عن خالد بن الوليد أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل أكل لحوم الخيل والبغال والحمير» [٣] «١» .\nوقال الآخرون: لا بأس بأكل لحوم الخيل، وليس في هذه الآية دليل على تحريم شيء، وإنما عرّف الله عباده بهذه الآية نعمه عليهم ونبههم على حجج وحدانيته وربوبيته وكمال قدرته، وإليه ذهب الشافعي واحتج بما\nروى محمّد بن علي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمير الأهلية وأذن في لحوم الخيل.\nوروى سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر قال: أطعمنا رسول الله ﷺ يعني يوم خيبر- لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر.\nوروى سفيان عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر قال: كنا نأكل لحوم الخيل، قلت:\nوالبغال؟ قال: لا.\nهشام عن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر (﵁) قالت: أكلنا لحم فرس على عهد رسول الله ﷺ.\nسفيان عن منصور عن إبراهيم قال: نحر أصحابنا فرسا في النخع فأكلوا منه ولم يروا به بأسا.\nوَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ.\n_________\n(١) سنن النسائي: ٧/ ٢٠٢.","vol":"6","page":8},{"text":"قال بعض المفسرين: يعني ما أعدّ في الجنة لأهلها، وفي النار لأهلها ما لم تره عين ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر.\nقال قتادة: يعني السوس في الثياب، والدود في الفواكه.\nوروى مقاتل عن الضحاك عن ابن عبّاس في قوله تعالى: وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ قال:\nيريد أن عن يمين العرش نهرا من نور مثل السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع.\nيدخل جبرئيل كل سحر فيغتسل فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله وعظما إلى عظمته فينتفض فيخرج الله من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كل يوم سبعون ألف ملك بالبيت المعمور وفي الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة.\nوَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ يعني طريق الحق لكم، والقصد: الطريق المستقيم، وقيل على الله القصد بكم إلى الدين وَمِنْها جائِرٌ يعني ومن السبيل جائر عن الاستقامة معوج، وإنما أنث للكناية، لأن لفظ السبيل واحد ومعناها جمع، والسبيل مؤنثة في لغة أهل الحجاز، والقصد من السبيل هو الحنيفية دين الإسلام، والجائر منها اليهودية والنصرانية وغير ذلك من الملل والكفرة.\nوقال جابر بن عبد الله: قَصْدُ السَّبِيلِ يعني بيان الشرائع والفرائض، وقال عبد الله بن المبارك وسهل بن عبد الله: قَصْدُ السَّبِيلِ السنّة، وَمِنْها جائِرٌ يعني الأهواء والبدع، بيانه قوله: وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا «١» الآية. وفي مصحف عبد الله: ومنكم جائز.\nوَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ نظيرها قوله: وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا «٢» وقوله: وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠ الى ١٩]</span>\nهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١) وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢) وَما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)\nوَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨) وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ (١٩)\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٥٣.\n(٢) سورة يونس: ٩٩.\n(٣) سورة السجدة: ١٣.","vol":"6","page":9},{"text":"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ أي من ذلك الماء شَرابٌ يشربونه وَمِنْهُ شَجَرٌ شراب أشجاركم حياة غروسكم ونباتكم فِيهِ، في الشجرة وهو اسم [عام] «١»، وإنما ذكر الكناية، لأنه ردّه إلى لفظ الشجر.\nتُسِيمُونَ ترعون، وننسيكم يقال: أسام فلان إبله يسيمها أسامة، إذا رعاها، فهو مسيم وسامت هي تسوم فهي سائمة.\nقال الشاعر:\nومشى القوم بالعماد إلى ... المرعى وأعيا المسيم اين المساق «٢»\nيعني يدخلون العماد تحت بطون الزرعى [...] «٣» .\nقال الشاعر:\nأولى لك ابن مسيمة الإجمال «٤»\nأي يا ابن راعية الإبل.\nيُنْبِتُ لَكُمْ. قرأه العامّة بالياء يعني: يُنْبِتُ لَكُمْ. وقرأ عاصم برواية المفضل وحماد ويحيى بالنون، والأوّل الاختيار.\nبِهِ بالماء الذي أنزل الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.\nوَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ قرأه العامّة بالنصب نسقا على ما قبله.\nوروى حفص عن عاصم، وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ: بالرفع على الخبر والابتداء، وقرأ ابن عامر وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ كلها بالرفع على الابتداء والخبر.\nبِأَمْرِهِ بأذنه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَما ذَرَأَ يعنى وسخّر ما ذرأ لَكُمْ أي\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٤/ ١١٥، وبتفاوت في الدر المنثور: ٤/ ١١٢.\n(٣) كلمات غير مقروءة.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٣/ ٢٧٨.","vol":"6","page":10},{"text":"خلق لأجلكم من الدواب والأشجار والثمار وغيرها فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ نصب على الحال.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ.\nوَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا يعني السمك وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً يعني اللؤلؤ والمرجان.\nروى حماد بن يحيى عن إسماعيل بن عبد الملك قال: جاء رجل إلى ابن جعفر قال: في حليّ النساء صدقة؟ قال: لا، هي كما قال الله: حِلْيَةً تَلْبَسُونَها.\nتَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ.\nقال ابن عبّاس: جواري.\nسعيد بن جبير: معترضة. قتادة ومقاتل: [تذهب وتجيء] «١» مقبلة ومدبرة بريح واحدة.\nالحسن: مواقر.\nعكرمة والفراء والأخفش: شقاق يشق الماء بجناحيها.\nمجاهد: يمخر السفن الرياح ولا يمخر الريح من السفن إلّا الملك العظيم.\nأبو عبيدة: سوابح.\nوأصل المخرّ الدفع والشق، ومنه مخر الأرض، ويقال: امتخرت الريح وتمخّرتها، إذا نظرت من أين مبعوثها،\nوفي الحديث: «إذا أراد أحدكم البول فليمتخر الريح»\n«٢» أي لينظر من أين مخرها وهبوبها فيستدبرها حتّى لا يرد عليه البول.\nوَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ يعني التجارة وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ يعني لئلّا تميد بكم، أي تتحرك وتميل، والميل: هو الاضطراب والتكفّؤ، ومنه قيل للدوار الذي يعتري راكب البحر: ميد.\nقال وهب: لما خلق الله الأرض جعلت تميد وتمور، فقالت الملائكة: إن هذه غير مقرّة أحدا على ظهرها، فأصبحت وقد أرسيت بالجبال ولم تدر الملائكة ممّ خلقت الجبال.\nوقال علي (﵁): لما خلق الله الأرض رفضت وقالت: أي رب أتجعل عليّ بني آدم يعملون عليّ الخطيئة ويلقون عليّ الخبث، فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ٨٩.\n(٢) نسبه إلى واصل في تفسير القرطبي: ١٠/ ٨٩.","vol":"6","page":11},{"text":"وَأَنْهارًا يعني وجعل فيها أنهارا وَسُبُلًا طرقا مختلفة لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلاماتٍ فلا تضلون ولا تتحيرون، يعني معالم الطرق.\nوقال بعضهم: هاهنا تم الكلام ثمّ ابتدأ.\nوَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ.\nقال محمّد بن كعب القرظي والكلبي: أراد بالعلامات الجبال، فالجبال علامات النهار والنجوم علامات الليل.\nوقال مجاهد وإبراهيم: أراد بهما جميعا النجوم، فمنها ما يكون علامات ومنها ما يهتدون به.\nقال السدي: يعني بالثريا وبنات نعش والفرقدين والجدي فيهتدون إلى الطرق والقبلة.\nقتادة: إنما خلق الله النجوم لثلاث أشياء: لتكون زينة للسماء، وعلامات للطريق ورجوما للشياطين. فمن قال غير هذا فقد قال برأيه وتكلّف ما لا علم به.\nأَفَمَنْ يَخْلُقُ يعني الله تعالى كَمَنْ لا يَخْلُقُ يعني الأصنام أَفَلا تَذَكَّرُونَ نظيرها قوله تعالى: هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ «١» وقوله ﷿: أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ «٢» وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ لما كان منكم من تقصير شكر نعمه رَحِيمٌ بكم حيث وسّع عليكم نعمه ولم يقطعها منكم بتقصيركم ومعاصيكم. وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-439>[سورة النحل (١٦): الآيات ٢٠ الى ٢٩]</span>\nوَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١) إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢) لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)\nلِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ (٢٥) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٦) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكافِرِينَ (٢٧) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)\n_________\n(١) سورة لقمان: ١١.\n(٢) سورة فاطر: ٤٠.","vol":"6","page":12},{"text":"وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.\nقرأه العامّة بالتاء، لأن ما قبله كلّه خطاب.\nوقرأ يعقوب وعاصم وسهل بالياء.\nلا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ثمّ وصف الأوثان فقال: أَمْواتٌ أي هي أموات غَيْرُ أَحْياءٍ وَما يَشْعُرُونَ يعني الأصنام أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ عبّر عنها كما عبّر عن الآدميين «١» وقد مضت هذه المسألة، وقيل: وما يدري الكفّار عبدة الأوثان متى يبعثون.\nإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ جاحدة غير عارفة وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ متعظّمون لا جَرَمَ حقا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني إذا قيل لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم مشركوا قريش الذين اقتسموا عقاب مكة وأبوابهم، سألهم الحجاج والوفد أيام الموسم عن رسول الله ﷺ وعما أنزل عليه قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأباطيلهم.\nلِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ ذنوب أنفسهم التي هم عليها مقيمون وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فيصدونهم عن الإيمان أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ألا ساء الوزر الذي يحملون، نظيرها قوله تعالى: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ «٢» الآية.\nقال النبي ﷺ: «أيّما داع دعا إلى ضلاله فاتّبع، فإن عليه مثل أوزار من اتّبعه من غير أن ينقص من أوزارهم شيء، وأيّما داع دعا إلى هدى فاتّبع، فله مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء» [٤] «٣» .\nقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وهو نمرود بن كنعان حين بنى الصرح ببابل ولزم منها الصعود إلى السماء ينظر ويزعم إلى إله إبراهيم، وقد مضت هذه القصة.\nقال ابن عبّاس ووهب: كان طول الصرح في السماء خمسة آلاف ذراعا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ٩٤ وزاد: «لأنهم زعموا أنها تعقل عنهم وتعلم وتشفع لهم عند الله تعالى فجرى خطابهم على ذلك» ولم ينسبه للمصنف كعادته.\n(٢) سورة العنكبوت: ١٣. [.....]\n(٣) الجامع الصغير: ١/ ٤٦٦ ح ٣٠١٠.","vol":"6","page":13},{"text":"وقال كعب ومقاتل: كان طوله فرسخين فهبّت ريح وألقت رأسها في البحر وخرّ عليهم الباقي وانفكت بيوتهم وأحدث نمرود، ولما سقط الصرح تبلبلت ألسن الناس من الفزع فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا فلذلك سميت بابل، وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية وذلك قوله تعالى: فَأَتَى اللَّهُ بُنْيانَهُمْ مِنَ الْقَواعِدِ أي قصد تخريب بنيانهم من أصولها فأتاها أمر الله وهو الريح التي خرّبتها فَخَرَّ فسقط عَلَيْهِمُ السَّقْفُ يعني أعلى البيوت، مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ من مأمنهم ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُخْزِيهِمْ يذلّهم بالعذاب. وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ تحالفون فيهم لا ينقذونكم فيدفعوا عنكم العذاب.\nوقرأ العامّة على فتح النون من قوله: تُشَاقُّونَ إلّا نافع فإنه كسرها على الإضافة قالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وهم المؤمنون إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ العذاب عَلَى الْكافِرِينَ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ يقبض أرواحهم ملك الموت وأعوانه ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ بالكفر نصب على الحال، أي في حال كفرهم فَأَلْقَوُا السَّلَمَ أي استسلموا وانقادوا وقالوا: ما كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ شرك، فقالت لهم الملائكة: بَلى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nقال عكرمة: عنى بذلك من قتل من قريش وأهل مكة ببدر وقد أخرج إليها كرها.\nفَادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ عن الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٠ الى ٣٤]</span>\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٤)\nوَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا وذلك أن أحياء العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي ﷺ فإذا جاء سأل الذين قعدوا على الطرق عنه، فيقولون: شاعر وساحر وكاهن وكاذب ومجنون [ويفرّق الأخوان] «١» ويقولون: إنه لو لم تلقه خير لك، فيقول السائل: أنا شرّ داخل إن رجعت إلى قومي دون أن أدخل مكة وأستطلع أمر محمّد أو ألقاه، فيدخل مكة فيرى أصحاب رسول الله ﷺ فيخبرونه بصدقه وأنه نبي مبعوث، فذلك قوله تعالى: وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا.\n_________\n(١) المخطوط مشوش والظاهر ما أثبتناه.","vol":"6","page":14},{"text":"فإن قيل: لم ارتفع جواب المشركين في قولهم أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ وانتصب في قوله خَيْرًا.\nفالجواب: أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل فلما سئلوا قالوا: أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ يعني الذي يقوله محمد ﷺ أساطير الأولين، والمؤمنين إنما كانوا مقرّين بالتنزيل، فإذا قيل لهم:\nماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قالُوا خَيْرًا «١» يعنون أنزل خيرا.\nثمّ ابتدأ فقال: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ كرامة من الله، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ ثمّ فسّرها فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها بدل عن الدار، فلذلك ارتفع تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ كَذلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ مؤمنين. مجاهد: زاكية أعمالهم وأقوالهم.\nيَقُولُونَ يعني في الآية سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nقال القرظي: إذا استنقعت نفس العبد المؤمن جاءه ملك الموت فقال: السلام عليك وليّ الله، الله يقرأ عليك السلام ويبشرك بالجنة.\nْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ\nيقبضون أرواحهم.\nْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ\nيعني يوم القيامة، وقيل: العذاب ذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ\nبتعذيبه إياهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا عقوبات كفرهم وأعمالهم الخبيثة.\nوَحاقَ نزل بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>[سورة النحل (١٦): الآيات ٣٥ الى ٤٠]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٣٥) وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦) إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٧) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٨) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ (٣٩)\nإِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)\nوَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آباؤُنا قل للذين\n_________\n(١) عنه فتح القدير: ٣/ ١٥٩.","vol":"6","page":15},{"text":"اقتدينا بهم وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام فلولا أن رضيها لغير ذلك ببعض عقوباته أو هدانا إلى غيرها.\nقال الله: كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ يعني إلّا عليه، فإنّها لم تحرم هذه الأشياء وأنهم ادعوا على الله.\nوَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ يعني بأن اعبدوا الله وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ وهو كل معبود من دون الله فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ في دينه وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ أي وجبت عَلَيْهِ الضَّلالَةُ حتّى مات على كفره فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي خراب منازلهم وديارهم بالعذاب والهلاك إِنْ تَحْرِصْ يا محمّد عَلى هُداهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ.\nقرأ أهل الكوفة: يَهْدِي بفتح الياء وقسموا ذلك، ولها وجهان: أحدهما: إن معناه فإنّ الله لا يهدي من أضله الله، والآخر: أن يكون يهدي بمعنى يهتدي، بمعنى من أضله الله لا يهتدي «١» يقول العرب: هدى الرجل وهم يريدون اهتدى.\nوقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الدال، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم على معنى من أضله الله فلا هادي له، دليله: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ «٢» .\nوَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ يمنعونهم من عذاب الله وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ.\nالربيع عن أبي العالية قال: كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلّم به: والذي أرجوه بعد الموت أنه لكذا، فقال المشرك: وإنك لتزعم أنك تبعث بعد الموت فأقسم بالله (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) فأنزل الله هذه الآية.\nقتادة: ذكر لنا أن رجلا قال لابن عبّاس: إن ناسا بالعراق يزعمون أن عليا مبعوث قبل يوم القيامة ويتأولون هذه الآية.\nفقال ابن عبّاس: كذب أولئك، إنما هذه الآية عامة للناس، لو كان عليّ مبعوثا قبل يوم القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه، قال الله ردا عليهم: بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.\nفي الخبر أن الله تعالى يقول: كذّبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني،\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي ١٠/ ١٠٤.\n(٢) سورة الأعراف: ١٨٦.","vol":"6","page":16},{"text":"وشتمني ابن آدم ولا ينبغي له أن يشتمني، وأمّا تكذيبه إياي فحلفه بي أن لا أبعث الخلق، وأمّا شتمه إياي فقوله اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وأنا الله الواحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كُفُوًا أَحَدٌ.\nلِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ هو مردود إلى قوله: لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا يبين لهؤلاء المنكرين المقتسمين الذين يختلفون وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ. إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ الآية، يقول الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه: إنا إذا أردنا أن نبعث من يموت فلا تعب علينا ولا نصب في إحيائهم ولا في غير ذلك [مما نخلق ونكون ونحدث]، لأنا إذا أردنا خلق شيء وإنشاؤه أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» .\nوفي هذه الآية دليل على أنّ القرآن غير مخلوق، فذكر أن الله ﷿ أخبر أنه إذا أراد شيئا قال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، فلو كان قوله كُنْ مخلوقا لاحتاج إلى قول ثان ولاحتاج ذلك القول إلى قول ثالث إلى ما لا نهاية فلما بطل ذلك ثبت أن الله خلق الخلق بكلام غير مخلوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>[سورة النحل (١٦): الآيات ٤١ الى ٥٠]</span>\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٤٣) بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤) أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥)\nأَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٤٧) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ داخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٥٠)\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا عذّبوا وقتلوا في الله، نزلت في بلال وصهيب وخبّاب وعمار وعابس وجبير وأبي جندل بن سهيل، أخذهم المشركون بمكة فعذّبوهم.\nوقال قتادة: يعني أصحاب محمّد ﷺ ظلمهم أهل مكة وأخرجوهم من ديارهم حتّى لحق جماعة منهم بالحبشة ثمّ بوّأهم الله بالمدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار الهجرة وجعل لهم على من ظلمهم [أنصارا من المؤمنين والآية تعم الجميع] «٢» .\nلَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً أنزلهم المدينة وأطعمهم الغنيمة.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٤/ ١٤١.\n(٢) تصويب العبارة من تفسير القرطبي: ١٠/ ١٠٧.","vol":"6","page":17},{"text":"ويروى إن عمر بن الخطاب (﵁) كان إذا أعطى لرجل من المهاجرين عطاء يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ذخر لك في الآخرة أفضل، ثمّ تلا هذه الآية.\nوقال بعض أهل المعاني: مجاز قوله تعالى: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً ليحسنّن إليهم في الدنيا. وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. الَّذِينَ صَبَرُوا في الله على ما نابهم وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ الآية نزلت في مشركي مكة حين أنكروا نبوة محمّد ﷺ وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فهلّا بعثت إلينا ملكا.\nفَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني هم أهل الكتاب إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ فإن قيل: ما الجالب لهذه الباء؟\nقيل: قد اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم: هي من صلة أرسلنا و(إلا) بمعنى غير، مجازه: وما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر غير رجال يوحى إليهم ولم نبعث ملائكة. وهذا كما تقول: ما ضرب إلّا أخوك عمر، وهل كلم إلّا أخوك زيدا، بمعنى ما ضرب عمر غير أخيك، هل كلم زيدا غير أخيك.\nقال أوس بن حجر:\nأبني لبينى لستم بيد ... إلا يد ليست لها عضد «١» .\nيعني غير يده، قال الله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا «٢» أي غير الله.\nوقال بعضهم: إنما هذا على كلامين، يريد: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا أرسلنا بالبينات والزبر ويشهد على ذلك بقول الأعمش:\nوليس مجيرا إن أتى الحي خائف ... ولا قائلا إلّا هو المتعيّبا «٣»\nيقول: لو كان بذلك على كلمة لكان خطأ من سفه القائل، ولكن جاء ذلك على كلامين كقول الآخر:\nنبّئتهم عذّبوا بالنار جارهم ... وهل يعذّب إلّا الله بالنار «٤»\nوتأويل الكلام: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ أرسلناهم بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ «٥» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٤/ ١٤٦.\n(٢) سورة الأنبياء: ٢٢.\n(٣) تفسير الطبري: ١٤/ ١٤٦، ولسان العرب: ١/ ٦٣٣.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) بطوله في تفسير الطبري: ١٤/ ١٤٦- ١٤٧.","vol":"6","page":18},{"text":"وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ يعني نمرود بن كنعان وغيره من الكفار وأهل الأوثان أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. أَوْ يَأْخُذَهُمْ العقاب فِي تَقَلُّبِهِمْ تصرفهم في أسفارهم بالليل والنهار فَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ مسابقي الله أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ.\nقال الضحاك والكلبي: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ يعني يأخذ طائفة ويدع فتخاف الطائفة الباقية أن ينزل بها ما نزل بصاحبتها.\nوقال سائر المفسرين: التخوّف: التنقّص، يعني ينقص من أطرافهم ونواصيهم الشيء بهذا الشيء حتّى يهلك جميعهم.\nيقال: تخوّف مال فلان الإنفاق، إذا انتقصه وأخذه من حافاته وأطرافه.\nوقال الهيثم بن عدي: هي لغة لازد شنوءة، وأنشد:\nتخوّف عدوهم مالي وأهدى ... سلاسل في الحلوق لها صليل «١»\nقال سعيد بن المسيب: بينما عمر بن الخطاب (﵁) على المنبر فقال: يا أيها الناس ما تقولون في قول الله: أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ فسكت الناس، فقام شيخ فقال: يا أمير المؤمنين هذه لغتنا في هذيل، التخوّف: التنقص، فقال عمر: وهل تعرف العرب ذلك في أشعارهم قال: نعم، قال شاعرنا أبو كبير الهذلي: [يصف ناقة تنقص السير سنامها بعد تمكه واكتنازه] «٢» .\nتخوّف السير منها تامكا قردا ... كما تخوف عود النبعة السفن «٣»\nفقال عمر:\nيا أيها الناس عليكم بديوانكم الجاهلية فإن فيه تفسير كتابكم ومعاني كلامكم «٤» فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ يعني لم يعجّل العقوبة أَوَلَمْ يَرَوْا قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والأعمش: (تروا) بالتاء على الخطاب، وقرأ الآخرون بالياء خبرا عن الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ وهو اختيار الأئمة.\n_________\n(١) غريب الحديث: ٢/ ٨٣٥.\n(٢) زيادة عن تفسير القرطبي، وفي تاج العروس: أنضاها السير ونسبه لذي الرملة. [.....]\n(٣) تاج العروس: ٩/ ٢٣٦ ولسان العرب: ٩/ ١٠١، ونسبه لابن مقبل وقال في ج ١٣/ ٢١٠: قال الصاغاني: وعزاه الأزهري لابن مقبل وهو لعبد الله بن عجلان النهدي، وفي الأغاني نسبه لابن مزاحم الثمالي.\n(٤) انظر تفسير القرطبي: ١٠/ ١١١.","vol":"6","page":19},{"text":"إِلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يعني من جسم قائم له ظل يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ.\nبالتاء أهل البصرة. الباقون بالياء، ومعنى قوله يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ: يميل ويرجع من جانب إلى جانب فهي في أوّل النهار ثمّ تعود إلى حال أخرى في آخر النهار، فميلانها ودورانها من موضع إلى موضع سجودها، ومنه قيل للظل بالعشي: فيء، لأنه فاء من المغرب إلى المشرق، والفيء: الرجوع، قال الله: حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ «١» يقال: سجدت النخلة إذا حالت، وسجد البعير وأسجد إذا جعل للركوب، ومثله قال في هذه الآية على هذا التأويل.\nقتادة والضحاك: أمّا اليمين فأول النهار وأمّا الشمال فآخر النهار، تسجد الضلال لله غدوة إلى أن تفيء الظلال ثمّ تسجد أيضا إلى الليل.\nوقال مجاهد: إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله.\nوقال عبد الله بن عمر: سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: «أربع قبل الظهر بعد الزوال تحسب بمثلهن في صلاة السحر وليس من شيء إلّا وهو يسبح لله تعالى تلك الساعة» ثمّ قرأ يَتَفَيَّؤُا الآية «٢» .\nالكلبي: الظل قبل طلوع الشمس عن يمينك وعن شمالك وقدامك وخلفك، ولذلك إذا غابت وإذا طلعت كان قدامك، فإذا ارتفعت كان عن يمينك وإذا كان بعد ذلك كان خلفك، فإذا كان قبل أن تغيب الشمس كان على يسارك فهذا تفيؤه أي تضلله هاهنا وهاهنا، وهو سجوده.\nوأمّا الوجه في توحيد اليمين وجمع الشمال، فهو أنّ من شأن العرب إذا اجتمعت علامتان في شيء واحد أن يبقى واحدة ويلقى الأخرى، واكتفي بالملقي على الملقى بقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ «٣» كقوله: يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ «٤» .\nوقال بعضهم: اليمين راجع إلى قوله: ما خَلَقَ اللَّهُ ولفظة من أحد، وَالشَّمائِلِ راجعة إلى المعنى وقيل: هذا في الكلام كثير.\nقال الشاعر:\nبفي الشامتين الصخر إن كان هدني ... رزية شبلي مخدر في الضراغم «٥»\n_________\n(١) سورة الحجرات: ٩.\n(٢) تفسير الثعالبي: ٣/ ٤٢٦.\n(٣) سورة البقرة: ٧.\n(٤) سورة البقرة: ٢٥٧.\n(٥) تفسير الطبري: ١٤/ ١٥٤.","vol":"6","page":20},{"text":"لم يقل: بأفواه الشامتين.\nوقال آخر:\nالواردون وتيم في ذرا سبأ ... قد عض أعناقهم جلد الجواميس «١»\nلم يقل: جلود.\nوَهُمْ داخِرُونَ صاغرون وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [وإنما أخبر ب (ما) عن الذي يعقل ولا يعقل على التغلب، كما يغلب الكثير على القليل والمذكر على المؤنث] مِنْ دابَّةٍ يدب عليها كل حيوان يموت، كقوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها «٢» وقوله: ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها «٣» .\nوَالْمَلائِكَةُ خص الملائكة بالذكر مع كونهم من جملتها في الآية لرفع شأنهم، وقيل:\nلخروجهم من جملة الموصوفين بالتسبيب إذ جعل الله لهم أجنحة كما قال تعالى: جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ «٤» فالطيران أغلب عليهم من الدبيب، وقيل: أراد لله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ويسجد ملائكة الأرض.\nوَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ. يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ يعني: يخافون [قدرة] ربهم أن يأتيهم بالعذاب من فوقهم، ويدل عليه قوله: وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ما يؤمرون يعني الملائكة، وقيل:\nمعناه يخافون ربهم الذي فوقهم بالقول والقدرة فلا يعجزه شيء ولا يغلبه أحد [يدل عليه] قوله تعالى: وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ «٥» وقوله إخبارا عن فرعون: وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ «٦» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>[سورة النحل (١٦): الآيات ٥١ الى ٦٠]</span>\nوَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)\nوَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) سورة هود: ٦.\n(٣) سورة هود: ٥٦.\n(٤) سورة فاطر: ١.\n(٥) سورة الأنعام: ١٨.\n(٦) سورة الأعراف: ١٢٧.","vol":"6","page":21},{"text":"وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ الطاعة والإخلاص.\nواصِبًا دائما ثابتا.\nوقال ابن عبّاس: واجبا، تعني الآية أنه ليس من أحد يدان له ويطاع إلا انقطع عنه بزوال أو هلاك غير الله ﷿، فإن الطاعة تدوم له وتصيب واصبا على القطع.\nقال أبو الأسود الدؤلي:\nلا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يوما بذم الدهر أجمع واصبا «١»\nأي دائما.\nوقال الفراء: ويقال خالصا.\nأَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ. وَما بِكُمْ.\nقال الفراء: (ما) في معنى الجزاء ولها فعل مضمر، كأنه قال: وما يكون لكم من نعمة فمن الله.\nأَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ [....] «٢» أن لّا تتقوا سواه وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ لذلك دخلت الفاء في قوله: فَمِنَ اللَّهِ.\nثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ يصيحون بالدعاء ويضجون بالاستغاثة. وأصله من جؤار الثور إذا رفع صوتا شديدا من جوع أو فزع. قال القتيبي يصف بقرة:\nفطافت «٣» ثلاثا بين يوم وليلة ... وكأن النكير أن تضيف وتجأرا «٤»\nثُمَّ إِذا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ بعد ما خلصوا له بالدعاء في حال البلاء لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ كفروا نعمته فيما أعطيناهم من النعماء وكشف الضرّ والبلاء فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وهذا وعيد لهم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٣/ ٥، تفسير القرطبي: ١٠/ ١١٤. [.....]\n(٢) غير مقروءة في المخطوط.\n(٣) ويروى: أقامت.\n(٤) لسان العرب: ٦/ ٦٧ والبيت للنابغة الجعدي.","vol":"6","page":22},{"text":"وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ له نفعا ولا فيه ضرا ولا نفعا نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال وهو ما حملوا لأوثانهم من هديهم وأنعامهم نظيره قوله هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا «١» .\nثمّ رجع من الخبر إلى الخطاب فقال: تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ يوم القيامة عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ في الدنيا وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وهم خزاعة وكنانة قالوا: الملائكة بنات الله سبحانه.\nوَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ يعني البنين، وفي قوله: ما وجهان من الأعراب: أحدهما الرفع على الابتداء، ومعنى الكلام: يجعلون لله البنات ولهم البنين، والثاني: النصب عطفا على البنات تقديره: ويجعلون لله البنات ويجعلون لهم البنين الذي يشتهون.\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا من الكراهة وَهُوَ كَظِيمٌ ممتلئ غما وغيظا يَتَوارى يخفى ويغيب مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ من الخزي والعار والحياء ثمّ يتفكر أَيُمْسِكُهُ ذكر الكناية لأنه مردود إلى (ما) عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ يخفيه فِي التُّرابِ فيئده.\nوذلك أن مضر وخزاعة وتميما كانوا يدفنون الإناث أحياء- زعموا- خوف الفقر عليهن وطمع غير الأكفاء فيهن، وكان صعصعة عم الفرزدق إذا أحس بشيء من ذلك وجه إلى والد البنت يستحييها بذلك، ولذلك قال الفرزدق:\nومنا الذي منع الوائدات ... فأحيا الوئيد فلم يوأد «٢»\nأَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ بئس ما [يجعلون لله الإناث] ولأنفسهم البنين، نظيره قوله تعالى:\nأَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى «٣» .\nلِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يعني لهؤلاء الواضعين لله سبحانه البنات مَثَلُ السَّوْءِ احتياجهم إلى الأولاد وكراهيتهم الإناث منهم أو قتلهم إياها خوف الفقر وإقرارا على أنفسهم بالهتك\nلقول رسول الله ﷺ: «أكبر الكبائر أن تدعو لله ندّا وهو خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك وأن تزني بحليلة جارك» [٥] «٤» .\nوَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى الصفة العليا وهي التوحيد والإخلاص.\nوقال ابن عبّاس: مَثَلُ السَّوْءِ: النار، والْمَثَلُ الْأَعْلى: شهادة أن لا إله إلّا الله «٥» .\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٣٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ١١٧.\n(٣) سورة النجم: ٢١.\n(٤) تفسير الطبري: ٥/ ٦٢، تفسير القرطبي: ١٣/ ٧٥.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٠/ ١١٩.","vol":"6","page":23},{"text":"وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦١ الى ٦٤]</span>\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢) تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)\nوَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ فيعاجلهم بالعقوبة على كفرهم وعصيانهم ما تَرَكَ عَلَيْها أي على ظهر الأرض كناية عن غير مذكور مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ يمهلهم عليه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى منتهى آجالهم ساعة وانقضاء أعمارهم فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ولا يقال «١» موت قبله وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ لأنفسهم، يعني البنات وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى محل (ان) نصب بدل عن الكذب لأنه بيان وترجمة له.\nوقرأ ابن عبّاس: والحسن (الْكُذُبُ) برفع الكاف والذال والباء على نعت الألسنة، والكذب: جمع كذوب، مثل رسول ورسل وصبور وصبر وشكور وشكر.\nأَنَّ لَهُمُ الْحُسْنى يعني اليقين ومعنى الآية: ويجعلون له البنات ويزعمون أن لهم البنين.\nوقال حيان: يعني بالحسنى الجنة في المعاد إن كان محمّد صادقا في البعث.\nلا جَرَمَ حقا، وقال ابن عبّاس: بلى «٢» .\nأَنَّ لَهُمُ النَّارَ في الآخرة وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ منسيون في النار.\nقال ابن عبّاس وسعيد بن جبير: مبعدون.\nمقاتل: متروكون.\nقتادة: معجلون إلى النار.\nالفراء: مقدمون على النار.\nوقرأ نافع: (مُفْرِطُونَ) بكسر الراء مع التخفيف أي مسرفون، وقرأ أبو جعفر: بكسر الراء مع التشديد أي مضيّعون أمر الله تعالى.\nتَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ كما أرسلناك إلى هذه الأمة فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ\n_________\n(١) هذا هو الظاهر من المخطوط.\n(٢) تفسير الطبري: ١٤/ ١٦٧.","vol":"6","page":24},{"text":"الخبيثة التي كانوا عليها مقيمين فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ ناصرهم ومعينهم وقرينهم ومتولي أمورهم وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة.\nوَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ من الدين والأحكام وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ عطف الهدى والرحمة على موضع قوله (لِتُبَيِّنَ) لأن محله نصب ومجاز الكلام: وما أنزلنا عليك الكتاب إلّا بيانا للناس وهدى ورحمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>[سورة النحل (١٦): الآيات ٦٥ الى ٧٤]</span>\nوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا سائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦) وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧) وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠) وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣) فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧٤)\nوَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها جدوبها ودروسها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ بسمع القلوب ولا بسمع الآذان.\nوَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً لعظة نُسْقِيكُمْ.\nقرأ أهل المدينة وابن عامر ونافع وعاصم بفتح النون.\nوقرأ الباقون بضمه. واختاره أبو عبيد قال: لأنه شراب دائم.\nوحكى عن الكسائي أن العرب تقول: أسقيته نهرا وأسقيته لبنا إذا جعلت له سقيا دائما، فإذا أراد أنهم أعطوه شربة قالوا: سقيناه «١» .\nوقال غيره: هما لغتان يدل عليه قول لبيد في صفة السقاية:\nسقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرا والقبائل من هلال «٢»\n_________\n(١) بغير ألف، راجع المصدر السابق: ١٤/ ١٧٢.\n(٢) الصحاح: ٢/ ٥٣.","vol":"6","page":25},{"text":"فجمع بين اللغتين.\nمِمَّا فِي بُطُونِهِ ولم يقل بطونها والأنعام جميع، قال المبرد: كناية إلى النعم والنعم والأنعام واحد ولفظ النعم، واستشهد لذلك برجز بعض الأعراب.\nإذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهته أو الخراة والكند\nبال سهيل في الفضيح ففسد ... وطاب ألبان اللقاح فبرد «١»\nولم يقل فبردت لأنه رد إلى [اللبن أو الخراة] «٢» .\nقال أبو عبيدة والأخفش: النعم يذكر ويؤنث فمن أنّث فلمعنى الجمع، ومن ذكر فلحكم اللفظ، ولأنه لا واحد له من لفظه.\nوقال الشاعر يذكره:\nأكل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه\nإن له نخيل فلا يحمونه «٣» .\nوقال الكسائي: ردّ الكناية إلى المراد في بطون ما ذكر.\nوقال بعضهم: أراد بطون هذا الشيء، كقول الله: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي «٤» وقوله: وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ «٥» الآية فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ «٦» ولم يقل: جاءت.\nوقال: الصلتان العبدي.\nإن السماحة والمروة ضمّنا ... قبرا بمرو على الطريق الواضح «٧»\nوقال الآخر:\nوعفراء أدنى الناس مني مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني «٨»\nوقال الآخر:\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٢٩، تفسير الطبري: ١٤/ ١٧٣.\n(٢) هكذا في الأصل. [.....]\n(٣) المصدر السابق ولسان العرب: ١٢/ ٥٨٥، دون ذكر البيت الثاني.\n(٤) سورة الأنعام: ٧٨.\n(٥) سورة النمل: ٣٥.\n(٦) سورة النمل: ٣٦.\n(٧) تفسير الطبري: ١٤/ ١٧٤.\n(٨) تاريخ دمشق: ٤٠/ ٢٢٠.","vol":"6","page":26},{"text":"إذا الناس ناس والبلاد بغبطة ... وإذ أم عمّار صديق مساعف «١»\nكل ذلك على معنى هذا الشخص وهذا الشيء.\nوقال المؤرج: الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال: نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ اللبن، إذ ليس لكلّها لبن وإنما يسقى من ذوات اللبن، فاللبن فيه مضمر.\nمِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وهو ما في الكرش فإذا أخرج منه لا يسمى فرثا وَدَمٍ لَبَنًا خالِصًا خلص من الفرث والدم ولم يختلط بهما سائِغًا لِلشَّارِبِينَ جاهزا هنيئا يجرى في الحلق ولا يغص شاربه، وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط.\nقال ابن عبّاس: إذا أكلت الدابة العلف واستقرّ في كرشها لحينه، وكان أسفله فرث وأوسطه لبن وأعلاه دم الكبد [فما كان] على هذه الأصناف الثلاثة يقسم فيجري الدم في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو.\nوَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ يعني ذلكم أيضا عبرة فيما نسقيكم ونرزقكم من ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ الكناية في قوله: مِنْهُ عائدة إلى المذكورين.\nسَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا.\nقال قوم: السكر: الخمر، والرزق الحسن: الخل والعنب والتمر والزبيب، قالوا: وهذا قول تحريم الخمر، وإلى هذا القول ذهب ابن مسعود وابن عمرو وسعيد بن جبير وأيوب وإبراهيم والحسن ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى والكلبي، وهي رواية عمرو بن سفيان البصري عن ابن عبّاس قال: السكر: ما حرم من ثمرتها، والرزق الحسن: ما حل من ثمرتهما.\nأما السكر فخمور هذه الأعاجم، وأما الرزق الحسن فما تنتبذون وما تخلّلون وما تأكلون.\nقال: ونزلت هذه الآية ولم يحرم الخمر يومئذ، وإنما نزل تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة.\nوقال الشعبي: السكر: ما شربت، والرزق الحسن: ما أكلت.\nوروى العوفي عن ابن عبّاس: أن الحبشة يسمّون الخل السكر.\nوقال بعضهم: السكر: النبيذ المسكر وهو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد، والمطبوخ من العصير وهو قول الضحاك والشعبي برواية مجالد وأبي روق وقول النخعي ورواية الوالبي عن ابن عبّاس، وقيل: هو نبيذ التمر.\nقال النبي ﷺ: «الخمر ما اتخذ من العنب، والسكر من التمر، والبتع من العسل، والمزر\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٤/ ١٧٥.","vol":"6","page":27},{"text":"من الذرة [والبيرا] «١» من الحنطة، وأنا أنهاكم عن كل مسكر» [٦] «٢» .\nوقال أبو عبيدة: السكر: الطعم، يقال: هذا سكر لك، أي طعم لك.\nوأنشد:\nجعلت عيب الأكرمين سكرا «٣»\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أي ألقى [على مسامعها] أو قذف في أنفسها ففهمته، والنحل: زنابير العسل، وأحدها نحلة أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ يبنون، وقال ابن زيد: هو الكرم.\nثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ليس معنى الكل العموم وهو كقوله: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ «٤» وقوله: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها «٥» .\nفَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ فادخلي طرق ربك ذُلُلًا.\nقال بعضهم: الذلل يعني الطرق، ويقول هي مذللة للنحل.\nقال مجاهد: [لا يتوعر عليها مكان سلكته] .\nقال آخرون: الذلل نعت [النحل] «٦» .\nقال قتادة وغيره: يعني مطيعة منقادة.\nيَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ أبيض وأحمر وأصفر فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ.\nيروى أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن أخي يشتكي بطنه، فقال: «اسقه عسلا» فذهب ثمّ رجع فقال: سقيته فلم يغن عنه شيئا. فقال ﵊: «اذهب واسقه عسلا فقد صدق الله وكذب بطن أخيك» [٧] «٧» فسقاه فكأنما نشط من عقال، [رواه] عطية عن أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري.\n_________\n(١) كذا في المخطوط وهي غير موجودة في المصدر.\n(٢) مسند أبي يعلي: ١٣/ ٢١٦ بتفاوت.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٤/ ١٨٢.\n(٤) سورة النمل: ٢٣.\n(٥) سورة الأحقاف: ٢٥.\n(٦) في تفسير الطبري (١٤/ ١٨٤): نعت السبل، ونسبه لمجاهد ثم ذكر على قول: الذلل من نعت النحل، وصوّب الأول\n(٧) صحيح مسلم: ٧/ ٢٦ وسنن الترمذي: ٣/ ٢٧٦. [.....]","vol":"6","page":28},{"text":"وقال مجاهد: فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ أي في القرآن. والقول الأوّل أولى بالصواب وأليق بظاهر الكتاب.\nروى وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال: العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء ما فِي الصُّدُورِ.\nالأعمش عن خيثم عن الأسود قال: قال عبد الله: عليكم بالشفائين: العسل والقرآن.\nإِنَّ فِي ذلِكَ أي فيما ذكرنا لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فيعتبرون وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ صبيانا وشبابا وكهولا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ أي أردؤه، يقال منه: (ذل الرجل وفسل، يرذل رذالة ورذولة ورذلته أنا) «١» .\nقال ابن عبّاس: يعني إلى أسفل العمر.\nمقاتل: وابن زيد: يعني الهرم.\nقتادة: أرذل العمر سبعون سنة.\nوروى الأصبغ بن نباتة عن علي (﵁) قال: أرذل العمر خمس وسبعون سنة.\nلِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا أي لا يعقل من بعد عقله الأوّل شيئا.\nإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ نظيرها في سورة الحج «٢» .\nوَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا في الرزق بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ من العبيد حتّى يستووا هم وعبيدهم في ذلك، يقول الله جل ثناؤه: فهم لا يرضون أن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقناهم سواء وقد جعلوا عبيدي شركائي في ملكي وسلطاني. يلزم بهذا المثل الحجة على المشركين، وهذا مثل ضربه الله ﷿، فما منكم من يشرك مملوكه في زوجته وقرابته وماله أفتعدلون بالله خلقه وعباده، فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أحق أن ينزه من ذلك ولا تعدل به أحدا من عباده وخلقه «٣» .\nعبد الله بن عبّاس: نزلت هذه الآية في نصارى نجران حين قالوا: عيسى ابن الله، يقول:\nلا يرد المولى على ما ملكت يمينه مما رزق حتّى يكون [المولى والملوك] في المنال شرعا سواء فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم نظيرها في سورة الروم ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ «٤» [مثلا تعاينه] .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٤/ ١٨٦.\n(٢) سورة الحج: ٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري: ١٤/ ١٨٨.\n(٤) سورة الروم: ٢٨.","vol":"6","page":29},{"text":"قال أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ بالاشراك به.\nقرأ عاصم: بالتاء على الخطاب، لقوله: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ.\nوقرأ الباقون: بالياء لقوله: فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ «١» واختاره أبو عبيد وأبو حاتم: لقرب المخبر منه.\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا يعني أنه خلق من آدم زوجته حوّاء وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً.\nابن عبّاس والنخعي وابن جبير وأبو الأضحى: هم الأصهار أختان الرجل على بناته.\nروى شعبة عن عاصم: بن بهدلة قال: سمعت زر بن حبيش وكان رجلا غريبا أدرك الجاهلية قال: كنت أمسك على عبد الله المصحف فأتى على هذه الآية قال: هل تدري ما الحفدة، قلت: هم حشم الرجل.\nقال عبد الله: لا، ولكنهم الأختان. وهذه رواية الوالبي عن ابن عبّاس.\nوقال عكرمة والحسن والضحاك: هم الخدم.\nمجاهد وأبو مالك الأنصاري: هم الأعوان، وهي رواية أبي حمزة عن ابن عبّاس قال:\nمن أعانك حفدك.\nوقال الشاعر:\nحفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهنّ أزمّة الإجمال «٢»\nوقال عطاء: هم ولد الرجل يعينونه ويحفدونه ويرفدونه ويخدمونه.\nوقال قتادة: [مهنة يمتهنونكم] ويخدمونكم من أولادكم.\nالكلبي ومقاتل: البنين: الصغار، والحفدة: كبار الأولاد الذين يعينونه على عمله.\nمجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عبّاس: إنهم ولد الولد.\nابن زيد: هم بنو المرأة من الزوج الأوّل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس: هم بنو امرأة الرجل الأوّل.\nوقال العتبي: أصل الحفد: مداركة الخطر والإسراع في المشي.\n_________\n(١) سورة النحل: ٧١.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ١٥٣ وتفسير الطبري: ١٤/ ١٩٠.","vol":"6","page":30},{"text":"فقيل: لكل من أسرع في الخدمة والعمل: حفدة، واحدهم حافد، ومنه يقال في دعاء الوتر: إليك نسعى ونحفد، أي نسرع إلى العمل بطاعتك.\nوأنشد ابن جرير [للراعي]:\nكلفت مجهولها نوقا يمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا «١»\nوَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ.\nقال ابن عبّاس: بالأصنام.\nوَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ يعني التوحيد الباطل فالشيطان أمرهم بنحر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ بما أحلّ الله لهم هُمْ يَكْفُرُونَ يجحدون تحليله.\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّماواتِ يعني المطر وَالْأَرْضِ يعني النبات.\nشَيْئًا، قال الأخفش: هو بدل من الرزق وهو في معنى: ما لا يملكون من الرزق شيئا قليلا ولا كثيرا.\nقال الفراء: نصب (شَيْئًا) بوقوع الرزق عليه. كما قال سبحانه: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا أَحْياءً وَأَمْواتًا «٢» أي يكفت الأحياء والأموات. ومثله قوله تعالى: أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ «٣» .\nوَلا يَسْتَطِيعُونَ ولا يقدرون على شيء، فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ يعني الأشباه والأشكال فيشبهوه بخلقه ويجعلون له شريكا فإنه واحد لا مثيل له إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ خطأ ما يضربون له من الأمثال وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ صواب ذلك من خطأه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٥ الى ٧٨]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٧٥) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٤/ ١٩٣، لسان العرب: ١/ ١٣٨.\n(٢) سورة المرسلات: ٢٥- ٢٦.\n(٣) سورة البلد: ١٤- ١٥.","vol":"6","page":31},{"text":"ثمّ ضرب الله تعالى مثلا المؤمن والكافر فقال عز من قائل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ هو مثل الكافر رزقه الله مالا فلم يقدّم خيرا ولم [يعمل] فيه بطاعة الله تعالى وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هو مثل المؤمن أعطاه الله مالا فعمل فيه بطاعة الله وأنفقه فيما يرضي الله سرا وجهرا فأثابه الله على ذلك النعيم المقيم في الجنة هَلْ يَسْتَوُونَ ولم يقل يستويان لمكان (من) لأنه اسم مبهم يصلح للواحد، والاثنين، والجميع، والمؤنث، والمذكر، وكذلك قوله: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا ثمّ قال: وَلا يَسْتَطِيعُونَ بالجمع لأجل (ما) ومعنى الآية: هل يستوي هذا الفقر والبخل والغنى [والسخاء] فكذلك لا يستوي الكافر العاصي المخالف لأمر الله والمؤمن المطيع له.\nروى ابن جريج عن عطاء: عَبْدًا مَمْلُوكًا قال: هو أبو جهل بن هشام وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا أبو بكر الصديق (﵁) .\nثمّ قال: الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ يقول الله تعالى: ليس الأمر كما يفعلون ولا القول كما يقولون، ما للأوثان عندهم من يد، ولا معروف فيحمد عليه، إنما الحمد هو الكامل لله خالصا، لأنه هو المنعم والخالق والرازق ولكن أكثر هؤلاء الكفرة لا يعلمون أنها كذلك. ثمّ ضرب مثلا آخر بنفسه والأصنام فقال: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ يرسله لا يَأْتِ بِخَيْرٍ لأنه لا يفهم ما يقال، ولا يفهم عنه.\nوقال ابن مسعود: أينما توجهه لا يأت بخير، هذا مثل للصنم الذي لا يسمع ولا ينطق ولا يعقل ولا يفعل وهو كلّ على [عائده] يحتاج أن يحمله ويضعه ويخدمه هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ يعني الله قادر متكلم بأمر التوحيد فليس كصنمكم، فإنه لا يأمر بالتوحيد وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\nقال الكلبي: يعني وهو يدلكم على صراط مستقيم، وقيل: هو رسول الله ﷺ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\nقال الكلبي: يعني وَهُوَ يدلكم عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.\nآخر: ومن قال: كل المسلمين المؤمن والكافر، وهي رواية عقبة عن ابن عبّاس.\nوروى إبراهيم بن عكرمة بن يعلي بن منبّه عن ابن عبّاس قال: نزلت هذه الآية في عثمان ابن عفان (﵁) ومولاه. وكان عثمان ينفق عليه ويكفيه المؤنة وكان مولاه يكره الإسلام [ويأباه وينهاه عن] الصدقة ويمنعه من النفقة.\nوقال مقاتل: نزلت هذه الآية في هاشم بن عمرو بن الحرث بن ربيعة القرشي وكان رجلا قليل الخير يعادي رسول الله ﷺ.","vol":"6","page":32},{"text":"وقال عطاء: [الأبكم أبي بن حلف] وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ حمزة وعثمان بن عفان وعثمان بن مظعون.\nوَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ في قريب كونها وسرعة قيامها إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [كالنظر في البصر] «١» ورجع الطرف لأن ذلك هو أن يقال له: كُنْ فَيَكُونُ، أَوْ هُوَ أَقْرَبُ بل هو أقرب إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ نزلت في الكفار الذين استعجلوا القيامة استهزاء منهم.\nوَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ.\nقرأ الأعمش: إِمَّهاتِكُمْ بكسر الألف والميم.\nوقرأ حمزة والكسائي بكسر الألف وفتح الميم.\nوقرأ الباقون بضم الألف وفتح الميم.\nوأصل الأمهات: أمات، فزيدت الهاء للتأكيد كما زادوها في أهرقت الماء وأصله أرقت لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا هذا كلام تام.\nثمّ ابتدأ فقال: وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لأن الله تعالى جعل [لعباده السمع] والأبصار والأفئدة قبل إخراجهم من بطون أمهاتهم وإنما [أعطاهم العلم] بعد ما أخرجهم منها لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ نعمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>[سورة النحل (١٦): الآيات ٧٩ الى ٨٣]</span>\nأَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٨٠) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٨٢) يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ (٨٣)\nأَلَمْ يَرَوْا. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة ويعقوب بالتاء.\nوقرأ عاصم بضمر التاء. واختاره أبو عبيد لما قبلها.\nإِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ مذللات فِي جَوِّ السَّماءِ أي في الهواء بين الأرض والسماء\n_________\n(١) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":33},{"text":"ما يُمْسِكُهُنَّ في الهواء إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ التي هي من الحجر والمدر سَكَنًا مسكنا تسكنونه.\nقال الفراء: السكن: الدار، والسكن بجزم الكاف: أهل البلد.\nوَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتًا يعني الخيام والقباب والأخبية [والفساطيط من الأنطاع] والأدم وغيرها تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكُمْ رحلكم وسفركم وَيَوْمَ إِقامَتِكُمْ في بلادكم [لا يثقل] عليكم في الحالتين.\nواختلف القرّاء في قوله: يَوْمَ ظَعْنِكُمْ.\nفقرأ الكوفيون بجزم العين، وقرأ الباقون: بفتحه. واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه [أشهر] اللغتين وأفصحهما. وَمِنْ أَصْوافِها يعني أصواف الضان وأوبار الإبل وأشعار المعز.\nوالكنايات كلها راجعة إلى الأنعام.\nأَثاثًا قال ابن عبّاس: مالا «١»، مجاهد: [مَتاعًا] .\nحميد بن عبد الرحمن: [أَثاثًا يعني] «٢» الأثاث: المال أجمع من الإبل والغنم والعبيد، والمتاع غيره هو متاع البيت من الفرش والأكسية وغيرها ولم يسمع له واحد مثل المتاع.\nوقال أبو زيد: واحد الأثاث أثاثة. قال الخليل: أصله من الكثرة واجتماع بعض المتاع إلى بعض حتّى يكثر ومنه شعر الشعراء كثر وأثّ شعر فلان أي إذا كثر والتف.\nقال امرؤ القيس:\nأثيث كقنو النخلة المتعال «٣»\nقال محمّد بن نمير الثقفي في الأثاث:\nأهاجتك الظعائن يوم باتوا ... بذي الزي الجميل من الأثاث «٤»\nوَمَتاعًا [بلاغا] تنتفعون بها إِلى حِينٍ يعني الموت. وقيل: إلى حين يبلى ويفنى.\nوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلالًا تستظلون بها من شدة الحر وهو ظلال الأشجار والسقوف والأبنية ومِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا يعني الغيران والأسراب والمواضع التي تسكنون فيها واحدها كنّ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرابِيلَ قمصا من الكتان والقطن والخز والصوف تَقِيكُمُ تمنعكم.\n_________\n(١) في تفسير القرطبي: ١٠/ ١٥٤ ثيابا.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) لسان العرب: ٢/ ١١٠ ومطلعه: وفرع يزين المتن أسود فاحم.\n(٤) معجم البلدان للحموي: ٥/ ٢٩٨. [.....]","vol":"6","page":34},{"text":"الْحَرَّ.\n[وقال] أهل المعاني: [أراد] الحر والبرد فأكتفى بأحدهما عن الآخر بدلالة الكلام عليه نظيره قوله: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى «١» يعني الهدي والإضلال.\nوَسَرابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ يعني الدروع ولباس الحرب والمعنى: تقيكم في بأسكم السلاح أن يصل إليكم كَذلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ يخضعون له بالطاعة ويخلصون له بالعبادة.\nوروى نوفل بن أبي [عقرب] عن ابن عبّاس أنه قرأ: (يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَسْلِمُونَ) بالفتح، يعني من الجراحات.\nقال أبو عبيد: الاختيار قراءة العامّة، لأن ما أنعم الله علينا في الإسلام أكثر من إنعامه علينا في السلامة من الجراح.\nوقال عطاء الخراساني في هذه الآية: إنما أنزل القرآن على قدر معرفتهم ألا ترى إلى قوله تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْنانًا وما جعل لكم من السهول أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب جبال. وقال: وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر. الا ترى إلى قوله: وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ «٢» وما ينزل من [الثلج] أعظم وأكثر ولكنهم كانوا لا يعرفونه، ألا ترى إلى قوله: سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وما يقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم ظلوا أصحاب حر.\nفَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ. يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ.\nقال السدي: يعني محمد ﷺ.\nثُمَّ يُنْكِرُونَها يكذبون ويجحدون نبوّته.\nقال مجاهد: يعني ما عدد عليهم في هذه السورة من النعم ينكرون ذلك فيزعمون أنهم ورثوا ذلك عن آبائهم، وبمثله قال قتادة «٣» .\nوقال الكلبي: وإن رسول الله ﷺ ذكر هذه النعم لهم فقالوا: نعم هذه كلها من الله تعالى ولكنها بشفاعة آلهتنا.\nوقال عون بن عبد الله: هو قول الرجل لولا فلان لكان كذا، لولا فلان ما أصبت كذا.\n_________\n(١) سورة الليل: ١٢.\n(٢) سورة النور: ٤٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٠/ ١٦١.","vol":"6","page":35},{"text":"وَأَكْثَرُهُمُ الْكافِرُونَ الجاحدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>[سورة النحل (١٦): الآيات ٨٤ الى ٨٩]</span>\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥) وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ (٨٦) وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)\nوَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا يعني رسولها ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا في الاعتذار وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يسترضون، يعني لا يكلّفون أن يرضوا ربهم لأن الآخرة ليست بدار تكليف، ولا يتركون للرجوع إلى دار الدنيا [فيتوبون] وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ يؤخّرون وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا يوم القيامة شُرَكاءَهُمْ أوثانهم قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ أربابا ونعبدهم فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ أي قالوا لهم، يقال: ألقيت إليك كذا، يعني: قلت لك إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ في تسميتنا آلهة ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا علمنا بعبادتكم إيانا وَأَلْقَوْا يعني المشركين إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ استسلموا وانقادوا لحكمه فيهم ولم تغن عنهم آلهتهم شيئا وَضَلَّ زال [......] «١» عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ من إنها تشفع لهم.\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ.\nروى عبد الله بن مرة عن مسروق قال: قال عبد الله: زِدْناهُمْ عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ، قال:\nعقارب لها أنياب أمثال النخل الطوال، ابن عبّاس ومقاتل: يعني خمسة أنهار من صفر مذاب كالنار يسيل من تحت العرش، يعذبون بها ثلث على مقدار الليل وثلثان على مقدار النهار.\nسعيد بن جبير: حيّات أمثال البخت وعقارب أمثال البغال تلسع إحداهن اللسعة يجد صاحبها حمّتها أربعين خريفا.\nوقيل: إنهم يخرجون من حر النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة الزمهرير إلى النار.\nويقال: هو أنهم يحملون أثقال أتباعهم. كما قال الله تعالى وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ «٢» .\n_________\n(١) كلام غير مقروء.\n(٢) سورة العنكبوت: ١٣.","vol":"6","page":36},{"text":"ويقال: إنه يضاعف لهم العذاب.\nبِما كانُوا يُفْسِدُونَ في الدنيا من الكفر وصد الناس عن الإيمان وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ يعني عليها، وإنما قال: مِنْ أَنْفُسِهِمْ لأنه كان يبعث إلى الأمم أنبياءها منها وَجِئْنا بِكَ يا محمّد شَهِيدًا عَلى هؤُلاءِ الذين بعثت إليهم وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه من الأمر والنهي، والحلال والحرام، والحدود والأحكام وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>[سورة النحل (١٦): الآيات ٩٠ الى ١٠٠]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٩١) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٩٤)\nوَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥) ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦) مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧) فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)\nإِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ يعني بالإنصاف وَالْإِحْسانِ إلى الناس، الوالبي عن ابن عبّاس: العدل: التوحيد، والإحسان أداء الفرائض.\n[وقيل:] العدل: شهادة أن لا إله إلّا الله، والإحسان: الإخلاص فيه.\nعطاء عنه: العدل: مصطلح الأنداد، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، مقاتل: العدل:\nالتوحيد، والإحسان: العفو عن الناس، وقيل: العدل في الأفعال والإحسان في الأقوال.\nكقوله: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا «١» .\nوَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى صلة الرحم وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ القبيح من الأقوال والأفعال.\nوقال ابن عبّاس: الزنا.\nوَالْمُنْكَرِ ما لا يعرف في شريعة ولا سنّة وَالْبَغْيِ الفسق والظلم.\nوقال ابن عيينة: [والعدل في مستوى] السر والعلانية. والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته. والفحشاء أن تكون علانيته أحسن من سريرته.\nيَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ تتعظون.\nقتادة: إن الله تعالى أمر عباده بمكارم الأخلاق ومعاليها، ونهاهم عن سفاسف الأخلاق ومذاقها.\nوقال ابن مسعود: وأجمع آية في القرآن هذه الآية.\nشهر بن حوشب عن ابن عبّاس قال: بينما رسول الله ﷺ بفناء بيته بمكة جالسا إذ مرّ به عثمان بن مظعون فكسر إلى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله: «ألا تجلس» [٨] قال: بلى، فجلس إلى رسول الله ﷺ مستقبله فبينما هو يحدّثه إذ شخص رسول الله ﷺ بصره إلى السماء فنظر ساعة فأخذ يضع بصره حتّى وقع على يمينه في الأرض فتحرّف رسول الله ﷺ عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنّه يستفهم شيئا يقال له، ثمّ شخص رسول الله ﷺ بصره إلى السماء كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتّى توارى في السماء فأقبل إلى\n_________\n(١) سورة البقرة: ٨٣.","vol":"6","page":37},{"text":"عثمان كحالته الأولى، فقال: يا محمّد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل فعلتك لغداة؟ قال:\n«وما رأيتني فعلت»؟ قال: رأيتك تشخص بصرك إلى السماء ثمّ وضعته على يمينك فتحرّفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفهم شيئا يقال لك. فقال: «أوفطنت إلى ذلك»؟ قال:\nنعم، قال: «أتاني رسول الله جبرائيل آنفا وأنت جالس» قال: نعم: فماذا قال: لك؟ قال: قال:\nإِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ إلى آخره.\nقال عثمان: فذلك الحين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا ﷺ «١» .\nوروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن النبي ﷺ أنه قرأ على الوليد بن المغيرة إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ إلى آخر الآية، قال له: يا ابن أخ أعد، فأعاد عليه. فقال: إن له والله لحلاوة وإن عليه لطلاوة فإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وما هو بقول بشر، ثمّ لم يسلم، فأنزل الله فيه: وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى «٢» .\nوَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها تشديدها [ويحنثوا فيها]، والتوكيد لغة أهل الحجاز، أمّا أهل نجد فإنهم يقولون: أكّدت تأكيدا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا بالوفاء إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاما.\nفقال بعضهم: نزلت في الذين بايعوا رسول الله ﷺ أمرهم الله بالوفاء بها.\nوقال مجاهد وقتادة: نزلت في حلف أهل الجاهلية.\nثمّ ضرب جلّ ثناؤه مثلا لنقض العهد، فقال عز من قائل: وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أي من بعد إبرامه وإحكامه، وكان بعض أهل اللغة يقول: القوة ما غزل على طاقة واحدة ولم يثن.\nالكلبي ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش يقال لها: ريطة بنت عمرو بن سعد بن كعب بن زيد مناة بن تميم كانت اتخذت مغزلا بقدر ذراع وصنارة مثل الإصبع وفتل عظمة على قدرها وكانت تغزل من الصوف والشعر والوبر وتأمر جواريها بذلك فكنّ يغزلنّ من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرت جواريها بنقض جميع ما غزلن فهذا كان دأبها.\nوقوله أَنْكاثًا يعني أنقاضا واحدتها نكثة، وهو كل ما نقض بعد الفتل غزلا كان أو حبالا تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أي دخلا وخيانة وخديعة.\nقال أبو عبيدة: كل أمر لم يكن صحيحا فهو دخل.\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ١٨٩.\n(٢) سورة النجم: ٣٤.","vol":"6","page":38},{"text":"أَنْ تَكُونَ أي لأن تكون أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى أكثر وأجلّ مِنْ أُمَّةٍ.\nقال مجاهد: ذلك أنهم كانوا يحالفون الحلف فيجدون أكبر منهم وأعز ويستيقنوه فيحلف هؤلاء ويحالفون الأكثر فنهاهم الله تعالى عن ذلك إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ يختبركم بأمره إياكم بالوفاء بالعهد وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدنيا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً على ملّة واحدة، وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ بخذلانه إياهم عدلا منه فيهم وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ بتوفيقه إياهم فضلا منه وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nوَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلًا خديعة وفسادا بَيْنَكُمْ يغرون بها الناس فتسكنون إلى إيمانكم ويأمنون ثمّ ينقضونها ويختلفون فيها فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها فتهلكوا بعد ما كنتم آمنين، والعرب تقول لكل مبتل بعد عافية أو ساقط في ورطة بعد سلامة: زلّت قدميه.\nكقول الشاعر:\nسيمنع منك السبق إن كنت سابقًا ... وتلطع إن زلت بك القدمان «١»\nوَتَذُوقُوا السُّوءَ العذاب بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا يعني ولا تنقظوا عهودكم تطلبون بنقضها عوضا قليلا من الدنيا، ولكن أوفوا بها\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٤/ ٢٢١ وفيه: النعلان بدل: القدمان، تفسير القرطبي: ١٠/ ١٧٢، وفيه وتقتل بدل وتلطع.","vol":"6","page":39},{"text":"فإنما عند الله من الثواب لكم على الوفاء بذلك خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فصل ما بين العوضين ثمّ بين ذلك ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ بالنون عاصم. الباقون بالياء.\nالَّذِينَ صَبَرُوا على الوفاء في السرّاء والضراء أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ دون أسوأها ويغفر سيئاتهم بفضله مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً اختلفوا فيها:\nفقال سعيد بن جبير وعطاء والضحاك: هي الرزق الحلال، وهو رواية ابن أبي مالك وأبي الربيع عن ابن عبّاس.\nوقال الحسن وعلي وزيد ووهب بن منبّه: هي القناعة والرضا بما قسم الله، وهذه رواية عكرمة عن ابن عبّاس.\nوقال مقاتل بن حيان: يعني أحسن في الطاعة، وهي رواية عبيد بن سليم عن الضحاك، فقال: من يعمل صالحا وَهُوَ مُؤْمِنٌ في فاقة أو ميسرة فحياة طيبة. ومن أعرض عن ذكر الله فلم يؤمن ولم يعمل عملا صالحا فمعيشة ضنك لا خير فيها.\nأبو بكر الوراق: هي حلاوة الطاعة.\nالوالبي عن ابن عبّاس: هي السعادة، مجاهد وقتادة وابن زيد: هي الجنة، ومثله روي عن الحسن وقال: لا تطيب الحياة لأحد إلّا في الجنة.\nوَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.\nقال أبو صالح: جلس ناس من أهل التوراة وأهل الإنجيل وأهل الأوثان، فقال هؤلاء:\nنحن أفضل، وقال هؤلاء: نحن أفضل، فأنزل الله ﷿ هذه الآية فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ يعني فإذا كنت قارئا للقرآن فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.\nقال محمّد بن جرير، وقال الآخرون: مجازه: فإذا أردت قراءة القرآن فَاسْتَعِذْ، كقوله:\nإِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا «١» الآية، أي الطهارة مقدمة على الصلاة، وقوله: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ «٢» معناها وإذا أردتم تطليق النساء لأنه محال أن يأمرهم بالتطليق المعين بعد ما مضى التطليق. وأما حكم الآية: فاعلم أن الاستعاذة عند قراءة القرآن مستحبة في الصلاة وغير الصلاة، هذا قول جماعة الفقهاء إلّا مالكا، فإنه لا يتعوذ إلّا في قيام رمضان، واحتج بما\nروي أن النبي ﷺ كان يفتتح الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ\n، وإنما تأويل هذا\n_________\n(١) سورة المائدة: ٦.\n(٢) سورة الطلاق: ١.","vol":"6","page":40},{"text":"الحديث أنه كان يفتتح القراءة في الصلاة ب الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يدل عليه أن الصلاة تفتتح بالتكبير بلا خلاف على أن الخبر متروك الظاهر.\nويدل على صحة ما قلنا\nحديث جبير بن مطعم قال: رأيت رسول الله ﷺ يصلّي فقال:\n«الله أكبر كبيرا والحمد لله وسبحان الله بكرة وأصيلا، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من نفخة ونفثة وهمزة» .\nوقال ابن مسعود: نفخة الكبر ونفثة الشعر وهمزة المرض يعني الجنون، فإذا تقرر هذا ثبت أن الخبر المتقدم متروك بالظاهر مأخوذ المعنى.\nواختلف الفقهاء في وقت الاستعاذة:\nفقال أكثرهم: قبل القراءة، وهو قول الجمهور، وهو الصحيح المشهور.\nوقال أبو هريرة: يتعوذ بعد القراءة وإليه ذهب داود بن علي.\nوقال مالك في الصلاة التي يتعوذ فيها وهي قيام رمضان: يتعوذ بعد القراءة واحتج بظاهر الآية، وقد بينّا وجهها، والدليل على أنها قبل القراءة، ما\nروى أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ثمّ يقرأ\n، وأما الكلام في محل الاستعاذة في الصلاة، فقد قال الشافعي: يقولها في أول الركعة، وقيل: إن قال حيث يفتتح كل ركعة قبل القراءة فحسن ما يقرأ به في شيء من الصلاة كما أمره به في أول ركعة. هذا قول عامة الفقهاء.\nوقال ابن سيرين: يتعوذ في كل ركعة قبل القراءة. والصحيح المذهب الأوّل، لأن\nالمروي في الأخبار أن النبي ﷺ ما كان يتعوّذ إلّا في الأولى\n، وأما صفتها وفي الصلاة فهي أن ينظر فإن كانت صلاة يسرّ فيها بالقراءة أسرّ فيها بالاستعاذة، وإن كانت يجهر فيها بالقراءة:\nفقال الشافعي في (الأم): روي أن أبا هريرة أمّ الناس رافعا صوته: ربنا إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم «١»، وكان ابن عمر يعوذ في نفسه.\nقال الشافعي: فإن شاء جهر بها وإن شاء أسرّ بها.\nقال الثعلبي: والاختيار الإخفاء ليفرّق بين ما هو قرآن وما هو ليس بقرآن.\nفأما لفظة الاستعاذة فالأولى والمستحب أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لنص القرآن\nوالخبر المتصل المتسلسل، وهو أني قرأت على الشيخ أبي الفضل محمّد بن أبي جعفر\n_________\n(١) كتاب الام: ١/ ١٢٩.","vol":"6","page":41},{"text":"الخزاعي، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم في المواضع كلّها فأني قرأت على أبي الحسين عبد الرحمن بن محمّد بالبصرة فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على عبد الله أبي حامد الزنجاني فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على أبي عثمان إسماعيل بن إبراهيم الأهوازي فقلت: أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على محمّد بن عبد الله بن بسطام فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على روح بن عبد المؤمن فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على يعقوب الحضرمي فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فأني قرأت على سلام بن المنذر، فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عاصم فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على زر بن حبيش فقلت:\nأعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على عبد الله بن مسعود فقلت: أعوذ بالسميع العليم، فقال لي: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فلقد قرأت على رسول الله ﷺ فقلت: أعوذ بالله السميع العليم، فقال لي: «يا ابن أم عبد قل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبرائيل عن القلم عن اللوح المحفوظ» .\nقال ابن عجلان: وهكذا علمني أخي أحمد، وقال: هكذا علمني أخي، وقال: هكذا علمني وكيع بن الجراح، وقال: هكذا علمني سفيان الثوري.\nإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ حجة وولاية عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.\nقال سفيان: لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ أن يحملهم على ذنب لا يغفر.\nإِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ يطيعونه وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ أي بالله مُشْرِكُونَ.\nوقال بعضهم: الكناية راجعة إلى الشيطان، ومجاز الكلام: الذين يسمعون قوله مشركون بالله، وهذا كما يقال: صار فلان بك عالما، أي من أجلك وبسببك عالما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠١ الى ١٠٦]</span>\nوَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٠٤) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٠٥)\nمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)","vol":"6","page":42},{"text":"وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ يعني وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكما آخر، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ فيما يغيّر ويبدل أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما عدّل من أحكامه قالُوا إِنَّما أَنْتَ يا محمّد مُفْتَرٍ وذلك أن المشركين قالوا: إن محمدا يسجد بأصحابه يأمرهم اليوم ويؤمّرهم غدا ويأتيهم بما هو أهون عليهم، وما هو إلا مفتر يتقوله من تلقاء نفسه.\nقال الله: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ حقيقة القرآن وبيان الناسخ والمنسوخ من الأحكام قُلْ نَزَّلَهُ يعني القرآن رُوحُ الْقُدُسِ جبرئيل مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا تثبيتا للمؤمنين وتقوية لإيمانهم [.....] «١» تصديقا ويقينا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ آدمي وما هو من عند الله، واختلف العلماء في هذا البشر من هو:\nقال ابن عبّاس: كان قينا بمكة اسمه بلعام وكان نصرانيا يسمى اللسان وكان المشركون يرون رسول الله ﷺ يدخل عليه ويخرج منه فقالوا: إنما يعلمه بلعام، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال عكرمة وقتادة: كان النبي ﷺ يقرّي غلاما لبني المغيرة يقال له يعيش وكان يقرأ الكتب، [فقالوا]: إنما يعلمه يعيش فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الفراء: قال المشركون إنما يتعلّم محمّد عن مملوك كان لحويطب بن عبد العزى وكان قد أسلم فحسن إسلامه وكان أعجمي فأنزل الله تعالى هذه الآية «٢» .\nوقال ابن إسحاق: كان رسول الله ﷺ فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى غلام رومي نصراني، يقال له: خير، عبد لبعض بني الحضرمي وكان يقرأ الكتب.\nوقال المشركون: والله ما يعلم محمدا كثيرا ما يأتي به إلّا خير النصراني، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال طلحة بن عمر: بلغني أن خديجة ﵂ كانت تختلف إلى خير فكانت قريش تقول: إن عبد بني الحضرمي يعلّم خديجة وخديجة، تعلّم محمّدا فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقال عبيد الله بن مسلم الحضرمي: كان لنا عبدان من أهل [عين التمر] يقال لأحدهما\n_________\n(١) غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) زاد المسير: ٤/ ٣٦٠. [.....]","vol":"6","page":43},{"text":"يسار وللآخر خير، وكانا يصنعان السيوف بمكة وكانا يقرآن بالتوراة والإنجيل، فربما مرّ بهما النبي ﷺ وهما يقرآن فيقف فيسمع «١» .\nوقال الضحاك: وكان النبي ﷺ إذا آذاه الكفار يقصد إليهما فيستروح بكلامهما، فقال المشركون: إنما يتعلم محمّد منهما، فنزلت هذه الآية.\nوقال السدي: كان بمكة رجل نصراني يقال له ابن ميسرة يتكلّم بالرومي، فربما يقعد إليه رسول الله ﷺ فقال الكفار: إنما يتعلم محمّد منه، فنزلت هذه الآية.\nوروى علي بن الحكم وعبيد بن سليمان عن الضحاك: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ قال: كانوا يقولون: إنما يعلمه سلمان الفارسي، وهذا قول غير مرضي لأن سلمان إنما أتى رسول الله ﷺ بالمدينة وهذه الآية مكية.\nقال الله تكذيبا لهم [وإلزاما] للحجة عليهم: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أي يميلون إليه ويشيرون إليه. وخص الكسائي هذا الحرف من بين سائره فقرأ بفتح الياء والحاء لأنه كان يحدّثه عن سفيان عن أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله كذلك.\nأَعْجَمِيٌّ والفرق بين الأعجمي والعجمي، والعربي والإعرابي: أن الأعجمي لا يفصح وأنه كان نازلا بالبادية والعجمي منسوب إلى العجم وإن كان فصيحا. والإعرابي: البدوي، والعربي منسوب إلى العرب وإن لم يكن فصيحا.\nوَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ فصيح، وأراد باللسان القرآن لأن العرب تقول للقصيدة واللغة: لسان، كقول الشاعر:\nلسان السوء تهديها إلينا ... وحنت ما حسبتك أن تحينا «٢»\nيعني باللسان القصيدة والكلمة.\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ثمّ إن الله تعالى بعد ما أخبر عن إغراء المشركين على رسول الله ﷺ فيما نسبوه إليه من الافتراء على الله وتبين أنهم المفترون دونه، فقال عز من قائل: إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ لا محمدا.\nروى يعلي بن الأشدق عن عبد الله بن حماد قال: قلت يا رسول الله المؤمن يزني؟ قال:\n«يكون ذلك» . قال: قلت: يا رسول الله المؤمن يسرق؟ قال: «قد يكون ذلك» . قال: قلت:\nيا رسول الله المؤمن يكذب؟\n_________\n(١) زاد المسير: ٤/ ٣٦٠.\n(٢) مغني اللبيب: ١/ ١٨١.","vol":"6","page":44},{"text":"قال: «لا، قال الله إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ» «١» .\nوروى [سهيل] بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت أبا بكر يقول: إيّاكم والكذب فإن الكذب مجانب الإيمان. مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ اختلف النحاة في العامل في (من) في قوله (مَنْ كَفَرَ) ومن يؤله وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا.\nفقال نحاة الكوفة: جوابهما جميعا في قوله: فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ إنّما هذان جزءان إن اجتمعا أحدهما منعقد بالآخر فجوابهما واحد، كقول القائل: من يأتنا فمن يحسن نكرمه، بمعنى من يحسن ممن يأتينا نكرمه «٢» .\nوقال أهل البصرة: بل قوله (مَنْ كَفَرَ) مرفوع بالرد على الذي في قوله إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ ومعنى الكلام: إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد إيمانه، ثمّ استثنى فقال إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ.\nقال ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في عمار وذلك، أن المشركين أخذوه وأباه ياسر وأمه سمية وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما فعذبوهم، فأما سمية فإنها ربطت بين بعيرين ووجيء قلبها بحربة، وقيل: لما أسلمت من أجل الرجال فقتلت وقتل زوجها ياسر، وهما أول قتيلين في الإسلام رحمة الله ورضوانه عليهما، وأما عمار فإنه أعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرها.\nقال قتادة: أخذ بنو المغيرة عمارا وغطوه في بئر مصون وقالوا له: أكفر بمحمد [ولم يتعمد] ذلك وقلبه كان مطمئنا فأخبر رسول الله ﷺ بأن عمارا كفر. فقال: «كلا إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه» .\nفأتى عمار رسول الله ﷺ وهو يبكي، فجعل رسول الله ﷺ يمسح عينيه، وقال: «ما لك إن عادوا لك فعد لهم بما قلت» [٩] .\nفأنزل الله هذه الآية «٣» .\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في ناس من أهل مكة آمنوا، فكتب إليهم بعض أصحاب محمّد: إن هاجروا إلينا فإنا [لا نرى أنكم] منّا حتّى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركهم قريش بالطريق ففتنوهم فكفروا كارهين.\nوروى ابن عون عن محمّد بن سيرين قال: تحدثنا أن هذه الآية نزلت في شأن عياش بن\n_________\n(١) الدعوات للراوندي: ١١٨ ح ٢٧٥.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ١٤/ ٢٣٦.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ١٩٠.","vol":"6","page":45},{"text":"أبي ربيعة، وكان عياش من المهاجرين الأولين [وألجأ يضربه] «١» أن يكون بلغ ما بلغ أصحابه هذه [الفعلة] وكان قدم مهاجرا وكان برا بأمه، فحلفت أن لا تأكل خبزا ولا تستظل بظل حتّى يرجع إليها ابنها قال: فقدم عليه أبو جهل وكان أخاه لأمه ورجل آخر فأراد أن يرجع معه فقال له أبو جهل: أمك [لو قد جاعت ما أكلت ولو قد شمست] ما استظلت، فقال ابنها: بلى ألقاها ثمّ أرجع. فقال: أما إذا أتيت فلا [تعطين راحلتك] أحدا، فإنه لا يزال لك من أمرك النصف ما لم تعط راحلتك أحدا فانطلق هو وأبو جهل والرجل، فلما كانوا ببعض الطريق قال أبو جهل: لو تحوّل كل واحد منا على راحلة صاحبه فتحول كل واحد منهم على راحلة صاحبه فساروا.\nوضربه أبو جهل بالسوط على رأسه وحلّفه باللات والعزى فلم يزل به حتّى أعطاه الذي أراد بلسانه، ثمّ انطلق فرجع، وفيه نزلت هذه الآية مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ.\nوقال مقاتل: نزلت هذه الآية في جبر مولى عامر بن الحضرمي، أكرهه سيّده على الكفر فكفر مكرها وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ، وأسلم مولى جبر وحسن إسلامه وهاجر خير مع سيده.\nوَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا أي فتح صدرا وكفر بالقبول وأتى على اختيار واستحباب فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ وفي هذه الآية دليل على أن حقيقة الايمان والكفر تتعلق بالقلب دون اللسان وأن اللسان هو المعبّر والترجمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>حكم الآية</span>\nاتفق الفقهاء على أن المكره على الكفر، وعلى شتم الرسول ﷺ والأصحاب وترك الصلاة وقذف المحصنة وما أشبهها من ترك الطاعات وارتكاب الشبهات بوعيد متلف أو ضرب شديد لا يحتمله إن له أن يفعل ما أكره عليه، وإن أبى ذلك حتى يغضب في الله فهو أفضل له.\nوأما الإكراه على الطلاق فاختلفوا فيه:\nفأجاز أهل العراق الطلاق المكره، وكذلك قالوا في الإكراه على النذور والايمان [والرجعة] ونحوها، رأوا ذلك [جائزا] ورووا في ذلك أحاديثا واهية الأسانيد.\nوأما مالك والأوزاعي والشافعي: فإنهم أبطلوا طلاق المكره وقالوا: لما وجدنا الله ﷾ عذر المكره على شيء، ليس [وراءه] في الشر مذهب وهو الكفر ولم يحكم به مع الإكراه، علمنا أن ما دونه أولى بالبطول وأجرى في العذر.\nوهو قول عمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والقاسم بن مخيمرة وعبيد بن عمير، وللشافعي\n_________\n(١) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":46},{"text":"في هذه المقالة مذهب ثالث: وهو أنه أجاز طلاق المكره إذا كان الإكراه من السلطان، ولم يجوّز ذلك إذا كان الإكراه من غير السلطان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>[سورة النحل (١٦): الآيات ١٠٧ الى ١١٠]</span>\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (١٠٧) أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ (١٠٨) لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٠٩) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)\nذلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَياةَ الدُّنْيا إلى قوله ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا أي [طردوا] ومنعوا من الإسلام [ففتنهم] المشركون ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا على الايمان والهجرة والجهاد إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها أي من بعد تلك الفتنة [والفعلة] لَغَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت في عياش بن أبي ربيعة أخو أبي جهل من الرضاعة، وأبي جندل بن سهل بن عمرو والوليد بن المغيرة وسلمة بن هشام وعبد الله بن أسيد الثقفي، فتنهم المشركون فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم، ثمّ إنهم هاجروا بعد ذلك وجاهدوا، فأنزل الله فيهم هذه الآية.\nوقال الحسن وعكرمة: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي سرخ، وكان يكتب للنبي ﷺ فاستزلّه الشيطان فلحق بالكفار، فأمر النبي ﷺ أن يقتل يوم فتح مكة، فاستجار له عثمان وكان أخاه لأمه فأجاره رسول الله ﷺ ثمّ أسلم وحسن إسلامه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية.\nوأما قوله (فُتِنُوا) فقرأ عبد الله بن عامر: (فَتَنُوا) بفتح الفاء والتاء، ردّه إلى من أسلم من المشركين الذين فتنوا المسلمين واعتبر بقوله جاهَدُوا وَصَبَرُوا فأخبر بالفعل عنهم.\nوقرأ الباقون: بضم الفاء وكسر التاء، اعتبارا بما قبله إلا من أكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١١ الى ١١٧]</span>\nيَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١١١) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١١٣) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)\nوَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١١٧)\nيَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها تخاصم وتحتج عن نفسها بما أسلفت من خير","vol":"6","page":47},{"text":"وشر [مشتغلا بها لا تتفرّغ] إلى غيرها والنفس تذكر وتؤنث وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ.\nروى أبو صالح المري عن جعفر بن زيد قال: قال عمر بن الخطاب (﵁) لكعب الأحبار: يا كعب خوّفنا وحدّثنا حديثا [تنبهنا به] قال: يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده لو [وافيت] القيامة بمثل عمل سبعين نقيبا، لأتيت عليك ظلمات وأنت لا تهمل إلّا نفسك وأن لجهنم زفرة ما يبقى ملك مقرّب ولا نبي مبعث إلا وقع جاثيا على [ركبتيه] حتّى إن إبراهيم ليدلي [بالخلة] فيقول: يا رب أنا خليلك إبراهيم لا أسالك إلا نفسي وأن تصديق ذلك الذي أنزل عليكم يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها.\nوروى عكرمة عن ابن عبّاس في هذه الآية قال: ما تزال الخصومة بين الناس يوم القيامة، حتّى تخاصم الروح الجسد فتقول الروح: يا رب الروح منك وأنت خلقته لم تكن لي يد أبطش بها ولا رجل أمشي بها ولا عين أبصر بها، ويقول الجسد إنما خلقتني كالخشب ليس لي يد ابطش بها ولا عين أبصر بها ولا رجل أمشي بها، فجاء هذا كشعاع النور فيه نطق لساني وبه أبصرت عيني وبه مشت رجلي فجدد عليه العذاب. قال: فيضرب الله لهما مثال أعمى ومقعدا دخلا حائطا فيه ثمار، فالأعمى لا يبصر الثمر والمقعد لا يناله، فنادى المقعد الأعمى: أتيني هاهنا حتّى تحملني، قال: فدنا منه فحمله فأصابوا من الثمر فعلى من يكون العذاب، قالا:\nعليهما قال: عليكما جميعا العذاب، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً يعني مكة كانَتْ آمِنَةً لا يهاج أهلها ولا يغار أهلها مُطْمَئِنَّةً قارة بأهلها [لا يحتاجون] إلى الانتقال للانتجاع كما يحتاج إليها سائر العرب يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكانٍ يحمل إليها من البر والبحر، نظيره قوله يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ جمع النعمة وقيل: جمع نعم، وقيل:\nجمع نعماء مثل بأساء وأبوس فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ\nابتلاهم الله بالجوع سبع سنين وقطعت العرب عنهم الميرة بأمر رسول الله ﷺ حتى جهدوا فأكلوا العظام المحرّقة والجيفة والكلاب الميتة [والعلهز] وهو الوبر يعالج بالدم، ثم إن رؤساء مكة تكلموا مع رسول الله ﷺ وقالوا: هذا عذاب الرجال فما بال النساء والصبيان؟ فأذن رسول الله ﷺ بحمل الطعام إليهم وهم بعد مشركون\nوَالْخَوْفِ يعني بعوث رسول الله ﷺ وسراياه التي كانت تطيف بهم.\nوروى الخفاف والعباس عن أبي عمرو: (وَالْخَوْفَ) بالنصب بإيقاع أذاقها عليه بِما كانُوا يَصْنَعُونَ.\nروى مشرح بن فأعان عن سليمان بن عمر بن عثمان قال: صدرنا من الحج مع حفصة زوجة النبي ﷺ وعثمان محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه حين رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما فقالا: قتل. فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها- يعني المدينة- القرية التي قال الله","vol":"6","page":48},{"text":"تعالى وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً الآية. وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ إلى قوله تعالى وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ بفتح التاء والكاف بمعنى ولا تقولوا الكذب الذي تصف ألسنتكم وتكون (ما) للمصدر.\nوقرأ ابن عبّاس: (الْكُذُبُ) برفع الكاف والذال والباء على نعت الألسنة هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحام لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ويقولون: أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا وأَمَرَنا بِها ... إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ لا ينجون من عذاب الله مَتاعٌ قَلِيلٌ يعني الذي هم فيه من الدنيا متاع قليل أو لهم متاع قليل في الدنيا وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>[سورة النحل (١٦): الآيات ١١٨ الى ١٢٨]</span>\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)\nثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤) ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)\nإِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)\nوَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ يعني في سورة الأنعام وهو قوله وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ «١» الآية.\nوَما ظَلَمْناهُمْ بتحريم ذلك عليهم وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فجزيناهم ببغيهم ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ الآية قيل الهاء في قوله بعدها راجع إلى الجهالة، وقيل:\nإلى المعصية لأن السوء بمعنى المعصية، فردّ الكناية إلى المعنى، وقيل: إلى الفعلة إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً أي معلما للخير يأتم بأهل الدنيا، وقد اجتمع فيه من الخصال الحميدة والأخلاق الجميلة ما يجتمع في أمة.\nروى الشعبي عن فروة بن نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا فقلت: إنما قال الله: (إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا) . فقال: أتدري ما الأمة وما\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٤٦.","vol":"6","page":49},{"text":"القانت؟ قلت: الله أعلم، قال: الأمة الذي يعلّم الخير والقانت المطيع لله. وكذلك كان معاذ بن جبل فكان يعلّم الخير وكان مطيعا لله ولرسوله.\nوقال مجاهد: كان مؤمنا وحده والناس كفار كلهم، وقال قتادة: ليس من أهل دين إلا يقولونه ويرضونه.\nشهر بن حوشب قال: لم يبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ويخرج بركتها، إلّا زمن إبراهيم فإنه كان وحده قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا مسلما مستقيما على دين الإسلام وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً يعني الرسالة والحكمة والثناء الحسن.\nوقال مقاتل بن حيان: يعني الصلوات في قول هذه الأمة: اللهم صل على محمّد وعلى آل محمّد كما صليت على إبراهيم، [وقيل] أولادا أبرارا على الكبر. وقيل: القبول العام في جميع الأمم وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا حاجا مسلما وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.\nابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ قال: «جاء جبرئيل (﵇) إلى إبراهيم (﵇) فراح به إلى منى فصلى به الصلوات جميعا الظهر، والعصر، والمغرب والعشاء، والفجر ثمّ غدا به إلى عرفات فصلى به الصلاتين جميعا الظهر والعصر، ثمّ راح فوقف به حتّى إذا غربت الشمس أفاض به إلى جمع فصلى به الصلاتين المغرب والعشاء، ثمّ بات به حتّى إذا كان كما عجل ما يصلي أحد من المسلمين صلى به [الفجر]، ثمّ وقف حتّى إذا كان كأبطأ ما يصلي أحد من المسلمين أفاض به إلى منى فرمى الجمرة وذبح وحلق، ثمّ أفاض به إلى البيت فطاف به» [١٠] فأوحى الله تعالى إلى محمّد أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ «١» .\nإِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يقول: ما فرض الله تعالى بتعظيم السبت وتحريمه إلّا عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ.\nفقال بعضهم: هو أعظم الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة ثمّ سبت يوم السبت.\nوقال آخرون: بل أعظم الله يوم الأحد لأنه اليوم الذي ابتدأ الله فيه خلق الأشياء واختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم تعظيمه، وتركوا تعظيم يوم الجمعة الذي فرض عليهم تعظيمه واستحلوه.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٤/ ١٣٤.","vol":"6","page":50},{"text":"قال الكلبي: أمرهم موسى بالجمعة فقال: تفرغوا لله ﷿ في كل سبعة أيام يوما واحدا فأعبدوه في يوم الجمعة ولا تعملوا فيه لصناعتكم، وستة أيام لصناعتكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك وقالوا لا نريد إلّا اليوم الذي فرض الله من الخلق يوم السبت، فجعل ذلك عليهم وشدد عليهم فيه.\nثمّ جاءهم عيسى بن مريم بالجمعة فقالوا: لا نريد أن يكون عيدهم بعد عيدنا، يعنون اليهود واتخذوا [يوم] الأحد فقال الله إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ.\nقال قتادة: الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ يعني اليهود واستحله بعضهم وحرمه بعضهم.\nروى همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتينا من بعدهم فهذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد» [١١] «١» .\nروى المسيب عن أبي سنان عن مكحول الشامي قال: كان لعمر بن الخطاب على يهودي حق فلقيه عمر فقال: والذي أصطفى أبا القاسم على البشر لا تعمل لي وأنا أطلبك [بشيء] .\nفقال اليهودي: ما اصطفى الله أبا القاسم على البشر، فرفع عمر ﵇ يده فلطم عينه، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، فأتوا النبي ﷺ، فقال اليهودي: إن عمر زعم إن الله اصطفاك على البشر وإني زعمت أن الله لم يصطفك على البشر، فرفع يده فلطمني، فقال ﷺ: «أما أنت يا عمر فأرضه من لطمته، بلى يا يهودي، آدم صفي الله، وإبراهيم خليل الله، وموسى نجي الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بلى يا يهودي اسمان من أسماء الله تعالى سمّى بهما أمتي، سمّى نفسه السلام وسمّى أمتي المسلمين، وسمّى نفسه المؤمن وسمّى أمتي المؤمنين، بلى يا يهودي طلبتم يوما وذخر لنا- يعني يوم الجمعة- فاليوم لنا عيد وغدا لكم وبعد غد للنصارى، بلى يا يهودي أنتم الأولون ونحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بلى يا يهودي إن الجنة محرّمة على الأنبياء حتّى أدخلها أنا وإنها لمحرمة على الأمم حتّى يدخلها أمتي» [١٢] «٢» .\nادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ دين ربك بِالْحِكْمَةِ بالقرآن وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ يعني مواعظ القرآن وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن.\nقال المفسرون: أعرض عن أذاهم ولا تقصّر في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق،\n_________\n(١) كتاب الام للشافعي: ١/ ٢١٧، ومسند أحمد: ٢/ ٣١٢.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ٤٤٤ ح ١٦٢.","vol":"6","page":51},{"text":"ونسختها آية القتال إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ.\nقال أكثر المفسرين: سورة النحل مكية كلها إلّا ثلاث آيات وَإِنْ عاقَبْتُمْ إلى آخرها، فإنها نزلت بالمدينة في شهداء أحد، وذلك\nأن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلهم يوم أحد في تبقير البطون وقطع المذاكير والمثلة السيئة، حتّى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا وقد مثّل به غير حنظلة الراهب فإن أباه أبو عامر الراهب كان مع أبي سفيان، فتركوا حنظلة لذلك، فقال المسلمون حين رأوا ذلك: لئن أظهرنا الله عليهم لتزيدنّ على صنيعهم ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط ولنفعلنّ ولنفعلنّ، ووقف رسول الله ﷺ على عمّه حمزة بن عبد المطلب وقد جدعوا أنفه وإذنه وقطعوا مذاكيره وبقروا بطنه، وأخذت هند بن عتبة قطعة من كبده فمصته ثمّ استرطبتها لتأكلها، فلم تلبث في بطنها حتّى رمت بها، فبلغ ذلك النبي ﷺ وقال:\n«أما إنها لو أكلته لم تدخل النار أبدا، حمزة أكرم على الله من أن يدخل شيئا من جسده النار» فلما نظر رسول الله ﷺ إلى عمه حمزة نظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه فقال ﷺ: «رحمة الله عليك فإنك ما علمتك ما كنت إلا فعالا للخيرات وصولا للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرّني أن أدعك حتّى تحشر من أفواه شتى، أم والله لئن أظفرني الله عليهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك» [١٣] «١» .\nفأنزل الله تعالى وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ الآية فقال ﷺ: «بل نصبر» [١٤] فأمسك عمّا أراد وكفّر يمينه.\nوقال ابن عبّاس والضحاك: وكان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي ﷺ أن يقاتل من قاتله ولا يبدأ بالقتال، فلمّا أعز الله الإسلام وأهله ونزلت براءة وأمروا بالجهاد، نسخت هذه الآية.\nوقال قوم: بل هذه الآية محكمة وإنما نزلت فيمن ظلم بظلامة فلا يحل له أن ينال من ظالم أكثر مما نال الظالم منه أمر بالجزاء أو العفو ونهى عن الاعتداء. وهذا قول النخعي والثوري ومجاهد وابن سيرين، ثمّ قال لنبيه ﷺ وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بمعونة الله وتوفيقه وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ في إعراضهم عنك وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ.\nقرأها بكسر الضاد هاهنا وفي سورة النحل ابن كثير والباقون: بالفتح واختاره أبو عبيد، وقال: لأن الضيق في قلة المعاش وفي المساكن، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه ضيق.\nوقال أبو عمرو وأهل البصرة: الضّيق بفتح الضاد، الغم والضيق بالكسر [الشدّة] .\n_________\n(١) المستدرك للحاكم: ٣/ ١٩٧، وأسباب النزول للواحدي: ١٩٢.","vol":"6","page":52},{"text":"وقال الفراء وأهل الكوفة: هما لغتان معروفتان في كلام العرب مثل رطل ورطل.\nوقال ابن قتيبة: الضيق تخفيف ضيق مثل هين وهيّن ولين وليّن، وعلى هذا التأويل صفته كأنه قال: ولا تكن في أمر ضيق.\nمِمَّا يَمْكُرُونَ من مكرهم إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ بالعون والنصرة.\nروى شعبة عن أبي يونس عن أبي قزعة عن هرم بن حيان وقالوا له: أوصنا.\nقال: أوصيكم بالآيات الأواخر من سورة النحل ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ إلى آخر السورة.","vol":"6","page":53},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>سورة بني إسرائيل (الإسراء)</span>\nمكية. وهي ستة ألف وأربعمائة وستون حرفا، وألف وخمسمائة وثلاث وثلاثون كلمة، ومائة وإحدى عشر آية\nروى زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين أعطى في الجنة قنطارين من الأجر والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية والاوقية منها خير من الدنيا [وما فيها]» [١٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)\nسُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا.\nعن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله ﷺ عن تفسير سُبْحانَ اللَّهِ. قال: «تنزيه الله عن كل سوء»\nويكون سبحان بمعنى التعجب.\nقال الأعشى:\nأقول لما جاءني فخر ... سبحان من علقمة الفاخر\nوفي بعض الحديث تفسير سُبْحانَ اللَّهِ: براءة الله من السوء «٢» .\nفالآية متضمنة للمعنيين جميعا.\nمِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ. اختلفوا فيه: قال بعضهم: كان أسراء رسول الله ﷺ من مسجد مكة.\n_________\n(١) مجمع البيان: ٦/ ٢١٣.\n(٢) في هامش المخطوط: سبحان علم التسبيح كعثمان للرجل وانتصابه فعل مضمر متروك إظهاره تقديره: سبح الله سبحان ثم ذكر سبحان منزلة الفعل [فدل] على التنزيه من جميع القبائح التي يفعلها أعداءه.","vol":"6","page":54},{"text":"يدل عليه ما\nروى قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة أن النبي ﷺ قال: «بينما أنا في المسجد الحرام في الحجر عند البيت بين النائم واليقظان إذ أتاني جبرئيل بالبراق ...»\nوذكر حديث المعراج [١٦] «١» .\nوقال الآخرون: عرج برسول الله ﷺ من دار أم هاني بنت أبي طالب أخت علي (﵁) وزوجها هبيرة بن أبي وهب المخزومي.\nوقالوا: معنى قوله مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ من الحرم، لأن الحرم كله مسجد.\nيدل عليه ما\nروى الكلبي عن أبي صالح عن باذان عن أم هاني بنت أبي طالب أنها كانت تقول: ما أسرى رسول الله ﷺ إلّا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى في بيتي العشاء الآخرة فصليت معه، ثمّ قمت فنمت وتركته في مصلاه فلم انتبه حتّى أنبهني لصلاة الغداة، قال:\n«قومي يا أم هاني أحدثك العجب» [١٧] .\nفقلت: كل حديثك العجب بأبي أنت وأمي فقام وصلى الغداة فصليت معه فلما انصرف قال: «يا أم هاني لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بعد نومك ثمّ أتاني جبرئيل وأنا في مصلاي هذا فقال: يا محمّد أخرج فخرجت إلى الباب فإذا بملك راكب على دابة فقال لي:\nاركب فركبت فسارت بي إلى بيت المقدس، فإذا أتيت على واد طالت يدا الدابة وقصرت رجلاها، فإذا أتيت على عقبة طالت رجلاها وقصرت يداها حتّى إذا انتهيت إلى بيت المقدس فصليت فيه ثمّ صليت صلاة الغداة معكم الآن كما تروني» «٢» .\nقال مقاتل: كانت ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة.\nإِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى يعني بيت المقدس، سمّي أقصى لأنه أبعد المساجد التي تزار الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ بالماء والأنهار والأشجار والثمار.\nوقال مجاهد: سمّاه مباركا لأنه مقرّ الأنبياء، وفيه مهبط الملائكة والوحي، وهو الصخرة، ومنه يحشر الناس يوم القيامة.\nلِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا عجائب أمرنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.\nوأما حديث المسرى، فاقتصرت به على الأخبار المأثورة المشهورة دون المناكير والأحاديث الواهية الأسانيد وجمعتها على نسق واحد مختصر، ليكون أعلى في الاستماع وأدنى إلى الانتفاع، وهو ما\nروى الزهري عن ابن سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ.\n_________\n(١) راجع الدر المنثور: ٤/ ١٥٧، وتاريخ بغداد: ١١/ ٢٥٧. [.....]\n(٢) مجمع الزوائد: ١/ ٧٧، والمعجم الأوسط: ٤/ ١٦٥.","vol":"6","page":55},{"text":"وروى السدي عن محمّد بن السائب عن باذان عن ابن عبّاس عن النبي ﷺ: دخل كلام بعضهم في بعض قالوا: قال رسول الله ﷺ: «لما كانت ليلة أسري بي وأنا بمكة بين النائم واليقظان، جاءني جبرئيل (﵇) فقال يا محمّد قم فقمت فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل فقال جبرئيل لميكائيل: ائتني بطشت من ماء زمزم لكيما [وعطر قلبه] «١» وأشرح له صدره قال: فشق بطني فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل بثلاث طشات من ماء زمزم، فشرح صدري ونزع ما كان فيه من غل وملاه حلما وعلما وإيمانا وختم بين كتفيّ بخاتم النبوة، ثمّ أخذ جبرئيل بيدي حتّى انتهى بي إلى سقاية زمزم فقال لملك: ائتني بنور من ماء زمزم ومن ماء الكوثر، فقال:\nتوضأ فتوضأت ثمّ قال لي: انطلق يا محمّد. قلت: إلى اين؟ قال: إلى ربك ورب كل شيء، فأخذ بيدي وأخرجني من المسجد فإذا أنا بالبراق- دابة فوق الحمار ودون البغل- خدّه كخد الإنسان وذنبه كذنب البعير وعرفه كعرف الفرس وقوائمه كقوائم الإبل وأظلافه كأظلاف البقر وصدره كأنه ياقوتة حمراء وظهره كأنه درة بيضاء عليه رحل من رحائل الجنة، وله جناحان في فخذيه يمر مثل البرق خطوة منتهى طرفه فقال لي: اركب، وهي دابة إبراهيم التي كان يزور عليها البيت الحرام.\nقال: فلما وضعت يديّ عليه شمس «٢» واستعصى عليّ، فقال جبرئيل: مه يا براق، فقال البراق: يا جبرئيل [مس ظهري] «٣» فقال جبرئيل: هل مسست [ظهرا] «٤» قال: لا والله إلّا إني مررت يوما على [نصاب إبل] فمسحت يدي على رؤسهما وقلت:\nإن قوما يعبدونكما من دون الله ضلال. فقال جبرئيل: يا براق أما تستحي فوالله ما ركبك مذ كنت قط نبي أكرم على الله من محمد ﷺ قال: فارتعش البراق وأنصب عرقا حياء مني، ثمّ خفض لي حتى لزق بالأرض، فركبته واستويت عليه قام بي جبرئيل نحو المسجد الأقصى بخطوا البراق مدّ البصر يرسل إلى جنبي لا يفوتني ولا أفوته حينا أنا في مسيري إذا جاءني نداء عن يميني قال: يا محمّد على رسلك أسلك بقولها ثلاثا فلم أرفق عليه ثمّ مضيت حتّى جاوزته، فإذا أنا بامرأة عجوز رفعت لي عليها من كل زينة وبهجة تقول: يا محمّد إليّ، فلم ألتفت إليها وقلت: يا جبرئيل من هذا الذي ناداني عن يميني؟ فقال: داعية اليهود والذي نفسي بيده لو أجبته لتهودت أمتك من بعدك والذي ناداك من يسارك داعية النصارى، والذي نفسي بيده لو أجبت لتنصّرت أمتك من بعدك، فأما التي رفعت لك بهجتها وزينتها فهي الدنيا لو التويت إليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) شمست الدابة: شردت وجمحت وضعت ظهرها.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":56},{"text":"ثمّ أتيت بإناءين أحدهما اللبن والآخر خمرة فقيل لي: اشرب أيهما شئت، فأخذت اللبن فشربته. فقال لي جبرئيل: أصبت الفطرة أنت وأمتك، أما إنك لو أخذت الخمر لخمرت أمتك من بعدك قال: ثمّ سار رسول الله ﷺ وسار معه جبرئيل فأتى على قوم يزرعون ويحصدون في يوم واحد، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال النبي ﷺ: من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء المهاجرون في سبيل الله يضاعف لهم الحسنة سبعمائة ضعف، وما أنفقوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.\nقال: ثمّ أتى على قوم يرضخ رؤسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيئا. قال: ما هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.\nثمّ أتى على قوم إقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع فيسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع، والزقوم قد صف جهنم وحجارتها فقال: ما هؤلاء يا جبرئيل؟\nفقال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ... وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ «١» ثمّ أتى على قوم بين أيديهم لحم في قدر نضيج طيب ولحم آخر خبيث، فجعلوا يأكلون الخبيث ويدعون النضيج الطيب، قال: ما هؤلاء يا جبرئيل؟ فقال: هذا الرجل من يكون عنده المرأة حلالا طيبا فأتى امرأة خبيثة فيبيت معها حتّى يصبح، فالمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي الرجل الخبيث فتبيت معه حتّى تصبح، ثمّ أتى على [امرأة] في الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء آخر إلا فتّته. فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا مثل أمتك يقعدون على الطريق فيقطعون بمثل وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ «٢» الآية ثمّ أتى على رجل جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا الرجل من أمتك عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يزيد عليها، ثمّ أتى على قوم يقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت. قال: ما هؤلاء يا جبرئيل؟ قال هؤلاء خطباء الفتنة، ثمّ أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع.\nقال: ما هذا؟ قال: هذا الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثمّ يندم عليها ولا يستطيع أن يردها. قال: ثمّ أتى واد فوجد ريحا طيبة باردة وصوتا. قال: ما هذه الريح الطيبة وما هذا الصوت؟ قال: هذا صوت الجنة، فقال: ربّ أرني بما وعدتني فقد كثر غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ولبني وخمري ومائي، فأتني بما وعدتني. فقال: لك كل مؤمن ومؤمنة من آمن بي وبرسلي\n_________\n(١) سورة فصّلت: ٤٦.\n(٢) سورة الأعراف: ٥٦.","vol":"6","page":57},{"text":"وعمل صالحا ولم يشرك بي ولم يتخذ من دوني أندادا، ومن خشيني فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل عليّ كفيته، إني أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا لا أخلف الميعاد قد أفلح المؤمنين تبارك اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ قال: قد رضيت. قال ثمّ أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا منتنه فقال: ما هذا يا جبرئيل؟ قال: هذا صوت جهنم تقول: [يا ربّ آتني] «١» ما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حرّي ائتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ.\nقالت: قد رضيت يا رب، ثمّ سار ومعه جبرئيل فقال له جبرئيل: انزل فصل. قال: فنزلت وصليت، فقال: أتدري أين صليت؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة إلى الله. ثمّ قال: انزل فصلّ قال فنزلت فصليت فقال: أتدري أين صليت! صليت بطور سيناء حيث كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى ثمّ قال:\nانزل فصل، قال: فنزلت فصليت. فقال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى (﵇) قال: ثمّ مضينا حتّى أتينا بيت المقدس فلما انتهيت إليه إذا أنا بملائكة قد نزلوا من السماء يتلقونني بالبشارة والكرامة من عند رب العزة يقولون: السلام عليك يا أول ويا آخر ويا حاشر، قال: قلت يا جبرئيل ما تحيتهم إياي؟ قال: إنك أول من تنشر عنه الأرض وعن أمتك، وأول شافع وأول مشفع وإنك آخر الأنبياء وإن الحشر لك وبأمتك يعني حشر يوم القيامة» .\nقال ﷺ: «ثمّ جاوزناهم حتّى انتهينا إلى باب المسجد، فأنزلني جبرئيل وربط البراق بالحلقة الي كانت تربط بها الأنبياء (﵇) بحطام عليه من حرير الجنة، فلما دخلت الباب إذا أنا بالأنبياء والمرسلين» [١٨] «٢» .\nوفي حديث أبي العالية: «أرواح الأنبياء والمرسلين الذين بعثهم الله قبلي من لدن إدريس ونوح إلى عيسى قد جمعهم الله ﷿، فسلموا عليّ وحيوني بمثل تحية الملائكة قلت:\nيا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: إخوتك الأنبياء، زعمت قريش أن لله شريكا، واليهود والنصارى أن لله ولدا، سل هؤلاء المرسلين هل لله شريك؟ وذلك قوله تعالى وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ «٣» فأقرّوا بالربوبية لله تعالى ثمّ جمعهم والملائكة صفوفا فقدمني وأمرني أن أصلي بهم فصليت بهم ركعتين. ثمّ إن الأنبياء أثنوا على ربهم فقال إبراهيم (﵇) الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني مُلْكًا عَظِيمًا وجعلني\n_________\n(١) عن تفسير الطبري: ١٥/ ١٢.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ١٠- ١٦.\n(٣) سورة الزخرف: ٤٥.","vol":"6","page":58},{"text":"أُمَّةً قانِتًا يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليّ بَرْدًا وَسَلامًا. ثمّ إن موسى (﵇) أثنى على ربّه فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الذي كلمني تكليما وجعل هلاك فرعون منه ونجاة بني إسرائيل على يديّ، وجعل من أمتي قوما يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ. ثمّ إن داود (﵇) أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلمني الزبور وألان لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن والطير وأعطاني الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ. ثمّ إن سليمان (﵇) أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي جنود الشياطين يعملون لي ما شئت مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ، وعلمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلا وآتاني ملكا عظيما لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي وجعل ملكي ملكا طيبا ليس عليّ فيه حساب.\nثمّ إن عيسى (﵇) أثنى على ربه فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الذي جعلني كلمة منه وجعلني أخلق مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وجعلني أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ\nورفعني وطهرني وأعاذني وأمّي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ فلم يكن للشيطان علينا سبيل.\nثمّ إن محمدا ﷺ قال: كلكم قد أثنى على ربه وأنا مثن على ربي فقال: الحمد لله الذي أرسلني رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وأنزل عليّ القرآن (فيه بيان كل شيء) وجعل أمتي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «١» وجعل أمتي أُمَّةً وَسَطًا «٢» وجعل أمتي هم الأولون والآخرون وشرح لي صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحا وخاتما.\nفقال إبراهيم (﵇): بهذا أفضلكم محمّد، ثمّ أتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها: إناء فيه ماء فقيل له: اشرب فشرب منه يسيرا، ثمّ دفع إليه إناء آخر فيه لبن فقيل له: اشرب فشرب منه حتّى روى، ثمّ دفع إليه إناء آخر فيه خمر فقيل له: اشرب، فقال: لا أريده قد رويت. فقال له جبرئيل: قد أصبت أما إنها ستحرم على أمتك، ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلّا قليل، ولو رويت من الماء لغرقت وغرقت أمتك ثمّ أخذ جبرئيل (﵇) بيدي فانطلق بي إلى الصخرة فصعد بي إليها فإذا معراج إلى السماء لم أر مثله حسنا وجمالا لم ينظر الناظرون إلى شيء قط أحسن منه. ومنه تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ أصله على صخرة بيت المقدس ورأسه ملتصق بالسماء إحدى عارضيه ياقوتة حمراء والأخرى زبرجدة خضراء درجة من فضة ودرجة من ذهب ودرجة من زمرد مكلل بالدر والياقوت وهو المعراج الذي ينطلق منه ملك الموت لقبض الأرواح [لمغاراتهم فيمنكم شخص أسرعت] «٣» عنه المعرفة إذا عاينه لحسنه، فاحتملني جبرئيل حتّى\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٤٣.\n(٢) سورة آل عمران: ١١٠.\n(٣) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":59},{"text":"وضعني على جناحه ثمّ ارتفع بي إلى سماء الدنيا من ذلك المعراج، فقرع الباب فقيل: من؟\nقال: أنا جبرئيل. قال: ومن معك؟ قال: محمّد.\nقال: أوقد بعث محمّد؟ قال: نعم. قال: مرحبا به حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ففتح الباب ودخلنا. قال: فبينما أنا أسير في السماء الدنيا إذ رأيت ديكا له زغب أخضر ورأس أبيض بياض ريشه كأشد بياض ما رأيته قط، وزغب أخضر تحت ريشه كأشد خضرة ما رأيتها قط وإذا رجلا في تخوم الأرض السابعة السفلى ورأسه عند العرش مثنيّ عنقه تحت العرش له جناحان من منكبيه إذا نشرهما جاوز المشرق والمغرب فإذا كان في بعض [الميل] نشر جناحيه وخفق بهما، وصرخ بالتسبيح لله ﷿ يقول سبحان الملك القدوس الكبير المتعال لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، فإذا فعل ذلك سبّحت ديكة الأرض كلها وخفقت بأجنحتها وأخذت في الصراخ فإذا سكن ذلك الديك في السماء سكنت ديكة الأرض كلها، ثمّ إذا هاج بنحو ما فعلوا في السماء صاحت ديكة الأرض جوابا له بالتسبيح لله ﷿ بنحو قوله.\nقال رسول الله ﷺ: «لم أزل منذ رأيت ذلك الديك مشتاقا إليه أن أراه ثانية» .\nقال: ثمّ مررت بملك نصف جسده مما يلي رأسه نار والنصف الآخر ثلج وما بينهم رتق، فلا النار يذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار، وهو قائم ينادي بصوت له حسن رفيع: اللهم مؤلف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين.\nفقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: ملك من الملائكة يقال له حبيب وكلّه الله بأكناف السماوات وأطراف الأرضين، ما أنصحه لأهل الأرض هذا قوله منذ خلقه الله تعالى. قال: ثمّ مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جمع الدنيا بين ركبتيه، وفي يديه لوح مكتوب من نور ينظر فيه لا يلتفت يمينا ولا شمالا ينظر فيه كهيئة الحزين. فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ ما مررت أنا بملك أنا أشد خوفا منه شيء من هذا؟ قال: وما يمنعك كلّنا بمنزلتك، هذا ملك الموت دائب في قبض الأرواح وهو أشد الملائكة عملا وأدأبهم. قلت: يا جبرئيل كل من مات نظر إلى هذا؟\nقال: نعم. قلت: كفى بالموت من طامة. فقال: يا محمّد ما بعد الموت أطمّ وأعظم، قلت: يا جبرئيل أدنني من ملك الموت أسلم عليه وأساله فأدناني منه فسلمت عليه فأومى إليّ فقال له جبرئيل: هذا محمّد نبي الرحمة ورسول العرب فرحب بي وحياني وأحسن بشارتي وإكرامي.\nوقال: أبشر يا محمّد فإني ارى الخير كله في أمتك. فقلت: الحمد لله المنان بالنعم، ما هذا اللوح الذي بين يديك؟ قال: مكتوب فيه آجال الخلائق.\nقلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم في الدهور الخالية؟ قال: تلك في لوح آخر قد علمت خلقها، ولذلك أصنع بكل ذي روح إذا قبضت روحه خلّفت عليها، فقلت: يا ملك","vol":"6","page":60},{"text":"الموت سبحان الله كيف تقدر على قبض أرواح جميع أهل الأرض وأنت في مكانك هذا لا تبرح؟ قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتي وجميع الخلائق بين عيني ويداي يبلغان المشرق والمغرب وخلقهما فإذا نفد أجل عبد من عباد الله نظرت إليه وإلى أعواني فإذا نظر أعواني من الملائكة اليّ فنظرت إليه عرفوا أنه مقبوض فعمدوا إليه يعالجون نزع روحه فإذا بلغ الروح الحلقوم علمت ذلك ولا يخفى عليّ شيء من أمري، أمددت يدي إليه فقبضته فلا يلي قبضه غيري، فذلك أمري وأمر ذوي الأرواح من عباد الله.\nقال: إنما أبكاني حديثه وأنا عنده ثمّ جاوزنا فمررنا بملك آخر ما رأيت من الملائكة خلقا مثله عابس الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب، فلما نظر رغبت منه شيئا وسألته فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ فإني رعبت منه رعبا شديدا قال: فلا تعجب أن ترعب منه كلنا بمنزلتك في الرعب منه، هذا مالك خازن النار لم يتبسم قط ولم يزل منذ ولّاه الله ﷿ جهنم يزداد كل يوم غضبا وغيظا على أعداء الله ﷿ وأهل معصيته لينتقم منهم، قلت:\nادنني منه. فأدناني منه فسلم عليه جبرئيل فلم يرفع رأسه فقال جبرئيل: يا مالك هذا محمّد رسول العرب فنظر اليّ وحياني وبشرني بالخير. فقلت: مذ كم أنت واقف على جهنم؟ فقال: مذ خلقت حتّى الآن وكذلك إلى أن تقوم الساعة فقلت: يا جبرئيل مرة ليرني طرفا من النار فأمره ففعل فخرج منه لهب ساطع أسود معه دخان مكدر مظلم امتلأ منه الآفاق فرأيت هولا عظيما وأمرا فظيعا أعجز عن صفته لكم فغشي عليّ وكاد يذهب نفسي، فضمّني جبرئيل وأمر أن يرد النار فردّها.\nقال ﷺ: «فجاوزناها فمررنا بملائكة كثيرة لا يحصى عدتهم إلّا الله ﷿ منهم وجوه بين كتفيه ووجوه في صدره في كل وجه أفواه والسن، فهو يحمد الله ويسبحه بتلك الألسن ورأيت من أجسامهم وخلقهم وعبادتهم أمرا عظيما، ثمّ جاوزناها فإذا برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خليقة الناس عن يمينه باب تخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب تخرج منه ريح خبيثة إذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك فإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى بحزن، فقلت: يا جبرئيل من هذا وما هذان البابان؟ قال: هذا أبوك آدم (﵇) هذا الباب عن يمينه باب الجنة إذا نظر إلى من يدخل من ذريته الجنة ضحك واستبشر، والباب الذي عن شماله باب جهنم إذا نظر إلى من يدخل من ذريته جهنم بكى وحزن قال: ثمّ صعدنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبرئيل (﵇) فقيل: من هذا؟ قال: جبرئيل. قيل ومن معك؟ قال: محمّد، قيل: وقد أرسله الله.\nقال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء، فدخلنا فإذا بشابين فقلت: يا جبرئيل من هذان الشابان؟ فقال: هذا عيسى ويحيى أبناء الخالة.","vol":"6","page":61},{"text":"قال: ثمّ صعدت إلى السماء الثالثة فاستفتح فقالوا: من هذا؟\nقال: جبرئيل. قيل ومن معك؟ قال: محمّد. قالوا: وقد أرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا:\nحياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا برجل قد فضّل على الناس بالحسن كأفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب قلت: من هذا يا جبرئيل؟\nقال: هذا أخوك يوسف (﵇)» .\nقال ﷺ: «ثمّ صعد بي إلى السماء الرابعة فاستفتح قالوا: من هذا؟ قال: جبرئيل، قالوا:\nومن معك؟ قال: محمّد. قالوا: وقد أرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، فدخلنا فإذا برجل من حاله [كذا] فقلت: من هذا يا جبرئيل؟ قال: «هذا إدريس رفعه الله مَكانًا عَلِيًّا وهو مسند ظهره إلى دواوين الخلائق التي فيها أمورهم.\nقال: ثمّ صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح قالوا: من هذا؟ قال: جبرئيل: قالوا: من معك؟ قال: محمّد قالوا: وقد أرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء.\nقال: ثمّ دخلنا فإذا برجل جالس وحوله قوم يقصّ عليهم فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ ومن هؤلاء الذين حوله؟ قال: هذا هارون [المحبب] وهؤلاء الذين حوله بنو إسرائيل» .\nقال «ثمّ صعدنا إلى السماء السادسة فاستفتح فقالوا: من هذا؟ قال: جبرئيل. قالوا: ومن معك؟ قال: محمّد؟ قالوا: وقد أرسل محمّد؟ قال: نعم قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثمّ دخلنا فإذا برجل جالس فجاوزناه فبكى الرجل فقلت: يا جبرئيل من هذا؟ قال: هذا موسى. قلت: فما له يبكي؟ قال: يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله ﷿، وهذا رجل من بني آدم وقد خلفني في دنياه وأنا في آخرتي فلو أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كل نبي أمته» .\nقال: «ثمّ صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح فقيل من هذا؟ قال: جبرئيل. قيل ومن معك؟ قال: محمّد. قالوا: وقد أرسل محمّد؟ قال: نعم. قالوا: حيّاه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء، ثمّ دخلنا فإذا برجل [أشمط] جالس على كرسي عند باب الجنة وعنده قوم جلوس [بيض] الوجوه أمثال القراطيس، وقوم في ألوانهم شيء [...] «١»\nفقام الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا منه وقد خلص من ألوانهم شيء،\n_________\n(١) بياض في المخطوط، وفي تفسير الطبري: (١٥/ ١٥) الكلام متصل، وفي مجمع الزوائد (١/ ٧١) زيادة: قال عيسى يعني أبا جعفر الرازي: وسمعته مرة يقول: سود الوجوه. [.....]","vol":"6","page":62},{"text":"ثمّ دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم وصارت مثل ألوان أصحابهم فجاءوا فجلسوا إلى جنب أصحابهم فقلت: يا جبرئيل من هذا الأشمط ومن هؤلاء وما هذه الأنهار؟ قال: هذا أبوك إبراهيم (﵇) أوّل من شمط على الأرض، وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ، فأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فتابوا فتاب الله عليهم، وأما الأنهار الثلاثة فأولها رحمة الله والثاني نعمة الله والثالث سَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا قال: فإذا إبراهيم مستند إلى بيت فسالت جبرئيل، فقال: هذا البيت المعمور يدخل فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.\nقال: فاتي بي جبرئيل حتّى انتهينا إلى سدرة المنتهى فإذا أنا بشجرة لها أوراق الواحدة منها مغطية الدنيا بما فيها وإذا شقها مثل هلال هجر تخرج من أصلها أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان فسألت عنها جبرئيل فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهرين فالنيل والفرات ويخرج أيضا من أصلها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وهي على حد السماء السابعة مما الجنة وعروقها وأغصانها تحت الكرسي.\nقال رسول الله ﷺ: «انتهيت إلى سدرة المنتهى وأنا أعرف أنها سدرة المنتهى وأعرف ورقها وثمرها فغشيها من نور الله ما غشيها وغشيتها الملائكة كأنهم جراد من ذهب من خشية الله تعالى فلما غشيها ما غشيها تحولت حتّى ما يستطيع أحد منعها، قال: وفيها ملائكة لا يعلم عدّتهم إلّا الله ﷿، ومقام جبرئيل في وسطها فلما انتهيت إليها قال لي جبرئيل: تقدم.\nفقلت: أقدم من؟ تقدم أنت يا محمّد فإنك أكرم على الله مني، فتقدمت وجبرئيل على أثري حتّى انتهى بي إلى حجاب فراس الذهب فحرك الحجاب. فقال: من ذا؟ قال: أنا جبرئيل ومعي محمّد. قال الملك: الله أكبر فأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني وخلف جبرئيل فقلت له:\nإلى أين؟ قال: يا محمّد وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ إن هذا منتهى الخلائق، وإنما أذن لي في الدنو إلى الحجاب لاحترامك ولجلالك» .\nقال: «فانطلق بي الملك أسرع من طرفة عين إلى حجاب اللؤلؤ فحرك الحجاب. قال الملك: من وراء الحجاب: من هذا؟ قال: أنا صاحب فراس الذهب وهذا محمّد رسول العرب معي.\nفقال الملك: الله اكبر وأخرج يده من تحت الحجاب فاحتملني حتّى وضعني بين يديه فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب حتّى جاوزوا بي سبعين حجابا غلظ كل حجاب مسيرة خمسمائة عام وما بين الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام، ثمّ دلّى لي رفرف أخضر يغلب ضوءه ضوء الشمس فالتمع بصري ووضعت على ذلك الرفرف ثمّ احتملني حتّى وصلني إلى العرش فلما رأيت العرش اتضح كل شيء عند العرش فقربني الله إلى سند العرش وتدلى لي","vol":"6","page":63},{"text":"قطرة من العرش فوقف على لساني فما ذاق الذائقون شيئا قط أحلى منها فأنبأني الله ﷿ بها نبأ الأولين والآخرين وأطلق الله لساني بعد ما كلّ من هيبة الرحمن، فقلت: التحيات لله والصلوات الطيبات. فقال الله تعالى: سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقلت:\nالسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فقال: يا محمّد هل تعلم فيم اختصم الملأ «١» الأعلى؟\nفقلت: أنت أعلم يا رب بذلك وبكل شيء وأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ. قال: اختلفوا في الدرجات والحسنات، فهل تدري يا محمّد ما الدرجات وما الحسنات؟\nقلت: أنت أعلم يا رب. قال: الدرجات إسباغ «٢» الوضوء في المكروهات والمشي على الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلوات بعد الصلاة والحسنات إفشاء السلم وإطعام الطعام والتهجد بالليل والناس نيام ثمّ قال: يا محمّد آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ؟ قلت: نعم أي رب. قال: ومن؟ قلت: والمؤمنين كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «٣» كما فرقت اليهود والنصارى. فقال: ماذا قالوا؟\nقلت: قالُوا: سَمِعْنا قولك وَأَطَعْنا أمرك. قال: صدقت فسل تعط. قال: فقلت:\nغُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ «٤» قال: قد غفرت لك ولأمتك سل تعطه؟\nفقلت: رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا قال: قد رفعت الخطأ والنسيان عنك وعن أمتك وما استكرهوا عليه، قلت: رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ قال: قد فعلت ذلك بك وبأمتك. قلت ربنا وَاعْفُ عَنَّا من الخسف وَاغْفِرْ لَنا من القذف وَارْحَمْنا من المسخ أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ «٥» قال: قد فعلت ذلك لك ولأمتك، ثمّ قيل: لي سل.\nفقلت: يا رب إنك اتخذت إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، وكلمت مُوسى تَكْلِيمًا، ورفعت إدريس مَكانًا عَلِيًّا، وآتيت سليمان مُلْكًا عَظِيمًا، وآتيت داوُدَ زَبُورًا، فما لي يا رب؟\nقال ربي: يا محمّد اتخذتك خليلي كما اتخذت إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وكلمتك كما كلمت مُوسى تَكْلِيمًا وأعطيتك فاتحة الكتاب وخواتيم البقرة وكانا من كنوز العرش ولم أعطها نبيا قبلك، وأرسلتك إلى أهل الأرض جميعا أبيضهم وأسودهم وإنسهم وجنّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبيا قبلك وجعلت الأرض كلها برّها وبحرها طهورا ومسجدا لك ولأمتك وأطعمتك وأمتك الفيء\n_________\n(١) المليء: الجماعة منه.\n(٢) السابغ: الكامل، إسباغ الوضوء إتمامه. الصحاح.\n(٣) سورة البقرة: ٢٨٥.\n(٤) سورة البقرة: ٢٨٥.\n(٥) سورة البقرة: ٢٨٦.","vol":"6","page":64},{"text":"ولم أطعمه أمة قبلهم ونصرتك بالرعب على عدوك مسيرة شهر، وأنزلت عليك سيد الكتب كلها ومهيمنا عليها قُرْآنًا فَرَقْناهُ ورفعت لَكَ ذِكْرَكَ فتذكر كلما ذكرت في شرائع ديني، وأعطيتك مكان التوراة المثاني ومكان الإنجيل المبين ومكان الزبور الحواميم، وفضلتك بالمفصّل وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك وجعلت أمتك خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وجعلهم أُمَّةً وَسَطًا وجعلتهم الأولين وهم الآخرون فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ» .\nقال ﷺ: «ثمّ فوّض لي بعهد بعدها أمور لم يؤذن لي أن أخبركم بها ثمّ فرضت عليّ وعلى أمتي في كل يوم وليلة خمسون صلاة فلما شهد اليّ بعهده وتركني عنده ما شاء قال لي: إرجع إلى قومك فبلغهم عني فحملني الرفرف الأخضر الذي كنت عليه يخفضني ويرفعني حتّى أهوى بي إلى سدرة المنتهى فإذا أنا بجبرئيل (﵇) أبصره خلفي بقلبي كما أبصر بعيني أمامي، فقال لي جبرئيل: ابشر يا محمّد فإنك خير خلق الله وصفوته من النبيين حياك الله بما لم يحيي به أحدا من خلقه لا ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ولقد وضعك مكانا لم يصل إليه أحد من أهل السماوات والأرض فهنّاك الله كرامته وما حباك من المنزلة الأثيرة والكرامة الفائقة، فخذ ذلك واشكر فإن الله منعم يحب الشاكرين.\nفحمدت الله على ذلك ثمّ قال لي جبرئيل: انطلق يا محمّد إلى الجنة حتّى أريك ما لك فيها فتزداد بذلك في الدنيا زهادة إلى زهادتك وفي الآخرة رغبة إلى رغبتك فسرنا نهوي منفضين أسرع من السهم والريح حتّى وصلنا بإذن الله إلى الجنة فهدأت نفسي [وثاب] إليّ فؤادي وأنشأت أسأل جبرئيل عما كنت رأيت [في الجنة] من البحور والنار والنور وغيرها، فقال:\nسبحان الله تلك سرادقات عرش رب العزة التي أحاطت بعرشه فهي سترة الخلائق من نور الحجب ونور العرش لولا ذلك لأحرق نور العرش ونور الحجب من تحت العرش من خلق الله وما لم تره أكثر وأعجب، قلت: سبحان الله ما أكثر عجائب خلقه.\nقلت: يا جبرئيل ومن الملائكة الذين رأيتهم في تلك البحور الصفوف بعد الصفوف كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ؟\nقال: يا رسول الله هم الروحانيون الذين يقول الله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ ومنهم الروح الأعظم، ثمّ بعد ذلك قلت: يا جبرئيل فمن الصف الواحد الذين في البحر الأعلى فوق الصفوف كلها قد أحاطوا بالعرش؟ قال: هم الكروبيون أشراف الملائكة وعظمائهم ولا يجتري أحد من الملائكة أن ينظر إلى ملك من الكروبيين وهم أعظم شأنا من أن أصف صفتهم لك وكفى ما رأيت منهم، ثمّ طاف بي جبرئيل في الجنة بإذن الله فما نزل منها مكانا إلّا رأيته وأخبرني عنه فرأيت القصور من الدر والياقوت والإستبرق والزبرجد ورأيت الأشجار من الذهب الأحمر قضبانهم اللؤلؤ وعروقهن الفضة راسخة في المسك فلأنا أعرف بكل قصر وبيت وغرفة وخيمة ونهر وثمر في الجنة مني بما في مسجدي هذا.","vol":"6","page":65},{"text":"قال: ورأيت نهرا يخرج من أصله ماء أشد بياضا من اللبن واحلى من العسل على رضراض درّ وياقوت ومسك أذفر. فقال جبرئيل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله ﷿ وهو التسنيم يخرج من دورهم وقصورهم وبيوتهم وغرفهم يمزجون بها أشربتهم من اللبن والعسل والخمر فذلك قوله وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ... عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «١» الآية.\nثمّ انطلق بي يطوف في الجنة حتّى انتهينا إلى شجرة لم أر شجرة مثلها، فلما وقفت تحتها رفعت رأسي فإذا أنا لا أرى شيئا من خلق ربي غيرها لعظمها وتفرق أغصانها ووجدت فيها ريحا طيبة لم أشم في الجنة ريحا أطيب منها فقلّبت بصري فيها فإذا ورقها حلل طرائف من ثياب الجنة من بين أبيض وأحمر وأخضر وثمارها أمثال القلال العظام من كل ثمرة خلقها الله في السماوات والأرضين من ألوان شتى وطعوم شتى وريح شتى، فعجبت من تلك الشجرة وما رأيت من حسنها. قلت: يا جبرئيل ما هذه الشجرة؟ قال: هذه التي ذكرها الله ﷿ [بشرى] طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ ولكثير من أمتك ورهطك في ظلها حسن مقيل ونعيم طويل ورأيت في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر كل ذلك مفروغ عنه معدّ إنما ينتظر به صاحبه من أولياء الله ﷿ وما غمني الذي رأيت قلت: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ.\nثمّ عرض عليّ النار حتّى نظرت إلى أغلالها وسلاسلها وحيّاتها وعقاربها وغساقها ويحمومها، فنظرت فإذا أنا بقوم لهم مشافر كمشافر الإبل وقد وكّل بهم من يأخذ بمشافرهم، ثمّ يجعل في أفواههم صخرا من نار تخرج من أسافلهم. قلت: يا جبرئيل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْمًا. ثمّ انطلقت فإذا أنا بنقر لهم بطون كأنها البيوت وهم على سابلة آل فرعون فإذا مرّ بهم آل فرعون ثاروا فيميل بأحدهم بطنه فيقع فيتوطأهم آل فرعون بأرجلهم وهم يعرضون على النار غُدُوًّا وَعَشِيًّا. قلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا ومثلهم كمثل الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ «٢» ثمّ انطلقت فإذا أنا بنساء معلقات بثديهن منكسات أرجلهن. قلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هن اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن.\nثمّ أخرجني من الجنة فمررنا بالسموات منحدرا من السماء إلى السماء حتّى أتيت على موسى فقال: فما فرض الله عليك وعلى أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. فقال موسى: أنا أعلم بالناس منك وأني [سرت] «٣» الناس بني إسرائيل وعالجتهم أشد المعالجة وأن أمتك أضعف الأمم فارجع إلى ربك واسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لن تطيق ذلك. قال: فرجعت إلى ربي [١٩] .\n_________\n(١) سورة المطففين: ٢٧.\n(٢) سورة البقرة: ٢٧٥.\n(٣) هكذا في المخطوط، ولم نجده في المصادر.","vol":"6","page":66},{"text":"وفي بعض الأخبار: «فرجعت فأتيت سدرة المنتهى فخررت ساجدا، قلت: يا رب فرضت عليّ وعلى امتي خمسين صلاة ولن أستطيع أن أقوم بها ولا أمتي فخفّف عني عشرا. فرجعت إلى موسى فسألني فقلت: خفف عني عشرا. قال: ارجع إلى ربك فأسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم فإني قد لقيت من بني إسرائيل شدة. قال: فرجعت فردّها إلى ثلاثين فما زلت بين ربي وبين موسى (﵇) حتى جعلها خمس صلوات فأتيت موسى (﵇) فقال: إرجع إلى ربك فأسأله التخفيف. فقلت: فإني قد رجعت إلى ربي حتّى استحيت وما أنا براجع إليه، قال:\nفنوديت أني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلوات، ولا يبدل القول لدي فخمسة بخمسين فقم بها أنت وأمتك إني قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي وأجزي بالحسنة عشر أمثالها لكل صلاة عشر صلوات. قال: فرضيّ محمّد ﷺ كل الرضا وكان موسى (﵇) من أشدهم عليه حين مرّ به وخيرهم لهم حين رجع إليه.\nثمّ انصرفت مع صاحبي وأخي جبرئيل لا يفوتني ولا أفوته حتّى انصرف بي إلى مضجعي وكان كل ذلك ليلة واحدة من لياليكم هذه فأنا سيد ولد آدم ولا فخر، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وإليّ مفاتيح الجنة يوم القيامة ولا فخر، وأنا مقبوض عن قريب بعد الذي رأيت فإني رأيت من آيات ربي الكبرى ما رأيت وقد أحببت اللحوق بربي ﷿ ولقاء من رأيت من إخواني، وما رأيت من ثواب الله لأوليائه وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى «١» .\nقال: فلما رجع رسول الله ﷺ ليلة أسري به وكان بذي طوى قال: «يا جبرئيل إن قومي لا يصدقونني» .\nقال: يصدقك أبو بكر وهو الصديق (﵁) .\nقال ابن عبّاس وعائشة ﵄: قال رسول الله ﷺ: «لما كانت ليلة أسري بي وأصبحت بمكة قطعت بأمري وعرفت إن الناس تكذبني» .\nقال: فقعد رسول الله ﷺ معتزلا حزينا فمرّ به أبو جهل عدو الله فأتاه فجلس إليه، وقال كالمستهزي: هل استفدت من شيء؟ قال: «نعم إني أسري بي الليلة» قال: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس» قال: ثمّ أصبحت بين ظهرانينا. قال: «نعم» فكان أبو جهل ينكر مخافة أن يجحده، الحديث. قال: أتحدث قومك ما حدثتني؟\nقال: «نعم» قال أبو جهل: يا معشر بني كعب بن لؤي هلمّوا.\nقال: فانتقضت المجالس فجاءوا حتّى جلسوا إليهما. قال: حدّث قومك ما حدثتني. قال:\n«نعم إنّي أسري بي الليلة» . قالوا: إلى أين؟ قال: «إلى بيت المقدس» . قال: ثمّ أصبحت بين\n_________\n(١) سورة القصص: ٦٠.","vol":"6","page":67},{"text":"ظهرانينا قال: «نعم» . قال: فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب، فارتد ناس ممن كان آمن به وصدقه وسعى رجال من المشركين إلى أبي بكر (﵁) فقالوا: هل لك في صاحبك يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس؟.\nقال: أوقد قال؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق. قالوا: تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه بما هو أبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء في عدوه وروحه. فلذلك سمي أبو بكر الصديق (﵁) .\nقال: وفي القوم من قد سافر هناك ومن قد اتى المسجد، فقالوا: هل تستطيع أن تصف لنا المسجد؟ قال: «نعم» .\nقال: فذهبت أنعت وأنعت فما زلت أنعت حتّى التبس عليّ.\nقال: فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتّى وضع دون دار عقيل أو عقال «١» فنعت المسجد وأنا أنظر إليه. فقال القوم: أما النعت فو الله قد أصاب.\nثمّ قالوا: يا محمّد أخبرنا عن عيرنا فهي أهم إلينا من قولك، هل لقيت فيها شيئا؟ قال:\n«نعم مررت على عير بني فلان وهي بالروجاء وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحالهم قعب من ماء فعطشت فأخذته فقربته ثمّ وضعته كما كان فاسألوهم هل وجدوا الماء في القدح حين رجعوا إليه» .\nقالوا: إن هذه آية واحدة. قال: «ومررت بعير فلان وفلان وفلان راكبان قعودا لهما ببني مرة ففر بكرهما مني فرمى بفلان فانكسرت يده فسلوهما عن ذلك.\nقالوا: وهذه آية أخرى.\nقالوا: أخبرنا عن عيرنا نحن؟ قال: «مررت بها بالنعيم» . قالوا: فما عدتها وأحمالها وغنمها؟ قال: «كنت في شغل من ذلك ثمّ مثلت لي فكأنه بالجزورة وبعدتها وأحمالها وهيئتها ومن فيها» فقال: «نعم هيئتها كذا وكذا وفيها فلان وفلان تقدمها جعل أورق عليه خزارتان مخيطتان يطلع عليكم عند طلوع الشمس» .\nقالوا: وهذه آية، ثمّ خرجوا يشدّون نحو [الثلاثة] وهم يقولون: والله لقد قص محمّد شيئا وبيّنه حتّى أتوا كدا فجلسوا عليه فجعلوا ينظرون متى تطلع الشمس فيكذبون، إذ قال قائل منهم:\nهذا الشمس قد طلعت. وقال الآخر: وهذه الإبل قد طاعت يتقدمها بعير أورق فيها فلان وفلان كما قال لهم، فلم يؤمنوا ولم يفلحوا وقالوا: ما سَمِعْنا بِهذا قط إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ.\nآخر المعراج ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ١٠ إلى ١٨.","vol":"6","page":68},{"text":"فإن قيل: إنما قال الله سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فلم قال: إنه أسرى إلى السماء.\nفالجواب أنه قال: إنما قال: أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى كان ابتدأ أمر المعراج كان المسري، والعروج كان بعد الإسراء، وقد أخبر الرسول ﷺ وهو الصادق المصدق، والحكمة فيه والله أعلم أنه لو أخبر ابتدأ بعروجه إلى السماء لاشتد إنكارهم وعظم ذلك في قلوبهم ولم يصدقوه، فأخبر بيت المقدس بها فلما تمكن ذلك في قلوبهم وبان لهم صدقة وقامت الحجة عليهم له، أخبر بصعوده إلى السماء العليا وسدرة المنتهى وبقرينة حتّى دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ كما أسرينا بمحمد ﷺ، وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ الآية يعني أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ربّا وشريكا وكفيلا.\nقرأه العامّة: يتخذوا بالياء، يعني قلنا لهم لا يتخذوا.\nوقرأ ابن عبّاس ومجاهد وأبو عمر: بالياء واختاره أبو عبيد قال: لأنه خبر عنهم ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ فأنجيناهم من الطوفان إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا.\nقال المفسرون: كان نوح (﵇) إذا لبس ثوبا يأكل طعاما أو شرب شرابا. قال:\nالحمد لله، فسمّي عَبْدًا شَكُورًا.\nروى النظر بن شقي عن عمران بن سليم قال: إنما سمي نوح (﵇) عَبْدًا شَكُورًا لأنه كان إذا أكل طعاما قال: الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني، فإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو أشاء أظماني وإذا اكتسى قال: الحمد لله الذي كساني ولو أشاء أعراني، فإذا اهتدى قال: الحمد لله الذي هداني ولو أشاء لما هداني فإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني الأذى في عافية ولو شاء لحبسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤ الى ٨]</span>\nوَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤) فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥) ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧) عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا (٨)\nوَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله حَصِيرًا.\nروى سفيان بن سهيل عن منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ «إن بني إسرائيل لما اعتدوا وعتوا وقتلوا الأنبياء بعث الله عليهم","vol":"6","page":69},{"text":"ملك فارس بخت نصر، وكان الله ملكه سبعمائة سنة فسار إليهم حتّى دخل بيت المقدس فحاصرها ففتحها وقتل على دم يحيى بن زكريا (﵇) سبعين ألف، ثمّ سبى أهلها وسلب حلي بيت المقدس واستخرج منها سبعين ألفا ومائة عجلة من حلي [حتى أورده بابل] «١»» .\nقال حذيفة: يا رسول الله لقد كانت بيت المقدس عظيما عند الله قال: «أجل بناه سليمان ابن داود من ذهب وياقوت وزبرجد، وكان بلاطه ذهبا وبلاطه فضة وبلاطه من ذهبا أعطاه الله ذلك وسخر له الشياطين يأتونه بهذه الأشياء في طرفة عين فسار بخت نصر بهذه الأشياء حتّى نزل بها بابل وأقام بنو إسرائيل في يديه مائة سنة يستعبدهم المجوس وأبناء المجوس فهم الأنبياء وأبناء الأنبياء، ثمّ إن الله تعالى رحمهم فأوحى إلى ملك من ملوك فارس يقال له كورس وكان مؤمنا أن سر إلى بقايا ببني إسرائيل حتّى يستنقذهم فسبا كورش بني إسرائيل وحلي بيت المقدس حتّى رده إليه، فأقام بنو إسرائيل مطيعين لله مائة سنة ثم إنهم عادوا في المعاصي فسلط عليهم ملكا يقال له: إنطياخوش فغزا بني إسرائيل حتّى أتى بهم بيت المقدس فسبا أهلها وأحرق بيت المقدس وقال لهم: يا بني إسرائيل إِنْ عُدْتُمْ في المعاصي عُدْنا عليكم بالسبي، فعادوا في المعاصي فسلط الله عليهم ملكا رومية يقال له: ماقسير بن إسبيانوس فغزاهم في البر والبحر فسباهم وسبا حلي بيت المقدس وأحرق بيت المقدس» .\nقال رسول الله ﷺ: «فهذا من صفة حلي بيت المقدس ويرده المهدي إلى بيت المقدس وهو ألف سفينة وسبعمائة سفينة يرمى بها على يافا حتّى ينقل إلى بيت المقدس هديها يجمع الله الأولين والآخرين» [٢٠] «٢» .\nوقال محمّد بن إسحاق بن يسار: كان مما أنزل الله على موسى في خبر عن بني إسرائيل في أحداثهم وما هم فاعلون بعده وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله حَصِيرًا فكانت بنو إسرائيل وفيهم الأحداث والذنوب، وكان الله في ذلك متجاوزا عنهم متعطفا عليهم محسنا إليهم، فكان أول ما أنزل بهم بسبب ذنوبهم من تلك الوقائع كما أخبر على لسان موسى (﵇) أن ملكا منهم كان يدعى صديقة كان الله ﷿ إذا ملك الملك عليهم بعث الله نبيا يسدده ويرشده ويكون فيما بينه وبين الله تعالى: فيتحدث إليهم في أمرهم لأنزل عليهم الكتب، إنما يؤمرون باتباع التوراة والأحكام التي فيها وينهونهم عن المعصية ويدعونهم إلى ما تركوا من الطاعة، فلما ملك الله ذلك الملك بعث الله شعياء بن أمصيا وذلك قبل مبعث زكريا ويحيى وعيسى، وشعياء هو الذي بشّر بعيسى ومحمّد ﷺ فقال: ابشروا [...] «٣» الآن يأتيك راكب\n_________\n(١) عن تفسير الطبري: ١٥/ ٢٩.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ٢٩- ٣٠.\n(٣) كلمة غير مقروءة.","vol":"6","page":70},{"text":"الحمار ومن بعده راكب البعير، فملك ذلك الملك بني إسرائيل وبيت المقدس زمانا، فلما انقضى ملكه عظمت الأحداث وشعياء معه، بعث الله عليهم سنحاريب ملك بابل مع ستمائة ألف راية، فأقبل سائرا حتّى أقبل حول بيت المقدس والملك مريض في ساقه قرحة فجاء إليه شعياء فقال: يا ملك بني إسرائيل إن سنحاريب ملك بابل قد نزل هو وجنوده بستمائة ألف قد هابهم الناس وفرقوا منهم، فكبر ذلك على الملك. فقال: يا نبي الله هل أتاك وحي من الله فيما حدث فتخبرنا به كيف يفعل الله بنا وبسنحاريب وجنوده.\nفقال له النبي (﵇): لم يأت وحي فبيناهم إلى ذلك أوحى الله تعالى إلى شعياء النبي (﵇) أن ائت ملك بني إسرائيل فمره أن يوصي بوصيته ويستخلف على ملكه من شاء من أهل بيته، فأتى شعياء صدّيقة وقال له: إن ربك قد أوحى إليك إن أمرك أن توصي بوصيتك وتستخلف من شئت على ملكك من أهل بيتك فإنك ميت. فلما قال ذلك شعياء لصديقة أقبل على القبلة وصلى ودعا وبكى فقال وهو يصلي ويتضرع إلى الله تعالى بقلب مخلص متوكل رصين وظن صادق: اللهمّ رب الأرباب وإله الآلهة قدوس المتقدس يا رحمن يا رحيم يا رؤوف الذي لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ أكرمتني بعملي وفعلي وحسن قضائي على بني إسرائيل وذلك كله كان منك وأنت أعلم به مني بسري وعلانيتي لك وأن الرحمن استجاب له وكان عبدا صالحا، فأوحى الله إلى شعياء وأمره أن يخبر صديقة الملك أن ربه قد استجاب له وقبل منه ورحمه وقد أخر أجله خمس عشر سنة فأنجاه من عدوه سنحاريب ملك بابل وجنوده فأتاه شعياء النبي (﵇) وأخبره بذلك، فلما قال ذلك ذهب عنه الوجع وانقطع عنه الحزن وخر ساجدا وقال: يا إلهي وإله آبائي لك سجدت وسبّحت وكرمت وعظمت، أنت الذي تعطي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ، عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أنت الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وأنت ترحم وتستجيب دعوة المضطرين، أنت الذي أجبت دعوتي ورحمت ضري فلما رفع رأسه أوحى الله إلى شعياء أن قل للملك صديقه فيأمر عبدا من عبيده فيأتيه بالتين فيجعله على قرحه فيشفى ويصبح قديرا، ففعل ذلك فشفى، وقال الملك لشعياء: سل ربك أن يجعل لنا علما بما هو صانع بعدونا هذا.\nفقال الله لشعياء: قل له إني قد كفيتك عدوك وأنجيتك منهم وأنهم سيصبحون موتى كلهم إلّا سنحاريب وخمسة نفر من كتّابه.\nفلما أصبحوا جاءه صارخ فصرخ على باب المدينة: يا ملك بني إسرائيل إن الله قد كفاك عدوك فأخرج فإن سنحاريب ومن معه هلكوا، فلما خرج الملك التمس سنحاريب فلم يوجد في الموتى فبعث الملك في طلبه فأدركه الطلب في مفازة ومعه خمسة من كتّابه أحدهم بخت نصّر، فجعلوهم في الجوامع ثمّ أتوا بهم ملك بني إسرائيل فلما رآوهم خرّ ساجدا حين طلعت الشمس إلى العصر، ثمّ قال لسنحاريب: كيف ترى فعل ربنا بكم؟ ألم نقتلكم بحوله وقوته ونحن وأنتم","vol":"6","page":71},{"text":"غافلون؟ فقال سنحاريب: قد أتاني خبر ربكم ونصره إياكم ورحمته التي رحمكم بها قبل أن أخرج من بلادك فلم أطع مرشدا ولم يلقني في الشقوة إلّا قلة عقلي ولو سمعت وأطعت ما غزوتكم ولكن الشقوة غلبت عليّ وعلى من معي. فقال صديقه: الحمد لله ربّ العزة الذي [كفاناكم] بما شاء أن يبقك لي من معك لكرامة لك عليه وإنما أبقاك ومن معك ليزدادوا شقوة في الدنيا وعذابا في الآخرة ولتخبروا من ورائكم بما رأيتم من فعل ربنا، فلذلك وذم من معك [آتون] على الله من دم قراد لو قتلت، ثمّ إن ملك بني إسرائيل أمر أمير جيشه فقذف في رقابهم الجوامع وطاف بهم سبعين ما حول بيت المقدس [وامليا] «١» وكان يرزقهم في كل يوم خبزتين من الشعير لكل رجل منهم.\nفقال سنحاريب لملك بني إسرائيل: القتل خير مما يفعل بنا فأفعل ما أمرت، فأمر بهم الملك إلى سجن القتل فأوحى الله إلى شعياء النبي (﵇): أن قل لملك بني إسرائيل ليرسل سنحاريب ومن معه لينذروا من ورائهم وليكرمهم ويحملهم حتى يبلغوا بلادهم، فبلغ شيعا [للملك ذلك] ففعل، فخرج سنحاريب ومن معه حتّى قدموا بابل فلمّا قدموا جمع الناس فأخبرهم كيف فعل الله بجنوده، فقال له كهانته وسحرته: يا ملك [بابل] «٢» قد كنا نقص عليك خبر ربهم وخبر نبيهم ووحي الله إلى نبيهم فلم تطعنا، وهي أمة لا يستطيعها أحد مع ربهم، وكان أمر سنحاريب مما خوفوا، ثمّ كفاهم الله إياه تذكرة وعبرة ثمّ لبث سنحاريب بعد ذلك سبع سنين ثمّ مات، واستخلف [بعده] ابن ابنه على ما كان عليه، فعمل فيهم بمثل عمل جده وقضى في الملك حتّى قتل بعضهم [بعضا عليه] ونبيهم شعياء معهم لا يذعنون إليه ولا يقبلون منه، فلما فعلوا ذلك قال الله لشعياء: قم في قومك أوح على لسانك.\nفلما قام النبي (﵇) أطلق الله لسانه بالوحي، فقال: يا سماء استمعي ويا أرض انصتي حتّى فإن الله يريد أن يقص شأن بني إسرائيل الذين رباهم بنعمة واصطنعهم لنفسه وخصهم بكرامته وفضلهم على عباده واستقبلهم بالكرامة وهم كالغنم الضائعة التي لا راعي لها، فآوى شاردتها وجمع ضالتها وجبر كسرها وداوى مريضها وأسمن مهزولها وحفظ سمينها، فلما فعل ذلك بطرت فتناطحت كباشها فقتل بعضهم بعضا حتّى لم يبق منها عظم صحيح يجبر إليه آخر كسير، فويل لهذه الأمة الخاطئة الذين لا يدرون من أين جاءهم الخير، أن البعيد مما يذكر وطنه فينتابه وأن الحمار مما يذكر الآري الذي يشبع عليه فيراجعه وأن الثور مما يذكر المرج الذي سمن فيه فينتابه وأن هؤلاء القوم لا يدرون من أين جاءهم الخير وهم أولوا الألباب والعقول ليسوا بقرا ولا حميرا، وإني ضارب لهم مثلا فليستمعوا، قل لهم: كيف ترون في أرض كانت\n_________\n(١) بلدة في ناحية الشام. [.....]\n(٢) زيادة عن تفسير الطبري: ١٥/ ٣٢.","vol":"6","page":72},{"text":"خواء زمانا خربة مواتا لا عمران فيها وكان لها رب حكيم قوي، فأقبل عليها بالعمارة وكره أن تخرب أرضه فأحاط عليها جدارا وشيّد فيها قصرا وأنبط نهرا وصنف فيها غراسا من الزيتون والرمان والنخيل والأعناب وألوان الثمار كلها، وولى ذلك واستحفظه قيما ذا رأي وهمة ومتعة حفيظا قويا أمينا وأنتظرها فلما أطلعت جاء طلعها خروبا قالوا: بئست الأرض هذه، نرى أن يهدم جدارها وقصورها ويدفن نهرها ويقبض قيّمها ويحرق غرسها حتّى تصير كما كانت أول مرة خرابا مواتا لا عمران فيها.\nقال الله لهم: فإن الجدار ذمتي وإن القصر شريعتي وإن النهر كتابي وإن القيّم نبيّ وإن الغرّاس هم وإن الخروب الذي أطلع الغراس أعمالهم الخبيثة وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، وإنهم مثل ضربه الله تعالى لهم يتقربون إليّ بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللحم ولا أكله، ويدعون أن يتقربون إليّ بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرّمتها فأيديهم مخضوبة منها، وثيابهم متزملة بدمائها، يشيدون لي البيوت مساجدا ويطهرون أجوافها وينجسون قلوبهم وأجسادهم ويدنسونها، فأي حاجة إلى تشييد البيوت ولست أسكنها، أم أي حاجة إلى تزويق المساجد ولست أدخلها إنما أمرت برفعها لأذكر فيها وأسبّح ولتكون معلما لمن أراد أن يصلي فيها، يقولون: لو كان الله يقدر على أن يجمع ألفتنا لجمعها، ولو كان الله يقدر على [أن] يفقّه قلوبنا لفقهها فأعمد إلى عودين يابسين، ثمّ ائت بهما ناديهما في أجمع ما يكونون فقل للعودين: إن الله يأمركما أن تكونا عودا واحدا ففعل، ذلك في مجلسه اختلطا فصارا واحدا، فقال الله لهم: إني قد قدرت على أن أفقه العيدان اليابسة وعلى أن أؤالف بينهما فكيف لا أقدر على أن أجمع إلفهتم إن شئت، أم كيف لا أقدر على أن أفقّه قلوبهم وأنا الذي صورتها.\nيقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا وصلينا فلم تقبل صلاتنا وتصدقنا فلم تزك صدقاتنا، ودعونا بمثل [حنين الحمام] وبكينا مثل عواء الذئب في مكان ذلك لا نسمع ولا يستجاب لنا قال الله: فاسألهم ما الذي يمنعني أن أستجيب لهم، ألست أسمع السامعين وأبصر الناظرين وأقرب المجيبين وأرحم الراحمين؟ الآن ذلّت يدي؟\nقلت: كيف ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء ومفاتح الخزائن عندي لا يفتحها غيري أو لأن رحمتي ضاقت فكيف ورحمتي وسعت كل شيء، إنما يتراحم المتراحمون بفضلها أو لأن [البخل يعتريني] أو لست أكرم الأكرمين والفتاح بالخيرات؟ أجود من أعطي وأكرم من سئل لو أن هؤلاء القوم نظروا لأنفسهم بالحكمة التي نورت في قلوبهم فنبذوها واشتروا بها الدنيا إذا لأبصروا من حيث أتو وإذا لأيقنوا أن أنفسهم [هي] أعدى العداة فيهم، فكيف أرفع صيامهم وهم يلبسونه بقول الزور [ويتقوون] عليه بطعمة الحرام؟ وكيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحاربني وينتهك محارمي، أم كيف تزكوا عندي صدقاتهم؟ وهم يتصدقون بأموال غيرهم وإنما أؤجر عليها أهلها المغصوبين، أم كيف أستجيب لهم دعاءهم؟ وإنما هو قول بألسنتهم","vol":"6","page":73},{"text":"والفعل من ذلك بعيد وإنما أستجيب للداع اللين وأنا أسمع قول المستضعف المسكين، وإن من علامة رضاي رضا المساكين، فلو رحموا المساكين وقربوا الضعفاء وأنصفوا المظلوم ونصروا المغصوب والمغلوب وأعدلوا الغائب [وأدوا] إلى اليتيم والأرملة والمسكين وكل ذي حق حقه، ثمّ لو كان ينبغي أن أكلم البشر إذا لكلّمتهم، وإذا لكنت نور أبصارهم وسمع آذانهم ومعقول قلوبهم وإذا لدعمت أركانهم وكنت قوة أيديهم وأرجلهم، وإذا لبثت ألسنتهم وعقولهم.\nيقولون: لمّا سمعوا كلامي وبلغتهم رسالاتي: إنها أقاويل متقولة وأحاديث متوارثة وتأليف كما يؤلف السحرة والكهنة، وزعموا أنهم لو شاءوا أن يأتوا بحديث مثله فعلوا وأن يطلعوا على علم الغيب، لاطلعوا بما توحي إليهم الشياطين وكلمهم ويستخفى بالذي يقول ويسرّ وهم يعملون أني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما يبدون وما كنتم يكتمون وإني قد قضيت يوم خلقت السماء والأرض قضاء أثبته على نفسي وجعلت دونه أجلا مؤجلا لا بد أنه واقع، فإن صدّقوا بما ينتحلون من علم الغيب فليخبروك متى أنفذه أو في أي زمان يكون وإن كانوا يقدرون على أن يأتوا بما يشاءون فليأتوا بمثل القدرة التي بها أمضيت فإني مظهره عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ.\nوإن كانوا يقدرون على أن يقولوا ما يشاءون فليألفوا مثل الحكمة التي أدبّر بها أمر ذلك القضاء إن كنتم صادقين فإنّي قد قضيت يوم خلقت السماوات والأرض أن أجعل النبوة في الإجراء وأن أجعل الملك في الدعاء والعز في الأذلاء والقوة في الضعفاء والغنى في الفقراء والثروة في الأقلاء [والمدائن في الفلوات] والآجام في المغوز والبردة في الغيطان، والعلم في الجهلة والحكم في الأميين فسلهم متى هذا ومن القيّم بها وعلى يد من أسنّه ومن أعوان هذا الأمر وأنصاره إن كانوا يعلمون، فإني باعث لذلك نبيّا أحيا ليس أعمى من عميان ولا ضالا من ضالين وليس بفظ ولا غليظ ولا [بصخاب] في الأصوات [ولا متزين بالفحش] ولا قوال للخنى أسدده لكل جميل أهب له كل خلق [كريم] أجعل السكينة لباسه والبر شعاره والتقوى ضميره والحكمة معقولة والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والعدل والمعروف سيرته والحق شريعته والهدى امامه والإسلام ملته وأحمد اسمه أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة، ثمّ أرفع به بعد [الخمالة] وأشهر به بعد النكرة وأكثر به بعد القلة وأغني به بعد المعيلة وأجمع به بعد الفرقة وأولف به قلوبا مختلفة وأهواء متشتتة وأمما متفرقة وأجعل أمته خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر إيمانا بي وتوحيدا لي وإخلاصا بي يصلون لي قياما وقعودا وركعا وسجودا ويقاتلون في سلبي صفوفا وزحوفا ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء رضواني، ألهمتهم التكبير والتوحيد والتسبيح والحمد والمدحة والتمجيد لي في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، يكبرون ويهللون ويقدسون على رؤوس الأسواق ويطهرون لي الوجوه والأطراف ويعقدون في الأنصاف، قربانهم دماؤهم وأناجيلهم في صدورهم","vol":"6","page":74},{"text":"رهابين في الليل ليوث في النهار، ذلك فضلي أديته من أشاء وأنا ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ.\nفلما فرغ نبيهم شعياء إليهم من مقالته عدوا عليه ليقتلوه فهرب منهم فلقيت شجرة وانفلقت له فدخل فيها [وأدركه الشيطان الشجرة] فأخذ بهدبة من ثوبه فأراهم إياها فوضعوا المنشار في وسطها فنشروها حتّى قطعوها وقطعوه في وسطها، [فاستخلف الله] على بني إسرائيل بعد قتلهم شعياء رجلا منهم يقال له ناشية بن أموص وبعث لهم الخضر نبيا- واسم الخضر ارميا بن حلفيا- وكان من سبط هارون بن عمران فأما سمي الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء فقام [عنها وهي تهتز] خضراء، فقال الله لأرميا حين بعثه نبيا إلى بني إسرائيل: يا أرميا من قبل أن أخلقك اخترتك، ومن قبل أن أصورك في بطن أمك قدستك ومن قبل أن أخرجك من بطن أمك طهرتك، وذكر الحديث بطوله في خطبة أرميا لقومه وفتياه التي أفتى به، ودخول بخت نصر وجنوده بيت المقدس فوطئ الشام كما ذكرنا في سورة البقرة.\nفلما رأى ارميا ذلك طار حتّى خالط الوحش ودخل بخت نصّر وجنوده بيت المقدس فوطئ الشام وقتل بني إسرائيل حتّى أفناهم وخرب بيت المقدس، ثمّ أمر جنوده أن يملأ كل رجل منهم قربته تراب ثمّ يقذفه في بيت المقدس فقذفوا فيه التراب حتّى ملؤه، ثم انصرف راجعا إلى أرض بابل واحتمل معه سبايا بني إسرائيل وأمرهم أن يجمعوا من كان في بيت المقدس كلهم فجمعوا عنده كل صغير وكبير من بني إسرائيل فاختار منهم بسبعين ألف صبي.\nفلما خرجت غنائم جنده وأراد أن يقسمهم فيهم قالت له الملوك الذين كانوا معه: أيها الملك لك غنائمنا كلها [وأقسم بيننا] فلولا الصبيان الذين اخترتهم من بني إسرائيل، ففعل فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة وكان من أولئك الغلمان دانيال، وحنانيا، وعزاريا، وماشايل وسبعة آلاف من أهل بيت داود وأحد عشر ألفا من سبط يوسف بن يعقوب وأخيه ابن يامين، وثمانية ألف من سبط أشر بن يعقوب، وأربعة عشر الفا من سبط زبالون بن يعقوب [ونفتال] بن يعقوب وأربعة ألف من سبط [يهوذا] بن يعقوب [وأربعة] ألف من سبط [روبيل ولاوي] ابني يعقوب ومن بقي من بني إسرائيل وجعلهم بخت نصر ثلاث فرق: فثلثا أقر بالشام وثلثا سبي وثلثا قتل.\nوذهب بأبيه بيت المقدس حتّى أقدمها بابل وذهبت بالصبيان التسعين الألف حتّى أقدمهم بابل، فكانت هذه الواقعة الأولى التي أنزل الله ببني إسرائيل بأحداثهم وظلمهم «١» وذلك قول الله فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني بخت نصر وأصحابه.\nما يروى عن حجاج عن ابن جريج عن يعلي بن مسلم عن سعيد بن جبير قال: كان رجل\n_________\n(١) بتمامه في تفسير الطبري: ٣/ ٤٠- ٤٩، و١٥/ ٥٢- ٤٥.","vol":"6","page":75},{"text":"من بني إسرائيل يقرأ حتّى إذا بلغ بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ بكى وفاضت عيناه ثمّ أطبق المصحف وقال: أي رب أرني هذا الرجل الذي جعلت هلاك بني إسرائيل على يديه فأري في المنام مسكينا ببابل يقال له: بخت نصر فانطلق بمال [وبأعبد له] وكان رجلا موسرا [وقيل له أين] تريد؟\nقال: أريد التجارة حتّى نزل دارا ببابل [فاستكبر] إلها ليس فيها أحد غيره فجعل يدعو المساكين ويتلطف بهم حتى لا يأتيه أحد فقال: هل بقي غيركم مسكين؟ قالوا: نعم مسكين [يفتح الفلان مريض] يقال له: بخت نصر، فقال لغلمانه: انطلقوا حتى أتاه، فقال: ما أسمك؟\nقال: بخت نصر، فقال لغلمانه احتملوه فنقل عليه فمرّضه حتّى برأ فكساه وأعطاه نفقة ثمّ أذن الإسرائيلي بالرحيل فبكى بخت نصر، فقال الإسرائيلي: ما يبكيك؟\nقال: أبكي إنك فعلت بي ما فعلت ولا أجد شيئا أجزيك، قال: بلى شيئا يسرا إن ملكت أطعتني فجعل لا يتبعه فيما سأل فقال: تستهزئ بي ولا يمنعه أن يعطيه ما سأل إلّا أنه يرى أنه يستهزئ به قبلي الإسرائيلي، فقال: لقد علمت ما يمنعك أن تعطيني ما سألتك إلّا أن الله يريد أن ينفذ ما قد قضى وكتب في كتابه وضرب الدهر من ضربه.\nقال صيحورا ملك فارس ببابل: لو إنا بعثنا طليعة إلى الشام قالوا: وما ضرك لو فعلت؟\nقال فمن ترون قال: فلان فبعث رجلا وأعطاه مائة ألف وخرج بخت نصر في مطبخه لا يخرج إلّا ليأكل في مطبخه.\nفلما قدم الشام رأى صاحب الطليعة أكثر أرض الله فرسا ورجالا [جاء وقد كسر] ذلك في ذرعه فلم يسأل قال: فجعل بخت نصر يجلس مجالس أهل الشام فيقول: ما يمنعكم أن تغزوا بابل فإذا غزوتموها ما دون بيت مالها شيء.\nقالوا: لا نحسن القتال، قال: ولو أنكم غزوتهم قالوا: لا نحسن القتال ولا نقاتل حتّى أنفذ مجالس أهل الشام، ثمّ رجعوا فأخبر الطليعة ملكهم بما رأى وجعل بخت نصر يقول لفوارس الملك: لو دعاني الملك لأخبرته غير ما أخبره فلان، فرفع ذلك إليه فدعاه فأخبره الخبر وقال: إن فلانا لما رأى أكثر أرض الله فرسا ورجالا جلدا كبر ذلك في روعه ولم يسألهم عن شيء، قال: لم أدع مجلسا شيئا بالشام [الآجال وأصله] فقلت لهم: كذا وكذا، فقالوا لي: كذا وكذا.\nقال سعيد بن جبير: وقال صاحب الطليعة لبخت نصر: إن صحبتني أعطي لك مائة ألف وتنزع عما قلت. قال: لو أعطيتني بيت مال بابل لما نزعت فضرب الدهر من ضربة، فقال الملك: لو بعثنا جريدة خيل إلى الشام، فإن وجدوا مساغا وإلا انثنوا ما قدورا عليه، قال: وما ضرّك لو فعلت، قال: فمن ترون؟ قالوا: فلان. قال: هل الرجل الذي [أخبرني بما أخبرني]","vol":"6","page":76},{"text":"فدعا بخت نصر فأرسله وانتخب معه أربعمائة ألف من فرسانهم فانطلقوا فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [فسبوا] ما شاء الله ولم [يخرّبوا] ولم يقتلوا، ومات [صيحون فقالوا]: استخلفوا رجلا، قالوا: على رسلكم حتّى يأتي أصحابكم فإنهم فرسانكم لن ينقضوا عليكم شيئا، أمهلوا فأمهلوا حتّى جاء بخت نصر [بالسبي] وما معه فقسمه في الناس، فقالوا: ما رأينا أحدا أحق بالملك من هذا فملكوه «١» .\nوقال السدي بإسناده: إن رجلا من بني إسرائيل رأى في النوم أن خراب بيت المقدس هلاك بني إسرائيل [خلي إليّ] غلام يتيم ابن أرملة من أهل بابل يدعى بخت نصر وكانوا يصدقون فيصدق، فأقبل يسأل عنه حتّى [نزل على أبيه] وهو يحتطب فلما جاءوا على رأسه حزمة من حطب ألقاها ثمّ قعد في جانب من البيت فكلمه ثمّ أعطاه ثلاثة دراهم، فقال: اشتر بهذا طعاما وشرابا واشترى بدرهم لحما وبدرهم خبزا وبدرهم خمرا، فأكلوا وشربوا حتّى كان اليوم الثاني فعل به مثل ذلك، حتّى إذا كان اليوم الثالث فعل به ذلك، ثمّ قال: إني أحب أن [تكتب لي أمانا] إن كانت ملكت يوما من الدهر، فقال: أتسخر مني؟ قال: إني لا أسخر بك [ولكن ما عليك لن تتخذ] بها عندي مريدا فكلمته أية، فقالت: يا ملك إن كان مالا لم ينقصك شيئا فيكتب به أمانا، فقال: أرأيت إن جئت والناس حولك قد حالوا بيني وبينك فاجعل لي آية تعرفني بها، قال: ترفع صحيفتك على قصبة فأعرفك بها فكساه وأعطاه.\nثمّ إن ملك بني إسرائيل كان يكرم يحيى بن زكريا (﵉) ويدني مجلسه ويستشيره في أمره ولا يقطع أمرا دونه [فإنه هوى] أن يتزوج ابنة امرأة له، فسأل عن ذلك يحيى فنهاه عن نكاحها، قال: لست أرضاها لك، فبلغ ذلك أمها فحقدت على [يحيى] حين نهاه أن يتزوج ابنتها [فذهبت إلى جارية] حين حس الملك على شرابه، فألبستها ثيابا رقاقا خضراء وطيبتها وألبستها من الحلي وألبستها فوق ذلك كساء أسود فأرسلتها إلى الملك وأمرتها أن تسقيه وأن تتعرض له فإن راودها عن نفسها أتت عليه حتّى يعطيها ما سألته، فإذا أعطاها ذلك سألته أن يأتي برأس يحيى بن زكريا (﵉) في طشت، ففعلت فجعلت تسقيه وتعرض له فلما أخذ منه الشراب راودها عن نفسها، فقالت: لا [أقبل] حتّى تعطيني ما أسألك، قال: ما تسألين؟ قالت: أسألك أن تبعث إليّ يحيى بن زكريا فتأتي برأسه في هذا الطشت، فقال الملك: سليني غير هذا.\nقالت: ما أريد إلّا هذا، فلما أبت عليه بعث إليه فأتى برأسه [والرأس يتكلم] في الطشت حين وضع بين يديه وهي تقول [لا يحل لك]، فلما أصبح إذا دمه يغلي فأمر بتراب فألقى عليه فرمى الدم فوقه فلم يزل يلقي عليه من التراب حتّى بلغ سور المدينة وهو يغلي وبلغ صيحابين فثار في الناس وأراد أن يبعث إليهم جيشا أو يؤمر عليهم رجلا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٥/ ٣٩ وتصويب العبارة منه.","vol":"6","page":77},{"text":"فأتاه بخت نصر فكلمه وقال: إن الذي كنت أرسلته تلك المرة ضعيف وأني قد دخلت المدينة وسمعت كلام أهلها [فأبعثني] فبعثه فسار بخت نصر حتّى إذا بلغوا ذلك المكان [تحصنوا] منه في مدائنهم فلم يطقهم فلما اشتدّ عليهم المقام وجاع أصحابه أرادوا الرجوع، فخرجت إليه عجوزا من عجائز بني إسرائيل فقالت: أين أمير الجند؟ فأتى بها إليه فقالت له: إنه قد بلغني أنك تريد [.....] «١» ثمّ ترجع بجندك قبل أن تفتح هذه المدينة، قال: نعم، قد طال مقامي وجاع أصحابي فلست أستطيع المقام فوق الذي كان مني، فقالت: أرأيتك إن فتحت لك المدينة أتعطيني ما أسألك [فتقتل] من أمرتك بقتله وتكف إن أمرتك أن تكف؟ قال لها: نعم، قالت: إذا أصبحت فأقسم جندك أربعة أرباع ثمّ أقم على كل زاوية ربعا ثمّ ارفعوا أيديكم إلى السماء فنادوا: إنا نستفتحك يا الله بدم يحيى بن زكريا فإنها سوف تساقط، ففعلوا فتساقطت المدينة ودخلوا من جوانبها فقالت له: كف يدك وأقبل على هذا الدم حتّى يسكن وانطلقت به إلى دم يحيى وهو على [تراب كثيرة] فقتل عليه حتّى سكن فقتل سبعين ألفا فلما سكن الدم، قالت له: كف يدك فإن الله تعالى إذا قتل نبي لم يرض حتّى يقتل من قتله ومن رضى قتله، وأتاه صاحب الصحيفة بصحيفة فكف عنه وعن أهل بيته وخرب بيت المقدس وأمر أن يطرح الجيفة فيه، وقال: من طرح جيفة فيه فله جزيته تلك السنة وأعانه الله على خرابة الروم من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى.\nفلما خربه بخت نصر ذهبت معه بوجوه بني إسرائيل وأشرافهم وذهب بدانيال وعليا وعزاريا وميشائيل هؤلاء كلهم من أولاد الأنبياء وذهب معه برأس جالوت، فلما قدم أرض بابل وجد صحابين قد مات فملك مكانه وكان أكرم الناس عليه دانيال وأصحابه حسدهم المجوس على ذلك فوشوا بهم إليه وقالوا: إن دانيال وأصحابه لا يعبدون إلهك وإنما يعبدون غيره ولا يأكلون ذبيحتك فدعاهم فسألهم فقالوا: أجل إن لنا ربا نعبده ولسنا نأكل من ذبيحتكم فأمر بحد فخدّ لهم فألقوا فيه وهم ستة وألقى معهم سبعا ضاريا ليأكلهم، ففعلوا ذلك فانطلقوا ليأكلوا ويشربوا فذهبوا فأكلوا وشربوا ثمّ راحوا فوجدوهم جلوسا والسبع معترش ذراعيه بينهم لم يخدش منهم أحدا ولم ينكأه شيئا ووجدوا معهم رجلا فعدوهم فوجدوهم سبعة فقالوا: ما بال هذا السابع وإنما كانوا ستة فخرج إليهم السابع وكان ملكا من الملائكة فلطمه لطمة فصار في الوحش ومسخه الله سبع سنين فيه.\nثمّ إن بخت نصر رأى رؤيا عبّرها له دانيال (﵇)، وهو ما روى إسماعيل بن عبد الكريم عن عبد الصمد بن معقل أنه سمع راهبا يقول: إن بخت نصر رأى في آخر زمانه صنما رأسه من ذهب وصدره من فضة وبطنه من نحاس وفخذاه من حديد وساقاه من فخار، ثمّ رأى\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.","vol":"6","page":78},{"text":"حمرا من السماء وقع عليه قذفه ثمّ أتاه الحجر حتّى ربا فملىء ما بين المشرق والمغرب، ورأى شجرة أصلها في الأرض وفروعها في السماء ثمّ رأى رجلا بيده فأس، وسمع مناديا ينادي:\nاضرب بجذعها لتفرق الطير من فروعها وتفرق الدواب والسباع من تحتها، وأنزل [....] «١»\nعبرها له دانيال (﵇) .\nقال: أما الصنم الذي رأيت فأتيت الرأس الذهب فأنت أفضل الملوك، وأما الصدر الذي [رأيت] من فضة فابنك يملك من [بعدك]، وأما البطن الذي رأيت من نحاس فذلك يكون من بعد [ابنك] وأما رأيت من الفخذ من حديد فهو ملك أهل فارس يكون ملكهم شديدا مثل الحديد، وأما الرجل من فخار فتفرق أهل فارس فرقتين ولا يكون فيهم حينئذ قوام كما لم يلين قوام الصنم على رجلين من فخار، وأما الحجر الذي ربا حتّى ملأ ما بين المشرق والمغرب فنبي يبعثه الله في آخر الزمان فيفرق ملكهم كله «٢» فيربوا ملكه حتّى يكون ما بين المشرق والمغرب.\nوأما الشجر الذي رأيت والطير الذي عليها والسباع والدواب التي تحتها وما أمر [بقطعها فيذهب] ملكك فيردك الله طائرا يكون شرا ملك الطير ثمّ يردك ثورا ملك الدواب ثمّ يردك الله أسدا ملك السباع والوحش سبع سنين كان مسخه كله سبع سنين. في ذلك كله قلبك قلب إنسان حتّى تعلم أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهو يقدر على الأرض ومن عليها، وما رأيت أصلها [قائما] «٣» فإن ملكك قائم، فمسخ بخت نصر نسرا من الطير وثورا من الدواب وأسدا من السباع ثمّ ردّ الله إليه ملكه فأمن ودعا الناس إلى الله.\n[وسئل وهب بن منبه] أكان مؤمنا؟ قال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فمنهم من قال: مات مؤمنا، ومنهم قال: أحرق بيت الله وكتبه وقيد الأنبياء، وغضب الله عليه غضبا، فلم يقبل منه حينئذ توبته.\nوقال بخت نصر لما رجع إلى صورته ثانية بعد المسخ [فردّ الله] إليه ملكه: كان دانيال وأصحابه أكرم الناس عليه فحسدتهم المجوس وقالوا لبخت نصر: إن دانيال إذا شرب الخمر لم يملك نفسه أن يبول، وكان ذلك فيهم عارا فجعل لهم بخت نصر طعاما فأكلوا وشربوا وقال للبواب: أنظر أول من يخرج عليك ليبول فاضربه بالطبرزين «٤» وإن قال: أنا بخت نصر، فقل:\nكذبت بخت نصر أمرني به فحبس الله عن دانيال البول وكان أول من قام من القوم يريد البول بخت نصر وكان مدلا وكان ليلا، فقام يسحب ثيابه فلما رآه البوّاب شد عليه فقال: أنا بخت\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) الطبرزين: آلة من السلاح تشبه الطبر والفأس.","vol":"6","page":79},{"text":"نصر قال: كذبت بخت نصر أمرني أن أقتل أول من يخرج فضربه فقتله «١» .\nوأما محمّد بن إسحاق بن يسار فإنه قال: في هلاك بخت نصر غير ما قال السدي، وذلك أنه قال بإسناده: لما أراد الله [......] ليبعث فقال لمن كان في [......] «٢» وكان يعذبه من بني إسرائيل: أن أتتم هذا البيت الذي خربته وهؤلاء الناس الذين قلت من هم وما هذا البيت، فقالوا: هذا بيت الله ومسجد من مساجده وهؤلاء أهله، كانوا من [ذراري الأنبياء] وظلموا [وتعذروا] «٣» وعصوا عليهم بذنوبهم وكان ربهم رب السماوات والأرض ورب الخلق كلهم يكرههم ويمنعهم [ويحرمهم]، فلما فعلوا ما فعلوا أهلكهم الله وسلط عليهم غيرهم.\nقال: فأخبروني ما الذي يطلع بي إلى السماء العليا لعلي أطلع عليها فأقبل من فيها واتخذها ملكا فإني قد [فرغت] من الأرض ومن فيها، قالوا: ما يقدر عليه أحد من الخلائق، قال: لتفعلن [أو لأقتلنكم عن آخركم] «٤» فبكوا إلى الله وتضرعوا إليه، فبعث الله عليه بقدرته بعوضة ليرى ضعفه وهو انه فدخلت في منخره ثمّ سلفت في منخره حتّى عضت بأم الدماغ، فما كان [يقر ولا يسكن] «٥» حتّى توجأ له رأسه على أم دماغه فلما عرف الموت قال لخاصته من أهله: إذا مت فشقوا رأسي وانظروا ما هذا الذي قتلني، فلما مات شق رأسه فوجد البعوضة عاضة بأم دماغه، ليرى الله العباد قدرته وسلطانه ويحيى الله من كان بقي في يديه من بني إسرائيل وترحم عليهم وردهم إلى إيليا والشام فبنوا فيها وأربوا وكثروا حتّى كانوا على أحسن ما كانوا عليه.\nويزعمون أن الله تعالى اختار توليت الموتى الذين قتلوا ولحقوا بهم، ثمّ إنهم لما رجعوا إلى الشام وقد أحرق التوراة [وليس معهم عهد] من الله جدد الله توراته وردها عليهم على لسان عزيز (﵇) وقد مضت القصة، فهذا الذي ذكرت جميع أمر بخت نصر على ما جاء في التفسير المعتمد في أخبار الأنبياء، إلّا أن رواية من روى أن بخت نصر هو الذي غزا بني إسرائيل عند [قتلهم] يحيى بن زكريا غلط [أهل السير] والأخبار والعلم بأمور الماضين من أهل الكتاب والمسلمين، ذلك أنهم مجمعون على أن بخت نصر غزا بني إسرائيل عند قتلهم نبيهم شعياء وفي عهد أورميا بن حلفيا (﵇) وهي الوقعة الأولى التي قال الله فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني بخت نصر وجنوده، قالوا ومن عهد أروميا\n_________\n(١) بتمامه في تفسير الطبري مع تفاوت: ١٥/ ٤٥.\n(٢) كلام غير مقروء.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":80},{"text":"وتخريب بخت نصر بيت المقدس إلى عهد يحيى بن زكريا أربعمائة وإحدى وستون سنة، وذلك أنهم يعدون من لدن تخريب بخت نصر بيت المقدس إلى حين [عمارته في عهد كوسك] «١» سبعين سنة، ثمّ من بعد عمرانه إلى ظهور الإسكندر على بيت المقدس وحيازة ملكها إلى مملكة الإسكندر ثمانية وثمانين سنة، ثمّ من بعد مملكة الإسكندر إلى موت يحيى بن زكريا (﵇) بثلاثمائة وثلاث وستون، ويروى بثلاثمائة سند وثلاث سنين.\nوإنما الصحيح من ذلك ما ذكر محمّد بن إسحاق بن يسار قال: كثر عن بني إسرائيل بعد ما عمرت الشام وعادوا إليها بعد اخراب بخت نصر إياها وسبيهم منها، فجعلوا بعد ذلك يحدثون الأحداث بعد مهلك عزيز (﵇) ويتوب الله عليهم وبعث الله فيهم الأنبياء وفريقا يكذبون وفريقا يقتلون حتّى كان آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى وكانوا من بيت آل داود، فمات زكريا وقتل يحيى بسبب رغبة الملك عن نكاح ابنته، في قول عبد الله ابن الزبير وابنة أخته في قول السدي وابنة أخيه في قول ابن عبّاس.\nوهو الأصح إن شاء الله، لما روى الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير قال: بعث عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا في اثنى عشر من الحواريين يعلمون الناس، وكان مما نهوهم نكاح بنت الأخ، قال: وكانت لملكهم ابنت أخ تعجبه يريد أن يتزوجها وكانت لها في كل يوم حاجة يقضيها، وذكر الحديث بطوله في مقتل يحيى «٢» .\nرجعنا إلى حديث ابن إسحاق، فلما رفع الله موسى من بين أظهرهم وقتلوا يحيى بن زكريا، وبعض الناس يقول: قتلوا زكريا انبعث عليهم ملك من ملوك بابل يقال له: خردوس فسار إليهم بأهل بابل حتّى دخل عليهم الشام، فلما ظهر عليهم أمر رأسا من رؤوس جنوده يدعى [نبور زاذان] صاحب القتل فقال له: إني قد كنت حلفت بإلهي لئن أنا ظهرت على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتّى تسيل دماؤهم في وسط عسكري، إلّا أني لا أجد أحدا أقتله، فأمره ان يقتلهم حتّى يبلغ ذلك منهم نبور زاذان، فدخل بيت المقدس وكان في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم [فوجد فيها دما يغلي] فسألهم عنه، قالوا: هذا دم قربان قربناه فلم يقبل منا فلذلك هو يغلي كما تراه ولقد قربنا منذ ثمانمائة سنة القربان فتقبل منا إلّا هذا القربان، قال: ما صدقتموني الخبر قالوا له: لو كان كأول زماننا لقبل منا ولكنه قد انقطع منا الملك والنبوة والوحي فلذلك لم يتقبل منا فذبح منهم [نبور زاذان] على ذلك الدم سبعمائة وسبعون رأسا من رؤسائهم فلم يهدأ فأمر بسبعة آلاف من شيعهم وأزواجهم فذبحهم «٣» على الدم فلم يرد ولم يهدأ\n_________\n(١) كذا في تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٢٠ وعند الطبري: كيرش. [.....]\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢١٩.\n(٣) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":81},{"text":"فلما رأى نبور زاذان أن الدم لا يهدأ قال لهم: ويلكم يا بني إسرائيل اصدقوني واصبروا على أمر ربكم [فقد طال] ما ملكتم في الأرض، تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك نافخ نار لا أنثى ولا ذكر إلا قتلته فلما [رأوا الجهد] وشدة القتل صدقوه القول فقالوا له: إن هذا دم نبي منا كان ينهاها عن أمور كثيرة من سخط الله فلو أطعناه فيها لكان أرشد لنا وكان يخبرنا بالملك فلم نصدقه فقتلناه فقال لهم نبور زاذان: ما كان اسمه؟ قال: يحيى بن زكريا، قال: وهل صدقتموني، بمثل هذا ينتقم منكم ربكم، فلما رأى نبور زاذان أنهم قد صدقوه خرّ ساجدا وقال لمن حوله:\nأغلقوا أبواب المدينة واجمعوا من كان هاهنا من جيش خردوس وخلا في بني إسرائيل.\nقال: يا يحيى بن زكريا قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم من أجلك فاهدأ بأذن الله قبل أن لا يبقي من قومك أحد، فهدأ دم يحيى بن زكريا بإذن الله، ورفع نبور زاذان عنهم القتل [وقال: آمنت بما آمنت به بنو إسرائيل وصدقت به وأيقنت أنه لا رب غيره، ولو كان معه آخر لم يصلح ولو كان له شريك لم تستمسك السموات والأرض، ولو كان له ولد لم يصلح، فتبارك وتقدس وتسبح وتكبر وتعظم ملك الملوك الذي له ملك السموات السبع والأرض وما فيهن وما بينهن، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فله الحكم والعلم والعزة والجبروت وهو الذي بسط الأرض وألقى فيها رواسي لئلا تزول، فكذلك ينبغي لربي أن يكون ويكون ملكه] «١» فأوحى الله تعالى إلى رؤس من رؤوس بقية الأنبياء أن نبور زاذان حبور «٢» صدوق.\nوأن نبور زاذان قال لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل إن عدو الله خردوس أمرني أن أقتل منكم حتّى تسيل دماءكم وسط عسكره وإني لست أستطيع أن أعصيه قالوا له: افعل ما أمرت به فأمرهم فحفروا خندقا وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم فذبحها حتّى سال الدم في العسكر وأمر بالقتلى الذين كانوا قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم حتّى كانوا فوقهم، فلم يظن خردوس إلا أن ما كان في الخندق من بني إسرائيل فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى نبور زاذان أن أرفع عنهم القتل فقد بلغني دماؤهم [وقد انتقمت منهم لما فعلوا] «٣» ثمّ انصرف عنهم إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاده، وهو الوقعة الاخيرة التي أنزل الله ببني إسرائيل في قوله وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ الآيات.\nوكانت الوقعة الأولى: بخت نصر وجنوده ثمّ ردّ الله لهم الكرة عليهم وكانت الوقعة الاخيرة خردوس وجنوده فلم [.....] همام بعد ذلك [.....] . فانتقل الملك بالشام\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ٥٥.\n(٢) الحبور بالعبرانية: حديث الإيمان.\n(٣) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ٥٥.","vol":"6","page":82},{"text":"ونواحيها إلى الروم واليونان، ثم إن بني إسرائيل كثروا وانتشروا بعد ذلك وكانت لهم ببيت المقدس [بزواجها] على غير وجه الملك وكانوا في أهبة ومنعة إلى أن بدلوا وأحدثوا الأحداث وانتهكوا المحارم وضربوا الحدود فسلط الله عليهم ططوس بن سيبانو الرومي، فأخرب بلادهم وطردهم عنها ونزع الله عنهم الملك والرئاسة وضرب عليهم الذلة، فليسوا في أمة من الأمم إلّا وعليهم [الصغار] والملك في غيرهم وبقي بيت المقدس خرابا إلى أيام عمر بن الخطاب (﵁) عمّره المسلمين بأمره.\nوروى أبو عوانة عن أبي بشير قال: سألت سعيد بن جبير عن قوله تعالى وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ الآيات، فقال: أما الذين فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ فكان مرحا بن الجزري فإذا جاء إلى قوله تَتْبِيرًا فكان جالوت الجزري شعبة من [.....] «١» .\nثمّ قال: ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ إلى قوله تَتْبِيرًا قال: هذا بخت نصر الذي خرب بيت المقدس.\nثمّ قال لهم بعد ذلك عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ [على هذا ثمّ] «٢» وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا قال فعادوا فعيد عليهم فبعث الله عليهم ملك الروم ثمّ عادوا أيضا فعيد عليهم فبعث الله عليهم ملك [......] «٣» ثمّ عادوا أيضا فعيد عليهم سابور ذو الأكتاف.\nقتادة في هذه الآية (وَقَضَيْنا) قضى على القوم كما تسمعون فبعث عليهم في الأولى جالوت، فسبى وقتل وخرب وجاسوا خِلالَ الدِّيارِ، ... ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ يعني يا بني إسرائيل الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ والملك في زمان داود (﵇) فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ آخر الكرتين بعث الله عليهم بخت نصر أبغض خلق الله، فسبى وقتل وخرب بيت المقدس وسامهم سوم العذاب، ثمّ قال عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ «٤» فعاد الله إليهم برحمته ثمّ عاد [الله إليهم بشر] «٥» بما عذبهم، فبعث الله عليهم ما شاء أن يبعث من آفته وعقوبتة، ثمّ بعث الله عليهم هذا الحي من العرب كما قال: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ «٦» [....] «٧» .\n_________\n(١) كلام غير مقروء.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) هكذا في الأصل.\n(٦) سورة الأعراف: ١٦٧.\n(٧) كلام غير مقروء.","vol":"6","page":83},{"text":"وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أي أخبرناهم وعلمناهم في ما آتيناهم من الكتب.\nوقال ابن عبّاس وقتادة: يعني وقضينا عليكم، وعلى هذا التأويل يكون (إلى) بمعنى (على) وبمعنى بالكتاب اللوح المحفوظ، لَتُفْسِدُنَّ قيل: لام القاسم مجازة: والله لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ بالمعاصي لَتَعْلُنَّ ولتستكبرن ولتظلمن الناس عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما يعني أولي المرتين واختلفوا فيها فعلى قول قتادة: إفسادهم في المرة الأولى ما خالفوا من أحكام التوراة [وحكموا] ربهم ولم يحفظوا أمر نبيهم موسى (﵇) وركبوا المحارم وتعدوا على الناس.\nوقال السدي: في خبر ذكره عن أبي مالك وأبي جهل عن ابن عبّاس وعن أمية الهمذاني عن ابن مسعود: إن أول الفسادين قتل زكريا.\nوقال ابن إسحاق: إن إفسادهم في المرة الأولى قتلهم شعياء بن أمصيا في عهد أرمياء في الشجرة.\nوقال ابن إسحاق: إن بعض أهل العلم أخبره أن زكريا مات موتا ولم يقتل وأن المقتول هو شعياء (﵇) .\nبَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبادًا لَنا يعني [جالوت الجزري] وجنوده وهو الذي قتله داود.\nقال قتادة: وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو المعلى ويعلى «١» عن سعيد بن جبير: هم صحاريب من أهل نينوى، وهي الموصل.\nأبو بشير عنه: صرخان الخزري، وقال: ابن إسحاق: بخت نصر البابلي وأصحابه.\nأُولِي بَأْسٍ يعني بطش، وفي الحرب شَدِيدٍ فَجاسُوا أي خافوا وداروا.\nقال ابن عبّاس: مشوا، الفراء: قتلوكم بين بيوتكم.\nوأنشد لحسان:\nومنا الذي لاقى بسيف محمّد ... فجاس به الأعداء عرض العساكر\nأبو عبيدة: طلبوا ما فيها كما يجوس الرجل الأخبار أي يطلبها «٢» .\nالقتيبي: [عاشوا وقتلوا] وأفسدوا «٣» .\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢١٦. [.....]\n(٣) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ٥/ ٨ ونسبه لأبي عبد الرحمن.","vol":"6","page":84},{"text":"ابن جرير: طافوا من الديار يطلبونهم ويقتلونهم ذاهبين وجائين فجمع التأويلات.\nوقرأ ابن عبّاس: فحاسوا بالحاء ومعناها واحد.\nخِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْدًا مَفْعُولًا قضاء كائنا لا خلف فيه ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ الرجعة والدولة عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا عددا.\nقال القتيبي: والنفير من نفر «١» مع الرجل من عشيرته وأهل بيته، يقال: النفير والنافر، وأصله القدير والقادر.\nإِنْ أَحْسَنْتُمْ يا بني إسرائيل أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ لها ثوابا ونفعها وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها أي فعليها كقوله فَسَلامٌ لَكَ أي عليك.\nوقال محمّد بن جرير: قالها كما قال بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها أي إليها، وقيل: فَلَها الجزاء والعقاب.\nوقال الحسين بن الفضل: يعني فَلَها رب يغفر الإساءة «٢» .\nفَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ أي المرة الآخرة من إفسادكم وذلك على قصدهم قتل عيسى (﵇) يحيى حين رفع، وقتلهم يحيى بن زكريا (﵇) فسلط الله عليهم الفرس والروم [...........] «٣» قتلوهم وسبوهم ونفوهم عن بلادهم وأخذوا بلادهم وأموالهم فذلك قوله لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ أي ليحزن، واختلف القراء فيه،\nفقرأ الكسائي: لنسوؤ بالنون وفتح الهمزة على التعظيم اعتبارا، وَقَضَيْنا وبَعَثْنا ورَدَدْنا وأمددنا وجعلنا.\nوروى ذلك عن علي (﵁)\n: وتصديق هذه القراءة قرأ أبي بن كعب: لنسؤنّ وجوهكم بالنون وحرف التأكيد.\nوقرأ أهل الكوفة: بالياء على التوحيد، ولها وجهان: أحدهما ليسؤ الله وجوهكم، والثاني ليسؤ [العدو] وجوهكم.\nوقرأ الباقون: لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ بالياء وضم الهمزة على الجمع، بمعنى ليسؤ العباد أولي بأس شديد وجوهكم وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ يعني بيت المقدس ونواحيه كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا وليهلكوا أو ليدمروا ما عَلَوْا غلبوا عليه [تدميرا] تَتْبِيرًا عَسى لعلّ رَبُّكُمْ يا بني إسرائيل أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد انتقامهم منكم وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ٢١٧.\n(٣) كلام غير مقروء.","vol":"6","page":85},{"text":"قال ابن عبّاس: وَإِنْ عُدْتُمْ إلى المعصية عُدْنا إلى العقوبة، فعادوا فبعث الله عليهم محمدا رسول الله ﷺ يعطون الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ... وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا معينا سجنا ومحبسا من الحصر وهو الحبس، والعرب تسمى [النخيل] حصورا والملك حصيرا [لأنه محجوب محبوس] «١» عن الناس.\nقال لبيد:\nوقماقم غلب الرقاب كأنهم ... جن لدى باب الحصير قيام\nأي باب الملك ومنه: انحصر في الكلام إذا [احتبس عليه] وأعياه، والرجل الحصور عن النساء وحصر الغائط.\nقال الحسن وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا أي فراشا ومهادا، ذهب إلى الحصير الذي يفرش، وذلك أن العرب تسمي البساط الصغير حصيرا، وهو وجه حسن وتأويل صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩ الى ١٦]</span>\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٠) وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا (١١) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا (١٢) وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا (١٣)\nاقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا (١٦)\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ أي الطريقة التي [هي أسد وأعدل وأصوب] «٢» وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وهو الجنة وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا وهي النار وَيَدْعُ الْإِنْسانُ حذفت الواو هنا في اللفظ والخط ولم يحذف في المعنى لأنها في موضع رفع وكان حذفها باستقالتها اللام الساكنة كقوله سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «٣» يَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ «٤»، ويُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ ويُنادِ الْمُنادِ ... فَما تُغْنِ النُّذُرُ ومعنى الآية وَيَدْعُ الْإِنْسانُ على [ماله وولده ونفسه بالسوء] وقوله عند الضجر\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٢٥.\n(٣) سورة العلق: ١٨.\n(٤) سورة الشورى: ٢٤.","vol":"6","page":86},{"text":"والغضب: اللهم العنه اللهم أهلكه دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ أي كدعائه ربه أن يهب له العافية والنعمة ويرزقه السلامة في نفسه وماله وولده [بالشر لهلك] ولكن الله بفضله لا يستجيب له في ذلك، نظيره قوله تعالى وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا عجلا بالدعاء على ما يكره أن يستجاب له فيه.\nقال مجاهد وجماعة من المفسرين، وقال ابن عبّاس: [يريد] ضجرا لا صبرا له على سراء ولا ضرّاء.\nوقال قوم من المفسرين: أراد الإنسان آدم.\nقال سلمان الفارسي: أول ما خلق الله من آدم رأسه، فجعل ينظر وهو يخلق جسده فلما كان عند العصر بقيت رجلاه لو يبث فيها الروح، فقال: يا رب عجّل قبل الليل فذلك قوله وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا.\nوروى الضحاك عن ابن عبّاس قال: لما خلق الله رأس آدم نظر إلى جسده فأعجبه، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا [وقيل: المراد آدم فإنه لما انتهى الروح إلى سرته ذهب لينهض فسقط،\nيروى أنه علم وقع أسيرا إلى سودة بنت زمعة فرحمته لأنينه فأرخت من كتافه فهرب فدعا النبي عليها بقطع اليد ثم ندم فقال: اللهم إنما أنا بشر فمن دعوت عليه فاجعل دعائي رحمة له فنزلت هذه الآية] «١»\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ دلالتين وعلامتين على وحدانيتنا ووجودنا وكمال علمنا وقدرتنا وعدد السنين والحساب فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ\nقال أبو الطفيل: سأل ابن الكواء عليا (﵁) فقال: ما هذا السواد في القمر؟ فقال علي: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً وهو المحو «٢» .\nوقال ابن عباس: الله نور الشمس سبعين جزءا ونور القمر سبعين جزءا فمحا من نور القمر تسعة وستين جزءا فجعله مع نور الشمس فالشمس على مائة وتسعة وثلاثين جزءا والقمر على جزء واحد «٣» .\nوَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ وهي الشمس مُبْصِرَةً [منيرة مضيئة] «٤» .\n_________\n(١) عن هامش المخطوط.\n(٢) تفسير الطبري: ١٥/ ٦٤.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٢٧.\n(٤) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":87},{"text":"وقال أبو عمرو بن العلا: يعني بصرها.\nقال الكسائي: هو من قول العرب أبصر النهار إذا أضاء وصار بحالة يبصرها.\nوقال بعضهم: هو كقولهم: [رجل خبيث مخبث إذا كان أصحابه خبثاء ورجل مضعف إذا كانت دوابه ضعافا فكذلك النهار مبصرا إذا كان أهله بصراء] «١» .\nلِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ إلى قوله فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا بينّاه تبيينا.\nمقاتل بن علي عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله تعالى لما أبرم خلقه فلم يبق من خلقه غير آدم خلق شمسا من نور عرشه وقمرا فكانا جميعا شمسان فأما ما كان في سابق علم الله أن يدعها شمسا فإنه خلقها مثل الدنيا ما بين مشارقها ومغاربها وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها فيحولها قمرا فخلقها دون الشمس من العظيم ولكن إنما يرى صغرهما من شدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض، فلو ترك الله الشمس والقمر كما خلقهما لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل ولا كان يدرك الأجير إلى متى يعمل ومتى يأخذ أجره ولا يدري الصائم إلى متى يصوم ومتى يفطر، ولا تدري المرأة كيف تعتد ولا يدري المسلمون متى وقت صلاتهم ومتى وقت حجهم، ولا يدري الديان متى يحل دينهم ولا تدري الناس متى يبذرون ويزرعون لمعاشهم ومتى يسكنون لراحة أبدانهم فكان الرب سبحانه أنظر لعباده وأرحم بهم فأرسل جبرائيل [فأمّر] جناحه على وجه القمر وهو يومئذ شمس فطمس عنه الضوء وبقي فيه النور، فذلك قوله تعالى وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [والسواد] «٢» الذي ترونه في جوف القمر يشبه الخطوط، فهو أثر المحو «٣» .\nوَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ قال ابن عباس: وما قدر عليه [من خير وشر] فهو ملازمه أينما كان «٤» .\nالكلبي ومقاتل: خيره وشره معه لا يفارقه حتّى يحاسب به [وتلا الحسن: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ] ثمّ قال يا بن آدم بسطت لك صحيفتك ووكل بك ملكان أحدهما عن يمينك والآخر [عن يسارك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذين عن شمالك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا] «٥» .\n_________\n(١) مقوّمة من تفسير القرطبي والمخطوط لا يقرأ.\n(٢) هكذا في الأصل. [.....]\n(٣) ذكره ابن الجوزي مختصرا في الموضوعات: ١/ ١٣٩.\n(٤) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٢٩.\n(٥) تفسير الطبري: ١٥/ ٦٩.","vol":"6","page":88},{"text":"مجاهد: عمله ورزقه، وعنه: ما من مولود يولد إلّا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد.\nوقال أهل المعاني: أراد بالطائر ما قضى عليه [أنه] عامله في ما هو صائر إليه من سعادة أو شقاوة، وإنّما عبر عنه بالطائر على عادة العرب كما كانت تتفاءل به أو تتشاءم من سوانح الطير وبوارحها «١» .\nأبو عبيد والعيني: أراد بالطائر حظه من الخير والشر عن قولهم طار منهم فلان بكذا أيّ جرى له الطائر بكذا.\nوقرأ الحسن ومجاهد وأبو رجاء: طئره في عنقه بغير ألف وإنّما خص عنقه دون سائر أعضائه، لأن العنق موضع السمات وموضع القلائد والأطراف وغير ذلك مما يشين أو يزين، فجرى كلام العرب [بنسبة الأشياء اللازمة] «٢» إلى الأعناق فيقولون هذا في عنقي حتّى أخرج منه وهذا الشيء [لازم صليت] عنقه.\nوَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا قرأ الحسن ومجاهد وابن محيصن ويعقوب: وَيَخْرُجُ بفتح الياء وضم الراء على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتابا نصب كِتابًا على الحال، ويحتمل أن يكون معناه ويخرج له الطائر فيصير كتابا.\nوقرأ أبو جعفر: وَيُخْرَجُ بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل ومجازه ويخرج له الطائر كتابا.\nوقرأ يحيى بن وثاب: وَيُخْرِجُ أي ويخرج الله.\nوقرأ الباقون: بنون مضمومة وكسر الراء على معنى ونحن نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا ونصب كِتابًا بإيقاع الإخراج عليه واحتج أبو عمرو لهذه القراءة بقوله أَلْزَمْناهُ ...\nيَلْقاهُ قرأ أبو عامر وأبو جعفر: تُلَقَّاهُ بضم التاء وتشديد القاف يعني تلقى الإنسان ذلك الكتاب أي [يؤتى] . وقرأ الباقون: بفتح الياء أي يراه.\nمَنْشُورًا نصب على الحال.\nعن بسطام بن مسلم قال: سمعت أبا النباج يقول سمعت أبا السوار العدوي يقرأ هذه الآية ثمّ قال: نشرتان وعليه ما حييت يا ابن آدم فصحيفتك منشورة فاعمل فيها ما شئت، فإذا مت طويت ثمّ إذا بعثت نشرت.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٥/ ٦٦.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":89},{"text":"اقْرَأْ كِتابَكَ يعني فيقال له اقرأ كتابك كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا محاسبا مجازيا.\nقتادة: سيقرأ يومئذ كل من لم يكن في الدنيا [مجازيا] «١» .\nوقال الحسن: [قد عدل والله عليك] من جعلك حسيب نفسك.\nمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ لها نوليه وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها لأن عليها عقابه وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ولا يحمل حامله عمل أخر من الأثام وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا إقامة للحجة عليهم بالآيات التي تقطع عذرهم وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها.\nقرأ عثمان النهدي وأبو رجاء العطاردي وأبو العالية [وأبو جعفر] ومجاهد: أَمَّرْنا بتشديد الميم أيّ خلطنا [شرارها] «٢» فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكتهم.\nوقرأ الحسن وقتادة وأبو حياة الشامي ويعقوب: آمرنا ممدودة أي أكثرنا.\nوقرأ الباقون: بكسر الميم، أي أمرناهم بالطاعة فعصوا، ويحتمل أن يكون بمعنى جعلناهم أمرا لأن العرب تقول أمر غير مأمور أي غير مؤمر، ويجوز أن يكون بمعنى أكثر ما يدل عليه\nقول النبي ﷺ: «خير المال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة»\n«٣» [٢١] «٤» أراد بالمأمورة كثرة النسل ويقال للشيء الكثير: أمر، والفعل منه أمر يأمرون أمرا إذا كثروا.\nوقال لبيد:\nكل بني حرة مصيرهم ... قل وإن أكثرت من العدد\nإن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا، ... يوما يصيروا للهلك والنفذ\nواختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقرأه العامّة.\nوقال أبو عبيد: إنما اخترنا هذه القراءة، لأن المعاني الثلاثة تجتمع فيها يعني الأمر والأمارة والكثرة، مُتْرَفِيها\n[.........] «٥» وهم أغنياؤها ورؤساءها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ\nيوجب عليها العذاب فَدَمَّرْناها تَدْمِيرًا\nفجزيناهم [وأهلكناهم إهلاكا بأمر فيه أعجوبة] .\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) السكة: الطريقة المصطفة من النخل والمأبورة الملقحة، والمعنى: خير المال نتاج وزرع.\n(٤) الآحاد والمثاني للضحاك: ٢/ ٤٢٤، والمعجم الكبير: ٧/ ٩١.\n(٥) كلمة غير مقروءة ولعلها: خلق.","vol":"6","page":90},{"text":"روى معمر عن الزهري قال: دخل رسول الله ﷺ يوما على [زينب] وهو يقول: «لا إله إلّا الله للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» قالت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون، قال: «نعم إذا كثر الخبث» «١» [٢٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٧ الى ٢٥]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًاّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)\nلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢) وَقَضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا (٢٤) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ تخوف كفار مكة وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا وقد اختلفوا في مبلغ مدة القرن:\nقال عبد الله بن أبي: وفي القرن عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله ﷺ في أول قرن كان وآخرهم يزيد بن معاوية.\nوروى محمّد بن القاسم عن عبد الله بن بشير المازني أن النبي ﷺ وضع يده على رأسه وقال: «سيعيش هذا الغلام قرنا» فقلت: كم القرن؟ قال: «مائة سنة» .\nقال محمّد بن القاسم: ما زلنا نعدّ له حتّى [تمت] مائة سنة ثمّ مات.\nوقال الكلبي: القرن ثمانون سنة.\nوروى عمر بن شاكر عن ابن سيرين قال: قال رسول الله ﷺ: «القرن أربعون سنة» [٢٣] .\nمَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ يعني الدنيا فعبرنا بحرف عن الاسم، أراد بالدار العاجلة عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ من البسط والتقدير لِمَنْ نُرِيدُ أن يفعل به ذلك [أوّل] إهلاكه، ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ في الآخرة يَصْلاها يدخلها مَذْمُومًا مَدْحُورًا مطرودا مبعدا وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وعمل لها عملها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا مقبولا غير مكفور كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ أيّ نمد كل الفريقين، من يريد العاجلة ومن يريد الآخرة\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٥/ ٧٣.","vol":"6","page":91},{"text":"فيرزقهما جميعا مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ ثمّ يختلف بهما الحال في المال وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ممنوعا [محبوسا] «١» عن عباده انْظُرْ يا محمّد كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الرزق والعمل، يعني طالب العاجلة وطالب الآخرة وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الخطاب إلى النبي ﷺ والمراد به غيره فَتَقْعُدَ فتبقى مَذْمُومًا مَخْذُولًا وَقَضى أمر رَبُّكَ.\nقال ابن عبّاس وقتادة والحسن قال زكريا بن سلام: جاء رجل إلى الحسن وقال إنه طلق امرأته ثلاثا، فقال: إنك عصيت ربك وبانت منك امرأتك، فقال الرجل: قضى الله ذلك عليّ.\nقال الحسن وكان فصيحا: ما قضى الله، أي ما أمر الله وقرأ هذه الآية وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ فقال الناس: تكلم الحسن في [القدر] .\nوقال مجاهد وابن زيد: وأوصى ربك، ودليل هذا التأويل\nقراءة علي وعبد الله وأبيّ:\nووصى ربك.\nوروى أبو إسحاق [الكوفي] عن شريك بن مزاحم أنه قرأ: ووصى ربك وقال: إنهم [ادنوا] الواو بالصاد فصارت قافا.\nوقال الربيع بن أنس: [وأوجب] «٢» رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا أي وأمر بالأبوين إحسانا برا بهما وعطفا عليهما إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ الكسائي بالألف، وقرأ الباقون: يَبْلُغَنَّ بغير الألف على الواحدة وعلى هذه القراءة قوله أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما كلام [مستأنف] كقوله عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ «٣» وقوله وَأَسَرُّوا النَّجْوى «٤» ثمّ ابتدأ فقال: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ فيه ثلاث لغات بفتح الفاء [حيث قد رفع] «٥» وهي قراءة أهل مكة والشام واختيار يعقوب وسهيل.\nو(أُفٍّ) بالكسر والتنوين وهي قراءة أهل المدينة وأيوب وحفص.\nو(أُفِّ) مكسور غير منون وهي قراءة الباقين من القراء، وكلها لغات معروفة معناها واحد.\nقال ابن عبّاس: هي كلمة كراهة. مقاتل: الكلام الرديء الغليظ.\nأبو عبيد: أصل الأف والتف الوسخ على الأصابع إذا فتلته وفرق الآخرون بينهما فقيل\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) سورة المائدة: ٧١. [.....]\n(٤) سورة طه: ٦٢.\n(٥) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":92},{"text":"الأف ما يكون في المغابن من العرق والوسخ، والتف ما يكون في الأصابع، وقيل: الأف وسخ الأذن والتف وسخ [الأظفار] وقيل: الأف وسخ الظفر والتف ما رفعت يدك من الأرض من شيء حقير.\nوَلا تَنْهَرْهُما لا تزجرهما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا حسنا جميلا.\nوقال ابن المسيب: كقول العبد المذنب للسيد الفظ «١» .\nوقال عطاء: لا تسمهما ولا تكنّهما وقل لهما: يا أبتاه ويا أماه.\nمجاهد في هذه الآية: إن بلغا عندك من الكبر ما يبولان ويحدثان فلا تتعذرهما «٢» .\nولا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ حين ترى الأذى وتميط عنهما الخراء والبول كما كانا يميطانه عنك صغيرا [ولا تؤذهما] «٣» [وروى سعيد بن المسيب: أن [العاق] يموت ميتة سوء،\nوقال رجل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أبوي بلغا من الكبر أني أوليهما ما وليا مني في الصغر فهل قضيتهما؟ قال (صلى الله عليه وآله): [«لا فإنهما كانا يفعلان لك وهما يحبان بقاءك وأنت تفعل وأنت تريد موتهما»] «٤» [٢٤] .\nوَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ.\nقال عروة بن الزبير: إن لهما حتّى لا يمتنع من شيء أحياه.\nمقاتل: ألن لهما جانبك فاخضع لهما.\nوقرأ الحسن وسعيد بن جبير وعاصم الجحدري: جَناحَ الذِّلِّ بكسر الذال أي [لا تستصعب معهما] .\nوَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا.\nقال ابن عبّاس: هو منسوخ بقوله ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى الآية.\nروى شعبة عن يعلى بن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ:\n«رضى الله تعالى مع رضا الوالدين وسخط الله مع سخط الوالدين» [٢٥] «٥» .\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ٨٤.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) عن هامش المخطوط.\n(٥) سبل السلام للعسقلاني: ٤/ ١٦٤، والدر المنثور: ٤/ ١٧٢.","vol":"6","page":93},{"text":"عطاء عن عائشة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقال للعاق اعمل ما شئت إني لا أغفر لك ويقال للبار اعمل ما شئت وإني أغفر لك» [٢٦] «١» .\nروى عطاء عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ «من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح أمسى وأصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن أمسى وأصبح مسخطا لوالديه أصبح وله بابان إلى النار وان واحدا فواحد» [٢٧] «٢» .\nفقال رجل: يا رسول الله وإن ظلماه؟ قال: «وإن ظلماه»، ثلاث مرات.\nوروى رشيد بن سعد عن أبي هاني الخولاني عن أبي عمر [القصبي] «٣» قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلني على عمل أعمله يقربني إلى الله؟ قال: «هل لك والدة ووالد؟» قال: نعم. قال: «فإنما يكفي مع البر بالوالدين العمل [اليسير]» [٢٨] .\nرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ من بر الوالدين وعقوقهما إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ أبرارا مطيعين فيما أمركم الله به بعد تقصير كان منكم في القيام بما لزمكم من حق الوالدين، وغير ذلك من فرائض الله فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ بعد المعصية والهفوة غَفُورًا.\nوقال سعيد بن جبير في هذه الآية: هو الرجل يكون منه المبادرة إلى أبويه لا يريد بذلك إلّا الخير، فإنه لا يؤخذ به.\nواختلف المفسرون في معنى الأوابين:\nفقال سعيد بن جبير: الراجعين إلى الخير، سعيد بن المسيب: الذي يذنب ثمّ يتوب ثمّ يذنب ثمّ يتوب.\nمجاهد عن عبيد بن عمر: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلا فيستغفر الله تعالى عنها.\nعمرو بن دينار: هو الذي يقول: اللهم اغفر لي ما أصبت في [مجلسي] هذا.\nابن عبّاس: الراجع إلى الله فيما [لحق به وينويه] «٤» والأبواب فعال من أوب إذا رجع.\nقال عبيد بن الأبرص: وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب.\nوقال عمرو بن شرحبيل: وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عبّاس دليله قوله يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ «٥» .\n_________\n(١) كنز العمال: ١٦/ ٤٧٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٤٥.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) سورة سبأ: ١٠.","vol":"6","page":94},{"text":"الوالبي: عنه المطيعين المخبتين.\nقتادة: المصلين. عون العقيلي: هم الذين يصلون صلاة الضحى.\nابن المنكدر: بين المغرب والعشاء.\nروى ابن إدريس عن أبيه عن سعيد بن جبير قال: الأوابين الرغابين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٢٦ الى ٤٣]</span>\nوَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)\nوَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا (٣١) وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا (٣٣) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا (٣٧) كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨) ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩) أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤١) قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)\nوَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ يعني صلة الرحم. وقال بعضهم: عني بذلك قرابة رسول الله ﷺ.\nروى السدي عن ابن الديلمي قال: قال علي بن الحسين لرجل من أهل الشام أقرأت القرآن؟ قال نعم؟ قال: أفما قرأت في بني إسرائيل وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ قال: انكم القرابة الذين أمر الله أن يؤتى حقه؟ قال: نعم.\nوَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ يعني مار الطريق، وقيل: الضيف وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ولا تنفق مالك في المعصية.\nوروى سلمة بن كهيل عن أبي [عبيدة] عن ابن الضرير أنه سأل ابن مسعود ما التبذير؟\nفقال: إنفاق المال في غير حقه «١» .\n_________\n(١) تفسير مجاهد: ١/ ٣٦١.","vol":"6","page":95},{"text":"وقال مجاهد: لو أنفق إنسان ماله كله في [الحق ما كان] تبذيرا، فلو أنفق يدا في باطل كان تبذيرا به.\nوقال شعيب: كنت أمشي مع أبي إسحاق في طريق الكوفة، فأتى على دار تبنى بجص وآجر فقال: هذا التبذير في قول عبد الله: إنفاق المال في غير حقه «١» .\nإِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أولياؤهم وأعوانهم، والعرب تقول: لكل [من يلزم] سنّة قوم وتابع أمرهم هو أخوهم وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا جحود النعمة.\nوَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ الآية\nنزلت في منجع وبلال وصهيب وسالم وخباب، كانوا يسألون النبي ﷺ في الأحايين ما يحتاجون إليه ولا يجد لهم متسعا، فيعرض عنهم حياء منهم\nفأنزل الله ﷿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ يعني وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك أن تؤتيهم حقوقهم عند مسألتهم إياك ما لا يجد إليه سبيلا حياء منهم.\nابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ابتغاء رزق من الله تَرْجُوها أن يأتيك فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا ليّنا وعدهم وعدا جميلا وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً الآية.\nقال جابر بن عبد الله: بينما رسول الله ﷺ قاعد فيما بين الصحابة أتاه صبي فقال: يا رسول الله إن أمي تستكسيك درعا، ولم يكن عند رسول الله ﷺ إلّا قميصه، فقال الصبي: من ساعة إلى ساعة يظهر يعد وقتا آخر، فعاد إلى أمه فقالت: قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك، فدخل رسول الله ﷺ داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عريانا، فأذن بلال للصلاة فانتظروا فلم يخرج فشغل قلوب الصحابة فدخل عليه [بعضهم فرآه] عاريا فأنزل الله تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ «٢» يعني ولا تمسك يدك عن النفقة في الحق، كالمشدودة يده على عنقه فلا يقدر على مدها والإعطاء.\nوَلا تَبْسُطْها بالعطاء كُلَّ الْبَسْطِ فتعطي جميع ما تملك فَتَقْعُدَ مَلُومًا يلومك سائلوك إذا لم تعطيهم مَحْسُورًا منقطعا بك لا شيء عندك تنفقه، فقال: حسرته بالمسألة إذا [أكلّته] «٣» ودابة حسيرة إذا كانت كالة [رازحة] «٤» وحسير البصر إذا كل، قال الله يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ «٥» وقال قتادة: نادما على ما سلف منك «٦» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٥/ ٩٤. [.....]\n(٢) أسباب النزول للواحدي: ١٩٤.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) سورة الملك: ٤.\n(٦) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٥١.","vol":"6","page":96},{"text":"إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ يوسع الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ يقتر ويضيق إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا نظيرها قوله: [ولو وسع] «١» الله الرزق لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ الآية وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ ضيق وإقتار نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يأدون بناتهم خشية الفاقة فنهاهم الله تعالى عن ذلك وأخبرهم أن رزقهم ورزق بناتهم على الله تعالى إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيرًا اختلف القراء فيه:\nفقرأ أبو جعفر وابن عامر: بفتح الخاء والطاء والهمزة مقصورة.\nوقرأ ابن كثير: بكسر الخاء وفتح الطاء ومد الهمزة.\nوقرأ الآخرون: بكسر الخاء وجزم الطاء، وكلها لغات بمعنى واحد، ويكون اسما ومصدرا.\nوَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ قتلها إِلَّا بِالْحَقِّ وبحقها بما\nروى حميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يقولوا لا إله إلّا الله، فإذا قالوها [عصموا] في دمائهم وأموالهم إلّا بحقها وحسابهم على الله» [٢٩] قيل: وما حقها؟ قال: زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس فيقتل بها «٢» .\nوَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا قوة وولاية على قاتل وليه فإن لما استفاد منه فقتله وأن الله أخل الدية وإن شاء عفا عنه فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ قرأ حمزة والكسائي وخلف: تسرف بالتاء أي فلا تسرف أيها القاتل، ويجوز أن يكون الخطاب لرسول الله ﷺ والمراد منه الأيمة والأمة من بعده، ومن قرأ بالياء رجع إلى المولى.\nواختلفوا في الإسراف ما هو: فقال ابن عبّاس: لا يقتل غير قاتله.\nقال الحسن وابن زيد: كانت العرب في الجاهلية إذا قتل منهم قتيل، لم يرضوا أن يقتلوا قاتل صاحبهم حتّى يقتلوا أشرف من الذي قتله، فيعمد ولي المقتول إلى الشريف من قبيلة القاتل فيقتله بوليه ويترك القاتل، فنهى الله عن ذلك،\nوقال رسول الله ﷺ «إن من أعتى الناس على الله جل ثناؤه قتل غير قاتله أو قتل بدخن الجاهلية أو قتل في حرم الله» [٣٠] «٣» .\nوقال الضحاك: كان هذا بمكة ونبي الله ﷺ بها، وهو أول شيء نزل من القرآن في شأن القتل وكان المشركون من أهل مكة يقتلون أصحاب النبي ﷺ فقال الله: من قتلكم من المشركين\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) تفسير الطبري: ١٥/ ١٠٣.\n(٣) المصدر السابق: ١٥/ ١٠٦.","vol":"6","page":97},{"text":"فلا يحملنكم قتله إياكم على أن لا تقتلوا إلا قاتلكم، فلا يقتلوا له أبا أو أخا أو أحدا فإن كانوا من المشركين فلا يحملنكم ذلك [................] «١» على فلا تقتلوا إلا قاتلكم «٢» .\nوهذا قبل أن تنزل سورة براءة وقبل أن يؤمروا بقتال المشركين.\nوقال سعيد بن جبير: لا يقبل [........] على العدة.\nقتادة وطارق بن حبيب وابن كيسان: [لا يمثل به] .\nإِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا اختلفوا في هذه الكناية [إلى من ترجع فقيل: ترجع] على ولي المقتول، هو المنصور على القاتل [فيدفع الامام] إليه القاتل، فإن شاء قتل وإن شاء عفا عنه وإن شاء أخذ الدية، وهذا قول قتادة.\nوقال الآخرون: (مَنْ) راجعة إلى المقتول في قوله وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا يعنى أن المقتول [منصور] في الدنيا بالقصاص وفي الآخرة [بالتوبة] وهو قول مجاهد.\nوَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إلى قوله مَسْؤُلًا عنه، وقيل معناه: كان مظلوما وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ.\nقرأ أهل الكوفة: القسطاس بكسر القاف.\nالباقون: بفتحه وهو الميزان مثل القرطاس، والقسطاس معناه الميزان صغيرا كان أو كبيرا «٣» .\nمجاهد: هو العدل بالرومية. وقال الحسن: هو القبان.\nذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي عاقبة.\n[قال الحسن]: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: «لا يقدر رجل على حرام ثمّ يدعه ليس لديه «٤» إلا مخافة الله إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك» [٣١] «٥» .\nوَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ قال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر وسمعت ولم تسمعه وعلمت ولم تعلمه وهذه رواية على عن ابن عبّاس.\n_________\n(١) كلام غير مقروء.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٥٧.\n(٤) في المصدر: به.\n(٥) كنز العمال: ١٥/ ٧٨٧، وتفسير الطبري: ١٥/ ١٠٩.","vol":"6","page":98},{"text":"قال مجاهد: ولا ترم أحدا بما ليس لك به علم، وهي رواية عطية عن ابن عبّاس «١» .\nوقال ابن الحنفية: هو شهادة الزور.\nقال [القتيبي]: لا تتبع الحدس والظنون، وكلها متقاربة، وأصل القفو البهت والقذف بالباطل. ومنه\nقول النبي ﷺ: «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا» «٢» .\nوقال النابغة:\nومثل الدمى شم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا «٣»\nوقال الكميت:\nفلا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفوا الحواصين أن [قفينا] «٤»\nوقال [القتيبي]: فهو مأخوذ من القفاء كأنه يقفوا الأمور ويكون في أقفائها يعقبها [ويتتبعها] ويتعرفها. يقال: قفوت أثره على وزن دعوت والنهي منه لا يقف، كقولك: لا تدع.\nوحكى الفراء عن بعضهم: أن أصله من القيافة، وهو اتباع الأثر وإذا كان كذلك وجب أن يكون (وَلا تَقْفُ) بضم القاف وسكون الفاء مثل: ولا تقل، قال: والعرب تقول: قفوت أثرها وقفت مثل قولهم: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعا، وعاث وعاثا واعتام واعتمى واحتاج ماله واحتجا.\nقال الشاعر:\nولو إني رميتك من قريب ... لعاقك «٥» من دعاء الذئب عاق\nأي عانق.\nإِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ أي كل هذه الجوارح والأعضاء ما يقل تلك.\nكقول الشاعر، وهو جرير:\nذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام «٦»\n_________\n(١) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ٥/ ٢٧. [.....]\n(٢) المعجم الكبير للطبراني: ١/ ٢٣٦، والطبقات الكبرى: ١/ ٢٢ بلفظ: ولا ندعي لغير أبينا.\n(٣) التقافيا: التقاذف، والبيت في تفسير الطبري نسبه لبعض البصريين: ١٥/ ١١٠.\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) هكذا في الأصل.\n(٦) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ١١١.","vol":"6","page":99},{"text":"ويجوز «١» أن يكون راجع «٢» إلى أصحابها وأربابها.\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا بطرا وفخرا وخيلاء، وهو تفسير المشي لا نعته فإن ذلك أخرجه على المصدر قل لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ أي لن تقطعها بكعبيك حتّى تبلغ آخرها، يقال فلان أخرق الأرض من فلان إذا كان أكثر سفرا وعزة.\nوقال روبة:\nوقائم [الأعماق] «٣» خاوي المخترق\nأي المقطع وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا أي [لن تساويها بطولك ولا تطاولك] وأخبر أن صاحبه لا ينال به شيئا [.....] «٤» . عنه غيره كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا.\nقرأ الحسن ويحيى بن يعمر وابن عمر وأهل الكوفة: سَيِّئُهُ على الاضافة، بمعنى كل هذا الذي ذكرنا من قوله وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ.\n(كان سيئة) أي سيء بما ذكرنا ووعدنا عليك عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا، قالوا: لأن فيما ذكره الله من قوله وَقَضى رَبُّكَ إلى هذا الموضع أمورا مأمورات بها ومنهيات عنها، واختار أبو عبيد هذه القراءة لما ذكرنا من المعنى، ولأن في قراءة أبي حجة لها، وهي ما روى أبو عبيد عن حجاج عن هارون في قراءة [أبي بن كعب] (كان سيئاته) قال: فهذه تكون بإضافة سيئة منوّنة منصوبة، بمعنى كل ذلك الذي ذكرنا ووعدنا من قوله وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ إلى هذا الموضع كان سيئة لا حسنة في فجعلوا «كلا» محيطا بالمنهي عنه دون غيره «٥» .\nفإن قيل: هلا جعلت مكروها خبر ثان، قلنا: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: كل ذلك كان مكروها سيئة، وقيل هو فعل [.....] كالبدل لا على الصفة، مجازة: كل ذلك كان سيئة وكان مكروها.\nوقال أهل الكوفة: رجع إلى المعنى، لأن السيئة الذنب وهو [غير حقيقي] ذلِكَ الذي ذكرنا [ووعدنا] «٦» مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ إلى قوله مَدْحُورًا مطرودا مبعدا من كل نصير والمراد به غيره.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) كلمة غير مقروءة.\n(٥) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٦٢.\n(٦) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":100},{"text":"قال الكلبي: [الثمان عشرة] آية كانت في ألواح موسى وهي عشر آيات في التوراة.\nأَفَأَصْفاكُمْ اختاركم واختصكم رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا بنات إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا يخاطب مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات الله.\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا قرأه العامّة: بالتشديد على التكثير.\nوقرأ الحسن: صَرَفْنا بالتخفيف.\nفِي هذَا الْقُرْآنِ يعني العبر والحكم والأمثال والأحكام والحجج والأعلام.\nسمعت أبا القاسم الحسين يقول: بحضره الإمام أبي الطيب لقوله تعالى صَرَّفْنا معنيان أحدهما: لم يجعله نوعا واحدا، بل وعدا ووعيدا وأمرا ونهيا ومحكما ومتشابها وناسخا ومنسوخا وأخبارا وأمثالا، مثل تصريف الرياح من صبا ودبور وجنوب وشمال، وتصريف الأفعال من الماضي إلى المستقبل ومن الفاعل إلى المفعول ونحوها.\nوالثاني: لم ينزله مرة واحدة بل [نجوما] مثل قوله وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ ومعناه أكثرنا صرف جبرئيل إليك «١» .\nلِيَذَّكَّرُوا. قرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي لِيَذْكُرُوا مخففا.\nوقرأ الباقون: بالتشديد وإختيار أبو عبيد أي ليتذكروا وَما يَزِيدُهُمْ أي التصريف والتذكير إِلَّا نُفُورًا ذهابا وتباعدا عن الحق قُلْ يا محمّد لهؤلاء المشركين لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ.\nقرأ ابن كثير وحفص: يَقُولُونَ بالياء. الباقون: بالتاء.\nإِذًا لَابْتَغَوْا لطلبوا يعني الآلهة القربة إِلى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا فالتمست الزلفة عنده.\nقال قتادة: يقول لو كان [الأمر] كما يقولون إذا لعرفوا الله فضله ومقربته عليهم، فامضوا ما يقربهم إليه.\nوقال الآخرون: إذا لطلبوا مع الله منازعة وقتالا، كفعل ملوك الدنيا بعضهم ببعض، ثم نزه نفسه، فقال سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ.\nالأعمش وحمزة والكسائي، واختاره أبو عبيد عنهم بالتاء عُلُوًّا كَبِيرًا ولم يقل تعاليا كقوله [وجعل] «٢» إليه سبيلا.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٦٥.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٤٤ الى ٥٢]</span>\nتُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤) وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا (٤٦) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)\nوَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩) قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا (٥٢)\nتُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ قرأ الحسن: وأبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وحفص: بالتاء، غيرهم: يسبح بالياء واختاره أبو عبيد [.....] «١» وهو التأنيث ومعنى التسبيح التنزيه والطاعة والالتزام بالربوبية وكونها دالة على وجوده وتوحيده.\nوَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ.\nقال ابن عبّاس: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ حي.\nوقال الحسن والضحاك: يعني كل شيء فيه الروح.\nقال قتادة: يعني الحيوانات والنباتات [........] «٢» .\nقال عكرمة: الشجرة تسبح والأسطوانة لا تسبح.\nقال أبو الخطاب: كنا مع يزيد الرقاشي ومعه الحسن في فقدموا الخوان فقال يزيد الرقاشي يا أبا سعيد يسبح هذا الخوان؟ فقال كان يسبح مرة «٣»\nوقال النبي ﷺ: «[ما سبحت عصا إلا ترك] التسبيح» [٣٢] .\nوقال إبراهيم: الطعام يسبح.\nوروى موسى بن عبيدة عن زيد بن أسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحا قال لابنه: يا بني آمرك أن تقول: سبحان الله وبحمده فإنها صلاة الخلق وتسبيحهم [وبها يرزق الخلق]» [٣٣] «٤» .\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة. [.....]\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ١١٦.\n(٤) مصنف ابن أبي شيبة: ٧/ ٦٨، وكتاب الدعاء للطبراني: ٤٨٨ بتفاوت.","vol":"6","page":102},{"text":"قال الله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ «١» .\nقال وهب: إن [.........] «٢» إلا وقد كان يسبح لله ثلاثمائة سنة.\nوروى عبد الله بن [...........] «٣» عن المقداد بن معد يكرب قال: إن التراب يسبح ما لم يبتل فإذا ابتل ترك التسبيح، وإن الجوزة لتسبح ما لم ترفع من موضعها، فإذا رفعت ترك التسبيح، وإن الورق يسبح مادام على الشجرة، فإذا سقط ترك التسبيح وإن الماء ليسبح مادام ماءا فإذا [تغير] ترك التسبيح، وإن الثوب يسبح مادام جديدا فإذا وسخ ترك التسبيح، وإن الوحش إذا صاحت سبحت فإذا سكتت تركت التسبيح، وإن الثوب [الخلق] لينادى في أول النهار: اللهمّ اغفر لمن [.......] «٤» .\nوروى أبو عتبة عن ثابت البنائي عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله ﷺ فأخذ كفا من حصى فسبحن في يد رسول الله ﷺ حتّى سمعنا التسبيح، ثمّ صبّهن في يد أبي بكر حتّى سمعنا التسبيح ثمّ صبهن في عمر حتّى سمعنا التسبيح، ثمّ صبّهن في يد عثمان حتّى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحت في أيدينا.\nوعن جعفر بن محمّد عن أبيه قال: «مرض النبي ﷺ فأتاه جبرئيل بطبق فيها رمان وعنب فتناول النبي ﷺ فسبح، ثمّ دخل الحسن والحسين فتناولا فسبح العنب والرمان، ثمّ دخل عليّ فتناول منه فسبح أيضا، ثمّ دخل رجل من أصحابه فتناول فلم يسبح، فقال جبرئيل: إنما يأكل هذا نبي أو وصي أو ولد نبي» [٣٤] «٥» .\nوَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ يعني لا تعلمون تسبيح ما عدا من تسبيح بلغاتكم وألسنتكم إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ يا محمّد [على] المشركين جَعَلْنا بَيْنَكَ بينهم حجابا يحجب قلوبهم عن فهمه والانتفاع به.\nقتادة: هو حجاب مستور، والمستور يعني الساتر كقوله إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا الآية مفعول بمعنى فاعل.\nوقيل: معناه مَسْتُورًا عن أعين الناس فلا يرونه. وفسّره بعض المفسرين: بالكتاب عن الأعين الظاهرة [فلا يرونه ولا يخلصون] إلى أدلته.\n_________\n(١) المصدر السابق.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) كلمة غير مقروءة.\n(٥) مناقب آل أبي طالب: ٣/ ١٦٠، والشفا للقاضي عياض مختصرا: ١/ ٣٠٧.","vol":"6","page":103},{"text":"عطاء عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ جاءت امرأة أبي لهب إلى النبي ﷺ ومعه أبو بكر (﵁) فقال: يا رسول الله لو تنحيت عنها لئلا تسمعك ما يؤذيك، فإنها امرأة بذيئة.\nفقال النبي ﷺ: «إنه سيحال بيني وبينها» فلم تره فقالت لأبي بكر: يا أبا بكر هجاني صاحبك قال: والله ما ينطق بالشعر ولا يقوله.\nفقالت: وإنك لمصدقه فاندفعت راجعة. قال أبو بكر: يا رسول الله أما رأتك؟ قال: «لا ما زال ملك بيني وبينها يسترني حتى ذهبت» [٣٥] «١» .\nوروى الكلبي عن رجل من [أهل الشام] «٢» عن كعب في هذه الآية قال: كان رسول الله ﷺ يستتر من المشركين بثلاث آيات: الآية التي في الكهف جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا «٣» والآية التي في النحل أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ إلى قوله هُمُ الْغافِلُونَ «٤» .\nوالآية التي في الجاثية أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ إلى قوله غِشاوَةً «٥» فكان رسول الله ﷺ إذا قرأهن يستتر من المشركين.\nقال كعب: فحدثت بهن رجلا من أهل الشام فمكث فيهم ما شاء الله أن يمكث ثمّ قرأ بهنّ فخرج هاربا وخرجوا في طلبه حتّى كانوا يكونون على طريقه ولا يبصرونه.\nقال الكلبي: حدثت به رجلا بالري فأسر بالديلم فمكث فيهم ما شاء الله أن يمكث ثمّ قرأهنّ وخرج هاربا وخرجوا في طلبه حتّى جعل ثيابهم لتلتمس ثيابه فما يبصرونه.\nوَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ يقول: وإذا قلت: لا إله إلّا الله في القرآن وحده وأنت تتلوه وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا كارهين له معرضين عنها.\nحدثنا أبو الجوزاء عن ابن عبّاس في قوله وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُورًا قال: هم الشياطين «٦» والنفور جمع نافر مثل قاعد وقعود وجالس وجلوس، وجائز أن يكون مصدرا أخرج على غير لفظه إذا كان قوله وَلَّوْا بمعنى نفروا، فيكون معناه [نُفُورًا] «٧» .\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٦٩.\n(٢) هكذا في الأصل.\n(٣) سورة الكهف: ٢٥\n(٤) سورة النحل: ١٠٨.\n(٥) سورة الجاثية: ٢٣.\n(٦) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ١١٩. [.....]\n(٧) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":104},{"text":"نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ لن يقرأ القرآن وَإِذْ هُمْ نَجْوى متناجون في أمرك، بعضهم يقول: هو مجنون، وبعضهم يقول: هو كاهن، وبعضهم: ساحر، وبعضهم:\nشاعر إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ بمعنى الوليد بن المغيرة وأصحابه حين رجع إليه كفار مكة من أمر محمّد وشاوروه فقال إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا مطبوبا، وقيل: مخدوعا، وقال أبو عبيدة: [مَسْحُورًا] يعني رجلا له سحر يأكل ويشرب مثلكم والسحر الرئة يقول العرب للجبان:\nقد سحره ولكل من أكل وشرب من آدمي وغيره مسحور ومسحر.\nقال الشاعر امرئ القيس:\nأرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب\nأي: نغذي ونعلل.\nانْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ شبّهوا ذلك الأشباه.\nفقالوا: شاعر وساحر وكاهن ومجنون فَضَلُّوا فجالوا وجاروا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا مخرجا ولا يهتدون إلى طريق الحق «١» .\nوَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا بعد الموت وَرُفاتًا.\nقال ابن عبّاس: غبارا.\nقال مجاهد: ترابا، والرفات ما تكسر وبلا من كل شيء، كالفتات والحطام والرضاض.\nأَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيدًا في الشدة والقوة أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ يعني خلقا مما يكبر عندكم عن قبول الحياة وبعثكم وعملكم على [..........] إحياؤه فإنه يجيئه، وقيل: ما يليه من بعد ورائهم الموت، وقيل: السموات والأرض، وقيل: أراد به البعث وقيل الموت.\nوقال أكثر المفسرين: ليست في نفس بني آدم أكبر من الموت، يقول: لو كنتم الموت لأميتنكم ولأبعثنكم.\nسفيان عن مجاهد وعكرمة في قوله أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ قالا: الموت.\nوروى المعمر عن مجاهد قال: السماء والأرض والجبال يقول كونوا ما شئتم فإن الله يميتكم ثمّ يبعثكم فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنا خلقا جديدا بعد الموت قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ خلقكم أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُسَهُمْ أي يحركون رؤوسهم متعجبين ومستهزئين يقال: نغضت سنه إذا حركت وأقلعت من أصله.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٧٣.","vol":"6","page":105},{"text":"قال الراجز:\nأبغض نحوي رأسه وأقنعا\nوقال آخر:\nلما رأسني الغضت لي الرأسا\nوقال الحجاج:\n[أمسك بقضبا لابني] «١» مستهدجا.\nوَيَقُولُونَ مَتى هُوَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يعني هو قريب لأن عسى من الله واجب نظيره قوله لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا «٢»، ولَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ «٣» .\nيَوْمَ يَدْعُوكُمْ من قبوركم إلى [موقف يوم القيامة] فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ. قال ابن عباس: بأمره.\nقتادة: بمعرفته وطاعته، ويحمدونه [وهو مستحق] للحمد.\nوَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ في الدنيا في قبولكم إِلَّا قَلِيلًا\nزيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: «ليس على أهل لا إله إلّا الله وحشة في قبرهم ولا حشرهم، كأني بأهل لا إله إلّا الله وهم ينفضون التراب عن رؤسهم ويقولون الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ «٤» الآية» [٣٦] «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٥٣ الى ٥٩]</span>\nوَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا (٥٥) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا (٥٧)\nوَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٥٨) وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلاَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (٥٩)\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) سورة الأحزاب: ٦٣.\n(٣) سورة الشورى: ١٧.\n(٤) سورة فاطر: ٣٤.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٣/ ٤٩.","vol":"6","page":106},{"text":"وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ نزلت في عمر بن الخطاب، وذلك أن رجلا من العرب شتمه فأمره الله تعالى بالعفو.\nالكلبي: كان المشركون يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ بالقول والفعل، فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى هذه الآية على ذلك.\nوَقُلْ لِعِبادِي المؤمنين يَقُولُوا للكافرين الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني الكلمة التي هي أحسن لا تكافئهم.\nقال الحسن: يقول هداك الله يرحمك الله، وهذا قبل أن أمروا بالجهاد.\nوقيل: الأحسن كلمة الإخلاص لا إله إلّا الله إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ يفتري، وألقى بينهما العداوة ويعزى بينهم إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ يوفقكم فتؤمنوا أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ يميتكم على الشرك فيعذبكم، قاله ابن حريج «١» .\nوقال الكلبي: إن الله يرحمكم فيحفظكم من أهل مكة، وإن يشأ يعذبكم فيسلطهم عليكم وَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا وكفيلا، نسختها آية القتال وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فجعلهم مختلفين في أخلاقهم من أمورهم وأحوالهم ومالهم، كما يختلف بعض المتقين على بعض.\nقتادة: في هذه الآية اتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا، فقال لعيسى كُنْ فَيَكُونُ وأتى سليمان ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوُدَ زَبُورًا كتابا علمه داود فيه دعاء وتحميد وتمجيد وليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود وغفر [لمحمد] ما تقدم من ذنبه وما تأخر قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنها آلهة مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا [عنكم] «٢» إلى غيركم، قيل: هو ما أصابهم من القحط سبع سنين.\nأُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ. قتادة عن عبد الله بن عبد الزنجاني عن ابن مسعود أنه قرأ أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ تَبْتَغُونَ بالتاء.\nوقرأهما الباقون: بالياء يَبْتَغُونَ.\nإِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ القربة إلى ربهم أَيُّهُمْ أَقْرَبُ إليه وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخافُونَ عَذابَهُ إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا قال ابن عبّاس ومجاهد وأكثر العلماء: هم عيسى وأمه وعزير والملائكة والشمس والقمر والنجوم.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٢٧٨.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":107},{"text":"وقال عبد الله بن مسعود: كان نفر من الانس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجن ولم يعلم الانس الذين كانوا يعبدونهم بإسلامهم فتمسكوا بعبادتهم فغيرهم الله بذلك وأنزل هذه الآية.\nوَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ يعني وما من قرية إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ الْقِيامَةِ أي مخربوها ومهلكوا أهلها بالسيف أَوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا بأنواع العذاب إذا كفروا وعصوا.\nوقال بعضهم: هذه الآية عامة.\nقال مقاتل: أما الصالح فبالموت وأما الطالح فبالعذاب.\nقال ابن عبّاس: إذا ظهر الزنا والربا في أهل قرية أذن الله في هلاكها.\nكانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ في اللوح المحفوظ مَسْطُورًا مكتوبا وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ.\nقال ابن عبّاس: قال أهل مكة: اجعل لنا الصفا ذهبا، فأوحى الله الى رسوله: إن شئت أن تستأني بهم فعلت وإن شئت أوتيهم ما سألوا، فعلت، فإن لم يؤمنوا أهلكتهم كما أهلكت من كان قبلهم. فقال ﷺ: لا بل أستأني بهم فأنزل الله تعالى وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ التي سألها كفار قومك إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ فأهلكناهم فإن لم يؤمن قومك أهلكتهم أيضا لأن من خسفنا في الأمم إذا سألوا الآيات فيأتيهم ثم لم يؤمنوا أن نعذبهم ونهلكهم ولا نمهلهم\n، فإن الأوّل في محل النصب وقوع المنبع عليه، وإن الثانية في محل رفع ومجاز الأول: سمعنا إرسال الآيات إلّا تكذيب الأولين بها قالوا وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً مضيئة بينة فَظَلَمُوا بِها أي [قروا] «١» بها إنها من عند الله وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ بالعبر والدلالات إِلَّا تَخْوِيفًا للعباد ليؤمنوا ويتذكروا فإن لم يفعلوا عذبوا.\nقال قتادة: إن الله يخوف الناس بما شاء من آياته لعلهم يعيون أو يذكرون أو يرجعون، ذكر أن الكوفة رجفت على عهد ابن مسعود فقال: يا أيها الناس إن الله ليس يعتبكم فأعتبوه.\nوروى محمّد بن يوسف عن الحسن في قوله ﷿ وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا قال الموت الذريع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٦٠ الى ٧٢]</span>\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيانًا كَبِيرًا (٦٠) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١) قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا (٦٢) قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُورًا (٦٤)\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦) وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تارَةً أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)\nوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)\nوَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج من مشيئته وهو مانعك منهم وحافظك فلا تهبهم وأمض لما أمرك به في تبليغ رسالته، قاله أكثر المفسرين.\nقال ابن عبّاس: يعني أحاط علمه بهم فلا يخفى عليه منهم شيء.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":108},{"text":"مقاتل والبراء: أَحاطَ بِالنَّاسِ يعني أهل مكة أي أنها ستفتح لك.\nوَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ.\nقال قوم: هي رؤيا عين وهو ما أرى النبي ﷺ ليلة المعراج من العجائب والآيات فكان ذلك فتنة للناس، فقوم أنكروا وكذبوا، وقوم ارتدوا، وقوم صدقوا، والعرب تقول: [رأيت بعيني] رؤية ورؤيا وعلى هذا يحمل حديث معاوية أنه كان إذا سئل عن مسرى رسول الله ﷺ قال: كانت رؤيا من الله صادقة أي [رؤيا عيان] أرى الله نبيه ﷺ وما ذكرنا من تأويل الآية، قول سعيد بن جبير والحسن ومسروق وأبي مالك وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد وابن جريج وعطية وعكرمة وعطية عن ابن عبّاس.\nوقال آخرون: هي ما أرى الله نبيه ﷺ ليلة أسرى بروحه دون بدنه فلما قصها رسول الله ﷺ على أصحابه [........] «١» من أصحاب المسلمين وطعن فيها ناس من المنافقين. وهو ما\nروى جرير بن حازم عن أبي رجاء العطاردي، يحدث عن سمرة بن جندب قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى الغداة أستقبل الناس [بوجهه] فقال: «هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا»؟ فإن كان أحدا رأي تلك الليلة رؤيا قصها عليه فيقول فيها ما شاء الله أن يقول فسألنا يوما. فقال: «هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا»، قلنا: لا، قال: «لكني أتاني الليلة آيتان فقالا لي: انطلق فانطلقت معهما فأخرجاني إلى أرض مستوية فإذا رجل مستلقي على قفاه ورجل قائم بيده صخرة فشدخ بها رأسه [فيتبع] الحجر فإذا ذهب يأخذه عاد رأسه كما كان فهو يصنع به مثل ذلك، فقلت: ما هذا؟\nقالا: انطلق فانطلقت معهما فأتينا على رجل مستلق لقفاه يرمش عينه، فإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد فإذا هو يأخذ أحد شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه وعينه إلى قفاه ومنخره إلى قفاه ثمّ يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ذلك فما يفرغ من ذلك حتّى يصبح ذلك الجانب كما كان ثمّ يعود إليه، فقلت لهما: سبحان الله ما هذا؟ قالا لي: انطلق فانطلقت معهما فأتيا على بيت مبني مثل بناء التنور أعلاه ضيق [وأسفله واسع] يوقد فيه النار فأطلعنا فيه فإذا فيه رجال ونساء عراة وإذا هم يأتيهم لهب من أسفل منهم فإذا أتاهم ذلك اللهب من أسفل [ضجّوا]، قلت لهما: ما هؤلاء؟\nقالا لي: انطلق فانطلقنا فأتينا على نهر من دم أحمر وإذا في البحر سابح يسبح فإذا على شاطئ النهر رجل عنده حجارة كثيرة وإذا ذلك السابح يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجرا فيذهب فيسبح ما يسبح ثمّ يرجع إليه كما رجع إليه فيفغر له فاه «٢» فألقمه حجرا قال: فقلت ما هذا؟ قالا: انطلق فانطلقت فأتينا على رجل كريه المرآة كأكره ما رأيت\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":109},{"text":"رجلا وإذا هو عنده نار [يحشها ويسعى] حولها قلت لهما: ما هذا؟ قالا: انطلق فانطلقنا فأتينا على روضة [معتمة] فيها من كل نوع الربيع وإذا شجرة عظيمة وفي أصلها شيخ طويل فإذا حوله صبيان كأكثر ولدان رأيتهم قط. قال: قلت ما هؤلاء؟ قالا: انطلق فانطلقنا فأتينا على دوحة عظيمة لم أر دوحة قط أعظم منها [ولا أحسن] قالا لي: أرق فارتقينا فانتهينا إلى مدينة مبنية من ذهب ولبن فضة فأتينا باب المدينة فاستفتحناها ففتح لنا فدخلناها فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم [كأحسن] ما رأيت [وشطر كأقبح] ما رأيت، قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر وإذا نهر معترض يجري كأنه المخيض من البياض فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا وقد ذهب السوء عنهم فصاروا في أحسن صورة قال: فقلت لهما [والله] إني ما رأيت مثل الليلة عجبا فما هذا الذي رأيت قالا إنا [سنخبرك أما الذي] «١» أتيت عليه يشدخ رأسه بالحجر فإنه رجل يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة وأما الذي أتيت عليه يشرشر شدقه وعينه ومنخره إلى قفاه فإنه [رجل يغدوا] «٢» من بيته فيكذب [الكذبة تبلغ الآفاق] «٣» .\nوأما الرجل والنساء العراة الذين في مثل التنور فإنهم الزناة والزواني، وأما الرجل الذي يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا، وأما الرجل الكريه المرأة الذي عنده النار يحشها فإنه مالك خازن النار، وأما الرجل الطويل الذي في [الروضة] فإبراهيم (﵇) وأما الولدان الذين حوله فكل مولود يولد على الفطرة.\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) هكذا في الأصل. [.....]\n(٣) مستدركة عن الدر المنثور.","vol":"6","page":110},{"text":"أما القوم الذين كانوا شطر خلقهم حسنا وشطر قبيحا فإنهم قوم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا فتجاوز الله عنهم، وأما الروضة فهي جَنَّاتِ عَدْنٍ وأما المدينة التي دخلت فدار الشهداء.\nقال: بينما بصري صعدا فإذا مثل الذبابة البيضاء، قالا لي: ها هو ذا منزلك، وأنا جبرئيل وهذا ميكائيل. فقلت: بارك الله فيكما دعاني أدخل داري، فقالا: إنه قد بقي لك ولم تستكمله ولو استكملته دخلت دارك [٣٧] «١» .\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عبّاس قال: هي رؤيا التي رأى أنه يدخل مكة عام الحديبية هو وأصحابه وهو يومئذ بالمدينة فعجّل رسول الله ﷺ السير إلى مكة قبل الأجل فردّه المشركون.\nفقال ناس: قد ردّ رسول الله ﷺ وقد كان حدثنا إنه سيدخلها فكانت رجعته فتنتهم وقد كان في العام المقبل سار إليها رسول الله ﷺ فدخلها فأنزل الله ﷿: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ.\nسفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن حذيفة عن سعيد بن المسيب، من قول الله تعالى وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: أرى بني أمية على المنابر فساءه ذلك فقيل له إنها الدنيا يعطونها [فتزوى] عنه إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قال: بلاء للناس.\nوروى عبد المهيمن عن بن عبّاس عن سهل بن سعد عن أبيه عن جده قال: رأى رسول الله ﷺ بني أمية ينزون على منبره نزو القردة فساءه ذلك فما استجمع ضاحكا حتّى مات، فأنزل الله في ذلك وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ المذكورة فِي الْقُرْآنِ يعني شجرة الزقوم\n، ومجاز الآية: الشجرة الملعونة المذكورة في القرآن، ونصب الشَّجَرَةَ عطفا بها على الرُّؤْيَا تأويلها: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن إلّا فتنة للناس فكانت فتنتهم في الرؤيا ما ذكرت، وفتنتهم في الشجرة الملعونة أن أبا جهل قال- لما نزلت هذه الآية: أليس من الكذب ابن أبي كبشة أن يوعدكم بحرق الحجارة ثمّ يزعم إنه ينبت فيها شجرة وأنتم تعلمون إن النار تحرق الشجرة فما يقولون في الزقوم.\nفقال عبد الله بن [الزبوي] «٢»: إنها الزبد والتمر بلغة بربرة.\n_________\n(١) بطوله في تفسير الدر المنثور: ٣/ ٢٧٤ بتفاوت يسير.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":111},{"text":"فقال أبو جهل: يا جارية زقمينا فأتته بالزبد والتمر، فقال: يزعموا يا قوم فإن هذا ما يخوفكم به محمّد والله ما يعلم الزقوم إلّا الزبد والتمر، فأنزل الله تعالى إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ «١» ووصفها في الصافات فقال: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ «٢» أي خلقت من النار وحذيت بها وأنزل الله وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا.\nوروى ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب عن مولى لبني هاشم حدثه إن عبد الله بن الحرث ابن نوفل [أرسل] «٣» إلى ابن عبّاس: نحن الشجرة الملعونة في القرآن؟ قال: فقال: الشجرة الملعونة هي هذه الشجرة التي تلتوي على الشجر يعني الكشوث «٤» .\nفَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا يعني من طين.\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: بعث رب العزة إبليس فأخذ كفا من أديم الأرض من عذبها وملحها فخلق منه آدم فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من ملحها فهو صائر إلى الشقاوة وإن كان ابن نبيين.\nقال: ومن ثمّ قال إبليس: أأسجد لمن خلقت طينا أيّ هذه الطينة أنا جئت بها، ومن ثمّ سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض «٥» .\nقالَ إبليس أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ أي فضلته لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وأمهلتني لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ أيّ لأستولين على أولاده ولأحتوينهم ولأستأصلنهم بالإضلال ولأجتاحنهم.\nيقال: [احتنك] فلان ما عند فلان من علم أو كمال مما استقصاه وأخذه كله، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله كله.\nقال الشاعر:\nأشكوا إليك سنة قد أجحفت ... وأحنكت أموالنا واجتلفت\nويقال: هو من قول العرب حنّك الدابة يحنكها إذا شد في حنكها الأسفل حبلا يقودها به حتى يثبت.\nإِلَّا قَلِيلًا يعني المعصومين الذين استثناهم الله في قوله إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ\n_________\n(١) سورة الدخان: ٤٣، ٤٤.\n(٢) سورة الصافات: ٦٤.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) راجع تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٨٦.\n(٥) تفسير الطبري: ١٥/ ١٤٥.","vol":"6","page":112},{"text":"«١» قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ أي جزاءك وجزاء أتباعك جَزاءً مَوْفُورًا وأمرا مكملا وَاسْتَفْزِزْ [استولي] واستخف واستزل واستمل مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ أي من ذرية آدم بِصَوْتِكَ.\nقال ابن عبّاس وقتادة: بدعائك إلى معصية الله وكل داع إلى معصية فهو من جند إبليس.\nوقال مجاهد: بالغناء والمزامير.\nوَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ أي اجمع وصح. مقاتل: استفز عنهم.\nبِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ أي ركبان جندهم ومشاتهم.\nقال المفسرون: كل راكب وماش في معاصي الله.\nابن عبّاس ومجاهد وقتادة: إن له خيلا ورجلا من الجن والإنس، فما كان من راكب يقاتل في معصية فهو من خيل إبليس، وما كان من راجل يقاتل في معصية الله فهو من رجل إبليس والرجل الرجالة.\nوقرأ حفص: وَرَجِلِكَ بكسر الراء، وهما لغتان يقال: راجل ورجل مثل تاجر وتجر، وراكب وركب.\nوَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ قال قوم: هو كل مال أصيب من حرام وأنفق في حرام، وهذا قول مجاهد والحسن وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن زيد، ورواية عليّ بن أبي طلحة عن ابن عبّاس.\nعطاء بن أبي رباح: هو الربا. قتادة: ما كان المشركون يحرمونه من الأنعام كالبحائر «٢» والسوايب والوصيلة والحوامي وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس.\nوقال الضحاك: هو ما كان يذبحونه لآلهتهم.\nوَالْأَوْلادِ.\nقال بعضهم: هم أولاد الزنا، وهو قول مجاهد والضحاك ورواية عطية عن ابن عبّاس.\nالوالبي عنه: هو ما قبلوا من أولادهم وأتوا فيهم الحرام.\nالحسن وقتادة: عدو الله شاركهم في أموالهم وأولادهم فمجّسوا وهوّدوا ونصّروا وصبّغوا غير صبغة الإسلام «٣» .\n_________\n(١) سورة الحجر: ٤٢.\n(٢) واحدتها: بحيرة.\n(٣) تفسير الطبري: ١٥/ ١٥٢.","vol":"6","page":113},{"text":"أبو صالح عن ابن عبّاس: مشاركته إياهم في الأولاد وتسميتهم أولادهم عبد الحرث وعبد شمس وعبد فلان.\nوَعِدْهُمْ ومنّهم الجميل في طاعتك. قال الله وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُورًا باطلا وخديعة لأنه لا يغني عنهم من عذاب الله إذا نزل بهم شيئا كقوله إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ «١» .\nإِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلًا. رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي [يسوي ويجري] .\nلَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ إلى قوله وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ أصابكم [الجهد] فِي الْبَحْرِ وخفتم الغرق ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ إلا دعاؤكم إياه فلم تجدوا ما يكفيكم سواه فَلَمَّا نَجَّاكُمْ من البحر وأخرجكم إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ عن الايمان والطاعة وكفرتم بما جاءكم وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُورًا أَفَأَمِنْتُمْ بعد ذلك أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ يغيبكم ويذهبكم في جانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا حجارة تمطر عليكم من السماء كما أمطر على قوم لوط.\nوقال أبو عبيد والقتيبي: الحاصب الذي يرمي بالحصباء، وهي الحصا الصغار.\nقال الفرزدق:\nمستقبلين شمال الشام يضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور\nثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ في البحر تارَةً مرة أُخْرى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ أي قاصفا وهي الريح الشديدة.\nقال ابن عبّاس وقال أبو عبيدة: هي التي تقصف كل شيء أيّ تدقّه وتحطّمه وهي التي تقصف الشجر أي تكسره فَيُغْرِقَكُمْ بِما كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا ناصرا ولا ثائرا.\nواختلف القراء في هذه الآية. فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: نخسف ونرسل ونعيدكم ونغرقكم كلها بالنون لقوله (عَلَيْنا) .\nوقرأ الباقون: كلها بالياء لقوله (إِيَّاهُ) . إلّا أبا جعفر فإنه قرأ (تغرقكم) بالتاء يعني الريح.\nوَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ ميمون بن مهران عن ابن عبّاس في قوله وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ قال: كل شيء يأكل بفيه إلّا ابن آدم يأكل بيديه، وعنه أيضا بالعقل.\nالضحاك: بالنطق وثمّ التمييز.\n_________\n(١) سورة إبراهيم: ٢٢.","vol":"6","page":114},{"text":"عطاء: تعديل العامّة وامتدادها، يمان: بحسن الصورة.\nمحمّد بن كعب: بأن جعل محمّدا منهم، وقيل: الرجال باللحي والنساء بالذواب.\nمحمّد بن جرير: بتسليطهم على غيرهم من الخلق وتسخير سائر الخلق لهم.\nوَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ يعني لذيذ المطاعم والمشارب.\nمقاتل: السمن والزبد والتمر والحلاوى وجعل رزق غيرهم ما لا يخفى عليكم.\nوَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا.\nقال قوم: قوله: (كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا) استثناء للملائكة.\nقال الكلبي: فضلوا على الخلائق كلهم غير طائفة من الملائكة جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت وأشباههم.\nوقال الآخرون: المراد به جميع من خلقنا فالعرب قد تضع الأكبر والكثير في موضع الجمع والكل، كقول الله ﷿ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ «١» والمراد به جميع الشياطين.\nمعمر عن زيد بن أسلم، في قوله تعالى وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ قال: قالت: الملائكة ربنا إنك أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويتمتعون ولم تعطنا ذلك فأعطنا في الآخرة، فقال:\nوعزتي وجلالي لا أجعل ذرية من خلقت بيدي كما قلت لَهُ كُنْ فَيَكُونُ.\nحماد بن سلمة عن أبي المهرم قال: سمعت أبا هريرة يقول: المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين عنده.\nيَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قال مجاهد وقتادة: بنبيهم، يدل عليه ما\nروى السدي عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قال: بنبيهم.\nوقال أبو صالح وأبو نضر والضحاك وابن زيد: بكتابهم الذي أنزل عليهم وهي\nرواية ابن أبي نجيح عن مجاهد وعن علي بن الحسين بن علي المرتضى (﵈) عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ قال: «يؤتى كل قوم بإمام زمانهم وكتاب ربهم وسنّة نبيهم» [٣٨] .\nأبو العالية والحسن: بأعمالهم، ودليل هذا التأويل قوله تعالى في سياق الآية\n_________\n(١) سورة الشعراء: ٢٢٢- ٢٢٣","vol":"6","page":115},{"text":"فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ الآية ونظيرها قوله وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ فسمي الكتاب إماما.\nروى ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله نودي من الجنة يا عبد الله هذا خير فمن كان من باب الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب [الريان]» .\nفقال أبو بكر الصديق (﵁): يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما علي من دعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى من تلك الأبواب كلها أحد؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم» [٣٩] «١» .\nوتصديق هذا القول أيضا حديث الألوية والرايات.\nباذان وسعيد بن جبير عن ابن عبّاس: بِإِمامِهِمْ الذي دعاهم في الدنيا إلى الضلالة أو الهدي.\nعليّ بن أبي طلحة: بأئمتهم في الخير والشر.\nقال الله تعالى وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا «٢» قال: وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ «٣»، وقيل: لمعبودهم.\nمحمّد بن كعب: بأمهاتهم.\nقالت الحكماء: في ذلك ثلاثة أوجه من الحكمة أحدها: لأجل عيسى (﵇)، والثاني: أخيار الشرف الحسن والحسين (﵉)، والثالث: لئلا يفضح أولاد الزنا.\nفَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ إلى قوله تعالى فِي هذِهِ أَعْمى اختلفوا في هذه الإشارة.\nفقال قوم: هي راجعة إلى النعم التي عددها الله في هذه الآيات.\nعكرمة: جاء نفر من أهل اليمن إلى ابن عبّاس فسأله رجل عن هذه الآية فقال: اقرأ ما قبلها رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ إلى قول الله سَبِيلًا فقال ابن عبّاس: من كان في هذه النعم التي رأى وعاين أعمى فهو في أمر الآخرة التي لم ير ولم يعاين أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا.\nوقال آخرون: هي راجعة إلى الدنيا يقول مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عن قدرة الله وآياته فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى.\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٢/ ٢٢٧، وصحيح مسلم: ٣/ ٩١. [.....]\n(٢) سورة الأنبياء: ٧٣.\n(٣) سورة القصص: ٤١.","vol":"6","page":116},{"text":"وقال أبو بكر الوراق: مَنْ كانَ فِي هذِهِ الدنيا أَعْمى عن حجته فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى عن جنته.\nوقال الحسن: من كان في الدنيا ضالا كافرا فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا، لأنه لم يتب في الدنيا ففي الآخرة لا تقبل توبته.\nواختلف القراء في هذين الحرفين. فأمالها أهل الكوفة وفخمها الآخرون.\nوأمّا أبو عمرو فكان يكسر الأول ويفتح الآخر يعني فهو في الآخرة أشد عمي لقوله:\nوَأَضَلُّ سَبِيلًا هي اختيار أبي عبيدة.\nقال الفراء: حدثني بالشام شيخ من أهل البصرة إنه سمع من العرب تقول: ما أسود شعره.\nقال الشاعر:\nأما الملوك فأنت اليوم الأمم ... لؤما وأبيضهم سربال طباخ «١»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٣ الى ٧٧]</span>\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥) وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلًا (٧٦) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧)\nوَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ الآية اختلفوا في سبب نزولها.\nفقال سعيد بن جبير: كان النبي ﷺ يستلم الحجر الأسود فمنعته قريش وقالوا: لا ندعك حتّى تلم بآلهتنا فحدث نفسه وقال: ما عليّ أن ألمّ بها والله يعلم إني لها كاره بعد أن يدعونني أستلم الحجر فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nقتادة: ذكر لنا أن قريشا خلوا برسول الله ﷺ ذات ليلة إلى الصباح يكلمونه ويخيرونه ويسودونه ويقارنونه وكان في قولهم أن قالوا: إنك تأتي بشيء لا يأتي به أحد من الناس وأنت سيدنا فأين سيدنا فما زالوا يكلمونه حتّى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون ثمّ عصمه الله تعالى من ذلك وأنزل هذه الآية.\nمجاهد: مدح آلهتهم وذكرها ففرحوا. ابن [جموح]: أتوه وقالوا له: أئت آلهتنا فأمسها فذلك قوله شَيْئًا قَلِيلًا.\nابن عبّاس: قدم وفد ثقيف على النبي ﷺ فقالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث خصال.\n_________\n(١) لسان العرب: ٧/ ١٢٤، والمستدرك: ٤/ ٥٥١.","vol":"6","page":117},{"text":"قال: ما هن؟ فقالوا: لا ننحني في الصلاة ولا نكسر أصناما بأيدينا [وتمتعنا باللات] سنة.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: «لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم وأما الطاعة للات فإني غير ممتعكم بها «١»» [٤٠] .\nفهنا قالوا لرسول الله: فإنا نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعطه غيرنا فإن كرهت ذلك وخشيت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم تعطنا فقل الله أمرني بذلك، فسكت رسول الله ﷺ ودعاهم ليؤمنوا، فعرف عمر (﵁) أن رسول الله ﷺ كان لما سألوه فقال: ما لكم آذيتم رسول الله ﷺ أحرق الله أكبادكم إن رسول الله لا يدع الأصنام في أرض العرب إما أن تسلموا وإما أن ترجعوا فلا حاجة لنا فيكم «٢» .\nفأنزل الله تعالى هذه الآية ووعدهم رسول الله ﷺ أن يعطيهم ذلك.\nعطية عنه قالت ثقيف للنبي ﷺ: أجّلنا سنة حتّى نقبض ما تهدي لآلهتنا فإذا قبضنا التي تهدى لآلهتنا كسرناها وأسلمنا، فهمّ رسول الله ﷺ أن يؤجلهم فأنزل الله تعالى وَإِنْ كادُوا وقد هموا لَيَفْتِنُونَكَ ليستزلونك ويصرفونك عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ لتختلف عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لو فعلت ما دعوك إليه لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا أي والوك وصافوك\nوَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ على الحق بعوننا لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ تميل إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ولو فعلت ذلك إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ المحتضر أي ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات يعني ضعّفنا لك العذاب في الدنيا والآخرة ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا ناصرا يمنعك من عذابنا.\nقال قتادة: فلما نزلت هذه الآيات، قال رسول الله ﷺ: «اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين» [٤١] .\nوَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ليستخفونك مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها الآية.\nقال الكلبي: إن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة حسدت اليهود مقامه بالمدينة وكرهوا قربه منهم فأتوا فقالوا: يا محمّد أنبي أنت؟ قال: نعم، قالوا: والله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء وإن أرض الأنبياء الشام، وكأنى بها إبراهيم و[الأنبياء]: فان كنت نبيا مثلهم فأت الشام وقد علمنا إنما يمنعك الخروج إليها مخافتك الروم وإن الله سيمنعك بها من الروم إن كنت رسوله وهي الأرض المقدسة وإن الأنبياء لا يكونوا بهذا البلد.\nفعسكر رسول الله ﷺ على ثلاثة أميال من المدينة وأربعة أميال، وفي بعض الروايات إلى\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) تاريخ المدينة لابن شبة: ٢/ ٥١١، والسيرة النبوية لابن كثير: ٤/ ٥٦.","vol":"6","page":118},{"text":"ذي الحليفة، حتّى ترتاد ويجتمع عليه أصحابه [وينظر] «١» إليه الناس. فأنزل الله ﷿ وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ التي كنت بها وهي أرض المدينة «٢» .\nوروى شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن الحكم: إن اليهود أتوا نبي الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم إن كنت صادقا أنك نبي فالحق بالشام فإنها أرض المحشر والنشر وأرض الأنبياء فصدّق رسول الله ما قالوا وقد كان في غزوة تبوك لا يريد بذلك إلّا الشام فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آية من سورة بني إسرائيل بعدها ختمت السورة وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ الآية وأمره بالرجوع إلى المدينة وقال: فيها خيلك وملكك وفيها مبعثك.\nقال مجاهد وقتادة: همّ أهل مكة عمدا بإخراج النبي ﷺ من مكة ولو فعلوا ذلك لما توطنوا ولكن الله كفهم عن إخراجه حتّى أمره ولقلما لبثوا مع ذلك بعد خروج النبي ﷺ من مكة حتّى أهلكهم الله يوم بدر «٣» .\nوهذا التأويل أليق بالآية لأن ما قبلها خبر من أهل مكة ولم يجد لليهود ذكر ولأن هذه السورة مكية.\nوقيل: هم الكفار كلهم كادوا أن يستخفوه من أرض العرب باجتماعهم وتظاهرهم عليه فمنع الله رسوله ﷺ ولم ينالوا منه ما أملوا من الظفر ولو أخرجوه من أرض العرب لم يميلوا أن يقيموا فيها على كفرهم بل أهلكوا بالعذاب فذلك قوله وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ أي بعدك وهي قراءة أبي عمرو وأهل الحجاز واختاره أبو عبيد.\nوقرأ الباقون: خِلافَكَ واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ «٤» ومعناه أيضا بعدك.\nقال الشاعر:\nعفت الديار خلافها فكأنما ... بسط الشواطب منهن حصيرا\nأيّ بعدها.\nإِلَّا قَلِيلًا حتّى تهلكوا سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا أيّ كسنّتنا فيمن أرسلنا\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) هذا من أوضح المفتريات أن يدع الرسول الأعظم الوحي ويأخذ من اليهود، فإن الإنسان العادي الساذج لا يأخذ بهذا القول فكيف بنبي الهدى الذي لا ينطق عن الهوى، والذي هو أعقل العرب وأسيسها والمعصوم عن الزلل، كما أجمعت عليه الفرق الإسلامية وثبت في محله.\n(٣) راجع تفسير الطبري: ١٥/ ١٦٦.\n(٤) سورة التوبة: ٨١.","vol":"6","page":119},{"text":"قبلك من رسلنا إذا يكذبهم الأمم أهلكناهم بالعذاب ولا يعذبهم مادام فيهم بين أظهرهم فإذا خرج نبيهم من بين أظهرهم عذبناهم وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا تبديلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٧٨ الى ٨٤]</span>\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا (٧٩) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا (٨٠) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا (٨١) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسارًا (٨٢)\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُسًا (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا (٨٤)\nأَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ قال إبراهيم النخعي ومقاتل بن حيان والسدي ويمان وابن زيد: دلوكها غروبها.\nقال الشاعر:\nهذا مقام قدمي رياح ... غدوة حتّى هلكت براح\nأي غربت الشمس، وبراح اسم للشمس مثل قطام وجذام ورفاش.\nويروى، براح بكسر الباء يعني إن الناظر يضع كفه على حاجبه من شعاعها لينظر ما بقي من غبارها، ويقال ذلك للشمس إذا غاب.\nقال ذو الرمة:\nمصابيح ليست باللواتي يقودها ... نجوم لا بالأفلات الدوالك\nودليل هذا التأويل حديث عبد الله بن مسعود إنه كان إذا غرب الشمس صلى المغرب وأفطر إن كان صائما ويحلف بالله الذي لا إله إلّا هو أن هذه الساعة لميقات هذه الصلاة وهي التي قال الله أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ.\nوقال ابن عمرة وابن عبّاس وجابر بن عبد الله وأبو العالية وعطاء وقتادة ومجاهد والحسن ومقاتل وجعفر بن محمّد وعبيد بن حجر: دلوكها زوالها\n، وبه قال الشافعي (﵁)، يدل عليه\nحديث أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبرئيل لدلوك الشمس حين زالت الشمس فصلى بي الظهر» [٤٢] «١» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٥/ ١٧١.","vol":"6","page":120},{"text":"وقال أبو برزة: كان رسول الله ﷺ يصلي الظهر إذا زالت الشمس ثمّ تلا هذه الآية أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ.\nقال جابر بن عبد الله: دعوت النبي ﷺ ومن شاء من أصحابه فطعموا عندي ثمّ خرجوا حين زالت الشمس فخرج النبي ﷺ وقال: «أخرج يا أبا بكر فهذا حين دلكت الشمس» .\nوعلى هذا التأويل يكون الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها، فدلوك الشمس صلاة الظهر والعصر، وغسق الليل صلاتا العشاء، وتصديق هذا التفسير إن جبرئيل (﵇) حين علم رسول الله ﷺ كيفية الصلاة إنما بدأ بصلاة الظهر.\nوروى محمّد بن عمار عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «جاءني جبرئيل ﷺ فصلى صلاة الظهر حين زاغت الشمس ثمّ جاءني فصلى العصر حين كان ظل كل شيء مثله، ثمّ صلى بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء حين غاب الشفق ثمّ جاءني فصلى بي الصبح حين طلع الفجر، ثمّ جاءني في الغد فصلى بي الظهر حين كان ظل كلّ شيء مثله ثمّ صلى بي العصر حين كان ظل كلّ شيء مثليه ثمّ صلى بي المغرب حين غربت الشمس ثمّ صلى بي العشاء حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى بي الصبح حين أسفر ثمّ قال: هذه صلاة النبيين من قبلك فألزمهم» [٤٣] «١» .\nعطاء بن أبي رياح عن جابر قال: أن جبرئيل أتى النبي ﷺ يعلمه مواقيت الصلاة فتقدم جبرئيل ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الظهر حين زالت الشمس وآتاه حين كان الظل مثل شخصه فصنع كما صنع فتقدم جبرئيل ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العصر.\nثمّ أتاه حين وجبت فصلى المغرب وقد تقدم جبرئيل ورسول الله خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى المغرب ثمّ أتاه حين غاب الشفق فتقدم جبرئيل ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى العشاء ثمّ أتاه جبرئيل حين انشق الفجر فتقدم جبرئيل ورسول الله ﷺ خلفه والناس خلف رسول الله ﷺ فصلى الغداة ثمّ أتاه اليوم الثاني حين كان ظل الرجل مثل شخصه فصنع مثل ما صنع بالأمس صلى الظهر. ثمّ أتاه حين كان ظل الرجل منّا مثل شخصيه فصنع كما صنع بالأمس فصلى العصر ثمّ أتاه حين وجبت الشمس فصنع كما صنع بالأمس فصلى المغرب متمنيا ثمّ تمنا ثمّ قمنا فأتاه فصنع كما صنع بالأمس صلى العشاء.\nثمّ ابتدأ الفجر وأصبح والنجوم بادية مشتبكة فصنع كما صنع بالأمس فصلى الغداة ثمّ قال: ما بين هاتين الصلاتين وقت.\n_________\n(١) المصنف لعبد الرزاق: ١/ ٥٣٢ ح ٢٠٢٩.","vol":"6","page":121},{"text":"وعن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عبّاس إن رسول الله ﷺ قال: «أتاني جبرئيل عند باب الكعبة مرتين فصلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك ثمّ صلى العصر حين كان كل شيء بقدر ظله ثمّ صلى المغرب حين أفطر الصائم ثمّ صلى العشاء حين غاب الشفق ثمّ صلى الصبح حين حرم الطعام والشراب على الصائم ثمّ صلى الظهر في المرة الأخيرة حين كان كل شيء بقدر ظله لوقت العصر بالأمس، ثمّ صلى العصر حين كان ظل شيء مثليه ثمّ صلى المغرب للوقت الأول لم يؤخرها ثمّ صلى العشاء الأخيرة حين ذهب ثلث الليل ثمّ صلى الصبح حين أسفره ثمّ التفت فقال: يا محمّد هذا وقت الأنبياء من قبلك، الوقت فيما بين هذين الوقتين» [٤٤] «١» .\nإِلى غَسَقِ اللَّيْلِ إقباله بظلامه.\nقال ابن عبّاس: بدو الليل. قتادة: صلاة المغرب.\nمجاهد: غروب الشمس. أبو عبيدة: سواده.\nابن قيس الرقيات:\nإن هذا الليل قد غسقا ... فاشتكيت الهم والأرقا «٢»\nوقيل: غسق يغسق غسوقا «٣» .\nوَقُرْآنَ الْفَجْرِ أيّ صلاة الفجر فسمى الصلاة قرآنا لأنها لا تجوز إلّا بقرآن، وقيل: يعني قُرْآنَ الْفَجْرِ ما يقرأ به في صلاة الفجر.\nوانتصاب القرآن من وجهين: أحدهما: أنه عطف على الصلاة أي أقم قرآن الفجر، قاله الفراء، وقال أهل البصرة: على [الإغراء] «٤» أي وعليك بقرآن الفجر.\nوقال بعضهم: اجتماعه وبيانه وحينئذ يكون مجاز أقم الصلاة لدلوك الشمس بقرآن الفجر.\nإِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا يشهد ملائكة الليل وملائكة النهار ينزل هؤلاء ويصعد هؤلاء فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، وفي هذه الآية دليل واضح على تعلق وجوب الصلاة بأول الوقت فاستحباب التغليس بصلاة الفجر.\nالزهوي عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح» «٥» .\n_________\n(١) المصدر السابق ح ٢٠٢٨.\n(٢) لسان العرب: ١٠/ ٢٨٨.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٠٤. [.....]\n(٤) هكذا في الأصل.\n(٥) كنز العمال: ٧/ ٥٥٣ ح ٢٠٢١٨، ومسند أحمد: ٢/ ٢٦٦.","vol":"6","page":122},{"text":"قال: يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا) .\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ أي قم بعد نومك وصل.\nقال المفسرون: لا يكون التهجد إلّا بعد النوم يقال: تهجد إذا سهر، وهجد «١» إذا نام.\nوقال بعض أهل اللغة: يقال تهجد إذا نام وتهجد إذا سهر وهو من الاضداد.\nروى حميد بن عبد الرحمن بن عوف: عن رجل من الأنصار إنه كان مع رسول الله ﷺ في سفر وقال: لأنظرنّ كيف يصلي النبي ﷺ قال: فنام رسول الله ﷺ ثمّ استيقظ فرفع رأسه إلى السماء فتلا أربع آيات من سورة آل عمران: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ... لَآياتٍ ثمّ أهوى بيده إلى القربة وأخذ مسواكا فاستنّ به ثمّ توضأ ثمّ صلى ثمّ نام ثمّ استيقظ، فصنع كصنيعه أول مرة، ويزعمون أنه التهجد الذي أمره الله تعالى «٢» .\nنافِلَةً لَكَ قال ابن عبّاس: خاصة لك، مقاتل بن حيان: كرامة وعطاء لك.\nابن عبّاس: فريضتك.\nوقال: أمر النبي ﷺ بقيام الليل خاصة وكتبت عليه، ويكون معنى النافلة على هذا القول فريضة فرضها الله عليك فضلا عن الفرائض التي فرضها الله علينا زيادة.\nوقال قتادة: تطوعا وفضيلة «٣» .\nوقال بعض العلماء: كانت صلاة الليل فرضها عليه في الابتداء ثمّ رخص له في تركها فصارت نافلة «٤» .\nوقال مجاهد: والنافلة للنبي ﷺ خاصة من أجل أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما عمل من عمل سوى المكتوبة فهو نافلة لك من أجل أنه لا يعمل ذلك كفارة لذنوبهم، فهي نوافل له وزيادة للناس يعملون ويصلون ما سوى المكتوبة لذنوبهم في كفارتها فليست للناس نوافل.\nعَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا.\nقال أهل التأويل: عسى ولعلّ من الله جزاء لأنه لا يدع أن يفعل لعباده ما أطمعهم فيه من الجزاء على طاعاتهم لأنه ليس من صفته الغرور، ولو أن رجلا قال لآخر: اهدني والزمني لعلي أن أنفعك فلزمه ولم ينفعه مع إطماعه فيه ووعده لكان عارا له وتعالى الله عن ذلك، وأما المقام المحمود فالمقام الذي يشفع فيه لأمته يحمده فيه الأولون والآخرون.\n_________\n(١) الهجود النوم منه.\n(٢) السنن الكبرى: ٦/ ٨٤ ح ١٠١٣٩.\n(٣) تفسير الطبري: ١٥/ ١٧٩.\n(٤) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٠٩.","vol":"6","page":123},{"text":"عاصم بن أبي النجود عن زيد عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت ابن أبي قحافة خليلا ولكن صاحبكم خليل الله ثمّ قرأ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا» [٤٥] «١» .\nوعن حذيفة بن اليمان قال: يجمع الناس في صعيد واحد فلا تكلم نفس فتكون أول من يدعو محمّدا ﷺ فيقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وبك وعبدك بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجا منك إلّا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت فذلك قوله تعالى عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا.\nقتادة عن مأمون بن مالك عن النبي ﷺ قال: «يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيلهمون فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فأراحنا من مكاننا هذا فيأتون آدم (﵇) فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله ﷿ بيده وأسجد لك ملائكته وعلّمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من هذا المكان فيقول لهم لست هناك، ويذكر ذنبه الذي أصابه فيستحي ربّه من ذلك ولكن ائتوا نوحا فإنه أول الرسل بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتون نوحا فيقول لست هناك ويذكر خطيئته وسؤاله ربه هلاك قومه فيستحي ولكن ائتوا إبراهيم خليل الرحمن فيأتون إبراهيم (﵇) فيقول: لست هناك ولكن ائتوا موسى عبدا كلمه الله وأعطاه التوراة فيأتون موسى (﵇) فيقول: لست هناك، ويذكر لهم النفس التي قتل بغير نفس فيستحي من ذلك فيقول ائتوا عيسى عبد الله ورسوله هو كلمة الله وروحه فيأتون عيسى (﵇) فيقول لست هناك ولكن ائتوا محمّدا عبدا غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتونني فأقوم وأمشي بين سماطين من المؤمنين حتّى أستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي خررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثمّ يقول: ارفعك رأسك ثم يقول: قل يسمع وسلّ تعط واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحدّ لي حدا فأدخلهم الجنة، ثمّ أعود إليه الثانية فإذا رأيت ربي وقعت أو خررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثمّ قال: ارفع يا محمّد رأسك قل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمد بتحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحدّ لي حدا فأدخلهم الجنة.\nثمّ أعود إليه الثالثة فإذا رأيت ربي وقعتا وخررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثمّ يقال ارفع يا محمّد رأسك قل تسمع وسل تعطه واشفع فشفع فأرفع رأسي فأحمده تحميد يعلمنيه ثمّ أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ثمّ أعود إليه الرابعة، وأقول يا رب ما بقي إلّا من حبسه القرآن.\nقال أنس بن مالك: إن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال لا إله إلّا الله وكان في\n_________\n(١) علل الدارقطني: ٥/ ٣٢٠، وضعيف سنن الترمذي: ٤٩٠ ح ٧٥٣.","vol":"6","page":124},{"text":"قلبه من الخير ما يزن شعيرة ثمّ يخرج من النار من قال لا إله إلّا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة» [٤٦] «١» .\nوروى أبو عاصم محمّد بن أبي أيوب الثقفي عن يزيد بن صهيب قال: كنت قد شغلني رأي من رأى الخوارج وكنت رجلا شابا، قال: فخرجنا في عصابة ذوي عدد يزيد أن يحج ثمّ يخرج على الناس فمررنا على المدينة فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله ﷺ جالس إلى سارية وإذا هو قد ذكر الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ما هذا الذي تحدث والله ﷿ يقول: إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وكُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها.\nفقال لي: تقرأ القرآن؟ قلت: نعم فقال: فهل سمعت مقام محمّد المحمود الذي يبعثه الله فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمّد ﷺ المحمود الذي يخرج الله به من يخرج من النار «٢» .\nثمّ نعت وضع الصراط ومرور الناس عليه قال: وأخاف أن لا أكون حفظت ذلك غير أنه قد زعم أن قوما يخرجون من النار بعد أن يكونوا فيها، قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرا من أنهار الجنة فيغتسلون فيه فيخرجون كأنهم القراطيس. قال: فرجعنا وقلنا أيرون كهذا الشيخ يكذب على رسول الله ﷺ فو الله ما خرج منا غير رجل واحد.\nالزهري عن علي بن حسين قال: قال النبي ﷺ: «إذا كان يوم القيامة مدّ الأرض مدّ الأديم [بالعكاظي] «٣» حتّى لا يكون لبشر من الناس إلّا موضع قدميه» [٤٧] .\nقال النبي ﷺ: «فأكون أنا أول من يدعى وجبرئيل عن يمين الرحمن والله ما رآه قبلها، وأقول: يا رب إن هذا أخبرني أنك أرسلته إليّ فيقول الله تعالى: صدق، ثمّ أشفع فأقول يا رب عبادك عبدوك في أطراف الأرض قال: وهو المقام المحمود» [٤٨] «٤» .\nوروى سفيان عن سلمة بن سهيل عن أبي الزعراء قال: قال عبد الله: يكون أول شافع يوم القيامة روح القدس جبرئيل ثمّ إبراهيم ثمّ موسى ثمّ عيسى ثمّ يقوم نبيكم ﷺ رابعا فلا يشفع أحد بعده فيما يشفع فيه وهو المقام المحمود «٥» .\nسعيد بن عروبة عن قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: إن بالبراق قال لجبرائيل: والذي بعثك بالحق لا يركبني حتّى يضمن لي الشفاعة.\n_________\n(١) بطوله في تفسير ابن كثير: ٣/ ٦٠.\n(٢) إلى هنا في تفسير الدر المنثور: ٤/ ١٩٨.\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) تفسير الطبري: ١٥/ ١٨٣.\n(٥) تفسير الطبري: ١٥/ ١٨٠.","vol":"6","page":125},{"text":"عبد الله بن إدريس عن عبد الله عن نافع عن ابن عمرو قال: إن رسول الله ﷺ قرأ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا.\nقال: يدنيني فيقعدني معه على العرش.\nابن فنجويه: أجلسني معه على سريره.\nأبو أسامة عن داود بن يزيد [الأزدي] عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا قال: «الشفاعة» [٤٩] .\nعاصم عن أبي وائل عن عبد الله قال: إن الله تعالى اتخذ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا وإن صاحبكم خليل الله وأكرم الخلق على الله ثمّ قرأ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا قال: يقعده على العرش.\nوروى سعيد الجروي عن سيف السدوي عن عبد الله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة يؤتي نبيكم ﷺ فيقعد بين يدي الرب ﷿ على الكرسي.\nوروى ليث عن مجاهد في قوله ﷿ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا قال:\nيجلسه على العرش.\nقال الأستاذ الإمام أبو القاسم الثعلبي: هذا تأويل غير مستحيل لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء قائما بذاته ثمّ خلق الأشياء من غير حاجة له إليها، بل إظهارا لقدرته وحكمته ليعرف وجوده وحده وكمال علمه وقدرته بظهور أفعاله المتقنة بالحكمة، وخلق لنفسه عرشا استوى عليه كما يشاء من غير أن صار له مما شاء أو كان له العرش مكان بل هو الآن على الصفة التي كان عليها قبل أن خلق المكان والزمان، فعلى هذا القول سواء أقعد محمدا ﷺ على العرش أو على الأرض لأن استواء الله على العرش ليس بمعنى الاستقبال والزوال أو تحول الأحوال من القيام والقعود أو الحال الذي يشغل العرش، بل هو مستو على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف، وليس إقعاده محمّدا ﷺ على العرش موجبا له صفة الربوبية أو مخرجا إياه من صفة العبودية بل هو رفع لمحله وإظهار لشرفه وتفضيل له على غيره من خلقه، وأما قولهم: في الأخبار معه، فهو شابه قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ «١» ورَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ «٢» ونحوهما من الآيات، كل ذلك راجع إلى الرتبة والمنزلة لا إلى المكان والجهة والله أعلم.\nوَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ قرأه العامّة: بضم الميمين على معنى الإدخال والإخراج.\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٢٠٥.\n(٢) سورة التحريم: ١١. [.....]","vol":"6","page":126},{"text":"وقرأ الحسن: بفتحهما على معنى الدخول والخروج.\nواختلف المفسرون في تأويلها.\nفقال ابن عبّاس والحسن وقتادة أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ المدينة وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ من مكة نزلت حين أمر رسول الله ﷺ بالهجرة\nفروى أبو حمزة الثمالي عن جعفر بن محمّد عن محمّد بن المنكدر قال: قال رسول الله ﷺ: «حين دخل الغار رَبِّ أَدْخِلْنِي يعني الغار مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي من الغار مُخْرَجَ صِدْقٍ إلى المدينة» [٥٠] «١» .\nوقال الضحاك: وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ من مكة آمنا من المشركين أَدْخِلْنِي مكة مُدْخَلَ صِدْقٍ ظاهرا عليها بالفتح.\nعطية عن ابن عبّاس أَدْخِلْنِي القبر مُدْخَلَ صِدْقٍ عند الموت وَأَخْرِجْنِي من القبر مُخْرَجَ صِدْقٍ عند البعث.\nالكلبي أَدْخِلْنِي المدينة مُدْخَلَ صِدْقٍ حين أدخلها بعد أن قصد الشام وَأَخْرِجْنِي منها إلى مكة افتحها لي.\nمجاهد أَدْخِلْنِي في أمرك الذي أدخلتني به من النبوة مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي منه مُخْرَجَ صِدْقٍ.\nقتادة عن الحسن: أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ في طاعتك وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ بالصدق أي سالما غير مقصر فيها.\nوقيل: معناه أَدْخِلْنِي حيث ما أدخلتني بالصدق وَأَخْرِجْنِي بالصدق أي لتجعلني ممن أدخل بوجه وأخرج بوجه فإن ذا الوجهين لا يكون أمينا عند الله.\nوَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا مجاهد: حجة بينة.\nقال الحسن: يعني ملكا قويا ينصرني به على من والاني وعزّا ظاهرا أقيم به دينك، قال:\nفوعده الله تعالى لينزعن ملك فارس والروم وعزتهما فجعله له.\nقتادة: إن نبي الله ﷺ علم أن لا طاقة له بهذا الأمر إلّا بسلطان فسأل سُلْطانًا نَصِيرًا بكتاب الله وحدوده، وفرائضه وإقامة دينه وإن السلطان رحمة من الله جعلها من أظهر عباده لا يقدر بعضهم على بعض وأكل شديدهم ضعيفهم.\nوقيل: هو فتح مكة.\n_________\n(١) تفسير أبي حمزة الثمالي: ٢٣٧ ح ١٨٧ عن الثعلبي.","vol":"6","page":127},{"text":"وروى موسى بن إسماعيل عن حماد عن الكلبي في قوله وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا قال: سلطانه النصير.\nعتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: استعمله رسول الله ﷺ على أهل مكة [قال له:] انطلق فقد استعملتك على أهل الله يعني مكة فكان شديدا على [المنافقين] ليّنا للمؤمنين.\nقال: لا والله لا أعلم متخلفا ينطلق عن الصلاة في جماعة إلّا ضربت عنقه فإنه لا يتخلف عنها إلّا منافق.\nفقال أهل مكة: يا رسول الله تستعمل على آل الله عتاب بن أسيد أعرابيا حافيا؟\nفقال رسول الله ﷺ: «إني رأيت فيما يرى النائم، كأن عتاب بن أسيد أتى باب الجنة فأخذ بحلقه الباب ففلقها «١» لا شديدا حتّى فتح له فدخلها فأعز الله به الإسلام لنصرته المؤمنين على من يريد ظلمهم فذلك السلطان النصير» [٥١] «٢» .\nوَقُلْ جاءَ الْحَقُّ يعني أتى وَزَهَقَ الْباطِلُ أي ذهب الشيطان وهلكه، قاله قتادة.\nوقال السدي: الحقّ الإسلام، والباطل الشرك. وقيل: الحق دين الرحمن والباطل الأوثان.\nوقال ابن جريح: الحق الجهاد والقتال.\nإِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا ذاهبا.\nيقال: زهقت نفسه إذا خرجت وزهق السهم إذا جاوز الفرض فاستمر على جهته.\nقال ابن مسعود وابن عبّاس: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة وجد حول البيت ثلاثمائة وستين صنما، صنم كل قوم بحيالهم ومعه مخصرة فجعل يأتي الصنم فيطعن في عينه أو في بطنه ثمّ يقول جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا بجعل الصنم ينكب لوجهه وجعل أهل مكة يتعجبون، ويقولون فيما بينهم ما رأينا رجلا أسحر من محمّد.\nوَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أي بيان من الضلالة والجهالة بيّن للمؤمن ما يختلف فيه ويشكل عليه، فيشفي به من الشبهة ويهدي به من الحيرة وإذا فعل ذلك ﵀، فهو شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها كما يشفي المريض إذا زالت العلل عنه.\nقتادة: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه.\n_________\n(١) في الإصابة: ٤/ ٣٥٧: فقعقها.\n(٢) كنز العمال: ١١/ ٧٣٧ ح ٣٣٦٠٤ بتفاوت.","vol":"6","page":128},{"text":"وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا لأنه لا ينتفع به ولا يحفظه ولا يعيه.\nوقال همام: سمعت قتادة يقول: ما جالس هذا القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان ثمّ قرأ هذه الآية.\nوروت ساكنة بنت الجرود قالت: سمعت رجاء الغنوي يقول: قال رسول الله ﷺ: «من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله» [٥٢] «١» .\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ عن ذكرنا وَنَأى بِجانِبِهِ وتباعدنا بنفسه.\nوقال عطاء: تعظم وتكبر.\nواختلف القراء في هذا الحديث، فقرأ أبو عمر وعاصم ونافع وحمزة في بعض الروايات عنهم: بفتح النون وكسر الهمزة على الإمالة.\nوقرأ الكسائي وخلف وحمزة في سائر الروايات: بكسرهما، اتبعوا الكسرة.\nوقرأ أكثرهم: بفتحهما على التفخيم وهي اللغة العالية.\nوقرأ أبو جعفر وعامر: بالنون ولها وجهان: أحدهما: مقلوبة من نأي كما يقال رأى وراء، والثاني: إنها من النوء وهو النهوض والقيام ويقال أيضا للوقوع الجلوس نوء وهو من الاضداد.\nوَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ الشدة والضر كانَ يَؤُسًا قنوطا قُلْ يا محمّد كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ.\nقال ابن عبّاس: على ناحيته. مجاهد: على حدته.\nالحسن وقتادة: على نيته. ابن زيد: على دينه.\nمقاتل: على [جدلته] «٢» . الفراء: على طريقة التي جبل عليها.\nأبو عبيدة والقتيبي: على خليقته وطبيعته.\nوهو من الشكل، يقال: لست على شكلي وشاكلتي، وقيل: على سبيله الذي اختاره لنفسه، وقيل: على اشتباهه من حولهم، أشكل عليّ الأمر أي اشتبه، وكل هذه الأقاويل متقاربة.\nيقول العرب: طريق ذو شواكل إذا ينشعب الطرق [منه]، ومجاز الآية: كل يعمل ما يشبهه، كما قيل في المثل السائر: كل امرئ يشبه فعله ما فعل المروء فهو أهله.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ٣١٨.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"6","page":129},{"text":"فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٨٥ الى ٨٩]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٨٩)\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ.\nالأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بالمدينة وهو متكئ على عسيب فمرّ بقوم من اليهود، فقال بعضهم: سلوه عن الروح، وقال بعضهم:\nلا تسألوه، فقام متكأ على العسيب، قال عبد الله، وأنا خلفه فظنيت أنه يوحي إليه فقال وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.\nفقال بعضهم لبعض: قلنا لكم لا تسألوه\n، وفي غير الحديث عن عبد الله، قالوا: فكذلك نجد مثله إن الروح من أمر الله تعالى.\nوقال ابن عبّاس: قالت اليهود للنبي ﷺ أخبرنا ما الروح وكيف يعذب الروح في الجسد ولم يكن نزل فيهم شيء؟ فلم يجبهم فأتاه جبرئيل (﵇) بهذه الآية.\nويروى أن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش حين سألوهم عن شأن محمّد وحاله سألوا محمدا عن الروح. وعن فتية فقدوا في الزمان الأوّل، وعن رجل بلغ شرق الأرض وغربها، فإن أجاب في ذلك كله فهو نبي وإن لم يجب من ذلك كله فليس بنبي، وإن أجاب في بعض ذلك وأمسك عن البعض فهو نبي فسألوا النبي ﷺ عنها فأنزل الله ﷿ فيما سألوه عن الفتية قوله أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ «١» إلى آخر القصة.\nوأنزل عن الجواب الذي بلغ شرق الأرض وغربها وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ «٢» إلى آخر القصة.\nوأنزل في الروح قوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ الآية.\nواختلفوا في هذا الروح المسئول عنه ما هو: فقال الحسن وقتادة: هو جبرئيل.\nقال قتادة: وكان ابن عبّاس يكتمه.\n_________\n(١) سورة الكهف: ٩.\n(٢) سورة الكهف: ٨٣.","vol":"6","page":130},{"text":"وروى أبو الميسرة ممن حدثه عن علي بن أبي طالب (﵁) أنه قال: في قوله وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ الآية، قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه لكل وجه منها سبعون ألف لسان لكل لسان منها سبعون ألف لغة، يسبح الله ﷿ بتلك اللغات كلها، يخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة.\nابن عبّاس: الروح خلق من خلق الله صورهم على صور بني آدم، وما نزل من السماء ملك إلّا ومعه واحد من الروح أبو صالح: الروح كهيئة الإنسان وليسوا بناس.\nمجاهد: الروح على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون الطعام وليسوا بملائكة.\nسعيد بن جبير: لم يخلق الله خلقا أعظم من الروح غير العرش ولو شاء أن بلغ السماوات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل صورة، خلقه على صورة الملائكة وصورة وجهه على صورة وجه الآدميين، فيقوم يوم القيامة وهو ممن يشفع لأهل التوحيد لولا أن سندس الملائكة سترا من نور لاحترق أهل السماوات من نوره.\nوقال قوم: هو الروح المركب في الخلق الذي يفقده [فأوهم وبوجوده مقاديم] «١» وقال بعضهم: أراد بالروح القرآن وذلك\nأن المشركين قالوا: يا محمّد من أتاك بهذا القرآن، فأنزل الله تعالى بهذه الآية وبيّن أنه من عنده\nوَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني القرآن ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا ناصرا ينصرك ويرده عليك.\nوقال الحسن: وَكِيلًا ناصرا يمنعك منا إذا أردناك.\nإِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ يعني لكن لا يشاء ربك رحمة من ذلك، إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا.\nهشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو: إن رسول الله ﷺ خرج وهو معصوب الرأس من وجع فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: «أيها الناس ما هذه الكتب التي يكتبون الكتاب غير كتاب الله يوشك أن يغضب الله لكتابه فلا يدع ورقا إلّا قليلا إلّا أخذ منه» .\nقالوا: يا رسول الله فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال: «من أراد الله به خيرا أبقى في قلبه لا إله إلّا الله» [٥٣] «٢» .\nوروى شداد بن معقل عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول ما تفقدون من دينكم الأمانة\n_________\n(١) هكذا في المخطوط.\n(٢) مجمع الزوائد: ١/ ١٥٠، وكتاب الدعاء للطبراني: ٤٣٧.","vol":"6","page":131},{"text":"وآخر ما تفقدون الصلاة والمصلين قوم لا دين لهم، وإن هذا القرآن تصبحون يوما وما معكم منه شيء، فقال رجل: كيف يكون ذلك يا أبا عبد الرحمن وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتناه في مصاحفنا نعلمه أبناءنا ويعلمه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة.\nقال: يسري به في ليلة فيذهب بما في المصاحف ما في القلوب [فتصبح الناس كالبهائم] ثمّ قرأ عبد الله وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ الآية «١» .\nوروى موسى بن عبيدة عن صفوان بن سليم عن ناجية بن عبد الله بن عتبة عن أبيه عن عبد الله قال: أكثروا الطواف بالبيت قبل أن يرفع وينسى الناس مكانه وأكثروا تلاوة القرآن قبل أن يرفع؟ قالوا: هذه المصاحف يرفع فكيف بما في صدور الرجال.\nقال: يسري عليه ليلا يصبحون منه فقراء [وينسون] قول لا إله إلّا الله فيتبعون في قول أهل الجاهلية وإشعارهم فذلك حين يقع عليهم القول.\nوعن عبد الله بن عمرو قال: لا يقوم الساعة حتّى يرفع القرآن من حيث نزل له دوي كدوي النحل فيقول الله تعالى: ما بالك، فيقول: منك خرجت وإليك أعود أتلي ولا يعمل فيّ.\nقُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ لا يقدرون على ذلك.\nقال السدي: لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ لأنه غير مخلوق ولو كان مخلوقا لأتوا بمثله.\nوَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا عونا.\nنزلت هذه الآية حين قال الكفار: لو شئنا لَقُلْنا مِثْلَ هذا فأكذبهم الله تعالى وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ إلى قوله إِلَّا كُفُورًا جحودا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ٩٠ الى ١٠٠]</span>\nوَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولًا (٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)\nقُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيرًا (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُورًا (٩٩)\nقُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا (١٠٠)\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٢٥.","vol":"6","page":132},{"text":"وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا.\nعكرمة عن ابن عبّاس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحرث وأبا البحتري بن هشام، والأسود بن المطلب وزمعة ابن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ونبيها ومنبها ابني الحجاج اجتمعوا- أو من اجتمع منهم- بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة.\nفقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمّد وكلموه وخاصموه حتّى تعذروا فيه، فبعث إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا وهو [يظن بأنه] بدا لهم في أمره بداء، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم.\nفقالوا: يا محمّد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء وعنّت الدين وسفهت الأحلام وشتمت الآلهة وفرقت الجماعة فما بقي أمر قبيح إلّا وقد جئته فيما بيننا [وبينك]، وإن كنت إنما جئت بهذا الحدث تطلب به مالا حظنا لك من أموالنا حتّى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سوّدناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك به رأي قد غلب عليك- فكانوا يسمون من الجن من يأتي الإنسان بالخير والشر فربما كان ذلك- بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتّى نبرئك منه أو نعذر فيك.\nفقال رسول الله ﷺ: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم أطلب به أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فأن تقبلوا مني ما جئتكم فهو حظكم في الدنيا والآخرة وأن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم» [٥٤] «١» .\nفقالوا: يا محمّد وإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت إنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسيّر عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا وليبسط لنا بلادنا وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق\n_________\n(١) خلق أفعال العباد للبخاري: ٨١، وأسباب النزول للواحدي: ١٩٨.","vol":"6","page":133},{"text":"وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن ممن يبعث لنا فيهم قصي بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل فإن صنعت ما سألناك وصدقوك صدقناك وعرفنا به منزلتك عند الله وأنه بعثك رسولا كما تقول.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: «ما بهذا بعثت إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به فقد بلغتكم ما أرسلت به فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتّى يحكم الله بيني وبينكم» [٥٥] «١» .\nقالوا: فإن لم تفعل هذا فخذ لنفسك فسل ربك أن يبعث ملكا يصدقك وسله فيجعل لك تيجان وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك فإذن نراك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه.\nفقال لهم رسول الله ﷺ: «[ما أنا بفاعل] ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بَشِيرًا وَنَذِيرًا» [٥٦] .\nقالوا: فأسقط السماء [عَلَيْنا كِسَفًا] كما زعمت أن ربك [إن] شاء فعل.\nفقال رسول الله ﷺ: «ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك» [٥٧] .\nقالوا: قد بلغنا إنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا فقد أعذرنا إليك يا محمّد أما والله لا نتركك وما بلغت منا حتّى نهلكك أو تهلكنا.\nوقال قائل منهم لن نؤمن لك حتّى تأتينا بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا.\nفلما قالوا ذلك قام النبي ﷺ، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن عمرو بن محروم وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا محمّد عرض عليك ما عرضوا فلم تقبل منهم ثمّ سألوك لأنفسهم أمرا فليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثمّ سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله لا أومن بك أبدا حتّى تتخذ إلى السماء سلما ثمّ ترقى فيه وأنا أنظر حتّى تأتيها وتأتي بنسخة مصورة معك ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت ألّا أصدقك، ثمّ انصرف وانصرف رسول الله ﷺ.\nفقال: أبو جهل، حين قام رسول الله ﷺ: يا معشر قريش إن محمّد قد أتى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آلهتنا وسفه أحلامنا وسبّ آباءنا فإني أعاهد الله لأجلسنّ له عند الحجر قدر ما أطيق حمله وإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٥/ ٢٠٦، وتفسير الدر المنثور: ٤/ ٢٠٢.","vol":"6","page":134},{"text":"وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا لما فاته من متابعة قومه ولما رأى من مباعدتهم فأنزل الله تعالى وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ «١» «٢» .\nقال أهل الكوفة: (تَفْجُرَ) خفيفة بفتح التاء وضم الجيم، واختاره أبو حاتم لأن الينبوع واحد.\n[قرأ] الباقون بالتشديد على التفعيل، واختاره أبو عبيد ولم يختلفوا في الثانية أنها مشددة لأجل الأنهار لأنها جمع، والتشديد يدل على التكثير من الأرض يعني أرض مكة يَنْبُوعًا يعني عيونا هو مفعول من نبع الماء.\nأَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها وسطها تَفْجِيرًا [رقيقا] أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا قرأ أكثر قراء العراق: بسكون السين أي قطعة أجمع كسفه وهو جمع الكثير، مثل تمرة وتمر وسدرة وسدر.\nتقول العرب: أعطني كسفة من هذا الثوب أي قطعة، ويقال: منه جاءنا ببريد كسف أي قطع خبز، وقيل: أراد جاثيا.\nوفتح الباقون السين، وهو القطع أيضا جمع القليل للكسفة.\nأَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا.\nقال ابن عبّاس: كفيلا. الضحاك: ضامنا. مقاتل: شهيدا.\nمجاهد: جمع القبيلة أيّ بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة.\nقتادة: عيانا. الفراء: هو من قول العرب: لقيت فلانا قبلا وقبلا أي معاينة.\nأَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ من ذهب وأصله الزينة.\nمجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتّى رأيته في قراءة ابن مسعود: بيت من ذهب.\nأَوْ تَرْقى تصعد فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ أيّ من أجل رقيك صعودك حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ أمرنا فيه باتباعك قُلْ يا محمّد سُبْحانَ رَبِّي.\nوقرأ أهل مكة والشام: قال سبحان ربي يعني محمد ﷺ هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا وليس ما سألتم في طوق البشر ولا قدرة الرسل وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ جهلا منهم أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا وإن الأولى في محل النصب والثانية في\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٥/ ٢٠٦، ٢٠٥.\n(٢) زاد المسير لابن الجوزي: ٥/ ٦١. [.....]","vol":"6","page":135},{"text":"محل الرفع وفي الآية اختصار فتأويلها هلّا بعث الله ملكا رسولا فأجابهم الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ مستوطنين مقيمين لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا لأن الملائكة إنما تبعث إلى الملائكة ويراهم الملائكة قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إنه رسوله إليكم إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا إلى قوله أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ دونهم وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ.\nشيبان عن قتادة عن أنس: إن رجلا قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال نبي الله ﷺ: «إن الذي أمشاه على رجاله قادر أن يمشيه على وجهه [في النار]» [٥٨] «١» .\nوروى حماد بن سلمة عن علي بن يزيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة وصنفا ركبان وصنفا يمشون على وجوههم» .\nقيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك» [٥٩] «٢» .\nعُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا إن قيل: وكيف وصف الله ﷿ هؤلاء يأتيهم يوم القيامة عمي وصم وبكم، وقال تعالى وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ «٣» فقال: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا وقال دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا والجواب عنه ما قال ابن عبّاس: عُمْيًا لا يرون شيئا يسرهم، بُكْمًا لا ينطقون بحجة، صُمًّا لا يسمعون شيئا يسرهم.\nوقال الحسن: هذا حين [جاءتهم] الملائكة وحين يساقون إلى الموقف عمي العيون وزرقها سود الوجوه إلى أن يدخلوا النار.\nمقاتل: هذا حين يقال لهم: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ، فيصيرون بأجمعهم عميا بكما صما لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك.\nوقيل: عُمْيًا لا يبصرون الهدى، وَبُكْمًا لا ينطقون بخير، وَصُمًّا لا يسمعون الحق.\nمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ قال ابن عبّاس: [سكنت] مجاهد: [طفيت] قتادة: لانت وضعفت.\nزِدْناهُمْ سَعِيرًا وقودا ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظامًا وَرُفاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢٢٩، وصحيح ابن حبان: ١٦/ ٣١٦ ح ١٧٣٢١.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣٦٣.\n(٣) سورة الكهف: ٥٣.","vol":"6","page":136},{"text":"فأجابهم الله تعالى أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ في عظمها وشدتها وكثرة أجزائها وقوتها قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ في صغرهم وضعفهم نظيره قوله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ «١» وقوله أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ «٢» .\nوَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا أي وقتا لعذابهم وهلاكهم لا رَيْبَ فِيهِ إنه إليهم، وقيل: إن هذا جواب لقولهم أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا، وقيل: هو يوم القيامة، وقيل: هو الموت الذي يعاينونه فَأَبَى الظَّالِمُونَ الكافرون إِلَّا كُفُورًا جحودا قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي أيّ أملاك ربي وأمواله وأراد بالرحمة هاهنا الرزق إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ لبخلتم وحبستم خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ أي الفاقة، وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُورًا أي بخيلا ممسكا ضيقا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>[سورة الإسراء (١٧): الآيات ١٠١ الى ١١١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)\nوَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠)\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ قال ابن عبّاس والضحاك: هي العصا واليد البيضاء والعقدة التي كانت بلسانه فحلها وفلق البحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.\nوقال: عكرمة: مطر، الوراق وقتادة ومجاهد والشعبي وعطاء: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الثمرات.\nوعن محمّد بن كعب القرظي قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن الآيات التسع، فقلت:\nالطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ وعصا موسى ويده والطمس والبحر.\nفقال عمر: وأنا أعرف إن الطمس إحداهن.\n_________\n(١) سورة المؤمن: ٥٧.\n(٢) سورة النازعات: ٢٧","vol":"6","page":137},{"text":"قال محمّد بن كعب: إن رجل منهم كان مع أهله في فراشه وقد صار حجرين، وإن المرأة منهم لقائمة تختبز وقد صارت حجرا، وإن المرأة منهم لفي الحمام وإنها تصير حجرا.\nفقال عمر: كيف يكون الفقه إلّا هكذا ثمّ دعا بخريطة فيها أشياء مما كانت أصيبت لعبد العزيز بن مروان بمصر حين كان عليها من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة مشقوقة [قطعا] وإنها لحجر وأخرج الجوزة مشقوقة وإنها لحجر وأخرج أشباه ذلك من الفواكه وإنها لحجارة، وأخرج دراهم ودنانير وفلوسا وإنها لحجارة. فعلى هذا القول يكون الآيات بمعنى الدلالات والمعجزات.\nوقال بعضهم: هي بمعنى آيات الكتاب.\nروى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمة عن صفوان بن غسان المرادي: إن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتّى نسأل هذا النبي، فقال الآخر: لا تقل نبي لأنه لو سمع صارت له أربعة أعين فأتياه فسألاه عن هذه الآية وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ.\nفقال ﷺ: «لا تشركوا بالله شيئا ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولا تزنوا ولا تَأْكُلُوا الرِّبَوا ولا تسحروا ولا تمشوا بالبريء إلى سلطان ليقتله ولا تسرقوا ولا تقذفوا المحصنة ولا تولوا يوم الزحف، وعليكم خاصة في اليهود أن لا يتعدوا في السبت» [٦٠] «١» .\nفقبّلوا يده [ورجله] «٢» وقالوا: نشهد أنّك نبي، قال: «فما يمنعكم أن تتبعوني؟» قالوا: إن داود دعا أن لا يزال في ذريته نبي، وإنّا نخاف إن اتبعناك تقتلنا اليهود «٣» .\nفَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ موسى (﵇)، وهو قراءة العامة، وروى حنظلة السّدوسي عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أنّه قرأ فَسَأَلَ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ على الخبر وقال: سأل موسى فرعون أن يخلّي سبيل بني إسرائيل ويرسلهم معه.\nفقال له فرعون: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا أي قد سحروك، قاله الكلبي، وقال ابن عباس: مخدوعا، وقال محمّد بن جرير: يعطي علم السحر فهذه العجائب التي يفعلها من سحرك، وقال الفرّاء وأبو عبيد: ساحرا فوضع المفعول موضع الفاعل، كما يقال: هو مشؤوم وميمون أي شائم ويامن، وقيل: معناه: وإنّي لأعلمك يا موسى بشرا ذا سحر، أي له رئة «٤» .\nقال موسى: لَقَدْ عَلِمْتَ قراءة العامة بفتح التاء خطابا لفرعون، وقرأ الكسائي بضم التاء وهي قراءة علي.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٤/ ٢٠٤، وفتح القدير: ٣/ ٢٦٥.\n(٢) زيادة من المصدر.\n(٣) تفسير الطبري: ١٥/ ٢١٦، ومسند أحمد: ٤/ ٢٤٠.\n(٤) فتح القدير: ٤/ ٦٣، ومختار الصحاح: ١٥٦.","vol":"6","page":138},{"text":"روى شعبة عن أبي إسحاق عن رجل من مراد عن علي بن أبي طالب (﵁) أنه قرأها:\nلَقَدْ عَلِمْتُ برفع التاء وقال: والله ما علم عدو الله ولكن موسى هو الذي علم، قال: فبلّغت ابن عباس فقال: إنها لَقَدْ عَلِمْتَ تصديقا لقوله: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ.\nقال أبو عبيد: والمأخوذ عندنا نصب التاء، وهو أصح من المعنى الذي احتجّ به ابن عباس، ولأن موسى (﵇) لا يحتج بأن يقول علمت أنا وهو الرسول الداعي، ولو كان مع هذا كلّه تصح تلك القراءة [عن علي] لكانت حجة، ولكنها ليست تثبت عنه إنما هي عن رجل مجهول، ولا نعلم أحدا من القرّاء تمسك بها غير الكسائي، والرجل المرادي الذي روى عنه أبو إسحاق هو كلثوم المرادي «١» .\nما أَنْزَلَ هؤُلاءِ الآيات التسع إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ جمع بصيرة وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا قال ابن عباس: يعني ملعونا، مجاهد: هالكا، قتادة: مهلكا «٢» .\nوروى عيسى بن موسى عن عطية العوفي في قوله: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا قال:\nمبدّلا «٣»، ابن زيد: مخبولا، لا عقل لك، مقاتل: مغلوبا، ابن كيسان: بعيدا عن الخيرات، وروى سفيان بن حصين عن الحسن في قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا قال [سلاحا] «٤» في القطيفة.\nقال مجاهد: دخل موسى على فرعون في يوم شات وعليه قطيفة له فألقى موسى عصاه فرأى فرعون جانبي البيت بين [فقميها]، ففزع فرعون وأحدث في قطيفته.\nوعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: كنت قائما على رأس المأمون وهو يناظر رجلا فسمعته يقول: يا مثبور، ثم أقبل عليّ فقال: يا إبراهيم ما معنى: يا مثبور؟ قلت: لا أدري، فقال: حدّثني الرشيد قال: حدّثني أمير المؤمنين المنصور فسمعته يقول لرجل يا مثبور، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما معنى مثبور؟ قال: قال ميمون بن مهران قال ابن عباس في قوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا قال: ناقص العقل، قال الفرّاء: يعني مصروفا ممنوعا من الخير، والعرب تقول: ما ثبرك عن هذا الحق؟ أي ما منعك عنه وصرفك، وثبره الله يثبره ومثبره وهو لغتان، وقال ابن الزهري: الغليظ الأرب إذا بارى الشيطان في سنن الغي ومن مال ميله مثبور.\nفَأَرادَ فرعون أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ يعني يخرجهم، أي بني إسرائيل مِنَ الْأَرْضِ أي أرض مصر والشام.\n_________\n(١) راجع الثقات لابن حبان: ٧/ ٤٦١.\n(٢) كذا في المخطوط، وفي تفسير الطبري: مالكا، كما عن مجاهد.\n(٣) كذا في المخطوط، وفي تفسير الطبري: مالكا، كما عن مجاهد.\n(٤) تفسير الطبري: ١٥/ ١٩.","vol":"6","page":139},{"text":"فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا ونجّينا موسى وقومه وَقُلْنا لهم مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد هلاك فرعون وقومه لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ يعني مصر والشام فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ وهي الساعة جِئْنا بِكُمْ من قبوركم الى موقف القيامة لَفِيفًا مختلطين وقد التفّ بعضكم ببعض لا تتعارفون ولا ينحاز [أحدكم] إلى قبيلته وحيّه، وهو من قول الجيوش إذا اختلطوا، وكل شيء اختلط بشيء تعطّف به والتفّ.\nوقال مجاهد والضحاك: (لَفِيفًا) أي جميعا، ووحّد اللفيف وهو خبر عن الجمع لأنه بمعنى المصدر كقول القائل: لففته لفا ولفيفا.\nوقال الكلبي فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ يعني مجيء عيسى ابن مريم من السماء جِئْنا بِكُمْ لَفِيفًا وقال البزّار: من هاهنا وهاهنا، يقول: جميعا.\nوهذه القصة تعزية لنبيّنا ﷺ وتقوية لقلبه، يقول الله تعالى: كما أنزلت عليك القرآن فكذبك كفار قومك من مكة كذلك آتيت موسى التوراة فكذبه فرعون وقومه، وكما أراد أهل مكة أن يستفزّوك منها، كذلك أراد فرعون أن يستفزّ موسى وبني إسرائيل من مصر، فأنجيناهم منهم وأظفرتهم عليهم، وكذلك أظفرتك على أعدائك، وأتمّ نعمتي عليك وعلى من اتّبعك نصرة للدين وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ، فأنجز الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده وله الحمد والمنّة.\nوَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ يعني القرآن وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ أي وأنزلناه قرآنا ففصّلناه.\nقرأ ابن عباس: فرّقناه بالتشديد وقال: لأنه لم ينزل مرة واحدة وانما أنزل [نجوما] في عشرين سنة، وتصديقه قراءة أبي بن كعب وقرآنا فرّقناه عليك، وقرأ الباقون بالتخفيف كقوله فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ.\nقال ابن عباس فصّلناه، قال الحسن: فرّق الله به بين الحق والباطل، وقرأ الآخرون:\nبيّناه.\nلِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ أي تؤدة ومهل في ثلاث وعشرين سنة وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا. قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا أمر وعد وتهديد إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن وخروج محمد ﷺ وهم مؤمنو أهل الكتاب إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن يَخِرُّونَ يسقطون لِلْأَذْقانِ على الأذقان وهي جمع الذقن وهو مجتمع اللحيين، قال ابن عباس أراد الوجوه سُجَّدًا. وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد ﷺ خرّوا سجدا وقالوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ أي وقد كان وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ نزول القرآن خُشُوعًا وخضوعا وتواضعا لربّهم.","vol":"6","page":140},{"text":"قال عبد الأعلى التيمي: من أوتي من العلم ما لا يبكيه لخليق أن لا يكون أوتي علما ينفعه، وتلا هذه الآية «١»، نظيرها قوله: إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا «٢» .\nقُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ الآية،\nقال ابن عباس: تهجّد رسول الله ﷺ ذات ليلة فجعل يقول في سجوده: يا الله يا رحمن يا رحيم، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلها واحدا فهو الآن يدعوا إلهين اثنين الله والرحمن، والله ما نعرف الرحمن إلّا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nقال ميمون بن مهران: كان النبي ﷺ في أول ما أوحي إليه يكتب: باسمك اللهم حتى نزلت هذه الآية: إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه فما الرحمن؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية «٣» .\nالضحاك: قال أهل الكتاب لرسول الله ﷺ إنّك لتقلّ ذكر الرحمن وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فأنزل الله تعالى: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ الآية «٤» .\nأَيًّا ما تَدْعُوا من هذين الاسمين ومن جميع أسمائه فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [.....] مجازه: أيّا تدعوا، كقوله: عَمَّا قَلِيلٍ «٥» وجُنْدٌ ما هُنالِكَ.\nوَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها\nقال ابن عباس: كان النبي ﷺ إذا صلّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمع ذلك المشركون سبّوا القرآن ومن أنزله ومن تلا به «٦» كما حكاه القرآن: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ «٧» ربما صفّروا ليغلّطوا النبي ﷺ ويخلطوا عليه قراءته فأنزل الله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي في الصلاة فيسمع المشركون فيؤذوك، ولا تُخافِتْ بِها فلا يسمع أصحابك حتى يأخذوا عنك «٨» .\nوقال سعيد: كان النبي ﷺ يجهر بقراءة القرآن في المسجد الحرام، فقالت قريش: لا تجهر بالقراءة فتؤذي آلهتنا فنهجو ربك\n، وقال مقاتل: كان رسول الله ﷺ يصلّي في دار أبي سفيان بن حرب عند الصفا، يجهر بقرائته فمرّ به أبو جهل فقال: لا تفتر على الله، فجعل يخفت\n_________\n(١) سنن الدارمي: ١/ ٨٨، وتفسير الثعالبي: ٤/ ١٥٤. [.....]\n(٢) سورة مريم ٥٨.\n(٣) أسباب النزول للواحدي: ٢٠٠.\n(٤) المصدر السابق.\n(٥) سورة المؤمنون: ٤٢.\n(٦) تفسير الطبري: ١٥/ ٢٣٠، وفيه: ومن جاء به.\n(٧) سورة فصلت: ٢٦.\n(٨) تفسير الطبري: ١٥/ ٢٣٠.","vol":"6","page":141},{"text":"صوته، فقال أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة، رددته عن قراءته فأنزل الله تعالى هذه الآية «١» .\nوروى [علقمة] عن ابن سيرين في هذه الآية قال: كان أبو بكر (﵁) يخافت بالقراءة في الصلاة ويقول: أناجي ربي، وقد علم بحاجتي، وكان عمر بن الخطاب يرفع صوته ويقول:\nأزجر الشيطان وأوقظ المنان، فأمر أبو بكر حين نزلت هذه الآية أن يرفع صوته شيئا، وأمر عمر أن يخفض شيئا «٢» .\nوقالت عائشة رضي (﵁): نزلت هذه الآية في التشهد، كان الأعرابي يجهر فيقول:\nالتحيات لله والصلوات ويرفع بها صوته، فنزلت هذه الآية، وقال الحسن: [لا تراء] بصلاتك في العلانية ولا [تسئها] في السر.\nالوالبي عن ابن عباس: لا تصلّ مرائيا الناس، ولا تدعها مخافة الناس، ابن زيد: كان أهل الكتاب يخافتون في الصلاة، لم يجهر أحدهم بالحرف فيصيح ويصيح من وراءه، فنهاه الله أن يصيح كما يصيحون، وخافت كما يخافتون، والسبيل الذي بين ذلك الذي بيّن له جبرئيل في الصلاة.\nوقال: علي والنخعي ومجاهد وابن مكحول: هي في الدعاء «٣»\n، [وبه\nقال أشعث عن] عطية «٤» عن ابن عباس، وقال عبد الله بن شدّاد: كان أعراب من بني تميم إذا سلّم النبي ﷺ قالوا: «اللهم ارزقنا»، فقال لهم: أتجهرون؟ فأنزل الله هذه الآية.\nابن وهب عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح أن شيخا من أصحاب رسول الله ﷺ حدّثه أن رسول الله قال في هذه الآية: «إنما أنزلت في الدعاء، يقول: لا ترفع صوتك في الدعاء عند استغفارك واذكر ذنوبك فيسمع منك فتعبّر بها وتخافت في الصوت والسكون» [٦١]،\nومنه يقال للميّت إذا برد خفت.\nوَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ أي بين الجهر والإخفات سَبِيلًا وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا قال الحسين بن الفضل: يعني الذي عرّفني أنّه لم يتخذ ولدا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ قال مجاهد: لم يذل فيحتاج الى ولي يتعزز به.\nوَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا وعظّمه أن يكون له شريك أو ولي، قال عمر بن الخطاب ﵁: قول العبد: «الله أكبر» خير من الدنيا وما فيها.\n_________\n(١) زاد المسير ٥/ ٧٠.\n(٢) تفسير الطبري: ١٥/ ٢٣٢.\n(٣) يراجع تفسير ابن كثير: ٣/ ٧٣.\n(٤) في تفسير ابن كثير: عكرمة عن ابن عباس.","vol":"6","page":142},{"text":"وروى سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «آية العزّ وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا» [٦٢] الى آخره.\nوروى سفيان بن وكيع عن سفيان بن عيينة عن عبد الكريم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علّمه هذه الآية سبع مرات «١» .\nوروى محمد بن سلمة عن عبد الحميد بن واصل قال: من قرأ آخر بني إسرائيل كتب الله له من الأجر ملء السموات والأرض لأن الله يقول فيمن زعم أن له ولدا تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا «٢» قال: فيكتب له من الأجر على قدر ذلك.\n_________\n(١) المصنف لابن أبي شيبة: ١/ ٣٨٣.\n(٢) سورة مريم: ٩٠- ٩١.","vol":"6","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>سورة الكهف</span>\nمكيّة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>في فضلها</span>.\nوهي سبعة آلاف وثلاثمائة وستون حرفا، وألف وخمسمائة وسبع وسبعون كلمة، ومائة وعشر آيات.\nروى مطرّف «١» جندب عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ عشر آيات من سورة الكهف حفظا لم تضرّه فتنة الدجال، ومن قرأ السورة كلها دخل الجنّة» [٦٣] «٢» .\nوروى إسماعيل بن رافع عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألا أدلّكم على سورة شيعها سبعون ألف ملك حين نزلت ملأ فضلها «٣» ما بين السماء والأرض لتاليها مثل ذلك»؟. قالوا بلى يا رسول الله. قال: «سورة أصحاب الكهف من قرأها يوم الجمعة غفر له إلى الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ولياليها مثل ذلك، وأعطي نورا يبلغ به السماء ووقي فتنة الدّجال» «٤» [٦٤] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) ماكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)\nما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا (٥) فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦) إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (٨)\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب قَيِّمًا مستقيما. قال ابن عباس: عدلا. الفرّاء: قَيِّمًا على الكتب كلّها ناسخا لشرائعها. وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا\n_________\n(١) في المصدر: سمرة. [.....]\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٦/ ٣٠٦.\n(٣) في المصدر: ملأ.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٤٦، وتفسير مجمع البيان: ٦/ ٣٠٦.","vol":"6","page":144},{"text":": مختلفا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا أي لتنذركم بأسا شديدا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا وهي الجنّة.\nماكِثِينَ: مقيمين فِيهِ أَبَدًا. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا. ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً نصب على التمييز والقطع، تقديره: كبرت الكلمة كلمة، تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ: ما يقولون إِلَّا كَذِبًا.\nفَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ: قاتل نفسك عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ: القرآن أَسَفًا: حزنا وجزعا وغضبا.\nإِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ من كل شيء زِينَةً لَها، قال الضحّاك من الزاكية خاصّة زينة لها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا أي أزهد فيها.\nوَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا: مستويا جُرُزًا: يابسا أملس لا تنبت شيئا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩ الى ١٦]</span>\nأَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا (٩) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا (١٠) فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١) ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا (١٢) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً (١٣)\nوَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إِذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا (١٤) هؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (١٦)\nأَمْ حَسِبْتَ، معناه: بل أم حسبت، يعني: أظننت يا محمد أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا؟ يعني: ليسوا أعجب آياتنا فإنّ ما خلقت من السماوات والأرض وما فيهنّ من العجائب أغرب منهم. والكهف هو الغار في الجبل. واختلفوا في الرقيم، فقال «١» فيه ما\nروى ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: «إنّ ثلاثة نفر خرجوا يرتادون لأهلهم، بينا هم يمشون إذ «٢» أصابتهم السماء، فأووا إلى كهف فسقطت صخرة من الجبل فانطبقت على باب الكهف فانقفل عليهم، فقال قائل منهم:\nاذكروا أيّكم عمل حسنة لعل الله برحمته «٣» يرحمنا.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) في المخطوط: إذا.\n(٣) ببركته، عن هامش المخطوط.","vol":"6","page":145},{"text":"فقال رجل منهم: قد عملت حسنة مرة، كان لي أجراء يعملون عملا استأجرت كل رجل منهم بأجر معلوم، فجاءني رجل ذات يوم وسط النهار فاستأجرته بشرط أصحابه، فعمل في بقية نهاره كما عمل الرجل منهم في نهاره كله، فرأيت عليّ في الذّمام ألّا أنقصه ممّا استأجرت به أصحابه، لما جهد في عمله، فقال رجل منهم: أتعطي هذا ما أعطيتني ولا يعمل إلّا نصف النهار؟ قلت: يا عبد الله لم أبخسك شيئا من شرطك، وإنما هو مالي أحكم فيه ما شئت.\nقال: فغضب وذهب وترك أجره، فوضعت حقه في جانب من البيت ما شاء الله، ثمّ نزل بي بعد ذلك بقر فاشتريت به فصيلة من البقر، فبلغت ما شاء الله، فمرّ بي بعد حين شيخ ضعيف لا أعرفه، فقال لي: إنّ لي عندك حقا. فذكره حتى عرفته، قلت: إيّاك أبغي وهذا حقّك.\nفعرضتها عليه جميعا فقال: يا عبد الله، لا تسخر بي إن لم تتصدّق علي فأعطني حقي. قلت:\nوالله لا أسخر، إنها لحقك ما لي فيه شيء، فدفعتها إليه. اللهم إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنّا. فانصدع الجبل حتى رأوا الضوء فأبصروا.\nوقال الآخر: قد عملت حسنة مرّة، كانت لي فضل، وأصاب النّاس شدّة، فجاءتني امرأة تطلب مني معروفا، فقلت: والله ما هو دون نفسك. فأبت عليّ، وذهبت ورجعت ثلاث مرات وقلت: لا والله ما هو دون نفسك. فأبت عليّ وذهبت، وذكرت لزوجها، فقال لها: أعطيه نفسك وأغيثي عيالك. فرجعت إليّ ونشدتني بالله، فأبيت عليها وقلت: والله ما هو دون نفسك. فلمّا رأت ذلك أسلمت إلىّ نفسها، فلمّا تكشّفتها وهممت بها ارتعدت من تحتي، فقلت لها: ما شأنك؟ قالت: أخاف الله رب العالمين. فقلت لها: خفته في الشدّة ولم أخفه في الرخاء! فتركتها وأعطيتها ما يحق عليّ بما تكشفتها. اللهمّ إن كنت فعلت ذلك لوجهك فافرج عنا. فانصدع حتى تعارفوا وتبيّن لهم.\nوقال الآخر: قد عملت حسنة مرّة، كان لي أبوان شيخان كبيران، وكان لي غنم، فكنت أطعم أبوىّ وأسقيهما ثمّ أرجع إلى أهلي. قال: فأصابني يوما غيث حبسني حتى أمسيت فأتيت أهلي فأخذت محلبي وحلبت غنمي وتركتها قائمة فمضيت إليهما، فوجدتهما ناما، فشقّ عليّ أن أوقضهما، وشقّ عليّ أن أترك غنمي فما برحت جالسا ومحلبي على يدي حتى أيقظهما الصبح فسقيتهما. اللهم إن فعلت ذلك لوجهك فافرج عنّا «١»» [٦٥] .\nقال النعمان لكأني أسمع من رسول الله ﷺ قال: «قال الجبل طاق، ففرج الله عنهم وخرجوا» [٦٦] «٢» .\nوقال ابن عباس: الرقيم واد بين غطفان وأيلة، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف.\n_________\n(١) في المخطوط بعدها علامة سقط. لكن لم يظهر في مصوّرته.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٢٧٥، ومجمع الزوائد: ٨/ ١٤٠ بتفاوت يسير.","vol":"6","page":146},{"text":"وقال كعب هي قريتهم. وهو على هذا التأويل من رقمة الوادي وهو موضع الماء منه، تقول العرب: عليك بالرقمة، ودع الضّفة. والضّفتان: جانبا الوادي. وقال سعيد بن جبير: الرّقيم لوح من حديد، وقيل: من رصاص، كتبوا فيه أسماء أصحاب الكهف وقصتهم، ثمّ وضعوه على باب الكهف. وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم، أي المكتوب. والرّقم: الخط والعلامة، والرقم: الكتابة.\nثمّ ذكر قصتهم فقال: إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ، أي رجعوا وصاروا. واختلفوا في مسيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن إسحاق بن يسار: مرج أهل الإنجيل وعظمت فيهم الخطايا وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح ابن مريم (﵇)، متمسكين بعبادة الله ﷿ وتوحيده. وكان ممّن فعل ذلك من ملوكهم ملك من الروم يقال له دقيانوس كان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت وقتل من خالفه في ذلك ممّن أقام على دين المسيح. وكان ينزل بقرى الروم فلا يترك في قرية ينزلها أحدا إلّا فتنه حتى يعبد الأصنام، ويذبح للطواغيت، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف وهي أفسوس، فلما نزلها كبر ذلك على أهل الإيمان فاستخفوا منه وهربوا في كل وجه. وكان دقيانوس قد أمر حين قدمها أن يتتبّع أهل الإيمان، فيجمعوا له، واتّخذ شرطا من الكفار من أهلها، فجعلوا يتتبعون أهل الإيمان في مساكنهم فيخرجونهم إلى دقيانوس فيقدمهم إلى الجامع الذي يذبح فيه للطواغيت، فيخيرهم بين القتل وبين عبادة الأصنام والذبح للطواغيت، فمنهم من يرغب في الحياة ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله فيقتل.\nفلما رأى ذلك أهل الشّدة في الإيمان بالله ﷿، جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقتّلون ويقطّعون ثمّ يربط ما قطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها كلّها وعلى كلّ باب من أبوابها، حتّى عظمت الفتنة على أهل الإيمان فمنهم من أقرّ فترك ومنهم من صلب على دينه فقتل.\nفلمّا رأى الفتية ذلك حزنوا حزنا شديدا، فقاموا وصلّوا وصاموا واشتغلوا بالدعاء والتسبيح لله ﷿، وكانوا من أشراف الرّوم، وكانوا ثمانية نفر، فبكوا وتضرّعوا وجعلوا يقولون: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا، اكشف عن عبادك هذه الفتنة، وارفع عنهم البلاء، وأنعم على عبادك الذين آمنوا بك حتى يعلنوا عبادتك.\nفبينا هم على ذلك إذ أدركهم الشرط، وكانوا قد دخلوا في مصلّى لهم فوجدوهم سجودا على وجوههم يبكون ويتضرّعون إلى الله ﷿ ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس وفئته. فلما رآهم أولئك الكفرة قالوا لهم: ما خلفكم عن أمر الملك؟ انطلقوا إليه. ثمّ خرجوا من عندهم فرفعوا أمرهم إلى دقيانوس، فقالوا: نجمع الجميع وهؤلاء الفتية من أهل بيتك يسخرون منك ويعصون أمرك؟","vol":"6","page":147},{"text":"فلما سمع ذلك أتي بهم تفيض أعينهم من الدّمع، معفّرة وجوههم في التراب، فقال لهم:\nما منعكم أن تشهدوا لذبح الآلهة الّتي تعبد في الأرض، وأن تجعلوا أنفسكم كغيركم؟ اختاروا إمّا أن تذبحوا لآلهتنا كما ذبح النّاس وإما أن أقتلكم. فقال مكسلمينا- وكان أكبرهم-: إن لنا إلها ملأ السماوات والأرض عظمته، لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلهًا أبدا، ولن نقرّ بهذا الذي تدعونا إليه أبدا، ولكنّا نعبد الله ربّنا، وله الحمد والتكبير والتّسبيح من أنفسنا خالصا، إيّاه نعبد، وإيّاه نسأل النجاة والخير فأمّا الطواغيت وعبادتها، فلن نعبدها أبدا، فاصنع بنا ما بدا لك. ثمّ قال أصحاب مكسلمينا لدقيانوس مثل ما قال له، فلما قالوا ذلك أمرهم فنزع عنهم لبوس كان عليهم من لبوس عظمائهم، ثمّ قال: أمّا إذا فعلتم فإنّي سأؤخركم، وسأفرغ لكم فأنجز لكم ما وعدتكم من العقوبة، وما يمنعني أن اعجل ذلك لكم إلّا أني أراكم شبابا، حديثة أسنانكم، ولا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم أجلا تذكّرون فيه، وتراجعون عقولكم.\nثمّ أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت منهم، ثمّ أمر بهم حتى أخرجوا من عنده، وانطلق دقيانوس إلى مدينة سوى مدينتهم التي كانوا بها قريبا منهم لبعض أموره، فلما رأى الفتية أن دقيانوس قد خرج من مدينتهم بادروا قدومه، وخافوا إذا قدم مدينتهم أن يذكرهم، فائتمروا بينهم أن يأخذ كلّ رجل نفقة من بيت أبيه فيتصدقوا بها ويتزوّدوا مما بقي، ثمّ ينطلقوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له ينجلوس فيمكثون فيه، ويعبدون الله ﷿، حتى إذا جاء دقيانوس أتوه فقاموا بين يديه فيصنع بهم ما شاء.\nفلما قال ذلك بعضهم لبعض، عمد كلّ فتى منهم إلى بيت أبيه وأخذ نفقة فتصدّقوا بها، وانطلقوا بما بقي معهم من نفقتهم، وأتبعهم كلب كان لهم، حتى إذا أتوا ذلك الكهف الذي في ذلك الجبل تلبثوا فيه.\nوقال كعب الأحبار: مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارا، فقال لهم الكلب: ما تريدون منّي؟ لا تخشون إجابتي. أنا أحب أحبّاء الله، فناموا حتى أحرسكم.\nوقال ابن عباس: هربوا ليلا من دقيانوس بن جلانوس حيث دعاهم إلى عبادة الأصنام، وكانوا سبعة فمروا براع معه كلب، وكان على دينهم، فخرجوا من البلد فأووا إلى الكهف، وهو قريب من البلدة، فلبثوا فيه ليس لهم عمل إلّا الصلاة والتسبيح والتكبير والتّحميد ابتغاء وجه الله تعالى، فجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم يقال له تمليخا، فكان على طعامهم يبتاع لهم أرزاقهم من المدينة سرّا، وكان من أجملهم وأجلدهم. وكان تمليخا يصنع ذلك، فإذا دخل البلد يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويأخذ ثيابا كثياب المساكين الذين يستطعمون فيها، ثمّ يأخذ ورقة فينطلق إلى المدينة فيشتري طعاما وشرابا ويسّمّع ويتجسس لهم الخبر: هل ذكروا أصحابه بشيء؟ ثمّ يرجع إلى أصحابه.","vol":"6","page":148},{"text":"فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثمّ قدم دقيانوس الجبّار إلى المدينة فأمر العظماء فذبحوا للطواغيت، ففزع من ذلك أهل الإيمان، وكان تمليخا بالمدينة يشتري لأصحابه طعامهم وشرابهم، فرجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أنّ الجبّار دقيانوس قد دخل المدينة، وأنهم ذكروا والتمسوا مع عظماء المدينة ليذبحوا للطواغيت. فلما أخبرهم فزعوا ووقعوا سجودا يدعون الله ﷿ ويتضرّعون ويتعوّذون به من الفتنة.\nثمّ إنّ تمليخا قال لهم: ارفعوا رؤوسكم فاطعموا من رزق الله وتوكّلوا على بارئكم.\nفرفعوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا وخوفا على أنفسهم، فطعموا منه وذلك مع غروب الشمس. ثمّ جلسوا يتحدّثون ويتدارسون ويذكر بعضهم بعضا، فبينا هم على ذلك إذ ضرب الله عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، وهم مؤمنون موقنون، ونفقتهم عند رؤوسهم. فلما كان من الغد تفقّدهم دقيانوس والتمسهم فلم يجدهم، فقال لبعضهم: لقد ساءني هؤلاء الفتية الذين ذهبوا، لقد كانوا ظنوني غضبا عليهم بجهلهم ما جهلوا من أمري، ما كنت لأحمل عليهم في نفسي ولا لواحد منهم إن تابوا وعبدوا آلهتي! فقال له عظماء المدينة: ما أنت بحقيق أن ترحم قوما فجرة مردة عصاة مقيمين على ظلمهم ومعصيتهم، وقد كنت أجّلت لهم أجلا، فلو شاؤوا لرجعوا في ذلك الأجل، ولكنّهم لم يتوبوا.\nفلما قالوا له ذلك غضب غضبا شديدا، ثمّ أرسل إلى آبائهم فسألهم عنهم، فقال:\nأخبروني عن أبنائكم المردة الذين عصوني. فقالوا له: أمّا نحن فلم نعصك، فلم تقتلنا بقوم مردة قد ذهبوا بأموالنا وأهلكوها في أسواق المدينة ثمّ انطلقوا فارتقوا إلى جبل يدعى ينجلوس؟ فلما قالوا له ذلك خلّى سبيلهم، وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية، فألقى الله ﷿ في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم، أراد الله ﷿ أن يكرمهم ويجعلهم آية لأمّة يستخلف من بعدهم، وأن يبين لهم أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ «١» .\nفأمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، وقال: دعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم. وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ما يصنع بهم، قد توفى الله أرواحهم وفاة النوم وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ، بباب الكهف قد غشيه ما غشيهم، يتقلّبون ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ.\nثمّ إن رجلين مؤمنين كانا في بيت الملك دقيانوس يكتمان إيمانهما، اسم أحدهما بيدروس، واسم الآخر روتاس ائتمرا أن يكتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص يجعلانه في تابوت من نحاس، ثمّ يجعلان التابوت في البنيان، وقالا: لعل الله\n_________\n(١) إشارة إلى الآية: ٧٠ من سورة الحج.","vol":"6","page":149},{"text":"يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة فيعلم من فتح عليهم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب. ففعلا، ثمّ بنيا عليه، فبقي دقيانوس ما بقي، ثمّ مات وقومه وقرون بعد كثيرة، وخلفت الملوك بعد الملوك.\nوقال عبيد بن عمير: كان أصحاب الكهف فتيانا مطوّقين مسوّرين ذوي ذوائب، وكان معهم كلب صيدهم، فخرجوا في عيد لهم عظيم في زيّ وموكب وأخرجوا معهم آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، وقد قذف الله في قلوب الفتية الإيمان- وكان أحدهم وزير الملك- فآمنوا، وأخفى كل واحد منهم الإيمان عن صاحبه فقالوا في أنفسهم من غير أن يظهر بعضهم لبعض: نخرج من بين أظهر هؤلاء القوم لا يصيبنا عقاب بجرمهم، فخرج شاب منهم حتى انتهى إلى ظل شجرة فجلس فيه، ثمّ خرج آخر فرآه جالسا وحده، فرجا أن يكون على مثل أمره من غير أن يظهر ذلك، فجلس إليه ثمّ خرج الآخرون فجاؤوا فجلسوا إليهما، فاجتمعوا وقال بعضهم لبعض: ما جمعكم، وكل واحد يكتم إيمانه على صاحبه مخافة على نفسه؟ ثمّ قالوا: ليخرج كل فتيين منكم فيخلوا ثمّ ليفش كل واحد منكم إلى صاحبه.\nفخرج فتيان منهم فتواقفا ثمّ تكلّما فذكر كل واحد منهما أمره لصاحبه، فأقبلا مستبشرين إلى أصحابهما فقالا: قد اتفقنا على أمر واحد. فإذا هم جميعا على الإيمان، وإذا كهف في الجبل قريب منهم، فقال بعضهم لبعض: فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا. فدخلوا ومعهم كلب صيد، فناموا ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا.\nقال: وفقدهم قومهم، وطلبوهم فعمّى الله عليهم آثارهم وكهفهم، فلما لم يقدموا كتب أحدهم في لوح: فلان وفلان أبناء ملوكنا، فقدناهم في شهر كذا من سنة كذا في مملكة فلان بن فلان. ووضعوا اللوح في خزانة الملك وقالوا: ليكوننّ لهذا شأن. ومات ذلك الملك، وجاء قرن بعد قرن.\nوقال وهب بن منبّه: جاء أحد حواريّ عيسى بن مريم (﵇) الى مدينة أصحاب الكهف، فأراد أن يدخلها، فقيل له: إن على بابها صنما لا يدخلها أحد إلّا سجد له. فكره أن يدخلها فأتى حمّاما قريبا من تلك المدينة، فكان فيه، وكان يؤاجر نفسه من الحمامي ويعمل فيه.\nورأى صاحب الحمام في حمامه البركة، ودرّ عليه الرزق، وجعل يقوم عليه، وعلقه فتية من أهل المدينة، فجعل يخبرهم خبر السماء وخبر الأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدّقوه، وكانوا على مثل حاله في حسن الهيئة. وكان شرطه على صاحب الحمام: إن الليل لي لا يحول بيني وبين الصلاة أحد، وكان على ذلك حتى أتى ابن الملك بامراة فدخل بها الحمام، فعيّره الحواري وقال له: أنت ابن الملك وتدخل مع هذه؟ فاستحيا، فذهب، فرجع مرّة أخرى فقال له مثل ذلك، فسبّه وانتهره ولم يلتفت حتى دخلا معا فماتا جميعا في الحمام، فأتي الملك فقيل","vol":"6","page":150},{"text":"له: قتل صاحب الحمام ابنك. فالتمس فلم يقدر عليه، فهرب، فقال: من كان يصحبه؟ فسمّوا الفتية فالتمسوا فخرجوا من المدينة، فمرّوا بصاحب لهم في زرع وهو على مثل إيمانهم فذكروا له أنهم التمسوا، فانطلق معهم ومعه كلب حتى آواهم الليل إلى الكهف فدخلوا وقالوا: نبيت هاهنا الليلة، ثمّ نصبح إن شاء الله فترون رأيكم. فضرب الله عَلَى آذانِهِمْ.\nفخرج الملك في أصحابه يتبعونهم حتى وجدوهم قد دخلوا الكهف، وكلّما أراد الرجل منهم دخوله أرعب، فلم يطق أحد دخوله، وقال قائل: أليس لو قدرت عليهم قتلتهم؟ قال:\nبلى. قال: فابن عليهم باب الكهف واتركهم فيه يموتوا عطشا وجوعا. ففعل.\nقال وهب: تركهم بعد ما سدّ عليهم باب الكهف زمانا بعد زمان، ثمّ إنّ راعيا أدركه المطر عند الكهف فقال: لو فتحت هذا الكهف فأدخلته غنمي من المطر! فلم يزل يعالجه حتى فتح، وردّ الله إليهم أرواحهم من الغد حين أصبحوا.\nوقال محمد بن إسحاق: ثمّ ملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له تيدوسيس، فلما ملك بقي في ملكه ثمانيا وثلاثين سنة فتحزب الناس في ملكه، وكانوا أحزابا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذّب بها، فكبر ذلك على الملك الصالح، وبكى إلى الله ﷿، وتضرّع إليه، وحزن حزنا شديدا. فلما رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق ويقولون: لا حياة إلّا الحياة الدنيا، وإنما تبعث الأرواح ولا تبعث الأجساد فأما الجسد فتأكله الأرض. ونسوا ما في الكتاب، فجعل تيدوسيس يرسل إلى من يظن فيه خيرا وأنه معه في الحق، فجعلوا يكذبون بالساعة حتى كادوا يحولون الناس عن الحقّ وملّة الحواريين.\nفلما رأى ذلك الملك الصالح تيدوسيس دخل بيته وأغلقه عليه ولبس مسحا وجعل تحته رمادا ثمّ جلس عليه فدأب ليله ونهاره زمانا يتضرع إلى الله ويبكي مما يرى فيه الناس، ويقول:\nأي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء الناس، فابعث إليهم من يبين لهم. ثمّ إن الرحمن الرحيم الذي يكره هلكة العباد أراد أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف ويبين للناس شأنهم ويجعلهم آية له وحجة عليهم، وليعلموا أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها، وأن يستجيب لعبده الصالح تيدوسيس ويتم نعمته عليه، ولا ينزع عنه ملكه ولا الإيمان الذي أعطاه، وأن يعبد الله ولا يشرك به شيئا، وأن يجمع من كان ببلده من المؤمنين.\nفألقى الله ﷿ في نفس رجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف- وكان اسم ذلك الرجل أولياس- أن يهدم ذلك البنيان الّذي على فم الكهف، فيبني به حظيرة لغنمه، فاستأجر عاملين فجعلا ينزعان تلك الحجارة ويبنيان بها تلك الحظيرة حتى نزعا ما على فم الكهف، وفتحا عليهم باب الكهف، فحجبهم الله تعالى من الناس بالرعب. فيزعمون أن أشجع من يريد أن ينظر إليهم أن يدخل من باب الكهف لم يتقدم حتى يرى كلبهم دونهم إلى باب الكهف، نائما.","vol":"6","page":151},{"text":"فلما نزعا الحجارة وفتحا باب الكهف أذن الله ﷿ بالقدرة والعظمة والسلطان محيي الموتى للفتية أن يجلسوا بين ظهراني الكهف، فجلسوا فرحين مسفرة وجوههم طيبة أنفسهم، فسلّم بعضهم على بعض كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون بها إذا أصبحوا من ليلتهم التي يبيتون فيها. ثمّ قاموا إلى الصلاة فصلوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرى في وجوههم ولا أبشارهم ولا ألوانهم شيء ينكرونه، وإنما هم كهيئتهم حين رقدوا، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس الجبّار في طلبهم.\nفلما قضوا صلاتهم قالوا لتمليخا صاحب نفقتهم: ائتنا يا أخانا ما الذي قال الناس في شأننا عشية أمس عند هذا الجبّار وهم يظنون أنهم قد رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد خيّل إليهم أنهم قد ناموا كأطول ما كانوا ينامون في الليلة التي أصبحوا فيها، حتى تساءلوا بينهم فقال بعضهم لبعض: كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ.\nوكل ذلك في أنفسهم يسير، فقال لهم تمليخا: افتقدتم والتمستم بالمدينة وهو يريد أن يؤتى بكم اليوم فتذبحوا للطواغيت أو يقتلكم، فما شاء الله بعد ذلك فعل. فقال لهم مكسلمينا:\nيا إخوتاه، اعلموا أنكم ملاقو الله، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم غدا. ثمّ قالوا لتمليخا:\nانطلق إلى المدينة فتسمّع ما يقال [عنّا] «١» بها اليوم وما الذي نذكر به عند دقيانوس، وتلطف ولا تشعرنّ بنا أحدا، وابتع لنا طعاما فائتنا به، فإنه قد نالنا الجوع، وزدنا على الطّعام الذي جئتنا به فإنه كان قليلا فقد أصبحنا جياعا. ففعل تمليخا كما كان يفعل، ووضع ثيابه، وأخذ الثياب التي كان يتنكّر فيها، فأخذ ورقا من نفقتهم الّتي كانت معهم التي ضربت بطابع دقيانوس، وكانت كخفاف الربع. فانطلق تمليخا خارجا فلمّا مرّ بباب الكهف رأى حجارة منزوعة عن باب الكهف فعجب منها، ثمّ مرّ فلم يبال بها، حتى أتى باب المدينة مستخفيا يصدّ عن الطريق تخوّفا أن يراه أحد من أهلها فيعرفه فيذهب إلى دقيانوس، ولا يشعر العبد الصالح أن دقيانوس وأهله قد هلكوا قبل ذلك بثلاثمائة سنة.\nفلما رأى تمليخا باب المدينة رفع بصره فرأى فوق ظهر الباب علامة تكون لأهل الإيمان، فلمّا رآها عجب وجعل ينظر إليها مستخفيا، فنظر يمينا وشمالا ثمّ ترك ذلك الباب فتحوّل إلى باب آخر من أبوابها فنظر فرأى مثل ذلك، فجعل يخيّل إليه أن المدينة ليست بالتي كان يعرف ورأى ناسا كثيرا محدثين لم يكن رآهم قبل ذلك، فجعل يمشي ويعجب ويخيل إليه أنه حيران، ثمّ رجع إلى الباب التي أتى منها، فجعل يتعجب منه ومن نفسه ويقول: يا ليت شعري أمّا هذه عشية أمس فكان المسلمون يخفون هذه العلامة ويستخفون بها، فأما اليوم فإنها ظاهرة فلعلّي حالم ثمّ يرى أنه ليس بنائم، فأخذ كساءه فجعله على رأسه ثمّ دخل المدينة، فجعل يمشي بين\n_________\n(١) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: لنا.","vol":"6","page":152},{"text":"ظهراني سوقها فيسمع ناسا كثيرين يحلفون باسم عيسى بن مريم، فزاده فرقا فرأى أنه حيران، فقام مسندا ظهره إلى جدار من جدر المدينة ويقول في نفسه: والله ما أدري ما هذا، أمّا عشية أمس فليس على الأرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلّا قتل، وأمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى ولا يخاف.\nثمّ قال في نفسه: لعلّ هذه المدينة ليست بالمدينة التي أعرفها اسمع كلام أهلها ولا أعرف أحدا منهم والله ما أعلم مدينة قرب مدينتنا! فقام كالحيران لا يتوجّه وجها، ثمّ لقي فتى من أهل المدينة، فقال: ما اسم هذه المدينة يا فتى؟ قال: دفسوس. فقال في نفسه: لعل بي مسّا أو أمرا أذهب عقلي، والله يحقّ لي أن أسرع بالخروج منها قبل أن أخزى أو يصيبني شر فأهلك.\nهذا الذي حدّث به تمليخا أصحابه حين تبين له حالهم. ثمّ إنّه أفاق فقال: والله لو عجّلت الخروج منها قبل أن يفطن بي لكان أكيس بي. فدنا من الذين يبيعون الطعام فأخرج الورق التي كانت معه فأعطاها رجلا منهم، فقال: يا عبد الله، بعني بهذا الورق طعاما. فأخذها الرجل فنظر إلى ضرب الورق ونقشها، فعجب منها ثمّ طرحها إلى رجل من أصحابه، فنظر إليها. ثمّ جعلوا يتطارحونها من رجل إلى رجل، ويعجبون منها، ثمّ جعلوا يتسارّون من أجله، ففرق فرقا شديدا وجعل يرتعد ويظن أنهم فطنوا به وعرفوه، وأنهم إنما يريدون أن يذهبوا به إلى ملكهم دقيانوس، وجعل أناس آخرون يأتونه فيتعرّفونه، فقال لهم وهو شديد الفرق: أفصلوا عليّ، قد أخذتم ورقي فأمسكوا، وأما طعامكم فلا حاجة لي به. فقالوا: من أنت يا فتى؟ وما شأنك؟ والله لقد وجدت كنزا من كنوز الأوّلين، وأنت تريد أن تخفيه عنا، انطلق معنا فأرناه وشاركنا فيه نخف عليك ما وجدت فإنك إن لم تفعل نأت بك السّلطان فنسلمك إليه فيقتلك.\nفلما سمع قولهم عجب في نفسه، وقال: قد وقعت في كل شيء أحذر منه، ثمّ قالوا: يا فتى، إنك والله ما تستطيع أن تكتم ما حدث، ولا تظن في نفسك أنك سنخفي عليك.\nفجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم وما يرجع إليهم، وفرق حتى ما يخبرهم شيئا، فلما رأوه لا يتكلم أخذوا كساءه وطوقوه في عنقه، ثمّ جعلوا يقودونه في سكك المدينة مكببا، حتى سمع به من فيها، فقيل: أخذ رجل عنده كنز، فاجتمع عليه أهل المدينة، صغيرهم وكبيرهم، فجعلوا ينظرون إليه ويقولون: والله ما هذه الفتى من أهل هذه المدينة، وما رأيناه فيها قط، وما نعرفه. فجعل تمليخا ما يدري ما يقول لهم مع ما يسمع منهم، فلما اجتمع عليه أهل المدينة فرق وسكت ولم يتكلم، ولو قال إنه من أهل المدينة لم يصدّق، وكان مستيقنا أن أباه وإخوته بالمدينة، وأن حسبه في أهل المدينة من عظماء أهلها، وأنهم سيأتونه إذا سمعوا، وقد استيقن أنه عشية أمس يعرف كثيرا من أهلها وأنه لا يعرف اليوم من أهلها أحدا.\nفبينا هو قائم كالحيران ينتظر متى يأتيه بعض أهله: أبوه أو بعض إخوته فيخلصه من أيديهم","vol":"6","page":153},{"text":"إذ اختطفوه، فانطلقوا به إلى رئيسي المدينة ومدبريها اللذين يدبّران أمرها، وهما رجلان صالحان اسم أحدهما أرموس واسم الآخر أسطيوس. فلما انطلقوا به إليهما ظن تمليخا أنه ينطلق به إلى دقيانوس الجبار ملكهم الذي هربوا منه، فجعل يلتفت يمينا وشمالا، وجعل الناس يسخرون منه كما يسخرون من المجنون والحيران، فجعل تمليخا يبكي ثمّ رفع رأسه إلى السماء وإلى الله ﷿، ثمّ قال: اللهم إله السماء والأرض أفرغ عليّ اليوم صبرا وأولج معي روحا منك تؤيّدني به عند هذا الجبار. وجعل يبكي ويقول في نفسه: فرّق بيني وبين إخوتي، يا ليتهم يعلمون ما لقيت وأين يذهب بي، ولو أنهم يعلمون فيأتون فنقوم جميعا بين يدي هذا الجبار، فإنا كنا تواثقنا [لنكونن معا] «١» لا نكفر بالله ولا نشرك به شيئا ولا نعبد الطواغيت من دون الله [ف-] فرق بيني وبينهم فلن يروني ولن أراهم أبدا، وقد كنا تواثقنا على ألّا نفترق في حياة ولا موت، يا ليت شعري ما هو فاعل بي؟ أقاتلي أم لا؟\nهذا ما حدث به تمليخا أصحابه عن نفسه حتى انتهي به إلى الرجلين الصالحين: أرموس وأسطيوس، فلما رأى تمليخا أنه لم يذهب به إلى دقيانوس أفاق وسكن عنه البكاء، فأخذ أرموس وأسطيوس الورق، فنظرا إليه وعجبا منه ثمّ قال أحدهما: أين الكنز الذي وجدت يا فتى؟ هذا الورق يشهد عليك أنك وجدت كنزا. فقال لهم تمليخا: ما وجدت كنزا، ولكن هذا الورق ورق آبائي ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، وما أدري ما أقول لكما. فقال أحدهما: فمن أنت؟ فقال له: أمّا ما أرى فكنت أرى أني من أهل القرية. قالوا له:\nفمن أبوك [ومن «٢»] يعرفك بها؟ فأنبأهم باسم أبيه فلم يجدوا أحدا يعرفه، ولا أباه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذّاب لا تخبرنا بالحقّ. ولم يدر ما يقول لهم غير أنه نكس بصره إلى الأرض، فقال بعض من حوله: هذا رجل مجنون. وقال بعضهم: ليس بمجنون، ولكن يحمّق نفسه عمدا لينفلت منكم. فقال له أحدهما، ونظر إليه نظرا شديدا: أتظن أنا نرسلك ونصدقك بأن هذا مال، أبيك وضرب هذا الورق ونقشها أكثر من ثلاثمائة سنة، وأنت غلام شاب تظن أنك تأفكنا وتسخر بنا، ونحن شرط كما ترى، وحولك سراة أهل المدينة وولاة أمرها، وخزائن هذه البلدة بأيدينا، وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار؟ إنني لأظنني سآمر بك فتعذّب عذابا شديدا ثمّ أوثقك حتى تعترف بهذا الكنز الذي وجدت.\nفلمّا قال له ذلك، قال تمليخا: أنبئوني عن شيء أسألكم عنه، فإن فعلتم صدّقتم ما عندي. قالوا له: سل، ما نكتمك شيئا. فقال: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالا له: ليس نعرف ملكا يسمى دقيانوس على وجه الأرض، ولم يكن إلّا ملكا قد هلك منذ زمان ودهر طويل،\n_________\n(١) في المخطوط: معا لنكونن.\n(٢) في المخطوط: فبيّن.","vol":"6","page":154},{"text":"وهلكت بعده قرون كثيرة. قال لهم تمليخا: فو الله ما هو بمصدّقي أحد من الناس بما أقول، لقد كنا فتية، وإن الملك أكرهنا على عبادة الأوثان والذبح للطواغيت فهربنا منه عشية أمس فنمنا، فلما انتبهنا خرجت لأشتري لأصحابي طعاما وأتجسّس الأخبار فإذا أنا كما ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف الذي في جبل ينجلوس أركم أصحابي. فلما سمع أرموس ما يقول تمليخا، قال: يا قوم لعلّ هذه آية من آيات الله ﷿ جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يرنا أصحابه كما قال.\nفانطلق معهم أرموس وأسطيوس وانطلق معهما أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم نحو أصحاب الكهف ينظرون إليهم.\nولمّا رأى الفتية أصحاب الكهف أن تمليخا قد احتبس عليهم بطعامهم وشرابهم عن القدر الذي كان يأتي به، ظنوا أنه قد أخذ فذهب به إلى ملكهم دقيانوس الذي هربوا منه، فبينا هم يظنون ذلك ويتخوفون إذ سمعوا الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، وظنوا أنهم رسل دقيانوس الجبّار وأنه بعث إليهم ليؤتى بهم، فقاموا حين سمعوا ذلك إلى الصلاة، وسلّم بعضهم على بعض، وقالوا: انطلقوا بنا نأت أخانا تمليخا، فإنه الآن بين يدي الجبّار دقيانوس ينتظر متى نأتيه، فبينا هم يقولون ذلك، وهم جلوس بين ظهراني الكهف، فلم يروا إلّا أرموس وأصحابه وقوفا على باب الكهف، وسبقهم تمليخا فدخل عليهم وهو ويبكي، فلما رأوه «١» يبكي، بكوا معه وسألوه عن شأنه، فأخبرهم بخبره وقصّ عليهم النبأ كلّه فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كلّه، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقا للبعث، وليعلموا أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها.\nثمّ دخل على آثر تمليخا أرموس فرأى تابوتا من نحاس مختوما بخاتم من فضة فقام بباب الكهف، ثمّ دعا رجالا من عظماء المدينة ففتح التابوت عندهم فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوبا فيها: (إن مكسلمينا ومجسلمينا وتمليخا ومرطولس وكسوطونس وبيوسرس وتكريوس وبطينوس «٢» كانوا فتية هربوا من ملكهم دقيانوس الجبار مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلمّا أخبر بمكانهم أمر بالكهف فسدّ عليهم بالحجارة، وإنا كتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثروا عليهم.\nفلمّا رأوه عجبوا وحمدوا الله الذي أراهم آية البعث فيهم، ثمّ إنهم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثمّ دخلوا على فتية الكهف فوجدوهم جلوسا بين ظهرانيه مشرقة وجوههم، لم تبل\n_________\n(١) في المخطوط: رأوهم.\n(٢) يلاحظ أن المعدود ثمانية لا سبعة. [.....]","vol":"6","page":155},{"text":"ثيابهم، فخرّ أرموس وأصحابه سجّدا، وحمدوا الله الذي أراهم آية من آياته، ثمّ كلّم بعضهم بعضا وأنبأهم الفتية عن الذي لقوا من ملكهم دقيانوس.\nثمّ إن أرموس وأصحابه بعثوا بريدا إلى ملكهم الصالح تيدوسيس أن عجّل، لعلك تنظر إلى آية من آيات الله جعلها الله على ملكك، وجعلها آية للعالمين لتكون نورا وضياء وتصديقا للبعث، فاعجل على فتية بعثهم الله تعالى، وقد كان توفّاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة.\nفلما أتى الملك الخبر قام من المسندة التي كان عليها ورجع إليه عقله، وذهب عنه همّه، ورجع إلى الله ﷿، فقال: أحمدك الله ربّ السماوات والأرض، وأعبدك وأسبّح لك تطوّلت علي، ورحمتني برحمتك، فلم تطفئ النّور الذي كنت جعلت لآبائي وللعبد الصالح قسطيطوس الملك.\nفلمّا نبّأ به أهل المدينة ركبوا وساروا حتى أتوا مدينة دقيانوس فتلقّاهم أهل المدينة وساروا معه حتى صعدوا نحو الكهف وأتوه، فلما رأى الفتية تيدوسيس فرحوا به وخرّوا سجّدا على وجوههم، وقام تيدوسيس قدامهم ثمّ اعتنقهم وبكى وهم جلوس بين يديه على الأرض يسبّحون الله ﷿ ويحمدونه، ثمّ قال الفتية لتيدوسيس: نستودعك الله، ونقرأ عليك السلام، وحفظك الله وحفظ ملكك ونعيذك بالله من شرّ الجن والإنس.\nفبينا الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم فناموا وتوفّى الله أنفسهم، وقام الملك إليهم فجعل ثيابه عليهم وأمر أن يجعل لكل رجل منهم تابوت من ذهب، فلما أمسوا ونام أتوه في المنام فقالوا: إنّا لم نخلق من ذهب ولا فضّة، ولكنا خلقنا من تراب وإلى التراب نصير، فاتركنا كما كنّا في الكهف على التراب حتى يبعثنا الله ﷿ منه. فأمر الملك حينئذ بتابوت من ساج فجعلوا فيه وحجبهم الله تعالى حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على أن يدخل عليهم، وأمر الملك فجعل على باب الكهف مسجد يصلّى فيه، وجعل لهم عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كل سنة.\nوقيل: إنهم لما أتوا إلى باب الكهف قال تمليخا: دعوني حتّى أدخل على أصحابي فأبشّرهم فإنهم إن رأوكم معي أرعبتموهم. فدخل فبشّرهم، وقبض الله روحه وأرواحهم، وعمي عليهم مكانهم، فلم يهتدوا إليه. فهذا حديث أصحاب أهل الكهف.\nويقال: إنّ نبي الله محمدا ﷺ سأل ربّه أن يريه إيّاهم، فقال: «إنّك لن تراهم في دار الدنيا، ولكن ابعث إليهم أربعة من خيار أصحابك ليبلغوهم رسالتك ويدعوهم إلى الإيمان بك» .\nفقال رسول الله ﷺ لجبرئيل (﵇): «كيف أبعثهم؟» . قال: «ابسط كساء لهم، وأجلس على طرف من أطرافها أبا بكر، وعلى الثاني عمر وعلى الثالث عليّا، وعلى الرابع أبا","vol":"6","page":156},{"text":"ذر، ثمّ ادع الريح الرخاء المسخّر لسليمان بن داود (﵉) فإن الله تعالى أمرها أن تطيعك» .\nففعل النبي ﷺ ما أمره، فحملتهم الريح حتى انطلقت بهم إلى باب الكهف، فلما دنوا من الباب قلعوا منه حجرا، فقام الكلب حين أبصر الضوء فهرّ وحمل عليهم، فلما رآهم حرّك رأسه وبصبص بذنبه وأومأ برأسه أن ادخلوا، فدخلوا الكهف وقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فردّ الله إليهم أرواحهم، فقاموا بأجمعهم وقالوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nفقالوا: إنّ نبي الله محمد ابن عبد الله ﷺ يقرأ عليكم السلام. فقالوا: على محمد رسول الله السلام ما دامت السماوات والأرض، وعليكم بما بلّغتم. ثمّ جلسوا بأجمعهم يتحدثون، فآمنوا بمحمد ﷺ، وقبلوا دين الإسلام، وقالوا: أقرئوا محمدا منّا السلام. فأخذوا مضاجعهم وصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي.\nويقال: إنّ المهدي يسلّم عليهم، فيحييهم الله ﷿، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم ولا يقومون إلى يوم القيامة.\nثمّ جلس كل واحد منهم على مكانه، وحملتهم الريح، وهبط جبرئيل (﵇) [على النبي ﷺ] وأخبره بما كان [منهم] «١»، فلما أتوا النبي ﷺ، قال رسول الله ﷺ: «كيف وجدتموهم؟ وما الذي أجابوا؟» . فقالوا: يا رسول الله، دخلنا عليهم فسلّمنا عليهم، فقاموا بأجمعهم، فردّوا السّلام، وبلّغناهم رسالتك فأجابوا وأنابوا وشهدوا أنّك رسول الله حقا، وحمدوا الله ﷿ على ما أكرمهم بخروجك وتوجيه رسولك إليهم، وهم يقرئونك السلام.\nفقال رسول الله ﷺ: «اللهم لا تفرّق بيني وبين أصهاري وأحبائي وأختاني، واغفر لمن أحبّني وأحب أهل بيتي وحامّتي، وأحبّ أصحابي» «٢» [٦٧] .\nفذلك قوله ﷿ إِذْ أَوَى أي صار وانضم الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ، وهو غار في جبل ينجلوس، واسم الكهف خيرم، فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَدًا أي يسّر لنا ما نلتمس من رضاك. وقال ابن عباس: رَشَدًا أي مخرجا من الغار في سلامة.\nوقيل: صوابا.\nقوله: فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ هذا من فصيحات القرآن التي أقرّت العرب بالقصور عن الإتيان بمثله، ومعناه: أنمناهم وألقينا وسلّطنا عليهم النوم، كما يقال: ضرب الله فلان بالفالج، أي ابتلاه به وأرسله عليه. وقيل: معناه حجبناهم عن السّمع، وسددنا نفوذ الصوت إلى مسامعهم، وهذا وصف الأموات والنيام. وقال قطرب: هو كقول العرب: ضرب الأمير علي يد\n_________\n(١) في المخطوط: منه.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٩٠ بتفاوت يسير.","vol":"6","page":157},{"text":"الرعية، إذا منعهم عن العبث والفساد، وضرب السّيد على يدي عبده المأذون في التجارة، إذا منعه عن التصرّف فيها. قال الأسود بن يعفر، وكان ضريرا:\nومن الحوادث لا أبا لك أنني ... ضربت عليّ الأرض بالأسداد «١»\nسِنِينَ عَدَدًا أي معدودة، وهو نعت للسنين، فالعدّ المصدر، والعدد الاسم المعدود، كالنقص والنقض والخبط والحبط. وقال أبو عبيدة: هو نصب على المصدر.\nثُمَّ بَعَثْناهُمْ، يعني من نومهم لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَدًا، وذلك حين تنازع المسلمون الأوّلون أصحاب الملك، والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين أوى أصحاب الكهف في قدر مدّة لبثهم في الكهف، فقال المسلمون الأولون: مكثوا في كهفهم ثلاثمائة سنة وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل مكثوا كذا وكذا. فقال الأوّلون: اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا، فذلك قوله: ثُمَّ بَعَثْناهُمْ، لتعلموا أَيُّ الْحِزْبَيْنِ: الفريقين أَحْصى:\nأصوب وأحفظ لِما لَبِثُوا في كهفهم نياما، أَمَدًا: غاية.\nوقال مجاهد: عددا. وفي نصبه وجهان: أحدهما على التفسير والثاني لوقوع لِما لَبِثُوا عليه.\nنَحْنُ نَقُصُّ، أي نقرأ وننزل عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ، أي خبر أصحاب الكهف بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ: شبان وأحداث آمَنُوا بِرَبِّهِمْ، حكم الله لهم بالفتوّة حين آمنوا بلا واسطة لذلك. وقال أهل اللّسان: رأس الفتوّة الإيمان. وقال الجنيد: الفتوّة كفّ الأذى وبذل الندى، وترك الشكوى. وقيل: الفتوّة شيئان: اجتناب المحارم، واستعمال المكارم. وقيل: الفتى من لا يدّعي قبل الفعل، ولا يزكّي نفسه بعد الفعل. وقيل: ليس الفتى من يصبر على السياط، إنما الفتى من جاز على الصراط. وقيل: ليس الفتى من يصبر على السكين، إنما الفتى من يطعم المسكين.\nوَزِدْناهُمْ هُدىً إيمانا وبصيرة وإيقانا.\nوَرَبَطْنا: وشددنا عَلى قُلُوبِهِمْ بالصبر، وألهمناهم ذلك، وقوّيناهم بنور الإيمان حتى صبروا على هجران دار قومهم وفراق ما كانوا فيه من خفض العيش، وفرّوا بدينهم إلى الكهف، إِذْ قامُوا بين يدي دقيانوس فَقالُوا حين عاتبهم على تركهم عبادة الصنم: رَبُّنا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا: لن نعبد مِنْ دُونِهِ إِلهًا لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا، يعني إن دعونا غير الله، لَقَدْ قُلْنا إِذًا شَطَطًا. قال ابن عباس ومقاتل: جورا. قال قتادة: كذبا. وأصل الشطط والإشطاط: مجاوزة القدر، والإفراط.\nهؤُلاءِ قَوْمُنَا، يعني أهل بلدهم اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ، أي من دون الله آلِهَةً، يعني\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ١٠.","vol":"6","page":158},{"text":"الأصنام يعبدونها من دون الله لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ أي هلّا يأتون على عبادتهم بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ:\nبحجة واضحة فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، فزعم أنّ له شريكا وولدا؟\nثمّ قال بعضهم لبعض: إِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ، يعني قومكم وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، أي واعتزلتم أصنامهم التي يعبدونها من دون الله. وكذلك هو في مصحف عبد الله: (وما يعبدون من دون الله) .\nفَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ، أي صيروا إليه يَنْشُرْ، أي يبسط لكم ويظهر لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا، أي رزقا رغدا. والمرفق: ما يرتفق به الإنسان، وفيه لغتان: مرفق، ومرفق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>[سورة الكهف (١٨): الآيات ١٧ الى ٢٢]</span>\nوَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨) وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠) وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)\nسَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِرًا وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)\nوَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ، أي تتزاور، وقرأ أهل الكوفة بالتخفيف على حذف أحد الزاءين، وقرأ أهل الشام: تزورّ على وزن تحمرّ، وكلّها بمعنى واحد، أي تميل وتعدل عن كهفهم ذاتَ الْيَمِينِ، أي جانب اليمين، وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ، قال ابن عباس: تدعهم. قال مقاتل بن حيان: تجاوزهم. وأصل القرض: القطع. ذاتَ الشِّمالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ، أي متّسع من الكهف، وجمعها فجوات وفجىّ. أخبرنا الله تعالى بحفظه إيّاهم في مهجعهم، وعرفنا لطفه بهم في مضجعهم واختياره لهم أصلح المواضع للرقاد فأعلمنا أنّه بوّأهم في مغناة من الكهف مستقبلا بنات نعش، تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة وجارية لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها وتغيّر ألوانهم وتبلى ثيابهم، وإنهم في متّسع منه ينالهم فيه برد الريح ونسيمها وتنفي عنهم كربة الغار وغمومه، ذلِكَ الذي ذكرت من أمر الفتية مِنْ آياتِ اللَّهِ:","vol":"6","page":159},{"text":"من عجائب صنع الله ودلالات قدرته وحكمته. مَنْ يَهْدِ اللَّهُ أي يهده الله فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا معينا مُرْشِدًا لأنّ التوفيق والخذلان بيد الله ﷿.\nوَتَحْسَبُهُمْ يا محمد أَيْقاظًا أي منتبهين، جمع يقظ ويقظ مثل قولك: رجل نجد ونجد للشجاع، وجمعه أنجاد، وَهُمْ رُقُودٌ: نيام، جمع راقد مثل قاعد وقعود، وَنُقَلِّبُهُمْ، وقرأ الحسن (وَنُقْلِبُهُمْ) بالتخفيف، ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ مرّة للجنب الأيمن ومرّة للجنب الأيسر. قال ابن عباس: كانوا ينقلبون في السنة مرة إلى جانب من جانب، لئلا تأكل الأرض لحومهم. ويقال: إنّ يوم عاشوراء كان يوم تقليبهم. وقال أبو هريرة: كان لهم في كل سنة تقليبان. وَكَلْبُهُمْ، قال ابن عباس: كان أنمر. وقال مقاتل: كان أصفر. وقال القرظي: شدة صفرته تضرب إلى الحمرة. الكلبي: لونه كالخلنج «١» . وقيل: لون الحجر. وقيل: لون السماء.\nوقال علي ابن أبي طالب (﵁): «كان اسمه ريان»\n. وقال ابن عباس: قطمير. وقال الأوزاعي:\nنتوى. وقال شعيب الجبائي: حمران. عبد الله ابن كثير: اسم الكلب قطمور. [قال] «٢» السّدي:\nنون. عبد الله بن سلام: بسيط. كعب: أصهب. وهب: نقيا، وقيل: قطفير.\nعن عمر قال: إن مما أخذ على العقرب ألّا يضر بأحد في ليله ونهاره: سَلامٌ عَلى نُوحٍ، وإن مما أخذ على الكلب ألّا يضر من حمل عليه أن يقول: وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ.\nوقرأ جعفر الصّادق (وكالبهم) يعني: صاحب الكلب.\nباسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ، قال مجاهد والضّحاك: الوصيد: فناء الكهف، وهو رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. وقال سعيد بن جبير: الوصيد الصعيد، وهو التراب. وهذه رواية عطية العوفي عن ابن عباس. وقال السّدي: الوصيد الباب، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وأنشد:\nبأرض فضاء لا يسدّ وصيدها ... عليّ ومعروفي بها غير منكر «٣»\nأي بابها. وقال عطاء: الوصيد: عتبة الباب. وقال القتيبي الوصيد: البناء، وأصله من قول العرب، أصدت الباب وأوصدته، أي أغلقته وأطبقته. لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا لما ألبسهم الله تعالى من الهيئة حتى لا يصل إليهم واصل، ولا تلمسهم يد لامس حتى يبلغ الكتاب أجله، فيوقظهم الله من رقدتهم لإرادة الله ﷿ أن يجعلهم آية وعبرة لمن شاء من خلقه لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتية لا رَيْبَ فِيها «٤» .\n_________\n(١) الخلنج: شجرة، معرّب. هامش المخطوط.\n(٢) ليس في النسخة المعتمدة.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٧٣، وزاد المسير: ٥/ ٨٣.\n(٤) سورة الكهف: ٢١.","vol":"6","page":160},{"text":"وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا: خوفا، وقرأ أهل المدينة: (لملّئت) بالتشديد. وقيل: إنما ذلك من وحشة المكان الذي هم فيه. وقال الكلبي: لأن أعينهم مفتّحة- كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم- وهم نيام. وقيل: إن الله تعالى منعهم بالرعب لئلّا يراهم أحد. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو الروم فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم! قال ابن عباس: ليس ذلك لك، قد منع الله من هو خير منك، قال: لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا. فقال معاوية:\nلا أنتهي حتى أعلم علمهم. فبعث ناسا فقال: اذهبوا فانظروا. ففعلوا، فلمّا دخلوا الكهف بعث الله ﷿ عليهم ريحا فأخرجتهم فلم يستطيعوا الاطلاع عليهم من الرعب.\nوَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ أي كما أنمناهم في الكهف، ومنعنا من الوصول إليهم، وحفظنا أجسامهم من البلى على طول الزمان، وثيابهم من العفن على مرّ الأيّام بقدرتنا، كَذلِكَ بَعَثْناهُمْ من النّومة التي تشبه الموت لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ: ليتحدّثوا، ويسأل بعضهم بعضا. قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ يعني: رئيسهم مكسلمينا: كَمْ لَبِثْتُمْ في نومكم؟ وذلك أنهم استنكروا من أنفسهم طول نومهم. ويقال: إنه راعهم ما فاتهم من الصلاة، فقالوا ذلك. قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا لأنهم دخلوا الكهف غدوة، فلما رأوا الشمس قالوا: أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ توقّيا من الكذب، وكانت قد بقيت من الشمس بقية. ويقال: كان بعد زوال الشمس. فلما نظروا إلى شعورهم وأظفارهم تيقّنوا أن لبثهم أكثر من يوم أو بعض يوم، ف قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ. ويقال: إن رئيسهم لما سمع الاختلاف بينهم قال ذلك. فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ يعني: تمليخا بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، والورق: الفضّة مضروبة كانت أو غير مضروبة. والدليل عليه\nأنّ عرفجة بن أسعد أصيب أنفه يوم الكلاب فاتّخذ أنفا من ورق فأنتن عليه، فأمره النبي ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب.\nوفيه لغات: (بِوَرْقِكُمْ) «١» وهي قراءة أبي عمرو وحمزة وخلف، و(ورقكم) - بسكون الراء وإدغام القاف- وهي قراءة أهل مكة، وبِوَرِقِكُمْ بفتح الواو وكسر الراء وهي قراءة أكثر القراء.\nو(ورق) مثل كبد وكبد وكلمة وكلمة.\n(والمدينة): أفسوس، فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعامًا قال ابن عباس وسعيد بن جبير: أحلّ ذبيحة، لأن عامّتهم كانوا مجوسا، وفيهم قوم مؤمنون يخفون إيمانهم. قال الضحّاك: أطيب.\nوقال مقاتل بن حيّان: أجود. وقال يمان بن رئاب: أرفض. قتادة: خير. قال عكرمة: أكثر.\nوأصل الزكاة الزيادة والنّماء، قال الشاعر:\nقبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب «٢»\n_________\n(١) بسكون الراء. انظر حجة القراءات: ١/ ٤١٣.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٢٧٩.","vol":"6","page":161},{"text":"فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أي قوت وطعام، وَلْيَتَلَطَّفْ: وليترفق في الشراء، وفي طريقه، وفي دخول المدينة، وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا من الناس، أي ولا يعلمن، أي إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما يقع فيه.\nإِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ فيعلموا بمكانكم يَرْجُمُوكُمْ، قال ابن جريج: يشتموكم ويؤذوكم بالقول. ويقال: يقتلوكم. ويقال: كان من عادتهم القتل بالرجم وهو من أخبث القتل.\nوقيل: هو التوبيخ «١» . ويضربوكم أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ: دينهم الكفر وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا إن عدتم إليهم.\nوَكَذلِكَ أَعْثَرْنا، أي أطلعنا عَلَيْهِمْ، يقال: عثرت على الشيء إذا اطّلعت عليهم، فأعثرت غيري إذا أطلعته، لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ يعني قوم تيدوسيس، وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ، قال ابن عباس: تنازعوا في البنيان والمسجد، قال المسلمون: نبني عليهم مسجدا، لأنهم على ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم بنيانا لأنهم من أهل سنّتنا. وقال عكرمة: تنازعوا في الأرواح والأجساد، فقال المسلمون: البعث للأرواح والأجساد، وقال بعضهم: البعث للأرواح دون الأجساد، فبعثهم الله من رقادهم وأراهم أن البعث للأرواح والأجساد. وقيل: تنازعوا في قدر لبثهم ومكثهم. وقيل: تنازعوا في عددهم، فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ يعني تيدوسيس الملك وأصحابه: لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا، وقيل: الذين تغلبوا على أمرهم، وهم المؤمنون. وهذا يرجع إلى الأوّل.\nسَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ وذلك\nأن السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران كانوا عند النبيّ ﷺ فجرى ذكر أصحاب الكهف فقال السيد: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وكان السيد يعقوبيا، وقال العاقب: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وكان نسطوريّا، وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم، فحقق الله قول المسلمين وصدّقهم بعد ما حكى قول النصارى، فقال سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ\nأي قذفا بالظنّ من غير يقين، كقول الشاعر:\nوأجعل منّي الحقّ غيبا مرجّما «٢»\nوَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ وقال بعضهم: هذه الواو واو الثمانية، إن العرب يقولون: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، لأن العقد كان عندهم سبعة\n_________\n(١) قوله: وهو أخبث القتل و، من نسخة اخرى.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٢٨٢.","vol":"6","page":162},{"text":"كما هو اليوم عندنا عشرة. ونظيره قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ «١» .\nوقوله في صفة أهل الجنّة حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها «٢» .\nوقوله لأزواج النبي ﷺ: ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا «٣» .\nوقال بعضهم: هذه واو الحكم والتحقيق، فكأنه حكى اختلافهم فتمّ الكلام عند قوله:\nوَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ، ثمّ حكم أن ثامنهم كلبهم، والثامن لا يكون إلّا بعد السّبع، فهذا تحقيق قول المسلمين. رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ، قال قتادة: قليل من الناس. وقال عطاء:\nيعني بالقليل: أهل الكتاب. يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحّاك عن ابن عباس في قوله تعالى. ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ قال: أنا من أولئك القليل.\nوهم: مكسلمينا، وتمليخا، ومرطونس «٤»، وسارينوس، وآنوانس، وروانوانس، ومشططيونس، وهو الرّاعي، والكلب واسمه قطمير كلب أنمر فوق القلطي «٥» ودون الكردي «٦» .\nوقال محمد بن المسيب: القلطي: كلب صيني، وقال: ما بقي بنيسابور محّدث إلّا كتب عنّي هذا الحديث إلّا من لم يقدر له. قال: وكتبه أبو عمرو، والحيري عني. فَلا تُمارِ فِيهِمْ، أي في عدّتهم وشأنهم إِلَّا مِراءً ظاهِرًا وهو ما قصّ عليه في كتابه من خبرهم يقول: حسبك ما قصّصت عليك فلا تمار فيهم، وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا من أهل الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٢٣ الى ٣١]</span>\nوَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦) وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)\nوَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ نارًا أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)\n_________\n(١) سورة التوبة: ١١٢.\n(٢) سورة الزمر: ٧٣.\n(٣) سورة التحريم: ٥. [.....]\n(٤) في نسخة أصفهان: كلينونس.\n(٥) القلطي: القصير جدا. كتاب العين: ٥/ ١٠٠.\n(٦) راجع تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٨٤.","vol":"6","page":163},{"text":"وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، قال ابن عباس: يعني إذا عزمت على أن تفعل شيئا غدا، أو تحلف على شيء أن تقول: إني فاعل ذلك غدا إن شاء الله. وإن نسيت الاستثناء ثمّ ذكرته فقله ولو بعد سنة، وهذا تأديب من الله تعالى لنبيّه ﷺ حين سئل عن المسائل الثلاثة: أصحاب الكهف، والروح، وذي القرنين، فوعدهم أن يخبرهم ولم يستثن.\nعبد الله بن سعيد المقري عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يتم إيمان العبد حتى يستثني «١» في كلّ كلامه» [٦٨] .\nوَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ، قال ابن عباس ومجاهد وأبو العالية والحسن: معناه: إذا نسيت الاستثناء ثمّ ذكرت، فاستثن. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربّك إذا غضبت.\nحدّثنا عبد الصّمد بن حسان عن وهيب قال: مكتوب في الإنجيل: ابن آدم، اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق، وإذا ظلمت فلا تنتصر فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك. وقال الضحّاك والسدي: هذا في الصلاة\nلقول النّبي ﷺ: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها» «٢» [٦٩] .\nوقال أهل الإشارة: معناه وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ غيره لأن ذكر الله تعالى إنما يتحقق بعد نسيان غيره. يؤيده قول ذي النون المصري: من ذكر الله ذكرا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيء، فإذا نسي في جنب ذكره كل شيء حفظ الله له كلّ شيء، وكان له عوضا من كل شيء. وقيل: معناه: واذكر ربّك إذا تركت ذكره، والنسيان هو الترك. وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا، أي يثبتني على طريق هو أقرب إليه، فأرشد. وقيل: معنا لعلّ الله أن يهديني ويسدّدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه سيكون إن هو شاء. وقيل: إن الله تعالى أمره أن يذكره إذا نسي شيئا ويسأله أن يذكره فيتذكّر، أو يهديه لما هو خير له من تذكّر ما نسيه.\nويقال: إن القوم لمّا سألوه عن قصة أصحاب الكهف على وجه العناد أمره الله تعالى أن يخبرهم أن الله سيؤتيه من الحجج والبيان على صحة نبوّته وما دعاهم إليه من الحق ودلّهم على ما سألوه. ثمّ إن الله ﷿ فعل ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف. وقال بعضهم: هذا شيء أمر أن\n_________\n(١) أي حتى يقول: إن شاء الله.\n(٢) سنن الدارمي: ١/ ٢٨٠.","vol":"6","page":164},{"text":"يقوله مع قوله: أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إذا ذكر الاستثناء بعد ما نسيه، فإذا نسي الإنسان فيؤتيه «١» من ذلك. وكفارته أن يقول: عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا. وَلَبِثُوا يعني: أصحاب الكهف فِي كَهْفِهِمْ، قال بعضهم: هذا خبر عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك، وقالوا: لو كان خبرا من الله ﷿ عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا وجه مفهوم، وقد أعلم خلقه قدر لبثهم فيه، هذا قول قتادة.\nيدل عليه قراءة ابن مسعود: (وقالوا لبثوا في كهفهم) . وقال مطر الورّاق في هذه الآية: هذا شيء قالته اليهود، فردّه الله عليهم، وقال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا. وقال الآخرون: هذا إخبار الله عن قدر لبثهم في الكهف، وقالوا: معنى قوله: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ أن أهل الكتاب قالوا على عهد رسول الله ﷺ: إن للفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين فردّ الله ﷿ ذلك عليهم، وقال: قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا بعد أن قبض أرواحهم إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله وغير من أعلمه الله ذلك. وقال الكلبي: قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها فنزلت اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا.\n... ثلاثمائة سنين مضاف غير منوّن، قرأها حمزة، والكسائي والباقون بالتنوين يعني: ولبثوا في كهفهم سنين ثلاثمائة. وقال الضحّاك ومقاتل: نزلت: وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ فقالوا:\nأيّاما أو سنين؟ فنزلت سِنِينَ فلذلك قال: سِنِينَ ولم يقل: سنة. وَازْدَادُوا تِسْعًا. قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ يعني: ما أبصر الله بكل موجود! وأسمعه بكل مسموع! ما لَهُمْ، أي لأهل السماوات والأرض مِنْ دُونِهِ من دون الله مِنْ وَلِيٍّ: ناصر، وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا من الأصنام وغيرها.\nوَاتْلُ أي واقرأ يا محمد ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ، يعني: القرآن، واتّبع ما فيه لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، قال الكلبي: لا مغير للقرآن «٢» . وقال محمد بن جرير: يعني: لا مغير لما أوعد بكلماته أهل معاصيه والمخالفين لكتابه «٣» . وَلَنْ تَجِدَ أنت مِنْ دُونِهِ إن لم تتبع القرآن وخالفته مُلْتَحَدًا، قال ابن عباس: حرزا. وقال الحسن: مدخلا. وقيل: معدلا.\nوقيل: موئلا وقال مجاهد ملجأ، وأصله من الميل، ومنه لحد القبر.\nوَاصْبِرْ نَفْسَكَ- الآية-\nقال المفسرون: نزلت في عيينة بن حصين الفزاري، وذلك أنه أتى النّبي ﷺ قبل نزول هذه الآية، وعنده بلال وصهيب وخباب وعمار وعامر بن فهيرة ومهجع وسلمان، وعلى سلمان شملة قد عرق فيها وبيده خوصة يشتقها ثمّ ينسجها، فقال عيينة للنبيّ ﷺ:\n_________\n(١) كذا في مصوّرة المخطوط.\n(٢) التسهيل في علوم التنزيل: ٢/ ١٨٧.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٢٣٣.","vol":"6","page":165},{"text":"أما يؤذيك ريح هؤلاء؟ فو الله لقد آذانا ريحهم. وقال: نحن سادات مضر وأشرافها فإن أسلمنا أسلم الناس وإن أبينا أبى الناس، وما يمنعنا من اتّباعك إلّا هؤلاء، فنحّ هؤلاء حتّى نتبعك، واجعل لنا مجلسا ولهم مجلسا.\nفأنزل الله ﷿: وَاصْبِرْ: واحبس نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ: يعبدون ربهم ويوقّرون رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ، أي طرفي النهار يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، يعني: يريدون الله ﷿ لا يريدون عرضا من الدنيا. والمراد منه: الحسنة وترك الرّياء. قال قتادة: يعني: صلاة الصبح والعصر. وقال كعب الأحبار: والذي نفسي بيده إنّهم لأهل الصّلوات المكتوبة. قال قتادة: نزلت هذه الآية في أصحاب الصفة، وكانوا سبعمائة رجل فقراء لزموا مسجد رسول الله ﷺ لا يرجعون إلى تجارة ولا إلى زرع ولا ضرع، يصلّون صلاة وينتظرون أخرى.\nقال قتادة: فلما نزلت هذه الآية قال نبي الله ﷺ: «الحمد لله الذي جعل في أمّتي من أمرت أن أصبر معهم» «١» [٧٠] .\nوَلا تَعْدُ عَيْناكَ: لا تصرف ولا تجاوز عيناك عَنْهُمْ إلى غيرهم تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني مجالسة الرؤساء والأغنياء والأشراف.\nومعنى الآية: وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ- مريدا زينة الدنيا- حال خوضهم في الاستغفار لأنه حكم على النبيّ ﷺ بإرادته الدنيا. وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا أي تركنا قلبه وأنسيناه ذكرنا. قال أبو العالية: يعني: أميّة بن خلف الجمحي. وقال غيره: يعني عيينة بن حصين، وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، قال قتادة والضحّاك ومجاهد: ضياعا. وقال داود: ندما. وقال حباب: هلاكا. وقال ابن زيد: مخالفا للحق. وقال مقاتل بن حيّان: سرفا. وقال الأخفش:\nمجاوزا للحد. وقال الفرّاء: متروكا. وقيل: باطلا. وقال أبو زيد البلخي: قدما في الشر. قال أبو عبيد: هو من قول العرب: فرس فرط إذا سبقت الخيل، وفرط القول منّي أي سبق. وقيل:\nمعناه ضيّع أمره وعطّل أيامه، قالوا: ان المؤمن من يستعمل الأوقات، ولا تستعمله الأوقات.\nوَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، الحق: رفع على الحكاية، وقيل: هو رفع على خبر ابتداء مضمر معناه: وَقُلِ هو الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ، يعني: ما ذكر من القرآن والإيمان وشأن محمد ﷺ. وقيل: هو رفع على الابتداء وخبره في قوله مِنْ رَبِّكُمْ، ومعنى الآية: وقل يا محمّد لهؤلاء الّذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا: أيّها الناس، من ربكم الحقّ، وإليه التوفيق والخذلان، وبيده الضلالة والهدى، يهدي من يشاء فيؤمن، ويضل من يشاء فيكفر «٢» ليس إليّ من ذلك شيء، ولست بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ لكم، فإن شئتم فآمنوا، وإن شئتم فاكفروا فإنكم إن كفرتم فقد أعدّ لكم ربكم على كفركم نارا أحاط بكم سرادقها، وإن آمنتم وأطعتم فإن لكم ما وصف الله ﷿ لأهل طاعته.\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ٢/ ٣٨٣.\n(٢) في نسخة أصفهان: فليكفر. (هامش نسخة أصفعان) .","vol":"6","page":166},{"text":"وقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ ليس بترخيص وتخيير، إنما هو وعيد وتهديد، كقوله: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ. قال ابن عباس: من شاء الله له الايمان آمن، ومن شاء له الكفر كفر، وهو قوله: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ.\nإِنَّا أَعْتَدْنا: أعددنا وهيّأنا، من العتاد، وهو العدّة لِلظَّالِمِينَ: للكافرين نارًا، وفيه دليل على أن النار مخلوقة لأنها لو لم تكن مخلوقة موجودة معدّة لكان المخبر كذّابا، وتعالى الله عن ذلك.\nوقوله: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها،\nروى [أبو] سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ أنه قال: «سرادق النار أربعة جدر كثف، كل واحد مسيرة أربعين سنة» «١» [٧١] .\nوقال ابن عباس: هو حائط من نار.\nالكلبي: هو عنق يخرج من النار فيحيط بالكفّار كالحظيرة. وقال القتيبي: السّرادق الحجرة التي تكون حول الفسطاط. قال رؤبة:\nيا حكم بن المنذر بن الجارود ... سرادق المجد عليك ممدود «٢»\nوقال سلامة بن جندل:\nهو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيت مسردق «٣»\nوهو هاهنا دخان يحيط بالكفار يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله في سورة المرسلات:\nانْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ «٤» .\nوَإِنْ يَسْتَغِيثُوا من شدة العطش يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ،\nروى أبو مسلم عن أبي سعيد عن النبيّ ﷺ: بِماءٍ كَالْمُهْلِ قال: «كعكر الزّيت، فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه فيه» «٥»\n[٧٢] . وقال ابن عباس: ماء غليظ مثل دردي الزيت. وقال الأعمش: هو عصارة الزيت.\nومجاهد: القيح والدم. قال الضحّاك: المهل ماء أسود، وإن جهنم سوداء، ماؤها أسود، وشجرها أسود، وأهلها سود. وقال أبو عبيدة: كل ما أذيب من جواهر الأرض.\nوروى روح بن عبادة، عن سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أن ابن مسعود أهديت له سقاية من ذهب وفضّة، فأمر بأخدود فخدّ في الأرض، ثمّ قذف فيه من جزل الحطب، ثمّ قذف فيه تلك السقاية، فلما أزبدت وانماعت، قال لغلامه: ادع من بحضرتك من أهل الكوفة. فدعا رهطا، فلما دخلوا عليه قال: أترون هذا؟ قالوا: نعم. قال: ما رأينا في الدنيا شبها بالمهل أدنى\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٢٩٨.\n(٢) الصحاح: ٤/ ١٤٩٦.\n(٣) لسان العرب: ١٠/ ١٥٨، وكتاب العين: ٥/ ٢٥١ وفيه: نحور، بدل: صدور.\n(٤) سورة المرسلات: ٣٠. [.....]\n(٥) مسند أحمد: ٣/ ٧١.","vol":"6","page":167},{"text":"من هذا الذهب والفضّة حين أزبد وانماع. وقال سعيد بن جبير: المهل الذي قد انتهى حرّه.\nوقال أبو عبيدة: سمعت المنتجع بن نبهان وذكر رجلا، فقال: هو أبغض إلىّ من الطليا والمهل، فقلت له: ما المهل؟ قال: الملّة التي تحدّد من جوانب الرغيف من النار، أحمر شديد الحمرة كأنّها الرمانة، وهي جمرة والطليا: الناقة المطليّة بالقطران. يَشْوِي الْوُجُوهَ، قال سعيد بن جبير: إذا جاع أهل النار استغاثوا بشجرة الزّقوم فيأكلون منها فاختلست «١» جلودهم ووجوههم، فلو ان مارّا مرّ يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها، ثمّ يصبّ عليهم العطش فيستغيثون فيغاثون بِماءٍ كَالْمُهْلِ، وهو الذي قد انتهى حرّه، فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حرّه لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود. بِئْسَ الشَّرابُ هذا، وَساءَتْ النار مُرْتَفَقًا، قال ابن عباس: منزلا. مجاهد: مجتمعا. عطاء: مقرّا. وقيل: مهادا. وقال القتيبي: مجلسا. وأصل:\nالمرتفق المتّكأ، يقال منه: ارتفقت، إذا اتّكأت على المرتفق. قال الشاعر:\nقالت له وارتفقت ألا فتى ... يسوق بالقوم غزالات الضحى «٢»\nويقال: ارتفق الرجل، إذا بات على مرفقه لا يأتيه نوم. قال أبو ذويب الهذلي:\nنام الخلي وبتّ الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح «٣»\nأي مقطوع من معتضده، والصاب: شجر إذا استؤصل خرج منه كهيئة اللبن، وربما ترتفع منه تربة أي فطرة، فيقع في العين فكأنها شهاب نار، وربما أضعف البصر. ويجوز أن يكون قوله: مُرْتَفَقًا من الرفق والمنفعة.\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا. ليس قوله: إِنَّا لا نُضِيعُ خبرا لقوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بل هو كلام معترض، وخبر (إن) الأولى «٤» قوله:\nأُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ. ومثله في الكلام كثير، قال الشاعر:\nإنّ الخليفة إنّ الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم «٥»\nومنهم من قال: فيه إضمار فإن معناه: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنا لا نضيع أجره بل نجازيه.\nثمّ ذكر الجزاء فقال: أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ، ووهي الإقامة\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٠٠.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٠١، ولسان العرب: ٤/ ٣٩٧ وفيه: مشتجرا، بدل: مرتفقا.\n(٤) أي الواقعة في صدر الآية.\n(٥) لسان العرب: ١٢/ ١٦٤.","vol":"6","page":168},{"text":"تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ: يلبسون فِيها مِنْ أَساوِرَ، وهو جمع الأسوار، قال سعيد بن جبير: يحلّى كل واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحدا من فضّة، وواحدا من ذهب، ووحدا من لؤلؤ ويواقيت. مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ، وهو ما رقّ من الديباج وَإِسْتَبْرَقٍ، وهو ما غلظ منه. وقيل: هو فارسيّ معرّب مُتَّكِئِينَ فِيها: في الجنان عَلَى الْأَرائِكِ، وهي السّرر في الحجال، واحدتها: أريكة نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ يعني: الجنان مُرْتَفَقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-475>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٣٢ الى ٤٤]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا (٣٣) وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها مُنْقَلَبًا (٣٦)\nقالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا (٣٩) فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠) أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢) وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ- الآية- رَجُلَيْنِ منصوب مفعول، على معنى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا كمثل رجلين. نزلت في أخوين من أهل مكّة من بني مخزوم، أحدهما مؤمن وهو أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن عبد ياليل كان زوج أمّ سلمة قبل النبيّ ﷺ والآخر كافر، وهو الأسود بن عبد الأسد بن عبد ياليل. وقيل نزلت في النبي ﷺ وفي مشركي مكّة. وهذا مثل لعيينة ابن حصين وأصحابه، وفي سلمان وأصحابه شبّههما برجلين من بني إسرائيل أخوين: أحدهما مؤمن واسمه يهوذا في قول ابن عباس، وقال مقاتل: تمليخا، والآخر كافر، واسمه فطروس، قال وهب قطفر. وهما اللّذان وصفهما الله في سورة (الصافات)، وكانت قصتهما [ما أخبرنا أبو عمرو الفراتي: حدثنا محمد بن عمران: حدثنا الحسن بن سفيان: حدثنا حيّان بن موسى: حدثنا عبد الله بن البارك عن] «١» . معمر عن عطاء الخراساني قال: كان رجلان شريكين، وكان لهما ثمانية آلاف دينار، وقيل: إنهما ورثاه عن أبيهما، وكانا أخوين فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى أرضا بألف دينار، فقال صاحبه: اللهم إن كان فلان قد اشترى أرضا بألف دينار، فإني أشتري منك أرضا في الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار.\n_________\n(١) من نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: ما روى.","vol":"6","page":169},{"text":"ثمّ إن صاحبه بنى دارا بألف دينار، فقال هذا: إن فلان بنى دارا بألف دينار، وإني اشتريت منك دارا في الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. ثمّ تزوج بامرأة وأنفق عليها ألف دينار فقال: إنّ فلان تزوّج امرأة بألف دينار، وإني أخطب إليك من نساء الجنة بألف دينار، فتصدّق بألف دينار. ثمّ اشترى خدما ومتاعا بألف دينار، فقال: إن فلان اشترى خدما ومتاعا بألف دينار، وإني اشتري منك خدما ومتاعا في الجنة بألف دينار فتصدّق بألف دينار.\nثمّ أصابته حاجة شديدة فقال: لو أتيت صاحبي هذا لعلّه ينالني منه معروف. فجلس له على طريقه حتى مرّ به في حشمه، فقام إليه، فنظر إليه الآخر فعرفه فقال: فلان؟ قال: نعم. قال ما شأنك؟ قال: أصابتني حاجة بعدك، فأتيتك لتصيبني بخير. فقال: فما فعل مالك فقد اقتسمنا مالا واحدا فأخذت شطره وأنا شطره؟ فقصّ عليه قصته، فقال: وإنك لمن المصدّقين بهذا، أي بأنك تبعث وتجازى؟ اذهب فو الله لا أعطيك شيئا.\nفطرده، فقضي لهما أن توفيا، فنزل فيهما: فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ إلى قوله: فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ «١»، ونزلت وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ: بستانين مِنْ أَعْنابٍ وَحَفَفْناهُما: أحطناهما بِنَخْلٍ وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا، يعني:\nجعلنا حول الأعناب النخل ووسط الأعناب الزرع.\nكِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ: أعطت، يعني: آتت كل واحدة من الجنتين، فلذلك لم يقل: آتتا أُكُلَها: ثمرها تامّا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا، أي لم ينقص، وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا، يعني:\nشققنا وأخرجنا وسطهما نهرا.\nوَكانَ لَهُ، يعني: لفطروس ثَمَرٌ، يعني: المال الكثير المثمر من كل صنف، جمع ثمار. ومن قرأ: (ثمر) فهو جمع ثمرة. مجاهد: ذهب وفضة. ابن عباس: أنواع المال. قتادة:\nمن كلّ المال. وقال ابن زيد: الثمر الأصل. فَقالَ لِصاحِبِهِ المؤمن وَهُوَ يُحاوِرُهُ: يجاوبه أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا، يعني عشيرة ورهطا. قال قتادة: خدما وحشما. وقال مقاتل:\nولدا، تصديقه قوله تعالى إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا ...\nوَدَخَلَ جَنَّتَهُ، يعني: فطروس، أخذ بيد أخيه المسلم يطوف به ويريه إيّاها ويعجبه منها، وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ بكفره، فلمّا رأى ما فيها من الأنهار والأشجار والأزهار والثمار قالَ: ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَدًا. وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ: القيامة قائِمَةً: آتية كائنة. ثمّ تمنّى على الله أمنية أخرى مع شكّه وشركه فقال: وَلَئِنْ رُدِدْتُ: صرفت إِلى رَبِّي، فرجعت إليه في المعاد لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْها، أي من الجنة التي دخلها. وقرأ أهل الحجاز والشام (منهما)\n_________\n(١) سورة الصافات: ٥٥.","vol":"6","page":170},{"text":"على لفظ التثنية، يعني الجنتين، وكذلك هو في مصاحفهم. مُنْقَلَبًا، أي منزلا ومرجعا.\nيقول: لم يعطني هذه الجنة في الدنيا إلّا ولي عنده أفضل في الآخرة.\nقالَ لَهُ صاحِبُهُ المسلم وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ يعني خلق أباك وأصلك مِنْ تُرابٍ ثُمَّ خلقك مِنْ نُطْفَةٍ يعني ماء الرجل والمرأة ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا، أي عدلك بشرا سويّا ذكرا. لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي، يقول: أما أنا فلا أكفر بربي، ولكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير مجازه: لكن الله هو ربّي. وقال الآخرون: أصله (لكن أنا) فحذفت الهمزة طلبا للخفة لكثرة استعماله، وأدغمت إحدى النونين في الأخرى، وحذفت ألف (أنا) في الوصل. وقرأ ابن عامر ويعقوب: (لكنا)، بإتيان الألف بالوصل، كقول الشاعر:\nأنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدا قد تذريت السناما «١»\nولا خلاف في إثباتها في الوقف. وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا. وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ، (ما) في موضع رفع، يعني: هي ما شاء الله، ويجوز أن تكون في موضع النصب بوقوع شاءَ عليه. وقيل: جوابه مضمر مجازه: ما شاء الله كان وما لا يشاء لا يكون.\n[أخبرنا أبو عمرو الفراتي: القاسم بن كليب: العباس بن محمد الدوزي: حجاج: أبو بكر الهذلي عن يمامة بن عبد الله بن أنس] «٢» عن أنس بن مالك أن النبيّ ﷺ قال: «من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ لم يضرّه» [٧٣] «٣» .\nثمّ قال: إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَدًا، أنا عماد ولذلك نصب. فَعَسى:\nفلعلّ رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ في الآخرة خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها: يبعث على جنتك حُسْبانًا مِنَ السَّماءِ، قال قتادة والضّحاك: عذابا. وقال ابن عباس: نارا. وقال ابن زيد: قضاء من الله ﷿ يقضيه. قال الأخفش والقتيبي: مرام من السماء واحدتها حسبانة، فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا، قال قتادة: يعني صعيدا أملس لا نبات عليه. وقال مجاهد: رملا هايلا وترابا. قال ابن عباس: هو مثل الحزن. أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا أي غائرا منقطعا ذاهبا في الأرض لا تناله الأيدي ولا الرشا والدلاء. والغور مصدر وضع موضع الاسم، كما يقال: صوم وزور وعدل، ونساء نوح يستوي فيه الواحد والاثنان والمذكر والمؤنث. قال عمرو بن كلثوم:\nتظل جياده نوحا عليه ... مقلّدة أعنتها صفونا «٤»\nوقال آخر:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٠٨، ولسان العرب: ١٣/ ٣٧ وفيه: جميعا، بدل: حميدا.\n(٢) زيادة عن نسخة أصفهان.\n(٣) مجمع الزوائد: ٥/ ١٠٩.\n(٤) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣١٠.","vol":"6","page":171},{"text":"هريقي من دموعهما سجاما ... ضباع وجاوبي نوحا قياما «١»\nفَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا بعد ما ذهب ونصب.\nوَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ أي أحاط الهلاك بثمر جنّتيه، وهي جميع صنوف الثمار. وقال مجاهد:\nهي ذهب وفضة وذلك أن الله أرسل عليها نارا فأهلكها وغار ماؤها، فَأَصْبَحَ صاحبها الكافر يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ: يصفق يده على الأخرى، وتقليب كفيه ظهرا لبطن تأسفا وتلهّفا عَلى ما أَنْفَقَ فِيها يعني: عليها كقوله: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «٢» أي عليها وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ساقطة على سقوفها، خالية من غرسها وبنائها وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا «٣» .\nقال الله ﷿: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ أي جماعة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ: يمنعونه من عذاب الله، وَما كانَ مُنْتَصِرًا: ممتنعا منتقما.\nهُنالِكَ يعني: في القيامة الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي (الْوِلايَةُ) - بكسر الواو- يعني: السلطان والأمر. وقرأ الباقون بفتح الواو، من الموالاة كقوله: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا «٤»، وقوله: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا «٥» .\nقال القتيبي: يريد: يتولون الله يومئذ، ويؤمنون به ويتبرّؤون مما كانوا يعبدون. وقوله:\nالْحَقِّ رفعه أبو عمرو والكسائي على نعت الولاية، وتصديقه قراءة أبيّ: (هنالك الولاية الحق لله) . وقرأ الآخرون بالكسر على صفة الله كقوله: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ «٦»، وتصديقه قراءة عبد الله: (هنالك الولاية لله وهو الحق) فجعله من نعت الله. هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا لأوليائه وأهل طاعته وَخَيْرٌ عُقْبًا لهم في الآخرة إذا صاروا إليه. والعقب: العاقبة، يقال:\nهذا عاقبة أمره كذا، وعقباه وعقبه أي آخرة قوله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٤٥ الى ٥٠]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦) وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨) وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ٤٠٩.\n(٢) سورة طه: ٧١. [.....]\n(٣) في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم تظهر في مصوّرة المخطوط.\n(٤) سورة البقرة: ٢٥٧.\n(٥) سورة محمد: ١١.\n(٦) سورة الأنعام: ٦٢.","vol":"6","page":172},{"text":"وَاضْرِبْ يا محمد لَهُمْ: لهؤلاء المتكبرين المترفين الذين سألوا طرد الفقراء المؤمنين مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ، يعني: المطر. قالت الحكماء: شبّه الله تعالى الدنيا بالماء لأن الماء لا يستقر في موضع وحال، كذلك الدنيا لا تبقى لأحد، ولأن الماء لا يستقيم على حالة واحدة وكذلك الدنيا، ولأن الماء يفنى كذلك الدنيا تفنى، ولأن الماء لا يقدر أحد أن يدخله ولا يبتلّ، فكذلك الدنيا لا يسلم من آفاتها وفتنتها أحد، ولأن الماء إذا كان بقدر كان نافعا مبقيا وإذا جاوز الحد المقدّر كان ضارّا مهلكا، وكذلك الدنيا الكفاف منها ينفع، وفضولها يضرّ. فَاخْتَلَطَ بِهِ: بالماء نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ عن قريب هَشِيمًا، قال ابن عباس: يابسا. قال الضحّاك: كسيرا. قال الأخفش: متفتّتا، وأصله الكسر. تَذْرُوهُ الرِّياحُ، قال ابن عباس: تديره. قال ابن كيسان: تجيء به وتذهب. قال الأخفش: ترفعه.\nوقال أبو عبيدة: تفرّقه. القتيبي: تنسفه. وقرأ طلحة بن مصرف: الآية فقال: ذرته الريح تذروه ذروا، وتذريه ذريا وأذرته إذراء إذا أطارت به، وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا، قادرا.\nالْمالُ وَالْبَنُونَ التي يفخر بها عيينة وأصحابه من الأشراف والأغنياء زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا، وليست من زاد القبر ولا من عدد الآخرة، وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ التي يعملها سلمان وأصحابه من الموالي والفقراء خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا أي خير ما يأمله الإنسان.\nواختلفوا في الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ ما هي قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحّاك: هي قول العبد: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر) . يدل عليه ما\nروى مسلم بن إبراهيم عن أبي هلال عن قتادة أن النبيّ ﷺ أخذ غصنا فحركه حتى سقط ورقه، وقال: «إن المسلم إذا قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، تحاتّت عنه الذنوب «١» .\nخذهن إليك أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن فهنّ من كنوز الجنّة وصفايا الكلام، وهنّ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ» [٧٤] «٢» .\nوقال عثمان (﵁) وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح: هي (سبحان الله\n_________\n(١) في المصدر: تحاتت خطاياه كما تحات هذا.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ٤١٥.","vol":"6","page":173},{"text":"والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، ولا حول، ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم) . يدل عليه [ما]\nروى القاسم بن عبد الله العمري، ومحمد بن عجلان عن عبد الجليل بن حميد عن خالد ابن عمران أن النّبي ﷺ خرج على قومه، فقال: «خذوا جنّتكم» . قالوا: يا رسول الله، من عدوّ حضر؟ قال: «بل من النار» . قالوا: وما جنتنا من النار؟ قال: «الحمد لله وسبحان الله ولا إله إلّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم فإنهن يأتين يوم القيامة مقدّمات مجنّبات ومعقّبات، وهنّ الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ» [٧٥] «١» .\nوعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «استكثروا من الباقيات الصالحات» .\nفقيل: وما هنّ يا رسول الله؟ قال: «الملّة» . قال: وما هي؟ قال: «التكبير، والتهليل، والتسبيح، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله» [٧٦] «٢» .\nوقال عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله: أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي فقال: قل له: القني عند زاوية القبر فإن لي إليك حاجة. قال: فالتقيا، فسلّم أحدهما على الآخر، ثمّ قال سالم: ما تعدّ الباقيات؟ فقال: لا إله إلّا الله، والحمد لله، وسبحان الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلّا بالله. فقال له سالم: متى جعلت: ولا حول ولا قوّة إلّا بالله؟\nقال: ما زلت أجعله فيها. قال فراجعه مرتين وثلاثا فلم ينزع، فقال سالم: أجّل. فأتيت أبا أيّوب الأنصاري فحدّث أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «عرج بي إلى السماء فأريت إبراهيم (﵇) فقال: يا جبرئيل، من هذا معك؟ فقال: محمد. فرحّب بي وسهّل، ثمّ قال: مر أمّتك فليكثروا من غراس الجنّة، فإن تربتها طيبة، وإن أرضها واسعة. فقلت وما غراس الجنّة؟\nقال: لا حول ولا قوة إلّا بالله» [٧٧] «٣» .\nوقال سعيد بن جبير وعمرو بن شرحبيل ومسروق وإبراهيم: هي الصلوات الخمسة، وهي الحسنات يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «٤» .\nوقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هي الأعمال الصالحة: لا إله إلّا الله، وأستغفر الله وصلى الله على محمد، والصلاة والصوم والحج والصدقة والعتق والجهاد والصّلة وجميع الحسنات التي تبقى لأهلها في الجنّة ما دامت السماوات والأرض.\nوروى عطية عن ابن عباس قال: هي الكلام الطيب. وقال عوف: سألت الحسن عن الْباقِياتُ الصَّالِحاتُ، قال: النيّات والهمّات لأن بها تقبل الأعمال وترفع. قال قتادة: هي كل ما أريد به وجه الله. والله أعلم.\n_________\n(١) المعجم الأوسط: ٣/ ٢٨٩.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٧٥.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٤١٨.\n(٤) سورة هود: ١١٤.","vol":"6","page":174},{"text":"وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ: نزيلها عن أماكنها. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (تسيّر) - بالتاء وفتح الياء- (الجبالُ) رفعا على المجهول، وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً ظاهرة كرأي العين ليس عليها شجر ولا جبل ولا ثمر ولا شيء يسترها. وقال عطاء: ترى باطن الأرض ظاهرا قد برز الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها، وَحَشَرْناهُمْ: جمعناهم إلى الموقف للحساب، فَلَمْ نُغادِرْ:\nنترك ونخلف مِنْهُمْ أَحَدًا. وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا يعني: صفّا صفّا لأنهم صفّ واحد.\nوقيل قياما، يقال لهم- يعني للكفار، لفظه عام ومعناه خاص-: قَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ\nيعني: أحياء. وقيل: عراة. وقيل: عزّلا. وقيل: فرادى. لْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا\nيعني: القيامة.\nقوله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ يعني كتب أعمال الخلق، فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ:\nخائفين مِمَّا فِيهِ من الأعمال السيئة، وَيَقُولُونَ إذا رأوها: يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً من ذنوبنا؟ قال ابن عباس: الصغيرة: التبسّم، والكبيرة: القهقهة. وقال سعيد بن جبير: الصغيرة اللمم والتخميش والقبل والمسيس، والكبيرة: الزنا، والمواقعة، إِلَّا أَحْصاها، قال ابن عباس: عملها. وقال السّدي: كتبها وأثبتها. وقال مقاتل بن حيان:\nحفظها. وقيل: عدّها. وقال إبراهيم ابن الأشعث: كان الفضيل بن عياض إذا قرأ هذه الآية قال: ضجّوا والله من الصغار قبل الكبار.\nوضرب رسول الله ﷺ لصغائر الذنوب مثلا فقال:\n«كمثل قوم انطلقوا يسيرون حتى نزلوا بفلاة من الأرض فانطلق كل رجل منهم يحتطب، فجعل الرجل منهم يأتي بالعود ويجيء الآخر بعودين «١» حتى جمعوا سوادا وأجّجوا. وإن الذنب الصغير يجتمع على صاحبه حتى يهلكه» «٢» [٧٨] .\nوَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا مكتوبا مثبتا في كتابهم وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا يعني: لا ينقص ثواب أحد عمل خيرا. قال الضحّاك: لا يأخذ أحدا بجرم لم يعمله ولا يورّث ذنب أحد على غيره.\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ يقول جلّ ذكره مذكّرا لهؤلاء المتكبرين ما أورث الكبر إبليس، ويعلّمهم أنه من العداوة والحسد لهم على مثل الذي كان لأبيهم: واذكر يا محمد إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ اختلفوا فيه فقال ابن عباس: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا مِنْ نارِ السَّمُومِ، وخلق الملائكة من نور غير هذا الحي. وكان اسمه بالسريانية عزازيل وبالعربية الحرث، وكان من خزان الجنّة، وكان رئيس ملائكة الدنيا، وكان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، وكان من أشد الملائكة\n_________\n(١) في المصدر: بالعود.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٢١.","vol":"6","page":175},{"text":"حلما وأكثرهم علما، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فرأى بذلك لنفسه شرفا وعظمة فذلك الذي دعاه إلى الكبر، فعصى فمسخه الله شيطانا رجيما ملعونا. فإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه، وكانت خطيئة آدم معصية، وخطيئة إبليس كبرا.\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: كان من الجن [و] إنما سمي بالجنان، لأنه كان خازنا عليها فنسب إليها، كما يقال للرجل: مكي وكوفي ومدني وبصري. [أخبرنا عبد الله بن حامد:\nأخبرنا محمد ابن يعقوب السّري عن يحيى بن عثمان بن زفر قال] «١»: روى يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير. في قوله ﷿: كانَ مِنَ الْجِنِّ- قال: كان من الجنانيين الذين يعملون في الجنّة. وقال الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجنّ كما أن آدم أصل الأنس. وقال شهر ابن حوشب: كان إبليس من الجنّ الذين ظفر بهم الملائكة فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء. وقال قتادة: جنّ عن طاعة «٢» الله تعالى، فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ يعني: خرج عن طاعة ربه. تقول العرب: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، ولذلك قيل لها: الفويسقة. وقيل: هي من الفسوق، وهي الاتّساع، تقول العرب: فسق فلان في النفقة إذا اتسع فيها، وما أصاب مالا إلّا فسقه، أي أهلكه وبذّره. والفاسق سمّي فاسقا لأنه اتّسع في محارم الله ﷿، وهوّنها على نفسه.\nأَفَتَتَّخِذُونَهُ، يعني يا بني آدم وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ: أعداء. وقال الحسن:\nالإنس من آخرهم من ذريّة آدم، والجن من آخرهم من ذريّة إبليس. قال مجاهد: فمن ذريّة إبليس لافيس وولهان وهو صاحب الطهارة والصلاة، والهفّان ومرّة وبه يكنّى إبليس وزيلنون وهو صاحب الأسواق يضع رايته بكل سوق من السّماء والأرض، والدثر وهو صاحب المصائب يأمر بضرب الوجه وشقّ الجيوب والدعاء بالويل والحرب، والأعور وهو صاحب أبواب الزّنا، ومبسوط وهو صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه النّاس فلا يجدون [لها] «٣» أصلا، وداسم وهو الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله ﷿، بصّره من المقابح ما لم يرفع أو لم يحسن موضعه، فإذا أكل ولم يذكر اسم الله عليه أكل معه.\nوقال الأعمش: ربما دخلت البيت، ولم أذكر اسم الله ولم أسلّم فرأيت مطهره فقلت:\nارفعوا، وخاصمتهم، ثمّ أذكر فأقول: داسم، داسم.\nوروى مخلد عن الشعبي قال: إني لقاعد يوما إذ أقبل حمال ومعه دن حتى وضعه، ثمّ جاءني فقال: أنت الشعبي؟ قلت: نعم. فقال: أخبرني هل لإبليس زوجة؟ قلت: إن ذلك لعرس\n_________\n(١) زيادة عن نسخة أصفهان.\n(٢) في نسخة أصفهات: امر. [.....]\n(٣) في المخطوط: له.","vol":"6","page":176},{"text":"ما شهدته. قال: ثمّ ذكرت قول الله تعالى: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي، فعلمت أنه لا يكون ذرية إلّا من زوجة، قلت: نعم. فأخذ دنّه وانطلق، قال: فرأيت أنه مختاري. قال ابن زيد: إبليس أبو الجن كما إنّ آدم (﵇) أبو الإنس. قال الله تعالى لإبليس: إني لا أخلق لآدم ذرية إلّا ذرأت لك مثلها، [كلما] «١» ولد لآدم. قال قتادة: إنهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم، وما ولد لآدم ذريّة إلّا ولد له مثله، فليس من ولد آدم أحد إلّا له شيطان قد قرن به. بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، أي بئس البدل لإبليس وذريّته من الله. قال قتادة: بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم: طاعة إبليس وذريّته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٥١ الى ٥٩]</span>\nما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١) وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا (٥٣) وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا (٥٥)\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧) وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨) وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)\nما أَشْهَدْتُهُمْ: ما أحضرتهم، يعني إبليس وذريته. وقيل: يعني الكافرين أجمع. قال الكلبي: يعني ملائكة السماوات. وقرأ أبو جعفر: (ما أشهدناهم) بالنون والألف على التعظيم، خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فأستعين بهم على خلقها، وأشاورهم وأوامرهم فيها، وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا: أنصارا وأعوانا.\nوَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا قرأ حمزة بالنون. الباقون بالياء لقوله: شُرَكائِيَ ولم يقل:\nشركاءنا. شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم شركائي، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ يعني بين الأوثان وعبدتها. وقيل: بين أهل الهدى والضلالة مَوْبِقًا، قال عبد الله بن عمر:\nهو واد عميق في جهنم يفرق به يوم القيامة بين أهل لا إله إلّا الله، وبين من سواهم. وقال ابن عباس: هو واد في النار. وقال مجاهد: واد من حميم. وقال عكرمة: هو نهر في النار يسيل\n_________\n(١) في المخطوط: فلما.","vol":"6","page":177},{"text":"نارا، على حافتيه حيّات مثل البغال الدهم، فإذا بادرت إليهم لتأخذوهم استغاثوا بالاقتحام في النّار منها. وقال الحسن: عداوة. وقال الضحّاك وعطاء: مهلكا. وقال أبو عبيد: موعدا، وأصله الهلاك، يقال: أوبقه يوبقه إيباقا، أي أهلكه، ووبق يبق وبقا، أي هلكة، ويقال: وبق يوبق ويبق ويأبق، وهو وابق ووبق، والمصدر: وبق، ووبوق.\nوَرَأَى الْمُجْرِمُونَ: المشركون النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها: داخلوها. وقال مجاهد:\nمقتحموها وقيل: نازلوها وواقعون فيها. وقرأ الأعمش: (ملاقوها)، يعني مجتمعين فيها، والهاء الجمع «١» وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا.\nوروى أبو سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ أنه قال: «إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنه مواقعها «٢» من مسيرة أربعين سنة» «٣» [٧٩] .\nوَلَقَدْ صَرَّفْنا: بيّنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ليتذكروا ويتّعظوا وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا: خصومة في الباطل، يعني أبيّ بن خلف الجمحي، وقيل: إنه عام ليس بخاص، واحتجّوا بما\nروى الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه قال: «إن رسول الله ﷺ طرقه هو وفاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: ألا تصلّون؟ فقلت: يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله تعالى، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت ذلك له ولم يرجع شيئا، فسمعته وهو يضرب فخذه ويقول: وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا» ! «٤» .\nوَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا يعني من أن يؤمنوا، إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى: القرآن والإسلام ومحمد ﷺ وَيَسْتَغْفِرُوا: ومن أن يستغفروا ربهم إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ يعني سنتنا في إهلاكهم أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا، قال ابن عباس: عيانا. قال الكلبي: هو السّيف يوم بدر.\nقال مجاهد: فجأة. ومن قرأ قُبُلًا، بضمتين، أراد به: أصناف العذاب.\nوَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا:\nيبطلوا ويزيلوا بِهِ الْحَقَّ، قال السّدي: ليفسدوا، وأصل الدّحض: الزلق، يقال: دحضت رجله أي زلقته. وقال طرفة:\nأبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض «٥»\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) في المصدر: أنها مواقعته.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٣٠.\n(٤) مسند أحمد بن حنبل: ١/ ١١٢.\n(٥) تاج العروس: ٥/ ٢٨.","vol":"6","page":178},{"text":"وَاتَّخَذُوا آياتِي وَما أُنْذِرُوا، فيه إضمار يعني: وَما أُنْذِرُوا وهو القرآن هُزُوًا:\nاستهزاء.\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها: لم يؤمن بها وَنَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ، أي عملت يداه من الذنوب إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ، يعني القرآن وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا: ثقلا وصمما وَإِنْ تَدْعُهُمْ يا محمد إِلَى الْهُدى يعني إلى الدين فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا: لن يرشدوا ولن يقبلوه.\nوَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا من الذنوب لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ في الدنيا بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ وهو يوم الحساب لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا: معدلا ومنجى، قال الأعشى:\nوقد أخالس ربّ البيت غفلته ... وقد يحاذر منّي ثمّ ما يئل «١»\nأي لا ينجو.\nوَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا: كفروا، وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا: أجلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٦٠ الى ٨٢]</span>\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠) فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١) فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا (٦٢) قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣) قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا (٦٤)\nفَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥) قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)\nقالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١) قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥) قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦) فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وَكُفْرًا (٨٠) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحًا فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٣٤.","vol":"6","page":179},{"text":"وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ- الآية- قال ابن عباس: لما ظهر موسى (﵇) وقومه على مصر أنزل قومه مصر، فلمّا استقرت بهم الدار أنزل الله ﷿: أن ذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ فخطب قومه وذكر بما آتاهم الله ﷿ من الخير والنّعمة إذ نجّاهم من آل فرعون وأهلك عدوّهم واستخلفهم في الأرض، فقال: «وكلّم الله نبيكم تكليما، واصطفاني لنفسه، وألقى عليّ محبّة منه، وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ، ونبيّكم أفضل أهل الأرض، وأنتم تقرؤون التوراة» . فلم يترك نعمة أنعمها الله ﷿ عليهم إلّا ذكرها وعرّفها إيّاهم، فقال له رجل من بني إسرائيل:\nقد عرفنا الذي تقول، فهل على وجه الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله؟ قال: «لا» . فعتب الله ﷿ عليه حين لم يرد العلم إليه، فبعث إليه جبرئيل، فقال: «يا موسى وما يدريك أين أضع علمي؟ بل إن لي عبدا بمجمع البحرين أعلم منك» . فسأل موسى ربّه أن يريه إيّاه، فأوحى الله ﷿ إليه أن: «ايت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا، فخذه فادفعه إلى فتاك، ثمّ الزم شط البحر إذا نسيت الحوت وهلك منك فثمّ تجد العبد الصالح» «١» [٨٠] .\nوقال ابن عباس في رواية أخرى: سأل موسى ربّه فقال: «ربّ أي عبادك أحبّ إليك؟» .\nقال: «الذي يذكرني فلا ينساني» . قال: «فأي عبادك أقضى؟» . قال: «الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى» . قال: «ربّي فأي عبادك أعلم؟» . قال: «الذي يبغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تدلّه على هدى أو ترده عن ردّى» . قال: «إن كان في عبادك أحد هو أعلم منّي فادللني عليه» . فقال له: «نعم» في عبادي من هو أعلم منك» . قال: «من هو؟» . قال:\n«الخضر» . قال: «وأين أطلبه؟» . قال: «على الساحل عند الصخرة» . وجعل الحوت له آية، وقال: «إذا حيّ هذا الحوت، وعاش، فإن صاحبك هناك» «٢» [٨١] .\nوكانا قد تزودا سمكا مالحا فذلك قوله ﷿: وَإِذْ قالَ مُوسى بن عمران لِفَتاهُ:\nصاحبه يوشع بن نون بن إفرائيم بن يوسف. وقيل: فتاه أخو يوشع، كان معه في سفره. وقيل:\nفتاه عبده ومملوكه: لا أَبْرَحُ: لا أزال أسير حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ، قال قتادة: بحر فارس والروم مما يلي المشرق. وقال محمد بن كعب: طنجة «٣» . وقال أبيّ بن كعب: أفريقية،\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٤٩.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٤٣ بتفاوت يسير.\n(٣) المصدر السابق: ٣٣٧.","vol":"6","page":180},{"text":"أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا وجمعه أحقاب: دهرا أو زمانا. وقال عبد الله بن عمر: والحقب ثمانون سنة. وقال مجاهد: سبعون سنة. وقيل: البحران هما موسى والخضر، كانا بحرين في العلم.\nفحملا خبزا وسمكة مالحة وسارا حتى انتهيا إلى الصخرة التي عند مجمع البحرين ليلا، وعندها عين تسمى ماء الحياة، لا يصيب ذلك الماء شيئا إلّا حيّ، فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده اضطربت في المكتل وعاشت ودخلت البحر، فذلك قوله ﷿: فَلَمَّا بَلَغا، يعني: موسى وفتاه مَجْمَعَ بَيْنِهِما يعني: بين البحرين نَسِيا حُوتَهُما: تركا حوتهما، وإنما كان الحوت مع يوشع، وهو الذي نسيه فصرف النسيان إليهما، والمراد به: أحدهما كما قال:\nيَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ «١» وإنما يخرج من المالح دون العذب. وإنما جاز ذلك لأنهما كانا جميعا تزوّدا لسفرهما، فجاز إضافته إليهما، كما يقال: خرج القوم إلى موضع كذا، وحملوا معهم من الزاد كذا، وإنما حمله أحدهم، لكنه لمّا كان ذلك من أمرهم ورأيهم أضيف إليهم. فَاتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فيه.\nواختلفوا في كيفية ذلك\nفروى أبيّ بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «انجاب الماء عن مسلك الحوت فصارت كوّة لم تلتئم، فدخل موسى الكوّة على أثر الحوت فإذا هو بالخضر (﵇)» [٨٢] .\nوقال ابن عباس: رأى أثر جناحه في الطين حين وقع في الماء، وجعل الحوت لا يمس شيئا إلّا يبس حتى صار صخرة.\nوروى ابن عباس عن أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ قال:\n«لمّا انتهيا إلى الصخرة وضعا رأسيهما فناما واضطرب الحوت في المكتل، فخرج منه فسقط في البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا، أمسك الله ﷿ عن الحوت جرية الماء، فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ موسى (﵇) نسي فتاه أن يخبره بالحوت وانطلقا بقية يومهما وليلتهما. حتى إذا كان من الغد فَلَمَّا جاوَزا قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا» «٢» [٨٣] .\nوقال قتادة: رد الله ﷿ إلى الحوت روحه فسرب من البحر حتى أفضى إلى البحر، ثمّ سلك فجعل لا يسلك منه طريقا إلّا صار ماء جامدا طريقا يبسا. وقال الكلبي: توضّأ يوشع بن نون من عين الحياة فانتضح على الحوت المالح في المكتل من ذلك الماء فعاش، ثمّ وثب في ذلك الماء، فجعل يضرب بذنبه الماء، ولا يضرب بذنبه شيئا من الماء وهو ذاهب إلّا يبس. فَلَمَّا جاوَزا، يعني ذلك الموضع قالَ موسى لِفَتاهُ آتِنا: أعطنا غَداءَنا: طعامنا وزادنا، وذلك أن يوشع بن نون حين رأى ذلك من الحوت قام ليدرك موسى ليخبره بأمر الحوت، فنسي أن يخبره فمكثا يومهما ذلك حتى صلّيا الظهر من الغد، ولم ينصب موسى في سفره ذلك إلّا يومئذ حين\n_________\n(١) سورة الرحمن: ٢٢.\n(٢) مسند الحميدي: ١/ ١٨٢، وزاد المسير: ٥/ ١١٤.","vol":"6","page":181},{"text":"جاوز الموضع الّذي أمر به، فقال لفتاه حين ملّ وتعب: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَبًا، أي شدة وتعبا، وذلك أنه ألقي على موسى الجوع بعد ما جاوز الصخرة، ليتذكر الحوت، ويرجع إلى موضع مطلبه، فقال له فتاه وتذكر: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا: رجعنا إِلَى الصَّخْرَةِ، قال مقاتل: هي الصخرة التي دون نهر الزيت فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ؟ أي تركته وفقدته.\nوقيل: فيه إضمار معناه: نسيت أن أذكر أمر الحوت، ثمّ قال: وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، يعني: أنسانيه ألّا أذكره. وقيل: فيه تقديم وتأخير مجازه: وما أنسانيه أن أذكره إلّا الشيطان، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا، يجوز أن يكون هذا من قول يوشع، يقول: اتَّخَذَ الحوت سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا. وقيل: إن يوشع يقول: إن الحوت طفر إلى البحر فاتّخذ فيه مسلكا، فعجبت من ذلك عجبا. ويجوز أن يكون هذا من قول موسى، قال له يوشع: وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ، فأجابه موسى: عَجَبًا كأنه قال: أعجب عجبا.\nوقال ابن زيد: أي شيء أعجب من حوت، كان دهرا من الدهور يؤكل منه ثمّ صار حيّا حتى حشر في البحر. قال: وكان شق حوت. وقال ابن عباس: اتَّخَذَ موسى سبيل الحوت فِي الْبَحْرِ عَجَبًا. قال وهب: ظهر في الماء من أثر جري الحوت شق وأخدود شبه نهر من حيث دخلت إلى حيث انتهت. فرجع موسى حتى انتهى إلى مجمع البحرين، فإذا هو بالخضر (﵇)، فذلك قوله: قالَ موسى لفتاه: ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ أي نطلب، يعني الخضر فَارْتَدَّا: فرجعا عَلى آثارِهِما قَصَصًا: يقصان الأثر: يتبعانه.\nفَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا يعني الخضر «١» واسمه بليا بن ملكان بن يقطن، والخضر لقب له، سمّي بذلك، لما\n[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان: أخبرنا أبو الأزهر عن عبد الرزاق عن] «٢» معمر عن همام بن منبّه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما سمي الخضر خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت «٣» تحته خضراء» «٤» [٨٤] .\n[قال عبد الرزاق: فروة بيضاء يعني: حشيشة يابسة، [و] فروة: قطعة من الأرض فيها نبات] «٥» . وقال مجاهد: إنما سمي الخضر لأنه إذا صلّى اخضرّ ما حوله. وروى عبد الله بن المبارك عن ابن جريج عن عثمان بن أبي سلمان قال: رأى موسى الخضر (﵇) على طنفسة خضراء على وجه الماء، فسلّم عليه.\nوقال ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبيّ ﷺ\n_________\n(١) في المخطوط علامة سقط بعدها، لكن لم يظهر في مصوّرة المخطوط. [.....]\n(٢) من نسخة ثانية، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.\n(٣) في المصدر: فإذا هي تهتز.\n(٤) كنز العمال: ١٢/ ٧٢ ح ٣٤٠٤٨.\n(٥) زيادة عن نسخة أصفهان.","vol":"6","page":182},{"text":"قال: «انتهى موسى إلى الخضر (﵇) وهو نائم عليه ثوب مسجىّ، فسلّم عليه فاستوى جالسا قال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل. قال موسى: وما أدراك بي؟ ومن أخبرك أني نبيّ بني إسرائيل؟ قال الذي أدراك بي ودلّك عليّ» «١» [٨٥] .\nوقال سعيد بن جبير: وصل إليه وهو يصلي، فلما سلّم عليه قال: وأنّى بأرضنا السلام؟! ثمّ جلسا يتحدّثان فجاءت خطّافة وحملت بمنقارها من الماء، قال الخضر: يا موسى خطر ببالك أنّك أعلم أهل الأرض، ما علمك وما علم الأولين والآخرين في جنب الله إلّا أقلّ من الماء الذي حملته الخطافة، فذلك قوله تعالى: فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا. قالَ لَهُ: للعالم مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا:\nصوابا؟ قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا لأني أعمل بباطن علم علّمنيه ربّي ﷿، وَكَيْفَ تَصْبِرُ يا موسى عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا، يعني على ما لم تعلم؟ وقال ابن عباس:\nوذلك أنه كان رجلا يعمل على الغيب.\nقالَ موسى: سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا. قال: فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ مما تنكر حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا: حتى ابتدئ لك بذكره، وأبيّن لك شأنه. فَانْطَلَقا يسيران يطلبان سفينة يركبانها حَتَّى إِذا أصابها رَكِبا فِي السَّفِينَةِ، فقال أهل السفينة: هؤلاء لصوص، فأمروهما بالخروج منها، فقال صاحب السفينة: ما هم بلصوص ولكنّي أرى وجوه الأنبياء.\nوقال أبي بن كعب عن رسول الله ﷺ: «فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول فلما دخلوا إلى البحر أخذ الخضر فأسا فخرق لوحا من السفينة حتّى دخلها الماء فحشاها موسى ثوبه وقال له: أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها» «٢» [٨٦]\n. وقرأ أهل الكوفة (لِيَغْرِقَ) بالياء المفتوحة (أَهْلُها) برفع اللام على أن الفعل لهم، وهي قراءة ابن مسعود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا أي منكرا. قال القتيبي: عجبا. والإمر في كلام العرب الداهية، قال الراجز:\nقد لقي الأقران منّي نكرا ... داهية دهياء إدّا إمرا «٣»\nوأصله: كل شيء شديد كثير، يقال: أمر القوم، إذا كثروا واشتدّ أمرهم.\nقالَ العالم أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قالَ موسى: لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ\n[أخبرنا أبو عبد الله بن حامد الورّاق عن حامد بن محمد قال: قال أبو سعد بن موسى المروروذي ببغداد، وأخبرنا محمد بن أبي ناجية الاسكندراني عن سفيان بن عيينة عن عمر بن\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ١٥ بتفاوت يسير.\n(٢) صحيح البخاري: ١/ ٣٩ بتفاوت.\n(٣) الصحاح: ٢/ ٥٨١.","vol":"6","page":183},{"text":"دينار عن] «١» عكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ قال: «كانت الأولى من أمر النسيان، والثانية القدر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص» [٨٧] «٢» .\nوقال أبي بن كعب: أما إنه لم ينس، ولكنه من معاريض الكلام. وقال ابن عباس: معناه بما تركت من عهدك، وَلا تُرْهِقْنِي: تعجلني «٣»: وقيل: لا تغشني «٤» مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، يقول: لا تضيّق عليّ أمري وصحبتي معك.\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلامًا، قال سعيد بن جبير: وجد الخضر غلمانا يلعبون، وأخذ غلاما ظريفا وضيء الوجه، فأضجعه ثمّ ذبحه بالسكين. وقال ابن عباس: كان لم يبلغ الحلم.\nوقال الضحّاك: كان غلاما يعمل بالفساد، وتأذّى منه أبواه: وكان اسمه خش بوذ. وقال شعيب الحيّاني: اسمه حيشور «٥»، وقال وهب بن منبّه كان اسم أبيه ملاس، واسم أمه رحمي. وقال الكلبي كان فتى يقطع الطريق، ويأخذ المتاع ويلجأ إلى أبويه ويحلفان دونه، فأخذه الخضر فصرعه ثمّ نزع من جسده رأسه. وقال قوم: رفسه برجله فقتله. وقال آخرون: ضرب رأسه بالجدار فقتله.\n[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] «٦» سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا «٧» فلمّا قتله قال له موسى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً؟» [٨٨]\n. أي طاهرة. وقيل: مسلمة. قال الكسائي: الزاكية والزكية لغتان مثل القاسية والقسيّة. قال أبو عمرو: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية: التي أذنبت ثمّ تابت. بِغَيْرِ نَفْسٍ أي من غير أن قتلت نفسا أوجب عليها القود، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا:\nمنكرا؟ وقال قتادة وابن كيسان: النكر: أشد وأعظم من الإمر.\nقالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها أي هذه المرّة فَلا تُصاحِبْنِي: فارقني قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا في فراقي.\n[أخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشير عن حجاج بن محمد: أخبرنا حمزة الزّيات عن أبي إسحاق عن] «٨» سعيد بن جبير عن ابن عباس، عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ\n_________\n(١) زيادة عن نسخة أصفهان.\n(٢) تاريخ مدينة دمشق: ٦١/ ١٥٥ ط. دار الفكر.\n(٣) زاد المسير: ٥/ ١٢٠ ونسبه للفراء.\n(٤) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٥٤.\n(٥) ذكره في عرائس المجالس: ١٧٢، بلفظ: حسنود.\n(٦) زيادة عن نسخة أصفهان.\n(٧) مسند أحمد: ٥/ ١٢١. [.....]\n(٨) زيادة عن نسخة أصفهان.","vol":"6","page":184},{"text":"إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه، فقال ذات يوم: «رحمة الله علينا وعلى أخي موسى، لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب [العجاب] «١»، ولكنه قال: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا» «٢» [٨٩] .\nفَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ قال ابن عباس: يعني أنطاكية. وقال ابن سيرين: أيلة «٣»، وهي أبعد أرض الله من السّماء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما، أي ينزّلوهما منزلة الأضياف وذلك أنهما استطعماهم فلم يطعموهما، واستضافاهم فلم يضيفوهما.\n[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سلمان عن يحيى بن قيس عن أبي إسحاق عن] «٤» سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول:\nفَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما قال: «كانوا أهل قرية لئاما» [٩٠] «٥» .\nوقال قتادة في هذه الآية: شر القرى التي لا تضيف الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقّه.\nفَوَجَدا فِيها، أي في القرية جِدارًا، قال وهب: كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع، يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ هذا من مجاز الكلام، لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من ذلك، كقول الله تعالى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ «٦» . قال ذو الرمّة:\nقد كاد أو [قد] هم بالبيود «٧»\nوقال بعضهم: إنما رجع إلى صاحبه، لأن هذه الحالة إذا كانت من ربّه فهو إرادته، كقول الله تعالى: وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ «٨» وإنما يسكت صاحبه. وقال: فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ «٩» وإنما يعزم أهله. قال الحارثي:\nيريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل «١٠»\nوقال عقيل:\n_________\n(١) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأعاجب.\n(٢) السنن الكبرى: ٦/ ٣٩٢، وفيه: العاجب، بدل: العجاب.\n(٣) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الأيلة.\n(٤) زيادة عن نسخة أصفهان.\n(٥) كنز العمال: ٢/ ٤٦١ ح ٤٥٠٠.\n(٦) سورة مريم: ٩٠.\n(٧) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٢٩٠.\n(٨) سورة الأعراف: ١٥٤.\n(٩) سورة محمد: ٢١.\n(١٠) جامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٥٨، ولسان العرب: ٣/ ١٨٩ وفيه ويعدل بدل ويرغب.","vol":"6","page":185},{"text":"إنّ دهرا يلف شمل سليمى ... لزمان يهمّ بالإحسان «١»\nأَنْ يَنْقَضَّ، أي يسقط وينهدم، ومنه انقضاض الكواكب، وهو سقوطها وزوالها عن أماكنها. وقرأ يحيى بن عمر: (يريد أن ينقاض) أي ينقلع وينصدع، يقال: انقاضّت السنّ:\nانصدعت من أصلها. وقال بعض الكوفيين: الانقياض: الشق طولا، يقال: انقاض الحائط والسن وطيّ البئر، إذا انشقت طولا. فَأَقامَهُ: سوّاه. قال ابن عباس: هدمه ثمّ قعد يبنيه.\nوقال سعيد بن جبير: مسح الجدار ودفعه بيده، فاستقام. قال موسى: لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ، وقرأ أبو عمرو: (لتخذت) وهما لغتان مثل قولك: (اتّبع) و(تبع)، و(اتّقى) و(تقى)، قال الشاعر:\nوقد تخدت رحلي إلى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرّق «٢»\nوأنشد الزجاج في قوله: (لتخذت) قوله أبي شمام الصبابي:\nتخذوا الحديد من الحديد معاولا ... سكانها الأرواح والأجساد\nعَلَيْهِ، أي على إصلاحه وإقامته أَجْرًا، أي جعلا وأجرة. وقيل: قرىّ وضيافة.\nف قالَ الخضر (﵇): هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ قرأ لاحق بن حميد: (فِراقٌ) بالتنوين، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا. أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ قال كعب: كانت لعشرة إخوة: خمسة منهم زمنى، وخمسة منهم يعملون في البحر. وفي قوله:\nلِمَساكِينَ دليل على أن المسكين وإن كان ملك شيئا فلا يزول عنه اسم المسكنة إذا كانت به حاجة إلى ما هو زيادة على ملكه، ويجوز له أخذ الزكاة. [وأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن علي الحمشادي، عن أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: أبو الحسن أحمد بن زكريا المقدسي عن إبراهيم بن عبد الله الصنعاني عن إبراهيم] «٣» بن الحكم عن أبيه عن عكرمة قال: قلت لابن عباس: قوله: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ، كانوا مساكين والسفينة تساوي ألف دينار؟ قال: إن المسافر مسكين ولو كان معه ألف دينار. فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ أي أمامهم وقدّامهم كقوله تعالى: مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ «٤» ومِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ «٥» أي أمامهم. قال الشاعر:\nأيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا «٦»\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٦٦١، وجامع البيان للطبري: ١٥/ ٣٥٨.\n(٢) الصحاح: ٤/ ١٤٣١.\n(٣) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدله: وروى. [.....]\n(٤) سورة إبراهيم: ١٦.\n(٥) سورة المؤمنون: ١٠٠.\n(٦) لسان العرب: ١٥/ ٣٩٠.","vol":"6","page":186},{"text":"وقيل: وَراءَهُمْ: خلفهم، وكان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا يعلمون بخبره فأعلم الله الخضر (﵇) بخبره. مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا، أي كل سفينة صالحة، فاكتفى بدلالة الكلام عليه، يدل عليه ما روى سفيان عن عمر بن دينار عن ابن عباس أنه يقرأ (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا) . فخرقها وعيّبها، لئلّا يتعرض لها ذلك الملك، واسمه جلندى وكان كافرا. قال محمد بن إسحاق: وكان اسمه منواه بن جلندى الأردني. وقال شعيب الجبائي اسمه هدد بن بدد.\nوَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا، أي فعلمنا. وفي مصحف أبيّ: (فخاف ربك) أي علم، ونظائره كثيرة. وقال قطرب: معناه فكرهنا، كما تقول: فرّقت بين الرّجلين خشية أن يقتتلا، وليست فيك خشية ولكن كراهة أن يقتتلا. أَنْ يُرْهِقَهُما، أي يهلكهما. وقيل:\nيغشاهما. وقال الكلبي: يكلّفهما طُغْيانًا وَكُفْرًا، قال سعيد بن جبير: خشينا أن يحملهما حبّه على أن يدخلهما معه في دينه.\nفَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنْهُ زَكاةً: صلاحا وإسلاما وَأَقْرَبَ رُحْمًا هو من الرحم والقرابة. وقيل: هو من الرحمة، يقال: رحم ورحم للرحمة، مثل هلك وهلك، وعمر وعمر، قال العجّاج:\nولم تعوّج رحم من تعوّجا «١»\nقال ابن عباس: وَأَقْرَبَ رُحْمًا يعني: وأوصل للرحم وأبرّ بوالديه. قال قتادة: أقرب خيرا، وقال ابن جريج: يعني أرحم به منهما بالمقتول. وقال الفراء: وأقرب أن يرحما له. قال الكلبي: أبدلهما الله جارية، فتزوّجها نبيّ من الأنبياء، فولدت له نبيا فهدى الله ﷿ على يديه أمّة من الأمم.\n[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن أحمد قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن الحرث القاضي عن عبد الوهّاب بن فليح عن ميمون بن عبد الله القدّاح عن] «٢» جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية قال: «أبدلهما جارية فولدت سبعين نبيا» «٣» [٩١] .\nوقال ابن جريج: أبدلهما بغلام مسلم وكان المقتول كافرا وكذلك هو في حرف ابي: (فأما الغلام فكان كافرا، وكان أبواه مؤمنين) . وقال قتادة: قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل، ولو بقي كان فيه هلاكهما، فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ٢٣٢.\n(٢) ليس في النسخة المعتمدة.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٦/ ٣٧٦.","vol":"6","page":187},{"text":"وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ واسمهما أصرم وصريم وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما اختلفوا في ذلك الكنز ما هو، فقال بعضهم: صحف فيها علم مدفونة تحته، وهو قول سعيد ابن جبير. وقال ابن عباس: ما كان الكنز إلّا علما،\nوقال الحسن وجعفر بن محمد: «كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلّبها بأهلها كيف يطمئن إليها. لا إله إلّا الله، محمد رسول الله» «١» .\nوقد روي عن النبي ﷺ هذا القول مرفوعا في بعض الروايات أنه كان مكتوبا في ذلك اللوح تحت ما ذكر هذه الآيات: «يا أيّها المهتم هما لا تهمّه، إنك إن تدركك الحمّى تحمّ [....] «٢» علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جفّ القلم؟!» [٩٢] .\nوقال عكرمة كان ذلك الكنز مالا.\n[أخبرنا أبو بكر الحمشادي: حدثنا أبو الحسن أحمد ابن محمد بن قيدوس الطرائقي عن عثمان بن سعيد عن صفوان بن صالح الثقفي «٣» عن الوليد بن مسلم عن يزيد بن يوسف الصنعاني عن يزيد بن أبي يزيد عن] «٤» مكحول عن [أبي] «٥» الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ في قوله: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، قال: «كان ذهبا وفضّة» «٦» [٩٣] .\nوَكانَ أَبُوهُما صالِحًا، واسمه كاشح، وكان من الأتقياء. ذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح، وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء، وكان سيّاحا.\n[وأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن الحميدي عن] «٧» سفيان عن محمد ابن سوقة عن محمد بن المنكدر قال: إنّ الله ﷿ ليحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده، وعشيرته التي هو فيها، والدويرات حوله، فما يزالون في حفظ الله وستره.\nوعن سعيد بن المسيّب أنه كان إذا رأى ابنه قال: أي بني لأَزيدن صلاتي من أجلك، رجاء أن أحفظ فيك. ويتلو هذه الآية. [وأخبرنا عبد الله بن حامد عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي عن أحمد بن الليث بن الخليل عن عمر بن محمد قال: حدّثني محمد بن الهيثم\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٣٨.\n(٢) بياض في مصوّرة المخطوط.\n(٣) في نسخة أصفهان: الدمشقي. هامش المخطوط.\n(٤) ليس في النسخة المعتمدة.\n(٥) من عرائس المجالس: ١٧٤، وفي المخطوط: أم.\n(٦) زاد المسير: ٥/ ١٢٦.\n(٧) زيادة عن نسخة أصفهان.","vol":"6","page":188},{"text":"ابن عبد الله الضبيعي عن] «١» العباس بن محمد بن عبد الرحمن: حدّثني أبي عن يحيى بن إسماعيل بن مسلمة ابن كهيل قال: كانت لي أخت أسن منّي فاختلطت وذهب عقلها، وتوحّشت، وكانت في غرفة في أقصى سطوحها، فمكثت بذلك بضع عشرة سنة، وكانت مع ذهاب عقلها تحرص على الصلاة والطهور. فبينا أنا نائم ذات ليلة إذ باب بيتي يدق في نصف الليل، فقلت: من هذا؟ قالت: بحّة. قلت: أختي قالت: أختك. فقلت: لبيك. وقمت ففتحت الباب، فدخلت ولا عهد لها بالبيت منذ أكثر من عشر سنين، فقلت لها: يا أخته خيرا؟ قالت:\nخير، أتيت الليلة في منامي، فقيل: السلام عليك يا بحّة، فقلت: وعليك السلام، فقيل: إنّ الله قد حفظ أباك إسماعيل بن سلمة بن كهيل بسلمة جدك، وحفظك بأبيك إسماعيل، فإن شئت دعوت الله لك فأذهب ما بك، وإن شئت صبرت ولك الجنّة، فإن أبا بكر وعمر قد تشفعا لك إلى الله ﷿ بحب أبيك وجدك إيّاهما. فقلت: إن كان لا بدّ من اختيار أحدهما، فالصبر على ما أنا فيه والجنّة، فإن الله ﷿ لواسع لخلقه لا يتعاظمه شيء، إن يشأ يجمعهما لي فعل. قالت: فقيل لي: قد جمعهما الله ﷿ لك ورضي عن أبيك وجدك بحبهما أبا بكر وعمر، قومي فانزلي. قال: فأذهب الله ما بها.\nفَأَرادَ رَبُّكَ يا موسى أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما، أي يدركا شدّتهما وقوّتهما. وقيل: ثماني عشرة سنة، وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما المكنوز تحت الجدار، وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي برأيي ومن تلقاء نفسي، بل فعلت عن أمر الله ﷿. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا و(اسطاع) و(استطاع) بمعنى واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٨٣ الى ٩٨]</span>\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (٨٥) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦) قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا (٨٧)\nوَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا (٨٨) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩) حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا (٩٠) كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٩٢)\nحَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣) قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤) قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦) فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)\nقالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)\n_________\n(١) زيادة من نسخة أصفهان. [.....]","vol":"6","page":189},{"text":"وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا، اختلفوا في نبوّته فقال بعضهم:\nكان نبيا. وقال الآخرون: كان ملكا عادلا صالحا. [أخبرنا أبو منصور الحمشادي: أبو عبد الله محمد بن يوسف عن] «١» وكيع عن العلاء بن عبد الكريم قال: سمعت مجاهدا يقول: ملك الأرض أربعة: مؤمنان، وكافران. فأما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبخت نصّر.\nواختلفوا في سبب تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: سمي بذلك، لأنه ملك الروم وفارس. وقيل: لأنه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل: لأنه رأى في منامه كأنه أخذ بقرني الشمس فكان تأويل رؤياه أنه طاف الشرق والغرب. وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيمن ثمّ دعاهم إلى التوحيد فضربوه على قرنه الأيسر. وقيل: لأنه كان له ذؤابتان حسناوان، والذؤابة تسمى قرنا. وقيل: لأنه كريم الطرفين من أهل بيت شرف من قبل أبيه وأمه.\nوقيل: لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس، وهو حي. وقيل: لأنه إذا كان حارب قاتل بيده وركابه جميعا. وقيل: لأنه أعطي علم الظاهر الباطن. وقيل: لأنه دخل النور والظلمة.\nإِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ أوطأنا له في الأرض فملكها وهديناه طرقها، وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الخلق. وقيل: من كل شيء يستعين به الملوك على فتح المدن ومحاربة الأعداء سَبَبًا علما يتسبّب به إليه. وقال الحسن: بلاغا إلى حيث أراد. وقيل: قربنا إليه أقطار الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان (﵇) .\nفَأَتْبَعَ: سلك وسار. وقرأ أهل الكوفة: (فَأَتْبَعَ) ...، (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الألف وجزم الثاني:\nلحق سَبَبًا، قال ابن عباس: منزلا، وقال مجاهد: طريقا بين المشرق والمغرب، نظير قوله تعالى: لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ يعني الطرق.\nحَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ\nقرأ العبادلة: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، والحسن، وأبو جعفر، وابن عامر وأيوب، وأهل الكوفة: (حامية) بالألف، أي حارة.\nويدل عليه ما\n[أخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون عن سفيان بن الحسين عن الحكم ابن عيينة عن] «٢» إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: كنت ردف النّبي ﷺ فقال: «يا أبا ذر أين تغرب هذه؟» . قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنها تغرب في عين حامية» «٣» [٩٤] .\n_________\n(١) في النسخة المعتمدة بدلها: روى.\n(٢) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: ما روى.\n(٣) سنن أبي داود: ٢/ ٢٤٩.","vol":"6","page":190},{"text":"وقال عبد الله بن عمرو: نظر رسول الله ﷺ إلى الشمس حين غابت فقال: «في نار الله الحامية، في نار الله الحامية فلولا ما يزعمها من أمر الله ﷿ لأحرقت ما على الأرض» «١»\n[٩٥] .\nوقرأ الباقون: حَمِئَةٍ مهموزة بغير ألف، يعني: ذات حمأة، وهي الطينة السوداء. يدل عليه ما\nروى سعد بن أوس عن مصرع بن يحيى عن ابن عباس قال: أقرأنيها أبيّ بن كعب كما أقرأه رسول الله ﷺ: تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ\n«٢» وقال كعب: أجدها في التوراة: (في عين سوداء)، فوافق ابن عباس. أبو أسامة عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أبا حاضر أو ابن حاضر- رجل من الأزد- يقول: سمعت ابن عباس يقول: إنّي لجالس عند معاوية إذ قرأ هذه الآية:\n(وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: ما نقرؤها إلّا حَمِئَةٍ. فقال معاوية لعبد الله بن عمر:\nوكيف تقرؤها؟ قال: كما قرأتها يا أمير المؤمنين. قال ابن عباس: فقلت: في بيتي نزل القرآن.\nفأرسل معاوية إلى كعب، فجاءه فقال: أين تجد الشمس تغرب في التوراة يا كعب؟ قال: أما العربية فأنتم أعلم بها، وأما الشمس فإنّي أجدها في التوراة تغرب في ماء وطين. قال: فقلت لابن عباس: لو كنت عندكما لانشدت كلاما تزداد به نصرة في قولك: حَمِئَةٍ. قال ابن عباس: فإذن ما هو؟ فقلت: قول تبع:\nقد كان ذو القرنين قبلي مسلما ... ملكا تدين له الملوك وتسجد\nبلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد\nفرأى معاد الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثأط حرمد «٣»\nقال: فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم. قال: فما الثأط؟ قلت:\nالحمأة. قال: وما الحرمد؟ قلت: الأسود. قال: فدعا رجلا أو غلاما، فقال: اكتب ما يقول هذا. وقال أبو العالية: بلغني أن الشمس في عين، تقذفها العين إلى المشرق.\nوَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا، يعني ناسا قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا، أي تعفو وتصفح. وقيل: تأسرهم فتعلّمهم وتبصّرهم الرّشاد.\nقالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ، أي كفر فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ: نقتله ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ في الآخرة فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا: منكرا. وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى، قرأ أهل\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٦/ ١٧.\n(٢) سنن أبي داود: ٢/ ٢٤٦.\n(٣) تفسير القرطبي: ١١/ ٤٩، وفيه: مغيب، بدل: معاد.","vol":"6","page":191},{"text":"الكوفة جَزاءً نصبا منوّنا على معنى: فله الحسنى جزاء نصب على المصدر، وقرأ الباقون بالرفع على الإضافة. ولها وجهان: أحدهما أن يكون المراد بالحسنى: الأعمال الصالحة، والوجه الثاني أن يكون معنى الحسنى: الجنّة، فأضيف الجزاء إليهما كما قال: وَلَدارُ الْآخِرَةِ «١» والدار هي الآخرة: وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ «٢» .\nوَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْرًا أي نلين له القول، ونهوّن له الأمر. وقال مجاهد: يُسْرًا أي معروفا.\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا، أي سلك طريقا ومنازل حَتَّى إِذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِها سِتْرًا، قال قتادة: لم يكن بينهم وبين الشمس ستر وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليهم بناء، وأنهم كانوا في شرب لهم، حتّى إذا زالت الشمس عنهم، خرجوا إلى معايشهم وحروثهم. وقال الحسن: كانت أرضهم أرضا لا تحتمل البناء، وكانوا إذا طلعت عليهم الشمس تهوّروا في الماء، فإذا ارتفعت عليهم خرجوا فتراعوا كما تراعى البهائم.\nوقال ابن جريج: جاءهم جيش مرّة فقال لهم أهلها: لا تطلع عليكم الشمس وأنتم بها، فقالوا:\nما نبرح حتّى تطلع الشمس. وقالوا: ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا. قال: فذهبوا هاربين في الأرض. قال قتادة: ويقال: إنهم الزنج. وقال الكلبي: هم تاريس وتاويل ومنسك عراة حفاة عماة عن الحق، قال: وحدثنا عمرو بن مالك بن أميّة قال: وجدت رجلا بسمرقند يحدّث الناس وهم مجتمعون حوله، فسألت بعض من سمع حديثه فأخبرني أنّه حدّثهم عن القوم الذين تطلع عليهم الشمس قال: خرجت حتّى جاوزت الصين ثمّ سألت عنهم فقيل لي: إن بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة. فاستأجرت رجلا فسرت بقية عشيتي وليلتي حتّى صبحتهم، فإذا أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى قال: وكان صاحبي يحسن لسانهم فسألهم وقال: جئنا ننظر كيف تطلع الشمس. قال: فبينا نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغشي عليّ فوقعت فأفقت، وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء إذا هي على الماء كهيئة الزيت وإذا طرف السماء كهيئة الفسطاط، فلمّا ارتفعت أدخلوني سربالهم أنا وصاحبي، فلمّا ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السّمك فيطرحونه في الشمس فينضج.\nقوله تعالى: كَذلِكَ اختلفوا فيه، فقال بعضهم: يعني كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها. وقيل: أَتْبَعَ سَبَبًا كما أتبع سببا. وقيل: كما وجد [القبيلتين] «٣» عند مغرب الشمس\n_________\n(١) سورة يوسف: ١٠٩.\n(٢) سورة البينة: ٥.\n(٣) كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.","vol":"6","page":192},{"text":"وحكم فيهم، كذلك وجد عند مطلع الشمس فحكم فيهم بحكم أولئك. وقيل: إنّ الله ﷿ لمّا قصّ عليه خبره قال: كَذلِكَ أي كذلك أمرهم والخبر عنهم كما قصصنا عليك، ثمّ استأنف وقال: وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ، يعني عنده ومعه من الملك والجيوش والآلات خُبْرًا: علما.\nثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا. حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ بفتح السّين، ابن كثير وأبو عمرو وعاصم.\nالباقون بالضم. قال الكسائي: هما لغتان، وهما جبلان سدّ ذو القرنين ما بينهما حاجزا بين يأجوج ومأجوج ومن ورائهم. قال عكرمة: ما كان صنعة بني آدم فهو سدّ- بفتح السين- وما كان من صنع الله ﷿ فهو السّد، بالضم. قال ابن عباس: السدان أرمينية وآذربيجان. وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا قرأ الأعمش ويحيى بن وثّاب وحمزة والكسائي يُفْقِهُونَ بضم الياء، وكسر القاف على معنى (يفهمون) غيرهم، وقرأ الباقون: يَفْقَهُونَ بفتح الياء والقاف، أي ويعلمون ويفقهون قولا.\nقالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قيل: كلّمه عنهم قوم آخرون مترجمة، وبيان ذلك في قراءة ابن مسعود: (لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا، قال الذين من دونهم يا ذا القرنين) . وقيل: معناه: لا يكادون يفقهون خيرا من شر، ولا ضلالا من هدى، إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قرأهما عاصم والأعرج مهموزين، الباقون بغير همزة. وهما لغتان. قالوا: وأصله من (أجيج النّار)، وهو ضوؤها وشررها، شبّهوا به في كثرتهم وشدّتهم. قال وهب بن منبه ومقاتل بن سليمان: هو من ولد يافث ابن نوح، وقال الضحّاك: هم جيل من الترك. وقال كعب: هم نادرة من ولد آدم من غير حوّاء، وذلك أنّ آدم (﵇) قال «١» ذات يوم فاحتلم، وامتزجت نطفته في التراب، فلما انتبه أسف على ذلك الماء الذي خرج منه، فخلق الله تعالى من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، وهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم.\nوقوله تعالى: مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ، قال سعيد بن عبد العزيز: فسادهم في الأرض أنهم كانوا يأكلون الناس. قال الكلبي: كانوا يخرجون إلى أرضهم أيّام الربيع فلا يدعون فيها شيئا أخضر إلّا أكلوه، ولا شيئا يابسا إلّا احتملوه فأدخلوه أرضهم، وقد لقوا منهم أذى شديدا وقتلا. وقيل: معناه: أنهم سيفسدون في الأرض عند خروجهم.\n[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن عبد الله بن المبارك عن إبراهيم بن عبد الله النسوي: محمد بن المصفي: يحيى بن سعيد عن محمد بن إسحاق عن] «٢» الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: سألت النّبي ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فقال: «يأجوج أمّة ومأجوج أمّة، كل أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل\n_________\n(١) أي أصاب قيلولة النهار.\n(٢) زيادة عن نسخة اخرى، وفي النسخة المعتمدة بدله: روى.","vol":"6","page":193},{"text":"منهم حتّى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلّهم قد حمل السلاح» . قيل: يا رسول الله صفهم لنا.\nقال: «هم ثلاثة أصناف: صنف منهم أمثال الأرز» قيل: يا رسول الله، وما الأرز؟ قال: «شجرة بالشام طول الشجر عشرون ومائة ذراع في السماء، وصنف منهم عرضه وطوله سواء عشرون ومائة ذراع، وصنف منهم يفرش أذنه ويلتحف بالأخرى، لا يمرّون بفيل ولا وحش ولا خنزير إلّا أكلوه ومن مات منهم أكلوه. مقدّمهم بالشام وساقتهم بخراسان، ويشربون أنهار المشرق وبحيرة الطبرية» [٩٦] «١» .\nقال وهب بن منبه: كان ذو القرنين رجلا من الروم، ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر، فلمّا بلغ وكان عبدا صالحا، قال الله تعالى: «يا ذا القرنين إني باعثك إلى أمم الأرض، وهي «٢» أمم مختلفة ألسنتهم، وهم جميع أهل الأرض «٣»، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلّه وأمم وسط الأرض منهم الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج. وأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمّة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأمّا الأخرى فعند مطلعها يقال لها منسك، وأمّا اللتان بينهما عرض الأرض فأمّة في قطر الأرض الأيمن يقال لها: هاويل، والأخرى في قطر الأرض الأيسر يقال لها: تاويل» . فلمّا قال الله تعالى له ذلك، قال ذو القرنين. «يا إلهي إنّك قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلّا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي بعثتني إليها بأي قوّة أكابرهم؟ وبأي جمع وبأي حيلة أكاثرهم؟ وبأي صبر أواسيهم؟ وبأي لسان أناطقهم؟ وكيف لي بأن أفقه لغاتهم؟ وبأي سمع أسمع أقوالهم؟ وبأي بصر أنقدهم؟ وبأي حجة أخاصمهم؟ وبأي عقل أعقل عنهم؟ وبأي حكمة أدبر أمرهم؟ وبأي قسط أعدل بينهم؟ وبأي حلم أصابرهم؟ وبأي معرفة أفصل بينهم؟ وبأي علم أتقن أمورهم؟ وبأي يد أسطو عليهم؟ وبأي رجل أطؤهم؟ وبأي طاقة أحصيهم؟ وبأي جند أقاتلهم؟ وبأي رفق أتألّفهم؟ وليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقوم بهم ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرؤوف الرحيم لا تكلّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها، ولا تحملها إلّا طاقتها، ولا تشقيها بل أنت ترحمها» . قال الله تعالى: «إنّي سأطوقك ما حمّلتك: أشرح لك صدرك فتسمع كل شيء، وأشرح لك فهمك فتفهم كلّ شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكلّ شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كلّ شيء، وأمدّ لك بصرك فتنقد كلّ شيء، وأحصي لك فلا يفوتك شيء، وأشدّ لك عضدك فلا يهولك شيء، وأشدّ لك ركنك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يفزعك شيء، وأحفظ عليك فلا يعزب عنك شيء، وأبسط لك من بين يديك فتسطو فوق كلّ شيء، وأشدّ لك وطأتك فتهدّ كلّ شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٨/ ٦ بتفاوت يسير.\n(٢) في المصدر: هم، بدل: هي.\n(٣) في المصدر: [وهم أصناف: امتان بينهما طول الأرض كله]، بدل: [وهم جميع أهل الأرض] . [.....]","vol":"6","page":194},{"text":"شيء، وأسخّر لك النور والظّلمة فأجعلهما جندا من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك» [٩٧] «١» .\nفلمّا قيل له ذلك انطلق يؤمّ الأمم التي عند مغرب الشمس فلما بلغهم وجد جمعا وعددا لا يحصيهم إلّا الله ﷿، وقوّة وبأسا لا يطيقهم إلّا الله، وألسنة مختلفة، وأهواء متشتتة، فلمّا رأى ذلك كابرهم بالظلمة، فضرب حولهم ثلاثة عساكر منها فأحاط بهم في كلّ مكان حتّى جمعتهم في مكان واحد ثمّ أخذ عليهم بالنّور فدعاهم إلى الله ﷿ وعبادته فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ...\nوَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ، فعمد إلى الذين تولّوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وآذانهم وأنوفهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم، وغشيهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كلّ جانب فماجوا فيه وتحيّروا، فلمّا أشفقوا أن يهلكوا فيها عجّوا إليه بصوت واحد، فكشفها عنهم، وأخذهم عنوة، فدخلوا في دعوته، فجنّد من أهل المغرب أمما عظيمة، فجعلهم جندا واحدا.\nثمّ انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم وتحرسهم من خلفهم، والنور أمامهم يقودهم ويدلّه، وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل، وسخّر الله ﷿ له يده وقلبه وعقله ورأيه ونظره فلا يخطئ إذا عمل عملا.\nفانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه، فإذا انتهى إلى بحر أو مخاصة بنى سفنا من ألواح صغار أمثال البغال، فنظمها في ساعة ثمّ حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم والجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها، ثمّ دفع إلى كل رجل منهم لوحا فلا يثقله حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتّى انتهى إلى هاويل فعمل فيه كفعله في ناسك. فلمّا خرج منها مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتّى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجنّد منها جنودا كفعله في الأمتين اللتين قبلها.\nثمّ كرّ مقبلا حتى أخذ ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تاويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل، وهما متقابلتان بينهما عرض الأرض كلّه- فلمّا بلغها عمل فيها وجنّد منها كعمله فيما قبلها.\nفلمّا فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجنّ والإنس ويأجوج ومأجوج، فلما كان في بعض الطريق ممّا يلي منقطع الترك نحو المشرق قالت له أمّة صالحة من الإنس: يا ذا القرنين إنّ بين هذين الجبلين خلقا من خلق الله تعالى ليس فيهم مشابه الإنس، وفيهم أشباه البهائم يأكلون العشب ويفترسون الدّواب والوحش كما يفترسها السّباع، ويأكلون [حشرات] «٢» الأرض كلها من الحيات والبهائم والعقارب وكلّ ذي روح ممّا خلق الله، فليس\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٥١، ودلائل النبوة: ٢١٨ بتفاوت واختلاف وزيادة هنا.\n(٢) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: فسدة.","vol":"6","page":195},{"text":"لله تعالى خلق ينمي نماهم في العالم الواحد ولا يزدادون كزيادتهم. فإن أتت مدّة على ما ترى من زيادتهم ونمائهم فلا شك أنهم سيملؤون الأرض ويجلون أهلها منها ويظهرون عليها فيفسدون فيها. وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم إلّا ونحن نتوقعهم أن يطلع علينا أوّلهم من بين هذين الجبلين، فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا. قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا: أعدّوا لي الصخور والحديد والنحاس حتّى أرتاد بلادهم، وأعلم علمهم، وأقيس ما بين جبليهم.\nثمّ انطلق يؤمّهم حتّى دفع إليهم وتوسط بلادهم فوجدهم على مقدار واحد، ذكرهم وأنثاهم، يبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرّجل المربوع منّا.\nقال علي بن أبي طالب: «منهم من طوله شبر ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في [موضع] «١» الأظفار من بين أيدينا وأنياب وأضراس كأضراس السّباع وأنيابها يسمع لها حركة إذا أكلوا كحركة الجرّة من الإبل وكقضم البغل المسن أو الفرس القوي، ولهم هلب من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتّقون به من الحر والبرد إذا أصابهم. ولكلّ واحد منهم أذنان عظيمتان أحدهما وبرة والأخرى زغبة يلتحف إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى وليس منهم ذكر ولا أنثى إلّا وقد عرف أجله الذي يموت فيه، ومنقطع عمره وذلك أنه لا يموت ميّت من ذكورهم حتّى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت أنثى حتّى يخرج من رحمها ألف ولد. فإذا كان ذلك أيقن الموت. وهم يرزقون السينان «٢» أيام الربيع كما يستمطر الغيث لحينه فيقذفون منه كلّ سنّة واحدا فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من القابل فيعمهم على كثرتهم، وهم يتداعون تداعي الحمام، ويعوون عواء الذئاب، ويتسافدون تسافد البهائم حيث التقوا» «٣» .\nفلمّا عاين منهم ذلك ذو القرنين انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما، وهو في منقطع أرض الترك ممّا يلي مشرق الشمس فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلمّا أنشأ في عمله حفر له الأساس حتّى بلغ الماء، ثمّ جعل عرضه خمسين فرسخا. وجعل حشوه الصخر، وطينه النحاس يذاب ثمّ يصب عليه فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض ثمّ علّاه وشرّفه بزبر الحديد والنحاس المذاب وجعل خلاله عرقا من نحاس أصفر، فصار كأنه برد محبّر من صفرة النحاس وحمرته في سواد الحديد.\nفلما فرغ منه وأحكمه انطلق عامدا إلى جماعة الإنس، فبينا هو يسير إذ دفع إلى أمّة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة مقتصدة يقيمون بالسّوية، ويحكمون بالعدل\n_________\n(١) من المصدر.\n(٢) كذا في المخطوط، وفي المصدر: التنين.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٦/ ٢٦ بتفاوت، ولم ينسبه لأمير المؤمنين (﵇) .","vol":"6","page":196},{"text":"ويتراحمون، حالتهم واحدة وكلمتهم واحدة، وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة، وقلوبهم متآلفة، وسيرتهم مستوية، وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب، وليس عليهم أمراء، وليس بينهم قضاة، ولا بينهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يختلفون ولا يتفاضلون، ولا يتنازعون، ولا يستبّون «١»، ولا يقتلون، ولا يضحكون، ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب النّاس، وهم أطول الناس أعمارا، وليس فيهم مسكين ولا فقير، ولا فظ ولا غليظ.\nفلما رأى ذلك من أمرهم عجب وقال: «أخبروني أيّها القوم خبركم، فإنّي قد أحصيت الأرض كلّها برّها وبحرها، وشرقها وغربها، فلم أر أحدا مثلكم، فخبروني خبركم» . قالوا نعم: فسلنا عمّا تريد. قال: «خبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟» . قالوا: عمدا فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت، ولا يخرج ذكره من قلوبنا.\nقال: «فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟» . قالوا: ليس فينا متّهم، وليس فينا إلّا أمين مؤتمن.\nقال: «فما بالكم ليس عليكم أمير؟» . قالوا: لا حاجة لنا إلى ذلك.\nقال: «فما بالكم ليس فيكم حكّام؟» . قالوا: لا نختصم.\nقال: «فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟» . قالوا: لا نتكاثر.\nقال: «فما بالكم ليس فيكم ملوك؟» . قالوا: لا نفتخر.\nقال: «فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟» . قالوا: من ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.\nقال: «فما بالكم لا تقتتلون؟» . قالوا: من أجل أنّا شبنا أنفسنا بالأحلام «٢» .\nقال: «فما بال كلمتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟» . قالوا: من قبل أنا لا نتكاثر، ولا نتخادع، ولا يغتال بعضنا بعضا.\nقال: «فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم، واعتدلت سيرتكم؟» . قالوا: صحت صدورنا فنزع بذلك الغل والحسد من قلوبنا.\nقال: «فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟» . قالوا: من أجل أنا نقسم بالسوية.\nقال: «فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟» . قالوا: من قبل الذل والتواضع.\nقال: «فما جعلكم أطول النّاس أعمارا؟» . قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحقّ، ونحكم بالعدل.\n_________\n(١) أي يسب بعضهم بعضا.\n(٢) أي العقول.","vol":"6","page":197},{"text":"قال: «فما بالكم لا تضحكون؟» . قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.\nقال: «فما بالكم لا تحزنون ولا تحردون؟» . قالوا: من قبل أنّا وطّنّا أنفسنا للبلاء مذ كنّا، وأحببناه وحرصنا عليه.\nقال: «فما بالكم لا يصيبكم الآفات كما يصيب النّاس؟» . قالوا: لأنّا لا نتوكل على غير الله، ولا نعمل الأنواء والنجوم.\nقال: «وهكذا وجدتم آباءكم يفعلون؟» . قالوا: نعم: وجدنا آباءنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم، ويعفون عمّن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون عمّن جهل عليهم، ويصلون أرحامهم، ويؤدون أمانتهم، ويحفظون وقت صلاتهم، ويوفون بعهدهم، ويصدقون في مواعيدهم، فأصلح الله ﷿ بذلك أمرهم، وحفظهم ما كانوا أحياء. وكان حقا على الله أن يخلفهم في ذريتهم.\nوروى قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة أن النّبي ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج يحفرونه كلّ يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فتحفرونه غدا. فيعيده الله ﷿ كأشدّ ما كان. حتّى إذا بلغت مدتهم حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه إن شاء الله غدا، فيعود إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه فيخرجون على النّاس فيتبعون المياه، ويتحصن النّاس في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء فيرجع فيها كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء. فيبعث الله ﷿ نغفا «١» عليهم في أقفائهم فيقتلونهم» . قال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده إنّ دواب الأرض لتسمن وتسكر سكرا من لحومهم» [٩٨] «٢» .\nوروى محمود بن قتادة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون كما قال الله ﷿: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ «٣» فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى حصونهم ومدائنهم حتى إن أولهم يمرون بالنهر من أنهار الأرض»\nقال أبو الهيثم: الدجلة «فيشربون حتى يصير يابسة، فيمر به الذين من بعدهم فيقولون: لقد كان بهذا المكان ماء مرّة، حتى إذا ظهروا على أهل الأرض قالوا: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، وبقي أهل السماء» .\nقال ﷺ: «فيهزّ أحدهم حربته ثمّ يقذفها إلى السماء فترجع إليه مختضبة دما للفتنة. فبينا\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: دودا. (هامش المخطوط) .\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٥١٠ بتفاوت يسير، وجامع البيان للطبري: ١٦/ ٢٨.\n(٣) سورة الأنبياء: ٩٦.","vol":"6","page":198},{"text":"هم كذلك إذ يبعث الله ﷿ عليهم دودا كنغف الجراد فيموتون موت الجراد، فيصبح المسلمون لا يسمعون لهم حسا، فيقولون: هل من رجل يشتري لنا نفسه فينظر ما فعل هؤلاء القوم؟ فينزل رجل منهم قد أيقن أنه مقتول، فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي أصحابه:\nأبشروا، فقد كفاكم الله ﷿ عدوّكم. فيخرج المسلمون فيرسلون مواشيهم فيهم فما يكون لها رعى غير لحومهم وتكثر عليه كأحسن ما تكثر على شيء من النبات أصابته قط» «١» [٩٩] .\nقال وهب: إنهم كانوا يأتون البحر فيشربون ماءها، ويأكلون دوابّها، ثمّ يأكلون الخشب والشجر ومن ظفروا به من النّاس، ولا يقدرون أن يأتوا مكّة ولا المدينة ولا بيت المقدس.\nفي قوله تعالى: فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا قرأ أهل الكوفة: (خراجا) بالألف. الباقون بغير ألف، وهما لغتان، بمعنى واحد. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخرج: ما تبرّعت به، والخراج:\nما لزمك أداؤه. عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا: حاجزا فلا يصلون إلينا؟ قالَ لهم ذو القرنين: ما مَكَّنِّي على الإدغام. وقرأ أهل مكة: (ما مكنني) بنونين بالإظهار فِيهِ رَبِّي وقوّاني عليه خَيْرٌ، ولكن أعينوني بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا: حاجزا كالحائط والسدّ.\nقالوا: وما تلك القوّة؟ قال: «فعلة وصنّاع يحسنون البناء والعمل والآلة» [١٠٠] . قالوا: وما تلك الآلة؟ قال: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ يعني: أعطوني قطع الحديد، واحدتها زبرة، فأتوه بها، فبناه حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وروى مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح قال: بلغنا أنه وضع الحطب بين الجبلين، ثمّ نسج عليه الحديد، ثمّ نسج الحطب على الحديد، فلم يزل يجعل الحطب على الحديد والحديد على الحطب حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ، وهما الجبلان- بضمّ الصاد والدال، وفتحهما- وأمر بالنّار فأرسلت فيه، ثمّ قالَ انْفُخُوا، ثمّ جعل يفرغ القطر عليه، فذلك قوله تعالى: آتُونِي أُفْرِغْ: أصب عَلَيْهِ قِطْرًا، وهو النحاس المذاب. قال: فجعلت النّار تأكل الحطب ويصب النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس.\nفَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ ويعلوه من فوقه، وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا من أسفله.\nقال قتادة ذكر لنا أن رجلا قال: يا نبيّ الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج. قال: «انعته لي» . قال:\nكالبرد المحبّر طريقة سوداء وطريقة حمراء. قال: «قد رأيته» [١٠١] .\nقالَ ذو القرنين لمّا فرغ من بنائه يعني هذا السّد: هذا السّد رَحْمَةٌ: نعمة مِنْ رَبِّي فلذلك لم يقل: هذه. فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ ملتزقة مستوية بالأرض من قولهم: ناقة دكّاء أي مستوية الظهر لا سنام لها. ومن قرأ: (دكّا) بلا مدّ فمعناه: مدكوك يومئذ، وَكانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا.\n_________\n(١) كنز العمال: ١٤/ ٣٤٠ ح ٣٨٨٧١، وجامع البيان للطبري: ١٦/ ٢٨ بتفاوت يسير.","vol":"6","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-480>[سورة الكهف (١٨): الآيات ٩٩ الى ١١٠]</span>\nوَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا (٩٩) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١) أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ إِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢) قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا (١٠٣)\nالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا (١٠٨)\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)\nوَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ، يعني الخلق يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ: يدخل فِي بَعْضٍ ويختلط إنسهم بجنّهم حيارى، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعًا في صعيد واحد، وَعَرَضْنا: وأبرزنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، يعني يوم القيامة لِلْكافِرِينَ عَرْضًا.\nثمّ وصفهم فقال: الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ: غشاوة وغفلة عَنْ ذِكْرِي، يعني:\nالإيمان والقرآن وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، أي لا يطيقون أن يسمعوا كتاب الله ﷿ ويتدبّروه ويؤمنوا به لغلبة الشقاء عليهم. وقيل: لعداوتهم النبي ﷺ.\nأَفَحَسِبَ: أفظنّ.\nوقرأ عكرمة ومجاهد وعلي: (أَفَحَسْبُ)، أي كفاهم ذلك\nالَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي، يعني عيسى والملائكة مِنْ دُونِي أَوْلِياءَ؟ كلّا بل هم لهم أعداء ويتبرؤون منهم. قال ابن عباس: يعني: الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله. وقال مقاتل: يعني: الأصنام، وسمّاهم عبادا كما قال في موضع آخر: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ «١» .\nإِنَّا أَعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا. قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا يعني الذين أتعبوا أنفسهم في عمل يبتغون به ربحا، فنالوا به هلاكا وعطبا، ولم يدركوا ما طلبوا، كالمشتري سلعة يرجو بها فضلا وربحا، فخاب رجاؤه وخسر بيعه. واختلفوا في الذين عنوا بذلك\nفقال علي بن أبي طالب: «هم الرهبان والقسوس «٢» الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع» «٣» [١٠٢] .\nوقال سعد بن أبي وقّاص وابن عباس: هم اليهود والنصارى، نظيره: عامِلَةٌ ناصِبَةٌ\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٩٤.\n(٢) ليست في المصدر.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٦/ ٤١. [.....]","vol":"6","page":200},{"text":"تَصْلى نارًا حامِيَةً «١» .\nوروى سفيان عن سلمة بن كهيل عن أبي الطفيل قال: سأل عبد الله بن الكوّا عليا عن قوله: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا، قال: «أنتم يا أهل حروراء» «٢» [١٠٣] .\nالَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا، أي يظنون أنهم بفعلهم مطيعون محسنون أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ: بطلت وذهبت أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا، قال أبو سعيد الخدري: يأتي أناس بأعمال يوم القيامة هي في العظم عندهم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئا، فذلك قوله: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا.\n[حدثنا القاضي أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب إملاء: أبو بكر أحمد بن إسحاق ابن أيّوب عن محمد بن إبراهيم: يحيى بن بكير بن المغيرة عن أبي الزياد عن] «٣» الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة فلا يزن جناح بعوضة، اقرءوا: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا» «٤» .\n[أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان عن عبد الرحمن بن بشر عن مروان ابن معاوية عن] «٥» المغيرة بن مسلم عن سعيد بن عمرو بن عثمان قال: سمعت عثمان بن عفّان (﵁) يقول: الربا سبعون بابا أهونهن مثل نكاح الرجل أمه. قال: وأربى الربى عرض أخيك المسلم تشتمه. قال: ويؤتى يوم القيامة بالعظيم الطويل الأكول الشروب الذي يشرب الظرف في المجلس فيوزن فلا يعدل جناح بعوضة، خاب ذلك وخسر، ثمّ تلا هذه الآية: فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا.\nذلِكَ جَزاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آياتِي وَرُسُلِي هُزُوًا، يعني سخرية.\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا اختلفوا في الفردوس،\nفقال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين كما بين السماء والأرض. أعلاها الفردوس، ومنها تفجر أنهار الجنة، وفوقها عرش الرحمن فسلوه الفردوس» «٦»\n[١٠٤] .\n[وأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن مسلم بن الحجاج عن نصر بن علي\n_________\n(١) سورة الغاشية: ٣- ٤.\n(٢) كنز العمال: ٢/ ٤٤٤ ح ٤٤٥٤.\n(٣) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.\n(٤) صحيح البخاري: ٥/ ٢٣٦.\n(٥) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.\n(٦) جامع البيان للطبري: ١٦/ ٤٧.","vol":"6","page":201},{"text":"وإسحاق بن إبراهيم وأبي غسان- واللفظ له- قالوا: قال أبو عبد الصمد: قال] «١» عمران الجويني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبيّ ﷺ قال: «جنّات الفردوس أربع:\nجنتان من ذهب أبنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضّة أبنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلّا رداء الكبرياء على وجهه» [١٠٥] «٢» .\nوقال شهر: خلق الله جنّة الفردوس بيده فهو يفتحها في كل يوم خميس فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وأرفعها. وقال أبو أمامة: الفردوس سرة الجنّة. وقال كعب: ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. وقال مجاهد: هو البستان بالرومية. وقال كعب: هو البستان فيه الأعناب. وقال الضحاك: هي الجنّة الملتفة الأشجار. وقيل: هي الروضة المستحسنة. وقيل: هي الأودية التي تنبت ضروبا من النبات، وجمعها فراديس: وقال أمية:\nكانت منازلهم إذ ذاك ظاهرة ... فيها الفراديس والفومان والبصل «٣»\nخالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي يطلبون عنها تحولا إلى غيرها، وهو مصدر مثل الصعر والعوج. قال مخلد بن الحسين: سمعت بعض أصحاب أنس قال: يقول أولهم دخولا:\nإنما أدخلني الله أولهم لأنه ليس أحد أفضل منّي. ويقول آخرهم دخولا: إنما أخّرني الله، لأنه ليس أحد أعطاه مثل الذي أعطاني.\nقُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي الآية،\nقال ابن عباس: قالت اليهود: يا محمد تزعم أنا قد أوتينا الحكمة، وفي كتابك: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا «٤» ثمّ يقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا «٥» فكيف يكون هذا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ أي ماؤه قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي حكمه وعجائبه.\nوقرأ أهل الكوفة (قبل أن ينفد) بالياء لتقدم الفعل، وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا: عونا وزيادة. وفي مصحف أبي: (ولو جئنا بمثله مدادا) ونظيرها قوله ﷿ وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ «٦» الآية.\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ\nقال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، وذلك أنه\n_________\n(١) زيادة عن نسخة أصفهان، وفي النسخة المعتمدة بدلها: وروى.\n(٢) سنن الدارمي: ٢/ ٣٣٣.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٦/ ٤٦، ولسان العرب: ١٢/ ٤٦٠ وفيه: لهم جنة، بدل: منازلهم.\n(٤) سورة البقرة: ٢٦٩.\n(٥) سورة الإسراء: ٨٥.\n(٦) سورة لقمان: ٢٧.","vol":"6","page":202},{"text":"قال للنّبي ﷺ إنّي أعمل لله، فإذا اطّلع عليه سرّني. فقال رسول الله ﷺ: «إن الله تعالى طيّب لا يقبل إلّا الطيب ولا يقبل ما شورك فيه» «١» [١٠٦]، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال أنس: قال رجل: يا نبي الله، إنّي أحب الجهاد في سبيل الله، وأحبّ أن يرى مكاني، فأنزل الله: قُلْ يا محمد: إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ: خلق آدمي مثلكم.\nقال ابن عباس: علّم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه، يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ: المصير إليه. وقيل: معناه يأمل رؤية ربّه، فالرجاء يتضمّن معنيين: الخوف والأمل، قال الشاعر:\nفلا كل ما ترجو من الخير كائن ... ولا كل ما ترجو من الشر واقع «٢»\nفجمع المعنيين في بيت واحد.\nفَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا: خالصا وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا، أي ولا يراء. قال شهر ابن حوشب: جاء رجل إلى عبادة بن الصامت، فقال: أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ﷿ ويحب أن يحمد عليه، ويصوم يبتغي وجه الله ﷿ ويحب أن يحمد، ويتصدّق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه، ويحجّ يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد عليه؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله ﷿ يقول: «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك فهو له كله ولا حاجة لي منه» [١٠٧] .\n[أخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عبد الله الجوهري عن حامد بن شعيب البجلي عن شريح بن يونس عن إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟\nقال: «الرياء يوم يجازي الله النّاس بأعمالهم» [١٠٨] «٣» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن مكّي بن عبدان عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن عن] «٤» سفيان عن سلمة قال: سمعت جندبا قال: قال رسول الله ﷺ: «من سمّع سمّع الله به، ومن يراء يراء الله به» «٥» [١٠٩] .\nوروى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: «اتقوا الشرك الأصغر» . قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: «الرياء يوم يجازي الله الناس بأعمالهم» [١١٠] «٦» .\n_________\n(١) زاد المسير: ٥/ ١٤١، وأسباب نزول الآيات: ٢٠٢ وفيهما: ما روئي فيه، بدل: ما شورك فيه.\n(٢) مجمع البيان: ٦/ ٣٩٦. [.....]\n(٣) الدر المنثور: ٤/ ٢٥٧.\n(٤) زيادة عن نسخة أصفهان.\n(٥) مسند أحمد بن حنبل: ٥/ ٤٥، وفيه: رأيا، بدل: يراء، في الموضعين.\n(٦) الدر المنثور: ٤/ ٢٥٧.","vol":"6","page":203},{"text":"وقال رسول الله ﷺ لمّا نزلت هذه الآية: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفيّ، وإيّاكم وشرك السرائر فإن الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا في الليلة الظلماء.\nومن صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدّق يرائي فقد أشرك» .\nقال: فشقّ ذلك على القوم، فقال رسول الله: «أولا أدلّكم على ما يذهب عنكم صغير الشرك وكبيرة؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: قولوا: «اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» [١١١] «١» .\nوقال عمرو بن قيس الكندي: سمعت معاوية بن أبي سفيان على المنبر تلا هذه الآية، فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ الآية، فقال: إنها آخر آية نزلت من القرآن.\nوروى سعيد بن المسيب عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «أوحي إليّ أن من قرأ: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ- الآية- رفع له نور ما بين عدن أبين إلى مكة حشوه الملائكة» «٢» [١١٢] .\n[وأخبرني محمد بن القاسم عن محمد بن زيد قال: أبو يحيى البزاز عن أحمد بن يوسف عن محمد بن العلا عن زياد بن قايد «٣» عن] «٤» سهل بن معاذ عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من قرأ أول سورة الكهف وآخرها كانت له نورا من قرنه إلى قدمه، ومن قرأها كلّها كانت له نورا من الأرض إلى السماء» [١١٣] «٥» .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٢/ ٥١٣.\n(٢) مجمع الزوائد: ١٠/ ١٢٦.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) زيادة عن نسخة أصفهان.\n(٥) تفسير القرطبي: ١١/ ٧٢، وفي مجمع الزوائد: ٧/ ٥٢ بتفاوت يسير.","vol":"6","page":204},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-481>سورة مريم</span>\nمريم مكيّة كلّها، وهي ثمان وتسعون آية، تسع تسعون حجازي، وسبعمائة واثنتان وستّون كلمة، وثلاثة ألاف وثمانمائة حرف وحرفان\nأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة، قال أبو بكر أحمد بن إبراهيم وأبو الشيخ عبد الله بن محمد قالا: قال أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، عن أحمد بن يونس اليربوعي، عن سلام بن سليم المدائني، عن عمرو بن كثير، عن يزيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر حسنات بعدد من صدّق بزكريّا وكذب به، ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات، وبعدد من دعا لله ولدا، وبعدد من لم يدع له ولدا» [١١٤] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>[سورة مريم (١٩): الآيات ١ الى ١٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nكهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا (٣) قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)\nوَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦) يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)\nقالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا (١٠) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)\nوَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)\nقوله ﷿ كهيعص قرأ أبو عمرو بكسر الهاء وفتح الياء، ضدّه شامي وحمزة وخلف، بكسرهما، والكسائي، بفتحهما، ابن كثير وعاصم ويعقوب، واختلفوا في معناها.\nفقال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله ﷿، وقيل: إنّه اسم الله الأعظم، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل: هو اسم السورة،\nوقال عليّ بن أبي طالب وابن عباس: هو قسم أقسم الله تعالى به\n، وقال الكلبي: هو ثناء أثنى الله ﷿ به [على] نفسه.","vol":"6","page":205},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد، قال أبو عبد الله محمد بن زياد القوقسي، قال أبو عمّار عن جرير، عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ﷿ كهيعص قال: الكاف من كريم، والهاء من هاد، والياء من رحيم والعين من عليم وعظيم، والصاد من صادق، وقال الكلبي أيضا: معناه: كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فَوْقَ أَيْدِيهِمْ، عالم ببريته، صادق في وعده ذِكْرُ رفع ب كهيعص وإن شئت قلت: هذا ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا، وفيه تقديم وتأخير، معناه ذكر ربك عبده زكريا برحمته وزكريا في موضع نصب.\nوقرأ بعضهم عَبْدُهُ زَكَرِيّا بالرفع على أنّ الفعل له إِذْ نادى دعا ربّه في محرابه حيث يقرب القربان نداء خفيّا دعاء سرّا من قومه في جوف الليل، مخلصا فيه لم يطلع عليه أحد إلّا الله ﷿ قال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ضعف الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا شمطا، يقول:\nشخت وضعفت، ومن الموت قربت وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا يقول: يا رب عوّدتني الإجابة فيما كنت تجيبني إذا دعوتك ولا تخيّبني.\nقوله وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي قرأ عثمان ويحيى بن يعمر، (خَفَتِّ) بفتح الخاء والفاء وكسر التاء مشدّدا الْمَوالِي بسكون الياء بمعنى ذهب الموالي وقلّت، الباقون: (خِفْتُ) بكسر الخاء وضم التاء من الخوف، الموالي نصبا، خاف أن يرثه غير الولد، وقيل: خاف عليهم تبديل دين الله ﷿ وتغيير أحكامه وأن لا يحسنوا الخلافة له على أمّته، فسأل ربّه ولدا صالحا يأمنه على أمّته، والموالي بنو العمّ وقيل: الاولي والولي والمولى في كلام العرب واحد، وقال مجاهد: العصبة، وقال أبو صالح: الكلالة، وقال الكلبي: الورثة من ورائي من بعد موتي وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا لا تلد فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ أعطني من عندك وَلِيًّا ابنا يَرِثُنِي وَيَرِثُ وقرأ يحيى بن يعمر ويحيى بن وثاب والأعمش وأبو عمرو والكسائي بالجزم فيهما على جواب الدّعاء، وقرأ الباقون بالرفع على الحال والصفة، أي وليّا وارثا، وقرأ ابن عبّاس ويحيى بن يعمر: يرثني، وأرث من آل يعقوب النبوّة، يعني يرث النبوّة والعلم، وقال الحسن: معناه يَرِثُنِي مالي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ النبوّة والحبورة، وقال الكلبي: هو يعقوب بن ماثان أخو زكريا وليس يعقوب أب يوسف وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي صالحا برا تقيا مرضيّا، وقال أبو صالح: معناه: اجعله نبيا كما جعلت أباه نبيّا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا: مكّي بن عبدان عن أحمد بن الأزهر عن روح بن عبادة عن سعيد عن قتادة عن بشر بن نهيك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ يقول عند ذلك: «رحم الله زكريا، ما كان عليه من ورثة» «١» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٦/ ٦١.","vol":"6","page":206},{"text":"قوله يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ فيه إضمار واختصار، يعني فاستجاب دعاءه فقال: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ ولد ذكر اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا قال قتادة والكلبي: لم يسمّ أحد قبله يحيى، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس، وقال سعيد بن جبير وعطاء: لم نجعل له شبيها، ومثله دليله قوله تعالى هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا «١» أي مثلا وعدلا، وهي رواية مجاهد عن ابن عباس، وتأويل هذا القول أنّه لم يكن له مثل لأنّه لم يهمّ بمعصيته قط وقيل:\nلم يكن له مثل في أمر النساء لأنه كان سَيِّدًا وَحَصُورًا\nوقال علي بن أبي طالب عن ابن عباس: لم تلد العواقر مثله ولدا، وقيل: إن الله تعالى اشترط القبل لأنه جل ذكره أراد أن يخلق بعده من هو أفضل منه وهو محمّد ﵇\n، وقيل: إنّ الله تعالى لم يرد بهذا القول جميع الفضائل كلّها ليحيى، وقيل: إنما أراد في بعضها لأن الخليل والكم ﵉ كانا قبله وكانا أفضل منه.\nقالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِرًا أي وامرأتي عاقر كقوله كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا «٢» أي من هو في المهد صبيّ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا أي يبسا، قال قتادة: نحول العظم يقال: ملك عات إذا كان قاسي القلب غير ليّن، وقال أبو عبيد: هو كل مبالغ في شر أو كفر فقد عتا وعسا، وقرأ أبيّ وابن عباس عسيّا، وقرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي عِتِيًّا بكسر العين ومثله جِثِيًّا وصِلِيًّا وبكيّا والباقون بالضم فيهما وهما لغتان.\nقالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، من قبل يحيى، وَلَمْ تَكُ شَيْئًا قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً على حمل امرأتي قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي صحيحا سليما من غير ما بأس ولا خرس، وكان الناس من وراء المحراب ينتظرونه أن يفتح لهم الباب فيدخلون ويصلّون إذ خرج عليهم زكريّا متغيرا لونه فأنكروه فقالوا له: ما لك يا زكريّا؟\nفَأَوْحى أي أومى إِلَيْهِمْ، ويقال: كتب في الأرض أَنْ سَبِّحُوا وصلّوا لله ﷿ بُكْرَةً وَعَشِيًّا والسبحة الصلاة.\nقوله يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ بجدّ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ يعني الفهم صَبِيًّا يعني في حال صباه، وقال معمّر: جاء صبيان إلى يحيى بن زكريّا فقالوا: اخرج بنا نلعب، فقال: ما للّعب خلقت، فأنزل الله ﷿ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا رحمة من عندنا، قال الحطيئة لعمر بن الخطّاب:\nتحنّن علىّ هداك المليك ... فإن لكلّ مقام مقالا «٣»\n_________\n(١) سورة مريم: ٦٥.\n(٢) سورة مريم: ٢٩.\n(٣) لسان العرب: ١١/ ٥٧٣.","vol":"6","page":207},{"text":"أي ترحم، ومنه قوله: حنانيك مثل سعديك، قال طرفة:\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض «١»\nوأصله من حنين الناقة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد بن عبد الله عن محمد بن عبد الله بن سليمان عن عثمان عن حريز بن عبد الحميد عن أبي خالد عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: ما أدري ما حَنانًا إلا أن يكون بعطف رحمة الله ﷿ على عباده وأخبرنا عبد الله بن حامد عن حامد بن محمد عن بشر بن موسى عن هوذة عن عوف بلغني في قوله الله ﷿ وَحَنانًا مِنْ لَدُنَّا قال: الحنان: المحبّة وَزَكاةً قال ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله ﷿ والإخلاص.\nوقال الضحاك: هي الفعل الزاكي الصالح، وقال الكلبي: يعني صدقة تصدق والده بها على أبويه، وقيل: بركة ونماء وزيادة. وقيل: جعلناه طاهرا من الذنوب.\nوَكانَ تَقِيًّا مسلما مخلصا مطيعا.\nأخبرنا سعيد بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا ابن القطيعي قال: سمعت الحسن قال: إنّ رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ما من الناس عبد إلّا قد همّ بخطيئة أو عملها غير يحيى بن زكريا» «٢» .\nوَبَرًّا بِوالِدَيْهِ\nبارا بهما لا يعصيهما وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا\nقالا: متكبرا.\nقال الحلبي: الجبّار الذي يضرب ويقتل على الغضب.\nعَصِيًّا\nشديد العصيان لربّه.\nوَسَلامٌ عَلَيْهِ\nقال الحلبي: سلام له منّا حين ولد وحين يموت وحين يبعث حيّا.\nأخبرنا أبو محمد الأصفهاني وأبو صالح النيسابوري قالا: أنبأنا أبو حاتم التميمي، حدثنا أبو الأزهر السّليطيّ، حدثنا رؤبة، حدثنا سعيد عن قتادة عن الحسن أن يحيى وعيسى ﵉ التقيا فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير منّي، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمت على نفسي وسلّم الله عليك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>[سورة مريم (١٩): الآيات ١٦ الى ٤٠]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا (١٩) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)\nقالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)\nفَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)\nوَجَعَلَنِي مُبارَكًا أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحانَهُ إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)\nوَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٨) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٩) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها وَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٤٠)\n_________\n(١) الصحاح: ٥/ ٢١٠٤. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٢٥٤، وكنز العمال: ١١/ ٥٢١.","vol":"6","page":208},{"text":"وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ\nالقرآن مَرْيَمَ\nوهي ابنة عمران بن ماثان إِذِ انْتَبَذَتْ.\nقال قتادة: انفردت. الكلبي: تنحّت وأصله من النبذة بفتح النون وضمّها وهي الناحبة، يعني إنها اعتزلت وجلست ناحية مَكانًا شَرْقِيًّا\nيعني مشرقة، وهي مكان في الدار مما يلي المشرق، جلست فيها لأنها كانت في الشتاء.\nقال الحسن: اتّخذت النصارى المشرق قبلة لأنّ مريم انتبذت مَكانًا شَرْقِيًّا\nفَاتَّخَذَتْ\nفضربت مِنْ دُونِهِمْ حِجابًا\nقال ابن عباس: سترا، قال مقاتل: جعلت الجبل بينها وبين قومها، قال عكرمة: إن مريم كانت تكون في المسجد ما دامت طاهرا، فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها حتى إذا طهرت عادت إلى المسجد، فبينا هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبرئيل في صورة شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سويّ الخلق.\nفذلك قوله فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا\nيعني جبرئيل (﵇) وقيل: روح عيسى ابن مريم اضافة إليه على التخصيص والتفضيل فَتَمَثَّلَ\nفتصور لَها بَشَرًا\nآدميا سَوِيًّا\nلم ينقص منه شيء وإنما أرسله في صورة البشر لتثبت مريم ﵍ وتقدر على استماع كلامه، ولو نزّله على صورته التي هو عليها لفزعت ونفرت عنه ولم تقدر على استماع كلامه، فلمّا رأته مريم قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا\nمؤمنا مطيعا.","vol":"6","page":209},{"text":"قال علي بن أبي طالب: علمت أن التقيّ ذو نهية\n، وقيل: كان تقي رجل من أعدل الناس في ذلك الزمان فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي ف إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ\n، كيف يكون رجل اجنبي وامرأة اجنبية في حجاب واحد؟ قال لها جبرئيل إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ\nأي يقول لأهب لك، وقرأ أبو عمرو ليهب بالياء ولدا غُلامًا زَكِيًّا\nصالحا تقيا قالَتْ مريم أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولم يقربني روح وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا فاجرة وإنما حذفت الهاء منه لأنه مصروف عن وجهه.\nقالَ جبرئيل كَذلِكِ كما قلت يا مريم ولكن قالَ رَبُّكِ وقيل هكذا قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ خلق ولد من غير أب وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً علامة هذه لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا لمن تبعه على دينه.\nوَكانَ ذلك أَمْرًا مَقْضِيًّا معدودا مسطورا في اللوح المحفوظ.\nفَحَمَلَتْهُ وذلك أن جبرئيل ﵇ رفع درعها فنفخ في جيبه فحملت حين لبسته، وقيل: نفخ جبرئيل من بعيد نفخا فوصل الريح إليها فحملت، فلمّا حملت فَانْتَبَذَتْ خرجت وانفردت مَكانًا قَصِيًّا بعيدا من أهلها من وراء الجبل، ويقال أقصى الدار.\nقال الكلبي: قيل لابن عمّ لها يقال له يوسف: إن مريم حملت من الزنا لأن يقتلها الملك وكانت قد سميت له فأتاها فاحتملها، فهرب بها، فلما كان ببعض الطريق أراد يوسف ابن عمّها قتلها فأتاه جبرئيل ﵇ فقال له: إنّه من روح القدس فلا تقتلها، فتركها، ولم يقتلها فكان معها. واختلفوا في مدّة حملها ووقت وضعها، فقال بعضهم: كان مقدار حملها تسعة أشهر كحمل سائر النساء، ومنهم من قال: ثمانية أشهر وكان ذلك آية أخرى لأنّه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى، وقيل: ستّة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة واحدة.\nقال ابن عباس: ما هو إلّا أن حملت فوضعت ولم يكن بين الحمل والانتباذ إلّا ساعة:\nلأنّ الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا.\nوقال مقاتل بن سليمان: حملته مريم في ساعة وصوّر في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها، وهي بنت عشر سنين وقد كانت حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى.\nفَأَجاءَهَا الْمَخاضُ ألجأها وجاء بها المخاض، وفي قراءة عبد الله آواها المخاض يعني الحمل، وقيل: الطلق.\nإِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ وكانت نخلة يابسة في الصحراء في شدة الشتاء ولم يكن لها سعف.\nوروى هلال بن خبّاب عن أبي عبيد الله قال: كان جذعا يابسا قد جيء به ليبنى به بيت يقال له بيت لحم.\nقالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة:","vol":"6","page":210},{"text":"نَسْيًا بفتح النون، والباقون بالكسر، وهما لغتان مثل: الوتر والوتر والحجر والحجر والجسر والجسر، وهو الشيء المنسي.\nقال ابن عباس: يعني شيئا متروكا، وقال قتادة: شيئا لا يذكر ولا يعرف، وقال عكرمة والضحاك ومجاهد: حيضة ملقاة.\nقال الربيع: هو السقط وقال مقاتل: يعني كالشيء الهالك.\nقال عطاء بن أبي مسلم: يعني لم أخلق، وقال الفرّاء: هو ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، وقال أبو عبيد: هو ما نسي وأغفل من شيء حقير. قال الكميت:\nأتجعلنا جسرا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معد ولا دخل «١»\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حمّاد قال:\nحدّثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها قالت: لوددت أني إذا مت كُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا.\nفَناداها مِنْ تَحْتِها قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة ونافع وابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: مِنْ تَحْتِها بكسر الميم وهو جبرئيل (﵇) ناداها من سفح الجبل، وقرأ الباقون مَنْ تَحْتُها بفتح الميم وهو عيسى لما خرج من بطنها ناداها: أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا قال الحسن: يعني عيسى كان والله عبدا سريا أي رفيعا، وقال سائر المفسّرين:\nهو النهر الصغير، وقيل معنى قوله سبحانه تَحْتَكِ إنّ الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى وإن أمرته بالإمساك أمسك، كقوله ﷿ فيما أخبر عن فرعون وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي «٢» أي من تحت أمري، قال ابن عباس: فضرب جبرئيل: ويقال عيسى: برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب وجرى وحييت النخلة بعد يبسها فأورقت وأثمرت وأرطبت، وقيل لمريم وَهُزِّي إِلَيْكِ أي حرّكي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يقول العرب: هزّه وهزّ به كما يقال: خذ الخطام وخذ بالخطام، وتعلّق بزيد وتعلق زيدا، وخذ رأسه وخذ برأسه، وامدد الحبل، وامدد بالحبل، والجذع: الغصن، والجذع: النخلة نفسها.\nتُساقِطْ قرأ البراء بن عازب ويعقوب وأبو حاتم وحمّاد ونصير: يساقط بالياء، وقرأ حفص تُساقِطْ بضم التاء وتخفيف السين وكسر القاف، وقرأ الأعمش وحمزة وأبو عبيد: تَسّاقَط بفتح التاء والقاف وتشديد السين، فمن أنّث ردّه إلى النخلة ومن ذكّر ردّه ألى الجذع والتشديد على الإدغام\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٩٣.\n(٢) سورة الزخرف: ٥١.","vol":"6","page":211},{"text":"والتخفيف على الحذف.\nرُطَبًا جَنِيًّا غصنا رطبا ساعة جني.\nوقال الربيع بن خيثم: ما للنفساء عندي خير من الرطب ولا للمريض من العسل.\nوقال عمرو بن ميمون: ما أدري للمرأة إذا عسر عليها ولدها خير من الرطب لقول الله سبحانه وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا.\nوقالت عائشة ﵂: إنّ من السنّة أن يمضغ التمر ويدلك به فم المولود، وكذلك كان رسول الله ﷺ يمضغ التمر ويحنّك به أولاد الصحابة.\nفَكُلِي يا مريم من الرطب وَاشْرَبِي من النهر وَقَرِّي عَيْنًا وطيبي نفسا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا أي صمتا ولذلك كان بقراءة ابن مسعود وأنس والصوم في اللغة هو الإمساك عن الطعام والكلام، وفي الآية اختصار فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فسألك عن ولدك أو لامك عليه فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا يقال: إنّ الله أمرها أن تقول هذا اشارة ويقال: أمرها أن تقوله نطقا ثم تمسك عن الكلام بعد هذا.\nفَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا يقال: كانت تكلّم الملائكة ولا تكلّم الإنس.\nفَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قال الكلبي: احتمل يوسف النّجار مريم وابنها عيسى (﵇) إلى غار فأدخلهما فيه أربعين يوما حتى تعالت من نفاسها ثم جاء بها فَأَتَتْ مريم بِهِ بعيسى تَحْمِلُهُ بعد أربعين يوما، فكلّمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلمّا دخلت على أهلها ومعها الصبي بكوا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين.\nقالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا فظيعا منكرا عظيما، قال أبو عبيدة: كل من عجب أو عمل فهو فري،\nقال النبي ﷺ في عمر ﵁: «فلم أر عبقريا يفري فريه»\n«١» أي يعمل عمله، قال الراجز:\nقد أطعمتني دقلا حوليا ... مسوسا مدودا حجريا «٢»\nقد كنت تفرين به الفريا.\nأي كنت تكثرين فيه القول وتعظمينه.\nيا أُخْتَ هارُونَ\nقال النبي ﷺ: «انّما عنوا هارون النبي أخا موسى لأنها كانت من نسله» .\n_________\n(١) المعجم الكبير: ١٢/ ٢٣٢، وزاد المسير: ٥/ ١٥٩، ومسند أحمد: ٢/ ٢٨ بتفاوت.\n(٢) الصحاح: ٢/ ٤٧١.","vol":"6","page":212},{"text":"وقال قتادة وغيره: كان هارون رجلا صالحا من أتقياء بني إسرائيل وليس بهارون أخي موسى، ذكر لنا أنه تبع جنازته يوم مات أربعون الفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل،\nوقال المغيرة بن شعبة: قال لي أهل نجران قوله: يا أُخْتَ هارُونَ وقد كان بين موسى وعيسى من السنين ما قد كان، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين من قبلهم.\nوقال الكلبي: كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها وكان أمثل رجل في بني إسرائيل، وقيل: إن هارون كان من أفسق بني إسرائيل وأظهرهم فسادا فشبّهوها به، وعلى هذا القول الأخت هاهنا بمعنى الشبه لا بمعنى النسبة، والعرب تسمي شبه الشيء أخته وأخاه، قال الله سبحانه وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها «١» أي شبهها.\nما كانَ أَبُوكِ عمران امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ حنّة بَغِيًّا زانية فمن أين لك هذا الولد؟ فَأَشارَتْ مريم إلى عيسى أن كلّموه ف قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا أي من هو في المهد وهو حجرها، وقيل: هو المهد بعينه وقد كان حشوا للكلام ولا معنى له كقوله كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ «٢» أي أنتم خير أمة وكقوله هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا «٣» أي هل أنا، وكقول الناس إن كنت صديقي فصلني، قال زهير:\nأجرت عليه حرّة أرحبيّة ... وقد كان لون الليل مثل الأرندج «٤»\nوقال الفرزدق:\nفكيف إذا رأيت ديار قومي ... وجيران لنا كانوا كرام «٥»\nأي وجيران لنا كرام، قال وهب: فأتاها زكريا عند مناظرتها اليهود فقال لعيسى: انطق بحجّتك إن كنت أمرت بها، فقال عند ذلك وهو ابن أربعين يوما. وقال مقاتل: هو يوم ولد.\nإِنِّي عَبْدُ اللَّهِ فأقرّ على نفسه بالعبودية لله تعالى أول ما تكلم تكذيبا للنصارى وإلزاما للحجة عليهم.\nقال عمرو بن ميمون: إن مريم لما أتت قومها بعيسى أخذوا لها الحجارة ليرموها فلمّا تكلّم عيسى تركوها، قالوا: ثم لم يتكلّم عيسى بعد هذا حتى كان بمنزلة غيره من الصبيان.\n_________\n(١) سورة الزخرف: ٤٨.\n(٢) سورة آل عمران: ١١٠.\n(٣) سورة الإسراء: ٩٣.\n(٤) تفسير الطبري: ١٦/ ١٠٠.\n(٥) التبيان: ٧/ ١٢٣.","vol":"6","page":213},{"text":"روي عن النبي ﷺ أنه قال: خمسة تكلّموا قبل إبان الكلام: شاهد يوسف، وولد ماشطة بنت فرعون، وعيسى، وصاحب جريح، وولد المرأة التي أحرقت في الأخدود.\nفأمّا شاهد يوسف فقد مرّ ذكره، وأمّا ولد الماشطة،\nفأخبرنا عبد الله بن حامد قال:\nأخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال:\nحدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ لمّا أسري به مرّت به رائحة طيبة فقال: يا جبرئيل ما هذه الرائحة؟\nقال: ماشطة بنت فرعون كانت تمشطها فوقع المشط من يدها، فقالت: بسم الله، فقالت ابنته:\nأبي؟ فقالت: لا بل ربّي وربّك وربّ أبيك.\nفقالت: أخبر بذلك أبي قالت: نعم، فأخبرته فدعا بها فقال: من ربّك؟ قالت: ربّي وربّك في السماء، فأمر فرعون ببقرة من نحاس فأحميت فدعا بها وبولدها فقالت: إن لي إليك حاجة قال: ما هي؟ قالت: تجمع عظامي وعظام ولدي فتدفنها جميعا فقال: ذلك لك علينا من الحق، فأمر بأولادها فألقى واحدا واحدا حتى إذا كان آخر ولدها وكان صبيّا مرضعا فقال: اصبري يا أماه فإنّا على الحق، قال: ثم ألقيت مع ولدها.\nوأمّا صاحب جريح\nفأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني قال: حدّثنا أحمد بن الخليل قال: حدّثنا يونس بن محمد المؤدّب، قال: حدّثنا الليث ابن سعد عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، وأخبرنا عبد الله [بن حامد] «١» قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا راشد بن سليمان قال:\nحدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا هاشم بن القاسم قال: حدّثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي ﷺ «أنّ رجلا يقال له جريح كان راهبا يتعبّد في صومعته فأتته أمّه لتسلّم عليه فنادته: يا جريح اطلع إليّ انظر إليك، فوافقته يصلّي فقال: أمّي وصلاتي لربّي، أوثر صلاتي لربّي على أمّي، فانصرفت ثم جاءت الثانية فنادته: يا جريح كلّمني فوافقته يصلّي فاختار صلاته، ثمّ جاءته الثالثة فاختار صلاته فقالت: إنّه أبى أن يكلّمني، اللهمّ لا تمته حتى تنظر في وجهه زواني المدينة، قال: ولو دعت عليه أن يفتن لفتن» .\nقال: وكان راعي ضأن يأوي إلى ديره، فخرجت امرأة من القرية فوقع عليها فحملت فولدت غلاما فقيل لها: ممّن هذا؟ فقالت: من صاحب الصومعة، فأتوه وهدّموا صومعته وانطلقوا به إلى ملكهم، فلمّا مرّ على حوانيت الزواني خرجن، فتبسم وعرف أنّه دعاء أمّه، فقالوا: لم يضحك حين مرّ على الزواني!؟ فلمّا أدخل على ملكهم قال جريح: أين الصبي\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: داود.","vol":"6","page":214},{"text":"الذي ولدت؟ فأتي به فقال له جريح: من أبوك؟ قال: أبي فلان الراعي، فابرأ الله سبحانه جريحا وأعظمه الناس «١»، وقالوا: نبني لك ديرك بالذهب والفضة قال: لا ولكن أعيدوه كما كان، ثمّ علاه.\nوأمّا ولد صاحبة الأخدود فسنذكرها في موضعها إن شاء الله.\nآتانِيَ الْكِتابَ يعني يؤتيني الكتاب لفظه ماض ومعناه مستقبل، وقيل: إنه أخبر عمّا كتب له في اللوح المحفوظ كما\nسئل النبي ﷺ: متى كتبت نبيا؟ قال: «كتبت نبيا وآدم بين الروح والجسد «٢»» .\nوقيل: معناه علمني وألهمني التوراة في بطن أمّي.\nوَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبارَكًا معلما للخير أَيْنَ ما كُنْتُ وقيل: مباركا على من اتّبع ديني وأمري وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا أي وجعلني برا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا.\nأخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكّي بن عبدان، قال:\nحدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا ان امرأة رأت عيسى ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات أذن الله له فيهنّ فقالت: طوبى للبطن الذي حملك والثدي الذي أرضعت به، فقال ابن مريم يجيبها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتّبع ما فيه ولم يكن جَبَّارًا شَقِيًّا، وكان يقول: سلوني فإنّ قلبي ليّن وإنّي صغير في نفسي، ممّا أعطاه الله سبحانه من التواضع.\nوَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا. ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ يعني هو قول الحق، وقيل: رفع على التكرير يعني ذلك عيسى ابن مريم وذلك قول الحق، وقيل: هو نعت لعيسى يعني ذلك عيسى بن مريم كلمة الله، والحق هو الله سبحانه.\nوقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب قول بالنصب يعني قال قول الحق الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ يشكّون ويقولون غير الحق، فقالت اليهود: ساحر كذّاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة، ثمّ كذّبهم فقال: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ أي ما كان من صفته اتّخاذ الولد، وقيل: اللام منقولة يعني ما كان الله ليتخذ من ولد سُبْحانَهُ نزّه نفسه إِذا قَضى أَمْرًا كان في علمه فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. وَإِنَّ اللَّهَ يعني وقضى أن الله، وقرأ أهل الكوفة إِنَّ اللَّهَ\n_________\n(١) الأحاديث الطوال للطبراني: ١١٠.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٥٩.","vol":"6","page":215},{"text":"بالكسر على الاستيناف رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا الذي ذكرت صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ يعني النصارى، وانّما سمّوا أحزابا لأنّهم تجزأوا ثلاث فرق في أمر عيسى: النسطورية والملكانيّة والمار يعقوبية.\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ يعني يوم القيامة أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يعني ما أسمعهم وأبصرهم، على التعجّب، وذلك أنهم سمعوا يوم القيامة حين لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم البصر.\nقال الكلبي: لا أحد يوم القيامة أسمع منهم ولا أبصر حين يقول الله ﷾ لعيسى أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ الآية.\nيَوْمَ يَأْتُونَنا لكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ أي فرغ من الحساب وأدخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار وذبح الموت وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ من الدنيا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا «١» عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنّة والنار فيقال:\nيا أهل الجنّة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبّون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت فيؤمر به فيذبح ثمّ ينادي المنادي «٢»: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم»، ثمّ قرأ رسول الله ﷺ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وأشار بيده في الدنيا «٣» .\nقال مقاتل: لولا ما قضى الله ﷾ من تخليد أهل النار وتعميرهم فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك.\nإِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها أي نميتهم ويبقى الرب ﷿ فيرثهم.\nوَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>[سورة مريم (١٩): الآيات ٤١ الى ٥٥]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥)\nقالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًاّ جَعَلْنا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا وَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١) وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا (٥٢) وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا (٥٣) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوراق عن علي بن عبد الله عن. [.....]\n(٢) في نسخة أصفهان: فيذبح فيقال.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٩ بتفاوت.","vol":"6","page":216},{"text":"وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا مؤمنا موقنا صدوقا نَبِيًّا رسولا رفيعا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ\nآزر وهو يعبد الأوثان لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ\nصوتا وَلا يُبْصِرُ\nشيئا وَلا يُغْنِي عَنْكَ\nلا ينفعك ولا يكفيك شَيْئًا\nيعني الأصنام يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ والبيان بعد الموت وأنّ من غيره عذّبه ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي على ديني أَهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا مستويا.\nيا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ لا تطعه، لم تصل، له ولم تصم وإنّ من أطاع شيئا فقد عبده إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا عاصيا عاتيا، وكان بمعنى الحال أي هو، وقيل بمعنى: صار.\nيا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أعلم أَنْ يَمَسَّكَ يصيبك عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ لقوله: إِلَّا أَنْ يَخافا «١» وقوله فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما «٢» وقيل: معناه إنّي أخاف أن ينزل عليك عذابا في الدنيا فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا قرينا في النار، فقال له أبوه مجيبا له أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ تارك عبادتهم وزاهد فيهم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لئن لم تسكت وترجع عن مقالتك لَأَرْجُمَنَّكَ قال الضحاك ومقاتل والكلبي: لأشتمنّك، وقال ابن عباس: لأضربنّك، وقيل لأظهرنّ أمرك وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا قال الحسن وقتادة وعطاء: سالما، وقال ابن عباس: واعتزلني سالم العرض لا يصيبنّك منّي معرّة، وقال الكلبي: اتركني واجتنبني طويلا فلا تكلّمني، وقال سعيد بن جبير: دهرا، وقال مجاهد وعكرمة: حينا، وأصل الحرف المكث، ومنه يقال: تملّيت حينا، والملوان الليل والنهار.\nقالَ إبراهيم سَلامٌ عَلَيْكَ أي سلمت منيّ لا أصيبك بمكروه سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا قال ابن عباس ومقاتل: لطيفا رحيما، وقيل: بارّا، وقال مجاهد: عوّده الإجابة، وقال الكلبي: عالما يستجيب لي إذا دعوته.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٢٩.\n(٢) سورة البقرة: ٢٢٩.","vol":"6","page":217},{"text":"وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني وأعتزل ما تعبدون من دون الله، قال مقاتل:\nكان اعتزاله إياهم أنه فارقهم من كوثى فهاجر منها إلى الأرض المقدسة.\nوَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا يعني عسى أن يجيبني ولا يخيّبني، وقيل:\nمعناه عسى أن لا أشقى بدعائه وعبادته كما تشقون أنتم بعبادة الأصنام.\nفَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ ما تدعون: تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام فذهب مهاجرا وَهَبْنا لَهُ بعد الهجرة إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا نعمتنا، قال الكلبي: المال والولد، وقيل: النبوّة والكتاب، بيانه قوله أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ «١» .\nوَجَعَلْنا لَهُمْ لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا يعني ثناء حسنا رفيعا في كلّ أهل الأديان، وكلّ أهل دين يتولّونهم ويثنون عليهم.\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلِصًا يعني غير مرائي، قال مقاتل «٢»: مسلما موحدا، وقرأ أهل الكوفة: مُخْلَصًا بفتح اللام يعني أخلصناه واخترناه وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَنادَيْناهُ دعوناه وكلّمناه ليلة الجمعة مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ يعني يمين موسى، والطور:\nجبل بين مصر ومدين وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا يعني رفعناه من سماء إلى سماء ومن حجاب إلى حجاب حتى لم يكن بينه وبينه إلّا حجاب واحد.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا أسباط عن عطاء بن السائب عن ميسرة وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا قال: قرّبه حتى سمع صريف القلم، والنجيّ: المناجي كالجليس والنديم.\nوَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا وذلك حين سأل موسى ربّه ﷿ فقال:\nوَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي «٣» وحين قال فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ «٤» فأجاب الله دعاءه.\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ يعني ابن إبراهيم إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ كان إذا وعد أنجز، وذلك أنّه وعد رجلا أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه فأقام إسماعيل مكانه ثلاثة أيام للميعاد حتى يرجع إليه الرجل، قاله مقاتل، وقال الكلبي: انتظره حتى حال الحول عليه. وَكانَ رَسُولًا إلى قومه نَبِيًّا مخبرا عن الله سبحانه.\n_________\n(١) سورة الزخرف: ٣٢.\n(٢) في نسخة أصفهان: قتادة.\n(٣) سورة طه: ٢٩- ٣٠.\n(٤) سورة الشعراء: ١٣.","vol":"6","page":218},{"text":"وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ يعني قومه وكذلك هو في حرف ابن مسعود بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا صالحا زاكيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>[سورة مريم (١٩): الآيات ٥٦ الى ٧٠]</span>\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا (٥٧) أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)\nجَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إِلاَّ سَلامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)\nوَيَقُولُ الْإِنْسانُ أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا (٧٠)\nوَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ وهو جدّ أبي نوح، فسمّي إدريس لكثرة درسه الكتب، واسمه أخنوخ وكان خيّاطا، وهو أوّل من كتب بالقلم وأوّل من خاط الثياب ولبس المخيط وأول من تكلّم في علم النجوم والحساب إِنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا يعني الجنة.\nوقال الضّحاك: رفع إلى السماء السادسة، وقيل: الرابعة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني وشعيب بن محمد البيهقي قالا: أخبرنا مكي بن عبدان التميمي قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح قال: حدّثنا سعيد عن قتادة في قوله وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا قال: حدّثنا أنس بن مالك بن صعصعة أنّ النبي ﷺ لما عرج به إلى السماء قال: «أتيت على إدريس في السماء: الرابعة» «١» ...\nوكان سبب رفعه على ما قاله ابن عباس وكعب وغيرهما أنّه سار ذات يوم في حاجة فأصابه وهج الشمس فقال: يا ربّ أنا مشيت يوما فكيف بمن يحملها خمسمائة عام في يوم واحد؟ اللهمّ خفّف عنه من ثقلها واحمل عنه حرّها، فلمّا أصبح الملك وجد من خفّة الشمس وحرّها ما لا يعرف، فقال: يا ربّ خلقتني لحمل الشمس فما الذي قضيت فيه؟ قال: أما إنّ عبدي إدريس سألني أن اخفّف عنك حملها وحرّها فأجبته، فقال: يا ربّ اجمع بيني وبينه واجعل بيني وبينه\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ٥/ ٢٩٣.","vol":"6","page":219},{"text":"خلّة، فأذن له حتى أتى إدريس وكان يسأله إدريس فكان ممّا سأله أن قال له: أخبرت أنّك أكرم الملائكة وأمكنهم عند ملك الموت فاشفع لي إليه ليؤخر أجلي فازداد شكرا وعبادة، فقال الملك:\nلا يؤخّر الله نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها قال: قد علمت ذلك ولكنه أطيب لنفسي، فقال: نعم أنا مكلّمه لك فما كان يستطيع أن يفعل لأحد من بني آدم فهو فاعله لك، ثم حمله ملك الشمس على جناحه فرفعه إلى السماء ووضعه عند مطلع الشمس، ثمّ أتى ملك الموت فقال: حاجة لي إليك، فقال:\nأفعل كلّ شيء أستطيعه قال: صديق لي من بني آدم تشفّع بي إليك لتؤخّر أجله قال: ليس ذلك إليّ ولكن إن أحببت أعلمته أجله متى يموت فيقدّم في نفسه، قال: نعم، فنظر في ديوانه وأخبر باسمه فقال: إنك كلّمتني في إنسان ما أراه يموت أبدا، قال: وكيف؟ قال: لا أجده يموت إلا عند مطلع الشمس، قال: إنّي أتيتك وتركته هناك، قال: انطلق فما أراك تجده إلّا وقد مات، فو الله ما بقي من أجل إدريس شيء، فرجع الملك فوجده ميّتا وقال وهب: كان يرفع لإدريس كلّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لجميع أهل الأرض في زمانه، فعجبت منه الملائكة واشتاق إليه ملك الموت فاستأذن ربّه في زيارته فأذن له فأتاه في صورة بني آدم، وكان إدريس صائما يصوم الدهر، فلمّا كان وقت إفطاره دعاه إلى طعامه فأبى أن يأكل معه ففعل ذلك ثلاث ليال فأنكره إدريس فقال له الليلة الثالثة: إنّي أريد أن أعلم من أنت، قال: أنا ملك الموت استأذنت ربي أن أصحبك فأذن لي، قال: فلي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قال: تقبض روحي، فأوحى الله ﷿ إليه أن اقبض روحه، فقبض روحه وردّها الله عليه بعد ساعة.\nقال له ملك الموت: ما الفائدة في سؤالك قبض الروح؟ قال: لأذوق كرب الموت وغمّته فأكون له أشدّ استعدادا، ثم قال إدريس له: لي إليك حاجة أخرى، قال: وما هي؟ قال: ترفعني إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنّة وإلى النار، فأذن الله له في رفعه إلى السماوات، فلمّا قرب من النار قال: حاجة قال: وما تريد؟ قال: تسأل مالكا حتى يفتح لي بابها فأردها، ففعل ثمّ قال: فكما أريتني النار فأرني الجنّة، فذهب به إلى الجنة فاستفتح ففتحت أبوابها فأدخله الجنّة، ثم قال له ملك الموت: اخرج لتعود إلى مقرّك فتعلّق بشجرة وقال: لا أخرج منها، فبعث الله ملكا حكما بينهما ينظر في قولهما فقال له الملك: ما لك لا تخرج؟ قال: لأن الله تعالى قال:\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ «١» وقد ذقته، وقال وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها «٢» وقد وردتها، وقال وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ «٣» فلست أخرج، فأوحى الله سبحانه إلى ملك الموت: دخل الجنة وبأمري يخرج، فهو حيّ هناك فذلك قوله: وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ٨٥.\n(٢) سورة مريم: ٧١.\n(٣) سورة الحجر: ٤٨.","vol":"6","page":220},{"text":"أُولئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ في السفينة وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهِيمَ وَإِسْرائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا إلى الإسلام وَاجْتَبَيْنا على الأنام إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ يعني القرآن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا جمع باك تقديره من الفعل فعول مثل ساجد وسجود وراكع وركوع وقاعد وقعود، جمع على لفظ المصدر، نزلت في مؤمني أهل الكتاب، عبد الله سلام وأصحابه.\nفَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعيني من بعد النبيّين المذكورين خَلْفٌ وهم قوم سوء، والخلف بالفتح الصالح، والخلف بالحزم الطالح، والخلف بسكون اللام الرديء من كلّ شيء، وهم في هذه الآية اليهود ومن لحق بهم. وقال مجاهد وقتادة: في هذه الأمّة.\nأَضاعُوا الصَّلاةَ أي تركوا الصلوات المفروضة، قال ابن مسعود وإبراهيم والقاسم بن مخيمرة: أخّروها عن مواقيتها وصلّوها بغير وقتها.\nوقال قرّة بن خالد: استبطأ الضحاك مرّة امتراء في صلاة العصر حتى كادت الشمس تغرب فقرأ هذه الآية أَضاعُوا الصَّلاةَ ثمّ قال: والله لئن أدعها أحبّ إلىّ من أن اضيّعها، وقرأ الحسن: أضاعوا الصلوات وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ قال مقاتل: استحلّوا نكاح الأخت من الأب، وقال الكلبي: يعني اللذات وشرب الخمر وغيره، قال مجاهد: هذا عند اقتراب الساعة وذهاب صالحي أمّة محمد ﷺ، ينزو بعضهم على بعض في السكك والأزقّة زناة.\nوروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ في هذه الآية قال: يكون خلف من بعد ستّين سنة أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ الآية «١» .\nوقال علىّ بن أبي طالب: «هذا إذا بني المشيد وركب المنظور ولبس المشهور»\n، وقال وهب: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ شرّابون للقهوات، لعّابون بالكعبات، ركّابون للشهوات، متبعون للذّات، تاركون للجمعات «٢»، مضيّعون للصلوات، وقال كعب: يظهر في آخر الزمان أقوام بأيديهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس، ثمّ قرأ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ.\nفَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا قال عبد الله بن مسعود: الغيّ نار «٣» في جهنّم، وقال ابن عباس:\nالغىّ واد في جهنم وإنّ أودية جهنم لتستعيذ من حرّها، أعدّ ذلك الوادي للزاني المصرّ عليه، ولشارب الخمر المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور،\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٣٨.\n(٢) في نسخة أصفهان: للجماعات. [.....]\n(٣) في نسخة أصفهان: نهر.","vol":"6","page":221},{"text":"ولامرأة أدخلت على زوجها ولدا. وقال عطاء: الغىّ واد في جهنم يسيل قيحا ودما. وقال وهب: الغىّ نهر في النار بعيد قعره، خبيث طعمه، وقال كعب: هو واد في جهنم أبعدها قعرا وأشدّها حرّا، فيه بئر تسمى البهيم كلّما خبت جهنّم فتح الله تلك البئر فسعّر بها جهنم، وقال الضحاك: خسرانا وقيل: عذابا، وقيل: ألما، وقيل: كفرا.\nإِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئًا. جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ ولم يروها إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا يعني آتيا، قال الأعشى:\nوساعيت معصيّا إليها وشاتها\n. أي عاصيا.\nلا يَسْمَعُونَ فِيها في الجنة لَغْوًا باطلا وفحشا وفضولا من الكلام، قال مقاتل: يمينا كاذبة إِلَّا سَلامًا استثناء من غير جنسه يعني بل يسمعون فيها سلاما أي قولا يسلمون منه، وقال المفسّرون: يعني تسليم بعضهم على بعض تسليم الملائكة عليهم وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا يعني على مقدار طرفي النهار.\nأخبرنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن جعفر بقراءتي عليه قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن سختويه قال: حدّثنا موسى بن هارون قال: حدّثنا بشر بن معاذ الضرير قال: حدّثنا عامذ بن سياق عن يحيى بن أبي كثير قال: كانت العرب في زمانها من وجد غداء مع عشاء فذلك هو الناعم، فأنزل الله سبحانه وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا قدر ما بين غدائهم وعشائهم.\nأخبرنا محمد بن أحمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن محمد بن سختويه قال: حدّثنا موسى ابن هارون قال: حدّثنا داود بن رشيد قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: سألت زهير بن محمد عن قول الله سبحانه وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا قال: ليس في الجنة ليل، هم في نور أبدا وإنّما يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب، ومقدار النهار برفع الحجب.\nتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا وقرأ يعقوب: نورّث بالتشديد، والاختيار التخفيف لقوله ثُمَّ أَوْرَثْنَا ... مَنْ كانَ تَقِيًّا وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ الآية.\nأخبرنا عبد الله بن حامد وشعيب بن محمد قالا: أخبرنا مكي بن «١» عبدان قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبادة، قال: حدّثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: يا جبرئيل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا؟ فأنزل الله سبحانه وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ.\nوقال مجاهد: أبطأت الرّسل على رسول الله ﷺ ثم أتاه جبرئيل فقال:\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: محمد بن.","vol":"6","page":222},{"text":"ما حبسك؟ فقال: وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصّون أظفاركم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون «١»؟ فأنزل الله سبحانه وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ الآية.\nوقال عكرمة والضّحاك ومقاتل وقتادة والكلبي: احتبس جبرئيل عن النبي ﷺ حين سأله قومه عن قصة أصحاب الكهف وذي القرنين والرّوح فلم يدر ما يجيبهم، ورجا أن يأتيه جبرئيل بجواب ما سألوه فأبطأ عليه قال عكرمة: أربعين يوما. وقال مجاهد: اثنتي عشرة ليلة وقيل:\nخمس عشرة- فشقّ ذلك على رسول الله ﷺ مشقة شديدة، وقال المشركون:\nودّعه ربّه وقلاه، فلمّا أنزل جبرئيل قال له رسول الله ﷺ: «أبطأت عليّ حتى ساء ظنّي واشتقت إليك»، فقال له جبرئيل: إنّي كنت أشوق إليك ولكنّي عبد مأمور إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست، فأنزل الله تعالى وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ وأنزل وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى «٢» «٣» .\nوقيل: هذا إخبار عن أهل الجنة، أنّهم يقولون عند دخولها: ما تتنزل هذه الجنان إلّا بأمر الله لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا قال مقاتل: له ما بين أيدينا من أمر الآخرة وَما خَلْفَنا من أمر الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ يعني بين النفختين، وبينهما أربعون سنة، وقيل: كان له ابتداء خلقنا وله كان منتهى آجالنا، وله كان مدّة حياتنا.\nويقال: ما بَيْنَ أَيْدِينا من الثواب والعقاب وأمور الآخرة وَما خَلْفَنا ما مضى من أعمالنا في الدنيا وَما بَيْنَ ذلِكَ أي ما يكون منّا إلى يوم القيامة. ويقال: لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا قيل أن يخلقنا وَما خَلْفَنا بعد أن يميتنا وَما بَيْنَ ذلِكَ ما هو فيه من الحياة، ويقال لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا إلى الأرض إذا أردنا النزول إليها وَما خَلْفَنا أي السماء إذا نزلنا منها وَما بَيْنَ ذلِكَ يعني السماء والأرض، يريد أن كل ذلك لله سبحانه فلا تقدر على فعل إلّا بأمره.\nوَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي ناسيا إذا شاء أن يرسل إليك أرسل. رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ أي واصبر على عبادته هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا قال ابن عباس:\nمثلا، وقال سعيد بن جبير: عدلا، وقال الكلبي: هل تعلم أحدا يسمى الله غيره.\nوَيَقُولُ الْإِنْسانُ يعني أبي بن خلف الجمحي أَإِذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ من القبر حَيًّا استهزاء وتكذيبا منه بالبعث.\nقال الله سبحانه أَوَلا يَذْكُرُ أي يتذكّر ويتفكّر، والأصل يتذكر، وقرأ ابن عامر ونافع\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ١١/ ١٢٩.\n(٣) الضحى: ١- ٣.","vol":"6","page":223},{"text":"وعاصم ويعقوب يَذْكُرُ بالتخفيف، والاختيار التشديد لقوله سبحانه إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ «١» وأخواتها، يدل عليه قراءة أبي يتذكر الإنسان يعني أبي بن خلف الجمحي أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا ثمّ أقسم بنفسه فقال فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ لنجمعنّهم في المعاد يعني المشركين المنكرين للبعث وَالشَّياطِينَ مع الشياطين يعني قرناءهم الذين أضلّوهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ يعني في جهنم جِثِيًّا قال ابن عباس: جماعات جماعات، وقال مقاتل: جميعا وهو على هذا القول جمع جثوة، وقال الحسن والضحاك: جاثية على الركب وهو على هذا التأويل جمع جاث. قال الكميت:\nهم تركوا سراتهم جثيّا ... وهم دون السراة مقرنينا «٢»\nثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ لنخرجنّ من كلّ أمّة وأهل دين أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا عتوّا قال ابن عباس: يعني جرأة، وقال مجاهد: فجورا وكذبا، قال مقاتل: علوّا، وقيل: غلوّا في الكفر، وقيل: كفرا، وقال الكلبي: قائدهم رأسهم في الشرّ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا الحسن بن علي قال:\nحدّثنا أبو أسامة عن سفيان عن علي بن الأرقم عن أبي الأحوص قال: نبدأ بالأكابر فالأكابر ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا أي أحقّ بدخول النار، يقال: صلي يصلى صليا مثل لقي يلقى لقيّا وصلى يصلى صليا مثل مضى يمضي مضيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>[سورة مريم (١٩): الآيات ٧١ الى ٨٧]</span>\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا وَرِءْيًا (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)\nوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلاَّ سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠)\nوَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣) فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا (٨٥)\nوَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٨٧)\nوَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قيل: في الآية إضمار مجازه: والله إِنْ مِنْكُمْ يعني ما منكم من\n_________\n(١) الرعد: ١٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١١/ ١٣٣.","vol":"6","page":224},{"text":"أحد إِلَّا وارِدُها يعني النار، واختلف الناس في معنى الورود حسب اختلافهم في الوعيد، فأمّا الوعيد فإنّهم قالوا «١»: إنّ من دخلها لم يخرج منها، وقالت المرجئة: لا يدخلها مؤمن، واتّفقوا على أنّ الورود هو الحضور والمرور، فأمّا أهل السنّة فإنّهم قالوا: يجوز أن يعاقب الله سبحانه العصاة من المؤمنين بالنار ثم يخرجهم منها، وقالوا: معنى الورود الدخول، واحتجّوا، بقول الله سبحانه حكاية «٢» عن فرعون يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ «٣» وقال في الأصنام وعبدتها إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ «٤» لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها «٥» فلو لم يكن الورود في هذه الآيات بمعنى الدخول لوجب أن يدخل الأصنام وعبدتها وفرعون وقومه الجنّة لأن من مرّ على النار فلا بدّ له من الجنّة لأنه ليس بعد الدنيا دار إلّا الجنّة أو النار، والذي يدلّ على أنّ الورود هو الدخول قوله في سياق الآية ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا والنجاة لا تكون إلّا ممّا دخلت فيه وأنت ملقىّ فيه، قال الله سبحانه وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ «٦» واللغة تشهد لهذا، تقول العرب: ورد كتاب فلان، ووردت بلد كذا، لا يريدون جزت عليها وإنّما يريدون دخلتها، ودليلنا أيضا من السنّة.\nوأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله المزني قال:\nحدّثنا محمد بن نصر بن منصور الصائغ الشيخ الصالح قال: حدّثنا سليمان بن حرب قال: حدّثنا أبو صالح غالب بن سليمان عن كثير بن زياد البرساني عن أبي سميّة قال: اختلفنا في الورود هاهنا بالبصرة فقال قوم: لا يدخلها مؤمن، وقال آخرون: يدخلونها جميعا، فلقيت جابر بن عبد الله فسألته فأهوى بإصبعيه إلى أذنيه وقال: صمّتا إن لم أكن سمعت النبي «٧» ﷺ يقول:\n«الورود: الدخول، لا يبقى برّ ولا فاجر إلّا دخلها فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حتى أنّ للنار- أو لجهنم- ضجيجا لمن تردهم ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا» .\nوأخبرنا شعيب بن محمد وعبد الله بن حامد قالا: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر قال: حدّثنا روح بن عبدان قال: حدّثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار أنّ نافع بن الأزرق ما رأى ابن عباس يقول ابن عباس: الورود الدخول ويقول نافع ليس الورود الدخول فتلا\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الوعيد به فقالوا.\n(٢) في نسخة أصفهان: واحتجوا بقوله تعالى إخبارا عن.\n(٣) سورة هود: ٩٨.\n(٤) سورة الأنبياء: ٩٨.\n(٥) سورة الأنبياء: ٩٩.\n(٦) سورة الأنبياء: ٨٨.\n(٧) مسند أحمد: ٣/ ٣٢٩. [.....]","vol":"6","page":225},{"text":"ابن عباس حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ «١» أدخل هؤلاء أم لا؟ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ «٢» أدخل هؤلاء أم لا؟ والله أنا وأنت فسنردها، وأنا أرجو أن يخرجني الله وما أرى الله مخرجك منها بتكذيبك.\nوبإسناده عن ابن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵇: ما من مسلم يموت له ثلاث من الولد إلّا لم يلج النار إلّا تحلّة القسم ثم قرأ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها.\nوبإسناده عن روح قال: حدّثنا شعبة قال: أخبرني إسماعيل السدىّ عن مرّة الهمداني عن ابن مسعود في قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: يردونها ثم يصدرون عنها بأعمالهم.\nوبه عن روح عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال:\nالصراط على جهنم مثل حد السيف، تمرّ الطائفة الأولى كالبرق، والثانية كالريح، والثالثة كأجود الخيل، والرابعة كأجود البهائم، ثمّ يمرّون والملائكة يقولون: اللهمّ سلّم سلّم.\nأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الأصبهاني قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الهروي قال: حدّثنا الحسين بن إدريس قال: حدّثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن سفيان بن عيينة عن رجل عن الحسن قال: قال رجل لأخيه: أي أخ هل أتاك أنّك وارد النار؟\nقال: نعم، قال: فهل أتاك أنّك خارج منها؟ قال: لا، قال: ففيم الضحك إذا؟ قال: فما رؤي ضاحكا حتى مات.\nوبإسناده عن عبد الله بن المبارك عن مالك بن معول عن أبي إسحاق عن ابن ميسرة أنّه أوى إلى فراشه فقال: يا ليت أمي لم تلدني، فقالت امرأته: يا أبا ميسرة، إنّ الله سبحانه قد أحسن إليك، هداك إلى الإسلام فقال: أجل، ولكنّ الله قد بيّن لنا أنّا واردو النار ولم يبيّن لنا أنّا صادرون منها، وأنشد في معناه:\nلقد أتانا ورود النار ضاحية ... حقّا يقينا ولمّا يأتنا الصّدر «٣»\nفإن قيل: فخبّرونا عن الأنبياء هل يدخلون النار؟ يقال لهم: لا تطلق هذه اللفظة بالتخصيص فيهم بل نقول: إنّ الخلق جميعا يردونها.\nفإن احتجّوا بقوله وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ «٤» يقال لهم: إنّ موسى لم يمرّ على تلك البئر،\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٩٨.\n(٢) سورة هود: ٩٨.\n(٣) كتاب العين: ٣/ ٢٦٥.\n(٤) سورة القصص: ٢٣.","vol":"6","page":226},{"text":"وإنّما استقى لابنتي شعيب وروى الأغنام وأقام، وهو معنى الدخول، والعرب تعبر عن الحي وأماكنهم بذكر الماء، فتقول: ماء بني فلان.\nفإن قيل: فكيف يجوز أن يدخلها من قد أخبر الله سبحانه أنّه لا يسمع حسيسها ولا يدخلها؟ قيل: إن الله سبحانه أخبر عن وقت كونهم في الجنة أنّهم لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها فيجوز أن يكونوا قد سمعوا ذلك قبل دخولهم الجنة لأن الله سبحانه لم يقل: لم يسمعوا حسيسها ويجوز أن لا يسمعوا حسيسها عند دخولهم إياها إذ الله ﷿ قادر على ان يجعلها عليهم بردا وسلاما.\nوكذلك تأويل قوله لا يدخلون النّار أي لا يخلدون فيها، أو لا يتألّمون ويتأذّون بها، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا مؤمّل بن إسماعيل عن أبي هلال عن قتادة عن أنس في قول الله سبحانه إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ «١» فقال: إنّك من تخلّد في النّار فقد أخزيته.\nوالدليل على أنّ الخلق جميعا يدخلون النار ثمّ ينجي الله المؤمنين بعضهم سالمين غير آلمين وبعضهم معذّبين معاقبين ثم يدخلهم جميعا الجنة برحمته، ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا حاجب بن محمد قال: حدّثنا محمد بن حامد الأبيوردي قال: حدّثنا أبو سعيد عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن أم مبشر عن حفصة قالت: قال رسول الله ﷺ: إنّي أرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدرا والحديبية قالت: قلت:\nيا رسول الله أليس قد قال الله سبحانه وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا؟\nقال: أفلم تسمعيه يقول ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا!؟ «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان قال: أخبرنا جبغوية بن محمد قال: أخبرنا صالح بن محمد بن عبد العزيز بن المسيّب عن الربيع بن بدر عن أبي مسعود عن العباس عن كعب أنّه قال في هذه الآية وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: ترفع جهنّم يوم القيامة كأنّها متن اهالة وتستوي أقدام الخلائق عليها، فينادي مناد أن خذي أصحابك ودعي أصحابي، فتخسف بهم وهي أعرف بهم من الوالدة بولدها، ويمرّ أولياء الله ﷿ بندي ثيابهم، وقال خالد بن معدان: يقول أهل الجنة: ألم يعدنا ربّنا أن نرد النّار؟ فيقال: بلى ولكنّكم مررتم بها وهي خامدة.\nوروى خالد بن أبي الدريك عن يعلى بن منبّه أن النبي ﷺ قال: «تقول النار للمؤمن يوم القيامة جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي» «٣» .\n_________\n(١) آل عمران: ١٩٢.\n(٢) مسند أبي يعلى الموصلي: ١٢/ ٤٧٣.\n(٣) كنز العمال: ١٤/ ٣٨٥.","vol":"6","page":227},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثي قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي حمّاد عن يحيى بن يمان عن عثمان الأسود عن مجاهد في قوله وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها قال: من حمّ من المسلمين فقد وردها.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا يحيى بن سعيد القطان قال: حدّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «يخرج من النار من قال: لا إله إلّا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلّا الله وكان في قليه من الخير ما يزن برّة، ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلّا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرّة» «١» .\nثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا يعني اتقوا الشرك وهم المؤمنون، وفي مصحف عبد الله: ثَمَّ نُنَجِّي بفتح الثاء يعني هناك وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ أي الكافرين فِيها في النار جِثِيًّا جميعا، وقيل: على الرّكب.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد بن الحسن قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن حشيش أبي محرز قال:\nسمعت أبا عمران الجوني يقول: هبك ننجو بعد كم ننجو؟\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني النضر بن الحرث ودونه من قريش لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني فقراء أصحاب رسول الله ﷺ وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون يرجّلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون خير ثيابهم فقالوا للمؤمنين: أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا منزلا ومسكنا، وقرأ أهل مكة مُقامًا بالضّم أي إقامة وَأَحْسَنُ نَدِيًّا يعني مجلسا، ومثله النادي، ومنه دار الندوة لأنّ المشركين كانوا يجلسون فيها ويتشاورون في أمورهم، قال الله تعالى مجيبا لهم وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثًا أي متاعا، وقال ابن عباس: هيئة وقال مقاتل: ثيابا. وَرِءْيًا أي منظرا، وقرأ أبي: وزيّا بالزاي وهو الهيئة.\nقُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا أي فليدعه في طغيانه ويمهله في كفره حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ من العذاب إِمَّا الْعَذابَ في الدنيا وَإِمَّا السَّاعَةَ يعني القيامة فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا أهم أم المؤمنون.\nوَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً أي إيمانا ويقينا يعني المؤمنين، يقال: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ١١٦.","vol":"6","page":228},{"text":"اهْتَدَوْا بالمنسوخ هُدىً بالناسخ وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا عاقبة ومرجعا أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن خبّاب بن الأرتّ قال: كان لي دين على العاص «١» فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإنّي إذا متّ ثم بعثت جئتني، وسيكون لي ثمّ مال وولد فأعطيك، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال الكلبي ومقاتل: كان خبّاب بن الأرتّ قينا وكان يعمل للعاص بن وائل السهمي وكان العاص يؤخّر حقّه الشيء بعد الشيء إلى الموسم، فكان حسن الطلب فصاغ له بعض الحلي فأتاه يتقاضاه الأجرة فقال العاص: ما عندي اليوم ما أقضيك، فقال له الخباب: لست مفارقك حتى تقضي، فقال له العاص: يا خبّاب ما لك؟ ما كنت هكذا وإن كنت حسن الطلب والمخالطة، فقال خبّاب: ذلك أنّي كنت على دينك فأمّا اليوم فأنا على الإسلام مفارق لدينك فلا، قال: أفلستم تزعمون أنّ في الجنة ذهبا وفضة وحريرا؟ قال الخبّاب: بلى، قال: فأخّرني حتى أقضيك في الجنة- استهزاء- فو الله لئن كان ما تقول حقا فإنىّ لأفضل فيها نصيبا منك، فأنزل الله سبحانه أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا يعني العاص وَقالَ لَأُوتَيَنَّ لأعطين «٢» مالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ قال ابن عباس: أنظر في اللوح المحفوظ؟ وقال مجاهد: أعلم علم الغيب حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا؟ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا يعني أم قال: لا إله إلا الله، وقال قتادة: يعني عملا صالحا قدّمه، وقال الكلبي: عهد إليه أنّه يدخله الجنة. كَلَّا ردّ عليه يعني لم يفعل ذلك سَنَكْتُبُ سنحفظ عليه ما يَقُولُ «٣» يعني المال والولد. وَيَأْتِينا فَرْدًا في الآخرة ليس معه شيء.\nوَاتَّخَذُوا يعني مشركي قريش مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً يعني الأصنام لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ في الآخرة ويتبرءون منهم وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا أعداء وقيل: أعوانا.\nأَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ يعني سلّطناهم عليهم وذلك حين قال لإبليس وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ الآية.\nتَؤُزُّهُمْ أَزًّا قال ابن عباس: تزعجهم ازعاجا من الطاعة إلى المعصية. وقال الضحاك:\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: بن وائل.\n(٢) في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.\n(٣) في نسخة أصفهان زيادة: فنجازيه به في الآخرة وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا أي نزيده عَذابًا فَوْقَ الْعَذابِ ... وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ.","vol":"6","page":229},{"text":"يأمرهم بالمعاصي أمرا، وقال سعيد بن جبير: تغريهم إغراء وقال مجاهد: تشليهم أشلاء وقال الأخفش: توهجهم، وقال المؤرّخ: تحرّكهم، وقال أبو عبيد: تغويهم وتهيجهم، وقال القتيبي:\nتخرجهم إلى المعاصي، وأصله الحركة والغليان ومنه\nالخبر عن النبي ﷺ: «ولجوفه أزيز كأزيز المرجل» «١» .\nفَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ بالعذاب إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا قال الكلبي: يعني الليالي والأيام والشهور والسنين، وقيل: الأنفاس، يقال: إنّ المأمون كان يقرأ سورة مريم وعنده الفقهاء فلمّا انتهى إلى هذه الآية التفت إلى محمد بن السماك مشيرا عليه بأن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد.\nيَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ يعني الموحّدين إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا أي جماعات وهو جمع وافد مثل راكب وركب وصاحب وصحب.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمد قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال:\nحدّثنا..... «٢» ... وهب بن جرير عن شعبة عن إسماعيل بن أبي خالد عن رجل عن أبي هريرة يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا قال: على الإبل، وقال ابن عباس: ركبانا يؤتون بنوق عليها رحال الذهب، وأزمّتها الزبرجد فيحملون عليها،\nوقال علىّ بن أبي طالب:\n«ما يحشرون والله على أرجلهم ولكن على نوق رحالها ذهب، ونجائب سرجها يواقيت، إن همّوا بها سارت، وإن همّوا بها طارت» «٣» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد «٤»، أخبرنا أحمد بن شاذان عن صعوبة بن محمد، حدّثنا صالح ابن محمد عن إبراهيم بن عن صالح بن صدقة أن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا قال: قلت: يا رسول الله إني رأيت وفود الملوك فلم أر وفدا إلّا ركبانا فما وفد الله؟ قال رسول الله ﷺ: «يا علي إذا كان المنصرف من بين يدي الله تلقّت الملائكة المؤمنين بنوق بيض رحالها وأزمّتها الذهب، على كلّ مركب حلّة لا تساويها الدنيا، فيلبس كلّ مؤمن حلّته ثم يستوون على مراكبهم فتهوي بهم النوق حتى تنتهي بهم إلى الجنة تتلقّاهم الملائكة سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ «٥» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٢٥.\n(٢) في نسخة أصفهان: عبد الله بن محمد عن الحسين.\n(٣) كنز العمال: ٢/ ٤٦٥ بتفاوت. [.....]\n(٤) في نسخة أصفهان زيادة: الوزان.\n(٥) تفسير القرطبي: ١١/ ١٥٢.","vol":"6","page":230},{"text":"وقال الربيع: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْدًا قال: يفدون إلى ربهم فيكرمون ويعطون ويحيون ويشفعون وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ يعني الكافرين إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا قال المفسّرون: عطاشى، مشاة على أرجلهم قد تقطّعت أعناقهم من العطش، والورد جماعة يردون الماء، اسم على لفظ المصدر لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا يعني لا إله إلّا الله، ومن في موضع النصب على الاستثناء.\nقال ابن عباس: يعني لا يشفع إلّا من شهد أن لا إله إلّا الله تبرّأ من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله ﷿.\nوقال بعضهم: معناه إلّا لمن اتخذ، نظيره وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى قال مقاتل إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا يعني اعتقد بالتوحيد.\nوقال قتادة: عمل بطاعة الله،\nوروى أبو وائل عن عبد الله بن مسعود قال: سمعت رسول الله علائم يقول لأصحابه ذات يوم: «أيعجز أحدكم أن يتّخذ كلّ صباح ومساء عند الله عهدا؟\nقالوا: كيف ذاك؟ قال: يقول كلّ صباح ومساء: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ إنّي أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أنّي أشهد أن لا إله إلّا أنت وحدك لا شريك لك، وأنّ محمّدا عبدك ورسولك، وأنّك إن تكلني إلى نفسي تقرّبني من الشرّ وتباعدني من الخير، وإنّي لا أثق إلّا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفّينيه يوم القيامة إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ، فإذا قال ذلك طبع الله عليه بطابع ووضع تحت العرش فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرّحمن عهد فيدخلون الجنة «١»؟» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>[سورة مريم (١٩): الآيات ٨٨ الى ٩٨]</span>\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا (٩١) وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)\nإِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا (٩٥) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا (٩٦) فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا يعني اليهود والنصارى، ومن زعموا أنّ الملائكة بنات الله، وقرأ حمزة والكسائي وُلْدًا بضم الواو وجزم «٢» اللام وهي أربعة مواضع هاهنا، وحرف في\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٦٢\n(٢) في نسخة أصفهان: همز.","vol":"6","page":231},{"text":"سورة الزخرف، وحرف في سورة نوح، والباقون بالفتح، وهما لغتان مثل العرب والعرب والعجم والعجم.\nقال الشاعر:\nفليت فلانا كان في بطن أمّه ... وليت فلانا كان ولد حمار «١»\nمخففا وقيس بجعل الولد بالضم جمعا والولد بالفتح واحدا.\nلَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا قال ابن عباس: منكرا، وقال قتادة ومجاهد: عظيما، وقال الضحاك: فظيعا وقال مقاتل: معناه لقد قلتم قولا عظيما، نظيره قوله أَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا «٢» والإدّ في كلام العرب أعظم الدواهي، قال رؤبة:\nنطح شىّ أد رؤوس الأداد\nوفيه ثلاث لغات: إدّ بالكسر وهي قراءة العامة، وأدب الفتح وهي قراءة السلمي، وآد مثل ماد وهي لغة بعض العرب تَكادُ السَّماواتُ قرأ نافع والكسائي بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء لتأنيث السموات يَتَفَطَّرْنَ يتشقّقن منه وقرأ «٣» أبو عمرو ينفطرن بالنون من الانفطار وهو اختيار أبي عبد الله «٤» لقوله ﷿ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ وقوله السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ الباقون بالتاء من التفطّر وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا قال ابن عباس: وقرأ مقاتل:\nوقطعا وقال عطاء: هدما، أبو عبيد: سقوطا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا يعني لأن دعوا، ومن قرأ جعلوا وقالوا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا «٥»، قال ابن عباس وأبي بن كعب: فزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلّا الثقلين وكادت أن تزول وغضبت الملائكة واستعرت جهنم وقالوا لله ﷿ ولد، ثم نفى سبحانه عن نفسه الولد فقال وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا يعني انه لا يفعل ذلك ولا يحتاج إليه ولا يوصف به إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا لا ولدا لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا أنفاسهم وأيامهم «٦» فلا يخفى عليه شيء وَكُلُّهُمْ آتِيهِ جائيه يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا وحيدا فريدا بعمله ليس معه شيء من الدنيا.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، حدّثنا محمد بن جعفر بن يزيد، حدّثنا أحمد بن عبيد\n_________\n(١) تاج العروس: ٢/ ٥٤٠.\n(٢) الإسراء: ٤٠.\n(٣) في نسخة أصفهان زيادة: عاصم و.\n(٤) في نسخة أصفهان: أبي عبيد، بدل أبي عبد الله.\n(٥) في نسخة أصفهان: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا.\n(٦) في نسخة أصفهان: أنفاسهم وآثامهم وآثارهم.","vol":"6","page":232},{"text":"المؤدب، حدّثنا عبد الرزاق، وحدّثنا عبد الله، نبّأ محمد بن الحسن، نبّأ أحمد بن يوسف السلمي «١»، نبّأ عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: قال الله ﷿: «كذبني عبدي وشتمني ولم يكن له ذلك، أما تكذيبه إيّاي فأن يقول: لن يعيدنا كما بدأنا، وأمّا شتمه إياي فأن يقول: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كُفُوًا أَحَدٌ» «٢» .\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا أي حبّا يحبّهم ويحبّبهم إلى عباده المؤمنين من أهل السموات والأرضين.\nأخبرنا عبد الخالق بن علىّ بن عبد الخالق أبو القاسم العاصي أنبأ أبو علي محمد بن أحمد بن حمزه عن الحسن الصوّاف «٣» ببغداد، قال أبو جعفر الحسن بن علي الفارسي، عن إسحاق بن بشر الكوفي، عن خالد بن يزيد عن يزيد الزيات، عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء عن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: يا علي قل:\n«اللهم اجعل لي عندك عهدا واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة، فأنزل الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» الآية «٤» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، أنبأ عبدوس بن الحسين، نبّأ أبو حاتم بن أبي أويس، حدّثني مالك بن أنس عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: أنّه قال: إذا أحبّ الله العبد قال لجبرئيل: يا جبرئيل قد أحببت فلانا فأحبّه، فيحبّه جبرائيل ثمّ ينادي في أهل السماء: إنّ الله ﷿ قد أحب فلانا فأحبّوه، فيحبّه أهل السماء ثم يضع له المحبّة في الأرض وإذا أبغض العبد، قال مالك: لا أحسبه إلّا قال في البغض مثل ذلك «٥» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن يعقوب عن يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب عن سعيد عن قتادة في قوله سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا قال: إي والله ودّ في قلوب أهل الإيمان، وان هرم بن حيّان يقول: ما أقبل عبد بقلبه إلى الله ﷿ إلا أقبل الله ﷿ بقلوب أهل الإيمان إليه حتّى يورثه مودّتهم ورحمتهم.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: وأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن الحسين بن الحسن عن أحمد بن يوسف السلمي عن عبد الرزاق عن عبد الله، وأخبرنا محمد بن جعفر بن يزيد عن أحمد بن عبيد الله المؤدب.\n(٢) صحيح ابن حبّان: ٣/ ١٢٨.\n(٣) في نسخة أصفهان: عبد الخالق عن أبي علي محمد بن أحمد الصواف.\n(٤) نظم درر السمطين- الزرندي الحنفي: ص ٨٥. [.....]\n(٥) مسند أحمد: ٢/ ٥١٤ بتفاوت.","vol":"6","page":233},{"text":"فَإِنَّما يَسَّرْناهُ سهّلناه يعني القرآن بِلِسانِكَ يا محمد لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ يعني المؤمنين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا قال ابن عباس: شدادا في الخصومة وقال الضحاك: جدلا بالباطل، وقال مقاتل: خصما، وقال الحسن: صمّا، وقال الربيع: صمّ آذان القلوب، وهو جمع ألدّ يقال: رجل ألدّ إذا كان من عادته مخاصمة الناس.\nوقال مجاهد: الألدّ الظالم الذي لا يستقيم، وقال أبو عبيد: الألدّ الذي لا يقبل الحق ويدّعي الباطل، قال الله تعالى وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أنبأ أحمد بن محمد بن الحسين بن السوقي، نبّأ أبو الأزهر نبّأ أبو أسامة عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ «٢» يقول: أبغض الرجال إلى الله تعالى الألدّ الخصم.\nثمّ خوّف أهل مكة فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ هل ترى، وقيل: تجد منهم مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا وهو الصوت الخفيّ، قال ذو الرمّة:\nوقد توجّس ركزا من سنابكها ... إذ كان صاحب أرض أو به الموم\nقال أبو عبيدة: الركز: الصوت والحركة الذي لا يفهمه «٣» كركز الكتيبة، وأنشد بيت لبيد:\nوتوجّست ركز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيس سقامها «٤»\n_________\n(١) البقرة: ٢٠٤.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ٥٥.\n(٣) في نسخة أصفهان: الصوت الخفىّ والحركة الذي يفهمه.\n(٤) كتاب العين: ٧/ ٣٤٨٠ والعبارة: فتسمعت ركز الأنيس فراعها عن ظهر غيب والأنيس سقامها.","vol":"6","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-488>سورة طه</span>\nوهي خمسة آلاف ومائتان واثنان وأربعون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وأربعون كلمة، ومائة وخمس وثلاثون آية «١»\nأخبرنا أبو الحسن عبد الرحيم «٢» بن إبراهيم بن محمد العدل، نبّأ عبد الله بن محمد بن عبد الرّحمن الرازي، قال أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي وخشنام بن بشر بن العنبر قالا: قال إبراهيم بن المنذر الحرامي عن إبراهيم بن المهاجر قال: حدّثني عمر بن حفص ابن ذكوان عن مولى الحرقة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: إنّ الله ﷿ قرأ طه وياسين قبل أن يخلق آدم بألفي عام، فلمّا سمعت الملائكة القرآن قالوا: طوبى لأمّة تقول «٣» عليها هذا، طوبى لألسن تتكلم بهذا، وطوبى لأجواف تحمل هذا «٤» .\nوأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال أبو نصر منصور بن عبد الله السرخسي عن محمد بن الفضل عن إبراهيم بن يوسف عن المسيّب عن زياد «٥» عن النبي ﷺ قال: «لا يقرأ أهل الجنة من القرآن إلّا يس وطه» «٦» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>[سورة طه (٢٠): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطه (١) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى (٢) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى (٤)\nالرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى (٥) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى (٦) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى (٧) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى (٨)\nقوله ﷿ طه قرأ أبو عمرو بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ أهل المدينة والشام بين\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: وهي مائة وخمس وثلاثون آية وخمسة آلاف واثنان وأربعون حرفا وألف وثلاثمائة وأحدى وأربعون كلمة ومائة واثنان وثلاثون آية بصري وأربع حجازي وخمس كوفي.\n(٢) في نسخة أصفهان: عبد الرحمن.\n(٣) في الثانية: ينزل بدل تقول.\n(٤) سنن الدارمي: ٢/ ٤٥٦.\n(٥) في نسخة أصفهان: زياد بن الحسن أنّ.\n(٦) الدرّ المنثور: ٤/ ٢٨٨ بتفاوت.","vol":"6","page":235},{"text":"الكسر والفتح فيهما، وقرأ الأعمش وحمزه والكسائي بكسر الهاء والطاء، وقرأ عاصم وابن كثير بالتفخيم فيهما وكلها لغات صحيحة «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن عمر بن حميد «٢» الأزدي عن محمد بن الجهم السمري، عن يحيى بن زياد الفرّاء عن عيسى بن الربيع عن زرّ بن حبيش قال: قرأ رجل على عبد الله بن مسعود طه فقال له عبد الله: طه فقال له الرجل: يا أبا عبد الرّحمن أليس أمر أن يطأ قدميه؟ فقال عبد الله: طه، هكذا أقرأني رسول الله ﷺ.\nواختلفوا في تفسيره، فروى عبد الله «٣» بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو قسم أقسم الله به وهو اسم من أسماء الله، وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: هو كقولك: افعل، وقال مجاهد والحسن وعطاء والضحاك: معناه يا رجل، وقال عكرمة: هو كقولك: يا رجل بلسان الحبشة يعني محمدا ﷺ، وقال قتادة: هو يا رجل بالسريانيّة، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية. وروى السدّي عن أبي مالك وعكرمة: طه، قالا «٤»: يا فلان، وقال الكلبي: هو بلغة عكّ: يا رجل، قال شاعرهم:\nان السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدّس الله أرواح الملاعين «٥»\nوقال آخر:\nهتفت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت لعمرك أن يكون موائلا «٦»\nمقاتل «٧» بن حيان معناه: طئ الأرض بقدميك، يريد في التهجّد، وقال محمد بن كعب القرظي: أقسم الله تعالى بطوله وهدايته، وموضع القاسم قوله ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى.\nوقال جعفر بن محمد الصادق (﵁): طه: طهارة أهل بيت محمد «٨» ﷺ ثم إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وقيل: الطاء شجرة طوبى، والهاء هاويه. والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه فكأنّه أقسم بالجنة والنار.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: فصيحة صحيحة.\n(٢) في نسخة أصفهان: جميل.\n(٣) في نسخة أصفهان: علي. [.....]\n(٤) في الثانية: عن مالك وعكرمة قالا.\n(٥) جامع البيان للطبري: ١٦/ ١٧١ والعبارة: إنّ السفاهة طه من خلائقكم. لا بارك الله في القوم الملاعين.\n(٦) جامع البيان للطبري: ١٦/ ١٧١.\n(٧) في نسخة أصفهان زيادة: وقال قتادة: هو كقولك: يا رجل بالسريانية، وقال سعيد بن جبير: يا رجل بالنبطية، مقاتل.\n(٨) نهج الإيمان- ابن جبر.: ص ٨٥.","vol":"6","page":236},{"text":"وقال سعيد بن جبير: الطاء افتتاح اسمه طاهر وطيب، والهاء افتتاح اسمه هادي. وقيل:\nالطاء يا طامع الشفاعة للأمة، والهاء يا هادي الخلق إلى الملّة.\nوقيل: الطاء من الطهارة، والهاء: من الهداية، وكأنه تعالى يقول لنبيّه ﷺ: يا طاهرا من الذنوب، ويا هاديا إلى علّام الغيوب، وقيل: الطاء: طبول الغزاة، والهاء:\nهيبتهم في قلوب الكفار، قال الله تعالى سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ «١» . وقال:\nوَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقيل: الطاء: طرب أهل الجنة «٢»، والهاء: هوان أهل النار في النار، وقيل: الطاء تسعة في حساب [الجمل] والهاء خمسة، أربعة عشر، ومعناها يا أيّها البدر ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى\nقال مجاهد: كان رسول الله ﷺ وأصحابه يربطون الحبال في صدورهم في الصلاة بالليل «٣» ذلك بالفرض، وأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال الكلبي: لمّا نزل على رسول الله الوحي بمكّة اجتهد في العبادة واشتدّت عبادته فجعل يصلّي الليل كله «٤»، فكان بعد نزول هذه الآية ينام ويصلّي.\nأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد الهروي عن بشر بن موسى الحميدي عن سفيان بن زياد بن علاقة قال: سمعت المغيرة بن شعبة يقول: قام رسول الله ﷺ حتى تورمت قدماه، وقيل له: يا رسول الله أليس قد غفر الله لك ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ؟ فقال ﷺ: أفلا أكون عَبْدًا شَكُورًا «٥» .\nوقال مقاتل: قال أبو جهل بن هشام والنصر بن الحرث «٦» للنبىّ ﷺ: إنّك لتسعى بترك ديننا- وذلك لما رأوا من طول عبادته وشدّة اجتهاده- فإننا نراه أنّه ليس لله وأنّك مبعوث إلينا، فقال رسول الله ﷺ: بل بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، قالوا: بل أنت شقيّ، فأنزل الله تعالى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وأصل «٧» لكن أنزلناه عظة «٨» لِمَنْ يَخْشى «٩» .\nقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: ما أنزلنا عليك القرآن إلّا تذكرة لمن يخشى ولئلّا تشقى، تنزيلا بدل من قوله تَذْكِرَةً.\n_________\n(١) آل عمران: ١٥١.\n(٢) في نسخة أصفهان زيادة: في الجنة.\n(٣) في نسخة أصفهان زيادة: ثم نسخ.\n(٤) في نسخة أصفهان زيادة: زمانا حتى نزلت هذه الآية فأمره الله ﷿ أن يخفف عن نفسه فيصلي وينام فنسخت هذه الآية قيام الليل كله.\n(٥) مسند أحمد: ٤/ ٢٥١.\n(٦) في نسخة أصفهان أبو جهل والنضر بن هشام.\n(٧) في نسخة أصفهان زيادة: الشقاء في اللغة العناد والتعب إِلَّا تَذْكِرَةً.\n(٨) في نسخة أصفهان زيادة: وتَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى.\n(٩) أسباب نزول الآيات- النيسابوري- ص: ٢٠٥. [.....]","vol":"6","page":237},{"text":"وقرأ أبو الشامي: تنزيل بالرفع يعني هذا تنزيل مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى يعني العالية الرفيعة وهو جمع العليا كصغرى وصغر وكبرى وكبر الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى يعني التراب الذي تحت الأرضين وهو التراب الندي، تقول العرب: شبر ندىّ وسهر نديّ وسهر مرعىّ.\nقال ابن عباس: الأرض على ظهر النون والنون على بحر وإنّ طرفي النون رأسه وذنبه يلتقيان تحت العرش على صخرة خضراء، وخضرة السماء منها وهي الصخرة التي ذكرها الله تعالى في القرآن في قصة لقمان فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الصخرة على قرن ثور، والثور على الثرى وَما تَحْتَ الثَّرى لا يعلمه إلّا الله ﷿، وذلك الثور فاتح فاه فإذا جعل الله ﷿ البحار بحرا واحدا سالت في جوف ذلك الثور، فإذا وقعت في جوفه يبست.\nوَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ تعلن فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا حامد «١» أخبرنا بشر بن موسى عن عبد الله بن صالح العجلي، حدّثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة «٢» عن ابن عباس في قوله يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى قال: وأخفى حديث نفسك نفسك.\nوأخبرني عبد الله بن حامد عن أبي الطاهر محمد بن الحسن، حدّثنا إبراهيم بن أبي طالب عن محمد بن النعمان بن مسيل، حدّثنا يحيى بن أبي روق عن أبيه عن الضحاك عن ابن عباس قال: السرّ ما أسررت في نفسك، وأخفى أخفى من السّر، ما ستحدّث به نفسك، ما لا تعلم أنّك تحدّث به نفسك.\nوروى عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير قال: السر ما تسرّ في نفسك، وأخفى من السرّ ما لم يكن وهو كائن، قال: وأنت تعلم ما تسرّ اليوم ولا تعلم ما تسرّ غدا، والله ﷿ يعلم ما أسررت اليوم وما تسرّ غدا.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: السرّ ما أسرّ ابن آدم في نفسه، وأخفى ما خفي على ابن آدم ممّا هو فاعله قبل أن يعلمه، فالله يعلم ذلك كله، فعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد، وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة.\nوقال مجاهد: السرّ العمل الذي يسرّون من الناس، وأخفى الوسوسة، وقال زيد بن أسلم: معناه يعلم أسرار العباد، وأخفى سرّه فلا يعلم.\nوقال الحسن: السرّ ما أسرّ الرجل إلى غيره، وأخفى من ذلك ما أسرّه في نفسه.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: بن محمد.\n(٢) في نسخة أصفهان زيادة: وأخبرنا حامد بن محمد عن أبي الأحوص.","vol":"6","page":238},{"text":"ثم وحّد نفسه فقال: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩ الى ٢٣]</span>\nوَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (٩) إِذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً (١٠) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى (١٣)\nإِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى (١٧) قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى (١٨)\nقالَ أَلْقِها يا مُوسى (١٩) فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣)\nوَهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ مُوسى قال أهل المعاني: هو استفهام اثبات «١» مجازه:\nأليس قد أتاك؟. وقال بعضهم: معناه: وقد أتاك، وقال: لم يكن قد أتاه «٢» ثم أخبره.\nإِذْ رَأى نارًا ليلة الجمعة، وقال وهب بن منبّه: استأذن موسى شعيبا في الرجوع إلى والدته فأذن له فخرج بأهله، فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة وقد جاد «٣» عن الطريق، فقدح موسى النار فلم تور المقدحة، فبينا هو في مزاولة ذلك أبصر نارا من بعيد عن يسار الطريق فَقالَ لِأَهْلِهِ لامرأته امْكُثُوا أقيموا مكانكم إِنِّي آنَسْتُ أبصرت نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ يعني شعلة من النار، والقبس: ما اقتبس من خشب أو قصب «٤» أو غير ذلك أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً يعني من يدلّني على الطريق فَلَمَّا أَتاها رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنّها نار بيضاء تتقدّم «٥»، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما فخاف وتعّجب، فألقيت عليه السكينة ثمّ نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ وإنّما كرّر الكناية لتوكيد الدلالة وإزالة الشبهة وتحقيق المعرفة، ونظيره قوله للرسول ﵇ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ «٦» .\nفَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ وكان «٧» السبب في أمره بخلع نعليه\nما أخبرنا عبد الله بن حامد «٨»،\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: وإيجاب.\n(٢) في نسخة أصفهان: أتاك، وقال الكلبي: لم يكن أتاه حديثه.\n(٣) في المخطوط: جار.\n(٤) في نسخة أصفهان: قيس.\n(٥) في نسخة أصفهان: تنفد.\n(٦) الحجر: ٨٩.\n(٧) في نسخة أصفهان: أي فانزع و.\n(٨) في نسخة أصفهان زيادة: الاصفهاني.","vol":"6","page":239},{"text":"قال: أخبرنا أحمد بن يحيى العبيدي قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال:\nحدّثنا عيسى بن يونس «١» عن حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحرث العنبسي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ في قوله فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ قال: كانتا من جلد حمار ميّت «٢»\n، وفي بعض الأخبار: غير مدبوغ «٣»، وقال الحسن: ما بال خلع النعلين في الصلاة وصلّى رسول الله ﷺ في نعليه؟ وإنّما أمر موسى ﵇ أن يخلع نعليه إنّهما كانتا من جلد حمار، وقال أبو الأحوص: أتى عبد الله أبا موسى في داره فأقيمت الصلاة فقال لعبد الله تقدّم، فقال له عبد الله: تقدّم أنت في دارك فتقدّم فنزع نعليه، فقال له عبد الله: أبِالْوادِ الْمُقَدَّسِ أنت؟.\nوقال عكرمة ومجاهد: إنّما قال له: اخلع نعليك كي تمسّ راحة قدميك الأرض الطيّبة وينالك بركتها لأنّها قدّست مرّتين.\nوقال بعضهم: أمر بذلك لأنّ الحفوة من أمارات التواضع، وكذلك فعل السّلف حين طافوا بالبيت.\nقال سعيد بن جبير: قيل له: طأ الأرض حافيا، كيما يدخل كعبه من بركة الوادي.\nوقال أهل الإشارة: معناه: فرّغ قلبك من شغل الأهل والولد.\nقالوا: وكذلك هو في التعبير من رأى عليه نعلين تزوّج.\nفخلعهما موسى وألقاهما من وراء الوادي إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ المطهّر طُوىً اسم الوادي، وقال الضحاك: مستدير عميق مثل الطوى في استدارته، وقيل: أراد به إنك تطوي الوادي، وقيل: هو الليل، يقال: أتيتك طوى من الليل، وقيل: طويت عليه البركة طيّا، وقرأ عكرمة: طِوىً بكسر الطاء وهما لغتان، وقرأ أهل الكوفة والشام: طُوىً بالتنوين وإلّا جرّا لتذكيره وتحقيقه، الباقون من غير تنوين، قال: لأنّه معدول عن طاو أو مطوىّ، فلمّا كان معدولا عن وجهه كان مصروفا عن إعرابه مثل عمر وزفر وقثم.\nوَأَنَا اخْتَرْتُكَ اصطفيتك، وقرأ حمزة: وإنّا اخترناك بلفظ الجمع على التعظيم فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي ولا تعبد غيري وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي قال مجاهد: أَقِمِ الصَّلاةَ لتذكرني فيها، وقال مقاتل: إذا تركت الصلاة ثمّ ذكرتها فأقمها، يدلّ عليه ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد «٤» قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا إبراهيم بن\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: بن نجدة الحماني عن يونس.\n(٢) سنن الترمذي: ٣/ ١٣٨.\n(٣) السنن الكبرى: ٣/ ٢٥٥.\n(٤) في الثانية زيادة: الوزّان. [.....]","vol":"6","page":240},{"text":"مرزوق قال: حدّثنا سعيد بن عامر عن سعيد عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «من نسي صلاة أو نام عنها فليصلّها إذا ذكرها، إنّ الله سبحانه يقول: وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي\n«١» .\nوقيل: هو مردود على الوحي يعني فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى واستمع لذكري.\nإِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها فأكاد «٢» صلة، كقول الشاعر:\nسريع إلى الهيجاء شاك سلاحه ... فما أن يكاد قرنه يتنفس «٣»\nيعني: فما يتنفس من خوفه، والفائدة في الإخفاء التخويف والتهويل، قال ابن عباس وأكثر المفسّرين: معناه أَكادُ أُخْفِيها من نفسي، وكذلك هو في مصحف أبي، وفي مصحف عبد الله: أكاد أخفيها من نفسي فكيف يعلمها مخلوق؟.\nوفي بعض القراءات فكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يخفي الله من نفسه وهو خلق الإخفاء؟ قلنا: إنّ الله سبحانه كلّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أنّ الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سرّي، فيقول مجيبا له معتذرا إليه: والله لقد كتمت سرّك نفسي فكيف أذعته؟! معناه عندهم: أخفيته الإخفاء كله، وقال الشاعر:\nأيام تعجبني هند وأخبرها ... ما أكتم النّفس من حاجي وإسراري «٤»\nفكيف يخبرها ما يكتم عن نفسه؟ فمجاز الآية على هذا.\nوقرأ الحسن وسعيد بن جبير: أَخْفِيها بفتح الألف أي أظهرها وأبرزها يقال: خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته، قال امرؤ القيس:\nخفاهنّ من إنفاقهنّ كأنّما ... خفاهنّ ودق من سحاب مركّب «٥»\nأي أخرجهن.\nلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى أي تعمل من خير وشرّ فَلا يَصُدَّنَّكَ يصرفنّك عَنْها يعني عن الإيمان بالساعة مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ مراده فَتَرْدى فتهلك.\nوَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى قالَ هِيَ عَصايَ وكانت لها شعبتان وفي أسفلها سنان واسمها نبعة في قول مقاتل «٦» أَتَوَكَّؤُا اعتمد عَلَيْها إذا مشيت وإذا أعييت وعند الوثبة\n_________\n(١) سنن الدارمي: ١/ ٢٨٠.\n(٢) في نسخة أصفهان: بمعنى أخفيها وأكاد.\n(٣) لسان العرب: ٣/ ٣٨٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ١١/ ٨٥، والعبارة: أيام تصحبني هند وأخبرها.\n(٥) كتاب العين: ٤/ ٣١٤.\n(٦) في نسخة أصفهان: مجاهد.","vol":"6","page":241},{"text":"والطفرة. وَأَهُشُّ وأخبط بِها الشجر ليتناثر ورقها فتأكل غنمي، وقرأ عكرمة «وأهسّ» بالسين يعني وازجر بها الغنم، وذلك أن العرب تقول: هس هس، وقال النضر بن شمّيل: سألت الخليل عن قراءة عكرمة فقال: العرب تعاقب بين الشين والسين في كثير من الكلام، كقولهم:\nشمّت العاطس وسمّته، وشن عليه الدرع وسن، والروشم والروسم للختم.\nوَلِيَ فِيها مَآرِبُ حوائج ومنافع، واحدتها مأربة ومأربة بفتح الراء وضمّها أُخْرى ولم يقل أخر لرؤوس الآي.\nقال ابن عباس: كان موسى ﵇ يحمل عليها زاده وسقاءه، فجعلت تماشيه وتحدّثه، وكان يضرب بها الأرض فيخرج ما يأكل يومه، ويركزها فيخرج الماء فإذا رفعها ذهب الماء، وكان يردّ بها غنمه، وتقيه الهوام بإذن الله، وإذا ظهر له عدّو حاربت وناضلت عنه، وإذا أراد الإسقاء من البئر أدلاها فطالت على طول البئر وصارت شعبتاها كالدلو حتى يستقي، وكان يظهر على شعبتيها كالشمعتين بالليل تضيء له ويهتدي بها، وإذا اشتهى ثمرة من الثمار ركزها في الأرض فتغصّنت غصن تلك الشجرة وأورقت ورقها وأثمرت ثمرها، فهذه المآرب.\nقال الله سبحانه أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها من يده فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى تمشي مسرعة على بطنها.\nقال ابن عباس: صارت حيّة صفراء لها عرف كعرف الفرس، وجعلت تتورّم حتى صارت ثعبانا، وهو أكبر ما يكون من الحيّات، فلذلك قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وهو أصغر الحيّات، وفي موضع ثعبان وهو أعظمها، فالجانّ عبارة عن ابتداء حالها، والثعبان إخبار عن انتهاء حالها، وقيل: أراد أنّها في عظم الثعبان وسرعة الجانّ، فأمّا الحيّة فإنها تجمع الصغر والكبر والذكر والأنثى.\nقال فرقد السخي: كان ما بين جنبيها أربعين ذراعا فلما ظهر في موسى من الخوف ونفار الطبع لمّا رأى من الأعجوبة قالَ الله تعالى له خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا أي إلى سيرتها وهيئتها الْأُولى نردّها عصا كما كانت وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ يعني إبطك.\nوقال الكلبي: أسفل من الإبط، وقال مجاهد: تحت عضدك، وقال مقاتل: يعني مع جناحك وهو عضده تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص ولا داء آيَةً أُخْرى سوى العصا، فأخرج يده من مدرعة له مضرّبة بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس يغشي البصر لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى وكان من حقّه الكبر وإنّما قال: الْكُبْرى وفاقا لرءوس الآي، وقيل: فيه إضمار معناه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الآية الكبرى «١» دليله قول ابن عباس: كانت يد موسى أكبر آياته.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الآية الكريمة.","vol":"6","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-491>[سورة طه (٢٠): الآيات ٢٤ الى ٥٢]</span>\nاذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٢٤) قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢٦) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)\nوَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣)\nوَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (٣٤) إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا (٣٥) قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨)\nأَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣)\nفَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤) قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)\nقالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى (٤٩) قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى (٥٠) قالَ فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى (٥١) قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى (٥٢)\nاذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى عصى وعلا وتكبّر وكفر، فادعه إلى عبادتي، واعلم بأنّي قد ربطت «١» على قلبه، قال: فكيف تأمرني أن آتيه وقد ربطت على قلبه؟ فأتاه ملك من خزّان الريح فقال: انطلق، فإنّا اثنا عشر من خزّان الريح منذ خلقنا الله سبحانه نحن في هذا فما علمناه، فامض لأمر الله، فقال موسى عند ذلك رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وسّع وليّن قلبي بالإيمان والنبوّة وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وسهّل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون وَاحْلُلْ وابسط وافتح عُقْدَةً مِنْ لِسانِي قال ابن عباس: كانت في لسانه رتّة، وذلك أنّه كان في حجر فرعون ذات يوم فلطمه لطمة وأخذ بلحيته فقال فرعون لآسية امرأته: انّ هذا عدوّي، فقالت آسية: على رسلك إنّه صبي لا يفرّق بين الأشياء ولا يميّز، ثم جاءت بطستين فجعلت في أحدهما الجمر وفي الأخرى الجوهر ووضعتهما بين يدي موسى، فأخذ جبرئيل بيد موسى فوضعها على النار حتى رفع جمرة ووضعها على لسانه فتلك الرتّة يَفْقَهُوا قَوْلِي كي يفهموا كلامي وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا معينا وظهيرا مِنْ أَهْلِي ثمّ بين من هو فقال هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي قوّ به ظهري وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي يعني النبوّة وتبليغ الرسالة كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا نصلّي لك وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا.\nوقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن عامر: اشْدِدْ بِهِ أَزْرِي بفتح الألف وَأُشْرُكْهُ بضم الألف\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: ورطت وكذا في الموضع الآتي.","vol":"6","page":243},{"text":"على الجزاء والجواب حكاية عن موسى أنّي أفعل ذلك، قال الله سبحانه قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى قد أعطيت مرادك وسؤالك يا موسى.\nوَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى قبل هذا وهي إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ وحي إلهام مثل وحي النحل ما يُوحى أَنِ اقْذِفِيهِ أن اجعليه فِي التَّابُوتِ.\nقال مقاتل: والمؤمن الذي صنع التابوت من آل فرعون اسمه خربيل، وقيل: إنّه كان من بردي فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ يعني نهر النيل فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يعني شاطئ النهر، لفظه أمر ومعناه خبر مجازه: حتى يلقيه اليمّ بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ يعني فرعون، فاتّخذت تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا، ووضعت فيه موسى، وقيّرت رأسه وخصاصه- يعني شقوقه- ثمّ ألقته في النّيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية إذا بتابوت يجيء به الماء، فلمّا رأى ذلك أمر الغلمان والجواري بإخراجه فأخرجوه وفتحوا رأسه فإذا صبيّ من أصبح الناس وجها، فلمّا رآه فرعون أحبّه بحيث لم يتمالك، فذلك قوله سبحانه وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي قال ابن عباس: أحبّه وحبّبه إلى خلقه، قال عطيّة العوفي: جعل عليه مسحة من جمال لا تكاد يصبر عنه من رآه، قال قتادة: ملاحة كانت في عيني موسى، ما رآه أحد إلّا عشقه.\nوَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي أي ولتربّى وتغذّى بمرأى ومنظر منّي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ واسمها مريم متعرّفة خبره فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ يرضعه ويضمّه إليه، وذلك أنّه كان لا يقبل ثدي امرأة، فلمّا قالت لهم أخته ذلك قالوا: نعم، فجاءت بالأمّ فقبل ثديها فذلك قوله فَرَجَعْناكَ فرددناك إِلى أُمِّكَ. وفي مصحف أبي فرددناك إلى أمّك كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها بلقائك وبقائك وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا قال ابن عباس: قتل قبطيا كافرا.\nقال كعب الأحبار: كان إذ ذاك ابن اثنتي عشرة سنة فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ أي من غمّ القتل وكربته وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا. قال ابن عباس: اختبرناك اختبارا. وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل، ابتليناك ابتلاء. وقال مجاهد: أخلصناك إخلاصا فَلَبِثْتَ سِنِينَ «١» يعني عشر سنين فِي أَهْلِ مَدْيَنَ وهي بلدة شعيب على ثلاث «٢» مراحل من مصر، قال وهب: لبث عند شعيب ثمان وعشرين سنة، عشر سنين منها مهر امرأته صفيرا بنت شعيب وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له.\nثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. قال مقاتل: على موعد، قال محمد بن كعب: ثم جئت على القدر الذي قدّرت أنك تجيء.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: فمكثت.\n(٢) في نسخة أصفهان: ثمان.","vol":"6","page":244},{"text":"قال عبد الرّحمن بن كيسان: على رأس أربعين سنة وهو القدر الذي يوحي فيه إلى الأنبياء «١»، قال الكلبي: وافق الكلام عند الشجرة.\nوَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي اخترتك واصطفيتك واختصصتك «٢» بالرسالة أو النبوّة اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي اليد والعصا وَلا تَنِيا قال ابن عباس: لا تضعفا، وقال السدّي: لا تفترا، وقال محمد بن كعب: لا تقصّرا.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا، وفي قراءة ابن مسعود: ولا تهنا.\nاذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى. فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا قال ابن عباس: لا تعنّفا في قولكما ولا تغلّظا، وقال السدّي وعكرمة: كنّياه قولا له: يا أبا العباس، وقيل: يا أبا الوليد.\nوقال مقاتل: يعني بالقول اللين هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى.\nوقال أهل المعاني: معناه الطفا له في قولكما فإنّه ربّاك وأحسن تربيتك وله عليك حقّ الأبوّة فلا تجبهه بمكروه في أوّل قدومك عليه، يقال: وعده على قبول الإيمان شبابا لا يهرم وملكا لا ينزع عنه إلّا بالموت، ويبقى عليه لذّة المطعم والمشرب والمنكح إلى حين موته.\nقال المفسّرون: وكان هارون يومئذ بمصر فأمر الله ﷿ أن يأتي هو وهارون، وأوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى فتلقّاه إلى مرحلة وأخبره بما أوحي إليه فقال له موسى:\nإن الله سبحانه أمرني أن آتي فرعون فسألت ربّي ﷿ أن يجعلك معي. وقوله لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى أي يسلم.\nفإن قيل: كيف قال: لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى وعلمه سابق في فرعون أنّه لا يتذكّر ولا يخشى؟.\nقال الحسين «٣» بن الفضل: هو مصروف إلى غير فرعون، ومجازه: لكي يتذكّر متذكّر أو يخشى خاش إذا رأى برّي وإلطافي بمن خلقته ورزقته، وصححت جسمه وأنعمت عليه ثم ادّعى الربوبية دوني.\nوقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: لعلّ هاهنا من الله واجب، ولقد تذكّر فرعون حيث لم تنفعه الذكرى والخشية، وذلك قوله حين ألجمه الغرق في البحر آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ «٤» .\n_________\n(١) في الثانية محمد بن كعب ثم جئت على القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.\n(٢) في نسخة أصفهان زيادة: لنفسي.\n(٣) في نسخة أصفهان: الحسن.\n(٤) يونس: ٩٠. [.....]","vol":"6","page":245},{"text":"سمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول سمعت علىّ «١» بن محمد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول- وقرأ هذه الآية-: هذا رفقك بمن يقول: أنا الإله، فكيف رفقك بمن يقول: أنت الإله؟\nقال أبو القاسم الحسين «٢» فبنيت عليه ألفاظا اقتديت به فيها فقلت: هذا رفقك بمن ينافيك فكيف رفقك بمن يصافيك؟ هذا رفقك بمن يعاديك فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن يسبّك فكيف رفقك بمن يحبّك؟ هذا رفقك بمن يقول لك ندّا فكيف رفقك بمن يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضلّ فكيف رفقك بمن ذل «٣» هذا رفقك بمن اقترف فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصرّ فكيف رفقك بمن أقرّ؟ هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟\nقالا يعني موسى وهارون رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا. قال ابن عباس: يعجّل بالقتل والعقوبة، وقال الضحّاك: تجاوز الحدّ، وقيل: يغلبنا أَوْ أَنْ يَطْغى يتكبّر ويستعصي علينا.\nقالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما بالدفع عنكما أَسْمَعُ قولكما وقوله وَأَرى فعله وفعلكما فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ أي ولا تتعبهم في العمل، وكانت بنو إسرائيل عند آل فرعون في عذاب شديد يقتل أبناءهم ويستخدم نساءهم ويكلفهم من العمل واللبن والطين وبناء المدائن ما لا يقدرون عليه.\nقال موسى قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ قال فرعون: وما هي؟ قال: فأدخل يده في جيب قميصه ثمّ أخرجها فإذا هي بيضاء لها شعاع كشعاع الشمس، غلبت نور الشمس، فعجب منها ولم يره العصا إلّا بعد ذلك يوم الزينة.\nوَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى يعني من أسلم إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنا أَنَّ الْعَذابَ عَلى مَنْ كَذَّبَ أنبياء الله وَتَوَلَّى أعرض عن الإيمان، ورأيت في بعض التفاسير أنّ هذه أرجى آية للموحّدين في القرآن.\nقالَ فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى يعني يا موسى وهارون فذكر موسى دون هارون لرؤوس الآي.\nقالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ قال الحسين وقتادة: أعطى كلّ شيء صلاحه وهداه لما يصلحه.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: محمد بن حبيب يقول: سمعت علي.\n(٢) في نسخة أصفهان: الحسين.\n(٣) في نسخة أصفهان زيادة: هذا رفقك بمن استكبر فكيف رفقك بمن استغفر؟","vol":"6","page":246},{"text":"وقال مجاهد: لم يجعل الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كلّ شي فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا.\nوقال عطيّة: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني صورته.\nوقال الضحّاك: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، يعني اليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للبصر والأذن للسمع.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن محمد الزهري قال: حدّثنا أحمد ابن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن إسماعيل بن زكريا عن إسماعيل بن أبي صالح، أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى قال: هداه لمعيشته.\nوقال ابن عباس وسعيد بن جبير: أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني شكله، للإنسان الزوجة وللبعير الناقة وللفرس الرمكة وللحمار الأتان ثُمَّ هَدى أي عرّف وعلّم وألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح «١» . وقرأ نصير خَلَقَهُ بفتح اللام على الفعل.\nقالَ فرعون فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى وإنّما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى:\nإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فقال فرعون حينئذ له: فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى التي ذكرت؟ ف قالَ موسى عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ، وإنّما ردّ موسى علم ذلك إلى الله سبحانه لأنّه لم يعلم ذلك، وإنّما نزلت التوراة عليه بعد هلاك فرعون وقومه لا يَضِلُّ رَبِّي أي لا يخطئ وَلا يَنْسى فيتذكّر، وقال مجاهد: هما شيء واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-492>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٣ الى ٥٤]</span>\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْ نَباتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (٥٤)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا قرأه أهل الكوفة بغير ألف أي فرشا، وقرأ الباقون مهادا أي فراشا واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا ولم يختلفوا فيه أنّه بالألف.\nوَسَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي أدخل وبيّن وطرّق لكم فيها طرقا. وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجًا أصنافا مِنْ نَباتٍ شَتَّى مختلف الألوان والطعوم والمنافع من بين أبيض وأحمر وأخضر وأصفر، ووهب كلّ صنف زوجا، ومنها للدوابّ ومنها للناس ثمّ قال كُلُوا وَارْعَوْا أي ارتعوا أَنْعامَكُمْ يقول العرب: رعيت الغنم فرعت لازم ومتعدّ.\nإِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى أي لذوي العقول، واحدها نهية، سمّيت بذلك لأنّها تنهى صاحبها عن القبائح والفضائح وارتكاب المحظورات والمحرّمات.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: قوله: أي عرّف.... النكاح تأتي بعد قوله: على الفعل.","vol":"6","page":247},{"text":"وقال الضحّاك: لِأُولِي النُّهى يعني الذين ينتهون عمّا حرّم عليهم.\nوقال قتادة: لذوي الورع، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: لذوي التقى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>[سورة طه (٢٠): الآيات ٥٥ الى ٧٦]</span>\nمِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى (٥٥) وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى (٥٦) قالَ أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى (٥٧) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً (٥٨) قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)\nفَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتى (٦٠) قالَ لَهُمْ مُوسى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى (٦١) فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى (٦٢) قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى (٦٤)\nقالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى (٦٥) قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى (٦٧) قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى (٦٨) وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى (٦٩)\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى (٧٠) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا وَأَبْقى (٧١) قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (٧٤)\nوَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)\nمِنْها أي من الأرض خَلَقْناكُمْ يعني أباكم آدم. وقال عطاء الخراساني: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذرّه على النطفة، فيخلق من التراب، ومن النطفة فذلك قوله سبحانه مِنْها خَلَقْناكُمْ.\nوَفِيها نُعِيدُكُمْ أي عند الموت والدفن،\nقال عليّ: «إن المؤمن إذا قبض الملك روحه انتهى به إلى السماء، وقال: يا ربّ عبدك فلان قبضنا نفسه فيقول: ارجعوا فإنّي وعدته: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ فإنّه يسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين» «١» .\nوَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى مرّة أخرى بعد الموت عند البعث.\n_________\n(١) المصنّف لابن أبي شيبة: ٣/ ٢٥٤.","vol":"6","page":248},{"text":"وَلَقَدْ أَرَيْناهُ يعني فرعون آياتِنا كُلَّها يعني اليد والعصا والآيات التسع فَكَذَّبَ بها وزعم أنّها سحر وَأَبى أن يسلم قالَ فرعون أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا يعني مصر بِسِحْرِكَ يا مُوسى فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا فاضرب بيننا وبينك أجلا وميقاتا لا نُخْلِفُهُ لا نجاوزه نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكانًا سُوىً مستويا. قرأ الحسن وعاصم والأعمش وحمزة سوى بضم السين، الباقون: بكسر وهما لغتان مثل عدي وعدي، وطوى وطوى.\nقال قتادة ومقاتل: مكانا عدلا بيننا وبينك، وقال ابن عباس: صفا، وقال الكلبي: يعني سوى هذا المكان، وقال أبو عبيد والقيسي: وسطا بين الفريقين، وقال موسى بن جابر الحنفي:\nوإن أبانا كان حلّ ببلدة ... سوىّ بين قيس قيس عيلان والفزر\nالفزر: سعد بن زيد مناة.\nقالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ قال ابن عباس وسعيد بن جبير: يعني يوم عاشوراء.\nوقال مقاتل والكلبي: يوم عيد لهم في كل سنة يتزيّنون ويجتمعون فيه.\nوروى جعفر عن سعيد قال: يوم سوق لهم، وقيل: هو يوم النيروز.\nوقرأ الحسن وهبيرة عن حفص يَوْمَ الزِّينَةِ بنصب الميم أي في يوم، وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء والخبر.\nوَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وقت الضحوة، يجتمعون نهارا جهارا ليكون أبلغ في الحجة وأبعد من الريبة. فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ حيله وسحرته ثُمَّ أَتى الميعاد.\nقال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعون ساحرا مع كل واحد منهم حبل وعصا، وقيل: كانوا أربعمائة.\nقالَ موسى للسحرة لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ قرأ أهل: الكوفة فَيُسْحِتَكُمْ بضم الياء «١» وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتح الياء والحاء، وهما لغتان: سحت وأسحت.\nقال مقاتل والكلبي: فيهلككم، وقال قتادة: فيستأصلكم، وقال أبو صالح: يذبحكم، قال الفرزدق:\nوعضّ زمان يا ابن «٢» مروان لم يدع ... من المال إلّا مسحت أو مجلف «٣» «٤»\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: التاء.\n(٢) في نسخة أصفهان: بأيد.\n(٣) كتاب العين: ٢/ ٢٢٤.\n(٤) في نسخة أصفهان: إلّا مسحة أو يحلف.","vol":"6","page":249},{"text":"فَتَنازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوى أي المناجاة تكون اسما ومصدرا. قالُوا إِنْ هذانِ لَساحِرانِ قرأ عبد الله: واسرّوا النجوى إن هذان ساحران «١» بفتح الألف وجزم نونه ساحران بغير لام، وقرأ ابن كثير وحفص إِنْ بكسر الالف وجزم النون هذانِ بالألف على معنى ما هذان إلّا ساحران، نظيره: قوله وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ «٢» «٣» قال الشاعر:\nثكلتك أمّك إن قتلت لمسلما ... حلّت عليك عقوبة الرّحمن «٤»\nيعني ما قتلت إلّا مسلما، يدل على صحة هذه القراءة قراءة أبي بن كعب: إن ذان إلّا ساحران «٥»، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي وأبو عمر بن علاء «٦»: إن هذين لساحران بالياء على الأصل، قال أبو عمرو: واني لأستحي من الله أن أقرأ إنّ هذان، وقرأ الباقون: إنّ بالتشديد هذان بالألف واختلفوا فيه، فقال قوم بما أخبرنا أبو بكر بن عبدوس وعبد الله بن حامد قالا:\nحدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا محمد بن الجهم السمري قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن قوله سبحانه في النساء لكِنِ الرَّاسِخُونَ «٧» وَالْمُقِيمِينَ «٨» وعن قوله في المائدة إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ «٩» وعن قوله إِنْ هذانِ لَساحِرانِ «١٠» فقالت: يا بن أخي هذا خطأ من الكاتب.\nوقال عثمان بن عفان: إنّ في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتهم.\nوقال أبان: قرئت هذه الآية عند عثمان فقال: لحن وخطأ، فقيل له: ألم تغيّره فقال:\nدعوه فإنّه لا يحلّ حراما ولا يحرّم حلالا، وقال آخرون: هذه لغة الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وكنانة يجعلون الأسين في رفعهما ونصبهما وخفضهما بالألف.\nقال الفرّاء: أنشدني رجل من بني الأسد وما رأيت افصح منه.\nوأطرق إطراق الشجاع ولو ترى ... مساغا لناباه الشجاع لصمما «١١»\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: لساحران.\n(٢) الشعراء: ١٨٦.\n(٣) في نسخة أصفهان زيادة أي ما نظنك إلّا من الكاذبين.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢/ ٤٢٧.\n(٥) في نسخة أصفهان: إن ذان لساحران. [.....]\n(٦) في نسخة أصفهان: أبو عمرو العلاء.\n(٧) النساء: ١٦٢.\n(٨) النساء: ١٦٢.\n(٩) البقرة: ٦٢.\n(١٠) طه: ٦٣.\n(١١) كتاب العين: ٧/ ٩٢ والعبارة: فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى مساغا لنابيه الشجاع لصمما.","vol":"6","page":250},{"text":"ويقولون: كسرت يداه، وركبت علاه، بمعنى يديه وعليه. وقال الشاعر:\nتزوّد منّا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم «١»\nأراد بين أذنيه. وقال آخر:\nأي قلوص راكب نراها ... طاروا علاهنّ فطر علاها «٢»\nأي عليهن وعليها. وقال آخر:\nإنّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتاها «٣»\nوروي أنّ أعرابيا سأل ابن الزبير شيئا فحرّمه فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إن وصاحبها، يعني نعم. وقال الشاعر:\nبكرت عليّ عواذلي يلحينني وألومهنّه ... ويقلن شيب قد علاك وقد كبرت فقلت إنّه «٤»\nأي نعم، وقال الفرّاء: وفيه وجه آخر: وهو أن يقول: وجدت الألف دعامة من هذا على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: الذي ثمّ زادوا نونا يدلّ على الجمع فقالوا:\nالذين في رفعهم ونصبهم وخفضهم وكناية تقول: اللّذون.\nيُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ مصر بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى حدّث\nالشعبي عن عليّ قال: يصرفا وجوه الناس إليهما وهي بالسريانية.\nوقال ابن عباس: يعني بسراة قومكم وأشرافكم وقال مقاتل والكلبي: يعني الأمثل فالأمثل من ذوي الرأي والعقول.\nوقال عكرمة: يعني يذهب أخياركم.\nوقال قتادة: طريقتكم المثلى يومئذ، بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا يومئذ وأموالا، فقال عدو الله: إنما يريدان أن يذهبا به لأنفسهما.\nوقال الكسائي: بِطَرِيقَتِكُمُ يعني بسنّتكم وهديكم وسمتكم، والْمُثْلى نعت للطريقة، كقولك امرأة كبرى، تقول العرب: فلان على الطريقة المثلى يعني على الهدى المستقيم. قال الشاعر:\nفكم متفرقين منوا بجهل ... حدى بهم إلى زيغ فراغوا\nوزيغ بهم عن المثلى فتاهوا ... وأورطهم مع الوصل الرداغ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٢١٧.\n(٢) تاج العروس: ٤/ ٤٢٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ١١/ ٢١٧.\n(٤) لسان العرب: ١٣/ ٣١.","vol":"6","page":251},{"text":"فزلّت فيه أقدام فصارت ... إلى نار غلا منها الدماغ\nوالمثلى تأنيث الأمثل.\nفَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ قرأ أبو عمرو فاجمعوا بوصل الألف وفتح الميم، من الجمع يعني لا تدعوا شيئا من كيدكم إلا جئتم به، وتصديقه قوله: فَجَمَعَ كَيْدَهُ، وقرأ الباقون: فَأَجْمِعُوا بقطع الألف وكسر الميم وله وجهان: أحدهما: بمعنى الجمع، يقول العرب: أجمعت الشيء وجمعته بمعنى واحد. قال أبو ذؤيب:\nفكأنّه بالجزع جزع يتابع ... وأولاه ذي العرجاء تهب مجمّع «١»\nوالثاني: بمعنى العزم والأحكام، يقول: أجمعت الأمر وأزمعته، وأجمعت على الأمر وأزمعت عليه إذا عزمت عليه. قال الشاعر:\nيا ليت شعري والمنى لا تنفع ... هل أغدون يوما وأمري مجمع «٢»\nأي محكم، وقد عزم عليه كيدكم ومكركم وسحركم وعلمكم.\nثُمَّ ائْتُوا صَفًّا قال مقاتل: والكلبي: جميعا، وقيل: صفوفا، وقال أبو عبيد: يعني المصلّى والمجتمع، وحكي عن بعض العرب الفصحاء: ما استطعت أن آتي الصفّ أمس، يعني المصلّى.\nوَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى يعني فاز من غلب.\nقالُوا يعني السحرة يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ عصاك من يدك وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى عصاه قالَ موسى بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ وهو جمع العصا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ قرأ ابن عامر بالتاء، ردّه إلى الحبال والعصيّ، وقرأ الباقون: بالياء ردّوه إلى الكيد أو السحر، ومعناه شبّه إليه من سحرهم حتى ظنّ أَنَّها تَسْعى أي تمشي، وذلك أنّهم كانوا لطّخوا حبالهم وعصيّهم بالزئبق فلمّا أصابه حرّ الشمس ارتهشت واهتزت فظنّ موسى أنها تقصده فَأَوْجَسَ أي أحسّ ووجد، وقيل: أضمر فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قال مقاتل: إنّما خاف موسى إذ صنع القوم مثل صنيعه ان يشكّو فيه فلا يتبعوه ويشك فيه من تابعه.\nقُلْنا لموسى لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى الغالب وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ يعني العصا تَلْقَفْ تلتقم وتلتهم ما صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا يعني إنّ الذي صنعوا كَيْدُ ساحِرٍ قرأ أهل الكوفة بكسر السين من غير ألف، وقرأ الباقون: ساحِرٍ بالألف على فاعل، واختاره أبو عبيد،\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: أي مجموع.\n(٢) لسان العرب: ٨/ ٥٧.","vol":"6","page":252},{"text":"قال: لأنّ إضافة الكيد إلى الرجل أولى من إضافته إلى السّحر وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية.\nوَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى من الأرض، وقيل: معناه حيث احتال.\nفَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى قالَ آمَنْتُمْ لَهُ يعني به كقوله فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ... قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ لرئيسكم ومعلّمكم الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ يعني الرجل اليسرى واليد اليمنى وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ يعني جذوع النخل «١»، قال سويد بن أبي كاهل:\nوهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلّا بأجدعا «٢»\nوَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذابًا أنا أو ربّ موسى وَأَبْقى قالُوا «٣» يعني السحرة لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ قال مقاتل: يعني اليد والعصا.\nوأخبرنا البيهقي والاصفهاني قالا: أخبرنا مكي بن عبدان «٤» قال: حدّثنا أبو الأزهر، قال:\nحدّثنا روح قال: حدّثنا هشام بن أبي عبد الله عن القاسم بن أبي برزة قال: جمع فرعون سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى، فأوحى الله سبحانه أَنْ أَلْقِ عَصاكَ ...، فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ فاغرفاه، فابتلع حبالهم وعصيّهم وألقي السحرة عند ذلك سجدا فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار ورأوا ثواب أهلها، عند ذلك قالوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ يعنى الجنة والنار وما رأوا من ثوابهم ودرجاتهم «٥» .\nقال: وكانت امرأة فرعون تسأل: من غلب؟ فيقال: غلب موسى، فتقول: آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون فقال: انظروا أعظم صخرة تجدونها فأتوها فإن هي رجعت عن قولها فهي امرأته، وإن هي مضت على قولها فألقوا عليها الصخرة، فلما أتوها رفعت بصرها إلى السماء فأريت بيتها في الجنة فمضت على قولها وانتزعت روحها، وألقيت على جسد لا روح فيه.\nوَالَّذِي فَطَرَنا يعني وعلى الذي خلقنا، وقيل: هو قسم فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ فاحكم\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: أي عليها.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ٢٧٧. [.....]\n(٣) في نسخة أصفهان وَأَبْقى وأدوم قالُوا.\n(٤) في نسخة أصفهان: وأخبرنا شعيب بن محمد البيهقي وعبد الله بن حامد الاصفهاني قالا: أخبرنا أبو علي ابن عبدان.\n(٥) في نسخة أصفهان: الثواب والدرجات.","vol":"6","page":253},{"text":"ما أنت حاكم، واصنع ما أنت صانع من القطع والصلب إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا يقول:\nإنّما تملكنا في الدنيا ليس لك علينا سلطان إلّا في الدنيا «١» إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ قال مقاتل: كانت السحرة اثنين وسبعين ساحرا، اثنان منهم من القبط وهما رأسا القوم، وسبعون منهم من بني إسرائيل، وكان فرعون أكره أولئك السبعين الذين هم من بني إسرائيل على تعلّم السحر.\nوقال عبد العزيز بن أبان: إنّ السحرة قالوا لفرعون: أرنا موسى إذا نام، فأراهم موسى نائما وعصاه تحرسه فقالوا لفرعون: انّ هذا ليس بسحر، إنّ الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى عليهم إلّا أن تعملوا فذلك قوله وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقى منك لأنّك فان هالك إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ في الآخرة مُجْرِمًا مشركا يعني بات على الشرك فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى حياة تنفعه.\nوَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا مات على الإيمان قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى الرفيعة في الجنة جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى أي صلح، وقيل: تطهّر من الكفر والمعاصي. وقال الكلبي: يعني أعطى زكاة نفسه وقال: لا إله إلّا الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>[سورة طه (٢٠): الآيات ٧٧ الى ٩٧]</span>\nوَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا وَلا تَخْشى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى (٧٩) يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى (٨١)\nوَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى (٨٢) وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى (٨٣) قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى (٨٤) قالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥) فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)\nقالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنَّا حُمِّلْنا أَوْزارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ (٨٨) أَفَلا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩) وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى (٩١)\nقالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣) قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤) قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ (٩٥) قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)\nقالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)\n_________\n(١) في النسخة الثانية: تملكنا في الدنيا فاحكم ما أنت حاكم واصنع ما أنت من القطع والصلب، ليس عليك سلطان في الآخرة.","vol":"6","page":254},{"text":"وَلَقَدْ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي أي سر بهم أول الليل من أرض مصر.\nفَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا يابسا ليس فيه ماء ولا طين لا تَخافُ دَرَكًا من فرعون خلفك وَلا تَخْشى غرقا من البحر أمامك، وقرأ حمزة: لا تخف بالجزم على النهي، الباقون: بالألف على النفي، واختاره أبو عبيد لقوله: وَلا تَخْشى رفعا ودليل قراءة حمزة قوله:\n«يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ» فاستأنف، قال الفرّاء: ولو نوى حمزه بقوله: وَلا تَخْشى الجزم، لكان صوابا. وقال الشاعر:\nهجوت زمانا ثم ملت معتذرا ... من سب زمان لم يهجو ولم يذع «١»\nوقال آخر:\nألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد «٢»\nفَأَتْبَعَهُمْ فلحقهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ أصابهم مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى أي وما هداهم إلى مراشدهم، وهذا جواب قول فرعون: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ، فكذّبه الله تعالى فقال: بل أضلهم وما هداهم.\nقال وهب: استعار بنو إسرائيل حليا كثيرا من القبط ثم خرج بهم موسى من أول الليل، وكانوا سبعين ألفا فأخبر فرعون بذلك فركب في ستمائة ألف من القبط يقص أثر موسى «٣»، فلمّا رأى قوم موسى رهج الخيل قالوا إِنَّا لَمُدْرَكُونَ فقال موسى: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ فلمّا قربوا قالوا: يا موسى أين نمضي؟ البحر أمامنا وفرعون خلفنا، فضرب موسى بعصاه البحر فانفلق فصار فيه اثنتا عشرة طريقا يابسة، لكل سبط طريق، وصار بين كل طريقين كالطود العظيم من الماء، وكانوا يمرّون فيه وكلّهم بنو أعمام فلا يرى هذا السبط ذاك ولا ذاك هذا، فاستوحشوا وخافوا فأوحى الله سبحانه إلى أطواد الماء أن تشبّكي، فصارت شبكات يرى بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٢٢٨.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ٤٩٢.\n(٣) في نسخة أصفهان: يقصّ أثرهم.","vol":"6","page":255},{"text":"فلمّا اتى فرعون الساحل وجد موسى وبني إسرائيل قد عبروا فقال للقبط: قد سحر البحر فمرّ، فقالوا له: إن كنت ربّا فادخل البحر كما دخل، فجاء جبرئيل على رمكة وديق «١»، وكان فرعون على حصان، وهو الذكر من الأفراس، فأقحم جبرئيل الرمكة في الماء، فلم يتمالك حصان فرعون واقتحم البحر على أثرها ودخل القبط عن آخرهم، فلمّا تلجّجوا أوحى الله سبحانه إلى البحر أن غرّقهم، فعلاهم الماء وغرّقهم.\nقال كعب: فعرف السامري فرس جبرئيل، فحمل من أثره ترابا وألقاه في العجل حين اتّخذه «٢» .\nيا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ فرعون وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وقد مرّ ذكره وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى. كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ هذه قراءة العامة بالنون والألف على التعظيم، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: أنجيتكم ووعدتكم ورزقتكم من غير ألف على التوحيد والتفريد كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ حلال ما رَزَقْناكُمْ.\nوَلا تَطْغَوْا فِيهِ قال ابن عباس: ولا تظلموا، وقال مقاتل: ولا تعصوا، وقال الكلبي:\nولا تكفروا النعمة، وقيل: ولا تحرّموا الحلال، وقيل: ولا تنفقوا في معصيتي، وقيل: ولا تدّخروا، وقيل: ولا تتقووا بنعمي على معاصيّ.\nفَيَحِلَّ يجب عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ يجب عَلَيْهِ غَضَبِي وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: فَيَحُلَّ ومَنْ يَحْلُلْ بضم الحاء واللام أي ينزل.\nفَقَدْ هَوى هلك وتردّى في النار وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ من دينه وَآمَنَ بربّه وَعَمِلَ صالِحًا فيما بينه وبين الله ثُمَّ اهْتَدى.\nقال قتادة وسفيان الثوري: يعني لزم الإسلام حتى مات عليه.\nوقال زيد بن أسلم: تعلّم العلم ليهتدي كيف يعمل.\nوقال الشعبي ومقاتل والكلبي: علم أنّ لذلك ثوابا.\nوقال فضيل الناجي وسهل التستري: أقام على السنّة والجماعة.\nوقال الضحاك: يعني استقام.\nوَما أَعْجَلَكَ يعني وما حملك على العجلة عَنْ قَوْمِكَ يعني عن السبعين الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه إلى الطور ليأخذ التوراة من ربّه فلمّا سار عجل موسى شوقا إلى\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: - وذق.\n(٢) في نسخة أصفهان: اتخذوه.","vol":"6","page":256},{"text":"ربه وخلّف السبعين وأمرهم أن يتبعوه إلى الجبل، فقال الله سبحانه له: وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى فقال مجيبا لربّه هُمْ أُولاءِ يعني عَلى أَثَرِي هؤلاء يجيئون وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى لتزداد رضا قالَ الله سبحانه فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا ابتلينا قَوْمَكَ الذين خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا مِنْ بَعْدِكَ من بعد انطلاقك إلى الجبل وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ يعني دعاهم وصرفهم إلى عبادة العجل وحملهم عليها.\nفَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفًا حزينا جزعا قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا صدقا أنه يعطيكم التوراة أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ مدّة مفارقتي إياكم أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ يجب عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي وذلك أنّ الله سبحانه كان قد وقّت لموسى ثلاثين ليلة ثمّ أتمها بعشر، فلمّا مضت الثلاثون قال عدو الله السامري ...\nقال سعيد بن جبير: كان السامري من أهل كرمان فقال لهم: إنما أصابكم هذا عقوبة لكم بالحلي التي معكم، وكانت حليا استعاروها من القبط، فهلمّوا بها واجمعوها حتى يجيء موسى فيقضي فيه، فجمعت ودفعت إليه فصاغ منها عجلا في ثلاثة أيام ثمّ قذف فيه القبضة التي أخذها من أثر فرس جبرئيل، فقال قوم موسى له: قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا قرأ أهل المدينة وعاصم: بِمَلْكِنا بفتح الميم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الميم، الباقون: بكسرها، ومعناها بسلطاننا وطاقتنا وقدرتنا.\nقال مقاتل: يعني ونحن نملك أمرنا، وقيل: باختيارنا.\nوَلكِنَّا حُمِّلْنا قرأ أهل الحجاز والشام وحفص: حُمِّلْنا بضم الحاء وتشديد الميم، الباقون: حَمَلْنا بفتح الحاء والميم مخفّفة أَوْزارًا أثقالا وأحمالا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ من حلي قوم فرعون فَقَذَفْناها فجمعناها ودفعناها إلى السامري، فألقاها في النار لترجع أنت فترى فيه رأيك فَكَذلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ ما معه من الحليّ معنا كما ألقينا فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لا روح فيه، صاغ لهم عجلا من ذهب مرصّع بالجواهر لَهُ خُوارٌ صوت، وذلك أنه خار خورة واحدة ثمّ لم يعد.\nقال ابن عباس: أتى هارون على السامري وهو يصنع العجل فقال: ما تصنع؟ قال: أصنع ما ينفع ولا يضر، فقال: اللهمّ أعطه ما سألك على ما في يقينه فلمّا قال: اللهم إنّي أسألك أن يخور فخار فسجد، وإنّما خار لدعوة هارون فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ أي ضلّ وأخطأ الطريق، وقيل: معناه فتركه هاهنا وخرج يطلبه.\nقال الله سبحانه أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ يعني أنّه لا يرجع إِلَيْهِمْ قَوْلًا أي لا يكلّمهم العجل ولا يجيبهم، وقيل: يعني لا يعود إلى الخوار والصوت وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا. وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يعني من قبل رجوع موسى يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ ابتليتم بالعجل","vol":"6","page":257},{"text":"وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي على ديني وَأَطِيعُوا أَمْرِي فلا تعبدوه قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ لن نزال على عبادته مقيمين حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى فاعتزلهم هارون في اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل، فلمّا رجع موسى وسمع الصياح والجلبة، وكانوا يرقصون حول العجل، قال السبعون الذين معه: هذا صوت الفتنة، فلمّا رأى هارون أخذ شعره بيمينه ولحيته بشماله وقالَ له يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أخطئوا وأشركوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ يعني أن تتبّع أمري ووصيتي ولا صلة، وقيل: معناه: ما منعك من اللحوق بي وإخباري بضلالتهم فتكون مفارقتك إيّاهم تقريعا وزجرا لهم عمّا أتوه؟ وقيل: معناه: هلّا قاتلتهم إذ علمت أنّي لو كنت فيما بينهم لقاتلتهم على كفرهم.\nأَفَعَصَيْتَ أَمْرِي فقال هارون ابْنَ أُمَ\nقال الكلبي وغيره: كان أخاه لأبيه وأمّه ولكنّه أراد بقوله: ابْنَ أُمَ\nأن يرقّقه ويستعطفه عليه فيتركه، وقيل: كان أخاه لأمّه دون أبيه، وقيل: لأن كون الولد من الأمّ على التحقيق والأب من جهة الحكم تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي\nيعني ذؤابتي وشعر رأسي إذ هما عضوان مصونان يقصدان بالإكرام والإعظام من بين سائر الأعضاءنِّي خَشِيتُ\nلو أنكرت عليهم لصاروا حزبين يقتل بعضهم بعضا فتقول رَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ\nوأوقعت الفرقة فيما بينهم لَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي\nولم تحفظ وصيّتي حين قلت لك اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ.\nقال قتادة في هذه الآية: فذكر الصالحون الفرقة قبلكم، ثمّ أقبل موسى على السامرىّ فقال له فَما خَطْبُكَ أمرك وشأنك، وما الذي حملك على ما صنعت يا سامِرِيُّ قال قتادة: كان السامري عظيما من عظماء بني إسرائيل من قبيلة يقال لها سامرة، ولكنّ عدوّ الله نافق بعد ما قطع البحر مع بني إسرائيل، فلمّا مرّت بنو إسرائيل بالعمالقة وهم يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ ف قالُوا: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهًا كَما لَهُمْ آلِهَةٌ فاغتنمها السامرىّ، فاتّخذ العجل فقال السامري مجيبا لموسى: بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ رأيت ما لم يروا وعرفت ما لم يعرفوا وفطنت ما لم يفطنوا، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي تبصروا بالتاء على الخطاب، الباقون بالياء على الخبر فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ يعني فأخذت ترابا من أثر فرس جبرئيل، وقرأ الحسن فقبصت قبصة بالصاد فيهما، والفرق بينهما أن القبض بجمع الكف والقبص بأطراف الأصابع فَنَبَذْتُها فطرحتها في العجل وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ زيّنت لِي نَفْسِي قالَ له موسى فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ ما دمت حيا أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ لا تخالط أحدا ولا يخالطك أحد، وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه.\nقال قتادة: إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك: لا مساس، ويقال بأنّ موسى همّ بقتل السامري فقال الله: لا تقتله فإنه سخىّ، وفي بعض الكتب: إنّه إن يمسّ واحد من غيرهم أحدا منهم حمّ كلاهما في الوقت.","vol":"6","page":258},{"text":"وَإِنَّ لَكَ يا سامري مَوْعِدًا لعذابك لَنْ تُخْلَفَهُ قرأ الحسن وقتادة وأبو نهيك وأبو عمرو بكسر اللام بمعنى لن تغيب عنه بل توافيه، وقرأ الباقون بفتح اللام بمعنى لن يخلفكه الله.\nوَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ بزعمك وإلى معبودك الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ دمت عليه عاكِفًا مقيما تعبده. يقول العرب: ظلت أفعل كذا بمعنى ظللت، ومست بمعنى مسست، وأحست بمعنى أحسست. قال الشاعر:\nخلا أنّ العتاق من المطايا ... أحسن به فهنّ إليه شوس «١»\nأي أحسسن.\nلَنُحَرِّقَنَّهُ قرأه العامة بضم النون وتشديد الراء بمعنى لنحرقنه بالنار.\nوقرأ الحسن بضم النون وتخفيف الراء من الإحراق بالنّار، وتصديقه قول ابن عباس:\nفحرّقه بالنار ثمّ ذرّاه في اليمّ.\nوقرأ أبو جعفر وابن محيص وأشهب العقيلي لَنَحْرُقَنه بفتح النون وضم الراء خفيفة بمعنى لنبردنّه بالمبارد، يقال: حرقه يحرقه ويحرقه إذا برّده، ومنه قيل للمبرد المحرق، ودليل هذه القراءة قول السدّي: أخذ موسى العجل فذبحه ثمّ حرقه بالمبرد ثمّ ذرّاه في اليمّ، وفي حرف ابن مسعود: لنذبحنه ثمّ لنحرّقنه ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ لنذرّينه فِي الْيَمِّ نَسْفًا يقال نسف الطعام بالمنسف إذا ذرّاه فطيّر عنه قشوره وترابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>[سورة طه (٢٠): الآيات ٩٨ الى ١١٤]</span>\nإِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨) كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا (١٠٠) خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا (١٠١) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)\nيَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمًا (١٠٤) وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا (١٠٧)\nيَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا (١١٢)\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)\n_________\n(١) لسان العرب: ٦/ ٤٩.","vol":"6","page":259},{"text":"إِنَّما إِلهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لا العجل وَسِعَ ملأ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا فعلمه ولم يضق عليه، يقال: فلان يسع لهذا الأمر إذا أطاقه وقوي عليه كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ من الأمور وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا يعني القرآن مَنْ أَعْرَضَ أدبر عَنْهُ فلم يؤمن به ولم يعمل بما فيه فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْرًا إثما عظيما وحملا ثقيلا خالِدِينَ فِيهِ لا يكفره شيء.\nوَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلًا يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ قرأه العامة بياء مضمومة على غير تسمية الفاعل، وقرأ أبو عمرو بنون مفتوحة لقوله وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ المشركين يَوْمَئِذٍ زُرْقًا والعرب تتشاءم بزرقة العيون. قال الشاعر يهجو رجلا:\nلقد زرقت عيناك يا بن مكعبر ... كما كل ضبي من اللؤم أزرق «١»\nوقيل: أراد عميا يَتَخافَتُونَ يتسارّون فيما بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ ما مكثتم في الدنيا، وقيل:\nفي القبور إِلَّا عَشْرًا أي عشر ليال.\nقال الله سبحانه نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً أي أوفاهم عقلا وأصوبهم رأيا إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا قصر ذلك في أعينهم في جنب ما يستقبلهم من أهوال يوم القيامة.\nوَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها يقلعها من أماكنها ويطرحها في البحار حتى تستوي.\nفإن قيل: ما العلّة الجالبة للفاء التي في قوله فقل خلافا لأخواتها في القرآن؟\nفالجواب أنّ تلك أسئلة تقدّمت سألوا عنها رسول الله فجاء الجواب عقيب السؤال، وهذا سؤال لم يسألوه بعد وقد علم الله سبحانه أنّهم سائلوه عنه فأجاب قبل السؤال، ومجازها: وإن سألوك عن الجبال فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا أرضا ملساء لا نبات فيها.\nلا تَرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا.\nقال ابن عباس: العوج: الأودة، والأمت الروابي والنشوز.\nمجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: الارتفاع.\nابن زيد: الأمت: التفاوت والتعادي. ويقول العرب: ملأت القربة ماء لا أمت فيه أي لا استرخاء.\nيمان: الأمت: الشقوق في الأرض\n_________\n(١) لسان العرب: ١٠/ ١٣٩.","vol":"6","page":260},{"text":"يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ الذي يدعوهم إلى موقف القيامة وهو إسرافيل لا عِوَجَ لَهُ أي لدعاته، وقال أكثر العلماء: هو من المقلوب أي لا حرج لهم عن دعاته، لا يزيغون عنه، بل يتّبعونه سراعا.\nوَخَشَعَتِ وسكنت الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فوصف الأصوات بالخشوع والمعنى لأهلها فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يعني وطء الأقدام ونقلها إلى المحشر، وأصله الصوت الخفي، يقال:\nهمس فلان بحديثه إذا أسرّه وأخفاه، قال الراجز:\nوهنّ يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا «١»\nيعني بالهمس صوت أخفاف الإبل.\nوقال مجاهد: هو تخافت الكلام وخفض الصوت.\nيَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ في الشفاعة وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أي ورضي قوله.\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ الكناية مردودة إلى الذين يتّبعون الداعي.\nوَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا لا يدركونه ولا يعلمون ما هو صانع بهم.\nوَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ أي ذلّت وخضعت واستسلمت، ومنه قيل للأسير عان، وقال أميّة بن أبي الصلت:\nمليك على عرش السماء مهيمن ... لعزّته تعنو الوجوه وتسجد «٢»\nوقال طلق بن حبيب: هو السجود.\nوَقَدْ خابَ خسر مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا شركا.\nوَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ قرأ ابن كثير على النهي جوابا لقوله وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ والباقون: فلا يخاف على الخبر. ظُلْمًا وَلا هَضْمًا.\nقال ابن عباس: لا يخاف أن يزاد عليه في سيئاته ولا ينقص من حسناته.\nالحسن وأبو العالية: لا ينقص من ثواب حسناته شيئا ولا يحمل عليه ذنب مسيء.\nالضحاك: لا يؤخذ بذنب لم يعمله ولا يبطل حسنة عملها. وأصل الهضم: النقص والكسر يقال: هضمت لك من حقك أي حططت، وهضم الطعام، وامرأة هضيم الكشح أي ضامرة البطن.\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ١٥٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ١١/ ٢٤٨.","vol":"6","page":261},{"text":"وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنا بيّنّا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ القرآن ذِكْرًا عظة وعبرة. وقال قتادة: جدّا وورعا.\nفَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ قرأ يعقوب بفتح النون والياءين، وقرأ الآخرون: بضم الياء الأولى والأخرى وسكون الوسطى.\nقال مجاهد وقتادة: لا تقرئه أصحابك ولا تمله عليهم حتى يتبيّن لك معانيه، نهى عن تلاوة الآية التي تنزل عليه وإملائه على أصحابه قبل بيان معناها، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس.\nوقال في سائر الروايات «١»\n: كان النبىّ ﷺ إذا نزل جبرائيل بالوحي يقرأه مع جبرائيل، ولا يفرغ جبرائيل مما يريد من التلاوة حتى يتكلم النبي ﷺ بأوّله حرصا منه على ما كان ينزل عليه وشفقة على القرآن مخافة الانفلات والنسيان، فنهاه الله سبحانه عن ذلك وقال: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ أي بقراءة القرآن مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ من قبل أن يفرغ جبرئيل من تلاوته عليك.\nوَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا بالقرآن أي فهما\n، وقيل: حفظا ونظيرها قوله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ\nالآية «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>[سورة طه (٢٠): الآيات ١١٥ الى ١٣٥]</span>\nوَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥) وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى (١١٦) فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى (١١٩)\nفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى (١٢٠) فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى (١٢١) ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى (١٢٢) قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (١٢٤)\nقالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى (١٢٦) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى (١٢٧) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (١٢٨) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)\nفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (١٣٠) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٣٣) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (١٣٤)\nقُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (١٣٥)\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/. ٢٥ بتفاوت. [.....]\n(٢) القيامة: ١٦.","vol":"6","page":262},{"text":"وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ الآية يقول الله سبحانه: وإن يضيّع هؤلاء الذين نصرّف لهم في القرآن الوعيد عهدي ويخالفوا أمري ويتركوا طاعتي فقد فعل ذلك أبوهم آدم (﵇) حيث عهدنا إليه أي أمرناه وأوصينا إليه فَنَسِيَ فترك الأمر والعهد، نظيره قوله نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ «١» أي تركوا أمر الله فتركهم الله في النار. هذا قول أكثر المفسرين.\nوقال ابن زيد: نسي ما عهد الله إليه في ذلك، ولو كان له عزم ما أطاع عدوّه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له، وعصى الله الذي كرّمه وشرّفه، وعلى هذا القول يحتمل أن يكون آدم في ذلك القول بالنسيان مأخوذ، وإن كان هو اليوم عنّا مرفوعا.\nوَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا قال ابن عباس: حفظا لما أمر به، قتادة ومقاتل: صبرا، ابن زيد:\nمحافظة على أمر الله وتمسّكا به، الضحّاك: صريمة أمر، عطية: رأيا، وقيل: جزما، ابن كيسان: إصرارا وإضمارا على العود إلى الذنب ثانيا، وأصل العزم النيّة واعتقاد القلب على الشيء.\nقال أبو أمامة: لو أنّ أحلام بني آدم جمعت منذ يوم خلق الله سبحانه آدم إلى يوم تقوم الساعة، ووضعت في كفّة ميزان، ووضع حلم آدم في الكفّة الأخرى لرجح حلمه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا.\nوَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى أن يسجد له فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ حوّاء فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فتتعب ويكون عيشك من كدّ يمينك، بعرق جبينك.\nقال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر وكان يحرث عليه ويمسح العرق عن جبينه فهو شقاؤه الذي قال الله سبحانه، وكان حقّه أن يقول: فيشقيا ولكن غلب المذكّر رجوعا به إلى آدم لأنّ تعبه أكثر، وقيل: لأجل رؤوس الآي.\nإِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها أي في الجنّة وَلا تَعْرى. وَأَنَّكَ قرأ نافع بكسر الألف على\n_________\n(١) التوبة: ٦٧.","vol":"6","page":263},{"text":"الاستئناف، ومثله روى أبو بكر عن عاصم، وقرأ الباقون بالفتح نسقا على قوله أَلَّا تَجُوعَ لا تَظْمَؤُا بعطش فيها وَلا تَضْحى تبرز للشمس فيؤذيك حرّها. قال عمر بن أبي ربيعة:\nرأت رجلا أمّا إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشيّ فيحصر\nأخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكّى قال: أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهدي عن سفيان عن خصيف عن عكرمة: وَلا تَضْحى ولا تصيبك الشمس.\nفَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ يعني على شجرة إن أكلت منها بقيت خالدا مخلدا وَمُلْكٍ لا يَبْلى لا يبيد ولا يفنى.\nفَأَكَلا يعني آدم وحوّاء مِنْها أي من شجرة المحنة فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى أي تعدّى إلى ما لم يكن له فعله.\nوقال أكثر المفسرين: فَغَوى: أي أخطأ وضلّ ولم ينل مراده ممّا أكل.\nثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ اختاره واصطفاه فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى هداه إلى التوبة ووفّقه بها.\nقالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ «١» فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ يعني الكتاب والرسول فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى.\nأخبرنا أبو عمرو أحمد بن حمدون بقراءتي عليه قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدّثنا سعيد بن عيسى «٢»، قال: حدّثنا فارس بن عمر وحدّثنا صالح بن محمد: قال: حدّثنا يحيى بن الضريس عن سفيان عن رجل عن الشعبي عن ابن عباس في قوله سبحانه فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى قال: أجار الله تعالى تابع القرآن من أن يضلّ في الدنيا ويشقى في الآخرة.\nوأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: حدّثنا الحسن بن سفيان قال:\nحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة.\nوأخبرني ابن المقرئ قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن سنان قال: حدّثنا الحسن بن سفيان قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر عن عمرو بن قيس عن عكرمة عن ابن عباس\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: فعداوة الحيّة معناه اللدغ وعداوتنا معها القتل،\nوقال رسول الله ﷺ: اقتلوا الحيّة واخفروا ذمّة إبليس، وعداوة إبليس لنا وعداوتنا له للكفر، فخص بالعداوة آدم وحواء وإبليس\n، ثم ساواهم في المعنى وشاركهم في العداوة.\nوروي في الخبر: إن إبليس قال: إن عبادك يحبونك ويعصونك ويبغضونني ويطيعونني، فقال الله تعالى: رضيت عنه بحبهم إياي وغفرت لهم ببغضهم إياك.\n(٢) في نسخة أصفهان: سعيد بن إسحاق.","vol":"6","page":264},{"text":"قال: ضمن الله لمن قرأ القرآن لا يضلّ في الدّنيا ولا يشقى في الآخرة ثمّ قرأ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى.\nوبإسناده عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأنّ الله يقول فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى.\nوَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي يعني عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتّبعه فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ضيقا يقال: منزل ضنك وعيش ضنك، يستوي فيه الذكر والأنثى والواحد والاثنان والجمع، قال عنترة:\nوإذا هم نزلوا بضنك فانزل «١»\nواختلف المفسّرون في المعيشة الضنك،\nفاخبرني أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد الحيري «٢» قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد المفيد قال: حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب قال: حدّثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أنّ النبي ﷺ قال: في قوله سبحانه وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا قال:\n«عذاب القبر» .\nوقال ابن عباس: الشقاء، مجاهد: الضيق، الحسن وابن زيد: الزقوم والغسلين والضريع، قتادة: يعني في النار، عكرمة: الحرام، قيس بن أبي حازم: الرزق في المعصية، الضحاك:\nالكسب الخبيث، عطيّة عن ابن عباس يقول: كلّ مال أعطيته عبدا من عبادي قلّ أو كثر لا يتّقيني فيه فلا خير فيه وهو الضنك في المعيشة، وإنّ قوما ضلّالا أعرضوا عن الحق وكانوا أولي سعة من الدنيا مكثرين فكانت معيشتهم ضنكا، وذلك أنّهم كانوا يرون أنّ الله ليس بمخلف لهم معائشهم من سوء ظنّهم بالله والتكذيب به، فإذا كان العبد يكذب بالله ويسيء الظنّ به اشتدت عليه معيشته فذلك الضنك أبو سعيد الخدري: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه ويسلّط عليه في قبره تسعة وتسعون تنّينا، لكلّ تنّين سبعة رؤوس تنهشه وتخدش لحمه حتى يبعث، ولو أنّ تنّينا منها ينفخ في الأرض لم تنبت زرعا. مقاتل: معيشة سوء لأنّها في معاصي الله. سعيد بن جبير: سلبه القناعة حتى لا يشبع.\nوَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قال ابن عباس: أعمى البصر، مجاهد: أعمى عن الحجّة.\n_________\n(١) مطلعه:\nفأعنهم وأبشر بما بشروا به\n. راجع تفسير الطبري: ٣/ ٣٤١ ولسان العرب: ١/ ٧١٢ و٤/ ٦٢.\n(٢) في نسخة أصفهان: سعيد بن محمد الحبري.","vol":"6","page":265},{"text":"قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا بعيني، وقال مجاهد: عالما بحجّتي.\nقالَ كَذلِكَ يقول كما أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها فتركتها وأعرضت عنها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى تترك في النار وكذلك أي وكما جزينا من أعرض «١» وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ أشرك وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ ممّا يعذّبهم به في الدنيا والقبر. وَأَبْقى وأدوم وأثبت.\nأَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ يتبيّن لهم كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ومنازلهم إذا سافروا واتّجروا.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ نظم الآية، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ في تأخير العذاب عنهم وَأَجَلٌ مُسَمًّى وهو القيامة لَكانَ لِزامًا لكان العذاب لازما لهم في الدنيا كما لزم القرون الماضية الكافرة.\nفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ نسختها آية القتال وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وصلّ بأمر ربّك، وقيل:\nبثناء ربك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني صلاة الصبح وَقَبْلَ غُرُوبِها يعني صلاة العصر وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ صلاة العشاء الآخر فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ صلاة الظهر والمغرب، وإنّما قال:\nأطراف لهاتين الصلاتين لأنّ صلاة الظهر في آخر الطرف الأول من النهار، وفي أول الطرف الآخر من النهار فهي في طرفين منه والطرف الثالث غروب الشمس، وعند ذلك يصلّي المغرب، فلذلك قال: أَطْرافَ «٢»، ونصب «٣» عطفا على قوله: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.\nلَعَلَّكَ تَرْضى بالشفاعة والثواب، قرأه العامة: بفتح التاء، ودليله قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى وقرأ الكسائي وعاصم برواية أبي بكر بضم التاء.\nوَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ الآية.\nقال أبو رافع: أرسلني رسول الله ﷺ إلى يهودي يستسلفه فأبى أن يعطيه إلّا برهن، فحزن رسول الله ﷺ فأنزل الله سبحانه وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ ولا تنظر إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ أي أعطيناهم أصنافا من نعيم الدنيا زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا أي زينتها وبهجتها\n، قرأه العامة بجزم الهاء، وقرأ يعقوب بفتحها وهما لغتان مثل: جهرة وجهرة، وإنّما نصبها على القطع والخروج من الهاء في قوله: مَتَّعْنا بِهِ.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: زيادة: عن القرآن.\n(٢) في نسخة أصفهان: زيادة: النهار.\n(٣) في نسخة أصفهان: زيادة: أطراف.","vol":"6","page":266},{"text":"وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقًا وإنّما نكلّفك عملا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ الجملية المحمودة لِلتَّقْوى أي لأهل التقوى.\nقال هشام بن عروة: كان عروة إذا رأى ما عند السلاطين دخل داره وقال: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ، إلى قوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى ثمّ ينادي: الصلاة الصلاة يرحمكم الله.\nوقال مالك بن دينار: كان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة يقول: قوموا فصلّوا، ثم يقول: بهذا أمر الله رسوله، ويتلو هذه الآية.\nوَقالُوا يعني هؤلاء المشركين لَوْلا يَأْتِينا محمد بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ كما أتى بها الأنبياء من قبله.\nقال الله سبحانه أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بالتاء، قرأه أهل المدينة والبصرة وبعض قرّاء الكوفة لتأنيث البينة، وقرأ الآخرون بالياء لتقديم الفعل ولأنّ البيّنة هي البيان فردّه إلى المعنى بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الكتب الْأُولى أي بيان ما فيها يعني القرآن أقوى دلالة وأوضح آية.\nوقال بعض أهل المعاني: يعني ألم يأتهم بيان ما في الكتب الأولى التوراة والإنجيل وغيرهما من أنباء الأمم التي أهلكناهم لمّا سألوا الآيات، فأتتهم فكفروا بها، كيف عجّلنا لهم العذاب والهلاك بكفرهم بها فما تؤمنهم إن أتتهم الآية أن يكون حالهم حال أولئك.\nوَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل نزول القرآن ومجيء محمد ﷺ.\nلَقالُوا رَبَّنا لَوْلا هلّا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا يدعونا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى بالعذاب قُلْ يا محمد لهم كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ منتظر دوائر الزمان وما يكون من الحدثان ولمن يكون الفلح والنصر. فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ إذا جاء أمر الله تعالى وقامت القيامة مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ المستقيم وَمَنِ اهْتَدى من الضلالة أنحن أم أنتم؟.","vol":"6","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>سورة الأنبياء</span>\nوهي أربعة آلاف وثمان مائة وتسعون «١» حرفا، وألف ومائة وثمان وستّون كلمة، ومائة واثنتا عشرة آية\nأخبرنا أبو الحسن «٢» علي بن محمد بن الحسن الجرجاني المقري قال: حدّثنا أبو علي بن حبش الدينوري المقري قال: حدّثنا أبو العباس محمد بن موسى الدقاق الرازي قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني قال: حدّثنا ظفران قال: حدّثنا ابن أبي داود قال: حدّثنا محمد بن عاصم قال: حدّثنا شبابة بن سوار الفزاري قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي عن عطاء بن أبي ميمونة عن زر بن حبيش عن أبىّ بن كعب قال: قال رسول الله: ﷺ «من قرأ سورة اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ حاسبه الله حِسابًا يَسِيرًا وصافحه وسلّم عليه كلّ نبي ذكر اسمه في القرآن» «٣» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)\nبَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)\nلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠)\nاقْتَرَبَ لِلنَّاسِ قيل: اللام بمعنى من أي اقترب من الناس حِسابُهُمْ محاسبة الله\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: وسبعون.\n(٢) في نسخة أصفهان: الحسين.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٧/ ٧٠.","vol":"6","page":268},{"text":"إيّاهم على أعمالهم وَهُمْ واو الحال فِي غَفْلَةٍ عنه مُعْرِضُونَ عن التفكير فيه والتأهّب له، نزلت في منكري البعث.\nما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ يعني ما يحدث الله تعالى من تنزيل شيء من القرآن يذكّرهم ويعظهم به إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لا يعتبرون ولا يتّعظون.\nقال مقاتل: يحدث الله الأمر بعد الأمر، وقال الحسن «١» بن الفضل: الذكر هاهنا محمد رسول الله ﷺ، يدلّ عليه قوله في سياق الآية هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ولو أراد الذكر بالقرآن لقال: هل هذا إلّا أساطير الأوّلين، ودليل هذا التأويل أيضا قوله: وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ يعني محمدا (﵇) .\nلاهِيَةً ساهية قُلُوبُهُمْ معرضة عن ذكر الله، من قول العرب: لهيت عن الشيء إذا تركته، ولاهية نعت تقدّم الاسم ومن حقّ النعت أن يتبع الاسم في جميع الاعراب، فإذا تقدّم النعت الاسم فله حالتان: فصل ووصل، فحاله في الفصل النصب كقوله سبحانه خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها ولاهِيَةً قُلُوبُهُمْ. قال الشاعر:\nلعزّة موحشا طلال ... يلوح كأنّه خلل «٢»\nأراد: طلل موحش، وحاله في الوصل حال ما قبله من الإعراب كقوله تعالى رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها قال ذو الرمّة:\nقد أعسف النازح المجهول معسفة ... في ظلّ أخضر يدعو هامة البوم «٣»\nأراد معسفه مجهول وإنّما نصب لانتصاب النازح.\nوقال النابغة:\nمن وحش وجرة موشّي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد «٤»\nأراد أنّ أكارعه موشيّة.\nوَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا كان حقّه وأسرّ لأنه فعل تقدّم الاسم فاختلف النحاة في وجهه، فقال الفرّاء: الَّذِينَ ظَلَمُوا في محلّ الخفض على أنّه تابع للناس في قوله اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ.\nوقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير أراد والذين ظلموا أسرّوا النجوى.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الحسين.\n(٢) تفسير القرطبي: ١١/ ٢٦٨، ولسان العرب: ٦/ ٣٦٨ وفيه لسلمى موحشا. [.....]\n(٣) كتاب العين: ١/ ٣٣٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٦/ ٢٣٥.","vol":"6","page":269},{"text":"وقال قطرب: وهذا سائغ في كلام العرب وحكي عن بعضهم أنه قال: سمعت بعض العرب يقول: أكلوني البراغيث قال الله سبحانه ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وقال الشاعر:\nبك نال النصال دون المساعي ... فاهتدين النبال للأغراض «١»\nويحتمل أن يكون محل الذين رفعا على الابتداء، ويكون معناه وأسرّوا النّجوى، ثمّ قال هم الذين ظلموا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّه سحر قالَ رَبِّي\nقرأ أكثر أهل الكوفة (قالَ) على الخبر عن محمد ﷺ، وقرأ الباقون «قل» على الأمر له يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالهم الْعَلِيمُ بأفعالهم بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ أي أباطليها وأهاويلها بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ يعني أنّ المشركين اقتسموا القول فيه: فقال بعضهم: أَضْغاثُ أَحْلامٍ، وقال بعضهم: بَلِ افْتَراهُ، وقال بعضهم: بل محمد شاعر، وهذا الذي جاءكم به شعر، لأنّ بل تأتي لتدارك شيء ونفي آخر.\nفَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ إن كان صادقا كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ من الرسل بالآيات.\nقال الله سبحانه مجيبا لهم ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أهل قرية أتتها الآيات فأهلكناهم أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ إن جاءتهم آية ...\nوَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ وهذا جواب لقولهم هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ أي التوراة والإنجيل يعني علماء أهل الكتاب إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وقال ابن زيد: أراد بالذكر القرآن يعني فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن،\nقال جابر الجعفي:\nلما نزلت هذه الآية قال عليّ: نحن أهل الذكر.\nوَما جَعَلْناهُمْ يعني الرسل الأولين جَسَدًا قال الفرّاء: لم يقل أجسادا لأنّه اسم الجنس لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ يقول: لم نجعلهم ملائكة، بل جعلناهم بشرا محتاجين إلى الطعام، وهذا جواب لقولهم مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ في الدنيا ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ الذي وعدناهم هلاك أعدائهم ومخالفيهم وإنجائهم ومتابعيهم فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ المشركين.\nلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ قال مجاهد: حديثكم، وقيل: شرفكم.\nأَفَلا تَعْقِلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ١١ الى ٢٩]</span>\nوَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (١٤) فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا خامِدِينَ (١٥)\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ (٢٠)\nأَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)\nوَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٢٦٩.","vol":"6","page":270},{"text":"وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً أي أهلكنا، والقصم: الكسر يقال: قصمت ظهر فلان، وانقصمت سنة إذا انكسرت.\nوَأَنْشَأْنا وأحدثنا بَعْدَها بعد إهلاك أهلها قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا رأوا بَأْسَنا عذابنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ يسرعون هاربين، يقال منه: ركض فلان فرسه إذا كدّه بالرجل، وأصله التحريك.\nلا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ نعّمتم فيه وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ عن نبيّكم، مجاهد: لعلكم تفقهون بالمسألة، قتادة: لعلّكم تسألون من دنياكم شيئا استهزاء بهم، نزلت هذه الآيات في أهل حصورا وهي قرية باليمن، وكان أهلها العرب فبعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله سبحانه فكذّبوه وقتلوه، فسلّط الله عليهم بخت نصّر حتى قتلهم وسباهم ونكّل بهم، فلمّا استحرّ فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت الملائكة لهم على طريق الاستهزاء لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ إلى مساكنكم وأموالكم، فأتبعهم بخت نصّر وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جوّ السّماء: يا لثارات الأنبياء، فلمّا رأوا ذلك أقرّوا بالذنوب حين لم ينفعهم فقالوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ. فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ قولهم وهجّيراهم حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيدًا بالسيوف كما يحصد الزرع خامِدِينَ ميّتين.\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ عبثا وباطلا لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا قال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن المرأة.","vol":"6","page":271},{"text":"وقال عقبة بن أبي جسرة: شهدت الحسن بمكة وجاءه طاوس وعطاء ومجاهد فسألوه عن هذه الآية، فقال الحسن: اللهو: المرأة. وقال ابن عباس: الولد.\nلَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا من عندنا وما اتّخذنا نساء وولدا من أهل الأرض، نزلت في الذين قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا.\nإِنْ كُنَّا فاعِلِينَ «١» بَلْ نَقْذِفُ نأتي ونرمي وننزل بِالْحَقِّ بالإيمان عَلَى الْباطِلِ الكفر فَيَدْمَغُهُ فيهلكه، وأصل الدمغ شجّ الرأس حتى يبلغ الدماغ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ ذاهب وهالك.\nوَلَكُمُ الْوَيْلُ يا معشر الكفّار مِمَّا تَصِفُونَ لله بما لا تليق به من الصاحبة والولد.\nوقال مجاهد: ممّا تكذبون، ونظيره قوله سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ أي تكذيبهم.\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عبدا وملكا وَمَنْ عِنْدَهُ يعني الملائكة لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ.\nقال ابن عباس: لا يستنكفون، مجاهد: لا يجسرون، قتادة ومقاتل والسدّي: لا يعيون، الوالبي عن ابن عباس: لا يرجعون، ابن زيد: لا يملّون.\nيُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ لا يضعفون ولا يسأمون، قد ألهموا التسبيح كما تلهمون النّفس.\nأَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ يعني الأصنام هُمْ يُنْشِرُونَ يحيون الأموات ويخلقون الخلق.\nلَوْ كانَ فِيهِما أي في السماء والأرض آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ غير الله لَفَسَدَتا وهلك من فيهما.\nفَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ لأنه الرب وَهُمْ يُسْئَلُونَ عما لا يعلمون «٢» لأنهم عبيده.\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ على ذلك، ثمّ قال مستأنفا هذا يعني القرآن ذِكْرُ خبر مَنْ مَعِيَ بيان الحدود والأحكام والثواب والعقاب وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي من الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ عن القرآن.\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ قرأ أكثر أهل الكوفة بالنون وكسر الحاء\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: ولكنا لا نفعل ذلك، وقال قتادة ومقاتل وابن جريج: يعني ما كنا ذلك فاعلين.\n(٢) في نسخة أصفهان: عمّا يفعلون.","vol":"6","page":272},{"text":"على التعظيم لقوله: أَرْسَلْنا، وقرأ الباقون بالياء وفتح الحاء على الفعل المجهول.\nأَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا نزلت في خزاعة حيث قالوا:\nالملائكة بنات الله سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ يعني الملائكة لا يَسْبِقُونَهُ لا يتقدّمونه بِالْقَوْلِ ولا يتكلّمون إلّا بما يأمرهم به.\nوَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى.\nقال ابن عباس: هم أهل شهادة أن لا إله إلّا الله، وقال مجاهد: لمن ﵁، وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ خائفون وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ قال قتادة: عنى بهذه الآية إبليس لعنه الله حيث ادّعى الشركة، ودعا إلى عباده نفسه وأمر بطاعته، قال: لأنه لم يقل أحد من الملائكة إنّي إله من دون الله.\nفَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٣٠ الى ٥٠]</span>\nأَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ (٣٢) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣) وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤)\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)\nبَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤)\nقُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥) وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)\nوَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)","vol":"6","page":273},{"text":"أَوَلَمْ يَرَ قرأه العامّة بالواو، وقرأ ابن كثير ألم «١» وكذلك هو في مصاحفهم. «يَرَ» يعلم الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما.\nقال ابن عباس والضحاك وعطاء وقتادة: يعني كانتا شيئا واحدا ملتزقتين ففصل الله سبحانه بينهما بالهواء.\nقال كعب: خلق الله سبحانه السموات والأرضين بعضها على بعض ثمّ خلق ريحا توسّطتها ففتحها بها.\nوقال مجاهد وأبو صالح والسدّي: كانت السموات مرتقة طبقة واحدة، ففتقها فجعلها سبع سموات، وكذلك الأرضون كانت مرتقة طبقا واحدا ففتقها فجعلها سبع أرضين.\nعكرمة وعطية وابن زيد: كانت السماء رتقا لا تمطر، والأرض رتقا لا تنبت ففتق السماء بالمطر والأرض بالنبات، نظيره قوله سبحانه وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ «٢» وأصل الرتق السدّ ومنه قيل للمرأة التي فرجعها ملتحم رتقا، وأصل الفتق الفتح، وإنّما وحّد الرتق وهو من نعت السموات والأرض لأنّه مصدر، وضع موضع الاسم مثل الزور والصوم والفطر والعدل ونحوها.\nوَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ يعني أنّ كلّ شيء حىّ فإنّه خلق من الماء، نظيره قوله سبحانه وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ.\nأَفَلا يُؤْمِنُونَ. وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها أي في الرواسي فِجاجًا طرقا ومسالك واحدها فج ثمّ، فسّر فقال سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا من أن تسقط، دليله قوله سبحانه وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ «٣» وقيل: محفوظا من الشياطين، دليله قوله سبحانه وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ «٤» .\nوَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ فلا يتفكّرون فيها ولا يعتبرون بها يعني الكفار.\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يجرون ويسيرون، والفلك مدار النجوم الذي يضمّها، ومنه فلكة المغزل.\nقال مجاهد: كهيئة حديدة الرّحا، الضحّاك: فلكها: مجراها وسرعة سيرها.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: يعتبروا.\n(٢) الطارق: ١٢.\n(٣) الحجّ: ٦٥.\n(٤) الحجر: ١٧.","vol":"6","page":274},{"text":"وقال آخرون: الفلك موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه.\nوقال بعضهم: الفلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكلّ كوكب يجري في السّماء الذي قدّر فيه وهو بمعنى قول قتادة.\nوَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ دوام البقاء في الدنيا أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ أي أفهم الخالدون؟ كقول الشاعر:\nرفوني وقالوا يا خويلد لا ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم «١»\nأي أهم؟ نزلت هذه الآية حين قالوا: نتربّص بمحمد ريب المنون.\nكُلُّ نَفْسٍ منفوسة ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ نختبركم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ابتلاء لننظر كيف شكركم فيما تحبّون، وكيف صبركم فيما تكرهون.\nوَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ ما يتّخذونك إِلَّا هُزُوًا سخريّا ويقول بعضهم لبعض أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ بسوء ويعيبها، قال عنترة:\nلا تذكري فرسي وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب «٢»\nأي لا تعيبي مهري.\nخُلِقَ الْإِنْسانُ يعني آدم، قرأ العامّة: بضم الخاء وكسر اللام على غير تسمية الفاعل، وقرأ حميد والأعرج بفتح الخاء واللام يعني خلق الله الإنسان مِنْ عَجَلٍ اختلفوا فيه فقال بعضهم: يعني أنّ بنيته وخلقته من العجلة وعليها طبع، نظيره قوله وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولًا «٣» .\nقال سعيد بن جبير والسدي: لمّا دخل الروح في عيني آدم نظر إلى ثمار الجنّة، فلمّا دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ.\nوقال آخرون: معناه خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إيّاه، وقالوا: خلقه في آخر النهار يوم الجمعة قبل غروب الشمس فأسرع في خلقه قبل مغيبها.\nقال مجاهد: خلق الله آدم بعد كلّ شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق، فلمّا أحيا الروح رأسه ولم يبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس.\nوقال بعضهم: هذا من المقلوب مجازه: خلق العجل من الإنسان كقول العرب: «عرضت\n_________\n(١) كتاب العين: ٨/ ٢٨١.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٣١٠.\n(٣) الإسراء: ١١.","vol":"6","page":275},{"text":"الناقة على الحوض» يريدون: عرضت الحوض على الناقة وكقولهم: إذا طلعت الشمس الشعرى، واستوى العود على الحربا أي استوى الحربا على العود. وقال ابن مقبل:\nحسرت كفّي عن السربال آخذه ... فردا يجرّ على أيدي المفدينا «١»\nيريد حسرت السربال عن كفّي، ونحوها كثير.\nوقال أبو عبيد: وكثير من أهل المعاني يقولون: العجل الطين بلغة حمير، وانشدوا:\nالنبع تنبت بين الصخر ضاحية ... والنخل ينبت بين الماء والعجل «٢»\nأي الطين.\nسَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ بالعذاب وسؤال الآيات وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ الذي تعدنا من العذاب، وقيل: القيامة، وتقديره الموعود إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.\nقال الله سبحانه لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ يمنعون عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ السياط وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وفي الآية اختصار يعني لمّا أقاموا على كفرهم ولم يتوبوا.\nبَلْ تَأْتِيهِمْ يعني الساعة بَغْتَةً فجأة فَتَبْهَتُهُمْ قال ابن عباس: تفجأهم، وقال الفرّاء: تحيّرهم. فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ يحفظكم ويحرسكم بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ إذا انزل بكم عذابه، ومعنى الآية: من أمر الرّحمن وعذابه.\nثم قال سبحانه بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ كتاب ربّهم مُعْرِضُونَ. أَمْ لَهُمْ الميم صلة فيه وفي أمثاله آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ فكيف ينصرون عابديهم.\nوَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ قال ابن عباس: يمنعون، عطية عنه: يجارون، يقول العرب: أنا لك جار وصاحب من فلان أي مجير عنه.\nمجاهد: ينصرون ويحفظون، قتادة: لا يصحبون من الله بخير.\nبَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ الكفّار وَآباءَهُمْ في الدنيا حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها يعني ما ننقص من أطراف المشركين ونزيد في أطراف المؤمنين.\nأَفَهُمُ الْغالِبُونَ أم نحن قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ بالقرآن وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٧/ ٣٧.\n(٢) لسان العرب: ١١/. ٤٢٨ والعبارة: والنبع في الصخرة الصمّاء منبتة. والنخل ينبت بين الماء والعجل. [.....]","vol":"6","page":276},{"text":"قرأ أبو عبد الرّحمن السلمي بضم الياء وفتح الميم، الضم رفع بمعنى أنّه لا يفعل بهم ذلك على مذهب ما لم يبين فاعله.\nوقرأ ابن عامر «تسمع» بتاء مضمومة وكسر الميم والصمَّ نصبا، جعل الخطاب للنبي (﵇)، وقرأ الآخرون: «يَسْمَعُ» بياء مفتوحة وفتح الميم الصُّمُّ رفع على أنّ الفعل لهم إِذا ما يُنْذَرُونَ يخوّفون ويحذّرون.\nوَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ أصابتهم نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ قال ابن عباس: طرف، مقاتل وقتادة:\nعقوبة، ابن كيسان: قليل، ابن جريج: نصيب، من قولهم: نفح فلان لفلان إذا أعطاه قسما «١» وحظّا منه، بعضهم: ضربة، من قول العرب: نفحت الدابة برجلها إذا ضربت بها. قال الشاعر:\nوعمرة من سروات النساء ... تنفح بالمسك أردانها «٢»\nلَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ. وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ العذاب وإنّما وحّد القسط وهو جمع الموازين لأنّه في مذهب عدل ورضى.\nقال مجاهد: هذا مثل، وإنّما أراد بالميزان العدل.\nفَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا لا ينقص من حسناته ولا يزاد على سيّئاته.\nيروى أنّ داود (﵇) سأل ربّه أن يريه الميزان فأراه، فلمّا رآه غشي عليه ثم أفاق، فقال: يا إلهي من الذي يقدر أن يملأ كفّته حسنات؟ فقال: يا داود إنّي إذا رضيت عن عبدي ملأتها بتمرة.\nفان قيل: كيف وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله سبحانه فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْنًا «٣»؟ فالجواب: إن المعنى فيه: لا نقوّمها ولا تستقيم على الحقّ، [من ناقصه سائله] «٤» لأنها باطلة.\nوَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ رفع أهل المدينة المثقال بمعنى: وان وقع، وحينئذ لا خبر له ونصبها الباقون على معنى: وإن كان ذلك الشيء مثقال، ومثله في سورة لقمان أَتَيْنا بِها أحضرناها، وقرأ مجاهد: آتينا بالمدّ أي جازينا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ. وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ يعني الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: من ماله.\n(٢) تفسير القرطبي: ١١/ ٢٩٣.\n(٣) الكهف: ١٠٥.\n(٤) كذا في المخطوط.","vol":"6","page":277},{"text":"وقال ابن زيد: النصر على الأعداء، دليله قوله وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ «١» يعني يوم بدر، وهذا القول أشبه بظاهر الآية لدخول الواو في الضياء «٢» والذكر للمتّقين، وعلى هذا التأويل تكون الواو مقحمة زائدة كقوله ﷾ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَحِفْظًا «٣» .\nويروى أنّ عكرمة كان يقول في هذه الآية: معناها: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء، ويقول: انقلوا هذه الواو إلى قوله ﷾ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ «٤» .\nالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي يخافونه ولم يروه وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ. وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ يعني القرآن أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ جاحدون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٥١ الى ٧٢]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)\nقالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)\nقالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)\nقالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)\nوَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًاّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢)\nوَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ توفيقه. القرظي: صلاحه، مِنْ قَبْلُ أي من قبل موسى وهارون.\nقال المفسّرون: يعني هديناه صغيرا كما قال ليحيى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا «٥» .\n_________\n(١) الأنفال: ٤١.\n(٢) في نسخة أصفهان زيادة: فيكون معنى الآية: ولقد آتينا موسى وهارون النصر والتوراة الذي هو الضياء.\n(٣) الصافّات: ٦- ٧.\n(٤) الغافر: ٧.\n(٥) مريم: ١٢.","vol":"6","page":278},{"text":"وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ بأنّه أهل الهداية والنبوة.\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ والصور يعني الأصنام الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ على عبادتها مقيمون.\nقالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ فاقتدينا بهم.\nقالَ إبراهيم لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بعبادتكم إيّاها.\nقالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ يعنون أجادّ أنت فيما تقول أم لاعب؟\nقالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ خلقهنّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ لأمكرنّ بها بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ.\nقال مجاهد وقتادة: إنّما قال إبراهيم هذا في سرّ من قومه ولا يسمع ذلك إلّا رجل واحد منهم، وهو الذي أفشاه عليه وقال: سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ.\nقال السدّي: كان لهم في كلّ سنة مجمع وعيد، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثمّ عادوا إلى منازلهم، فلمّا كان ذلك العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم فلمّا كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال: إِنِّي سَقِيمٌ يقول: أشتكي رجلي، فتواطؤوا رجله وهو صريع، فلمّا مضوا نادى في آخرهم وقد بقي ضعف الناس تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى الآلهة فإذا هنّ في بهو عظيم مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه بعضها إلى جنب بعض، كلّ صنم يليه أصغر منه إلى باب البهو، وإذا هم قد جعلوا طعاما فوضعوه بين يدي الأصنام، قالوا: إذا كان حين نرجع رجعنا وقد بركت الآلهة في طعامنا فأكلنا، فلمّا نظر إليهم إبراهيم وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال لهم على طريق الاستهزاء: أَلا تَأْكُلُونَ؟ فلمّا لم يجبه أحد قال: ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ؟ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ، وجعل يكسرهنّ بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلّا الصنم الأكبر «١» علّق الفأس في عنقه ثم خرج، فذلك قوله سبحانه فَجَعَلَهُمْ جُذاذًا.\nقرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي بكسر الجيم أي كسرا وقطعا جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف وكريم وكرام، وقرأ الباقون: بضمّه أي الحطام والدقاق إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ أي عظيما للآلهة فإنّه لم يكسره ووضع الفأس على عنقه لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فيتذكّرون ويعلمون ضعفها وعجزها، وقيل: لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ فيسألونه، فلمّا جاء القوم من عيدهم إلى\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الأعظم بدل الأكبر.","vol":"6","page":279},{"text":"بيت آلهتهم ورأوا أصنامهم قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ قالُوا يعني الذين سمعوا إبراهيم يقول: تَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ ... سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يعيبهم ويسبّهم ويستهزئ بهم يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ هو الذي صنع هذا، فبلغ ذلك نمرود الجبّار وأشراف قومه فقالوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ يراد بأعين الناس «١» لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ عليه أنّه هو الذي فعل ذلك، وكرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة، قاله قتادة والسدّي.\nوقال الضحّاك والسدّي: لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ ما يصنع به ويعاقبه، أي، يحضرون، فلمّا أتوا به قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ. قالَ إبراهيم بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها فكسرهنّ، قاله ابن إسحاق، وإنّما أراد إبراهيم بذلك إقامة الحجّة عليهم، فذلك قوله سبحانه فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ حتى يخبروكم بمن فعل هذا بهم.\nوروي عن الكسائي أنّه كان يقف عند قوله: بَلْ فَعَلَهُ ويقول: معناه فعله من فعله، ثم يبتدي كَبِيرُهُمْ هذا.\nوقال القتيبي: جعل إبراهيم النطق شرطا للفعل فقال فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ والمعنى إن قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق والفعل، وفي ضمنه أنا فعلت ذلك، والذي تظاهرت به الأخبار في هذه الآية، قول ابن إسحاق يدلّ عليه\nقول النبي ﷺ: لم يكذب إلّا ثلاث كذبات كلّها في الله ﷿ قوله إِنِّي سَقِيمٌ «٢» وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ وقوله لسارة: هي أختي\n، وغير مستحيل أن يكون الله سبحانه أذن لرسوله وخليله في ذلك ليقرع قومه ويوبّخهم ويحتجّ عليهم ويعرّفهم موضع خطئهم كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال لأخوته: أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ «٣» ولم يكونوا سرقوا شيئا.\nفَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ يقول: فتفكّروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فَقالُوا ما نراه إلّا كما قال إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ هذا الرجل في سؤالكم إيّاه، وهذه آلهتكم التي فعل بها ما فعل حاضرة فسلوها، وقيل: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ بعبادتكم الأوثان الصغار مع هذا الكبير.\nثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ متحيّرين مثبورين وعلموا أنّها لا تنطق ولا تبطش، فقالوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ فلمّا اتّجهت الحجّة لإبراهيم عليهم قالَ لهم\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: قيل: معناه على رؤس الناس، وقيل معناه بمرأى منهم، وإنما أرادوا بذلك أظهر والذي فعل للناس، كما تقول العرب إذا ظهر الأمر وسهر: كان ذلك على أعين الناس.\n(٢) الصافّات: ٨٩.\n(٣) يوسف: ٧٠.","vol":"6","page":280},{"text":"أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ فلمّا لزمتهم الحجّة وعجزوا عن الجواب قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ.\nقال ابن عمر «١»: إنّ الذي أشار عليهم بتحريق إبراهيم رجل من الأكراد، قال شعيب الجبّائي: اسمه هيزن فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، قالوا: فلمّا جمع نمرود قومه لإحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا بنيانا كالحظيرة فذلك قوله قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ «٢» ثم جمعوا له صلاب الحطب من أصناف الخشب حتى إن كانت المرأة لتمرض فتقول لئن عافاني لأجمعنّ حطبا لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ممّا تطلب ممّا تحبّ أن تدرك لئن أصابته لتحتطبنّ في نار إبراهيم التي يحرق بها احتسابا في دينها.\nقال ابن إسحاق: كانوا يجمعون الحطب شهرا، قالوا: حتى إذا أكثروا وجمعوا منه ما أرادوا أشعلوا في كلّ ناحية من الحطب، فاشتعلت النّار واشتدّت حتّى أن كان الطّير لتمرّ بها فتحرق من شدّة وهجها، ثمّ عمدوا إلى إبراهيم فرفعوه على رأس البنيان وقيّدوه، ثم اتخذوا منجنيقا ووضعوه فيه مقيّدا مغلولا، فصاحت السموات والأرض ومن فيهما من الملائكة وجميع الخلق إلّا الثّقلين صيحة واحدة: أي ربّنا، إبراهيم ليس في أرضك أحد يعبدك غيره يحرق فيك فائذن لنا في نصرته، فقال الله ﷾ لهم: إن استغاث بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ذلك، وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به، وأنا وليّه فخلوا بيني وبينه فلمّا أرادوا إلقاءه في النّار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النّار فإنّ خزائن الأمطار بيدي، وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيّرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي إليكم، ثم رفع رأسه إلى السّماء فقال: اللهمّ أنت الواحد في السّماء وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.\nوروى المعتمر عن أبي بن كعب عن أرقم أنّ إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلّا أنت سبحانك ربّ العالمين، لك الحمد ولك الملك، لا شريك لك، قال: ثمّ رموه في المنجنيق إلى النّار من مضرب شاسع فاستقبله جبرئيل فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أمّا إليك فلا، قال جبرئيل: فاسأل ربّك؟ فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله سبحانه يا نارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلى إِبْراهِيمَ قال السدّي: كان جبرئيل هو الذي ناداها.\nقال ابن عباس: لو لم يتبع بردها سلاما لمات إبراهيم من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض إلّا طفئت ظنت أنّها هي تعنى.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: أبو عمر. [.....]\n(٢) الصافّات: ٩٧.","vol":"6","page":281},{"text":"قال السدّي: فأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد أحمر ونرجس.\nقال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلّا وثاقه، قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام.\nقال المنهال بن عمر: قال إبراهيم خليل الله: ما كنت أيّاما قطّ أنعم منّي من الأيّام التي كنت فيها في النار.\nقال ابن يسار: وبعث الله جلّ اسمه ملك الظلّ في صورة إبراهيم فقعد فيها إلى جنب إبراهيم وهو يؤنسه، قالوا: وبعث الله بقميص من حرير الجنّة وأتاه جبرئيل (﵇) فقال:\nيا إبراهيم إنّ ربّك يقول: أما علمت أنّ النار لا تضرّ أحبّائي، ثمّ نظر نمرود من صرح له وأشرف على إبراهيم وما شكّ في موته، فرأى إبراهيم جالسا في روضة ورأى الملك قاعدا إلى جنبه وما حوله نار تحرق ما جمعوا له من الحطب فناداه نمرود: يا إبراهيم، كبير إلهك الذي بلغت قدرته أن حال بينك وبين ما أرى لم يضرّك، يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها؟\nقال: نعم، قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرّك؟ قال: لا، قال: فقم فاخرج منها، فقام إبراهيم يمشي فيها حتى خرج منها، فلمّا خرج إليه قال له: يا إبراهيم، من الرجل الذي رأيت معك مثل صورتك قاعدا إلى جنبك؟ قال: ذلك ملك الظلّ أرسله إليّ ربّي ليؤنسني فيها، فقال نمرود: يا إبراهيم إنّي مقرّب إلى إلهك قربانا لما رأيت من قدرته وعزّته فيما صنع بك حين أبيت إلّا عبادته وتوحيده، إنّي ذابح له أربعة آلاف بقرة، فقال له إبراهيم: إذا لا يقبل الله منك ما كنت على دينك هذا حتى تفارقه إلى ديني، فقال: يا إبراهيم لا أستطيع ترك ملكي ولكن سوف أذبحها له، فذبحها له نمرود، ثمّ كف عن إبراهيم ومنعه الله سبحانه منه.\nقال أبو هريرة: إنّ أحسن شيء قاله إبراهيم لمّا رفع عنه الطبق وهو في النار يرشح جبينه فقال نمرود عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم قال كعب وقتادة والزهري: ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار ولا أحرقت النار شيئا يومئذ إلّا وثاق إبراهيم ولم تأت يومئذ دابّة إلّا أطفأت عنه النار إلّا الوزغ، فلذلك أمر النبي ﷺ بقتله وسمّاه فويسقا.\nقال شعيب الجبائي: ألقي إبراهيم (﵇) في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح إسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي بنت تسعين سنة، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين، ولمّا علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومئذ وماتت اليوم الثالث.\nقال الله سبحانه وَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ. وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا من نمرود وقومه من أرض العراق إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ يعني الشام.","vol":"6","page":282},{"text":"قال أبىّ بن كعب سمّاها مباركة لأنّه ما من ماء عذب إلّا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس.\nوقال قتادة: كان يقال: الشام أعقاب دار الهجرة، وما نقص من الأرض زيد في الشام، وما نقص عن الشام زيد في فلسطين، وكان يقال: هي أرض المحشر والمنشر، وبها مجمع الناس، وبها ينزل عيسى ابن مريم، وبها يهلك الله الدجّال.\nوحدّث أبو قلابة أنّ رسول الله (﵇) قال: رأيت فيما يرى النائم كأنّ الملائكة حملت عمود الكتاب فوضعته بالشام، فأوّلته أنّ الفتن إذا وقعت فإنّ الإيمان بالشام.\nوذكر لنا أنّ عمر بن الخطّاب (﵁) قال لكعب: ألا تتحوّل إلى المدينة فإنّها مهاجر رسول الله ﷺ وموضع قبره؟ فقال له كعب: يا أمير المؤمنين إنّي أجد في كتاب الله المنزل أنّ الشام كنز الله من أرضه وبها كنزه من عباده.\nقال محمد بن إسحاق بن يسار: استجاب لإبراهيم رجال من قومه حين رأوا ما صنع الله سبحانه به من جعل النار عليه بَرْدًا وَسَلامًا على خوف من نمرود وملئهم، فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وكان ابن أخيه، وهو لوط بن هاران بن تارخ، وهاران هو أخ إبراهيم، وكان لهما أخ ثالث يقال له باحور بن تارخ، فهاران أبو لوط وناحورا أبو تبويل وتبويل أبو لأن، ورتقا بنت تبويل امرأة إسحاق بن إبراهيم أم يعقوب وليا وزاجيل روحيا يعقوب ابنتا لايان، وآمنت به أيضا سارة وهي بنت عمّه، وهي سارة بنت هاران الأكبر عمّ إبراهيم ﵇.\nوقال السدّي: كانت سارة بنت ملك حرّان وذلك أنّ إبراهيم ولوطا انطلقا قبل الشام فلقي إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حرّان وقد طعنت على قومها في دينهم، فتزّوجها إبراهيم على أن يغيّرها.\nقال ابن إسحاق: خرج إبراهيم من كوثى من أرض العراق مهاجرا إلى ربّه، وخرج معه لوط وسارة كما قال الله سبحانه فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة الله حتى نزل حرّان فمكث بها ما شاء الله أن يمكث، ثمّ خرج منها مهاجرا حتّى قدم مصر، ثمّ خرج من مصر إلى الشام ونزل السبع من أرض فلسطين وهي برية الشام، ونزل لوط بالمؤتفكة وهي من السبع على مسيرة يوم وليلة وأقرب من ذلك، فبعثه الله سبحانه نبيّا فذلك قوله وَنَجَّيْناهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ يعني الشام، وبركتها أنّ منها بعث أكثر الأنبياء وهي أرض خصبة كثيرة الأشجار والأنهار والثمار يطيب فيها عيش الفقير والغنىّ.\nوروى العوفي عن ابن عباس في قوله إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ قال: يعني","vol":"6","page":283},{"text":"مكّة ونزول إسماعيل، ألا ترى أنّه يقول إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وَهُدىً لِلْعالَمِينَ «١» والقول الأول أصوب.\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً أي عطاء عن مجاهد، الحسن والضحّاك: فضلا، قال ابن عباس وأبي بن كعب وابن زيد وقتادة: سأل واحدا فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فأعطاه الله إسحاق ولدا، وزاده يعقوب ولد الولد فهو النافلة. قال مجاهد وعطاء: معنى النافلة العطية وهما جميعا من عطاء الله سبحانه أعطاهما إيّاه.\nوَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٧٣ الى ٨٢]</span>\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)\nوَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًاّ آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يقتدى بهم في الخير يَهْدُونَ يدعون الناس إلى ديننا.\nبِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ وإقامة الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ وَلُوطًا أي وآتينا لوطا، وقيل واذكر لوطا آتَيْناهُ حُكْمًا أي الفصل بين الخصوم بالحقّ وَعِلْمًا وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ يعني سدّ وما كان أهلها يأتون الذكران في أدبارهم ويتضارطون في أنديتهم مع أشياء أخر كانوا يعملونها من المنكرات.\nإِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ وَنُوحًا إِذْ نادى دعا مِنْ قَبْلُ أي من قبل إبراهيم ولوط فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أتباعه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ الطوفان، والكرب أشد الغم.\nوَنَصَرْناهُ منعناه مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أن يصلوا إليه بسوء، وقال أبو عبيد:\nأي على القوم.\n_________\n(١) آل عمران: ٩٦.","vol":"6","page":284},{"text":"إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ. وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ قال مرّة وقتادة: كان الحرث زرعا، وقال ابن مسعود وشريح: كان كرما قد نبتت عنا قيد إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ أي رعته ليلا فأفسدته، والنفش بالليل، والهمل بالنهار، وهما الرعي بلا راع وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب عنّا علمه.\nفَفَهَّمْناها أي علّمناها وألهمناها يعني القضيّة سُلَيْمانَ دون داود.\nوَكُلًّا يعني داود وسليمان آتَيْنا حُكْمًا وَعِلْمًا.\nقال ابن عباس وقتادة والزهري ومرّة: وذلك أنّ رجلين دخلا على داود أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الزرع: هذا انفلتت غنمه ليلا فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئا، فقال له داود: اذهب فإنّ الغنم لك، فأعطاه رقاب الغنم بالحرث، فخرجا فمرّا على سليمان فقال: كيف قضى بينكما، فأخبراه فقال سليمان: لو ولّيت أمرهم لقضيت بغيره، فأخبر بذلك داود فدعاه فقال: كيف تقضي بينهما؟ قال: ادفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له نسلها ورسلها وحرثها وعوارضها ومنافعها ويبذر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثل حرثهم، فإذا كان العام المقبل وصار الحرث كهيئته يوم أكل دفع إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه.\nوقال ابن مسعود وشريح ومقاتل: إنّ راعيا نزل ذات ليلة بجنب كرم، فدخلت الأغنام الكرم وهو لا يشعر فأكلت القضبان وأفسدت الكرم، فصار صاحب الكرم من الغد إلى داود، فقضى بالأغنام لصاحب الكرم لأنه لم يكن بين ثمن الكرم وثمن الأغنام تفاوت، فمرّوا بسليمان وهو ابن إحدى عشرة سنة فقال: ما قضى الملك في أمركم؟ فقصّوا عليه القصّة فقال سليمان:\nغير هذا أرفق بالفريقين، فعادوا إلى داود فأخبروه بذلك فدعا سليمان وقال له: بحقّ النبوّة والأبوّة إلّا أخبرتني بالذي هو أرفق بالفريقين، فقال سليمان: تسلّم الأغنام إلى صاحب الكرم حتى يرتفق برسلها ونسلها وصوفها ومنافعها، ويعمل الراعي في إصلاح الكرم إلى أن يعود كهيئته، ثم يرد الأغنام إلى صاحبها فقال «١»: القضاء ما قضيت. وحكم بذلك.\nقال الحسن: كان الحكم بما قضى به سليمان، ولم يعنف الله داود في حكمه وهذا يدلّ على أنّ كلّ مجتهد مصيب.\nوروى الزهري عن حرام بن محيصة قال: دخلت ناقة للبراء بن عازب حائطا لبعض الأنصار فأفسدته، فرفع ذلك إلى رسول الله ﷺ فقرأ هذه الآية، ثم قضى على البراء بما أفسدت الناقة وقال: «على أصحاب الماشية حفظ الماشية بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار» «٢» .\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: داود.\n(٢) السنن الكبرى للبيهقي: ٨/ ٣٤١.","vol":"6","page":285},{"text":"وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ أي وسخّرنا الجبال والطّير يسبّحن مع داود إذا سبّح.\nقال وهب: كان داود يمرّ بالجبال مسبّحا وهي تجاوبه وكذلك الطير.\nقتادة: «يُسَبِّحْنَ» أي يصلّين معه إذا صلّى.\nوَكُنَّا فاعِلِينَ ذلك وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ اللبوس عند العرب: السلاح كلّه درعا كان أو جوشنا أو سيفا أو رمحا، يدلّ عليه قول الهذلي يصف رمحا:\nومعي لبوس للبئيس كأنّه ... روق بجبهة ذي نعاج مجفل «١»\nيريد باللبوس الرمح، وإنّما عنى الله سبحانه في هذا الموضع الدرع وهو بمعنى الملبوس كالحلوب والركوب.\nقال قتادة: أول من صنع الدروع داود (﵇) وإنّما كانت صفائح، فهو أوّل من سردها وحلقها.\nلِتُحْصِنَكُمْ لتحرزكم وتمنعكم مِنْ بَأْسِكُمْ حربكم، واختلف القرّاء فيه، فقرأ شيبة وعاصم برواية أبي بكر، ويعقوب برواية رويس، لنحصنكم بالنون، لقوله «وَعَلَّمْناهُ» وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحفص وروح، بالتاء يعني الصنعة.\nوَلِسُلَيْمانَ أي وسخّرنا لسليمان الرِّيحَ وهو هواء محرّك وهو جسم لطيف يمتنع «٢» بلطفه من القبض عليه ويظهر الحسن بحركته، والريح تذكّر وتؤنّث.\nعاصِفَةً شديدة الهبوب تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني الشام وذلك أنّها كانت تجري لسليمان وأصحابه إلى حيث شاء سليمان ثم تعود به إلى منزله بالشام.\nقال وهب بن منبه: كان سليمان إذا خرج إلى مجلسه عكفت عليه الطير وقام له الإنس والجنّ حتى يجلس على سريره وكان إمرأ غزا قلّ ما يقعد عن الغزو، ولا يسمع في ناحية من الأرض بملك إلّا أتاه حتى يذلّه، وكان فيما يزعمون إذا أراد الغزو أمر بمعسكره فضرب له بخشب، ثم نصب له على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدوابّ وآلة الحرب كلّها حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب، فاحتملته حتى إذا استقلت أمر الرخاء فمدّته شهرا في روحته وشهرا في غدوته إلى حيث أراد.\nقال: فذكر لي منزل بناحية دجلة مكتوب فيه كتاب كتبه بعض صحابة سليمان إمّا من الجنّ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٣٢٠.\n(٢) في الثانية: تمنّع.","vol":"6","page":286},{"text":"وإمّا من الإنس: نحن نزلناه وما بنينا ومبنيّا وجدناه، غزونا من إصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله فآتون الشام.\nقال الله سبحانه وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ. وَمِنَ الشَّياطِينِ يعني وسخّرنا لسليمان أيضا من الشياطين مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ أي يدخلون تحت الماء فيخرجون له الجواهر من البحر وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذلِكَ يعني دون الغوص وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ حتى لا يخرجوا من أمره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٨٣ الى ٩٤]</span>\nوَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ (٨٤) وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦) وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨) وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا وَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ (٩١) إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)\nوَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ (٩٣) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ (٩٤)\nوَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ الآية.\nقال وهب بن منبّه: كان أيّوب رجلا من الروم، وهو أيّوب بن أموص بن رازح بن روم بن عيص بن إسحاق بن إبراهيم، وكانت أمّه من ولد لوط بن هاران، وكان الله تعالى قد اصطفاه ونبّأه وبسط عليه الدنيا، وكانت له البثينة من أرض الشام كلّها سهلها وجبلها بما فيها، وكان له من أصناف المال كلّه من الإبل والبقر والخيل والحمير ما لا يكون لرجل أفضل منه في العدّة والكثرة، وكان له بها خمسمائة فدّان يتبعها خمسمائة عبد، لكلّ عبد امرأة وولد ومال، ويحمل له كلّ فدان أتان، لكلّ أتان ولد من اثنين وثلاثة وأربعة وخمسة وفوق ذلك، وكان الله سبحانه أعطاه أهلا وولدا من رجال ونساء، وكان برّا تقيّا رحيما بالمساكين، يكفل الأرامل والأيتام ويكرم الضيف ويبلغ ابن السبيل، وكان شاكرا لأنعم الله سبحانه، مؤديا لحقّ الله تعالى، قد امتنع من عدوّ الله إبليس أن يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من العزّة والغفلة والسهو والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان معه ثلاثة قد آمنوا به وصدّقوه وعرفوا فضله:\nرجل من أهل اليمن يقال له اليفن، ورجلان من أهل بلاده يقال لأحدهما بلدد وللآخر صافر، وكانوا كهولا.","vol":"6","page":287},{"text":"قال وهب: إنّ لجبرئيل (﵇) بين يدي الله سبحانه مقاما ليس لأحد من الملائكة في القربة والفضيلة، وإنّ جبرئيل هو الذي يتلقّى الكلام، فإذا ذكر الله عبدا بخير تلقّاه جبرئيل ثم لقّاه ميكائيل وحوله الملائكة المقرّبون حافّين من حول العرش، فإذا شاع ذلك في الملائكة المقرّبين صارت الصلاة على ذلك العبد من أهل السموات، فإذا صلّت عليه ملائكة السموات هبطت عليه بالصلاة إلى ملائكة الأرض «١»، وكان إبليس لعنه الله لا يحجب عن شيء من السموات، وكان يقف فيهنّ حيث ما أراد، ومن هنالك وصل إلى آدم حين أخرجه من الجنّة، فلم يزل على ذلك يصعد في السموات حتى رفع الله سبحانه عيسى ابن مريم فحجب من أربع، وكان يصعد في ثلاث، فلمّا بعث الله تعالى محمدا (﵇) حجب من الثلاث الباقية، فهو وجنوده محجوبون من جميع السموات إلى يوم القيامة إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ «٢» .\nقال: فسمع إبليس تجاوب الملائكة بالصلاة على أيوب وذلك حين ذكره الله سبحانه وأثنى عليه، فأدركه البغي والحسد وصعد سريعا حتى وقف من السماء موقفا كان يقفه فقال: يا إلهي نظرت في أمر عبدك أيّوب فوجدته أنعمت عليه فشكرك، وعافيته فحمدك، ثمّ لم تجرّبه بشدّة ولا بلاء وأنا لك زعيم، لئن ضربته بالبلاء ليكفرنّ بك ولينسينّك، فقال الله ﷾ له: انطلق فقد سلّطتك على ماله، فانقض عدوّ الله حتى وقع إلى الأرض ثم جمع عفاريت الشياطين وعظماءهم وقال لهم: ماذا عندكم من القوّة والمعرفة؟ فإنّي قد سلّطت على مال أيوب، وهي المصيبة الفادحة والفتنة التي لا يصبر عليها الرجال.\nقال عفريت من الشياطين: أعطيت من القوّة ما إذا شئت تحوّلت إعصارا من النار وأحرقت كلّ شيء آتي عليه، قال له إبليس: فات الإبل ورعاها فانطلق يؤم الإبل وذلك حين وضعت رؤوسها ويثبت «٣» في مراعيها، فلم يشعر الناس حتى ثار من تحت الأرض إعصار من نار ينفخ منها أرواح السّموم، لا يدنو منها أحد إلّا احترق، فلم يزل يحرقها ورعاها حتى أتى على آخرها، فلمّا فرغ منها تمثّل إبليس على قعود منها يراعها ثم انطلق يؤم أيّوب حتّى وجده قائما يصلّي فقال: يا أيّوب، قال: لبّيك، قال: هل تدري ما الذي صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعائها؟ قال أيوب: انّها ماله أعارنيه وهو أولى به إذا شاء نزعه، وقديما وطّنت مالي ونفسي على الفناء.\nقال إبليس: فإنّ ربّك أرسل عليها نارا من السّماء فاحترقت ورعاؤها كلّها، فتركت الناس\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: من أهل السموات هبط عليه الصلاة إلى ملائكة الأرضين.\n(٢) الحجر: ١٨.\n(٣) في نسخة أصفهان: ونبتت.","vol":"6","page":288},{"text":"مبهوتين وقفا عليها يتعجّبون منها، منهم من يقول: ما كان أيّوب يعبد شيئا وما كان إلّا في غرور، ومنهم من قال: لو كان إله أيّوب يقدر على أن يصنع شيئا لمنع وليّه، ومنهم من يقول:\nبل هو الذي فعل ما فعل ليشمت به عدوّه ويفجع به صديقه.\nقال أيوب: الحمد لله حين أعطاني وحين نزع منّي، عريانا خرجت من بطن أمّي، وعريانا أعود في التراب، وعريانا أحشر إلى الله سبحانه، ليس ينبغي لك أن تفرح حين أعارك وتجزع حين قبض عاريته، الله أولى بك وبما أعطاك، ولو علم الله فيك أيّها العبد خيرا لتقبّل روحك مع تلك الأرواح فآجر لي فيك وصرت شهيدا، ولكنه علم منك شرا فاخّرك «١»، وخلصك من البلاء كما يخلص الزوّان من القمح الخالص.\nفرجع إبليس لعنه الله إلى أصحابه خاسئا ذليلا فقال: ماذا عندكم من القوّة فإني لم أكلّم قلبه، قال عفريت من عظمائهم: عندي من القوة اما إذا شئت صحت صوتا لا يسمعه ذو روح إلّا خرجت مهجة نفسه «٢»، قال له إبليس: فأت الغنم ورعاها فانطلق يأتي الغنم ورعاها حتى إذا توسطها صاح صوتا جثمت أمواتا من عند آخرها، ومات رعاؤها، ثم خرج إبليس متمثّلا بقهرمان الرعاء حتى إذا جاء أيوب وهو قائم يصلّي، فقال له القول الأول وردّ عليه أيّوب الردّ الأول.\nثمّ إن إبليس رجع إلى أصحابه فقال لهم: ماذا عندكم من القوّة فإنّي لم أكلّم قلب أيّوب، فقال عفريت من عظمائهم: عندي من القوّة ما إذا شئت تحوّلت ريحا عاصفا تنسف كلّ شيء تأتي عليه حتى لا أبقي شيئا، قال له إبليس: فأت الفدادين والحرث، فانطلق يؤمهم وذلك حين قرنوا الفدادين وأنسؤوا في الحرث، وأولادها رتوع، فلم يشعروا حتى هبّت ريح عاصف فنسفت كلّ شيء من ذلك حتّى كأنّه لم يكن، ثم خرج إبليس متمثّلا بقهرمان الحرث حتى جاء أيّوب وهو قائم يصلّي فقال له مثل قوله الأوّل وردّ عليه أيّوب مثل ردّه الأوّل، فجعل إبليس يصيب ماله مالا مالا حتى مرّ على آخره، كلّما انتهى إليه هلاك مال من أمواله حمد الله وأحسن عليه الثناء ورضي بالقضاء ووطّن نفسه للصبر على البلاء حتى لم يبق له مال.\nفلمّا رأى إبليس أنّه قد أفنى ماله ولم ينجح منه بشيء صعد سريعا حتى وقف الموقف الذي كان يقفه فقال: إلهي إنّ أيّوب يرى أنّك ما متّعته بنفسه وولده فأنت معطيه المال، فهل أنت مسلطي على ولده فإنّها الفتنة المضلّة والمصيبة التي لا تقوم لها قلوب الرجال ولا يقوى عليها صبرهم.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: فأخرجك.\n(٢) في نسخة أصفهان: مهجته.","vol":"6","page":289},{"text":"قال الله سبحانه: انطلق فقد سلّطتك على ولده، فانقضّ عدوّ الله حتى جاء بني أيّوب وهم في قصرهم فلم يزل يزلزل بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يناطح جدره بعضها ببعض ويرميهم بالخشب والجندل حتى إذا مثّل بهم كلّ مثلة رفع بهم القصر وقلبه فصاروا منكّسين، وانطلق إلى أيّوب متمثّلا بالمعلّم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو جريح مشدوخ الوجه يسيل دمه ودماغه، فأخبره بذلك وقال: يا أيوب لو رأيت بنيك كيف عذّبوا وكيف قلبوا فكانوا منكّسين على رؤوسهم، تسيل دماؤهم ودماغهم من أنوفهم وأشفارهم وأجوافهم، ولو رأيت كيف شقت بطونهم فتناثرت أمعاؤهم لقطع قلبك، فلم يزل يقول هذا ونحوه ويرقّقه حتى رقّ أيوب فبكى وقبض قبضة من التراب فوضعها على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك فصعد سريعا بالذي كان من جزع أيّوب مسرورا به، ثمّ لم يلبث أيوب أن فاء وأبصر، فاستغفر وصعد قرناؤه من الملائكة بتوبته، فبدروا إبليس إلى الله سبحانه وهو أعلم، فوقف إبليس خازيا ذليلا فقال: يا إلهي إنّما هوّن على أيّوب خطر المال والولد إنه يرى أنك ما متعته بنفسه فأنت تعيد له المال والولد، فهل أنت مسلطي على جسده، فأنى لك زعم لئن ابتليته في جسده لينسينّك وليكفرنّ بك وليجحدنّك نعمتك.\nفقال الله سبحانه: انطلق فقد سلّطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ولا على قلبه ولا على عقله، وكان الله تعالى هو أعلم به، لم سلطه عليه إلّا رحمة ليعظم له الثواب ويجعله عبرة للصابرين وذكرى للعابدين في كلّ بلاء نزل بهم ليتأسّوا به في الصبر ورّجاء الثواب.\nوانقض عدو الله إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا فعجّل قبل أن يرفع رأسه «١» فأتاه من قبل الأرض في موضع وجهه فنفخ في منخره نفخة اشتعل منها جسده فذهل وخرج به من قرنه إلى قدمه ثآليل مثل أليات الغنم وقعت فيه حكّة لا يملكها، فحكّ بأظفاره حتى سقطت كلها، ثم حكها بالمسوح الخشنة حتى قطعها، ثم حكها بالفخّار والحجارة الخشنة فلم يزل حكها حتى نفل لحمه وتقطع وتغير وأنتن.\nفأخرجه أهل القرية فجعلوه على كناسة وجعلوا له عريشا ورفضه خلق الله كلهم غير امرأته، وهي رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وكانت تختلف إليه بما يصلحه ويلزمه، فلما رأى الثلاثة من أصحابه وهم: اليفر ويلدد وصافر ما ابتلاه الله سبحانه ورفضوه من غير أن يتركوا دينه، فلما طال به البلاء انطلقوا إليه وهو في بلائه فبكتوه ولاموه وقالوا له: تب إلى الله سبحانه من الذنب الذي عوقبت به، قال: وحضر معهم فتى حديث السن وكان قد آمن به وصدّقه فقال لهم: إنكم تكلمتم أيها الكهول وكنتم أحق بالكلام لأسنانكم «٢»، ولكن قد تركتم من القول\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: من السجود.\n(٢) كذا في المخطوط، وفي تفسير الطبري: وأولى به مني لحق أسنانكم، والأصح: لسنّكم.","vol":"6","page":290},{"text":"أحسن من الذي قلتم ومن الرأي أصوب من الذي رأيتم، ومن الأمر أجمل من الذي أتيتم، وقد كان لا يؤت عليكم من الحق والذمام أفضل من الذي وصفتم، فهل تدرون أيها الكهول حق من انتقصتم وحرمة من انتهكتم، ومن الرجل الذي عبتم واتهمتم؟ ألم تعلموا أن أيوب نبي الله وخيرته وصفوته من أهل الأرض يومكم هذا، ثم لم تعلموا أو لم يطلعكم الله على أنه قد سخط شيئا من أمره منذ أتاه ما أتاه إلى يومكم هذا، ولا على أنه نزع منه شيئا من الكرامة التي أكرمه بها، ولا أن أيوب غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا، وإن كان البلاء هو الذي أزري به عندكم ووضعه في أنفسكم، فقد علمتم أن الله سبحانه يبتلي النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ، ثم ليس بلاؤه لأولئك بدليل على سخطه عليهم، ولا هو انه لهم، ولكنها كرامة وخيرة لهم، ولو كان أيوب ليس من الله تعالى بهذه المنزلة إلّا أنه أخ اجتبيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحليم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيّره بالمصيبة ولا يعيبه بما لا يعلم، وهو مكروب جرين، ولكنه يرحمه ويبكي معه ويستغفر له ويحزن بحزنه ويدله على مراشد أمره، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا، فالله الله أيها الكهول وقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ويكسر قلوبكم.\nألم تعلموا أن لله عبادا أسكتتهم خشية من غير عيّ ولا بكم، وأنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الأولياء العالمون بالله وبأيامه، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم واقشعرّت جلودهم، وانكسرت قلوبهم، وطاشت عقولهم إعظاما لله وإعزازا وإجلالا، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية، يعدون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين، وإنهم لأنزاه برآء، ويعدون أنفسهم مع المقصرين المفرطين، وإنهم لأكياس أقوياء، ولكنهم لا يستكثرون لله الكثير ولا يرضون لله بالقليل، ولا يدلون عليه بالأعمال فهم مروّعون مفزّعون خاشعون مستكينون.\nفقال أيوب: إن الله سبحانه يزرع الحكمة بالرحمة في قلب الصغير والكبير فمتى ثبتت في القلب يظهرها الله على اللسان، وليست تكون الحكمة من قبل السنّ والشيبة ولا طول التجربة، ولئن جعل الله تعالى العبد حكيما في الصبا لم يسقط منزلته عند الحكماء وهم يرون من الله سبحانه عليه نور الكرامة.\nثم أقبل أيوب على الثلاثة فقال: أتيتموني غضابا رهبتم قبل أن تسترهبوا، وبكيتم من قبل أن تضربوا، كيف بي لو قلت لكم تصدّقوا عنّي بأموالكم! لعلّ الله أن يخلّصني، أو قرّبوا عنّي قربانا لعلّ الله يتقبّله ويرضى عني، وإنكم قد أعجبتكم أنفسكم وظننتم أنكم عوقبتم بإحسانكم فهنالك بغيتم وتعزّزتم ولو نظرتم فيما بينكم وبين ربّكم ثمّ صدقتم لوجدتم لكم عيوبا سترها الله بالعافية التي ألبسكم، وقد كنت فيما خلا والرجال يوقّرونني وأنا مسموع كلامي، معروف حقّي، منصف من خصمي، فأصبحت اليوم وليس لي رأي ولا كلام معكم، فإنّكم كنتم علىّ أشدّ من مصيبتي.\nثمّ أعرض عنهم وأقبل على ربّه مستعينا به متضرعا إليه فقال: ربّ لأيّ شيء خلقتني؟","vol":"6","page":291},{"text":"ليتني إذ كرهتني لم تخلقني، يا ليتني كنت حيضة ألقتني أمّي، أو يا ليتني عرفت الذّنب الذي أذنبت والعمل الذي عملت فصرفت وجهك الكريم عنّي، لو كنت أمتّني فألحقتني بآبائي فالموت كان أجمل لي، ألم أكن للغريب دارا وللمسكين قرارا ولليتيم وليّا وللأرملة قيّما؟\nالهي أنا عبد ذليل، إن أحسنت فالمنّ لك، وإن أسأت فبيدك عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا، وقد وقع عليّ بلاء لو سلّطته على جبل ضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي، إلهي تقطّعت أصابعي فإنّي لأرفع الأكلة من الطعام بيديّ جميعا فما تبلغان فمي إلّا على الجهد منّي، تساقطت لهواتي ولحم رأسي، فما بين أذنيّ من سداد حتى أنّ إحداهما ترى من الأخرى، وإنّ دماغي يسيل من فمي.\nتساقط شعر عيني فكأنما حرّق بالنار وجهي، وحدقتاي هما متدلّيتان على خدّي، ورم لساني حتى ملأ فمي، فما أدخل منه طعاما إلّا غصّني، ورمت شفتاي حتّى غطّت العليا أنفي والسفلى ذقني، تقطّعت أمعائي في بطني فإنّي لأدخله الطعام فيخرج كما دخل ما أحسّه ولا ينفعني، ذهبت قوّة رجليّ فكأنهما قربتا ماء أطيق حملهما، ذهب المال فصرت أسأل بكفّي فيطعمني من كنت أعوله اللقمة الواحدة، فيمنّها عليّ ويعيّرني، هلك أولادي ولو بقي أحد منهم أعانني على بلائي ونفعني، قد ملّني أهلي وعقّني أرحامي وتنكّرت معارفي ورغب عنّي صديقي وقطعني أصحابي وجحدت حقوقي ونسيت صنايعي، أصرخ فلا يصرخونني وأعتذر فلا يعذرونني، ودعوت غلامي فلم يجبني وتضرّعت لأمتي فلم ترحمني «١» وأنحل جسمي ولو أنّ ربّي نزع الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتّى أتكلّم بملء فمي، ثمّ كان ينبغي للعبد أن يحاجّ عن نفسه، لرجوت أن «٢» يعافيني عند ذلك ممّا بي ولكنّه ألقاني وتعالى عنّي فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه، لا نظر إلىّ فرحمني ولا دنا منّي ولا أدناني، فأتكلم ببراءتي وأخاصم عن نفسي.\nفلمّا قال ذلك أيّوب وأصحابه أظلّه غمام حتّى ظنّ أصحابه أنّه عذاب، ثمّ نودي منه: يا أيّوب إنّ الله يقول: ها أنا دنوت منك ولم أزل منك قريبا، فقم فأدل بعذرك وتكلم ببراءتك وخاصم عن نفسك واشدد إزارك وقم مقام جبّار فإنّي لا ينبغي لي أن يخاصمني إلّا جبّار مثلي ولا ينبغي أن يخاصمني إلّا من يجعل الزمّار، في فم الأسد والسّخال في فم العنقاء واللجام في فم التنين، ويكتال مكيالا من النّور ويزن مثقالا من الرّيح ويصرّ صرّة من الشّمس ويردّ أمس، لقد منّتك نفسك أمرا ما يبلغ بمثل قوّتك ولو كنت إذ منّتك ذلك ودعتك إليه، تذكّرت أىّ مرام رامت بك.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: وإنّ فضلك هو الذي أذلني وأقماني فإن سلطانك هو الذي أسقمني. [.....]\n(٢) في نسخة أصفهان: يعاقبني","vol":"6","page":292},{"text":"أردت أن تخاصمني بفيك أم أن تحاجّني بخطابك أم أردت ان تكابرني بضعفك؟ أين أنت منّي يوم خلقت الأرض فوضعتها على أساسها؟ هل علمت بأي مقدار قدّرتها أم كنت معي تمد بأطرافها، أم تعلم ما بعد زواياها أم على أىّ شيء وضعت أكنافها؟ أبطاعتك حمل الماء الأرض، أم بحكمتك كانت الأرض للماء غطاء؟ أين كنت منّي يوم رفعت السّماء سقفا في الهواء لا بعلائق سيّبت ولا يحملها دعم من تحتها؟ هل يبلغ من حكمتك أن تجري نورها أو تسيّر نجومها أو يختلف بأمرك ليلها ونهارها؟\nأين أنت منّي يوم سخّرت البحار ونبعت الأنهار؟ أقدرتك حبست أمواج البحار على حدودها أم قدرتك فتحت الأرحام حين بلغت مدّتها؟ أين أنت منّي يوم صببت الماء على التراب ونصبت شوامخ الجبال؟ هل لك من ذراع يطيق حملها أم هل تدري كم من مثقال فيها، أم أين الماء الذي أنزلت من السماء؟ هل تدري أمّ تلده أو أب يولده؟ أحكمتك أحصت القطر وقسمت الأرزاق، أم قدرتك تثير السحاب وتغشيه الماء؟ هل تدري ما أصوات الرعود أم من أىّ شيء لهب البرق؟ وهل رأيت عمق البحر، أم هل تدري ما بعد الهواء، أم هل خزنت أرواح الأموات، أم هل تدري أين خزانة الثلج، أو أين خزائن البرد، أم أين جبال البرد، أم هل تدري أين خزانة الليل بالنهار، وأين خزانة النهار بالليل، وأين طريق النور، وبأىّ لغة تتكلّم الأشجار، وأين خزانة الريح؟ وكيف تحبسه الأغلاق؟\nومن جعل العقول في الرّجال؟ ومن شق الأسماع؟ ومن ذلّت الملائكة لملكه وقهر الجبارين بجبروته وقسم أرزاق الدوابّ بحكمته؟ من قسّم للأسد رزقها وعرّف الطير معاشها وعطفها على أفراخها؟ من أعتق الوحش من الخدمة وجعل مساكنها البريّة، لا تستأنس بالأصوات ولا تهاب المسلّطين، أم حكمتك عطفت أمهاتها عليها حتى أخرجت لها الطعام من بطونها وآثرتها بالعيش على نفوسها، أم من حكمتك تبصّر العقاب الصيد البصر البعيد وأصبح في أماكن القتلى؟\nأين أنت منّي يوم خلقت يهموت مكانه في مقطع التراب والوثبان «١» يحملان الجبال والقرى والعمران، آذانهما كأنها شجر الصنوبر الطوال، ورؤسهما كأنها كوم الجبال، وعروق أفخاذها كأنها عمد النحاس، أنت ملأت جلودهما لحما أم أنت ملأت رؤسهما دماغا؟ هل لك في خلقهما من شرك أم لك بالقوة التي غلبتها يدان؟ هل تبلغ من قوّتك أن تضع يدك على رؤوسهما أو تقعد لهما على طريق فتحبسهما أو تصدّهما من قوتهما؟ أين أنت يوم خلقت للتنّين رزقه في البحر ومسكنه في السحاب؟ عيناه توقدان نارا ومنخراه يثوران دخانا، أذناه مثل قوس السحاب، يثور منهما لهب كأنّه إعصار العجاج، جوفه يحترق ونفسه تلتهب وزبده جمر كأمثال\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الوهل.","vol":"6","page":293},{"text":"الصخور، وكأنّ صريف أسنانه أصوات الصواعق، وكأنّ نظر عينيه لهب البرق، وتمرّ به الجيوش وهو متكئ لا يفزعه شيء، ليس فيه مفصل الحديد، عنده مثل الطين، والنحاس، عنده مثل الخيوط لا يفزع من النشّاب ولا يحسّ وقع الصخور على جسده، ويسير في الهواء كأنّه عصفور، ويهلك كلّ شيء يمرّ به، هل أنت آخذه بأحبولتك أو واضع اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أم هل تعرف تقوّت رزقه أم هل تدري ماذا خرّب من الأرض؟ وماذا يخرّب فيما بقي من عمره؟\nأتطيق غضبه حين يغضب أم تأمره فيطيعك؟ تبارك الله وتعالى.\nفقال أيّوب: قصرت عن هذا الأمر الذي يعرض علىّ ليت الأرض انشقّت فذهبت فيها ولم أتكلّم بشيء يسخط ربّي، اجتمع علىّ البلاء إلهي فجعلتني مثل العدوّ، وقد كنت تكرمني وتعرف نصحي، وقد علمت أنّ كلّ الذي ذكرت صنع يديك وتدبير حكمتك وأعظم من هذا، ما شئت عملت، لا يعجزك شيء ولا تخفى عليك خافية ولا تغيب عنك غائبة، من هذا الذي يظن أن يسرّ عنك سرّا وأنت تعلم ما يخطر على القلوب؟ وقد علمت منك في بلائي هذا ما لم أكن أعلم، وخفت حين بلوت أمرك أكثر ممّا كنت أخاف، إنّما كنت أسمع بسطوتك سمعا فأمّا الآن فهو نظر العين، إنّما تكلمت حين تكلمت لتعذرني، وسكتّ حين سكتّ لترحمني، كلمة زلّت فلن أعود، قد وضعت يدي على فمي وعضضت على لساني وألصقت بالتراب خدّي ودسست فيه وجهي لصغاري، وسكتّ كما أسكتتني خطيئتي، فاغفر لي ما قلت فلن أعود لشيء تكرهه مني.\nفقال الله سبحانه: يا أيوب فقد نفذ فيك علمي وسبقت رحمتي غضبي إذ خطئت فقد غفرت لك، ورددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم ليكون لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً، ويكون عبرة لأهل البلاء وغزاء للصابرين ف ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ، فيه شفاؤك، وقرّب عن صحابتك قربانا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك.\nفركض برجله فانفجرت له عين فدخل فيها، فاغتسل فأذهب الله عنه كلّما كان به من البلاء، ثمّ خرج فجلس وأقبلت امرأته فقامت تلتمسه في مضجعه فلم تجده فقامت كالواله مترددة متحيّرة ثم قالت: يا عبد الله هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان هاهنا؟ فقال لها: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم ومالي لا أعرفه؟ فتبسم وقال: أنا هو فعرفته بمضحكه فاعتنقته.\nقال ابن عباس: فو الذي نفس عبد الله بيده ما فارقته من عناقه حتى مرّ بهما كلّ مال لهما وولد، فذلك قوله وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ «١» .\nواختلف العلماء في وقت ندائه، والسبب الذي قال: لأجله أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وفي مدّة بلائه.\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ١٧/ ٧٦ إلى ٩٠.","vol":"6","page":294},{"text":"فحدّثنا الإمام أبو الحسن علىّ بن سهل الماسرخسي إملاء يوم الجمعة سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو طالب عمر بن الربيع بن سليمان الخشّاب بمصر قال: حدّثنا يحيى بن أيوب العلّاف قال: حدّثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدّثنا نافع بن يزيد عن عقيل عن شهاب عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إن أيوب نبيّ الله لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة، فرفضه القريب والبعيد إلّا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك؟\nقال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلمّا راحا إلى أيّوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك، فقال أيّوب: ما أدري ما يقولان غير أنّ الله سبحانه يعلم أني كنت أمرّ بالرجلين يتنازعان فيذكران الله ﷾، فأرجع إلى بيتي فأكفّر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلّا في حقّ» «١» .\nقال: فكان يخرج بحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلمّا كان ذات يوم أبطأ عليها، وأوحي إلى أيّوب في مكانه ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ «٢» فاستبطأته فتلقته تنظر، وأقبل عليها وقد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلمّا رأته قالت: هل رأيت نبىّ الله هذا المبتلى؟ قال: إنّي أنا هو، وكان له أندران: أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سبحانه سحابتين، فلمّا كانت أحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض.\nوقال الحسن: مكث أيّوب مطروحا على كناسة في مزبلة لبني إسرائيل سبع سنين وأشهرا تختلف فيه الدوابّ.\nوقال وهب: لم يكن بأيّوب أكلة إنّما كان يخرج منه مثل ثدي النّساء ثم يتفقّأ.\nقال الحسن: ولم يبق له مال ولا ولد ولا صديق ولا أحد يقرّبه غير رحمة صبرت معه، تصدّق وتأتيه وتحمد الله إذا حمد، وأيّوب على ذلك لا يفتر من ذكر الله سبحانه والثناء عليه والصبر على ما ابتلاه، فصرخ عدوّ الله إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر أيّوب فلمّا اجتمعوا إليه قالوا: ما جزعك؟ قال: أعياني هذا العبد الذي سألت ربّي أن يسلّطني على ماله وولده فلم أدع له مالا، وولدا فلم يزدد بذلك إلّا صبرا وثناء على الله سبحانه، ثمّ سلّطت على جسده فتركته قرحة ملقاة على كناسة بني إسرائيل، لا تقربه إلّا امرأته، فقد افتضحت بربي فاستعنت بكم لتعينوني عليه، قالوا له: أين مكرك؟ أين عملك الذي أهلكت به من مضى؟\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ٦/ ٢٩٩.\n(٢) سورة ص: ٤٢.","vol":"6","page":295},{"text":"قال: بطل ذلك كله في أيّوب فأشيروا عليّ، قالوا: نشير عليك، أرأيت آدم حين أخرجته من الجنة؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: فشأنك بأيوب من قبل امرأته فإنّه لا يستطيع أن يعصيها وليس أحد يقرّبه غيرها، قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته وهي تصدّق، فتمثّل لها في صورة رجل، فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحكّ قروحه، وتتردّد الدوابّ في جسده، فلمّا سمعها طمع أن يكون كلمة جزع، فوسوس إليها فذكّرها ما كانت فيه من النعيم والمال، وذكرها جمال أيّوب وشبابه، وما هو فيه من الضرّ، وأنّ ذلك لا ينقطع عنهم أبدا.\nقال الحسن: فصرخت، فلمّا صرخت علم أن قد جزعت، فأتاها بسخلة فقال: ليذبح هذا لي أيّوب ويبرأ.\nقال: فجاءت تصرخ: يا أيوب حتى متى يعذّبك ربّك؟ ألا يرحمك؟ أين المال؟ أين الماشية؟ أين الولد؟ أين الصديق؟ إنّ لونك الحسن قد تغيّر وصار مثل الرّماد، أين جسمك الحسن الذي قد بلي وتردّد فيه الدواب؟ اذبح هذه السخلة واسترح.\nقال أيّوب: أتاك عدوّ الله فنفخ فيك وأجبته؟! ويلك أرأيت ما تبكين عليه ممّا تذكرين ممّا كنا فيه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: الله، قال: فكم متّعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فمذ كم ابتلانا الله بهذا البلاء؟ قالت: منذ سبع سنين وأشهر. قال: ويلك والله ما عدلت ولا أنصفت ربك، ألا صبرت يكون في هذا البلاء الذي ابتلانا ربّنا به ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين سنة والله لئن شفاني الله لأجلدنّك مائة جلدة، أمرتني أن أذبح لغير الله طعامك وشرابك الذي أتيت به؟ علي حرام أن أذوق شيئا ممّا تأتينني به بعد إذ قلت لي هذا، فاغربي عنّي فلا أراك، فطردها فذهبت فلمّا نظر أيّوب إلى امرأته قد طردها، وليس عنده طعام ولا شراب ولا صديق خرّ ساجدا وقال: رب مَسَّنِيَ الضُّرُّ ثم ردّ ذلك إلى ربّه فقال وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فقيل له: ارفع رأسك فقد استجبت لك، ارْكُضْ بِرِجْلِكَ، فركض برجله فنبعت عين فاغتسل منها فلم يبق عليه من دابّة شيء ظاهر إلّا سقط، فأذهب الله كلّ ألم وكلّ سقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن ما كان وأفضل ما كان، ثم ضرب رجله فنبعت عين أخرى فشرب منها، فلم يبق في جوفه داء إلّا خرج، فقام صحيحا وكسي حلّة.\nقال: فجعل يلتفت فلا يرى شيئا ممّا كان له من أهل ومال إلّا وقد أضعفه الله له حتى والله ذكر لنا أن الماء الذي اغتسل منه تطاير على صدره جرادا من ذهب، قال: فجعل يضمّه بيده فأوحى إليه: يا أيوب ألم أغنك؟ قال: بلى ولكنّها بركتك فمن يشبع منها، قال: فخرج حتى جلس على مكان مشرف، ثمّ إنّ امرأته قالت: أرأيت إن كان طردني، إلى من أكله؟ أدعه يموت جوعا وتأكله السباع لأرجعنّ إليه، فرجعت إليه فلا كناسة ترى ولا تلك الحال التي كانت، وإذا الأمور قد تغيّرت فجعلت تطوف حيث كانت الكناسة وتبكي، وذلك بعين أيّوب.","vol":"6","page":296},{"text":"قال: وهابت صاحب الحلة أن تأتيه فتسأله عنه، فأرسل إليها أيّوب فدعاها فقال: ما تريدين يا أمة الله؟ فبكت وقالت: أردت ذلك المبتلى الذي كان منبوذا على الكناسة لا أدري أضاع أم ما فعل؟.\nفقال لها أيوب: ما كان منك؟ فبكت وقالت: أردت بعلي فهل رأيته؟ قال: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: وهل يخفى على أحد رآه؟ ثم جعلت تنظر إليه وهي تهابه، ثم قالت: أما إنّه كان أشبه خلق الله بك إذ كان صحيحا، قال: فإنّي أنا أيّوب الذي أمرتني أنّ أذبح لإبليس، وإنّي أطعت الله وعصيت الشيطان ودعوت الله ﷾ فردّ عليّ ما ترين.\nوقال كعب: كان أيّوب في بلائه سبع سنين.\nوقال وهب: لبث أيّوب في ذلك البلاء ثلاث سنين لم يزد يوما واحدا، فلمّا غلب أيّوب إبليس ولم يستطع منه شيئا اعترض امرأته في هيئة ليس كهيئة بني آدم في العظم والجسم والجمال، على مركب ليس من مراكب الناس، له عظم وبهاء وجمال، فقال لها: أنت صاحبة أيّوب هذا الرجل المبتلى؟ قالت: نعم قال: هل تعرفينني؟ قالت: لا، قال: فأنا إله الأرض، وأنا الذي صنعت، بصاحبك ما صنعت وذلك أنّه عبد إله السّماء وتركني فأغضبني، ولو سجد لي سجدة واحدة رددت عليه وعليك كل ما كان لكما من مال وولد فإنّه عندي، ثم أراها إيّاهم فيما ترى ببطن الوادي الذي لقيها فيه.\nقال وهب: وقد سمعت أنّه إنّما قال: لو أنّ صاحبك أكل طعاما ولم يسمّ عليه لعوفي ممّا به من البلاء، والله أعلم، وأراد إبليس لعنه الله أن يأتيه من قبلها.\nورأيت في بعض الكتب أنّ إبليس قال لرحمة: وإن شئت فاسجدي لي سجدة واحدة حتى أردّ عليك المال والأولاد وأعافي زوجك، فرجعت إلى أيّوب فأخبرته بما قال لها وما أراها، قال: قد أتاك عدوّ الله ليفتنك عن دينك، ثمّ أقسم إن عافاه الله ليضربنّها مائة جلدة.\nوقال عند ذلك: مسّني الضر من طمع إبليس في سجود حرمتي له، ودعائه إيّاها وإيّاي إلى الكفر، قالوا: ثمّ الله سبحانه رحم رحمة امرأة أيّوب بصبرها معه على البلاء، وخفّف عنها، وأراد أن يبرئ يمين أيوب فأمره أن يأخذ جماعة من الشجر فيضربها بها ضربة واحدة كما قال الله سبحانه وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ «١» الآية.\nوقال وهب وغيره: كانت امرأة أيوب تكسب له وتعمل للناس وتجيئه بقوته، فلمّا طال عليهما البلاء وسئمها الناس فلم يستعملها التمست له يوما من الأيّام ما تطعمه، فما وجدت شيئا\n_________\n(١) سورة ص: ٤٤.","vol":"6","page":297},{"text":"فجزّت قرنا من رأسها فباعته برغيف فأتته به فقال لها: أين قرنك فأخبرته بذلك فحينئذ قال:\nمَسَّنِيَ الضُّرُّ.\nوقال قوم: إنّما قال: مَسَّنِيَ الضُّرُّ حين قصدت الدود إلى قلبه ولسانه فخشي أن يعيى «١» عن الذكر والفكر.\nوقال عبد الله بن عبيد بن عمير: كان لأيوب أخوان فأتياه فقاما من بعيد لا يقدران أن يدنوا منه من ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو كان الله علم في أيّوب خيرا ما ابتلاه بما نرى:\nقال: فلم يسمع أيوب شيئا كان عليه أشدّ من هذه الكلمة، وما جزع من شيء أصابه جزعه من تلك الكلمة، فعند ذلك قال: مَسَّنِيَ الضُّرُّ، ثم قال: اللهمّ إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدّقني فصدّق، وهما يسمعان، ثمّ قال: اللهمّ إن كنت تعلم أنّي لم أتّخذ قميصين قطّ وأنا أعلم مكانا عار فصدقني فصدّق وهما يسمعان فخرّ ساجدا.\nوقيل معناه: مسّني الضر من شماتة الأعداء، يدلّ عليه ما روي أنّه قيل له بعد ما عوفي: ما كان أشدّ عليك في بلائك؟ قال: شماتة الأعداء.\nوقيل: إنّما قال ذلك حين وقعت دودة من فخذه فرفعها وردّها إلى موضعها وقال: كلي فقد جعلني الله طعامك، فعضّته عضّة زاد ألمها على جميع ما قاسى من عضّ الديدان.\nوسمعت أبا عبد الله بن محمد بن جعفر الأبيوردي يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبّاد البغدادي يقول: سئل أبو القاسم جنيد عن هذه الآية فقال: عرّفه فاقة السؤال ليمنّ عليه بكرم النوال.\nوسمعت استأذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلسا غاصّا بالفقهاء والأدباء في دار سلطان فسئلت عن هذه الآية- بعد إجماعهم على أنّ قول أيوب مَسَّنِيَ الضُّرُّ شكاية وقد قال الله سبحانه إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا «٢» فقلت: ليس هذا شكاية وإنما هو دعاء، بيانه قوله سبحانه فَاسْتَجَبْنا لَهُ والإجابة تعقب الدعاء لا الاشتكاء، فاستحسنوه وارتضوه.\nفَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ واختلفوا في كيفية ذلك فقال قوم: إنما آتى الله سبحانه أيّوب في الدنيا مثل أهله الذين هلكوا، فأما الذين هلكوا فإنّهم لم يردّوا عليه، وإنّما وعد الله أيّوب أن يؤتيه إيّاهم في الآخرة.\nوروى عبد الله بن إدريس عن ليث قال: أرسل مجاهد رجلا يقال له قاسم إلى عكرمة يسأله عن هذه الآية فقال: قيل له: إنّ أهلك لك في الآخرة، فإن شئت عجّلناهم لك في الدنيا،\n_________\n(١) في المخطوط: يبقى.\n(٢) ص: ٤٤.","vol":"6","page":298},{"text":"وإن شئت كانوا لك في الآخرة، وآتيناك مثلهم في الدنيا؟ فقال: يكونون لي في الآخرة، وأوتي مثلهم في الدنيا.\nقال: فرجع إلى مجاهد فقال: أصاب، ويكون معنى الآية على هذا التأويل وآتيناه أهله في الآخرة، ومثلهم معهم في الدنيا، وأراد بالأهل الأولاد.\nقال وهب: كان له سبع بنات وثلاثة بنين.\nوقال ابن يسار: كان له سبع بنين وسبع بنات، وقال آخرون: بل ردّهم الله سبحانه بأعيانهم وأعطاه مثلهم معهم، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وقتادة وكعب قال: أحياهم الله وأوتي مثلهم، وهذا القول أشبه بظاهر الآية.\nوقال الحسن: آتاه الله المثل من نسل ماله الذي ردّ عليه وأهله، فأمّا الأهل والمال فإنه ردّهما عليه بأعيانهما.\nرَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ عظة لهم وَإِسْماعِيلَ يعني ابن إبراهيم وَإِدْرِيسَ وهو أخنوخ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ على أمر الله، واختلفوا في ذي الكفل،\nفأخبرني ابن فنجويه بقراءتي عليه في داري قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا عبد الله «١» الرازي عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال: سمعت حديثا للنبي ﷺ لو لم أسمعه إلّا مرة أو مرّتين لم أحدّث به، سمعته منه أكثر من سبع مرات، قال ﷺ: «كان في بني إسرائيل رجل يقال له ذو الكفل لا ينزع عن ذنب عمله، فاتبع امرأة فأعطاها ستّين دينارا على أن تعطيه نفسها، فلمّا قعد منها مقعد الرجل من المرأة أرعدت وبكت فقال: ما يبكيك؟ قالت: من هذا العمل، ما عملته قطّ، قال: أكرهتك؟ قالت: لا، ولكن حملتني عليه الحاجة، قال: اذهبي فهو لك، ثم قال:\nوالله لا أعصي الله أبدا، فمات من ليلته فقيل مات ذو الكفل، فوجدوا على باب داره مكتوبا:\nإنّ الله قد غفر لذي الكفل» «٢» .\nوروى الأعمش عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحرث أنّ نبيّا من الأنبياء قال: من يكفل لي أن يصوم النّهار ويقوم الليل ولا يغضب؟ فقام شاب فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم عاد فقال: من يكفل لي أن يقوم الليل ويصوم النهار ولا يغضب؟ فقام ذلك الشاب فقال: انا، فقال: اجلس، ثم عاد فقام الشاب فقال: أنا فقال: تقوم الليل وتصوم النهار ولا تغضب؟ قال:\nنعم.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: بن الفضل بن فاخورة قال أبو هاشم الرفاعي عن ابن فضيل، قال الأعمش عن عبد الله بن عبد الله.\n(٢) تفسير القرطبي: ١١/ ٣٢٧.","vol":"6","page":299},{"text":"فمات ذلك النبي فجلس ذلك الشاب مكانه يقضي بين الناس فكان لا يغضب، فجاءه الشيطان في صورة إنسان ليغضبه وهو صائم يريد أن يقيل، فضرب الباب ضربا شديدا فقال: من هذا؟ فقال: رجل له حاجة، فأرسل معه رجلا فرجع فقال: لا أرضى بهذا الرجل، فأرسل معه آخر، فقال: لا أرضى بهذا، فخرج إليه فأخذ بيده فانطلق معه حتى إذا كان في السوق خلّاه وذهب، فسمّي ذا الكفل.\nوقال مجاهد: لما كبر اليسع (﵇) قال: لو أنّي استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى انظر كيف يعمل، قال: فجمع الناس فقال: من يتقبّل لي بثلاث استخلفه:\nيصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب، فقام رجل تزدريه العين فقال: أنا فردّه ذلك اليوم. وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس، وقام ذلك الرجل فقال: أنا فاستخلفه- قال: فجعل إبليس يقول للشياطين: عليكم بفلان فأعياهم فقال: دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ فقير حين أخذ مضجعه للقائلة- وكان لا ينام بالليل والنهار إلّا تلك النومة- فدقّ الباب فقال: من هذا؟ قال:\nشيخ فقير كبير مظلوم، فقام ففتح الباب فجعل يقصّ عليه فقال: إنّ بيني وبين قومي خصومة وإنّهم ظلموني وفعلوا، وفعلوا فجعل يطوّل عليه حتى حضر الرواح وذهبت القائلة، قال: إذا رحت فإنّني آخذ لك بحقّك، فانطلق وراح، فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ، فلم يره فقام يتبعه، فلمّا كان الغد جعل يقضي بين الناس وينتظره فلا يراه، فلمّا رجع إلى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدقّ الباب فقال: من هذا؟ قال: الشيخ المظلوم، ففتح له فقال: ألم أقل إذا قعدت فأتني قال: إنّهم أخبّ قوم، إذا عرفوا أنك قاعد قالوا: نعطيك حقّك، وإذا قمت جحدوني، قال: فانطلق فإذا رحت فأتني، ففاتته القائلة فراح فجعل ينظر ولا يراه وشقّ عليه النعاس، فقال لبعض أهله: لا تدعنّ أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فإنّي قد شقّ عليّ النوم.\nفلمّا كان تلك الساعة جاء فلم يأذن له الرجل فلمّا أعياه نظر فرأى كوّة في البيت فتسوّر منها فإذا هو في البيت، وإذا هو يدقّ الباب من داخل فاستيقظ الرجل فقال: يا فلان ألم آمرك؟\nفقال: أمّا من قبلي فلم تؤت والله، فانظر من أين أتيت؟ فقام إلى الباب فهو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فقال له: أتنام والخصوم ببابك؟ فعرفه فقال: أعدوّ الله؟ قال: نعم أعييتني في كلّ شيء ففعلت ما ترى لأغضبك فعصمك الله منّي، فسمّي ذا الكفل لأنه تكفّل بأمر فوفى به.\nوقال أبو موسى الأشعري: إنّ ذا الكفل لم يكن نبيّا ولكن كان عبدا صالحا تكفّل بعمل رجل صالح عند موته وكان يصلّي لله ﷾ كل يوم مائة صلاة، فأحسن الله ﷿ عليه الثناء.\nوقيل: كان رجلا تكفّل بشأن رجل وقع في بلاء فأنجاه الله على يديه.","vol":"6","page":300},{"text":"وقيل: ذو الكفل إلياس، وقيل: هو زكريّا، والله أعلم.\nوَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ. وَذَا النُّونِ واذكر صاحب النون وهو يونس بن متّى إِذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا اختلفوا في معنى الآية ووجهها فقال الضحّاك: ذَهَبَ مُغاضِبًا لقومه، وهي رواية العوفي وغيره عن ابن عباس قال: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين، فغزاهم ملك فسبي منهم تسعة أسباط ونصف سبط وبقي سبطان ونصف، فأوحى الله تعالى إلى شعيا النبي أن سر إلى حزقيا الملك وقل له حتى يوجّه نبيا قويّا أمينا فإنّي ألقي في قلوب أولئك حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال له الملك: فمن ترى؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال:\nيونس، فإنّه قوي أمين، فدعا الملك يونس وأمره أن يخرج، فقال يونس: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، قال: فهل سمّاني لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري أنبياء أقوياء أمناء، فالحّوا عليه فخرج مغاضبا للنبىّ وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم فإذا سفينة مشحونة فركبها فلمّا تلججت السفينة تكفأت حتى كادوا أن يغرقوا فقال الملّاحون، ها هنا رجل عاص أو عبد آبق، ومن رسمنا أن نقترع في مثل هذا فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر. ولئن يغرق واحد خير من أن تغرق السفينة بما فيها، فاقترعوا ثلاث مرّات فوقعت القرعة في كلّها على يونس.\nفقام يونس فقال: أنا الرجل العاصي والعبد الآبق، وألقى نفسه في الماء فجاء حوت فابتلعه، ثمّ جاء حوت آخر أكبر منه فابتلع هذا الحوت، وأوحى الله إلى الحوت: لا تؤذ منه شعرة فإنّي جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله طعاما لك.\nوقال الآخرون: بل ذهب عن قومه مغاضبا لربّه إذ كشف عنهم العذاب بعد ما وعدهموه، وذلك أنّه كره أن يكون بين قوم قد جرّبوا عليه الخلف فيما وعدهم، واستحيا منهم، ولم يعلم السبب الذي به دفع عنهم العذاب والهلاك، فخرج مغاضبا وقال: والله لا أرجع إليهم كذّابا أبدا، وإنّي وعدتهم العذاب في يوم فلم يأت.\nوفي بعض الأخبار: إنّ قومه كان من عادتهم أن يقتلوا من جرّبوا عليه الكذب، فلمّا لم يأتهم العذاب للميعاد الذي وعدهم خشي أن يقتلوه، فغضب وقال: كيف أرجع إلى قومي وقد أخلفتهم الوعد؟ ولم يعلم سبب صرف العذاب عنهم، وكيفية القصّة، وذلك أنّه كان خرج من بين أظهرهم، وقد ذكرت القصة بالشرح في سورة يونس.\nقال القتيبي: المغاضبة مفاعلة، وأكثر المفاعلة من اثنين كالمناظرة والمخاصمة والمجادلة وربّما تكون من واحد كقولك: سافرت وعاقبت الرجل وطارقت النعل وشاركت الأمر ونحوها، وهي هاهنا من هذا الباب، فمعنى قوله: مُغاضِبًا أي غضبان أنفا، والعرب تسمّي الغضب أنفا، والأنف غضبا لقرب أحدهما من الآخر، وكان يونس وعد قومه أن يأتيهم العذاب لأجل، فلمّا فات الأجل ولم يعذّبوا غضب وأنف أن يعود إليهم فيكذّبوه، فمضى كالنادّ الآبق إلى السفينة،","vol":"6","page":301},{"text":"وكان من طول ما عاين وقاسى من بلاء قومه يشتهي أن ينزل الله بهم بأسه.\nوقال الحسن «١»: إنّما غاضب ربّه من أجل أنّه أمر بالمصير إلى قومه لينذرهم بأسه ويدعوهم إليه، فسأل ربّه أن ينظره ليتأهّب للشخوص إليهم، فقيل له: إنّ الأمر أسرع من ذلك ولم ينظر حتى سأل أن ينظر إلى أن يأخذ نعلا يلبسها، فقيل له نحو القول الأول، وكان رجلا في خلقه ضيق، فقال: أعجلني ربي أن آخذ نعلا؟ ف ذَهَبَ مُغاضِبًا.\nوقال وهب بن منبّه اليماني: إنّ يونس بن متّى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلمّا حملت عليه أثقال النبوّة تفسّخ تحتها تفسّخ الربع تحت الحمل الثقيل، فقذفها من يده وخرج هاربا منها، فلذلك أخرجه الله سبحانه من أولي العزم، فقال لنبيّه محمد (﵇): فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ «٢» وقال: وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ «٣» أي لا تلق أمري كما ألقاه.\nفَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ أن لن نقضي عليه العقوبة، قاله مجاهد وقتادة والضحّاك والكلبي، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، تقول العرب: قدّر الله الشيء بقدره تقديرا وقدره يقدره قدرا، ومنه قوله نَحْنُ قَدَرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ «٤» وقوله وَالَّذِي قَدَرَ فَهَدى «٥» في قراءة من خفّفهما، ودليل هذا التأويل قراءة عمر بن عبد العزيز والزّهري فَظَنَّ أَنْ لَنْ نُقَدِّرَ عَلَيْهِ بضم النون وتشديد الدال من التقدير، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة: فظنّ أن لن يقدّر عليه بالتشديد على المجهول، وقرأ يعقوب يُقْدَرُ بالتخفيف على المجهول. وقال الشاعر في القدر بمعنى التقدير:\nفليست عشيّات الحمى برواجع ... لنا أبدا ما أورق السلم النضر\nولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر نفع ولك الشكر «٦»\nوقال عطاء وكثير من العلماء: معناه فظنّ أن لن نضيّق عليه الحبس من قوله سبحانه اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ «٧» أي يضيّق.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: البصري.\n(٢) الأحقاف: ٣٥.\n(٣) القلم: ٤٨.\n(٤) الواقعة: ٦٠. [.....]\n(٥) الأعلى: ٣.\n(٦) تفسير القرطبي: ١١/. ٣٣٢ والعبارة:\nفليس عشيّات اللوى برواجع ... أبدا ما أورق السلم النضر\n(٧) الرعد: ٢٦.","vol":"6","page":302},{"text":"وقال ﷾ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ «١»، وقال ابن زيد: هو استفهام معناه: أفظنّ أن لن نقدر عليه؟.\nوروى عوف عن الحسن أنّه قال: معناه: فظنّ أنّه يعجز ربّه فلا يقدر عليه.\nقال: وبلغني أن يونس لمّا أذنب انطلق مغاضبا لربّه واستزلّه الشيطان حتّى ظنّ أن لن يقدر عليه.\nقال: وكان له سلف وعبادة فأبي الله أن يدعه للشيطان فقذفه في بطن الحوت، فمكث في بطن الحوت أربعين من بين يوم وليلة، وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة، وأمسك الله نفسه فلم يقتله هناك، فتاب إلى ربّه في بطن الحوت وراجع نفسه فقال: لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فاستخرجه الله من بطن الحوت برحمته.\nقال عوف: وبلغني أنّه قال: وبنيت لك مسجدا في مكان لم يبنه أحد قبلي. والتأويلات المتقدمة أولى بالأنبياء وأبعد من الخطأ.\nفَنادى فِي الظُّلُماتِ أي ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، قاله أكثر المفسّرين، وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمة جوف الحوت، ثم ظلمة جوف الحوت الآخر الذي ابتلعه في ظلمة البحر.\nأَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ قال محمد بن قيس: قال يونس:\nإِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ حين عصيتك، وما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك.\nوروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لمّا أراد الله سبحانه حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله إلى الحوت أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر له عظما، فأخذه ثمّ هوى به إلى مسكنه في البحر، فلمّا انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسّا فقال في نفسه: ما هذا؟\nفأوحى الله سبحانه إليه وهو في بطن الحوت: إنّ هذا تسبيح دوابّ البحر، قال: فسبّح وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا إنّا لنسمع صوتا ضعيفا بأرض غريبة! قال: ذاك عبدي يونس عصاني، فحبسته في بطن الحوت، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كلّ يوم وليلة عمل صالح؟ قال: نعم، فشفعوا له عند ذلك فأمر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله سبحانه وَهُوَ سَقِيمٌ «٢»» «٣» .\nوروى أبو هلال محمد بن سليمان عن شهر بن حوشب عن ابن عباس قال: أتى جبرئيل\n_________\n(١) الطلاق: ٧.\n(٢) الصافّات: ١٤٥.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٧/ ١٠٧.","vol":"6","page":303},{"text":"يونس (﵉) فقال له: انطلق إلى «١» السفينة، فركبها فاحتبست السفينة فساهموا فسهم، فجاء الحوت يبصبص بذنبه فنودي الحوت: إنّا لم نجعل يونس لك رزقا، إنّا جعلناك له حرزا ومسجدا، فالتقمه الحوت فانطلق به من ذلك المكان حتى مرّ به على الأبلّة، ثمّ مرّ به على دجلة ثم انطلق حتى ألقاه في نينوى، فكان ابن عباس يقول: إنّما كانت رسالة يونس بعد ما نبذه الحوت، ودليل هذا القول أنّ الله تعالى ذكر قصة يونس في سورة والصافّات ثم عقّبها بقوله وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ «٢» .\nوقال الآخرون: بل كانت قصّة الحوت بعد دعائه قومه وتبليغهم رسالة ربّه كما قد بيّنا ذكره.\nفَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ من كربهم إذا استغاثوا بنا ودعونا.\nوروى علي بن زيد عن سعيد بن المسيّب قال: سمعت سعد بن مالك يقول: سمعت «٣» رسول الله ﷺ يقول: «اسم الله الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متّى» قال: فقلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامّة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله تعالى فَنادى فِي الظُّلُماتِ إلى قوله وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ وهو شرط الله لمن دعاه بها.\nواختلفت القراءة في قوله «نُنْجِي» فقرأه العامة بنونين الثانية منهما ساكنة من الإنجاء على معنى نحن ننجي، فإن قيل: لم كتبت في المصاحف بنون واحدة؟ قيل: لأنّ النون الثانية لمّا سكنت وكان الساكن غير ظاهر على اللسان حذفت، كما فعلوا ذلك بإلّا فحذفوا النون من لجعلها أو كاشفة إذا كانت مدغمة في اللام، وقرأ ابن عامر وعاصم برواية ابن بكر نجي المؤمنين بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء، واختلف النحاة في هذه القراءة فمنهم من صوّبها وقال: فيه إضمار معناه: نجي المؤمنين كما يقال: ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا. قال الشاعر:\nولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسبّ بذلك الجرو «٤» الكلابا»\nأراد لسبّه بذلك الجرو ولسبّ الكلابا.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: أهل نينوى، فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم قال اليمين التمس حرابة، قال:\nالأمر أعجل من ذلك، قال فغضب من ذلك فانطلق إلى ...\n(٢) الصافّات: ١٤٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٠٢.\n(٤) في نسخة أصفهان: الكلب.\n(٥) تفسير القرطبي: ١١/ ٣٣٥.","vol":"6","page":304},{"text":"قالوا: وإنّما سكّن الياء في نجّي كما سكّنوها في بقر فقالوا بقره ونحوها وإنّما اتبع أهل هذه القراءة المصحف لأنّها مكتوبة بنون واحدة.\nوقال القتيبي: من قرأ بنون واحدة والتشديد فإنّه أراد ننجي من التنجية إلّا أنّه أدغم وحذف نونا على طلب الخفّة.\nوقال النحويون: وهو رديء لبعد مخرج النون من الجيم، وممن جوّز «١» هذه القراءة أبو عبيد، وأما أبو حاتم السجستاني فإنه لحّنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: هذا لحن لا يجوز في اللغة، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب الله ﷾ إلّا أن يقول: وكذلك نجي المؤمنين، ولو قرئ كذلك لكان صوابا، والله أعلم.\nوَزَكَرِيَّا إِذْ نادى دعا رَبَّهُ فقال رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وحيدا لا ولد لي ولا عقب وارزقني وارثا، ثمّ ردّ الأمر إلى الله سبحانه فقال وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى ولدا وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ بأن جعلناها ولودا بعد ما كانت عقيما، قاله أكثر المفسّرين، وقال بعضهم: كانت سيئة الخلق فأصلحها له بأن رزقها حسن الخلق.\nإِنَّهُمْ يعني الأنبياء الذين سمّاهم في هذه السورة.\nكانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا خوفا وطمعا رغبا في رحمة الله ورهبا من عذاب الله، وقرأ الأعمش، رُغْبا ورُهْبا بضم الراء وجزم الغين والهاء وهما لغتان مثل السقم والسقم والثكل والثكل والنحل والنحل والعدم والعدم.\nوَكانُوا لَنا خاشِعِينَ خاضعين متواضعين.\nوَالَّتِي أَحْصَنَتْ حفظت ومنعت فَرْجَها ممّا حرم الله سبحانه وهي مريم بنت عمران فَنَفَخْنا فِيها مِنْ رُوحِنا أي أمرنا جبرئيل حتى نفخ في جيب درعها وأحدثنا بذلك النفخ المسيح في بطنها، وأضاف الروح إليه على معنى الملك والتشريف لمريم وعيسى بتخصيصها بالإضافة إليه.\nوَجَعَلْناها وَابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ أي دلالة على كمال قدرتنا وحكمتنا، حمل امرأة بلا مماسّة ذكر، وكون ولد من غير أب، وإنّما قال «آيَةً» ولم يقل آيتين لأن معنى الكلام وجعلنا شأنهما وأمرهما آية للعالمين.\nإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ ملّتكم أُمَّةً واحِدَةً ملّة واحدة وهي الإسلام فأبطل ما سوى الإسلام من الأديان، وأصل الأمّة الجماعة التي هي على مقصد واحد فجعلت بالشريعة أمة واحدة\n_________\n(١) في المخطوط: صوّر.","vol":"6","page":305},{"text":"لاجتماع أهلها بها على مقصد واحد، ونصب أمّة على القطع، وقرأ ابن أبي إسحاق أمّةٌ بالرفع على التكرير.\nوَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ أي اختلفوا في الدين صاروا فيه فرقا وأحزابا، ثم قال كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ فنجزيهم بأعمالهم.\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ لا نبطل عمله ولا نجحده بل يشكر ويثاب عليه وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ لعمله حافظون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>[سورة الأنبياء (٢١): الآيات ٩٥ الى ١١٢]</span>\nوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ (٩٥) حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ (٩٨) لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ (٩٩)\nلَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ (١٠٠) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ (١٠١) لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ (١٠٢) لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣) يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ (١٠٤)\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عابِدِينَ (١٠٦) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ (١٠٧) قُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ (١٠٩)\nإِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ (١١٠) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ (١١١) قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (١١٢)\nوَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ قرأ أهل الكوفة: وَحِرْمٌ بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف، وقرأ الآخرون: وَحَرامٌ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، هما لغتان مثل حل وحلال.\nقال ابن عباس: معنى الآية «وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ» أي أهل قرية أَهْلَكْناها أي يرجعون بعد الهلاك وعلى هذا التأويل يكون لا صلة مثل قول العجاج:\nفي سر لا حورى سرى وما شعر\nأي في سر حور «١» .\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/. ٢١٧ والعبارة: في بئر لا حور سرى وما شعر.","vol":"6","page":306},{"text":"وقال الآخرون: الحرام بمعنى الواجب كقول الخنساء:\nوإنّ حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلّا بكيت على عمرو «١»\nوعلى هذا التأويل يكون لا ثابتا.\nوقال جابر الجعفي: سألت أبا جعفر عن الرجعة فقرأ هذه الآية.\nحَتَّى إِذا فُتِحَتْ قرأه العامة بالتخفيف، وقرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد على الكسرة.\nيَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ومعنى الآية فرّج السد عن يأجوج ومأجوج، وقد ذكرنا قصتهما بالشرح.\nوروى منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ «٢»: أوّل الآيات الدجّال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا، والدخان والدابّة، ثم يأجوج ومأجوج.\nقال حذيفة: قلت: يا رسول الله ما يأجوج ومأجوج؟ قال: أمم، كلّ أمّة أربعمائة ألف أمّة، لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صلبه، وهم ولد آدم (﵇) فيسيرون إلى خراب الدنيا، ويكون مقدمتهم بالشام وساقهم بالعراق، فيمرّون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحر الطبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولوا: قد قتلنا أهل الدنيا، فقاتلوا من في السماء فيرمون بالنشّاب إلى السّماء، فيرجع نشابهم مخضّبة بالدم فيقولون: قد قتلنا من في السّماء.\nوعيسى والمسلمون بجبل طور سينين فيوحي الله سبحانه إلى عيسى أن احرز عبادي بالطور وما يلي، ثمّ إنّ عيسى يرفع يديه إلى السّماء، ويؤمّن المسلمون، فيبعث الله سبحانه عليهم دابّة يقال لها النغف «٣» تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى من حاقّ الشام إلى حاق المشرق «٤» «٥» حتى تنتن الأرض من جيَفهم ويأمر الله سبحانه السماء فتمطر كأفواه القرب فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم، فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها «٦» .\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ١٢٧. [.....]\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ١٤٧.\n(٣) في نسخة أصفهان: العرف.\n(٤) في تفسير الطبري: العراق.\n(٥) في نسخة أصفهان: المغرب.\n(٦) تفسير الطبري: ١٧/ ١١٥، وبعضه في سنن ابن ماجة: ٢/ ١٣٤٧، ح ٤٠٥٥.","vol":"6","page":307},{"text":"وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ أي نشز وتلّ يَنْسِلُونَ يخرجون مشاة مسرعين كنسلان الذئب.\nواختلف العلماء في هذه الكناية فقال قوم: عنى بهم يأجوج ومأجوج، واستدلّوا\nبحديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ قال: يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس كما قال الله سبحانه مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ فيغشون الأرض «١» .\nوروى عبد الله بن مسعود عن رسول الله ﷺ فيما يذكر عن عيسى قال: «قال عيسى: عهد إليّ ربي أنّ الدجّال خارج وأنّه مهبطي إليه، فذكر أنّ معه قصبتين فإذا رآني أهلكه الله، قال:\nفيذوب كما يذوب الرصاص حتى أنّ الشجر والحجر ليقول: يا مسلم هذا كافر فاقتله، فيهلكهم الله ﷿ ويرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فيستقبلهم يأجوج ومأجوج مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، لا يأتون على شيء إلّا أهلكوه ولا يمرّون على ماء إلّا شربوه» «٢» .\nوقال آخرون: أراد جميع الخلق، يعني أنّهم يخرجون من قبورهم ومواضعهم فيحشرون إلى موقف القيامة، تدلّ عليه قراءة مجاهد: وهم من كلّ جدث بالجيم والثاء يعني القبر اعتبارا بقوله سبحانه فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ «٣» .\nوَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ يعني القيامة، قال الفرّاء وجماعة من العلماء: الواو في قوله «وَاقْتَرَبَ» مقحم ومجاز الآية: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحقّ، نظيرها قوله فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنادَيْناهُ «٤» أي ناديناه. قال امرؤ القيس:\nفلمّا أجزنا ساحة الحىّ وانتحى ... بباطن خبت ذي قفاف عقنقل «٥»\nيريد انتحى، ودليل هذا التأويل حديث حذيفة قال: لو أنّ رجلا اقتنى فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتّى تقوم الساعة.\nوقال الزجّاج: البصريون لا يجيزون طرح الواو ويجعلون جواب حتى إذا فتحت في قوله «يا وَيْلَنا» وتكون مجازا الآية حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ... وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ قالوا يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا.\nفَإِذا هِيَ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا في قوله هِيَ ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن تكون هي كناية عن الأبصار ويكون الأبصار الظاهرة بيانا عنها كقول الشاعر:\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٧٧.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٧/ ١٢٠.\n(٣) سورة يس: ٥١.\n(٤) سورة الصافّات: ١٠٣- ١٠٤.\n(٥) تاج العروس: ٤/ ١٩.","vol":"6","page":308},{"text":"لعمر أبيها لا تقول ظعينتي ... ألا فرّ عنّي مالك بن أبي كعب «١»\nفكنى عن الظعينة في أبيها ثم أظهرها فيكون تأويل الكلام: فإذا الأبصار شاخصة أبصار الذين كفروا.\nوالثاني: أن تكون هي عمادا كقوله «فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ»، وكقول الشاعر:\nفهل هو مرفوع بما هاهنا رأس «٢»\nوالثالث: أن يكون تمام الكلام عند قوله هِيَ على معنى هي بارزة واقفة يعني: من قربها كأنّها آتية حاضرة، ثم ابتدأ شاخِصَةٌ أَبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا على تقديم الخبر على الابتداء مجازها: أبصار الذين كفروا شاخصة من هول قيام الساعة، وهم يقولون يا وَيْلَنا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا أي من هذا اليوم بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ بمعصيتنا ربّنا ووضعنا العبادة في غير موضعها.\nإِنَّكُمْ أيها المشركون وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام حَصَبُ جَهَنَّمَ قراءة العامة بالصاد أي وقودها عن ابن عباس.\nوقال مجاهد وقتادة وعكرمة: حطبها، وذكر أنّ الحصب في لغة أهل اليمن الحطب.\nالضحّاك: يعني يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء، وأصل الحصب الرمي يقال:\nحصبت الرجل إذا رميته، قال الله ﷾ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا «٣» يعني ريحا ترميهم بالحجارة وقرأ ابن عباس: حضب بالضاد، وهو كل ما هيّجت وأوقدت به النار، ومنه قيل لدقاق النار: حضب،\nوقرأ علي وعائشة: ولا هو من حميد: حطب بالطاء\nنظيرها قوله سبحانه «وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ» .\nأَنْتُمْ لَها وارِدُونَ أي فيها داخلون لَوْ كانَ هؤُلاءِ الأصنام آلِهَةً على الحقيقة ما وَرَدُوها يعني ما دخل عابدوها النار، بل منعتها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ يعني العابد والمعبود.\nلَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَهُمْ فِيها لا يَسْمَعُونَ قال ابن مسعود في هذه الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعل التوابيت في توابيت أخرى، ثم جعلت التوابيت في أخرى فيها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم أن في النار أحدا يعذّب غيره.\nثم استثنى فقال ﷾ إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ قال قوم من العلماء: إنّ ها هنا بمعنى\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١١/ ٣٤٢.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١/ ٥٦٥.\n(٣) سورة القمر: ٣٤.","vol":"6","page":309},{"text":"إلّا وليس في القرآن سواه، والسبق تقدّم الشيء على غيره.\nلَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى السعادة والعدة الجميلة بالجنّة أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ والإبعاد:\nتطويل المسافة. واختلفوا في هؤلاء من هم؟ فقال أكثر المفسرين: عندي بذلك كلّ من عبد من دون الله وهو طائع ولعبادة من يعبده كاره،\nوذلك أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد وصناديد قريش في الحطيم «١» وحول الكعبة ثلاثمائة وستّون صنما فجلس إليهم فعرض له النضر بن الحارث فكلّمه رسول الله ﷺ حتى أفحمه، ثم تلا عليه وعليهم إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الآيات الثلاث، ثمّ قام فأقبل عبد الله بن الزبعرى بن قيس بن عدي السهمي فرآهم يتهامسون قال: فيم خوضكم؟ فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال لهم رسول الله ﷺ، فقال عبد الله: أما والله لو وجدته لخصمته، فدعوا رسول الله ﷺ فقال له ابن الزبعرى: أنت قلت: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ؟ قال: نعم، قال: قد خصمتك وربّ الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا والنصارى تعبد المسيح وبنو مليح يعبدون الملائكة؟.\nفقال رسول الله ﷺ: «نعم، بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك، فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى الآية يعني عزيرا وعيسى والملائكة» «٢» .\nقال الحسن بن الفضل: إنما أراد بقوله إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الأوثان دون غيرها لأنّه لو أراد الملائكة والنّاس لقال: «ومن تعبدون»، قلت: ولأنّ المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة وهم كانوا يعبدون الأصنام.\nوقال بعضهم: هذه الآية عامّة في كلّ من سبقت له من الله السعادة.\nقال محمّد بن حاطب: سمعت عليّا كرّم الله وجهه يخطب، فقرأ هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ فقال: عثمان (﵁) منهم!.\nوقال الجنيد في هذه الآية: سبقت لهم من الله العناية في البداية، فظهرت الولاية في النهاية.\nأخبرني أبو عبد الله محمد بن عبد الله قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن عثمان النصيبي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسين السبيعي بحلب قال: أخبرنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبار الصوفي قال: حدّثنا عبيد الله القواريري قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني قال: حدّثنا ليث عن ابن عمّ النعمان بن بشير- وكان من سمّار علىّ- قال: تلا عليّ\n_________\n(١) في النسخة الثانية: المسجد. [.....]\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٧/ ١٢٨.","vol":"6","page":310},{"text":"ليلة هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرّحمن بن عوف منهم!!، ثم أقيمت الصلاة فقام علىّ يجرّ رداءه وهو يقول لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها يعني صوتها إذا نزلوا منازلهم من الجنة وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ\nوالشهوة طلب النفس اللذّة، نظيرها قوله فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ «١» .\nلا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وقرأ أبو جعفر بضمّ الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضمّ الزاي، واختلفوا في الفزع الأكبر، فقال ابن عباس: النفخة الآخرة، دليله قوله سبحانه وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ «٢» .\nوقال الحسن: حين يؤمر بالعبد إلى النار.\nسعيد بن جبير والضحّاك: إذا أطبقت على أهل النار.\nابن جريج: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح على الأعراف والفريقان ينظران فينادى: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النّار خلود فلا موت.\nذو النون المصري: هو القطيعة والهجران والفراق.\nوَتَتَلَقَّاهُمُ تستقبلهم الْمَلائِكَةُ على أبواب الجنة يهنّونهم ويقولون لهم هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ يَوْمَ. نَطْوِي السَّماءَ قرأ أبو جعفر تُطْوَى السَّماءُ بضم التاء والهمزة على المجهول، وقرأ الباقون بالنون السماء نصب كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ قرأ أهل الكوفة على الجمع، غيرهم: للكتاب على الواحد واختلفوا في السجلّ، فقال ابن عمر والسدىّ: السجل:\nملك يكتب أعمال العباد فإذا صعد بالاستغفار قال الله سبحانه: أكتبها نورا.\nوقال ابن عباس ومجاهد: هو الصحيفة، واللام في قوله لِلْكُتُبِ بمعنى على تأويلها كطىّ الصحيفة على مكتوبها.\nوروى أبو الجوزاء وعكرمة عن ابن عباس أنّ السجلّ اسم كاتب لرسول الله، وهذا قول غير قوي لأنّ كتّاب رسول الله كانوا معروفين وقد ذكرتهم في كتاب «الربيع»، والسجلّ اسم مشتقّ من المساجلة وهي المكاتبة، وأصلها من السجل وهو الدلو، يقال: سجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة، قال الشاعر:\n_________\n(١) سورة الزخرف: ٧١.\n(٢) سورة النمل: ٨٧.","vol":"6","page":311},{"text":"من يساجلني يساجل ماجدا ... يملأ الدلو إلى عقد الكرب «١»\nثم بنى هذا الاسم على فعل مثل طمر وقلز. والطي في هذه الآية يحتمل معنيين:\nأحدهما: الدرج الذي هو ضدّ النشر قال الله سبحانه وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ «٢» .\nوالثاني: الإخفاء والتعمية والمحو والطمس لأنّ الله سبحانه يمحو رسومها ويكدر نجومها، قال الله ﷾ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ «٣» تقول العرب:\nاطو عن فلان هذا الحديث أي استره وأخفه.\nثمّ ابتدأ واستأنف الكلام فقال عزّ من قائل كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ قال أكثر العلماء:\nكما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عزّلا كذلك نعيدهم يوم القيامة، نظيرها قوله سبحانه وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ «٤» وقوله عُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا. لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ\n«٥» .\nودليل هذا التأويل ما\nروى ليث عن مجاهد عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي عجوز من بني عامر فقال: من هذه العجوز يا عائشة؟ فقلت: إحدى خالاتي، فقالت: ادع الله أن يدخلني الجنّة فقال: إنّ الجنّة لا يدخلها العجّز، فأخذ العجوز ما أخذها «٦» .\nفقال (﵇): إنّ الله ينشئهنّ خلقا غير خلقهن، قال الله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً «٧» الآية ثمّ قال: يحشرون يوم القيامة عراة حفاة غلفا، فأوّل من يكسى إبراهيم صلوات الله عليه» .\nفقالت عائشة ﵂ وعن أبيها: وا سوأتاه فلا تحتشم الناس بعضهم بعضا؟\nقال: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ «٨»، ثم قرأ رسول الله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ كيوم ولدته أمه.\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٣٢٦.\n(٢) سورة الزمر: ٦٧.\n(٣) سورة التكوير: ١- ٢.\n(٤) سورة الأنعام: ٩٤.\n(٥) سورة الكهف: ٤٨.\n(٦) جامع البيان للطبري: ١٧/ ١٣٤.\n(٧) سورة الواقعة: ٣٥.\n(٨) سورة عبس: ٣٧.","vol":"6","page":312},{"text":"وقال ابن عباس: يقول: نهلك كلّ شيء كما كان أول مرّة، وقيل: كما بدأناه من الماء نُعِيدُهُ من التراب.\nوَعْدًا عَلَيْنا نصب على المصدر يعني وعدناه وعدا علينا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ يعني الإعادة والبعث.\nوَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ قرأ الأعمش وحمزة: الزُّبُورِ بضم الزاي، وغيرهما يقرءون بالنصب وهو بمعنى المزبور كالحلوب والركوب، يقال: زبرت الكتاب وذبرته إذا كتبته، واختلفوا في معنى الزبور في هذه الآية، فقال سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد: عنى بالزبور الكتب المنزلة وبالذكر أمّ الكتاب الذي عنده.\nوقال ابن عباس والضحّاك: الذكر التوراة والزبور الكتب المنزلة من بعد التوراة.\nوقال الشعبي: الزبور كتاب داود والذكر التوراة.\nوقال بعضهم: الزبور زبور داود والذكر القرآن، وبعد بمعنى قبل كقوله وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ «١» أي أمامهم، وقوله وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها «٢» أي قبل ذلك أَنَّ الْأَرْضَ يعني أرض الجنّة يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ يعني أمة محمد (﵇) قاله مجاهد وأبو العالية، ودليل هذا التأويل قوله وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ.\nوقال ابن عباس: أراد أنّ الأرض في الدنيا تصير للمؤمنين، وهذا حكم من الله سبحانه بإظهار الدّين وإعزاز المسلمين وقهر الكافرين.\nقال وهب: قرأت في عدّة من كتب الله أنّ الله ﷿ قال: إنّي لأورث الأرض عبادي الصالحين من أمة محمد ﷺ.\nإِنَّ فِي هذا لَبَلاغًا وصولا إلى البغية، من اتّبع القرآن وعمل به وصل إلى ما يرجو من الثواب، فالقرآن زاد الجنة كبلاغ المسافر.\nلِقَوْمٍ عابِدِينَ أي مؤمنين يعبدون الله ﷾.\nوقال ابن عباس: عالمين، وقال كعب الأحبار: هم أمّة محمد أهل الصلوات الخمس وشهر رمضان، سمّاهم الله ﷾ عابدين.\n_________\n(١) سورة الكهف: ٧٩.\n(٢) سورة النازعات: ٣٠.","vol":"6","page":313},{"text":"وَما أَرْسَلْناكَ يا محمّد إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ قال ابن زيد: يعني المؤمنين خاصة، وقال ابن عباس: هو عامّ فمن آمن بالله واليوم الآخر كتب له رحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي ممّا أصاب الأمم من المسخ والخسف والقذف.\nقُلْ إِنَّما يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ يعني أعلمتكم على بيان أنا وإيّاكم حرب لا صلح بيننا، وإنّي مخالف لدينكم، وقيل:\nمعناه عَلى سَواءٍ من الإنذار لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن غيره، وقيل: لتستووا في الإيمان به، وهذا من فصيحات القرآن.\nوَإِنْ أَدْرِي وما أعلم أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ يعني القيامة، نسخها قوله وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ.\nإِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ أي لعلّ تأخير العذاب عنكم، كناية عن غير مذكور فِتْنَةٌ اختبار لَكُمْ ليرى كيف صنيعكم وهو أعلم وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ إلى أجل يقضي الله فيه ما شاء.\nأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة قال: حدّثنا محمد بن أبي غالب قال: أخبرنا هشام قال: أخبرنا مجالد قال: حدّثني السبعي قال: لما سلم الحسن بن عليّ لمعاوية الأمر، قال له معاوية: قم فاخطب واعتذر إلى الناس، فقام الحسن فخطب، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ أكيس الكيس التقى، وإنّ أحمق الحمق الفجور، وإنّ هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية إمّا حقّ امرئ كان أحقّ به، وإمّا حقّ كان لي فتركته التماس الصلاح لهذه الأمّة، ثم قال: وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ.\nقالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ افعل بيني وبين من كذبني بالحق، والله لا يحكم إلّا بالحق، وفيه وجهان من التأويل:\nقال أهل التفسير: الحق ها هنا بمعنى العذاب كأنّه استعجل العذاب لقومه فعذبوا يوم بدر وليله، نظيره قوله رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ «١» .\nوقال قتادة: كان رسول الله (﵇) إذا شهد قتالا قال: رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ.\nوقال أهل المعاني: معناه: رب احكم بحكمك الحق، فحذف الحكم وأقيم الحق مقامه، واختلف القراء في هذه الآية فقرأ حفص قالَ رَبِّ بالألف على الخبر، الباقون: قل على\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٨٩. [.....]","vol":"6","page":314},{"text":"الأمر، وقرأ أبو جعفر: ربُّ احكم برفع الباء على النداء والمفرد، وقرأ الضحاك ويعقوب: ربي احكم بإثبات الياء على وجه الخبر بأنّ الله سبحانه أحكم بالحق من كل حاكم وهذه قراءة غير مرضية لمخالفة المصحف، والقرّاء الباقون: رَبِّ احْكُمْ على الدعاء وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.","vol":"6","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-505>محتوى الجزء السادس من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة النحل ٥ سورة بني إسرائيل (الإسراء) ٥٤ سورة الكهف ١٤٤ سورة مريم ٢٠٥ سورة طه ٢٣٥ سورة الأنبياء ٢٦٨","vol":"6","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-506>[الجزء السابع]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>سورة الحج</span>\nمكيّة غير ست آيات نزلت بالمدينة وهي قوله «هذانِ خَصْمانِ إلى قوله الْحَمِيدِ، وهي خمسة آلاف وخمسة وتسعون حرفا»\nوألف ومائتان وإحدى وسبعون «٢» كلمة وثمان وسبعون آية\nأخبرنا أبو الحسن «٣» الجرجاني غير مرّة قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي وأبو الشيخ عبد الله بن محمد الأصبهاني قالا: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس اليربوعي قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد ابن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجّة حجّها وعمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما بقي» [١] «٤» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٤)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)\n_________\n(١) في النسخة الثانية (أصفهان): سبعون.\n(٢) في النسخة الثانية: تسعون.\n(٣) في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الحسن.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ٧/ ١٢٣.","vol":"7","page":5},{"text":"يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ الزلزلة والزلزال: شدّة الحركة على الحال الهائلة، من قوله: زلّت قدمه إذا زالت عن الجهة بسرعة، ثم ضوعف.\nيَوْمَ تَرَوْنَها\nيعني الساعة تَذْهَلُ\nأي تشغل، عن ابن عباس، وقال الضحّاك تسلو، ابن حيان: تنسى، يقال: ذهلت عن كذا أي تركته واشتغلت بغيره أذهل ذهولا، وأذهلني الشيء إذهالا. قال الشاعر:\nصحا قلبه يا عزّ أو كاد يذهل\nكُلُّ مُرْضِعَةٍ\nيعني ذات ولد رضيع، والمرضع المرأة التي لها «١» صبي ترضعه لغيرها، هذا قول أهل الكوفة، وقال أهل البصرة: يقال: امرأة مرضع إذا أريد به الصفة مثل مقرب ومشرق «٢» وحامل وحائض، فإذا أرادوا الفعل أدخلوا الهاء فقيل: مرضعة، التي ترضع ولدها.\nوَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها\nأي تسقط ولدها من هول ذلك اليوم.\nوَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى.\nقال الحسن «٣»: معناه: وَتَرَى النَّاسَ سُكارى\nمن الخوف، ما هُمْ بِسُكارى\nمن الشراب.\nوقال أهل المعاني: مجازه: وترى الناس كأنّهم سكارى، تدل عليه قراءة أبي زرعة بن عمرو بن جرير: وَتُرَى النَّاسُ بضم التاء أي تظن.\nوقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما: سكرى ما هم سكرى بغير ألف فيهما، وهما لغتان لجمع السكران مثل كسلى وكسالى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ.\nروى عمران بن حصين وأبو سعيد الخدري وغيرهما: إنّ هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق وهم حيّ من خزاعة والناس يسيرون، فنادى رسول الله ﷺ فحثوا المطيّ حتى كانوا حول رسول الله ﷺ فقرأهما عليهم فلم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، فلمّا أصبحوا لم يحطّوا السرج عن الدواب ولم يضربوا الخيام ولم يطبخوا قدرا والناس من بين باك أو حاسر «٤» حزين متفكّر، فقال لهم رسول الله ﷺ «٥»: «أبشروا وسدّدوا وقاربوا، فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلّا كثّرتاه يأجوج ومأجوج» .\n_________\n(١) في النسخة الثانية: معها.\n(٢) في الثانية: ومشيدن.\n(٣) في النسخة الثانية: الحسين.\n(٤) في النسخة الثانية: جالس.\n(٥) في النسخة الثانية زيادة: أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذلك يوم يقول الله ﷿ لآدم: قم فابعث بعث النار من ذريتك، فيقول آدم: من كلّ كم كم؟ فيقول الله ﷿: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنّة. فكبر ذلك على المسلمين وبكوا وقالوا: فمن ينجو يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ.","vol":"7","page":6},{"text":"ثمّ قال: إنّي لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبّروا وحمدوا الله، ثمّ قال: «إنّي لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فكبّروا وحمدوا الله، ثمّ قال: اني لأرجوا أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبّروا وحمدوا الله، ثمّ قال: إنّى لأرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنّة وإنّ أهل الجنة، مائة وعشرون صفا، ثمانون منها أمّتي وما المسلمون في الكفّار إلّا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة، بل كالشعرة السوداء في الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود، ثمّ قال: ويدخل من أمتي سبعون ألفا الجنة بغير حساب، فقال عمر: سبعون ألفا؟\nفقال: نعم ومع كلّ واحد سبعون ألفا، فقام عكاشة بن محصن فقال: يا رسول الله ادع الله ان يجعلني منهم، قال: أنت منهم، فقال رجل من الأنصار فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول الله ﷺ: سبقك بها عكاشة» [٢] .\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ نزلت في النضر بن الحرث، كان كثير الجدال فكان يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، ويزعم أنّ الله غير قادر على إحياء من قد بلي وعاد «١» ترابا.\nقال الله سبحانه وَيَتَّبِعُ في قيله ذلك وجداله في الله بغير علم كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ كُتِبَ عَلَيْهِ قضي عليه، على الشيطان أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ اتّبعه فَأَنَّهُ يعني الشيطان يُضِلُّهُ يعني\n_________\n(١) في النسخة الثانية: وصار.","vol":"7","page":7},{"text":"يضلّ من تولاه وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ وتأويل الآية: قضي على الشيطان أنّه يضلّ أتباعه ويدعوهم إلى النار.\nثمّ ألزم الحجّة منكري البعث فقال عزّ من قائل يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ يعني أباكم آدم الذي هو أصل النسل ووالد البشر مِنْ تُرابٍ ثُمَّ ذرّيته مِنْ نُطْفَةٍ وهو المنيّ وأصلها الماء القليل وجمعها نطاف ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ وهي الدم العبيط الجامد وجمعها علق ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ وهي لحمة قليلة قدر ما تمضع مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ.\nقال ابن عباس وقتادة: تامّة الخلق وغير تامة.\nوقال مجاهد: مصوّرة وغير مصوّرة يعني السقط.\nقال عبد الله بن مسعود: إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ﷿ ملكا فقال: يا رب مخلّقة أو غير مخلقة؟ فإن قال: غير مخلّقة مجّتها الأرحام دما وإن قال: مخلّقة قال: يا ربّ فما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ فيقال له: انطلق إلى أمّ الكتاب فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق الملك فينسخها فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.\nلِنُبَيِّنَ لَكُمْ كمال قدرتنا وحكمتنا في تصريفنا أطوار خلقكم.\nوَنُقِرُّ روي عن عاصم بفتح الراء على النسق، غيره: بالرفع على معنى ونحن نقر (فِي الْأَرْحامِ) ما نَشاءُ فلا تمجّه ولا تسقطه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت خروجها من الرحم تامّ الخلق والمدّة ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ من بطون أمهاتكم طِفْلًا صغارا ولم يقل أطفالا لأنّ العرب تسمّي الجمع باسم الواحد.\nقال الشاعر:\nإنّ العواذل ليس لي بأمير\nولم يقل أمراء.\nوقال ابن جريج «١»: تشبيها باسم المصدر مثل: عدل وزور، وقيل: تشبيها بالخصم والضيف.\nثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ كمال عقولكم ونهاية قواكم.\nوَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى قبل بلوغ الأشدّ وَمِنْكُمْ مَنْ يعمّر حتى يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وهو الهرم والخرف لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا.\nثمّ بيّن دلالة أخرى للبعث فقال تعالى وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً يابسة دارسة الأثر من الزرع والنبات كهمود النار.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: ابن جرير.","vol":"7","page":8},{"text":"فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ المطر اهْتَزَّتْ تحرّكت بالنبات وَرَبَتْ أي زادت وأضعفت النبات بمجيء الغيث، وقرأ أبو جعفر: ربأت بالهمز، ومثله في حم السجدة أي ارتفعت وعلت وانتفخت، من قول العرب: ربا الرجل إذا صعد مكانا مشرفا، ومنه قيل للطليعة رئبة.\nوَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ صنف حسن ذلِكَ الذي ذكرت لتعلموا بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ والحق هو الكائن الثابت وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-509>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٨ الى ١٨]</span>\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٨) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ (٩) ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٢)\nيَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ (١٤) مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ (١٥) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ (١٨)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً بيان وبرهان وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ نزلت في النضر بن الحرث ثانِيَ عِطْفِهِ نصب على الحال.\nقال ابن عباس: مستكبرا في نفسه، تقول العرب: جاء فلان ثاني عطفه أي متجبّرا لتكبّره وتجبّره، والعطف: الجانب.\nالضحّاك: شامخا بأنفه، مجاهد وقتادة: لاويا «١» عنقه، عطيّة وابن زيد: معرضا عمّا يدعى إليه من الكبر.\nابن جريج: أي يعرض عن الحقّ نظيرها قوله سبحانه وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا «٢» الآية، وقوله وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ الآية.\nلِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ عذاب وهوان وهو القتل ببدر.\nوَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ فيقال له يومئذ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وهذا وأضرابه مبالغة في إضافة الجرم إليه.\nوَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فيعذّبهم بغير ذنب وهو سبحانه على أي وجه تصرّف في عبده فإنّه غير ظالم، بل الظالم: المتعدّي المتحكّم في غير ملكه.\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ الآية.\nنزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ المدينة مهاجرين من باديتهم فكان أحدهم إذا قدم المدينة، فإن صحّ بها جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما وكثر ماله وماشيته رضي به واطمأنّ إليه وقال: ما أصبت مذ دخلت في ديني هذا إلا خيرا، وإن أصابه وجع المدينة وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه وذهب ماله وتأخّرت عنه الصدقة، أتاه الشيطان فقال: والله ما أصبت مذ كنت على دينك هذا إلّا شرّا، فينقلب عن دينه، وذلك الفتنة،\n_________\n(١) في المخطوط: لاوي.\n(٢) سورة لقمان: ٧.","vol":"7","page":9},{"text":"فأنزل الله سبحانه وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ\nأي طرف واحد وجانب في الدين لا يدخل فيها على الثبات والتمكين، والحرف: منتهى الجسم، وقال مجاهد: على شكّ.\nوقال بعض أهل المعاني: يريد على ضعف في العبادة كضعف القائم على حرف مضطربا فيه.\nوقال بعضهم: أراد على لون واحد في الأحوال كلّها يتّبع مراده، ولو عبدوا الله في الشكر على السرّاء والصبر على الضرّاء لما عبدوا الله على حرف «١» .\nوقال الحسن: هو المنافق يعبده بلسانه دون قلبه.\nفَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ صحة في جسمه وسعة في معيشته اطْمَأَنَّ بِهِ أي رضي واطمأن إليه وأقام عليه.\nوَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ بلاء في جسمه وضيق في معاشه وتعذّر المشتهى من حاله انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ ارتدّ فرجع إلى وجهه الذي كان عليه من الكفر خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ وقرأ حميد الأعرج ويعقوب: خاسر الدنيا بالألف على مثال فاعل، وَالْآخِرَةِ خفضا، على الحال.\nذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ الضرر الظاهر يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ إن عصاه وَما لا يَنْفَعُهُ إن أطاعه بعد إسلامه راجعا إلى كفره ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ذهب عن الحق ذهابا بعيدا.\nيَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ اختلف النحاة في وجه هذه اللام فقال بعضهم: هي صلة مجازها: يدعو من ضرّه أقرب من نفعه، وهكذا قرأها ابن مسعود، وزعم الفرّاء والزجّاج أنّ اللام معناها التأخير تقديرها: يدعو والله لمن ضرّه أقرب من نفعه.\nوقال بعضهم: هذا على التأكيد معناه: يدعوا لمن ضرّه أقرب من نفعه يدعو ثم حذفت يدعو الأخيرة اجتزاء بالأولى، ولو قلت: تضرب لمن خيره أكثر من شرّه تضرب، ثمّ يحذف الأخير جاز.\nوحكي عن العرب سماعا: أعطيتك لما غيره خير منه، وعنده لما غيره خير منه.\nوقيل: (يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ) من قوله ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، وموضع ذلِكَ نصب ب (يَدْعُوا) كأنّه قال: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ثم استأنف فقال: لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ، وتكون من في محل الرفع بالابتداء وخبره لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ.\nوقيل: يَدْعُوا بمعنى يقول، والخبر محذوف تقديره: لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ إلهه لَبِئْسَ الْمَوْلى الناصر، وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ المعاشر، والصاحب والخليط يعني الوثن.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: على خوفه. [.....]","vol":"7","page":10},{"text":"إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ مَنْ كانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ اختلفوا في المعنى بالهاء التي في قوله يَنْصُرَهُ، فقال أكثر المفسّرين: عنى بها نبيّه ﷺ، قال قتادة: يقول: من كان يظنّ أن لن ينصر الله نبيّه فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ بحبل إِلَى السَّماءِ إلى سقف البيت فليختنق به حتى يموت ثُمَّ لْيَقْطَعْ الحبل بعد الاختناق فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ صنيعه وحيلته ما يَغِيظُ هذا قول أكثر أهل التأويل، وإنّما معنى الآية: فليصوّر هذا الأمر في نفسه وليس يختم لأنّه إذا اختنق ومات لا يمكنه القطع والنظر.\nقال الحسين بن الفضل: هذا كما تقول في الكلام للحاسد أو المعاند: إن لم ترض هذا فاختنق.\nوقال ابن زيد: السماء في هذه الآية هي السماء المعروفة بعينها، وقال: معنى الكلام: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيّه ويكايده في دينه وأمره ليقطعه عنه، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه فإنّ أصله في السماء، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ عن النبي ﷺ الوحي الذي يأتيه من الله، فإنه لا يكايده حتى يقطع أصله عنه، فلينظر هل يقدر على إذهاب غيظه بهذا العمل.\nوذكر أنّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان تباطؤوا عن الإسلام وقالوا: نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا ولا يؤووننا، فقال الله لهم:\nمن استعجل من الله نصر محمد فليختنق، فلينظر استعجاله بذلك في نفسه هل هو مذهب غيظه، فكذلك استعجاله من الله نصر محمد غير مقدم نصره قبل حينه.\nوقال مجاهد: الهاء في ينصره راجعة إلى من، ومعنى الكلام: من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى سماء البيت فليختنق، فلينظر هل يذهبن فعله ذلك ما يغيظ وهو خنقه أن لا يرزق، والنصر على هذا القول: الرزق، كقول العرب: من ينصرني نصره الله أي من يعطني أعطاه الله.\nقال أبو عبيد: تقول العرب: «أرض منصورة» أي ممطورة كأن الله سبحانه أعطاها المطر.\nوقال الفقعسي «١»:\nوإنّك لا تعطي امرأ فوق حقّه ... ولا تملك الشقّ الذي الغيث ناصر «٢»\nوفي قوله «ما يَغِيظُ» لأهل العربيّة قولان:\n_________\n(١) في النسخة الثانية: وقال الشاعر.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٢.","vol":"7","page":11},{"text":"أحدهما: أنّها بمعنى الذي مجازة هل يذهبن كيده الذي يغيظه فحذف الهاء ليكون أخفّ.\nوالثاني: أنّها مصدر، مجازه: هل يذهبن كيده غيظه.\nوَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا يعني عبدة الأوثان، وقال قتادة: الأديان خمسة: أربعة للشيطان وواحد للرحمن. إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ يحكم بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ قال النحاة: «إِنَّ اللَّهَ» خبر لقوله «إِنَّ الَّذِينَ» كما تقول: إنّ زيدا ان الخير عنده لكثير، كقول الشاعر:\nإنّ الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم «١»\nأَلَمْ تَرَ بقلبك وعقلك أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ.\nقال مجاهد: سجودها: تحوّل ظلالها، وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلّا يقع لله ساجدا حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حين يرجع إلى مطلعه.\nوقال أهل الحقائق: سجود الجماد وما لا يعقل ما فيها من ذلّة الخضوع والتسخير وآثار الصنعة والتصوير الذي يدعو العاقلين إلى السجود لله سبحانه، كما قال الشاعر:\nوفي كلّ شيء له آية ... تدلّ على أنّه واحد «٢»\nوَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظلّه، قال مجاهد:\nوقيل: يسجد لله أي يخضع له ويقرّ له بما يقتضيه عقله ويضطره إليه، وإن كفر بغير ذلك من الأمور.\nقالوا: وفي قوله وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ واو العطف.\nوقال بعضهم: هو واو الاستئناف، معناه: وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ بكفره وإبائه السجود.\nحكى لي أبو القاسم بن حبيب عن أبي بكر بن عياش أنّه قال: في الآية إضمار مجازها:\nوسجد كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَأبى كَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ.\nوَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ أي يهنه الله فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ قرأه العامة بكسر الراء، وقرأ إبراهيم بن\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ١٦٤.\n(٢) تاج العروس: ٩/ ٣٩٨.","vol":"7","page":12},{"text":"أبي عيلة «١»: فَما لَهُ مِنْ مُكْرَمٍ بفتح الراء أي إكرام كقوله سبحانه أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ «٢» وأَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا «٣» أي إدخالا وإنزالا.\nإِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-510>[سورة الحج (٢٢): الآيات ١٩ الى ٢٦]</span>\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ ما فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (٢٢) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٢٣)\nوَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٥) وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ أي في دينه وأمره، والخصم اسم شبيه بوصف المصدر فلذلك قال: اخْتَصَمُوا، نظيرها وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ «٤» .\nواختلف المفسّرون في هذين الخصمين من هما؟\nفروى قيس بن عبّاد أنّ أبا ذرّ الغفاري كان يقسم بالله سبحانه أنزلت هذه الآية في ستّة نفر من قريش تبادروا يوم بدر: حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة وعبيدة بن الحارث، قال:\nوقال علي: إنّي لأوّل من يجثو للخصومة يوم القيامة بين يدي الله ﷾\n، وإلى هذا القول ذهب هلال بن نساف وعطاء بن يسار. وقال ابن عباس: هم أهل الكتاب قالوا للمؤمنين:\nنحن أولى بالله وأقدم منكم كتابا ونبيّنا قبل نبيكم، وقال المؤمنون: نحن أحقّ بالله، آمنّا بمحمد ﷺ وآمنّا بنبيّكم وبما أنزل الله سبحانه من كتاب، فأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسدا، وكان ذلك خصومتهم في ربّهم.\nوقال مجاهد وعطاء أبن أبي رباح وعاصم بن أبي النجود والكلبي: هم المؤمنون والكافرون كلّهم من أىّ ملّة كانوا.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: ابن عيلة.\n(٢) سورة الإسراء: ٨٠.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٣١٤.\n(٤) ص: ٢١.","vol":"7","page":13},{"text":"وقال عكرمة: هما الجنة والنار اختصمتا فقالت النار: خلقني الله ﷾ لعقوبته، وقالت الجنّة: خلقني الله ﷿ لرحمته، فقد قصّ الله عليك سبحانه من خبرهما ما تسمع، ودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا أبو سعيد بن حمدون ﵀ بقراءتي عليه قال: أخبرنا أبو حامد ابن الشرقي قال: حدّثنا محمد بن يحيى الذهلي وعبد الرّحمن بن بشر العبدي وأحمد بن يوسف السلمي قالوا: حدّثنا عبد الرزاق بن همام الحميري قال: أخبرنا معمر بن راشد عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ فقال: «تحاجّت الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبّرين المتجبّرين، وقالت الجنة: لا يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسقاطهم، فقال الله سبحانه للجنة: إنما أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذّب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحد منكما ملؤها، فأما النار فإنّهم يلقون فيها وتقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟\nفلا تمتلئ حتى يضع الله سبحانه رجله فتقول: قط قط قط، فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم من خلقه أحدا. وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا» [٣] «١» .\nثم بيّن مآل الخصمين وحال أهل الدارين فقال ﷾ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ «٢» .\nقال سعيد بن جبير: ثِيابٌ من نحاس مِنْ نارٍ، وليس من الآنية شيء إذا حمي أشدّ حرّا منه.\nيُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ الماء الحار.\nروى أبو هريرة عن النبي ﷺ «٣» أنّه قال: «إنّ الحميم ليصبّ على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جنبه فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه، وهو الصهر ثم يعاد كما كان\nيُصْهَرُ يذاب، يقال: صهرت الألية والشحم بالنار أذبتها، أصهرها صهرا، قال الشاعر:\nتروي لقى ألقى في صفصف ... تصهره الشمس ولا ينصهر\nومعنى الآية: يذاب بالحميم الذي يصبّ من فوق رؤوسهم ما فِي بُطُونِهِمْ من الشحوم والأحشاء وتنشوي جلودهم منه فتتساقط.\nوَلَهُمْ مَقامِعُ سياط مِنْ حَدِيدٍ واحدتها مقمعة، سمّيت بذلك لأنّها يقمع بها المضروب أي يذلّل.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣١٤.\n(٢) مسند ابن المبارك: ٧٧.\n(٣) كتاب العين: ٨/ ٣١٢.","vol":"7","page":14},{"text":"كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها ردّوا إليها.\nروى الأعمش عن أبي ظبيان قال: ذكر أنّهم يحاولون الخروج من النار حين تجيش جهنم فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها فيريدون الخروج منها فيعذبهم الخزّان فيها ويعيدونهم إليها بالمقامع ويقولون لهم وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ أي المحرق مثل الأليم والوجيع، والذوق:\nحاسة يحصل منها إدراك الطعم، وهو ها هنا توسّع، والمراد به إدراكهم الآلام.\nإِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وهي جمع سوار وَلُؤْلُؤًا.\nقرأ عاصم وأهل المدينة هاهنا وفي سورة الملائكة: وَلُؤْلُؤًا بالنصب على معنى ويحلّون لؤلؤا، واستدلّوا بأنّها مكتوبة في جميع المصاحف بالألف هاهنا.\nوقرأ الباقون بالخفض عطفا على الذهب، ثمّ اختلفوا في وجه إثبات الألف فيه، فقال أبو عمرو: أثبتت الألف فيه كما أثبتت في قالوا وكانوا، وقال الكسائي: أثبتوها فيه للهمزة لأنّ الهمزة حرف من الحروف، وأمّا يعقوب فإنّه قرأها هنا بالنصب وفي سورة فاطر بالخفض رجوعا إلى المصحف لأنّه كتب في جميع المصاحف ها هنا بالألف وهناك بغير ألف.\nوَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وهو شهادة أن لا إله إلّا الله، وقال ابن زيد: لا إله إلّا الله والله أكبر والحمد لله، نظيرها قوله سبحانه إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ إلى دين الله.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ فعطف بالمستقبل على الماضي لأنّ الصدّ بمعنى دوام الصفة لهم، ومعنى الآية: وهم يصدّون ومن شأنهم الصدّ، نظيرها قوله الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ «١» وقيل: لفظه مستقبل، ومعناه الماضي، أي: وصدّوا عن سبيل الله وَالْمَسْجِدِ يعني عن المسجد الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ خلقناه وبنيناه لِلنَّاسِ كلّهم لم نخصّ منهم بعضا دون بعض سَواءً الْعاكِفُ المقيم فِيهِ وَالْبادِ الطاري المنتاب إليه من غيره.\nوقرأ عاصم برواية حفص ويعقوب برواية روح: سَواءً بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأنّ الجعل يتعدّى إلى مفعولين.\nوقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبره. وتمام الكلام عند قوله لِلنَّاسِ.\nواختلف العلماء في معنى الآية: فقال قوم: سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ في تعظيم حرمته وقضاء النسك به وحقّ الله الواجب عليهما فيه، وإليه ذهب مجاهد.\n_________\n(١) سورة الرعد: ٢٨.","vol":"7","page":15},{"text":"وقال آخرون: هما سواء في النزول به فليس أحدهما بأحقّ يكون فيه من الآخر. وحرّموا بهذه الآية كراء دور مكّة وكرهوا إجارتها في أيام الموسم.\nقال عبد الله بن عمر: سواء أكلت محرما أو كراء دار مكة.\nوقال عبد الرّحمن بن سابط: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحقّ بمنزله منهم فكان الرجل إذا وجد سعة نزل، ففشا فيهم السرق، وكلّ إنسان يسرق من ناحيته فاصطنع رجل بابا فأرسل إليه عمر: اتخذت بابا من حجاج بيت الله؟ فقال: لا، إنّما جعلته ليحترز متاعهم وهو قوله سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ.\nقال: البادي فيه كالمقيم ليس أحد أحقّ بمنزله من أحد إلّا أن يكون سبق إلى منزل، وإلى هذا القول ذهب ابن عباس وابن جبير وابن زيد وباذان قالوا: هما سواء في البيوت والمنازل، والقول الأول أقرب إلى الصواب.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن الحسن بقراءتي عليه قال: حدّثنا صفوان بن الحسين قال:\nحدّثنا أبو محمد بن أبي حاتم قال: سمعت أبا إسماعيل الترمذي بمكة سنة ستين ومائتين قال:\nسمعت إسحاق بن راهويه يقول: جالست الشافعي بمكة فتذاكرنا في كراء بيوت مكة، وكان يرخّص فيه، وكنت لا أرخّص فيه، فذكر الشافعي حديثا وسكت، وأخذت أنا في الباب، أسرد فلمّا فرغت منه قلت لصاحب لي من أهل مرو بالفارسية: مرد كما لأني هست قرية بمرو، فعلم أني راطنت صاحبي بشيء هجّنته فيه، فقال لي: أتناظر؟ قلت: وللمناظرة جئت، فقال: قال الله ﷾ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ «١» نسب الديار إلى مالكيها أو غير مالكيها.؟\nوقال النبي ﷺ «٢» يوم فتح مكة: «من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن وهل ترك عقيل لنا من رباع»\n[٤]؟ نسب الدار إلى أربابها أو غير أربابها وقال لي: اشترى عمر ابن الخطاب ﵁ دار السجن من مالك أو غير مالك؟ فلمّا علمت أنّ الحجة لزمتني قمت.\nوَمَنْ يُرِدْ فِيهِ أي في المسجد الحرام بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ يعني إلحادا بظلم وهو الميل إلى الظلم، والباء فيه زائدة كقوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ أي تنبت الدهن.\nقال الفرّاء: وسمعت أعرابيا من ربيعة وسألته عن شيء فقال: أرجو بذلك يريد أرجو ذلك.\nوقال الشاعر:\nبواد يمان ينبت الشت صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان «٣»\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٩٥.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٢٩٢. [.....]\n(٣) لسان العرب: ٢/ ١٥٨.","vol":"7","page":16},{"text":"أي المرخ. وقال الأعشى:\nضمنت برزق عيالنا أرماحنا ... بين المراجل والصريح الأجرد\nبمعنى ضمنت رزق عيالنا أرماحنا وقال آخر:\nألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد «١»\nواختلفوا في معنى الآية، فقال مجاهد وقتادة وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ هو الشرك أن يعبد فيه غير الله ﷾.\nوقال آخرون: هو استحلال الحرام وركوب الآثام فيه.\nقال ابن مسعود: ما من رجل يهمّ بسيّئة فيكتب عليه، ولو أنّ رجلا بعدن أو ببلد آخر يهمّ أن يقتل رجلا بمكّة، أو يهمّ فيها بسيّئة ولم يعملها إلّا أذاقه الله العذاب الأليم.\nوقال ابن عباس: هو أن تقتل فيه ما لا يقتلك، أو تظلم من لا يظلمك، وهذا القول معنى قول الضحاك وابن زيد.\nأخبرنا أحمد بن أبي قال: أخبرنا المغيرة بن عمرو قال: حدّثنا المفضل بن محمد قال:\nحدّثنا محمد بن يوسف قال: حدّثنا أبو قرّة قال: ذكر سفيان عن ليث عن مجاهد أنّه قال:\nتضاعف السيئات بمكّة كما تضاعف الحسنات.\nابن جريج: هو استحلال الحرام متعمّدا، عن حبيب بن أبي ثابت: احتكار الطعام بمكة، بعضهم: هو كل شيء كان منهيّا عنه من القول والفعل حتى قول القائل: لا والله، وبلى والله.\nوروى شعبة: عن منصور عن مجاهد عن عبد الله بن عمر أنّه كان له فسطاطان أحدهما في الحلّ والآخر في الحرم، فإن أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر، فسئل عن ذلك فقال: كنّا نحدّث أنّ من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلّا والله وبلى والله.\nوَإِذْ بَوَّأْنا وطّأنا. قال ابن عباس: جعلنا، الحسن: أنزلنا، مقاتل بن سليمان: دللناه عليه، ابن حبان: هيأنا، نظيره تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ «٢» وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ «٣» وقوله لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا» .\nلِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ والمكان جوهر يمكن أن يثبت عليه غيره، كما أن الزمان عرض يمكن أن يحدث فيه غيره، وأراد بالبيت الكعبة.\n_________\n(١) لسان العرب: ٥/ ٧٥.\n(٢) سورة آل عمران: ١٢١.\n(٣) سورة الأعراف: ٧٤.\n(٤) سورة العنكبوت: ٥٨.","vol":"7","page":17},{"text":"أَنْ لا تُشْرِكْ يعني أمرناه وعهدنا إليه أن لا تشرك بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ يعني المصلّين وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٢٧ الى ٣٧]</span>\nوَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ (٣١)\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيها مَنافِعُ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥) وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيها خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ فَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)\nلَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)\nوَأَذِّنْ يعني وعهدنا إلى إبراهيم ايضا أن أذّن أي أعلم وناد فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ.\nفقال إبراهيم: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان وعليّ البلاغ، فقام إبراهيم على المقام وقيل: على جبل أبي قبيس ونادى: يا أيها الناس ألا إنّ ربّكم قد بنى بيتا فحجّوه، فأسمع الله ذلك من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وما بين المشرق والمغرب والبر والبحر ممن سبق في علم الله سبحانه أن يحجّ إلى يوم القيامة، فأجابه: لبيك اللهم لبيك.\nوقال ابن عباس: عنى بالناس في هذه الآية أهل القبلة وزعم الحسن أنّ قوله تعالى وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ كلام مستأنف، وأن المأمور بهذا التأذين محمد رسول الله ﷺ، أمر أن يفعل ذلك في حجّة الوداع.\nيَأْتُوكَ رِجالًا مشاة على أرجلهم جمع راجل مثل قائم وقيام وصائم وصيام.\nوَعَلى كُلِّ ضامِرٍ أي وركبانا، والضامر البعير المهزول، وإنما جمع يَأْتِينَ لمكان كلّ، أراد النوق مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ طريق بعيد.\nسمعت أبا الحسن محمد بن القاسم الفقيه يقول: سمعت أبا القاسم بشر بن محمد بن","vol":"7","page":18},{"text":"ياسين القاضي يقول: رأيت في الطواف كهلا قد أجهدته العبادة واصفرّ لونه وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها، فتقدّمت إليه وجعلت أسائله فقال لي: من أين أنت؟ قلت: من خراسان قال: في أي ناحية تكون خراسان؟ - كأنّه جهلها.؟ قلت: ناحية من نواحي المشرق، فقال: في كم تقطعون هذا الطريق؟ قلت: في شهرين وثلاثة أشهر، قال: أفلا تحجّون كل عام فأنتم من جيران هذا البيت؟ فقلت له: وكم بينكم وبين هذا البيت؟ فقال: مسيرة خمس سنين، خرجت من بلدي ولم يكن في رأسي ولحيتي شيب، فقلت: هذا والله الجهد البيّن والطاعة الجميلة والمحبة الصادقة، فضحك في وجهي وأنشأ يقول:\nزر من هويت وإن شطّت بك الدار ... وحال من دونه حجب وأستار\nلا يمنعك بعد من زيارته ... إنّ المحبّ لمن يهواه زوار «١»\nلِيَشْهَدُوا ليحضروا مَنافِعَ لَهُمْ يعني التجارة عن سعيد بن جبير، وهي رواية ابن رزين عن ابن عباس قال: هي الأسواق.\nمجاهد: التجارة وما يرضي الله سبحانه من أمر الدنيا والآخرة.\nسعيد بن المسيب وعطية العوفي ومحمد بن علىّ الباقر: العفو والمغفرة.\nوَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ يعني ذي الحجّة في قول أكثر المفسّرين، والمعدودات أيام التشريق، وإنّما قيل لها مَعْدُوداتٍ لأنّها قليلة، وقيل للعشر: مَعْلُوماتٍ للحرص على علمها بحسابها من أجل أنّ وقت الحج في آخرها.\nوقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق.\nمحمد بن كعب: المعدودات والمعلومات واحدة.\nعَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ يعني الهدايا والضحايا من الإبل والبقر والغنم.\nفَكُلُوا مِنْها أمر إباحة وليس بواجب. قال المفسرون: وإنّما قال ذلك لأنّ أهل الجاهلية كانوا ينحرون ويذبحون ولا يأكلون من لحوم هداياهم شيئا.\nوَأَطْعِمُوا الْبائِسَ يعني الزمن الْفَقِيرَ الذي لا شيء له ثُمَّ لْيَقْضُوا واختلف القرّاء في هذه اللامات فكسرها بعضهم فرقا بين ثم والواو والفراء لأن ثمّ مفضول من الكلام، والواو والفاء كأنهما من نفس الكلمة، وجزمها الآخرون لأنّها كلّها لامات الأمر تَفَثَهُمْ والتفث:\nمناسك الحج كلّها عن ابن عمر وابن عباس.\n_________\n(١) العهود المحمّدية- الشعراني.: ٤٣٧.","vol":"7","page":19},{"text":"وقال القرظي ومجاهد: هو مناسك الحج وأخذ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقصّ الأظفار.\nعكرمة: التفث: الشعر والظفر.\nالوالبي عن ابن عباس: هو وضع الإحرام من حلق الرأس وقصّ الأظفار ولبس الثياب ونحوها. وأصل التفث في اللغة الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك أي ما أوسخك! وأقذرك! قال أمية بن الصلت:\nساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا ... وينزعوا عنهم قملا وصئبانا «١»\nوَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ قال مجاهد: نذر الحج والهدي وما ينذر الإنسان من شيء يكون في الحج.\nوَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ أراد الطواف الواجب وهو طواف الإفاضة والزيارة الذي يطاف بعد التعريف أمّا يوم النحر وأمّا بعده. واختلف العلماء في معنى العتيق، فقال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وقتادة: سمّي عتيقا لأنّ الله سبحانه أعتقه من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه، فلم يظهر عليه جبار قطّ، ولم يسلّط عليه إلّا من يعظّمه ويحترمه.\nقال سعيد بن جبير: أقبل تبّع يريد هدم البيت حتى إذا كان بقديد أصابه الفالج فدعا الأحبار فقالوا: إنّ لهذا البيت ربّا ما قصده قاصد بسوء إلّا حجبه عنه بمكروه فإن كنت تريد النجاة ممّا عرض لك فلا تتعرّض له بسوء.\nقال: فأهدى إلى البيت كسوة وأنطاعا فألبست، وكان أوّل ما ألبست، ونحر عنده ألف ناقة وعفا عن أهله وبرّهم ووصلهم، فسمّيت المطابخ لمطبخة القوم، وكانت خيله جيادا فسمّيت جياد لخيل تبّع، وسمّيت قعيقعان لقعقعة السلاح حين أقبل من المدينة.\nوقال سفيان بن عيينة: سمّي بذلك لأنه لم يملك قط، وهي رواية عبيد عن مجاهد قال:\nإنما سمّي البيت العتيق لأنّه ليس لأحد فيه شيء.\nابن زيد: لأنه قديم وهو أول بيت وضع للناس، يقال: سيف عتيق ودينار عتيق أي قديم، وقيل: لأنه كريم على الله سبحانه، يقول العرب: فرس عتيق.\nذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فيجتنب معاصيه فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ.\nقال ابن زيد: الحرمات: المشعر الحرام والبيت الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام، وقيل: هي المناسك.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٥٠.","vol":"7","page":20},{"text":"وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ أن تأكلوها إذا ذكّيتموها إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ في القرآن وهو قوله حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ «١» الآية، وقوله وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ «٢» وقيل: وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ في حال إحرامكم إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ من الصيد فإنه حرام في حال الإحرام.\nفَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ يعني عبادتها لأن الأوثان كلّها رجس.\nوَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ يعني الكذب والبهتان.\nقال أيمن بن حريم: قال النبي ﷺ خطيبا فقال: «يا أيها الناس عدلت شهادة الزور الشرك بالله، ثمّ قرأ هذه الآية» [٥] «٣» .\nوقال بعضهم: هو قول المشركين في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك، تملكه وما ملك.\nحُنَفاءَ مستقيمين مخلصين لِلَّهِ وقيل: حجاجا غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ أي سقط إلى الأرض فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ والخطف والاختطاف تناول الشيء بسرعة، وقرأ أهل المدينة فتخطّفه بفتح الخاء وتشديد الطاء أي تتخطّفه فأدغم، وتصديق قراءة العامة قوله تعالى إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ.\nأَوْ تَهْوِي تميل وتذهب بِهِ الرِّيحُ فِي مَكانٍ سَحِيقٍ بعيد.\nقال أهل المعاني: إنما شبّه حال المشرك بحال الهاوي في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر يوم القيامة.\nوقال الحسن: شبّه أعمال الكفّار بهذه الحال في أنها تذهب وتبطل، فلا يقدرون على شيء منها.\nذلِكَ الذي ذكرت من اجتناب الرجس والزور وتعظيم شعائر الله مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ هذا معنى الآية ونظمها: وشعائر الله: الهدي والبدن، وأصلها من «٤» الإشعار وهو إعلامها لتعرف أنها هدي فسمّيت به، وتعظيمها استعظامها واستحسانها واستسمانها.\nلَكُمْ فِيها أي في الهدايا مَنافِعُ قيل: أن يسمّيها صاحبها بدنة أو هديا ويشعرها ويقلّدها في رسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها.\n_________\n(١) سورة سورة المائدة: ٣.\n(٢) سورة سورة الأنعام: ١٢١.\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ١٧٨.\n(٤) في المخطوط: في.","vol":"7","page":21},{"text":"إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو أن يسمّيها هديا ويوجبها، فإذا فعل ذلك لم يكن له من منافعها شيء، هذا قول مجاهد وعطاء والضحاك وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، وقيل: معناه:\nلَكُمْ في هذه الهدايا مَنافِعُ بعد إنجابها وتسميتها هديا بأن تركبوها إذا احتجتم إليها وتشربوا ألبانها إن اضطررتم إليها، إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى يعني إلى أن تنحر، وهذا قول عطاء بن أبي رباح.\nوقال بعضهم: أراد بالشعائر المناسك ومشاهد مكة، ومعنى الآية: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ بالتجارة والأسواق إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو الخروج من مكة، وهذه رواية أبي ذر عن ابن عباس.\nوقال بعضهم: لَكُمْ فِيها مَنافِعُ بالأجر والثواب في قضاء المناسك وإقامة شعائر الحج إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو انقضاء أيام الحج.\nثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أي منحرها عند البيت العتيق يعني أرض الحرم كلّها، نظيرها قوله سبحانه فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا أي الحرم كلّه، وقال الذين قالوا: عنى بالشعائر المناسك، معنى الآية: ثم محلّ الناس من إحرامهم إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ أن يطوفوا به طواف الزيارة يوم النحر بعد قضاء المناسك.\nوَلِكُلِّ أُمَّةٍ جماعة مؤمنة سلفت قبلكم جَعَلْنا مَنْسَكًا اختلف القرّاء فيه فقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بكسر السين في الحرفين على معنى الاسم مثل المجلس والمطلع أي مذبحا موضع قربان، وقرأ الآخرون بفتح السين فيهما على المصدر مثل المدخل والمخرج أي إهراق الدماء وذبح القرابين.\nلِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ عند ذبحها ونحرها، وإنّما خصّ بهيمة الأنعام لأنّ من البهائم ما ليس من الأنعام كالخيل والبغال والحمير، وإنما قيل بهائم لأنها لا تتكلم.\nفَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ قال ابن عباس وقتادة: المتواضعين، مجاهد: المطمئنّين إلى الله سبحانه، الأخفش: الخاشعين، ابن جرير: الخاضعين، عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا.\nالَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ وَالْبُدْنَ أي الإبل العظام الضخام الأجسام، وتخفّف وتثقّل واحدتها بدنة مثل تمرة وتمر وخشبة وخشب وبادن مثل فاره وفره، والبدن هو الضخم من كلّ شيء ومنه قيل لامرئ القيس بن النعمان صاحب الخورنق والسدير: البدن لضخمه، وقد بدن الرجل بدنا وبدانة إذا ضخم، فأما إذا أشفى واسترخى قيل: بدّن تبدينا.\nوقال عطاء والسدّي: البدن: الإبل والبقر.","vol":"7","page":22},{"text":"جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ أي أعلام دينه إذا أشعر لَكُمْ فِيها خَيْرٌ النفع في الدنيا، والأجر في العقبى فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها عند نحرها، قال ابن عباس: هو أن تقول: الله أكبر لا إله إلّا الله والله أكبر، اللهمّ منك ولك.\nصَوافَّ أي قياما على ثلاث قوائم قد صفّت رجليها وإحدى يديها ويدها اليسرى معقولة فينحرها كذلك.\nروى يعلى بن عطاء عن يحيى بن سالم قال: رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته فقال: صوافّ كما قال الله سبحانه، فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها.\nوقال مجاهد: الصواف إذا عقلت رجلها اليسرى وقامت على ثلاث وتنحر كذلك.\nوقرأ ابن مسعود: صوافن وهي المعقلة تعقل يد واحدة، وكانت على ثلاث وتنحر، وهو مثل صواف.\nوقرأ أبيّ: صوافي وهكذا أيضا مجاهد وزيد بن أسلم بالياء أي صافية خالصة لله سبحانه لا شريك له فيها كما كان المشركون يفعلون.\nفَإِذا وَجَبَتْ جُنُوبُها أي سقطت بعد النحر فوقعت جنوبها على الأرض.\nوقال ابن زيد: فإذا ماتت، وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجبت الشمس إذا سقطت للمغيب، ووجب الفعل إذا وقع ما يلزم به فعله.\nفَكُلُوا مِنْها أمر إباحة ورخصة مثل قوله سبحانه وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا «١» وقوله ﷾ فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ.\nوَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ اختلفوا في معناهما، فروى العوفي عن ابن عباس وليث عن مجاهد أنّ الْقانِعَ الذي يقنع بما أعطي، ويرضى بما عنده ولا يسأل، وَالْمُعْتَرَّ: الذي يمرّ بك ويتعرّض لك ولا يسأل.\nعكرمة وابن ميثم وقتادة: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: السائل الذي يعتريك ويسألك، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس.\nحصيف عن مجاهد، القانع: أهل مكة وجارك وإن كان غنيّا، والمعترّ الذي يعتريك ويأتيك فيسألك، وعلى هذه التأويلات يكون القانع من القناعة وهي الرضا والتعفّف وترك السؤال.\nسعيد بن جبير والكلبي: القانع: الذي يسألك، والمعترّ: الذي يتعرّض لك ويريك نفسه\n_________\n(١) سورة المائدة: ٢.","vol":"7","page":23},{"text":"ولا يسألك، وعلى هذا القول يكون القانع من القنوع وهو السؤال. قال الشماخ:\nلمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعفّ من القنوع «١»\nوقال لبيد:\nواعطاني المولى على حين فقره ... إذا قال أبصر خلّتي وقنوعي «٢»\nوقال زيد بن أسلم: القانع: المسكين الذي يطوف ويسأل، والمعترّ: الصديق الزائر الذي يعترّ بالبدن.\nابن أبي نجيح عن مجاهد: القانع: الطامع، والمعتر: من يعتر بالبدن من غنّي أو فقير.\nابن زيد: القانع: المسكين، والمعترّ الذي يعترّ القوم للحمهم وليس بمسكين ولا يكون له ذبيحة، يجيء إلى القوم لأجل لحمهم.\nوقرأ الحسن: والمعتري وهو مثل المعتر، يقال: عراه واعتراه إذا أتاه طالبا معروفه.\nكَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وذلك أنّ أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطّخوا حيطان الكعبة بدمائها فأنزل الله سبحانه لَنْ يَنالَ اللَّهَ أي لن يصل إلى الله لُحُومُها وَلا دِماؤُها.\nوَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ أي النيّة وإخلاص وما أريد به وجه الله ﷿، وقرأ يعقوب تنال وتناله بالتاء، غيره: بالياء.\nكَذلِكَ هكذا سَخَّرَها يعني البدن لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ لإعلام دينه ومناسك حجّه وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أبلانا وأولانا.\n_________\n(١) كتاب العين: ١/ ١٧٠.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٧/ ٢٢٤. [.....]","vol":"7","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-512>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٣٨ الى ٤٧]</span>\nإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ (٤٢)\nوَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٤) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)\nإِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ مكي وبصري: يدفع، غيرهم: يُدافِعُ، ومعناه: إنّ الله يدفع غائلة المشركين.\nعَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ في أمانة الله كَفُورٍ لنعمته.\nأُذِنَ قرأ أهل المدينة والبصرة وعاصم أُذِنَ بضم الألف، وقرأ الباقون بفتحه أي أذن الله لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ قرأ أهل المدينة والشام بفتح التاء يعنون المؤمنين الذين يقابلهم المشركون، وقرأ الباقون بكسر التاء يعني إنّ الذين أذن لهم بالجهاد يقاتلون المشركين بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.\nقال المفسّرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، فيشكونهم إلى رسول الله فيقول لهم: اصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال حتى هاجر رسول الله ﷺ من مكة، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وهي أول آية أذن الله فيها بالقتال.\nوقال ابن عباس: لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيّهم، إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، لنهلكنّ، فأنزل الله سبحانه أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ الآية، قال أبو بكر: فعرفت أنّه سيكون قتال.\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فكانوا يمنعون من الهجرة، فأذن الله تعالى لهم في قتال الكفّار الذين يمنعونهم من الهجرة.\nالَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ بدل من الذين الأولى، ثمّ قال إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ يعني لم يخرجوا من ديارهم إلّا لقولهم ربّنا الله وحده، فيكون أن في موضع الخفض ردّا على الباء في قوله بِغَيْرِ حَقٍّ ويجوز أن يكون في موضع نصب على وجه الاستثناء.\nوَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ بالجهاد وإقامة الحدود وكفّ الظلم لَهُدِّمَتْ قرأ «١» الحجازيّون بتخفيف الدال، والباقون بالتشديد على الكسر أي تخرّبت صَوامِعُ قال مجاهد والضحاك: يعني صوامع الرهبان، قتادة: صوامع الصابئين.\nوَبِيَعٌ النصارى، ابن أبي نجيح عن مجاهد: البيع: كنائس اليهود، وبه قال ابن زيد.\n_________\n(١) في النسخة الثانية (أصفهان): ابن كثير و.","vol":"7","page":25},{"text":"وَصَلَواتٌ قال ابن عباس وقتادة والضحاك: يعني كنائس اليهود ويسمّونها صلوتا. أبو العالية: هي مساجد الصابئين.\nابن أبي نجيح عن مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب ولأهل الإسلام بالطريق، وعلى هذه الأقاويل تكون الصلوات «١» صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدوّ، انقطعت العبادة وهدمت المساجد كما صنع بخت نصّر.\nوَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا يعني مساجد المسلمين، وقيل: تأويلها: لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ في أيام شريعة عيسى، وَصَلَواتٌ في أيام شريعة موسى، وَمَساجِدُ في أيام شريعة محمد صلّى الله عليهم أجمعين.\nوقال الحسن: يدفع عن هدم مصليات أهل الذّمة بالمؤمنين، فإن قيل: لم قدّم مصليات الكافرين على مساجد المسلمين؟ قلنا: لأنها أقدم، وقيل: لقربها من الهدم، وقرب المساجد من الذكر كما أخّر السابق في قوله فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ لقربه من الخيرات «٢» .\nوَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ أي ينصر دينه ونبيّه.\nإِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ قال قتادة: هم أصحاب محمد، عكرمة: أهل الصلوات الخمس، الحسن وأبو العالية: هذه الأمة.\nوَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه.\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ يا محمد فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ أمهلتهم ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ عاقبتهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ إنكاري بالعذاب والهلاك، يعزّي نبيّه ﷺ ويخوّف مخالفيه.\nفَكَأَيِّنْ وكم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ يعني وأهلها ظالمون، فنسب الظلم إليها لقرب الجوار.\nفَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها ساقطة على سقوفها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ متروكة مخلّاة عن أهلها وَقَصْرٍ مَشِيدٍ قال قتادة والضحّاك ومقاتل: رفيع طويل، ومنه قول عدي «٣»:\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: بمعنى مواضع الصلوات، وقال بعضهم: أراد بها الصلوات بعينها، مجاز الآية:\nوتركت صلوات، قال ابن زيد: الصلوات.\n(٢) في النسخة الثانية: الحسنات.\n(٣) في النسخة الثانية: علي بن زيد.","vol":"7","page":26},{"text":"شاده مرمرا وجلّله كلسا ... فللطّير في ذراه وكور «١»\nأي رفعه.\nوقال سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة: مجصّص، من الشيد وهو الجصّ، قال الراجز:\nكحبّة الماء بين الطىّ والشيد\nوقال امرؤ القيس:\nوتيماء لم يترك بها جذع نخلة ... ولا أجما إلّا مشيدا بجندل «٢»\nأي مبنيّا بالشيد والجندل.\nوروى أبو روق عن الضحاك أنّ هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها حاصورا وذلك أنّ أربعة آلاف نفر ممّن آمن بصالح ونجوا من العذاب أتوا حضرموت ومعهم صالح، فلمّا حضروه مات صالح، فسمّي حضرموت لأن صالحا لمّا حضره مات، فبنوا حاصورا وقعدوا على هذه البئر وأمّروا عليهم رجلا يقال له بلهنس بن جلاس بن سويد، وجعلوا وزيره سنحاريب بن سواده، فأقاموا دهرا وتناسلوا حتى نموا وكثروا، ثم أنّهم عبدوا الأصنام فكفروا فأرسل الله إليهم نبيّا يقال له حنظلة بن صفوان كان حمالا فيهم فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله وعطّلت بئرهم وخرّبت قصورهم.\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ يعني كفّار مكة فينظروا إلى مصارع المكذّبين من الأمم الخالية.\nفَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها يعلمون بها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فيتفكروا ويعتبروا.\nفَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ تأكيد، كقوله سبحانه وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ وقوله تعالى يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ.\nقال ابن عباس ومقاتل: لمّا نزل وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى «٣» جاء ابن أم مكتوم النبي ﷺ باكيا فقال: يا رسول الله أنا في الدنيا أعمى أفأكون في الآخرة أعمى؟\nفأنزل الله ﷾ هذه الآية.\nوَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ نزلت في النضر بن الحرث.\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٢٤٤.\n(٢) لسان العرب: ١٢/ ٨.\n(٣) سورة الإسراء: ٧٢.","vol":"7","page":27},{"text":"وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ فأنجز ذلك يوم بدر.\nوَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ بالياء مكي كوفي غير عاصم، غيرهم:\nبالتاء.\nوقال ابن عباس: هي من الأيام التي خلق الله سبحانه فيها السموات والأرض.\nمجاهد وعكرمة: من أيام الآخرة.\nابن زيد: في قوله وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ قال: هذه أيام الآخرة.\nوفي قوله تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ «١» قال: هو يوم القيامة.\nوقال أهل المعاني: معنى الآية: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ من أيام العذاب الذي استعجلوه في الثقل والاستطالة والشدّة كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ فكيف تستعجلوه؟ وهذا كما يقال: أيام الهموم طوال وأيام السرور قصار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٤٨ الى ٦٠]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨) قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)\nلِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤) وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٥٧)\nوَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩) ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَها وَهِيَ ظالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا أي\n_________\n(١) سورة المعارج: ٤.","vol":"7","page":28},{"text":"عملوا في إبطال آياتنا مُعاجِزِينَ أي مغالبين مشاقّين قال ابن عباس، الأخفش: متأنّفين، قتادة: ظنّوا أنّهم يعجزون الله فلا يقدر عليهم ولن يعجزوه.\nوقرأ ابن كثير وأبو عمر: معجّزين بالتشديد أي مثبّطين الناس عن الإيمان، ومثله في سورة سبأ.\nأُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى.\nقال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وغيرهما من المفسّرين: لمّا رأى رسول الله ﷺ تولّي قومه عنه وشقّ عليه ما رأى من مباعدتهم عمّا جاءهم به من الله سبحانه تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، فأحبّ يومئذ ألّا يأتيه من الله تعالى شيء فينفروا عنه، وتمنى ذلك فأنزل الله سبحانه سورة وَالنَّجْمِ إِذا هَوى «١» فقرأها رسول الله ﷺ حتى بلغ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «٢» ألقى الشيطان على لسانه لمّا كان يحدث به نفسه ويتمناه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهنّ لترتجى.\nفلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله ﷺ في قراءته فقرأ السورة كلّها وسجد في آخر السورة فسجد المسلمون بسجوده، وسجد جميع من في المسجد من المشركين، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلّا سجد إلّا الوليد بن المغيرة وأبو أحيحة سعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ورفعاها إلى جبهتيهما وسجدا عليها لأنّهما كانا شيخين كبيرين فلم يستطيعا السجود، وتفرّقت قريش وقد سرّهم ما سمعوا وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، وقالوا: قد عرفنا أنّ الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فإذا جعل لها محمد نصيبا فنحن معه، فلمّا أمسى رسول الله ﷺ أتاه جبرئيل (﵇) فقال: يا محمد ماذا صنعت؟! لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك، فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كبيرا فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوسمع بذلك من كان بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ وبلغهم سجود قريش، وقيل: قد أسلمت قريش وأهل مكة فرجع أكثرهم إلى عشائرهم وقالوا: هم أحبّ إلينا فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان، فلمّا نزلت هذه الآية قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، فغيّر ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى\n_________\n(١) سورة النجم: ١.\n(٢) سورة النجم: ١٩- ٢٠.","vol":"7","page":29},{"text":"الشيطان على لسان رسول الله (﵇) قد وقعا في فم كلّ مشرك فازدادوا شرّا إلى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم «١» .\nوَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وهو الذي يأتيه جبرئيل بالوحي عيانا وشفاها وَلا نَبِيٍّ وهو الذي تكون نبوّته إلهاما أو مناما إِلَّا إِذا تَمَنَّى أي أحبّ شيئا واشتهاه وحدّث به نفسه ما لم يؤمر به.\nأَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي مراده ووجد إليه سبيلا، وقال أكثر المفسرين: يعني بقوله:\nتَمَنَّى أي تلا وقرأ كتاب الله سبحانه أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ أي قراءته، وتلاوته، نظيره قوله سبحانه لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ «٢» يعني قراءة يقرأ عليهم.\nوقال الشاعر في عثمان ﵁ حين قتل:\nتمنّى كتاب الله أوّل ليلة ... وآخره لاقى حمام المقادر «٣»\nوسمعت أبا القاسم الحبيب يقول: سمعت أبا الحسن علي بن مهدي «٤» الطبري يقول:\nليس هذا التمنّي من القرآن والوحي في شيء وإنّما هو أنّ النبي ﷺ كان إذا صفرت يده من المال ورأى ما بأصحابه من سوء الحال تمنّى الدنيا بقلبه وسوسة من الشيطان.\nوقال الحسن: أراد بالغرانيق العلى الملائكة يعني أنّ الشفاعة ترتجى منهم لا من الأصنام، وهذا قول ليس بالقوي ولا بالمرضىّ لقوله فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ أي يبطله ويذهبه ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ فيثبتها وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.\nفإن قيل: فما وجه جواز الغلط في التلاوة على النبي ﷺ؟ فعنه جوابان:\nأحدهما: أنّه على سبيل السهو والنسيان وسبق اللسان فلا يلبث أن ينبّهه الله سبحانه ويعصمه.\nوالثاني: أنّ ذلك إنّما قاله الشيطان على لسان رسول الله ﷺ في أثناء قراءته وأوهم أنّه من القرآن وأنّ رسول الله ﷺ هو الذي يتلوه، قال الله سبحانه لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فيشكّون في ذلك.\nوَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ فلا تلين لأمر الله وَإِنَّ الظَّالِمِينَ الكافرين لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ\n_________\n(١) أنكر ابن العربي في تفسيره- أحكام القرآن- قصّة الغرانيق لما فيها من تدخّل الشيطان في تعاليم الإسلام وتسليطه على نبيّ الرحمة الذي لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى.\n(٢) سورة البقرة: ٧٨.\n(٣) كتاب العين: ٨/ ٣٩٠.\n(٤) في النسخة الثانية: بن السدّي. [.....]","vol":"7","page":30},{"text":"من المؤمنين أَنَّهُ يعني أنّ الذي أحكم الله سبحانه من آيات القرآن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ أي ممّا ألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ.\nابن جريج: من القرآن، غيره: من الدين وهو الصراط المستقيم.\nحَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ قال عكرمة والضحّاك: عذاب يوم لا ليلة له وهو يوم القيامة.\nوقال الآخرون: هو يوم بدر وهو الصواب لأنّ الساعة هي القيامة، ولا وجه لأن يقال:\nحتى تأتيهم القيامة وإنّما سمّي يوم بدر عقيما لأنّهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء قاله ابن جريج، غيره: لأنّه لم يكن فيه رأفة ولا رحمة، وقيل: لأنّه لا مثل له في عظم أمره لقتال الملائكة فيه.\nالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ يعني يوم القيامة لِلَّهِ وحده من غير منازع، ولا مدّع، والملك هو اتّساع المقدور لمن له تدبير الأمور، والله ﷾ هو الذي يملك الأمور كلّها، وكلّ ملك سواه فهو مملّك بحكمه وإذنه.\nيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ثم بيّن حكمه فقال عزّ من قائل فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا فَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي فارقوا أوطانهم وعشائرهم في طاعة الله سبحانه وطلب رضاه ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا وهم كذلك لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا في الجنة وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وقيل: هو قوله سبحانه بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «١» .\nروى ابن وهب عن عبد الرّحمن بن الحجاج بن سلامان بن عامر قال: كان فضالة بن دوس أميرا على الأرباع، فخرج بجنازتي رجلين: أحدهما قتيل والآخر متوفّى، فرأى ميل الناس مع جنازة القتيل إلى حفرته فقال: أراكم أيّها الناس تميلون مع القتيل وتفضّلونه على أخيه المتوفّى! فو الذي نفسي بيده ما أبالي من أىّ حفرتها بعثت، اقرءوا قول الله سبحانه وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ.\nلَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ ذلِكَ وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ نزلت في قوم من المشركين لقوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرّم، فكره المسلمون قتال المشركين وسألوهم أن يكفّوا عن القتال من أجل الأشهر\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٦٩.","vol":"7","page":31},{"text":"الحرم فأبى المشركون وقاتلوهم فذلك بغيهم عليه، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات، والعقاب الأول بمعنى الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٦١ الى ٧٢]</span>\nذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٦٥)\nوَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ (٦٦) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا هُمْ ناسِكُوهُ فَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ (٦٧) وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (٦٨) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)\nوَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)\nذلِكَ يعني هذا الذي أنصر المظلوم بأنّي القادر على ما أشاء، فمن قدرته أنّه يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ بالياء بصري كوفي غير أبي بكر، الباقون: بالتاء مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ فلا شيء أعلى منه ولأنّه تعالى عن الأشباه والأشكال الْكَبِيرُ العظيم الذي كلّ شيء دونه فلا شيء أعظم منه.\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً بالنبات، رفع فَتُصْبِحُ لأن ظاهر الآية استفهام ومعناه الخبر، مجازها: اعلم يا محمّد أن الله ينزل مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً، وإن شئت قلت: قد رأيت أنّ الله أنزل من السماء ماء، كقول الشاعر:\nألم تسأل الربع القديم فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق «١»\nمعناه: قد سألته فنطق.\nإِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٧/ ٢٥٨.","vol":"7","page":32},{"text":"يعني لكيلا تسقط على الأرض إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ وَهُوَ الَّذِي أَحْياكُمْ ولم تكونوا شيئا ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم وفناء أعماركم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للثواب والعقاب إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ لجحود لما ظهر من الآيات والدلالات.\nلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا مألفا يألفونه وموضعا يعتادونه لعبادة الله، وأصل المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد لعمل خير أو شرّ يقال: إن لفلان منسكا أي مكانا يغشاه ويألفه للعبادة، ومنه مناسك الحج لتردّد الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال الحج والعمرة. وقال ابن عباس: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكًا أي عيدا. وقال مجاهد وقتادة: موضع قربان يذبحون فيه، غيرهم: أراد جميع العبادات.\nفَلا يُنازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ أي في أمر الذبح، نزلت في بديل بن ورقاء وبشر بن سفيان ويزيد بن الخنيس قالوا لأصحاب رسول الله (﵇): ما لكم تأكلون ما تقتلون بأيديكم ولا تأكلون ما قتله الله؟» .\nوَادْعُ إِلى رَبِّكَ دين ربّك إِنَّكَ لَعَلى هُدىً مُسْتَقِيمٍ وَإِنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ فتعرفون حينئذ المحقّ من المبطل والاختلاف ذهاب كلّ واحد من الخصمين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، وهذا أدب حسن علّم الله سبحانه فيمن جادل على سبيل التعنّت والمراء كفعل السفهاء أن لا يجادل ولا يناظر، ويدفع بهذا القول الذي علّمه الله سبحانه لنبيّه (﵇)، أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذلِكَ كلّه فِي كِتابٍ يعني اللوح المحفوظ إِنَّ ذلِكَ يعني علمه تعالى بجميع ذلك عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ الكافرين مِنْ نَصِيرٍ يمنعهم من عذاب الله.\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ بيّن ذلك في وجوههم بالكراهة والعبوس.\nيَكادُونَ يَسْطُونَ يقعون ويبطشون بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا وأصل السطو: القهر.\nقُلْ يا محمد لهم أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ أي بشرّ لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون النَّارُ أي هي النار وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ.","vol":"7","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-515>[سورة الحج (٢٢): الآيات ٧٣ الى ٧٨]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ معنى ضرب: جعل، كقولهم: ضرب السلطان البعث على الناس، وضرب الجزية على أهل الذمّة أي جعل ذلك عليهم، ومنه قوله وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ «١» والمثل حالة ثابتة تشبه بالأولى في الذكر الذي صار كالعلم، وأصله الشبه، ومعنى الآية: جعل لي المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي.\nفَاسْتَمِعُوا لَهُ حالها وصفتها التي بيّنت وشبّهتها بها، ثم بيّن ذلك فقال عزّ من قائل إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قراءة العامة بالتاء، وروى زيد عن يعقوب يدعون بالياء لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا في صغره وقلّته لأنّها لا تقدر على ذلك وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ لخلقه، والذباب واحد وجمعها القليل أذبنة والكثير ذبّان، مثل غراب وأغربة وغربان وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ يعني الأصنام، أخبر عنها بفعل ما يعقل، وقد مضت هذه المسألة، يقول: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا مما عليهم لا يقدرون أن يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ.\nقال ابن عباس: الطالب الذباب والمطلوب الصنم، وذلك أن الكفّار كانوا يلطّخون أصنامهم بالعسل في كلّ سنة ثم يغلقون عليها أبواب البيوت فيدخل الذبّان في الكوى فيأكل ذلك العسل وينقيها منه فإذا رأوا ذلك قالوا: أكلت آلهتنا العسل.\nالضحّاك: يعني العابد والمعبود.\nابن زيد وابن كيسان: كانوا يحلّون الأصنام باليواقيت واللآلي وأنواع الجواهر ويطيّبونها بألوان الطيب، فربما يسقط واحد منها أو يأخذها طائر أو ذباب فلا تقدر الآلهة على استردادها، فالطالب على هذا التأويل الصنم والمطلوب الذباب والطائر.\nما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ أي ما عظّموا الله حقّ تعظيمه، ولا عرفوه حقّ معرفته ولا وصفوه حقّ صفته إذ أشركوا به ما لا يمتنع من الذباب ولا ينتصف به.\nإِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ اللَّهُ يَصْطَفِي يختار مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا كجبرئيل وميكائيل وغيرهما وَمِنَ النَّاسِ أيضا رسلا مثل إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وغيرهم من الأنبياء\n_________\n(١) سورة البقرة: ٦١.","vol":"7","page":34},{"text":"صلوات الله عليهم، يقال: نزلت هذه الآية لمّا قال المشركون أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا «١» فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من يشاء من خلقه.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لقولهم بَصِيرٌ بمن يختاره لرسالته.\nيَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ يعني ما كان بين أيدي ملائكته ورسله قبل أن يخلقهم.\nوَما خَلْفَهُمْ ويعلم ما هو كائن بعد فنائهم.\nوقال الحسن: ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ما عملوه، وَما خَلْفَهُمْ ما هم عاملون ممّا لم يعملوه بعد.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٢» .\nأخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدّثني مطرف بن عبد الله عن مالك عن نافع أنّ رجلا من أهل مصر أخبر عبد الله بن عمر أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين ثمّ قال: انّ هذه السورة فضّلت بسجدتين.\nوبإسناده عن مالك عن عبد الله بن دينار أنّه قال: رأيت عبد الله بن عمر سجد في الحج سجدتين.\nوأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: حدّثنا ابن أبي خيثمة قال: حدّثنا أبو سلمة الخزاعي منصور بن سلمة قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن صفوان بن مهران أن أبا موسى قرأ على منبر البصرة سورة الحج، فنزل فسجد فيها سجدتين.\nوحدّثنا أبو محمد المخلّدي قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا محمد ابن مسلم بن دارة قال: حدّثنا محمد بن موسى بن أعين قال: قرأت على أبي عن عمرو بن الحرث عن ابن لهيعة ان شريح بن عاها حدّثه عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله في سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم إن لم تسجدهما فلا تقرأهما.\nوَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ يعني وجاهدوا في سبيل الله أعداء الله حق جهاده، وهو استفراغ الطاقة فيه، قاله ابن عباس، وعنه أيضا: لا تخافوا في الله لومة لائم وذلك حق الجهاد.\nوقال الضحاك ومقاتل: يعني اعملوا لله بالحقّ حقّ عمله، واعبدوه حقّ عبادته.\nعبد الله بن المبارك: هو مجاهدة النفس والهوى وذلك حقّ الجهاد، وهو الجهاد الأكبر\n_________\n(١) سورة القمر: ٢٥.\n(٢) السنن الكبرى: ٢/ ٣١٧.","vol":"7","page":35},{"text":"على ما\nروي في الخبر أنّ رسول الله ﷺ قال حين رجع من بعض غزواته: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» [٦] «١» .\nهُوَ اجْتَباكُمْ اختاركم لدينه وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ضيق فلا يبتلي المؤمن بشيء من الذنوب إلّا جعل له منه مخرجا بعضها بالتوبة وبعضها بالقصاص وبعضها برد المظالم وبعضها بأنواع الكفّارات، فليس في دين الإسلام ما لا يجد العبد سبيلا إلى الخلاص من العقاب فيه، ولا ذنب يذنبه المؤمن إلّا وله منه في دين الإسلام مخرج، وهذا معنى رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه حين سأله عبد الملك بن مروان عن هذه الآية فقال: جعل الله الكفارات مخرجا من ذلك، سمعت ابن عباس يقول ذلك.\nوقال بعضهم: معناه وما جعل عليكم في الدين من ضيق في أوقات فروضكم مثل هلال شهر رمضان والفطر والأضحى ووقت الحج إذا التبست عليكم وشكّ الناس فيها، ولكنّه وسّع ذلك عليكم حتى تتيقّنوا محلها مِلَّةَ أَبِيكُمْ أي كملّة أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ نصب بنزع حرف الصفة، عن الفرّاء، غيره: نصب على الإغراء أي الزموا واتّبعوا ملّة أبيكم إبراهيم، وإنّما أمركم باتباع ملّة إبراهيم لأنّها داخلة في ملّة محمد ﷺ.\nوأمّا وجه قوله سبحانه «مِلَّةَ أَبِيكُمْ» وليس جميعهم يرجع إلى ولادة إبراهيم فإنّ معناه: إنّ حرمة إبراهيم على المسلمين كحرمة الوالد، كما قال سبحانه وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ «٢»\nوقال النبي ﷺ: «إنّما أنا لكم مثل الوالد»\n[٧] «٣»، وهذا معنى قول الحسن البصري (﵀) .\nهُوَ يعني الله ﷾ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ يعني من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة وَفِي هذا الكتاب هذا قول أكثر المفسرين.\nوقال ابن زيد: هُوَ راجع إلى إبراهيم (﵇) يعني أنّ إبراهيم سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا الوقت في أيام إبراهيم وَفِي هذا الوقت، قال: وهو قول إبراهيم رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ «٤» والقول الأول أولى بالصواب.\nلِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ أن قد بلّغكم وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ أن رسلهم قد بلّغتهم فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ وثقوا بالله وتوكّلوا عليه.\nوقال الحسن: تمسّكوا بدين الله الذي لطف به لعباده.\nهُوَ مَوْلاكُمْ وليّكم وناصركم ومتولي أمركم فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ.\n_________\n(١) فيض القدير- المناوي.: ٣/ ١٤١.\n(٢) سورة الأحزاب: ٦.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٢٥٠.\n(٤) سورة البقرة: ١٢٨.","vol":"7","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-516>سورة المؤمنون</span>\nمكيّة، وهي أربعة آلاف وثمانمائة وحرفان، وألف وثمانمائة وأربعون كلمة، ومائة وثماني عشرة آية\nأخبرنا أبو الحسن الخباري قال: حدّثنا ابن حبش قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدقاق الرازي قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني قال: وحدّثنا طفران قال: حدّثنا ابن أبي داود قال: حدّثنا محمد بن عاصم قال: حدّثنا نسابة بن سوار الفزاري قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن زيد عن عطاء بن أبي ميمونة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المؤمنين بشّرته الملائكة بالرّوح والريحان وما تقرّ به عينه عند نزول ملك الموت» [٨] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤)\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩)\nأُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١)\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ قد حرف تأكيد، وقال المحققون: معنى قد تقريب بالماضي من الحال، فدلّ على أنّ فلاحهم قد حصل وهم عليه في الحال، وهذا أبلغ في الصفة من تجريد ذكر الفلاح، والفلاح: النجاح والبقاء.\nأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن المفسّر بقراءته عليّ في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو عمرو المعتزّ بن محمد بن الفضل القاضي قال: حدّثنا أحمد بن الحسين الفريابي قال: حدّثنا عبد الرحيم بن حبيب البغدادي عن إسحاق بن نجيح الملطي عن\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٧/ ١٧٥.","vol":"7","page":37},{"text":"ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا خلق الله سبحانه جنّة عدن خلق فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ثمّ قال لها: تكلّمي، قالت:\nقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ- ثلاثا- ثمّ قالت: أنا حرام على كلّ بخيل ومرائي» [٩] «١» .\nوقرأ طلحة بن مصرف: قَدْ أُفْلِحَ الْمُؤْمِنُونَ على المجهول، أي أبقوا في الثواب.\nالَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ اختلف المفسّرون في معنى الخشوع، فقال ابن عباس: مخبتون أذلّاء، الحسن وقتادة: خائفون.\nمقاتل: متواضعون على الخشوع في القلب، وأن تلين للمرء المسلم كنفك ولا تلتفت.\nمجاهد: هو غضّ البصر وخفض الجناح وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرّحمن أن يمدّ بصره إلى شيء أو أن يحدّث نفسه بشيء من شأن الدنيا.\nعمرو بن دينار: ليس الخشوع الركوع والسجود ولكنّه السكون وحسن الهيئة في الصلاة.\nابن سيرين وغيره: هو أن لا ترفع بصرك عن موضع سجودك.\nقالوا: وكان النبي ﷺ وأصحابه يرفعون أبصارهم في الصلاة إلى السماء وينظرون يمينا ويسارا حتى نزلت هذه الآية، فجعلوا بعد ذلك وجوههم حيث يسجدون، وما رؤي بعد ذلك أحد منهم ينظر ألّا إلى الأرض.\nربيع: هو أن لا يلتفت يمينا ولا شمالا.\nأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: حدّثنا السراج قال: حدّثنا محمد بن الصباح قال: أخبرنا إسحاق بن سليمان قال: حدّثنا إبراهيم الخوزي عن عطاء بن أبي رباح قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: انّ العبد إذا قام إلى الصلاة فإنّه بين عينيّ الرّحمان ﷿ فإذا التفت قال له الربّ: إلى من تلتفت؟ إلى من هو خير لك منّي؟ ابن آدم أقبل إليّ فأنا خير ممّن تلتفت إليه «٢» .\nعطاء: هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في الصلاة،\nوأبصر النبي ﷺ رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه «٣» .\nوأخبرنا محمد بن أحمد بن عقيل القطان قال: أخبرنا صاحب بن أحمد بن ترحم بن سفيان قال: حدّثنا أبو عبد الرّحمن بن نبيت المروزي عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن\n_________\n(١) تاريخ مدينة دمشق: ٥٢/ ١٥١.\n(٢) كنز العمّال: ٧/ ٥٠٥.\n(٣) كنز العمّال: ٣/ ١٤٤.","vol":"7","page":38},{"text":"معمّر أنه سمع الزهري يحدّث عن أبي الأحوص عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإنّ الرحمة تواجهه فلا يحرّكن الحصى» [١٠] «١» .\nويقال: نظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصى ويقول: اللهم زوّجني من الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث.\nخليد «٢» بن دعلج عن قتادة: هو وضع اليمين على الشمال في الصلاة.\nبعضهم: هو جمع الهمّة لها والإعراض عمّا سواها.\nأبو بكر الواسطي: هو الصلاة لله سبحانه على الخلوص من غير عوض.\nسمعت ابن الإمام يقول: سمعت ابن مقسم يقول: سمعت أبا الفضل جعفر بن أحمد الصيدلي يقول: سمعت ابن أبي الورد يقول: يحتاج المصلي إلى أربع خلال حتى يكون خاشعا:\nإعظام المقام، وإخلاص المقال، واليقين التمام، وجمع الهمّة.\nوَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ قال الحسن: عن المعاصي، ابن عباس: الحلف الكاذب، مقاتل: الشتم والأذى، غيرهم: ما لا يحمل من القول والفعل، وقيل: اللغو الفعل الذي لا فائدة فيه.\nوَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ الواجبة فاعِلُونَ مؤدّون، وهي فصيحة وقد جاءت في كلام العرب قال أميّة بن أبي الصلت:\nالمطعمون الطعام في السنة ... الأزمة والفاعلون للزكوات\nوَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أي من أزواجهم، على بمعنى من أَوْ ما في محل الخفض يعني أو من ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ على إتيان نسائهم وإمائهم.\nفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ أي التمس وطلب سوى زوجته وملك يمينه فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ من الحلال إلى الحرام، فمن زنى فهو عاد.\nوَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ التي ائتمنوا عليها وَعَهْدِهِمْ وعقودهم التي عاقدوا الناس عليها راعُونَ حافظون وافون.\nوقرأ ابن كثير: لأمانتهم على الواحد لقوله: «وَعَهْدِهِمْ» . الباقون: بالجمع لقوله إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «٣» .\n_________\n(١) المصنّف: ٢/ ٣٨. [.....]\n(٢) في النسخة الثانية: خليل.\n(٣) سورة النساء: ٥٨.","vol":"7","page":39},{"text":"وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ يداومون على فعلها ويراعون أوقاتها، فأمر بالمحافظة عليها كما أمر بالخشوع فيها لذلك كرّر ذكر الصلاة.\nأُولئِكَ أهل هذه الصفة هُمُ الْوارِثُونَ يوم القيامة منازل أهل الجنة من الجنة.\nوروى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال: ما منكم من أحد إلّا وله منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ «١» .\nوقال مجاهد: لكل واحد منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فأمّا المؤمن فيبنى منزله الذي له في الجنة، ويهدم منزله الذي هو في النار، وأما الكافر فيهدم منزله الذي في الجنة، ويبنى منزله الذي في النار.\nوقال بعضهم: معنى الوراثة هو أنّه يؤول أمرهم إلى الجنة وينالونها كما يؤول أمر الميراث إلى الوارث.\nالَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ أي البستان ذا الكرم، قال مجاهد: هي بالرومية، عكرمة: هي الجنة بلسان الحبش، السدّي: هي البساتين عليها الحيطان بلسان الروم.\nوفي الحديث «٢»\n: إن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر فقالت أمّه: يا رسول الله إن كان ابني من أهل الجنة لم أبك عليه، وإن كان من أهل النار بالغت في البكاء، فقال: «يا أمّ حارثة إنّها جنان وإنّ ابنك قد أصحاب الفردوس الأعلى من الجنة» [١١] .\nأخبرني أبو الحسن «٣» عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني بها قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يونس بن إبراهيم بن النضر المقري قال: حدّثنا العباس بن الفضل المقري قال:\nحدّثنا أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير المخزومي قال:\nحدّثني عبد الله بن لهيعة الحضرمي قال: حدّثنا عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قول الله سبحانه قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ يعني قد سعد المصدّقون بتوحيد الله سبحانه، ثم نعتهم ووصف أعمالهم فقال عزّ من قائل الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ يعني متواضعين لا يعرف من على يمينه ولا من على يساره، ولا يلتفت من الخشوع لله وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ يعني الباطل والكذب وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ يعني الأموال كقوله سبحانه في الأعلى قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى «٤» يعني من ماله وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ يعني عن الفواحش، ثم قال\n_________\n(١) كنز العمّال: ٢/ ٨.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٢١٥. بتفاوت.\n(٣) في النسخة الثانية: أبو العباس.\n(٤) سورة الأعلى: ١٤.","vol":"7","page":40},{"text":"إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ يعني ولائدهم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ لا يلامون على جماع أزواجهم وولائدهم فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فمن طلب الفواحش بعد الأزواج والولائد ما لم يحلّ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ يعني المعتدين في دينهم وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ يعني ما ائتمنوا عليه فيما بينهم وبين الناس وَعَهْدِهِمْ راعُونَ يعني حافظين يؤدّون الأمانة ويوفون بالعهود وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ يعني يحافظون عليها في مواقيتها، ثمّ أخبر بثوابهم فقال أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ ثمّ بين ما يرثون فقال الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ يعني الجنة بلسان الرومية هُمْ فِيها خالِدُونَ لا يموتون فيها.\nأخبرنا محمد «١» بن عقيل القطان «٢» قال: أخبرنا حاجب بن أحمد بن سفيان قال: حدّثنا محمد بن حماد البيوردي قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرني يونس بن سليم قال أملى «٣» علىّ صاحب ايلة عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرّحمن بن عبد القاري قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: كان إذا نزل على رسول الله ﷺ الوحي يسمع عند وجهه كدوىّ النحل، فمكثنا ساعة فاستقبل ورفع يديه فقال: «اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنّا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنّا، ثمّ قال: لقد أنزل علينا عشر آيات من أقامهن دخل الجنّة، ثمّ قرأ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ عشر آيات «٤»» [١٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١٢ الى ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)\nوَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١)\nوَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦)\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: بن أحمد.\n(٢) في النسخة الثانية: العطار.\n(٣) في النسخة الثانية زيادة: يونس بن.\n(٤) منتخب مسند عبد بن حميد: ص ٣٤.","vol":"7","page":41},{"text":"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني ابن آدم مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «١» أي من صفوة ماء آدم الذي هو من الطين ومنيّه والعرب تسمّي نطفة الشيء وولده سليله وسلالته لأنّهما مسلولان منه. قال الشاعر:\nحملت به عضب الأديم غضنفرا ... سلالة فرج كان غير حصين «٢»\nوقال آخر:\nوهل كنت إلّا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجلّلها بغل «٣»\nثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ حريز مكين لاستقرارها فيه إلى بلوغ أمدها وهو الرحم.\nثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظامًا قرأ ابن عامر عظما على الواحد في الحرفين، ومثله روى أبو بكر عن عاصم لقوله لَحْمًا، وقرأ الآخرون بالجمع لأنّ الإنسان ذو عظام كثيرة.\nفَكَسَوْنَا فألبسنا الْعِظامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ اختلف المفسرون فيه. قال ابن عباس ومجاهد والشعبي وعكرمة وأبو العالية والضحاك وابن زيد: نفخ الروح فيه.\nقتادة: نبات الأسنان والشعر.\nابن عمر: استواء الشباب، وهي رواية ابن أبي نجيح وابن جريج عن مجاهد.\nوروى العوفي عن ابن عباس: إنّ ذلك تصريف أحواله بعد الولادة، يقول: خرج من بطن أمّه بعد ما خلق فكان من بدو خلقه الآخر أن استهلّ، ثمّ كان من خلقه أن دلّ على ثدي أمّه، ثمّ كان من خلقه أن علّم كيف يبسط رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشى، إلى أن فطم، فعلم كيف يشرب ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحلم، إلى أن بلغ ان يتقلّب في البلاد.\nوقيل: الذكورة والأنوثية، وقيل: إعطاء العقل والفهم.\nفَتَبارَكَ اللَّهُ أي استحق التعظيم والثناء بأنّه لم يزل ولا يزال وأصله من البروك وهو الثبوت.\nأَحْسَنُ الْخالِقِينَ أي المصوّرين والمقدّرين، مجاهد: يصنعون ويصنع الله والله خير الصانعين.\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: أسيل من الأرض، قال قتادة: وقال ابن عباس ومجاهد: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني آدم مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٨/ ١٢.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٨/ ١٢.","vol":"7","page":42},{"text":"ابن جريج: إنما جمع الخالقين لأنّ عيسى كان يخلق، فأخبر جلّ ثناؤه أنّه يخلق أحسن ممّا كان يخلق.\nوروى أبو الخليل عن أبي قتادة قال: لمّا نزلت هذه الآية إلى آخرها قال عمر بن الخطاب ﵁ «فتبارك الله أحسن الخالقين» فنزلت فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ.\nقال ابن عباس: كان ابن أبي سرح يكتب لرسول الله ﷺ، فأملى عليه هذه الآية، فلمّا بلغ قوله خَلْقًا آخَرَ خطر بباله فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فلمّا أملاها كذلك لرسول الله قال عبد الله: إن كان محمد نبيّا يوحى إليه فانا نبىّ يوحى إليّ، فلحق بمكة كافرا.\nثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ قرأ أشهب العقيلي لمائتون بالألف، والميّت والمائت، الذي لم يفارقه الروح بعد وهو سيموت، والميت بالتخفيف: الذي فارقه الروح، فلذلك لم تخفف هاهنا كقوله ﷾ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وإنما قيل: طَرائِقَ لأن بعضهنّ فوق بعض، فكلّ سماء منهنّ طريقة، والعرب تسمّي كلّ شيء فوق شيء طريقة، وقيل: لأنّها طرائق الملائكة.\nوَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ يعني عن خلق السماء، قاله بعض العلماء، وقال أكثر المفسرين: يعني عمّن خلقنا من الخلق كلّهم ما كنّا غافلين عنهم، بل كنّا لهم حافظين من أن تسقط عليهم فتهلكهم.\nوقال أهل المعاني: معنى الآية: إنّ من جاز عليه الغفلة عن العباد جاز عليه الغفلة عن الطرائق التي فوقهم فتسقط فالله ﷿ يمسك السماوات أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ولولا إمساكه لها لم تقف طرفة عين.\nقال الحسن: وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ أن ينزل عليهم ما يجيئهم من المطر.\nوَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ثمّ أخرجنا منها ينابيع فماء الأرض هو من السماء.\nوَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ حتى تهلكوا عطشا وتهلك مواشيكم وتخرب أراضيكم.\nفَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ بالماء جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها يعني في الجنّات فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ شتاء وصيفا، وإنّما خصّ النخيل والأعناب بالذكر لأنّهما كانا أعظم ثمار الحجاز وما والاها، فكانت النخيل لأهل المدينة، والأعناب لأهل الطائف، فذكر القوم ما يعرفون من نعمه.\n_________\n(١) سورة الزمر: ٣٠. [.....]","vol":"7","page":43},{"text":"وَشَجَرَةً يعني وأنشأنا لكم أيضا شجرة تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ وهي الزيتون، واختلف القرّاء في سَيْناءَ، فكسر سينه أبو عمرو وأهل الحجاز، وفتحه الباقون، واختلف العلماء في معناه، فقال مجاهد: معناه البركة، يعني: إنه جبل مبارك، وهي رواية عطية عن ابن عباس، قتادة والحسن والضحّاك: طُورِ سَيْناءَ بالنبطية: الجبل الحسن.\nابن زيد: هو الجبل الذي نودي منه موسى ﵇، وهو بين مصر وأيلة، معمر وغيره: جبل ذو شجر، بعضهم: هو بالسريانية الملتفّة الأشجار، وقيل: هو كلّ جبل ذي أشجار مثمرة، وقيل: هو متعال من السّنا وهو الارتفاع.\nقال مقاتل: خصّ الطور بالزيتون لأن أول الزيتون نبت بها، ويقال: إنّ الزيتون أول شجرة نبتت في الدنيا بعد الطوفان.\nتَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وأكثر القراء على فتح التاء الأوّل من قوله تَنْبُتُ وضم بائه، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء ولها وجهان:\nأحدهما: أن الباء فيه زائدة كما يقال: أخذت ثوبه وأخذت بثوبه، وكقول الراجز:\nنحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج «١»\nأي ونرجو الفرج.\nوالوجه الآخر: أنّهما لغتان بمعنى واحد نبت وأنبت، قال زهير:\nرأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل «٢»\nأي نبت وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ أي إدام نصطبغ به وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً وهي الدلالة الموصلة إلى اليقين المؤدّى به الى العلم وهي من العبور كأنه طريق يعبر إليه ويتوصل به إلى المراد.\nنُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ قال ابن عباس: سمّي بذلك لكثرة ما ناح على نفسه، واختلف في سبب نوحه، فقال بعضهم: لدعوته على قومه بالهلاك حيث قال رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا «٣» وقيل: لمراجعته ربّه في شأن أمته، وقيل: لأنّه مرّ بكلب مجذوم، فقال:\nاخسأ يا قبيح فأوحى الله سبحانه إليه: أعبتني أم عبت الكلب؟.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ٤٤٣.\n(٢) لسان العرب: ١٣/ ٣٤٣.\n(٣) نوح: ٢٦.","vol":"7","page":44},{"text":"فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ يتشرف عَلَيْكُمْ فيكون أفضل منكم فيصير متبوعا وأنتم له تبعا.\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا الذي يدعونا إليه نوح فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ إِنْ هُوَ ما هو إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ جنون، نظيرها قوله سبحانه ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ «١» ويقال للجن أيضا: جنّة، قال الله سبحانه وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا «٢» وقال مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ «٣» يتفق الاسم والمصدر.\nفَتَرَبَّصُوا فانتظروا بِهِ حَتَّى حِينٍ يعني إلى وقت ما، وقيل: الى حين الموت، فقال لمّا تمادوا في غيّهم وأصرّوا على كفرهم رَبِّ انْصُرْنِي أعني بإهلاكهم بِما كَذَّبُونِ يعني بتكذيبهم إياي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٢٧ الى ٣٥]</span>\nفَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)\nفَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)\nفَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها فأدخل فيها، يقال: سلكته في كذا وأسلكته فيه، قال الشاعر:\nوكنت لزاز خصمك لم أعرّد ... وقد سلكوك في يوم عصيب «٤»\nوقال الهذلي:\nحتى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلّا كما تطرد الجمّالة الشردا «٥»\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٨٤.\n(٢) سورة الصافّات: ١٥٨.\n(٣) سورة الناس: ٦.\n(٤) جامع البيان للطبري: ١٢/ ١٠٧.\n(٥) لسان العرب: ٣/ ٢٣٧.","vol":"7","page":45},{"text":"مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ.\nقال الحسن: لم يحمل نوح في السفينة إلّا من يلد ويبيض، فأما ما يتولد من الطين وحشرات الأرض والبق والبعوض فلم يحمل منها شيئا.\nفَإِذَا اسْتَوَيْتَ اعتدلت في السفينة راكبا فيها، عاليا فوقها أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا قرأه العامة بضم الميم على المصدر أي إنزالا مباركا، وقرأ عاصم برواية أبي بكر بفتح الميم وكسر الزاي أي موضعا.\nوَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا وقد كنّا، وقيل: وما كنا إلّا مبتلين مختبرين إيّاهم بتذكيرنا ووعظنا لننظر ما هم عاملون قبل نزول العذاب بهم.\nثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ أي أهلكناهم وأحدّثنا من بعدهم قَرْنًا آخَرِينَ فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ قال المفسّرون يعني هودا وقومه أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ ... قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ نعّمناهم ووسّعنا عليهم، والترفه: النعمة، في الحياة الدنيا ما هذا الرسول إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخاسِرُونَ أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا قد ذهبت اللحوم أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ من قبوركم أحياء، وأعاد إنّكم لمّا طال الكلام، ومعنى وكنتم ترابا وعظاما إنكم مخرجون «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-520>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٣٦ الى ٤٤]</span>\nهَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠)\nفَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣) ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤)\nهَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ قال ابن عباس: هي كلمة بعد يقول: ما توعدون، واختلف القرّاء فيه، فقرأ أبو جعفر بكسر التاء فيهما، وقرأ نصر بن عاصم بالضم، وقرأ ابن حبوة الشامي بالضم والتنوين، وقرأ الآخرون بالنصب من غير تنوين، وكلّها لغات صحيحة، فمن نصب جعل\n_________\n(١) في النسخة الثانية (أصفهان): ومعنى الكلام: أيعدكم أنكم إذا متّم وكنتم ترابا وعظاما فتخرجون، وذكر أن ذلك من قراءة عبد الله، أيعدكم إذا متّم وكنتم ترابا وعظاما مخرجون.","vol":"7","page":46},{"text":"مثل أين وكيف، وقيل: لأنهما أداتان فصارتا مثل خمسة عشر وبعلبك ونحوهما.\nوقال الفرّاء: نصبهما كنصب قولهم ثمت وربّت، ومن رفعه جعله مثل منذ وقط وحيث، ومن كسره جعله مثل أمس وهؤلاء. قال الشاعر:\nتذكرت أياما مضين من الصبا ... وهيهات هيهات إليك رجوعها «١»\nوقال آخر:\nلقد باعدت أم الحمارس دارها ... وهيهات من أم الحمارس هيهاتا\nواختلفوا في الوقف عليها، فكان الكسائي يقف عليها بالهاء، والفرّاء بالتاء، وإنّما أدخلت اللام مع هيهات في الاسم لأنها أداة غير مشتقّة من فعل فأدخلوا معها في الاسم اللام كما أدخلوها مع هلمّ لك.\nإِنْ هِيَ يعنون الدنيا إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا يموت الآباء ويحيى الأبناء ما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ إِنْ هُوَ\nيعنون الرسول إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ قالَ عَمَّا قَلِيلٍ عن قليل، وما صلة لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ على كفرهم فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ يعني صيحة العذاب بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً وهو ما يحمله السيل فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ والقرن أهل العصر، سمّوا بذلك لمقارنة بعضهم ببعض.\nما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ ومن صلة.\nثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا مترادفين يتبع بعضهم بعضا، وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو تترىً بالتنوين على توهّم أنّ الياء أصليّة، كما قيل: معزي بالياء ومعزى وبهمي وبهما فأجريت أحيانا وترك اجراؤها أحيانا، فمن نوّن وقف عليها بالألف، ومن لم ينوّن وقف عليها بالياء، ويقال: إنها ليست بياء ولكن ألف ممالة، وقرأه العامّة بغير تنوين مثل غضبى وسكرى، وهو اسم جمع مثل شتّى، وأصله: وترى من المواترة والتواتر، فجعلت الواو تاء مثل التقوى والتكلان ونحوهما.\nكُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضًا بالهلاك أي أهلكنا بعضهم في أثر بعض.\nوَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ أي مثلا يتحدّث بهم الناس، وهي جمع أحدوثة، ويجوز أن يكون جمع حديث، قال الأخفش: إنّما يقال هذا في الشّر، فأمّا في الخير فلا يقال: جعلتهم أحاديث وأحدوثة وإنما يقال: صار فلان حديثا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ١٢٢.","vol":"7","page":47},{"text":"فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ نظيرها فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ «١»؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٤٥ الى ٥٩]</span>\nثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)\nوَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠) يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)\nأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩)\nثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا تعظّموا عن الإيمان وَكانُوا قَوْمًا عالِينَ متكبّرين، قاهرين غيرهم بالظلم، نظيرها إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ «٢» .\nفَقالُوا يعني فرعون وقومه أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا فنتّبعهما وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ مطيعون متذلّلون، والعرب تسمّي كلّ من دان لملك عابدا له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة:\nالعباد لأنّهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم.\nفَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ بالغرق وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ التوراة لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ لكي يهتدي بها قومه فيعملوا بما فيها وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً دلالة على قدرتنا، وكان حقّه أن يقول آيتين كما قال الله سبحانه وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ «٣» واختلف النحاة في وجهها، فقال بعضهم: معناه: وجعلنا كل واحد منهما آية كما قال سبحانه كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها «٤» أي آتت كلّ واحدة أكلها وقال إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ «٥» ولم يقل أرجاس، وقال بعضهم: معناه: جعلنا شأنهما واحدا لأنّ عيسى ولد من غير أب، وأمّه ولدت من غير مسيس ذكر. وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ.\nأخبرنا أبو صالح منصور بن أحمد المشطي قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن\n_________\n(١) سورة سبأ: ١٩.\n(٢) سورة القصص: ٤.\n(٣) سورة الإسراء: ١٢.\n(٤) سورة الكهف: ٣٣. [.....]\n(٥) سورة المائدة: ٩٠.","vol":"7","page":48},{"text":"عبد الله الرازي قال: أخبرنا سلمان بن علي قال: أخبرنا هشام بن عمار قال: حدّثنا عبد المجيد عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن سلام في قول الله سبحانه وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ قال: دمشق، وقال أبو هريرة: هي الرملة، قتادة وكعب: بيت المقدس، قال كعب: وهي أقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلا. ابن زيد:\nمصر، الضحّاك: غوطة دمشق، أبو العالية: إيليا وهي الأرض المقدسة، ويعني بالقرار الأرض المستوية والساحة الواسعة، والمعين: الماء الظاهر لعين الناظر، وهو مفعول من عانه يعينه إذا أدركه البصر ورآه، ويجوز أن يكون فعيلا معن يمعن فهو معين من الماعون.\nيا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ يعني من الحلالات، يعني: وقلنا لعيسى: كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ، وهذا كما يقال في الكلام للرجل الواحد: أيّها القوم كفّوا عنّا أذاكم، ونظائرها في القرآن كثيرة. قال عمرو بن شريل: كان يأكل من غزل أمّه، وقال الحسن ومجاهد: المراد به محمد رسول الله ﷺ.\nوَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ وَإِنَّ هذِهِ قرأه أهل الكوفة بكسر الألف على الابتداء، وقرأ ابن عامر بفتح الألف وتخفيف النون جعل إنّ صلة مجازه: وهذه أمتّكم، وقرأ الباقون بفتح الألف وتشديد النون على معنى هذه، ويجوز أن يكون نصبا بإضمار فعل، أي واعلموا أنّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً أي ملّتكم ملّة واحدة وهي دين الإسلام.\nوَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا قرأه العامة بضم الباء يعنى كتبا، جمع زبور بمعنى: دان كلّ فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي دان به الآخر، قاله مجاهد وقتادة، وقيل:\nمعناه فتفرقوا دينهم بينهم كتبا أحدثوها يحتجون فيها لمذاهبهم، قاله قتادة وابن زيد، وقرأ أهل الشام بفتح الباء أي قطعا وفرقا كقطع الحديد، قال الله سبحانه آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ «١» .\nكُلُّ حِزْبٍ جماعة بِما لَدَيْهِمْ عندهم من الدين فَرِحُونَ معجبون مسرورون فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ قال ابن عباس: كفرهم وضلالتهم «٢»، ابن زيد: عماهم، ربيع: غفلتهم حَتَّى حِينٍ إلى وقت مجيء آجالهم.\nأَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ نعطيهم ونزيدهم مِنْ مالٍ وَبَنِينَ في الدنيا نُسارِعُ نسابق لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ ومجاز الآية: أيحسبون ذلك مسارعة لهم في الخيرات، وقرأ عبد الرّحمن ابن أبي بكر: يُسارَعُ على ما لم يسم فاعله، والصواب قراءة العامة لقوله سبحانه نُمِدُّهُمْ.\nبَلْ لا يَشْعُرُونَ أنّ ذلك استدراج لهم، ثمّ بيّن المسارعين الى الخيرات فقال عزّ من\n_________\n(١) سورة الكهف: ٩٦.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: الضحاك: حيرتهم.","vol":"7","page":49},{"text":"قائل إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٦٠ الى ٧٤]</span>\nوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هذا وَلَهُمْ أَعْمالٌ مِنْ دُونِ ذلِكَ هُمْ لَها عامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إِذا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)\nلا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)\nأَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْواءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ (٧٤)\nوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات، هذه قراءة أهل الأمصار وبه رسوم مصاحفهم.\nأخبرنا عبد الخالق بن علي قال: أخبرنا إسماعيل بن نجية قال: حدّثنا محمد بن عمار بن عطية قال: حدّثنا أحمد بن يزيد الحلواني قال: حدّثنا خلاد عن إبراهيم بن الزبرقان عن محمد ابن حمّاد عن أبيه عن عائشة ﵂ أنّ النبي ﷺ كان يقرأ والذين يأتون ما آتوا من المجيء.\nوأخبرنا الحاكم أبو منصور حمد بن أحمد البورجاني قال: حدّثنا علي بن أحمد بن موسى الفارسي قال: حدّثنا محمد بن الفضيل قال: حدّثنا أبو أسامة قال: حدّثني ملك بن مغول قال:\nسمعت عبد الرّحمن بن سعيد الهمداني ذكر أنّ عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله:\nوَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ أهو الذي يزني ويشرب الخمر وهو على ذلك يخاف الله؟ قال: «لا يا ابنة الصدّيق ولكن هو الذي يصوم ويصلي ويتصدق وهو على ذلك يخاف الله سبحانه» «١» [١٣] .\nوأخبرنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن حامد قال: حدّثنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا عبد الله بن عمرو قال: أخبرنا وكيع عن ملك بن مغول عن عبد الرّحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أهو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق قال: «لا يا ابنة أبي بكر أو يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلّي ويتصدق ويخاف أن لا تقبل منه» «٢» [١٤] .\n_________\n(١) مسند الحميدي: ١/ ١٣٣. بتفاوت.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٨/ ٤٥.","vol":"7","page":50},{"text":"أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها يعني إليها سابِقُونَ كقوله (لِما نُهُوا عَنْهُ) و(لِما قالُوا) ونحوهما، وكان ابن عباس يقول في معنى هذه الآية: سبقت لهم من الله السعادة ولذلك سارعوا في الخيرات.\nوَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها يعني إلّا ما يسعها ويصلح لها من العبادة والشريعة:\nوَلَدَيْنا كِتابٌ يعني اللوح المحفوظ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ يبيّن بالصدق ما عملوا وما هم عاملون من الخير والشر، وقيل: هو كتاب أعمال العباد الذي تكتبه الحفظة وهو أليق بظاهر الآية.\nوَهُمْ لا يُظْلَمُونَ يعني يوفّون جزاء أعمالهم ولا ينقص من حسناتهم ولا يزاد على سيئاتهم.\nثمّ ذكر الكفار فقال عزّ من قائل بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ عمى وغفلة مِنْ هذا القرآن وَلَهُمْ أَعْمالٌ خبيثة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا مِنْ دُونِ ذلِكَ يعني من دون أعمال المؤمنين التي ذكرها الله سبحانه، قيل: وهي قوله إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ.\nهُمْ لَها عامِلُونَ لا بد لهم من أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم من الشقاوة.\nحَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ يعني اغنياءهم ورؤساءهم بِالْعَذابِ قال ابن عباس:\nبالسيوف يوم بدر،\nوقال الضحّاك: يعني الجوع وذلك ين دعا عليهم رسول الله ﷺ فقال:\n«اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسنيّ يوسف، فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة والقدّ والأولاد» «١» [١٥] .\nإِذا هُمْ يَجْأَرُونَ يضجّون ويجزعون ويستغيثون، وأصل الجؤار رفع الصوت بالتضرّع كما يفعل الثور، قال الشاعر:\nفطافت ثلاثا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا «٢»\nيصف بقره. وقال أيضا:\nيراوح من صلوات المليك ... فطورا سجودا وطورا جؤارا «٣»\nلا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم وتضرّعكم.\nقَدْ كانَتْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ يعني القرآن فَكُنْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أدباركم تَنْكِصُونَ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٧/ ١٩٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٠/ ١١٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٢/ ١٣٥. والعبارة يراوج.","vol":"7","page":51},{"text":"تدبرون وتستأخرون وترجعون القهقرى، مكذّبين بها كارهين لها مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ أي بالحرم تقولون: لا يظهر علينا أحد لأنّا أهل الحرم، وهو كناية عن غير مذكور سامِرًا نصب على الحال يعني أنّهم يسمرون بالليل في مجالسهم حول البيت، ووحّد سامِرًا وهو بمعنى السّمار لأنّه وضع موضع الوقت، أراد: تَهْجُرُونَ ليلا، كقول الشاعر:\nمن دونهم إن جئتهم سمرا ... عزف القيان ومجلس غمر «١»\nفقال: سمرا لأن معناه: إن جئتهم ليلا وهم يسمرون، وقيل: واحد ومعناه الجمع كما قال ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا «٢» ونحوه.\nتَهْجُرُونَ قرأ نافع بضم التاء وكسر الجيم أي تفحشون وتقولون الخنا، يقال اهجر الرجل في كلامه أي أفحش، وذكر أنّهم كانوا يسبّون رسول الله ﷺ وأصحابه، وقرأ الآخرون بفتح التاء وضم الجيم ولها وجهان:\nأحدهما: تعرضون عن رسول الله ﷺ والقرآن والإيمان وترفضونها.\nوالآخر: يقولون سوءا وما لا يعلمون، من قولهم: هجر الرجل في منامه إذا هذى.\nأَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا يتدبّروا الْقَوْلَ القرآن أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ فأنكروه وأعرضوا عنه، ويحتمل أن يكون أم بمعنى بل، يعني: بل جاءهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ فكذلك أنكروه ولم يؤمنوا به، وروي هذا القول عن ابن عباس.\nأَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ محمدا وأنّه من أهل الصدق والأمانة. فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ جنون، كذبوا في ذلك فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يعقل ولا معنى له، بَلْ محمد جاءَهُمْ بِالْحَقِّ بالقول الذي لا يخفى صحته وحسنه على عاقل وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ يعني الله سبحانه أَهْواءَهُمْ مرادهم فيما يفعل لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْناهُمْ بِذِكْرِهِمْ ببيانهم وشرفهم يعني القرآن.\nفَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ على ما جئتهم به خَرْجًا أجرا وجعلا وأصل الخرج والخراج الغلّة والضريبة والأتاوة كخراج العبد والأرض.\nوقال النضر بن شميل: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الفرق بين الخرج والخراج فقال:\nالخراج ما لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرّعت به من غير وجوب.\nقال الله سبحانه: فَخَراجُ رَبِّكَ رزقه وثوابه خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو الإسلام.\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/ ٣٧٧.\n(٢) سورة غافر: ٦٧.","vol":"7","page":52},{"text":"وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ عادلون، مائلون، ومنه الريح النكباء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٧٥ الى ٩٨]</span>\nوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥) وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ (٧٦) حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٧٨) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)\nوَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٨٠) بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢) لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)\nسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)\nبَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٩٠) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)\nوَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ (٩٥) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)\nوَلَوْ رَحِمْناهُمْ وَكَشَفْنا ما بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ قحط وجدب لَلَجُّوا لتمادوا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ وَلَقَدْ أَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ يعني القتل والجوع فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ خضعوا، وأصله طلب السكون وَما يَتَضَرَّعُونَ.\nقال ابن عباس: لما أتى ثمامة بن أثال الحنفي النبي ﷺ فأسلم وهو أسير فخلّى سبيله فلحق باليمامة، فحال بين أهل مكة وبين المسيرة من اليمامة وأخذ الله قريشا «١» بسني الجدب حتى أكلوا العلهز، فجاء أبو سفيان النبي ﷺ فقال: أنشدك بالله والرحم أليس تزعم أنك بعثت رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ؟ فقال: بلى، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله سبحانه هذه الآية: حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ.\nقال ابن عباس: يوم بدر، وقال مجاهد: القحط، وقيل: عذاب النار في الآخرة. إِذا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ متحيّرون، آيسون من كلّ خير.\nوَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ\n_________\n(١) في النسخة الثانية: من يشاء (بدل) قريشا","vol":"7","page":53},{"text":"وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ بَلْ قالُوا مِثْلَ ما قالَ الْأَوَّلُونَ قالُوا أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لَقَدْ وُعِدْنا نَحْنُ هذا الوعد وَآباؤُنا هذا مِنْ قَبْلُ ووعد آباءنا من قبلنا قوم ذكروا أنّهم أنبياء لله «١» فلم ير له حقيقة.\nإِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ قُلْ يا محمد مجيبا لهم لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ولا بدّ لهم من ذلك، فقل لهم إذا أقرّوا بذلك أَفَلا تَذَكَّرُونَ فتعلمون أنّ من قدر على خلق ذلك ابتداء فهو قادر على إحياء ثم بعد موتهم؟.\nقُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ.\nقرأه العامة: لِلَّهِ، ومثله ما بعده فجعلوا الجواب على المعنى دون اللفظ كقول القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان، أي أنا لفلان وهو مولاي وأنشد:\nوأعلم أنّني سأكون رمسا ... إذا سار النواعج لا يسير «٢»\nفقال السائلون لمن حفرتم ... فقال المخبرون لهم وزير «٣»\nفأجاب المخفوض بمرفوع لأن معنى الكلام: فقال السائلون: من الميّت؟ فقال المخبرون: الميّت وزير، فأجاب عن المعنى. وقال آخر:\nإذا قيل من ربّ المزالف والقرى ... وربّ الجياد الجرد قيل لخالد «٤»\nوقال الأخفش: اللام زائدة يعني الله، وقرأ أهل البصرة كلاهما الله بالألف، وهو ظاهر لا يحتاج إلى التأويل، وهو في مصاحف أهل الأمصار كلّها لِلَّهِ إلّا في مصحف أهل البصرة فإنه الله الله، فجرى كلّ على مصحفه، ولم يختلفوا في الأول أنّه لِلَّهِ لأنّه مكتوب في جميع المصاحف بغير ألف وهو جواب مطابق للسؤال في لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيها فجوابه لِلَّهِ ...\nأَفَلا تَتَّقُونَ الله فتطيعونه قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ملكه وخزائنه وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ يعني يؤمن من يشاء ولا يؤمن من أخافه إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قال أهل المعاني:\nمعناه أجيبوا إن كنتم تعلمون.\nسَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ أي تخدعون وتصرفون عن توحيده وطاعته.\nبَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ الصدق وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ فانفرد به لتغالبوا، فعلا بعضهم على بعض وغلب القوىّ منهم الضعيف.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: أنّهم لله رسل.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١/ ٩٢.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١/ ٩٢. [.....]\n(٤) فتح القدير: ٣/ ٤٩٦.","vol":"7","page":54},{"text":"سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ من الكذب عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ بالجر، ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو على نعت الله، غيرهم: بالرفع على الابتداء أو على معنى هو عالم.\nوروى رؤيس عن يعقوب أنّه كان إذا ابتدأ رفع وإذا وصل خفض.\nفَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ من العذاب رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فلا تهلكني بهلاكهم، والفاء في قوله فَلا جواب لأمّا لأنّه شرط وجزاء.\nوَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ من العذاب فجعلناه لهم (لَقادِرُونَ) . ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ يعني بالخلّة التي هي أحسن السَّيِّئَةَ أذاهم وجفاهم يقول:\nأعرض عن أذاهم واصفح عنهم، نسختها آية القتال.\nنَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ فنجزيهم به وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ استجير بك مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ أي نزغاتهم عن ابن عباس، الحسن: وساوسهم، مجاهد: نفخهم ونفثهم، ابن زيد:\nخنقهم الناس.\nوقال أهل المعاني: يعني دفعهم بالإغواء إلى المعاصي، والهمز: شدّة الدفع، ومنه قيل للحرف الذي يخرج من هواء الفم للدفع همزة.\nوَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ في شيء من أموري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ٩٩ الى ١١١]</span>\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣)\nتَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ (١٠٤) أَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ (١٠٦) رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها فَإِنْ عُدْنا فَإِنَّا ظالِمُونَ (١٠٧) قالَ اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)\nإِنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ (١١١)\nحَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ يعني هؤلاء المشركين، وذلك حين ينقطع عن الدنيا ويعاين الآخرة قبل أن يذوق الموت.\nقالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ولم يقل ارجعني وهو خطاب الواحد على التعظيم كقوله (إِنَّا نَحْنُ) فخوطب على نحو هذا كما ابتدأ بلفظ التعظيم.","vol":"7","page":55},{"text":"وقال بعضهم: هذه المسألة إنما كانت منهم للملائكة الذين يقبضون روحه، وإنما ابتدأ الكلام بخطاب الله سبحانه لأنهم استغاثوا أولا بالله سبحانه ثم رجعوا الى مسألة الملائكة الرجوع الى الدنيا.\nلَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ صنعت كَلَّا أي لا يرجع إليها، وهي كلمة ردع وزجر إِنَّها يعني سؤاله الرجعة كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها ولا ينالها.\nروت عائشة عن النبي ﷺ قال: «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك الى الدنيا؟\nفيقول: الى دار الهموم والأحزان؟! بل قدما إلى الله ﷿، وأمّا الكافر فيقول رَبِّ ارْجِعُونِ الآية» «١» .\nوَمِنْ وَرائِهِمْ أمامهم بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي حاجز بين الموت والرجوع الى الدنيا عن مجاهد، ابن عباس: حجاب، السدّي: أجل، قتادة: بقيّة الدنيا، الضحّاك وابن زيد: ما بين الموت إلى البعث، أبو أمامة: القبر، وقيل: الإمهال «٢» لا يفتخرون بالأنساب في الآخرة كما كانوا يفتخرون «٣» .\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ.\nقال أبو العالية: هو كقوله وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا.\nوقال ابن جريج: معنى الآية لا يَسْئَلُ أحد يومئذ شيئا بنسب وَلا يَتَساءَلُونَ، لا يمتّ إليه برحم، واختلف المفسّرون في المراد بقوله فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ أىّ النفختين عنى؟ فقال ابن عباس: هي النفخة الأولى.\nأخبرني ابن فنجويه بقراءتي عليه قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرّحمن بن أبي عوف قال: حدّثنا إسماعيل بن عبيد بن أبي كريمة الحرّاني قال: حدّثنا محمد بن سلمة بن أبي عبد الرحيم قال: حدّثني زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس، قوله سبحانه فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ فهذه في النفخة الاولى نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ «٤» فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ «٥»\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٨/ ٦٨.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: وكل فصل بين شيئين برزخ، قوله ﷿ فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ قال ابن عباس.\n(٣) في النسخة الثانية زيادة: في الدنيا.\n(٤) سورة الزمر: ٦٨.\n(٥) سورة المؤمنون: ١٠١.","vol":"7","page":56},{"text":"ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ «١» وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ «٢» .\nوقال ابن مسعود: هي النفخة الثانية.\nأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدّثنا يزيد بن موهب الرملي قال: حدّثنا عيسى بن يونس عن هارون بن أبي وكيع قال: سمعت زاذان أبا عمر يقول: دخلت على ابن مسعود فوجدت أصحاب الخز واليمنة قد سبقوني إلى المجالس، فناديته، يا عبد الله بن مسعود من أجل أنّي رجل أعجمي أدنيت هؤلاء وأقصيتني؟ فقال: ادن، فدنوت حتى ما كان بيني وبينه جليس، فسمعته يقول: يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة فينصب على رؤوس الأوّلين والآخرين ثمّ ينادي مناد:\nهذا فلان ابن فلان فمن كان له قبله حقّ فليأت إلى حقّه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحقّ على أبيها أو على زوجها أو على ابنها أو على أختها، ثم قرأ ابن مسعود فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ قال: فيقول الله سبحانه: آت هؤلاء حقوقهم، فيقول: ربّ فنيت الدنيا، فيقول للملائكة:\nخذوا من أعماله فأعطوا كلّ إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليا لله ﷿ وفضلت له من حسناته مثقال حبّة من خردل ضاعفها حتى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ابن مسعود: إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها «٣» «٤» . وإن كان شقيّا قالت الملائكة: ربّ فنيت حسناته وبقي طالبون، فيقول: خذوا من أعمالهم السيئة فأضيفوها إلى سيئاته وصكّوا له صكا الى النار.\nفَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ تَلْفَحُ تسفع وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ عابسون عن ابن عباس، وقال غيره: الكلوح أن تتقلص الشفتان عن الإنسان حتى تبدو الأسنان.\nقال ابن مسعود: ألم تر إلى الرأس المشيّظ بالنار قد بدت أسنانه وقلصت شفتاه.\nقال الأعشى:\nوله المقدم لا مثل له ... ساعة الشدق عن الناب كلح «٥»\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله\n_________\n(١) سورة الزّمر: ٦٨.\n(٢) سورة الصافّات: ٢٧.\n(٣) سورة النساء: ٤٠.\n(٤) في النسخة الثانية زيادة: وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا.\n(٥) جامع البيان للطبري: ١٨/ ٧٢.","vol":"7","page":57},{"text":"قال: حدّثنا محمد بن إسحاق المسوحي قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا ابن مبارك عن سعيد بن يزيد أبي شجاع عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في قوله ﷿ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيها كالِحُونَ قال: «تشويه النار فتتقلّص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته» [١٦] «١» .\nأَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا التي كتبت علينا، قرأ أهل الكوفة غير عاصم: شقاوتنا بالألف وفتح الشين، غيرهم: شِقْوَتُنا بغير ألف وكسر الشين وهما لغتان، وهي المضرّة اللاحقة في العاقبة، والسعادة هي المنفعة اللاحقة في العاقبة.\nوَكُنَّا قَوْمًا ضالِّينَ عن الهدى رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْها أي من النار فَإِنْ عُدْنا لما تكره فَإِنَّا ظالِمُونَ فيجابون بعد ألف سنة اخْسَؤُا فِيها أي ابعدوا، كما يقال للكلب: اخسأ إذا طرد وأبعد وَلا تُكَلِّمُونِ في رفع العذاب فإنّي لا أرفعه عنكم ولا أخفّفه عليكم، وقيل: هو دلالة على الغضب اللازم لهم فعند ذلك أيس المساكين من الفرج.\nقال الحسن: هو آخر كلام يتكلّم به أهل النار ثم لا يتكلّمون بعدها إلّا الشهيق والزفير ويصير لهم عواء كعواء الكلب لا يفهمون ولا يفهمون.\nإِنَّهُ هذه الهاء عماد وتسمّى أيضا المجهولة كانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبادِي وهم المؤمنون يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا قرأ أهل المدينة والكوفة إلّا عاصما بضم السين هاهنا وفي سورة ص، الباقون: بكسرها.\nقال الخليل وسيبويه: هما لغتان مثل قول العرب: بحر لجيّ ولجّي، وكوكب درّيّ ودري، وكرسي وكرسي.\nوقال الكسائي والفرّاء: الكسر بمعنى الاستهزاء بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستعباد بالفعل، ولم يختلفوا في سورة الزخرف أنّه بالضم لأنّه بمعنى التسخير والاستعباد إلّا ما روي عن ابن محيصن أنّه كسره قياسا على سائره وهو غير قوىّ.\nحَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي أي أنساكم اشتغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم ذكري وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ نظيره قوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ «٢» .\nإِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا على استهزائكم بهم في الدنيا، والجزاء: مقابلة العمل بما يستحقّ عليه من ثواب أو عقاب.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٨٨.\n(٢) سورة المطفّفين: ٢٩.","vol":"7","page":58},{"text":"أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ قرأ حمزة والكسائي: إنهم بكسر الألف على الاستيناف، والباقون:\nبفتحه على معنى لأنهم هم الفائزون، ويحتمل أن يكون نصبا بوقوع الجزاء عليه إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ الفوز بالجنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>[سورة المؤمنون (٢٣): الآيات ١١٢ الى ١١٩]</span>\nقالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَسْئَلِ الْعادِّينَ (١١٣) قالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)\nوَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (١١٧) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ نسوا لعظيم ما هم فيه من العذاب مدّة مكثهم في الدنيا، وهذا توبيخ من الله تعالى لمنكري البعث وإلزام للحجّة عليهم.\nقرأ حمزة والكسائي: قل كم، على الأمر، لأنّ في مصاحف أهل الكوفة قل بغير ألف، ومعنى الآية: قولوا كم لبثتم، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد والمراد به الجماعة إذ كان مفهوما معناه، ويجوز أن يكون الخطاب لكلّ واحد منهم أي قل أيّها الكافر.\nوقرأ الباقون: قالَ في الحرفين، وكذلك هما في مصاحفهم بالألف على معنى قال الله تعالى، وقرأ ابن كثير: قل كم، على الأمر، وقال: إن على الخبر وهي قراءة ظاهرة لأنّ الثانية جواب.\nوقوله فَسْئَلِ الْعادِّينَ أي الحسّاب عن قتادة، وقال مجاهد: هم الملائكة الذين يحفظون أعمال بني آدم ويحصونها عليهم.\nقالَ إِنْ لَبِثْتُمْ في الدنيا إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قدر لبثكم فيها أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا أي لعبا وباطلا لا لحكمة، والعبث: العمل لا لغرض، وهو نصب على الحال عن سيبويه وقطرب، مجازه: عابثين، أبو عبيد: على المصدر، بعض نحاة الكوفة: على الظرف أي بالعبث، بعض نحاة البصرة: للعبث. وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ.\nقال أمير المؤمنين علىّ بن أبي طالب ﵁: «يا أيّها الناس اتّقوا ربّكم فما خلق امرؤ عبثا فيلهو ولا أهمل سدى فيلغو» «١» [١٧] .\nوأخبرني محمد بن القاسم بقراءتي عليه قال: حدّثنا أبو بكر «٢» محمد بن محمد بن نصر\n_________\n(١) إعجاز القرآن- الباقلّاني-: ١٤٦. [.....]\n(٢) في النسخة الثانية بن القاسم بن أحمد عن.","vol":"7","page":59},{"text":"قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا ابن «١» شعيب الحرّاني قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله ابن الضحاك قال: سمعت الأوزاعي يقول: بلغني أنّ في السماء ملكا ينادي كل يوم: ألا ليت الخلق لم يخلقوا، ويا ليتهم إذ خلقوا عرفوا ما خلقوا له وجلسوا فذكروا ما عملوا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>فصل في ذكر وجوه الحكمة في خلق الله سبحانه الخلق</span>\nقال المحقّقون: خلق الله سبحانه الخلق ليدلّ بذلك على وجوده وكمال علمه وقدرته، إذ لو لم يخلق لم يكن لوجوده معنى.\nوأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: حدّثنا الحسن بن سفيان قال:\nحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا ابن عليّة عن منصور بن عبد الرّحمن قال: قلت للحسن البصري في قوله سبحانه وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ «٢» .\nقال: الناس مختلفون على أديان شتّى إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ، ومَنْ رَحِمَ رَبُّكَ غير مختلف.\nفقيل له: وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ؟.\nقال: نعم، خلق هؤلاء لجنّته وخلق هؤلاء لناره، وخلق هؤلاء لرحمته وخلق هؤلاء لعذابه.\nوأخبرنا محمد بن القاسم الفقيه قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن موسى الفقيه قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمد بن خالد «٣» البرقي عن أبيه عن أحمد بن نصر قال: سئل جعفر بن محمد: لم خلق الله الخلق؟\nقال: لأنّ الله سبحانه كان محسنا بما لم يزل فيما لم يزل، إلى ما لم يزل فأراد ﷾ أن يفوّض إحسانه إلى خلقه وكان غنيّا عنهم، لم يخلقهم لجرّ منفعة، ولا لدفع مضرّة، ولكن خلقهم وأحسن إليهم وأرسل إليهم الرسل حتّى يفصلوا بين الحق والباطل، فمن أحسن كافأه بالجنة، ومن عصى كافأه بالنار.\nوقال محمد بن علي الترمذي: إنّ الله سبحانه خلق الخلق عبيدا ليعبدوه فيثيبهم على العبودية ويعاقبهم على تركها، فإن عبدوه فهم اليوم عبيد أحرار كرام، وغدا أحرار وملوك في دار السلام، وإن رفضوا العبودية فهم اليوم عبيد أبّاق سفلة لئام، وغدا أعداء في السجون بين أطباق النيران.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: أبو.\n(٢) سورة هود: ١١٨- ١١٩.\n(٣) في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه عن أبي محمد بن خالد.","vol":"7","page":60},{"text":"ومنهم من قال: خلق الله سبحانه الخلق كلّهم لأجل محمد ﷺ، يدلّ عليه ما حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الرومي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا هارون بن العباس الهاشمي قال: حدّثنا محمد بن ياسين بن شريك قال: حدّثنا جندل قال:\nحدّثنا عمرو بن أوس الأنصاري عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيّب عن ابن عباس قال: «أوحى الله سبحانه إلى عيسى (﵇): يا عيسى آمن بمحمد ومر أمّتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم، ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه: لا إله إلّا الله محمد رسول الله ﷺ فسكن» .\nوسمعت محمد بن القاسم الفارسي قال: سمعت محمد بن الحسن بن بهرام الفارسي يقول: سمعت القنّاد «١» يقول: خلق الله سبحانه الملائكة للقدرة، وخلق الأشياء للعبرة «٢»، وخلقك للمحبة له، ومن العلماء من لم يصرّح القول بذلك ولكنه قال: نبّه الله سبحانه في غير موضع من كتبه المنزلة أنّه خلقهم لخطر عظيم مغيّب عنهم لا يجلّيه حتى يحلّ بهم ما خلقهم له، وهذا معنى قوله سبحانه أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا الآية.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي قال: حدّثنا داود بن رشيد، وأخبرني محمد بن القاسم قال:\nأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن مريس «٣» قال: حدّثنا الحسن بن سفيان قال: حدّثنا هشام ابن عمار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن حنش «٤» ابن عبد الله الصنعاني عن عبد الله بن مسعود أنّه مرّ بمصاب مبتلى فقرأ في أذنه أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثًا حتى ختم السورة فبرئ، فقال له رسول الله ﷺ: «ماذا قرأت في أذنه؟» فأخبره فقال: «والذي نفسي بيده لو أنّ رجلا موقنا قرأها على جبل لزال» «٥» [١٨] .\nثمّ نزّه نفسه سبحانه عمّا وصفه به المشركون من اتخاذ الأنداد والأولاد، ونسبه إليه الملحدون من السفه والعبث فقال عزّ من قائل فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ يعني الحسن العظيم وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ قال أهل المعاني: فيه إضمار، مجازه: فلا برهان له به فَإِنَّما حِسابُهُ جزاؤه عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.\n_________\n(١) في النسخة الثانية (أصفهان): العبّاد.\n(٢) في النسخة الثانية: للغرّة.\n(٣) في النسخة الثانية: قريش.\n(٤) في النسخة الثانية: جيش.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٢/ ١٥٧.","vol":"7","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-527>سورة النور</span>\nمدنيّة، وهي خمسة آلاف وستمائة وثمانون حرفا، وألف وثلاثمائة وست عشرة كلمة، وأربع وستّون آية\nأخبرنا [أبو الحسين] الخبازي قال: حدّثنا ابن حبان قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطيّة قال: حدّثنا هارون بن كثير قال:\nحدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ مؤمن فيما مضى وفيما بقي» «١» [١٩] .\nوأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شيبة قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي قال: حدّثنا سلمان بن توبة أبو داود الأنصاري قال:\nحدّثنا محمد بن إبراهيم الشامي قال: حدّثنا شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ: «لا تنزلوا النساء الغرف، ولا تعلّموهن الكتابة، وعلّموهن المغزل، وسورة النور» «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>[سورة النور (٢٤): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤)\nإِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلاَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٧) وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (٨) وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٧/ ٢١٦.\n(٢) زاد المسير لابن الجوزي: ٥/ ٣٣٩.","vol":"7","page":62},{"text":"سُورَةٌ أَنْزَلْناها قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سُورَةٌ ابتداء وخبره في أَنْزَلْناها، وقرأ طلحة بن مصرف «١»: سُورَةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها وَفَرَضْناها أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ «٢» .\nوَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي إذا كانا حرّين بالغين بكرين غير محصنين فَاجْلِدُوا فاضربوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ رحمة ورقّة.\nقال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رَأْفَةٌ ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورَأَفَةٌ بفتح الهمزة، ورَآفَةٌ مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة «٣»، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلة، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات.\nواختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتعطّلوا الحدود ولا تقيموها.\nروى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ الله ﷾ أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلّا ينكأ «٤» ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم.\nوروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ؟\n_________\n(١) في النسخة الثانية: مضرف\n(٢) القصص: ٨٥.\n(٣) في النسخة الثانية: النشأة والنشآة. [.....]\n(٤) في النسخة الثانية: يشدخ.","vol":"7","page":63},{"text":"قال: أفأقتلها؟ إنّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها.\nوقال الآخرون: بل معناها وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضربا، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن.\nقال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب.\nوقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا.\nوقال حمّاد: يحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية.\nفِي دِينِ اللَّهِ أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ «١» .\nإِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما وليحضر حدّيهما إذا أقيم عليهما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا «٢» الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعدا، الزهري: ثلاثة فصاعدا، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين.\nروى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوبا وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربا غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش «٣» المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدّثنا مسدّد قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال:\nإقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة.\nوأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال:\nأخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة،\n_________\n(١) سورة يوسف: ٧٦.\n(٢) سورة الحجرات: ٩.\n(٣) في النسخة الثانية: حبش وهو الموافق لكتب الرجال.","vol":"7","page":64},{"text":"فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب «١» والخلود في النار» «٢» .\nوأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: إنّ أعمال أمتي تعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة «٣» .\nوأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا إبراهيم بن يزيد «٤» الحرّاني قال: حدّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى.\nالزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً الآية.\nاختلف العلماء في معنى الآية وحكمها\nفقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في ذلك فنزلت هذه الآية وحرّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك\n، وأخبر ﷾ أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا «٥» وقوله ﷾ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ «٦» يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس.\nوقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يعرفن بها: أمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأم عليط جارية صفوان بن أميّة، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل،\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: محمد بن الفضل بن محمد.\n(٢) كنز العمّال: ٥/ ٣١٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٢/ ١٦٧.\n(٤) في النسخة الثانية: وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي علي بن حبيش المقري عن محمد بن أحمد بن هارون بسرّ من رأى، قال أبو بكر محمد بن يعقوب الدينوري، حدثني إبراهيم بن زيد.\n(٥) سورة آل عمران: ٩٧.\n(٦) العنكبوت: ٤٥.","vol":"7","page":65},{"text":"ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الأسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلّا زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها مأكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله ﷺ في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمه عليهم.\nوقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديدا وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله ﷺ وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكة دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنّ الله حرّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة.\nوقال آخرون: أراد بالنكاح هاهنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلّا بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرّحمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال:\nحدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدّثنا سعيد بن عبد الرّحمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلّا زان أو مشرك، فكنّى.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان.\nوقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ «١» فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً نسخت بالآية التي بعدها وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ فدخلت الزانية في أيامى المسلمين.\n_________\n(١) سورة النور: ٣٢.","vol":"7","page":66},{"text":"وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلّا مجلودة.\nوَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ أي يشتمون المسلمات «١» الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا على ما رموهن به بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك فَاجْلِدُوهُمْ يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.\nثمّ استثنى فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَدًا وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي.\nواختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أقيم عليه الحدّ أو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يحدّ لأجل هذه، أو حدّ ثم تاب وأصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب ﵁ ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة وشبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدّهم ثمّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزت شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته.\nوروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل.\nوقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ فأمّا قوله وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبدا، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه.\nروى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلّا القاذف، فإنّه قضاء من الله أن لا تقبل شهادته أبدا وإنّما توبته فيما بينه وبين الله.\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: وقال الحسن: معنى.","vol":"7","page":67},{"text":"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ أي يقذفونهنّ بالزنا.\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ يشهدون على صحة ما قالوا.\nإِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات.\nوَالْخامِسَةُ يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن.\nوقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة.\nوقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنةُ وغضبُ مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب.\nإِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ ويدفع عن الزوجة الحد.\nأَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ يعني الزوج لَمِنَ الْكاذِبِينَ.\nوَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ قرأ نافع: غَضَبَ اللَّهُ مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم.\nوَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة.\nفأما سبب نزول الآية،\nفروى عكرمة عن ابن عباس قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركّه حتى آتي بأربعة شهداء! فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة، فقال رسول الله ﷺ «١»: «يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم»؟ قالوا:\nلا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلّا بكرا ولا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها.\nفقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله ﷺ: «فإنّ الله يأبى إلّا ذاك»، فقال:\nصدق الله ورسوله.\nقال: فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله ﷺ وهو جالس مع\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٢٣٨.","vol":"7","page":68},{"text":"أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله ﷺ ما أتاه به وثقل عليه جدّا حتى عرف ذلك في وجهه.\nفقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلّا حقّا وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجا، فهمّ رسول الله ﷺ بضربه.\nقال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إلى آخر الآيات.\nفقال رسول الله ﷺ: «أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجا»، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى.\nفقال رسول الله ﷺ: «أرسلوا إليها»، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله ﷺ قيل لها، فكذّبت.\nفقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟» .\nفقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقت وما قلت إلّا حقّا.\nفقال رسول الله ﷺ: «لاعنوا بينهما»، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة «١»، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله ﷺ، فشهد الخامسة أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ.\nثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت «٢» الخامسة أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرّق رسول الله ﷺ بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمّ قال رسول الله ﷺ: «إن جاءت به كذا وكذا] فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا] فهو للذي قيل فيه» [٢٠] «٣» .\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: وأن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الخامسة هي الموجبة التي توجب عليك العذاب. [.....]\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، فقال لها عند الخامسة ووفقها: اتقي الله فإن في الخامسة موجبة، وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس فتلكّأت ساعة وهمت بالاعتراف، ثم قالت:\nوالله لا أفضح قومي فشهدت.\n(٣) تفسير الطبري: ١٨/ ١٠٨ وما بين معكوفين منه وهو موافق لما في النسخة الثانية (أصفهان) .","vol":"7","page":69},{"text":"قال: فجاءت به غلاما كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميرا بمصر لا يدرى من أبوه.\nوأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله ﷺ: كفى بالسيف شا ...، قال: أراد أن يقول شاهدا ثمّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث «١» .\nوقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: لمّا نزلت وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قرأها النبي ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إن رأى رجل منّا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقا ولا تقبل شهادته أبدا، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصما فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله ﷺ في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي! فقال رسول الله ﷺ: وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة شريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله ﷺ بهم جميعا فقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أقسم بالله إني رأيت شريكا على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وانها حبلى من غيري.\nفقال رسول الله ﷺ للمرأة: «اتقي الله ولا تخبري إلّا بما صنعت»، فقالت: يا رسول الله إنّ عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نطيل السمر ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال.\nفقال رسول الله ﷺ لشريك: «ما تقول»؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ الآية، فأمر رسول الله ﷺ حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر- يعني نفسه- إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما قال.\n_________\n(١) المصنّف: ٩/ ٤٣٤.","vol":"7","page":70},{"text":"ثمّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمرا لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكا على بطني وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، ثمّ قالت في الخامسة: غَضَبَ اللَّهِ على خولة- تعني نفسها- إِنْ كانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، ففرق رسول الله ﷺ بينهما وقال: «لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأي، ثمّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأصيهب أثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به» [٢١] .\nقال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>ذكر حكم الآية</span>\nإذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلّا لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حرا كان أو عبدا، مسلما كان أو كافرا، فكلّ من صحّت يمينه صحّ قذفه ولعانه.\nوقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلّا عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس.\nفأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه.\nوأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان\n_________\n(١) سنن ابن ماجة بتفاوت: ١/ ٦٦٨، ح/ ٢٠٦٧.","vol":"7","page":71},{"text":"أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا يعود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة.\nوقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءا، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>[سورة النور (٢٤): الآيات ١١ الى ٢٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ (١١) لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)\nوَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ الآية.\nذكر سبب نزول هذه الآيات وقصة الإفك.\nأخبرنا «١» أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق المهرجان بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق وأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الصنعاني قال:\nقرأنا على عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرّأها الله وكلّهم، حدّثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى له من بعض، وقد وعيت عن كلّ واحد الحديث الذي حدّثني، وبعض حديثهم يصدّق بعضا، ذكروا أنّ عائشة زوج النبي ﷺ ورضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ أذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه.\nقالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ١٩٧.","vol":"7","page":72},{"text":"وذلك بعد ما أنزل الله سبحانه الحجاب، فأنا أحمل في هودجي وأنزل منه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتّى جاوزت الجيش، فلمّا قضيت شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت، وهم يحسبون أنّي فيه.\nقالت: وكانت النساء إذ ذاك خفافا لم يهبلهنّ اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السنّ فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيمّمت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطّل السلمي ثمّ الذكواني قد عرّس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب عليّ الحجاب فما استيقظت إلّا باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، فو الله ما كلّمني كلمة عند استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطيت على يدها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك في شأني، وكان الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عبد الله بن أبي سلول فقدمت المدينة فاشتكيت من شدّة الحر «١» حين قدمتها شهرا والناس يخوضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أن لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ فيسلّم ثمّ يقول: كيف تيكم؟ ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبترزنا فلا نخرج إلّا ليلا الى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول التنزّه، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح وهي عاتكة بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف وأمّها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصدّيق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح فقلت لها: بئس ما قلت، تسبّين رجلا شهد بدرا قالت: أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال؟.\nقالت: قلت: وما ذي؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلمّا، رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلّم ثمّ قال: «كيف تيكم؟» قلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ؟ قالت: وأنا أريد حينئذ أن أتيقّن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت أبويّ فقلت لأمّي: يا أمّه ماذا يتحدّث الناس؟.\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: فقدمت المدينة فاشتكيت.","vol":"7","page":73},{"text":"فقالت: أي بنيّة هوّني عليك، فو الله لقلّ ما كانت امرأة قطّ وضيئة عند رجل يحبّها ولها ضرائر إلّا أكثرن عليها، قلت: سبحان الله أوقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: نعم، قالت:\nفمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثمّ أصبحت أبكي، ودعا رسول الله ﷺ علىّ بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي واستشارهما في فراق أهله.\nفأمّا أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الودّ، فقال: يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيرا، وأمّا علىّ فقال: لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك.\nقالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من أمر عائشة؟ فقالت له بريرة: والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فيأتي الداجن «١» فيأكله.\nقالت: فقام رسول الله ﷺ فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قال وهو على المنبر:\n«يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي» [٢٢] .\nفقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أعذرك يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك.\nقالت: فقال سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج، وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحميّة فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، فقال سعد: والله لنقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين.\nقالت: فثار الأوس والخزرج حتّى همّوا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت.\nقالت: ومكثت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنّان أنّ البكاء فالق كبدي.\nقالت: فبينا هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي، فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله ﷺ فسلّم ثمّ جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهّد رسول الله ﷺ حين جلس ثمّ قال: أما بعد يا عائشة فإنّه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك\n_________\n(١) دواجن البيوت ما ألفها من الطير والشاة، ودجن في بيته إذا لزمه.","vol":"7","page":74},{"text":"الله سبحانه، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثمّ تاب تاب الله عليه.\nقالت: فلمّا قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي:\nأجب عنّي رسول الله قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمّي: أجيبي عنّي رسول الله ﷺ قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرا: إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا الأمر حتّى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة والله ﷾ يعلم أني بريئة «١» لتصدقونني، والله ما أجد لي ولكم مثلا إلّا كما قال أبو يوسف وما أحفظ اسمه: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ.\nقالت: ثمّ تحوّلت واضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أنّي بريئة وأن الله سبحانه مبرّئي ببراءتي ولكن، والله ما كنت أظنّ أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله فيّ بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرّئني الله بها.\nقالت: فو الله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله سبحانه على نبيّه ﷺ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى أنّه لينحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل الوحي الذي أنزل عليه.\nقالت: فلمّا سرّي عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: «أبشري يا عائشة أما والله فقد برّاك» [٢٣] فقالت لي أمّي: قومي إليه فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله سبحانه هو الذي أنزل براءتي.\nقالت: فأنزل الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ عشر آيات وأنزل الله سبحانه هذه الآية لبراءتي.\nقالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله سبحانه وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ إلى قوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ «٢» .\nفقال أبو بكر ﵁: والله إني لأحبّ أن يغفر الله لي، فرجع الى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: لا أنزعها منه أبدا.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: لا فضل قوي بذلك ولئن اعترفت لكم بذنبي والله يعلم إني لبريئة.\n(٢) النور: ٢٢.","vol":"7","page":75},{"text":"قالت عائشة ﵂: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ: ما علمت أو ما رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت إلّا خيرا.\nقالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله ﷾ بالورع، وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك.\nقال الزهري: فهذا ما انتهى إلينا من هؤلاء الرهط.\nوأخبرنا أبو نعيم قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا محمد بن إسماعيل الصائغ بمكة ومحمد بن حرب المديني بالفسطاط قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثني أبي عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، قال أبو أويس: وحدّثني أيضا عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يسافر سفرا أقرع بين أزواجه فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فخرج سهم عائشة في غزوة النبي ﷺ بني المصطلق من خزاعة، وذكر الحديث بطوله بمثل معناه.\nوقال عروة في سؤال رسول الله ﷺ بريرة عن عائشة قال: فانتهرها بعض أصحابه وقال:\nاصدقي رسول الله، قال عروة: فعيب ذلك على من قاله، فقالت: لا والله ما أعلم عليها إلّا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر، ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنّك الله، فعجب الناس من فقهها.\nقال: وبلغ ذلك الذي قيل له فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كتف أنثى قط، فقتل شهيدا في سبيل الله، وزاد في آخره قالت: وقعد صفوان بن المعطل لحسّان بن ثابت فضربه ضربة بالسيف وقال حين ضربه:\nتلقّ ذباب السيف عنّي فإنّني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر «١»\nولكنني أحمي حماي وانتقم ... من الباهت الرامي البراء الظواهر «٢»\nوصاح حسان بن ثابت واستغاث بالناس على صفوان، ففرّ صفوان وجاء حسّان النبي ﷺ فاستعدى على صفوان في ضربته إياه فسأله النبي ﷺ أن يهب له ضرب صفوان إياه فوهبها للنبي ﷺ فعوّضه منها حائطا من نخل عظيم وجارية روميّة، ثمّ باع حسان ذلك الحائط من معاوية بن أبي سفيان في ولايته بمال عظيم. قالت عائشة: فقيل في أصحاب الإفك أشعار.\nقال أبو بكر الصدّيق ﵁ لمسطح في رميه عائشة ﵂ وكان يدعى عوفا:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ١٩٩، وتاريخ مدينة دمشق: ٤/ ٣٠٨. وفيه: ليس بشاعر.\n(٢) تاريخ مدينة دمشق: ٤/ ٣٠٨. والعبارة: واتقي.","vol":"7","page":76},{"text":"يا عوف ويحك هلّا قلت عارفة ... من الكلام ولم تبغ به طمعا\nفأدركتك حميا معشر أنف ... ولم يكن قاطعا في عوف قطعا\nلما رميت حصانا غير مقرفة ... أمينة الجيب لم نعرف لها خضعا\nفيمن رماها وكنتم معشرا إفكا ... في سيّئ القول من لفظ الخنا شرعا\nفأنزل الله عذرا في براءتها ... وبين عوف وبين الله ما صنعا «١»\nفان أعش أجز عوفا في مقالته ... شرّ الجزاء بما ألفيته تبعا\nوقال حسّان بن ثابت الأنصاري ثم النجاري وهو يبرّئ عائشة ممّا قيل فيها ويعتذر إليها:\nحصان رزان ما يزن برتبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\nحليلة خير الناس دينا ومنصبا ... نبيّ الهدى والمكرمات الفواضل\nعقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زايل\nمهذبة قد طيّب الله خيمها ... وطهّرها من كل شين وباطل\nفان كان ما قد جاء عنّي قلته ... فلا رفعت سوطي إليّ أناملي\nوإنّ الذي قد قيل ليس بلائط ... بك الدهر بل قول إمرئ غير ماحل\nوكيف وودّي ما حييت ونصرتي ... لآل رسول الله زين المحافل\nله رتب عال على الناس فضلها ... تقاصر عنها سورة المتطاول «٢»\nقال: وأمر النبي ﷺ بالذين رموا عائشة فجلدوا الحدود جميعا ثمانين، فقال حسّان بن ثابت:\nلقد دان عبد الله ما كان أهله ... وحمته إذ قالوا هجيرا ومسطح\nتعاطوا برجم القول زوج نبيّهم ... وسخطة ذا الرب الكريم فأبرحوا\nوآذوا رسول الله فيها فعمموا ... مخازي ذلّ جلّلوها وفضحوا «٣»\nفهذا سبب نزول الآية وقصّتها. فأمّا التفسير فقوله ﷿ إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ بالكذب عُصْبَةٌ جماعة مِنْكُمْ.\nقال الفرّاء: العصبة، الجماعة من الواحد إلى الأربعين.\nلا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ يا عائشة وصفوان بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لأنّ الله يأجركم على ذلك\n_________\n(١) مجمع الزوائد- الهيثمي.: ٩/ ٢٣٥.\n(٢) لسان العرب: ١٣/ ١٢٠.\n(٣) وما بعدها: المعجم الكبير- الطبراني: ٢٣/ ١١٧. وحمنه. [.....]","vol":"7","page":77},{"text":"ويظهر براءتكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يعني من الذين جاءوا بالإفك مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ جزاء ما اجترح من الذنب والمعصية.\nوَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ والذي تحمّل معظمه فبدا بالخوض فيه، وقراءة العامة كِبْرَهُ:\nبكسر الكاف، وقرأ خليل والأعرج ويعقوب الحضرمي بضم الكاف.\nقال أبو عمرو بن العلاء: هو خطأ لأن الكبر بضم الكاف في الولاء والسن، ومنه الحديث: الولاء للكبر، وهو أكبر ولد الرجل من الذكورة وأقربهم إليه نسبا.\nوقال الكسائي: هما لغتان مثل صفر وصفر، واختلف المفسّرون في المعنيّ بقوله وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ.\nفقال قوم: هو حسّان بن ثابت.\nروى داود بن أبي هند عن عامر الشعبي أنّ عائشة ﵂ قالت: ما سمعت بشيء أحسن من شعر حسّان، وما تمثلت به إلّا رجوت له الجنة، قوله لأبي سفيان:\nهجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\nفانّ أبي ووالدتي وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء\nأتشتمه ولست له بكفؤ ... فشرّكما لخيركما الفداء\nلساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدّره الدلاء «١»\nفقيل: يا أم المؤمنين أليس الله يقول وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ.\nقالت: أليس قد أصابه عذاب عظيم؟ أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف.\nوروى أبو الضحى عن مسروق قال: كنت عند عائشة فدخل حسّان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة، فلمّا خرج قلت لعائشة: تدعين هذا الرجل يدخل عليك وقد قال ما قال، وأنزل الله سبحانه فيه وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟.\nفقالت: وأىّ عذاب أشد من العمى، ولعلّ الله يجعل ذلك العذاب العظيم ذهاب بصره، وقالت: انه كان يدفع عن رسول الله ﷺ.\nوقال آخرون: بل هو عبد الله بن أبي سلول وأصحابه.\nروى ابن أبي مليكة عن عروة عن عائشة قالت في حديث الإفك: ثمّ ركبت وأخذ صفوان بالزمام فمررنا بملإ من المنافقين وكانت عادتهم أن ينزلوا منتبذين من الناس. فقال عبد الله بن\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٨/ ١١٥.","vol":"7","page":78},{"text":"أبي رئيسهم: من هذه؟ قالوا: عائشة: قال: والله ما نجت منه ولا نجا منها، وقال: امرأة نبيّكم باتت مع رجل حتى أصبحت، ثمّ جاء يقودها، وشرع في ذلك أيضا حسّان ومسطح وحمنة فهم الذين تولّوا كبره، ثمّ فشا ذلك في الناس.\nلَوْلا هلّا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ بإخوانهم خَيْرًا.\nقال الحسن: بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة، نظيره قوله وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «١» وقوله فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ «٢» .\nقال بعض أهل المعاني: تقدير الآية هلّا ظننتم كما ظنّ المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا.\nوقيل: أراد بأنفسهم أهاليهم وأزواجهم، وقالوا: أراد بهذه الآية أبا أيوب الأنصاري وامرأته أم أيوب.\nروى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله أنّ أبا أيوب خالد بن يزيد قالت له امرأته أم أيّوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟\nقال: بلى وذلك الكذب أكنت، فاعلة ذلك يا أم أيوب؟\nقالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، فأنزل الله سبحانه لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ الآيات، أي كما فعل أبو أيوب وصاحبته وكما قالا.\nوقوله وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ أي كذب بيّن لَوْلا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ خضتم فِيهِ من الإفك عَذابٌ عَظِيمٌ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ تأخذونه تروونه بعضكم عن بعض، وقرأ [أبيّ وابن مسعود: إذ تتلقّونه بتاءين] «٣»، وقرأت عائشة «٤»: تَلِقُونَهُ بكسر اللام وتخفيف القاف من الكذب، والولق والألق والالق والليق الكذب.\nقال الخليل: أصل الولق السرعة وأنشد:\nجاءوا بأسراب من الشام ولق «٥»\n_________\n(١) سورة النساء: ٢٩.\n(٢) سورة النور: ٦١.\n(٣) من التلقي.\n(٤) هو في صحيح البخاري: ٥/ ٦١.\n(٥) فتح القدير: ٤/ ١٣.","vol":"7","page":79},{"text":"أي تسرع، يقال: ولق فلان في السير فهو يلق فيه إذا استمر وأسرع فيه، فكان معنى قراءة عائشة: إذ تستمرّون في إفككم.\nوقرأ محمد بن السميقع: إِذْ تُلْقُونَهُ من الإلقاء «١»، نظيره ودليله قوله سبحانه فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ «٢» الآية.\nوَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وتظنّونه سهلا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ يحتمل التنزيه والتعجب.\nهذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا أي ينهاكم ويخوّفكم أن تعودوا وقيل: يَعِظُكُمُ اللَّهُ كيلا تعودوا لِمِثْلِهِ إلى مثله أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ\nبأمر عائشة وصفوان حَكِيمٌ حكم ببراءتها.\nإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ تظهر وتفشو وتذيع الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ يعني عبد الله بن أبيّ بن سلول وأصحابه المنافقين.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ كذبهم وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فيه إضمار لعاجلكم بالعقوبة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-531>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢١ الى ٢٦]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١) وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله ﷾ وَلكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي يطهّر مَنْ يَشاءُ من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.\n_________\n(١) بضمّ التاء وسكون اللام وضمّ القاف عن تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٠٤.\n(٢) سورة النحل: ٣٦.","vol":"7","page":80},{"text":"أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا على بن زنجويه قال: حدّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد الله حقّا وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّا على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ الآية «١» .\nوَلا يَأْتَلِ ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القسم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والألو.\nأُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ يعني أبا بكر الصدّيق أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى وَالْمَساكِينَ وَالْمُهاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني مسطحا، وكان مسكينا مهاجرا بدريا، وكان ابن خالة أبي بكر ﵁.\nوَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا عنهم خوضهم في أمر عائشة.\nوروت أسماء بنت يزيد أنّ النبي ﷺ قرأ ولتعفوا ولتصفحوا بالتاء «٢» .\nأَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nفلمّا قرأها رسول الله ﷺ على أبي بكر قال: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا.\nوقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألّا يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nإِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا عذّبوا فِي الدُّنْيا بالجلد وفي الآخرة بالنار وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٠٦. بتفاوت.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٧/ ٢٣٣. ولكن رواه عن علي (﵇) .","vol":"7","page":81},{"text":"واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة دون سائر المؤمنات.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمّ قرأ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى قوله إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره.\nوقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي ﷺ فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ إلى فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل والشهادة ترد.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله ﷺ عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر.\nيَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصما بالياء لتقدّم الفعل.\nأَلْسِنَتُهُمْ وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ جزاءهم وحسابهم الْحَقَّ قرأه العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الْحَقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم الله الحق دينهم.\nوَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا.\nالْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ الآية. قال أكثر المفسّرين: الْخَبِيثاتُ من القول لِلْخَبِيثِينَ من الناس وَالْخَبِيثُونَ من الناس لِلْخَبِيثاتِ من القول وَالطَّيِّباتُ من القول لِلطَّيِّبِينَ من الناس وَالطَّيِّبُونَ من الناس لِلطَّيِّباتِ من القول.\nوقال ابن زيد: الْخَبِيثاتُ من النساء لِلْخَبِيثِينَ من الرجال، وَالْخَبِيثُونَ من الرجال لِلْخَبِيثاتِ من النساء، وَالطَّيِّباتُ من النساء لِلطَّيِّبِينَ من الرجال، وَالطَّيِّبُونَ من الرجال لِلطَّيِّباتِ من النساء.","vol":"7","page":82},{"text":"أُولئِكَ يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ «١» والمراد أخوان.\nمُبَرَّؤُنَ منزّهون مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ.\nأخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أعطيت تسعا ما أعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (﵇) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله ﷺ أن يتزوّجني، ولقد تزوّجني بكرا وما تزوّج بكرا غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإن كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-532>[سورة النور (٢٤): الآيات ٢٧ الى ٣١]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكى لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ (٢٩) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ ما ظَهَرَ مِنْها وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ الآية.\nأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسين ابن يحيويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا قيس عن أشعث بن سوار عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار\n_________\n(١) سورة النساء: ١١.","vol":"7","page":83},{"text":"فقالت: يا رسول الله إنّي أكون في بيتي على حال لا أحبّ أن يراني عليها أحد والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل عليّ، وإنّه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها الآية.\nوقال بعض المفسّرين: حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا أي تستأذنوا.\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال: إنّما هو حتى تستأذنوا ولكن اخطأ الكاتب، وكان أبيّ بن كعب وابن عباس والأعمش يقرءونها كذلك حتّى تستأذنوا، وفي الآية تقديم وتأخير تقديرها: حتى تسلّموا على أهلها وتستأذنوا، وكذلك هو في مصحف ابن مسعود وهو أن يقول:\nالسلام عليكم أأدخل؟\nروى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أنّ رجلا استأذن على رسول الله ﷺ فقال:\nأألج فقال النبي ﷺ لامرأة يقال لها روضة: قومي إلى هذا فعلّميه فإنّه لا يحسن يستأذن فقولي له: تقول: السلام عليكم أأدخل؟ فسمعها الرجل فقالها، فقال: ادخل «١» .\nوقال مجاهد والسدّي: هو التنحنح والتنخّم.\nروى الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الخزاز عن ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عن زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى الى الباب تنحنح وبزق كراهية أن يهجم منها على أمر يكرهه.\nعكرمة: هو التسبيح والتكبير ونحو ذلك.\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا عبد الرحيم بن سليمان عن واصل بن السائب عن أبي أيوب الأنصاري قال: قلنا يا رسول الله ما الاستيناس الذي يريد الله سبحانه حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها قال: يتكلّم الرجل بالتكبيرة والتسبيحة والتحميدة، يتنحنح يؤذن أهل البيت «٢» .\nوقال الخليل: الاستيناس: الاستبصار من قوله آنَسْتُ نارًا «٣» .\nوقال أهل المعاني: الاستيناس: طلب الأنس وهو أن ينظر هل في البيت أحد يؤذنه أنه\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٨/ ١٤٧.\n(٢) المصنّف: ٦/ ١٣٢.\n(٣) سورة طه: ١٠. [.....]","vol":"7","page":84},{"text":"داخل عليهم، يقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى أحدا في الدار؟ أي انظر هل ترى فيها أحدا؟\nويروى أنّ أبا موسى الأشعري أتى منزل عمر بن الخطاب ﵄ فقال: السلام عليكم أأدخل؟\nفقال عمر: واحدة، فقال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ فقال عمر: ثنتان، قال أبو موسى: السلام عليكم أأدخل؟ ومرّ، فوجّه عمر بن الخطاب ﵁ خلفه من ردّه فسأله عن صنيعه فقال: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الاستيذان ثلاثة فإن أذنوا وإلّا فارجع» [٢٤] .\nفقال عمر: لتأتيني بالبيّنة أو لأعاقبنّك، فانطلق أبو موسى فأتاه بمن سمع ذلك معه «١» .\nوعن عطاء بن يسار أنّ رجلا قال للنبي ﷺ: أستأذن على امّي؟ قال: «نعم»، قال: «إنها ليس لها خادم غيري أفأستأذن كلّما دخلت؟ قال: «أتحبّ أن تراها عريانة»؟ قال الرجل: لا، قال: «فاستأذن عليها» «٢» .\nوأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من اطّلع في بيت بغير إذنهم فقد حلّ لهم ان يفقئوا عينه» [٢٥] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شبّه قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا أبو بكر قال:\nحدّثنا ابن عيينة عن الزهري أنه سمع سهل بن سعد يقول: اطّلع رجل في حجرة من حجر النبي ﷺ ومعه مدرى يحكّ به رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينيك، إنّما الاستيذان من النظر» [٢٦] «٤» .\nفَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أي في البيوت أَحَدًا يأذن لكم في دخولها فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ولا تقفوا على أبوابهم ولا تلازموها هُوَ أي الرجوع أَزْكى أطهر وأصلح لَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ.\nفلمّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر: يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام\n_________\n(١) صحيح ابن حبّان: ١٣/ ١٢٧.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٨/ ١٤٨.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٢٦٦.\n(٤) المصنّف: ٨/ ٣٩٥. والعبارة فيه: من البصر، بدل: من النظر.","vol":"7","page":85},{"text":"ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ بغير استيذان فِيها مَتاعٌ منفعة لَكُمْ\nواختلفوا في هذه البيوت ما هي؟ فقال قتادة: هي الخانات والبيوت المبنيّة للسائلة ليأووا إليها ويؤووا أمتعتهم إليها.\nقال مجاهد: كانوا يضعون بطرق المدينة أقتابا وأمتعة في بيوت ليس فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة فأحلّ لهم أن يدخلوها بغير إذن.\nمحمد بن الحنفيّة: هي بيوت مكة، ضحّاك: الخربة التي يأوي المسافر إليها في الصيف والشتاء، عطاء: هي البيوت الخربة، والمتاع هو قضاء الحاجة فيها من الخلاء والبول، ابن زيد: بيوت التجّار وحوانيتهم التي بالأسواق، ابن جرير: جميع ما يكون من البيوت التي لا ساكن لها على العموم لأنّ الاستيذان إنما جاء لئلّا يهجم على ما لا يحب من العورة، فإذا لم يخف ذلك فلا معنى للاستئذان.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا يكفّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ عن النظر الى ما لا يجوز، واختلفوا في قوله مِنْ فقال بعضهم: هو صلة أي يغضّوا أبصارهم، وقال آخرون: هو ثابت في الحكم لأنّ المؤمنين غير مأمورين بغضّ البصر أصلا، وإنّما أمروا بالغضّ عمّا لا يجوز.\nوَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عمّن لا يحلّ، هذا قول أكثر المفسّرين.\nوقال ابن زيد: كلّ ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلّا في هذا الموضع فإنّه أراد الاستتار يعني: ويحفظوا فروجهم حتى لا ينظر إليها.\nودليل هذا التأويل إسقاط من ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ عليم بِما يَصْنَعُونَ.\nأخبرني ابن فنجويه في داري قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال:\nحدّثنا الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: حدّثنا عمرو بن أبي عمرو عن المطلب بن حنطب عن عبادة بن الصامت أنّ رسول الله ﷺ قال: «اضمنوا لي ستّا من أنفسكم اضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا ما ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم» «١» [٢٧] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عبد الوارث قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنبسة بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا أبو الحسن أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «النظر إلى محاسن المرأة سهم من نبال إبليس مسموم،\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٢٣.","vol":"7","page":86},{"text":"فمن ردّ بصره ابتغاء ثواب الله ﷿ أبدله الله بذلك عبادة تسرّه» «١» [٢٨] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا سهل بن صالح الأنطاكي قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن أبي جعفر عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «بينما رجل يصلّي إذ مرّت به امرأة فنظر إليها وأتبعها بصره فذهب عيناه» [٢٩] .\nوَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ عما لا يجوز وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عمّا لا يحلّ، وقيل: وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ أي يسترنها حتى لا يراها أحد.\nوَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ولا يظهرن لغير محرم زينتهن، وهما زينتان: أحداهما ما خفي كالخلخالين «٢» والقرطين والقلائد والمعاصم ونحوها، والأخرى ما ظَهَرَ مِنْها، واختلف العلماء في الزينة الظاهرة التي استثنى الله سبحانه ورخّص فيها فقال ابن مسعود: هي الثياب، وعنه أيضا: الرداء، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ «٣» أي ثيابكم.\nوقال ابن عباس وأصحابه: الكحل والخاتم والسوار والخضاب، الضحّاك والأوزاعي: الوجه والكفّان، الحسن: الوجه والثياب.\nروت عائشة عن النبي ﷺ «٤» أنه قال: «لا يحلّ لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت «٥» أن تظهر إلّا وجهها ويدها إلى هاهنا» [٣٠]، وقبض على نصف الذارع\n، وإنّما رخّص الله سبحانه ورخّص رسوله في هذا القدر من بدن المرأة أن تبديها لأنّه ليس بعورة، فيجوز لها كشفه في الصلاة، وسائر بدنها عورة فيلزمها ستره.\nوَلْيَضْرِبْنَ وليلقين بِخُمُرِهِنَّ أي بمقانعهن وهي جمع خمار وهو غطاء رأس المرأة عَلى جُيُوبِهِنَّ وصدورهن ليسترن بذلك شعورهنّ وأقراطهنّ وأعناقهن.\nقالت عائشة: يرحم الله النساء المهاجرات الأول لمّا أنزل الله سبحانه هذه الآية شققن أكتف مروطهنّ فاختمرن به.\nوَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الخفيّة التي أمرن بتغطيتها، ولم يبح لهنّ كشفها في الصلاة وللأجنبيين، وهي ما عدا الوجه والكفّين وظهور القدمين إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبائِهِنَّ أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ أَوْ نِسائِهِنَّ أي نساء\n_________\n(١) بتفاوت في كنز العمّال: ٥/ ٣٢٩ ح ١٣٠٧٣.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: والسوارين.\n(٣) الأعراف: ٣١.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٢٩.\n(٥) عركت المرأة: إذا حاضت.","vol":"7","page":87},{"text":"المؤمنين فلا يحلّ لامرأة مسلمة أن تتجرّد بين يدي امرأة مشركة إلّا أن تكون أمة لها فذلك قوله سبحانه أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ.\nعن ابن جريج: روى هشام بن الغار عن عبادة بن نسيّ أنه كره أن تقبّل النصرانية المسلمة أو ترى عورتها ويتأوّل أَوْ نِسائِهِنَّ.\nوقال عبادة: كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي عبيدة بن الجراح: أما بعد فقد بلغني أنّ نساء يدخلن الحمّامات معهنّ نساء أهل الكتاب فامنع ذلك وحل دونه.\nقال: ثم إنّ أبا عبيدة قام في ذلك المقام مبتهلا: اللهم أيّما امرأة تدخل الحمّام من غير علّة ولا سقم تريد البياض لوجهها فسوّد وجهها يوم تبيضّ الوجوه.\nوقال بعضهم: أراد بقوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ مماليكهنّ وعبيدهنّ فإنّه لا بأس عليهن أن يظهرن لهم من زينتهنّ ما يظهرن لذوي محارمهنّ.\nأَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ وهم الذين يتبعونكم ليصيبوا من فضل طعامكم ولا حاجة لهم في النساء ولا يستهوونهنّ.\nقال ابن عباس: هو الذي لا تستحيي منه النساء، وعنه: الأحمق العنّين.\nمجاهد: الأبله الذي لا يعرف شيئا من النساء، الحسن: هو الذي لا ينتشر [زبه] سعيد بن جبير: المعتوه، عكرمة: المجبوب، الحكم بن أبان عنه «١»: هو المخنث الذي لا يقوم زبّه.\nروى الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث، وكانوا يعدّونه من غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فدخل النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال: «إنّها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان» .\nفقال النبي ﷺ: «لا أرى هذا يعلم ما هاهنا، لا يدخلنّ هذا عليكم» فحجبوه [٣١] .\nابن زيد: هو الذي يتبع القوم حتى كأنه منهم ونشأ فيهم وليس له في نسائهم إربة، وإنما يتبعهم لإرفاقهم إيّاه، والإربة والإرب: الحاجة يقال: أربت الى كذا آرب إربا إذا احتجت إليه، واختلف القرّاء في قوله غَيْرِ فنصبه أبو جعفر وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وله وجهان:\nأحدهما: الحال والقطع لأنّ التابعين معرفة وغير نكرة.\nوالآخر: الاستثناء ويكون غَيْرَ بمعنى إلّا. وقرأ الباقون بالخفض على نعت التابعين.\n_________\n(١) عن عكرمة كما في تفسير الطبري: ١٨/ ١٦٤.","vol":"7","page":88},{"text":"أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ أي لم يكشفوا عن عورات النساء لجماعهن فيطّلعوا عليها، والطفل يكون واحدا وجمعا.\nوَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ يعني ولا يحرّكنها إذا مشين لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني الخلخال والحلي وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا من التقصير الواقع في أمره ونهيه وقيل: معناه راجعوا طاعة الله فيما أمركم ونهاكم من الآداب المذكورة في هذه السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-533>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٢ الى ٣٤]</span>\nوَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)\nأَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ أي زوّجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من أحرار رجالكم ونسائكم وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ وقرأ الحسن: من عبيدكم، والأيامى جمع الأيّم وهو من لا زوج له من رجل وامرأة يقال: رجل أيّم وامرأة أيّم وأيّمة، والفعل منه أمت المرأة تأيم أيمة أيوما، وتأيّمت تأيّما، قال الشاعر:\nألم تر أنّ الله أظهر دينه ... وسعد بباب القادسيّة معصم\nفأبنا وقد آمت نساء كثيرة ... ونسوة سعد ليس منهن أيّم «١»\nوقال آخر:\nفإن تنكحي أنكح وإن تتأيّمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيّم «٢»\nوفسّر بعض الفقهاء الآية على الحتم والإيجاب فأوجب النكاح على من استطاعه، وتأوّلها الباقون على الندب والاستحباب وهو الصحيح المشهور والذي عليه الجمهور.\nقال الشافعي «٣» ﵁: واجب للرجل والمرأة أن يتزوّجا إذا تاقت أنفسهما إليه لأنّ الله جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه أمر به ورضيه وندب إليه،\nوبلغنا أنّ النبيّ ﷺ قال: «تناكحوا تكثروا فإنّي أباهي بكم الأمم حتى بالسقط» «٤» [٣٢] .\n_________\n(١) البداية والنهاية- ابن كثير- ٨/ ٨٣ وفيه.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٨/ ١٦٧.\n(٣) كتاب الأم: ٥/ ١٥٥ بتفاوت. [.....]\n(٤) المصنّف: ٦/ ١٧٣. بدون عبارة: «حتى بالسقط» .","vol":"7","page":89},{"text":"وقال ﷺ: «من أحبّ فطرتي فليستنّ بسنتي وهي النكاح\n«١»،\nوقال: إنّ الرجل ليرفع بدعاء ولده من بعده [٣٣] «٢» .\nقال [الشافعي]: ومن لم تتق نفسه إلى ذلك فأحبّ إلىّ أن يتخلّى لعبادة الله ﷿» «٣» [٣٤] .\nوذكر الله سبحانه القواعد من النساء وذكر عبدا أكرمه فقال عزّ من قائل وَسَيِّدًا وَحَصُورًا والحصور: الذي لا يأتي النساء. ولم يندبهم إلى النكاح، فدلّ أنّ المندوب إليه من يحتاج إليه «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-534>باب ذكر بعض ما ورد من الأخبار في الترغيب في النكاح</span>\nأخبرنا أحمد بن أبي قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق الجرجاني قال: حدّثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا محمد بن يحيى الأزدي قال: حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال: أخبرنا أشعث عن الحسن عن سمرة أنّ النبي ﷺ نهى عن التبتّل «٥» .\nوأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الحديثي قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن صالح بن ذريح قال: حدّثنا جبارة بن المغلّس قال: حدّثنا جندل عن ابن جريح عن أبي المغلّس عن أبي نجيح السلمي قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان له ما يتزوّج فلم يتزوج فليس منّا» «٦» [٣٥] .\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب المقري ابن أخي عوف قال: حدّثنا جبارة بن المغلس قال: حدّثنا مندل عن يحيى بن عبد الرّحمن عن أبيه عن جده قال: قال النبي ﷺ: «من أدرك له ولد وعنده ما يزوّجه فلم يزوّجه فأحدث فالإثم بينهما» «٧» [٣٦] .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن الدقّاق قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو يوسف الصيدلاني قال: حدّثنا خالد بن إسماعيل عن عبيد الله عن صالح\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ٥/ ١٣٣.\n(٢) المصنّف: ٣/ ٣٦١- ابن أبي شيبة السكوني، رواه عن سعيد بن المسيّب.\n(٣) كتاب الأمّ: ٥/ ١٥٥. وليس هذا بحديث.\n(٤) مختصر المزني: ١٦٣. نقله بطوله عن الإمام الشافعي.\n(٥) مسند أحمد: ٥/ ١٧.\n(٦) تفسير جوامع الجامع- الطبرسي-: ٢/ ٦١٨. نقله عن الكشّاف: ٣/ ٢٣٤.\n(٧) تفسير مجمع البيان: ٧/ ٢٤٥.","vol":"7","page":90},{"text":"مولى التومة قال: قال أبو هريرة: لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد للقيت الله بزوجة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شراركم عزّابكم» «١» [٣٧] .\nوبإسناده عن صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا تزوّج أحدكم عجّ شيطانه يا ويله: عصم ابن آدم منّي بثلثي دينه» «٢» [٣٨] .\nوأخبرني الحسن بن محمد قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا أبو زكريا يحيى بن علي بن خلف القطان قال: حدّثنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن ربيعة الكلابي قال: حدّثنا محمد بن ثابت العقيلي عن هارون بن رئاب عن أبي نجيح السلمي قال:\nقال رسول الله ﷺ: «مسكين مسكين رجل ليست له امرأة، مسكينة امرأة ليس لها زوج» .\nقالوا: يا رسول الله وان كانت غنيّة من المال؟\nقال: «وإن كانت غنيّة من المال» «٣» [٣٩] .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن موسى قال: حدّثنا هشام بن عمار قال: حدّثنا حماد بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا خالد بن الزبرقان عن سليمان بن حبيب عن أبي أمامة عن النبي ﷺ قال: «أربع لعنهم الله من فوق عرشه وأمّنت عليه ملائكته: الذي يحصر نفسه عن النساء فلا يتزوج ولا يتسرّى لئلّا يولد له، والرجل يتشبّه بالنساء وقد خلقه الله ذكرا، والمرأة تتشبّه بالرجال وقد خلقها الله أنثى، ومضلّل المساكين» «٤» [٤٠] .\nقال خالد: يعني الذي يهزأ بهم يقول للمسكين: هلمّ أعطك، فإذا جاء يقول: ليس معي شيء، ويقول للمكفوف: اتّق الدابّة وليس بين يديه شيء، والرجل يسئل عن دار القوم فيجهله.\nوأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي قال:\nحدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد السلام البيروتي قال: حدّثني أحمد بن سعيد بن يعقوب قال:\nأخبرنا بقية ابن الوليد قال: حدّثني معاوية بن يحيى عن سليمان بن موسى عن مكحول عن عفيف ابن الحارث عن عطيّة بن بشر المازني قال: أتى عكاف بن وادعة الهلالي إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا عكاف ألك زوجة؟ قال: لا يا رسول الله، قال: ولا جارية؟ قال: لا. قال: وأنت صحيح موسر؟ قال: نعم والحمد لله.\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ٤/ ٣٨.\n(٢) كنز العمال: ١٦/ ٢٧٨.\n(٣) الدرّ المنثور: ٢/ ٣١١. بتفاوت.\n(٤) مسند الشاميين- الطبراني-: ٢/ ٤١٢.","vol":"7","page":91},{"text":"قال: فإنّك إذا بين إخوان الشياطين إمّا أن تكون من رهبان النصارى، وإمّا أن تكون مؤمنا فاصنع كما نصنع فإنّ من سنّتنا النكاح، شراركم عزّابكم وأراذل موتاكم عزّابكم، ما للشيطان في نفسه سلاح أبلغ من النساء ألا إنّ المتزوّجين هم المطهّرون المبرّؤون من الخنا، ويحك يا عكاف إنّهن صواحب داود وصواحب أيّوب وصواحب يوسف ﵈ وصواحب كرسف.\nقالوا: يا رسول الله ومن كرسف؟\nقال: رجل كان يعبد الله سبحانه على ساحل من سواحل البحر ثلاثين عاما، يصوم النهار ويقوم الليل، لا يفتر من صيام ولا قيام، فكفر بالله العظيم من سبب امرأة عشقها وترك ما كان عليه من عبادة ربّه ﷿ فتداركه الله سبحانه بما سلف منه، ويحك يا عكاف تزوّج فإنّك من المذنبين.\nقال: زوّجني من شئت قبل أن أبرح.\nقال: فإنّي قد زوّجتك على اسم الله كريمة بنت كلثوم الحميري» «١» [٤١] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن المظفر البزاز قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد ابن موسى بن النعمان بمصر قال: حدّثنا علي بن عبد الرّحمن بن المغيرة قال: حدّثنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدّثنا أبو يحيى «٢» بن قيس عن عبد الله بن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أتى على أمّتي مائة وثمانون سنة فقد حلّت العزبة والعزلة والترهّب على رؤوس الجبال» «٣» [٤٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-535>فصل فيمن يستحبّ ويختار من النساء</span>\nأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الثقفي بقراءتي عليه في داري قال:\nحدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن الجعد قال: حدّثنا عبد الله بن عمر القواريري قال: حدّثنا عمر بن الوليد قال: سمعت معاوية بن يحيى يحدّث عن يزيد بن جابر عن جبير بن نفير عن عياض بن غنم الأشعري قال: قال لي رسول الله ﷺ: «يا عياض لا تزوّجنّ عجوزا ولا عاقرا فإنّي مكاثر» «٤» [٤٣] .\nوأخبرني الحسن بن محمد قال: حدّثنا برهان بن علي الصوفي قال: حدّثنا أبو بكر مردك\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ١٢/ ٢٦٢.\n(٢) في النسخة الثانية: بمصر عن منصور عن ابراهيم عن علقمة. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٦١. بتفاوت.\n(٤) كنز العمّال: ١٦/ ٢٩٦. مع زيادة: (بكم الأصم) .","vol":"7","page":92},{"text":"ابن أحمد البردعي قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا إسحاق بن بشر الكاهلي قال:\nحدّثني عبد الله بن إدريس المدني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «تزوّجوا الأبكار فإنّهنّ أعذب أفواها، وأفتح أرحاما، وأثبت مودّة» «١» [٤٤] .\nوبإسناده قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا أراد أحدكم أن يتزوّج المرأة فليسأل عن شعرها كما يسأل عن وجهها «٢» فإنّ الشعر أحد الجمالين» «٣» [٤٥] .\nوبه قال: قال رسول الله ﷺ: «تزوّجوا الزرق فإن فيهنّ يمنا» «٤» [٤٦] .\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثنا عبدان بن عبد الله بن عبد الحكم قال: حدّثنا عبد الله ابن صالح قال: حدّثنا محمد بن سليمان بن أبي كريمة قال: حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «أعظم نساء أمّتي بركة أصبحهنّ وجها وأقلّهنّ مهرا» [٤٧] «٥» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>فصل في الآداب الواردة في النكاح والزفاف</span>\nأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: أخبرنا أبو علي الشيباني قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا عيسى بن ميمون عن القاسم بن محمد عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ أنّه قال: «أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليها بالدفاف وليولم أحدكم ولو بشاة» «٦» [٤٨] .\nوأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان وعبد الله بن يوسف قالا: حدّثنا يوسف بن أحمد بن كركان القرماسيني قال: حدّثنا أبو الزنباع روح بن الفرج قال: حدّثنا أبو سلمة البصري العتكي القاسم بن عمر قال: حدّثنا بشر بن إبراهيم الأنصاري عن الأوزاعي عن مكحول عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: حدّثني معاذ بن جبل قال: شهدت ملاك رجل من الأنصار مع النبي ﷺ فخطب النبي ﷺ وأملك الأنصاري ثمّ قال: «على الألفة والخير والطير الميمون دفّفوا على رأس صاحبكم، وأقبلت السلال فيها الفاكهة والسكّر فنهب عليهم\n_________\n(١) المصنّف- الصنعاني.: ٦/ ١٦٠. بتفاوت: قال ابن جريح وقال عمر بن الخطّاب:.\n(٢) في المصدر: جمالها.\n(٣) الموضوعات- ابن الجوزي.: ٢/ ٢٦٢. وكنز العمّال: ١٦/ ٢٩١.\n(٤) كنز العمّال: ١٦/ ٣٠٢.\n(٥) مسند الشهاب- ابن سلامة.: ٢/ ١٨٣.\n(٦) كنز العمّال: ١٦/ ٢٩٢.","vol":"7","page":93},{"text":"فأمسك القوم فلم ينتهبوا، فقال رسول الله ﷺ: ما أزين الحلم ألا تنتهبون، فقالوا: يا رسول الله أنّك نهيتنا عن النهبة يوم كذا وكذا، فقال رسول الله ﷺ: إنّما نهيتكم عن نهبة العساكر ولم أنهكم عن نهبة الولائم ثم قال: ألا فانتهبوا» [٤٩] .\nقال معاذ بن جبل: فو الله لقد رأيت رسول الله ﷺ يجرّرنا ونجرّره في ذلك النهاب «١» .\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا أبو العباس عبد الله بن أحمد بن حشيش البغدادي قال: حدّثنا عثمان بن معبد قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم «٢» عن سفيان بن عامر العامري عن صافية مولاتهم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مسّوا بالأملاك فإنّه أفضل في اليمن وأعظم في البركة» «٣» [٥٠] .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا طفران بن الحسين قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي داود السجستاني قال: حدّثنا أحمد بن يوسف بن سالم الازدي السلمي قال: حدّثنا حفص بن عبد الله عن إبراهيم بن طهمان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن إسحاق بن سهل بن أبي حنتمة عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانت عندي جارية من الأنصار في حجري فزوّجتها فدخل النبي ﷺ فلم يسمع غناء فقال: «يا عائشة ألا تغنّون عليها، فانّ هذا الحىّ من الأنصار يحبّون الغناء» «٤» [٥١] .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن ظهير بن ثمامة البزّار قال: حدّثنا أبو موسى بن المثنّى الزمر قال: حدّثنا حفص بن غياث عن ليث عن عطاء أنّ النبي ﷺ مرّ عليه بعروس فقال: «لو كان مع هذا لهو» «٥» [٥٢] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن أبي قال: حدّثنا محمد بن علي بن سالم الهمذاني قال: حدّثنا الحسن بن الحسين الرازي الهسنخاني قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا مسكين بن ميمون قال: حدّثني عروة بن رويم قال: بينا عبد الرّحمن بن قرط ينعسّ بحمص إذ مرّت عروس وقد أوقدوا النيران، فضربهم بدريّة حتى تفرقوا عنها، فلمّا أصبح قعد على منبره وقال: إنّ أبا جندلة نكح فصنع جفنات من طعام فرحم الله أبا جندلة وصلّى على آبائه، ولعن الله أصحاب عروسكم أوقدوا النيران وتشبّهوا بأهل الشرك والله مطفئ نورهم يوم القيامة. إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.\n_________\n(١) مجمع الزوائد- الهيثمي.: ٤/ ٢٩٠.\n(٢) في النسخة الثانية: أبو العباس عبد الله بن ابراهيم.\n(٣) راجع المغني لابن قدامة: ٧/ ٤٣٥.\n(٤) صحيح ابن حبّان: ١٣/ ١٨٥.\n(٥) المصنّف- الكوفي.: ٣/ ٣٢١.","vol":"7","page":94},{"text":"أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن وهب قال: حدّثني أبو زرعة قال: حدّثنا إبراهيم بن موسى الفرّاء قال: أخبرنا مسلم بن خالد عن سعيد بن أبي صالح عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «التمسوا الرزق بالنكاح» «١» [٥٣] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا أبو يوسف محمد ابن سفيان بن موسى الصفّار «٢» بالمصّيصة قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن ناصح قال: حدّثنا عبد العزيز الدراوردي عن ابن عجلان أنّ رجلا أتى النبي ﷺ فشكا إليه الحاجة فقال: «عليك بالباءة»\n«٣»، وشكا رجل الى أبي بكر ﵁ بعد النبي ﷺ فشكا إليه الحاجة فقال: عليك بالباءة [٥٤]، وجاء رجل الى عمر ﵁ بعد أبي بكر «٤» فشكا إليه الحاجة فقال: عليك بالباءة، كلّ يريد قوله سبحانه إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. قال ابن عجلان: وقال أبو بكر وعمر ﵄: ابتغوا الغنى في النكاح.\nوَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا عن الحرام حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ويوسّع عليهم من رزقه.\nوَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ أي المكاتبة وهي أن يقول الرجل لعبده أو أمته: قد كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا في نجوم معلومة على أنّك إذا أدّيت ذلك فأنت حرّ، فيرضى العبد بذلك فإن أدّى مال الكتابة بالنجوم التي سمّاها كان حرّا، وإن عجز عن أداء ذلك كان لمولاه أن يردّه الى الرّقّ كما\nقال ﷺ: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم»\n«٥» [٥٥] . وأصل الكلمة من الكتب وهو الضمّ والجمع، ومنه الكتيبة وكتب البغل وكتب الكتاب، فسمّي المكاتب مكاتبا لأنه يضم نجوم مال الكتابة بعضها إلى بعض.\nمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ اختلف الفقهاء في حكم هذه الآية فقال قوم: هو أمر حتم وإيجاب فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم منه خيرا إذا سأله ذلك بقيمته وأكثر ولو كان بدون قيمته لم يلزمه، وهو قول عمرو بن دينار وعطاء، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد ابن جرير من الفقهاء وهي رواية العوفي عن ابن عباس، واحتجّ من نصر هذا المذهب بما روى قتادة أن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عليه، فشكاه الى عمر فعلاه بالدّرة وأمره بالكتابة، واحتجّوا أيضا بأن هذه الآية نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزّى يقال له صبح سأل\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٥/ ٤٥. [.....]\n(٢) في النسخة الثانية: أبو يوسف بن سفيان بن موسى.\n(٣) فيض القدير شرح الجامع الصغير- المناوي.: ٣/ ٣١٨.\n(٤) في النسخة الثانية: وجاء رجل الى عثمان بعد عمر.\n(٥) المصنّف- الكوفي-: ٥/ ٦٦.","vol":"7","page":95},{"text":"مولاه أن يكاتبه فأبى عليه فأنزل الله ﷾ هذه الآية، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين فأدّاها وقتل يوم حنين في الحرب.\nوروى عن عمر أنّه قال: هي عزمة من عزمات الله، من سأل الكتابة كوتب.\nوقال الآخرون: هو أمر ندب واستحباب، ولا يلزم السيّد مكاتبة عبده سواء بذل له قيمته أو أكثر منها أو أقل، وهو قول الشعبي والحسن البصري، وإليه ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وسائر الفقهاء.\nوأمّا قوله سبحانه إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا فاختلفوا فيه، فقال ابن عمر وابن زيد ومالك بن أنس: يعني قوّة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتب عليه، وإليه ذهب الثوري.\nوروى الوالبي عن ابن عباس قال: إن علمت أنّ لهم حيلة ولا يلقون مؤونتهم على المسلمين.\nوقال الحسن ومجاهد والضحاك: مالا، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، واستدلّوا بقوله إِنْ تَرَكَ خَيْرًا «١» .\nقال الخليل: لو أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيرا.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا هارون بن محمد قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا أبو خالد الأحمر عن الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي ليلى الكندي عن سلمان قال: قال له عبد: كاتبني، قال: لك مال؟ قال: لا، قال:\nتطعمني أوساخ الناس فأبى عليه، وقال إبراهيم وعبيدة وأبو صالح وابن زيد: يعني صدقا ووفاء وأمانة، وقال طاوس وعمرو بن دينار: مالا وأمانة.\nوقال الشافعي: أظهر معاني الخير في هذه الآية الاكتساب مع الأمانة، فأحبّ أن لا يمتنع من مكاتبته إذا كان هكذا.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة «٢» قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد العزيز العثماني وأبو النضر إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا يحيى بن حمزة قال: أخبرني محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ثلاثة حق على الله عونهم: رجل خرج في سبيل الله سبحانه، ورجل تزوّج التماس الغنى عما حرّم الله ﷿، ورجل كاتب التماس الأداء» «٣» [٥٦] .\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٨٠.\n(٢) في النسخة الثانية: أخبرني ابن فنجويه عن عبد الله بن محمد بن شنبة.\n(٣) المصنّف: ٥/ ٢٥٩- الصنعاني- بتفاوت.","vol":"7","page":96},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى الحماني قال: حدّثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن عبيدة في قوله سبحانه إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا قال: إن أقاموا الصلاة. وقيل: هو أن يكون المكاتب بالغا عاقلا فأمّا المجنون والصبي فلا يصحّ كتابتهما لأنّهما ليسا من أهل الابتغاء،\nولأنّ النبي ﷺ قال: «رفع القلم عن ثلاث» الحديث\n[٥٧] «١» .\nوقال أبو حنيفة: يصحّ كتابة الصبي إذا كان مراهقا مميّزا بناء على أصله إذا كان مراهقا كيّسا حرا فأذن له وليّه في التّصرف نفذ تصرّفه، كذلك السيّد مع عبده إذا كاتبه فقد أذن له في التصرّف فصحّت كتابته.\nواختلف الفقهاء في مال الكتابة، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه: تصح الكتابة حالّة ومؤجلة لأنّ الله سبحانه قال فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ولم يشترط فيه أجلا ولأنّه عقد على عين فصحّ حالّا ومؤجّلا كالبيع.\nوقال الشافعي: لا تصحّ الكتابة حالّة وإنّما تصحّ إذا كانت مؤجّلة، وأقلّه نجمان.\nوَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ اختلفوا فيه فقال بعضهم: الخطاب للموالي وهو أن يحطّ له من مال كتابته شيئا، ثم اختلفوا في ذلك الشيء فقال قوم: هو ربع المال وهو قول علىّ، وإليه ذهب الثوري.\nروى شعبة عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرّحمن السلمي أنّه كاتب غلاما له على ألف ومائتين وترك الربع وأشهدني ثم قال لي: كان صديقك يفعل هذا، يعني عليّا كرم الله وجهه\n، وقد روى ذلك مرفوعا.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش المقري قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد ابن موسى قال: حدّثنا يوسف بن سعيد بن مسلم قال: حدّثنا حجاج عن ابن جريج عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حبيب يعني أبا عبد الرّحمن السلمي عن علي عن النبي ﷺ وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ قال: «ربع المكاتبة» «٢» [٥٨] .\nوقال آخرون: ليس فيه حدّ إنّما هو إليه، يحطّ عنه من مال كتابته شيئا.\nروى أسباط عن السدّي عن أبيه قال: كاتبتني زينب بنت قيس بن مخرمة وكانت قد صلّت مع رسول الله ﷺ القبلتين جميعا على عشرة آلاف فتركت لي ألفا، وروى الجريري عن أبي\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ١٠٠.\n(٢) السنن الكبرى- البيهقي.: ١٠/ ٣٢٩.","vol":"7","page":97},{"text":"نضرة عن أبي سعيد مولى ابن أسيد قال: كاتبني أبو أسيد على ثنتي عشرة مائة فجئته بها فأخذ منها ألفا وردّ علىّ مائتين.\nوقال نافع: كاتب عبد الله بن عمر غلاما له يقال له شرقي على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع من آخر كتابته خمسه آلاف درهم.\nقال سعيد بن جبير: وكان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أوّل نجومه مخافة أن يعجز فيرجع إليه صدقته، ولكنّه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ، وعلى هذا القول قوله وَآتُوهُمْ أمر استحباب.\nوقال بعضهم: معناه وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات بقوله وَفِي الرِّقابِ «١» وهو قول الحسن وزيد بن أسلم وابنه وعلى هذا التأويل هو أمر إيجاب.\nوقال بريدة وإبراهيم: هو حثّ لجميع الناس على معونتهم.\nأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة «٢» قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد قال: حدّثني زهير عن عبد الله بن محمد ابن عقيل عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ قال: «من أعان مكاتبا في رقبته أو غازيا في عسرته أو مجاهدا في سبيله أظله الله سبحانه في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه» «٣» [٥٩] .\nوأخبرني ابن فنجوية قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا علي بن أحمد الواسطي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور عن عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرّحمن الدالاني عن خارجة بن هلال عن أبي سعيد ورافع بن خديج وابن عمر قالوا: جاءنا غلام لعثمان ﵁ يقال له كيّس فقال: قوموا إلى أمير المؤمنين فكلّموه أن يكاتبني «٤» فقلنا له: إنّ غلامك هذا سألنا أن تكاتبه فقال: أخذته بخمسين ومائة يجيء بها وهو حر، قال: فخرجنا فأعانه كل رجل منّا بشيء «٥» قال: كونوا بالباب ثم قال: يا كيّس تذكر يوم عركت أذنك، قلت: بلى يا سيّدي، قال: ألم أنهك أن تقول يا سيدي؟ قال: فلم يزل بي حتى ذكرت، قال: قم فخذ بأذني قال: فأبيت فلم يزل بي حتى قمت فأخذت بأذنه فعركتها وهو يقول: شدّ شدّ حتى إذا رآني قد بلغت ما بلغ منّي قال: حسبك ثم قال: واها للقضاء في الدنيا، أخرج فأنت حرّ وما معك لك.\n_________\n(١) سورة التوبة: ٦٠.\n(٢) في النسخة الثانية: عبد الله بن محمد بن شنبة.\n(٣) أحكام القرآن- الجصّاص-: ٣/ ١٦٢.\n(٤) في النسخة الثانية زيادة: فدخلنا على عثمان.\n(٥) في النسخة الثانية زيادة: فذهب فلم يلبث أن جاء فقال: قوموا معي فقمنا معه فدخلنا ثم قال:.... [.....]","vol":"7","page":98},{"text":"وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ الآية.\nنزلت في معاذة ومسيكة جاريتي عبد الله بن أبي المنافق، كان يكرههما على الزنا بضريبة يأخذ منهما وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية، يؤاجرون إماءهم، فلمّا جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه، وإن يك شرّا فقد آن لنا أن ندعه، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال مقاتل: نزلت في ستّ جوار لعبد الله بن أبىّ كان يكرههنّ على الزنا ويأخذ أجورهن وهنّ معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، فجاءته إحداهنّ ذات يوم بدينار وجاءت أخرى ببرد فقال لهما: ارجعا فازنيا فقالتا: والله لا نفعل قد جاءنا الله بالإسلام وحرّم الزنا، فأتتا رسول الله ﷺ وشكتا إليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوروى معمر عن الزهري أنّ عبد الله بن أبي أسر رجلا من قريش يوم بدر، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة فكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه وكان ابن أبىّ يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل الله سبحانه وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ إماءكم عَلَى الْبِغاءِ أي الزنا.\nإِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا يعني إذ وليس معناه الشرط لأنه لا يجوز إكراههنّ على الزنا إن لم يردن تحصّنا، ونظيره قوله سبحانه وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «١» وقوله وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٢» أي إذ، وقوله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ «٣» يعني إذ شاء الله والتحصّن: التعفّف.\nوقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير تقديرها (وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصّنا) ثم قال (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههنّ) بعد ورود النهي فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ لهنّ غَفُورٌ رَحِيمٌ والوزر على المكره، وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: لهنّ والله لهن.\nوَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا خبرا وعبرة مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٧٨.\n(٢) سورة آل عمران: ١٣٩.\n(٣) سورة الفتح: ٢٧.","vol":"7","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-537>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٥ الى ٣٨]</span>\nاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨)\nاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.\nقال ابن عباس: الله هادي أهل السموات والأرض لا هادي فيهما غيره، فهم بنوره الى الحقّ يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة ينجون وليس يهتدي ملك مقرّب ولا نبىّ مرسل إلّا بهدى منه.\nالضحّاك والقرظي: منوّر السموات والأرض.\nمجاهد: مدبر الأمور في السموات والأرض.\nأبي بن كعب وأبو العالية والحسن: مزيّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزيّن الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين.\nوقال بعضهم: يعني الأنوار كلّها منه كما يقال: فلان رحمة وسخطة وهو لا يكون في نفسه رحمة ولا سخطة وإنما يكون منه الرحمة والسخطة.\nوقال بعض أهل المعاني: أصل النور هو التبرئة والتصفية، يقال: امرأة نوار ونساء نوار إذا كنّ متعرّيات من الريبة والفحشاء، قال الشاعر:\nنوار في صواحبها نوار ... كما فاجاك سرب أو صوار\nفمعنى النور هو المنزّه من كل عيب.\nوقال بعض العلماء: النور على أربعة أوجه: نور متلألئ، ونور متولّد، ونور من جهة صفاء اللون، ونور من جهة المدح، فالنور المتلألئ مثل قرص الشمس والقمر والكواكب وشعلة السراج، والمتولد هو الذي يتولد من شعاع الشمس والقمر والسراج فيقع على الأرض فيستنير به، والذي هو من صفاء اللون مثل نور اللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وكلّ شيء له نور صاف، والذي هو من جهة المدح قول الناس: فلان نور البلد وشمس العصر، قال الشاعر:\nفإنّك شمس والملوك كواكب ... إذا ما بدت «١» لم بدت منهنّ كوكب «٢»\n_________\n(١) في النسخة الثانية: إذا طلعت.\n(٢) أحكام القرآن- الجصّاص.: ١/ ٣٩٨.","vol":"7","page":100},{"text":"وقال آخر:\nقمر القبائل خالد بن يزيد «١»\nوقال آخر:\nإذا سار عبد الله من مرو ليلة ... فقد سار منها نورها وجمالها «٢»\nويجوز أن يقال: الله سبحانه نور من جهة المدح لأنه واجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه دون سائر الأوجه لأنّ النور المحسوس الذي هو ضدّ الظلمة لا يخلو من شعاع وارتفاع وسطوع ولموع وهذه كلّها منفيّة عن الله سبحانه لأنها من أمارات الحدث.\nقالوا: ولا يجوز أن يقال: لله يا نور إلّا أن يضمّ إليه شيء كما لا يجوز أن يقال: يا بديع إلّا أن يضمّ إليه شيء كما قال الله سبحانه بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٣» نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٤» .\nوقرأ علي بن أبي طالب: اللَّهُ نَوَّرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ على الفعل.\nمَثَلُ نُورِهِ اختلفوا في هذه الكناية فقال بعضهم: هي عائدة الى المؤمن أي مَثَلُ نُورِهِ في قلب المؤمن حيث جعل الإيمان والقرآن في صدره.\nروى الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب في هذه الآية قال: بدا بنور نفسه فذكره ثمّ ذكر نور المؤمن فقال مَثَلُ نُورِهِ وهكذا كان يقرأ أبي: مثل نور من آمن به، وقال ابن عباس والحسن وزيد بن أسلم وابنه: أراد بالنور القرآن، وقال كعب وسعيد بن جبير: هو محمد ﷺ ومثله روى مقاتل عن الضحاك، أضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلا، وروى عطيّة عن ابن عباس قال: يعني بالنور الطاعة، يسمّي طاعته نورا ثمّ ضرب لها مثلا.\nكَمِشْكاةٍ قال أهل المعاني: هذا من المقلوب أي كمصباح في مشكوة وهي الكوّة التي لا منفذ لها، وأصلها الوعاء يجعل فيها الشيء، والمشكاة: وعاء من أدم يبرّد فيه الماء، وهي على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة. قال الشاعر:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٥٥.\nهلّا خصصت من البلاد بمقصد ... تمرّ القبائل خالد بن يزيد\nفتح القدير: ٤/ ٣٢.\nهلّا قصدت من البلاد لمفضل ... قمر القبائل خالد بن يزيد\n(٢) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٥٥.\n(٣) سورة البقرة: ١١٧.\n(٤) سورة النور: ٣٥.","vol":"7","page":101},{"text":"كأنّ عينيه مشكاتان في حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير «١»\nوقيل: المشكوة: عمود القنديل الذي فيه الفتيلة.\nوقال مجاهد: هي القنديل فِيها مِصْباحٌ أي سراج وأصله من الضوء، ومنه الصبح، ورجل صبيح الوجه ومصبّح إذا كان وضيئا، وفرّق قوم بين المصباح والسراج فقال الخليل: المصباح «٢»: نفس السراج وقيل: السراج أعظم من المصباح لأنّ الله سبحانه سمّى الشمس سراجا فقال سِراجًا وَهَّاجًا «٣» ووَ جَعَلَ فِيها سِراجًا وقال في غيرها من الكواكب وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ «٤» .\nالْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ قرأ نصر بن عاصم: زَجاجَةٍ بفتح الزاي، الباقون بضمّه.\nقال الأخفش: فيها ثلاث لغات: ضمّ الزاي وفتحه وكسره.\nكَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي ضخم مضيء، ودراريّ النجوم عظامها، واختلف القرّاء فيه فقرأ أبو عمرو والكسائي مكسورة الدال مهموزة الياء ممدودة وهو من قول العرب: درأ «٥» النجم «٦» إذا طلع وارتفع، ومن مكان الى آخر رجع، وإذا انقضّ في اثر الشيطان فأسرع، وأصله من الرفع، ووزنه من الفعل فعيل، وقرأ حمزة وأبو بكر مضمومة الدال مهموزة ممدودة.\nقال أكثر النحاة: هي لحن لأنه ليس في الكلام فعّيل بضم الفاء وكسر العين.\nقال أبو عبيد: وأنا ارى لها وجها وذلك أنه درّ و«٧» على وزن فعّول من درأت مثل سبّوح وقدّوس ثمّ استثقلوا كثرة الضمّات فيه فردوا بعضها الى الكسرة كما قالوا عتيّا وهو فعول من عتوت.\nوقال بعضهم: هو مشتق على هذه القراءة من الدراة وهي البياض ويقال: منه ملح دراني، وقرأ سعيد بن المسيّب وأبو رجاء العطاردي بفتح الدال وبالهمز.\nقال أبو حاتم: هو خطأ لأنّه ليس في الكلام فعيل وإن صحّ منهما فهما حجّة، وقرأ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٥٧.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: السراج المسرجة والمصباح.\n(٣) سورة النبأ: ١٣.\n(٤) سورة فصّلت: ١٢.\n(٥) في النسخة الثانية: دار. [.....]\n(٦) في المخطوط: النجوم.\n(٧) في النسخة الثانية: دوري.","vol":"7","page":102},{"text":"الباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز، نسبوه الى الدرّ في صفائه وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ثمّ قال أبو عبيد: وإنما اخترنا هذه القراءة لعلل ثلاث:\nإحداها: ما جاء في التفسير أنه منسوب الى الدرّ لبياضه.\nوالثانية: للخبر\nعن النبي ﷺ أنّ أهل الجنة ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الدرّي في أفق السماء وإنّ أبا بكر وعمر منهم وأنعما!.\nوالثالثة: إجماع أهل الحرمين عليها.\nيُوقَدُ اختلف القرّاء فيه أيضا فقرأ شيبة ونافع وأيوب وابن عامر وعاصم برواية حفص بياء مضمومة يعنون المصباح، وقرأ حمزة والكسائي وخلف «١» برواية أبي بكر بتاء مضمومة أرادوا الزجاجة، وقرأ بن محيص»\nبتاء مفتوحة وتشديد القاف ورفع الدال على معنى تتوقد الزجاجة، وقرأ الآخرون: بفتح التاء والقاف والدال على المضيء يعنون المصباح.\nمِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ.\nقال عكرمة وجماعة: يعني لا يسترها من الشمس جبل ولا واد، فإذا طلعت الشمس أصابتها وإذا غربت أصابتها، فهي صاحبة للشمس طول النهار وليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، ولا هي غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت، بل تأخذ حظّها من الأمرين، وإذا كان كذلك كان أجود وأضوأ لزينتها.\nوقال السدىّ وجماعة: يعني ليست في مقنوة «٣» لا تصيبها الشمس ولا هي بارزة للشمس لا يصيبها الظل، فهي لم يضرّها الشمس ولا الظلّ.\nوقال بعضهم: هي معتدلة ليست من شرق «٤» فيلحقها الحرّ، ولا في غرب فيضرّ بها البرد وهي رواية ابن ظبيان عن ابن عباس.\nوقال ابن زيد: هي شاميّة لأنّ الشام لا شرقي ولا غربي، تقول: هي شرقيّة وغربيّة وهذا كقولك: فلان لا مسافر ولا مقيم، وليس هذا بأبيض ولا أسود إذا كان له من كلا الأمرين قسط ونصيب، قال الشاعر:\nبأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلّت «٥»\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: وعاصم.\n(٢) في النسخة الثانية: ابن محسن.\n(٣) هي المضحاة والمقناة أي الستر، لسان العرب: ١٥/ ٢٠٦.\n(٤) أي ليست من شجر الشرق.\n(٥) لسان العرب: ٤/ ٢٣٥.","vol":"7","page":103},{"text":"يعني فعلوا هذا.\nوقال الحسن: ليس هذه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنّما هو مثل ضربه الله سبحانه لنوره، وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا لأنها بدل من الشجرة فقال زَيْتُونَةٍ وإنما خصّ الزيتونة من بين سائر الأشجار لأنّ دهنها أضوأ وأصفر.\nوقيل: لأنّه يورق غصنها من أوله الى آخره ولا يحتاج دهنه إلى عصّار يستخرجه.\nوقيل: لأنّها أول شجرة نبتت من الدنيا، وقيل: بعد الطوفان، وقيل: لأنّ منبتها منزل الأنبياء والأولياء والأرض المقدّسة، وقيل: لأنّه بارك فيها سبعون نبيّا منهم إبراهيم (﵇) قال: لذلك قال مُبارَكَةٍ.\nأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الحافظ في داري قال: حدّثنا عبد الله ابن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي قال: حدّثني هاشم ابن القاسم الحراني قال: حدّثنا يعلى بن الأشدق عن عمّه عبد الله بن حراد قال: قال رسول الله ﷺ: «اللهم بارك في الزيت والزيتون، اللهم بارك في الزيت والزيتون» [٦٠] «١» .\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني قال: حدّثني أحمد بن عبد الملك قال: حدّثنا زهير قال: حدّثنا عبد الله بن عيسى عن عطاء عن أبي أسيد قال: قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزيت وادّهنوا به فإنّه من شجرة مباركة» [٦١] «٢» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن بن سفيق قال: سمعت أبي يقول: حدّثنا أبو حمزة عن جابر عن أبي الطفيل عن عبد الله بن ثابت الأنصاري قال: دعا بنيه ودعا بزيت فقال: ادهنوا رؤوسكم، فقالوا: لا ندهن رؤوسنا بالزيت قال: فأخذ العصا وجعل يضربهم ويقول: أترغبون عن دهن رسول الله ﷺ؟\nوحدّثنا عبد الله بن يوسف بن ماموله قال: أخبرنا محمد بن عمر بن الخطاب الدينوري قال: حدّثنا أحمد بن عبد «٣» الله بن سنان قال: حدّثنا يحيى بن عثمان بن صالح قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر أنّ رسول الله ﷺ قال: «عليكم بهذه الشجرة المباركة زيت الزيتون فتداووا به فإنّه مصحّة من الباسور» [٦٢] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٥٨.\n(٢) سنن الترمذي: ٣/ ١٨٦.\n(٣) في النسخة الثانية: عبد الله بن أحمد.","vol":"7","page":104},{"text":"ثمّ قال سبحانه يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ من صفائه وضيائه. وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ قيل: أن تصيبه نار، واختلف العلماء في معنى هذا المثل والممّثل وفي المعنيّ بالمشكاة والزجاجة والمصباح، فقال قوم: هذا مثل ضربه الله سبحانه لنبيّه محمد ﷺ، وقال شمر بن عطية: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال له: حدّثني عن قوله ﷾ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ الآية فقال كعب: هذا مثل ضربه الله سبحانه لمحمد ﷺ، فالمشكاة صدره، والزُّجاجَةُ قلبه، والْمِصْباحُ فيه النبوّة، توقد مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وهي شجرة النبوّة، يكاد نور محمد وأمره يتبيّن للناس ولو لم يتكلّم أنّه نبىّ كما يكاد ذلك الزيت يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ.\nأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: حدّثنا أبو عثمان البصري قال: حدّثنا أحمد بن سلمة قال:\nحدّثنا الحسين بن منصور قال: حدّثنا أبان بن راشد الحرزي «١» قال: حدّثنا الوراع بن نافع عن سالم عن ابن عمر في هذه الآية قال: المشكاة جوف محمد، والزُّجاجَةُ قلبه، والْمِصْباحُ النور الذي جعل الله فيه، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ لا يهودي ولا نصراني، توقد مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ إبراهيم، نُورٌ عَلى نُورٍ النور الذي جعل الله في قلب إبراهيم كما جعل في قلب محمد ﷺ.\nوقال محمد بن كعب القرظي: المشكاة إبراهيم، والزُّجاجَةُ إسماعيل، الْمِصْباحُ محمد ﷺ، سمّاه الله مصباحا كما سمّاه سراجا فقال عزّ من قائل وَسِراجًا مُنِيرًا يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وهي إبراهيم، سمّاه مباركا لأنّ أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يعني إبراهيم لم يكن يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وإنّما قال ذلك لأنّ اليهود تصلّي قبل المغرب والنصارى قبل المشرق يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ يعني تكاد محاسن محمد تظهر للناس قبل أن أوحي إليه نُورٌ عَلى نُورٍ أي نبيّ من نسل نبيّ.\nوروى مقاتل عن الضحّاك قال: شبّه عبد المطّلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي ﷺ بالمصباح، كان في صلبهما فورث النبوّة من إبراهيم (﵇) يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ بل هي مكيّة لأنّ مكة وسط الدنيا.\nووصف بعض البلغاء هذه الشجرة فقال: هي شجرة التقى والرضوان وشجرة الهدى والإيمان شجرة أصلها نبوّة، وفرعها مروّة، وأغصانها تنزيل، وورقها تأويل، وخدمها جبرئيل وميكائيل.\nوقال آخرون: هذا مثل ضربه الله سبحانه للمؤمن.\nروى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال: هذا مثل المؤمن، فالمشكاة نفسه، والزُّجاجَةُ صدره، والْمِصْباحُ ما جعل الله سبحانه من الإيمان والقرآن في قلبه، توقد\n_________\n(١) في النسخة الثانية: الخرزي.","vol":"7","page":105},{"text":"مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ وهي الإخلاص لله وحده لا شريك له، فمثله مثل شجرة التفّ بها الشجر فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فيثبته الله تعالى فيها، فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.\nثمّ قال: نُورٌ عَلى نُورٍ فهو ينقلب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره الى النور يوم القيامة الى الجنة.\nوقال ابن عباس: هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسّه النار، فإن مسته النار ازداد ضوءا على ضوئه كما يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور كقول إبراهيم (﵇) قبل أن تجيئه المعرفة هذا رَبِّي «١» حين رأى الكوكب من غير أن أخبره أحد أنّ له ربّا، فلمّا أخبره الله أنّه ربّه ازداد هدى على هدى ثم قال نُورٌ عَلى نُورٍ يعني إيمان المؤمن وعمله.\nوقال الحسن وابن زيد: هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن، فكما أنّ هذا المصباح يستضاء به وهو كما هو لا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ويؤخذ به ويعمل به، ف الْمِصْباحُ هو القرآن، والزُّجاجَةُ قلب المؤمن، والمشكاة لسانه وفمه، والشجرة المباركة شجرة الوحي.\nيَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ يقول: تكاد حجّة القرآن تتّضح وإن لم تقرأ، وقيل: تكاد حجج الله على خلقه تضيء لمن فكّر فيها وتدبّرها ولو لم ينزل القرآن.\nنُورٌ عَلى نُورٍ يعني أنّ القرآن نور من الله يخلقه مع ما قد أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن فازدادوا بذلك نورا على نور.\nثمّ أخبر أنّ هذا النور المذكور عزيز فقال عزّ من قائل يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ تقريبا للشيء الذي أراده إلى الأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك على الأنام وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.\nثمّ قال عزّ من قائل فِي بُيُوتٍ نظم الآية: ذلك المصباح في بيوت ويجوز أن يكون معناه: توقد في بيوت وهي المساجد، عن أكثر المفسّرين.\nأخبرني ابن فنجويه الدينوري قال: حدّثنا ابن حنش «٢» المقري قال: حدّثنا محمد بن أحمد\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٧٦.\n(٢) في النسخة الثانية: حبش.","vol":"7","page":106},{"text":"ابن إبراهيم الجوهري قال: حدّثنا علىّ بن أشكاب قال: حدّثنا محمد بن ربيعة الكلابي عن بكير ابن شهاب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجد بيوت الله ﷿ في الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض.\nوقال عمرو بن ميمون: أدركت أصحاب رسول الله ﷺ وهم يقولون: المساجد بيوت الله وحقّ على الله أن يكرم من زاره فيها.\nوأخبرنا الحسين «١» بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال:\nحدّثنا عبيد الله بن ثابت الحريري «٢» قال: حدّثنا أبو سعيد الأشجّ قال: حدّثنا أبو أسامة عن صالح بن حيّان عن ابن أبي «٣» بريدة في قوله سبحانه فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ الآية. قال:\nإنّما هي أربع مساجد لم يبنها إلّا نبيّ: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل فجعلاها قبلة، وبيت المقدس بناه داود وسليمان، ومسجد المدينة بناه رسول الله ﷺ، ومسجد قباء أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى، بناه رسول الله ﷺ.\nوأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري «٤» قال: حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الهمذاني بالكوفة قال:\nحدّثنا المنذر بن محمد القابوسي قال: حدّثني الحسين بن سعيد قال: حدّثني أبي عن أبان بن تغلب عن نفيع بن الحرث عن أنس بن مالك وعن بريدة قالا: قرأ رسول الله ﷺ هذه الآية فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ إلى قوله وَالْأَبْصارُ فقام رجل فقال: أيّ بيوت هذه يا رسول الله؟ قال: «بيوت الأنبياء» .\nقال: فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا البيت منها- لبيت عليّ وفاطمة-؟\nقال: «نعم من أفاضلها» [٦٣] «٥» .\nالصادق: بيوت النبي ﷺ.\nالسدّي: المدينة.\nوأولى الأقوال بالصواب أنّها المساجد لدلالة سياق الآية على أنها بيوت بنيت للصلاة والعبادة.\nفإن قيل: ما الوجه في توحيده المشكاة والمصباح وجمع البيوت، لا يكون مشكاة واحدة إلّا في بيت واحد؟.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: الحسن. [.....]\n(٢) في النسخة الثانية: الحدوي.\n(٣) في النسخة الثانية: ابن بريدة.\n(٤) في النسخة الثانية: أبو عبد الله الدينوري.\n(٥) الدرّ المنثور: ٥/ ٥٠.","vol":"7","page":107},{"text":"قلنا: هذا من الخطاب المتلوّن الذي يفتح بالتوحيد ويختم بالجمع كقوله سبحانه يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ «١» ونحوها، وقيل: رجع الى كلّ واحد من البيوت، وقيل: هو مثل قوله سبحانه وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا «٢» وإنّما هو في واحدة منها.\nأَنْ تُرْفَعَ أي تبنى عن مجاهد نظيره قوله سبحانه وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ «٣» وقال الحسن: تعظيم، وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ قال ابن عباس: يتلى فيها كتابه، يُسَبِّحُ لَهُ فِيها قرأ قتادة وأشهب العقيلي ونصر بن عاصم الليثي وابن عامر وعاصم بفتح الباء على غير تسمية الفاعل.\nثم قال رِجالٌ أي هم رجال كما يقال: ضرب زيد وأكل طعامك فيقال: من فعل؟ فيبيّن فيقول: فلان، وفلان والوقف على هذه القراءة عند قوله وَالْآصالِ. وقرأ الآخرون بكسر الباء جعلوا التسبيح فعلا للرجال.\nقال ابن عباس: كلّ تسبيح في القرآن صلاة يدلّ عليه قوله سبحانه بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ أي بالغداة والعشىّ.\nقال المفسّرون: أراد الصلوات المفروضة، فالصلاة التي تؤدّى بالغدوّ صلاة الفجر، والتي تؤدّى في الآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأنّ اسم الأصيل لجميعها.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا عمير بن مرداس قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدّثنا عبد الرّحمن بن زيد عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من أحد يغدو ويروح إلى المسجد ويؤثره على ما سواه إلّا وله عند الله نزل معدّله في الجنّة كلّما غدا وراح، كما لو أنّ أحدكم زاره من يحبّ زيارته في كرامته» «٤» [٦٤] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحسني عن إبراهيم المدني عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ: «من غدا الى المسجد وراح ليتعلّم خيرا أو يعلّمه كان كمثل المجاهد في سبيل الله رجع غانما، ومن غدا إليه لغير ذلك كان كالناظر إلى الشيء ليس له، يرى المصلين وليس منهم، ويرى الذاكرين وليس منهم» «٥» [٦٥] .\n_________\n(١) سورة الطلاق: ١.\n(٢) سورة نوح: ١٦.\n(٣) البقرة: ١٢٧.\n(٤) كنز العمّال: ٧/ ٥٦٩.\n(٥) راجع كتاب الموطأ- الإمام مالك-: ١/ ٧١٦١ ومسند أحمد: ٢/ ٣٥٠، والمستدرك للحاكم: ١/ ٩١.","vol":"7","page":108},{"text":"ثمّ وصفهم فقال رِجالٌ قيل: وجه تخصيص الرجال بالذكر في هذه البيوت أنّه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المساجد لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ قال أهل المعاني: إنّما خصّ التجارات لأنّها أعظم ما يشتغل بها الإنسان عن الصلوات وسائر الطاعات وَلا بَيْعٌ إن قيل:\nإنّ التجارة اسم يقع على البيع والشراء، فما معنى ضم ذكر البيع الى التجارة؟ فالجواب عنه ما قال الواقدي أنّه أراد بالتجارة الشراء نظيره قوله سبحانه وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً «١» يعني الشراء.\nعَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ أي إقامة الصلاة فحذف الهاء الزائدة لأجل الإضافة، لأنّ الخافض وما خفض عندهم كالحرف الواحد فاستغنوا بالمضاف إليه من الهاء إذ كانت الهاء عوضا من الواو، ولأنّ أصل الكلمة أقومت إقواما فاستثقلوا الضمّة على الواو فسكّنوها فاجتمع حرفان ساكنان فأسقطوا الواو ونقلوا حركته الى القاف، وأبدلوا من الواو المحذوفة هاء في آخر الحرف كالتكثير للحرف كما فعلوا في قولهم: عدة وزنة وأصلها وعدة ووزنة، فلمّا أضيفت حذفت الهاء وجعلت الإضافة عوضا منها، كقول الشاعر:\nإنّ الخليط أجدّوا البين وانجردوا ... وأخلفوك عد الأمر الذي وعدوا «٢»\nأراد: عدة الأمر فأسقط الهاء منها لما أضافها.\nوَإِيتاءِ الزَّكاةِ المفروضة عن الحسن.\nوقال ابن عباس: الزكاة إخلاص الطاعة لله ﷾. قال ابن حيّان: هم أهل الصفّة.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا جعفر بن سليمان قال:\nأخبرني عمرو بن دينار مولى لآل الزبير عن سالم عن ابن عمر أنّه كان في السوق فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهم فدخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.\nوأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري قال: حدّثنا أبو سعيد أحمد بن عمر بن حبيش الرازي قال: حدّثنا علي بن طيفور النسائي قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبي حجير عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إنّ للمساجد أوتادا الملائكة جلساؤهم يتفقّدونهم، وإن مرضوا عادوهم وإن كانوا في حاجة أعانوهم» «٣» [٦٦] .\n_________\n(١) سورة الجمعة: ١١.\n(٢) لسان العرب: ١/ ٦٥١.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٤١٨.","vol":"7","page":109},{"text":"وقال: جليس المسجد على ثلاث خصال: أخ مستفاد، أو كلمة محكمة، أو رحمة منتظرة.\nيَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ من هوله بين طمع في النجاة وحذر من الهلاك.\nوَالْأَبْصارُ أيّ ناحية يؤخذ بهم أذات اليمين أم ذات الشمال؟ ومن أين يؤتون كتبهم أمن قبل اليمين أم من قبل الشمال؟ وذلك يوم القيامة.\nلِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا يعني أنّهم اشتغلوا بذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ أي بأحسن ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ما لم يستحقّوه بأعمالهم وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>[سورة النور (٢٤): الآيات ٣٩ الى ٤٤]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ (٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ (٤٣)\nيُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (٤٤)\nثمّ ضرب لأعمال الكافرين مثلا فقال عزّ من قائل وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ وهو الشعاع الذي تراه نصف النهار في البراري عند شدّة الحرّ كأنّه ماء فإذا قرب منه الإنسان انفشّ فلم ير شيئا، وسمّي سرابا لأنّه ينسرب أي يجري كالماء.\nبِقِيعَةٍ وهو جمع القاع مثل جار وجيرة، والقاع: المنبسط الواسع من الأرض وفيه يكون السراب.\nيَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ يظنّه العطشان ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ يعني ما قدّر أنّه ماء فلم يجده على ما قدّر، وقيل: معناه جاء موضع السراب فاكتفى بذكر السراب عن موضعه، كذلك الكافر يحسب أنّ عمله مغنى عنه أو نافعه شيئا فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجد عمله أغنى عنه شيئا ولا نفعه وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي وجد الله بالمرصاد عند ذلك فَوَفَّاهُ حِسابَهُ جزاء عمله، وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ أَوْ كَظُلُماتٍ.\nوهذا مثل آخر ضربه الله تعالى لأعمال الكفّار أيضا يقول: مثل أعمالهم في خطائها","vol":"7","page":110},{"text":"وفسادها، وضلالتهم وجهالتهم وحيرتهم فيها كظلمات فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ وهو العميق الكثير الماء وذلك أشدّ ظلمة، ولجّة البحر: معظمه يَغْشاهُ يعلوه مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ متراكم مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ قرأ ابن كثير برواية النبّال والفلنجي سَحابٌ بالرفع والتنوين، ظُلُماتٍ بالجرّ على البدل من قوله أَوْ كَظُلُماتٍ. روى البّزي عنه، سحابُ ظلماتٍ بالإضافة وقرأ الآخرون: سَحابٌ ظُلُماتٌ كلاهما بالرفع والتنوين، وتمام الكلام عند قوله سَحابٌ.\nثمّ ابتدأ فقال ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر.\nقال المفسّرون: أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللجّي قلبه، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة، وبالسحاب الرّين والختم والطبع على قلبه.\nقال أبي بن كعب في هذه الآية: الكافر ينقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة ومدخله، ظلمة ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار.\nإِذا أَخْرَجَ يعني الناظر يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها أي لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمات.\nوقال الفرّاء: كاد صلة أي لم يرها كما تقول: ما كدت أعرفه، وقال المبرّد: يعني لم يرها إلّا بعد الجهد كما يقول القائل: ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه ولكن بعد يأس وشدّة، وقيل:\nمعناه قرب من الرؤية ولم ير، كما يقال: كاد العروس يكون أميرا، وكاد النعام يطير.\nوَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ يعني من لم يهده الله فلا إيمان له.\nقال مقاتل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أميّة، كان يلتمس الدين في الجاهلية ولبس المسوح ثم كفر في الإسلام.\nأخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد بن محمد بن إبراهيم العدل قال: حدّثنا أبو الحسين محمد بن منصور الواعظ قال: حدّثنا أبو عمر محمد بن عبد الواحد الزاهد قال: حدّثنا محمد ابن يونس الكديمي قال: حدّثنا عبيد الله بن عائشة قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «أنّ الله تعالى خلقني من نوره، وخلق أبا بكر من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر!، وخلق المؤمنين من أمّتي من الرجال من نور عمر، وخلق المؤمنات من أمّتي من النساء من نور عائشة، فمن لم يحبّني ويحبّ أبا بكر وعمر وعائشة فما له من نور!، فنزلت عليه وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ» «١» [٦٧] .\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ أجنحتهنّ في الهواء\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٢/ ٢٨٦.","vol":"7","page":111},{"text":"كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ قال المفسّرون: الصلاة لبني آدم، والتسبيح عام لغيرهم من الخلق وفيه وجوه من التأويل:\nأحدها: كلّ مصلّ ومسبّح قد علم الله صلاته وتسبيحه.\nوالثاني: كلّ مسبّح ومصلّ منهم قد علم صلاة نفسه وتسبيحه الذي كلّفه الله، وقد علم كلّ منهم صلاة الله من تسبيحه. وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي تقديرها وتدبير أمورها وتصريف أحوالها كما يشاء وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي يسوق سَحابًا الى حيث يريد ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ أي يجمع بين قطع السحاب المتفرّقة بعضها إلى بعض، والسّحاب جمع، وإنما ذكر الكناية على اللفظ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا متراكما بعضه فوق بعض فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وسطه وهو جمع خلل، وقرأ ابن عباس والضحاك من خلله.\nوَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ أي البرد، ومن صلة، وقيل: معناه وينزل من السماء قدر جبال أو مثال جبال من برد إلى الأرض، فمن الأولى للغاية لأنّ ابتداء الإنزال من السماء، والثانية: للتبعيض لأنّ البرد بعض الجبال التي في السماء، والثالثة: لتبيين الجنس لأنّ جنس تلك الجبال جنس البرد فَيُصِيبُ بِهِ أي بالبرد مَنْ يَشاءُ فيهلكه ويهلك زروعه وأمواله، وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ أي ضوء برق السحاب يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ من شدّة ضوئه وبريقه، وقرأ أبو جعفر: يُذْهِبُ بضم الياء وكسر الهاء، غيره: من الذهاب.\nيُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يصرفهما في اختلافهما ويعاقبهما إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت من هذه الأشياء لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ لذوي العقول.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا سفيان عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: يؤذيني ابن آدم بسبّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلّب الليل والنهار» «١» [٦٨] .\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/ ٤١. [.....]","vol":"7","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-539>[سورة النور (٢٤): الآيات ٤٥ الى ٥٥]</span>\nوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥) لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧) وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)\nأَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠) إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ (٥٢) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (٥٣) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (٥٤)\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥)\nوَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ خالق على الاسم كوفي غير عاصم، الباقون: خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ على الفعل مِنْ ماءٍ أي من نطفة، وقيل: إنما قال مِنْ ماءٍ لأنّ أصل الخلق من الماء، ثم قلب بعض الماء الى الريح فخلق منها الملائكة، وبعضه إلى النار فخلق منه الجن، وبعضه إلى الطين فخلق منه آدم.\nفَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ كالحيّات والحيتان وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ كالطير وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ قوائم كالأنعام والوحوش والسباع ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع لأنّه كالذي يمشي على أربع في رأي العين.\nيَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ كما يشاء إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنا يعني المنافقين ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ ويدعو الى غير حكم الله.\nقال الله ﷾ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ\nنزلت هذه الآيات في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض فجعل اليهودي يجرّه الى رسول الله ﷺ ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجرّه الى كعب بن الأشرف ويقول: إنّ محمّدا يحيف علينا\n، فذلك قوله وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ الرسول بحكم الله إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ مطيعين منقادين لحكمه أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا\nيعني أنّهم كذلك فجاء بلفظ التوبيخ ليكون أبلغ في الذمّ، كقول جرير في المدح:\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\nيعني أنتم كذلك.\nأَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ أي يظلم بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ لأنفسهم بإعراضهم عن الحق والواضعون المحاكمة في غير موضعها.","vol":"7","page":113},{"text":"إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ أي الى كتاب الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ نصب القول على خبر كان واسمه في قوله أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ وذلك أنّ المنافقين كانوا يقولون لرسول الله ﷺ: أينما كنت نكن معك، إن أقمت أقمنا وإن خرجت خرجنا وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فقال الله سبحانه قُلْ\nلهم لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ\nأي هذه طاعة بالقول واللسان دون الاعتقاد فهي معروفة منكم بالكذب أنكم تكذبون فيها، وهذا معنى قول مجاهد، وقيل: معناه طاعة معروفة أمثل وأفضل من هذا القسم الذي تحنثون فيه.\nإِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ\nمن طاعتكم ومخالفتكم.\nقُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن طاعة الله ورسوله والإذعان بحكمهما فَإِنَّما عَلَيْهِ أي على الرسول ما حُمِّلَ كلّف وأمر به من تبليغ الرسالة وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ من طاعته ومتابعته وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا.\nسمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن عقيل الورّاق في آخرين قالوا: سمعنا أبا عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي يقول: سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل الحيري يقول: من أمّر السنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمرّ الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة لقول الله سبحانه وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا.\nوَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ إنما أدخل اللام بجواب اليمين المضمر لأنّ الوعد قول، مجازها وقال الله سبحانه الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ والله لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ أي ليورثنّهم أرض الكفّار من العرب والعجم، فيجعلهم ملوكها وسائسيها وسكّانها.\nكَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني بني إسرائيل إذ أهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ، وقرأه العامة: كَمَا اسْتَخْلَفَ بفتح التاء واللام لقوله سبحانه وَعَدَ اللَّهُ وقوله لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ.\nوروى أبو بكر عن عاصم بضم التاء وكسر اللام على مذهب ما لم يسمّ فاعله.\nوَلَيُمَكِّنَنَّ وليوطّننّ لَهُمْ دِينَهُمُ ملّتهم التي ارتضاها لهم وأمرهم بها وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ قرأ ابن كثير وعاصم ويعقوب بالتخفيف وهو اختيار أبي حاتم، غيرهم: بالتشديد وهما لغتان. وقال بعض الأئمة: التبديل: تغيير حال الى حال، والإبدال: رفع شيء وجعل غيره مكانه مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بهذه النعمة بَعْدَ ذلِكَ وآثر يعني الكفر بالله فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.","vol":"7","page":114},{"text":"روى الربيع عن أبي العالية في هذه الآية قال: مكث النبي ﷺ عشر سنين خائفا يدعو الى الله سرا وعلانية ثم أمر بالهجرة الى المدينة، فمكث بها هو وأصحابه خائفين يصبحون في السلاح ويمسون فيه، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنّا السلاح فقال النبي ﷺ:\n«لا تغبرّون إلّا يسيرا حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبيا ليس فيه حديده» «١» [٦٩] .\nوأنزل الله سبحانه هذه الآية فأنجز الله وعده وأظهره على جزيرة العرب، فآمنوا ثم تجبّروا وكفروا بهذه النعمة وقتلوا عثمان بن عفان، فغيّر الله سبحانه ما بهم وأدخل الخوف الذي كان رفعه عنهم.\nوقال مقاتل: لمّا رجع النبي ﷺ من الحديبيّة حزن أصحابه فأطعمهم الله نخل خيبر، ووعدهم أن يدخلوا العام المقبل مكة آمنين، وأنزل هذه الآية.\nقلت: وفيها دلالة واضحة على صحّة خلافة أبي بكر الصدّيق ﵁ وإمامة الخلفاء الراشدين ﵃.\nروى سعيد بن جهمان عن سفينة قال: قال رسول الله ﷺ: «الخلافة من بعدي ثلاثون ثم يكون ملكا» «٢» [٧٠] .\nقال سفينة: أمسك خلافة أبي بكر سنتين، وعمر عشرا، وعثمان ثنتي عشرة، وعليّ ستة.\nوأخبرنا أبو عبد الله عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني بها قال: أخبرنا شافع بن محمد قال: حدّثنا ابن الوشّاء قال: حدّثنا ابن إسماعيل البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الصباح قال: حدّثنا هشيم بن بشير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:\n«الخلافة بعدي في أمّتي في أربع: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ»\n«٣» [٧١] .\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٨/ ٢١٢.\n(٢) صحيح ابن حبّان: ١٥/ ٣٩٢.\n(٣) لم نجده في المصادر.","vol":"7","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-540>[سورة النور (٢٤): الآيات ٥٦ الى ٦٤]</span>\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)\nلَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢) لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٦٣) أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ لا تَحْسَبَنَّ يا محمد الَّذِينَ كَفَرُوا هذه قراءة العامة وقرأ ابن عامر وحمزة بالياء على معنى: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم مُعْجِزِينَ لأنّ الحسبان يتعدّى إلى مفعولين وقال الفرّاء: يجوز أن يكون الفعل للنبي ﷺ أي لا يحسبنّ محمد الكافرين مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ.\nقال ابن عباس وجّه رسول الله ﷺ غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو الى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته، فقال: يا رسول الله وددت لو أن اله أمرنا ونهانا في حال الاستيذان فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال مقاتل: نزلت في أسماء بنت مرثد، كان لها غلام كبير فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله ﷺ، فقالت: إنّ خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ اللام لام الأمر الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني العبيد والإماء وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ من الأحرار ثَلاثَ مَرَّاتٍ في ثلاثة أوقات مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ للقائلة وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ.\nروى عبد الرّحمن بن عوف ان رسول الله ﷺ قال: «لا تغلبنّكم الأعراب على اسم صلواتكم فإن الله سبحانه قال وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ وإنّما العتمة عتمة الإبل، وإنّما خصّ هذه الأوقات لأنّها ساعات الغفلة والخلوة ووضع الثياب والكسوة، فذلك قوله سبحانه ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ» [٧٢] .","vol":"7","page":116},{"text":"قرأ أهل الكوفة ثَلاثَ بالنصب ردّا على قوله ثَلاثَ مَرَّاتٍ ورفعه الآخرون على معنى هذه ثلاث عورات لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ يعني العبيد والخدم والأطفال جُناحٌ على الدخول بغير إذن بَعْدَهُنَّ أي بعد هذه الأوقات الثلاثة طَوَّافُونَ أي هم طوّافون عَلَيْكُمْ يدخلون ويخرجون ويذهبون ويجيؤون ويتردّدون في أحوالهم وأشغالهم بغير إذن بَعْضُكُمْ يطوف عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هو منسوخ لا يعمل به اليوم.\nأخبرنا أبو محمد الرومي قال: أخبرنا أبو العباس السراج قال: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا عبد العزيز عن عمرو عن عكرمة أنّ نفرا من أهل العراق قالوا لابن عباس: كيف ترى في هذه الآية؟ أمرنا فيها بما أمرنا فلا يعمل بها أحد، قول الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية، فقال ابن عباس: إنّ الله رفيق حليم رؤوف رحيم، يحب الستر، وكان الناس ليست لبيوتهم ستور ولا حجال، فربّما دخل الخادم والولد والرجل على أهله، فأمرهم الله ﷾ بالاستيذان في تلك العورات فجاءهم الله بالستور والخير فلم أر أحدا يعمل بذلك. وقال آخرون: هي محكمة والعمل بها واجب.\nروى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت الشعبي عن هذه الآية لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ قلت: أمنسوخة هي؟ قال: لا والله ما نسخت «١»، قلت: إنّ الناس لا يعملون بها؟ قال: الله المستعان.\nوروى أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في هذه الآية قال: إن ناسا تقول:\nنسخت، والله ما نسخت ولكنها ممّا يتهاون به الناس.\nوَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ أي من أحراركم الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا في جميع الأوقات في الدخول عليكم كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الأحرار الكبار.\nكَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ يعني اللاتي قعدن عن الولد من الكبر فلا يحضن ولا يلدن، واحدتها قاعدة.\nاللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا لا يطمعن في التزوّج وأيسن من البعولة.\nفَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ عند الرجال يعني جلابيبهن والقناع الذي فوق الخمار، والرداء الذي يكون فوق الثياب، يدلّ على هذا التأويل قراءة أبيّ بن كعب: أن يضعن من ثيابهن غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ يعني من غير أن يردن بوضع الجلباب والثياب أن ترى زينتهن،\n_________\n(١) في المخطوط: نسخ.","vol":"7","page":117},{"text":"والتبرّج هو أن تظهر المرأة محاسنها ممّا ينبغي لها أن تستره.\nوَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ فيلبسن جلابيبهنّ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ اختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها فقال ابن عباس: لمّا أنزل الله ﷾ قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ تحرّج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج وقالوا: الطعام أفضل الأموال، وقد نهانا الله سبحانه عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيّب، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والمريض لا يستوفي الطعام، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وعلى هذا التأويل يكون على بمعنى في، يعني ليس عليكم في مواكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج.\nوقال سعيد بن جبير والضحاك ومقسم: كان العرجان والعميان يتنزّهون عن مؤاكلة الأصحّاء لأنّ الناس يتقزّزون منهم ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض تقزّزا فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال مجاهد: نزلت هذه الآية ترخيصا للمرضى والزمنى في الأكل من بيوت من سمّى الله سبحانه في هذه الآية وذلك أن قوما من أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا لم يكن عندهم ما يطعمونهم ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أي بعض من سمّى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة: يتحرجون من أن يطعموا ذلك الطعام لأنّه أطعمهم غير مالكيه ويقولون: إنما يذهبون بنا الى بيوت غيرهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوروى عبد الرزاق عن معمّر قال: سألت الزهري عن هذه الآية فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أنّ المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللناكم أن تأكلوا ممّا في بيوتنا، فكانوا يتحرّجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم غيّب فأنزلت هذه رخصة لهم.\nوقال الحسن وابن زيد: يعني لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في التخلّف عن الجهاد في سبيل الله، قالا: وهاهنا تمام الكلام.\nوقوله وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ الآية. كلام منقطع عمّا قبله.\nقال ابن عباس: تحرّج قوم عن الأكل من هذه البيوت لمّا نزل قوله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وقالوا: لا يحلّ لأحد منّا أن يأكل عند أحد، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ أَوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ.","vol":"7","page":118},{"text":"قال ابن عباس: عنى بذلك وكيل الرجل وقيّمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته.\nوقال الضحّاك: يعني من بيوت عبيدكم ومماليككم.\nمجاهد وقتادة: من بيوت أنفسكم ممّا اخترتم وملكتم، وقرأ سعيد بن جبير: ملّكتم بالتشديد.\nقال ابن عباس: نزلت هذه الآية في الحرث بن عمرو، خرج مع رسول الله ﷺ غازيا وخلّف ملك بن زيد على أهله فلمّا رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال: تحرّجت أن آكل من طعامك بغير إذنك، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرّج من طعامه من غير استيذان بهذه الآية.\nأَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتاتًا.\nقال قوم: نزلت في حيّ من كنانة يقال لهم بنو ليث بن عمرو، كانوا يتحرّجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، فربما قعد الرجل والطعام بين يديه من الصباح الى المساء الرواح والشول جفل والأحوال منتظمة تحرجا من أن يأكل وحده، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل فأنزل الله سبحانه هذه الآية وهذا قول قتادة والضحاك وابن جريج، ورواية الوالبي عن ابن عباس.\nوروى عطاء الخراساني عنه قال: كان الغنىّ يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه فيقول: والله إنّى لأحتج أن آكل معك أي أتحرّج وأنا غنىّ وأنت فقير، فنزلت هذه الآية.\nوقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلّا مع ضيفهم فرخّص لهم في أن يأكلوا حيث شاؤوا جميعا مجتمعين، أو أشتاتا متفرقين.\nفَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ أي ليسلّم بعضكم على بعض كقوله سبحانه وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ «١» .\nعن الحسن وابن زيد حدّثنا «٢» ابن حبيب لفظا في شهور سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة قال: حدّثنا أبو حاتم محمد بن حيان البستي قال: حدّثنا محمد بن صالح الطبري قال: حدّثنا الفضل بن سهل الأعرج قال: حدّثنا محمد بن جعفر المدائني قال: حدّثنا ورقاء عن الأعمش\n_________\n(١) سورة النساء: ٢٩.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: أبو القاسم الحسن بن محمد.","vol":"7","page":119},{"text":"عن زيد بن وهب عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «السلام اسم من أسماء الله تعالى فأفشوه بينكم، فإنّ الرجل المسلم إذا مرّ بالقوم فسلّم عليهم فردّوا عليه كان له عليهم فضل درجة بذكره إيّاهم بالسلام، فإن لم يردّوا عليه ردّ عليه من هو خير منهم وأطيب» «١» [٧٣] .\nوحدّثنا أبو القاسم قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن العباس البغوي قال: حدّثنا أبو محمد عبد الملك بن محمد بن عبد الوهاب البغوي قال: حدّثنا يونس بن عبد الأعلى قال:\nأخبرنا ابن وهب قال: أخبرني ابن سمعان أن سعيد المقبري أخبره عن أبيه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «إذا وقف أحدكم على المجلس فليسلّم، فإن بدا له أن يقعد فليقعد، وإذا قام فليسلّم، فإنّ الأولى ليست بأحقّ من الآخرة»»\n[٧٤] .\nوقال بعضهم: معناه: فإذا دخلتم بيوت أنفسكم فسلّموا على أهلكم وعيالكم، وهو قول جابر بن عبد الله وطاوس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار، ورواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، قال: فإن لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا من ربّنا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله.\nحدّثنا «٣» ابن حبيب لفظا قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن موسى بن كعب العدل إملاء قال: حدّثنا أبو نصر اليسع بن زيد بن سهل الرسّي بمكة سنة اثنتين وثمانين ومائتين قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: خدمت رسول الله ﷺ فما قال لي لشيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال لي لشيء كسرته: لم كسرته؟ وكنت واقفا على رأسه أصبّ على يديه الماء فرفع رأسه فقال «ألا أعلّمك ثلاث خصال تنتفع بها؟ قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله بلى، قال: من لقيت من أمّتي فسلّم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت فسلّم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنّها صلاة الأبرار» «٤» [٧٥] .\nوقال بعضهم: يعني فإذا دخلتم المساجد فسلّموا على من فيها.\nأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن مهل الصنعاني قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن عمرو بن دينار عن ابن عباس في قوله فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ الآية.\nقال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.\nتَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ نصب على المصدر أي تحيّون أنفسكم بها تحيّة، وقيل: على الحال\n_________\n(١) كنز العمّال: ٩/ ١١٤.\n(٢) كنز العمّال: ٩/ ١٣٩. بتفاوت.\n(٣) في النسخة الثانية زيادة: أبو القاسم الحسن بن محمد.\n(٤) الدرّ المنثور: ٥/ ٦٠. بتفاوت.","vol":"7","page":120},{"text":"بمعنى تفعلونه تحيّة من عند الله مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ أي مع رسول الله ﷺ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ يجمعهم من حرب أو صلاة في جمعة أو جماعة أو تشاور في أمر نزل لَمْ يَذْهَبُوا لم يتفرّقوا عنه ولم ينصرفوا عمّا اجتمعوا له من الأمر حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ يا محمد أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي عن أبي حمزة الثمالي في هذه الآية قال: هو يوم الجمعة، وكان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يقضي الحاجة، والرجل به العلّة لم يخرج من المسجد حتى يقوم بحيال رسول الله ﷺ حيث يراه، فيعرف رسول الله ﷺ أنّه إنّما قام ليستأذن، فيأذن لمن شاء منهم.\nفَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ أمرهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ في الانصراف وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا.\nقال ابن عباس: يقول: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه، فإنّ دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.\nوقال مجاهد وقتادة: لا تدعوه كما يدعو بعضكم بعضا: يا محمد، ولكن فخّموه وشرّفوه وقولوا: يا نبيّ الله، يا رسول الله، في لين وتواضع.\nقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ أي يخرجون، ومنه: تسلّل القطا مِنْكُمْ أيّها المنصرفون عن نبيّكم بغير إذنه لِواذًا أي يستتر بعضكم ببعض ويروغ في خفّة فيذهب، واللواذ مصدر لاوذ بفلان يلاوذ ملاوذة ولواذا، ولو كان مصدرا للذت لقال: لياذا مثل القيام والصيام.\nوقيل: إنّ هذا في حفر الخندق، كان المنافقون ينصرفون بغير أمر رسول الله ﷺ لواذا مختفين.\nفَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي أمره وعن صلة، وقيل: معناه يعرضون عن أمره وينصرفون عنه بغير إذنه أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أي قتل عن ابن عباس، عطاء: الزلازل والأهوال،\nجعفر بن محمد: سلطان جائر يسلّط عليهم\n، الحسن: بلية تظهر ما في قلوبهم من النفاق أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وجيع عاجل في الدنيا. أَلا إِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عبيدا وملكا وملكا وخلقا ودلالة على وجوده وتوحيده وكمال قدرته وحكمته.\nقَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.","vol":"7","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-541>سورة الفرقان</span>\nمكيّة، وهي ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاثة وثلاثون حرفا، وثمانمائة واثنتان وتسعون كلمة، وسبع وسبعون آية\nأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن الحسن المقري غير مرّة قال: حدّثنا الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي والحافظ أبو الشيخ عبد الله بن محمد الاصفهاني قالا: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفرقان بعث يوم القيامة وهو يؤمن أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ، ودخل الجنة بغير حساب» «١» [٧٦] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا (٣) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْمًا وَزُورًا (٤)\nوَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)\nتَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)\nتَبارَكَ تفاعل، من البركة، عن ابن عباس، كأنّ معناه: جاء بكل بركة، دليله قول\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٧/ ٢٧٨.","vol":"7","page":122},{"text":"الحسن: تجيء البركة من قبله، الضحّاك: تعظّم، الخليل: تمجّد، وأصل البركة النّماء والزيادة.\nوقال المحققون: معنى هذه الصفة ثبت ودام بما لم يزل ولا يزال، وأصل البركة الثبوت يقال: برك الطير على الماء وبرك البعير، ويقال: تبارك الله ولا يقال لله متبارك أو مبارك لأنّه ينتهى في صفاته وأسمائه الى حيث ورد التوقيف.\nالَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ القرآن عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ الجنّ والإنس نَذِيرًا.\nقال بعضهم: النذير هو القرآن، وقيل: هو محمد.\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ممّا يطلق له صفة المخلوق فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا فسوّاه وهيّأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت.\nوَاتَّخَذُوا يعني عبدة الأوثان مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَياةً وَلا نُشُورًا وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني النضر بن الحرث وأصحابه إِنْ هَذا ما هذا القرآن إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ اختلقه محمد وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ يعني اليهود عن مجاهد، وقال الحسن بن عبيد بن الحضر: الحبشي الكاهن، وقيل:\nجبر ويسار وعدّاس مولى حويطب بن عبد العزى، قال الله ﷾ فَقَدْ جاؤُ يعني ما يلي هذه المقالة ظُلْمًا وَزُورًا بنسبتهم كلام الله سبحانه الى الإفك والافتراء وَقالُوا أيضا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه بُكْرَةً وَأَصِيلًا.\nثمّ قال ﷾ ردّا عليهم وتكذيبا لهم قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يعنون محمّدا ﷺ يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ يلتمس المعاش «١» لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ يصدّقه فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا داعيا أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ينفقه فلا يحتاج الى التصرّف في طلب المعاش. أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ بستان يَأْكُلُ مِنْها هو، هذه قراءة العامة، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بالنون أي نأكل نحن.\nوَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا نزلت هذه الآية في قصة ابن أبي أميّة وقد مرّ ذكرها في بني إسرائيل.\nانْظُرْ يا محمد كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا إلى الهدى\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: كما نمشي.","vol":"7","page":123},{"text":"ومخرجا من الضلالة فأخبر الله أنّهم متمسّكون بالجهل والضلال عادلون عن الرشد والصواب وهم مع ذلك كانوا مكلّفين بقبول الحق فثبت أنّ الاستطاعة التي بها الضلال غير الاستطاعة التي يحصل بها الهدى والإيمان.\nتَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ أي ممّا قالوا، عن مجاهد، وروى عكرمة عن ابن عباس قال: يعني خيرا من المشي في الأسواق والتماس المعاش، ثمّ بيّن ذلك الخير ما هو فقال ﷾ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا أي بيوتا مشيّدة، وسمّي قصرا لأنّه قصر أي حبس ومنع من الوصول إليه. واختلف القرّاء في قوله وَيَجْعَلْ فرفع لامه ابن كثير وابن عامر وعاصم برواية أبي بكر والمفضل، وجزمه الآخرون على محلّ الجزاء في: قوله إِنْ شاءَ جَعَلَ.\n[أخبرنا] «١» أبو عمرو أحمد بن أبي أحمد بن حمدون النيسابوري قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن يعقوب البخاري قال: حدّثنا محمد بن حميد بن فروة البخاري قال: حدّثنا أبو حذيفة إسحاق بن بشر البخاري قال: حدّثنا جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما عيّر المشركون رسول الله ﷺ بالفاقة فقالوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ، حزن النبي ﷺ لذلك ونزل عليه جبرئيل من عند ربه معزّيا له فقال: السلام عليك يا رسول الله، ربّ العزة يقرئك السلام ويقول لك: (وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) ويتّبعون المعاش في الدنيا.\nقال: فبينا جبرئيل (﵇) والنبي ﷺ يتحدّثان إذ ذاب جبرئيل حتى صار مثل الهردة، قيل: يا رسول الله وما الهردة؟ قال: «العدسة» فقال رسول الله ﷺ: «يا جبرئيل مالك ذبت حتى صرت مثل الهردة؟ قال: يا محمد فتح باب من أبواب السماء لم يكن فتح قبل ذلك، فتحوّل الملك وأنّه إذا فتح باب من السماء لم يكن فتح قبل ذلك فتحوّل الملك، إمّا ان يكون رحمة أو عذابا وإنّي أخاف أن يعذب قومك عند تعييرهم إياك بالفاقة، فأقبل النبي ﷺ وجبرئيل (﵇) يبكيان إذ عاد جبرئيل فقال: يا محمد أبشر، هذا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضى من ربّك، فأقبل رضوان حتى سلّم، ثم قال: يا محمد، ربّ العزة يقرئك السلام- ومعه سفط من نور يتلألأ. ويقول لك ربّك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع ما لا ينتقص لك مما عندي في الآخرة مثل جناح بعوضة، فنظر النبي ﷺ إلى جبرئيل (﵇) كالمستشير له فضرب جبرئيل بيده الأرض وقال: تواضع لله. فقال: «يا رضوان لا حاجة لي فيها، الفقر أحبّ اليّ، وأن أكون عبدا صابرا شكورا» فقال رضوان: أصبت أصاب الله بك.\nوجاء نداء من السماء فرفع جبرئيل رأسه فإذا السموات قد فتحت أبوابها الى العرش،\n_________\n(١) ليست في المخطوط.","vol":"7","page":124},{"text":"وأوحى الله ﷾ الى جنة عدن أن تدلي غصنا من أغصانها عليه عذق عليه غرقة من زبرجدة خضراء لها سبعون ألف من ياقوتة حمراء، فقال جبرئيل: يا محمد ارفع بصرك فرفع فرأى منازل الأنبياء وغرفهم وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فضلا له خاصة ومناد ينادي: أرضيت يا محمد؟ فقال النبي ﷺ: «رضيت، فاجعل ما أردت أن تعطيني في الدنيا ذخيرة عندك في الشفاعة يوم القيامة» «١» [٧٧] .\nويروون أنّ هذه الآية أنزلها رضوان (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ١١ الى ٢٠]</span>\nبَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا (١٥)\nلَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)\nبَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا أي غليانا وفورانا كالغضبان إذا غلا صدره من الغضب وَزَفِيرًا ومعنى قوله: سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا أي صوت التغيّظ من التلهّب والتوقّد، وقال قطرب: التغيظ لا يسمع وإنّما المعنى:\nرأوا لها تغيّظا وسمعوا لها زفيرا. قال الشاعر:\nورأيت زوجك في الوغى ... متقلّدا سيفا ورمحا «٢»\nأي حاملا رمحا.\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا أبو جعفر بن أبي شيبة قال: حدّثني عمي أبو بكر قال: حدّثنا محمد بن يزيد عن الأصبغ بن زيد الورّاق عن خالد بن كثير عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب رسول الله قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: ٢٢٥. [.....]\n(٢) جامع البيان للطبري: ١/ ٩٢.","vol":"7","page":125},{"text":"«من كذب عليّ متعمّدا فليتبّوأ بين عيني جهنم مقعدا فقال: يا رسول الله وهل لها من عينين؟ قال:\nنعم ألم تسمع إلى قول الله سبحانه إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا» «١» [٧٨] .\nوَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا قال ابن عباس: يضيق عليهم كما يضيق الزجّ في الرمح.\nوأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال:\nحدّثنا عبد الرّحمن بن أبي حاتم قال: قرئ على يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرني نافع عن يحيى بن أبي أسيد يرفع الحديث الى رسول الله ﷺ أنّه سئل عن قول الله سبحانه وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ قال: «والذي نفسي بيده إنّهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط، مقرّنين مصفّدين، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال» «٢» [٧٩] .\nومنه قيل للحبل قرن، وقيل: مع الشياطين في السلاسل والأغلال.\nدَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا ويلا عن ابن عباس، هلاكا عن الضحّاك.\nروى حمّاد عن علي بن زيد عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ قال: أوّل من يكسى حلّة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه وهو يقول: يا ثبوره وهم ينادون يا ثبورهم حتى يصفّوا «٣» على النار فيقال لهم لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا قُلْ أَذلِكَ الذي ذكرت من صفة النار وأهلها خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيرًا لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا وذلك أنّ المؤمنين سألوا ربّهم ذلك في الدنيا حين قالوا رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ «٤» فقال الله سبحانه كان إعطاء الله المؤمنين جنة الخلد وعدا وعدهم على طاعته إيّاه في الدنيا ومسألتهم إيّاه ذلك «٥» .\nوقال بعض أهل العربية: يعني وعدا واجبا وذلك أنّ المسؤول واجب وإن لم يسئل كالّذين قال: ونظير ذلك قول: العرب لأعطينّك ألفا وعدا مسؤولا بمعنى أنه واجب لك فتسأله.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي بن حنش «٦» المقري قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل المقري قال: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا جعفر بن مسافر قال: حدّثنا يحيى بن حسان قال: حدّثنا رشد بن عمرو بن الحرث، عن محمد بن كعب القرظي في قوله ﷾ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُلًا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٢٣.\n(٣) في النسخة الثانية: يقفوا.\n(٤) سورة آل عمران: ١٩٤.\n(٥) مسند أحمد: ٣/ ١٥٢.\n(٦) في النسخة الثانية: حبيش.","vol":"7","page":126},{"text":"قال: الملائكة تسأل لهم ذلك قولهم وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ «١» .\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ بالياء أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وأيوب وأبو عبيد وأبو حاتم وحفص، والباقون بالنون وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ من الملائكة والإنس والجنّ عن مجاهد، وقال عكرمة والضحّاك: يعني الأصنام. فَيَقُولُ بالنون ابن عامر، غيره: بالياء، لهؤلاء المعبودين من دون الله أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ أي ما كان ينبغي لنا أن نوالي أعداءك بل أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ، وقرأ الحسن وأبو جعفر: أَنْ نَتَّخَذَ بضم النون وفتح الخاء.\nقال أبو عبيد: هذا لا يجوز لأنّ الله سبحانه ذكر (من) مرّتين، ولو كان كما قالوا لقال:\nأن نتّخذ من دونك أولياء. وقال غيره: (من) الثاني صلة.\nوَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ في الدنيا بالصحة والنعمة حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ أي تركوا القرآن فلم يعملوا بما فيه، وقيل: الرسول، وقيل: الإسلام، وقيل: التوحيد، وقيل: ذكر الله ﷾.\nوَكانُوا قَوْمًا بُورًا أي هلكى قد غلب عليهم الشقاية والخذلان، وقال الحسن وابن زيد:\nالبور: الذي ليس فيه من الخير شيء، قال أبو عبيد: وأصله من البوار وهو الكساد والفساد ومنه بوار الأيم وبوار السلعة، وهو اسم مصدر كالزور يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع والمؤنث والمذكر. قال ابن الزبعرى:\nيا رسول المليك إنّ لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور «٢»\nوقيل: هو جمع البائر، ويقال: أصبحت منازلهم بورا أي خالية لا شيء فيها، فيقول الله سبحانه لهم عند تبرّي المعبودين منهم فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ أنّهم كانوا آلهة فَما تَسْتَطِيعُونَ قرأه العامة بالياء يعني الآلهة، وقرأ حفص بالتاء يعني العابدين صَرْفًا وَلا نَصْرًا أي صرف العذاب عنهم ولا نصر أنفسهم.\nوقال يونس: الصرف: الحيلة ومنه قول العرب: إنه ليتصرف أي يحتال.\nوقال الأصمعي: الصرف: التوبة والعدل: الفدية.\nوَمَنْ يَظْلِمْ أي يشرك مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ يا محمد مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ قال أهل المعاني: إلّا قيل أنّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ\n_________\n(١) سورة غافر: ٨.\n(٢) تاج العروس: ٣/ ٦٠.","vol":"7","page":127},{"text":"دليله قوله سبحانه ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ وقيل: معناه إلّا من أنّهم، وهذا جواب لقول المشركين مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ.\nوَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً فالمريض فتنة للصحيح، والمبتلى فتنة للمعافى، والفقير فتنة للغني، فيقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان، ويقول الفقير: لو شاء الله لجعلني غنيّا مثل فلان، وقال ابن عباس: إنّي جعلت بعضكم بلاء لبعض لتصبروا على ما تسمعون منهم وترون من خلافهم وتتبعوا الهدى بغير أن أعطيهم عليه الدنيا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكن قدّرت أن أبتلي العباد بكم وأبتليكم بهم.\nأخبرنا أبو القاسم عبد الخالق بن علي قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يوسف ببخارى قال:\nأخبرنا أبو عبد الله محمد بن جمعان قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا القاسم بن يحيى عن الحسن بن دينار عن الحسن عن أبي الدرداء أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للعالم من الجاهل، ويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان، بعضهم لبعض فتنة فهو قوله سبحانه وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً» [٨٠] .\nأَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا «١» قال مقاتل: نزلت هذه الآية في أبي جهل والوليد بن عقبة والعاص بن وائل والنضر بن الحرث وذلك أنّهم لما رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمار وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة ومهجع مولى عمر وجبر غلام ابن الحضرمي ودونهم قالوا: أنسلم فنكون مثل هؤلاء فانزل الله سبحانه يخاطب هؤلاء المؤمنين أَتَصْبِرُونَ يعني على هذه الحال من الشدّة والفقر، وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا بمن يصبر ويجزع، وبمن يؤمن وبمن لا يؤمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٢١ الى ٣٤]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)\nالْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا (٢٩) وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)\nوَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ١٨.","vol":"7","page":128},{"text":"وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ فتخبرنا أنّ محمدا صادق محقّ أَوْ نَرى رَبَّنا فيخبرنا بذلك نظيرها قوله سبحانه وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ الى قوله وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا.\nقال الله تعالى لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ بهذه المقالة وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا قال مقاتل:\nغلوّا في القول، والعتو: أشدّ الكفر وأفحش الظلم.\nيَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ عند الموت وفي القيامة لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ للكافرين وَيَقُولُونَ يعني الملائكة للمجرمين حِجْرًا مَحْجُورًا أي حراما محرما عليكم البشرى بخير، وقيل: حرام عليكم الجنة، وقال بعضهم: هذا قول الكفار للملائكة، قال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شديدة أو رأوا ما يكرهون قالوا: حجرا محجورا، فقالوا حين عاينوا الملائكة هذا، وقال مجاهد: يعني عوذا معاذا، يستعيذون من الملائكة.\nوَقَدِمْنا وعمدنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُورًا باطلا لا ثواب له لأنّهم لم يعملوه لله سبحانه وإنّما عملوه للشيطان، واختلف المفسّرون في الهباء فقال بعضهم: هو الذي يرى في الكوى من شعاع الشمس كالغبار ولا يمسّ بالأيدي ولا يرى في الظلّ، وهو قول الحسن وعكرمة ومجاهد.\nوقال قتادة وسعيد بن جبير: هو ما تسفيه الرياح وتذريه من التراب وحطام الشجر، وهي رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس، وقال ابن زيد: هو الغبار، والوالبي عن ابن عباس: هو الماء المهراق، مقاتل: ما يسطع من حوافر الدواب، والمنثور: المتفرق.\nأَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا من هؤلاء المشركين المتكبرين المفتخرين بأموالهم وَأَحْسَنُ مَقِيلًا موضع قائلة وهذا على التقدير، قال المفسرون: يعني أنّ أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلّا قدر ميقات النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة.\nقال ابن مسعود: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار وقرأ: ثم ان مقيلهم لإلى الجحيم، هكذا كان يقرأها، وقال ابن عباس في هذه الآية: الحساب من ذلك اليوم في أوّله، وقال القوم حين قالوا في منازلهم في الجنة.\nوروى ابن وهب عن عمرو بن الحرث أنّ سعيدا الصوّاف أو الصراف حدّثه أنّه بلغه أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وأنّهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس، وقرأ هذه الآية.\nوَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ قرأ أبو عمر وأهل الكوفة بتخفيف الشين على الحذف","vol":"7","page":129},{"text":"والتخفيف هاهنا وفي سورة ق، وقرأ الآخرون بالتشديد فيهما على معنى تنشق السماء بالغمام أي عن الغمام، والباء وعن يتعاقبان كما يقال: رميت عن القوس وبالقوس بمعنى واحد.\nوقال المفسّرون: وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن لبني إسرائيل في تيههم، وهو الذي قال الله ﷾ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ «١» .\nوَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا هكذا قراءة العامة، وقرأ ابن كثير وننزل بنونين الملائكة نصب الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ خالصا وبطلت ممالك غيره وَكانَ يَوْمًا عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيرًا صعبا شديدا نظيرها قوله سبحانه فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ «٢» والخطاب يدلّ على أنّه على المؤمنين يسير.\nوفي الحديث: إنّه ليهوّن يوم القيامة على المؤمن حتى يكون أخفّ عليه من صلاة مكتوبة صلّاها في دار الدنيا.\nوَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ الآية.\nنزلت في عقبة بن أبي معيط وأبي بن خلف وكانا متحابّين وذلك أنّ عقبة كان لا يقدم من سفر إلّا صنع طعاما فدعا إليه أشراف قومه وكان يكثر مجالسة النبي ﷺ، فقدم من سفره ذات يوم فصنع طعاما فدعا الناس ودعا رسول الله ﷺ الى طعامه، فلمّا قرّب الطعام، قال رسول الله ﷺ: «ما أنا بآكل من طعامك حتى تشهد أن لا إله إلّا الله وأني رسول الله» فقال عقبة: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا رسول الله، فأكل رسول الله ﷺ من طعامه وكان أبىّ بن خلف غائبا، فلمّا أخبر بالقصة قال: صبأت يا عقبة: قال: لا والله ما أصبأت ولكن دخل عليّ رجل فأبى أن يطعم من طعامي ألّا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له فطعم.\nفقال أبىّ: ما أنا بالذي أرضى منك أبدا إلّا أن تأتيه فتبزق في وجهه وتطأ عنقه، ففعل ذلك عقبة وأخد رحم دابّة فألقاها بين كتفيه، فقال رسول الله ﷺ: لا ألقاك خارجا من مكّة إلّا علوت رأسك بالسيف» [٨١] . فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أبىّ بن خلف فقتله النبي ﷺ بيده يوم أحد في المنابزة، وأنزل الله فيهما هذه الآية «٣» .\nوقال الضحّاك: لمّا بزق عقبة في وجه رسول الله ﷺ عاد بزاقه في وجهه وانشعب شعبتين فأحرق خدّيه، فكان أثر ذلك فيه حتّى الموت.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢١٠.\n(٢) المدّثّر: ٩- ١٠.\n(٣) الدرّ المنثور: ٥/ ٦٨.","vol":"7","page":130},{"text":"وروى عطاء الخراساني عن ابن عباس قال: كان أبي بن خلف يحضر النبي ﷺ ويجالسه ويسمع إلى كلامه من غير أن يؤمن له فزجره عقبة بن أبي معيط عن ذلك، فنزلت هذه الآية،\nوقال الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأميّة بن خلف فأسلم عقبة فقال أميّة: وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدا، فكفر وارتدّ لرضا أميّة فأنزل الله سبحانه وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ\nيعني الكافر عقبة بن أبي معيط «١» لأجل طاعة خليله الذي صدّه عن سبيل ربّه يَقُولُ يا لَيْتَنِي وفتح تاءه أبو عمرو اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ محمد ﷺ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا يعني أبي بن خلف الجمحي لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ يعني القرآن والرسول بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ وهو كلّ متمرّد عات من الجانّ، وكلّ من صدّ عن سبيل الله وأطيع في معصيته فهو شيطان لِلْإِنْسانِ خَذُولًا عند نزول البلاء والعذاب به.\nوحكم هذه الآيات عامّ في كلّ متحابّين اجتمعا على معصية الله، لذلك قال بعض العلماء: أنشدنيه أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق قال: أنشدنا أبو وائلة عبد الرحمن بن الحسين:\nتجنّب قرين السوء واصرم حباله ... فإن لم تجد عنه محيصا فداره\nوأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه ... تنل منه صفو الودّ ما لم تماره\nوفي الشيب ما ينهى الحليم عن الصبا ... إذا اشتعلت نيرانه في عذاره «٢»\nوأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبو بكر محمد بن عبد الله الحامدي:\nاصحب خيار الناس حيث لقيتهم ... خير الصحابة من يكون عفيفا\nوالناس مثل دراهم ميّزتها ... فوجدت فيها فضّة وزيوفا «٣»\nوأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن جعفر المفسّر قال: حدّثنا أبو سعيد عبد الرّحمن ابن محمد بن حسكا قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدّثنا عاصم عن أبي كبشة قال:\nسمعت أبا موسى يقول على المنبر: قال رسول الله ﷺ: مثل الجليس الصالح مثل العطار إن لم ينلك يعبق بك من ريحه، ومثل الجليس السوء مثل القين إن لم يحرق ثيابك يعبق بك من ريحه.\nوحدّثنا أبو القاسم بن حبيب لفظا سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو حاتم محمد\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف على يديه أسفا وندما على ما فرّط في جنب الله وأوبق نفسه بالمعصية والكفر بالله. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٦.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٦.","vol":"7","page":131},{"text":"ابن حيان بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن أبي علي الخلادي قال: حدّثنا عبد الله بن الصقر السكري قال: حدّثنا وهب بن محمد النباتي قال: سمعت الحرث بن وجيه يقول: سمعت مالك ابن دينار يقول: إنك إن تنقل الحجارة مع الأبرار خير من أن تأكل الخبيص مع الفجّار.\nوَقالَ الرَّسُولُ يعني ويقول الرسول في ذلك اليوم يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا أي قالوا فيه غير الحق فزعموا أنّه سحر وشعر وسمر من الهجر، وهو القول السيّئ، عن النخعي ومجاهد.\nوقال الآخرون: هو من الهجران أي أعرضوا عنه وتركوه فلم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه.\nأخبرنا أبو الطيب الربيع بن محمد الحاتمي وأبو نصر محمد بن علي بن الفضل الخزاعي قالا: حدّثنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة الشيباني قال: حدّثنا أبو القاسم الخضر بن أبان القرشي قال: حدّثنا أبو هدية إبراهيم بن هدية قال: حدّثنا أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من تعلّم القرآن وعلّمه وعلّق مصحفا لم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلّقا به يقول: يا ربّ العالمين عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينه» .\nكَذلِكَ أي وكما جعلنا لك يا محمد أعداء ومن مشركي قومك كذلك جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي من مشركي قومه، فاصبر لأمري كما صبروا فإني هاد بك وناصرك على من ناواك.\nوَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا وَنَصِيرًا على الحال والتمييز وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ على محمد الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كما أنزلت التوراة على موسى، والزبور على داود، والإنجيل على عيسى جملة واحدة قال الله سبحانه كَذلِكَ فعلنا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ لنقوّي بها قلبك فتعيه وتحفظه، فإنّ الكتب نزلت على أنبياء يكتبون ويقرءون، والقرآن أنزل على نبيّ أمّي ولأنّ من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرّقناه ليكون أوعى لرسول الله ﷺ وأيسر على العالم به.\nوَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا قال ابن عباس: ورسّلناه ترسيلا، وقال النخعي والحسن: فرّقناه تفريقا آية بعد آية وشيئا بعد شيء، وكان بين أوله وآخره نحو ثلاث وعشرين سنة، وقال ابن زيد:\nوفسّرناه تفسيرا، والترتيل: التبيين في ترسّل وتثبّت.\nوَلا يَأْتُونَكَ يا محمد يعني هؤلاء المشركين بِمَثَلٍ في إبطال أمرك إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ أي بما تردّ به ما جاءوا به من المثل وتبطله. وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا بيانا وتفصيلا، ثمّ وصف حال المشركين وبيّن حالهم يوم القيامة فقال الَّذِينَ يعني هم الذين يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ فيساقون ويجرّون إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا.","vol":"7","page":132},{"text":"أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خرجة قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عثمان قال:\nحدّثنا بشر بن المفضل عن علي بن يزيد عن أوس بن أوس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أثلاث: ثلث على الدوابّ، وثلث على وجوههم، وثلث على أقدامهم ينسلون نسلا»\n«١» [٨٢] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٣٥ الى ٥٢]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًاّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًاّ تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (٣٩)\nوَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا وَالنَّوْمَ سُباتًا وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)\nوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهادًا كَبِيرًا (٥٢)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا أي معينا وظهيرا فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يعني القبط، وفي الآية متروك استغنى عنه بدلالة الكلام عليه تقديرها: فكذّبوهما.\nفَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا فأهلكناهم إهلاكا وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً عبرة وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ في الآخرة عَذابًا أَلِيمًا سوى ما حلّ بهم من عاجل العذاب.\nوَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ اختلفوا فيهم، فقال ابن عباس: كانوا أصحاب آبار، وقال وهب بن منبه: كانوا أهل بئر قعودا عليها وأصحاب مواشي، وكانوا يعبدون الأصنام فوجّه الله إليهم شعيبا يدعوهم الى الإسلام فأتاهم ودعاهم، فتمادوا في طغيانهم وفي أذى شعيب\n_________\n(١) مسند ابن راهويه: ١/ ١٨٠.","vol":"7","page":133},{"text":"فحذّرهم الله عقابه، فبينا هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر فانخسفت بهم وبديارهم ورباعهم فهلكوا جميعا.\nقتادة: الرس: قرية بفلج اليمامة قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله، وقال بعضهم: هم بقية هود قوم صالح، وهم أصحاب البئر التي ذكرها الله سبحانه في قوله تعالى وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ «١» .\nقال سعيد بن جبير وابن الكلبي والخليل: كان لهم نبيّ يقال له حنظلة بن صفوان، وكان بأرضهم جبل يقال له فتح، مصعده في السماء ميل، وكانت العنقاء تنتابه وهي أعظم ما تكون من الطير وفيها من كل لون، وسمّوها العنقاء لطول عنقها، وكانت تكون في ذلك الجبل تنقضّ على الطير تأكلها، فجاعت ذات يوم فأعوزتها الطير فانقضّت على صبي فذهبت، فسمّيت عنقاء مغرب لأنها تغرب بما تأخذه وتذهب به، ثم إنّها انقضّت على جارية حين ترعرعت فأخذتها فضمّتها إلى جناحين لها صغيرين سوى الجناحين الكبيرين، فطارت بها فشكوا الى نبيّهم فقال: اللهم خذها واقطع نسلها، فأصابتها صاعقة فاحترقت فلم ير لها أثر، فضربتها العرب في أشعارهم، ثم إنهم قتلوا نبيّهم فأهلكهم الله.\nوقال كعب ومقاتل والسدي: هم أصحاب يس، والرسّ بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيبا النّجار، فنسبوا لها وهم الرسّ، ذكرهم الله سبحانه في سورة يس، وقيل: هم أصحاب الأخدود والرسّ هو الأخدود الذي حفروه، وقال عكرمة: هم قوم رسّوا نبيهم في بئر، دليله ما\nروى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة لعبد أسود وذلك أن الله سبحانه بعث نبيّا إلى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها أحد إلّا ذلك الأسود، ثمّ إنّ أهل القرية عدوا على ذلك النبي فحفروا له بئرا فألقوه فيها، ثم أطبق عليه بحجر ضخم، وكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه فيشري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة يعينه الله عليها فيدلي إليه طعامه وشرابه ثم يردّها كما كانت.\nقال: وكان كذلك ما شاء الله أن يكون ثم إنّه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها، فلمّا أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع فنام فضرب الله على أذنه سبع سنين، ثم إنه هبّ فتمطّى فتحوّل لشقّه الآخر فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنّه هبّ فاحتمل حزمته ولا يحسب إلّا أنه نام ساعة من نهار، فجاء الى القرية فباع حزمته، ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع، ثم ذهب الى الحفرة في موضعها التي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه فآمنوا به وصدّقوه.\n_________\n(١) سورة الحجّ: ٤٥.","vol":"7","page":134},{"text":"قال: وكان النبي يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل؟ فيقولون له: ما ندري، حتى قبض الله ذلك النبي فأهب الله الأسود من نومته بعد ذلك فقال رسول الله ﷺ: إنّ ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة» «١» [٨٣] .\nقلت: قد ذكر في هذا الحديث انهم آمنوا بنبيهم واستخرجوه من حفرته فلا ينبغي ان يكونوا المعنيين بقوله وَأَصْحابَ الرَّسِّ لأن الله ﷾ أخبر عن أصحاب الرسّ أنهم دمّرهم تدميرا إلّا أن يكونوا دمروا بأحداث أحدثوها بعد نبيهم الذي استخرجوه من الحفرة وأمنوا به فيكون ذلك وجها.\nوقد ذكر عن أمير المؤمنين «٢» علي ﵁ في قصة أصحاب الرس ما يصدّق قول عكرمة وتفسيره، وهو ما\nروى علي بن الحسين زين العابدين عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنّ رجلا من أشراف بني تميم يقال له عمرو أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن أصحاب الرسّ في أيّ عصر كانوا؟ وأين كانت منازلهم؟ ومن كان ملكهم؟ وهل بعث الله سبحانه إليهم رسولا؟\nوبماذا أهلكوا؟ فإنّي أجد في كتاب الله سبحانه ذكرهم ولا أجد خبرهم، فقال له علي ﵁: لقد سألت عن حديث ما سألني عنه أحد قبلك ولا يحدّثك به أحد بعدي.\nوكان من قصتهم يا أخا تميم أنهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، كان يافث بن نوح غرسها على شفير عين يقال لها دوشاب كانت أنبتت لنوح ﵇ بعد الطوفان، وإنّما سمّوا أصحاب الرسّ لأنهم رسّوا نبيهم في الأرض وذلك قبل سليمان بن داود، وكان له اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق، وبهم سمّي ذلك النهر، ولم يكن يومئذ في الأرض أغزر منه ولا أعذب، ولا قرى أكثر سكانا ولا أعمر منها، وكانت، أعظم مداينهم اسفندماه وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمّى نركوز بن عانور بن ناوش بن سارن ابن نمرود بن كنعان، وبها العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة فنبتت الحبّة وصارت شجرة عظيمة، وحرموا ماء العين والأنهار فلا يشربون منها هم ولا أنعامهم، ومن فعل ذلك قتلوه، ويقولون: هي حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد أن يقطف من حباتها، ويشربون هم وأنعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم، وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيدا تجتمع إليه أهلها ويضربون على الشجرة التي بها كلّة من حرير فيها أنواع الصور، ثم يأتون بشياه وبقر فيذبحونها قربانا للشجرة ويشعلون فيها النيران بالحطب، فإذا سطع دخان تلك الذبائح وقتاره في الهواء، وحال بينهم وبين النظر الى السماء، خرّوا للشجرة سجّدا يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم.\n_________\n(١) فتح القدير- الشوكاني.: ٤/ ٧٨.\n(٢) بحار الأنوار: ١٤/ ١٤٩.","vol":"7","page":135},{"text":"وكان الشيطان يجيئ فيحرّك أغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي: إني قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفسا وقرّوا عينا، فيرفعون عند ذلك رؤوسهم ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم، ثم ينصرفون حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليه صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا، ويقرّبون لها الذبائح أضعاف ما قرّبوا للشجرة التي في قراهم، فيجيء إبليس عند ذلك فيحرّك الصنوبرة تحريكا شديدا ويتكلم من جوفها كلاما جهوريا يعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعد بهم الشياطين كلّها، فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون من الشرب والعزف، فيكونون على ذلك اثنا عشر يوما ولياليها بعدد أعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون.\nفلمّا طال كفرهم بالله سبحانه وعبادتهم غيره بعث الله سبحانه إليهم نبيا من بني إسرائيل من ولد يهودا بن يعقوب فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم الى عبادة الله ﷾ ومعرفة ربوبيته فلا يتبعونه، فلمّا رأى شدّة تماديهم في الغي والضلال، وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والصلاح وحضر عند قريتهم العظمى قال: يا ربّ إنّ عبادك أبوا إلّا أن يكذّبوني ويكفروا بك وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر، فأيبس شجرهم اجمع وأرهم قدرتك وسلطانك، فأصبح القوم وقد يبس شجرهم كلّه، فهالهم ذلك وقطعوا بها وصاروا فرقتين: فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الرجل الذي زعم أنه رسول ربّ السماء والأرض إليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم إلى إلهه.\nوفرقة قالت: لا بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيه ويدعوكم الى عبادة غيرها، فحجبت حسنها وبهاءها لكي تضبوا لها فينتصروا منه، فأجمع رأيهم على قتله فاتخذوا أنابيب طوالا من رصاص واسعة الأفواه، ثم أرسلوها في قرار العين إلى أعلى الماء واحدة فوق الأخرى مثل البرابخ، ونزحوا ما فيها من الماء ثم حفروا في قرارها بئرا ضيقة المدخل عميقة، وأرسلوا فيها نبيّهم وألقموا فاها صخرة عظيمة ثم أخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا: نرجو الآن أن ترضى عنّا آلهتنا إذ رأت أنّا قد قتلنا من كان يقع فيها ويصد عن عبادتها ودفنّاه تحت كبيرها يتشفى منه فيعود لها نورها ونضرتها كما كان، فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيّهم ﵇ وهو يقول: سيّدي قد ترى ضيق مكاني وشدّة كربي فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي، وعجّل قبض روحي ولا تؤخّر إجابة دعوتي حتى مات ﵇.\nفقال الله تعالى لجبرئيل: إنّ عبادي هؤلاء غرّهم حلمي وآمنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي، وأنا المنتقم ممّن عصاني ولم يخش عقابي، وإنّي حلفت لأجعلنهم عبرة ونكالا للعالمين، فلم يرعهم وهم في عيدهم إلّا ريح عاصف شديدة الحمرة قد عروا عنها وتحيروا فيها، وانضم بعضهم إلى بعض ثم صارت الأرض من تحتهم حجر كبريت تتوقد وأظلّتهم سحابة سوداء فألقت عليهم كالقبّة حمراء تلتهب فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار نعوّذ بالله من غضبه ودرك نقمته.","vol":"7","page":136},{"text":"وقال بعض أهل العلم بأخبار الماضين وسير المتقدمين: بلغني أنّه كان رسّان: أمّا أحدهما فكان أهله أهل بدو وعمود وأصحاب مواشي فبعث الله إليهم رسولا فقتلوه، ثم بعث إليهم رسولا آخر وعضده بولي فقتل الرسول وجاهدهم الولي حتى أفحمهم وكانوا يقولون إلهنا في البحر وكانوا على شفيره، وأنّه كان يخرج إليهم من البحر شيطان في كل شهر خرجة فيذبحون عنده ويجعلونه عيدا فقال لهم الولي: أرأيتكم إن خرج إلهكم الذي تعبدونه فدعوته فأجابني وأمرته فأطاعني أتجيبونني الى ما دعوتكم إليه؟ قالوا: بلى فأعطوه عهودهم ومواثيقهم على ذلك فانتظروا حتى خرج ذلك الشيطان على صورة حوت راكبا أربعة أحوات وله عنق مستعلية، وعلى رأسه مثل التاج، فلمّا نظروا إليه خرّوا سجّدا وخرج الولي إليه فقال: ائتني طوعا أو كرها باسم الله الكريم فنزل عند ذلك عن أحواته فقال له الولي: ائتني عليهن لئلّا يكون من القوم في أمره شك، فأتى الحوت وأتين به حتى أفضن الى البر يجرّونه ويجرّهم، فكذبوه بعد ذلك فأرسل الله عليهم ريحا فقذفهم في البحر وقذف في البحر مواشيهم وما كانوا يملكون من ذهب وفضة وآنية، فأتى الولي الصالح الى البحر حتى أخذ الذهب والفضة والأواني فقسمها على أصحابه بالسويّة، وانقطع نسل هؤلاء القوم.\nوأما الآخر فهم قوم كان لهم نهر يدعى الرسّ ينسبون إليه فكان فيهم أنبياء كثيرة قل يوم يقوم فيهم نبيّ إلّا قتل، وذلك النهر بمنقطع أذربيجان بينهما وبين أرمينية فإذا قطعته مدبرا ذاهبا دخلت في حدّ أرمينية، وإذا قطعته مقبلا دخلت حدّ أذربيجان وكان من حولهم من أهل أرمينية يعبدون الأوثان ومن قدّامهم من أهل أذربيجان يعبدون النيران، وهم كانوا يعبدون الحواري العذارى فإذا تمّت لإحداهن ثلاثون سنة قتلوها واستبدلوا غيرها.\nوكان عرض نهرهم ثلاث فراسخ وكان يرتفع في كل يوم وليلة حتى بلغ أنصاف الجبال التي حوله، وكان لا ينصب في بر ولا بحر، إذا خرج من حدّهم يقف ويدور ثم يرجع، إليهم فبعث الله سبحانه إليهم ثلاثين نبيّا في شهر واحد فقتلوهم جميعا، فبعث الله إليهم نبيّا وأيّده بنصره وبعث معه وليّا فجاهدهم في الله حقّ جهاده ونابذوه على سواء، فبعث الله ميكائيل وكان ذلك في أوان وقوع الحب في الزرع وكانوا إذ ذاك أحوج ما كانوا إلى الماء ففجر نهرهم في البحر، فانصبّ ما في أسفله وأتى عيونها من فوق فسدّها.\nوبعث الله أعوانه من الملائكة خمسمائة ألف ففرّقوا ما بقي في وسط النهر، ثم أمر الله سبحانه جبرئيل، فنزل فلم يدع في أرضهم عينا لا ماء ولا نهر إلّا أيبسه بإذن الله تعالى، وأمر ملك الموت فانطلق إلى المواشي فأماتها ربضة واحدة، وأمر الرياح الأربع الجنوب والشمال والصبا والدبور فقصمت ما كان لهم من متاع، وألقى الله عليهم السبات ثم خفقت الرياح الأربع بما كان من ذلك المتاع أجمع، فنهبته في رؤوس الجبال وبطون الأودية.","vol":"7","page":137},{"text":"فأما ما كان من حليّ أو تبر أو آنية فإن الله سبحانه أمر الأرض فابتلعته فأصبحوا ولا ماشية عندهم ولا مال يعودون إليه ولا ماء يشربونه، وأصبحت زروعهم يابسة فآمن بالله عند ذلك قليل منهم وهداهم الله سبحانه إلى غار في جبل له طريق الى خلفه، فنجوا وكانوا أحد وعشرين رجلا وأربع نسوة وصبيّين، وكان عدّة الباقين من الرجال والنساء والذراري ستمائة ألف فماتوا عطشا وجوعا، ولم يبق منهم باقية، ثم عاد القوم المؤمنون الى منازلهم فوجدوها قد صار أعلاها أسفلها فدعوا الله عند ذلك مخلصين أن يجيئهم بزرع وماشية وماء ويجعله قليلا لئلّا يطغوا، فأجابهم الله سبحانه الى ذلك لما علم من صدقهم، وأطلق لهم نهرهم وزادهم على ما سألوا.\nفقام أولئك بطاعة الله ظاهرة وباطنة حتى مضى أولئك القوم وحدث من نسلهم بعدهم قوم أطاعوا الله في الظاهر ونافقوا في الباطن فأملى الله لهم، ثم كثرت معاصيهم فبعث الله سبحانه عليهم عدوّهم فأسرع فيهم القتل فبقيت شرذمة منهم، فسلّط الله عليهم الطاعون فلم يبق منهم أحدا، وبقي نهرهم ومنازلهم مائتي عام لا يسكنها أحد.\nثم أتى الله سبحانه بقرن بعد ذلك فنزلوها فكانوا صالحين سنين ثم أحدثوا بعد ذلك فاحشة جعل الرجل يدعو ابنته وأخته وزوجته فينيكها جاره وصديقه وأخوه يلتمس بذلك البر والصلة، ثم ارتفعوا من ذلك الى نوع آخر استغنى الرجل بالرجل وتركوا النساء حتى شبقن فجاءتهن شيطانة في صورة امرأة وهي الدلهاث بنت إبليس وهي أخت الشيطان، كانا في بيضة واحدة فشبهت الى النساء ركوب بعضها الى بعض وعلّمتهن كيف يصنعن، فأصل ركوب النساء بعضهن بعضا من الدلهاث، فسلّط الله سبحانه على ذلك القرن صاعقة من أول الليل وخسفا في آخر الليل وصيحة مع الشمس، فلم يبق منهم باقية وبادت مساكنهم.\nويشهد بصحّة بعض هذه القصة ما\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو الطيب بن حفصويه قال: حدّثنا عبد الله بن جامع قال: حدّثنا عثمان بن خرزاذ قال: حدّثنا سلمان بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا الحكم بن يعلى بن عطاء قال: حدّثنا معاوية بن عمار الدهني عن جعفر بن محمد عن أبيه في قوله وَأَصْحابَ الرَّسِّ قال: السحاقات.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل الدينوري قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن مالك السوسي قال: حدّثنا نصر بن حماد قال: حدّثنا عمر بن عبد الرّحمن عن مكحول عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من أشراط الساعة أن يستكفي الرجال بالرجال والنساء بالنساء وذلك السحق» «١» [٨٤] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٣.","vol":"7","page":138},{"text":"والرسّ في كلام العرب: كل محفور مثل البئر والمعدن والقبر ونحوها وجمعه رساس، قال الشاعر:\nسبقت إلى فرط بأهل تنابلة ... يحفرون الرساسا «١»\nوقال أبو عبيد: الرسّ: كلّ ركية لم تطو بالحجارة والآجر والخشب.\nوَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ في إقامة الحجّة فلم نهلكهم إلّا بعد الإعذار والإنذار وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا أهلكنا إهلاكا، وقال المؤرخ: قال الأخفش: كسّرنا تكسيرا.\nوَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ يعني الحجارة وهي قرية قوم لوط وكانت خمس قرى فأهلك الله سبحانه أربعا وبقيت الخامسة، واسمها صغر وكان أهلها لا يعملون ذلك العمل الخبيث.\nأَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها إذا مرّوا بها في أسفارهم فيعتبرون ويتذكروا. قال الله سبحانه بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ يخافون نُشُورًا بعثا وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا نزلت في أبي جهل كان إذا مرّ بأصحابه على رسول الله ﷺ قال مستهزئا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا قد كاد يصدّنا عن عبادتها لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها لصرفنا عنها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا وهذا وعيد لهم أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وذلك أنّ الرجل من المشركين كان يعبد الحجر أو الصنم، فإن رأى أحسن منه رمى به وأخذ الآخر فعبده، قال ابن عباس: الهوى إله يعبد من دون الله.\nأَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا حفيظا من الخروج إلى هذا الفساد، نسختها آية الجهاد أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ما يقول: سماع طالب للإفهام أَوْ يَعْقِلُونَ ما يعاينون من الحجج والأعلام إِنْ هُمْ ما هم إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا لأنّ البهائم تهتدي لمراعيها ومشاربها وتنقاد لأربابها التي تعلفها وتعهدها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق ولا يطيعون ربّهم الذي خلقهم ورزقهم.\nأَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ معناه ألم تر إلى مدّ ربك الظل، وهو ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس وإنّما جعله ممدودا لأنه لا شمس معه، كما قال في ظل الجنة (وَظِلٍّ مَمْدُودٍ) إذ لم يكن معه شمس، وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا دائما ثابتا لا يزول ولا تذهبه الشمس.\nقال أبو عبيد: الظلّ ما نسخته الشمس وهو بالغداة والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال، سمّي فيئا لأنه من جانب المشرق الى جانب المغرب ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ أي على\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٩/ ٢٠.","vol":"7","page":139},{"text":"الظل دَلِيلًا ومعنى دلالتها عليه أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل إذ الأشياء تعرف بأضدادها، والظل يتبع الشمس في طوله وقصره كما يتبع السائر الدليل، فإذا ارتفعت الشمس قصر الظل وان انحطّت طال ثُمَّ قَبَضْناهُ يعني الظل إِلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا بالشمس التي يأتي بها فتنسخه، ومعنى قوله يَسِيرًا أي خفيفا سريعا، والقبض: جمع الأجزاء المنبسطة، وأراد هاهنا النقل اللطيف.\nوَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا أي سترا تستترون وتسكنون فيه وَالنَّوْمَ سُباتًا راحة لأبدانكم وقطعا لعملكم، وأصل السبت القطع ومنه يوم السبت والنّعال السبتية وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا أي يقظة وحياة تنشرون فيه وتنتشرون لأشغالكم وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا وهو الطاهر في نفسه المطهّر لغيره لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ولم يقل ميتة لأنّه رجع به الى المكان والموضع، قال كعب: المطر روح الأرض وَنُسْقِيَهُ قرأه العامة بضم النون، وروى المفضل والبرجمي عن عاصم بفتح النون وهي قراءة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعامًا وَأَناسِيَّ كَثِيرًا والأناسي جمع الإنسان، وأصله أناسين مثل بستان وبساتين فجعل الباء عوضا من النون، وإن قيل: هو أيضا مذهب صحيح كما يجمع القرقور قراقير وقراقر.\nأخبرني الحسن بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرحي، حدّثنا الحسن ابن علوي، حدّثنا إسحاق بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل كلّهم قالوا وبلّغوا به ابن مسعود: إن النبي ﷺ قال: «ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكنّ الله قسّم هذه الأرزاق فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كلّ سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوّل الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافي والبحار» «١» [٨٥] .\nوَلَقَدْ صَرَّفْناهُ يعني المطر بَيْنَهُمْ عاما بعد عام وفي بلدة دون بلدة، وقيل: صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ وابلا وطشّا ورهاما ورذاذا، وقيل: التصريف راجع الى الريح.\nلِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا أى جحودا، وقيل: هو قولهم مطر كذا وكذا وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا رسولا ولقسّمنا النذير بينهم كما قسّمنا المطر، فحينئذ يخفّ عليك أعباء النبوّة، ولكنّا حمّلناك ثقل نذارة جميع القرى لتستوجب بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة والهيبة والدرجة الرفيعة.\nفَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم ومقاربتهم ومداهنتهم وَجاهِدْهُمْ بِهِ أي بالقرآن جِهادًا كَبِيرًا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٥٧. بتفاوت.","vol":"7","page":140},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>[سورة الفرقان (٢٥): الآيات ٥٣ الى ٧٧]</span>\nوَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُورًا (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢)\nوَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧)\nوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا (٧٢)\nوَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلامًا (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا (٧٧)\nوَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي خلطهما وحلّى وأفاض أحدهما في الآخر، وأصل المرج: الخلط والإرسال، ومنه قوله سبحانه فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ «١»\nوقول النبي ﷺ لعبد الله ابن عمر: «كيف بك يا عبد الله إذا كنت في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وأماناتهم وصاروا هكذا» «٢» [٨٦] وشبّك بين أصابعه\n، ويقال: مرجت دابّتي مرجها إذا أرسلتها في المرعى وخلّيتها تذهب حيث شاءت، ومنه قيل للروضة مرج، قال العجاج:\nرعى بها مرج ربيع ممّرجا\n_________\n(١) سورة ق: ٥.\n(٢) صحيح ابن حبّان: ١٥/ ١٢٥.","vol":"7","page":141},{"text":"قال ابن عباس والضحاك ومقاتل: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي خلع أحدهما على الآخر هذا عَذْبٌ فُراتٌ شديد العذوبة وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا حاجزا بقدرته وحكمته لئلّا يختلطا وَحِجْرًا مَحْجُورًا سترا ممنوعا يمنعهما ف لا يَبْغِيانِ ولا يفسد الملح العذب.\nوَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا\nقال علىّ بن أبي طالب: النسب ما لا يحلّ نكاحه، والصهر ما يحلّ نكاحه\n، وقال الضحّاك وقتادة ومقاتل: النسب سبعة والصهر خمسة، وقرءوا هذه الآية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ»\nالى آخرها.\nأخبرني أبو عبد الله [القسايني] قال: أخبرنا أبو الحسن النصيبي القاضي قال: أخبرنا أبو بكر السبيعي الحلبي قال: حدّثنا علي بن العباس المقانعي قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا محمد بن عمرو قال: حدّثنا حسين الأشقر قال: حدّثنا أبو قتيبة التيمي قال: سمعت ابن سيرين يقول في قول الله ﷾ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا قال: نزلت في النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب، زوج فاطمة عليّا وهو ابن عمّه وزوج ابنته فكان نسبا وصهرا «٢» .\nوَكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا وَيَعْبُدُونَ يعني هؤلاء المشركين مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوه وَلا يَضُرُّهُمْ إن تركوه وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا أي معينا للشيطان على ربّه، وقيل: معناه وكان الكافر على ربّه هيّنا ذليلا من قول العرب: ظهرت به إذا جعلته خلف ظهرك فلم تتلفّت إليه.\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ على تبليغ الوحي مِنْ أَجْرٍ فيقولون: إنّما يطلب محمد أموالنا بما يدعونا إليه فلا نتّبعه كيلا نعطيه من أموالنا شيئا إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا.\nقال أهل المعاني: هذا أمر الاستثناء المنقطع، مجازه لكن مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا بإنفاقه ماله في سبيله، وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ أي اعبده وصلّ له شكرا منك له على نعمه، وقيل: احمده منزّها له عمّا لا يجوز في وصفه، وقيل: قل: سبحان الله والحمد لله وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا فيجازيهم بها الَّذِي في محل الخفض على نعت الحي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ فقال بينهما وقد جمع السموات لأنه أراد الصنفين والشيئين كقول القطامي:\n_________\n(١) سورة النساء: ٢٣.\n(٢) نظم درر السمطين- الزرندي الحنفي.: ص ٩٢.","vol":"7","page":142},{"text":"ألم يحزنك أن حبال قيس ... وتغلب قد تباينتا انقطاعا «١»\nأراد وحبال تغلب فثنّى والحبال جمع لأنّه أراد الشيئين والنوعين، وقال آخر:\nإنّ المنيّة والحتوف كلاهما ... توفي المخارم يرقبان سوادي «٢»\nثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا أي فسل خبيرا بالرحمن، وقيل: فسل عنه خبيرا وهو الله ﷿، وقيل: جبرئيل (﵇)، الباء بمعنى عن لقول الشاعر:\nفإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب «٣»\nأي عن النساء.\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ ما نعرف الرحمن إلّا رحمن اليمامة أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا قرأ حمزة والكسائي بالياء يعنيان الرحمن، وقرأ غيرهما تَأْمُرُنا بالتاء يعنون لما تأمرنا أنت يا محمد وَزادَهُمْ قول القائل لهم: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ ... نُفُورًا عن الدين والإيمان، وكان سفيان الثوري إذا قرأ هذه الآية رفع رأسه الى السماء وقال: إلهي زادني خضوعا ما زاد أعداءك نفورا.\nتَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا يعني منازل الكواكب السبعة السيارة وهي اثنا عشر برجا: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيكون نصيب كل واحد منهما ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. واختلفت أقاويل أهل التأويل في تفسير البروج.\nفاخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: حدّثني محمد بن الحسين بن أبي الشيخ قال: حدّثنا هارون بن إسحاق الهمداني قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: حدّثني أبي عن عطية العوفي في قوله سبحانه تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا قال: قصورا فيها الحرس، دليله قوله وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ «٤» .\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٧/ ٢٨. [.....]\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٧/ ٢٨.\n(٣) لسان العرب: ١/ ٥٥٤.\n(٤) سورة النساء: ٧٨.","vol":"7","page":143},{"text":"وقال الأخطل:\nكأنها برج رومي يشيّده ... بان بجصّ وآجرّ وأحجار\nوقال مجاهد وقتادة: هي النجوم.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا علي بن محمد بن ماهان قال:\nحدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا خالي يعلى عن إسماعيل عن أبي صالح تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجًا قال: النجوم الكبائر. قال عطاء: هي الشرج وهي أبواب السماء التي تسمّى المجرّة.\nوَجَعَلَ فِيها سِراجًا يعني الشمس، نظيره قوله سبحانه وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا «١» وقرأ حمزة والكسائي (وجعل فيها سُرُجا) بالجمع يعنون النجوم وهي قراءة أصحاب عبد الله وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً.\nقال ابن عباس والحسن وقتادة: يعني عوضا وخلفا يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر.\nقال قتادة: فأروا الله من أعمالكم خيرا في هذا الليل والنهار فإنهما مطيّتان تقحمان الناس الى آجالهم، وتقّربان كلّ بعيد، وتبليان كلّ جديد، وتجيئان بكل موعود الى يوم القيامة.\nروى شمر «٢» بن عطية عن شقيق قال: جاء رجل الى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: فاتتني الصلاة الليلة فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإنّ الله ﷾ جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ.\nوقال مجاهد: يعني جعل كلّ واحد منهما مخالفا لصاحبه فجعل هذا أسود وهذا أبيض.\nوقال ابن زيد وغيره: يعني يخلف أحدهما صاحبه، إذا ذهب أحدهما جاء الآخر، فهما يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان، يدلّ على صحّة هذا التأويل، قول زهير:\nبها العين والآدام يمشين خلفة ... وأطلاؤها ينهضن من كلّ مجشم «٣»\nوقال مقاتل: يعني جعل النهار خلفا من الليل لمن نام بالليل، وجعل الليل خلفا بالنهار لمن كانت له حاجة أو كان مشغولا لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ قرأه العامة بتشديد الذال يعني يتذكر ويتعظ، وقرأ حمزة وخلف بتخفيف الذال من الذكر أَوْ أَرادَ شُكُورًا شكر نعمة الله ﷾ عليه.\n_________\n(١) سورة نوح: ١٦.\n(٢) في النسخة الثانية: شمس.\n(٣) نهج الايمان- ابن جبر.: ٣٩٤.","vol":"7","page":144},{"text":"وَعِبادُ الرَّحْمنِ يعني أفاضل العباد، وقيل هذه الإضافة على التخصيص والتفضيل، وقرأ الحسن: وعبيد الرّحمن.\nالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا أي بالسكينة والوقار والطاعة والتواضع غير أشرين ولا مرحين ولا متكبّرين ولا مفسدين.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا العباس بن محمد بن قوهبار قال: حدّثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: حدّثنا هشيم بن عباد بن راشد عن الحسن في قوله سبحانه يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا قال: حلما وعلما، وقال محمد بن الحنفية: أصحاب وقار وعفّة لا يسفهون، وإن سفه عليهم حلموا.\nالضحّاك: أتقياء أعفّاء لا يجهلون قال: وهو بالسريانية. الثمالي: بالنبطيّة، والهون في اللغة: الرفق واللين ومنه\nقول النبي ﷺ: «أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وابغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما» «١» .\nوَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ بما يكرهونه قالُوا سَلامًا سدادا من القول عن مجاهد.\nابن حيان: قولا يسلمون فيه من الإثم.\nالحسن: سلّموا عليهم، دليله قوله سبحانه وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ «٢» .\nقال أبو العالية والكلبي: هذا قبل أن يؤمروا بالقتال، ثم نسختها آية القتال.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش المقري قال: حدّثنا محمد بن صالح [الكيلسي] «٣» بمكة قال: حدّثنا سلمة بن شبيب «٤» قال: حدّثنا الوليد بن إسماعيل قال: حدّثنا شيبان بن مهران عن خالد أبن المغيرة بن قيس عن أبي محلز لا حق بن حميد عن أبي برزة الأسلمي عن رسول الله ﷺ قال: «رأيت قوما من أمتي ما خلقوا بعد، وسيكونون فيما بعد اليوم أحبّهم ويحبّونني، ويتناصحون ويتبادلون، يمشون بنور الله في الناس رويدا في خفية وتقية، يسلمون من الناس، ويسلم الناس منهم بصبرهم وحلمهم، قلوبهم بذكر الله يرجعون، ومساجدهم بصلاتهم يعمرون، يرحمون صغيرهم ويجلّون كبيرهم ويتواسون بينهم، يعود غنيّهم على فقيرهم وقويّهم على ضعيفهم، يعودون مرضاهم ويتبعون جنائزهم» .\nفقال رجل من القوم: في ذلك يرفقون برفيقهم؟ فالتفت إليه رسول الله ﷺ فقال: «كلّا،\n_________\n(١) المصنّف- الصنعاني.: ١١/ ١٨١.\n(٢) سورة القصص: ٥٥.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) في النسخة الثانية: شعيب.","vol":"7","page":145},{"text":"إنّهم لا رفيق لهم، هم خدّام أنفسهم، هم أكرم على الله من أن يوسّع عليهم لهوان الدنيا عند ربهم» ثمّ تلا رسول الله ﷺ هذه الآية وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا» [٨٧] .\nوروي أنّ الحسن كان إذا قرأ هاتين الآيتين قال: هذا وصف نهارهم.\nثمّ قال وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا هذا وصف ليلهم.\nقال ابن عباس: من صلّى بالليل ركعتين أو أكثر من ذلك فقد بات لله ﷾ ساجدا وقائما.\nقال الكلبي: يقال: الركعتان بعد المغرب وأربع بعد العشاء الآخرة.\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا أي ملحّا دائما لازما غير مفارق من عذّب به من الكفار، ومنه سمّي الغريم لطلبه حقّه وإلحاحه على صاحبه وملازمته إيّاه، وفلانا مغرم بفلان إذا كان مولعا به لا يصبر عنه ولا يفارقه، قال الأعشى:\nإن يعاقب يكن غراما وإن ... يعط جزيلا فإنّه لا يبالي «١»\nقال الحسن: قد علموا أنّ كلّ غريم يفارق غريمه إلّا غريم جهنم «٢» .\nابن زيد: الغرام الشرّ، أبو عبيد: الهلاك، قال بشر بن أبي حازم:\nويوم النسار ويوم الجفار ... كانا عذابا وكانا غراما «٣»\nأي هلاكا.\nإِنَّها يعني جهنم ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا أي إقامة، من أقام يقيم.\nوقال سلامة بن جندل:\nيومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب «٤»\nفإذا فتحت الميم فهو المجلس من قام يقوم، ومنه قول عباس بن مرداس:\nفأتي ما وأيك كان شرّا ... فقيد إلى المقامة لا يراها «٥»\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ٤٣٧.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: وقال محمد بن كعب: إن الله ﷿ سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه، فأغرمهم فأدخلهم النار.\n(٣) تاج العروس: ٩/ ٣.\n(٤) تفسير الطبري: ١٩/ ٤٧، ولسان العرب: ١/ ٢٢٠. [.....]\n(٥) المصدر السابق، ولسان العرب: ١٢/ ٥٠٦.","vol":"7","page":146},{"text":"وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا واختلف القرّاء فيه فقرأ أهل المدينة والشام:\nيُقْتِرُوا بضم الياء وكسر التاء، وقرأ أهل الكوفة بفتح الياء وضم التاء، غيرهم بفتح الياء وكسر التاء وكلّها لغات صحيحة، يقال: أقتر وقتر يقتر ويقتر مثل يَعْرِشُونَ ويَعْكُفُونَ، واختلف المفسرون في معنى الإسراف والإقتار، فقال بعضهم: الإسراف: النفقة في معصية الله وإن قلّت، والإقتار: منع حق الله ﷾، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري قال: حدّثنا محمد بن عمر بن إسحاق الكلواذي قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث «١» قال: حدّثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الرملي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سهيل بن أبي حزم عن كثير بن زياد أبي سهل عن الحسن في هذه الآية قال: لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله.\nوقال بعضهم: الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق.\nقال عون بن عبد الله بن عتبة: ليس المسرف من أكل ماله، إنما المسرف من يأكل مال غيره.\nوقال قوم: السرف: مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عما ينبغي مما لا بد منه، وهذا الاختيار لقوله وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ أي وكان إنفاقهم بين ذلك قَوامًا عدلا وقصدا وسطا بين الإسراف والإقتار.\nقال إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة تقول الناس: قد أسرف.\nمقاتل: كسبوا طيّبا، وأنفقوا قصدا، وقدموا فضلا، فربحوا وأنجحوا.\nوقال يزيد بن أبي حبيب في هذه الآية: أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسدّ عنهم الجوع ويقويهم على عبادة ربّهم، ومن الثياب ما يستر عوراتهم ويكنّهم من الحرّ والقرّ.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن زنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق عن أبي عيينة عن رجل عن الحسن في قوله سبحانه يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا إنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال: كفى سرفا ان لا يشتهي رجل شيئا إلا اشتراه فأكله.\nوَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الآية.\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: بن هارون بن سليمان الأشعث.","vol":"7","page":147},{"text":"أخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي قال: أخبرنا المؤمّل بن الحسن بن عيسى قال: حدّثنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا حجاج عن أبي جريح قال: أخبرني يعلى يعني ابن مسلم عن سعيد بن جبير سمعه يحدّث عن ابن عباس أنّ ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدا ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة فنزل وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ ونزل يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ\n«١» وقيل: نزلت في وحشي غلام ابن مطعم.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر والثوري عن منصور والأعمش عن أبي وائل.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان وعبد الله بن عبد الرحمن قالا: حدّثنا يوسف بن عبد الله بن ماهان قال: حدّثنا محمد بن كثير قال: حدّثنا سفيان بن الأعمش ومنصور وواصل الأحدب عن أبي وائل.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا الأعمش عن شقيق عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود قال: قلت يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟\nقال: «أن تجعل لله ندّا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك، قلت: ثم أيّ؟ قال: إن ترى حليلة جارك، فأنزل الله سبحانه تصديق ذلك وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ» [٨٨] .\nقال مسافع: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ الآية.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدثنا ابن حنش، قال: أخبرنا ابن زنجويه قال: أخبرنا سلمة بن عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ لقمان كان يقول: يا بني إياك والزنا فإن أوله مخافة وآخره ندامة وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ الذي ذكرت يَلْقَ أَثامًا قال ابن عباس:\nإثما، ومجازه: تلق جزاء الآثام.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن حفصويه، قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا زهير بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن زياد قال: حدّثنا الكلبي، قال: حدّثنا شرقي القطامي، قال: حدّثني لقمان بن عامر، قال: حدّثني أبو أمامة الباهلي صدي بن عجلان، فقلت: حدّثني حديثا سمعته من رسول الله ﷺ قال: فدعا لي بطلاء ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لو أن صخرة زنة عشر عشروات قذف بها في شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين\n_________\n(١) سورة الزمر: ٥٣.","vol":"7","page":148},{"text":"خريفا، ثم ينتهي إلى غيّ وأثام، قال: قلت: وما غيّ وأثام»؟ قال: نيران يسيل فيها صديد أهل النار، وهما اللتان قال الله سبحانه في كتابه فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا «١» ويَلْقَ أَثامًا «٢» .\nوأخبرنا بو عمرو سعيد بن عبد الله بن إسماعيل الحيري قال: أخبرنا العباس بن محمد بن قوهباد قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن زرين السلمي. قال: أخبرنا حفص بن عبد الرحمن، قال: حدّثنا سعيد عن قتادة، عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن أَثامًا واد في جهنم، وهو قول مجاهد، وقال أبو عبيد: الأثام: العقوبة.\nقال الليثي:\nجزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثاما\nأي عقوبة.\nيُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا قرأه العامة بجزم الفاء والدال، ورفعهما ابن عامر وابن عباس على الابتداء.\nثمّ قال إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا الآية.\nأخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا موسى بن هارون الجّمال قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال: حدّثنا عبد الله بن رجاء عن عبيد الله ابن عمر بن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: قرأناها على عهد رسول الله ﷺ سنين «٣» وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ الآية. ثمّ نزلت إِلَّا مَنْ تابَ فما رأيت النبي ﷺ فرح بشيء قط فرحه بها وفرحه ب إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ.\nوأخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن علي اليقطيني قال:\nأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح قال: حدّثني القاسم بن أبي برة قال:\nقلت لسعيد بن جبير: أبا عبد الله أرأيت قول الله ﷾ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ إلى قوله إِلَّا مَنْ تابَ قال: سمعت ابن عباس يقول: هذه مكيّة نسختها الآية المدنية التي في سورة النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها ولا توبة له.\nوروى أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت أنّه دخل على أبيه وعنده رجل من أهل\n_________\n(١) سورة مريم: ٥٩.\n(٢) مسند الشاميين- الطبراني.: ٢/ ٤٠٥.\n(٣) في النسخة الثانية: سنتين.","vol":"7","page":149},{"text":"العراق وهو يسأله عن هذه الآية التي في الفرقان والتي في سورة النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا «١»، فقال زيد بن ثابت: قد عرفت الناسخة من المنسوخة نسختها التي في النساء بعدها ستّة أشهر.\nوروى حجاج عن أبي جريج قال: قال الضحّاك بن مزاحم: هذه السورة بينها وبين النساء وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثماني حجج، والصحيح أنّها محكمة.\nروى جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء قال: اختلفت إلى ابن عباس ثلاث عشرة سنة فما شيء من القرآن إلّا سألته عنه ورسولي يختلف إلى عائشة، فما سمعته ولا أحد من العلماء يقول: إنّ الله سبحانه يقول لذنب: لا أغفره.\nفَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.\nقال ابن عباس وابن جبير والضحّاك وابن زيد: يعني فأولئك يبدّلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام، فيبدّلهم بالشرك إيمانا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانا، وقال الآخرون: يعني يبدّل الله سيّئاتهم التي عملوها في حال إسلامهم حسنات يوم القيامة، يدلّ على صحّة هذا التأويل ما\nأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين الحافظ في داري قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن برزة قال: حدّثنا أبو حفص المستملي قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز أبي رزمة قال: حدّثنا الفضل بن موسى القطيعي عن أبي العنبس عن ابنه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «ليتمنّينّ أقوام أنّهم أكثروا من السيئات» . قيل: من هم؟ قال: الذين بدّل اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» «٢» [٨٩] .\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال: أعرضوا عليه صغار ذنوبه قال: فيعرض عليه ويخفى عنه كبارها فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وهو مقرّ لا ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال: أعطوه مكان كلّ سيئة عملها حسنة.\nقال: فيقول إنّ لي ذنوبا ما أراها، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتّى بدت نواجذه» «٣» [٩٠] .\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله عن عبد الله بن أبي سمرة البغوي ببغداد قال:\nحدّثنا محمد بن أحمد الطالقاني قال: حدّثنا محمد بن هارون أبو نشيط قال: حدّثنا أبو المغيرة\n_________\n(١) سورة النساء: ٩٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٣/ ٧٨.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ١٥٧.","vol":"7","page":150},{"text":"قال: حدّثنا صفوان قال: حدّثني عبد الرحمن بن جبير عن أبي الطويل شطب الممدود أنّه أتى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا عمل الذنوب كلّها ولم يترك منها شيئا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلّا اقتطعها بيمينه، فهل لذلك من توبة؟\nقال: «هل أسلمت؟\nقال: أنا أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّك رسوله، قال: نعم تفعل الخيرات وتترك الشهوات يجعلهنّ الله خيرات كلهن.\nقال: وغدراتي وفجراتي قال: نعم قال: الله أكبر، فما زال يكبّر حتى توارى» «١» [٩١] .\nوأخبرني ابن فنجويه في عصبة قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن أبي حاتم قال: حدّثنا أبو نشيط قال: حدّثنا أبو المغيرة قال: سمعت مبشر بن عبيد وكان عارفا بالنحو والعربية يقول: الحاجة الذي يقطع على الحجّاج إذا توجهوا، والداجة الذي يقطع عليهم إذا قفلوا وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتابًا رجوعا حسنا.\nوَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال الضحاك: يعني الشرك وتعظيم الأنداد، علي بن أبي طلحة: يعني شهادة الزور، وكان عمر بن الخّطاب يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، ويطوف به في السوق، يحيى بن اليمان عن مجاهد: أعياد المشركين ليث عنه: الغناء وهو قول محمد بن الحنفية بإسناد الصالحي عن إبراهيم بن محمد بن المنكدر قال: بلغني انّ الله تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان أدخلوهم رياض المسك، أسمعوا عبادي تحميدي وثنائي وتمجيدي، وأخبروهم أن لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.\nأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: حدّثنا عبد الواحد بن محمد الارعياني قال: حدّثنا الأحمسي قال: حدّثنا عمرو العبقري قال: حدّثنا مسلمة بن جعفر عن عمرو بن قيس في قوله سبحانه الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ قال: مجالس الخنا، ابن جريج: الكذب، قتادة: مجالس الباطل، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيّل إلى من سمعه أو يراه أنّه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل لما توهّم أنّه حقّ.\nوَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا قال مقاتل: إذا سمعوا من الكفّار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد، نظيره وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ «٢»\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٧٨.\n(٢) سورة القصص: ٥٥.","vol":"7","page":151},{"text":"الآية، وقال السدّي: وهي منسوخة بآية القتال، العوّام بن حوشب عن مجاهد: إذا أتوا على ذكر النكاح كنّوا عنه، ابن زيد: إذا مرّوا بما كان المشركون فيه من الباطل مرّوا منكرين له معرضين عنه، وقال الحسن والكلبي: اللغو: المعاصي كلّها، يعني إذا مرّوا بمجالس اللهو والباطل مَرُّوا كِرامًا مسرعين معرضين، يدل عليه ما\nروى إبراهيم بن ميسرة أنّ ابن مسعود مرّ بلهو مسرعا فقال رسول الله ﷺ: «إن أصبح ابن مسعود لكريما» «١» [٩٢] .\nوقال أهل اللغة: أصله من قول العرب ناقة كريمة، وبقرة كريمة، وشاة كريمة إذا كانت تعرض عن الحليب تكرّما كأنّها لا تبالي بما يحلب منها.\nوَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا لم يقعوا ولم يسقطوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْيانًا كأنّهم صمّ عمي، بل يسمعون ما يذكرون به فيفهمونه ويرون الحق فيه فيتبعونه.\nقال الفرّاء: ومعنى قوله لَمْ يَخِرُّوا أي لم يقيموا ولم يصيروا، تقول العرب: شتمت فلانا فقام يبكي يعني فظلّ وأقبل يبكي ولا قيام هنالك ولعلّه بكى قاعدا، وقعد فلان يشتمني أي أقبل وجعل وصار يشتمني، وذلك جائز على ألسن العرب.\nوَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّتِنا بغير ألف أبو عمرو وأهل الكوفة، الباقون: ذُرِّيَّاتِنا بالألف قُرَّةَ أَعْيُنٍ بأن يراهم مؤمنين صالحين مطيعين لك، ووحّد قُرَّةَ لأنها مصدر، وأصلها من البرد لأنّ العرب تتأذّى بالحر وتستروح إلى البرد.\nوَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا أي أئمة يقتدى بها. قال ابن عباس: اجعلنا أئمة هداية كما قال وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا «٢» ولا تجعلنا أئمة ضلالة كقوله وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ «٣» .\nقتادة: هداة دعاة خير.\nأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف الفقيه قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون ابن خالد قال: حدّثني أبو جعفر أحمد بن عبد الله العازي الطبري المعروف بابن فيروز قال:\nحدّثنا الحكم بن موسى قال: حدّثنا يحيى بن حمزة عن عبد الرّحمن بن زيد بن جابر عن مكحول في قول الله ﷿ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِمامًا قال: أئمة في التّقوى يقتدي بها المتّقون، وقال بعضهم: هذا من المقلوب واجعل المتّقين لنا إماما واجعلنا مؤتمّين مقتدين بهم، وهو قول مجاهد، ولم يقل أئمة لأنّ الإمام مصدر، يقال: أمّ فلان فلانا مثل الصيام والقيام، ومن جعله أئمة فلأنّه قد كثر حتى صار بمعنى الصفة.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٩/ ٦٤.\n(٢) سورة الأنبياء: ٧٣.\n(٣) سورة القصص: ٤١. [.....]","vol":"7","page":152},{"text":"وقال بعضهم: أراد أئمة كما يقول القائل: أميرنا هؤلاء يعني أمراؤنا، وقال الله سبحانه ﷿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي «١»، وقال الشاعر:\nيا عاذلاتي لا تزدن ملامتي ... إنّ العواذل لسن لي بأمين»\nأي أمناء.\nأُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ يثابون الدرجة الرفيعة في الجنة بِما صَبَرُوا على أمر ربهم وطاعة نبيّهم،\nوقال الباقر: على الفقر.\nوَيُلَقَّوْنَ قرأ أهل الكوفة بفتح الياء وتخفيف القاف، واختاره «٣» أبو عبيد لقوله وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا «٤» .\nخالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقامًا قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي أي ما يصنع وما يفعل، عن مجاهد وابن زيد.\nوقال أبو عبيد: يقال: ما عبأت به شيئا أي لم أعدّه، فوجوده وعدمه سواء، مجازه: أي مقدار لكم، وأصل هذه الكلمة تهيئة الشيء يقال: عبّأت الجيش وعبأت الطيب أعبّئه عبؤا وعبوا إذا هيّأته وعملته، قال الشاعر:\nكأن بنحره وبمنكبيه ... عبيرا بات يعبؤه عروس\n«٥» لَوْلا دُعاؤُكُمْ إيّاه، وقيل: لولا عبادتكم، وقيل: لولا إيمانكم. واختلف العلماء في معنى هذه الآية فقال قوم: معناها قل ما يعبأ بخلقكم ربّي لولا عبادتكم وطاعتكم إيّاه، يعني أنّه خلقكم لعبادته نظيرها قوله سبحانه وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٦» وهذا معنى قول ابن عباس ومجاهد، قال ابن عباس في رواية الوالبي: أخبر الله سبحانه الكفّار أنّه لا حاجة لربهم بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبّب إليهم الإيمان كما حبّب إلى المؤمنين.\nوقال آخرون: قل ما يعبأ بعذابكم ربّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ إيّاه في الشدائد، بيانه فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ «٧» ونحوها من الآيات.\n_________\n(١) سورة الشعراء: ٧٧.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٥٢٥.\n(٣) في النسخة الثانية زيادة: الفرّاء، قال: لأن المغرب يقول: فلان يلقى بالسلم وبالخبر بالباء وقلّما يقول:\nيلقى السلم، وقرأ الآخرون يُلَقَّوْنَ بالتشديد واختاره.\n(٤) سورة الإنسان: ١١.\n(٥) لسان العرب: ١/ ١١٨.\n(٦) سورة الذاريات: ٥٦.\n(٧) سورة العنكبوت: ٦٥.","vol":"7","page":153},{"text":"وقال بعضهم: قل ما يعبأ بمغفرتكم ربّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ معه آلهة وشركاء، بيانه قوله ﷾ ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ «١» وهذا المعنى قول الضحّاك.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أبو حاتم قال: حدّثنا أبو طاهر بن السرج قال: حدّثنا موسى بن ربيعة الجمحي قال: سمعت الوليد بن الوليد يقول: بلغني أنّ تفسير هذه الآية قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ يقول: ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلّا أن تسألوني فأغفر لكم، وتسألوني فأعطيكم.\nفَقَدْ كَذَّبْتُمْ يا أهل مكة.\nوأخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر قال:\nحدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا شعبة بن عبد الحميد بن واصل قال: سمعت مسلم بن عمّار قال: سمعت ابن عباس يقرأ: فقد كذّب الكافرون فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا.\nوبه شعبة عن أدهم يعني السدوسي عن أنّه كان خلف بن الزبير يقرأ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ فلمّا أتى على هذه الآية قرأها: فقد كذّب الكافر فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا، ومعنى الآية فسوف يكون تكذيبهم لزاما. قال ابن عباس: موتا. ابن زيد: قتالا، أبو عبيدة: هلاكا.\nوأنشد:\nفاما ينجوا من حتف أرضي ... فقد لقيا حتوفهما لزاما «٢»\nوقال بعض أهل المعاني: يعني فسوف يكون جزاء يلزم كل عامل ما عمل من خير أو شر، وقال ابن جرير: يعني عذابا دائما لازما وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم بعضا كقول أبي ذؤيب.\nففاجأه بعادية لزام ... كما يتفجّر الحوض اللقيف «٣»\nيعني باللزام الكثير الذي يتبع بعضه بعضا وباللفيف الحجار المنهد، واختلفوا في اللزام هاهنا فقال قوم: هو يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون، وهو قول عبد الله بن مسعود وأبي ابن كعب وأبي مالك ومجاهد ومقاتل.\nروى الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان واللزام والبطشة والقمر والروم. وقال آخرون: هو عذاب الآخرة.\n_________\n(١) سورة النساء: ١٤٧.\n(٢) لسان العرب: ١٢/ ٥٤١.\n(٣) جامع البيان للطبري: ١٩/ ٧١.","vol":"7","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-547>سورة الشعراء</span>\nمكيّة، إلّا قوله وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ إلى آخر السورة فإنّها مدنية، وهي خمسة آلاف وخمسمائة واثنان وأربعون حرفا، وألف ومائتان وسبع وتسعون كلمة ومائتان وسبع وعشرون آية\nأخبرنا أبو الحسين الخبازي قال: حدّثنا أبو الشيخ الاصفهاني قال: حدّثنا أبو العباس الطهراني قال: حدّثنا يحيى بن يعلى بن منصور قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: حدّثنا أبي عن أبي بكر عن عكرمة عن ابن عباس أنّ رسول الله ﷺ قال: أعطيت السورة التي يذكر فيها البقرة من الذكر الأوّل، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى (﵇)، وأعطيت فواتح القرآن وخواتيم السورة التي يذكر فيها البقرة من تحت العرش، وأعطيت المفصّل نافلة «١» .\nوأخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم الماوردي الفارسي قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم ابن منصور الخيزراني ببغداد قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن حبيب قال: حدّثنا يعقوب بن يوسف قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: أخبرنا خارجة عن عبد الله عن إسماعيل بن أبي رافع عن الرقاشي وعن الحسن عن أنس أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: إنّ الله أعطاني السبع مكان التوراة، وأعطاني الطواسين مكان الزبور، وفضّلني بالحواميم والمفصّل ما قرأهن نبيّ قبلي «٢» .\nوأخبرني كامل بن أحمد النحوي وسعيد بن محمد المقري قالا: أخبرنا أحمد بن محمد ابن جعفر الشروطي قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله اليربوعي قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال لي رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بنوح وكذب به وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، وبعدد من كذّب بعيسى وصدّق بمحمد ﷺ» [٩٣] «٣» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٨٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٣/ ٨٧. مع زيادة: «وأعطاني المبين مكان الإنجيل» .\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٥/ ٢٣٩.","vol":"7","page":155},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤)\nوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)\nطسم اختلف القرّاء فيها وفي أختيها فكسر الطاء فيهن على الإمالة حمزة والكسائي وخلف وعاصم في بعض الروايات. وقرأ أهل المدينة بين الكسر والفتح وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم وقرأ غيرهم بالفتح على التضخيم، وأظهر النون في السين هاهنا وفي سورة القصص أبو جعفر وحمزة للتبيين والتمكين، وأخفاها الآخرون لمجاورتها حروف الفم. وأمّا تأويلها فروى الوالبي عن ابن عباس قال: طسم قسم وهو من اسماء الله سبحانه، عكرمة عنه: عجزت العلماء عن علم تفسيرها. مجاهد: اسم السورة. قتادة وأبو روق: اسم من أسماء القرآن أقسم الله ﷿ به، القرظي أقسم الله سبحانه بطوله وسنائه وملكه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش «١» قال: حدّثني أحمد بن عبيد الله بن يحيى الدارمي قال: حدّثني محمد بن عبده المصّيصي قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا محمد بن بشر الرقّي قال: حدّثنا أبو عمر حفص بن ميسرة عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية طسم قال رسول الله ﷺ: «الطاء طور سيناء والسين الاسكندرية والميم مكة» «٢» [٩٤] .\nوقال جعفر الصادق (﵇): الطاء طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد المصطفى ﷺ.\nتِلْكَ آياتُ أي هذه آيات الْكِتابِ الْمُبِينِ لَعَلَّكَ باخِعٌ قاتل نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وذلك حين كذّبه أهل مكة فشق ذلك عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، نظيرها في الكهف.\nإِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ذليلين قال: لو شاء الله سبحانه لأنزل عليهم آية يذلّون بها فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله ﷿، ابن جريج: لو شاء لأراهم أمرا من أمره لا يعمل أحد منهم بمعصية.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: حبش المقري. [.....]\n(٢) زاد المسير: ٦/ ٣٠.","vol":"7","page":156},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى «١» قال: حدّثنا علي بن علي قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي في هذه الآية قال: بلغنا- والله أعلم- أنّها صوت يسمع من السماء في النصف من شهر رمضان يخرج له العواتق من البيوت.\nوبه عن أبي حمزة قال: حدّثني الكلبي عن أبي صالح مولى أم هاني أنّ عبد الله بن عباس حدّثه قال: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أميّة قال: سيكون لنا عليهم الدولة فتذلّ لنا أعناقهم بعد صعوبة، وهوان بعد عزة. وأمّا قوله سبحانه خاضِعِينَ ولم يقل خاضعة وهي صفة الأعناق ففيه وجوه صحيحة من التأويل: أحدها: فظل أصحاب الأعناق لها خاضعين فحذف الأصحاب وأقام الأعناق مقامهم لأنّ الأعناق إذا خضعت فأربابها خاضعون، فجعل الفعل أوّلا للأعناق ثم جعل خاضعين للرجال، كقول الشاعر:\nعلى قبضة مرجوة ظهر كفّه ... فلا المرء مستحي ولا هو طاعم «٢»\nفأنّث فعل الظهر لأنّ الكفّ تجمع الظهر وتكفى منه كما أنّك مكتف بأن تقول: خضعت للأمر أن تقول: خضعت لك رقبتي، ويقول العرب: كلّ ذي عين ناظر إليك وناظرة إليك لأنّ قولك: نظرت إليك عيني ونظرت بمعنى واحد، وهذا شائع في كلام العرب أن يترك الخبر عن الأول ويعمد الى الآخر فيجعل له الخبر كقول الراجز:\nطول الليالي أسرعت في نقضي ... طوين طولي وطوين عرضي «٣»\nفأخبر عن الليالي وترك الطول، قال جرير:\nأرى مرّ السنين أخذن منّي ... كما أخذ السرار من الهلال «٤»\nوقال الفرزدق:\nنرى أرماحهم متقلّديها ... إذا صدئ الحديد على الكماة «٥»\nفلم يجعل الخبر للأرماح وردّه الى هم لكناية القوم وإنما جاز ذلك لأنه لو أسقط من وطول والأرماح من الكلام لم يفسد سقوطها معنى الكلام، فكذلك رد الفعل الى الكناية في قوله أعناقهم لأنه لو أسقط الأعناق لما فسد الكلام ولأدّى ما بقي من الكلام عنها وكان فظلوا خاضعين لها واعتمد الفرّاء وأبو عبيد على هذا القول.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: ابراهيم بن إسحاق.\n(٢) جامع البيان للطبري: ١٩/ ٧٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٣/ ٩٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٧/ ٢٦٤.\n(٥) جامع البيان للطبري: ١ ٩/ ٧٧.","vol":"7","page":157},{"text":"وقال قوم: ذكر الصفة لمجاورتها المذكر وهو قوله هم، على عادة العرب في تذكير المؤنث إذا أضافوه الى مذكر، وتأنيث المذكر إذا أضافوه الى مؤنّث، كقول الأعشى:\nوتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم «١»\nوقال العجاج:\nلما رأى متن السماء أبعدت.\nوقيل: لما كان الخضوع وهو المتعارف من بني آدم أخرج الأعناق مخرج بني آدم كقوله وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ «٢» وقوله سبحانه يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ «٣» ومنه قول الشاعر:\nتمززتها والديك يدعو صباحه ... إذا ما بنو نعش دنوا فتصوّبوا «٤»\nوقيل: إنما قال خاضِعِينَ «٥» فعبّر بالأعناق عن جميع الأبدان، والعرب تعبّر ببعض الشيء عن كله كقوله بِما قَدَّمَتْ يَداكَ «٦» وقوله أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ «٧» ونحوهما.\nقال مجاهد: أراد بالأعناق هاهنا الرؤساء والكبراء، وقيل: أراد بالأعناق الجماعات والطوائف من الناس، يقال: جاء القوم عنقا أي طوائف وعصبا كقول الشاعر:\nانّ العراق وأهله عنق ... إليك فهيت هيتا «٨»\nوقرأ ابن أبي عبلة: فظلّت أعناقهم لها خاضعة.\nوَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ أي وعظ وتذكير مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ في الوحي والتنزيل إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا أخبار وعواقب وجزاء ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وهذا وعيد لهم أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون وصنف من النبات ممّا يأكل الناس والأنعام كَرِيمٍ حسن يكرم على الناس، يقال: نخلة كريمة إذا طاب حملها وناقة كريمة إذا كثر لبنها.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ١٣٢.\n(٢) سورة يوسف: ٤.\n(٣) سورة النمل: ١٨.\n(٤) لسان العرب: ٦/ ٣٥٥.\n(٥) في النسخة الثانية زيادة: لأجل رؤوس الآي ليكون على نسق واحد، وقيل: أراد: فظلّوا خاضعين.\n(٦) سورة الحج: ١٠.\n(٧) سورة الإسراء: ١٣.\n(٨) لسان العرب: ١٠/ ٢٧٣. [.....]","vol":"7","page":158},{"text":"بختويه قال: حدّثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي يوسف «١» قالا: حدّثنا محمد بن يوسف الغزالي قال: حدّثنا سفيان عن رجل عن الشعبي في قوله أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ قال:\nالناس من نبات الأرض فمن دخل الجنّة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم.\nإِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآيَةً لدلالة على وجودي وتوحيدي وكمال قدرتي وحكمتي وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ لما سبق من علمي فيهم، قال سيبويه: كانَ هاهنا صلة، مجازه:\nوما أكثرهم مؤمنين وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ بالنقمة من أعدائه الرَّحِيمُ ذو الرحمة بأوليائه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠ الى ٣٣]</span>\nوَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)\nقالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧) قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩)\nقالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)\nقالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)\nقالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)\nوَإِذْ نادى واذكر يا محمد إذ نادى رَبُّكَ مُوسى حين رأى الشجرة والنار أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لأنفسهم بالكفر والمعصية ولبني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب.\nقَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ وقرأ عبيد بن عمير بالتاء أي قل لهما: ألا تتّقون؟ قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي من تكذيبهم إيّاي وَلا يَنْطَلِقُ ولا ينبعث لِسانِي بالكلام والتبليغ للعقدة التي فيه، قراءة العامة برفع القافين على قوله أَخافُ ونصبها يعقوب على معنى وأن يضيق ولا ينطلق فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة، وهذا كما تقول: إذا نزلت بي نازلة أرسلت إليك، أي لتعينني وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ يعني القتل الذي قتله منهم واسمه ماثون، وكان خباز فرعون، وقيل: على معنى: عندي ولهم عندي ذنب فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ به قالَ الله سبحانه كَلَّا أي لن يقتلوك فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ\n_________\n(١) في النسخة الثانية: بن أبي سفيان.","vol":"7","page":159},{"text":"سامعون ما يقولون وما تجابون، وإنّما أراد بذلك تقوية قلبيهما وإخبارهما أنّه يعينهما ويحفظهماأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ\nولم يقل رسولا لأنه أراد المصدر أي رسالة ومجازه: ذو رسالة رب العالمين، كقول كثيّر:\nلقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بسرّ ولا أرسلتهم برسول «١»\nأي برسالة. وقال العباس بن مرداس:\nإلّا من مبلغ عنّا خفافا ... رسولا بيت أهلك منتهاها «٢»\nيعني رسالة فلذلك انتهاء، قاله الفرّاء.\nوقال أبو عبيد: يجوز أن يكون الرسول في معنى الواحد والاثنين والجمع، تقول العرب:\nهذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي، ومنه قوله فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي «٣» وقيل: معناه كل واحد منا رسول ربّ العالمين.\nأَنْ أي بأن أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ إلى فلسطين ولا تستعبدهم وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفا فانطلق موسى إلى مصر، وهارون بها وأخبره بذلك فانطلقا جميعا الى فرعون، فلم يؤذن لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البوّاب فقال لفرعون: هاهنا إنسان يزعم أنّه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ايذن له لعلّنا نضحك منه، فدخلا عليه وأدّيا إليه رسالة الله ﷾ فعرف فرعون موسى لأنّه نشأ في بيته فقال له أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيدًا صبيّا وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وهي ثلاثون سنة وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ يعني قتل القبطي.\nأخبرنا ابن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني موسى الأنصاري عن السري بن إسماعيل عن الشعبي انه قرأ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي بكسر الفاء ولم يقرأ بها غيره.\nوَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي، ربيناك فينا وليدا فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منّا وكفرت بنعمتنا، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس، وقال: إنّ فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية.\nفقال موسى قالَ فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ أي الجاهلين قبل أن يأتيني عن الله شيء، هذا قول أكثر المفسّرين وكذلك هو في حرف ابن مسعود وأنا من الجاهلين.\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٢٨٣.\n(٢) لسان العرب: ١١/ ٢٨٣.\n(٣) سورة الشعراء: ٧٧.","vol":"7","page":160},{"text":"وقيل: مِنَ الضَّالِّينَ عن العلم بأن ذلك يؤدي الى قتله.\nوقيل: مِنَ الضَّالِّينَ عن طريق الصواب من غير تعمّد كالقاصد الى أن يرمي طائرا فيصيب إنسانا.\nوقيل: من المخطئين نظيره إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ «١» إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٢» وقيل: من الناسين، نظيره أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما «٣» .\nفَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ إلى مدين فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا فهما وعلما وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ.\nاختلف العلماء في تأويلها، ففسّرها بعضهم على إقرار وبعضهم على الإنكار، فمن قال:\nهو إقرار قال: عدّها موسى نعمة منه عليه حيث ربّاه ولم يقتله كما قتل غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد وتركني فلم يستعبدني «٤» وهذا قول الفرّاء، ومن قال هو إنكار قال: معناه وتلك نعمة على طريق الاستفهام «٥» كقوله هذا رَبِّي «٦» وقوله فَهُمُ الْخالِدُونَ وقول الشاعر:\n...... هم هم\n«٧»، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة:\nلم أنس يوم الرحيل وقفتها ... ودمعها في جفونها عرق\nوقولها والركب سائرة ... تتركنا هكذا وتنطلق «٨»\nوهذا قول مجاهد، ثم اختلفوا في وجهها فقال بعضهم: هذا ردّ من موسى على فرعون حين امتنّ عليه بالتربية فقال: لو لم تقتل بني إسرائيل لربّاني أبواي فأىّ نعمة لك عليّ؟\nوقيل: ذكره إساءته إلى بني إسرائيل فقال: تمنّ عليّ أن تربّيني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل.\n_________\n(١) سورة يوسف: ٩٥.\n(٢) سورة يوسف: ٨.\n(٣) سورة البقرة: ٢٨٢.\n(٤) في النسخة الثانية: استعبد بني إسرائيل، مجاز الآية: وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ وتركتني فلم تستعبدني.\n(٥) في النسخة الثانية زيادة: معناه أو تلك نعمة.\n(٦) سورة الأنعام: ٧٦- ٧٨.\n(٧) في النسخة الثانية زيادة: أي: أهم هم؟\n(٨) تفسير القرطبي: ١٣/ ٩٦. والعبارة:\nلم أنس يوم الرحيل وقفتها ... وجفنها من دموعها شرق\nوقولها والركاب واقفة ... تركتني هكذا وتنطلق","vol":"7","page":161},{"text":"وقيل: معناه كيف تمنّ علي بالتربية وقد استعبدت قومي؟ ومن أهين قومه ذلّ، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليّ.\nوقال الحسن: يقول: أخذت أموال بني إسرائيل وأنفقت منها عليّ واتّخذتهم عبيدا.\nوقوله سبحانه أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ أي اتّخذتهم عبيدا، يقال: عبّدته وأعبدته، وأنشد الفرّاء:\nعلام يعبّدني قومي وقد كثرت ... فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان «١»\nوله وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض مجازه: بتعبيدك بني إسرائيل والثاني: الرفع على البدل من النعمة.\nقالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ وأيّ شيء ربّ العالمين الذي تزعم أنّك رسوله إليّ؟\nقالَ موسى (﵇) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ إنّه خلقها عن الكلبي.\nوقال أهل المعاني: إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ أي ما تعاينونه كما تعاينونه فكذلك فأيقنوا أنّ ربّنا هو ربّ السموات والأرض.\nقالَ فرعون لِمَنْ حَوْلَهُ من أشراف قومه، قال ابن عباس: وكانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة محيلا لقوم موسى معجبا لقومه أَلا تَسْتَمِعُونَ فقال موسى مفهما لهم وملزما للحجة عليهم رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ فرعون إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ يتكلّم بكلام لا يعقله ولا يعرف صحته. فقال موسى رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ فقال فرعون حين لزمته الحجّة وانقطع عن الجواب تكبّرا عن الحق وتماديا في الغي لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهًَا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ المحبوسين.\nقال الكلبي: وكان سجنه أشدّ من القتل لأنه كان يأخذ الرجل إذا سجنه فيطرحه في مكان وحده فردا لا يسمع ولا يبصر فيه شيئا، يهوى به في الأرض.\nفقال له موسى حين توعده بالسجن أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ يبيّن صدق قولي، ومعنى الآية: أتفعل ذلك إن أتيتك بحجّة بيّنة، وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون الى الإنصاف والإجابة الى الحق بعد البيان.\nفقال له فرعون فَأْتِ بِهِ فإنّا لن نسجنك حينئذنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٢٧٥.","vol":"7","page":162},{"text":"بيّن ظاهر أمره، فقال: وهل غير هذا؟ ف نَزَعَ موسى يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٣٤ الى ٦٨]</span>\nقالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)\nوَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)\nفَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨)\nقالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣)\nإِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨)\nكَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)\nوَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)\nف قالَ فرعون لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وهو يوم الزينة.\nقال ابن عباس: وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة وهو يوم النيروز.\nوقال ابن زيد: وكان اجتماعهم للميقات بالإسكندرية، ويقال: بلغ ذنب الحيّة من وراء البحيرة يومئذ.\nوَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ تنظرون الى ما يفعل الفريقان ولمن تكون الغلبة لموسى أو للسحرة؟ لَعَلَّنا لكي نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ موسى، قيل: إنما قالوا ذلك على طريق الاستهزاء وأرادوا بالسحرة موسى وهارون وقومهما.\nفَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ","vol":"7","page":163},{"text":"الْغالِبُونَ فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وَهارُونَ قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ قالُوا لا ضَيْرَ\nلا ضرر إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ لأن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ من أهل زماننا وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يتبعكم فرعون وقومه.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال: حدّثنا الدورقي عن حجاج بن جريح في هذه الآية قال: أوحى الله سبحانه الى موسى أن اجمع بني إسرائيل كل أربعة أهل أبيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضّأن فاضربوا بدمائها على أموالكم فإنّي سآمر الملائكة فلا تدخل بيتا على بابه دم، وسآمرها فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأموالهم، ثم اخبزوا خبزا فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم أسر بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري ففعل ذلك، فلمّا أصبحوا قال فرعون: هذا عمل موسى وقومه قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأموالنا، فأرسل في أمره ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في الكرسي العظيم.\nفَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ يعني الشرط ليجمعوا السحرة وقال لهم: إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ عصبة، وشرذمة كل شيء بقيّته القليلة، ومنه قول الراجز:\nجاء الشتاء وقميصي أخلاق ... شراذم يضحك منه التواق «١»\nقال ابن مسعود: كان هؤلاء الشرذمة ستّمائة وسبعون ألفا.\nوأخبرنا أبو بكر الخرمي قال: أخبرنا أبو حامد الأعمش قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي قال: حدّثنا يحيى بن آدم قال: حدّثنا إسحاق عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الأودي في هذه الآية قال: كان أصحاب موسى ستّمائة ألف.\nوَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ يعني أعداء، لمخالفتهم ديننا وقتلهم أبكارنا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها، وخروجهم من أرضنا بغير اذن منّا.\nوَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ قرأ النخعي والأسود بن يزيد وعبيد بن عمر وسائر قرّاء الكوفة وابن عامر والضحاك حاذِرُونَ بالألف وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس واختيار أبي عبيد، وقرأ الآخرون حذرون بغير ألف وهما لغتان.\nوقال قوم: حاذِرُونَ: مؤدّون مقرّون، شاكون في السلاح، ذوو أرادة قوّة وكراع وحذرون:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٤/ ٢٧. [.....]","vol":"7","page":164},{"text":"فرقون متيقظون، وقال الفرّاء: كأن الحاذر الذي يحذرك، والحذر المخلوق حذر ألّا يلقاه إلّا حذرا، والحذر اجتناب الشيء خوفا منه.\nوقرأ شميط بن عجلان: حادرون بالدال غير معجمة، قال الفرّاء: يعني عظاما من كثرة الأسلحة، ومنه قيل للعين العظيمة: حدرة وللمتورّم: حادر. قال امرؤ القيس:\nوعين لها حدرة بدرة ... وسقت مآقيها من أخر «١»\nفَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ قال مجاهد: سمّاها كنوزا لأنها لم تنفق في طاعة الله سبحانه وَمَقامٍ كَرِيمٍ ومجلس حسن كَذلِكَ كما وصفنا وَأَوْرَثْناها بهلاكهم بَنِي إِسْرائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ فلحقوهم في وقت إشراق الشمس وهو إضاءتها فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ أي تقابلا بحيث يرى كل فريق منهما صاحبه، وكسر يحيى والأعمش وحمزة وخلف الراء تراءى الباقون بالفتح.\nقالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ لملحقون، وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير لمدّركون بتشديد الدال والاختيار قراءة العامة كقوله حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ «٢» .\nقالَ موسى ثقة بوعد الله كَلَّا لا يدركونكم إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ طريق النجاة فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الضنجوي قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن علي اليقطيني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد قال: حدّثني محمد بن حمزة وعبد الله بن سلام أنّ موسى لمّا انتهى الى البحر قال: يا من قبل كلّ شيء، والمكوّن لكلّ شيء، والكائن بعد كلّ شيء، اجعل لنا مخرجا، فأوحى الله سبحانه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فانشقّ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ فرقة أي قطعة من الماء كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ كالجبل الضخم.\nقال ابن جريج وغيره: لما انتهى موسى الى البحر هاجت الريح، والبحر يرمي موجا مثل الجبال فقال له يوشع: يا مكلّم الله أين أمرت فقد غشينا فرعون، والبحر أمامنا؟ قال موسى:\nهاهنا فخاض يوشع الماء وحار البحر يتوارى حتى أقرّ «٣» دابته الماء، وقال الذي يَكْتُمُ إِيمانَهُ: يا مكلّم الله أين أمرت؟ قال: هاهنا فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقته، ثم أقحمه البحر فارتسب الماء، وذهب القوم يصنعون مثل ذلك فلم يقدرو، فجعل موسى لا يدري كيف يصنع\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/ ١٥.\n(٢) يونس: ٩٠.\n(٣) في النسخة الثانية: يوشع الماء وجاوز البحر ما يواري حافر.","vol":"7","page":165},{"text":"فأوحى الله سبحانه أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فضربه بعصاه فَانْفَلَقَ، فإذا الرجل واقف على فرسه لم يبتل لبده ولا سرجه.\nوَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ يعني قوم فرعون يقول قرّبناهم الى الهلاك وقدّمناهم الى البحر.\nوَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ فرعون وقومه إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.\nقال مقاتل: لم يؤمن من أهل مصر غير آسية امرأة فرعون وخربيل المؤمن ومريم بنت موساء التي دلّت على عظام يوسف.\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٦٩ الى ٨٧]</span>\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ (٦٩) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ (٧٠) قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ (٧١) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)\nقالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)\nوَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)\nوَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦) وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)\nوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ قالُوا نَعْبُدُ أَصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ.\nقال بعض العلماء: إنّما قالوا: فَنَظَلُّ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل.\nقالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ قراءة العامة بفتح الياء أي: هل يسمعون دعاءكم، وقرأ قتادة يُسْمِعُونَكُمْ بضم الياء إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ.\nوفي هذه الآية بيان أنّ الدين إنما يثبت بالحجة وبطلان التقليد فيه.\nقالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ الأولون فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي وأنا منهم بريء، وإنما وحّد العدو لأن معنى الكلام: فإنّ كل معبود لكم عدوّ لي «١» لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال الله ﷾ كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا «٢» .\n_________\n(١) في زيادة: وأما الوجه في وصف الجماد بالعداوة فهو أنّ معنى الآية: فإنهم عدوّ لي.\n(٢) سورة مريم: ٨٢.","vol":"7","page":166},{"text":"وقال الفرّاء: هو من المقلوب أراد فإنّي عدو لهم لأنّ من عاديته عاداك.\nثم قال إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ نصب بالاستثناء يعني فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي وغير معبود لي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ فإنّي أعبده، قاله الفرّاء، وقيل: هو بمعنى لكن، وقال الحسن «١» بن الفضل: يعني الأمر عند رب العالمين.\nثم وصفه فقال الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ أخبر أن الهادي على الحقيقة هو الخالق لا هادي غيره.\nقال أهل اللسان: الَّذِي خَلَقَنِي في الدنيا على فطرته فَهُوَ يَهْدِينِ في الآخرة إلى جنته.\nوَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ يعني يرزقني ويربيني.\nوقال أبو العباس بن عطاء: يعني يطعمني أيّ طعام شاء، ويسقيني أيّ شراب شاء.\nقال محمد بن كثير العبدي: صحبت سفيان الثوري بمكة دهرا فكان يستف من السبت الى السبت كفّا من رمل.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن علي بن الشاه يقول:\nسمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن حمدان يقول: سمعت الحجاج بن عبد الكريم يقول:\nخرجت من بلخ في طلب إبراهيم بن أدهم فرأيته بحمص في أتون يسجّرها فسلّمت عليه وسألته عن حاله، فردّ عليّ السلام وسألني عن حالي وحال أقربائه، فكنت معه يومه ذلك فقال: لعلّ نفسك تنازعك الى شيء من طعام؟ فقلت: نعم فأخذ رمادا وترابا فخلطهما وأكلهما ثمّ أقبل بوجهه عليّ وانشأ يقول:\nاخلط الترب بالرماد وكله ... وازجر النفس عن مقام السؤال\nفإذا شئت ان تقبّع بالذلّ ... فرم ما حوته أيدي الرجال\nفخرجت من عنده فمكثت أياما لم أدخل عليه فاشتدّ شوقي إليه، فدخلت عليه وكنت عنده فلم يتكلّم بشيء فقلت له: لم لا تكلّم؟ فقال:\nمنع الخطاب لأنه سبب الردى ... والنطق فيه معادن الآفات\nفإذا نطقت فكن لربّك ذاكرا ... وإذا سكتّ فعدّ جسمك مات\nقال أبو بكر الوراق: يُطْعِمُنِي بلا طعام وَيَسْقِينِ بلا شراب، ومجازها: يشبعني ويرويني من غير علاقة،\nكقول النبي ﷺ: «إنّى أبيت يطعمني ربّي ويسقيني»\n[٩٥] . يدلّ عليه\nحديث السقاء في عهد النبي ﷺ حيث سمع النبي ﷺ ثلاثة أيام يقرأ\n_________\n(١) في النسخة الثانية: الحسين.","vol":"7","page":167},{"text":"وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها «١» فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنّة فسقاه.\nقال أنس: فعاش بعد ذلك نيّفا وعشرين سنة لم يأكل ولم يشرب على شهوته.\nوقال علي بن قادم: كان عبد الرّحمن بن أبي نعم لا يأكل في الشهر إلّا مرّة، فبلغ ذلك الحجاج فدعاه وأدخله بيتا وأغلق عليه بابه ثم فتحه بعد خمسة عشر يوما ولم يشكّ أنّه مات فوجده قائما يصلّي فقال: يا فاسق تصلّي بغير وضوء! فقال: إنّما يحتاج الى الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها هذا البيت.\nوسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا سعيد الخزاز بمكة يقول: كنت بطرسوس جائعا، فاشتدّ بي الجوع فجلست على شاطئ النهر ووضعت رجلي في الماء فنوديت: أضجرت من جوعك؟ هاك شبع الأبد.\nقال: فعاش بعده سنين لم يشته طعاما ولا شرابا، وكان مع ذلك إذا أراد الاكل والشرب أمكنه.\nوبلغني أنّ امرأة أسرت من حلب الى الروم في أيام سيف الدولة علي بن حمدان، فهربت منهم ومشت مائتي فرسخ لم تطعم شيئا، فقدمت الى سيف الدولة فقال لها: كيف قويت على المشي وكيف عشت بلا طعام؟\nفقالت: كنت كلّما جعت أو أعييت أقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ثلاث مرّات فأشبع وأروى وأقوى.\nوسمعت أبا القاسم؟ يقول: سمعت أبا القاسم النصرآبادي يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: في الخبز لطيفة تشبعك لا الخبز، ولو شاء لأبقى فيك تلك اللطيفة حتى لا تحتاج الى الخبز.\nوقال ذو النون المصري: يطعمني طعام المحبّة ويسقيني شراب المحبّة. ثم أنشأ يقول:\nشراب المحبّة خير الشراب ... وكلّ شراب سواه سراب\nوسمعت ابن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبيد الله الجرجاني يقول:\nسمعت الحسن بن علوية الدامغاني يقول «٢»: سمعت عمّي يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: إنّ لله شرابا يقال له شراب المحبّة ادّخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، فإذا سكروا\n_________\n(١) سورة هود: ٦.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: قال أبو القاسم هو سمعت أبي يقول: سمعت علي بن محمد الورّاق يقول: سمعت عمّي يقول.","vol":"7","page":168},{"text":"طاشوا، فإذا طاشوا طاروا، فإذا طاروا وصلوا، فإذا وصلوا اتصلوا، فهم فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.\nوقال الجنيد: يحشر الناس كلّهم عراة إلّا من لبس لباس التقوى، وغراثا إلّا من أكل طعام المعرفة، وعطاشى إلّا من شرب شراب المحبّة.\nوَإِذا مَرِضْتُ أضاف إبراهيم (﵇) المرض الى نفسه وإن كان من الله سبحانه لأنّ قومه كانوا يعدّونه عيبا فاستعمل حسن الأدب، نظيرها قصة الخضر حيث قال فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها «١» وقال فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما «٢» .\nفَهُوَ يَشْفِينِ يبرئني يحكى أنّ أبا بكر الورّاق مرّ بطبيب يعطي الناس الأدوية فوقف عليه وقال: أيفعل دواؤك هذا أمرين؟\nقال: وما هما؟\nفقال: ردّ قضاء قاض وجرّ شفاء شاف؟\nفقال: لا قال: فليس [ذلك بشيء] .\nوقال جعفر الصادق: إِذا مَرِضْتُ بالذنوب شفاني بالتوبة «٣» .\nسامر بن عبد الله «٤»: إذا أمرضتني مقاساة الخلق شفاني بذكره والأنس به.\nوَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ أدخل هاهنا (ثُمَّ) للقطع والتراخي.\nقال أهل اللسان والإشارة: يميتني بالعدل ويحييني بالفضل، يميتني بالمعصية ويحييني بالطاعة، يميتني بالفراق ويحييني بالتلاقي، يميتني بالخذلان ويحييني بالتوفيق، يميتني غنى ويحييني به، يميتني بالجهل ويحييني بالعلم.\nوَالَّذِي أَطْمَعُ أرجو أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ قراءة العامّة بالتوحيد.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبا القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن يزيد قال: حدّثنا روح عن أبي اليقظان قال: حدّثنا الحكم السلمي\n_________\n(١) سورة الكهف: ٧٩.\n(٢) سورة الكهف: ٨٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٣/ ١١١.\n(٤) في النسخة الثانية: قال أبو عبد الله.","vol":"7","page":169},{"text":"قال: سمعت الحسن يقرأ «والذي أطمع أن يغفر لي خطاياي يوم الدين» .\nقال: إنّها لم تكن خطيئة ولكن كانت خطايا.\nقال مجاهد ومقاتل: هي قوله إِنِّي سَقِيمٌ «١» وقوله بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ «٢» وقوله لسارة (هي أختي) زاد الحسن، وقوله للكواكب هذا رَبِّي «٣» .\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدّثنا عبيد الله بن ثابت الحريري قال: حدّثنا أبو سعيد الأشج قال: حدّثنا أبو خالد عن داود عن الشعبي عن عائشة ﵂ قالت: يا رسول الله إنّ عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف ويصل الرحم ويفكّ العاني، فهل ينفعه ذلك؟\nقال: لا، لأنّه لم يقل يوما قطّ: اغفر لي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.\nوهذا الكلام من إبراهيم (﵇) احتجاج على قومه وإخبار أنّه لا يصلح للإلهية إلّا من فعل هذه الأفعال.\nرَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وهو البيان على الشيء على ما توجبه الحكمة، وقال مقاتل: فهما وعلما، والكلبي: النبوّة.\nوَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ بمن قبلي من النبيين في الدرجة والمنزلة. وقال ابن عباس: بأهل الجنة.\nوَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ أي ذكرا جميلا وثناء حسنا وقبولا عاما في الأمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله ﷾ ذلك، فكلّ أهل الأديان يتولّونه ويبنون عليه.\nقال القتيبي: ووضع اللسان موضع القول على الاستعارة لأن القول يكنى بها «٤»، والعرب تسمّي اللغة لسانا. وقال أعشى باهلة:\nإنّي أتتني لسان لا أسرّ بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر «٥»\nوَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ وقد بيّنا المعنى الذي من أجله استغفر إبراهيم (﵇) لأبيه في سورة التوبة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.\n_________\n(١) سورة الصافّات: ٨٩.\n(٢) سورة الأنبياء: ٦٣. [.....]\n(٣) سورة الأنعام: ٧٦- ٧٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٣/ ١١٣.\n(٥) لسان العرب: ٤/ ٣٥٢.","vol":"7","page":170},{"text":"وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-552>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٨٨ الى ١٠٤]</span>\nيَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢)\nمِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قالُوا وَهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧)\nإِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٩٨) وَما أَضَلَّنا إِلاَّ الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ (١٠٠) وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)\nيَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ خالص من الشرك والشك، فأمّا الذنوب فليس يسلم منها أحد هذا قول أكثر المفسّرين.\nوقال سعيد بن المسيّب: القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأنّ قلب الكافر والمنافق مريض، قال الله سبحانه فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «١» .\nوقال أبو عثمان النيسابوري: هو القلب الخالي من البدعة، المطمئن على السنّة.\nوقال الحسين بن الفضل: سليم من آفة المال والبنين.\nوقال الجنيد: السليم في اللغة اللديغ فمعناه: كاللّديغ من خوف الله.\nوَأُزْلِفَتِ وقرّبت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ وأظهرت الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ للكافرين وَقِيلَ لَهُمْ يوم القيامة أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ لأنفسهم فَكُبْكِبُوا فِيها.\nقال ابن عباس: جمعوا، مجاهد: ذهبوا، مقاتل: قذفوا، وأصله كببوا فكررت الكاف فيه مثل قولك: تهنهني وريح صرصر ونحوهما.\nهُمْ وَالْغاوُونَ يعني الشياطين، عن قتادة ومقاتل، الكلبي: كفرة الجن.\nوَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ وهم أتباعه ومن أطاعه من الجن والإنس قالوا للشياطين والمعبودين تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ نعدلكم بِرَبِّ الْعالَمِينَ فنعبدكم من دونه وَما أَضَلَّنا أي دعانا إلى الضلال وأمرنا به إِلَّا الْمُجْرِمُونَ يعني الشياطين، عن مقاتل، والكلبي: أوّلونا الذين اقتدينا بهم، أبو العاليه وعكرمة: يعني إبليس وابن آدم القاتل لأنه أوّل من سنّ القتال وأنواع المعاصي.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٠.","vol":"7","page":171},{"text":"فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ قريب ينفعنا ويشفع لنا، وذلك حين يشفع الملائكة والنبيّون والمؤمنون.\nأخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن علي اليقطيني قال:\nأخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا من سمع أبا الزبير يقول: أشهد لسمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الرجل ليقول في الجنة: ربّ ما فعل صديقي فلان وصديقه في الحميم؟ فيقول الله سبحانه: أخرجوا له صديقه الى الجنة فيقول من بقي فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ «١» [٩٦] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا سمعان بن أبي مسعود قال: حدّثنا المضّاء بن الجارود قال: حدّثنا صالح المرّي عن الحسن قال: ما اجتمع ملأ على ذكر الله تعالى فيهم عبد من أهل الجنة إلّا شفّعه الله فيهم وإنّ أهل الإيمان شفعاء بعضهم في بعض، وهم عند الله شافعون مشفّعون.\nفَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً رجعة الى الدنيا تمنّوا حين لم ينفعهم فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٠٥ الى ١٢٢]</span>\nكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠٩)\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠) قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قالَ وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسابُهُمْ إِلاَّ عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)\nإِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦) قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)\nثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)\nكَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ادخلت التاء للجماعة كقوله قالَتِ الْأَعْرابُ.\nالْمُرْسَلِينَ يعني نوحا وحده كقوله يا أَيُّهَا الرُّسُلُ «٢» .\nوأخبرني أبو عبد الله الدينوري قال: حدّثنا أبو علىّ المقري قال: حدّثنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب قال: حدّثنا الحسن بن محمد الصباح قال: حدّثنا عبد الوهاب عن إسماعيل\n_________\n(١) زاد المسير: ٦/ ٤٣.\n(٢) سورة المؤمنون: ٥١.","vol":"7","page":172},{"text":"عن الحسين قال: قيل له: يا أبا سعيد أرأيت قوله ﷿ كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ وكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ «١» وكَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ «٢» وإنّما أرسل إليهم رسولا واحدا؟\nقال: انّ الآخر جاء بما جاء به الأوّل، فإذا كذّبوا واحدا فقد كذّبوهم أجمعين.\nإِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ في النسبة لا في الدين نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ على الوحي فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ قراءة العامة، وقرأ يعقوب: وأتباعك الْأَرْذَلُونَ يعني السفلة عن مقاتل وقتادة والكلبي. ابن عباس: الحاكة «٣» .\nوأخبرني الحسين بن محمد الفنجوي قال: حدّثنا محمد بن الحسين الكعبي قال: حدّثنا حسين «٤» بن مزاحم عن ابن عباس في قول الله سبحانه وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ قال: الحاكة، عكرمة: الحاكة والأسالفة.\nقالَ نوح وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ إنما لي منهم ظاهر أمرهم، وعليّ أن أدعوهم وليس علىّ من خساسة أحوالهم ودناءة مكاسبهم شيء، ولم أكلّف ذلك إنّما كلّفت أن أدعوهم.\nإِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ وقيل: معناه أي لم أعلم أنّ الله يهديهم ويضلكم، ويوفّقهم ويخذلكم.\nوَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا نُوحُ عمّا تقول وتدعو إليه لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ يعني المشؤومين عن الضحّاك، قتادة: المضروبين بالحجارة.\nقال ابن عباس ومقاتل: من المقتولين.\nالثمالي: كلّ شيء في القرآن من ذكر الْمَرْجُومِينَ فإنّه يعني بذلك القتل إلّا التي في سورة مريم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ «٥» فإنّه يعني لأشتمنّك.\nقالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ فاحكم بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ يعني الموقّر المجهّز عن ابن عباس. مجاهد:\nالمملوء، المفروغ منه، عطاء: المثقل، قتادة: المحمل.\n_________\n(١) سورة الشعراء: ١٢٣.\n(٢) سورة الشعراء: ١٤١.\n(٣) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٤، وزاد المسير: ٦/ ٤٤.\n(٤) في النسخة الثانية: الكعبي عن حسون بن الهيثم الرويزي قال: أخبرني أبو علي عن محمد بن بكير بن مروان الفهري عن أبيه عن الضحاك.\n(٥) سورة مريم: ٤٦.","vol":"7","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٢٣ الى ١٤٠]</span>\nكَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٢٧)\nأَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ (١٣٢)\nأَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)\nوَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (١٣٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)\nثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ على الرسالة، وقال الكلبي: أمين فيكم قبل الرسالة فكيف تتّهموني اليوم؟ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ.\nقال الوالبي عن ابن عباس: بكل شرف.\nقتادة والضحّاك ومقاتل والكلبي: طريق، هي رواية العوفي عن ابن عباس.\nابن جريج عن مجاهد: هو الفجّ بين الجبلين.\nابن أبي نجيح عنه: هو الثقبة الصغيرة وعنه أيضا عكرمة: واد.\nمقاتل بن سليمان: كانوا يسافرون ولا يهتدون إلّا بالنجوم فبنوا على الطرق أميالا طوالا عبثا ليهتدوا بها، يدلّ عليه قوله آيَةً أي علامة.\nوروي عن مجاهد أيضا قال: الريع بنيان الحمام، دليله وقوله تَعْبَثُونَ أي تلعبون، أبو عبيد: هو المكان المرتفع، وأنشد لذي الرمّة:\nطراق الخوافي مشرف فوق ريعه ... ندى ليلة في ريشه يترقرق «١»\nوفيه لغتان ريع وريع بكسر الراء وفتحها وجمعه أرياع وريعه.\nوَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ.\nقال ابن عباس ومجاهد: قصور مشيّدة معمر عنه: الحصون.\nابن أبي نجيح عنه: بروج الحمام، قتادة: مآخذ للماء، الكلبي: منازل، عبد الرزاق:\nالمصانع عندنا بلغة اليمن: القصور العاديّة واحدتها مصنع.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٩/ ١١٥.","vol":"7","page":174},{"text":"لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ قال ابن عباس وقتادة: يعني كأنّكم تبقون فيها خالدين، ابن زيد: لعلّ استفهام، يعني فهل تخلدون حين تبنون هذه الأشياء؟ الفرّاء: كيما تخلدون.\nوَإِذا بَطَشْتُمْ أي سطوتم وأخذتم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ قتّالين من غير حقّ.\nقال مجاهد: قتلا بالسيف وضربا بالسوط، والجبّار: الذي يقتل ويضرب على الغضب.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ.\nثمّ ذكر ما أعطاهم فقال أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ.\nروى العباس عن ابن عمير، وواقد عن الكسائي بإدغام الطاء في التاء، الباقون: بالإظهار وهو الاختيار.\nأَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ قرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وأيّوب وأبي عبيد وأبي حاتم بفتح الخاء، لقوله وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا «١» وقوله إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ «٢» ومعناه: إن هذا إلّا دأب الأوّلين وأساطيرهم وأحاديثهم، وقرأ الباقون: بضم الخاء واللام أي عبادة الأوّلين من قبلنا، يعيشون ما عاشوا ثمّ يموتون ولا بعث ولا حساب، وهذا تأويل قتادة.\nوَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٤١ الى ١٥٩]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥)\nأَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)\nوَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)\nوَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)\n_________\n(١) سورة العنكبوت: ١٧.\n(٢) سورة ص: ٧. [.....]","vol":"7","page":175},{"text":"كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا أي في الدنيا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها ثمرها هَضِيمٌ.\nقال ابن عباس: لطيف مادام في كفراه «١»، ومنه قيل: هضيم الكشح إذا كان لطيفا، وهضم الطعام إذا لطف واستحال الى شكله، عطيّة عنه: يانع نضيج، قتادة وعكرمة: الرطب الليّن، الحسن: رخو.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن سلام عن أبي إسحاق عن أبي العلاء، طَلْعُها هَضِيمٌ قال: مذنّب، مجاهد: متهشم متفتت وذلك حين يطلع يفيض عليه فيهضمه، وهو مادام رطبا فهو هضيم فإذا يبس فهو هشيم، أبو العالية: يهشهش في الفم. الضحاك ومقاتل: متراكم ركب بعضه بعضا حتى هضم بعضه بعضا، وأصله من الكسر.\nوَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا فرهين قرأ أهل الشام والكوفة فارِهِينَ بالألف، وهي قراءة أصحاب عبد الله واختيار أبي عبيد أي حاذقين بتخيّرها.\nوقال عطيّة وعبد الله بن شداد: متخيرين لمواضع نحتها، وقرأ الباقون: فرهين بغير ألف وهو اختيار أبي حاتم. واختلفوا في معناه فقال ابن عباس: أشرين، الضحّاك: كيّسين، قتادة:\nمعجبين بصنعكم، مجاهد: شرهين، عكرمة: ناعمين، السدّي: متحيرين، ابن زيد: أقوياء، الكسائي: بطرين، أبو عبيدة: فرحين، الأخفش: فرحين، والعرب تعاقب بين الحاء والهاء مثل:\nمدحته ومدهته، ويجوز أن يكون فرهين وفارِهِينَ بمعنى واحد مثل قوله عِظامًا نَخِرَةً «٢» وناخرة، ونحوها.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ المشركين الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ أي المسحورين المخدوعين عن مجاهد وقتادة.\nوقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: من المعلّلين بالطعام والشراب، وأنشد الكلبي قول لبيد:\nفإن تسألينا فيم نحن فإننّا ... عصافير من هذا الأنام المسحّر «٣»\nوقال آخر:\nويسحر بالطعام وبالشراب\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ١٢٨، وكفراه: دعاؤه راجع النهاية لابن الأثير: ٣/ ١١٢.\n(٢) سورة النازعات: ١١.\n(٣) كتاب العين: ٣/ ١٣٥.","vol":"7","page":176},{"text":"أي يعلّل ويخدع، وهو على هذين القولين من السّحر بكسر السين.\nوقال بعضهم: من السّحر بفتح السين أي أصحاب الرؤية، يدلّ عليه قوله ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ على صحة ما يقول إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ حظ ونصيب من الماء وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ بعقر فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ على عقرها حين رأوا العذاب.\nفَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-556>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٦٠ الى ١٧٥]</span>\nكَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤)\nأَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)\nفَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)\nكَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ مجاوزون الحلال إلى الحرام.\nقالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ من بلدنا قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ يعني اللواط مِنَ الْقالِينَ المبغضين.\nثمّ دعا فقال رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ عند نزول العذاب إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ وهي امرأة لوط بقيت في العذاب والهلاك.\nثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ «١» فقال: سمعت وهب بن منبه يقول: الكبريت والنار.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: أخبرني عبد الله بن حامد الوزان، عن مكي بن عبدان، عن عبد الرحمن بن بشر، عن موسى، قال سألت الحكم، فقلت له: قوله: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ.","vol":"7","page":177},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-557>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٧٦ الى ١٩١]</span>\nكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠)\nأَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)\nوَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)\nوَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)\nكَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الغيضة وهم قوم شعيب والليكة والْأَيْكَةِ لغتان قرئتا جميعا الْمُرْسَلِينَ.\nقال أبو زيد «١»: بعث الله سبحانه شعيبا إلى قومه وأهل مدين وإلى أهل البادية وهم أصحاب الأيكة.\nإِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ ولم يقل أخوهم شعيب لأنّه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلمّا ذكر مدين قال: أَخاهُمْ شُعَيْبًا لأنه كان منهم.\nإِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ وإنّما دعوة هؤلاء الأنبياء كلّهم فيما حكى الله سبحانه عنهم على صيغة واحدة للإخبار بأنّ الحقّ الذي يدعون إليه واحد، وأنّهم متّفقون على الأمر بالتقوى والطاعة والإخلاص في العبادة والامتناع من أخذ الأجر على الدعوة وتبليغ الرسالة.\nأَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ الناقصين للكيل والوزن.\nوَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الخليقة الْأَوَّلِينَ. والجبلّ: الخلق، قال الشاعر:\nوالموت أعظم حادث ... مما يمرّ على الجبلّة\nقالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ وهو مجازيكم به وما عليّ إلّا الدعوة.\nفَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ وذلك أنّ الله سبحانه حبس عنهم الريح سبعة أيّام\n_________\n(١) في النسخة الثانية: ابن يزيد.","vol":"7","page":178},{"text":"وسلّط عليهم الحرّ حتى أخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ظلّ ولا ماء، وكانوا يدخلون الأسراب ليتبرّدوا فيها فإذا دخلوها وجدوها أشدّ حرا من الظاهر، فخرجوا هرابا الى البرية فأظلّتهم سحابة وهي الظلّة، فوجدوا لها بردا ونسيما فنادى بعضهم بعضا حتى إذا اجتمعوا تحتها أمطرت عليهم نارا فاحترقوا.\nقال قتادة: بعث الله سبحانه شعيبا إلى أمّتين: أصحاب الأيكة وأهل مدين، فأمّا أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلّة وأمّا أهل مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبرئيل صيحة فهلكوا جميعا.\nأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويه قال:\nحدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيّب عن برد الجريري قال: سلّط الحرّ عليهم سبعة أيام ولياليهن، ثم رفع لهم جبل من بعيد، فأتاه رجل منهم فإذا تحته أنهار وعيون وماء بارد فتمكّن تحته وأخذ ما يكفيه ثم جاء إلى أهل بيته فآذنهم فجاؤوا فأخذوا ما يكفيهم وتمكّنوا، ثم آذن بقيّة الناس فاجتمعوا تحته كلّهم فلم يغادر منهم أحدا، فوقع ذلك الجبل عليهم فذلك قوله سبحانه فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ١٩٢ الى ٢٢٠]</span>\nوَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)\nأَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)\nفَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)\nما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)\nإِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)\nوَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)\nوَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ يعني القرآن نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ قرأ الحجازيّون وأبو عمر بتخفيف الزاي ورفع الحاء والنون يعنون جبرئيل (﵇) بالقرآن، وقرأ الآخرون بتشديد الزاي وفتح الحاء والنون أي نزّل الله جبرئيل (﵇)، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم لقوله وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ وهو مصدر نزّل، عَلى قَلْبِكَ يا محمد حتى وعيته.","vol":"7","page":179},{"text":"لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ يعني نزل بلسان عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ يعني ذكر القرآن وخبره عن أكثر المفسرين وقال مقاتل: يعني ذكر محمد ﷺ ونعته لَفِي زُبُرِ كتب الْأَوَّلِينَ وقرأ الأعمش زُبْرِ بجزم الباء، وغيره بالرفع.\nأَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً قرأ ابن عامر تكن بالتاء آيَةٌ بالرفع، غيره تكن بالتاء آيَةً بالنصب، ومعنى الآية أو لم يكن لهؤلاء المنكرين دلالة وعلامة أَنْ يَعْلَمَهُ يعني محمدا عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ.\nعبد الله بن سلام وأصحابه قال ابن عباس: بعث أهل مكة الى اليهود وهم بالمدينة فسألوهم عن محمد ﷺ فقالوا: إن هذا لزمانه وإنّا نجد في التوراة نعته وصفته وكان ذلك آية لهم على صدقه.\nوَلَوْ نَزَّلْناهُ يعني القرآن عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ هو جمع الأعجم، وهو الذي لا يفصح ولا يحسن العربية وإن كان منسوبا الى العرب، وتأنيثه عجماء، وجمعه عجم، ومنه قيل للبهائم عجم لأنها لا تتكلم.\nقال النبي ﷺ: «العجماء جرحها جبار»\n«١» [٩٧] فإذا أردت أنه منسوب إلى العجم قلت:\nعجمي.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا سهل بن علي قال: حدّثنا أبو عمر قال: حدّثنا شجاع بن أبي نصر عن عيسى بن عمر عن الحسن أنّه قرأ «ولو نزّلناه على بعض الأعجميين» مشدّدة بيائين، جعله نسبة ومعنى الآية: ولو نزّلناه على رجل ليس بعربي اللسان فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ بغير لغة العرب ل ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ، وقالوا: ما نفقه قولك نظيره قوله سبحانه وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ «٢»، وقيل معناه: ولو نزّلناه على رجل ليس من العرب لما آمنوا به أنفة من اتّباعه.\nكَذلِكَ سَلَكْناهُ أي أدخلنا القرآن فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لتقوم الحجة عليهم، وقيل:\nيعني سلكنا الكفر في قلوب المجرمين لا يُؤْمِنُونَ بِهِ.\nقال الفرّاء: من شأن العرب إذا وضعت (لا) موضع (كي) في مثل هذا ربّما جزمت ما بعدها وربّما رفعت فتقول: ربطت الفرس لا ينفلت جزما ورفعا، وأوثقت العبد لا يأبق في الجزم على تأويل إن لم أربطه انفلت، وإن لم أوثقه فرّ، والرفع على أنّ الجازم غير ظاهر. أنشد بعض بني عقيل:\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٥٤.\n(٢) سورة فصّلت: ٤٤.","vol":"7","page":180},{"text":"وحتى رأينا أحسن الود بيننا ... مساكنة لا يقرف الشر قارف «١»\nينشد رفعا وجزما، ومن الجزم قول الراجز:\nلطال ما حلأتماها لا ترد ... فخليّاها والسجال تبترد «٢»\nحَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ فَيَأْتِيَهُمْ قراءة العامة بالياء يعنون العذاب.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: أخبرنا أبو العباس عبد الرّحمن بن محمد ابن حماد الطهراني قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن الفضل الحرمي قال: حدّثنا وهب بن عمرو النمري قال: أخبرنا هارون بن موسى العتكي قال: حدّثنا الحسام عن الحسن أنه قرأ فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً بالتاء فقال له رجل: يا أبا سعيد إنما يأتيهم العذاب بغتة فانتهره الحسن وقال: إنّما هي الساعة.\nوَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ.\nقال مقاتل: فقال المشركون: يا محمد إلى متى توعدنا بالعذاب؟ فأنزل الله ﷿ أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ في الدنيا ولم نهلكهم ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ يعني العذاب ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ رسل ينذرونهم ذِكْرى أي ينذرونهم تذكرة محلّها نصب، وقيل رفع أي تلك ذكرى.\nوَما كُنَّا ظالِمِينَ في تعذيبهم حيث قدّمنا الحجّة عليهم وأعذرنا إليهم.\nوَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ بل نزل به الروح الأمين، وقراءة العامّة الشَّياطِينُ بالياء في جميع القرآن لأن نونه سنخية وهجاؤه واحد كالدهاقين والبساتين.\nوقرأ الحسن البصري ومحمد بن السميدح اليماني: الشياطون بالواو وقال الفراء: غلط الشيخ يعني الحسن فقيل: ذلك النضر بن شميل فقيل: إن جاز أن يحتج يقول العجاج ورؤبة ودونهما فهلّا جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه؟ مع إنّا نعلم أنهما لم يقرءا ذلك إلّا وقد سمعا فيه.\nوقال المؤرّخ: إن كان اشتقاق الشياطين من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه.\nوأخبرني عمر بن شبّه قال: سمعت أبا عبيد يقول: لم نعب على الحسن في قراءته إلّا قوله: وما تنزّلت به الشياطون.\nوبإسناده عن عمر بن شبّه قال: حدّثنا أبو حرب البابي من ولد باب قال: جاء أعرابي إلى\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٣/ ٤٨.\n(٢) لسان العرب: ١/ ٥٩.","vol":"7","page":181},{"text":"يونس بن حبيب فقال: أتانا شاب من شبابكم هؤلاء فأتى بنا هذا الغدير فأجلسنا في ذات جناحين من الخشب فأدخلنا بساتين من وراءها بساتون.\nقال يونس: ما أشبه هذا بقراءة الحسن.\nوَما يَنْبَغِي لَهُمْ أن ينزلوا القرآن وَما يَسْتَطِيعُونَ ذلك إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ أي استراق السمع من السماء لَمَعْزُولُونَ وبالشهب مرجومون فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا الحسن بن علي بن شبيب المعمر قال: حدّثني عبّاد بن يعقوب قال: حدّثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن أبي إسحاق عن البراء قال: لمّا نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل المسنّة ويشرب العس، فأمر عليّا برجل شاة فأدمها ثم قال: ادنوا باسم الله فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم:\nاشربوا باسم الله، فشرب القوم حتى رووا فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما يسحركم به الرجل، فسكت النبي ﷺ يومئذ فلم يتكلّم.\nثمّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ثم أنذرهم رسول الله ﷺ فقال: «يا بني عبد المطلب إنّي أنا النذير إليكم من الله سبحانه والبشير لما يجيء به أحد منكم، جئتكم بالدنيا والآخرة فأسلموا وأطيعوني تهتدوا، ومن يواخيني ويؤازرني ويكون وليّي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهلي ويقضي ديني؟ فسكت القوم، وأعاد ذلك ثلاثا كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول علي: أنا فقال: «أنت» فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمّر عليك «١» [٩٨] .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الاصفهاني ومحمد بن عبد الله بن حمدون قالا: أخبرنا أحمد ابن محمد بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيّب وأبو سلمة بن عبد الرّحمن أنّ أبا هريرة قال: قام النبي ﷺ حين أنزل الله سبحانه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قال: «يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفيّة عمّة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، فسلوني من مالي ما شئتم» «٢» [٩٩] .\nوأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم\n_________\n(١) شواهل التنزيل- الحسكاني.: ١/ ٥٤٣.\n(٢) كنز العمّال: ١٦/ ٩.","vol":"7","page":182},{"text":"قال: حدّثنا عبد الله قال: حدّثنا الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمّا أنزل الله سبحانه وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ أتى رسول الله ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء وبين رجل يبعث رسولا فقال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد المطلب، يا بني فهر لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني؟\nقالوا: نعم قال: فإني نذيركم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ما دعوتنا إلّا لهذا، فأنزلت تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ «١» [١٠٠] .\nوَاخْفِضْ جَناحَكَ فليّن جانبك لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ من عبادة الأوثان ومعصية الرحمن.\nفَتَوَكَّلْ بالفاء أهل المدينة والشام وكذلك هو في مصاحفهم، وغيرهم بالواو أي وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ليكفيك كيد أعدائك.\nالَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ\nإلى صلاتك عن أكثر المفسّرين.\nوقال مجاهد: الَّذِي يَراكَ\nأينما كنت وَتَقَلُّبَكَ ويرى تقلّبك في صلاتك في حال قيامك وقعودك وركوعك وسجودك.\nقال عكرمة وعطيّة عن ابن عباس، وقال مجاهد: ويرى تقلّبك في المصلّين أي إبصارك منهم من هو خلفك كما تبصر من هو أمامك.\nقال: وكان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد بن الحسن قال: حدّثنا السلمي وأحمد بن حفص وعبد الله الفرّاء وقطن قالوا: حدّثنا حفص قال: حدّثنا إبراهيم بن طهمان عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: اتمّوا الركوع والسجود فو الله إنّي لأراكم من بعد ظهري إذا ركعتم وسجدتم «٢» .\nوقال قتادة وابن زيد ومقاتل والكلبي: يعني وتصرّفك مع المصلّين في أركان الصلاة في الجماعة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا، وهي رواية عطاء الخراساني عن ابن عباس.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٣٠٧.\n(٢) مسند أبي يعلى: ٥/ ٤٦٤.","vol":"7","page":183},{"text":"وقال سعيد بن جبير: وتصرّفك في أحوالك كما كانت الأنبياء من قبلك تفعله، والساجدون في هذا القول: الأنبياء.\nوقال الحسن: يعني وتصرّفك وذهابك ومجيئك في أصحابك والمؤمنين.\nأخبرني أبو سهل عبد الملك بن محمد بن أحمد بن حبيب المقري قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال: حدّثنا زنجويه بن محمد، قال: حدّثنا علىّ بن سعيد النسوي أبو عاصم عن صهيب عن عكرمة عن ابن عباس وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال: من نبي الى نبيّ حتى أخرجك في هذه الأمة.\nوحدّثنا أبو الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرخسي الفقيه إملاء قال: أخبرنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري بمكة قال: حدّثنا الحسن بن بشر قال: حدّثنا سعدان بن الوليد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس في قوله سبحانه وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قال: ما زال رسول الله ﷺ يتقلب في أصلاب الأنبياء حتى ولدته أمّه.\nإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لقراءتك الْعَلِيمُ بعملك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-559>[سورة الشعراء (٢٦): الآيات ٢٢١ الى ٢٢٧]</span>\nهَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)\nوَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)\nهَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ ثمّ بيّن فقال تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ كذّاب أَثِيمٍ فاجر، وهم الكهنة.\nوقال مقاتل: مثل مسيلمة وطلحة.\nيُلْقُونَ السَّمْعَ يعني يستمعون من الملائكة مسترقين فيلقون إلى الكهنة.\nوَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ لأنّهم يخلطون به كذبا كثيرا، وهم الآن محجوبون وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nوَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ.\nأخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن حمدون بن عمارة الأعمش قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن قهزاد المروزي قال: حدّثنا حاتم بن العلاء قال: أخبرنا عبد المؤمن عن بريده عن ابن عباس في هذه الآية وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ","vol":"7","page":184},{"text":"الْغاوُونَ\nقال: هم الشياطين، يدل عليه قوله ﷾ فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ.\nوقال الضحّاك: تهاجى رجلان على عهد رسول الله ﷺ أحدهما من الأنصار والآخر من قوم آخرين، ومع كل واحد منهم غواة من قومه وهم السفهاء، فنزلت هذه الآية\nوهي رواية عطيّة عن ابن عباس.\nعكرمة عنه: الرواة.\nعلي بن أبي طلحة عنه: كفّار الجنّ والإنس.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: أخبرني جعفر بن محمد قال: حدّثنا حسين بن محمد بن علي قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن سعيد بن الحر عن أبي عبد الله وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ قال: هم الذين يشعرون قلوب الناس بالباطل، وأراد بهؤلاء شعراء الكفّار: عبد الله بن الزبعرى المخزومي، وهبيرة بن أبي وهب، ومسافع بن عبد مناف، وعمرو بن عبد الله أبا عزّة الجمحي، وأميّة بن أبي الصلت كانوا يهجون رسول الله ﷺ فيتّبعهم الناس.\nأخبرني الحسن بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة قال:\nحدّثنا محمد بن عمران بن هارون قال: حدّثنا علي بن سعيد النسوي قال: حدّثنا عبد السلام عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن مكحول عن أبي إدريس عن غضيف أو أبي غضيف من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ: «من أحدث هجاء في الإسلام فاقطعوا لسانه» «١» [١٠١] .\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرنا أبو يعلى قال: حدّثنا إبراهيم بن عرعرة قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن مهدي قال: حدّثنا يعقوب القمي عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لمّا فتح النبي ﷺ يعني مكة رنّ إبليس رنّة فاجتمعت إليه ذريّته فقال: «آيسوا أن ترتد أمة محمد على الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفشوا فيها- يعني مكة- الشعر والنوح» [١٠٢] .\nأَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ من أودية الكلام يَهِيمُونَ حائرين وعن طريق الحق والرشد جائرين.\nقال الكسائي: الهائم الذاهب على وجهه.\nأبو عبيد: الهائم المخالف للقصد.\n_________\n(١) مسند الشاميين- الطبراني.: ٤/ ٣٧٦. [.....]","vol":"7","page":185},{"text":"قال ابن عباس في هذه الآية: في كل لغو يخوضون، مجاهد: في كل فن يفتنون، قتادة:\nيمدحون قوما بباطل، ويشتمون قوما بباطل.\nوَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ ثمّ استثنى شعراء المؤمنين: حسّان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وكعب بن زهير فقال عزّ من قائل إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا يعني ردّوا على المشركين الذين هجوا رسول الله ﷺ والمؤمنين.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد الكسائي قال:\nحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا يحيى بن واضح عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي الحسن البراد قال: لما نزلت هذه الآية وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ جاء عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسّان بن ثابت الى رسول الله ﷺ وهم يبكون فقالوا:\nيا رسول الله أنزل الله سبحانه هذه الآية وهو يعلم أنّا شعراء، فقال: اقرءوا ما بعدها إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا أنتم وَانْتَصَرُوا أنتم «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال:\nحدّثنا أبو اليمان قال: أخبرنا شعيب عن الزهري.\nوأخبرنا ابن حمدون قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن كعب بن مالك عن أبيه أنّه قال للنبيّ ﷺ حين أنزل الله سبحانه في الشعراء ما أنزل: يا رسول الله إنّ الله ﷾ قد أنزل في الشعراء ما قد علمت فكيف ترى فيه؟\nفقال النبىّ ﷺ: «إنّ المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنّ ما ترمونهم به نضح النبل» «٢» [١٠٣] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل قال:\nحدّثنا عمرو بن محمد الناقد قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أنّ عمر مرّ بحسّان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة وقال: أنشدك بالله أسمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب عنّي، اللهم أيّده بروح القدس»؟ [١٠٤] قال: اللهم نعم «٣» .\n_________\n(١) المصنّف- الكوفي.: ٦/ ١٧٨.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ٣٨٧.\n(٣) صحيح البخاري: ٤/ ٧٩.","vol":"7","page":186},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا محمد بن علي بن سالم الهمداني قال: حدّثنا أحمد بن منيع قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا الشيباني عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ لحسّان: «اهج المشركين فإنّ جبرئيل معك» «١» [١٠٥] .\nوَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أشركوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ أيّ مرجع يرجعون إليه بعد مماتهم.\nوروى نوفل بن أبي عقرب عن ابن عباس ﵁ (أيّ منقلب ينفلتون) بالفاء والتاء ومعناهما واحد.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبة قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا ابن عون عن إبراهيم قال: كان شريح يقول: سيعلم الظالمون حظّ من نقصوا، إنّ الظالم ينتظر العقاب، وإنّ المظلوم ينتظر النصر.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٢٨٦.","vol":"7","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>سورة النّمل</span>\nمكّيّة، وهي أربعة آلاف وسبعمائة وتسعة وتسعون حرفا، وألف «١» وتسع وأربعون كلمة، وثلاث وسبعون آية.\nأخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد المعدّل قال: حدّثنا أبو يحيى البزّاز قال: حدّثنا محمد بن منصور قال: حدّثنا محمد بن عمران بن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: حدّثني أبي، عن مجالد بن عبد الواحد، عن الحجاج بن عبد الله، عن أبي الخليل وعن علي بن زيد وعطاء بن أبي ميمونة، عن زرّ بن حبيش، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ طس سليمان كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بسليمان وكذّب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلّا الله» [١٠٦] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطس تِلْكَ آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ (١) هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)\nأُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥) وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)\nطس قال ابن عباس: هو اسم من أسماء الله ﷿، أقسم الله سبحانه به أن هذه السورة آياتُ الْقُرْآنِ وَكِتابٍ مُبِينٍ يعني وآيات كتاب مبين، وقيل: الطاء من اللطيف، والسين من السميع، وقال أهل الإشارة: هي إشارة إلى طهارة سرّ حبيبه.\nهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ فيهما وجهان من العربية، الرفع على خبر الابتداء أي هي هدى، وإن شئت على حرف جزاء الصفة في قوله لِلْمُؤْمِنِينَ والنّصب على القطع والحال.\nالَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمالَهُمْ القبيحة حتى رأوها حسنة، وتزيينه خذلانه إيّاهم.\n_________\n(١) في النسخة الثانية زيادة: ومائة.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٧/ ٣٦١.","vol":"7","page":188},{"text":"فَهُمْ يَعْمَهُونَ أُوْلئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ شدّة الْعَذابِ في الدّنيا القتل والأسر بيده.\nوَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ بحرمان النجاة والمنع من دخول الجنّات.\nوَإِنَّكَ لَتُلَقَّى لتلقّن وتعطى الْقُرْآنَ نظيره قوله ﷾ وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ «١» مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٧ الى ١٤]</span>\nإِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨) يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)\nإِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ في مسيره من مدين إلى مصر وقد أصلد زنده إِنِّي آنَسْتُ نارًا فامكثوا مكانكم سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ قرأ أهل الكوفة ويعقوب: بِشِهابٍ منوّن على البدل، غيرهم بالإضافة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، ومعناه: سآتيكم بشعلة نار اقتبسها منها.\nلَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ تستدفئون فَلَمَّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ.\nقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن: يعني قدّس من في النار وهو الله سبحانه عنى به نفسه ﷿، وتأويل هذا القول أنّه كان فيها لا على معنى تمكّن الأجسام لكن على معنى أنّه نادى موسى منها، وأسمعه كلامه من جهتها وأظهر له ربوبيته من ناحيتها، وهو كما روي أنّه مكتوب في التوراة: جاء الله ﷿ من سيناء وأشرق من ساعير واستعلن من جبال فاران، فمجيئه ﷿ من سيناء بعثته موسى منها، ومن ساعير بعثته المسيح بها، واستعلامه من جبال فاران بعثه المصطفى ﷺ، وفاران مكة، وقالوا: كانت النار نوره ﷿، وإنّما ذكره بلفظ النّار لأنّ موسى حسبه نارا، والعرب تضع أحدهما موضع الآخر.\nوقال سعيد بن جبير: كانت النار بعينها وهي إحدى حجب الله ﷾، يدلّ عليه ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن إسحاق قال:\nحدّثنا هاشم القاسم بن القاسم قال: حدّثنا المسعودي عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة، موسى عن الأشعري قال: قام بيننا رسول الله ﷺ بأربع فقال: «إنّ الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له\n_________\n(١) سورة القصص: ٨٠.","vol":"7","page":189},{"text":"أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النار، لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره»\n[١٠٧] «١»، ثم قرأ أبو عبيدة أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nوقيل معناه: بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ سلطانه وقدرته وفيمن حولها.\nوقال آخرون: هذا التبريك عائد إلى موسى والملائكة، ومجاز الآية: بورك من في طلب النار وقصدها بالقرب منها، وهذا كما يقال: بلغ فلان البلد إذا قرب منه، وورد فلان الماء لا يريدون أنّه في وسطه، ويقال: أعط من في الدار، يريدون من هو فيها مقيم أو شريك وإن لم يكن في الوقت في الدار، ونحوها كثير.\nومعنى الآية: بورك فيك يا موسى وفي الملائكة الذين حول النار، وهذا تحيّة من الله سبحانه لموسى وتكرمة له كما حيّا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ.\nوقال بعضهم: هذه البركة راجعة إلى النار نفسها.\nروى ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس أنّه قال: معناه بوركت النار، ودليل هذا التأويل ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدّثنا أحمد بن نجدة قال: حدّثنا الحمّاني قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: سمعت أبيّا يقرؤها: أن بوركت النار ومن حولها، وتقدير هذا التفسير أنّ (من) تأتي في الكلام بمعنى (ما)، كقوله سبحانه وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ «٢» وقوله فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ «٣» الآية و(ما) قد تكون صلة في كثير من المواضع كقوله جُنْدٌ ما هُنالِكَ «٤» وعَمَّا قَلِيلٍ «٥» فمعنى الآية بورك في النار وفيمن حولها وهم الملائكة وموسى (﵇)، فسمّى النار مباركة كما سمّى البقعة مباركة فقال فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ.\nوأمّا وجه قوله بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ فإنّ العرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك وبارك لك، أربع لغات، قال الشاعر:\nفبوركت مولودا وبوركت ناشيا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب «٦»\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٤٠١.\n(٢) سورة الحجر: ٢٠.\n(٣) سورة النور: ٤٥.\n(٤) سورة ص: ١١.\n(٥) سورة المؤمنون: ٤٠.\n(٦) تفسير القرطبي: ١٣/ ١٥٨.","vol":"7","page":190},{"text":"فأما الكلام المسموع من الشجرة فاعلم أنّ مذهب أهل الحق أنّ الله ﷾ مستغن عن الحدّ والمكان والجهة والزمان لأنّ ذلك كلّه من أمارات الحدث، وهي خلقه وملكه وهو سبحانه أجلّ وأعظم من أن يوصف بالجهات، أو تحدّه الصفات، أو تصحبه الأوقات، أو تحويه الأماكن والأقطار.\nولمّا كان كذلك استحال أن توصف صفات ذاته بأنّها متنقّلة من مكان أو حالّة في مكان، وإذا ثبت هذا لم يجز أن يوصف كلامه بأنّه يحلّ موضعا أو ينزل مكانا، كما لا يوصف بأنّه جوهر ولا عرض ولا حروف ولا صوت، بل هو صفة يوصف بها الباري ﷿ فينتفى عنه بها آفات الخرس والبكم وما لا يليق به.\nفأمّا الأفهام والأسماع فيجوز أن يكون في موضع دون موضع ومن مكان دون مكان ومن حيث لم تقع إحاطة واستغراق بالوقت على كنه صفاته، قال الله سبحانه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «١» .\nيا مُوسى إِنَّهُ الهاء عماد وليست بكناية أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَأَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرّك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الخفيفة الصغيرة الجسم، وقال الكلبي: لا صغيرة ولا كبيرة.\nفإن قيل: كيف قال في موضع كَأَنَّها جَانٌّ وفي موضع آخر فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ «٢» والموصوف واحد؟\nقلنا: فيه وجهان:\nأحدهما: أنّها في أوّل أمرها جانّ وفي آخر الأمر ثعبان، وذلك أنّها كانت تصير حية على قدر العصا ثم لا تزال تنتفخ وتربو حتى تصير كالثعبان العظيم.\nوالآخر: أنّها في سرعة الجانّ وخفّته وفي صورة الثعبان وقوّته.\nفلمّا رآها موسى (﵇) وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، قال قتادة: ولم يلتفت.\nفقال الله سبحانه يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ فعمل بغير ما أمر ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا قراءة العامة بضم الحاء وجزم السين، وقرأ الأعمش بفتح الحاء والسين بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n_________\n(١) سورة الشورى: ١١. [.....]\n(٢) سورة الأعراف: ١٠٧.","vol":"7","page":191},{"text":"واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء ومعنى الآية، فقال الحسن وابن جريج: قال الله سبحانه (يا موسى إنّما أخفتك لقتلك) .\nقال الحسن: وكانت الأنبياء تذنب فتعاقب، ثم تذنب والله فتعاقب.\nقال ابن جريج: فمعنى الآية: لا يخيف الله سبحانه الأنبياء بذنب يصيبه أحدهم، فإن أصابه أخافه حتى يتوب، فقوله إِلَّا على هذا التأويل استثناء صحيح، وتناهى الخبر عن الرسل عند قوله إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثم ابتدأ الخبر عن حال من ظلم من الرسل وغيرهم من الناس، وفي الآية استغنى عنه بدلالة الكلام عليه تقديرها (فمن ظلم ثمّ بدّل حسنا بعد سوء فإنّي غفور رحيم) .\nوقال الفرّاء: يقول القائل: كيف صيّر خائفا من ظلم ثم بدّل حسنا بعد سوء وهو مغفور له؟\nفأقول له: في الآية وجهان:\nأحدهما: أن تقول أنّ الرسل معصومة، مغفور لها، آمنة يوم القيامة، ومن خلط عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا من سائر الناس فهو يخاف ويرجو، فهذا وجه.\nوالآخر: أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة لأنّ المعنى لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إنما الخوف على غيرهم.\nثمّ استثنى فقال عزّ من قائل: إِلَّا مَنْ ظَلَمَ يقول: كان مشركا فتاب من الشرك وعمل حسنة مغفور له وليس بخائف.\nقال: وقد قال بعض النحويّين: إِلَّا هاهنا بمعنى الواو يعني: ولا من ظلم منهم كقوله سبحانه (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) .\nوقال بعضهم: قوله إِلَّا ليس باستثناء من المرسلين لأنّه لا يجوز عليهم الظلم وإنّما معنى الآية: لكن من ظلم فعليه الخوف فإذا تاب أزال الله ﷾ عنه الخوف.\nوَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ وإنّما أمره بإدخال يده في جيبه لأنّه كان عليه في ذلك الوقت مدرعة من صوف، ولم يكن لها كمّ، قاله المفسّرون.\nتَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ برص وآفة فِي تِسْعِ آياتٍ يقول هذه آية مع تسع آيات أنت مرسل بهنّ.\nإِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فترك ذكر مرسل لدلالة الكلام عليه، كقول الشاعر:\nرأتني بحبليها فصدّت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق «١»\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٦٢١.","vol":"7","page":192},{"text":"أراد: راتني مقبلا بحبليها، فترك ذكره لدلالة الكلام عليه.\nإِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا مُبْصِرَةً مضيئة بيّنة يبصر بها قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>[سورة النمل (٢٧): الآيات ١٥ الى ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١٨) فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)\nوَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كانَ مِنَ الْغائِبِينَ (٢٠) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢١) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ (٢٤)\nأَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ (٢٥) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ نبوّته وعلمه وملكه دون سائر أولاده، وكان لداود (﵇) تسعة عشر ابنا.\nقال مقاتل: كان سليمان أعظم ملكا من داود وأقضى منه، وكان داود أشدّ تعبّدا من سليمان (﵉) .\nوَقالَ سليمان شاكرا لنعم الله ﷾ عليه يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ جعل ذلك من الطير كمنطق بني آدم إذ فهمه عنها وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ.\nقال مقاتل في هذه الآية: كان سليمان (﵇) جالسا إذ مرّ به طائر يطوف فقال لجلسائه: هل تدرون ما يقول الطائر الذي مرّ بنا؟ قالوا: أنت أعلم، فقال سليمان: إنّه قال لي:\nالسلام عليك أيّها الملك المسلّط على بني إسرائيل، أعطاك الله ﷾ الكرامة وأظهرك على عدوّك، إنّي منطلق الى فروخي ثم أمرّ بك الثانية، وإنّه سيرجع إلينا الثانية فانظروا إلى رجوعه.\nقال: فنظر القوم طويلا إذ مرّ بهم فقال: السلام عليك أيّها الملك إن شئت أن تأذن لي كيما أكسب على فروخي حتى يشبّوا ثم آتيك فافعل بي ما شئت، فأخبرهم سليمان بما قال وأذن له.","vol":"7","page":193},{"text":"وقال فرقد السخي: مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرّك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه: أتدرون ما يقول هذا البلبل؟ قالوا: الله ونبيّه أعلم، قال: يقول: أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفا.\nوأخبرني الحسين بن محمد بن الحسن العدل قال: حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبة وأحمد ابن جعفر بن حمدان قالا: حدّثنا الفضل بن العباس الرازي قال: حدّثنا أبو عبيد قال:\nحدّثنا موسى ابن إبراهيم قال: حدّثنا عباد بن إبراهيم عن الكلبي عن رجل عن كعب قال:\nصاحت ورشان عند سليمان بن داود (﵇) فقال: أتدرون ما تقول؟\nقالوا: لا.\nقال: فإنّها تقول «١»: ليت ذا الخلق لم يخلقوا.\nوصاح طاوس عند سليمان (﵇) فقال: أتدرون ما يقول؟\nقالوا: لا.\nقال: فإنّه يقول «٢»: من لا يرحم لا يرحم.\nوصاح صرد عند سليمان فقال: أتدرون ما يقول؟\nقالوا: لا.\nقال: فإنّه يقول: استغفروا الله يا مذنبين، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.\nقال: فصاحت طيطوى عند سليمان (﵇) فقال: أتدرون ما تقول؟\nقالوا: لا.\nقال: فإنّها تقول: كلّ حىّ ميّت، وكلّ جديد بال.\nوصاح خطّاف عند سليمان (﵇) فقال: أتدرون ما يقول؟\nقالوا: لا.\nقال: فإنّه تقول: قدّموا خيرا تجدوه، فمن ثمّ نهى رسول الله ﷺ عن قتله.\nوهدرت حمامة عند سليمان (﵇) فقال: أتدرون ما تقول هذه الحمامة؟\n_________\n(١) في النسخة الثانية (أصفهان) زيادة: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة عند سليمان، فقال:\nأتدرون ما تقول؟ قالوا: لا قال: فإنها تقول:\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: كما تدين تدان، وصاح هدهد عند سليمان، فقال: أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا، قال: فإنه يقول:","vol":"7","page":194},{"text":"قالوا: لا.\nقال: فإنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه.\nوصاح قمريّ عند سليمان (﵇) فقال: أتدرون ما يقول؟\nقالوا: لا.\nقال: فإنّه يقول: سبحان ربّي الأعلى، والغراب يدعو على العشّار، والحدأة تقول: كلّ شيء هالك إلّا الله. والقطاة تقول: من سكت سلم، والببغاء تقول: ويل لمن الدنيا همّه، والضفدع يقول: سبحان ربّي القدّوس، والبازي يقول: سبحان ربي وبحمده، والضفدعة تقول:\nسبحان المذكور بكلّ مكان.\nوأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا الفضل بن العباس بن مهران قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا إسماعيل عن عياش عن زرّ عن مكحول قال: صاح درّاج عند سليمان بن داود (﵇) فقال: أتدرون ما يقول؟\nقالوا: لا.\nقال فإنّه يقول: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى.\nوبإسناده عن موسى بن إبراهيم قال: أخبرنا صالح الهروي عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: «الديك إذا صاح يقول: اذكروا الله يا غافلين» «١» [١٠٨] .\nوروى جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جدّه عن الحسن بن علي قال: إذا صاح النسر قال: يا ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، وإذا صاح العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح القبّر قال: الهي العن مبغضي آل محمد، وإذا صاح الخطّاف قرأ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، يمدّ الضَّالِّينَ كما يمد للقارئ.\nوَحُشِرَ وجمع لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ في مسير لهم فَهُمْ يُوزَعُونَ أي يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، وذلك أنّه جعل على كلّ صنف منهم وزعة ترد أولاها على أخراها لئلّا يتقدّموا في المسير كما يصنع الملوك.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يُوزَعُونَ: يدفعون. ابن زيد ومقاتل:\nيساقون، السدّي: يوقفون، وأصل الوزع في كلام العرب الكفّ والمنع، ومنه\nالحديث: ما يزع السلطان أكثر ممّا يزع القرآن\nويقال للأمر أوزعه.\nوفي الخبر: لا بدّ للناس من وزعة\n. وقال الشاعر:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ١٦٦.","vol":"7","page":195},{"text":"على حين عاتبت المشيب على الصبا ... وقلت ألمّا أصح والشيب وازع «١»\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر ابن مجاهد قال: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سنيد قال: حدّثنا حجاج عن أبي معشر عن محمد بن كعب في هذه الآية قال: بلغنا أنّ سليمان (﵇) كان عسكره مائة فرسخ، خمسة وعشرون منها للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان له ألف بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صريحة وسبعمائة سرية، فأمر الريح العاصف فحملته وأمر الرخاء فسرت به، فأوحي إليه- وهو يسير بين السماء والأرض- إنّي قد زدت في ملكك أنّه لا يتكلّم أحد من الخلائق بشيء إلّا جاءت الريح فأخبرتك به.\nوقال مقاتل: نسجت الشياطين لسليمان (﵇) بساطا فرسخا في فرسخ ذهبا في إبريسم، وكان يوضع له منبر من الذهب في وسط البساط فيقعد عليه، وحوله ثلاثة آلاف كرسي من ذهب وفضة، يقعد الأنبياء على كراسي الذهب، والعلماء على كراسي الفضة، وحولهم الناس، وحول الناس الجنّ والشياطين، وتظلّه الطير بأجنحتها حتى لا تقع عليه الشمس، وترفع ريح الصبا البساط مسيرة شهر من الصباح الى الرّواح ومن الرواح إلى الصباح.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أيوب قال: حدّثنا أبو بكر يعني ابن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدّثني أبي قال: إنّ سليمان (﵇) ركب البحر يوما فمرّ بحرّاث فنظر إليه الحرّاث فقال: لقد أوتي آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلامه في أذن سليمان فنزل حتى أتى الحرّاث فقال: إنّي سمعت قولك وإنّما مشيت إليك لأن لا تتمنى ما لا تقدر عليه، لتسبيحة واحدة يقبلها الله تعالى خير ممّا أوتي آل داود، فقال الحرّاث: أذهب الله همّك كما أذهبت همّي.\nحَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر «٢» قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال:\nحدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو إلياس عن وهب بن منبه عن كعب قال: إنّ سليمان (﵇) كان إذا ركب حمل أهله وسائر حشمه وخدمه وكتّابه تلك السقوف بعضها فوق بعض على قدر درجاتهم، وقد اتّخذ مطابخ ومخابز تحمل فيها تنانير الحديد وقدور عظام تسع في قدر عشرة جزائر، وقد اتّخذ ميادين للدوابّ أمامه، فيطبخ الطبّاخون ويخبز الخابزون وتجري الدواب بين يديه بين السماء والأرض والريح تهوي بهم.\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/ ٨٣.\n(٢) في النسخة الثانية زيادة: الباقوحي.","vol":"7","page":196},{"text":"فسار بمن اصطحبه إلى اليمن، فسلك المدينة مدينة الرسول ﷺ فقال سليمان: هذه دار هجرة نبىّ في آخر الزمان، طوبى لمن آمن به، وطوبى لمن اتّبعه، وطوبى لمن اقتدى به، ورأى حول البيت أصناما تعبد من دون الله سبحانه، فلمّا جاوز سليمان البيت بكى البيت فأوحى الله سبحانه إلى البيت: ما يبكيك؟ فقال: يا ربّ أبكاني هذا نبيّ من أنبيائك وقوم من أولياءك مرّوا عليّ، فلم يهبطوا فيّ ولم يصلّوا عندي ولم يذكروك بحضرتي، والأصنام تعبد حولي من دونك، فأوحى الله سبحانه إليه أن لا تبك وإنّي سوف أملأك وجوها سجّدا، وأنزل فيك قرآنا جديدا، وأبعث منك نبيّا في آخر الزمان أحبّ أنبيائي إليّ، وأجعل فيك عمّارا من خلقي يعبدونني وأفرض على عبادي فريضة يرفّون إليك رفّة النّسور الى وكرها ويحنّون إليك حنين الناقة إلى ولدها والحمامة إلى بيضتها، وأطهّرك من الأوثان وعبدة الشيطان.\nقال: ثم مضى سليمان حتى مرّ بوادي السدير، واد من الطائف فأتى عَلى وادِ النَّمْلِ ف قالَتْ نَمْلَةٌ تمشي، وكانت عرجاء تتكاوس، وكانت مثل المذنب في العظم، فنادت النملة يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يعني أنّ سليمان يفهم مقالتها وكان لا يتكلّم خلق إلّا حملت الريح ذلك فألقته في مسامع سليمان (﵇) .\nقال فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي إلى قوله فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع عبادك الموحّدين.\nوقال قتادة ومقاتل: وادي النمل بأرض الشام.\nقال نوف الحميري: كان نمل وادي سليمان مثل الذباب.\nوقال الشعبي: النملة التي فقه سليمان كلامها كانت ذات جناحين.\nقال مقاتل: سمع سليمان كلامها من ثلاثة أميال. واختلفوا في اسم تلك النملة.\nفأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحسني الدينوري قال: حدّثنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن يوسف الصرصري قال: حدّثنا الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثنا هارون بن حاتم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم بن الزبرقان التيمي عن أبي روق عن الضحاك قال: كان اسم النملة التي كلّمت سليمان بن داود (﵇) طاحية.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني الفضل بن الحسن قال: حدّثنا أبو محمد النعمان بن شبل الباهلي قال: حدّثنا ابن أبي روق عن أبيه قال: كان اسم نملة سليمان حرمي، وهو قول مقاتل.\nورأيت في بعض الكتب أنّ سليمان لمّا سمع قول النملة قال: ائتوني بها، فأتوه بها فقال لها: لم حذّرت النمل ظلمي؟ أما علمت أنّي نبي عدل؟ فلم قلت: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ؟","vol":"7","page":197},{"text":"فقالت النملة: أما سمعت قولي: وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ؟ مع ما أنّي لم أرد حطم النفوس وإنّما أردت حطم القلوب، خشيت أن يتمنّين ما أعطيت ويشتغلن بالنظر عن التسبيح، فقال لها:\nعظيني، فقالت النملة: هل علمت لم سمّي أبوك داود؟\nقال: لا.\nقالت: لأنّه داوى جرحه فردّ. هل تدري لم سمّيت سليمان؟\nقال: لا.\nقالت: لأنّك سليم وكنت إلى ما أوتيت لسلامة صدرك وإنّ لك أن تلحق بأبيك ثم قالت:\nأتدري لم سخّر الله لك الريح؟\nقال: لا.\nقالت: أخبرك الله أنّ الدنيا كلّها ريح، فَتَبَسَّمَ سليمان ضاحِكًا متعجّبا مِنْ قَوْلِها، وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي الى آخر الآية.\nأخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا ابن شنبة قال: أخبرنا الحضرمي قال: حدّثنا حسن الخلّال قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: نهى رسول الله ﷺ عن قتل أربعة من الدواب: الهدهد والصرد والنحلة والنملة.\nوَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ أي طلبها وبحث عنها فَقالَ ما لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ فتح ابن كثير وعاصم والكسائي وأيّوب (لِيَ) هاهنا وفي سورة يس وَما لِيَ لا أَعْبُدُ «١» وأرسل حمزة الياء فيهما جميعا «٢»، وأمّا أبو عمرو فكان يرسل الياء في هذه ويفتح في يس، وفرّق بينهما فقال: لأنّ هذه للتي في النمل استفهام والأخرى انتفاء.\nأَمْ كانَ قيل: الميم صلة وقيل: أم بمعنى بل كان مِنَ الْغائِبِينَ لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا وكان عذابه أن ينتف ريشه وذنبه فيدعه ممعطا ثم يلقيه في بيت النمل فيلدغه، وقال عبد الله بن شدّاد: نتفه وتشميسه.\nالضحّاك: لأشدّن رجله ولأشمسنّه.\nمقاتل بن حيّان: لأطلينّه بالقطران ولأشمسنّه.\nوقيل: لأودعنّه القفص، وقيل: لأفرّقنّ بينه وبين إلفه، وقيل: لأمنعنه من خدمتي، وقيل:\nلأبدّدنّ عليه؟.\n_________\n(١) سورة يس: ٢٢.\n(٢) في النسخة الثانية: استثناء.","vol":"7","page":198},{"text":"أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة واضحة، وأما سبب تفقّده الهدهد وسؤاله عنه من بين الطير إخلاله بالنوبة التي كان ينوبها واحتياج سليمان (﵇) إلى الماء، فلم يعلم من قصره «١» بعد الماء، وقيل له: علم ذلك عند الهدهد، فتفقّده فلم يجده فتوعّده وكانت القصّة فيه على ما ذكره العلماء بسيرة الأنبياء دخل حديث بعضهم في بعض:\nإنّ نبي الله سليمان ﷺ لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج الى أرض الحرم، فتجهز للمسير واستصحب من الإنس والجنّ والشياطين والطيور والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح الرخاء فحملتهم، فلمّا وافى الحرم وأقام به ما شاء الله تعالى أن يقيم وكان ينحر كل يوم طول مقامه جملة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة.\nوقال لمن حضره من أشراف قومه: إنّ هذا مكان يخرج منه نبيّ عربيّ صفته كذا وكذا، يعطى النصر على جميع من ناواه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر بالقريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم.\nقالوا: فبأي دين ندين يا نبي الله؟ قال: بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به وصدقه.\nقالوا: وكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله؟ قال: زهاء ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وإن اسمه محمد في زمر الأنبياء.\nقال: فأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم أحب أن [يسعى] «٢» إلى أرض اليمن فخرج من مكة صباحا وسار نحو اليمن يوم نجم سهيل فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا وأزهر خضرتها وأحب النزول بها ليصلي ويتغدى فطلبوا الماء فلم يجدوا وكان الهدهد دليله على الماء، كان يرى الماء من تحت الأرض كما يرى أحدكم كأسه بيده فينقر الأرض فيعرف موضع الماء وبعده ثم يجيء الشياطين فيسلخونه كما يسلخ الإهاب ثم يستخرجون الماء.\nقال سعيد بن جبير: ذكر ابن عباس هذا الحديث، فقال له نافع بن الأزرق: فرأيت قولك الهدهد ينقر الأرض فيبصر الماء، كيف يبصر هذا ولا يبصر [حبتي القمح] فيقع في عنقه؟.\nفقال له ابن عباس: ويحك إن القدر إذا جاء حال دون البصر.\nوروى قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تقتلوا الهدهد فإنه كان دليل سليمان على قرب الماء وبعده، وأحب أن يعبد الله في الأرض حيث يقول وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً»\nالآية [١٠٩] .\n_________\n(١) في الثانية: حفرة.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"7","page":199},{"text":"قالوا: فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فانظر إلى طول الدنيا وعرضها، ففعل ذلك فنظر يمينا وشمالا فرأى بستانا فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد فهبط عليه، وكان اسم هدهد سليمان بن داود ﵇: يعفور، واسم هدهد اليمن عنفر «١» فقال عنفر ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ وأين تريد؟\nقال: أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود ﵇.\nفقال الهدهد: ومن سليمان بن داود؟ قال: ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح فمن أين أنت؟ فقال: أنا من هذه البلاد. قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال لها: بلقيس، وإن لصاحبكم سليمان ملكا عظيما ولكن ليس ملك بلقيس دونه، فإنها ملكت الشمس كلها وتحت يديها إثنا عشر ألف قائد، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل.\nفهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها؟ قال: أخاف أن يتفقدني سليمان وقت الصلاة إذا أحتاج إلى الماء.\nقال الهدهد اليماني: إن صاحبك ليسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها وما رجع إلى سليمان إلّا وقت العصر.\nقال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة طلب الهدهد وذلك أنه نزل على غير ماء فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هاهنا ماء. فسأل الجن والشياطين فلم يعلموا فتفقد الهدهد ففقده- قال ابن عباس: في بعض الروايات: وتعب] من تفحّصه إلى] الشمس- سليمان فنظر فإذا موضع الهدهد خال فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال: أصلح الله الملك ما أدري أين هو وما أرسلته مكانا، فغضب عند ذلك سليمان ﵇ وقال لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ.\nروى عكرمة عن ابن عباس قال: كل سلطان في القرآن فهو حجة.\nقالوا: ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال: عليّ بالهدهد الساعة. فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى استقرّ بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء فناشده فقال: بحق الله الذي قواك فأقدرك عليّ إلّا رحمتني ولم تتعرض لي بسوء.\nقال: فولّ عنه العقاب وقال له: ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو\n_________\n(١) وروي: عنفير وعنقر.","vol":"7","page":200},{"text":"يذبحك، ثم طارا متوجهين نحو سليمان فلما انتهى إلى العسكر تلقاه النسر والطير فقالوا له:\nويلك أين غبت في نومك هذا، فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال.\nفقال الهدهد: أوما استثنى رسول الله؟ قالوا: بلى، قال: أو ليأتيني بعذر بيّن. ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه. فقال العقاب: قد أتيتك به يا نبي الله.\nفلما قرب الهدهد منه رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان، فلمّا دنا منه أخذ برأسه فمدّه إليه وقال له: أين كنت؟ لأعذّبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلمّا سمع ذلك سليمان ارتعد وعفا عنه.\nأخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا محمد ابن إبراهيم بن أبي الرجال ببغداد قال: حدّثنا إبراهيم بن بسطام عن أبي قتيبة عن الحسن بن أبي جعفر الجعفري عن الزبير بن حريث عن عكرمة قال: إنّما صرف سليمان (﵇) عن ذبح الهدهد لبرّه بوالديه.\nقالوا: ثم سأله فقال: ما الذي أبطا بك عنّي؟ فقال الهدهد: ما أخبر الله في قوله فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ قراءة العامّة بضم الكاف، وقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتحه وهما لغتان مشهورتان.\nفَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ علمت ما لم تعلم وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ قرأ الحسن وأبو عمرو وابن أبي إسحاق وحميد وابن كثير في رواية البزي من سبأَ ولسبأ مفتوحة الهمزتين غير مصروفة، ردّوها الى القبيلة، وهي اختيار أبي عبيد، وقرأ الباقون بالجرّ، جعلوه اسم رجل وبه\nنطق الخبر أنّ النبي ﷺ سئل عن سبأ فقال: كان رجلا له عشرة من البنين يتيامن من ستة ويتشاءم من أربعة، وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله ﷿\n، وقال الشاعر:\nالواردون وتيم في ذرى سبا ... قد عضّ أعناقهم جلد الجواميس «١»\nبِنَبَإٍ بخبر يَقِينٍ لا شكّ فيه.\nقال وهب: قال الهدهد: إنّي أدركت ملكا لم يبلغه ملكك.\nإِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ واسمها بلقيس بنت الشيرح، وهو الهدهاد وقيل: شراحيل ابن ذي حدن بن اليشرج بن الحرث بن قيس بن صفى بن سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان، وكان أبو بلقيس الذي يسمّى اليشرج ويلقّب بالهدهاد ملكا عظيم الشأن قد ولد له أربعون ملكا،\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٤/ ١٥٥.","vol":"7","page":201},{"text":"وكان يملك أرض اليمن كلّها وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفوا لي، فأبى أن يتزوّج فيهم فزوّجوه امرأة من الجنّ يقال لها ريحانة بنت السكن، فولدت له تلمقة وهي بلقيس ولم يكن له ولد غيرها.\nويصدّق هذا ما\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا محمد بن حريم بن مروان قال: حدّثنا هشام بن عمّار قال: حدّثنا الوليد بن مسلم عن سعيد بن بشير عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشر بن نهيك عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنّه قال: «كان أحد أبوي بلقيس جنّيا.\nقالوا: فلمّا مات أبو بلقيس ولم يخلّف ولدا غيرها طمعت في الملك وطلبت من قومها أن يبايعوها فأطاعها قوم وعصاها آخرون، فاختاروا عليها رجلا فملّكوه عليهم، وافترقوا فرقتين كلّ فرقة منها استولت بملكها على طرف من أرض اليمن.\nثمّ إنّ هذا الرجل الذي ملّكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيّته ويفجر، بهن وأراد أصحابه أن يخلعوه فلم يقدروا عليه، فلمّا رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها الملك: والله ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلّا اليأس منك فقالت: لا أرغب عنك فإنك كفؤ كريم، فاجمع رجال قومي واخطبني إليهم فجمعهم وخطبها إليهم، فقالوا: لا نراها تفعل هذا، فقال لهم: إنّما هي ابتدأتني فأنا أحبّ أن تسمعوا قولها وتشهدوا عليها، فلمّا جاءوها وذكروا لها ذلك قالت: نعم أحببت الولد ولم أزل، كنت أرغب عن هذا فالساعة قد رضيت به فزوّجوها منه، فلمّا زفّت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها وحشمها حتى غصّت منازله ودوره بهم، فلمّا جاءته سقته الخمر حتى سكر ثم حزّت رأسه وانصرفت من الليل الى منزلها، فلمّا أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على باب دارها، فعلموا أنّ تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت بهذا الملك أحقّ من غيرك، فقالت: لولا العار والشنار ما قتلته ولكن عمّ فساده وأخذتني الحميّة حتى فعلت ما فعلت فملّكوها واستتبّ أمرها» «١» [١١٠] .\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خديجة قال: حدّثنا ابن أبي الليث ببغداد قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا أبو معاوية عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن أبي بكرة قال: ذكرت بلقيس عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ «لا يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» «٢» [١١١] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢١١. بتفاوت. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢١١.","vol":"7","page":202},{"text":"وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يحتاج إليه الملوك من الآلة والعدّة.\nوَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ سرير ضخم حسن، وكان مقدّمه من ذهب مفصّص بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخّره من فضّة مكلّل بألوان الجواهر وله أربع قوائم: قائمة من ياقوت أحمر وقائمة من زمرّد، وقائمة من ياقوت أخضر، وقائمة من درّ، وصفائح السرير من ذهب، وعليه سبعة أبواب كلّ بيت باب مغلق.\nوقال ابن عباس: كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعا في ثلاثين ذراعا، وطوله في الهواء ثلاثون ذراعا.\nوقال مقاتل: كان ثمانين ذراعا في ثلاثين ذراعا وطوله في الهواء ثمانون ذراعا مكلّل بالجوهر.\nوَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ قرأ أبو عبد الرّحمن البلخي والحسن وأبو جعفر وحميد والأعرج والكسائي ويعقوب برواية رويس «ألا اسجدوا» بالتخفيف على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا، وجعلوه أمرا من الله سبحانه مستأنفا، وحذفوا هؤلاء بدلالة فاعلهما، وذكر بعضهم سماعا من العرب: ألا يا ارحمونا، ألا يا تصدّقوا علينا، يريدون ألا يا قوم كقول الأخطل:\nألا يا سلمى يا هند، هند بني بدر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر «١»\nفعلى هذه القراءة «اسجدوا» في موضع جزم على الأمر والوقف عليه ألا، ثمّ يبتدي اسجدوا.\nقال الفرّاء: حدّثني الكسائي عن عيسى الهمذاني قال: ما كنت أسمع المشيخة يقرءونها إلّا بالتخفيف على نيّة الأمر، وهي في قراءة عبد الله: هلّا تسجدوا لله، بالتاء، وفي قراءة أبي ألا يسجدون لله، فهاتان القراءتان حجة لمن خفّف، وقرأ الباقون: أَلَّا يَسْجُدُوا بالتشديد بمعنى وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ لئلّا يسجدوا لله فأن موضع نصب ويَسْجُدُوا نصب بأن، واختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: للتخفيف وجه حسن إلّا أنّ فيه انقطاع الخبر عن أمر سبأ وقومها، ثم يرجع بعد إلى ذكرهم، والقراءة بالتشديد خبر يتّبع بعضه بعضا لا انقطاع في وسطه، والوقف على هذه ألا ثمّ يبتدي يسجدوا كما يصل الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ الخفيّ المخبوّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني غيب السموات والأرض.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ٣٦.","vol":"7","page":203},{"text":"وقال أكثر المفسّرين: خبء السماء المطر، وخبء الأرض النبات، وفي قراءة عبد الله:\nيخرج الخبء من السموات، ومن وفي يتعاقبان، يقول العرب: لاستخرجنّ العلم فيكم، يريد منكم، قاله الفرّاء.\nويعلم ما يخفون وما يعلنون قراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الكسائي بالتاء وهي رواية حفص عن عاصم.\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الذي كل عرش وإن عظم فدونه، لا يشبهه عرش ملكة سبأ ولا غيره.\nقال ابن إسحاق وابن زيد: من قوله أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ الى قوله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كلّه كلام الهدهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٢٧ الى ٤٤]</span>\nقالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ (٢٧) اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ (٢٨) قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢) قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)\nارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ (٣٧) قالَ يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠) قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ (٤١)\nفَلَمَّا جاءَتْ قِيلَ أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِها وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢) وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ (٤٣) قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها قالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوارِيرَ قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٤)\nقالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (﵇) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.\nوقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ.","vol":"7","page":204},{"text":"قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء ﵈ كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب.\nوقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة.\nوقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها.\nوقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها.\nقالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (﵇) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل.\nوقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف.\nقالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ.\nقال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ «١» .\n_________\n(١) سورة الشعراء: ٥٨.","vol":"7","page":205},{"text":"وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه.\nالضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال:\nأخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [١١٢] .\nوأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال:\nحدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه.\nوقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين.\nقالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني.\nقالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين.\nف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ.\nأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي ﵀:\nانّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل\nماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا\nوإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ\nفاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ «١»\n_________\n(١) وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: ٣٧.","vol":"7","page":206},{"text":"وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟\nفإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف.\nقال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى.\nوقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال:\nحدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال:\nأهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا.\nالخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب.\nفانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (﵇) فأخبره الخبر كلّه،","vol":"7","page":207},{"text":"فأمر سليمان (﵇) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها.\nثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (﵇) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره.\nفلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (﵇) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا.\nوفي بعض الروايات أن سليمان (﵇) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان.\nقالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (﵇) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (﵇) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (﵇): من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا:\nترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (﵇): حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان:\nحاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن","vol":"7","page":208},{"text":"أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (﵇) الهديّة.\nقالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته.\nفَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين.\nقال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (﵇) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة.\nقال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟.\nقالوا: بلقيس يا رسول الله.\nقال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [١١٣] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين.\nواختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (﵇) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (﵇) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها.","vol":"7","page":209},{"text":"وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه.\nوقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل:\nقدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها.\nقالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت.\nقال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد.\nالكسائي: المنكر، وأنشد:\nفقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت «١»\nوقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال:\nحدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق ﵁ أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا.\nأَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس:\nوكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار.\nوَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان ﵇ أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (﵇) ملك من الملائكة أيّد الله ﷿ به نبيه سليمان ﵇.\nوقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم.\nثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي.\nأخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (﵇) حين صلّى ودعا الله سبحانه:\n_________\n(١) فتح القدير: ٤/ ١٣٩. بتفاوت.","vol":"7","page":210},{"text":"مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (﵇) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (﵇) .\nواختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش،\nفروت عائشة أن النبي ﷺ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [١١٤] «١» .\nوروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله ﷿ أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (﵇) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه.\nوبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة.\nوقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (﵇): هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك.\nقال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت.\nوقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر.\nوهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك.\nمجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٠٤.","vol":"7","page":211},{"text":"وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة.\nوعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به.\nفَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (﵇) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة.\nوَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه.\nقالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (﵇) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (﵇) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (﵇) كمال عقلها.\nقال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (﵇) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين.\nوقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (﵇) قالت:\nعرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (﵇) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك.\nوَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع.","vol":"7","page":212},{"text":"وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا.\nإِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (﵇) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان ﵇ ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها.\nوروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً\nوهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا.\nكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها\nلتخوضه الى سليمان ﵇، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ\nمملّس مستونْ قَوارِيرَ\nوليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء.\nقال: سلي.\nقالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها.\nفقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان ﵇ عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟\nقال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (﵇)، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟","vol":"7","page":213},{"text":"قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت.\nقال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟\nقالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (﵇) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي\nبالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ\nفحسن إسلامها.\nواختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس:\nما يذهب هذا؟\nقالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام.\nقال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان ﵇.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود ﵇، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله»\n[١١٥] «١» .\nقالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان ﵇ يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر.\nوروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود ﵇ قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه.\nقالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان.\nقال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢١٠.","vol":"7","page":214},{"text":"فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه.\nقال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (﵇)، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (﵇) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا]، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] «١»، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (﵇) «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٤٥ الى ٥٣]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قالَ يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧) وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (٤٨) قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ ما شَهِدْنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصادِقُونَ (٤٩)\nوَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْناهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحًا أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين.\nقال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.\nف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا\n_________\n(١) عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.\n(٢) تفسير الطبري: ١/ ٣٥١.","vol":"7","page":215},{"text":"بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى.\nقالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي.\nبَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً «١» .\nالكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله ﷾.\nمحمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي.\nوَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف.\nقالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا.\nلَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم.\nثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك.\nوَمَكَرُوا مَكْرًا وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْرًا وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا\nقرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان:\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٣٥.","vol":"7","page":216},{"text":"أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة.\nوالثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء.\nدَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم.\nفقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم.\nقال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم.\nمقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم.\nالسدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم.\nوَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة.\nفَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا «١» وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم.\nقال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (﵇) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) .\nقال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) «٢» وقد مضت القصّة جميعا «٣» .\n_________\n(١) سورة النحل: ٥٢.\n(٢) هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: ١٢/ ٧٥. حضوراء.\n(٣) راجع القصّة في تفسير القرطبي: ١٢/ ٧٥.","vol":"7","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-566>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٥٤ الى ٥٩]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦) فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ (٥٧) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)\nقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضا. كانوا لا يتستّرون عتوّا منهم وتمرّدا أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاء منهم بهم فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ وأهله قَدَّرْناها قضينا عليها أنها مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى قَدَّرْناها جعلناها مِنَ الْغابِرِينَ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على شذّادها «١» مَطَرًا وهو الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفرّاء: قيل للوط: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار قومي.\nوقال الباقون: الخطاب لرسول الله ﷺ، يعني وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفّار الأمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه.\nوَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالاته وهم الأنبياء (﵈)، عن مقاتل دليله قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ «٢» وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا السدّي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: أصحاب محمّد (﵇) .\nوأخبرني عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبد الله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سئل عن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: هم أصحاب محمّد.\nوقال الكلبي: هم أمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاما للحجّة:\nآللَّهُ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ استفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علما بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء)، الباقون (بالتاء)،\nوكان النبي (عليه\n_________\n(١) هكذا في المخطوط. [.....]\n(٢) سورة الصافّات: ١٨١.","vol":"7","page":218},{"text":"السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم» «١» [١١٦] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٠ الى ٦٦]</span>\nأَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهارًا وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزًا أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦٤)\nقُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥) بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ (٦٦)\nأَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن.\nما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرارًا لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهارًا تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزًا مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس.\nوسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول:\nالْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم.\nوَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٢١.","vol":"7","page":219},{"text":"إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ عن وقت قيام الساعة.\nقال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله ﷿ يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ.\nأخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال:\nحدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ﷿. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام.\nروى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه.\nوقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر:\nفو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب»\nأي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٠/ ٤٢١.","vol":"7","page":220},{"text":"بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به.\nوسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٦٧ الى ٨١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنا هذا نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩) وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٧١)\nقُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢) وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٧٤) وَما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٧٥) إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)\nوَإِنَّهُ لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨) فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩) إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها.\nقُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم.\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم.\nوقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة.\nقال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من","vol":"7","page":221},{"text":"العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع.\nفِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ.\nإِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء.\nفَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ «١» وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ «٢» .\nوَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ «٣» .\nوَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله ﷾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>[سورة النمل (٢٧): آية ٨٢]</span>\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ (٨٢)\nوَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ وجب العذاب والسخط عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قراءة العامة بالتشديد من التكلم وتصديقهم، وقرأ أبيّ: تنبئهم.\nقال السدي: تكلّمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام، وقرأ أبو رجاء العطاردي:\nتَكلِمهم بفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم وهو الحرج أي تسمهم.\nقال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس عن هذه الآية يكلّمهم أو تُكَلِّمُهُمْ فقال: كل ذلك يفعل تكلم المؤمن ويكلم الكافر. أَنَّ النَّاسَ قرأ ابن أبي إسحاق وأهل الكوفة بالنصب وقرأ الباقون بالكسر.\nكانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ قبل خروجها.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٢٢.\n(٢) سورة فاطر: ٢٢.\n(٣) سورة البقرة: ١٨/ ١٧١.","vol":"7","page":222},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-570>ذكر الأخبار الواردة في صفة دابّة الأرض وكيفية خروجها</span>\nأخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد الأصبهاني قال «١»: أخبرنا محمد بن إسحاق، قال «٢» حدّثنا عبد الله بن محمّد بن رسمويه قال: حدّثنا الحكم بن بشير بن سليمان، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطية، عن ابن عمر وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ «٣» قال: حين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر «٤» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني عن أحمد بن عبد الله بن سليمان قال: أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرنا أبو بكر بن خرجة حدّثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي عن ميثم بن ميناء الجهني عن عمرو بن محمّد العبقري عن طلحة بن عمرو عن عبد الله بن عمير الليثي عن أبي شريحة الأنصاري عن النبي ﷺ أنّه قال: «يكون للدّابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية ولا يدخل ذكرها القرية- يعني مكّة- ثمّ يمرّ زمانا طويلا ثمّ تخرج خرجة أخرى قريبا من مكّة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية- يعني مكّة- فبينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله سبحانه- يعني المسجد الحرام- لم ترعهم إلّا وهي في ناحية المسجد تدنو تدنو كذا ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فيرفض الناس عنهم وتثبت لها عصابة عرفوا أنّهم لم يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنّها الكواكب الدرّية ثم ولّت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى أنّ الرجل ليقوم فيتعوّذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلّي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، ويتجاور الناس في ديارهم ويصلحون في أسفارهم ويشتركون في الأموال يعرف الكافر من المؤمن فيقال: للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر» [١١٧] «٥» .\nوأخبرني ابن محمّد بن الحسين الثقفي عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي عن محمّد بن عبد الغفّار الزرقاني عن أحمد بن محمّد بن هاني الطائي عن محمّد بن النضر بن محمّد الأودي عن أبيه عن سفيان الثوري عن شهاب بن عبد ربّه الرحمن عن طارق بن عبد الرحمن عن طارق بن عبد الرحمن عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «دابّة الأرض طولها سبعون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تسمّ المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه مؤمن وتسم الكافر\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: عن.\n(٢) في نسخة أصفهان: عن.\n(٣) سورة النمل: ٨٢.\n(٤) تفسير الطبري: ٢٠/ ١٧.\n(٥) مستدرك الصحيحين: ٤/ ٤٨٤.","vol":"7","page":223},{"text":"بين عينيه وتكتب بين عينيه كافر، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان (﵉)» «١» .\nوأخبرني الحسين بن محمّد قال: أخبرني أبو بكر مالك القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي عن بهز عن حمّاد عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة إنّ رسول الله ﷺ قال: «تخرج الدابّة معها عصا موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى أنّ أهل الخوان ليجتمعون فيقولون: هذا يا مؤمن ويقولون هذا يا كافر» [١١٨] «٢» .\nوأخبرنا الحسين بن محمّد عن عبد الله بن محمّد بن شنبة عن الحسن بن يحيى عن ابن جريج عن أبي الزبير أنّه وصف الدّابة فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيّل، وصدرها صدر الأسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّة، وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم البعير، وبين كلّ مفصلين إثنا عشر ذراعا معها عصا موسى وخاتم سليمان، ولا يبقي مؤمن إلّا نكتته في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء فيفشو تلك النكتة حتى يضيء لها وجهه، ولا يبقى كافر إلّا وتنكت وجهه بخاتم سليمان فتفشو تلك النكتة فيسود لها وجهه، حتى أنّ الناس يبتاعون في الأسواق بكم يا مؤمن وبكم يا كافر، ثمّ تقول لهم الدّابّة: يا فلان أنت من أهل الجنّة ويا فلان أنت من أهل النار، وذلك قول الله ﷿: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً.. الآية «٣» .\nوأخبرنا الحسين بن محمّد عن ابن شنبة عن ابن عمر، وعن سفيان بن وكيع عن الوليد بن عبد الله بن جميع عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن أبي البيلماني عن ابن عمر قال: تخرج الدّابة ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى قال: فتحمل الناس بين يديها وعجزها «٤»، لا يبقى منافق إلّا خطمته ولا مؤمن إلّا مسحته «٥» .\nوأخبرني الحسين بن محمّد عن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن الفضل عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة عن عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي عن فرقد بن الحجّاج القرشي قال: سمعت عقبة بن أبي الحسناء اليماني قال: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «تخرج دابّة الأرض من موضع جياد «٦» فيبلغ صدرها الركن ولما يخرج ذنبها بعد قال: وهي دابّة ذات وبر وقوائم» [١١٩] «٧» .\n_________\n(١) زاد المسير: ٦/ ٨١، والفردوس: ٢/ ٢١٩ ح ٣٠٦٦.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٤٩١.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٣٨٨، تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٣٦. [.....]\n(٤) في بعض المصادر: بين نحرها وذنبها، وفي المصدر: بين عجزها وذنبها.\n(٥) المصنف لابن أبي شيبة: ٨/ ٦٧١.\n(٦) كذا في بعض المصادر، وفي غيرها من الروايات: أجناد.\n(٧) ميزان الاعتدال: ٣/ ٨٥.","vol":"7","page":224},{"text":"وأخبرني الحسن «١» قال: حدّثنا علي بن محمّد بن لؤلؤ قال: أخبرنا أبو عبيد محمّد بن أحمد بن المؤمل قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن جعفر الأحول قال: حدّثنا منصور بن عمّار قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل «٢»، عن عبد الله بن عمرو أنّه ضرب أرض الطائف برجله وقال: من هاهنا تخرج الدّابة التي تكلّم الناس، وأخبرني عقيل بن محمّد الجرجاني الفقيه قال:\nحدّثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي قال: أخبرنا أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري قال:\nحدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا الأشجعي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر قال:\nتخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيّام وما خرج ثلثها.\nوبه عن محمّد بن جرير قال: حدّثني عصام بن بندار «٣» بن الجرّاح قال: حدّثنا أبي قال:\nحدّثنا سفيان بن سعيد قال: حدّثنا المنصور بن المعتمر، عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه الدابّة، قلت: يا رسول الله من أين تخرج؟\nقال: «من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطّوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم من تحرّك القنديل وينشقّ الصفا ممّا يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا أوّل ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، تسمّي الناس مؤمنا وكافرا، أمّا المؤمن فتترك وجهه كأنّه كوكب درّيّ، وتكتب بين عينيه: مؤمن، وأمّا الكافر فتترك بين عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه: كافر» «٤» [١٢٠] .\nوبه عن محمّد بن جرير قال: حدّثني أبو عبد الرحمن «٥» الرقي قال: حدّثنا ابن أبي مزينة قال: حدّثنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب قالا: حدّثنا ابن الهاد، عن عمرو بن الحكم أنّه سمع عبد الله بن عمر يقول: تخرج الدابة من شعب، فيمسّ رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمرّ بالإنسان يصلّي، فتقول: ما الصلاة من حاجتك، فتخطمه وقال وهب: وجهها وجه رجل «٦» وسائر خلقها كخلق الطير فتخبر من رآهها أنّ أهل مكّة كانوا بمحمّد والقرآن لا يُوقِنُونَ، وفي هذا تصديق لقراءة من فتح أَنَّ.\nوقال كعب: صورتها صورة الحمار، وروى ابن جريج روح، عن هشام، عن الحسن «٧» أنّ موسى (﵇) سأل ربّه أن يريه الدّابة، فخرجت ثلاثة أيّام ولياليهنّ تذهب في السماء، وأشاره بيده لا يرى واحدا من طرفيها، فرأى منظرا فظيعا، فقال: ربّ ردّها، فردّها.\n_________\n(١) في النسخة الثانية: الحسين.\n(٢) في النسخة الثانية: قتيل.\n(٣) في النسخة الثانية: رواد.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢٠/ ١٩، الدرّ المنثور: ٥/ ١١٦.\n(٥) في النسخة الثانية: ابن عبد الرحيم البرقي.\n(٦) في النسخة الثانية: إنسان.\n(٧) في النسخة الثانية: الحسين.","vol":"7","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-571>[سورة النمل (٢٧): الآيات ٨٣ الى ٩٣]</span>\nوَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣) حَتَّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤) وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ (٨٥) أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦) وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ (٨٧)\nوَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ (٨٨) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠) إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)\nوَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)\nقوله ﷿: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ:\nيدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْمًا ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟\nوَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه:\nهذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ «١» أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى.\nأخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال:\nحدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي «٢»، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ فسأله عن الصّور، فقال:\n«قرن ينفخ فيه» «٣» [١٢١] .\nوقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر\n_________\n(١) سورة المرسلات: ٣٥- ٣٦.\n(٢) في النسخة الثانية: التيمي.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ١٦٢. [.....]","vol":"7","page":226},{"text":"المفسّرين، يدلّ عليه\nقول النبي ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» «١» [١٢٢] .\nوقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة:\nسرت إليها في أعالي السور\nفمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق.\nوقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما\nأخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال:\nقال رسول الله ﷺ: إنّ الله ﷿ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟\nقال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله ﷿ إسرافيل (﵇) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله ﷿: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله ﷿ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله ﷿: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله ﷿ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ.\nفبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها.\n_________\n(١) كنز العمّال: ١٤/ ٦٢٥، ح ٣٩٧٤٣.","vol":"7","page":227},{"text":"قال رسول الله ﷺ: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [١٢٣] .\nقال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله ﷿ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ.\nقال ﷺ: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ\nفيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله ﷿ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله ﷿ فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان.\nثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت.\nثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ.\nثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول ﵎ جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجًا وَلا أَمْتًا.\nثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ","vol":"7","page":228},{"text":"الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ.\nثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [١٢٤] .\nقوله ﷿: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود.\nأخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين «١» بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره\nوقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا «٢» وهي قراءة علي ﵁\nداخِرِينَ صاغرين.\nقوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها.\nوَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها.\nقال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش:\nيا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج «٣»\nصُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ\n_________\n(١) في النسخة الثانية: الحسن.\n(٢) سورة مريم: ٩٥.\n(٣) لسان العرب: ٣/ ٢٤٩.","vol":"7","page":229},{"text":"أي أحكم [كلّ شيء، قتادة]: أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص.\nوأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد «١» الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله ﷿: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ.\nفَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ\nوأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب ﵁، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟\nقلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب\n، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه.\nوقيل: هو إنّ الله ﷿ يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ «٢» .\nوقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله\n_________\n(١) في النسخة الثانية: عبد.\n(٢) سورة التوبة: ٧٢.","vol":"7","page":230},{"text":"الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ»\nفصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك.\nوأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله.\nفَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية:\nقلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (﵇) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة.\nوَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ «٢» نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء:\nسَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ «٣» وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ «٤» فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ١٠٣.\n(٢) سورة يس: ١٧.\n(٣) سورة فصّلت: ٥٣.\n(٤) سورة الذاريات: ٢٠- ٢١.","vol":"7","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>سورة القصص</span>\nمكية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية\nأخبرنا أبو الحسين الخباري، قال: حدّثنا ابن حنيش «١» قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدفاق، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني، وأخبرنا الخياري، قال: حدّثنا طغران، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قالا: حدّثنا شبابه «٢» بن سوار الفزاري، قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زيد بن حنيش «٣»، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، إنّ كلّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ»\n[١٢٥] «٤» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nطسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)\nوَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٦)\nطسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى،\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: ابن جيش.\n(٢) في نسخة أصفهان: ابن شبابه.\n(٣) في نسخة أصفهان: زيد بن جيش.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ٧/ ٤١٢. [.....]","vol":"7","page":232},{"text":"وقال مقاتل: تعظّم، فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعًا فرقا وأصنافا في الخدمة والسحر، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني بني إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني بني إسرائيل.\nوَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله سبحانه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا «١»، مجاهد دعاة إلى الخير، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني ويوطّي لهم في أرض مصر والشام وينزلهم إياها، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى «٢» والكسائي وخلف تري بالتاء «٣»، وما بعده رفع على أنّ الفعل لَهُمْ، وقرأ غيرهم وَنُرِيَ بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانُوا يَحْذَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧ الى ١٤]</span>\nوَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (٨) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)\nوَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)\nوَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة «٤»، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٢٠.\n(٢) في نسخة أصفهان: الأعمش.\n(٣) في نسخة أصفهان: بالياء.\n(٤) في نسخة أصفهان: وحي نبوة.","vol":"7","page":233},{"text":"أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: «١» حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي «٢» قال:\nحدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال:\nأخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق «٣» خيارهم أشرارهم «٤»، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (﵇) .\nقال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها]، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (﵇) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (﵇)، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (﵇) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي «٥» ابنك، فإنّي أراه هو عدونا.\nفلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته.\nقال: ثم إنّ أمّ موسى (﵇) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.\n(٢) كذا في الأصل.\n(٣) كذا في الأصل.\n(٤) في نسخة أصفهان: بشرارهم.\n(٥) في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.","vol":"7","page":234},{"text":"قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت «١» الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه.\nفلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى «٢» فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله ﷿ منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله.\nفانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة «٣» برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد «٤» منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به «٥» برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس.\nفلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب «٦» حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه.\nقال «٧»: فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: فكرهت.\n(٢) في نسخة أصفهان: يهوي.\n(٣) كذا في الأصل.\n(٤) في نسخة أصفهان: يؤخذ.\n(٥) في نسخة أصفهان: بها. [.....]\n(٦) في نسخة أصفهان: من كل ناحية.\n(٧) في نسخة أصفهان: قالت.","vol":"7","page":235},{"text":"الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (﵇) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها.\nفقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله «١»، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه،\nفقال رسول الله (﵇) «٢»\n: «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله ﷿ أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [١٢٦] «٣» .\nفقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و(شا): هو الشجر.\nفذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز:\nومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا «٤» «٥»\nومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَنًا، قال الشاعر:\nفللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن «٦»\nعَدُوًّا وَحَزَنًا قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين.\nوَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.\n(٢) في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.\n(٣) كنز العمال: ٢/ ٣٤ ح ٣٠٢٢.\n(٤) في نسخة أصفهان: التقاطا.\n(٥) الصحاح: ٣/ ١١٥٧.\n(٦) لسان العرب: ١٢/ ٥٦٢.","vol":"7","page":236},{"text":"بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا «١» بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون «٢» .\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد»\nقال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر «٤»، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه «٥»، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا.\nوَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا أي خاليا لاهيا ساهيا «٦» من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغًا من الوحي الذي أوحى الله ﷾ إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا «٧» إليه أن نردّه «٨» إليها ونجعله «٩» من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون «١٠» لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته.\nولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغًا أي ناسيا، أبو عبيدة:\nفارِغًا من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من «١١» قول العرب: دم فرغ «١٢» إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر:\nفإن تك أذواد أصبن «١٣» ونسوة ... فلن «١٤» تذهبوا فرغا بقتل حبال «١٥»\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.\n(٢) في نسخة أصفهان: ما تريدون.\n(٣) في نسخة أصفهان: سنيد بن عجاج.\n(٤) في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.\n(٥) في نسخة أصفهان: التقطناهم.\n(٦) في نسخة أصفهان: ساليا. [.....]\n(٧) في النسخة الثانية: عهد إليها.\n(٨) في نسخة أصفهان: أن يرده.\n(٩) في نسخة أصفهان: ويجعله.\n(١٠) في نسخة أصفهان: فيكون.\n(١١) في نسخة أصفهان: مثل.\n(١٢) في نسخة أصفهان: فرع.\n(١٣) في نسخة أصفهان: صير.\n(١٤) في نسخة أصفهان: فلن.\n(١٥) الصحاح: ٤/ ١٦٦٥، لسان العرب: ١١/ ١٤١.","vol":"7","page":237},{"text":"العلاء بن زيد فارِغًا: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها «١» عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول:\nلا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها.\nلَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله ﷿ وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ\nابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به.\nوقال قتادة: جعلت «٢» تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم «٣»، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها.\nقال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: شفقتها.\n(٢) في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.\n(٣) في نسخة أصفهان: إليه.","vol":"7","page":238},{"text":"أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة.\nأخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال:\nحدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ «١» .\nآتَيْناهُ حُكْمًا عقلا وفهما، وَعِلْمًا قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>[سورة القصص (٢٨): الآيات ١٥ الى ٢٢]</span>\nوَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)\nوَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢)\nوَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف «٢» من أرض مصر «٣»، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر.\nعَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل\n_________\n(١) سورة فاطر: ٣٧.\n(٢) قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: ٦/ ٢٥٠. [.....]\n(٣) راجع تفسير الطبري: ٢٠/ ٥٣.","vol":"7","page":239},{"text":"موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (﵇) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب «١» مركبا وليس عنده موسى (﵇)، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها.\nوقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه «٢» ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها.\nوقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به.\nوقال علي بن أبي طالب «﵁»: في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم «٣»\n، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال:\nحدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.\n(٢) في نسخة أصفهان: به.\n(٣) زاد المسير: ٦/ ٩١.","vol":"7","page":240},{"text":"سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك.\nوكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر:\nأيقايسون «١» وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع «٢»\nأي قتله.\nفلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال:\nأخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال:\nاعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم.\nوبه عن عبد «٣» الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه.\nفَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفًا من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: أيناشون.\n(٢) لسان العرب: ٢/ ١٣٨.\n(٣) في نسخة أصفهان: عبد الحميد.","vol":"7","page":241},{"text":"قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه.\nوقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية.\nقال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده]، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق.\nوَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال.\nقال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل:\nشمعان «١» .\nمِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله ﷿: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب:\nأرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر\nفَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفًا يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: سمعان.","vol":"7","page":242},{"text":"أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر:\nرهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر «١»\nوهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه «٢» كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين.\nقال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٣ الى ٢٨]</span>\nوَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥) قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)\nقالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)\nوَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وهو بئر كانت لهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصارا، قتادة:\n[تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان «٣» غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: قالَ يعني موسى ما خَطْبُكُما ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟\nقالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر\n_________\n(١) تاج العروس: ١/ ٢٨١.\n(٢) في المخطوط: نسب البلدة إليها.\n(٣) في نسخة أصفهان: تسقيان.","vol":"7","page":243},{"text":"وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض.\nوَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم.\nوروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (﵇) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلّا جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل:\nإنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه:\nفَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعا، فأخذها فعالجها «١» ساعة فلم «٢» يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم انصرفت.\nفَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ قال قطرب: اللام هاهنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، مِنْ خَيْرٍ أي طعام فَقِيرٌ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلّا أكله.\nقال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة.\nقالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس]، فقال لإحداهما:\nاذهبي فادعيه لي.\nفَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عمر بن الخطاب «﵁»: مستترة بكم درعها لوف «٣» قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: يعالجها.\n(٢) في نسخة أصفهان: ثم لقطها.\n(٣) كذا في الأصل. [.....]","vol":"7","page":244},{"text":"قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودلّيني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء فَلَمَّا جاءَهُ يعني الشيخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا.\nقالَتْ إِحْداهُما وهي التي تزوجها موسى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي»\nأغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلّا أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها.\nوأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها «٢» .\nقالَ عند ذلك الشيخ لموسى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ «٣» ماشيتي ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا أي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ الثمان أو العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ شهيد وحفيظ.\nوقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (﵉) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: حابسين.\n(٢) في نسخة أصفهان: نهجا.\n(٣) في نسخة أصفهان: عن.","vol":"7","page":245},{"text":"وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلّا هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال:\nضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ.\nوروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلّا يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولدا من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسرّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأنا.\nوفي بعض الأخبار أنّ موسى (﵇) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنينا عظيما أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشبا وريفا لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية.\nفلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأنا، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام.\nقال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلّا وقد","vol":"7","page":246},{"text":"وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٢٩ الى ٣٥]</span>\nفَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٣٢) قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)\nوَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥)\nفَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه.\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس:\nسئل رسول الله ﷺ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [١٢٧] «١» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث «٢» بن زيد، عن علي بن رباح «٣»، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [١٢٨] «٤» .\nوروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت:\nلا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال\n_________\n(١) الدر المنثور: ٥/ ١٢٧.\n(٢) في نسخة أصفهان: الحرث.\n(٣) في نسخة أصفهان: رياح.\n(٤) الدر المنثور: ٥/ ١٢٧.","vol":"7","page":247},{"text":"سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى،\nوقد روي أنّ النبي (﵇) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما»\n[١٢٩] «١» فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه.\nوقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة «٢» شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] «٣»، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ نارًا قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل:\nباتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر «٤»\nلَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق.\nوَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِرًا هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء)، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء)، غيرهم بفتح (الراء) و(الهاء)، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَبًا وَرَهَبًا «٥» وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق.\n_________\n(١) فتح القدير: ٤/ ١٧١، وتفسير الطبري: ٢٠/ ٨٥، وتفسير سفيان الثوري: ٢٣٣.\n(٢) في نسخة أصفهان: باردة.\n(٣) تفسير القرطبي: ١١/ ١٧١.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٨١، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.\n(٥) سورة الأنبياء: ٦٠.","vol":"7","page":248},{"text":"ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى «١» من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله ﷾ أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله ﷿ ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ «٢» يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه.\nوقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه.\nفَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين.\nوقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل.\nومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسانًا وأحسن «٤» بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءًا معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال.\nإِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: دنا.\n(٢) سورة الإسراء: ٢٤. [.....]\n(٣) سورة الشعراء: ٢١٥.\n(٤) في نسخة أصفهان: أفصح.","vol":"7","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-578>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٣٦ الى ٤٣]</span>\nفَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ (٣٨) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)\nوَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ (٤١) وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)\nفَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل «١» وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون.\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به.\nقال أهل التفسير «٢»: لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة «٣» حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما.\nفقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (﵇) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله.\n_________\n(١) في المخطوط: الباطل.\n(٢) في نسخة أصفهان: السير.\n(٣) في نسخة أصفهان: العلمله.","vol":"7","page":250},{"text":"وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.\nأخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال:\nحدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنّه قال: «ما أهلك الله ﷿ قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال:\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [١٣٠] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٤٤ الى ٥٠]</span>\nوَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤) وَلكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥) وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ (٤٨)\nقُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)\nوَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُونًا فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ «٢»، وَما كُنْتَ ثاوِيًا مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة.\n_________\n(١) كنز العمال: ٢/ ٣٣ ح ٣٠٢٠.\n(٢) سورة الحديد: ١٦.","vol":"7","page":251},{"text":"قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [١٣١] «١»، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني.\nوأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه «٢» بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله ﷿ كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [١٣٢] «٣» .\nوَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك «٤» رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ.\nوَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٢٩٢.\n(٢) في نسخة أصفهان: صبغويه.\n(٣) الدر المنثور: ٥/ ١٢٩ بتفاوت.\n(٤) في نسخة أصفهان: رحمنا.","vol":"7","page":252},{"text":"فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ «١»، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (﵇) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة.\nقال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (﵇) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما «٢» وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (﵉) .\nوَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٥١ الى ٦٠]</span>\nوَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥)\nإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ (٥٨) وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاَّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ (٥٩) وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٠)\n_________\n(١) سورة النساء: ١٦٥.\n(٢) سورة القصص: ٤٩.","vol":"7","page":253},{"text":"وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر:\nفقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل «١»\nوقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (﵇) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا.\nإِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب.\nحدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [١٣٣] «٢» قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ «٣» .\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٠/ ١٠٧. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٤٣٤.\n(٣) روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح ٦٩ ط. بغداد ١٣٤٩ ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا.\nوروى ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣٩٥ مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر.\nومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف ٢/ ١٦٧ وشيخ الأبطح ٦٩.\nوروى ابن عساكر في تاريخ دمشق ٧٠/ ٢٤٤ ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته.\nوروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: ١/ ٢٥٨، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: ٤/ ٣٥، وسيرة ابن إسحاق: ٢٣٨، والمواهب اللدنية: ١/ ١٣٣ وتاريخ الخميس: ١/ ٣٠٠.\nويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: ٣/ ١٤، ووقعة صفين: ٤٧١ وربيع الأبرار: ٣/ ٤٧٠.\nوروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: ٨٤- ٢٥- ١٤٠ قول النبي ﷺ: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .","vol":"7","page":254},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال:\nأخبرنا ابن الشرقي «١»، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [١٣٤] «٢» .\nفقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟\nفقال: بل على ملّة عبد المطلب «٣» . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ.\nوَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ\nأخبرني «٤» ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.\nوَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية\nنزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (﵇) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.\n(٢) سنن النسائي: ٤/ ٩٠.\n(٣) وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.\n(٤) في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.","vol":"7","page":255},{"text":"تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة.\nقال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها «١» وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ «٢» .\nوَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.\n_________\n(١) سورة مريم: ٤٠.\n(٢) سورة ال عمران: ١٨٠.","vol":"7","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-581>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٦١ الى ٧٥]</span>\nأَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)\nفَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦) فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧) وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨) وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ (٦٩) وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤) وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)\nأَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ «١»\nقال مجاهد: نزلت في النبي (﵇) وفي أبي جهل بن هشام.\nمحمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل.\nالسدي: عمار والوليد بن المغيرة.\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون.\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل:\nيسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ «٢» .\nفَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ «٣» أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث «٤» الرسل باختيارهم.\nوهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان:\nأحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير.\n_________\n(١) سورة الصافات: ٥٧.\n(٢) سورة الصافات: ٥٧.\n(٣) سورة الزخرف: ٣١.\n(٤) في نسخة أصفهان: لا يرسل.","vol":"7","page":257},{"text":"والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ «١»، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي «٢» البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق:\nتوكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر «٣»\nإذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر\nوقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر\nوأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري:\nالعبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم\nوالخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم «٤»\nروى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ الله ﷿ اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي:\nالقرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [١٣٥] «٥» .\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال:\nحدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال:\nاختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام.\nسُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار «٦» معه.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٣٦.\n(٢) في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٠٦.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٠٦.\n(٥) كنز العمال: ١٣/ ٢٣٦ ح ٣٦٧٠٨.\n(٦) في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و...","vol":"7","page":258},{"text":"مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-582>[سورة القصص (٢٨): الآيات ٧٦ الى ٨٨]</span>\nإِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨) فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها إِلاَّ الصَّابِرُونَ (٨٠)\nفَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ (٨١) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ (٨٢) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٨٥)\nوَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦) وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)\nإِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى كان ابن عمه لأنّه قارون بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب، وموسى بن عمران بن فاهث، هذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن إسحاق: تزوّج يصهر ابن فاهث شميت بنت تباويت بن بركيا بن يقشان بن إبراهيم فولدت له عمران بن يصهر وقارون ابن يصهر، فنكح [عمران] نجيب بنت سمويا «١» بن بركيا بن رمنان «٢» بن بركيا فولدت له هارون\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: شمويل.\n(٢) في نسخة أصفهان: نفشان.","vol":"7","page":259},{"text":"ابن عمران وموسى بن عمران (﵈)، فموسى على قول ابن إسحاق: ابن اخي قارون وقارون عمه لأبيه وأمه، قال قتادة: وكان يسمّى المنوّر لحسن صورته ولم يكن في بني إسرائيل أقرأ للتوراة منه، ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري.\nفَبَغى عَلَيْهِمْ أخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، عن المسيّب إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ قال: كان عاملا لفرعون على بني إسرائيل وكان يبغي عليهم ويظلمهم، قال ابن عباس:\nكان فرعون قد ملّكه على بني إسرائيل حين كان بمصر، سعيد، عن قتادة: فَبَغى عَلَيْهِمْ بكثرة ماله وولده، سفيان «١» عنه: بالكبر والبذخ، عطاء الخراساني وشهر بن حوشب: زاد عليهم في الثياب شبرا وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ وهي جمع المفتح، وهو الذي يفتح به الباب لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ أي لتثقل بهم إذا حملوها لثقلها، يقال: ناء ينوء نوءا إذا نهض بثقل، قال الشاعر:\nتنوء بأخراها فلأيا قيامها ... وتمشي الهوينا عن قريب فتبهر «٢» «٣»\nواختلفوا في مبلغ عدد العصبة في هذا الموضع، فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، قتادة: ما بين العشرة إلى أربعين، أبو صالح: أربعون رجلا، عكرمة منهم من يقول:\nأربعون، ومنهم من يقول: سبعون، الضحّاك عن ابن عباس: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل:\nستون.\nروى جرير، عن منصور، عن خيثمة، قال: وجدت في الإنجيل أنّ مفاتيح خزائن قارون توقر ستين بغلا غرّاء محجّلة، ما يزيد منها مفتاح على إصبع، لكل مفتاح منها كنز «٤»، مجاهد:\nكانت المفاتيح من جلود الإبل، ويقال: كان قارون [أينما] ذهب يحمل معه مفاتيح كنوزه، وكانت من حديد، فلمّا ثقلت عليه جعلت من خشب، فثقلت عليه فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، وكانت تحمل معه إذا ركب على أربعين بغلا.\nوقال بعضهم: أراد بالمفاتيح الحرّاس «٥» وإليه ذهب أبو صالح. وروى حصين، عن أبي زرين قال: لو كان مفتاح واحد لأهل الكوفة كان كافيا إنّما يعني كنوزه، فإن قيل: فما وجه قوله: ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ «٦» وإنّما العصبة هي التي تنوء بها، قيل فيه قولان: أحدهما\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: شيبان.\n(٢) في نسخة أصفهان: فنبهر.\n(٣) غريب الحديث: ١/ ٣٢١.\n(٤) في نسخة أصفهان: كثره.\n(٥) في نسخة أصفهان: الخزائن.\n(٦) في نسخة أصفهان: أولي القوة.","vol":"7","page":260},{"text":"يميل بهم ويثقلهم حملها، والآخر قال أهل البصرة: قد يفعل العرب هذا، تقول للمرأة: إنّها لتنوء بها عجيزتها، وإنّما هي تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير بحمله، وقال الشاعر:\nفديت بنفسه نفسي ومالي ... وما آلوك إلّا ما أطيق «١»\nوالمعنى فديت بنفسي ومالي نفسه، وقال آخر:\nوتركب خيلا لا هوادة بينها ... وتشقي الرماح بالضياطرة الحمر «٢»\nوإنّما يشقي الضياطرة بالرماح، والخيل هاهنا: الرجال.\nإِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ من بني إسرائيل لا تَفْرَحْ لا تأشر ولا تمرح، ومنه قول الله سبحانه:\nإِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ «٣»، وقال الشاعر:\nولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتحول «٤»\nأراد: لست بأشر لأن السرور غير مكروه ولا مذموم إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ الأشرين البطرين المتكبرين الذين لا يشكرون الله سبحانه على ما أعطاهم.\nأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا منصور بن جعفر النهاوندي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى النهاوندي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن الجارود، قال: حدّثنا محمد بن عمرو بن حيان عن نفته «٥» قال: حدّثنا مبشر بن عبد الله في قول الله ﷾: لا تَفْرَحْ قال: لا تفسد إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ المفسدين، وقال الشاعر:\nإذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة ... وتحمل أخرى أفرحتك الودائع «٦»\nيعني أفسدتك.\nوَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا قال مجاهد وابن زيد: لا تترك أن تعمل في دنياك لآخرتك حتى تنجو من عذاب الله، وهي رواية علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس،\nوقال علي «﵁»: لا تنس صحتك وقوتك وشبابك ونشاطك وغناك أن تطلب به الآخرة\n، وقال الحسن: ولا تنس أن تطلب فيها كفايتك وغناك مما أحل الله لك منها.\nوأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمد، قال: حدّثنا أحمد بن علي\n_________\n(١) لسان العرب: ٥/ ٣١٦.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٤٨٩. [.....]\n(٣) سورة هود: ١٠.\n(٤) زاد المسير: ٦/ ١١٢.\n(٥) كذا في الأصل.\n(٦) كتاب العين: ٣/ ٢١٣.","vol":"7","page":261},{"text":"الحران «١»، قال: حدّثنا سعيد بن سلمة، قال: حدّثنا خلف بن خليفة، عن منصور بن زادان في قوله: وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا قال: قوتك وقوة أهلك. وقيل: هو الكفن لأنّه حظه من الدنيا عند خروجه منها.\nوَأَحْسِنْ إلى الناس كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ ولا تطلب الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قالَ قارون إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ على فضل علم عِنْدِي علمنيه الله، ورآني لذلك أهلا، ففضلني بهذا المال عليكم لفضلي عليكم بالعلم وغيره، وقيل: هو علم الكيمياء، قال سعيد بن المسيب: كان موسى (﵇) يعلم الكيمياء، فعلّم يوشع بن نون ثلث ذلك العلم، وعلّم كالب بن نوفيا «٢» ثلثه، وعلم قارون ثلثه، فخدعهما قارون حتى أضاف علمهما إلى علمه، وفي خبر آخر أنّ الله ﷾ علّم موسى علم الكيمياء، فعلّم موسى أخته، فعلّمت أخته قارون، فكان ذلك سبب أقواله، وقيل: على علم عندي بالتصرف في التجارات والزراعات وسائر أنواع المكاسب والمطالب، وقيل: في سبب جمعه تلك الأموال، ما أخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن موسى الحلواني قال: حدّثنا خزيمة بن أحمد، قال: حدّثنا أحمد بن أبي الجواري، قال: سمعت أبا سلمان الداراني يقول: يبدي إبليس لقارون وكان قارون قد أقام في جبل أربعين سنة يتعبد حتى إذا غلب بني إسرائيل في العبادة بعث إليه إبليس شياطينه، فلم يقدروا عليه، فتبدى هو له وجعل يتعبد، وجعل قارون وجعل إبليس يقهره بالعبادة ويفوقه، فخضع له قارون، فقال له إبليس: يا قارون قد رضينا بهذا الذي نحن فيه، لا تشهد لبني إسرائيل جماعة، ولا تعود مريضا، ولا تشهد جنازة، قال: فحذره من الجبل إلى البيعة، فكانوا يؤتون بالطعام، فقال إبليس: يا قارون قد رضينا الآن أن يكون هكذا كلا على بني إسرائيل، فقال له قارون:\nفأي شيء الرأي عندك؟ قال: نكسب يوم الجمعة ونتعبد بقية الجمعة، قال: فكسبوا يوم الجمعة وتعبدوا بقية الجمعة.\nفقال: إبليس لقارون: قد رضينا أن يكون هكذي. فقال له قارون: فأي شيء الرأي عندك، قال: نكسب يوما ونتعبد يوما ونتصدق ونعطي، قال: فلمّا كسبوا يوما وتعبدوا يوما خنس إبليس وتركه، ففتحت على قارون الدنيا، فبلغ ماله، ما أخبرنا ابن فنجويه، قال: أخبرنا موسى، قال: حدّثنا الحسن ابن علويه، قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى، عن المسيب بن شريك ما إِنَّ مَفاتِحَهُ قال: أوعيته وكانت أربعمائة ألف ألف في أربعين جرابا.\nقال الله سبحانه: أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ الكافرة\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الخزاز.\n(٢) في نسخة أصفهان: يوفنا.","vol":"7","page":262},{"text":"مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ قال قتادة: يدخلون النار بغير حساب، مجاهد: يعني: إنّ الملائكة لا تسأل عنهم لأنّهم يعرفونهم بسيمائهم، الحسن: لا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ليعلم ذلك من قبلهم فأن سئلوا سؤال تقريع وتوبيخ.\nفَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قال جابر «١» بن عبد الله: في القرمز، النخعي والحسن: في ثياب حمراء، مجاهد: على براذين بيض عليها سروج الأرجوان، عليهم المعصفرات، قتادة:\nعلى أربعة ألف دابة عليهم وعلى دوابهم [الأرجوان]، ابن زيد: في سبعين ألفا عليهم المعصفرات، قال: وكان ذلك أول يوم رؤيت المعصفرات فيما كان يذكر لنا، مقاتل: على بغلة شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس وعلى دوابهم الأرجوان، ومعه ثلاثمائة جارية بيض عليهن الحليّ والثياب الحمر على البغال الشهب.\nقالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من المال وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا وَلا يُلَقَّاها ولا يلقن ويوفق لهذه الكلمة إِلَّا الصَّابِرُونَ على طاعة الله وعن زينة الدنيا.\nفَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ قال العلماء بأخبار القدماء: كان قارون أعلم بني إسرائيل بعد موسى وهارون، وأقرأهم للتوراة وأجملهم وأغناهم ولكنه نافق السامري فبغى على قومه، واختلف في معنى هذا البغي، فقال ابن عباس: كان فرعون قد ملك قارون على بني إسرائيل حين كان بمصر، وعن المسيب بن شريك: أنه كان عاملا على بني إسرائيل وكان يظلمهم، وقيل: زاد عليهم في الثياب شبرا، وقيل: بغى عليهم بالكبر، وقيل: بكثرة ماله، وكان أغنى أهل زمانه وأثراهم. واختلف في مبلغ عدة العصبة في هذا الموضع فقال مجاهد: ما بين العشرة إلى خمسة عشر، وقال قتادة: ما بين العشرة إلى أربعين، وقال عكرمة: منهم من يقول أربعون ومنهم من يقول سبعون، وقال الضحاك: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: هم ستون.\nوروي عن خثيمة قال: وجدت في الإنجيل أن مفاتيح خزائن قارون وقر ستين بغلا غراء محجلة ما يزيد منها مفتاح على إصبع لكل مفتاح منها كنز، ويقال: كان أينما يذهب تحمل معه وكانت من حديد، فلمّا ثقلت عليه جعلها من خشب فثقلت عليه فجعلها من جلود البقر على طول الأصابع، فكانت تحمل معه على أربعين بغلا، وكان أول طغيانه أنه تكبر واستطال على الناس بكثرة الأموال فكان يخرج في زينته ويختال كما قال تعالى فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ.\nقال مجاهد: خرج على براذين بيض عليها سروج الأرجوان وعليهم المعصفرات.\nوقال عبد الرحمن: خرج في سبعين ألفا عليهم المعصفرات، وقال مقاتل: على بغلة\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: حماد بن عبد الله.","vol":"7","page":263},{"text":"شهباء عليها سرج من الذهب عليها الأرجوان ومعه أربعة آلاف فارس عليهم وعلى دوابهم الأرجوان ومعه ثلاثة آلاف جارية بيض عليهن الحلي والثياب الحمر على البغال الشهب، فتمنى أهل الجهالة مثل الذي أوتيه كما حكى الله فوعظهم أهل العلم بالله أن اتقوا الله فإن ثواب الله (خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا) .\nقال: ثم إن الله أوحى إلى نبيه موسى أن يأمر قومه أن يعلقوا في أرديتهم خيوطا أربعة في كل طرف خيطا أخضر لونه لون السماء، فدعا موسى بني إسرائيل وقال لهم: إن الله تعالى يأمركم أن تعلقوا في أرديتكم خيوطا خضرا كلون السماء لكي تذكروا ربكم إذا رأيتموها، وإنه تعالى ينزل من السماء كلامه عليكم، فاستكبر قارون وقال: إنما تفعل هذه الأرباب بعبيدهم لكي يتميزوا من غيرهم.\nولما قطع موسى (﵇) ببني إسرائيل البحر جعل الحبورة وهي رئاسة المذبح وبيت القربان لهارون فكان بنو إسرائيل يأتون بهديتهم ويدفعونه إلى هارون فيضعه على المذبح فتنزل نار من السماء فتأكله، فوجد قارون في نفسه من ذلك وأتى موسى وقال: يا موسى لك الرسالة ولهارون الحبورة ولست في شيء من ذلك، وأنا أقرأ للتوراة منكما لا صبر لي على هذا، فقال موسى: والله ما أنا جعلتها في هارون بل الله تعالى جعلها له فقال قارون: والله لا أصدقك في ذلك حتى تريني بيانه، قال: فجمع موسى (﵇) رؤساء بني إسرائيل وقال: هاتوا عصيكم، فجاءوا بها فحزمها وألقاها في قبته التي كان يعبد الله تعالى فيها وجعلوا يحرسون عصيهم حتى أصبحوا، فأصبحت عصا هارون (﵇) قد اهتز لها ورق أخضر، وكانت من ورق شجر اللوز، فقال موسى: يا قارون ترى هذا؟\nفقال قارون: والله ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر.\nفذهب قارون مغاضبا واعتزل موسى بأتباعه وجعل موسى يداريه للقرابة التي بينهما، وهو يؤذيه في كل وقت ولا يزيد كل يوم إلا كبرا ومخالفة ومعاداة لموسى (﵇) حتى بنى دارا وجعل بابها من الذهب وضرب على جدرانها صفائح الذهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون إليه ويروحون فيطعمهم الطعام ويحدثونه ويضاحكونه.\nقال ابن عباس: ثم إن الله ﷾ أنزل الزكاة على موسى (﵇) فلمّا أوجب الله سبحانه الزكاة عليهم أبى قارون فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، وعن كل ألف شاة على شاة، وعن كل ألف شيء شيئا، ثم رجع إلى بيته فحسبه فوجده كثيرا فلم تسمح بذلك نفسه فجمع بني إسرائيل وقال لهم: يا بني إسرائيل إن موسى قد أمركم بكل شيء فأطعتموه وهو الآن يريد أن يأخذ أموالكم، فقالوا له: أنت كبيرنا وسيدنا فمرنا بما شئت، فقال: آمركم أن تجيئوا بفلانة البغي فنجعل لها جعلا على أن تقذفه","vol":"7","page":264},{"text":"بنفسها فإذا فعلت ذلك خرج عليه بنو إسرائيل ورفضوه فاسترحنا منه، فأتوا بها فجعل لها قارون ألف درهم وقيل: ألف دينار، وقيل: طستا من ذهب، وقيل: حكمها، وقال لها: إني أموّلك وأخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، فلمّا أن كان الغد جمع قارون بني إسرائيل، ثم أتى موسى فقال له: إن بني إسرائيل قد اجتمعوا ينتظرون خروجك لتأمرهم وتنهاهم وتبين لهم أعلام دينهم وأحكام شريعتهم فخرج إليهم موسى وهم في براح من الأرض فقام فيهم خطيبا ووعظهم [فكان] فيما قال: يا بني إسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنا وليست له امرأة جلدناه مائة، ومن زنا وله امرأة رجمناه حتى يموت، فقال له قارون: وإن كنت أنت؟ قال: وإن كنت أنا، قال قارون: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة قال: أنا، قال: نعم، قال: ادعوها فإن قالت فهو كما قالت، فلمّا أن جاءت قال لها موسى: يا فلانة إنما أنا فعلت لك ما يقول هؤلاء، وعظم عليها وسألها بالذي فلق البحر لبني إسرائيل وأنزل التوراة على موسى إلا صدقت، فلمّا ناشدها تداركها الله بالتوفيق وقالت في نفسها: لئن أحدث اليوم توبة أفضل من أن أوذي رسول الله، فقالت: لا كذبوا، ولكن جعل لي قارون جعلا على أن أقذفك بنفسي، فلمّا تكلمت بهذا الكلام سقط في يده قارون ونكس رأسه وسكت الملأ وعرف أنه وقع في مهلكة وخرّ] «١» موسى ساجدا يبكي ويقول: اللهم إن كنت رسولك، فاغضب لي، فأوحى الله سبحانه إليه: مر الأرض بما شئت، فإنها مطيعة لك، فقال موسى: يا بني إسرائيل إنّ الله بعثني إلى قارون كما بعثني إلى فرعون، فمن كان معه فليثبت مكانه، ومن كان معي فليعتزل، فاعتزل قارون ولم يبق معه إلّا رجلان، ثم قال موسى:\nيا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى الأعناق، وقارون وأصحابه في كل ذلك لا يلتفت إليه لشدّة غضبه عليه.\nثم قال: يا أرض خذيهم، فانطبقت عليهم الأرض، وأوحى الله تعالى إلى موسى: يا موسى ما أفظك. استغاثوا بك سبعين مرة فلم ترحمهم ولم تغثهم، أما وعزتي لو إياي دعوا لوجدوني قريبا مجيبا.\nقال قتادة: وذكر [لنا] أنّه يخسف به كلّ يوم قامة وأنّه يتخلخل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة، قالوا: وأصبحت بنو إسرائيل يتناجون فيما بينهم أنّ [موسى] إنّما دعا على قارون ليستبد بداره وكنوزه وأمواله، فدعا الله موسى حتى يخسف بداره وأمواله الأرض.\nوأوحى الله سبحانه إلى موسى: إنّي لا أعبّد الأرض لأحد بعدك أبدا، فذلك قوله تعالى:\nفَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ، فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ\n_________\n(١) إلى هنا السقط مستدرك من بحار الأنوار: ١٣/ ٢٥٤- ٢٥٧.","vol":"7","page":265},{"text":"الممتنعين وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ العرب تعبّر بأضحى وأمسى وأصبح عن الصيرورة والفعل، فتقول: أصبح فلان عاملا وأمسى حزينا وأضحى معدما، إذا صاروا بهذه الأحوال وليس ثمّ من الصبح والمساء والضحى شيء.\nيَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ اختلف العلماء في هذه اللفظة، فقال مجاهد: معناه: ألم تعلم؟\nقتادة: ألم تر؟، الفرّاء: هي كلمة تقرير كقول الرجل: أما ترى إلى صنع الله وإحسانه؟ وذكر أنّه أخبره من سمع أعرابية تقول لزوجها: أين ابنك؟ فقال: ويكأنّه وراء البيت، يعني أما ترينه وراء البيت؟ ابن عباس والحسن: هي كلمة ابتداء وتحقيق، تقديره إنّ الله يبسط الرزق المؤرّخ:\nهو تعجّب، قطرب: إنّما هو ويلك فأسقط منه اللام، قال عنترة:\nولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قول الفوارس ويك عنتر أقدم «١»\nوقيل: هو تنبيه بمنزلة ألا وأما. قال بعض الشعراء:\nويكأن من يكن له نشب ... يحبب ومن يفتقر يعش عيش ضرّ «٢»\nوقال القتيبي: معناه رحمة بلغة حمير، وقال سيبويه: سألت الخليل عنه، فقال: وي كلمة تنبيه منفصلة من كأن فكأن في معنى الطب والعلم.\nيَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ يقتّر لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا قرأ يعقوب وبعض أهل الشام والكوفة بفتح الخاء والسين، وقراءة العامة بضم الخاء وكسر السين، وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ تكبرا وتجبرا فيها، وَلا فَسادًا عملا بالمعاصي عن ابن جريج ومقاتل وعكرمة ومسلم البطين «٣»:\nالفساد: أخذ المال بغير حق، الكلبي: الدعاء إلى غير عبادة الله.\nوَالْعاقِبَةُ المحمودة لِلْمُتَّقِينَ قال قتادة: الجنة مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ أي أنزله عن أكثر المفسرين، وقال عطاء بن أبي رباح: فرض عليك العمل بالقرآن لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال [الضحاك و] مجاهد: إلى مكة، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، قال [ابن قتيبة] «٤»: معاد الرجل: بلده لأنّه ينصرف ثم يعود إلى بلده.\nقال مقاتل: خرج النبي (﵇) من الغار ليلا ثم هاجر من وجهه إلى المدينة، فسار\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣١٩.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢٥٥٧.\n(٣) كذا في الأصل.\n(٤) في المخطوط كلمة تشبه: القتيبي، وما أثبتناه من (زاد المسير): ٦/ ١٢٠.","vol":"7","page":266},{"text":"في غير الطريق مخافة الطلب، فلمّا أمن ورجع إلى الطريق نزل الجحفة بين مكة والمدينة وعرف الطريق إلى مكة، فاشتاق إليها وذكر مولده ومولد آبائه، فأتاه جبريل (﵇)، فقال:\nأتشتاق إلى بلدك ومولدك؟\nقال: «نعم» [١٣٦] «١»، قال: فإنّ الله ﷾ يقول: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ إلى مكة ظاهرا عليها.\nقال مقاتل: قال الضحاك: قال ابن عباس: إنّما نزلت بالجحفة ليس بمكة ولا المدينة،\nوروي جابر عن أبي جعفر، قال: انطلقت أنا وأبي إلى أبي سعيد الخدري، فسأله عن هذه الآية: لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ، قال: إلى الموت.\nوهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال الحسن والزهري وعكرمة: إلى يوم القيامة، وقال أبو مالك وأبو صالح: إلى الجنة.\nأخبرنا عبد الخالق بن علي، قال: أخبرنا أبو بكر بن حبيب، قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب، قال: أخبرنا عمار «٢» بن كثير، قال: أخبرنا فضيلة «٣»، عن ليث، عن مجاهد في قوله:\nلَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قال: إلى الجنة.\nقُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قال بعض أهل المعاني: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ.\nفَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ. وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وهذا «٤» حين دعا إلى دين آبائه وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ يعني إلّا هو، عن مجاهد،\nالصادق: دينه\n، أبو العالية: إلّا ما أريد به وجهه.\nأخبرنا ابن «٥» شاذان، قال: أخبرنا جيعويه، قال: حدّثنا صالح بن محمد، عن جرير، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن شهر بن حوشب، عن عبادة بن الصامت، قال: يجاء بالدنيا يوم القيامة، فيقال: ميزوا ما كان لله منها، قال: فيماز ما كان لله منها، ثم يؤمر بسائرها فيلقى في النار.\nوبه عن صالح، عن سليمان بن عمرو، عن سالم الأفطس، عن الحسن وسعيد بن جبير،\n_________\n(١) زاد المسير: ٦/ ١١٧.\n(٢) في نسخة: حماد بن كثير. [.....]\n(٣) في نسخة: عن فضل.\n(٤) في نسخة أصفهان: وذلك.\n(٥) في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوزان عن ابن شاذان.","vol":"7","page":267},{"text":"عن علي بن أبي طالب ﵁ أنّ رجلا سأله، فلم يعطه شيئا، فقال: أسألك بوجه الله، فقال له علي: كذبت، ليس بوجه الله سألتني، إنّما وجه الله الحق، ألا ترى قوله ﷾: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ يعني الحق؟ ولكن سألتني بوجهك الخالق «١» كلّ شيء هالك إلّا الله والجنة والنار والعرش [١٣٧] .\nابن كيسان: إلّا ملكه. لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الخالق الضحاك.","vol":"7","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-583>سورة العنكبوت</span>\nمكية، وهي أربعة ألف ومائة وخمسة وتسعون حرفا، وألف وتسعمائة وإحدى وثمانون كلمة، وتسع وستون آية\nأخبرنا الخباري «١» قال: أخبرنا ابن حيان، قال: أخبرنا محمد بن علي الفرقدي قال:\nحدثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدثنا يوسف بن عطية قال: حدثنا هارون بن كثير قال: حدثنا زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ المؤمنين والمنافقين» [١٣٨] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ (٣) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٤)\nمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥) وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ (٦) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (١١)\nالم. أَحَسِبَ أظن وأصله من الحساب النَّاسُ يعني الذين جزعوا من أصحاب رسول الله ﷺ من أذى المشركين أَنْ يُتْرَكُوا بغير اختبار ولا ابتلاء بأن قالوا: آمَنَّا كلا لنختبرنهم لنتبين الصادق من الكاذب، (إن) الأولى منصوبة ب أَحَسِبَ والثانية خفض بنزع الخافض، أي لأن يقولوا، والعرب لا تقول: تركت فلانا أن يذهب، إنّما تقول: تركته يذهب،\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: أبو الحسين الخباري.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٥.","vol":"7","page":269},{"text":"معه جوابان: أحدهما يشتركوا لأن يقولوا «١»، والثاني: على التكرير تقديره: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أحسبوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ لا يبتلون ليظهر المخلص من المنافق، وقيل:\nيُفْتَنُونَ يصابون بشدائد الدنيا، يعني: أنّ البلاء لا يدفع عنهم في الدنيا لقولهم: آمَنَّا.\nواختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال ابن جريج وابن عمير: نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذّب في الله.\nوقال الشعبي: نزلت هاتان الآيتان في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام، فكتب إليهم أصحاب رسول الله ﷺ من المدينة إنّه لا يقبل منكم إقرار بإسلام حتى تهاجروا، فخرجوا عائدين إلى المدينة، فاتبعهم المشركون فردوهم، فنزلت فيهم هذه الآية، فكتبوا إليهم إنّه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا، فقالوا: نخرج، فإن اتبعنا أحد قاتلناه. فخرجوا، فاتبعهم المشركون، فقاتلوهم، فمنهم من قتل ومنهم من نجا، فأنزل الله سبحانه فيهم هاتين الآيتين،\nوقال مقاتل:\nنزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله، فقال النبي ﷺ: «يومئذ سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة» [١٣٩] «٢»، فجزع عليه أبواه وامرأته، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية\nوأخبر أنّه لا بد لهم من البلاء والمشقة في ذات الله تعالى، وقيل: وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ بالأوامر والنواهي.\nثم عزّاهم، فقال عز من قائل: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ والله تعالى عالم بهم قبل الاختبار، وعلمه قديم تام، وإنّما معنى ذلك:\nفليظهرنّ الله تعالى ذلك حتّى يوجد معلومة.\nقال مقاتل: فليرين الله، الأخفش: فليميزنّ الله.\nوقال القتيبي: علم الله سبحانه نوعان: أحدهما: علم شيء كان يعلم إنّه كان، والثاني:\nعلم شيء يكون، فعلم إنّه يكون وقت كذا ولا يعلمه كائنا واقعا إلّا بعد كونه ووقوعه، بيانه قوله سبحانه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ «٣» أي نعلم المجاهدين منكم مجاهدين ونعلم الصابرين صابرين، فكذلك هاهنا فليعلمنّ الله ذاك موجودا كائنا وهذا سبيل علم الله في الاستقبال.\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الشرك «٤» أَنْ يَسْبِقُونا يعجزونا ويقولوا ما بأنفسهم\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٢٤.\n(٣) سورة محمّد: ٣١.\n(٤) في نسخة أصفهان: أي السوء.","vol":"7","page":270},{"text":"فلا يقدر على الانتقام منهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي ساء حكمهم الذي يحكمون مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ قال ابن عباس ومقاتل: من كان يخشى البعث. سعيد بن جبير: من كان يطمع في ثواب الله فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ يعني ما وعد الله من الثواب والعقاب الكائن وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ له ثوابه. إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي بأحسن أعمالهم وهو الطاعة.\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا اختلف النحاة في وجه نصب الحسن، فقال أهل البصرة: على التكرير تقديره ووصيناه حسنا أي بالحسن، كما يقول: وصيته خيرا، أي بخير، وقال أهل الكوفة: معناه ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا، فحذفه لدلالة الكلام عليه كقول الراجز:\nعجبت من دهماء إذ تشكونا ... ومن أبي دهماء إذ يوصينا\nخيرا بها كأنّنا جافونا\nأي يوصينا أن نفعل بها خيرا، وهو مثل قوله: فَطَفِقَ مَسْحًا «١» أي يمسح مسحا.\nوقيل معناه: وألزمناه حسنا، وقرأ العامة حُسْنًا بضم الحاء وجزم السين، وقرأ أبو رجاء العطاردي بفتح الحاء والسين.\nوفي مصحف أبي إحسانا نزلت في سعد بن أبي وقاص الزهري. واسم أبي وقاص:\nمالك بن وهبان، وذلك\nإنّه لما أسلم قالت له أمه جمنة بنت أبي سفيان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف: يا سعد بلغني إنّك صبوت فوالله لا يظلني سقف بيت من الضح والريح ولا آكل ولا أشرب حتى تكفر بمحمد وترجع إلى ما كنت عليه، وكان أحب ولدها إليها، فأبى سعد وصبرت هي ثلاثة أيام لم تأكل ولم تشرب ولم تستظل بظل، فأتى سعد النبي (﵇) وشكا ذلك إليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية والتي في لقمان والأحقاف، فأمره النبي ﷺ أن يترضاها ويحسن إليها ولا يطيعها في الشرك وذلك قوله سبحانه: وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنّه لي شريك فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد- قراءة- قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثنا نمير بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول الله من أبرّ؟ قال: «أمّك»، قلت: ثم من؟ قال: «أمّك»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم أمّك»، قلت: ثم من؟ قال: «ثم أباك ثم الأقرب فالأقرب» [١٤٠] «٢» .\n_________\n(١) سورة ص: ٣٣.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣.","vol":"7","page":271},{"text":"وأخبرنا عبد الله «١» - إجازة- قال: أخبرنا عثمان بن أحمد قال: حدثنا علي بن إبراهيم الواسطي قال: حدثنا منصور بن مهاجر قال: حدثنا أبو النصر الأبار، عن أنس بن مالك قال:\nقال النبي ﷺ: «الجنة تحت أقدام الأمهات» [١٤١] «٢» .\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي في زمرتهم وجملتهم، وقال محمد بن جرير: أي في مدخل الصالحين «٣» وهو الجنة، وقيل: في بمعنى مع، والصالحون هم الأولياء والأنبياء.\nوَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ أي أذاهم وعدائهم كَعَذابِ اللَّهِ في الآخرة فارتد عن إيمانه وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ هؤلاء المرتدون إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ وهم كاذبون أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ أي ليميّزنهم ويظهر أمرهم بالابتلاء والاختبار والفتن والمحن.\nواختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية:\nفقال مجاهد: نزلت في ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم بلاء من الله ومصيبة في أنفسهم افتتنوا. الضحاك: نزلت في ناس من المنافقين بمكة كانوا يؤمنون، فإذا أوذوا رجعوا إلى الشرك. عكرمة عن ابن عباس: نزلت في المؤمنين الذين أخرجهم المشركون معهم إلى بدر، فارتدوا وهم الذين نزلت فيهم إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ «٤» ... الآية، وقد مضت القصة. قتادة: نزلت هذه الآية في القوم الذين ردهم المشركون إلى مكة.\nوهذه الآيات العشر مدنية إلى هاهنا، وسائرها مكي،\nوقال مقاتل والكلبي: نزلت في العياش بن أبي ربيعة بن مغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، وذلك إنّه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي (﵇)، فحلفت أمه أسماء بنت مخرمة ابن أبي جندل بن نهشل التميمي أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل لها رأسا ولا تدخل بيتا حتى يرجع إليها، فلما رأى ابناها- أبو جهل والحارث ابنا هشام وهما أخوا عيّاش لأمّه- جزعها وحلفها رهبا في ظلمة حتى أتيا المدينة فلقياه، فقال أبو جهل لأخيه عياش بن أبي ربيعة: قد علمت أنّك أحبّ إلى أمّك من جميع ولدها وكنت بها بارا، وقد حلفت أمك إنّها لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل بيتا حتى ترجع إليها، وأنت تزعم أنّ في دينك بر الوالدين، فارجع إليها فإنّ ربّك الذي تعبده بالمدينة هو ربك بمكة فاعبده بها، فلم يزالا به حتى أخذ\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد إجازة عن عثمان بن أحمد.\n(٢) الجامع الصغير: ١/ ٥٦٣. [.....]\n(٣) في نسخة أصفهان: أي في زمرتهم.\n(٤) سورة النساء: ٩٧.","vol":"7","page":272},{"text":"عليهما المواثيق لا يحركاه ولا يصرفاه عن دينه، فأعطياه ما سأل من المواثيق فتبعهما، وقد صبرت أمه ثلاثة أيام ثم أكلت وشربت، قالا: فلما خرجوا من أهل المدينة أخذاه فأوثقاه وجلده كلّ واحد منهما مائة جلدة حتى تبرأ من دين محمّد (رحمهما الله) جزعا من الضرب وقال ما لا ينبغي، فأنزل الله سبحانه فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ ... الآية.\nقالا: وكان الحارث «١» أشدهما عليه وأسوأهما قولا، فحلف عياش بالله لئن قدر عليه خارجا من الحرم ليضربنّ عنقه، فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا ثم هاجر النبي ﷺ والمؤمنون إلى المدينة، فهاجر عياش وأسلم وحسن إسلامه.\nثم إنّ الله تعالى قذف الإيمان في قلب الحارث «٢» بن هشام، فهاجر إلى المدينة وبايع النبي (﵇) على الإسلام ولم يحضر عياش، فلقيه عياش يوما بظهر قباء ولم يشعر بإسلامه، فضرب عنقه، فقيل له: إنّ الرجل قد أسلم، فاسترجع عياش وبكى، ثم أتى النبي (﵇) وأخبره بذلك، فأنزل الله ﷾: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ... الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ١٢ الى ٢١]</span>\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤) فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ (١٥) وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)\nإِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧) وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠) يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ أوزاركم، قال الفراء: لفظة أمر ومعناه: جزاء، مجازه إن اتبعتم سبيلنا حملنا خطاياكم كقوله سبحانه: فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ وقوله سبحانه: لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ لفظة نهي وتأويله جزاء. وقال الشاعر:\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الحرث.\n(٢) في نسخة أصفهان: الحرث.","vol":"7","page":273},{"text":"فقلت ادعي وادع فإنّ أندى ... لصوت أن ينادي داعيان «١»\nيريد إن دعوت دعوت.\nفأكذبهم الله تعالى، فقال: وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ. وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ أوزار أنفسهم وأثقال من أضلوا وصدوا عن سبيل الله وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ نظيرها لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ «٢» الآية.\nروي عوف، عن الحسن أنّ النبي (﵇) قال: «أيما داع دعا إلى هدى فاتبع عليه وعمل به فله مثل أجور الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئا وأيما داع دعا إلى ضلالة، فاتبع عليها وعمل بها فعليه مثل أوزار الذين اتبعوه ولا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا» [١٤٢] «٣»\nثم قرأ الحسن وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال:\nحدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن عبد الرحمن بن هلال العنسي «٤»، عن جرير قال: خطبنا رسول الله ﷺ فحثّنا على الصدقة، فأبطأ الناس حتى رئي وجهه الغضب، ثم إنّ رجلا من الأنصار قام فجاء بصرّة وأعطاها، فتتابع الناس، فأعطوا حتى رئي «٥» في وجهه السرور، فقال رسول الله ﷺ: «من سن سنة حسنة كان له أجرها ومثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ سنة سيّئة كان عليه وزرها ومثل وزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» [١٤٣] «٦» .\nوَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ.\nقال ابن عباس: بعث نوح (﵇) لأربعين سنة وبقي في قومه يدعوهم أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا وعاش بعد الطوفان ستين سنة حتى كثر الناس وفشوا.\nفَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ. وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا.\nويقولون كذبا، وقال مجاهد: وتصنعون أصناما بأيديكم فتسمونها آلهة، نظيره قوله\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ٥٦٠، وتفسير القرطبي: ١٣/ ٣٣٠.\n(٢) سورة النحل: ٢٥.\n(٣) الدرّ المنثور: ٥/ ١٤٢.\n(٤) في نسخة: العبسي.\n(٥) في المخطوط: يرى.\n(٦) مسند أحمد: ٤/ ٣٦٢.","vol":"7","page":274},{"text":"سبحانه: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ «١»، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا على المبالغة والكثرة. إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ فاهلكوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أَوَلَمْ يَرَوْا بالتاء كوفي غيرهم بالياء كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الله، الْخَلْقَ يعني فانظروا إلى مساكن القرون الماضية وديارهم وآثارهم كيف بدأ خلقهم ولم يتعذر عليه مبدئا فكذلك لا يتعذر عليه إنشائها معيدا.\nثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ أي يبدأ البدأة الْآخِرَةَ بعد الموت.\nوفيها لغتان: نشأة بالمد وهي قراءة ابن كثير والحسن وأبو عمر وحبيب كانت، ونشأة بالقصر وتسكين السين وهي قراءة الناس «٢» ونظيرها الرأفة «٣»، والرأفة إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ تردون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٢ الى ٢٧]</span>\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٢٢) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٣) فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤) وَقالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٥) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)\nوَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ اختلف أهل المعاني في وجهها، فقال الفراء: معناه ولا من في السماء بمعجز، وهو من غامض العربية الضمير الذي لم يظهر في الثاني. كقول حسان بن ثابت:\nفمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء «٤»\nأراد ومن يمدحه وينصره فأضمر من وإلى هذا التأويل ذهب عبد الرحمن بن زيد قال: لا يعجزه أهل الأرض في الأرض ولا أهل السماء في السماء إن عصوا.\n_________\n(١) سورة الصافّات: ٩٥.\n(٢) في نسخة أصفهان: الباقين.\n(٣) هكذا في المخطوط.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٣٧، البداية والنهاية: ٤/ ٣٥٦، وفيه أمن بدل فمن. [.....]","vol":"7","page":275},{"text":"وقال قطرب: ولا في السماء لو كنتم فيها، كقولك: ما يفوتني فلان بالبصرة ولا هاهنا في بلدي، وهو معك في البلد أي ولا بالبصرة لو صار إليها.\nوَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فأعرض سبحانه بهذه الآيات تذكيرا وتحذيرا لأهل مكة، ثم عاد إلى قصة إبراهيم، فقال عز من قائل: فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ قرأ العامة بنصب الباء على خبر كان وإن قالوا: في محل الرفع على اسم كان، وقرأ سالم الأفطس جواب رفعا على اسم كان، وإن موضعه نصب على خبره إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ وجعلها عليه بردا وسلاما، قال كعب: ما حرقت منه إلّا وثاقه.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. وَقالَ يعني إبراهيم (﵇) لقومه: إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ اختلف القرّاء فيها، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب مودةُ رفعا بَيْنِكُمْ خفضا بالإضافة، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم على معنى: أنّ الذين اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثانًا هي مَوَدَّةُ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا لم تنقطع ولا تنفع في الآخرة كقوله: [لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ ثم قال: بَلاغٌ] «١» أي هذا بلاغ، وقوله سبحانه: [لا يُفْلِحُونَ ثم قال: مَتاعٌ] «٢» أي هو متاع، فكذلك أضمروا هاهنا هي ويجوز أن تكون خبر إن.\nوقرأ عاصم في بعض الروايات مودةُ مرفوعة منونة بينَكم نصبا وهو راجع إلى معنى القراءة الأولى، وقرأ حمزة مَوَدَّةَ بالنصب بَيْنِكُمْ بالخفض على الإضافة بوقوع الاتحاد عليها وجعل إنّما حرفا واحدا وهي رواية حفص عن عاصم، وقرأ الآخرون: مودةَ نصبا منونة بينَكم بالنصب وهي راجعة إلى قراءة حمزة ومعنى الآية أنكم اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم في الحياة الدنيا.\nمَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا تتوادون وتتحابون على عبادتها وتتواصلون عليها.\nثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وتتبرأ الأوثان من عابديها وَمَأْواكُمُ جميعا العابدون والمعبودون النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وهو أول من صدق إبراهيم (﵇) حين رأى أنّ النار لم تضرّه.\nوَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي فهاجر من كوتي- من سواد الكوفة- إلى حران ثم إلى الشام ومعه ابن أخيه لوط وامرأته سارة، وهو أول من هاجر، قال مقاتل: هاجر إبراهيم (﵇) وهو ابن خمس وسبعين سنة.\n_________\n(١) سورة الأحقاف: ٣٥.\n(٢) سورة يونس: ٦٩- ٧٠.","vol":"7","page":276},{"text":"إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٢٨ الى ٣٥]</span>\nوَلُوطًا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ (٢٨) أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠) وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢)\nوَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)\nوَلُوطًا فأذكر لوطا إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ مجلسكم الْمُنْكَرَ.\nحدثنا أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي، قال: حدثنا جدي لأمّي أبو الحسن المحمودي، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: أنّ بشر بن معاذ العمقدي حدثهم قال: حدثنا يزيد بن زريع «١» قال: حدثنا حاتم بن أبي صغيرة، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا عمير بن مرداس الدونقي، قال: حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، قال:\nحدثنا يحيى بن أبي الحجاج أبو أيوب البصري قال: حدثنا أبو يونس حاتم بن أبي صغيرة، عن سماك بن حرب، عن أبي مولى أم هانئ، عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: سألت رسول الله ﷺ عن قوله سبحانه: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قلت: ما المنكر الذي كانوا يأتون؟\nقال: «كانوا يخذفون أهل الطرق ويسخرون بهم» [١٤٤] «٢» .\nوأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين، قال: حدثنا موسى بن محمد، قال: حدثنا الحسن بن علوية، قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدثنا المسيب، قال: سمعت زياد بن أبي زياد يحدّث عن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كلّ رجل منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل قذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به»\n[١٤٥] «٣» وذلك قول الله سبحانه: وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ\nقال رسول الله ﷺ: «إيّاكم\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: برنع.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ٣٤١.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٤٢.","vol":"7","page":277},{"text":"والخذف فإنّه لا ينكأ العدو ولا يصيب الصيد، ولكن يفقأ العين ويكسر السن» [١٤٦] «١» .\nوأخبرنا الحسين قال: أخبرنا أبو علي بن حنيش المقري قال: حدثني أبو جعفر محمد بن جعفر المقري، قال: حدثنا إبراهيم بن الحسين الكسائي، قال: حدثنا هارون بن حاتم، قال:\nأخبرنا أبو بكر بن أوس المدني، عن أبيه، عن يزيد بن بكر بن دأب، عن القاسم بن محمد وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ قال: الضراط، كانوا يتضارطون في مجالسهم، وقال مجاهد: كان يجامع بعضهم بعضا في مجالسهم.\nأخبرنا أبو جعفر الخلفاني قال: حدثنا أبو العباس التباني «٢» قال: حدثنا أبو لبيد «٣» السرخسي، قال: حدثنا الحسن بن عمر بن شفيق، قال: حدثنا سليمان بن ظريف عن مكحول، قال: عشرة في هذه الأمة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وتطويق الأصابع بالحناء، وحل الإزار، وتنقيص الأصابع والعمامة التي يلف بها على الرأس، والسلينية «٤»، ورمي الجلاهق، والصفير، والخذف، واللوطية.\nفَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ إنّه نازل بنا وذلك إنّه أوعدهم العذاب، قالَ لوط رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ. وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى من الله سبحانه إسحاق ويعقوب: قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ يعني قوم لوط إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ. قالَ إبراهيم للرسل: إِنَّ فِيها لُوطًا قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ. وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا وحسب إنّهم من الإنس سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ. إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا عذابا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ. وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً عبرة ظاهرة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وهي الخبر عما صنع بهم، وقال ابن عباس: هي آثار منازلهم الخرباء. أبو العالية وقتادة: هي الحجارة التي ألقاها الله. مجاهد:\nالماء الأسود على وجه الأرض.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٥٤. بتفاوت.\n(٢) في نسخة أصفهان: التبان.\n(٣) في نسخة أصفهان: لنيد.\n(٤) في نسخة أصفهان: السكينة.","vol":"7","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-588>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٣٦ الى ٤٠]</span>\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلًاّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)\nوَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْبًا فَقالَ: يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثني ابن شنبه قال: حدثنا أبو حامد المستملي قال: حدثنا محمد بن حاتم الرمني قال: حدثنا محمد بن سلامة «١» الجمحي قال: قال يوسف «٢» النحوي: وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ يعني اخشوا وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ. وَعادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ في الضلالة، قال مجاهد وقتادة: مُسْتَبْصِرِينَ في ضلالهم معجبين بها. الفراء:\nعقلاء ذوي بصائر. ضحاك ومقاتل والكلبي: حسبوا إنّهم على الهدى والحق وهم على الباطل.\nوَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ فائتين من عذابنا فَكُلًّا أَخَذْنا عاقبنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا ريحا تأتي في الحصباء، وهي الحصى الصغار، وهم قوم لوط وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ يعني ثمودا.\nوَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ قارون وأصحابه وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا فرعون وقومه وقوم نوح.\nوَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤١ الى ٤٥]</span>\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥)\nمَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني: الأصنام يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا لنفسها كيما يكنّها فلم يغن عنها بناؤها شيئا عند حاجتها إياه، فكما أنّ بيت العنكبوت لا يدفع عنها بردا ولا حرا كذلك هذه الأوثان لا تملك لعابديها نفعا ولا ضرا ولا خيرا ولا شرا.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: سلام.\n(٢) في نسخة أصفهان: يونس.","vol":"7","page":279},{"text":"وَإِنَّ أَوْهَنَ أضعف الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ قال النحاة: العنكبوت مؤنثة التاء التي فيها، وقد يذكّرها بعض العرب، أنشد الفراء:\nعلى هطالهم منهم «١» بيوت ... كأنّ العنكبوت هو ابتناها «٢»\nوزنته فعللون.\nأخبرني ابن فنجويه، قال: حدثنا ابن شنبه، قال: حدثنا أبو حامد المستملي، قال: حدثنا محمد بن عمران الضبي، قال: حدثني محمد بن سليمان المكي، قال: حدّثني عبد الله بن ميمون القداح، قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: سمعت أبي يقول: قال علي بن أبي طالب:\nطهّروا بيوتكم من نسيج العنكبوت، فإنّ تركه في البيوت يورث الفقر\n، قال: سمعت عليا يقول:\nمنع الخميرة يورث الفقر.\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ بالياء أهل البصرة واختاره أبو عبيد قال: لذكر الأمم قبلها.\nواختلف فيها عن عاصم، غيرهم بالتاء.\nمِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. وَتِلْكَ الْأَمْثالُ الأشياء والأوصاف، والمثل:\nقول سائر يشبّه حال الثاني بالأول نَضْرِبُها يبيّنها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ. أخبرني\nابن فنجويه، قال: حدثنا ابن مندة «٣» قال: حدثنا الحارث «٤» بن أبي أسامة قال: حدثنا داود بن المخبر قال: حدثنا عباد بن كثير، عن أبي جريج «٥»، عن عطاء وأبي الزبير، عن جابر أنّ النبي ﷺ تلا هذه الآية: وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ فقال: «العالم من عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه» [١٤٧] «٦» .\nخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ قال ابن عمر: تغني. الفراء: أن تنهي عن الفحشاء والمنكر ودليل هذا التأويل قوله: وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ أي بقراءتك. وقال آخرون: هي الصلاة التي فيها الركوع والسجود.\nقال ابن مسعود وابن عباس: يقول: في الصلاة: منتهى ومزدجر عن معاصي الله ﷾، فمن لم تأمره صلاته بالمعروف وتنهاه عن المنكر لم يزدد بصلاته من الله إلّا بعدا.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: منها.\n(٢) لسان العرب: ١/ ٦٣٢.\n(٣) في نسخة أصفهان: ابن برزة. [.....]\n(٤) في نسخة أصفهان: الحرث.\n(٥) في نسخة أصفهان: جريح.\n(٦) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٤٦.","vol":"7","page":280},{"text":"وقال رسول الله ﷺ: «لا صلاة لمن لم يطع الصلاة، وإطاعة الصلاة أن تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ» [١٤٨] «١» .\nوروى أبو سفيان عن جابر قال: قيل لرسول الله (ﷺ): إنّ فلانا يصلي بالنهار ويسرق بالليل، فقال: «إنّ صلاته لتردعه» [١٤٩] «٢» .\nوقال أنس بن مالك: كان فتى من الأنصار يصلي الصلاة «٣» مع رسول الله ﷺ ثم لا يدع شيئا من الفواحش إلّا ركبه، فوصف لرسول الله (﵇) حاله، فقال: «إنّ صلاته تنهاه يوما ما» «٤»، فلم يلبث أن تاب وحسن حاله، فقال رسول الله ﷺ: «ألم أقل لكم إنّ صلاته تنهاه يوما ما» [١٥٠] .\nوقال ابن عون: معناه أنّ الصلاة تنهى صاحبها عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ مادام فيها، وقال أهل المعاني: ينبغي أن تنهاه صلاته كقوله: وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِنًا «٥» .\nوَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ اختلفوا في تأويله، فقال قوم: معناه وَلَذِكْرُ اللَّهِ إياكم أفضل من ذكركم إياه، وهو قول عبد الله وسلمان ومجاهد وعطية وعكرمة وسعيد بن جبير، ورواية عبد الله بن ربيعة عن ابن عباس، وقد روى ذلك مرفوعا:\nأخبرناه الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، قال: حدثني أحمد بن علي بن الحسين، قال: حدثنا إبراهيم بن أبي داود البزكي، قال:\nحدثنا الحسين اللهبني، قال: حدثنا صالح بن عبد الله بن أبي فروة، عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمّه موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر إنّ رسول الله ﷺ قال في قول الله سبحانه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال: «ذكر الله إياكم أكبر من ذكركم إياه» «٦» [١٥١] .\nقالت الحكماء: لأنّ ذكر الله سبحانه للعبد على حدّ الاستغناء، وذكر العبد إياه على حدّ الافتقار، ولأنّ ذكره دائم، وذكر العبد مؤقت، ولأنّ ذكر العبد بحد رفع أو دفع ضر، وذكر الله سبحانه إياه للفضل والكرم. وقال ذو النون: لأنّك ذكرته بعد أن ذكرك، وقال ابن عطاء: لأنّ ذكره لك بلا علة، وذكرك مشوب بالعلل. أبو بكر الوراق: لأنّ ذكره تعالى للعبد أطلق لسانه بذكره له، ولأنّ ذكر العبد مخلوق وذكره غير مخلوق. وقال أبو الدرداء وابن زيد وقتادة: معناه وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ مما سواه وهو أفضل من كل شيء.\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٥/ ١٤٦.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٩.\n(٣) في نسخة أصفهان: الصلوات.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٤٨.\n(٥) سورة آل عمران: ٩٧.\n(٦) جامع البيان للطبري: ٢٠/ ١٩٠.","vol":"7","page":281},{"text":"أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن محمد «١» الثقفي الحافظ قال: حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي قال: حدثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدثنا عيسى بن يونس قال: حدثنا عبد الوارث بن سعيد، عن جويبر عن الضحاك، عن عبد الله بن مسعود قال:\nقال رسول الله ﷺ في قوله: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ قال: «ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل، والذكر أن نذكره عند ما حرم، فندع ما حرم ونذكره عند ما أحل فنأخذ ما أحل» [١٥٢] .\nوأخبرني الحسين بن محمد «٢» قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا جعفر بن محمد الفرباني قال: حدثنا إسحاق بن راهويه قال: أخبرنا إسحاق بن سليمان الرازي قال: سمعت موسى بن عبيدة الزيدي يحدث أبي عبد الله القراظ، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ نسير بالدف من حمدان إذ استنبه، فقال «٣»: «يا معاذ إن السابقين الذين يستهترون بذكر الله، من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله سبحانه» [١٥٣] «٤» .\nقال إسحاق بن سليمان: سمعت حريز بن عثمان يحدث «٥»، عن أبي بحرية، عن معاذ بن جبل، قال: ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله سبحانه، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا ولو ضرب بسيفه «٦»، قال الله سبحانه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ. وأخبرني الحسين بن محمد، قال: حدثنا ابن شنبه، قال: حدثنا جعفر بن محمد الفرباني، قال: حدثنا يحيى بن عمار المصيصي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، قال: سمعت أبا الدرداء يقول: ألا أخبركم بخير أعمالكم لكم وأحبها إلى مليككم وأتمها في درجاتكم، وخير من أن تغزوا عدوكم فتضرب رقابكم وتضربون رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم، قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكر الله، قال الله سبحانه: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ.\nوقيل لسلمان: أي العمل أفضل؟ قال: أما تقرأ القرآن وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ لا شيء أفضل من ذكر الله سبحانه.\nوأنبأني عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا حميد بن داود،\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: الحسين بن محمد الثقفي.\n(٢) في نسخة أصفهان: عن عبد الله بن محمد.\n(٣) في نسخة أصفهان: فقال: يا معاذ أين السابقون؟ فقلت: قد مضوا وتخلف ناس، فقال: يا معاذ إن السابقين ... إلخ.\n(٤) المصنّف لابن أبي شيبة: ٧/ ٧٢، والدر المنثور: ٥/ ٢٠٥.\n(٥) في سير أعلام النبلاء (١/ ٤٥٥) عن المشيخة عن أبي بحرية. [.....]\n(٦) في المعجم الأوسط (٣/ ٥) عن جابر رفعه إلى النبي ﷺ وفي ذيله: إلا أن تضرب بسيفك.","vol":"7","page":282},{"text":"قال: حدثني يزيد بن خالد قال: حدثنا عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير ابن هبير «١»، عن مالك بن عامر، عن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله «: أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟\nقال ﷺ: «أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله» [١٥٤] «٢» .\nوأنبأني عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم، قال: حدثنا سلمة بن محمد ابن أحمد بن مجاشع الباهلي، قال: حدثنا خالد بن يزيد العمري، قال: حدثنا سفيان الثوري، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلّا ذكر الله ﷿ وما والاه أو عالم أو متعلم» [١٥٥] «٣» .\nقالت الحكماء: وإنّما «٤» كان الذكر أفضل الأشياء لأنّ ثواب الذكر الذكر، قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ «٥» ويؤيد هذا ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدثنا عبد الله بن هشام، قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقترب إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» [١٥٦] «٦» .\nوأخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا علي، قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن الأعز أبي مسلم، قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد إنّهما شهدا على رسول الله ﷺ إنّه قال: «ما جلس قوم يذكرون الله سبحانه إلّا حفّت بهم الملائكة وغشيتهم الرحمة وذكرهم «٧» فيمن عنده» [١٥٧] «٨» .\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا الفرباني، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شنبه، قال: حدثنا عبد الله، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي مالك وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: نقير.\n(٢) كنز العمّال: ١/ ٤١٤، ح ١٧٥٢.\n(٣) فتح القدير: ١/ ٨، وكنز العمّال: ٣/ ١٨٥، ح ٦٠٨٥.\n(٤) في نسخة أصفهان: فإنّما.\n(٥) سورة البقرة: ١٥٢.\n(٦) مسند أحمد: ٢/ ٤١٣.\n(٧) في نسخة أصفهان: وذكر الله.\n(٨) مسند أحمد: ٣/ ٤٩.","vol":"7","page":283},{"text":"قال: ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة. ابن عون: معناه: الصلاة التي أنت فيها وذكرك الله فيها أكبر مما نهتك عنه الصلاة من الفحشاء والمنكر، وقال ابن عطاء: وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ من أن تبقى معه بالمعصية.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-590>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٤٦ الى ٥٥]</span>\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩) وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)\nأَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤) يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)\nوَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ الجدال: فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه، وأصله شدة الفتل ومنه قيل للصقر: أجدل لشدة فتل بدنه وقوة خلقه، وقيل: الجدال من الجدالة وهو أن يروم كل واحد من الخصمين قهر صاحبه وصرعه على الجدالة وهي الأرض.\nإِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ألطف وأرفق، وهو الجميل من القول والدعاء إلى الله والبينة على آيات الله وحججه.\nإِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال مجاهد: يعني إن قالوا شرا فقولوا خيرا إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أي أبوا أن يعطوا الجزية ونصبوا الحرب، فأولئك انتصروا منهم وجادلوهم بالسيف حتى يسلموا أو يقرّوا بالجزية. قال سعيد بن جبير: هم أهل الحرب من لا عهد لهم فجادلوهم بالسيف. ابن زيد: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ بالإقامة على كفرهم بعد قيام الحجة عليهم.\nومجاز الآية: إلّا الذين ظلموكم لأنّ جميعهم ظالم. وقال قتادة ومقاتل: هذه الآية منسوخة بقوله: قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ «١» ... الآية.\n_________\n(١) سورة التوبة: ٢٩.","vol":"7","page":284},{"text":"وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، قال:\nأخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، قال: أخبرني ابن أبي نملة الأنصاري: إنّ أبا نملة أخبره واسمه [عمّار] «١»\nإنّه بينما هو عند رسول الله ﷺ جالس جاءه رجل من اليهود ومر بجنازة.\nفقال: يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله ﷺ: «الله أعلم»، فقال اليهودي: إنّها تتكلم.\nفقال رسول الله ﷺ: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلا لم تصدقوهم وإن كان حقا لم تكذبوهم» [١٥٨] «٢» .\nوروى أبو سلمة عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية، فيفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ... الآية» [١٥٩] «٣» .\nوروى سفيان ومسعود، عن سعد بن إبراهيم، عن عطاء بن يسار قال: بينما رجل من أهل الكتاب يحدث أصحابه وهم يسبّحون كلما ذكر شيئا من أمرهم، قال: فأتوا رسول الله (﵇) فأخبروه، فقال: «لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولكن قُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ «٤» [١٦٠] .\nوَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ. وَكَذلِكَ أي وكما أنزلنا الكتاب عليهم.\nأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ يعني مؤمني أهل الكتاب- عبد الله بن سلام وأصحابه.\nوَمِنْ «٥» هؤُلاءِ الذين هم بين ظهرانيك اليوم من يؤمن به وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ قال قتادة: إنّما يكون الجحود بعد المعرفة.\nوَما كُنْتَ تَتْلُوا يا محمد مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل هذا الكتاب الذي أنزلنا عليك مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ تكتبه بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ يعني: لو كنت تكتب أو تقرأ الكتب\n_________\n(١) في اسد الغابة (٥/ ٣١٣ عمار بن معان بن زرارة وقيل: عمر.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ١٣٦.\n(٣) السنن الكبرى: ٦/ ٤٢٦.\n(٤) الدرّ المنثور: ٥/ ١٤٧، جامع البيان للطبري: ٢١/ ٦. [.....]\n(٥) في نسخة أصفهان: ومن هؤلاء يعني أهل مكة من يؤمن به وهم مؤمنوا أهل مكة، وقال محمد بن جرير في (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) ممن كان قبلك يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ ... إلخ.","vol":"7","page":285},{"text":"قبل الوحي إذا لشك المبطلون- أي المشركون- من أهل مكة وقالوا: هذا شيء تعلّمه محمد وكتبه، قاله قتادة.\nوقال مقاتل: الْمُبْطِلُونَ هم اليهود، ومعنى الآية: إذا لشكّوا فيك واتهموك يا محمد، وقالوا: إنّ الذي نجد نعته في التوراة هو أمي لا يقرأ ولا يكتب.\nبَلْ هُوَ يعني القرآن آياتٌ بَيِّناتٌ عن الحسن، وقال ابن عباس وقتادة: بل هو يعني محمد ﷺ والعلم بأنّه «١» أمي آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ «٢» أهل العلم من أهل الكتاب يجدونها «٣» في كتبهم. ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود وابن السميقع بل هي آيات.\nوَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ. وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ كما أنزل على الأنبياء قبلك، قرأ ابن كثير والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأيوب وعاصم برواية أبي بكر آية على الواحد، الباقون آياتٌ بالجمع واختاره أبو عبيد لقوله: قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ حتى إذا شاء أرسلها، وليست عندي ولا بيدي.\nوَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ. أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هذا جواب لقولهم لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ،\nوروى حجاج، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن يحيى بن جعدة أنّ أناسا من المسلمين أتوا نبي الله (﵇) بكتب قد كتبوها فيها بعض ما يقول اليهود فلما أن نظر فيها ألقاها ثم قال: «كفى بها حماقة قوم- أو ضلالة قوم- أن يرغبوا عما جاءهم به نبيهم إلى ما جاء به غير نبيهم إلى قوم غيرهم»\n«٤» [١٦١]، فنزلت أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ ... الآية.\nقُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا أني رسوله، وأن هذا القرآن كتابه. يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ نزلت في النضر بن الحارث «٥» حين قال: فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ وقال: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا ...\nوَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى في نزول العذاب، وقال ابن عباس: يعني ما وعدتك أن لا أعذب قومك ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى يوم القيامة، بيانه قوله: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ «٦» ...\nالآية، وقال الضحاك: يعني مدة أعمارهم في الدنيا. وقيل: يوم بدر.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: لأنه.\n(٢) في نسخة أصفهان: الذين أوتوا العلم.\n(٣) في نسخة ثانية: تجدونها في كتابهم.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢١/ ١٠.\n(٥) في نسخة أصفهان: الحرث.\n(٦) سورة القمر: ٤٦.","vol":"7","page":286},{"text":"لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ يعني العذاب وقيل: الأجل بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ لا يبقى منهم أحد إلّا دخلها، وقيل: هو متصل بقوله: يَوْمَ يَغْشاهُمُ يصيبهم الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ يعني: إذا غشيهم العذاب أحاطت بهم جهنّم.\nوَيَقُولُ بالياء كوفي ونافع وأيوب، غيرهم بالنون ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>[سورة العنكبوت (٢٩): الآيات ٥٦ الى ٦٩]</span>\nيا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩) وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)\nلِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)\nيا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا\nبإرسال الياء عراقي غير عاصم، سائرهم بفتحها إِنَّ أَرْضِي\nمفتوحة الياء ابن عامر، غيره ساكنة واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ\nتوحدون من غير طاعة مخلوق في معصيتي، قال سعيد بن جبير: إذا عمل في أرض بالمعاصي، فاهربوا «١» فإنّ أرضي واسعة «٢» .\nمجاهد: إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ\nفهاجروا وجاهدوا، وقال مقاتل والكلبي: نزلت في المستضعفين المؤمنين الذين كانوا بمكة لا يقدرون على إظهار الإيمان وعبادة الرحمن، يحثهم على الهجرة ويقول لهم: إنّ أرض المدينة واسعة آمنة. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير:\nأَرْضِي واسِعَةٌ\nأي رزقي لكم واسع، أخرج من الأرض ما يكون بها.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: فاخرجوا.\n(٢) في نسخة أصفهان: عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا منها فإنّ أرضي واسعة، وراجع تفسير الطبري: ٢١/ ١٢.","vol":"7","page":287},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد «١»، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدثنا جيغويه ابن محمد الترمذي، قال: حدثنا صالح بن محمد، عن سليمان، عن عباد بن منصور الناجي، عن الحسين قال: قال رسول الله ﷺ: «من فرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد (﵉)» «٢» [١٦٢] .\nكُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ فلا تقيموا بدار المشركين.\nوَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا علالي، قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء، غيرهم بالياء أي لينزلنّهم تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. وَكَأَيِّنْ وكم مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا وذلك\nإنّ رسول الله (﵇) قال للمؤمنين الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: «أخرجوا إلى المدينة وهاجروا ولا تجاوروا الظلمة فيها» [١٦٣] «٣» .\nفقالوا: يا رسول الله كيف نخرج إلى المدينة ليس لنا بها دار ولا عقار ولا مال، فمن يطعمنا بها ويسقينا؟ فأنزل الله سبحانه: وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ ذات حاجة إلى غذاء لا تحمل رزقا فيرفعه لغذائها يعني الطير والبهائم.\nاللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ يوما بيوم وَهُوَ السَّمِيعُ لأقوالكم: نخشى لفراق «٤» أوطننا العيلة.\nالْعَلِيمُ بما في قلوبكم وما إليه صائرة أموركم.\nأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الثقفي، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الرقاق، وقال: حدثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا إسماعيل بن زرارة الرقي، قال: حدثنا أبو العطوف الجراح بن المنهال الجوزي «٥»، عن الزهري، عن عطاء بن أبي رياح، عن ابن عمر قال: دخلت مع رسول الله ﷺ حائطا من حياطان «٦» الأنصار، فجعل رسول الله (﵇) يلقط الرطب بيده ويأكل فقال: «كل يا ابن عمر»، قلت: لا أشتهيها يا رسول الله، قال: «لكنّي أشتهيه وهذه صبحة رابعة لم أزق طعاما ولم أجده» .\nفقلت «٧»: إنّا لله، الله المستعان، قال: «يا بن عمر لو سألت ربّي لأعطاني مثل ملك\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: عبد الله بن حامد الوزان.\n(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ٣٤٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٦٠.\n(٤) في نسخة أصفهان: بفراق.\n(٥) في نسخة أصفهان: الجزري. [.....]\n(٦) في المخطوط: حوائط.\n(٧) في نسخة أصفهان: فقلت: يا رسول الله.","vol":"7","page":288},{"text":"كسرى وقيصر أضعافا مضاعفة، ولكني أجوع يوما وأشبع يوما فكيف بك يا ابن عمر إذا عمرت وبقيت في حثالة من الناس يخبّؤون رزق سنة ويضعف اليقين» «١» [١٦٤]، فنزلت على رسول الله (﵇): وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ... الآية.\nأخبرني ابن فنجويه، حدثنا ابن حنيش، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا يحيى من معين، حدثنا يحيى بن اليمان، عن سفيان، عن علي بن الأرقم «٢» وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا قال: لا تدخر شيئا لغد.\nقال سفيان: ليس شيء مما خلق الله يخبّئ إلّا الإنسان والفأرة والنملة.\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ. اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ يعني الدائمة الباقية التي لا زوال لها ولا موت فيها. لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ولكنهم لا يعلمون ذلك.\nفَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ وخافوا الغرق والهلاك دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ ليجحدوا نعمه في إنجائه إياهم وسائر الآية وَلِيَتَمَتَّعُوا جزم لامه الأعمش وحمزة والكسائي وخلف وأيوب، واختلف فيه عن عاصم ونافع وابن كثير، الباقون بكسر اللام واختاره أبو عبيد لِيَكْفُرُوا لكون الكلام نسقا. ومن جزم احتج بقراءة أبي بن كعب يمتعوا. فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.\nأخبرني أبو محمد عبد الله بن حامد- فيما أذن لي روايته عنه- قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي سعيد، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أسكت، قال: حدثنا عقال، قال: حدثنا جعفر بن سلمان قال: حدثنا ملك بن دينار، قال: سمعت أبو العالية قرأ ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف يعلمون بالياء، فالكسر على كي والجزم على التهديد.\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ بالأصنام يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يعني الإيمان يَكْفُرُونَ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فزعموا أنّ لله شريكا، وقالوا إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً، قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها «٣» .\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٥/ ١٤٩، تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٥٩، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٤٣٠، وبتفاوت في مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٢١.\n(٢) في نسخة أصفهان: الأقمر.\n(٣) سورة الأعراف: ٢٨.","vol":"7","page":289},{"text":"أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ بمحمد والقرآن لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً منزل لِلْكافِرِينَ. وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا أي والذين قاتلوا لأجلنا أعداءنا لنصرة ديننا لنثبتهم على ما قاتلوا عنه.\nقال أبو سورة: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في الغزو لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبيل الشهادة أو المغفرة.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن وهب، قال:\nحدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: إذا اختلف الناس فانظروا ما عليه أهل الثغر فإنّ الله ﷾ يقول: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا.\nوقال الفضيل بن عياض: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في طلب العلم لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل العمل به.\nوأخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد، قال: حدثني أبو الطيب محمد بن أحمد ابن حمدون، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسين، قال: حدثنا محمد بن إدريس، قال: حدثنا أحمد بن أبي الجواري، قال: قال أبو أحمد- يعني عباس الهمداني- وأبو سليمان الداراني في قوله سبحانه: وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا قال: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم ربّهم إلى ما لا يعلمون.\nوعن عمر بن عبد العزيز إنّه تكلم بكلمات وعنده نفر من العلماء، فقال له الوضين بن عطاء: بم أوتيت هذا العلم يا أبا مروان؟ قال: ويحك يا وضين إنّما قصر بنا من علم ما جهلنا بتقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو أنّا عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علما لا تقوم به أبداننا.\nوعن عبد الله بن الزبير قال: تقول الحكمة: من طلبني فلم يجدني فليطلبني في موضعين:\nأن يعمل بأحسن ما يعلمه، أو يدع أسوأ ما يعلمه.\nوروي عن ابن عباس: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في طاعتنا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل ثوابنا. ضحاك: وَالَّذِينَ جاهَدُوا بالهجرة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل الثبات على الإيمان، وقيل: وَالَّذِينَ جاهَدُوا بالثبات على الإيمان لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل دخول الجنان، سهل بن عبد الله: وَالَّذِينَ جاهَدُوا في إقامة السنّة لَنَهْدِيَنَّهُمْ سبل الجنة ثم قال: مثل السنّة في الدنيا كمثل الجنة في العقبى، من دخل الجنة في العقبى سلم، فكذلك من لزم السنّة في الدنيا سلم، وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير مجازه: والذين هديناهم سبيلنا جاهدوا فينا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ\nبالنصر والمعونة في دنياهم، وبالثواب والمغفرة في عقباهم.","vol":"7","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>سورة الروم</span>\nمكّية، وهي ثلاثة آلاف وخمسمائة وأربعة وثلاثون حرفا، وثمانمائة وتسع عشرة كلمة، وستّون آية\nأخبرنا المغازي غير مرّة، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الجرجاني، وأبو الشيخ عبد الله بن أحمد الأصبهاني قالا: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك الكوفي، قال: حدّثنا أحمد بن يونس اليربوعي، قال: حدّثنا سلام بن سليمان المدائني، قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «من قرأ سورة الرّوم كان له من الأجر، عشر حسنات بعدد كلّ ملك سبّح لله بين السماء والأرض وأدرك ما ضيّع في يومه وليلته» [١٦٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)\nبِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)\nقوله ﷿: الم غُلِبَتِ الرُّومُ الآية.\nقال المفسّرون: كانت في فارس امرأة لا تلد إلّا الملوك والأبطال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ!، فدعاها كسرى فقال: إنّي أريد أن أبعث إلى الروم جيشا وأستعمل عليهم رجلا من بنيك فأشيري عليّ أيّهم أستعمل؟ فقالت: هذا فلان، أروغ من ثعلب، وأحذر من صقر «٢»، وهذا فرخان أنفذ من سنان «٣»، وهذا شهريراز «٤» هو أحلم من كذا، فاستعمل أيّهم شئت. قال: فإنّي\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٤٢.\n(٢) كتاب الأمثال: ١٠٧.\n(٣) في تفسير القرطبي (١٤/ ٣): فرخان أحد من سنان وأنفذ من نبل.\n(٤) في التفاسير: شهربنان، وفي تاريخ الطبري: شهر براز.","vol":"7","page":291},{"text":"استعملت الحليم، فاستعمل شهريراز، فسار إلى الروم بأهل فارس وظهر عليهم فقتلهم وخرّب مدائنهم وقطع زيتونهم، وكان قيصر بعث رجلا يدعى يحنس «١» وبعث كسرى شهريراذ فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم فغلبت فارس الروم، فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وأصحابه بمكّة فشقّ عليهم، وكان النبيّ صلّى الله عليه يكره أن يظهر الأمّيّون من المجوس على أهل الكتاب من الروم.\nوفرح كفّار مكّة وشمتوا ولقوا أصحاب النبيّ ﷺ فقالوا: إنّكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أمّيون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الروم. فإنّكم إن قاتلتمونا لنظهرنّ عليكم.\nفأنزل الله ﷿: الم غُلِبَتِ الرُّومُ ... إلى آخر الآيات «٢» .\nفخرج الصّدّيق ﵁ إلى الكفّار فقال: فرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرّن الله أعينكم، فوالله ليظهرنّ الروم على فارس، أخبرنا بذلك نبيّنا، فقام إليه أبيّ بن خلف الجمحي فقال: كذبت يا أبا فضيل، فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا عدوّ الله، فقال: اجعل بيننا أجلا أناحبك عليه، والمناحبة: المراهنة على عشر قلائص منّي وعشر قلائص منك، فإن ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت، ففعل ذلك وجعلوا الأجل ثلاث سنين.\nفجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ وأخبره وذلك قبل تحريم القمار، فقال رسول الله ﷺ: ما هكذا ذكرت، إنّما البضع ما بين ثلاث إلى التسع فزايده في الخطر ومادّه في الأجل، فخرج أبو بكر فلقي أبيّا فقال: لعلّك ندمت قال: لا، قال: فتعال أزايدك في الخطر وأمادّك في الأجل فاجعلها مائة قلوص ومائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد فعلت فلمّا خشي أبيّ بن خلف أن يخرج أبو بكر من مكة أتاه فلزمه فقال: إنّي أخاف أن تخرج من مكّة فأقم لي كفيلا، فكفل له ابنه عبد الله بن أبي بكر.\nفلمّا أراد أبي بن خلف أن يخرج إلى أحد أتاه عبد الله بن أبي بكر فلزمه قال: والله لا أدعك حتّى تعطيني كفيلا فأعطاه كفيلا ثمّ خرج إلى أحد، ثمّ رجع أبيّ بن خلف فمات بمكّة من جراحته التي جرحه رسول الله صلّى الله عليه حين بارزه.\nوظهرت الروم على فارس يوم الحديبيّة وذلك عند رأس سبع سنين من مناحبتهم.\nهذا قول أكثر المفسّرين.\n_________\n(١) في تفسير الطبري (٢١/ ٢٣): يدعى: قطمة بجيش من الروم.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٤/ ٤.","vol":"7","page":292},{"text":"وقال أبو سعيد الخدري ومقاتل: لمّا كان يوم بدر غلب المسلمون كفّار مكّة وأتاهم الخبر أنّ الروم قد غلبوا فارس ففرح المؤمنون بذلك.\nقال الشعبي: لم تمض تلك المدّة التي عقدوا المناحبة بينهم، أهل مكّة وصاحب قمارهم أبيّ بن خلف، والمسلمون وصاحب قمارهم أبو بكر، وذلك قبل تحريم القمار حتّى غلبت الروم فارس وربطوا خيولهم بالمدائن وبنوا الرومية فقمر أبو بكر أبيّا، وأخذ مال الخطر من ورثته وجاء به يحمله إلى النبيّ ﷺ فقال له النبيّ ﷺ:\n«تصدّق به» [١٦٦] «١» .\nوكان سبب غلبة الروم فارس على ما\nقال عكرمة وغيره أنّ شهريراز بعد ما غلب الروم لم يزل يطأهم ويخرّب مدائنهم حتّى بلغ الخليج، فبينا أخوه فرخان جالس ذات يوم يشرب فقال لأصحابه: لقد رأيت كأنّي جالس على سرير كسرى، فبلغت كلمته كسرى فكتب إلى شهريراز:\nإذا أتاك كتابي فابعث إليّ برأس فرخان.\nفكتب إليه: أيّها الملك إنّك لم تجد مثل فرخان، إنّ له نكاية وصوتا في العدوّ فلا تفعل، فكتب إليه: إنّ في رجال فارس خلفا منه فعجّل إليّ برأسه، فراجعه فغضب كسرى ولم يجبه، وبعث بريدا إلى أهل فارس إنّي قد نزعت عنكم شهريراز واستعملت عليكم فرخان. ثمّ دفع إلى البريد صحيفة صغيرة وأمره فيها بقتل شهريراز وقال: إذا ولي فرخان الملك وانقاد له أخوه فأعطه، فلمّا قرأ شهريراز الكتاب قال: سمعا وطاعة ونزل عن سريره وجلس فرخان فدفع إليه الصحيفة فقال: ائتوني بشهريراز فقدّمه ليضرب عنقه.\nقال: لا تعجل حتّى أكتب وصيّتي، قال: نعم، قال: فدعا بالسفط فأعطاه ثلاث صحائف، وقال: كلّ هذا راجعت فيه كسرى وأنت أردت أن تقتلني بكتاب واحد، فردّ الملك إلى أخيه. فكتب شهريراز إلى قيصر ملك الروم: إنّ لي إليك حاجة لا يحملها البريد ولا تبلغها الصحف فألقني ولا تلقني إلّا في خمسين روميّا فإنّي ألقاك في خمسين فارسيّا.\nفأقبل قيصر في خمسمائة ألف رومي وجعل يضع العيون بين يديه في الطريق وخاف أن يكون قد مكر به حتّى أتاه عيونه أنّه ليس معه إلّا خمسون رجلا ثمّ بسط لهما والتقيا في قبّة ديباج ضربت لهما ومع كلّ واحد منهما سكين، فدعيا بترجمان بينهما فقال شهريراز: إنّ الذين خرّبوا مدائنك أنا وأخي بكيدنا ومكرنا وشجاعتنا، وإنّ كسرى حسدنا وأراد أن أقتل أخي فأبيت.\nثمّ أمر أخي أن يقتلني. فقد خلعناه جميعا فنحن نقاتله معك، قال: قد أصبتما ثمّ أشار أحدهما إلى صاحبه أنّ السرّ بين اثنين فإذا جاوز اثنين فشا، فقتلا الترجمان جميعا بسكّينيهما [فأديلت] الروم على فارس عند ذلك فأتبعوهم يقتلونهم ومات كسرى.\nوجاء الخبر إلى رسول الله صلّى الله عليه يوم الحديبية ففرح ومن معه، فذلك قوله عزّ\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ٤٧٩- ٤٨٠.","vol":"7","page":293},{"text":"وجلّ: الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ يعني أدنى الأرض من أرض الشام إلى أرض فارس وهي أذرعات «١» .\nقال ابن عبّاس: طرف الشام. مجاهد: أرض الجزيرة. مقاتل: الأردن وفلسطين، عكرمة: أذرعات وكسكر. مقاتل بن حبان: هي ريف الشام.\nوَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ أي غلبتهم فحذفت التاء منه كما حذفت من قوله: وَأَقامَ الصَّلاةَ «٢» وانّما هو إقامته.\nوقرأ أبو حيوة الشامي (غَلْبِهِمْ) بسكون اللام وهما لغتان مثل الطّعن والطعن.\nسَيَغْلِبُونَ فارس فِي بِضْعِ سِنِينَ وقرأ عبد الله بن عمرو وأبو سعيد الخدري والحسن وعيسى بن عمر غَلَبَتِ بفتح الغين واللام سَيَغْلِبُونَ بضم الواو وفتح اللام.\nقالوا: نزلت هذه الآية حين أخبر الله ﷿ نبيّه ﷺ عن غلبة الروم فارس، ومعنى الآية: الم غلبت الروم فارس فِي أَدْنَى الْأَرْضِ إليكم. وقرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مصرف في أداني الأرض بالجمع وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سيغلبهم المسلمون. فِي بِضْعِ سِنِينَ وعند انقضاء هذه المدّة أخذ المسلمون في جهاد الروم.\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدويه، عن الحسين بن الحسن بن أيّوب، عن علي بن عبد العزيز قال: أخبرني أبو عبيد عن حمّاد بن خالد الخيّاط عن معاوية بن صالح عن مرتد بن سمي قال: سمعت أبا الدرداء يقول: سيجيء قوم يقرءون: الم غَلَبَتِ الرُّومُ وإنّما هي غُلِبَتِ الرُّومُ. قال أبو عبيد بضم الغين يعني الأخيرة.\nقوله: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ يعني من قبل دولة الروم على فارس ومن بعد وهما مرفوعان على الغاية. وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ الروم لأنّهم أهل كتاب، وبنصر الله المؤمنين على الكافرين يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.\nأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه عن عبد الله بن محمد بن شنبه، عن علي بن محمد ابن هامان، عن علي بن محمد الطّنافسي عن النعمان بن محمد عن أبي إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: قال رسول الله ﷺ: «فارس نطحة أو نطحتان» ثمّ قال: «لا فارس بعدها أبدا، والروم ذات القرون أصحاب بحر وصخر، كلّما ذهب قرن خلف قرن، هيهات إلى آخر الأبد» [١٦٧] «٣» .\n_________\n(١) أذرعات: بين بلاد العرب والشام، وقيل: هي بالأردن وفلسطين.\n(٢) سورة البقرة: ١٧٧. [.....]\n(٣) المصنف لابن أبي شيبة: ٤/ ٥٦٧.","vol":"7","page":294},{"text":"وَعْدَ اللَّهِ نصب على المصدر لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا يعني أمر معايشهم كيف يكتسبون ويتّجرون ومتى يغرسون ويحصدون وكيف يبنون ويعيشون.\nوَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ وبها جاهلون ولها مضيّعون، لا يتفكّرون فيها ولا يعملون لها. فعمّروا دنياهم وخرّبوا آخرتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٨ الى ١٨]</span>\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠) اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)\nوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)\nوَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)\nأَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى يعني ولوقت معلوم إذا انتهت إليه فنيت، وهو يوم القيامة.\nوَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ حرثوها وقلّبوها للزراعة والعمارة.\nوَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فلم يؤمنوا وأهلكهم الله ﷿.\nفَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا العمل السُّواى يعني الخلّة التي تسوؤهم وهي النار. وقيل: (السُّواى) اسم لجهنّم كما أنّ (الْحُسْنى) اسم للجنة.\nأَنْ كَذَّبُوا يعني لأن كذّبوا. وقيل: تفسير (السُّواى) ما بعدها وهو قوله: أَنْ كَذَّبُوا يعني: ثمّ كان عاقبة المسيئين التكذيب حملهم تلك السيئات على أن كذّبوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ استهزءوا بها.\nاللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ.\nروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (يُبْلِسُ) يكتئب. أبو يحيى عنه: يفتضح. قتادة","vol":"7","page":295},{"text":"ومقاتل والكلبيّ: بياءين، ابن زيد: المبلس الذي قد نزل به البلاء والشّرّ. الفرّاء: ينقطع كلامهم وحججهم. أبو عبيدة: يندمون، وأنشد:\nيا صاح هل تعرف رسما مكرسا ... قال نعم أعرفه وأبلسا «١»\nوقرأ السلمي يُبْلَسُ بفتح اللّام، والأوّل أجود. وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ أوثانهم التي عبدوها من دون الله ليشفعوا لهم شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ جاحدين وعنهم متبرّين.\nوَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ بستان يُحْبَرُونَ قال ابن عبّاس: يكرمون. مجاهد وقتادة: ينعمون. أبو عبيدة: يسرّون، ومنه قيل: كلّ حبرة تتبعها عبرة. وقال العجاج:\nفالحمد لله الذي أعطى الحبر ... موالي الحقّ إن المولى شكر\nأي السرور. وقال بعضهم: الحبرة في اللغة كلّ نعمة حسنة. والتّحبير: التحسين. ومنه قيل للمداد: حبر لأنّه يحسّن به الأوراق. والعالم: حبر لأنّه متخلّق بأخلاق حسنة، وقال الشاعر: يحبرها الكاتب الحميري. وقيل: يحبرون يلذّذون بالسّماع.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، عن حامد بن محمد بن عبد الله عن محمد بن يونس، عن روح عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ قال: السماع في الجنّة.\nأخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله عن ابن شنبه، عن عمير بن مرداس عن سلمة بن شبيب عن عبد القدّوس بن الحجّاج قال: سمعت الأوزاعي يقول: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ قال:\nالسّماع. وقال: إذا أخذ في السّماع لم يبق في الجنّة شجرة إلّا ورّدت. وبه عن سلمة بن شبيب عن داود بن الجرّاح، العسقلاني قال: سمعت الأوزاعي يقول: ليس أحد ممّن خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل فإذا أخذ في السّماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم.\nوأخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، عن أحمد بن الحسن بن ماجة القزويني، عن الحسن ابن أيّوب، عن عبد الله بن عراد الشيباني قالا: أخبرنا القاسم بن مطيب العجلي، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الجنّة مائة درجة، ما بين كلّ درجتين منها كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها سموّا وأوسطها محلّه، ومنها تنفجر أنهار الجنّة، وعليها يوضع العرش يوم القيامة» [١٦٨] «٢» .\nفقام إليه رجل فقال: يا رسول الله إنّي رجل حبّب إليّ الصّوت، فهل في الجنّة صوت حسن؟ قال: إي والذي نفسي بيده، إنّ الله سبحانه ليوحي إلى شجرة في الجنّة أن أسمعي\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ٣/ ٩٠٩.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٢١، وسنن الترمذي: ٤/ ٨٢.","vol":"7","page":296},{"text":"عبادي الذين اشتغلوا بعبادتي وذكري عن عزف البرابط والمزامير، فترفع صوتا لم يسمع الخلائق مثله قط من تسبيح الرّبّ وتقديسه.\nوأخبرني الحسين بن محمد عن هارون، عن محمّد بن هارون العطّار، عن حازم بن يحيى الحلواني، عن الوليد بن عبد الملك، عن مسروح الحرّاني، عن سليمان بن عطاء، عن سلمة بن عبد الله الجهني، عن عمّه، عن أبي الدرداء قال: كان رسول الله ﷺ يذكّر الناس فذكر الجنّة وما فيها من الأزواج والنعيم وفي [آخر] القوم أعرابي فجثا لركبتيه وقال: يا رسول الله هل في الجنّة من سماع؟ قال: «نعم يا أعرابي إنّ في الجنّة لنهرا حافتاه الأبكار من كلّ بيضاء خوصانية، يتغنّين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها، فذلك أفضل نعيم أهل الجنّة» [١٦٩] «١» .\nقال: فسألت أبا الدرداء بم يتغنّين؟ قال: بالتسبيح إن شاء الله. قال: والخوصانية:\nالمرهفة الأعلى الضخمة الأسفل.\nوأخبرني الحسين بن محمد عن أحمد بن محمد بن علي الهمداني عن علي بن سعيد العسكري قال: أخبرني أبو بدر عبّاد بن الوليد الغبري، عن محمّد ابن موسى الخراساني عن عبد الله بن عرادة الشيباني، عن القاسم بن مطيب عن مغيرة عن إبراهيم قال: «إنّ في الجنّة لأشجارا عليها أجراس من فضّة فإذا أراد أهل الجنّة السماع بعث الله ﷿ ريحا من تحت العرش فتقع في تلك الأشجار فتحرّك تلك الأجراس بأصوات لو سمعها أهل الأرض لماتوا طربا» [١٧٠] «٢» .\nوأخبرني الحسين، عن أبي شنبه وعبد الله بن يوسف قالا: قال محمد بن عمران، عن محمد بن منصور، قال: أخبرني يحيى بن أبي الحجّاج، عن عبد الله بن مسلم عن مولى لبني أميّة يقال له: سليمان، قال: سمعت أبا هريرة يسأل: هل لأهل الجنّة من سماع؟\nقال: نعم، شجرة أصلها من ذهب وأغصانها فضّة وثمرها اللؤلؤ والزّبرجد والياقوت يبعث الله ﷾ ريحا فيحكّ بعضها بعضا، فما سمع أحد شيئا أحسن منه.\nقوله: وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ. فَسُبْحانَ اللَّهِ فصلّوا لله حِينَ تُمْسُونَ وهو صلاة العصر والمغرب وَحِينَ تُصْبِحُونَ صلاة الصبح وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وهو صلاة العشاء الآخرة. أيّ وسبّحوه عشيا وَحِينَ تُظْهِرُونَ صلاة الظهر.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان عن «٣» أحمد بن محمد بن الحسين الحافظ، عن محمد بن\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ١٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٤/ ١٣.\n(٣) في نسخة: عن أبي الشرقي عن محمد بن يحيى.","vol":"7","page":297},{"text":"يحيى، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي رزين قال نافع بن الأزرق لابن عبّاس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... إلى قوله: وَحِينَ تُظْهِرُونَ.\nحدّثنا أبو بكر بن عبدوس قال: حدّثني أبو بكر الشرقي قال: حدّثني أبو حاتم الرازي قال: حدّثني أبو صالح كاتب الليث، حدّثني الليث، عن سعيد بن بشير، عن محمد بن عبد الرحمن السلماني، عن أبيه، عن ابن عبّاس، عن النبيّ صلّى الله عليه قال: «من قال حين يصبح فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... إلى قوله: وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلة» [١٧١] «١» .\nوأخبرني محمد بن القاسم بن أحمد قال: كتب إليّ عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي أنّ زيد بن محمد بن خلف القرشي حدّثهم عن أحمد بن عبد الرحمن بن وهب عن عمي، عن الماضي بن محمد عن جويبر، عن الضحّاك عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «من قال:\nسبحان اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ- هذه الآيات الثلاث من سورة الروم وآخر سورة الصافات- دبر كلّ صلاة يصلّيها كتب له من الحسنات عدد نجوم السماء وقطر المطر وعدد ورق الشجر وعدد تراب الأرض، فإذا مات أجري له بكلّ حسنة عشر حسنات في قبره» [١٧٢] «٢» .\nوأخبرني عبد الله بن فنجويه، عن ابن شنبه وأحمد بن جعفر بن حمدان والفضل بن الفضل قالوا: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام الزنجاني، عن الحجّاج بن يوسف بن قتيبة بن مسلم، عن بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: سبحان اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ... إلى قوله: وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ... إلى قوله: وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٣»» [١٧٣] «٤» .\nوأخبرني ابن فنجويه عن عمر بن أحمد بن القاسم عن محمد بن عبد الغفّار عن حبارة بن المغلس عن كثير عن الضحاك قال: من قال: سبحان اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ إلى آخر الآية كان له من الأجر كعدل مائتي رقبة من ولد إسماعيل (﵇) .\nوأخبرني ابن فنجويه عن ابن شنبه «٥» عن علي بن محمد الطيالسي «٦»، عن يحيى بن آدم عن\n_________\n(١) سنن أبي داود: ٢/ ٤٩٣ ح ٥٠٧٦.\n(٢) البحار: ٨٣/ ١٨.\n(٣) سورة الصافات: ١٨٠. ١٨٢.\n(٤) كنز العمال: ٢/ ٦٣٩، بتفاوت.\n(٥) في نسخة: عن علي بن محمد بن ماهان عن علي بن محمد الطنافسي.\n(٦) في نسخة أصفهان: الطنافسي.","vol":"7","page":298},{"text":"إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد العمي، عن محمد بن واسع، عن كعب قال: من قال حين يصبح: سبحان اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ إلى آخر الآية، لم يفته خير كان في يومه ولم يدركه شرّ كان فيه، ومن قالها حين يمسي لم يدركه شرّ كان في ليله «١» ولم يفته خير كان في ليله «٢»، وكان إبراهيم خليل الله صلّى الله عليه يقولها في كلّ يوم وليلة ست مرّات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>[سورة الروم (٣٠): الآيات ١٩ الى ٢٧]</span>\nيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)\nوَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)\nيُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ. وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ يعني آدم (﵇) .\nثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ يعني ذريته.\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا من جنسكم ولم يجعلهنّ من الجنّ، وقيل:\nمن ضلع آدم وقيل: من نطف الرجال.\nوَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ألفة ومحبّة وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ\nأخبرني الحسين بن محمد، عن موسى بن محمد بن علي قال: أخبرني أبو شعيب الحراني، عن يحيى بن عبد الله البابلي، عن صفوان بن عمرو، عن المشيخة أنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: يا نبيّ الله لقد عجبت من أمر وإنّه لعجب، إنّ الرجل ليتزوّج المرأة وما رآها وما رأته قط حتى إذا ابتنى بها اصطحبا وما شيء أحبّ إليهما من الآخر.\nفقال رسول الله ﷺ: وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ فعربي وأعجمي.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: في يومه.\n(٢) المصدر السابق. [.....]","vol":"7","page":299},{"text":"وَأَلْوانِكُمْ أبيض وأسود وأحمر وأنتم ولد رجل واحد وامرأة واحدة.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ بكسر اللّام حفص، والياقوت بفتحها.\nوَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ. وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وحذف أن من قوله (يُرِيكُمُ) لدلالة الكلام عليه، كقول طرفه:\nألا أيهذا الزاجري احضر الوغى ... وإن اشهد اللذات هل أنت مخلدي «١»\nأراد أن أحضر. وقيل: هو على التقديم والتأخير تقديره: ويريكم البرق خوفا، من آياته.\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ أي من قبوركم، عن ابن عبّاس إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ منها، وأكثر العلماء على أنّ معنى الآية ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ\nمن الأرض.\nوَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ. وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فقرأ ابن مسعود: يبدي، ودليله قوله: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ «٢» .\nودليل العامّة كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ «٣» وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ «٤» قال الربيع بن خيثم والحسن: وهو هيّن عليه وما شيء عليه بعزيز، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وهذا كقول الفرزدق:\nإنّ الذي سمك السماء بنا لها ... بيتا دعائمه أعزّ وأطول «٥»\nأي عزيزة طويلة.\nوقال آخر:\nلعمرك إنّ الزبرقان لباذل معروفه ... عند السنين وأفضل\nأي فاضل.\nوقال مجاهد وعكرمة: الإعادة أهون عليه من البدأة أي أيسر. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس: ووجه هذا التأويل أنّ هذا مثل ضربه الله تعالى، يقول: إعادة الشيء على الخلق أهون\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١/ ٥٤٨، لسان العرب: ١٣/ ٢٢.\n(٢) سورة البروج: ١٣.\n(٣) سورة الأعراف: ٢٩.\n(٤) سورة الروم: ٢٧.\n(٥) البداية والنهاية: ١/ ٤٤.","vol":"7","page":300},{"text":"من ابتدائه فينبغي أن يكون البعث أهون عليه عندكم من الإنشاء. وقال قوم: وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ، أي على الخلق، يصاح بهم صيحة فيقومون، ويقال لهم: كونوا فيكونون أهون عليهم من أن يكونوا نطفا ثمّ علقا ثمّ مضغا إلى أن يصيروا رجالا ونساء. وهذا معنى رواية حسان، عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عبّاس واختيار قطرب.\nوَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى أي الصفة العليا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن عبّاس: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وقال قتادة: مثله أنّه لا إله إلّا هو ولا ربّ غيره. وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٢٨ الى ٣٥]</span>\nضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)\nوَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)\nقوله تعالى: ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ من عبيدكم وإمائكم مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ من المال فَأَنْتُمْ وهم فِيهِ شرع سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ قال ابن عبّاس: تخافونهم أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضا، وقيل:\nتخافون هؤلاء الشركاء أن يقاسموكم أموالكم كما يقاسم بعضكم بعضا، وهذا معنى قول أبي محلز، فإذ لم تخافوا هذا من مماليككم ولم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي تعبدونها لي شركاء؟ وأنتم وهم عبيدي وأنا مالككم جميعا، فكما لا يجوز استواء المملوك مع سيّده فكذلك لا يجوز استواء المخلوق مع خالقه.\nثمّ قال: كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ.\nدين الله وهو نصب على المصدر أي فطر فطرة. ومعنى الآية: إنّ الدّين الحنيفية، فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وقيل: نصب على الإغراء. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل، ظاهره نفي ومعناه نهي، هذا قول أكثر العلماء والمفسّرين.\nوقال عكرمة ومجاهد: لا تغيير لخلق الله من البهائم بالخصاء ونحوه.\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن","vol":"7","page":301},{"text":"يحيى، عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كلّ مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه كما تنتج البهيمة بهيمة هل تحسون «١» فيها من جدعاء؟» [١٧٤] «٢» قال: ثمّ يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها الآية.\nوأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرني أبو بكر محمد بن جعفر المطيري، عن أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدّب عن عبد الرزاق، وأخبرنا أبو سعيد التاجر قال: أخبرني أبو حامد الشرقي، وحدّثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر والسلمي، قالوا: قال عبد الرزّاق عن معمر عن همام، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه قال: «ما من مولود إلّا يولد على هذه «٣» الفطرة، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه كما تنتجون البهيمة فهل تجدون فيها من جدعاء حتّى تكونوا أنتم تجدعونها؟ قالوا: يا رسول الله أفرأيت من يموت وهو صغير؟ قال: الله أعلم بما كانوا عاملين» [١٧٥] «٤» .\nوقال الأسود بن سريع: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات وأنّ قوما تناولوا الذرّية بالقتل، فقال رسول الله ﷺ: «ما بال أقوام قتلوا المقاتلة ثمّ تناولوا الذرّية؟»، فقال رجل: يا رسول الله إنّما هم أولاد المشركين، فقال (﵇): «إنّ خياركم أولاد المشركين، والذي نفسي بيده ما من مولود إلّا يولد على الفطرة فما يزال عليها حتّى يبيّن عنه لسانه فأبواه يهوّدانه وينصّرانه» [١٧٦] «٥» .\nوروى قتادة عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن عياض بن حمار المجاشعي قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إنّ الله «٦» أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم ممّا علّمني في يومي هذا وأنّه قال: إن «٧» كلّ مال نحلته عبادي فهو لهم حلال وإنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاحتالتهم عن دينهم وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزّل به سلطانا»\n[١٧٧] «٨» . وذكر الحديث.\n_________\n(١) في المصدر: ترى.\n(٢) صحيح البخاري: ٢/ ١٠٤.\n(٣) غير موجودة في المصدر.\n(٤) صحيح البخاري: ٧/ ٢١١.\n(٥) مسند أحمد: ٤/ ٢٤- والمقطع الآخر من الحديث موجود في مستدرك الحاكم: ٢/ ١٢٣ وكذلك في السنن الكبرى: ٩/ ١٣٠، بتفاوت يسير.\n(٦) في المصدر: «ربي» .\n(٧) «وأنّه قال: إن» غير موجودة في المصدر.\n(٨) مسند أحمد: ٤/ ١٦٢.","vol":"7","page":302},{"text":"قال أبو بكر الورّاق: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها هي الفقر والفاقة. ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ المستقيم وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.\nقوله تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ «١» وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعًا فرقا كاليهود والنصارى.\nأخبرني «٢» الحسين بن محمد بن عبد الله الدينوري، عن محمد بن عمر بن إسحاق بن حبيش الكلواذي، عن عبد الله بن سليمان بن الأشعث، عن محمد بن مصفى، عن بقية بن الوليد عن شعبة أو غيره، عن مجالد، عن الشعبي، عن شريح، عن عمر بن الخطّاب قال: قال رسول الله ﷺ لعائشة: «يا عائشة إنّ الّذين فارقوا دينهم وَكانُوا شِيَعًا هم أهل البدع والضّلالة من هذه الأمّة، يا عائشة إنّ لكلّ صاحب ذنب توبة إلّا صاحب البدع والأهواء ليست لهم توبة، أنا منهم بريء وهم منّي براء» [١٧٨] «٣» .\nكُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ قوله: وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً ... خصبا ونعمة إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ. لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ وفي مصحف عبد الله وليتمتّعوا أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا. قال ابن عبّاس والضحّاك: حجّة وعذرا. قتادة والربيع: كتابا.\nفَهُوَ يَتَكَلَّمُ ينطق بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ يعذرهم على شركهم ويأمرهم به.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان زيادة: راجعين إليه بالتوبة، مقبلين إليه بالطاعة وهو نصب على الحال والقطع أي فأقم وجهك أنت وامّتك منيبين إليه. [.....]\n(٢) في نسخة أصفهان: أخبرني ابن فنجويه.\n(٣) الدر المنثور: ٣/ ٦٣ مورد الآية، وكتاب السنة لأبي عاصم: ٨ ح ٤.","vol":"7","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-597>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٣٦ الى ٥٣]</span>\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧) فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)\nظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)\nوَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)\nوَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)\nوَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.\nقوله تعالى: وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا. قرأ ابن كثير (ءاتيتم) مقصور غير ممدود لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ. قرأ الحسن وعكرمة وأهل المدينة لتربوا بضمّ التاء وجزم الواو وعلى الخطاب أي لتربوا أنتم، وهي قراءة ابن عبّاس واختيار يعقوب وأيّوب وأبي حاتم.\nوقرأ الآخرون (لّيربوا) بياء مفتوحة ونصب الواو وجعلوا الفعل للربا. واختاره أبو عبيد لقوله: فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ ولم يقل فلا يربى. واختلف المفسّرون في معنى الآية. فقال سعيد ابن جبير ومجاهد وطاوس وقتادة والضحاك: هو الرجل يعطي الرجل العطية ويهدي الهدية ليثاب أكثر منها، فهذا ربا حلال ليس فيه أجر ولا وزر، وهذا للناس عامّة، فأمّا النبيّ ﷺ خاصّة فكان هذا عليه حراما لقوله ﷿ وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ «١» . وقال الشعبي: هو الرجل يلزق بالرجل فيحف له ويخدمه ويسافر معه فيجعل له ربح ماله ليجزيه وإنّما أعطاه التماس عونه ولم يرد به وجه الله. وقال النخعي: هذا في الرجل يقول للرجل: لأمولنّك فيعطيه مراعاة، وكان الرجل في الجاهلية يعطي ذا القرابة له المال ليكثر ماله، وهي رواية أبي حسين «٢» عن ابن عبّاس. وقال السدي: نزلت في ثقيف كانوا يعطون الربا.\nفَلا يَرْبُوا يزكو عِنْدَ اللَّهِ لأنّه لم يرد به وجه الله. وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ قال قتادة: هذا الذي يقبله الله ويضاعفه له عَشْرُ أَمْثالِها وأكثر من ذلك. ومعنى قوله: (الْمُضْعِفُونَ) . أهل التضعيف. كقول العرب: أصبحتم مسمنين، إذا\n_________\n(١) سورة المدثر: ٦.\n(٢) في نسخة أصفهان: أبي حصن.","vol":"7","page":304},{"text":"سمنت إبلهم، ومعطشين إذا عطشت. ورجل مقو إذا كانت إبله قويّة، ومضعف إذا كانت ضعيفة، ومنه الخبيث المخبّث أي أصحابه خبّثا.\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ قوله تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ أي قحط المطر ونقص الغلّات وذهاب البركة فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تقول: أجدبت البرّ وانقطعت مادّة البحر بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ بشؤم ذنوبهم.\nقال قتادة: هذا قبل أن يبعث الله نبيّه (﵇) امتلأت الأرض ظلما وضلالة، فلمّا بعث الله ﷿ محمّدا (ﷺ) رجع راجعون من الناس. فالبرّ أهل العمود والمفاوز والبراري، والبحر أهل الرّيف والقرى. قال مجاهد: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كلّ قرية على ماء جار فهو بحر. وقال عكرمة: العرب تسمّي الأمصار بحرا. وقال عطية وغيره: البرّ ظهر الأرض، الأمصار وغيرها، والبحر هو البحر المعروف. وقال عطية: إذا قلّ المطر قلّ الغوص.\nوقال ابن عبّاس: إذا مطرت السماء تفتح الأصداف فمها في البحر فما وقع فيها من ماء السماء فهو لؤلؤ. وقال الحسن: البحر القرى على شاطئ البحر. قال ابن عبّاس وعكرمة ومجاهد:\nظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ بقتل ابن آدم أخاه وَالْبَحْرِ بالملك الجائر الذي كان يأخذ كلّ سفينة غصبا واسمه الجلندا، رجل من الأزد.\nلِيُذِيقَهُمْ قرأ السلمي بالنون وهو اختيار أبي حاتم. الباقون بالياء بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا أي عقوبة بعض الذي عملوا من ذنوبهم لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم وأعمالهم الخبيثة. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ يتفرّقون، فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.. مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ يفرشون ويسوّون المضاجع في القبور. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ ثوابه إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ.\nقوله: وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ نعمته المطر. وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ رزقه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أشركوا كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ\nفي العاقبة، فكذلك نحن ناصروك ومظفروك على من عاداك وناواك. قال الحسن: يعني أنجاهم مع الرسل من عذاب الأمم.\nأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الدينوري، قال أبو العبّاس أحمد بن محمد بن يوسف الصرصري، عن الحسين بن محمد المطبقي، عن الربيع بن سليمان، عن علي","vol":"7","page":305},{"text":"ابن معبد عن موسى بن أعين، عن بشير بن أبي سليمان، عن عمرو بن مرّة عن شهر بن حوشب [عن أمّ الدرداء] عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من امرئ يردّ عن عرض أخيه إلّا كان حقّا على الله سبحانه أن يردّ عنه نار جهنّم يوم القيامة» [١٧٩] «١»، ثمّ تلا هذه الآية: كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ.\nاللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا أخبرني ابن فنجويه عن مخلد الباقرحي، عن الحسن بن علوية، عن إسماعيل بن عيسى، عن إسحاق بن بشر، أخبرنا إدريس أبو الياس، عن وهب بن منبه: أنّ الأرض شكت إلى الله ﷿ أيّام الطوفان لأنّ الله ﷿ أرسل الماء بغير وزن ولا كيل فخرج الماء غضبا لله ﷿ فخدش الأرض وخدّدها فقالت: يا ربّ إنّ الماء خدّدني وخدشني، فقال الله ﷿ فيما بلغني- والله أعلم- إنّي سأجعل للماء غربالا لا يخدّدك ولا يخدشك، فجعل السّحاب غربال المطر. فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ ردّ الكناية إلى لفظ السحاب لذلك ذكرها. والسحاب جمع كما يقال: هذا تمر جيّد وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا قطعا متفرّقة. فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وسطه. وقرأ ابن عبّاس من خلله. فَإِذا أَصابَ بِهِ أي بالودق مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كانوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ وقيل: وما كانوا إلّا. قال قطرب والفائدة في تكرار قبل هاهنا أنّ الأولى للإنزال والثّانية للمطر، وقيل على التأكيد، كقول الله ﷿: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ «٢» كرّر تحسبنّ للتأكيد. وقال الشاعر:\nإذا أنا لم أؤمن عليك ولم يكن ... لقاؤك إلّا من وراء وراء «٣»\nوفي حرف ابن مسعود لا تحسبنّ الّذين يفرحون بما أتوا ويحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا بمفازة من العذاب غير مكرّر، وفي حرفه أيضا: وإن كانوا من قبل أن ينزّل عليهم لمبلسين غير مكرّر.\nقوله ﷿: فَانْظُرْ إِلى آثارِ بالألف على الجمع- أهل الشام والكوفة. واختلف فيه عن أصم، غيرهم: أثر على الواحد رَحْمَتِ اللَّهِ يعني المطر كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من البعث وغيره.\nوَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحًا باردة مضرّة فأفسدت ما أنبت الغيث فَرَأَوْهُ يعني الزرع والنبات كناية عن غير مذكور مُصْفَرًّا يابسا بعد خضرته ونضرته لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ وقد رأوا هذه الآيات الواضحات، ثمّ ضرب لهم مثلا فقال: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ\n_________\n(١) كنز العمال: ٣/ ٤١٨- بتفاوت يسير.\n(٢) آل عمران: ١٨٨.\n(٣) الصحاح: ٦/ ٢٥٢٣.","vol":"7","page":306},{"text":"وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>[سورة الروم (٣٠): الآيات ٥٤ الى ٦٠]</span>\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨)\nكَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)\nقوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ نطفة ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً شبابا ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا هرما وَشَيْبَةً. قرأ يحيى وعاصم والأعمش وحمزة [بفتح] «١» الضاد من الضعف، غيرهم بالضمّ فيها كلّها، واختارها أبو عبيد لأنّها لغة النبي ﷺ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، عن حامد بن محمد، عن علي بن عبد العزيز قال أبو نعيم، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي قال: قرأت على ابن عمر اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا يعني بالضم، ثمّ قال: إنّي قرأتها على رسول الله ﷺ فأخذها عليّ كما أخذتها عليك\n، وكان عاصم الجحدري يقرأ الله الّذي خلقكم من ضعف ثمّ جعل من بعد ضعف- بالضم- قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا- بالفتح- أراد أن يجمع بين اللغتين. قال الفرّاء: الضمّ لغة قريش والنصب لغة تميم يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.\nوقوله: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ يحلف المشركون ما لَبِثُوا في الدنيا غَيْرَ ساعَةٍ «٢» استقلّ القوم أجل الدنيا لمّا عاينوا الآخرة. وقال مقاتل والكلبي: يعني ما لَبِثُوا في قبورهم غَيْرَ ساعَةٍ، استقلّوا ذلك لما استقبلوا من هول يوم القيامة، نظيرها قوله ﷿:\nكَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ ومِنْ نَهارٍ ... كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ يكذّبون في الدّنيا.\nوَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ أي فيما كتب الله لكم في سابق علمه. وقيل: في حكم الله، كقول الشاعر:\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: بضم.\n(٢) سورة يونس: ٤٥.","vol":"7","page":307},{"text":"ومال الولاء بالبلاء فملتم ... وما ذاك قال الله إذ هو يكتب «١»\nأي يحكم. وقال قتادة ومقاتل: هذا من مقاديم الكلام تأويلها: وقال الّذين أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ في الدنيا أنّه يكون وأنّكم مبعوثون ومجزيّون فكنتم به تكذّبون.\nفَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يسترجعون.\nوَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ما أنتم إلّا على باطل كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ. فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ في نصرك وتمكينك حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ يستزلنّك ويستخفنّ رأيك عن حكمك الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ.\n_________\n(١) غريب الحديث: ١/ ٧٠- تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٤٣.","vol":"7","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-599>سورة لقمان</span>\nمكيّة، وهي ألفان ومائة وعشرة أحرف، وخمسمائة وثمان وأربعون كلمة، وأربع وثلاثون آية\nأخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد الفقيه قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن يزيد المعدل قال: أخبرني أبو يحيى البزار، عن محمد بن منصور، عن محمد بن عمران بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدّثني أبي، عن مخالد بن عبد الواحد، عن الحجّاج بن عبد الله، عن أبي الخليل، عن علي بن زيد وعطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة لقمان كان له لقمان رفيقا في يوم القيامة وأعطي من الحسنات عشرا بقدر من عمل المعروف، وعمل بالمنكر» «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)\nأُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)\nخَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)\nالم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ. هُدىً وَرَحْمَةً قرأ العامة بالنصب على الحال والقطع، وقرأ حمزة (وَرَحْمَةٌ) بالرفع على الابتداء لِلْمُحْسِنِينَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.\n_________\n(١) تفسير نور الثقلين: ٤/ ١٩٣ ح ٢، وتفسير مجمع البيان: ٨/ ٧٤.","vol":"7","page":309},{"text":"قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ.\nقال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد الدار بن قصي، كان يتجر فيخرج إلى فارس فيشتري أخبار الأعاجم فيرويها ويحدّث بها قريشا ويقول لهم: إنّ محمّدا يحدّثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدّثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأعاجم والأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن، وقال مجاهد: يعني شراء [القيان] والمغنّين، ووجه الكلام على هذا التأويل يشتري ذات أو ذا لهو الحديث.\nأخبرنا أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكى سنة ثلاث وثمانين، حدّثني جدّي محمد بن إسحاق بن خزيمة] عن علي بن خزيمة] عن علي بن حجرة، عن مستمغل بن ملجان الطائي، عن مطرح بن يزيد، عن عبيد الله بن زجر، عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يحلّ تعليم المغنيات ولا بيعهن، وأثمانهن حرام، وفي مثل هذا نزلت هذه الآية: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...»\n[١٨٠] «١» إلى آخر الآية.\nوما من رجل يرفع صوته بالغناء إلّا بعث الله عليه شيطانين أحدهما على هذا المنكب والآخر على هذا المنكب فلا يزالان يضربانه بأرجلهما حتّى يكون هو الذي يسكت.\nوقال آخرون: معناه يستبدل ويختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن وقال: سبيل الله:\nالقرآن.\nوقال أبو الصهباء البكري: سألت ابن مسعود عن هذه الآية، فقال: هو الغناء والله الذي لا إله إلّا هو يردّدها ثلاث مرّات، ومثله روى سعيد بن جبير عن ابن عبّاس. ابن جريج: هو الطبل. عبيد عن الضحّاك: هو الشرك. جويبر عنه: الغناء، وقال: الغناء مفسدة للمال، مسخطة للربّ مفسدة للقلب. وقال ثوير بن أبي فاختة عن أبيه عن ابن عبّاس: نزلت هذه الآية في رجل اشترى جارية تغنّيه ليلا ونهارا. وكلّ ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله إلى ما نهى عنه فهو لهو ومنه الغناء وغيره. وقال قتادة: هو كلّ لهو ولعب. قال عطاء: هو الترّهات والبسابس.\nوقال مكحول: من اشترى جارية ضرّابة ليمسكها لغناها وضربها مقيما عليه حتّى يموت لم أصلّ عليه، إنّ الله ﷿ يقول: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ... إلى آخر الآية.\nوروى علي بن يزيد عن القاسم بن أبي أمامه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى بعثني رحمة وهدى للعالمين وأمرني بمحق المعازف والمزامير والأوتار والصّلب وأمر الجاهلية، وحلف ربّي بعزّته لا يشرب عبد من عبيدي جرعة من خمر متعمّدا «٢» إلّا سقيته من الصديد مثلها\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٢/ ٣٧٥ بتفاوت، والسنن الكبرى: ٦/ ١٤، وكنز العمال: ٤/ ٣٩.\n(٢) غير موجودة في المصدر.","vol":"7","page":310},{"text":"يوم القيامة مغفورا له أو معذّبا، ولا يسقيها صبيّا صغيرا ضعيفا مسلما إلّا سقيته مثلها من الصديد «١» يوم القيامة مغفورا له أو معذّبا، ولا يتركها من مخافتي إلّا سقيته من حياض القدس يوم القيامة. لا يحلّ بيعهن ولا شرائهن ولا تعليمهن ولا التجارة بهن وثمنهنّ حرام» [١٨١] «٢» .\nيعني الضوارب. وروى حمّاد عن إبراهيم قال: الغناء ينبت النفاق في القلب. وكان أصحابنا يأخذون بأفواه السكك يحرقون الدفوف.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، عن ابن شاذان، عن جيغويه، عن صالح بن محمد، عن إبراهيم ابن محمد، عن محمد بن المنكدر قال: بلغني أنّ الله ﷿ يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير الشيطان؟ أدخلوهم رياض المسك، ثمّ يقول للملائكة: أسمعوا عبادي حمدي وثنائي وتمجيدي وأخبروهم أن لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.\nقوله: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُوًا قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب وَيَتَّخِذَها بنصب الذال عطفا على قوله: لِيُضِلَّ وهو اختيار أبي عبيد قال:\nلقربه من المنصوب، وقرأ الآخرون بالرفع نسقا على قوله: يَشْتَرِي.\nأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ أخبره بِعَذابٍ أَلِيمٍ. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ. خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ أي نوعا حسنا هذا الذي ذكرت ممّا يعاينون خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ من آلهتكم التي تعبدونها بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.\n_________\n(١) في المصدر: هكذا «من الصديد مثلها» . [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٢٦٨.","vol":"7","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-601>[سورة لقمان (٣١): الآيات ١٢ الى ٢١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)\nيا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩) أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ (٢١)\nقوله: وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ يعني العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور.\nقال محمّد بن إسحاق بن يسار: وهو لقمان بن باعور بن باحور بن تارخ وهو آزر، وقال وهب: كان ابن أخت أيّوب. وقال مقاتل: ذكر أنّ لقمان كان ابن خالة أيّوب.\nقال الواقدي: كان قاضيا في بني إسرائيل، واتّفق العلماء على أنّه كان حكيما ولم يكن نبيّا إلّا عكرمة فإنّه قال: كان لقمان نبيّا، تفرّد بهذا القول.\nحدّثنا أبو منصور الجمشاذي قال: حدّثني أبو عبد الله محمد بن يوسف، عن الحسين بن محمد، عن عبد الله بن هاشم، عن وكيع عن إسرائيل، عن جابر، عن عكرمة قال: كان لقمان نبيّا. وقال بعضهم: خيّر لقمان بين النبوّة والحكمة، فاختار الحكمة.\nوروى عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه يقول: «حقّا أقول لم يكن لقمان نبيّا ولكن عبد صمصامة كثير التفكير، حسن اليقين «١»، أحبّ الله فأحبّه وضمن عليه بالحكمة» [١٨٢] «٢» .\n[وروي أنّ لقمان في ابتداء أمره] «٣» كان نائما نصف النهار إذ جاءه نداء: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحقّ؟ فأجاب الصوت فقال: إن خيّرني ربّي قبلت العافية ولم أقبل البلاء، وإن عزم عليّ فسمعا وطاعة. فإنّي أعلم إن فعل ذلك بي عصمني وأعانني، فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأنّ الحاكم بأشدّ المنازل وأكدرها يغشاه الظلم من كلّ مكان إن [وفي فبالحري] أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنّة، ومن يكن في الدنيا ذليلا [وفي الآخرة شريفا] خير من أن يكون] في الدنيا] شريفا [وفي الآخرة ذليلا] .\nومن تخيّر الدنيا على الآخرة تفته «٤» الدنيا ولا يصيب الآخرة، فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة. فانتبه يتكلّم بها «٥» .\n_________\n(١) في المصدر: الظن.\n(٢) كنز العمال: ١٤/ ٣٤.\n(٣) زيادة عن المصدر.\n(٤) في المصدر: تفتنه.\n(٥) المهذب البارع لابن فهد: ٤/ ٤٥٤، وتاريخ دمشق: ١٧/ ٨٥.","vol":"7","page":312},{"text":"ثمّ نودي داود بعده فقبلها ولم يشرط ما شرط لقمان فهوى في الخطيئة غير مرّة كلّ ذلك يعفو الله ﷿ عنه، وكان لقمان يؤازره بحكمته، فقال له داود: طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة وصرفت عنك البلوى. وأعطي داود الخلافة وأبتلي بالبليّة والفتنة.\nوحدّثنا الإمام أبو منصور بن الجمشاذي لفظا قال: حدّثني أبو عبد الله بن يوسف عن الحسن بن محمد، عن عبد الله بن هاشم، عن وكيع، عن محمّد بن حسّان، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيّا نجّارا. وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبي عن أسود بن عامر، عن حمّاد، عن علي بن يزيد، عن سعيد بن المسيب أنّ لقمان كان خيّاطا.\nأَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ يعني وقلنا له: أن اشكر لله.\nوَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ.\nقال مجاهد: كان لقمان عبدا أسود عظيم الشفتين، متشقّق القدمين. وروى الأوزاعي عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء أسود إلى سعيد بن المسيب يسأله فقال له سعيد: لا تحزن من أجل أنّك أسود، فإنّه كان من أخير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر بن الخطّاب ولقمان الحكيم كان أسود نوبيّا من سودان مصر ذا مشافر.\nقوله تعالى: وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ واسمه أنعم وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلى وَهْنٍ قال ابن عبّاس: شدّة بعد شدّة. الضحاك: ضعف على ضعف. قتادة: جهدا على جهد. مجاهد وابن كيسان: مشقّة على مشقّة.\nوَفِصالُهُ فطامه. وروي عن يعقوب: وفصله فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ أنبأني عبد الله بن حامد الأصفهاني، عن الحسين بن محمد بن الحسين البلخي قال:\nأخبرني أبو بكر محمّد بن القاسم البلخي، عن نصير بن يحيى، عن سفيان بن عيينة في قول الله ﷿: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ قال: من صلّى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن دعا للوالدين في أدبار الصلوات فقد شكر للوالدين.\nوَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفًا عشرة جميلة، وتقديره: بالمعروف.\nوَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ واسلك طريق محمّد وأصحابه.\nثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ نزلت هاتان الآيتان في سعد بن أبي وقّاص وأمّه، وقد مضت القصّة.","vol":"7","page":313},{"text":"يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ قال بعض النحاة: هذه الكناية راجعة إلى الخطيئة والمعصية، يعني: إنّ المعصية إن تك. يدلّ عليه قول مقاتل: قال أنعم بن لقمان لأبيه: يا أبة إن عملت بالخطيئة حيث لا يراني أحد كيف يعلمها الله؟ فقال له: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ. وقال آخرون: هذه الهاء عماد، وإنّما أنّث لأنّه ذهب بها إلى الحبّة، كقول الشاعر:\nويشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم «١»\nويرفع المثقال وينصب، فالنّصب على خبر كان والرّفع على اسمها ومجازه: إن تقع وحينئذ لا خبر له: فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ قال قتادة: في جبل، وقال ابن عبّاس: هي صخرة تحت الأرضين السبع وهي التي يكتب فيها أعمال الفجّار، وخضرة السماء منها، وقال السدي: خلق الله الأرض على حوت وهو النون الذي ذكره الله ﷿ في القرآن ن. وَالْقَلَمِ «٢» والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك، على صخرة، وهي الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض، والصخرة على الرّيح.\nأَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ باستخراجها خَبِيرٌ عالم بمكانها. ورأيت في بعض الكتب أنّ لقمان (﵇) قال لابنه: يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ ... إلى آخر الآية. فانفطر من هيبة هذه الكلمة فمات فكانت آخر حكمته.\nقوله: يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ أي الأمور الواجبة التي أمر الله بها، وقال ابن عبّاس: حزم الأمور. مقاتل: حقّ الأمور.\nوَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قرأ النخعي ونافع وأبو عمرو وابن محيص ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي تصاعر بالألف.\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرني أبو حبش قال أبو القاسم بن الفضل قال أبو زرعة: حدّثني نضر بن علي قال: أخبرني أبي عن معلى الورّاق عن عاصم الجحدري وَلا تُصْعِرْ خَدَّكَ بضم التاء وجزم الصاد من أصعر. الباقون تُصَعِّرْ من التّصعير. قال ابن عبّاس:\nيقول لا تتكبّر فتحقر الناس وتعرض عنهم بوجهك إذا كلّموك. مجاهد: هو الرجل يكون بينه وبينك إحنة فتلقاه فيعرض عنك بوجهه. عكرمة: هو الذي إذا سلّم عليه لوى عنقه تكبّرا. الربيع وقتادة: لا تحقّر الفقراء، ليكن الفقير والغني عندك سواء.\nعطاء: هو الذي يلوي شدقه. أخبرنا عبد الله بن حامد، عن حامد بن محمد، عن محمد\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٧٠٩.\n(٢) سورة القلم: ١. ٢.","vol":"7","page":314},{"text":"ابن صالح، عن عبد الصمد، عن خارجة بن مصعب، عن المغيرة، عن إبراهيم في قوله: وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ قال: التشديق في الكلام. وقال المؤرّخ: لا تعبس في وجوه الناس.\nوأصل هذه الكلمة من الميل، يقال: رجل أصعر إذا كان مائل العنق. وجمعه صعر، ومنه، الصّعر: وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها ورؤوسها حتى يلفت أعناقها، فشبّه الرجل المتكبّر الذي يعرض عن الناس احتقارا لهم بذلك. قال الشاعر يصف إبلا:\nوردناه في مجرى سهيل يمانيا ... بصعر البري من بين جمع وخادج «١»\nأي مائلات البري. وقال آخر:\nوكنّا إذا الجبّار صعّر خدّه ... أقمنا له من ميله فتقوّما «٢»\nوَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا أي خيلاء. إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ في مشيته فَخُورٍ على الناس.\nأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن شاذان، عن جيغويه، عن صالح ابن محمد، عن جرير بن عبد الحميد، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: خرج رجل يتبختر في الجاهلية عليه حلّة، فأمر الله ﷿ الأرض فأخذته، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة «٣» .\nوَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ أي تواضع ولا تتبختر وليكن مشيك قصدا لا بخيلاء ولا إسراع.\nأخبرنا الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران المقرئ سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرني أبو العبّاس محمد بن إسحاق السرّاج وأبو الوفا، المؤيّد بن الحسين بن عيسى قالا: قال عبّاس بن محمد الدوري، عن الوليد بن سلمة قاضي الأردن، عن عمر بن صهبان، عن نافع عن ابن عمران أنّ النبيّ ﷺ قال: «سرعة المشي يذهب بهاء المؤمن» [١٨٣] «٤» .\nوَاغْضُضْ واخفض مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ قال مجاهد وقتادة والضحاك: أقبح، أوّله زفير وآخره شهيق، أمره بالاقتصاد في صوته. عكرمة والحكم بن عيينة:\nأشدّ. ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيرا ما جعله للحمير.\nأخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحري قال: أخبرني أبو حامد أحمد بن عبدون بن عمارة الأعمش قال: أخبرني أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، عن يحيى بن صالح\n_________\n(١) غريب الحديث: ١/ ١٢٦.\n(٢) البداية والنهاية: ٢/ ١٤٩.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٢٢٢. كنز العمال: ٣/ ٥٣٧ اختلاف في الحديث.\n(٤) كنز العمال: ١٥/ ٤١٢ ح ٤١٦٢٠.","vol":"7","page":315},{"text":"الوحاضي، عن موسى بن أعين قال: سمعت سفيان يقول في قوله ﷿: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ يقول: صياح كلّ شيء تسبيح لله ﷿ إلّا الحمار. وقيل: لأنّه ينهق بلا فائدة.\nأخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه عن محمد بن الحسين بن بشر قال: أخبرني أبو بكر ابن أبي الخصيب، عن عبد الله بن جابر، عن عبد الله بن الوليد الحراني، عن عثمان بن عبد الرحمن، عن عنبسة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زادان، عن أمّ سعد قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ يبغض ثلاثة أصوات: نهقة الحمار، ونباح الكلب، والداعية بالحرب» [١٨٤] .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>فصل في ذكر بعض ما روي من حكم لقمان</span>\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان الأصفهاني، عن أحمد بن شاذان، عن جيغويه بن محمد [عن صالح بن محمد] عن إبراهيم بن أبي يحيى، عن محمد بن عجلان قال: قال لقمان: ليس مال كصحّة، ولا نعيم كطيب نفس.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد الدينوري، عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، عن محمد بن عبد الغفّار الزرقاني، عن أبو سكين زكريا بن يحيى بن عمر بن [حفص «١»] عن عمّه أبي زجر بن حصن، عن جدّه حميد بن منهب قال: حدّثني طاوس، عن أبي هريرة قال:\nمرّ رجل بلقمان والناس مجتمعون عليه فقال: ألست بالعبد الأسود الذي كنت راعيا بموضع كذا وكذا؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني.\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو الحسين بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله ابن أحمد بن حنبل، عن أبيّ، عن وكيع قال: أخبرني أبو الأشهب، عن خالد الربعي قال: كان لقمان عبدا حبشيّا نجّارا، فقال له سيّده: اذبح لنا شاة، فذبح له شاة، فقال له: ائتني بأطيب المضغتين فيها، فأتاه باللسان والقلب. فقال: ما كان فيها شيء أطيب من هذا؟ قال: لا، قال:\nفسكت عنه ما سكت، ثمّ قال له: اذبح لنا شاة، فذبح شاة، فقال: ألق أخبثها مضغتين، فرمى باللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها مضغتين فأتيتني باللّسان والقلب وأمرتك أن تلقي أخبثها مضغتين فألقيت اللسان والقلب؟! فقال: لأنّه ليس شيء بأطيب منهما إذا طابا وأخبث منهما إذا خبثا.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: حصن.","vol":"7","page":316},{"text":"وأخبرني الحسين بن محمد، عن أحمد بن جعفر بن حمدان، عن يوسف بن عبد الله عن موسى ابن إسماعيل، عن حمّاد بن سلمة، عن أنس أنّ لقمان كان عند داود (﵇) وهو يسرد درعا فجعل لقمان يتعجّب ممّا يرى، ويريد أن يسأله، ويمنعه حكمه عن السؤال، فلمّا فرغ منها وجاء بها وصبها قال: نعم درع الحرب هذه! فقال لقمان: إنّ من الحكم الصمت وقليل فاعله.\n[وأخبرني الحسين بن محمد بن ماهان عن علي بن محمد الطنافسي «١»] قال: أخبرني أبو أسامة ووكيع قالا: أخبرنا سفيان، عن أبيه، عن عكرمة قال: كان لقمان من أهون مملوكيه على سيّده. قال: فبعثه مولاه في رقيق له إلى بستان له ليأتوه من ثمره، فجاؤوا وليس معهم شيء، وقد أكلوا الثمر، وأحالوا على لقمان. فقال لقمان لمولاه: إنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله أمينا، فاسقني وإيّاهم ماء حميما ثمّ أرسلنا فلنعد، ففعل، فجعلوا يقيئون تلك الفاكهة وجعل لقمان يقيء ماء، فعرف صدقه وكذبهم.\nقال: أوّل ما روي من حكمته، أنّه بينا هو مع مولاه، إذ دخل المخرج فأطال فيه الجلوس، فناداه لقمان: إنّ طول الجلوس على الحاجة ينجع منه الكبد، ويورث الباسور، ويصعد الحرارة إلى الرأس، فاجلس هونا، وقم هونا، قال: فخرج وكتب حكمته على باب [الحش] «٢» .\nقال: وسكر مولاه يوما فخاطر قوما على أن يشرب ماء بحيرة، فلمّا أفاق عرف ما وقع فيه فدعا لقمان فقال: لمثل هذا كنت اجتبيتك، فقال: اخرج كرسيّك وأباريقك ثمّ اجمعهم، فلمّا اجتمعوا قال: على أيّ شيء خاطرتموه؟ قالوا: على أن يشرب ماء هذه البحيرة، قال: فإنّ لها موادّ احبسوا موادّها عنها، قالوا: وكيف نستطيع أن نحبس موادها عنها؟ قال لقمان: وكيف يستطيع شربها ولها موادّ؟! وأخبرني الحسين بن محمد، عن عبيد الله بن محمد بن شنبه، عن علي بن محمد بن ماهان، عن علي بن محمد الطنافسي قال: أخبرني أبو الحسين العكلي [عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن داود بن عمر، عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن دينار أنّ لقمان قدم من سفر،] «٣» فلقي غلامه في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله، ملكت\n_________\n(١) وفي نسخة أصفهان: أخبرني ابن فنجويه عن ابن شنبه قال: حدّثنا علي بن محمد بن ماهان، عن علي بن محمد الطنافسي. [.....]\n(٢) تفسير الدر المنثور: ٥/ ١٦١ مورد الآية.\n(٣) ورد في نسخة أصفهان: عن أبي الحسين العكلي، عن بكر بن عبد الله المرني، عن أبيه قال: قال لقمان:\nضرب الوالد ولده كالسّماد للزرع. وأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثنا داود بن عمرو قال: حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، عن عبد الله بن دينار أنّ لقمان قدم من سفر.. الحديث.","vol":"7","page":317},{"text":"أمري. قال: ما فعلت امرأتي؟ قال: ماتت. قال: جدّد فراشي، قال: ما فعلت أختي؟ قال:\nماتت، قال: ستر عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري.\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبي، عن سفيان قال: قيل للقمان: أيّ الناس شرّ؟ قال: الذي لا يبالي أن يراه الناس مسيئا. وقيل للقمان: ما أقبح وجهك! قال: تعيب بهذا على النقش أو على النقّاش؟\nقوله تعالى: أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ.\nقرأ نافع وشيبه وأبو جعفر وأبو رجاء العطاردي وأبو محلز وأبو عمرو والأعرج وأيّوب وحفص نعمه بالجمع والإضافة، واختاره أبو عبيد وأبو معاذ النحوي وأبو حاتم، وقرأ الآخرون منوّنة على الواحد ومعناها جمع أيضا، ودليله قول الله ﷿: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها «١» وقال مجاهد وسفيان: هي لا إله إلّا الله، وتصديقه أيضا ما أخبرني أبو القاسم [الحبيبي] «٢» أنّه رأى في مصحف عبد الله نعمته بالإضافة والتوحيد ظاهِرَةً وَباطِنَةً اختلفوا فيها فأكثروا. فقال ابن عبّاس: أمّا الظاهرة فالدين والرياش، وأمّا الباطنة فما غاب عن العباد وعلمه الله.\nمقاتل: الظاهرة تسوية الخلق والرّزق والإسلام، والباطنة ما ستر من ذنوب بني آدم فلم يعلم بها أحد ولم يعاقب عليها. الضحّاك: الظاهرة حسن الصورة وامتداد القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة المغفرة. القرظي: الظاهرة محمّد (﵇) والباطنة المعرفة. ربيع:\nالظاهرة بالجوارح والباطنة بالقلب. عطاء الخراساني: الظاهرة تخفيف الشرائع، والباطنة الشفاعة. مجاهد: الظاهرة ظهور الإسلام والنصر على الأعداء، والباطنة الإمداد بالملائكة.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن إبراهيم النيستاني، قال: أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم ابن محمش، قال: أخبرني أبو يحيى زكريا بن يحيى بن الحرب، عن محمد بن يوسف بن محمد ابن سابق الكوفي قال: أخبرني أبو مالك الجبني، عن جويبر، عن الضحاك قال: سألت ابن عبّاس عن قول الله ﷿: وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً فقال: هذا من محرزي الذي سألت رسول الله ﷺ. قلت: يا رسول الله ما هذه النعمة الظاهرة والباطنة؟ قال: أمّا الظاهرة فالإسلام وما حسن من خلقك وما أفضل عليك من الرزق، وأمّا الباطنة ما ستر من سوء عملك، يا ابن عبّاس يقول الله تعالى: إنّي جعلت للمؤمن ثلثا صلاة المؤمنين عليه بعد انقطاع عمله أكفّر\n_________\n(١) سورة إبراهيم: ٣٤.\n(٢) هكذا في الأصل.","vol":"7","page":318},{"text":"به عن خطاياه، وجعلت له ثلث ماله ليكفّر به عنه من خطاياه وسترت عليه سوء عمله الذي لو قد أبديته للناس لنبذه أهله فما سواهم.\nوقال محمّد بن علي الترمذي: النعمة الظاهرة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي «١» والباطنة قوله: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا «٢» .\n[الحرث بن أسد المحاسبي] «٣»: الظاهرة نعيم الدنيا، والباطنة نعيم العقبى. عمرو بن عثمان الصدفي: الظاهرة تخفيف الشرائع والباطنة تضعيف الصنائع.\nوقيل: الظاهرة الجزاء، والباطنة الرضا. سهل بن عبد الله: الظاهرة إتباع الرسول، والباطنة محبّته. وقيل: الظاهرة تسوية الظواهر والباطنة تصفية السرائر. وقيل: الظاهرة التبيين، بيانه قوله تعالى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا «٤» وَيُبَيِّنُ آياتِهِ لِلنَّاسِ «٥» والباطنة التزين قوله:\nوَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ «٦» وقيل: الظاهرة الرزق المكتسب، والباطنة الرزق مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.\nوقيل: الظاهرة المدخل للغذاء، والباطنة المخرج للأذى. وقيل: الظاهرة الجوارح، والباطنة المصالح. وقيل: الظاهرة الخلق، والباطنة الخلق. وقيل الظاهرة التنعيم، بيانه قوله:\nأَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ «٧» والباطنة التعليم. قوله: وَيُعَلِّمُكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ «٨» وقيل: الظاهرة ما أعطى وحبا من النعماء، وقيل الباطنة: ما طوي وزوي من أنواع البلاء، وقيل: الظاهرة الدعوة، بيانه قوله: وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ «٩» والباطنة الهداية. بيانه قوله: وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ «١٠» .\nوقيل: الظاهرة الإمداد بالملائكة، والباطنة إلقاء الرعب في قلوب الكفّار، وقيل: الظاهرة تفصيل الطاعات، وهو أنّه ذكر طاعتك واحدة فواحدة وأثنى عليك بها وأثابك عليها، بيانه قوله:\nالتَّائِبُونَ «١١» وقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ «١٢» وقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ «١٣» إلى آخر الآية. والباطنة إجمال المعاصي وذلك أنّه دعاك منها إلى التوبة باسم الإيمان من غير عدّها وتفصيلها، بيانه قوله: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ «١٤» وقيل: الظاهرة إنزال الأقطار والأمطار، والباطنة إحياء الأقطار والأمصار.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٣.\n(٢) سورة المائدة: ٣.\n(٣) في نسخة أصفهان: الحرب بن أسد المحاربي.\n(٤) سورة المائدة: ١٧٦.\n(٥) سورة البقرة: ٢٢١.\n(٦) سورة الحجرات: ٧.\n(٧) سورة الحمد: ٧.\n(٨) سورة البقرة: ١٥١.\n(٩) سورة يونس: ٢٥.\n(١٠) سورة يونس: ٢٥. [.....]\n(١١) سورة التوبة: ١١٢.\n(١٢) سورة المؤمنون: ١.\n(١٣) سورة الأحزاب: ٣٥.\n(١٤) سورة النور: ٣١.","vol":"7","page":319},{"text":"وقيل: الظاهرة التوفيق للعبادات، والباطنة الإخلاص والعصمة من المراءاة، وقيل:\nالظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجنان، وقيل: الظاهرة تلاوة القرآن والباطنة معرفته. وقيل:\nالظاهرة ضياء النهار للتصرّف والمعاش، والباطنة ظلمة الليل للسكون والقرار. وقيل: الظاهرة النطق، والباطنة العقل، وقيل: الظاهرة نعمه عليك بعد ما خرجت من بطن أمّك، والباطنة: نعمه عليك وأنت في بطن أمّك.\nوقيل: الظاهرة الشهادة الناطقة، والباطنة السعادة السابقة. وقيل: الظاهرة ألوان العطايا، والباطنة غفران الخطايا. وقيل: الظاهرة وضع الوزر ورفع الذّكر، والباطنة شرح الصدر.\nوقيل: الظاهرة فتح المسالك والباطنة نزع الممالك ممّن خالفك، وقيل: الظاهرة المال والأولاد، والباطنة الهدى والإرشاد، وقيل: الظاهرة القول السديد والباطنة التأييد والتسديد، وقيل: الظاهرة ما يكفّر الله به الخطايا من الرزايا والبلايا، والباطنة ما يعفو عنه ولا يؤاخذ به في الدنيا والعقبى، وقيل: الظاهرة ما بينك وبين خلقه من الأنساب والأصهار، والباطنة ما بينك وبينه من القرب والأسرار والمناجاة في الأسحار، وقيل: الظاهرة العلوّ بيانه قوله: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ «١» والباطنة الدنوّ بيانه قوله: أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ «٢» .\nقوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ نزلت في النضر بن الحرث حين زعم أنّ الملائكة بنات الله وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ. وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا.\nقال الله تعالى: أَوَلَوْ كانَ قال الأخفش: لفظه استفهام ومعناه تقرير، وقال أبو عبيدة:\nلو هاهنا متروك الجواب مجازه أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ أي موجباته فيتبعونه.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٣٩.\n(٢) سورة الواقعة: ١١.","vol":"7","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-603>[سورة لقمان (٣١): الآيات ٢٢ الى ٣٤]</span>\nوَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٥) لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)\nوَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)\nوَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣) إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)\nقوله: وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي يخلص دينه لله ويفوّض أمره إليه، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي (يسلّم) بالتشديد، وقراءة العامّة بالتخفيف من الإسلام وهو الاختيار لقوله:\nبَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ «١» وأشباه ذلك.\nوَهُوَ مُحْسِنٌ في عمله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي: اعتصم بالطريق الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه. وقال ابن عبّاس: هي: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ...\nوَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ يعني مرجعها. وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. نُمَتِّعُهُمْ نعمّرهم ونمهلهم قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ نلجئهم، ونردّهم إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ.\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ. لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.\nقوله ﷿: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ الآية.\nقال المفسّرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن الرّوح فأنزل الله بمكّة: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ «٢» الآية، فلمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة أتاه أحبار اليهود، فقالوا: يا محمّد بلغنا عنك أنّك تقول: وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، أفعنيتنا أم قومك؟ فقال (﵇): كلّا قد عنيت. قالوا: ألست تتلوا فيما جاءك: إنّا قد أوتينا التّوراة وفيها علم كلّ شيء؟\nفقال رسول الله ﷺ: هي في علم الله قليل وقد آتاكم الله ما إن عملتم به انتفعتم. قالوا:\nيا محمّد كيف تزعم هذا وأنت تقول: وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا «٣» فكيف يجتمع هذا قليل وخير كثير؟ فأنزل الله: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ\nأي بريت\n_________\n(١) سورة البقرة: ١١٢.\n(٢) سورة الإسراء: ٨٥.\n(٣) سورة البقرة: ٢٦٩.","vol":"7","page":321},{"text":"أقلاما وَالْبَحْرُ بالنصب ابن أبي إسحاق وأبو عمرو ويعقوب. غيرهم بالرّفع، وحجّتهم: قراءة عبد الله وبحر يَمُدُّهُ أي يزيده وينصب عليه مِنْ بَعْدِهِ من خلفه سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ وفي هذه الآية اختصار تقديرها: وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ يكتب بها كلام الله ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ، وهذه الآية تقتضي أنّ كلامه غير مخلوق لأنّه لا نهاية له ولما يتعلّق به من معناه فهو غير مخلوق.\nإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هذه الآية على قول عطاء بن يسار: مدنيّة، قال: نزلت بعد الهجرة كما حكينا. وعلى قول غيره: مكّيّة، قالوا: إنّما أمر اليهود وفد قريش أن يسألوا رسول الله ﷺ عنه ويقولوا له ذلك وهو بعد بمكّة، والله أعلم.\nقوله: ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ يعني إلّا كخلق نفس واحدة وبعثها لا يتعذر عليه شيء وهذا كقوله: تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ «١» أي كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت.\nإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ. ذلِكَ الذي ذكرت لتعلموا: بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ برحمة الله، لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ على أمر الله شَكُورٍ على نعمه. قال أهل المعاني: أراد لكلّ مؤمن، لأنّ الصّبر والشكر من أفضل خصال المؤمنين.\nوَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ قال مقاتل: كالجبال. وقال الكلبي: كالسحاب (والظّلل) جمع ظلّه شبّه الموج بها في كثرتها وارتفاعها- كقول النّابغة في صفة بحر:\nيماشيهن أخضر ذو ظلال ... على حافاته فلق الدنان.\nوإنّما شبّه الموج وهو واحد بالظلل وهي جمع، لأنّ الموج يأتي شيء بعد شيء ويركب بعضه بعضا كالظلل. وقيل: هو بمعنى الجمع، وإنّما لم يجمع لأنّه مصدر، وأصله من الحركة والازدحام «٢» .\nدَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ قال ابن عبّاس: موف بما عاهد الله عليه في البحر. ابن كيسان: مؤمن. مجاهد: مقتصد في القول مضمر للكفر.\nالكلبي: مُقْتَصِدٌ في القول من الكفّار لأنّ بعضهم أشدّ قولا وأغلى في الافتراء من بعض. ابن\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ١٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٢١/ ١٠٢ مورد الآية.","vol":"7","page":322},{"text":"زيد: المقتصد الذي على صلاح من الأمر. وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ غدّار كَفُورٍ جحود، والختر أسوأ الغدر. وقال عمرو بن معدي كرب:\nوإنّك لو رأيت أبا عمير ... ملأت يديك من غدر وختر «١»\nقوله: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي لا يقضي ولا يغني ولا يكفّر والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ. قراءة العامّة: بفتح الغين هاهنا وفي سورة الملائكة والحديد وقالوا: هو الشيطان. وقال سعيد بن جبير: هو أن يعمل بالمعصية ويتمنّى المغفرة. وقرأ سماك بن حرب:\nبضم الغين ومعناه لا تغتروا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية.\nنزلت في الوارث بن عمرو بن حارثة بن محارب بن خصفة من أهل البادية، أتى النبي ﷺ فسأله عن الساعة ووقتها وقال: إنّ أرضنا أجدبت فمتى ينزل الغيث؟ وتركت امرأتي حبلى فما تلد؟ وقد علمت أين ولدت فبأيّ أرض تموت؟ فأنزل الله هذه الآية.\nأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبي عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله ابن عمر، عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «مفاتيح الغيب خمسة إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية» [١٨٥] «٢» .\nوروى يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد أنّ رجلا قال: يا رسول الله هل من العلم علم لم تؤته؟ فقال: لقد أوتيت علما كثيرا أو علما حسنا [أو كما قال رسول الله ﷺ] «٣» ثمّ تلا رسول الله هذه الآية إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ إلى قوله: خَبِيرٌ فقال: هؤلاء خمسة لا يعلمهنّ إلّا الله ﵎ «٤» .\nوأخبرنا أبو زكريا يحيى بن إسماعيل الحربي قال: أخبرني أبو حامد أحمد بن حمدون بن عمارة الأعمش، عن علي بن حشرم، عن الفضل بن موسى، عن رجل سمّاه قال: بلغ ابن عبّاس أنّ يهوديا خرج من المدينة يحسب حساب النجوم فأتاه فسأله. فقال: إن شئت أنبأتك عن نفسك وعن ولدك. فقال: إنّك ترجع إلى منزلك وتلقى لك بابن محموم، ولا تمكث عشرة أيّام حتّى يموت الصبي، وأنت لا تخرج من الدّنيا حتى تعمى، فقال ابن عبّاس: وأنت يا يهودي؟\nقال: لا يحول عليّ الحول حتى أموت، قال: فأين موتك؟ قال: لا أدري. قال ابن عبّاس:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ٨٠، ومعجم ما استعجم: ٢/ ٦٥٠.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٢٤ و٢/ ١٢٢، وصحيح البخاري: ٥/ ١٩٣ وكذلك ٦/ ٢١.\n(٣) زيادة عن تفسير الطبري. [.....]\n(٤) تفسير الطبري: ٢١/ ١٠٥، ح ٢١٤٦٨.","vol":"7","page":323},{"text":"صدق الله وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ. قال: فرجع ابن عبّاس فتلقّى بابن محموم فما بلغ عشرا حتّى مات الصبي، وسأل عن اليهودي قبل الحول فقالوا: مات، وما خرج ابن عبّاس من الدنيا حتّى ذهب بصره. قال علي: هذا أعجب حديث.\nقوله: بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ كان حقه بأيّة أرض، وبه قرأ أبيّ بن كعب، إلّا أنّ من ذكّر قال: لأنّ الأرض ليس فيها من علامات التأنيث شيء. وقيل: أراد بالأرض المكان فلذلك ذكّر، وأحتج بقول الشاعر:\nفلا مزنة ودقت ودقها ... ولا الأرض ابقل ابقالها «١»\n_________\n(١) تاج العروس: ٧/ ٨٤.","vol":"7","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-604>سورة السجدة</span>\nمكّية، وهي ألف وخمسمائة وثمانية عشر حرفا، وثلاثمائة وثمانون كلمة، وثلاثون آية\nأخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفراتي، عن عمران بن موسى، عن مكي بن عبدان، عن سليمان بن داود، عن أحمد بن نصر قال: أخبرني أبو معاد، عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم، عن زيد العمي عن أبي نضرة، عن ابن عبّاس، عن أبيّ بن كعب أنّ النبيّ ﷺ قال: «من قرأ سورة الم تَنْزِيلُ أعطي من الأجر كأنّما أحيا ليلة القدر» [١٨٦] .\nوأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل الفهنرزي بها، عن حمزة بن محمد بن العبّاس ببغداد، عن عبد الله بن روح عن شبابة] بن سوار] عن المغيرة بن مسلم، عن ابن الزبير، عن جابر، عن رسول الله ﷺ: أنّه كان لا ينام حتّى يقرأ الم تَنْزِيلُ السجدة وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ «١» ويقول: «هما تفضلان كلّ سورة في القرآن سبعين حسنة، ومن قرأهما كتبت له سبعون حسنة، ومحي عنه سبعون سيئة، ورفع له سبعون درجة» [١٨٧] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤)\nيُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥) ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٩)\nوَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (١٠) قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)\n_________\n(١) سورة الملك: ١.\n(٢) سنن الترمذي: ٤/ ٢٣٩، والمستدرك: ٢/ ٤١٢.","vol":"7","page":325},{"text":"قوله ﷿: الم. تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ. أَمْ يَقُولُونَ. أي، بل يقولون وقيل: الميم صلة، أي أيقولون استفهام توبيخ. وقيل: هو بمعنى الواو يعني ويقولون.\nوقيل: فيه إضمار مجازه: فهل يؤمنون به، أم يقولون: افْتَراهُ ثمّ قال: بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ أي لم يأتهم من نذير مِنْ قَبْلِكَ.\nقال قتادة: كانوا أمّة أميّة لم يأتهم نذير قبل محمّد (﵇) . قال ابن عبّاس ومقاتل:\nذلك في الفترة التي كانت بين عيسى ومحمّد (﵉) .\nلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ. يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ أي ينزل الوحي مع جبرائيل من السماء إلى الأرض ثُمَّ يَعْرُجُ يصعد إِلَيْهِ جبرائيل بالأمر في يوم واحد من أيّام الدّنيا، وقدر مسيره ألف سنة، خمسمائة نزوله من السماء إلى الأرض، وخمسمائة صعوده من الأرض إلى السماء. وما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة سنة يقول: لو ساره أحد من بني آدم لم يسره إلّا في ألف سنة، والملائكة يقطعون هذه المسافة بيوم واحد، فعلى هذا التأويل نزلت الآية في وصف مقدار عروج الملائكة من الأرض إلى السماء، ونزولهم من السماء إلى الأرض، وأمّا قوله: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ «١» فإنّه أراد مدّة المسافة من الأرض إلى سدرة المنتهى التي فيها مقام جبرائيل (﵇) .\nيقول: يسير جبرائيل والملائكة الذين معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيّام الدنيا، وهذا كلّه معنى قول مجاهد وقتادة والضحّاك، وأمّا معنى قوله: إِلَيْهِ على هذا التأويل فإنّه يعني إلى مكان الملك الذي أمره الله أن يعرج إليه، كقول إبراهيم (﵇) إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي «٢» وإنّما أراد أرض الشام. وقال: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِرًا إِلَى اللَّهِ «٣» أي إلى المدينة، ولم يكن الله تعالى بالمدينة ولا بالشام.\nأخبرني ابن فنجويه، عن هارون بن محمد بن هارون، عن حازم بن يحيى الحلواني، عن محمد بن المتوكل، عن عمرو بن أبي سلمة، عن صدقة بن عبد الله عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني ملك برسالة من الله ﷿، ثمّ رفع رجله فوضعها فوق السماء، والاخرى في الأرض لم يرفعها» [١٨٨] «٤» .\nوقال بعضهم معناه:\n_________\n(١) سورة المعارج: ٤.\n(٢) سورة الصافات: ٩٩.\n(٣) سورة النساء: ١٠٠.\n(٤) كنز العمال: ٦/ ١٣٦ ح ١٥١٥٣.","vol":"7","page":326},{"text":"يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ مدّة أيّام الدنيا، ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ الأمر والتدبير، ويرجع يعود إليه بعد انقضاء الدنيا وفنائها فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ وهو يوم القيامة.\nوأمّا قوله: خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ «١» فإنّه أراد على الكافر، جعل الله ذلك اليوم عليه مقدار خمسين ألف سنة، وعلى المؤمن كقدر صلاة مكتوبة صلّاها في دار الدنيا. ويجوز أن يكون ليوم القيامة أوّل وليس له آخر وفيه أوقات شتّى بعضها ألف سنة وبعضها خمسين ألف سنة. ويجوز أن يكون هذا إخبار عن شدّته وهوله ومشقّته لأنّ العرب تصف أيّام المكروه بالطّول وأيّام السرور بالقصر، وإلى هذا التأويل ذهب جماعة من المفسّرين.\nوروي عبد الرزاق عن ابن جريح قال: أخبرني ابن أبي مليكة قال: دخلت أنا وعبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفّان على ابن عبّاس فسأله ابن فيروز عن هذه الآية، فقال له ابن عبّاس:\nمن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن فيروز مولى عثمان بن عفّان، فقال عبد الله بن عبّاس: أيّام سمّاها الله لا أدري ما هي، وأكره أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم. قال ابن أبي مليكة: فضرب الدهر حتّى دخلت على سعيد بن المسيّب فسئل عنها فلم يدر ما يقول، فقلت له: ألا أخبرك ما حضرت من ابن عبّاس، فأخبرته، فقال ابن المسيب للسائل: هذا ابن عبّاس قد اتّقى أن يقول فيها وهو أعلم منّي.\nقوله: ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ. الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ قرأ نافع وأهل الكوفة (خَلَقَهُ) بفتح اللّام على الفعل، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم ثمّ قالا: لسهولتها في المعنى وهي قراءة سعيد بن المسيب. وقرأ الآخرون بسكون اللام. قال الأخفش: هو على البدل ومجازه: الذي أحسن خلق كلّ شيء.\nقال ابن عبّاس: أتقنه وأحكمه، ثمّ قال: أما إنّ است القرد ليست بحسنة ولكنّه أحكم خلقها. وقال قتادة: حسنه. مقاتل: علم كيف يخلق كلّ شيء، من قولك فلان يحسن كذا إذا كان يعلمه.\nوَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ يعني آدم (﵇) مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ ذريته مِنْ سُلالَةٍ من نطفة، سمّيت بذلك لأنّها تنسل من الإنسان، أي تخرج، ومنه قيل للولد: سلالة.\nوقال ابن عبّاس: وهي صفو الماء مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ضعيف ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ. وَقالُوا يعني منكري البعث، أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أي أهلكنا وبطلنا وصرنا ترابا، وأصله من قول العرب: ضلّ الماء في اللبن إذا ذهب، ويقال: أضللت الميّت أي دفنته. قال الشاعر:\n_________\n(١) سورة المعارج: ٤.","vol":"7","page":327},{"text":"وأب مضلوه بغير جلية ... وغودر بالجولان جرم ونائل «١»\nوقرأ ابن محيصن بكسر اللام (ضَلِلْنا) وهي لغة.\nوقرأ الحسن والأعمش صَلَلْنا [بالصاد] غير معجمة أي أنتنّا، وهي قراءة عليّ ﵁ «٢» .\nأخبرنا ابن فنجويه عن ابن شنبه قال: أخبرني أبو حامد المستملي، عن محمد بن حاتم [الكرخي] «٣» أبو [عثمان] «٤» النحوي، عن المسيب بن شريك، عن عبيدة الضبي، عن رجل، عن علي أنّه قرأ أءذا صللنا أي أنتنّا.\nقال محمّد بن حاتم: يقال: صلّ اللّحم وأصل إذا أنتن.\nأَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ قال الله: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ.\nقوله ﷿: قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ بقبض أرواحكم مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ قال مجاهد: حويت له الأرض فجعلت له مثل طست يتناول منها حيث يشاء، وقال مقاتل والكلبي:\nبلغنا أنّ اسم ملك الموت عزرائيل وله أربعة أجنحة: جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، وجناح له في أقصى العالم من حيث يجيء ريح الصبا، وجناح من الأفق الآخر. ورجل له بالمشرق، والأخرى بالمغرب، والخلق بين رجليه، ورأسه وجسده كما بين السماء والأرض، وجعلت له الدنيا مثل راحة اليد، صاحبها يأخذ منها ما أحبّ في غير مشقة ولا عناء، أي مثل اللّبنة بين يديه فهو يقبض أنفس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.\nوأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين عن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك عن الخطّاب بن أحمد بن عيسى قال: أخبرني أبو نافع أحمد بن كثير، عن كثير بن هشام، عن جعفر بن برقان، عن يزيد بن الأصم عن ابن عبّاس قال: إنّ خطوة ملك الموت ما بين المشرق والمغرب.\nوأخبرنا الحسين بن محمد، عن عبد الله بن يوسف، عن عبد الرحيم بن محمد، عن سلمة ابن شبيب، عن الوليد بن سلمة الدمشقي، عن ثور بن يزيد عن خالد بن [معد «٥»]، عن معاذ بن جبل قال: إنّ لملك الموت حربة تبلغ ما بين المشرق والمغرب، وهو يتصفّح وجوه الناس، فما من أهل بيت إلّا وملك الموت يتفحّصهم في كلّ يوم مرّتين، فإذا رأى إنسانا قد انقضى أجله ضرب رأسه بتلك الحربة، وقال: الآن يزار بك عسكر الأموات.\n_________\n(١) تاج العروس: ١٠/ ٧٦.\n(٢) راجع معاني القرآن للنحاس: ١/ ٢٠، وتفسير القرطبي: ١٤/ ٩٢، ولسان العرب: ١١/ ٣٨٤.\n(٣) في نسخة أصفهان: الزمي.\n(٤) في نسخة أصفهان: عمارة.\n(٥) في نسخة أصفهان: معدان. [.....]","vol":"7","page":328},{"text":"وأخبرنا الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد ابن حنبل، عن أبي، عن عبد الله بن نميرة عن الأعمش عن خيثمة وعن شهر بن حوشب قال:\nدخل ملك الموت على سليمان، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم إليه النظر، فلمّا خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت، قال: لقد رأيته ينظر إليّ كأنّه يريدني، قال: فما تريد؟ قال: أريد أن تحملني على الريح فتلقيني بالهند، فدعا بالريح فحملته عليها فألقته بالهند، ثمّ أتى ملك الموت سليمان (﵇) فقال: إنّك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي، قال: كنت أعجب منه إنّي أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك.\nفإن قيل: ما الجامع بين قوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا «١» وتَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ «٢» وقُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ «٣» وقوله: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها «٤» وهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ «٥» .\nقيل: توفّي الملائكة: القبض والنزع. وتوفّي ملك الموت: الدعاء والأمر، يدعو الأرواح فتجيبه ثمّ يأمر أعوانه بقبضها، وتوفّي الله سبحانه: خلق الموت، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>[سورة السجده (٣٢): الآيات ١٢ الى ٢٢]</span>\nوَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤) إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)\nفَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)\nوَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)\nقوله تعالى: وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ أي مطأطئو رؤوسهم عِنْدَ رَبِّهِمْ حياء منه للذي سلف من معاصيهم في الدنيا يقولون: رَبَّنا أَبْصَرْنا ما كنّا به مكذّبين وَسَمِعْنا\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٦١.\n(٢) سورة النمل: ٢٨.\n(٣) سورة السجدة: ١١.\n(٤) سورة الزمر: ٤٢.\n(٥) سورة الأنعام: ٦٠.","vol":"7","page":329},{"text":"منك تصديق ما أتتنا به رسلك فَارْجِعْنا فارددنا إلى الدنيا نَعْمَلْ صالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ وجواب لو مضمر مجازه: لرأيت العجب وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها رشدها وتوفيقها للإيمان وَلكِنْ حَقَّ وجب وسبق الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وهو قوله لإبليس لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ «١» . ثمّ يقال لأهل النار: فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا أي تركتم الإيمان به إِنَّا نَسِيناكُمْ تركناكم في النار وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، عن أحمد بن الحسن بن ماجة القزويني، عن الحسن ابن أيّوب القزويني، عن عبد الله بن أبي زياد القطواني، عن سيار حماد الصفار، عن حجاج الأسود، عن جبلة، عن مولى له، عن كعب قال: إذا كان يوم القيامة يقوم الملائكة فيشفعون، ثمّ يقوم الأنبياء فيشفعون، ثمّ يقوم الشهداء فيشفعون ثمّ يقوم المؤمنون فيشفعون. حتّى انصرمت الشفاعة كلّها فلم يبق أحد، خرجت الرحمة، فتقول: يا ربّ أنا الرحمة فشفّعني، فيقول: قد شفّعتك، فتقول: يا ربّ فيمن؟ فيقول: في من ذكرني في مقام وخافني فيه أو رجاني أو دعاني دعوة واحدة خافني أو رجاني فأخرجيه، قال: فيخرجون فلا يبقى في النار أحد يعبأ الله به شيئا، ثمّ يعظم أهلها بها، ثمّ يأمر بالنار فتقبض عليهم فلا يدخل فيها روح أبدا، ولا يخرج منها غمّ أبدا وقيل: الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا «٢» .\nإِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن الإيمان به والسجود له. تَتَجافى أي ترتفع وتنتحي، وهو تفاعل من الجفا، والجفا: التبوّء والتباعد، تقول العرب: جاف ظهرك عن الجدار، وجفت عين فلان عن الغمض إذا لم تنم. جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ.\nأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن قال: أخبرني أبو عمرو عثمان بن أحمد ابن سمعان الوزان، عن عبد الله بن قحطبة بن مرزوق، عن محمد بن موسى الحرشي، عن الحرث بن وحيه الراسبي قال: سمعت مالك بن دينار يقول: سألت أنس بن مالك عن قول الله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ، فقال أنس: كان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ يصلّون من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء الآخرة، فأنزل الله تعالى: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ.\nأخبرني الحسين بن محمد [عن موسى بن محمد، عن الحسن بن محمد، عن موسى بن محمد] عن الحسن بن علويه، عن إسماعيل بن عيسى، عن المسيب، عن سعيد بن أبي عروبة،\n_________\n(١) سورة ص: ٨٥.\n(٢) سورة الجاثية: ٣٤.","vol":"7","page":330},{"text":"عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: نزلت فينا معاشر الأنصار: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ الآية، كنّا نصلّي المغرب، فلا نرجع إلى رحالنا حتّى نصلّي العشاء مع النبي صلّى الله عليه وآله.\nوأخبرنا الحسين بن محمد عن عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله، عن عبد الله بن محمد بن وهب، عن محمد بن حميد، عن يحيى بن الضريس، عن النضر بن حميد، عن سعيد، عن الشعبي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «من عقّب ما بين المغرب والعشاء بني له في الجنّة قصران [ما بينهما] مسيرة [مائة] عام، وفيهما من الشجر، ما لو نزلها «١» أهل المشرق وأهل المغرب لأوسعتهم «٢» فاكهة، وهي صلاة الأوّابين وغفلة الغافلين، وإنّ من الدعاء المستجاب الذي لا يرد الدعاء ما بين المغرب والعشاء» [١٨٩] «٣» .\nوقال عطاء: يعني يصلّون صلاة العتمة لا ينامون عنها، يدلّ عليها ما أنبأني عبد الله بن حامد، عن عبد الصمد بن الحسن بن علي بن مكرم، عن السري بن سهل، عن عبد الله بن رشيد قال: أنبأني أبو عبيدة مجاعة بن الزبير، عن أبان قال: جاءت امرأة إلى أنس بن مالك، فقالت:\nإنّي أنام قبل العشاء. فقال: لا تنامي. فإنّ هذه الآية نزلت في الذين لا ينامون قبل العشاء الآخرة تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ. وقال أبو العالية والحسن ومجاهد وابن زيد: هو التهجّد وقيام الليل، ودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه عن أبي بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي عن زيد بن الحبّاب، عن حمّاد بن سلمة، عن عاصم، عن شهر بن حوشب، عن معاذ، عن النبي ﷺ: تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا قال: قيام العبد في الليل.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، عن محمّد بن عبد الله بن عبد الواحد الهمداني، عن إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق بن معمر، عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل، عن معاذ قال: كنت مع رسول الله ﷺ في سفر فأصبحت قريبا منه ونحن نسير، فقلت: يا نبيّ الله ألا تخبرني بعمل يدخلني الجنّة، ويباعدني من النار؟ قال: يا معاذ، لقد سألت عن عظيم، وإنّه ليسير على من يسّره الله عليه، تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت. ثمّ قال: ألا أدلّك على أبواب الخير. الصوم جنّة من النار والصدقة تطفئ غضب الربّ «٤» وصلاة الرجل في جوف الليل ثمّ قرأ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ\n_________\n(١) في المصدر: يراهما.\n(٢) في المصدر: لأوصلهم.\n(٣) كنز العمال: ٧/ ٣٩٢ ح ١٩٤٥٠.\n(٤) في المصدر: الخطيئة، بدل «غضب الربّ» .","vol":"7","page":331},{"text":"حتّى بلغ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ثمّ قال: ألا أخبرك «١» بملاك ذلك كلّه. فقلت:\nبلى يا رسول الله. فأخذ بلسانه. فقال: «اكفف «٢»، عليك هذا» .\nفقلت: يا رسول الله وإنّا لمؤاخذون بما نتكلّم؟ فقال: «ثكلتك أمّك يا معاذ! وهل يكبّ الناس في النّار على وجوههم أو على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم» [١٩٠] «٣» .\nوقال الضحّاك: هو أن يصلّي الرجل العشاء والغداة في جماعة.\nأخبرني الحسين بن فنجويه عن أحمد بن الحسين بن ماجة قال: أخبرني أبو عوانة الكوفي بالري عن منجاب بن الحرث عن علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا جمع الله الأوّلين والآخرين يوم القيامة جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق كلّهم: سيعلم أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثمّ يرجع فينادي: ليقم الذين كانت تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ فيقومون وهم قليل، ثم يرجع فينادي: ليقم الذين كانوا يحمدون الله فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ. فيقومون وهم قليل، فيسرحون جميعا إلى الجنّة ثمّ يحاسب سائر الناس» [١٩١] «٤» .\nيَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ أي خبّئ لهم، هذه قراءة العامّة. وقرأ حمزة ويعقوب أُخْفِي مرسلة الياء أي: أنا أخفي وحجّتهما قراءة عبد الله: نخفي بالنون. وقرأ محمّد بن كعب: أخفى بالألف يعني: أخفى الله من قرّة أعين، قراءة العامّة على التوحيد.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، عن مكي بن عبدان، عن عبد الله بن هاشم قال: أخبرني أبو معاوية عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، قال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: ومن بله ما [قد] أطلعتكم عليه، اقرءوا إن شئتم فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قرّات أعين» [١٩٢] «٥» . جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ قال: وكان أبو هريرة يقرأ. هكذا: قرّات أعين.\nوقال ابن مسعود: إنّ في التوراة مكتوبا:\nلقد أعد الله للّذين تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولا يخطر على\n_________\n(١) في المصدر زيادة: برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، فقلت: بلى يا رسول الله قال: رأس الأمر وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد، ثم قال: ألا أخبرك.\n(٢) في المصدر: كف.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٢٣١، وسنن ابن ماجة: ٢/ ١٣١٤ ح ٣٩٧٣. [.....]\n(٤) تفسير القرطبي: ١٤/ ١٠٢.\n(٥) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤٤٧ ح ٤٣٢٨، وفي التنزيل: قرة.","vol":"7","page":332},{"text":"قلب بشر وما لا يعلمه ملك مقرّب، وإنّه لفي القرآن فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ الآية.\nقوله: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ الآية\nنزلت في عليّ بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمّه وذلك أنّه كان بينهما تنازع وكلام في شيء، فقال الوليد لعلي: أسكت فإنّك صبيّ، وأنا والله أبسط منك لسانا وأحدّ منك سنانا، وأشجع جنانا، وأملأ منك حشوا في الكتيبة، فقال له علي: اسكت فإنّك فاسق، فأنزل الله ﷿: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ\nولم يقل يستويان، لأنّه لم يرد بالمؤمن مؤمنا واحدا، وبالفاسق فاسقا واحدا، وإنّما أراد جميع الفسّاق وجميع المؤمنين. قال الفرّاء: إنّ الاثنين إذا لم يكونا مصمودين لهما ذهب بهما مذهب الجمع.\nثمّ ذكر حال الفريقين ومآلهما، فقال عزّ من قائل: أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النَّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ قال أبي بن كعب وأبو العالية والضحّاك والحسن وإبراهيم: العذاب الأدنى مصائب الدنيا وأسقامها وبلاؤها ممّا يبتلي الله به العباد حتّى يتوبوا، وهذه رواية الوالبي عن ابن عبّاس.\nعكرمة عنه: الحدود.\nعبد الله بن مسعود والحسن بن علي وعبد الله بن الحرث: القتل بالسيف يوم بدر.\nمقاتل: الجوع سبع سنين بمكّة حتّى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. مجاهد: عذاب القبر. قالوا: والعذاب الأكبر، يوم القيامة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم.\nقوله تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ المشركين مُنْتَقِمُونَ قال زيد بن رفيع: عنى بالمجرمين هاهنا أصحاب القدر ثمّ قرأ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ إلى قوله: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ «١»\nوأخبرنا الحسين بن محمد، عن أحمد ابن محمد بن إسحاق السني قال: أخبرني جماهر بن محمد الدمشقي، عن هشام بن عمّار، عن إسماعيل بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن عبادة بن سني، عن جنادة بن أبي أمية، عن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من اعتقد لواء في غير حقّ، أو عقّ والديه، أو مشى مع ظالم لينصره «٢» فقد أجرم. يقول الله تعالى: إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» [١٩٣] «٣» .\n_________\n(١) سورة القمر: ٤٩٤٧.\n(٢) ليست موجودة في المصدر.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ٩٠.","vol":"7","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-607>[سورة السجده (٣٢): الآيات ٢٣ الى ٣٠]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ (٢٤) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥) أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩) فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ ليلة المعراج. عن ابن عبّاس، وقال السدّي: من تلقّيه كتاب الله تعالى بالرضا والقبول. قال أهل المعاني: لم يرد باللقاء الرؤية وإنّما أراد مباشرته الحال وتبليغه رسالة الله ﷿ وقبول كتاب الله. وقيل: من لقاء الله الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد به غيره.\nوَجَعَلْناهُ [يعني الكتاب، وقال قتادة: موسى] هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ. وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً قادة في الخير يقتدى بهم يَهْدُونَ يدعون بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا قرأ حمزة والكسائي (لِما) بكسر اللام وتخفيف الميم أي لصبرهم، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة عبد الله لما صبروا وقرأ الباقون بفتح اللام وتشديد الميم أي حين صبروا.\nوَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يقضي بينهم. ويسمّي أهل اليمن القاضي الفيصل يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ آيات الله وعظاته فيتّعظون بها.\nقوله: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ أي اليابسة المغيرة: الغليظة التي لا نبات فيها. وأصله من قولهم: ناقة جراز إذا كانت تأكل كلّ شيء تجده، ورجل جروز، إذا كان أكولا. قال الراجز:\nخبّ جروز وإذا جاع بكى ... ويأكل التمر ولا يلقي النوى\nوسيف جراز أي قاطع، وجرزت الجراد الزرع إذا استأصلته، فكأن الجرز هي الأرض التي لا يبقى على ظهرها شيء إلّا أفسدته، وفيه أربع لغات: - جرز وجرز وجرز وجرز «١» .\nقال ابن عبّاس: هي أرض باليمن. قال مجاهد: هي أبين فَنُخْرِجُ فننبت بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قال بعضهم: أراد\n_________\n(١) انظر تفسير القرطبي: ١٤/ ١١١ مورد الآية.","vol":"7","page":334},{"text":"بيوم الفتح يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقاب والحكم بين العباد.\nقال قتادة: قال أصحاب النبيّ صلّى الله عليه: إنّ لنا يوما ننعم فيه ونستريح ويحكم بيننا وبينكم، فقال الكفّار استهزاء: مَتى هذَا الْفَتْحُ؟ أي القضاء والحكم.\nقال الكلبي: يعني فتح مكّة. وقال السدي: يعني يوم بدر، لأنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه كانوا يقولون لهم: إنّ الله ناصرنا ومظهرنا عليكم.\nقُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ يوم القيامة لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ ومن تأوّل النصر قال: لا ينفعهم إيمانهم إذا جاءهم العذاب وقتلوا.\nفَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ قراءة العامّة مُنْتَظِرُونَ بكسر الظاء. وقرأ محمد بن السميقع بفتح الظاء، قال الفرّاء: لا يصحّ هذا إلّا بإضمار مجازه: إنّهم منتظرون ربّهم، قال أبو حاتم: الصحيح كسر الظاء لقوله: فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ «١» .\n_________\n(١) سورة الدخان: ٥٩.","vol":"7","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-608>محتوى الجزء السابع من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة الحج ٥ سورة المؤمنون ٣٧ فصل في ذكر وجوه الحكمة في خلق الله سبحانه الخلق ٦٠ سورة النور ٦٢ ذكر حكم الآية ٧١ باب ذكر بعض ما ورد من الأخبار في الترغيب في النكاح ٩٠ فصل فيمن يستحبّ ويختار من النساء ٩٢ فصل في الآداب الواردة في النكاح والزفاف ٩٣ سورة الفرقان ١٢٢ سورة الشعراء ١٥٥ سورة النّمل ١٨٨ ذكر الأخبار الواردة في صفة دابّة الأرض وكيفية خروجها ٢٢٣ سورة القصص ٢٣٢ سورة العنكبوت ٢٦٩ سورة الروم ٢٩١ سورة لقمان ٣٠٩ فصل في ذكر بعض ما روي من حكم لقمان ٣١٦ سورة السجدة ٣٢٥","vol":"7","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-609>[الجزء الثامن]</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>سورة الأحزاب</span>\nمدنية، وهي خمسة آلاف وسبعمائة وتسعون حرفا، وألف ومائتان وثمانون كلمة، وثلاث وسبعون آية.\nأخبرني محمد بن القاسم بن أحمد بقراءتي عليه قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: أخبرني أبو عمرو الحميري وعمرو بن عبد الله البصري قالا: قال محمد بن عبد الوهاب العبدي، عن أحمد بن عبد الله بن يونس، عن سلام بن سليم، عن هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن [أبي أمامة] عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «من قرأ سورة الأحزاب وعلّمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر» [١] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاَّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)\nادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)\nقوله ﷿: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ الآية\nنزلت في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور عمرو بن [أبي] سفيان السلمي، وذلك أنّهم قدموا المدينة فنزلوا على عبد الله بن أبي رأس المنافقين بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبيّ صلّى الله عليه الأمان على أن يكلّموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقال للنبيّ ﷺ وعنده عمر ابن الخطّاب: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزّى ومنات وقل: إنّ لها شفاعة ومنفعة لمن عبدها وندعك وربّك، فشقّ على النبي صلّى الله عليه قولهم، فقال عمر بن الخطّاب: ائذن لنا يا رسول\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٨/ ١١٥.","vol":"8","page":5},{"text":"الله في قتلهم، فقال النبي (﵇): «إنّي قد أعطيتهم الأمان» [٢]، فقال عمر بن الخطّاب: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبيّ صلّى الله عليه عمر أن يخرجهم من المدينة فأنزل الله ﷿ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ] «١» [٣] .\nوَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ من أهل مكّة يعني أبا سفيان وأبا الأعور وعكرمة وَالْمُنافِقِينَ عبد الله بن أبي وعبد الله بن سعد وطعمة بن أبيرق.\nإِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بالياء. أبو عمرو، وغيره بالتاء.\nوَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا\nأخبرني ابن فنجويه، عن موسى بن علي [عن الحسن ابن علويه]، عن إسماعيل بن عيسى، عن المسيب، عن شيخ من أهل الشام قال: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وفد من ثقيف فطلبوا إليه أن [يمتعهم] باللات والعزّى سنة وقالوا:\nلتعلم قريش منزلتنا منك، فهمّ النبيّ ﷺ بذلك «٢»، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ الآيات.\nقوله: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ نزلت في أبي معمر جميل [بن معمر] بن حبيب بن عبد الله الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلّا وله قلبان. وكان يقول: إنّ لي قلبين أعقل بكلّ واحد منهما أفضل من عقل محمّد، فلمّا كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم يومئذ أبو معمر تلقّاه أبو سفيان بن حرب، وهو معلّق إحدى نعليه بيده والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس؟ قال: انهزموا، قال: فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك، فقال له أبو معمر: ما شعرت إلّا أنّهما في رجلي، فعرفوا يومئذ أنّه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده «٣» .\nوقال الزهري ومقاتل: هذا مثل ضربه الله للمظاهر من امرأته، وللمتبنّي ولد غيره، يقول:\nفكما لا يكون لرجل قلبان كذلك لا تكون امرأة المظاهر أمّه حتى يكون له أمّان، ولا يكون ولد أحد ابن رجلين.\nقوله: وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي قرأ أبو جعفر وأبو عمر وورش اللَّاء بغير مدّ ولا همز، ممدودة مهموزة بلا ياء، نافع غير ورش وأيّوب ويعقوب والأعرج، وأنشد:\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٢٣٦.\n(٢) معاذ للنبي ﷺ أن يهمّ بذلك، إما لأنه لا ينطق عن الهوى، وإما لأنه ينافي التوحيد فكيف يرضى بعبادة غير الله تعالى.\n(٣) مجمع البيان: ٨/ ١١٧.","vol":"8","page":6},{"text":"من اللّاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفّلا «١»\nوقرأ أهل الكوفة والشام بالمدّ والهمز وإثبات الياء واختاره أبو عبيد للإشباع واختلف فيه، عن ابن كثير وكلّها لغات معروفة تُظاهِرُونَ بفتح التاء وتشديد الظاء شامي. بفتح التاء وتخفيف الظاء كوفي غير عاصم، واختاره أبو عبيد بضمّ التاء وتخفيف الظاء وكسر الهاء عاصم والحسن.\nقال أبو عمرو: هذا منكر لأنّ المظاهرة من التعاون والآية نزلت في أوس بن الصامت بن قيس بن أصرم أخي عبادة، وفي امرأته خولة بنت ثعلبة بن مالك يقول الله تعالى: ما جعل نساءكم اللاتي تقولون: هنّ علينا كظهور أمّهاتنا في الحرام كما تقولون، ولكنّها منكم معصية وفيها كفّارة وأزواجكم لكم حلال، وسنذكر القصّة والحكم في سورة المجادلة إن شاء الله.\nقوله: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ يعني من تبنّيتموه أَبْناءَكُمْ\nنزلت في زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي من بني عبد ودّ، كان عبدا لرسول الله ﷺ فأعتقه وتبنّاه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطّلب في الإسلام، فجعل الفقير أخا للغني ليعود عليه، فلمّا تزوّج النبي صلّى الله عليه زينب بنت جحش الأسدي وكانت تحت زيد بن حارثة، فقالت اليهود والمنافقون: تزوج محمّد امرأة ابنه وهو ينهى الناس عنها، فأنزل الله ﷿ هذه الآيات\nوقال: ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ ولا حقيقة له، يعني قولهم: زيد ابن محمّد وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الذين ولدوهم هُوَ أَقْسَطُ أعدل عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ أي فهم إخوانكم فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ إن كانوا محرريكم وليسوا ببنيكم.\nأنبأني عقيل بن محمد الجرجاني، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية عن عيينة بن عبد الرحمن، عن أبيه، قال: قال أبو بكر: قال الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ فأنا ممّن لا يعرف أبوه، وأنا من إخوانكم في الدين. قال: قال أبي إنّي لأظنّه لو علم أنّ أباه كان حمارا لانتمى إليه وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ قبل النهي، فنسبتموه إلى غير أبيه، وقال قتادة: يعني أن تدعوه لغير أبيه وهو يرى أنّه كذلك وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ فنسبتموه إلى غير أبيه بعد النهي، وأنتم تعلمون أنّه ليس بابنه. ومحلّ ما في قوله: ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ خفض ردّا على (ما) التي في قوله: فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ ومجازه: ولكن في ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا\nقال النبيّ ﷺ: «من ادّعى إلى غير أبيه أو إلى غير أهل نعمته فعليه لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [٤] «٢» .\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ٤٤٥، تفسير القرطبي: ٥/ ١٠٨.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/ ١١٥ بتفاوت، سنن ابن ماجة: ٢/ ٩٠٥، سنن أبي داود: ٢/ ٥٠٢.","vol":"8","page":7},{"text":"وأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، عن أحمد بن محمد بن الحسن، عن محمد بن يحيى قال: أخبرني أبو صالح، حدّثني الليث، حدّثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أنّ أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس- كان ممّن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ- تبنّى سالما وأنكحه ابنة أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار فتبنّاه، كما تبنّى رسول الله صلّى عليه زيدا وكان من تبنّى رجلا في الجاهلية دعاه الناس إليه وورث من ميراثه حتّى نزلت ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦ الى ٨]</span>\nالنَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (٦) وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا (٧) لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا (٨)\nقوله ﷿: النَّبِيُّ أَوْلى أحقّ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أن يحكم فيهم بما شاء فيجوز حكمه عليهم.\nقال ابن عبّاس وعطا: يعني إذا دعاهم النبيّ (﵇) إلى شيء ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبيّ أولى بهم من طاعة أنفسهم، وقال مقاتل: يعني طاعة النبي (﵇) أولى من طاعة بعضكم لبعض، وقال ابن زيد: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ كما أنت أولى بعبدك، فما قضى فيهم من أمر، جار، كما أنّ كلّ ما قضيت على عبدك جار. وقيل: إنّه (﵇) أولى بهم في إمضاء الأحكام وإقامة الحدود عليهم لما فيه من مصلحة الخلق والبعد من الفساد. وقيل: إنّه أولى بهم في الحمل على الجهاد وبذل النفس دونه، وقالت الحكماء: النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، لأنّ أنفسهم تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والنبيّ يدعوهم إلى ما فيه نجاتهم، وقال أبو بكر الورّاق: لأنّ النبيّ يدعوهم إلى العقل، وأنفسهم تدعوهم إلى الهوى، وقال بسام بن عبد الله العراقي: لأنّ أنفسهم تحترس من نار الدّنيا، والنبيّ يحرسهم من نار العقبى.\nوروى سفيان عن طلحة عن عطاء عن ابن عبّاس أنّه كان يقرأ النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وهو أب لهم.\nوروى سفيان عن عمرو عن بجالة أو غيره قال: مرّ عمر بن الخطّاب بغلام وهو يقرأ في المصحف النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وهو أب لهم. فقال: يا غلام حكّها. قال: هذا مصحف أبي، فذهب إليه فسأله، فقال: إنّه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق","vol":"8","page":8},{"text":"في الأسواق. وقال عكرمة: أخبرت أنّه كان في الحرف الأوّل: وهو أبوهم.\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبي قال: أخبرني أبو عامر وشريح قالا: قال [فليح] بن سليمان، عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عميرة، عن النبيّ صلّى الله عليه، قال: «ما من مؤمن إلّا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة، اقرؤا إن شئتم النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فأيّما مؤمن هلك «١» وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، وإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فإنّي أنا مولاه» [٥] «٢» .\nوَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ يعني كأمّهاتهم في الحرمة، نظيره قوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ «٣» أي كالسماوات، وإنّما أراد الله تعالى تعظيم حقّهن وحرمتهن، وإنّه لا يجوز نكاحهن لا في حياة النبيّ صلّى الله عليه إن طلّق ولا بعد وفاته، هنّ حرام على كلّ مؤمن كحرمة أمّه، ودليل هذا التأويل أنّه لا يحرم على الولد رؤية الأمّ، وقد حرّم الله رؤيتهنّ على الأجنبيين، ولا يرثنّهم ولا يرثونهنّ، فعلموا أنّهن أمّهات المؤمنين من جهة الحرمة، وتحريم نكاحهنّ عليهم.\nروى سفيان، عن خراش، عن الشعبي، عن مسروق قال: قالت امرأة لعائشة: يا أمّاه، فقالت: أنا لست بأمّ لك إنّما أنا أمّ رجالكم.\nقوله: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ يعني في الميراث.\nقال قتادة: كان المسلمون يتوارثون بالهجرة، وكان لا يرث الأعرابي المسلم من المهاجر شيئا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وخلط المؤمنين بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملك والقرابات.\nوقال الكلبي: آخى رسول الله ﷺ بين الناس، وكان يؤاخي بين الرجلين، فإذا مات أحدهما ورثه الباقي منهما دون عصبته وأهله، فمكثوا بذلك ما شاء الله حتّى نزلت هذه الآية:\nوَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الذين آخى رسول الله بينهم وَالْمُهاجِرِينَ فنسخت هذه الآية الموارثة بالمؤاخاة والهجرة، وصارت للأدنى فالأدنى من القرابات\n، وقيل: أراد إثبات الميراث بالإيمان والهجرة.\nثمّ قال: إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا يعني: إلّا أن توصوا لذوي قرابتكم من\n_________\n(١) في المصدر: مات. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣٣٤، وصحيح البخاري: ٣/ ٨٥ ط. اسلامبول ١٤٠١ هـ.\n(٣) سورة آل عمران: ١٣٣.","vol":"8","page":9},{"text":"المشركين فتجوز الوصية لهم، وإن كانوا من غير أهل الإيمان والهجرة، وهذا قول محمد بن الحنفية وقتادة وعطاء وعكرمة. وقال ابن زيد ومقاتل: يعني: إلّا أن توصوا لأوليائكم من المهاجرين. وقال مجاهد: أراد بالمعروف النصرة وحفظ الحرمة لحقّ الإيمان والهجرة كانَ ذلِكَ الذي ذكرت من أنّ أُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ، وأنّ المشرك لا يرث المسلم فِي الْكِتابِ في اللوح المحفوظ مَسْطُورًا مكتوبا. وقال القرظي: في التوراة.\nقوله: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ على الوفاء بما حمّلوا، وأن يبشر بعضهم ببعض ويصدّق بعضهم بعضا. وَمِنْكَ يا محمّد وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وإنّما خصّ هؤلاء الخمسة بالذكر في هذه الآية لأنّهم أصحاب الشرائع والكتب وأولو العزم من الرسل وأئمّة الأمم.\nوَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا\nأخبرنا الحسين بن محمد، عن عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، عن محمد بن محمد بن سليمان الباغندي، عن هارون بن محمد بن بكار، عن أبيه عن سعيد يعني ابن بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه قال:\n«كنت أوّل النّبيّين في الخلق، وآخرهم في البعث» [٦] «١»، قال: وذلك قول الله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ\nفبدأ به صلّى الله عليه قبلهم. لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا أَلِيمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٩ الى ١٧]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرارًا (١٣)\nوَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاَّ يَسِيرًا (١٤) وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥) قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٦) قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (١٧)\nقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ الآية، وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلّى الله عليه أيّام الخندق إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ يعني الأحزاب، قريش وغطفان\n_________\n(١) الدر المنثور: ٥/ ١٨٤.","vol":"8","page":10},{"text":"ويهود بني قريظة والنضير فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا يعني الصبا. قال عكرمة: قالت الجنوب للشمال ليلة الأحزاب: انطلقي بنصر رسول الله صلّى الله عليه، فقالت الشمال: إنّ الحرة لا تسري بالليل، فكانت الريح التي أرسلت عليهم هي الصبا.\nقال رسول الله صلّى الله عليه: نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور «١» .\nوَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها وهم الملائكة ولم تقاتل يومئذ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا قال المفسّرون: بعث الله تعالى عليهم بالليل ريحا باردة، وبعث الملائكة فقلعت الأوتاد، وقطعت أطناب الفساطيط، وأطفأت النيران، وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، فأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم، حتّى كان سيّد كلّ حيّ يقول: يا بني فلان هلمّ إليّ فإذا اجتمعوا عنده قال: النجا النجا أتيتم، لما بعث الله عليهم من الرعب فانهزموا من غير قتال.\nأنبأني محمد بن القاسم الفارسي قال: أخبرني أبو الحسن السليطي قال: أخبرني المؤمل ابن الحسن، عن الفضل بن محمد الأشعراني «٢» عن عمرو بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن أبي سعد سعيد بن عبد الرحمن البقّال، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه وأنبأني عقيل بن محمد، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن حميد الرازي، عن سلمة، حدّثني محمد بن يسار، عن يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرطي قالا: قال فتى من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، رأيتم رسول الله صلّى الله عليه وصحبتموه؟ قال: نعم يا بن أخي، قال: وكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنّا نجهد، قال الفتى: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا، ولخدمناه وفعلنا وفعلنا.\nفقال حذيفة: يا بن أخي والله لقد رأيتني ليلة الأحزاب مع رسول الله ﷺ بالخندق في ليلة باردة، لم أجد قبلها ولا بعدها بردا أشدّ منه، فصلّى رسول الله صلّى الله عليه هونا من الليل ثمّ التفت إلينا فقال: «من يقوم فيذهب إلى هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم أدخله الله الجنّة» [٧] «٣» .\nفما قام منّا رجل، ثمّ صلّى رسول الله ﷺ هونا من الليل، ثمّ التفت إلينا فقال مثله، فسكت القوم وما قام منّا رجل. ثمّ صلّى رسول الله صلّى الله عليه هونا من الليل، ثمّ التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم على أن يكون رفيقي في الجنّة؟ فما قام رجل من شدّة الخوف وشدّة الجوع وشدّة البرد، فلمّا لم يقم أحد، دعاني رسول الله ﷺ وقال: يا حذيفة، فلم يكن لي بدّ من القيام حين دعاني، فقلت: لبّيك يا رسول الله، وقمت حتى أتيته وإنّ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٢٨، صحيح البخاري: ٢/ ٢٢.\n(٢) في نسخة أصفهان: الشعراني.\n(٣) كنز العمال: ١٠/ ٤٤٩، الدر المنثور: ٥/ ١٨٥.","vol":"8","page":11},{"text":"جنبيّ لتضطربان، فمسح رأسي ووجهي ثمّ قال: ائت هؤلاء القوم حتّى تأتيني بخبرهم، ولا تحدثنّ شيئا حتّى ترجع إليّ.\nثمّ قال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فأخذت سهمي وشددت على أصلابي، ثمّ انطلقت أمشي نحوهم كأنّي أمشي في حمّام، فذهبت فدخلت في القوم، وقد أرسل الله عليهم ريحا فقطّعت أطنابهم وقلعت أبنيتهم وذهبت بخيولهم، ولم تدع شيئا إلّا أهلكته، وأبو سفيان قاعد يصطلي، فأخذت سهمي فوضعته في كبد قوسي، فذكرت قول النبيّ صلّى الله عليه: لا تحدثنّ حدثا حتى ترجع، فرددت سهمي في كنانتي.\nفلمّا رأى أبو سفيان ما تفعل الريح وجنود الله بهم، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء قام فقال: يا معشر قريش ليأخذ كلّ رجل منكم بيد جليسه فلينظر من هو؟ فأخذت بيد جليسي فقلت من أنت؟ قال: سبحان الله أما تعرفني أنا فلان بن فلان، فإذا هو رجل من هوازن.\nفقال أبو سفيان: يا معشر قريش إنّكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخفّ وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإنّي مرتحل ثمّ قام إلى جمله وهو معقول فجلس عليه ثمّ ضربه فوثب به على ثلاث فما أطلق عقاله إلّا وهو قائم.\nوسمعت غطفان بما فعلت قريش فاستمروا راجعين إلى بلادهم، وهزم الله الأحزاب فذلك قوله: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها قال: فرجعت إلى رسول الله صلّى الله عليه كأني أمشي في حمّام، فأخبرته الخبر فضحك ﵇ حتّى بدت أنيابه في سواد الليل قال:\nوذهب عنّي الدفء فأدناني النبيّ ﵇ فأنامني عند رجليه وألقى عليّ طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدمه.\nقوله تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ يعني من فوق الوادي من قبل المشرق، وعليهم مالك بن عوف النضيري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان ومعهم طليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أخطب في يهود بني قريضة وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ يعني من بطن الوادي من قبل المغرب، وهو أبو سفيان بن حرب في قريش ومن تبعه، وأبو الأعور عمرو بن سفيان السلمي من قبل الخندق. وكان الذي جر غزوة الخندق، فيما قيل إجلاء رسول الله صلّى الله عليه بني النضير عن ديارهم.\nقال محمد بن إسحاق: حدّثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير، عن عروة بن الزبير ومن لا أتّهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، وعن الزهري، وعن عاصم بن قتادة وعن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعن محمد بن كعب القرظي، وعن غيرهم من علمائنا، دخل","vol":"8","page":12},{"text":"حديث بعضهم في بعض، قالوا: كان من حديث الخندق أنّ نفرا من اليهود منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس وأبو عمّار الوائلي في نفر من بني النضير ونفر من بني وائل وهم الذين حزّموا الأحزاب على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكّة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتّى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود، إنّكم أهل الكتاب الأوّل والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، فديننا خير أم دينه؟\nقالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحقّ منهم، قال: فهم الذين أنزل الله فيهم:\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إلى قوله: وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا «١» فلمّا قالوا ذلك لقريش سرّهم ما قالوا، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ، فأجمعوا لذلك، واستعدّوا له، ثمّ خرج أولئك النفر من اليهود حتّى جاءوا غطفان من قيس بن غيلان فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وأخبروهم أنّهم سيكونون معهم عليه، وأنّ قريشا قد بايعوهم على ذلك، وأجمعوا فيه، فأجابوهم، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بني فزارة، والحريث بن عون بن أبي جارية المرّي في بني مرّة، ومسعود بن جبلة بن نويرة بن طريف بن شحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن زيد بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع، فلمّا سمع بهم رسول الله صلّى الله عليه وبما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة وكان الذي أشار على رسول الله ﷺ بالخندق سلمان الفارسي، وكان أوّل مشهد شهده سلمان مع رسول الله صلّى الله عليه، وهو يومئذ حرّ. وقال: يا رسول الله إنّا كنّا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فعمل فيه رسول الله ﷺ والمسلمون معه حتى أحكموه.\nوقد ذكرنا حديث سلمان في صفة حفر الخندق في سورة آل عمران قالوا: فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتّى نزلت بمجتمع الأسيال من دونه من الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا [بذنب نقمى] إلى جانب أحد.\nوخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتّى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالنساء والذراري فرفعوا في الآطام، وخرج عدوّ الله حيي بن أخطب النضيري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة وعهدهم، وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه وعاهده على ذلك، فلمّا سمع كعب بحيي بن أخطب غلق دونه حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فنادى حيي: يا كعب افتح\n_________\n(١) سورة النساء: ٥١. ٥٥.","vol":"8","page":13},{"text":"لي، فقال: ويحك يا حيي، إنّك امرؤ ميشوم، إنّي قد عاهدت محمّدا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلّا وفاء وصدقا.\nقال: ويحك افتح لي أكلّمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله إن غلقت دوني إلّا على حشيشتك أن آكل معك منها، فاحفظ الرجل ففتح له. فقال: يا كعب، ويحك جئتك بعزّ الدهر، وبحر طم، جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من دونه، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب مقمي إلى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني أن لا يبرحوا حتى يستأصلوا محمّد ومن معه.\nفقال له كعب بن أسد: جئتني والله بذلّ الدهر، بمجهام قد اهراق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء، فدعني ومحمّدا وما أنا عليه، ولم أر من محمّد إلّا صدقا ووفاء.\nفلم يزل حيي بن أخطب بكعب يقبله في الذروة والغارب حتى يسمح له على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا، لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمّدا أن أدخل معك في حصّتك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ ممّا كان عليه فيما بينه وبين رسول الله ﷺ.\nفلمّا انتهى إلى رسول الله صلّى الله عليه الخبر وإلى المسلمين، بعث رسول الله صلّى الله عليه سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس أحد بني عبد الأشهل وهو يومئذ سيّد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيّد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة أخو الحارث بن الخزرج، وخوات بن جبير أخو بني عمرو بن عوف.\nفقال: انطلقوا حتى تنظروا أحقّ ما بلغنا عن هؤلاء القوم؟ فإن كان حقّا فالحنوا إليّ لحنا نعرفه ولا تفتّوا أعضاد الناس، وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس، فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم وقالوا: من رسول الله؟ وقالوا: لا عقد بيننا وبين محمّد ولا عهد، فشاتمهم سعد بن عبادة وشاتموه، وكان رجلا فيه حدّ فقال له سعد بن معاذ: دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثمّ أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله صلّى الله عليه فسلّموا عليه ثمّ قالوا: عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب رسول الله صلّى الله عليه أصحاب الرجيع خبيب بن عدي وأصحابه.\nفقال رسول الله صلّى الله عليه: الله أكبر، أبشروا يا معشر المسلمين. وعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف وأتاهم عدوّهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظنّ المؤمنون كلّ ظنّ، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال لهم معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يقدر على أن يذهب إلى الغائط «١»\n_________\n(١) بطوله في تفسير الطبري: ٢١/ ١٥٧. ١٥٩، مورد الآية.","vol":"8","page":14},{"text":"ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا حتى قال أوس بن قبطي أحد بني حارثة: يا رسول الله إنّ بيوتنا بعورة من العدو وذلك على ملأ من رجال قومه، فأذن لنا فلنرجع إلى ديارنا فإنّها خارجة من المدينة.\nفأقام رسول الله صلّى الله عليه وأقام المشركون عليه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بين القوم حرب إلّا الرمي بالنبل والحصى، فلمّا اشتدّ البلاء على الناس، بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصين وإلى الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عن رسول الله ﷺ وأصحابه، تجرى بينهم وبينه الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشار هما فيه. فقالا: يا رسول الله أشيء أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به أم أمر تحبّه فتصنعه أم شيء تصنعه لنا؟ قال: لا بل لكم والله ما أصنع ذلك، إلّا إنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبوكم من كلّ جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم.\nفقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على شرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم ولا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلّا قري أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا؟! ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلّا السيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم، فقال رسول الله ﷺ وأصحابه: فأنت وذاك، فتناول سعد الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثمّ قال: ليجهدوا علينا.\nفأقام رسول الله ﷺ والمسلمون على حالهم والمشركون يحاصروهم ولم يكن بينهم قتال إلّا أنّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبي قيس أخو بني عامر بن لؤي وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب المخزوميان ونوفل بن عبد الله وضرار بن الخطاب ومرداس أخو بني محارب بن فهر قد تلبّسوا للقتال وخرجوا على خيلهم، ومرّوا على بني كنانة.\nفقال: بنو الحارث: يا بني كنانة، فستعلمون اليوم من الفرسان، ثمّ أقبلوا حتى وقفوا على الخندق، فلمّا رأوه قالوا: والله إنّ هذه لمكيدة، ما كانت العرب تكيدها ثمّ تيمّموا مكانا من الخندق ضيّقا فضربوا خيولهم فاقتحموا منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع.\nوخرج علي بن أبي طالب ﵁ في نفر من المسلمين حتى أخذ عليهم الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان نحوهم، وقد كان عمرو بن عبد ود قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد أحدا، فلمّا كان يوم الخندق خرج معلما ليري مكانه، فلمّا وقف هو وخيله قال له علي: يا عمرو، إنّك كنت تعاهد الله، لا يدعوك رجل من قريش إلى خلّتين إلّا أخذت منه إحداهما. قال: أجل. قال: فإنّي أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك. قال: فإنّي أدعوك إلى النزال. قال: ولم يا بن أخي؟ فإنّي والله ما أحبّ أن أقتلك.","vol":"8","page":15},{"text":"قال علي ﵁: ولكنّي والله أحبّ أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره أو ضرب وجهه وأقبل على عليّ فتناولا وتجاولا وقتله عليّ ﵁.\nوخرجت خيله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة «١»، وقتل مع عمرو رجلان: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكّة، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، وكان قد اقتحم الخندق فتورّط فيه فرموه بالحجارة، فقال: يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه، فنزل إليه عليّ فقتله فغلب المسلمون على جسده، فسألوا رسول الله صلّى الله عليه أن يبيعهم جسده فقال رسول الله صلّى الله عليه: لا حاجة لنا في جسده ولا ثمنه فشأنكم به، فخلّى بينهم وبينه.\nقالت عائشة أمّ المؤمنين: كنّا يوم الخندق في حصن بني حارثة، وكان من أحرز حصون المدينة، وكانت أمّ سعد بن معاذ معنا في الحصن، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فمرّ سعد بن معاذ وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلّها وفي يده حربته وهو يقول:\nلبّث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل «٢»\nفقالت أمّه: الحق يا بني فقد والله أخرت، قالت عائشة: فقلت لها: يا امّ سعد والله لوددت أنّ درع سعد كانت أسبغ ممّا هي، وخفت عليه حيث أصاب السهم منه، قالت: فرمي سعد يومئذ فقطع منه الأكحل، وزعموا أنّه لم ينقطع من أحد قطع إلّا لم يزل يفيض دما حتى يموت، رماه حيان بن قيس بن الغرقة أحد بني عامر بن لؤي، فلمّا أصابه قال: خذها فأنا ابن الغرقة فقال سعد: غرق الله وجهك في النار، ثمّ قال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها، فإنّه لا قوم أحبّ إليّ من أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، فكذّبوه وأخرجوه، وإن كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله لي شهادة ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة، وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية.\nوروى محمد بن إسحاق بن يسار، عن يحيى بن عبادة بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبادة قال: كانت صفية بنت عبد المطّلب في قارع حصن حسّان بن ثابت قالت: وكان حسّان معنا فيه مع النساء والصبيان.\nقالت صفية: فمرّ بنا رجل من اليهود فجعل يطوف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت\n_________\n(١) وفي ذلك اليوم قال رسول الله ﷺ: لمبارزة علي لعمرو بن ود أفضل من أعمال أمتي إلى يوم القيامة، وفي لفظ: لضربة علي خير من عبادة الثقلين، راجع مستدرك الصحيحين: ٣/ ٣٢، وكنز العمال: ٦/ ١٥٨، والسيرة الحلبية: ٢/ ٣٤٩.\n(٢) البداية والنهاية: ٤/ ١٢٣.","vol":"8","page":16},{"text":"ما بينها وبين رسول الله ﷺ، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنّا، ورسول الله والمسلمون في [نحور] عدوّهم لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا عنهم إذا أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسّان إنّ هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وإنّي والله ما آمنه أن يدلّ على عورتنا من ورائنا من اليهود، وقد شغل عنّا رسول الله صلّى الله عليه وأصحابه فانزل إليه فاقتله.\nفقال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت:\nفلمّا قال ذلك لي ولم أر عنده شيئا احتجزت ثمّ أخذت عمودا ثمّ نزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتّى قتلته فلمّا فرغت منه، رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسّان انزل إليه فاسلبه فإنّه لم يمنعني من سلبه إلّا أنّه رجل، قال: ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب.\nقالوا: وأقام رسول الله صلّى الله عليه وأصحابه في ما وصف الله ﷿ من الخوف والشدّة لتظاهر عدوّهم عليهم وإتيانهم من فوقهم ومن أسفل منهم، ثمّ إنّ نعيم بن مسعود بن عامر بن [أنيف] بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن حلاوة بن أشجع بن زيد «١» بن غطفان أتى رسول الله ﷺ. فقال: يا رسول الله إنّي قد أسلمت وإنّ قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت، فقال له رسول الله صلّى الله عليه: إنّما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنّا إن استطعت فإنّ الحرب خدعة.\nفخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة، قد عرفتم ودّي إيّاكم وخاصّة ما بيني وبينكم، قالوا: صدقت لست عندنا بمتّهم، فقال لهم: إنّ قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمّد، وقد ظاهرتموهم عليه، وإنّ قريشا وغطفان ليسوا [كهيئتكم]، البلد بلدكم به أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تحولوا عنه إلى غيره، وإنّ قريشا وغطفان أموالهم وأبناؤهم ونساؤهم بغيره، وإن رأوا نهزة وغنيمة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل، والرجل ببلدكم لا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا القوم حتى تأخذوا رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن يقاتلوا معكم محمّدا حتى تناجزوه، فقالوا: لقد أشرت برأي ونصح. ثمّ خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: يا معشر قريش قد عرفتم ودّي إيّاكم وفراقي محمّدا، وقد بلغني أمر رأيت أنّ حقّا عليّ أن أبلّغكموه نصحا لكم فاكتموا عليّ. قالوا: نفعل.\nقال: تعلمون أنّ معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا في ما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه، أن قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك عنّا أن نأخذ من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم [فنعطيكم] فتضرب أعناقهم، ثمّ نكون معك على من بقي منهم؟\nفأرسل إليهم أن نعم، فإن بعث إليكم اليهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا\n_________\n(١) في تاريخ الطبري (٢/ ٢٤٢): ريث.","vol":"8","page":17},{"text":"إليهم منكم رجلا واحدا، ثمّ خرج حتّى أتى غطفان فقال: يا معشر غطفان أنتم أصلي وعشيرتي وأحبّ الناس إليّ ولا أراكم تتّهموني، قالوا: صدقت، قال: فاكتموا عليّ قالوا: نفعل، ثمّ قال لهم مثل ما قال لقريش وحذّرهم ما حذّرهم، فلمّا كانت ليلة السبت في شوّال سنة خمس، وكان ممّا صنع الله برسوله، أرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنّا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتّى نناجز محمّدا ونفرغ ممّا بيننا وبينه.\nفأرسلوا إليهم: إنّ اليوم السبت، وهو يوم لا يعمل فيه شيئا، وكان قد أحدث بعضنا فيه حدثا فأصابه ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمّدا، فإنّا نخشى إن [ضرستكم] الحرب واشتدّ عليكم القتال تسيروا إلى بلادكم، وتتركونا والرجل في بلدنا ولا طاقة لنا بذلك من محمّد.\nفلمّا رجعت إليهم الرسل بالذي قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: تعلمون والله إنّ الذي حدّثكم نعيم بن مسعود لحقّ، فأرسلوا إلى بني قريظة، إنّا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال، فاخرجوا فقاتلوا.\nفقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إنّ الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم إلّا أن تقاتلوا، فإن وجدوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم وخلّوا بينكم وبين الرجل في بلادكم، فأرسلوا إلى قريش وإلى غطفان: إنّا والله لا نقاتل معكم حتّى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم، وبعث الله تعالى عليهم الريح في ليال شاتية شديدة البرد، حتّى انصرفوا راجعين وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nقال الله تعالى: وَإِذْ زاغَتِ مالت الْأَبْصارُ وشخصت وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ فزالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق من الفزع وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا فأمّا المنافقون فظنّوا أنّ محمّدا وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، وأمّا المؤمنون فأيقنوا أنّ ما وعدهم الله حقّ [من] أنّه سيظهر دينه عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ «١» .\nواختلف القرّاء في قوله: الظُّنُونَا والرَّسُولَا والسَّبِيلَا، فأثبت الألفات فيها وصلا ووقفا، أهل المدينة والشام وأيّوب وعاصم برواية أبي بكر، وأبو عمر برواية ابن عبّاس. والكسائي برواية قتيبة، قالوا: إنّ ألفاتها ثابتة في مصحف عثمان وسائر مصاحف البلدان. وقرأها أبو عمرو في سائر الروايات وحمزة ويعقوب بغير (ألف) في الحالين على الأصل.\nوقرأ الباقون بالألف في الوقف دون الوصل، واحتجّوا بأنّ العرب تفعل ذلك في قوافي\n_________\n(١) بطوله في تفسير القرطبي: ١٤/ ١٣٥. ١٣٨ مورد الآية، وتاريخ الطبري: ٢/ ٢٤٣.","vol":"8","page":18},{"text":"أشعارهم ومصاريعها فتلحق بالألف في موضع الفتح عند الوقوف ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فحسن إثبات الألف في هذه الحروف لأنّها رؤوس الآي تمثيلا لها بالقوافي.\nقوله ﷿: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ أي اختبروا ومحّصوا ليعرف المؤمن من المنافق وَزُلْزِلُوا وحرّكوا وخوّفوا زِلْزالًا تحريكا شَدِيدًا وقرأ عاصم الجحدري (زَلْزالًا) بفتح الزاي وهما مصدران.\nوَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ يعني معتب بن قشير وأصحابه وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شكّ وضعف اعتقاد ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا. وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أي من المنافقين وهم أوس بن قبطي وأصحابه، وقال مقاتل: هم من بني سالم يا أَهْلَ يَثْرِبَ يعني المدينة. وقال أبو عبيدة: يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول (﵇) في ناحية منها. لا مُقامَ لَكُمْ قراءة العامّة بفتح الميم، أي لا مكان لكم تقيمون فيه. وقرأ السّلمي بضم الميم، أي لا إقامة لكم، وهي رواية حفص عن عاصم فَارْجِعُوا إلى منازلكم أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله ﷺ.\nقال ابن عبّاس: قالت اليهود لعبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيدي أبي سفيان وأصحابه فارجعوا إلى المدينة فرجعوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ في الرجوع إلى منازلهم وهم بنو حارثة بن الحرث يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ أي هي خالية [ضائعة] وهي ممّا يلي العدوّ، وإنّا نخشى عليها العدوّ والسرّاق. وقرأ ابن عبّاس وأبو رجاء العطاردي عَوِرَةٌ، بكسر الواو يعني قصيرة الجدران فيها خلل وفرجة، والعرب تقول: دار فلان عورة، إذا لم تكن حصينة، وقد اعور الفارس إذا بدا فيه خلل الضرب، قال الشاعر:\nمتى تلقهم لا تلقى في البيت معورا ... ولا الضيف مفجوعا ولا الجار مرملا «١»\nقال الله تعالى: وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا. وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ يقول لو دخل عليهم هؤلاء الجيوش الذين يريدون قتالهم المدينة مِنْ أَقْطارِها جوانبها ونواحيها، واحدها قطر وفيه لغة أخرى قطر وأقطار.\nثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ الشرك لَآتَوْها قراءة أهل الحجاز بقصر الألف، أي لجاءوها وفعلوها ورجعوا عن الإسلام وكفروا، وقرأ الآخرون بالمدّ، أي لأعطوها. وقالوا: إذا كان سؤال كان إعطاء وَما تَلَبَّثُوا بِها وما احتبسوا عن الفتنة إِلَّا يَسِيرًا ولأسرعوا الإجابة إليها طيبة بها أنفسهم، هذا قول أكثر المفسّرين، وقال الحسن والفراء: وما أقاموا بالمدينة بعد إعطاء الكفر إلّا قليلا حتى يهلكوا وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ أي من قبل غزوة الخندق\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ١٤٨.","vol":"8","page":19},{"text":"لا يُوَلُّونَ عدوّهم الْأَدْبارَ.\nوقال يزيد بن دومان: هم بنو حارثة همّوا يوم أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلمّا نزل فيهم ما نزل عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها أبدا، فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم، وقال قتادة: هم ناس كانوا قد غابوا عن واقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أهل بدر من الكرامة والفضيلة فقالوا: لئن أشهدنا الله قتالا لنقاتلنّ، فساق الله ذلك إليهم في ناحية المدينة.\nوقال مقاتل والكلبي: هم سبعون رجلا بايعوا رسول الله ﷺ ليلة العقبة، وقالوا له:\nاشترط لربّك ولنفسك ما شئت، فقال النبي (﵇): «اشترط لربّي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأولادكم وأموالكم، قالوا: فإذا فعلنا ذلك فما لنا يا رسول الله؟ قال: لكم النصر في الدّنيا والجنّة في الآخرة» [٨] «١» قالوا: قد فعلنا، فذلك عهدهم.\nوَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا قوله ﷿: قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ الذي كتب عليكم وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا إلى آجالكم، والدنيا كلّها قليل.\nقُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءًا هزيمة أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً نصرة وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ١٨ الى ٢٧]</span>\nقَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلًا (٢٠) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاَّ إِيمانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)\nمِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤) وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٦/ ٤٨. [.....]","vol":"8","page":20},{"text":"قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ المثبّطين مِنْكُمْ الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ تعالوا إِلَيْنا ودعوا محمّدا فلا تشهدوا معه الحرب فإنّا نخاف عليكم الهلاك.\nوَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا دفعا وتغديرا. قال قتادة: هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم: ما محمّد وأصحابه إلّا أكلة رأس ولو كانوا لحما لالتهمهم أبو سفيان وأصحابه، دعوا هذا الرجل فإنّه هالك.\nقال مقاتل: نزلت في المنافقين، وذلك أنّ اليهود أرسلوا إلى المنافقين، فقالوا: ما الذي يحملكم على قتل أنفسكم بيد أبي سفيان ومن معه فإنّهم إن قدروا عليكم هذه المرّة لم يستبقوا منكم أحدا، وإنّا نشفق عليكم، أنتم إخواننا وجيراننا هلمّ إلينا، فأقبل عبد الله بن أبيّ وأصحابه على المؤمنين يعوّقونهم ويخوّفونهم بأبي سفيان ومن معه وقالوا: لئن قدروا عليكم هذه المرّة لم يستبقوا منكم أحدا، ما ترجون من محمّد؟ فو الله ما يريدنا بخير وما عنده خير، ما هو إلّا أن يقتلنا هاهنا، انطلقوا بنا إلى إخواننا وأصحابنا، يعني اليهود، فلم يزدد المؤمنون بقول المنافقين إلّا إيمانا واحتسابا.\nوقال ابن زيد: هذا يوم الأحزاب، انطلق رجل من عند رسول الله ﷺ فوجد أخاه، وبين يديه شواء ورغيف ونبيذ، فقال له: أنت هاهنا في الشواء والنبيذ والرغيف ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف، فقال له [أخوه]: هلمّ إلى هذا فقد [تبع] بك وبصاحبك، والذي تحلف به لا يستقيلها محمّد أبدا، فقال: كذبت والذي تحلف به، وكان أخوه من أبيه وأمّه، أما والله لأخبرنّ النبي صلّى الله عليه أمرك، فذهب إلى رسول الله ﷺ ليخبره فوجده قد نزل جبرائيل (﵇) بهذه الآية «١» .\nقوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ أي بخلاء بالخير والنفقة في سبيل الله وعند قسم الغنيمة، وهي نصب على الحال والقطع من قوله: وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا وصفهم الله بالجبن والبخل.\nفَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ في رؤوسهم من الخوف والجبن كَالَّذِي أي كدوران عين الذي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ عصوكم ورموكم بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ ذربة جمع حديد، ويقال للخطيب الفصيح اللسان الذرب اللسان، مسلق ومصلق وسلاق وصلاق وأصل السلق الضرب.\nوقال قتادة: يعني بسطوا ألسنتهم فيكم وقت قسم الغنيمة، يقولون: أعطونا أعطونا فإنّا قد شهدنا معكم القتال فلستم بأحقّ بالغنيمة منّا، فأمّا عند الغنيمة فأشحّ قوم وأسوأ مقاسمة، وأمّا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ١٥٢.","vol":"8","page":21},{"text":"عند البأس فأجبن قوم وأخذلهم للحقّ.\nأَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ يعني الغنيمة أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا.\nقوله: يَحْسَبُونَ يعني هؤلاء المنافقين الْأَحْزابَ يعني قريشا وغطفان واليهود الذين تحزبوا على عداوة رسول الله صلّى الله عليه ومخالفته أي اجتمعوا، والأحزاب الجماعات واحدهم حزب. لَمْ يَذْهَبُوا ولم ينصرفوا عن قتالهم وقد انصرفوا منهم جماعة وفرقا. وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ إن يرجعوا إليكم كرّة ثانية.\nيَوَدُّوا من الخوف والجبن لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ خارجون إلى البادية فِي الْأَعْرابِ أي معهم يَسْئَلُونَ قراءة العامّة بالتخفيف، وقرأ عاصم الجحدري ويعقوب في رواية رويس وزيد مشدّدة ممدودة بمعنى يتساءلون أي يسأل بعضهم بعضا.\nعَنْ أَنْبائِكُمْ أخباركم وما آل إليه أمركم وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ يعني هؤلاء المنافقين ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا رياء من غير حسبة، ولو كان ذلك القليل لله لكان كثيرا.\nقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ محمّد صلّى الله عليه أُسْوَةٌ قدوة حَسَنَةٌ قرأ عاصم هاهنا وفي سورة الامتحان (أُسْوَةٌ) بضمّ الألف وقرأهما الآخرون بالكسر وهما لغتان مثل عدوة وعدوة ورشوة ورشوة وكسوة وكسوة. وكان يحيى بن ثابت يكسرها هنا ويضمّ الأخرى.\nقال أبو عبيد: ولا نعرف بين ما فرّق يحيى فرقا.\nقال المفسّرون: يعني لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ سنّة صالحة أن تنصروه وتؤازروه ولا تتخلّفوا عنه ولا ترغبوا بأنفسكم عن نفسه وعن مكان هواه، كما فعل هو إذ كسرت رباعيته، وجرح فوق حاجبة وقتل عمّه حمزة، وأوذي بضروب الأذى فواساكم مع ذلك بنفسه، فافعلوا أنتم أيضا كذلك واستنّوا بسنّته.\nلِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا في الرخاء والبلاء. ثمّ ذكر المؤمنين وتصديقهم بوعود الله تعالى فقال: وَلَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا تسليما لأمر الله وتصديقا لوعده هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.\nووعد الله تعالى إيّاهم قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ إلى قوله: أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ «١» .\nوَما زادَهُمْ ذلك إِلَّا إِيمانًا وَتَسْلِيمًا.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢١٤.","vol":"8","page":22},{"text":"قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فوفوا به فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ يعني فرغ من نذره ووفى بعهده فصبر على الجهاد حتى استشهد، والنحب النذر، والنحب أيضا الموت. قال ذو الرمّة:\nعشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه من ملتقى القوم هوبر «١» «٢»\nأي مات. قال مقاتل: قَضى نَحْبَهُ يعني أجله، فقتل على الوفاء، يعني حمزة وأصحابه.\nوقيل: قَضى نَحْبَهُ أي [أجهده] في الوفاء بعهده من قول العرب: نحب فلان في سيره يومه وليلته أجمع [إذا مد] «٣» فلم ينزل. قال جرير:\n[بطخفة] جالدنا الملوك وخيلنا ... عشية بسطام جرين على نحب «٤»\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ الشهادة وَما بَدَّلُوا قولهم وعهدهم ونذرهم تَبْدِيلًا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال:\nحدّثنا نهر بن أسد عن سليمان بن المغيرة عن أنس قال: وأخبرنا أحمد بن عبد الله المرني، عن محمد بن عبد الله بن سليمان، عن محمد بن العلاء عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حميد عن أنس قال: غاب عمّي أنس بن النضر- وبه سميت أنس- عن قتال بدر فشقّ عليه لما قدم وقال:\nغبت عن أوّل مشهد شهده رسول الله صلّى الله عليه، والله لئن أشهدني الله ﷿ قتالا ليرينّ الله ما أصنع.\nقال: فلمّا كان يوم أحد انكشف المسلمون فقال: اللهم إنّي أبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذر إليك ممّا صنع هؤلاء، يعني المسلمين، ثمّ مشى بسيفه فلقيه سعد بن معاذ، فقال: أي سعد والذي نفسي بيده إنّي لأجد ريح الجنّة دون أحد.\nقال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع أنس، فوجدناه بين القتلى به بضع وثمانون جراحة من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وقد مثّلوا به، وما عرفناه حتى عرفته أخته بثناياه، ونزلت هذه الآية مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.\nقال: فكنا نقول: نزلت فيه هذه الآية وفي أصحابه.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد عن أحمد ابن محمد بن شاذان عن جيغويه بن محمد الترمذي، عن صالح بن محمد، عن سليمان بن\n_________\n(١) هوبر: اسم رجل، والنحب: الخطر.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٢٤٨، تاج العروس: ٣/ ٦٠٩\n(٣) هكذا في الأصل.\n(٤) طخفة: اسم موضع، والمجالدة: المضاربة.","vol":"8","page":23},{"text":"حرب، عن حزم، عن عروة عن عائشة في قوله: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ قالت: منهم طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله صلّى الله عليه حتى أصيبت يده، فقال رسول الله صلّى الله عليه: أوجب طلحة الجنّة.\nوبإسناده عن صالح عن مسلم بن خالد عن عبد الله بن أبي نجيح أنّ طلحة بن عبيد الله يوم أحد كان محتصنا للنبيّ (﵇) في الخيل وقد بهر النبيّ صلّى الله عليه قال: فجاء سهم عابر متوجّها إلى النبيّ صلّى الله عليه فاتّقاه طلحة بيده فأصاب خنصره فقال: [حس] ثمّ قال:\nبسم الله، فقال النبيّ (﵇): «لو أنّ بها بدأت لتخطفتك الملائكة حتى تدخلك الجنّة» «١» .\nوروى معاوية بن إسحاق، عن عائشة بنت طلحة، عن عائشة أمّ المؤمنين قالت: إنّي لفي بيتي ورسول الله صلّى الله عليه وأصحابه في الفناء وبيني وبينهم الستر إذ أقبل طلحة فقال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض وقد قَضى نَحْبَهُ فلينظر إلى طلحة» [٩] «٢» .\nوأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرني أبو محمد عبد الله بن محمد بن سليمان بن بابويه بن قهرويه قال: أخبرني أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي، عن محمد ابن عبّاد الواسطي، عن مكي بن إبراهيم، عن الصلت بن دينار، عن ابن نضر، عن جابر، عن أبي عبد الله قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه يقول: «من سرّه أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله» .\nلِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا من قريش وغطفان بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا نصرا وظفرا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ بالملائكة والريح وَكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا.\nقوله ﷿: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ يعني عاونوا الأحزاب من قريش وغطفان على رسول الله ﷺ وأهل الإيمان وهم بنو قريظة، وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ لمّا أصبح من الليلة التي انصرف الأحزاب راجعين إلى بلادهم، وانصرف (﵇) والمسلمون من الخندق راجعين إلى المدينة، ووضعوا السلاح، فلمّا كان الظهر أتى جبرائيل رسول الله صلّى الله عليه [معتما] بعمامة من إستبرق على بغلة عليها رحالة، عليها قطيفة من ديباج، ورسول الله ﷺ عند زينب بنت جحش، وهي تغسل رأسه وقد غسلت شقّة فقال: قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال:\n_________\n(١) الطبقات الكبرى: ٣/ ٢١٧.\n(٢) مجمع الزوائد ٩/ ١٤٨.","vol":"8","page":24},{"text":"نعم، قال جبرائيل: عفا الله عنك، ما وضعت الملائكة السلاح منذ أربعين ليلة، وما رجعت الآن إلّا من طلب القوم، إنّ الله يأمرك يا محمّد بالسير إلى بني قريظة [وأنا عامد إلى بني قريظة] فانهض إليهم، فإنّي قد قطعت أوتارهم وفتحت أبوابهم وتركتهم في زلزال وبلبال، فأمر رسول الله ﷺ مناديا، فأذّن إنّ من كان سامعا مطيعا لا يصلّين العصر إلّا في بني قريظة.\nوقدّم رسول الله صلّى الله عليه عليّ بن أبي طالب برايته إليهم وابتدرها الناس فسار علي ابن أبي طالب حتّى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة قبيحة [على] رسول الله صلّى الله عليه منهم، فرجع حتّى لقي رسول الله صلّى الله عليه بالطريق وقال: يا رسول الله لا عليك أن لا تدنو من هؤلاء الأخابث.\nقال: لم؟ أظنّك سمعت لي منهم أذى. قال: نعم يا رسول الله، قال: لو قد رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا، فلمّا دنا رسول الله ﷺ من حصونهم قال: يا إخوان القردة والخنازير هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا: يا أبا القاسم ما كنت جهولا.\nومرّ رسول الله صلّى الله عليه على أصحابه بالصورين قبل أن يصل إلى بني قريظة فقال:\nهل مرّ بكم أحد؟ فقالوا: يا رسول الله لقد مرّ بنا دحية بن خليفة الكلبي على بغلة بيضاء عليها رحالة عليها قطيفة ديباج، فقال رسول الله ﷺ: ذاك جبرائيل بعث إلى بني قريظة، يزلزل بهم حصونهم، ويقذف الرعب في قلوبهم، فلمّا أتى رسول الله صلّى الله عليه بني قريظة نزل على بئر من آبارها في ناحية من أموالهم يقال لها يراقا، فتلاحق به الناس فأتاه رجال من بعد العشاء الآخرة ولم يصلّوا العصر، لقول رسول الله ﷺ: لا يصلّين أحدكم العصر إلّا في بني قريظة، فصلّوا العصر بها بعد صلاة العشاء الآخرة، فما عابهم الله بذلك في كتابه، ولا عنّفهم به رسول الله ﷺ «١» .\nقال: وحاصرهم رسول الله خمسا وعشرين ليلة حتّى جهدهم الحصار وَقَذَفَ الله فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وقد كان حيي بن أخطب دخل على بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان، وقال كعب بن أسد بما كان عاهده، فلمّا أيقنوا بأنّ النبي ﷺ غير منصرف عنهم حتّى يناجزهم، قال كعب بن أسد لهم: يا معشر اليهود إنّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإنّي عارض عليكم خلالا ثلاث، فخذوا أيّها شئتم، فقالوا: وما هنّ؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدّقه فو الله لقد تبيّن لكم أنّه نبي مرسل، وأنّه للذي كنتم تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دياركم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم، قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره.\nقال: فإذا أبيتم هذه فهلمّ فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثمّ نخرج إلى محمّد وأصحابه رجالا\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢١/ ١٨١ مورد الآية.","vol":"8","page":25},{"text":"مصلتين بالسيوف ولم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا شيئا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنتخذن النساء والأبناء، فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين فلا خير في العيش بعدهم.\nقال: فإن أبيتم على هذه فإنّ الليلة ليلة السبت، وأنّه عسى أن يكون محمّد وأصحابه قد أمنوا فيها، فانزلوا لعلّنا أن نصيب من محمّد وأصحابه غرّة، قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا ممّن قد علمت، فأصابهم من المسخ ما لم يخف عليك. قال:\nما بات رجل منكم منذ ولدته أمّه بليلة واحدة من الدهر حازما. قال: ثمّ إنّهم بعثوا إلى رسول الله صلّى الله عليه أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف- وكانوا حلفاء الأوس- نستشيره في أمرنا، فأرسله رسول الله صلّى الله عليه إليهم، فلمّا رأوه قام إليه الرجال ونهش إليه النساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم، وقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمّد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، إنّه الذبح.\nقال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي حتّى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله، ثمّ انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله صلّى الله عليه حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده، وقال: لا أبرح مكاني حتّى يتوب الله عليّ ممّا صنعت، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة، ولا يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا.\nفلمّا بلغ رسول الله ﷺ خبره وأبطأ عليه، قال: أما لو جاءني لاستغفرت له، فأمّا إذ فعل فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتّى يتوب الله عليه، ثمّ إنّ الله تعالى أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله ﷺ وهو في بيت أمّ سلمة وقالت أمّ سلمة: فسمعت رسول الله صلّى الله عليه من السّحر يضحك فقلت: ممّ ضحكت يا رسول الله أضحك الله سنّك؟\nقال: تيب على أبي لبابة، فقالت: ألا أبشّره بذلك يا رسول الله؟ قال: بلى إن شئت قال:\nفقامت على باب حجرتها، وذلك قبل أن يضرب الحجاب عليهن. فقالت: يا أبا لبابة أبشر فقد تاب الله عليك، قال: فسار إليه الناس ليطلقوه، فقال: لا والله حتّى يكون رسول الله ﷺ هو الذي يطلقني بيده. فلمّا مرّ عليه خارجا إلى الصبح أطلقه.\nقال: ثمّ إنّ ثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد وهم نفر من بني هزل ليسوا من بني قريظة ولا النضير، نسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله صلّى الله عليه وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدي القرظي، فمرّ بحرس رسول الله ﷺ، وعليها محمد بن مسلمة الأنصاري في تلك الليلة، فلمّا رآه قال: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدي، وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بني قريظة في غدرهم برسول الله صلّى الله عليه وقال: لا أغدر بمحمّد أبدا، فقال محمّد بن مسلمة حين عرفه: اللهمّ لا تحرمني","vol":"8","page":26},{"text":"عشرات الكرام، ثمّ خلّى سبيله، فخرج على وجهه، حتّى بات في مسجد رسول الله صلّى الله عليه بالمدينة تلك الليلة، ثمّ ذهب فلا يدرى أين ذهب من أرض الله إلى يومه هذا، فذكر لرسول الله صلّى الله عليه شأنه فقال: ذاك رجل نجّاه الله بوفائه.\nوبعض الناس يزعم أنّه أوثق برمّة فيمن أوثق من بني قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه، فأصبحت رمّته ملقاة لا يدرى أين ذهب، فقال رسول الله صلّى الله عليه تلك المقالة والله أعلم.\nفلمّا أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلّى الله عليه وتواثبت الأوس، فقالوا: يا رسول الله إنّهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج بالأمس ما قد علمت، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه قبل بني قريظة حاصر بني قينقاع، وكانوا حلفاء الخزرج، فنزلوا على حكمه فسألهم إيّاه عبد الله بن أبي سلول فوهبهم له، فلمّا كلّمته الأوس قال رسول الله ﷺ:\n«ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم»؟ قالوا: بلى.\nقال: «فذلك إلى سعد بن معاذ» [١٠] «١» . وكان سعد بن معاذ قد جعله رسول الله ﷺ في خيمة امرأة من المسلمين، يقال لها (رفيدة) في مسجده، وكانت تداوي الجرحى، وتحبس نفسها على خدمة من كانت به ضيعة من المسلمين. وكان رسول الله صلّى الله عليه قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق: «اجعلوه في خيمة رفيدة حتى أعوده من قريب» [١١] «٢» .\nفلمّا حكّمه رسول الله ﷺ في بني قريظة، أتاه قومه فاحتملوه على حمار، وقد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما، ثمّ أقبلوا معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وهم يقولون:\nيا أبا عمرو أحسن في مواليك، فإنّ رسول الله ﷺ إنّما ولّاك ذاك لتحسن فيهم، فلمّا أكثروا عليه قال: قد أتى لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فرجع بعض من كان معه إلى دار بني عبد الأشهل فنعي لهم رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التي سمع منه.\nفلمّا انتهى رسول الله صلّى الله عليه قال: قوموا إلى سيّدكم فأنزلوه. فقاموا إليه فقالوا:\nيا أبا عمرو إنّ رسول الله ﷺ قد ولّاك مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعليّ من هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له، فقال رسول الله ﷺ: نعم.\nقال سعد: فإنّي أحكم فيهم، أن يقتل الرجال، وتقسم الأموال، وتسبى النساء والذراري،\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٤/ ١٣٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٢١/ ١٨١.","vol":"8","page":27},{"text":"فقال رسول الله ﷺ لسعد: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، ثمّ استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ في دار بنت الحارث امرأة من بني النجّار، ثمّ خرج رسول الله ﷺ إلى سوق المدينة التي هي سوقها اليوم، فخندق بها خندقا ثمّ بعث إليهم فضرب أعناقهم، فهم في تلك الخنادق يخرج بهم إليه أرسالا وفيهم عدوّ الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة والمكثر لهم يقول: كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة.\nوقيل: قالوا لكعب بن أسد وهو يذهب بهم إلى رسول الله ﷺ أرسالا: يا كعب ما ترى أن يصنع بنا؟ فقال كعب: في كلّ موطن لا تعقلون! ألا ترون أنّ الداعي لا ينزع وأنّ من يذهب به منكم لا يرجع، هو والله القتل. فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم رسول الله صلّى الله عليه وأتي بحيي بن أخطب عدوّ الله وعليه حلة تفاحية قد شققها عليه من كلّ ناحية كموضع الأنملة [أنملة أنملة] لئلّا يسلبها، مجموعه يداه إلى عنقه بحبل، فلمّا نظر إلى رسول الله ﷺ قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنّه من يخذل الله يخذل، ثمّ أقبل على الناس، فقال: أيّها الناس، إنّه لا بأس بأمر الله، كتاب الله وقدره، وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثمّ جلس فضربت عنقه فقال هبل «١» بن حواس [الثعلبي] «٢»:\nلعمرك ما لام ابن أخطب نفسه ... ولكنه من يخذل الله يخذل\nيجاهد حتى أبلغ النفس عذرها ... وقلقل يغبي العز كل مقلقل «٣»\nوروى عروة بن الزبير عن عائشة قالت: لم يقتل من نساء بني قريظة إلّا امرأة واحدة، قالت: والله إنّها لعندي تتحدّث معي وتضحك ظهرا، ورسول الله صلّى الله عليه يقتل رجالهم بالسوق إذ هتف هاتف باسمها: أين فلانة؟ قالت: أنا والله. قالت: قلت: ويلك ما لك؟\nقالت: أقتل. قلت: ولم؟ قالت: حدث أحدثته. قال: فانطلق بها فضربت عنقها، وكانت عائشة تقول: ما أنسى كذا عجبا منها طيب نفس، وكثرة ضحك، وقد عرفت أنّها تقتل.\nقال الواقدي: واسم تلك المرأة بنانة امرأة الحكم القرظي، وكانت قد قتلت خلّاد بن سويد، رمت عليه رحا، فدعا رسول الله ﷺ بها وضربت عنقها بخلّاد بن سويد، وكان علي والزبير يضربان أعناق بني قريظة ورسول الله ﷺ جالس هناك.\nوروى محمد بن إسحاق عن الزهري أنّ الزبير بن باطا القرظي- وكان يكنى أبا عبد الرحمن- كان قد منّ على ثابت بن قيس بن شماس في الجاهلية يوم بغاث أخذه فجرّ ناصيته، ثمّ خلّى سبيله، وجاءه يوم قريظة، وهو شيخ كبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟\n_________\n(١) في تفسير الطبري (٢١/ ١٨٥) جبل بن جوال.\n(٢) هكذا يظهر في الأصل ولعله: الثعلبي.\n(٣) البداية والنهاية: ٤/ ١٤٣. [.....]","vol":"8","page":28},{"text":"فقال: وهل يجهل مثلي مثلك؟ قال: إنّي قد أردت أن أجزيك بيدك عندي، قال: إنّ الكريم يجزي الكريم، قال: ثمّ أتى ثابت رسول الله صلّى الله عليه فقال: يا رسول الله قد كان للزبير عندي يد وله عليّ منّة، وقد أحببت أن أجزيه بها فهب لي دمه، فقال رسول الله صلّى الله عليه: «هو لك» .\nفأتاه فقال له: إنّ رسول الله ﷺ قد وهب لي دمك. فقال: شيخ كبير لا أهل له ولا ولد فما يصنع بالحياة؟ فأتى ثابت رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أهله وولده؟ فقال: «هم لك» .\nفأتاه فقال: إنّ رسول الله ﷺ قد أعطاني امرأتك وولدك فهم لك. فقال: أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت رسول الله فقال: يا رسول الله ماله. فقال: هو لك، فأتاه فقال: إنّ رسول الله قد أعطاني مالك فهو لك. فقال أي ثابت: ما فعل الذي كأنّ وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى الحي كعب بن أسد قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال: قتل. قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا، وحامينا إذا كررنا أعزال ابن سموأل؟ قال: قتل. قال: فما فعل المجلسان؟ يعني بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة، قال: ذهبوا قتلوا، قال: وإنّي اسألك بيدي عندك يا ثابت إلّا ألحقتني بالقوم، فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير، فها أنا صابر لله حتى ألقى الأحبّة، فقدّمه ثابت فضرب عنقه، فلمّا بلغ قوله أبا بكر ألقى الأحبّة، فقال: يلقاهم والله في نار جهنّم خالدا فيها مخلّدا أبدا، فقال ثابت بن قيس في ذلك:\nوفت ذمّتي إني كريم وإنّني ... صبور إذا ما القوم حادوا عن الصبر\nوكان زبير أعظم الناس منّة ... عليّ فلما شد كوعاه بالأسر\nأتيت رسول الله كي ما أفكّه ... وكان رسول الله بحرا لنا يجري «١»\nقالوا: وكان رسول الله صلّى الله عليه قد أمر بقتل من أسر منهم، فسألته سليمى بنت قيس أمّ المنذر أخت سليط بن قيس- وكانت إحدى خالات رسول الله صلّى الله عليه وكانت قد صلّت معه القبلتين وبايعته بيعة النساء- رفاعة بن سموأل القرظي وكان رجلا قد بلغ، فلاذ بها وكان يعرفها قبل ذلك فقالت: يا نبي الله بأبي أنت وأمّي هب لي رفاعة بن سموأل، فإنّه زعم أنّه سيصلّي ويأكل لحم الجمل، فوهبه لها [فاستحيته] «٢» قالوا: ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه قسّم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليوم سهمان للخيل وسهمان للرجال، وأخرج منها الخمس، وكان للفارس ثلاثة أسهم: للفرس سهمان وللفارس سهم «٣»، وللرّاجل ممّن ليس له فرس سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستّة وثلاثون فرسا،\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٥٢.\n. (٢) هكذا في الأصل.\n(٣) سيرة ابن هشام: ٣/ ٢٥٥، وعيون الأثر لابن سيد الناس: ٢/ ٥٧.","vol":"8","page":29},{"text":"وكان أوّل فيء وقع فيه السهمان، وأخرج منه الخمس فعلى سنتها وما مضى من رسول الله فيها وقعت المقاسم ومضت السنّة في المغازي، ثمّ بعث رسول الله صلّى الله عليه سعد بن زيد الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من سبايا بني قريظة إلى نجد فابتاع له بهم خيلا وسلاحا.\nوكان رسول الله ﷺ قد اصطفى لنفسه من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن حنافة إحدى نساء بني عمرو بن قريظة فكانت عند رسول الله صلّى الله عليه حتى توفّي عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله صلّى الله عليه يحرص أن يتزوّجها ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله بل تتركني في ملك فهو أخفّ عليّ وعليك فتركها، وقد كانت حين سباها كرهت الإسلام وأبت إلّا اليهودية، فعزلها رسول الله صلّى الله عليه ووجد في نفسه بذلك من أمرها، فبينا هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: إنّ هذا لثعلبة بن شعبة يبشّرني بإسلام ريحانة، فجاءه فقال: يا رسول الله قد أسلمت ريحانة فسّره ذلك.\nفلمّا انقضى شأن بني قريظة الفجر خرج سعد بن معاذ، وذلك أنّه دعا بعد أن حكم في بني قريظة ما حكم فقال: اللهمّ إنّك قد علمت أنّه لم يكن قوم أحبّ إليّ من أن أجاهدهم من قوم كذّبوا رسولك، اللهمّ إن كنت أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئا فأبقني لها، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك فانفجر كلمه فرجعه رسول الله ﷺ إلى خيمته التي ضرب عليه في المسجد.\nقالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر، فو الذي نفس محمّد بيده إنّي لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإنّي لفي حجرتي، قالت: وكانوا كما قال الله ﷿: رُحَماءُ بَيْنَهُمْ «١» .\nقال علقمة: [أي أمّه] «٢» كيف كان يصنع رسول الله ﷺ؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد، ولكنّه كان إذا اشتدّ وجده فإنّما هو آخذ بلحيته، قال محمّد بن إسحاق: لم يقتل من المسلمين يوم الخندق إلّا ستّة نفر، وقتل من المشركين ثلاثة نفر، وقتل يوم قريظة من المسلمين خلّاد بن سويد بن ثعلبة طرحت عليه رحى فشدخته فقط «٣» .\nولمّا انصرف رسول الله صلّى الله عليه من الخندق وقريظة قال: الآن نغزوهم- يعني قريشا- ولا يغزوننا، فكان كذلك حتّى فتح الله على رسوله مكّة\n، وكان فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة سنة خمس للهجرة فذلك قوله الله ﷿: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ\n_________\n(١) سورة الفتح: ٢٩.\n(٢) يريد: عائشة.\n(٣) انظر: تاريخ الطبري: ٢/ ٢٥٢.","vol":"8","page":30},{"text":"أي حصونهم ومعاقلهم، واحدها صيصية، ومنه قيل لقرن البقر صيصية، ولشوكة الديك والحاكة صيصية، وقال الشاعر:\nكوقع الصياصي في النسيج الممدد «١» وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وهم الرجال وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وهم النساء والذراري وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَؤُها بعد. قال يزيد بن رومان وابن زيد ومقاتل: يعني خيبر. قتادة: كنّا نحدّث أنّها مكّة. قال الحسن: فارس والروم.\nعكرمة: كلّ أرض تفتح إلى يوم القيامة. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-615>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٢٨ الى ٣٢]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩) يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)\nقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ متعة الطلاق وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا. وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فأطعتنهما فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا\nقال المفسّرون: كان أزواج النبي صلّى الله عليه سألنه شيئا من عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة والغيرة، فهجرهن رسول الله ﷺ. وآلى أن لا يقربهن شهرا، ولم يخرج إلى أصحابه صلوات، فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر: إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه، فأتى النبي (﵇) فجعل يتكلّم ويرفع صوته حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أيّ شيء أكلّم به رسول الله صلّى الله عليه لعلّه ينبسط؟ فقلت: يا رسول الله لو رأيت فلانة وسألتني النفقة، فصككتها صكّة فقال: ذلك أجلسني عنكم.\nفأتى عمر حفصة فقال: لا تسألي رسول الله شيئا ما كانت لك من حاجة فإليّ، قال: ثمّ تتبّع نساء النبي ﷺ فجعل يكلّمهنّ، فقال لعائشة: أيعزّك أنّك امرأة حسناء وأنّ زوجك يحبّك لتنتهن أو لينزلن فيكنّ القرآن، قال: فقالت له أمّ سلمة: يا بن الخطّاب أو ما بقي لك إلّا أن تدخل بين رسول الله وبين نسائه؟! من يسأل المرأة إلّا زوجها؟ فأنزل الله ﷿ هذه الآيات.\nوكانت تحت رسول الله صلّى الله عليه يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش عائشة بنت أبي\n_________\n(١) كتاب العين: ٧/ ١٧٦.","vol":"8","page":31},{"text":"بكر، وحفصة بنت عمر، وأمّ حبيبة بنت أبي سفيان، وسودة بنت زمعة، وأمّ سلمة بنت أبي أمية، وصفية بنت حيي الخيبرية، وميمونة بنت الحرث الهلالية، وزينب بنت جحش الأسدية، وجويرية بنت الحرث المصطلقية، فلمّا نزلت آية التخيير بدأ رسول الله صلّى الله عليه بعائشة، وكانت أحبّهنّ إليه، فخيّرها وقرأ عليها القرآن، فاختارت اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، فرؤي الفرح في وجه رسول الله صلّى الله عليه وتابعنها على ذلك.\nقال قتادة: فلمّا اخترن الله ورسوله، شكرهنّ الله على ذلك، وقصره عليهن وقال: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) الآية.\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن الحسين عن أحمد بن يوسف عن عبد الرزّاق عن معمر، أخبرني الزهري عن عروة عن عائشة قالت: لمّا مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه فقلت: يا رسول الله، إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنّك قد دخلت عليّ من تسع وعشرين أعدّهن، فقال: إنّ الشهر تسع وعشرون، ثمّ قال: يا عائشة إنّي ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك، قالت: ثمّ قرأ عليّ هذه الآية:\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا حتى بلغ أَجْرًا عَظِيمًا.\nقالت عائشة: قد علم والله إنّ أبويّ لم يكونا ليأمراني بفراقه، قالت: في هذا أستامر أبويّ؟ فإنّي أريد اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قال معمر: فحدّثني أيّوب أنّ عائشة قالت: لا تخبر أزواجك انّي اخترتك، فقال النبي صلّى الله عليه: إنّما بعثني الله مبلّغا ولم يبعثني متعنّتا.\nوأخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون عن [أحمد بن محمّد بن الحسن] «١» عن محمد بن يحيى عن عثمان بن عمر عن يونس عن الزهري عن [أبي] «٢» سلمة أنّ عائشة قالت: لمّا أمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي، فقال: إنّي مخبرك خبرا فلا عليك أن لا تعجلي حتّى تستأمري أبويك، ثمّ قال: إنّ الله ﷿ قال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا حتّى بلغ أَجْرًا عَظِيمًا.\nفقلت: أفي هذا أستأمر أبويّ؟ فإنّي أريد اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ. قالت: ثمّ فعل أزواج النبيّ صلّى الله عليه مثل ما فعلت.\nقوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ قرأ الجحدري بالتاء. غيره بالياء. بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ بمعصية ظاهرة يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ في الآخرة ضِعْفَيْنِ وقرأ ابن عامر وابن كثير:\nنضعّف بالنون وكسر العين مشدّدا من غير ألف (الْعَذابَ) نصبا.\n_________\n(١) في نسخة أصفهان: ابن الشرقي.\n(٢) في نسخة أصفهان: ابن.","vol":"8","page":32},{"text":"وقرأ أبو عمرو ويعقوب يضعّف بالياء وفتح العين مشدّدا الْعَذابُ رفعا. قال أبو عمرو: إنّما قرأت هذه وحدها بالتشديد لقوله: ضِعْفَيْنِ وقرأ الباقون نضاعف بالألف ورفع الباء من الْعَذابُ وهما لغتان مثل باعد وبعد.\nوقال أبو عمرو وأبو عبيدة: ضعفت الشيء إذا جعلته مثله، ومضاعفته جعلته أمثاله.\nوَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا قوله: وَمَنْ يَقْنُتْ يطع.\nقال قتادة: كلّ قنوت في القرآن فهو طاعة [وقراءة العامة تقنت بالتاء] «١» وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف (يعمل) (يؤتها) بالياء. غيرهم بالتاء.\nقال الفراء: إنّما قال (يَأْتِ) (ويَقْنُتْ) لأنّ من أداة تقوم مقام الاسم يعبّر به عن الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. قال الله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ «٢» . وقال:\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ «٣»، وقال: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ «٤» . وقال الفرزدق في الاثنين:\nتعال فإن عاهدتني لا تخونني ... تكن مثل من يا ذئب يصطحبان «٥»\nمِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ أي مثلي غير هن من النساء.\nوَأَعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا يعني الجنّة.\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه، عن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن محمد بن عمران بن هارون، عن أحمد بن منيع، عن يزيد، عن حمّاد بن سلمة، عن ثابت عن أبي رافع قال: كان عمر يقرأ في صلاة الغداة بسورة يوسف والأحزاب، فإذا بلغ: يا نِساءَ النَّبِيِّ رفع بها صوته، فقيل له، فقال: أذكّرهنّ العهد.\nواختلف العلماء في حكم التخيير، فقال عمر وابن مسعود: إذا خيّر الرجل امرأته فاختارت زوجها فلا شيء عليه، وإن اختارت نفسها [طلّقت] «٦» وإلى هذا ذهب مالك.\nوقال الشافعي: إن نوى الطلاق في التخيير كان طلاقا وإلّا فلا. واحتجّ من لم يجعل التخيير بنفسه طلاقا، بقوله: وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلًا،\nوبقول عائشة: خيّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم نعدّه طلاقا.\n_________\n(١) وهكذا ورد في نسخة أصفهان: وقراءة العامة بالياء إلّا ما روي عن ابن عامر ويعقوب أنّهما قرءا: تقنت بالتاء.\n(٢) سورة يونس: ٤٣.\n(٣) سورة يونس: ٤٢.\n(٤) سورة الأحزاب: ٣١.\n(٥) لسان العرب: ١٣/ ٤١٩. [.....]\n(٦) في نسخة أصفهان: فثلاث.","vol":"8","page":33},{"text":"قوله: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ الله فأطعتنه. قال الفرّاء: لم يقل كواحدة، لأنّ الأحد عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكّر والمؤنث. قال الله تعالى:\nلا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «١» وقال: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ «٢» .\nفَلا تَخْضَعْنَ تلنّ بِالْقَوْلِ للرجال فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أي فجور وضعف إيمان وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا صحيحا جميلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-616>[سورة الأحزاب (٣٣): آية ٣٣]</span>\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)\nوَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم بفتح القاف. غيرهم بالكسر، فمن فتح القاف فمعناه واقررن، أي الزمن بيوتكنّ، من قولك قررت في المكان، أقرّ قرارا. وقررت أقرّ لغتان فحذفت الراء الأولى التي هي عين الفعل ونقلت حركتها إلى القاف فانفتحت كقولهم في ظللت وظلت.\nقال الله تعالى: فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ «٣» ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا «٤» والأصل ظللت فحذفت إحدى اللّامين، ودليل هذا التأويل قراءة ابن أبي عبلة واقررن بفتح الراء على الأصل في لغة من يقول: قررت أقرّ قرارا.\nوقال أبو عبيدة: وكان أشياخنا من أهل العربية ينكرون هذه القراءة وهي جائزة عندنا مثل قوله: فَظَلْتُمْ ومن كسر القاف فهو أمر من الوقار كقولك من الوعد: عدن ومن الوصل صلن، أي كنّ أهل وقار أي هدوء وسكون وتؤدة من قولهم: وقر فلان يقر وقورا إذا سكن واطمأن.\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري قال: أخبرني أبو بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثني أبي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن الأعمش عن أبي الضحى قال: حدّثني من سمع عائشة تقرأ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ فتبكي حتّى تبلّ خمارها.\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن خالد، عن داود بن سليمان، عن عبد الله بن حميد، عن يزيد بن هارون، عن هشام، عن محمد قال: نبئت أنّه قيل لسودة زوج النبي (﵇):\nما لك لا تحجّين ولا تعتمرين كما يفعلنّ أخواتك؟ فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله تعالى أن أقرّ في بيتي، فو الله لا أخرج من بيتي حتّى أموت.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٨٥.\n(٢) سورة الحاقة: ٤٧.\n(٣) سورة الواقعة: ٦٥.\n(٤) سورة طه: ٩٧.","vol":"8","page":34},{"text":"قال: فو الله ما خرجت من باب حجرتها حتى أخرجت جنازتها. قوله: وَلا تَبَرَّجْنَ قال مجاهد وقتادة: التبرّج التبختر التكبّر والتغنّج وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى واختلفوا فيها. قال الشعبي: هي ما بين عيسى ومحمّد (﵉) . أبو العالية: هي زمن داود وسليمان وكانت المرأة تلبس قميصا من الدرّ غير مخيط الجانبين فيرى خلفها فيه.\nالكلبي: الجاهلية التي هي الزمان الذي فيه ولد إبراهيم (﵇)، وكانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتّخذ الدّرع من اللؤلؤ فتلبسه ثمّ تمشي وسط الطريق ليس عليها شيء غيره، وتعرض نفسها على الرجال، وكان ذلك في زمان نمرود الجبّار، والناس حينئذ كلّهم كفّار.\nالحكم: هي ما بين آدم ونوح ثمانمائة سنة، وكان نساؤهم أقبح ما يكون من النساء ورجالهم حسان. فكانت المرأة تريد الرجل على نفسها.\nوروى عكرمة عن ابن عبّاس أنّه قرأ هذه الآية فقال: إنّ الجاهلية الأولى فيما بين نوح وإدريس (﵉)، وكانت ألف سنة، وإنّ بطنين من ولد آدم كان أحدهما يسكن السهل والآخر يسكن الجبل، وكان رجال الجبل صباحا وفي النساء دمامة وكان نساء السهل صباحا وفي الرجال دمامة، وإنّ إبليس أتى رجلا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر نفسه منه، فكان يخدمه، واتّخذ إبليس شيئا مثل الذي يزمر فيه الرّعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوه يستمعون إليه، واتّخذوا عيدا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرّج النساء للرجال وتتزيّن الرجال لهنّ، وإنّ رجلا من أهل الجبل هجم عليهم، وهم في عيدهم ذلك فرأى النساء وصباحتهن فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك فتحوّلوا إليهم فنزلوا معهم، فظهرت الفاحشة فيهنّ. فهو قول الله ﷿: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ.\nوقال قتادة: هي ما قبل الإسلام وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ الإثم الذي نهى الله النساء عنه. قاله مقاتل. وقال قتادة: يعني السوء. وقال ابن زيد: يعني الشيطان.\nأَهْلَ الْبَيْتِ يعني يا أهل بيت محمّد وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا من نجاسات الجاهلية. وقال مجاهد (الرِّجْسَ) الشكّ (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) من الشرك.\nواختلفوا في المعنيّ بقوله سبحانه أَهْلَ الْبَيْتِ فقال قوم: عنى به أزواج النبي (﵇) خاصّة، وإنّما ذكّر الخطاب لأنّ رسول الله صلّى الله عليه كان فيهم وإذا اجتمع المذكّر والمؤنّث غلب المذكّر.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، عن محمّد بن جعفر، عن الحسن بن علي بن عفّان قال: أخبرني أبو يحيى، عن صالح بن موسى عن خصيف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: أنزلت","vol":"8","page":35},{"text":"هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الآية في نساء النبيّ صلّى الله عليه. قال: وتلا عبد الله: وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ «١» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، عن أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، عن أحمد بن نجدة عن الحماني عن ابن المبارك عن الأصبغ بن علقمة. وأنبأني عقيل بن محمد قال: أخبرني المعافى ابن زكريا عن محمّد بن جرير قال: أخبرني [ابن] «٢» حميد عن يحيى بن واضح عن الأصبغ بن علقمة، عن عكرمة في قول الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قال:\nليس الذي تذهبون إليه، إنّما هو في أزواج النبي ﷺ خاصّة.\nقال: وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق. وإلى هذا ذهب مقاتل قال: يعني نساء النبي صلّى الله عليه كلّهن ليس معهنّ رجل. «٣»\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٣٤.\n(٢) في نسخة أصفهان: أبو.\n(٣) (أقوال المفسّرين والعلماء باختصاصها بأصحاب الكساء) قال أبو بكر النقّاش في تفسيره: أجمع أكثر أهل التّفسير أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم (جواهر العقدين: ١٩٨ الباب الأول، وتفسير آية المودّة:\n١١٢) .\nوقال سيدي محمّد بن أحمد بنيس في شرح همزيّة البوصيري: (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) أكثر المفسّرين أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين ﵃ (لوامع أنوار الكوكب الدرّي: ٢/ ٨٦) .\nوقال العلّامة سيدي محمّد جسوس في شرح الشمائل: «... ثمّ جاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معهم، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله ثمّ قال:\n(إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)» وفي ذلك إشارة إلى أنّهم المراد بأهل البيت في الآية» (شرح الشمائل المحمدية: ١/ ١٠٧ ذيل باب ما جاء في لباس رسول الله) .\nوقال السمهودي: وقالت فرقة، منهم الكلبيّ: هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين خاصّة، للأحاديث المتقدمة (جواهر العقدين: ١٩٨ الباب الأول) .\nوقال الطّحاوي في مشكل الآثار بعد ذكر أحاديث الكساء: فدلّ ما روينا في هذه الآثار ممّا كان من رسول الله ﵌ إلى أمّ سلمة ممّا ذكرنا فيها، لم يرد أنّها كانت","vol":"8","page":36},{"text":"_________\nممّا أريد به ممّا في الآية المتلوّة في هذا الباب، وأنّ المراد بما فيها هم رسول الله ﵌ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين دون ما سواهم (مشكل الآثار: ١/ ٢٣٠ ح ٧٨٢ باب ١٠٦ ما روي عن النبيّ في الآية) .\nوقال بعد ذكر أحاديث تلاوة النبيّ ﷺ الآية على باب فاطمة: في هذا أيضا دليل على أنّ هذه فيهم (مشكل الآثار: ١/ ٢٣١ ح ٧٨٥ باب ١٠٦ ما روي عن النبيّ في الآية) .\nوقال الفخر الرازي: وأنا أقول: آل محمّد ﷺ هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكلّ من كان أمرهم إليه أشدّ وأكمل كانوا هم الآل، ولا شكّ أنّ فاطمة وعليّا والحسن والحسين كان التعلّق بينهم وبين رسول الله ﷺ أشدّ التعلّقات، وهذا كالمعلوم بالنّقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل.\nأيضا اختلف النّاس في الآل، فقيل: هم الأقارب، وقيل: هم امّته، فإن حملناه على القرابة فهم الآل، وإن حملناه على الأمّة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل فثبت أنّ على جميع التقديرات هم الآل، وأمّا غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟\nفمختلف فيه، وروى صاحب الكشاف أنّه لمّا نزلت هذه الآية [المودّة] قيل: يا رسول الله ﷺ من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم؟\nفقال ﷺ: «عليّ وفاطمة وابناهما»، فثبت أنّ هؤلاء الأربعة أقارب النبيّ ﷺ وإذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التّعظيم ويدلّ عليه وجوه..) إلخ (تفسير الفخر الرازي: ٢٧/ ١٦٦ مورد آية المودّة (٢٣) من سورة الشورى) .\nوقال في موضع آخر: واختلفت الأقوال في أهل البيت، والأولى أن يقال: هم أولاده وأزواجه والحسن والحسين منهم وعليّ منهم لأنّه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بنت النبيّ وملازمته للنبيّ ﷺ (تفسير الفخر الرازي: ٢٥/ ٢٠٩) .\nوقال أبو بكر الحضرمي في رشفة الصادي: (والذي قال به الجماهير من العلماء، وقطع به أكابر الأئمّة، وقامت به البراهين وتظافرت به الأدلّة أنّ أهل البيت المرادين في الآية هم سيّدنا عليّ وفاطمة وابناهما ... وما كان تخصيصهم بذلك منه ﵌ إلّا عن أمر إلهيّ ووحي سماويّ ... والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وبما أوردته منها يعلم قطعا أنّ المراد بأهل البيت في الآية هم عليّ وفاطمة وابناهما رضوان الله عليهم، ولا التفات إلى ما ذكره صاحب روح البيان من أنّ تخصيص الخمسة المذكورين ﵈ بكونهم أهل البيت من أقوال الشيعة، لأنّ ذلك محض تهوّر يقتضي بالعجب، وبما سبق من الأحاديث وما في كتب أهل السنّة السنيّة يسفر الصبح لذي عينين. إلى أن يقول. وقد أجمعت الأمّة على ذلك فلا حاجة","vol":"8","page":37},{"text":"_________\nلإطالة الاستدلال له) (رشفة الصادي من بحر فضائل بني النبيّ الهادي: ١٣. ١٤. ١٦ ط. مصر و٢٣ و٤٠ ط. بيروت. الباب الأول. ذكر تفضيلهم بما أنزل الله في حقّهم من الآيات) .\nوقال ابن حجر: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب: ٣٣] أكثر المفسّرين على أنها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (الصواعق المحرقة: ١٤٣ ط. مصر، وط. بيروت: ٢٢٠ الباب الحادي عشر، في الآيات الواردة فيهم، الآية الاولى) .\nوقال في موضع آخر بعد تصحيح الصلاة على الآل:.. فالمراد بأهل البيت فيها وفي كلّ ما جاء في فضلهم أو فضل الآل أو ذوي القربى جميع آله ﷺ وهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وبه يعلم أنّه ﷺ قال ذلك كلّه (مراده الروايات التي حذفت الآل كما في الصحيحين، والروايات التي أثبتت الآل) فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر، ثمّ عطف الأزواج والذرّيّة على الآل في كثير من الروايات يقتضي أنّهما ليسا من الآل، وهو واضح في الأزواج بناء على الأصحّ في الآل أنّهم مؤمنو بني هاشم والمطّلب، وأمّا الذرّيّة فمن الآل على سائر الأقوال، فذكرهم بعد الآل للإشارة إلى عظيم شرفهم (الصواعق المحرقة:\n١٤٦ ط. مصر و٢٢٤. ٢٢٥ ط. بيروت، باب ١١، الآيات النازلة فيهم. الآية الثانية) .\nوقال النووي في شرح صحيح مسلم: وأمّا قوله في الرواية الاخرى: «نساؤه من أهل البيت ولكن أهل بيته من حرم الصدقة» .\nقال: وفي الرواية الاخرى: «فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا» .\nفهاتان الروايتان ظاهر هما التناقض، والمعروف في معظم الروايات في غير مسلم أنّه قال:\n«نساؤه لسن من أهل بيته»، فتتأول الرواية الاولى على أنّ المراد أنهنّ من أهل بيته الذين يسكنونه ويعولهم ... ولا يدخلن فيمن حرم الصدقة (صحيح مسلم بشرح النووي: ١٥/ ١٧٥ ح ٦١٧٥ كتاب الفضائل. فضائل عليّ) .\nوقال السمهودي: وحكى النووي في شرح المهذّب وجها آخر لأصحابنا: أنّهم عترته الذين ينسبون إليه ﷺ قال: وهم أولاد فاطمة ونسلهم أبدا، حكاه الأزهري وآخرون عنه. انتهى.\nوحكاه بعضهم بزيادة أدخل الأزواج (جواهر العقدين: ٢١١ الباب الأول، وبهامشه:\nشرح المهذب: ٣/ ٤٤٨) .\nوقال الإمام مجد الدين الفيروزآبادي: المسألة العاشرة: هل يدخل في مثل هذا الخطاب (الصلاة على النبيّ) النّساء؟ ذهب جمهور الأصوليين أنّهنّ لا يدخلن، ونصّ عليه","vol":"8","page":38},{"text":"_________\nالشافعي، وانتقد عليه، وخطىء المنتقد (الصلات والبشر في الصلاة على خير البشر: ٣٢ الباب الأول) .\nوقال الملّا عليّ القاري: الأصحّ أنّ فضل أبنائهم على ترتيب فضل آبائهم إلّا أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها فإنّهم يفضّلون على أولاد أبي بكر وعمر وعثمان لقربهم من رسول الله ﷺ فهم العترة الطاهرة والذرّيّة الطيّبة الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا (شرح كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة: ٢١٠ مسألة في تفضيل أولاد الصحابة) .\nوقال السمهودي بعد ذكر الأحاديث في إقامة النبيّ آله مقام نفسه وذكر آية المباهلة وأنّها فيهم: وهؤلاء هم أهل الكساء، فهم المراد من الآيتين (المباهلة والتطهير) (جواهر العقدين:\n٢٠٤ الباب الأول) .\nوقال الحمزاوي: واستدلّ القائل على عدم العموم بما روي من طرق صحيحة: «أنّ رسول الله ﷺ جاء ومعه عليّ وفاطمة والحسن والحسين..» وذكر أحاديث الكساء، إلى أن قال: ويحتمل أنّ التّخصيص بالكساء لهؤلاء الأربع لأمر إلهيّ يدلّ له حديث أمّ سلمة، قالت: «فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه من يدي» (مشارق الأنوار للحمزاوي:\n١١٣ الفصل الخامس من الباب الثالث. فضل أهل البيت) .\nوقال القسطلاني: ان الراجح أنّهم من حرمت عليهم الصدقة، كما نص عليه الشافعي واختاره الجمهور ويؤيده قوله ﷺ للحسن بن عليّ: إنّا آل محمّد لا تحل لنا الصدقة، وقيل المراد بآل محمّد أزواجه وذرّيّته.\nثمّ ذكر بعد ذلك كلام ابن عطيّة فقال: الجمهور على أنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وحجتهم (عَنْكُمُ ويُطَهِّرَكُمْ) بالميم (المواهب اللدنية: ٢/ ٥١٧. ٥٢٩ الفصل الثاني من المقصد السابع) .\nوقال أبو منصور ابن عساكر الشافعي: بعد ذكر قول أمّ سلمة: «وأهل البيت رسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين» هذا حديث صحيح ... والآية نزلت خاصّة في هؤلاء المذكورين (كتاب الأربعين في مناقب أمّهات المؤمنين: ١٠٦ ح ٣٦ ذكر ما ورد في فضلهنّ جميعا) .\nوقال ابن بلبان (المتوفى ٧٣٩ هـ) في ترتيب صحيح ابن حبّان: ذكر الخبر المصرّح بأنّ هؤلاء الأربع الذين تقدّم ذكرنا لهم هم أهل بيت المصطفى ﷺ، ثمّ ذكر حديث نزول الآية فيهم عن واثلة (الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان: ٩/ ٦١ ح ٦٩٣٧ كتاب المناقب، ويأتي الحديث بتمامه) .","vol":"8","page":39},{"text":"_________\nوقال ابن الصبّاغ من فصوله: أهل البيت على ما ذكر المفسّرون في تفسير آية المباهلة، وعلى ما روي عن أمّ سلمة: هم النبيّ ﷺ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين (مقدّمة المؤلف: ٢٢) .\nوقال الحاكم النيشابوري بعد حديث الكساء والصلاة على الآل وأنّه فيهم: إنّما خرّجته ليعلم المستفيد أنّ أهل البيت والآل جميعا هم (المستدرك: ٣/ ١٤٨ كتاب المعرفة. ذكر مناقب أهل البيت (﵈» .\nوقال الحافظ الكنجي: الصحيح أنّ أهل البيت عليّ وفاطمة والحسنان (كفاية الطالب:\n٥٤ الباب الأول) .\nوقال القندوزي في ينابيعه: أكثر المفسّرين على أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسن والحسين لتذكير ضمير عنكم ويطهّركم (ينابيع المودّة: ١/ ٢٩٤ ط. اسلامبول ١٣٠١ هـ و٣٥٢ ط. النجف، باب ٥٩ الفصل الرابع) .\nوقال محبّ الدّين الطبري: باب في بيان أنّ فاطمة والحسن والحسين هم أهل البيت المشار إليهم في قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا وتجليله ﷺ إيّاهم بكساء ودعائه لهم (ذخائر العقبى: ٢١) .\nوقال السخاوي في القول البديع في بيان صيغة الصلاة في التشهّد: فالمرجع أنّهم من حرمت عليهم الصدقة، وذكر أنّه اختيار الجمهور ونصّ الشافعي، وأنّ مذهب أحمد أنّهم أهل البيت، وقيل: المراد أزواجه وذرّيّته ... (عن هامش الصواعق المحرقة لعبد الوهاب عبد اللطيف: ١٤٦ ط. مصر ١٣٨٥ هـ) .\nوقال القاسمي: ولكن هل أزواجه من أهل بيته؟ على قولين هما روايتان عن أحمد:\nأحدهما أنّهنّ لسن من أهل البيت، ويروى هذا عن زيد بن أرقم (تفسير القاسمي المسمّى محاسن التأويل: ١٣/ ٤٨٥٤ مورد الآية ط. مصر عيسى الحلبي) .\nوقال الآلوسي: وأنت تعلم أنّ ظاهر ما صحّ من قوله ﷺ: «إنّي تارك فيكم خليفتين. وفي رواية. ثقلين كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» . يقتضي أنّ النّساء المطهّرات غير داخلات في أهل البيت الذين هم أحد الثّقلين (تفسير روح المعاني: ١٢/ ٢٤ مورد الآية) .\nوقال الشاعر الحسن بن عليّ بن جابر الهبل في ديوانه: آل النّبيّ هم أتباع ملّته من مؤمني رهطه الأدنون في النّسب هذا مقال ابن إدريس الذي روت ال أعلام عنه فمل عن منهج الكذب وعندنا أنّهم أبناء فاطمة وهو الصحيح بلا شكّ ولا ريب. (جناية الأكوع: ٢٨) وقال","vol":"8","page":40},{"text":"_________\nالحافظ البدخشاني: وآل العباء عبارة عن هؤلاء لأنّه صحّ عن عائشة وأمّ سلمة وغيرهما بروايات كثيرة أنّ النبيّ ﷺ جلّل هؤلاء الأربعة بكساء كان عليه، ثمّ قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.\nوقال توفيق أبو علم: فالرأي عندي أنّ أهل البيت هم أهل الكساء: عليّ وفاطمة والحسن والحسين ومن خرج من سلالة الزهراء وأبي الحسنين ﵃ أجمعين (أهل البيت: ٩٢ ذيل الباب الأول، و: ٨. المقدّمة) .\nوقال في موضع الردّ على عبد العزيز البخاري: أمّا قوله: إنّ آية التطهير المقصود منها الأزواج، فقد أوضحنا بما لا مزيد عليه أنّ المقصود من أهل البيت هم العترة الطاهرة لا الأزواج (أهل البيت: ٣٥ الباب الأول) .\nوقال: وأمّا ما يتمسك به الفريق الأعم والأكبر من المفسّرين فيتجلى فيما روي عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول الله ﷺ: «نزلت هذه الآية في خمسة فيّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة» (أهل البيت: ١٣. الباب الأول) .\nوقال الشوكاني في إرشاد الفحول في الردّ على من قال أنّها مختصة بالنّساء: ويجاب عن هذا بأنّه قد ورد بالدليل الصحيح أنّها نزلت في عليّ وفاطمة والحسنين (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق في علم الأصول: ٨٣ البحث الثامن من المقصد الثالث، وأهل البيت لتوفيق أبو علم: ٣٦. الباب الأول) .\nوقال أحمد بن محمّد الشامي: وقد أجمعت امّهات كتب السنّة وجميع كتب الشيعة على أنّ المراد بأهل البيت في آية التطهير النبيّ ﷺ وعليّ وفاطمة والحسن والحسين لأنّهم الذين فسرّ بهم رسول الله ﷺ المراد بأهل البيت في الآية، وكلّ قول يخالف قول رسول الله ﷺ من بعيد أو قريب مضروب به عرض الحائط، وتفسير الرسول ﷺ أولى من تفسير غيره إذ لا أحد أعرف منه بمراد ربّه (جناية الأكوع: ١٢٥ الفصل السادس) .\nوقال الشيخ الشبلنجي: هذا ويشهد للقول بأنّهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين ما وقع منه ﷺ حين أراد المباهلة، هو ووفد نجران كما ذكره المفسّرون (نور الأبصار:\n١٢٢ ط. الهند و٢٢٣ ط. قم، الباب الثاني. مناقب الحسن والحسين) .\nوقال الشيخ السندي في كتابه (دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب): وهذا التحقيق في تفسير (أهل البيت) يعيّن المراد منهم في آية التطهير مع نصوص كثيرة من الأحاديث الصحاح المنادية على أنّ المراد منهم الخمسة الطاهرة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ولنا وريقات في تحقيق ذلك مجلّد في دفترنا يجب على طالب الحقّ الرجوع إليه (عنه","vol":"8","page":41},{"text":"وقال آخرون: عنى به رسول الله صلّى الله عليه عليا وفاطمة والحسن والحسين ﵃.\nوأخبرني عقيل بن محمّد الجرجاني عن المعافى بن زكريا البغدادي، عن محمّد بن جرير، حدّثني بن المثنى عن بكر بن يحيى بن ريان الغبري، عن مسدل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «نزلت هذه الآية فيّ وفي علي وحسن وحسين وفاطمة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا» [١٢] «١» .\nوأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن أبي عبد الله بن نمير، عن عبد الملك يعني ابن أبي سليمان، عن عطاء بن أبي رباح، حدّثني من سمع أمّ سلمة تذكر أنّ النبيّ ﷺ كان في بيتها فأتته فاطمة ببرمة فيها حريرة فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي زوجك وابنيك، قالت: فجاء علي وحسن وحسين فدخلوا عليه فجلسوا يأكلون من تلك الحريرة وهو على منامة له على دكان تحته كساء خيبري، قالت: وأنا في الحجرة أصلّي فأنزل الله تعالى هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.\nقالت: فأخذ فضل الكساء فغشّاهم به ثمّ أخرج يده فألوى بها إلى السماء ثمّ قال: اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وحامتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا. قالت: فأدخلت رأسي البيت فقلت: وأنا معكم يا رسول الله؟ قال: إنّك إلى خير، إنّك إلى خير.\nوأخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله الثقفي، عن عمر بن الخطّاب، عن عبد الله بن الفضل، عن الحسن بن علي، عن يزيد بن هارون، عن العوّام بن حوشب، حدّثني ابن عمّ لي\n_________\nعبقات الأنوار: ١/ ٣٥٠ ط. قم، و٩١١ ط. أصبهان. قسم حديث الثّقلين) .\nوقال الرفاعي: وقيل عليّ وفاطمة وابناهما، وهو المعتمد الذي عليه جمهور العلماء (المشرع الروي: ١/ ١٧) .\nوقال الدكتور عبّاس العقاد: واختلف المفسرون فيمن هم أهل البيت:\nأمّا الفخر الرازي في تفسيره (٦/ ٧٨٣)، والزمخشري في كشافه، والقرطبي في تفسيره، وفتح القدير للشوكاني، والطبري في تفسيره، والسيوطي في الدر المنثور (٥/ ١٦٩)، وابن حجر العسقلاني في الإصابة (٤/ ٤٠٧)، والحاكم في المستدرك، والذّهبي في تلخيصه (٣/ ١٤٦)، والإمام أحمد في الجزء الثالث صفحة: ٢٥٩ فقد قالوا جميعا: إنّ أهل البيت هم عليّ والسيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين ﵃. وأخذ بذكر الأدلة. (فاطمة الزهراء للعقاد: ٧٠ ط. مصر دار المعارف الطبعة الثالثة.) . [.....]\n(١) مجمع الزوائد: ٩/ ١٦٧.","vol":"8","page":42},{"text":"من بني الحرث بن تيم الله يقال له: (مجمع)، قال: دخلت مع أمّي على عائشة، فسألتها امّي، فقالت: أرأيت خروجك يوم الجمل؟ قالت: إنه كان قدرا من الله سبحانه، فسألتها عن علي، فقالت: تسأليني عن أحبّ النّاس كان إلى رسول الله صلّى الله عليه، وزوج أحبّ الناس كان إلى رسول الله، لقد رأيت عليّا وفاطمة وحسنا وحسينا جمع رسول الله صلّى الله عليه بثوب عليهم ثمّ قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وحامّتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.\nقالت: فقلت: يا رسول الله أنا من أهلك؟ قال: تنحّي فإنّك إلى خير.\nوأخبرني الحسين بن محمّد عن أبي حبيش المقرئ قال: أخبرني أبو القاسم المقرئ قال:\nأخبرني أبو زرعة، حدّثني عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة، أخبرني ابن أبي فديك حدّثني ابن أبي مليكة عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر الطيّار عن أبيه، قال: لمّا نظر رسول الله ﷺ إلى الرحمة هابطة من السماء قال: من يدعو؟ مرّتين، فقال زينب «١»: أنا يا رسول الله، فقال:\nأدعي لي عليّا وفاطمة والحسن والحسين. قال: فجعل حسنا عن يمناه وحسينا عن يسراه وعليّا وفاطمة وجاهه ثمّ غشاهم كساء خيبريّا. ثمّ قال: اللهم لكلّ نبيّ أهل، وهؤلاء أهلي، فأنزل الله ﷿: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الآية.\nفقالت زينب: يا رسول الله ألا أدخل معكم؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه: «مكانك فإنّك إلى خير إن شاء الله» [١٣] «٢» .\nوأخبرني الحسين بن محمد عن عمر بن الخطّاب عن عبد الله بن الفضل قال: أخبرني أبو بكر بن أبي شيبة عن محمّد بن مصعب عن الأوزاعي، عن عبد الله بن أبي عمّار قال: دخلت على وائلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليّا فشتموه فشتمته، فلمّا قاموا قال لي: أشتمت هذا الرجل؟ قلت: قد رأيت القوم قد شتموه فشتمته معهم.\nفقال: ألا أخبرك ما سمعت من رسول الله صلّى الله عليه؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة أسألها عن علي فقالت: توجّه إلى رسول الله صلّى الله عليه فجلست فجاء رسول الله ﷺ ومعه علي والحسن والحسين كلّ واحد منهما آخذ بيده حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا كلّ واحد منهما على فخذه، ثمّ لفّ عليهم ثوبه أو قال كساءه، ثمّ تلا هذه الآية: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ثمّ قال:\nاللهمّ هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحقّ.\n_________\n(١) كما هو ملاحظ أن القائلة تارة أم سلمة وأخرى زينب وفي بعض الروايات عائشة وقد فسّر ذلك العلماء- منهم ابن حجر والسمهوري- أن الآية نزلة عدة مرات في بيت فاطمة وأمّ سلمة وزينب وعائشة، وقد فصلت ذلك مع ما يتعلق بالآية في كتاب طهارة آل محمد ﷺ.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ٣٠٤، سنن الترمذي: ٥/ ٣٦١.","vol":"8","page":43},{"text":"وقيل: هم بنو هاشم.\nأخبرني ابن فنجويه عن ابن حبيش المقرئ عن محمّد بن عمران قال: حدّثنا أبو كريب قال: أخبرني وكيع عن أبيه عن سعيد بن مسروق عن يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله ﷺ: أنشدكم الله في أهل بيتي مرّتين، قلنا لزيد بن أرقم ومن أهل بيته؟ قال: الذين يحرمون الصدقة آل علي وآل عبّاس وآل عقيل وآل جعفر.\nوأخبرني أبو عبد الله، قال: أخبرني أبو سعيد أحمد بن علي بن عمر بن حبيش الرازي عن أحمد بن عبد الرحمن الشبلي أبو عبد الرحمن قال: أخبرني أبو كريب عن معاوية بن هشام عن يونس بن أبي إسحاق عن نفيع أبي داود عن أبي الحمراء قال: أقمت بالمدينة تسعة أشهر كيوم واحد، وكان رسول الله صلّى الله عليه يجيء كلّ غداة فيقوم على باب علي وفاطمة فيقول الصلاة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا.\nوأخبرني أبو عبد الله، حدّثني عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن محمّد بن إبراهيم ابن زياد الرازي، عن الحرث بن عبد الله الخازن، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن عباية ابن الربعي، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «قسّم الله الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، فذلك قوله ﷿: وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ «١» فأنا خير أصحاب اليمين» .\nثمّ جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا، فذلك قوله: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ. وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ. وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ «٢» فأنا من السابقين [وأنا من خير السابقين] ثمّ جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة فذلك قوله:\nوَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ «٣» الآية، وأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر.\nثمّ جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا فذلك قوله: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [١٤] «٤» .\n_________\n(١) - سورة الواقعة: ٢٧.\n(٢) - مجمع الزوائد: ٨/ ٢١٥، كنز العمال: ٢/ ٤٤، الدر المنثور: ٥/ ١٩٩.\n(٣) سورة الواقعة: ٧- ١٠.\n(٤) سورة الحجرات: ١٣.","vol":"8","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-617>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٤ الى ٣٨]</span>\nوَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤) إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥) وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا (٣٦) وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧) ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)\nوَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ يعني القرآن وَالْحِكْمَةِ السنّة، عن قتادة، وقال مقاتل: أحكام القرآن ومواعظه إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.\nوقوله: إِنَّ اللَّهَ كانَ لَطِيفًا خَبِيرًا.\nوقوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الآية. وذلك\nأنّ أزواج النبي صلّى الله عليه قلن: يا رسول الله ذكر الله الرجال في القرآن ولم يذكر النساء بخير فما فينا خير نذكر به، إنّا نخاف أن لا تقبل منّا طاعة، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال مقاتل: قالت أمّ سلمة بنت أبي أمية وأنيسة بنت كعب الأنصارية للنبي صلّى الله عليه: ما بال ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من كتابه؟ نخشى أن لا يكون فيهنّ خير ولا لله فيهنّ حاجة، فنزلت هذه الآية.\nروى عثمان بن حكم عن عبد الرحمن بن شيبة قال: سمعت أمّ سلمة زوج النبي (﵇) تقول: قلت للنبي (﵇): يا رسول الله ما لنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال؟\nقلت: فلم يرعني ذات يوم ظهرا إلّا بدواة على المنبر وأنا أسرح رأسي فلفقت شعري ثمّ خرجت إلى حجرة من حجر بيتي فجعلت سمعي عند الجريدة، فإذا هو يقول على المنبر: يا أيّها الناس إنّ الله ﷿ يقول في كتابه: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ... إلى قوله: وَأَجْرًا عَظِيمًا.\nوقال مقاتل بن حيان: بلغني أنّ أسماء بنت عميس رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فدخلت على نساء رسول الله صلّى الله عليه فقالت: هل نزل فينا شيء من القرآن؟\nقلن: لا، فأتت رسول الله صلّى الله عليه فقالت: يا رسول الله إنّ النساء لفي خيبة وخسار، قال رسول الله صلّى الله عليه: وممّ ذلك؟ قالت: لأنّهنّ لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال، فأنزل الله ﷿: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ إلى آخر الآية.\nأخبرني ابن فنجويه عن ابن شبّه عن الفراتي «١» عن إبراهيم بن سعيد، عن عبيد الله عن شيبان، عن الأعمش، عن علي بن الأرقم، عن الأغر أبي مسلم، عن أبي سعيد وأبي هريرة\n_________\n(١) هو أبو عمرو أحمد بن أبي الفراتي صاحب التفسير، الملقب بالبستاني.","vol":"8","page":45},{"text":"قالا: قال رسول الله صلّى الله عليه: من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصلّيا جميعا ركعتين كتبا من الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن شاذان عن جيغويه بن محمد، عن صالح بن محمد عن سليمان بن عمرو، عن حنظلة التميمي، عن الضحّاك بن مزاحم، عن ابن عبّاس قال: جاء إسرافيل إلى النبيّ صلّى الله عليه فقال: قل يا محمّد: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلّا بالله عدد ما علم وزنة ما علم وملء ما علم، من قالها كتبت له ستّ خصال، كتب من الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، وكان أفضل ممّن ذكره الليل والنهار، وكان له غرس في الجنّة، وتحاتت عنه ذنوبه كما تتحات ورق الشجر اليابسة، ونظر الله إليه، ومن نظر الله إليه لم يعذّبه.\nوقال مجاهد: لا يكون العبد من الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا حتى يذكر الله تعالى قائما وقاعدا ومضطجعا. قال عطاء بن أبي رباح: من فوّض أمره إلى الله فهو داخل في قوله: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ومن أقرّ بأنّ الله ربّه، وأنّ محمّدا رسوله، ولم يخالف قلبه لسانه، فهو داخل في قوله: وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ومن أطاع الله في الفرض والرسول في السنّة فهو داخل في قوله: وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ ومن صان قوله عن الكذب فهو داخل في قوله: وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ ومن صلّى فلم يعرف من عن يمينه ويساره فهو داخل في قوله: وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ ومن صبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الرزيّة فهو داخل في قوله:\nوَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ ومن تصدّق في كلّ اسبوع بدرهم فهو داخل في قوله: وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ ومن صام في كلّ شهر أيّام البيض، الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر فهو داخل في قوله: وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ ومن حفظ فرجه عمّا لا يحلّ فهو داخل في قوله:\nوَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ ومن صلّى الصلوات الخمس بحقوقها فهو داخل في قوله:\nوَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.\nقوله ﷿: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ الآية.\nنزلت في زينب بنت جحش بن رئاب ابن النعمان بن حبرة بن مرّة بن غنم بن دودان الأسدية، وأخيها عبد الله بن جحش، وكانت زينب بنت آمنة بنت عبد المطلب عمّة النبي ﷺ، فخطبها رسول الله ﷺ على مولاه زيد بن حارثة، وكان رسول الله ﷺ اشترى زيدا في الجاهلية من عكاظ، وكان من سبي الجاهلية فأعتقه وتبنّاه، فكان زيد عربيّا في الجاهلية مولى في الإسلام.\nفلمّا خطب رسول الله ﷺ زينب رضيت، [ورأت] أنّه يخطبها على نفسه فلمّا علمت أنّه يخطبها على زيد أبت وأنكرت وقالت: أنا أتمّ نساء قريش وابنة عمّتك، فلم أكن لأفعل يا رسول الله ولا أرضاه لنفسي، وكذلك قال أخوها عبد الله، وكانت زينب بيضاء جميلة، وكانت فيها حدة فأنزل الله ﷿: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ يعني عبد الله بن جحش وزينب أخته","vol":"8","page":46},{"text":"إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ\nقرأ أهل الكوفة وأيّوب بالياء واختاره أبو عبيد قال:\nللحائل بين التأنيث والفعل، وكذلك روى هاشم عن أهل الشام وقرأ الباقون بالتاء «١» .\nلَهُمُ الْخِيَرَةُ أي الاختيار وقراءة العامّة (الْخِيَرَةُ) بكسر الخاء وفتح الياء، وقرأ ابن السميقع بسكون الياء وهما لغتان مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا\nفلمّا نزلت هذه الآية قالت: قد رضيت يا رسول الله، وجعلت أمرها بيد رسول الله ﷺ، وكذلك أخوها فأنكحها رسول الله ﷺ زيدا، فدخل بها، وساق إليها رسول الله ﷺ عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدّا من طعام وثلاثين صاعا من تمر.\nوقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أوّل من هاجر من النساء، ف وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ، فقال: قد قبلت، فزوّجها زيد بن حارثة فسخطت هي وأخوها وقالا: إنّما أردنا رسول الله صلّى الله عليه فزوّجنا عبده\nفأنزل الله ﷿: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الآية.\nوذلك\nأنّ زينب مكثت عند زيد حينا، ثمّ إنّ رسول الله صلّى الله عليه أتى زيدا ذات يوم لحاجة، فأبصرها قائمة في درع وخمار فأعجبته، وكأنّها وقعت في نفسه فقال: سبحان الله مقلّب القلوب! وانصرف.\nفلمّا جاء زيد، ذكرت ذلك له ففطن زيد، كرهت إليه في الوقت، فألقي في نفس زيد كراهتها، فأراد فراقها، فأتى رسول الله صلّى الله عليه فقال: إنّي أريد أن أفارق صاحبتي.\nقال: ما لك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلّا خيرا، ولكنّها تتعظّم عليّ بشرفها وتؤذيني بلسانها، فقال له النبي (﵇): أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ، ثمّ إنّ زيدا طلّقها بعد ذلك، فلمّا انقضت عدّتها، قال رسول الله صلّى الله عليه لزيد: ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك. أئت زينب فاخطبها عليّ.\nقال زيد: فانطلقت، فإذا هي تخمّر عجينها، فلمّا رأيتها، عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أنّ رسول الله ﷺ ذكرها فولّيتها ظهري، وقلت: يا زينب أبشري فإنّ رسول الله يخطبك، ففرحت بذلك وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتّى أوامر ربي، فقامت إلى مسجدها وأنزل القرآن زَوَّجْناكَها فتزوّجها رسول الله ﷺ ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللّحم حتّى امتد النهار\n، فذلك قوله ﷿: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بالإسلام وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالإعتاق وهو زيد بن حارثة أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ يعني زينب بنت جحش وكانت ابنة عمّة النبي صلّى الله عليه.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٦ مورد الآية.","vol":"8","page":47},{"text":"وَاتَّقِ اللَّهَ فيها وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ أن لو فارقها تزوّجتها.\nقال ابن عبّاس: حبّها. وقال قتادة: ودّ أنّه لو طلّقها. وَتَخْشَى النَّاسَ قال ابن عبّاس والحسن: تستحيهم، وقيل: وتخاف لائمة الناس أن يقولوا أمر رجلا بطلاق امرأته ثمّ نكحها حين طلّقها. وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ قال عمر وابن مسعود وعائشة: ما نزلت على رسول اله صلّى الله عليه آية هي أشدّ عليه من هذه الآية.\nوأخبرني الحسين بن محمد الثقفي عن الفضل بن الفضل الكندي قال: أخبرني أبو العبّاس الفضل بن عقيل النيسابوري، عن محمد بن سليمان قال: أخبرني أبو معاوية عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة قالت: لو كتم النبيّ ﷺ شيئا ممّا أوحي إليه لكتم هذه الآية وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ.\nوقد روي عن زين العابدين في هذه الآية ما\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه عن طلحة بن محمد وعبد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: قال أبو بكر بن مجاهد عن بن أبي مهران، حدّثني محمد بن يحيى أبي عمر العرني، عن سفيان بن عيينة قال: سمعناه من علي بن زيد بن زيد بن جدعان يبديه ويعيده قال: سألني علي بن الحسين: ما يقول الحسن في قوله ﷿: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ (وَتَخْشَى النَّاسَ) وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ؟\nفقلت يقول: لما جاء زيد إلى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله إنّي أريد أن أطلّق زينب، فأعجبه ذلك، قال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ قال علي بن الحسين: ليس كذلك، كان الله ﷿ قد أعلمه أنّها ستكون من أزواجه فإنّ زيدا سيطلّقها فلمّا جاء زيد قال: إنّي أريد أن أطلّق زينب، فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ. يقول: فلم قلت: أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنّها ستكون من أزواجك.\nوهذا التأويل مطابق للتلاوة وذلك أنّ الله ﷿ حكم واعلم إبداء ما أخفى، والله لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ، ثمّ لم نجده ﷿ أظهر من شأنه غير التزويج بقوله: زَوَّجْناكَها.\nفلو كان أضمر رسول الله صلّى الله عليه محبّتها، أو أراد طلاقها، لكان لا يجوز على الله تعالى كتمانه مع وعده أن يظهره، فدلّ ذلك على أنّه (﵇) إنّما عوتب على قوله:\nأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ مع علمه بأنّها ستكون زوجته، وكتمانه ما أخبره الله سبحانه به حيث استحيا أن يقول لزيد: إنّ التي تحتك ستكون امرأتي والله أعلم.\nوهذا قول حسن مرضي قوي، وإن كان القول الآخر لا يقدح في حال النبيّ صلّى الله عليه، لأنّ العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من مثل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه لمأثم.\nقوله: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا أي حاجته من نكاحها زَوَّجْناكَها فكانت زينب تفخر على نساء النبي (﵇) فتقول: أنا أكرمكنّ وليّا، وأكرمكنّ سفيرا، زوجكن أقاربكن وزوّجني الله ﷿.","vol":"8","page":48},{"text":"وأخبرنا أبو بكر الجوزقي قال: أخبرنا أبو العبّاس الدغولي قال: أخبرني أبو أحمد محمد ابن عبد الوهاب ومحمد بن عبيد الله بن قهراذ جميعا، عن جعفر [بن محمّد] بن عون، عن المعلى بن عرفان عن محمّد بن عبد الله بن جحش قال: تفاخرت زينب وعائشة، وقالت زينب:\nأنا التي نزل تزوّجي من السماء، فقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتابه حين حملني ابن المعطل على الراحلة، فقالت زينب: وما قلت حين ركبتها؟ قالت: قلت: حسبي اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قالت: كلمة المؤمنين.\nوأنبأني عقيل بن محمد أنّ المعافى بن زكريا أخبره عن محمد بن جرير، عن ابن حميد عن جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنبيّ (﵇): إنّي لأدلّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدلّ «١» بهن: جدّي وجدّك واحد، وإنّي أنكحنيك الله في السماء، وإنّ السفير لجبرائيل «٢» .\nقوله: لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ الذين تبنوه إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا بالنكاح وطلقوهن أو ماتوا عنهن. قال الحسن: كانت العرب تظنّ أنّ حرمة المتبنى مشبّكة كاشتباك الرحم، فميّز الله تعالى بين المتبنى وبين الرحم فأراهم أنّ حلائل الأدعياء غير محرّمة عليهم لذلك قال: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ «٣» فقيّد وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا كائنا لا محالة، وقد قضى في زينب أن يتزوّجها رسول الله صلّى الله عليه.\nقوله: ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ أحل الله لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ أي كسنّة الله، نصب بنزع حرف الخافض، وقيل: فعل سنّة الله، وقيل: على الإغراء، أي ابتغوا سنّة الله في الأنبياء الماضين، أي لا يؤاخذهم بما أحلّ لهم.\nوقال الكلبي ومقاتل: أراد داود (﵇)، حين جمع الله بينه وبين المرأة التي هواها، فكذلك جمع بين محمد وزينب حين هواها، وقيل: الإشارة بالسنة إلى النكاح، وإنّه من سنّة الأنبياء وقيل: إلى كثرة الأزواج مثل قصة داود وسليمان (﵇) .\nوَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا ماضيا كائنا. وقال ابن عبّاس: وكان من قدره أن تلد تلك المرأة التي ابتلى بها داود ابنا مثل سليمان وتهلك من بعده.\n_________\n(١) دلّ يدل: تغنج وتلوي، جرأة مع تلطف.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٥٠٠ مورد الآية، وتفسير الطبري: ٢٢/ ١٩.\n(٣) سورة النساء: ٢٣.","vol":"8","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٣٩ الى ٥٥]</span>\nالَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩) ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)\nتَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلًا (٤٩) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاَّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠) تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١) لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاَّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)\nإِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)\nقوله تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ محلّ الذين خفض على النعت على الَّذِينَ خَلَوْا ...\nوَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحلّ الله لهم وفرض عليهم وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا حافظا لأعمال خلقه ومحاسبتهم عليها، ثمّ نزلت في قول الناس إنّ محمّدا تزوّج امرأة ابنه ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ الذين لم يلده فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إيّاها، يعني زيدا، وإنّما كان أبا القاسم والطيب والمطهر وإبراهيم.\nوَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ أي آخرهم ختم الله به النبوّة فلا نبيّ بعده، ولو كان لمحمّد ابن لكان نبيّا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان عن مكي بن عبدان، عن عبد الرحمن عن سفيان، عن","vol":"8","page":50},{"text":"الزهري، عن محمد بن جبير، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبيّ «١» .\nواختلف القرّاء في قوله خاتَمَ النَّبِيِّينَ فقرأ الحسن وعاصم بفتح التاء على الاسم، أي آخر النّبيين. كقوله: خِتامُهُ مِسْكٌ، أي آخره. وقرأ الآخرون بكسر التاء على الفاعل، أي أنّه خاتم النبيّين بالنبوّة.\nوَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا قال ابن عبّاس: لم يفرض الله تعالى على عباده فريضة إلّا جعل لها حدّا معلوما، ثمّ عذر أهلها في حال العذر، غير الذكر، فإنّه لم يجعل له حدّا ينتهى إليه، ولم يعذر أحدا في تركه إلّا مغلوبا على عقله، وأمرهم بذكره في الأحوال كلّها فقال: فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ «٢» وقال: اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا بالليل والنهار وفي البر والبحر والسفر والحضر والغنى والفقر والصحّة والقسم والسرّ والجهر وعلى كلّ حال. وقال مجاهد: الذكر الكثير أن لا تنساه أبدا.\nأخبرني ابن فنجويه عن ابن شبّه عن الفراتي «٣»، عن عمرو بن عثمان، عن أبي، عن أبي لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ قال: أكثروا ذكر الله حتّى يقولوا مجنون\nوَسَبِّحُوهُ وصلّوا له بُكْرَةً يعني صلاة الصبح وَأَصِيلًا يعني صلاة العصر عن قتادة.\nوقال ابن عبّاس: يعني صلاة العصر والعشاءين. وقال مجاهد: يعني قولوا: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، فعبّر بالتسبيح عن أخواته، فهذه كلمات يقولها الطاهر والجنب والمحدث.\nقوله: هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ بالرحمة. قال السدي: قالت بنو إسرائيل لموسى:\nأيصلّي ربّنا؟ فكبر هذا الكلام على موسى فأوحى الله إليه أن قل لهم: إنّي أصلّي، وإنّ صلاتي رحمتي، وقد وسعت رحمتي كلّ شيء.\nوقيل: (يُصَلِّي) يشيع لكم الذكر الجميل في عباده. وقال الأخفش: يبارك عليكم وَمَلائِكَتُهُ بالاستغفار والدعاء لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا.\n_________\n(١) مسند الحميدي: ١/ ٢٥٤، السنن الكبرى للنسائي: ٦/ ٤٨٩ بتفاوت.\n(٢) سورة النساء: ١٠٣. [.....]\n(٣) صاحب التفسير أبو عمرو.","vol":"8","page":51},{"text":"قال أنس بن مالك: لمّا نزلت إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ الآية، قال أبو بكر:\nما خصّك الله بشرف إلّا وقد أشركتنا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nتَحِيَّتُهُمْ أي تحية المؤمنين يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ أي يرون الله ﷿ سَلامٌ أي يسلّم عليهم ويسلّمهم من جميع الآفات والبليّات.\nأخبرني ابن فنجويه، عن ابن حيان، عن ابن مروان عن أبي، عن إبراهيم بن عيسى، عن علي بن علي، حدّثني أبو حمزة الثمالي في قوله ﷿: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قال:\nتسلّم عليهم الملائكة يوم القيامة وتبشّرهم حين يخرجون من قبورهم. وقيل: هو عند الموت والكناية مردودة إلى ملك الموت كناية عن غير مذكور.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين، عن عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، عن إسحاق بن محمد بن الفضل الزيّات، عن محمد بن سعيد بن غالب، عن حمّاد بن خالد الخيّاط، عن عبد الله بن وافد أبو رجاء، عن محمد بن مالك، عن البراء بن عازب في قوله ﷿:\nتَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ قال: يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلّا سلّم عليه.\nوأخبرني الحسين بن محمد عن ابن حبيش المقرئ، حدّثني عبد الملك بن أحمد بن إدريس القطان بالرقة، عن عمر بن مدرك القاص قال: أخبرني أبو الأخرص محمد بن حيان البغوي، عن حمّاد بن خالد الخيّاط، عن خلف بن خليفة، عن أبي هاشم، عن أبي الأخوص، عن ابن مسعود قال: إذا جاء ملك الموت ليقبض روح المؤمن قال: ربّك يقرئك السلام.\nوَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا وهو الجنّة.\nقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا. وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا يستضيء به أهل الدين.\nقال جابر بن عبد الله: لمّا نزلت إِنَّا فَتَحْنا «١» الآيات، قال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله هذه العارفة، فما لنا؟ فأنزل الله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا. وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ اصبر عليهم ولا تكافئهم.\nنسختها آية القتال وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا.\nقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ تجامعوهن فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها تحصونها عليهن بالأقراء والأشهر فَمَتِّعُوهُنَّ أي أعطوهن ما يستمتعن به. قال ابن عبّاس: هذا إذا لم يكن سمّى لها صداقا، فإذا فرض لها صداقا فلها نصفه، وقال قتادة: هذه الآية منسوخة بقوله: فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ «٢» وقيل: هو أمر ندب،\n_________\n(١) سورة الفتح: ١.\n(٢) سورة البقرة: ٢٣٧.","vol":"8","page":52},{"text":"فالمتعة مستحبّة ونصف المهر واجب وَسَرِّحُوهُنَّ وخلّوا سبيلهن سَراحًا جَمِيلًا بالمعروف، وفي الآية دليل على أنّ الطلاق قبل النكاح غير واقع خصّ أو عمّ خلافا لأهل الكوفة.\nأخبرني الحسين بن محمّد بن فنجويه، عن ابن شنبه، عن عبد الله بن أحمد بن منصور الكسائي، عن عبد السلام بن عاصم الرازي، قال: أخبرني أبو زهير، عن الأحلج، عن حبيب بن أبي ثابت قال: كنت قاعدا عند علي بن الحسين، فجاءه رجل فقال: إنّي قلت: يوم أتزوّج فلانة بنت فلان فهي طالق. قال: اذهب فتزوّجها، فإنّ الله ﷿ بدأ بالنكاح قبل الطلاق، وقال:\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ ولم يقل إذا طلقتموهن ثمّ نكحتموهن ولم يره شيئا.\nوالدليل عليه ما\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين، عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: أخبرني أبو بكر محمد بن إبراهيم المنذر النيسابوري بمكّة، عن الربيع بن سليمان، عن أيّوب بن سويد، عن ابن أبي ذيب عن عطاء، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «لا طلاق قبل نكاح» [١٥] «١» .\nقوله: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ مهورهن وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ مثل صفية وجويرية ومارية وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمَّاتِكَ من نساء عبد المطلب وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ من نساء بني زهرة اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ فمن لم تهاجر منهنّ فليس له نكاحها. وقرأ ابن مسعود: واللّاتي هاجرن، بواو.\nأنبأني عقيل بن محمد عن المعافى بن زكريا عن محمد بن جرير قال: أخبرني أبو كريب، عن عبد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي صالح، عن أمّ هاني قالت: خطبني رسول الله ﷺ فاعتذرت إليه فعذرني ثمّ أنزل الله ﷿: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ... إلى قوله: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ قالت: فلم أحلّ له لأني لم أهاجر معه كنت من الطلقاء.\nوَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً أي وأحللنا لك امرأة مؤمنة إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ بغير مهر. وقرأ العامة إِنْ بكسر الألف على الجزاء والاستقبال، وقرأ الحسن بفتح الألف على المضي والوجوب، إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها فله ذلك خالِصَةً خاصّة لك، مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بغير شهود ولا وليّ ولا مهر إلّا النبيّ (﵇)، وهذا من خصائصه في النكاح، كالتخيير والعدد في النساء، وما\nروي انّه أعتق صفيّة وجعل عتقها صداقها\nولو تزوّجها بلفظ الهبة لم ينعقد النكاح، هذا قول سعيد بن المسيب والزهري ومجاهد وعطاء ومالك والشافعي وربيعة وأبي عبيد وأكثر الفقهاء.\nوقال النخعي وأهل الكوفة: إذا وهبت نفسها منه وقبلها بشهود ومهر فإنّ النكاح ينعقد\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٦٠، مستدرك الحاكم: ٢/ ٢٠٥.","vol":"8","page":53},{"text":"والمهر يلزم به، فأجازوا النكاح بلفظ الهبة. وقالوا: كان اختصاص النبي (﵇) في ترك المهر. والدليل على ما ذهب الشافعي إليه: إنّ الله تعالى سمّى النكاح باسمين التزويج والنكاح، فلا ينعقد بغيرهما.\nواختلف العلماء في التي وهبت نفسها لرسول الله، وهل كانت امرأة عند رسول الله صلّى الله عليه كذلك؟ فقال ابن عبّاس ومجاهد: لم يكن عند النبي صلّى الله عليه امرأة وهبت نفسها منه، ولم يكن عنده (﵇) امرأة إلّا بعقد النكاح أو ملك اليمين، وإنّما قال الله تعالى إِنْ وَهَبَتْ على طريق الشرط والجزاء.\nوقال الآخرون: بل كانت عنده موهوبة، واختلفوا فيها. فقال قتادة: هي ميمونة بنت الحرث. قال الشعبي: زينب بنت خزيمة أمّ المساكين امرأة من الأنصار.\nقال علي بن الحسين والضحّاك ومقاتل: أمّ شريك بنت جابر من بني أسد.\nقال عروة بن الزبير: خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم.\nقَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ يعني أوجبنا على المؤمنين فِي أَزْواجِهِمْ قال مجاهد:\nيعني أربعا لا يتجاوزونها.\nقتادة: هو أن لا نكاح إلّا بوليّ وشاهدين وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ يعني الولائد والإماء لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ في نكاحهن وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.\nقوله: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ أي تؤخّر وَتُؤْوِي وتضمّ إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ واختلف المفسّرون في معنى الآية،\nفقال أبو رزين وابن زيد: نزلت هذه الآية حين غارت بعض أمّهات المؤمنين على النبيّ ﷺ وطلب بعضهنّ زيادة النفقة، فهجرهنّ رسول الله صلّى الله عليه شهرا حتى نزلت آية التخيير، وأمره الله ﷿ أن يخيّرهنّ بين الدنيا والآخرة، وأن يخلّي سبيل من اختارت الدّنيا، ويمسك من اختارت الله ورسوله على أنّهنّ أمّهات المؤمنين ولا ينكحن أبدا، وعلى أنّه يؤوي إليه من يشاء ويرجي منهنّ من يشاء فيرضين به، قسم لهنّ أو لم يقسم، أو قسم لبعضهنّ ولم يقسم لبعضهنّ، أو فضّل بعضهنّ على بعض في النفقة والقسمة والعشرة أو ساوى بينهنّ، ويكون الأمر في ذلك كلّه إليه، يفعل ما يشاء، وهذا من خصائصه (﵇) .\nفرضين بذلك كلّه واخترنه على هذا الشرط، وكان رسول الله صلّى الله عليه مع ما جعل الله له من ذلك ساوى بينهنّ في القسم إلّا امرأة منهنّ أراد طلاقها فرضيت بترك القسمة لها وجعل يومها لعائشة وهي سودة بنت زمعة.\nوروى منصور عن أبي رزين قال: لمّا نزلت آية التخيير أشفقن أن يطلّقن فقلن: يا نبيّ الله اجعل لنا من مالك ونفسك ما شئت، ودعنا على حالنا، فنزلت هذه الآية، فكان ممّن أرجي منهن سودة وجويرية وصفيّة وميمونة وأمّ حبيبة، فكان يقسم لهنّ ما شاء كما شاء، وكانت ممّن","vol":"8","page":54},{"text":"آوى إليه عائشة وحفصة وأمّ سلمة وزينب رحمة الله عليهنّ، كان يقسم بينهن سواء لا يفضّل بعضهنّ على بعض، فأرجأ خمسا وآوى أربعا.\nوقال مجاهد: يعني تعزل من تشاء منهنّ بغير طلاق، وترد إليك من تشاء منهنّ بعد عزلك إيّاها بلا تجديد مهر وعقد.\nوقال ابن عبّاس: تطلّق من تشاء منهنّ وتمسك من تشاء.\nوقال الحسن: تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء امّتك.\nقال: وكان النبي (﵇) إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن يخطبها حتى يتزوّجها رسول الله ﷺ أو يتركها.\nوقيل: وتقبل من تشاء من المؤمنات اللّاتي يهبن أنفسهن لك، فتؤويها إليك، وتترك من تشاء فلا تقبلها.\nروى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنّها كانت تعيّر النساء اللّاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلّى الله عليه وقالت: أما تستحي امرأة أن تهب أو تعرض نفسها على رجل بغير صداق، فنزلت هذه الآية، قالت عائشة: فقلت لرسول الله إنّ ربّك ليسارع لك في هواك.\nوَمَنِ ابْتَغَيْتَ أي طلبت وأردت إصابته مِمَّنْ عَزَلْتَ فأصبتها وجامعتها بعد العزل فَلا جُناحَ عَلَيْكَ فأباح الله تعالى له بذلك ترك القسم لهنّ حتّى إنّه ليؤخّر من شاء منهنّ في وقت نوبتها، فلا يطأها ويطأ من شاء منهنّ في غير نوبتها، فله أن يردّ إلى فراشه من عزلها، فلا حرج عليه فيما فعل تفضيلا له على سائر الرّجال وتخفيفا عنه. وقال ابن عبّاس: يقول: إنّ من فات من نسائك اللّاتي عندك أجرا وخلّيت سبيلها، فقد أحللت لك، فلا يصلح لك أن تزداد على عدد نسائك اللّاتي عندك.\nذلِكَ الذي ذكرت أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ أطيب لأنفسهنّ وأقلّ لحزنهنّ إذا علمن أنّ ذلك من الله وبأمره، وأنّ الرخصة جاءت من قبله وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ من التفضيل والإيثار والتسوية كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ من أمر النساء والميل إلى بعضهنّ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا.\nقوله تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ بالتاء أهل البصرة، وغيرهم بالياء النِّساءُ مِنْ بَعْدُ أي من بعد هؤلاء النساء التسع اللّاتي خيّرتهنّ فاخترنك لما اخترن اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قصره عليهنّ، وهذا قول ابن عبّاس وقتادة. وقال عكرمة والضحاك: لا يحلّ لك من النساء إلّا اللّاتي أحللناها لك وهو قوله: إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ... «١» ثمّ قال: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ التي أحللنا لك بالصفة التي تقدّم ذكرها.\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٥٠.","vol":"8","page":55},{"text":"روى داود بن أبي هند عن محمّد بن أبي موسى عن زياد رجل من الأنصار قال: قلت لأبيّ بن كعب: أرأيت لو مات نساء النبي صلّى الله عليه أكان يحلّ له أن يتزوّج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك وما يحرّم ذلك عليه؟ قلت: قوله: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ فقال: إنّما أحلّ الله له ضربا من النساء فقال: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ ... ثمّ قال: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ.\nوقال أبو صالح: أمر أن لا يتزوّج أعرابية ولا عربية ويتزوّج بعد من نساء قومه من بنات العمّ والعمّة والخال والخالة إن شاء ثلاثمائة. وقال سعيد بن جبير ومجاهد: معناه لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ من غير المسلمات فأمّا اليهوديّات والنصرانيّات والمشركات فحرام عليك، ولا ينبغي أن يكنّ من أمّهات المؤمنين.\nوقال أبو رزين: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ يعني الإماء بالنكاح. وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ قال مجاهد وأبو رزين: يعني ولا أن تبدّل بالمسلمات غيرهنّ من اليهود والنصارى والمشركين وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ من السبايا والإماء الكوافر.\nوقال الضحّاك: يعني ولا تبدّل بأزواجك اللّاتي هنّ في حبالك أزواجا غيرهنّ، بأن تطلّقهنّ وتنكح غيرهن، فحرّم على رسول الله ﷺ طلاق النساء اللّواتي كنّ عنده، إذ جعلهنّ أمّهات المؤمنين، وحرّمهن على غيره حين اخترنه، فأمّا نكاح غيرهنّ فلم يمنع منه، بل أحلّ له ذلك إن شاء. يدلّ عليه\nما أخبرناه عبد الله بن حامد الوزان، عن أحمد بن محمد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى قال: أخبرني أبو عاصم عن جريح عن عطاء عن عائشة قالت: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحلّ له النساء.\nوقال ابن زيد: كانت العرب في الجاهلية يتبادلون بأزواجهم يعطي هذا امرأته هذا ويأخذ امرأة ذاك فقال الله: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ يعني تبادل بأزواجك غيرك أزواجه، بأن تعطيه زوجتك وتأخذ زوجته إلّا ما ملكت يمينك لا بأس أن تبادل بجاريتك ما شئت فأمّا الحرائر فلا.\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الاصفهاني، عن أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، عن أحمد بن نجدة، عن الحماني، عن عبد السلام بن حرب، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك بامرأتي، تنزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي، فأنزل الله ﷿: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ ... قال: فدخل عيينة بن حصين على النبي صلّى الله عليه وعنده عائشة فدخل بغير إذن، فقال له النّبيّ صلّى الله عليه: «يا عيينة فأين الاستئذان؟» قال: يا رسول الله ما استأذنت على رجل من مضر منذ أدركت، ثمّ قال: من","vol":"8","page":56},{"text":"هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ: «هذه عائشة أمّ المؤمنين» . قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق، قال رسول الله صلّى الله عليه: «إنّ الله ﷿ قد حرّم ذلك»، فلمّا خرج، قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ قال: «هذا أحمق مطاع وإنّه على ما ترين لسيّد قومه» [١٦] .\nقال ابن عبّاس في قوله: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ يعني أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، وفيه دليل على جواز النظر إلى من يريد أن يتزوّج بها، وقد جاءت الأخبار بإجازة ذلك.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، عن محمد بن جعفر المطيري، عن عبد الرحمن بن محمد بن منصور، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن عاصم الأحول، عن بكير بن عبد الله المزني أنّ المغيرة بن شعبة أراد أن يتزوّج بامرأة، فقال النبيّ (﵇): «فانظر إليها فإنّه أجدر أن يودم بينكما» [١٧] «١» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، عن محمد بن جعفر، عن علي بن حرب قال: أخبرني أبو معاوية، عن الحجّاج بن أرطأة، عن سهل بن محمد بن أبي خيثمة، عن عمّه سليمان بن أبي خيثمة قال: رأيت محمد بن سلمة يطارد نبيتة بنت الضحّاك على إجار من أياجير المدينة قلت:\nأتفعل هذا؟ قال: نعم، إنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه يقول: «إذا ألقى الله في قلب امرئ خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها» [١٨] .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد عن بشر بن موسى، عن الحميدي عن سفيان، عن يزيد ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة أنّ رجلا أراد أن يتزوّج امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلّى الله عليه: «أنظر إليها فإنّ في أعين نساء الأنصار شيئا» [١٩] «٢» .\nقال الحميدي:\nيعني الصّغر. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا حفيظا.\nقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ... قال أكثر المفسّرين: نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب.\nقال أنس بن مالك: أنا أعلم الناس بآية الحجاب، ولقد سألني عنها أبيّ بن كعب لمّا بنى رسول الله صلّى الله عليه بزينب بنت جحش أولم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، وبعثت إليه أمّي أمّ سليم بحيس في تور من حجارة، فأمرني النبي ﷺ أن أدعو أصحابه إلى الطعام، فدعوتهم فجعل القوم يجيئون ويأكلون ويخرجون، ثمّ يجيء القوم فيأكلون ويخرجون.\n_________\n(١) سنن الدارمي: ٢/ ١٣٤.\n(٢) سنن النسائي: ٦/ ٧٧، مسند أحمد: ٢/ ١٢٨٦.","vol":"8","page":57},{"text":"فقلت: يا نبيّ الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقال: ارفعوا طعامكم فرفعوا وخرج القوم، وبقي ثلاثة نفر يتحدّثون في البيت، فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﷺ وقمت معه لكي يخرجوا، فمشى رسول الله صلّى الله عليه منطلقا نحو حجرة عائشة فقال: «السلام عليكم أهل البيت» [٢٠]، فقالوا: وعليك السلام يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟\nثمّ رجع فأتى حجر نسائه فسلّم عليهنّ، فدعون له ربّه، ورجع إلى بيت زينب، فإذا الثلاثة جلوس يتحدّثون في البيت، وكان النبيّ (﵇) شديد الحياء، فرجع رسول الله ﷺ، فلمّا رأوا النبي ﷺ ولّى عن بيته خرجوا، فرجع رسول الله (﵇) إلى بيته وضرب بيني وبينه سترا، ونزلت هذه الآية.\nوقال قتادة ومقاتل: كان هذا في بيت أمّ سلمة، دخلت عليه جماعة في بيتها فأكلوا، ثمّ أطالوا الحديث، فتأذّى بهم رسول الله ﷺ فاستحيى منهم أن يأمرهم بالخروج، وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فأنزل الله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلّا أن تدعوا إِلى طَعامٍ فيؤذن لكم فتأكلوه غَيْرَ ناظِرِينَ منظرين إِناهُ إدراكه ووقت نضجه\n، وفيه لغتان أنى وإنى بكسر الألف وفتحها، مثل ألّى وإلّى ومعا ومعا، والجمع إناء، مثل آلاء وأمعاء، والفعل منه أنى يأنى إنى بكسر الألف مقصور، وآناء بفتح الألف ممدود. قال الحطيئة:\nوأنيت العشا إلى سهيل ... أو الشعرى فطال بي الأنا «١»\nوقال الشيباني:\nتمخضت المنون له بيوم ... أنى ولكل حاملة تمام «٢»\nوفيه لغة أخرى: آن يئين أينا.\nقال ابن عبّاس: نزلت في ناس من المؤمنين كان يتحيّنون طعام رسول الله صلّى الله عليه، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، ثمّ يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله ﷺ يتأذّى بهم، فنزلت هذه الآية.\nوغَيْرَ نصب على الحلال وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ أكلتم الطعام فَانْتَشِرُوا فتفرّقوا واخرجوا من منزله وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ طالبين الأنس بحديث، ومحله خفض مردود على قوله: غَيْرَ ناظِرِينَ ولا غير مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أي لا يترك تأديبكم وحملكم على الحقّ ولا يمنعه ذلك منه.\nحدّثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب لفظا قال: أخبرني أبو موسى عمران بن\n_________\n(١) كتاب العين: ٨/ ٤٠٢، والصحاح: ٦/ ٢٢٧٣.\n(٢) إصلاح المنطق: ١٣٣، الصحاح: ٣/ ١١٠٥.","vol":"8","page":58},{"text":"موسى بن الحصين قال: أخبرني أبو عوانة يعقوب بن إسحاق قال: أخبرني أبو عمرو عثمان بن خرزاد «١» الأنطاكي، عن عمرو بن مرزوق، عن جويرية بن أسماء قال: قرئ بين يدي إسماعيل ابن أبي حكيم هذه الآية فقال: هذا [أدب] أدّب الله به الثقلاء «٢» .\nوسمعت الحسن بن محمد بن الحسن يقول: سمعت محمد بن عبد الله بن محمد يقول:\nسمعت الغلابي يقول: سمعت ابن عائشة يقول: حسبك في الثقلاء أنّ الله تعالى لم يحتملهم وقال: فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا.\nقوله: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ\nأخبرنا عبد الله بن حامد، عن محمّد بن يعقوب، عن محمد بن سنان الفزار، عن سهيل بن حاتم، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي صلّى الله عليه وكان يمرّ على نسائه، فأتى امرأة عرس بها حديثا فإذا عندهم قوم، فانطلق النبي صلّى الله عليه أيضا فاحتبس فقضى حاجته، ثمّ جاء وقد ذهبوا، فدخل وأرخى بينه وبيني سترا قال: فحدّثت أبا طلحة فقال: إن كان كما تقول لينزلنّ شيء في هذا، فنزلت آية الحجاب.\nوأنبأني عبد الله بن حامد الوزان أنّ الحسين بن يعقوب حدّثه عن يحيى بن أبي طالب عن عبد الوهاب عن حميد عن أنس قال: قال عمر: يا رسول الله، تدخل عليك البرّ والفاجر، فلو أمرت أمّهات المؤمنين بالحجاب. فنزلت آية الحجاب.\nوأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، عن أحمد بن محمد الشرقي، عن محمد بن يحيى عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبي، عن صالح بن شهاب، عن عروة بن الزبير: أنّ عائشة قالت: كان عمر بن الخطّاب يقول لرسول الله صلّى الله عليه: احجب نساءك، فلم يفعل، وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع وهو صعيد أقبح، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة فرآها عمر وهو في المجلس فقال: قد عرفتك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله الحجاب.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد إجازة، عن محمد بن يعقوب، عن الحسين بن علي بن عفان قال: أخبرني أبو أسامة، عن مخالد بن سعيد، عن عامر قال: مرّ عمر على نساء النبي صلّى الله عليه وهو مع النساء في المسجد فقال لهنّ: احتجبن، فإنّ لكنّ على النساء فضلا، كما انّ لزوجكنّ على الرجال الفضل، فلم يلبثوا إلّا يسيرا حتى أنزل الله آية الحجاب.\nوروى عطاء بن أبي السائب عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: أمر عمر بن الخطاب نساء\n_________\n(١) هكذا في الأصل ولعلّه: الوزان.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٤/ ٢٢٤.","vol":"8","page":59},{"text":"النبي ﷺ بالحجاب فقالت زينب: يا بن الخطّاب إنّك لتغار علينا والوحي ينزل في بيوتنا، فأنزل الله تعالى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ.\nوقيل في سبب نزول الحجاب ما\nأخبرنا أحمد بن محمد أنّ المعافى حدّثه عن محمّد بن جرير قال: حدّثني يعقوب بن إبراهيم، عن هشام، عن ليث، عن مجاهد: أنّ رسول الله ﷺ كان يطعم ومعه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة وكانت معهم، فكره النبي ذلك، فنزلت آية الحجاب.\nأخبرنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن علي المزكى قال: أخبرني أبو العبّاس أحمد بن محمد بن الحسين الماسرخسي، عن شيبان بن فروخ الابلي، عن جرير بن حازم، عن ثابت البنائي، عن أنس بن مالك قال: كنت أدخل على رسول الله صلّى الله عليه بغير إذن، فجئت يوما لأدخل فقال: مكانك يا بني، قد حدث بعدك أن لا يدخل علينا إلّا بإذن.\nقوله: وَما كانَ لَكُمْ يعني وما ينبغي وما يصلح لكم أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا نزلت في رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: لئن قبض رسول الله صلّى الله عليه لأنكحنّ عائشة بنت أبي بكر.\nأنبأني عقيل بن محمد، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير، عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، عن داود عن عامر أنّ النبي صلّى الله عليه مات وقد ملك قتيلة بنت الأشعث بن قيس ولم يجامعها، فتزوّجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشقّ على أبي بكر مشقّة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله إنّها ليست من نسائه، إنّها لم يخيّرها رسول الله صلّى الله عليه ولم يحجبها، وقد برّأها منه بالردّة التي ارتدّت مع قومها قال: فاطمأنّ أبو بكر وسكن.\nوروى معمر عن الزهري: أنّ العالية بنت طيبان التي طلّقها النبيّ صلّى الله عليه تزوّجت رجلا وولدت له، وذلك قبل أن يحرّم على الناس أزواج النبي (﵇) .\nإِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا قوله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ....\nقال ابن عبّاس: لمّا نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله ﷺ ونحن أيضا نكلّمهنّ من وراء حجاب؟ فأنزل الله تعالى: لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ....\nوَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ في ترك الاحتجاب من هؤلاء وأن يروهن.\nوقال مجاهد: لا جناح عليهن في وضع جلابيبهن عندهم.\nوَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا.","vol":"8","page":60},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-619>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٥٦ الى ٦٨]</span>\nإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا (٥٧) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩) لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلًا (٦٠)\nمَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢) يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣) إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٦٥)\nيَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)\nإِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ قراءة العامة بنصب التاء وقرأ ابن عبّاس: وَمَلائِكَتُهُ بالرفع عطفا على محلّ قوله: اللَّهَ قبل دخول إنّ، نظيره قوله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى «١» وقد مضت هذه المثلة. يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ أي يثنون ويترحّمون عليه ويدعون له. وقال ابن عبّاس: يتبرّكون. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ ترحّموا عليه وادعو له وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا وحيّوه بتحية الإسلام.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، عن المطري، عن علي بن حرب، عن ابن فضيل، عن يزيد بن أبي زياد، وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل العدل، عن إسماعيل بن محمد الصفّار، عن الحسين بن عروة، عن هشيم بن بشير، عن يزيد بن أبي زياد، وحدّثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى، حدّثني كعب بن عجرة قال: لمّا نزلت إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ... قلنا: يا رسول الله قد علمنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قل: اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد» [٢١] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان، عن مكي بن عبدان، عن عمّار بن رجاء عن ابن عامر، عن عبد الله بن جعفر، عن يزيد بن مهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري قال:\nقلنا: يا رسول الله هذا السلام قد علمنا، فكيف الصلاة عليك؟\n_________\n(١) سورة المائدة: ٦٩.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ١٦٢، سنن الدارمي: ١/ ٣٠٩.","vol":"8","page":61},{"text":"قال: «قولوا اللهم صلّ على محمّد عبدك ورسولك كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم» [٢٢] «١» .\nوأخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف الفقيه، عن مكي بن عبدان عن محمد بن يحيى قال:\nفيما قرأت على ابن نافع، وحدّثني مطرف، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن عمرو بن حرم، عن أبيه، عن عمرو بن سليمان الزرقي، أخبرني أبو حميد الساعدي أنّهم قالوا:\nيا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ فقال رسول الله ﷺ: «قولوا: اللهم صلّ على محمّد وأزواجه وذرّيته كما صلّيت على آل إبراهيم، وبارك على محمّد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد» [٢٣] «٢» .\nوبإسناده عن مالك عن نعيم، عن عبد الله بن المجمر، عن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري، عن أبي مسعود الأنصاري أنّه قال: أتانا رسول الله صلّى الله عليه ونحن جلوس في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن [سعد] «٣»: أمرنا الله أن نصلّي عليك يا رسول الله، فكيف نصلّي عليك؟ فسكت رسول الله صلّى الله عليه حتّى تمنّينا أنّه لم يسأله، ثمّ قال: «قولوا اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم، وبارك على محمّد وعلى آل محمّد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنّك حميد مجيد، والسلام كما قد علمتم» [٢٤] «٤» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد بقراءتي عليه قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن، عن داود ابن سليمان، عن عبد بن حميد قال: أخبرني أبو نعيم عن المسعودي، عن عون، عن أبي فاختة، عن الأسود قال: قال عبد الله: إذا صلّيتم على النبي صلّى الله عليه فأحسنوا الصلاة عليه، فإنّكم لا تدرون لعلّ ذلك يعرض عليه، قالوا: فعلّمنا، قال: قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيّد المرسلين وإمام المتّقين وخاتم النبيّين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة، اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه به الأوّلون والآخرون، اللهم صلّ على محمّد وعلى آل محمّد كما صلّيت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد.\nأخبرنا عبد الخالق بن علي قال: أخبرني أبو بكر بن جنب عن يحيى بن أبي طالب عن يزيد بن هارون قال: أخبرني أبو معاوية، عن الحكم بن عبد الله بن الخطّاب، عن أمّ الحسن،\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٤٧، وصحيح البخاري: ٧/ ١٥٧. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٤٢٤.\n(٣) في نسخة أصفهان: عبد الله.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ٢٧٤، وسنن الدارمي: ١/ ٣١٠.","vol":"8","page":62},{"text":"عن أبيها قالوا: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فقال النبي (﵇): هذا من العلم المكنون، ولو أنّكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، إنّ الله تعالى وكّل بي ملكين فلا أذكر عند عبد مسلم فيصلّي عليّ إلّا قال ذانك الملكان: غفر الله لك، وقال الله تعالى وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين، ولا أذكر عند عبد مسلم فلا يصلّي عليّ إلّا قال ذانك الملكان، لا غفر الله لك، وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين: آمين.\nقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ يعني بمعصيتهم إيّاه ومخالفتهم أمره. وقال عكرمة:\nهم أصحاب التصاوير الذين يرومون تكوين خلق مثل خلق الله ﷿،\nوفي بعض الأخبار يقول الله ﷻ: ومن أظلم ممّن أراد أن يخلق مثل خلقي فليخلق حبّة أو ذرّة\n، وقال (﵇): لعن الله المصوّرين «١» .\nوقال ابن عبّاس: هم اليهود والنصارى والمشركون، فأمّا اليهود فقالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ وقالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ. وقالت النصارى: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وثالِثُ ثَلاثَةٍ. وقال المشركون: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه.\nقال قتادة: في هذه الآية ما زال أناس من جهلة بني آدم حتى تعاطوا أذى ربّهم، وقيل:\nمعنى يُؤْذُونَ اللَّهَ يلحدون في أسمائه وصفاته، وقال أهل المعاني: يؤذون أولياء الله مثل قوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٢»\nوقول رسول الله صلّى الله عليه حين قفل من تبوك فبدا له أحد: هذا جبل يحبّنا ونحبّه\n، فحذف الأهل، فأراد الله تعالى المبالغة في النهي عن أذى أوليائه فجعل أذاهم أذاه.\nوَرَسُولَهُ قال ابن عبّاس: حين شج في وجهه وكسرت رباعيته وقيل له: شاعِرٌ وساحِرٌ ومُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ.\nوروى العوفي عنه: أنّها نزلت في الذين طعنوا على النبي (﵇) في نكاحه صفيّة بنت حيي بن أخطب\n، وقيل: بترك سنّته ومخالفة شريعته.\nلَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا مُهِينًا. وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا من غير أن عملوا ما أوجب الله أذاهم فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتانًا وَإِثْمًا مُبِينًا.\nقال الحسن وقتادة: إيّاكم وأذى المؤمن فإنّه حبيب ربّه، أحبّ الله فأحبّه، وغضب لربّه فغضب الله له، وإنّ الله يحوطه ويؤذي من آذاه. وقال مجاهد: يعني يقفونهم ويرمونهم بغير ما عملوا.\nوقال مقاتل: نزلت في عليّ بن أبي طالب ﵁، وذلك أنّ ناسا من المنافقين كانوا يؤذونه ويسمعونه.\nوقيل: في شأن عائشة.\nوقال الضحّاك والسدي والكلبي: نزلت في الزّناة الذين كانوا يمشون في طرق المدينة يتّبعون النساء إذا تبرّزن بالليل لقضاء حوائجهنّ، فيرون\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٦/ ١٨٨، والدر المنثور ١/ ٣٦٧.\n(٢) سورة يوسف: ٨٢.","vol":"8","page":63},{"text":"المرأة فيدنون منها، فيغمزونها، فإن سكتت اتّبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلّا الإماء، ولم يكن يومئذ تعرف الحرّة من الأمة ولأنّ زيّهن كان واحدا، إنّما يخرجن في درع واحد وخمار الحرّة والأمة، فشكون ذلك إلى أزواجهنّ فذكروا ذلك لرسول الله صلّى الله عليه. فأنزل الله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ... ثمّ نهى الحرائر أن يتشبهنّ بالإماء، فقال تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ أي يرخين أرديتهن وملاحفهن فيتقنّعن بها، ويغطّين وجوههن ورؤوسهن ليعلم أنّهنّ حرائر فلا يتعرّض لهنّ ولا يؤذين.\nقوله: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا لما سلف منهن من ترك السنن رَحِيمًا بهنّ إذ سترهنّ وصانهنّ. قال ابن عبّاس وعبيدة: أمر الله النساء المؤمنات أن يغطّين رؤوسهنّ ووجوههنّ بالجلابيب ويبدين عينا واحدة. قال أنس: مرّت جارية بعمر بن الخطّاب متقنّعة فعلاها بالدرّة وقال: يا لكاع أتشبهين بالحرائر؟ ألقي القناع.\nقوله ﷿: لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فجور، يعني الزناة وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ بالكذب والباطل، وذلك أنّ ناسا منهم كانوا إذا خرجت سرايا رسول الله صلّى الله عليه يوقعون في الناس أنّهم قتلوا وهزموا، وكانوا يقولون: قد أتاكم العدوّ ونحوها.\nوقال الكلبي: كانوا يحبّون أن يفشوا الأخبار، وأَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا ...\nلَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ لنولعنّك ونحرشنّك بهم، ونسلطنّك عليهم. ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا أي لا يساكنونك في المدينة إلّا قليلا حتّى يخرجوا منها مَلْعُونِينَ مطرودين، نصب على الحال، وقيل: على الذم أَيْنَما ثُقِفُوا أصيبوا ووجدوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا. قال قتادة:\nذكر لنا أنّ المنافقين أرادوا أن يظهروا لما في قلوبهم من النفاق، فأوعدهم الله في هذه الآية فكتموه.\nوأنبأني عبد الله بن حامد الأصفهاني عن عبد الله بن جعفر النساوي، عن محمد بن أيّوب عن عبد الله بن يونس، عن عمرو بن شهر، عن أبان، عن أنس قال: كان بين رجل وبين أبي بكر شيء، فنال الرجل من أبي بكر، فغضب رسول الله ﷺ حتّى غمر الدّم وجهه، فقال: «ويحكم، ذروا أصحابي وأصهاري، احفظوني فيهم لأنّ عليهم حافظا من الله ﷿، ومن لم يحفظني فيهم تخلّى الله منه، ومن تخلّى الله منه يوشك أن يأخذه» [٢٥] .\nمَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا.\nسُنَّةَ اللَّهِ أي كسنّة الله فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا. إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ","vol":"8","page":64},{"text":"الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا. خالِدِينَ فِيها أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا.\nقوله: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ ظهرا لبطن حين يسحبون عليها. وقراءة العامّة بضمّ التاء وفتح اللام على المجهول. وروي عن أبي جعفر بفتح التاء واللام على معنى يتقلّب. وقرأ عيسى بن عمر (نقلب) بضم النون وكسر اللّام. وُجُوهُهُمْ نصبا.\nيَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا في الدنيا وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا قادتنا ورؤسانا في الشرك والضلالة. وقرأ الحسن وابن عامر وأبو حاتم (ساداتنا) جمع بالألف وكسر التاء على جمع الجمع فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا. رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ أي مثلي عذابنا وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا قرأ يحيى بن وثاب وعاصم كَبِيرًا بالباء وهي قراءة أصحاب عبد الله.\nوقرأ الباقون بالثاء، وهي اختيار أبي حاتم وأبي عبيد، ثمّ قالا: إنّا اخترنا الثاء لقوله: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ «١» وقوله: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «٢» فهذا يشهد للكثرة.\nوأخبرني أبو الحسين عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: سمعت أبا الحسن عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي من حفظه إملاء يقول: سمعت محمد بن الحسن ابن قتيبة العسقلاني بعسقلان ورملة أيضا يقول: سمعت محمد بن أبي السري يقول: رأيت في المنام كأنّي في مسجد عسقلان وكان رجلا يناظرني وهو يقول: وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا وأنا أقول كثيرا فإذا النبي ﷺ، وكان في وسط المسجد منارة لها باب، وكان النبي ﷺ يقصدها فقلت:\nهذا النبي ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول الله، استغفر لي، فأمسك عنّي فجئت عن يمينه فقلت: يا رسول الله، استغفر لي فأعرض عنّي، فقمت في صدره فقلت: يا رسول الله حدّثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله: أنّك ما سئلت شيئا قط فقلت: لا، فتبسّم، ثمّ قال: «اللهمّ اغفر له»، فقلت: يا رسول الله، إنّي وهذا نتكلّم في قوله: وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا وهو يقول: كَبِيرًا وأنا أقول: «كثيرا»، قال: فدخل المنارة وهو يقول: كثيرا إلى أن غاب صوته عنّي. [٢٦]، يعني بالثاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>[سورة الأحزاب (٣٣): الآيات ٦٩ الى ٧٣]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٥٩.\n(٢) سورة البقرة: ١٦١.","vol":"8","page":65},{"text":"قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ فطهّره الله سبحانه مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا كريما مقبولا ذا جاه، واختلفوا فيما آذوا به موسى.\nفأخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرني أبو حامد بن الشرفي، عن محمد ويحيى بن عبد الرحمن بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرني أبو بكر المطيري قال: أخبرني أبو جعفر أحمد بن عبد الله بن يزيد المؤدب، عن عبد الرزاق، عن معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلّى الله عليه قال: «كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى (﵇) يغتسل وحده، فقالوا:\nوالله ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلّا أنّه آدر «١»، فذهب مرّة يغتسل وحده فوضع ثوبه على الحجر ففرّ الحجر بثوبه فجمح في أثره يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى نظر بنو إسرائيل إلى سوأة موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس، فقام الحجر من بعد ما نظروا إليه، فأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضربا» [٢٧] «٢» .\nقال أبو هريرة: إنّ بالحجر ندبا ستّة أو سبعة أثر ضرب موسى (﵇) .\nوروى الحسن وابن سيرين عن أبي هريرة في هذه الآية قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إنّ موسى كان رجلا حيّيا ستيرا لا يكاد يري من جلده شيئا يستحيي منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستر هذا الستر إلّا من عيب بجلده، إمّا برص وإمّا برص وإمّا أدرة، فأراد الله أن يبرئه ممّا قالوا: وإنّ موسى خلا يوما وحده، فوضع ثوبه على حجر ثمّ اغتسل، فلمّا فرغ من غسله أقبل على ثوبه ليأخذه بعد الحجر بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، وجعل يقول:\nثوبي حجر ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فنظروا إلى أحسن الناس خلقا وأعدلهم صورة، وإنّ الحجر قام فأخذ ثوبه فلبسه، فطفق بالحجر ضربا، وقال الملأ: قاتل الله أفّاكي بني إسرائيل فكانت براءته التي برّأه الله منها» [٢٨] «٣» .\nوقال قوم: كان إيذاؤهم إيّاه ادّعاءهم عليه قتل أخيه هارون.\nأخبرني عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه أنّ المعافى بن زكريا القاضي أخبره عن محمد بن جرير بن يزيد الطبري، حدّثني علي بن مسلم الطوسي، عن عبّاد عن سفيان بن حصين، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن علي بن أبي طالب في قول الله تعالى: كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى ... قال: صعد موسى وهارون الجبل فمات هارون، فقال بنو إسرائيل: أنت قتلته، وكان أشدّ حبّا لنا منك وألين لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر الله الملائكة فحملته حتى مرّوا به على\n_________\n(١) آدر: مصدره الادرة: رجل آدر يعني عفل وهي نفخة في الخصية.\n(٢) صحيح البخاري: ١/ ٧٣، وصحيح مسلم: ٧/ ٩٩.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٥١٥، والمصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ٤٥٥.","vol":"8","page":66},{"text":"بني إسرائيل، وتكلّمت الملائكة بموته حتى عرف بنو إسرائيل أنّه مات، فبرّأه الله من ذلك، فانطلقوا به فدفنوه، فلم يطّلع على قبره أحد من خلق الله إلّا الرّخم فجعله الله أصمّ أبكم.\nوقال أبو العالية: هو أنّ قارون استأجر مومسة لتقذف موسى (﵇) بنفسها على رأس الملأ، فعصمها الله منه وبرّأ موسى من ذلك وأهلك هارون.\nوقد مضت هذه القصّة.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا أي حقّا قصدا. ابن عبّاس: صوابا.\nقتادة ومقاتل: عدلا. المؤرخ: مستقيما. عكرمة: هو قول: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ. ابن حيان: يعني قولوا في شأن زينب وزيد سديدا ولا تنسبوا رسول الله صلّى الله عليه إلى ما لا يحمل. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا.\nقوله: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ قيل: كان العرض على أعيان هذه الأشياء، فأفهمهنّ الله خطابه وأنطقهنّ. وقيل: عرضها على من فيها من الملائكة.\nوقيل: عرضها على أهلها كلّها دون أعيانها، وهذا كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» [أي أهلها] .\nفَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها مخافة وخشية لا معصية ومخالفة، وكان العرض تخييرا لا إلزاما وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ واختلفوا في الأمانة، فقال أكثر المفسّرين: هي الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده، عرضها على السماوات والأرض والجبال، إن أدّوها أثابهم وإن ضيّعوها عذّبهم، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها وقالوا:\nلا، نحن مسخّرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا.\nفقال الله تعالى لآدم: إنّي عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا ربّ وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فتحمّلها آدم صلوات الله عليه وقال: بين أذني وعاتقي، فقال الله تعالى: أمّا إذا تحمّلت فسأعينك فاجعل لبصرك حجابا، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحلّ لك فأرخ عليه حجابه واجعل للسانك لحيين وغلقا، فإذا خشيت فأغلق، واجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرّمت عليك.\nقالوا: فما لبث آدم إلّا مقدارا ما بين الظهر والعصر حتى أخرج من الجنّة. وقال مجاهد:\nالأمانة الفرائض وحدود الدين. وأبو العالية: هي ما أمروا به ونهوا عنه. وقال زيد بن أسلم وغيره: هي الصوم والغسل من الجنابة وما يخفى من شرائع الدين.\nأنبأني عقيل بن محمد، عن المعافى بن زكريا، عن محمد بن جرير الطبري، عن محمد بن خالد العسقلاني عن عبد الله بن عبد المجيد الحنفي قال: أخبرنا أبو العوام القطان عن قتادة\n_________\n(١) سورة يوسف: ٨٢.","vol":"8","page":67},{"text":"وأبان بن أبي عبّاس عن خليد العصري عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلّى الله عليه:\nخمس من جاء بهنّ يوم القيامة مع إيمان دخل الجنّة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهنّ ومواقيتهنّ، وأعطى الزكاة من ماله عن طيب نفس- وكان يقول:\n[وأيم] الله لا يفعل ذلك إلّا مؤمن- وأدّى الأمانة.\nقالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ «١» قال: الغسل من الجنابة. قال: الله ﷿ لم يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيره «٢» .\nوبه عن ابن جرير عن ابن بشّار، عن عبد الرحمن، عن سفيان، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن أبيّ بن كعب قال: من الأمانة أنّ المرأة ائتمنت على فرجها.\nوقال عبد الله بن عمر بن العاص: أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه، وقال: هذه أمانة استودعتكها. فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له.\nوقال بعضهم: هي أمانات الناس، والوفاء بالعهد، فحق على كل مؤمن ألّا يغش مؤمنا، ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس، وقال السدي بإسناده:\nهي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده، وخيانته إياه في قتل أخيه- وذكر القصة إلى أن قال-:\nقال الله ﷿ لآدم: يا آدم هل تعلم أنّ لي في الأرض بيتا؟ قال: اللهم لا.\nقال: فإن لي بيتا بمكة فأته. فقال آدم للسماء: «احفظي ولدي بالأمانة» [٢٩]، فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، وقال لقابيل فقال: نعم تذهب وترجع تجد أهلك كما يسرك. فانطلق آدم (﵇)، فرجع وقد قتل قابيل هابيل، فذلك قوله ﷿: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ يعني قابيل حين حمل أمانة آدم ثم لم يحفظ له أهله.\nوقال الآخرون: وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ يعني آدم. ثم اختلفت عباراتهم في معنى (الظلوم) و(الجهول) فقال ابن عباس والضحاك: ظَلُومًا لنفسه جَهُولًا غرّا بأمر الله وما احتمل من الأمانة. قتادة: ظَلُومًا للأمانة جَهُولًا عن حقها. الكلبي: ظَلُومًا حين عصى ربه، جَهُولًا لا يدري ما العقاب في تركه الأمانة. الحسين بن الفضل: إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا عند الملائكة لا عند الله.\nلِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا.\n_________\n(١) في المصدر: قيل: يا نبي الله\n(٢) تفسير الطبري: ٢٢/ ٦٨ مورد الآية، وكنز العمال: ١٥/ ٨٨٧ ح ٤٣٥١٣، ومجمع الزوائد: ١/ ٤٧.","vol":"8","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>سورة سبأ</span>\nأخبرنا ابن المقرئ عن ابن مطيرة عن إبراهيم بن شريك عن أحمد بن يونس عن سلام بن سليم عن هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة سبأ لم يبق نبي ولا رسول إلّا كان يوم القيامة له رفيقا ومصافحا»\n[٣٠] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)\nوَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)\nقوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ وهو الوصف بالجميل على جهة التعظيم الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ كما هو له في الدنيا لأنّ النعم كلها في الدارين منه، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ.\nقوله: يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ يدخل ويغيب فيها من الماء والموادّ والحيوانات، وَما يَخْرُجُ مِنْها\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٨: ١٩٠. [.....]","vol":"8","page":69},{"text":"من النبات، وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار، وَما يَعْرُجُ يصعد فِيها:\nمن الملائكة وأعمال العباد، وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ.\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ الساعة، ثم عاد ﷻ إلى تمجيده والثناء على نفسه، فقال عز من قائل: عالِمِ الْغَيْبِ، اختلف القراء فيها، فقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: (علّام الغيب) بخفض الميم على وزن فعال، وهي قراءة عبد الله وأصحابه. قال الفراء: وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله (علّام) .\nوقرأ أهل مكة والبصرة وعاصم بجر الميم على مثال فاعل ردا على قوله، وهي اختيار أبي عبيد فيه، وفي أمثاله يؤثر النعوت على الابتداء.\nوقرأ الآخرون (عالمُ) رفعا بالاستئناف إذ حال بينهما كلام.\nلا يَعْزُبُ يغيب ويبتعد عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ: وزن نملة، وهذا مثل لأنه سبحانه لا يخفى عليه ما هو دون الذرة. فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ... لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ. وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا عملوا في إبطال أدلّتنا والتكذيب بكتابنا مُعاجِزِينَ: مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا.\nقال ابن زيد: جاهدين، وقرأ: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ «١» .\nأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ، قرأ ابن كثير ويعقوب وعاصم برواية حفص والمفضل أَلِيمٌ بالرفع على نعت ال (عذاب) . غيرهم بالخفض على نعت ال (رجز) . قال قتادة: الرجز أسوأ العذاب، ومثله في الجاثية «٢» وَيَرَى يعني: وليرى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ يعني: مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال قتادة: هم أصحاب محمد (﵇) .\nالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعني: القرآن هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي يعني: القرآن إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ وهو الإسلام.\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا منكرين للبعث متعجبين منه: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ:\nيخبركم، يعنون: محمدا (﵇) إِذا مُزِّقْتُمْ: قطعتم وفرقتم كُلَّ مُمَزَّقٍ وصرتم رفاتا إِنَّكُمْ بالكسر على الابتداء والحكاية، مجازة يقول لكم: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ.\nأَفْتَرى ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل لذلك نصب عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ: جنون؟ قال الله تعالى: بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ\n_________\n(١) سورة فصلت: ٢٦.\n(٢) يعني قوله تعالى: (لهم عذاب من رجز أليم) سورة الجاثية: ١١.","vol":"8","page":70},{"text":"أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ فيعلموا أنهم حيث كانوا، فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، لا يخرجون من أقطارها، وأنا لقادر عليهم ولا يعجزونني؟\nإِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّماءِ قطعة. قراءة العامة بالنون في الثلث، وقرأ الأعمش والكسائي كلها بالياء وهو اختيار أبي عبيد قال: لذكر الله ﷿ قبله «١» .\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ تائب مقبل على ربه راجع إليه بقلبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nوَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)\nقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ مجازه وقلنا: يا جبال أَوِّبِي مَعَهُ:\nسبحي معه إذا سبح. قال أبو ميسرة: هو بلسان الحبشة، وقال بعضهم: هو التفعيل من الإياب، أي ارجعي معه بالتسبيح. فهذا معنى قول قتادة وأبي عبيد، وقال وهب بن منبّه: نوحي معه.\nوَالطَّيْرَ تساعدك على ذلك، قال: وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم.\nويقال: إن داود كان إذا سبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح. ثم إنه قال ليلة من الليالي في نفسه: «لأعبدن الله تعالى عبادة لم يعبده أحد بمثلها»، فصعد الجبل، فلما كان في جوف الليل وهو على الجبل دخلته وحشة، فأوحى الله سبحانه إلى الجبال أن آنسي داود قال: فاصطكت الجبال بالتسبيح والتهليل، فقال داود في نفسه: «كيف يسمع صوتي مع هذه الأصوات؟» فهبط عليه ملك فأخذ بعضده حتى انتهى به إلى البحر، فركله برجله فانفرج له البحر، فانتهى به إلى الأرض فركلها برجله فانفرجت له الأرض، حتى انتهى به إلى الحوت فركلها برجله فتنحت عن صخرة فركل الصخرة برجله فانفلقت فمزجت منها دودة تنشز، فقال له الملك: إن ربك يسمع نشيز هذه الدودة في هذا الموضع.\nوقال القتيبي: أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلا.\nقال ابن مقبل:\nلحقنا بحي أوّبوا السير بعد ما ... دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح\nكأنه أراد ادأبي النهار كله بالتسبيح معه، وقيل: سيري معه كيف يشاء: وَالطَّيْرَ قراءة العامة بالنصب، وله وجهان:\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٤/ ٢٦٤.","vol":"8","page":71},{"text":"أحدهما بالفعل، مجازه: وسخرنا له الطير، مثل قولك: (أطعمته طعاما وماء) تريد:\nوسقيته ماء، والوجه الآخر النداء كقولك: يا عمرو والصلت أقبلا، نصبت الصلت لأنه إنما يدعى بيائها فإذا فقدتها كان كالمعدول عن جهته، فنصب، وقيل: مع الطير، فتكون الطير مأمورة معه بالتأويب.\nوروي عن يعقوب بالرفع ردا على الجبال أي أَوِّبِي مَعَهُ أنت والطيرُ، كقول الشاعر:\nألا يا عمرو والضحاك سيرا ... فقد جاوزتما خمر الطريق «١»\nيجوز نصب الضحاك ورفعه.\nقوله: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ فذكر أن الحديد كان في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير إدخال نار ولا ضرب بحديد، وكان سبب ذلك على ما\nروي في الأخبار أن داود (﵇) لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا، فإذا رأى رجلا لا يعرفه، تقدم إليه يسأله عن داود، فيقول له: «ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو؟» فيثنون عليه ويقولون: خيرا فينا هو.\nفبينا هو في ذلك يوما من الأيام إذ قيّض الله ملكا في صورة آدمي، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله، فقال له الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه. فراع داود ذلك وقال: «ما هي يا عبد الله؟» قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال. قال: فتنبه لذلك، وسأل الله تعالى أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله له الحديد فصار في يده مثل الشمع، وعلمه صنعة الدروع، وكان يتخذ الدروع وإنه أول من اتخذها.\nفيقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله منها ويتصدق منها على الفقراء والمساكين، ويقال أيضا: إنما ألان الحديد في يده لما أعطي من القوّة.\nأَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ دروعا كوامل واسعات وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ، أي لا تجعل المسامير دقاقا فتغلق ولا غلاظا فتكسر الحلق. فكان يفعل ذلك: وهو أول من اتخذ الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح، والسرد: صنعة الدرع، ومنه قيل لصانعها: السراد والزراد والدرع المسرودة، قال أبو ذويب:\nوعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبّع\nوأصله الوصل والنظم، ومنه قيل للخرز: سرد وللأشفى مسرد وسراد. قال الشماخ:\nكما تابعت سرد العنان الخوارز\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٢/ ٨١.","vol":"8","page":72},{"text":"وسرد الكلام.\nوَاعْمَلُوا يعني داود وآله صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-624>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٢ الى ١٤]</span>\nوَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣) فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤)\nقوله: وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ قراءة العامة بنصب الحاء، أي وسخرنا لسليمان الريح، وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم بالرفع على جر حرف الصفة. غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها من انتصاف النهار إلى الليل مسير شَهْرٌ، فجعل [ما] «١» تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين، وقال وهب: ذكر لي أن منزلا بناحية دجلة مكتوب فيه كتابة [كتبها] «٢» بعض صحابة سليمان (﵇)، إما من الجن وإما من الإنس بحرّ نزلناه وما بنيناه، مبنيا وجدناه غدوناه من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام.\nقال الحسن: لما شغلت نبي الله سليمان بن داود الخيل حتّى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل، فأبدله الله تعالى مكانها خيرا وأسرع له، تجري بأمره كيف يشاء غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وكان يغدو من إيليا فيقيل بإصطخر ثم يروح منها فيكون رواحها بكابل.\nوقال ابن زيد: كان له (﵇) مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه من الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر، فلا يدري القوم إلّا وقد أظلهم معه الجيوش.\nويروى أن سليمان (﵇) سار من أرض العراق غاديا فقال بمدينة مرو، وصلّى العصر بمدينة بلخ تحمله وجنوده الريح ويظلهم الطير، ثم سار من مدينة بلخ متخللا بلاد الترك، ثم جازهم إلى أرض الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثله. ثم عطف يمنة عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى أرض القندهار، وخرج منها إلى مكران وكرمان ثم جازها حتى أتى أرض فارس فنزلها أياما وغدا منها فقال بكسكر، ثم راح إلى الشام، وكان مستقره\n_________\n(١) زيادة اقتضاها السياق.\n(٢) في المخطوط: كتبه.","vol":"8","page":73},{"text":"بمدينة تدمر، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر، وفي ذلك يقول النابغة:\nألا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند\nوخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد «١»\nووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر، أنشأها بعض أصحاب سليمان بن داود (﵉):\nونحن ولا حول سوى حول ربنا ... نروح إلى الأوطان من أرض تدمر\nإذا نحن رحنا كان ريث رواحنا ... مسيرة شهر والغدوّ لآخر\nأناس شروا لله طوعا نفوسهم ... بنصر ابن داود النبي المطهّر\nلهم في معالي الدين فضل ورفعة ... وإن نسبوا يوما فمن خير معشر\nمتى يركبوا الريح المطيعة أسرعت ... مبادرة عن شهرها لم تقصّر\nتظلهم طير صفوف عليهم ... متى رفرفت من فوقهم لم تنفر\nقوله: وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ: وأذبنا له عين النحاس أسيلت له ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان.\nوَمَنْ يَزِغْ: يمل ويعدل عَنْ أَمْرِنا الذي أمرناه به من طاعة سليمان نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ في الآخرة. عن أكثر المفسرين، وقال بعضهم: في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكّل بهم ملكا بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته.\nيَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ: مساجد ومساكن وقصور، والمحراب: مقدم كل مسجد، ومجلس وبيت. قال عدي:\nكدمى العاج في المحاريب أو ... كالبيض في الروض زهره [مستنير] «٢»\nوكان مما عملوا له من ذلك بيت المقدس، وقصته وصفته على ما ذكره أهل البصر بالسير أن الله تعالى بارك في نسل إبراهيم (﵇) حتى جعلهم في الكثرة غاية لا يحصون، فلما كان زمن داود (﵇) لبث فيهم ثلاثين سنة بأرض فلسطين، وهم كل يوم يزدادون كثرة، فأعجب داود بكثرتهم فأمر بعدّهم، فكانوا يعدون زمانا من الدهر حتى أيسوا وعجزوا أن يحيط علمهم بعدد بني إسرائيل، فأوحى الله إلى داود: «إني قد وعدت أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٣/ ١٢١ وتفسير القرطبي: ١٤/ ٢٦٩.\n(٢) كذا في مصادر التفسير، انظر تفسير الطبري: ٣/ ٢٣٣٥: ٤٤٧، ٨: ٣٨٢، وهو الصحيح وزنا، وفي المخطوط: مستكبر.","vol":"8","page":74},{"text":"ولده فصدقني وائتمر أمري أن أبارك له في ذريته، حتى يصيروا أكثر من عدد نجوم السماء وحتى لا يحصيهم العادّون، وإني قد أقسمت أن أبتليهم ببلية يقل منها عددهم ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم» وخيّره بين أن يعذبهم بالجوع والقحط ثلاث سنين، وبين أن يسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر، وبين أن يرسل عليهم الطاعون ثلاثة أيام.\nفجمع داود بني إسرائيل وأخبرهم بما أوحى الله إليه وخيره فيه، فقالوا: أنت أعلم بما هو أيسر لنا وأنت نبينا فانظر لنا، غير أن الجوع لا صبر لنا [عليه] وتسليط العدو أمر فاضح، فإن كان لا بد فالموت. فأمرهم داود ﵇ أن يتجهزوا للموت، فاغتسلوا وتحنطوا ولبسوا الأكفان وبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين، وأمرهم أن يضجّوا إلى الله تعالى ويتضرعوا إليه لعله «١» يرحمهم، وذلك في صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد. قال: وارتفع داود (﵇) فوق الصخرة فخرّ ساجدا يبتهل إلى الله تعالى فأرسل الله فيهم الطاعون. فأهلك منهم في يوم وليلة ما لم يتفرغوا من دفنهم إلّا بعد مدة شهرين. فلما أصبحوا من اليوم الثاني سجد داود وسجدوا معه إلى طلوع الشمس فلم يرفعوا رؤوسهم حتى كشف الله عنهم الطاعون.\nقالوا: فلما أن شفّع الله تعالى داود في بني إسرائيل في ذلك المكان جمع داود بني إسرائيل بعد ثلاثة فقال لهم: «إن الله سبحانه قد منّ عليكم ورحمكم فجددوا له شكرا» . فقالوا:\nكيف تأمرنا. قال: «آمركم أن تتخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجدا لا يزال فيه منكم وممن بعدكم ذاكر» .\nفلما أرادوا البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف إخلاصهم في ثبوتهم فقال لبني إسرائيل: إنّ لي فيه موضعا أنا محتاج إليه ولا يحل لكم أن تحجبوني عنه. فقالوا له: يا هذا ما أحد في بني إسرائيل إلّا وله في هذا الصعيد حق مثل حقك، فلا تكن أبخل الناس ولا تضايقنا فيه. فقال: أنا لا أعرف حقي وأنتم لا تعرفون. فقالوا له: إما إن ترضى وتطيب نفسا، وإلّا أخذناه كرها. فقال لهم: أو تجدون ذلك في حكم الله وفي حكم داود؟\nقال: فرفعوا خبره إلى داود فقال: «أرضوه» . فقالوا: بكم نأخذه يا نبي الله؟ قال: «خذوه بمائة شاة» . فقال الرجل: زد. فقال داود: «بمائة بقر» . قال: زد. قال: «مائة إبل» . قال: زدني فإنّ ما تشتريه لله تعالى. فقال داود: «أما إذا قلت هذا، فاحتكم أعطكه» فقال: تشتري مني بحائط مثله زيتونا ونخلا وعنبا. قال: «نعم» . فقال: تشتريه لله فلا تبخل. قال: «سل ما شئت أعطكه، وإن شئت أؤاجرك نفسي» قال: وتفعل ذلك يا نبي الله؟ قال: «نعم إذا شئت» . قال:\nأنت أكرم على الله من ذلك، ولكنك تبني حوله جدارا مشرفا ثم تملؤه ذهبا، وإن شئت ورقا.\nقال داود: «هو هين» .\n_________\n(١) في المخطوط زيادة: «أن» .","vol":"8","page":75},{"text":"فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل وقال: هذا هو التائب المخلص. ثم قال لداود: يا نبي الله لئن يغفر الله لي ذنبا واحدا أحبّ إلي من كل شيء وهبته لي، ولكني كنت أجرّبكم.\nفأخذوا في بناء بيت المقدس، وكان داود (﵇) ينقل لهم الحجارة على عاتقه وكذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة. فأوحى الله تعالى إلى داود (﵇): «إنّ هذا بيت مقدّس وإنك رجل سفاك للدماء فلست ببانيه إذا لم أقضي ذلك على يدك، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان، أسلّمه من سفك الدماء وأقضي إتمامه على يده، وذلك صيته وذكره لك باقيا» «١» .\nفصلوا فيه زمانا، وداود يومئذ ابن سبع وعشرين ومائة سنة، فلما صار من أبناء أربعين ومائة سنة توفّاه الله واستخلف سليمان. فأحبّ بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحها له. فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثني عشر ربضا، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط وكانوا اثني عشر سبطا.\nفلما فرع من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد، فوجّه الشياطين فرقا، يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر، وفرقا يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر، فأتي من ذلك بشيء لا يحصيه إلّا الله تعالى، ثم أحضر الصنّاعين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحا، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللئالئ فكانوا يعالجونها، فتصوّت صوتا شديدا لصلابتها، فكره سليمان تلك الأصوات. فدعا الجن وقال لهم: «هل عندكم حيلة في نحت هذه الجواهر من غير تصويت؟» .\nفقالوا: يا رسول الله، ليس في الجن أكثر تجارب، ولا أكثر علما من صخر العفريت، فأرسل إليه من يأتيك به. فطبع سليمان خاتمه طابعا- وكان يطبع للشياطين بالنحاس، ولسائر الجن بالحديد- وكان إذا طبع أحد هما بخاتمه لمع ذلك كالبرق الخاطف، فكان لا يراه أحد:\nجني ولا شيطان إلّا انقاد له بإذن الله عزّت قدرته.\nفأرسل الطابع مع عشرة من الجن فأتوه وهو في بعض جزائر البحور، فأروه الطابع، فلما نظر إليه كاد يصعق خوفا، فأقبل مسرعا مع الرسل حتى دخل على سليمان (﵇) . فسأل سليمان رسله عما أحدث العفريت في طريقه. فقالوا: يا رسول الله إنه كان يضحك بعض الأحايين من الناس. فقال له سليمان (﵇): «ما رضيت بتمردك عليّ في ترك المجيء إليّ طائعا حتى صرت تسخر بالناس؟» .\n_________\n(١) بتفاوت في تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٠٣.","vol":"8","page":76},{"text":"فقال: يا نبي الله إني لم أسخر منهم غير أن ضحكي كان تعجّبا مما كنت أسمع وأرى في طريقي. فقال سليمان: «وما ذاك؟» .\nقال: اعلم أني مررت برجل على شط نهر ومعه بغلة يريد سقيها ومعه جرة يريد أن يستقي فيها، فسقى البغلة وملأ الجرة، ثم أراد أن يقضي حاجته فشد البغلة بإذن الجرة فنفرت البغلة وجرت الجرة فكسرتها، فضحكت من حمق الرجل حيث توهم أن الجرة تحبس البغلة «١» .\nومررت برجل وهو جالس عند إسكاف يستعمله في إصلاح خف له، فسمعته يشترط معه أن يصلحه بحيث يبقى معه أربع سنين ونسي نزول الموت به قبله، فضحكت من غفلته وجهله.\nومررت بعجوز تتكهن وتخبر الناس بما لا يعلمون من أمر السماء، وقد كنت عهدت رجلا دفن في موضع فراشها ذهبا كثيرا في الدهور الخالية، فرأيتها تموت جوعا وتحت فراشها ذهب كثير لا تعلم بمكانه، ثم تخبر الناس عن أمر السماء فضحكت منها.\nومررت برجل في بعض المدن، وقد كان به داء فيما قيل فأكل البصل فبرأ من دائه، فصار يتطبّب للناس، فكان لا يأتيه أحد يسأله عن علّة إلّا أمره بأكل البصل وإنه لأضرّ شيء، حتى إنّ ضره ليصل إلى الدماغ، فضحكت منه.\nومررت ببعض الأسواق فرأيت الثوم وهو أفضل الأدوية كلّها يكال كيلا، ورأيت الفلفل وهو أحد السموم القاتلة يوزن وزنا فضحكت من ذلك.\nومررت بناس قد جلسوا يبتهلون إلى الله تعالى ويسألونه المغفرة والرحمة، فملّ منهم قوم وقاموا، وجاء آخرون وجلسوا فرأيت الرحمة قد نزلت عليهم، فأخطأت الذين كانوا من أهل المجلس، وغشيت الذين جاءوا فجلسوا، فضحكت تعجبا للقضاء والقدر.\nقالوا: فقال سليمان له: هل عرفت في كثرة تجاربك وجولاتك في البر والبحر شيئا تنحت به هذه الجواهر فتلين فيسهل نحتها وثقبها فلا تصوت؟ فقال: نعم يا نبي الله، أعرف حجرا أبيض كاللبن يقال له السامور غير أني لا أعرف معدنه الذي هو فيه، وليس في الطير شيء هو أحيل ولا أهدى من العقاب. فمر بعقاب أن تجعل فراخه في صندوق حجر معه ليلة، ثم تسرّح ذلك العقاب وتترك فراخه في الصندوق فإنه سيأتي بذلك الحجر فيضرب به ظهر الصندوق حتى ينقبه به ليصل إلى فراخه.\nقال: فأمر سليمان بعقاب مع فراخه فجعله في صندوق من حجر يوما وليلة، ثم سرح العقاب دون الفراخ، فمرّ العقاب وجاء بذلك الحجر بعد يوم وليلة، وثقب به الصندوق حتى\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٥/ ١٣٦.","vol":"8","page":77},{"text":"وصل إلى فراخه. فوجه سليمان مع العقاب نفرا من الجن حتى أتوه به منه قدر ما علم أن فيه كفاية، واستعمل ذلك في أدوات الصناعين، فسهل عليهم نحتها من غير تصويت وهو الحجر الذي يستعمل في نقش الخواتيم وثقب الجواهر إلى اليوم، وهو حجر عزيز ثمين.\nقال: فبنى سليمان (﵇) المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمّده بأساطين المها الصافي، وسقفه بألواح الجواهر الثمنية وفصّص سقوفه وحيطانه باللآلئ واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ بيت في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر.\nفلما فرغ منه جمع إليه أخيار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله وأنّ كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا.\nوقالوا: من أعاجيب ما اتخذ سليمان ﵇ ببيت المقدس أن بنى بيتا وطيّن حائطه بالخضرة وصقله، فكان إذا دخله الورع البرّ استبان خياله في ذلك الحائط أبيض، وإذا دخله الفاجر استبان فيه خياله أسود. فارتدع عند ذلك كثير من الناس عن الفجور والخيانة.\nونصب في زاوية من زوايا المسجد عصا أبنوس، فكان من مسها من أولاد الأنبياء لم يضره مسها، ومن مسها من غيرهم احترقت يده.\nوروى الأوزاعي عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ: «لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثا فأعطاه اثنين وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه الله الثالثة: سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أن لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلّا خرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أمه وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك» [٣١] «١» .\nقالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان (﵇) حتى غزا نبوخذ نصر فخرب المدينة وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمله معه إلى دار مملكته من أرض العراق.\nقال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلّقت أبوابه، فعالجها سليمان فلم تنفتح، حتى قال في دعائه: «بصلوات أبي داود إلّا فتحت الأبواب» .\nففتحت ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلّا والله يعبد فيها.\n_________\n(١) المستدرك: ٢/ ٤٣٤، مع تفاوت يسير.","vol":"8","page":78},{"text":"وَتَماثِيلَ أي صور، كانوا يعملون التماثيل من نحاس وصفر وشبه وزجاج ورخام في المساجد تماثيل الملائكة والنبيين الصالحين لكي إذا رآهم الناس مصورين عبدوا عبادتهم.\nوَجِفانٍ أي قصاع، واحدها جفنة كَالْجَوابِ كالحياض التي يجبى فيها الماء، أي يجمع، واحدها جابية.\nقال الأعشى ميمون بن قيس:\nتروح على آل مخلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق\nأخبرنا أبو بكر الحمشاوي قال: أخبرني أبو بكر القطيعي إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سهل السرّاج قال: سمعت الحسن يقول: (وَجِفانٍ كَالْجَوابِ) مثل حياض الإبل، ويقال: إنه كان يجتمع على جفنة واحدة ألف رجل يأكلون بين يديه.\nوَقُدُورٍ راسِياتٍ: ثابتات لا يحوّلن ولا يحركن من أماكنهن لعظمتهن، ولا ينزلن ولا يعطلن وكانت باليمن، ومنه قيل للجبال: رواسي اعْمَلُوا أي وقلنا: اعملوا آلَ داوُدَ شُكْرًا مجازه: اعْمَلُوا بطاعة الله يا آلَ داوُدَ شُكْرًا له على نعمه، وشُكْرًا في محل المصدر.\nوَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ أرسل حمزة (الياء) وفتحها الباقون. قال القرظي: الشكر: تقوى الله والعمل بطاعته.\nوحدثونا عن محمد بن يعقوب قال: حدثنا الحصر بن أبان قال: حدّثنا سيار قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت ثابتا يقول: كان داود نبي الله (﵇) قد جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن بأي ساعة من ساعات الليل والنهار إلّا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فعمهم الله تعالى في هذه الآية اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا.\nفَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ قال المفسرون: كان سليمان (﵇) يتحرز في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يدخل فيه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها وكان بدوّ ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلّا نبتت في بيت المقدس شجرة فيسألها: «ما اسمك؟» فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول لها: «لأيّ شيء أنت؟» فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع. فإن كانت نبتت لغرس غرسها وإن كانت لدواء كتب.\nفبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: «ما اسمك؟» . قالت:\nالخروبة. قال: «ولأيّ شيء نبتّ؟» قالت: لخراب هذا المسجد. فقال سليمان: «ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي، وخراب بيت المقدس» . فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال: «اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الإنس أنّ الجن لا يعلمون الغيب» -","vol":"8","page":79},{"text":"وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء وإنهم يعلمون ما في غد- ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات.\nقال ابن زيد: قال سليمان لملك الموت: «إذا أمرت بي فاعلمني» . قال: فأتاه فقال: «يا سليمان قد أمرت بك، وقد بقيت لك سويعة» .\nفدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب، فقام يصلي واتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متّكئ على عصاه.\nوفي رواية أخرى: أنّ سليمان (﵇) قال ذات يوم لأصحابه: «قد آتاني الله من الملك ما ترون، وما مرّ عليّ يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد يصفو لي إلى الليل، ولا أغتم فيه ولكن ذلك اليوم غدا» .\nفلما كان من الغد دخل قصرا له وأمر بإغلاق أبوابه، ومنع الناس من الدخول عليه، ورفع الأخبار إليه لئلا يسمع ذلك اليوم شيئا يسوؤه، ثم أخذ عصاه بيده، وصعد فوق قصره واتكأ على عصاه ينظر في ممالكه، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض قد خرج عليه من جانب من جوانب قصره، فقال: «السلام عليك يا سليمان» . فقال: «وعليك السلام، كيف دخلت هذا القصر، وقد منعت من دخوله؟ أما منعك البوّاب والحجّاب؟ أما هبتني حيث دخلت قصري بغير إذني؟» فقال: «أنا الذي لا يحجبني حاجب، ولا يدفعني بوّاب ولا أهاب الملوك، ولا أقبل الرشا وما كنت لأدخل هذا القصر بغير إذن» قال سليمان: «فمن أذن لك في دخوله؟» قال:\n«ربه» .\nفارتعد سليمان وعلم أنه ملك الموت، فقال له: «أنت ملك الموت؟» قال: «نعم»، قال:\n«فبمّ جئت؟» .\nقال: «جئت لأقبض روحك» . قال: «يا ملك الموت هذا يوم أردت أن يصفو لي ولا أسمع فيه ما يغمني» . قال: «يا سليمان، إنّك أردت يوما يصفو لك فيه عيشك حتى لا تغتم فيه، ذلك اليوم لم يخلق في أيام الدنيا فارض بقضاء ربك فإنه لا مرد له» .\nقال: «فامض لما أمرت به» .\nفقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه. قالوا: وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه ومصلاه أينما كان، فكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه، وكان الشيطان الذي يريد أن يخرج يقول: ألست جليدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر. فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت فلم يحترق فنظر إلى سليمان وقد سقط ميتا، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته- وهي العصا بلسان الحبشة- قد أكلتها الأرضة،","vol":"8","page":80},{"text":"ولم يعلموا مذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوما وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات من سنة، وكانت الجن تعمل بين يديه ينظرون إليه ويحسبون أنه حيّ ولا ينظرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك «١» .\nوهي في قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولا كاملا، فأيقن الناس أنّ الجن كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له. ثم إنّ الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الطين والماء. فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون فوق الخشب فهو ممّا يأتيها به الشياطين تشكرا لها، فذلك قوله تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ وهي الأرضة، ويقال لها: القادح أيضا وهي دويبة تأكل العيدان.\nتَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ أي عصاه، فأصلها من نسأت الغنم إذا زجرتها وسقتها، وقال طرفة:\nأمون كألواح الأران نسأتها ... على لاحب كأنه ظهر برجد «٢»\nأي سقتها، وهمزها أكثر القراء، وترك همزها أبو عمرو وأهل المدينة، وهما لغتان، وقال الشاعر في الهمز:\nضربنا بمنسأة وجهه ... فصار بذاك مهينا ذليلا «٣»\nوقال الآخرون في ترك الهمز:\nإذا دببت على المنساة من هرم ... فقد تباعد عنك اللهو والغزل «٤»\nقوله: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ، و(أن) في محل الرفع لأن معنى الكلام: فلما خر تبين وانكشف أن لو كان الجن أي ظهر أمرهم، وفي قراءة ابن مسعود أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، وقيل:\n(أن) في موضع نصب أي علمت وأيقنت الجن أن لو كانوا يعلمون.\nوقال أهل التاريخ: كان عمر سليمان (﵇) ثلاثا وخمسين سنة وكان مدة ملكه أربعين سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه والله أعلم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٢/ ٩٢، وتاريخ الطبري: ١/ ٣٥٦.\n(٢) الصحاح: ٥: ٢٠٦٩. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ١٤/ ٢٧٩.\n(٤) الصحاح: ١/ ٧٦.","vol":"8","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ١٥ الى ٢٧]</span>\nلَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)\nوَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤)\nقُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)\nقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ،\nروى أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغطيفي قال:\nقال رجل: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ ما كان رجلا أو امرأة، أو أرضا أو جبلا أو واديا؟\nفقال ﷺ: «ليست بأرض ولا امرأة ولكنه كان رجلا من العرب ولد له عشرة من الولد، فتيامن منهم ستة وتشاءم أربعة فأما الذين تيامنوا، فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وأنمار وحمير» .\nفقال رجل: وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم وبجيلة، وأما الذين تشاءموا فعاملة وجذام ولخم وغسان» [٣٢] «١» .\nوالإجراء وترك الإجراء فيه سائغ، وقد قرئ بهما جميعا فالإجراء على أنه اسم رجل معروف، وترك الإجراء على أنه اسم قبيلة نحو (هذه تميم) .\nواختاره أبو عبيد لقوله:\nفي مساكنهم، واختلف القراء فيه، فقرأ حمزة والنخعي: (مَسْكَنِهِمْ) - بفتح الكاف- على الواحد، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي وخلف بكسر الكاف على الواحد.\nالباقون: مساكنهم جمع.\nآيَةٌ دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا، ثم فسرها فقال: جَنَّتانِ أي هي جنتان: بستانان\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٢/ ٩٤، تفسير ابن كثير ٣/ ٥٣٩- مع تقديم وتأخير في الحديث.","vol":"8","page":82},{"text":"عَنْ يَمِينٍ من أتاهما وَشِمالٍ وعن شماله كُلُوا: وقيل لهم: كلوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ على ما أنعم عليكم، وإلى ها هنا تم الكلام ثم ابتدأ فقال: بَلْدَةٌ أي هذه بلدة أو بلدتكم بلدة طَيِّبَةٌ ليست بسبخة. قال ابن زيد: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة قط ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وإن كان الركب ليأتون وفي ثيابهم القمل والدواب فما هو إلّا أن ينظروا لي بيوتهم فتموت الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين فيمسك القفة على رأسه فيخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفواكه ولم يتناول منها شيئا بيده فذلك قوله سبحانه: بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ الهواء، وَرَبٌّ غَفُورٌ الخطأ كثير العطاء.\nقوله تعالى: فَأَعْرَضُوا، قال وهب: بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا فدعوهم إلى الله، وذكروهم نعمه عليهم، وأنذروهم عقابه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة. فقولوا لربكم الذي تزعمون فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع، فذلك قوله ﷿: فَأَعْرَضُوا.\nفَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ، والعرم: السد والمسناة التي تحبس الماء واحدتها عرمة، وأصلها من العرامة وهي الشدة والقوة.\nوقال ابن عباس ووهب وغيرهما: كان هذا السد يسقي جنتيهم، وكان فيما ذكر بنته بلقيس وذلك أنها لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها، فتركت ملكها وانطلقت إلى قصر لها فنزلته، فلما كثر الشر بينهم وندموا أتوها فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها فأبت، فقالوا: لترجعنّ أو لنقتلنّك. فقالت: إنكم لا تطيعونني وليست لكم عقول.\nقالوا: فإنا نطيعك فإنا لم نجد فينا خيرا بعدك. فجاءت فأمرت بواديهم فسد بالعرم وهو المسناة بلغة حمير، فسدت ما بين الجبلين بالصخر والقار، وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة، فجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم، فلما جاء المطر اجتمع إليه ماء الشجر وأودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة وأمرت بالبعر فألقي فيها، فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار وترسل البعر في الماء حتى خرجت جميعا معا فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان.\nوبقوا على ذلك بعدها، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني، ثم من الباب الأسفل ولا ينفد الماء، حتى يؤوب الماء من السنة المقبلة.\nفلما طغوا وكفروا، سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد فنقب من أسفله، فغرّق الماء جناتهم وخرب أرضهم.\nوقال وهب: وكانوا فيما يزعمون يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم ذلك فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلّا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمان وما أراد الله بهم من التفريق","vol":"8","page":83},{"text":"أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتى وهنته للسيل وهم لا يعلمون ذلك. فلما جاء السيل وجد خللا فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على أموالهم فغرّقها ودفن بيوتهم الرمل، وفرّقوا ومزقوا حتى صاروا مثلا عند العرب [فقالوا] «١»: تفرقوا أيادي سبأ، وأيدي سبأ، فذلك قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ.\nوقيل: العرم هو المطر الشديد من العرامة وهي التمرّد والعصيان.\nوَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ قراءة العامة بالتنوين، وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالإضافة، وهما متقاربتان كقول العرب: في بستان فلان أعناب كرم وأعناب كرم، فتضيف أحيانا الأعناب إلى الكرم لأنه منه، وتنون أحيانا الأعناب، ثم يترجم بالكرم عنها إذ كانت الأعناب ثمر الكرم.\nوالأكل: الثمر، والخمط: الأراك في قول أكثر المفسرين، وقيل: كل شجرة ذات شوك، وقيل: شجرة الغضا، وقيل: هو كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله، وَأَثْلٍ وهو الطرفاء، عن ابن عباس، وقيل: هو شجر شبيه بالطرفاء إلّا أنه أعظم منه، وقال الحسن: الأثل الخشب. قتادة: ضرب من الخشب، وقيل: هو السمر. أبو عبيدة: هو النضار.\nوَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، قال قتادة: بينما شجر القوم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم. قال الكلبي: فكانوا يستظلون بالشجر ويأكلون البربر وثمر السدر وأبوا أن يجيبوا الرسل ذلِكَ الذي جعلنا بهم، جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا أي بكفرهم، ومحل ذلك نصب بوقوع المجازاة عليه، تقديره جزيناهم ذلك بما كفروا: وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ قرأ أهل الكوفة بالنون وكسر الزاي ونصب الراء، واختاره أبو عبيدة قال: [لقوله] «٢»: جَزَيْناهُمْ، ولم يقل: جوزوا، وقرأ الآخرون بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع الراء، ومعنى الآية: وهل يجازى مثل هذا الجزاء إلّا الكفور، وقال مجاهد: يجازي أي يعاقب.\nوَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي الشام قُرىً ظاهِرَةً أي متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها. قال الحسن: كان أحدهم يغدوا فيقيل في قرية ويروح فيأوي إلى أخرى، وكانت المرأة تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم تمتهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، وكان ما بين اليمن والشام كذلك.\nوقال ابن عباس: قُرىً ظاهِرَةً يعني: قرى عربيّة بين المدينة والشام. سعيد بن جبير: هي القرى التي ما بين مأرب والشام. مجاهد: هي السروات، وهب بن منبه: هي قرى صنعاء.\n_________\n(١) في المخطوط: فقال.\n(٢) في المخطوط: لقومه.","vol":"8","page":84},{"text":"وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلنا السير بين قراهم والقرى التي باركنا فيها سيرا مقدرا من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية، لا ينزلون إلّا في قرية، ولا يغدون إلّا في قرية، وقلنا لهم:\nسِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا وقت شئتم آمِنِينَ: لا تخافون عدوّا ولا جوعا ولا عطشا، ولا تحتاجون إلى زاد ولا ماء، فبطروا وطغوا ولم يصبروا على العافية وقالوا: لو كان جني جناننا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه.\nفَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا: فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل، ونتزود الأزواد. فجعل الله لهم الإجابة، واختلف القراء في هذه الآية فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ربنا بعّد)، على وجه الدعاء والسؤال من (التبعيد)، وهي رواية هشام عن قرّاء الشام، وقرأ ابن الحنفية ويعقوب: رَبُّنا- برفع الباء- باعَدَ- بفتح الباء والعين والدال- على الخبر، وهي اختيار أبي حاتم، استبعدوا أسفارهم بطرا منهم وأشرا، وقرأ الباقون: رَبَّنا بفتح الباء، باعِدْ بالألف وكسر العين وجزم الدال- على الدعاء، ففعل الله ذلك بهم، فقال:\nوَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بالكفر والبطر والطغيان، فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ: عظة وعبرة يتمثل بهم، وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ، قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان.\nوقال ابن إسحاق: يزعمون أنّ عمران بن عامر وهو عم القوم- كان كاهنا فرأى في كهانته أنّ قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا همّ بعيد وحمل شديد ومزاد جديد فليلحق بكأس أو كرود، قال: فكان وادعة بن عمرو.\nومن كان منكم يريد عيشا هانئا وحرما آمنا فليلحق بالأردن فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد الراسيات في الرجل والمطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكان الأوس والخزرج، ومن كان منكم يريد خمرا وخميرا وذهبا وحريرا وملكا وتأميرا، فليلحق بكوثى وبصرى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام، ومن كان منهم بالعراق.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ قال مطرف: هو المؤمن الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر.\nقوله: وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ، قرأ أهل الكوفة: بتشديد الدال وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد، أي ظن فيهم ظنا حيث قال: فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ «١»، وقال: وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ «٢»، فصدّق ظنه وحقّقه لفعله ذلك بهم واتّباعهم إياه، وقرأ الآخرون:\nصدق بالتخفيف أي صدق عليهم في ظنه بهم.\n_________\n(١) سورة ص: ٨٢.\n(٢) سورة الأعراف: ١٧.","vol":"8","page":85},{"text":"عَلَيْهِمْ أي على أهل سبأ، وقال مجاهد: على الناس كلّهم إلّا من أطاع الله فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إلّا تسليطنا إياه عليهم لِنَعْلَمَ: لنرى ونميز، ونعلمه موجودا ظاهرا كائنا موجبا للثواب والعقاب، كما علمناه قبل مفقودا معدوما بعد ابتلاء منا لخلقنا.\nقال الحسن: والله ما ضربهم بسيف ولا عصا ولا سوط إلّا أماني وغرورا دعاهم إليها.\nمَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ الآية.\nقُلِ يا محمد لهؤلاء المشركين الذين أنت بين ظهرانيهم: ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنهم آلهة مِنْ دُونِ اللَّهِ، ثم وصفها فقال: لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ من خير وشر وضرّ ونفع، فكيف يكون إلها من كان كذلك؟ وَما لَهُمْ فِيهِما أي في السماوات والأرض مِنْ شِرْكٍ شركة وَما لَهُ أي لله مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ: عون.\nوَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ تكذيبا منه لهم حيث قالوا: هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي: (أُذِنَ) بضم الألف، واختلف فيها عن عاصم، وقرأ غيرهم: بالفتح.\nحَتَّى إِذا فُزِّعَ قرأ ابن عامر ويعقوب بفتح الفاء والزاي، [وقرأ] «١» غير هما: بضم الفاء وكسر الزاي، أي كشف الفزع، وأخرج عَنْ قُلُوبِهِمْ، وأخبرني ابن فنجويه قال: أخبرني أبو علي بن حبيس المقرئ قال: حدثنا أبو عبيد القاضي قال: أخبرني الحسين بن محمد الصباغ عن عبد الوهاب عن موسى الأسواري عن الحسن أنه كان يقرؤها (حتى إذا فرع عن قلوبهم) - بالراء والعين- يعني: فرعت قلوبهم من الخوف.\nواختلفوا في هذه الكناية والموصوفين بهذه الصفة من هم؟ وما السبب الذي من أجله فزع عن قلوبهم؟\nفقال قوم: هم الملائكة، ثم اختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم: إنما يفزع عن قلوبهم غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله سبحانه.\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن علي بن عفان قال: حدثنا ابن نمير عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله ﷿ بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيصعقون عند ذلك ويخرون سجدا، فإذا علموا أنه وحي فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ. قال: فيرد إليهم، فينادي أهل السماوات بعضهم بعضا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ فرفعه بعضهم.\n_________\n(١) زيادة اقتضاها السياق.","vol":"8","page":86},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرني أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي سعيد البزاز قال: حدثنا علي بن أشكاب قال: أخبرني أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرائيل (﵇)، فإذا جاءهم جبرائيل ﵇ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربك؟ قال: يقول: الحق، فينادون: الحق الحق» «١» [٣٣] .\nوالشاهد لهذا الحديث والمفسر له ما\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الفقيه قال:\nأخبرني أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب قال: أخبرنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إنّ نبي الله ﷺ قال: «إذا قضى الله ﷿ الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: للذي قال:\nالْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ» «٢» [٣٤] .\nوأنبأني عقيل بن محمد عن المعافى بن زكريا عن محمد بن جرير الطبري عن زكريا بن أبان المصري عن نعيم عن الوليد بن مسلم عن عبد الرّحمن بن يزيد بن جابر عن أبي زكريا عن رجاء بن حبوة عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله: «فإذا سمع بذلك أهل السماوات، صعقوا وخرّوا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراده، ثم يمر جبرائيل على الملائكة، كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. قال: فيقولون كلهم مثلما ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمر الله» [٣٥] «٣» .\nوبه عن ابن جرير عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب عن هشام عن عروة قال: قال الحرث ابن هشام لرسول الله ﷺ: كيف يأتيك الوحي؟ قال: «يأتيني في صلصلة كصلصلة الجرس فيفصم عني حين يفصم وقد وعيته، ويأتيني أحيانا في مثل صورة الرجل فيكلمني به كلاما وهو أهون عليّ» [٣٦] «٤» .\nوقال بعضهم: إنما يفزعون حذرا من قيام الساعة.\nوقال الكلبي: كان بين عيسى ومحمد (﵉) فترة زمان طويلة لا يجري فيها\n_________\n(١) فتح الباري ١٣/ ٣٨٢.\n(٢) صحيح البخاري: ٦/ ٢٨.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧: ٩٤.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢٢/ ١١١.","vol":"8","page":87},{"text":"الرسل خمسمائة وخمسين عاما، فلما بعث الله محمدا (﵇) كلّم الله جبرائيل بالرسالة إلى محمد، فلما سمعت الملائكة الصوت ظنوا أنها الساعة قد قامت فصعقوا مما سمعوا. فلما انحدر جبرائيل جعل يمر بأهل كلّ سماء فيكشط عنهم فيرفعون رؤوسهم، فيقول بعضهم لبعض:\nماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ فلم يدروا ما كان ولكنهم قالُوا: قال الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ وذلك أنّ محمدا عند أهل السماوات من أشراط الساعة، فلما بعثه الله تعالى فزع أهل السماوات لا يشكون إلّا أنها الساعة.\nوقال الضحاك: إنّ الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الرب فانحدروا سمع لهم صوت شديد، فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجدا ويصعقون، حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة، وهذا تنبيه من الله سبحانه وإخبار أنّ الملائكة مع هذه الصفة لا يمكنهم أن يشفعوا لأحد إلّا أن يؤذن لهم، فإذا أذن الله لهم وسمعوا وحيه كان هذا حالهم. فكيف تشفع الأصنام؟! وقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون.\nقال الحسن وابن زيد يعني: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم إقامة للحجة عليهم، قالت لهم الملائكة: ماذا قالَ رَبُّكُمْ في الدنيا؟ قالُوا: الْحَقَّ، فأقرّوا به حين لم ينفعهم الإقرار، ودليل هذا التأويل قوله تعالى في آخر السورة: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ «١» .\nقُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ هذا على جهة الإنصاف في الحجاج كما يقول القائل: أحدنا كاذب وهو يعلم أنه صادق وأنّ صاحبه كاذب.\nوالمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، إنّ أحد الفريقين لمهتد والآخر ضال. فالنبيّ ومن معه على الهدى ومن خالفه في ضلال، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب.\nوقيل هذا على جهة الاستهزاء بهم وهو غير شاك في دينه، وهذا كقول الشاعر وهو أبو الأسود:\nيقول الأرذلون بنو قشير: ... طوال الدهر لا تنسى عليّا\nبنو عم النبي وأقربوه ... أحبّ الناس كلّهم إليّا\nفإن يك حبهم رشدا أصبه ... وليس بمخطئ إن كان غيا «٢»\n_________\n(١) سورة سبأ: ٥١.\n(٢) تاريخ دمشق: ٢٥/ ١٨٩- ٢٠٠ ط. دار الفكر. [.....]","vol":"8","page":88},{"text":"فقاله من غير شك، وقد أيقن أن حبهم رشد.\nوقال بعضهم: أَوْ بمعنى الواو، يعني: إنا لعلى هدى وإنكم إياكم لفي ضلال مبين، كقول جرير:\nأثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا «١»\nيعني ثعلبة ورياحا.\nقُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا يوم القيامة ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا: يقضي بيننا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ. قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ يعني الأصنام هل خلقوا من الأرض شيئا أم لهم شرك في السماوات: وتفسيرها في سورة (الملائكة) و(الأحقاف) .\nثم قال تعالى كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وهو القاهر القوي الذي يمنع من يشاء ولا يمنعه مانع، فهو العزيز المنتقم ممن كفر به وخالفه، الحكيم في تدبيره لخلقه، فإنّى يكون له شريك في ملكه؟\n_________\n(١) الصحاح: ١/ ١٢٠.","vol":"8","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٢٨ الى ٤٨]</span>\nوَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٨) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٩) قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)\nوَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣) وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٣٤) وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ (٣٧)\nوَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (٣٨) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١) فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (٤٢)\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣) وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٤٥) قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٤٦) قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)\nقُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (٤٨)\nقوله ﷿: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً عامة لِلنَّاسِ كلهم العرب والعجم وسائر الأمم.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثنا علي بن حرب قال:\nحدثنا ابن فضيل قال: حدثنا (يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ومقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «أعطيت خمسا ولا أقول فخرا: بعثت إلى الأحمر والأسود، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأحل لي المغنم ولم يحل لأحد كان قبلي، ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر وأعطيت الشفاعة فادّخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لم يشرك بالله شيئا» [٣٧] .\nوقيل: معناه كافّ للناس. يكفّهم عما هم عليه من الكفر، ويدعوهم إلى الإسلام، والهاء فيه للمبالغة.\nبَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب، ثم أخبر حالهم في مآلهم، فقال: وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ: الكافرون مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يتلاومون ويحاور بعضهم بعضا يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ أي مكركم بنا. فهما كما يقال: عزم الأمر وفلان نهاره صائم وليله قائم.\nقال الشاعر:\nونمت وما ليل المطي بنائم\nوقيل: مكر الليل والنهار بهم طول السلامة فيهما كقوله: فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ «١»،\n_________\n(١) الحديد/ ١٦.","vol":"8","page":90},{"text":"ونحوه. إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ...، نَجْعَلَ لَهُ أَنْدادًا وَأَسَرُّوا: أظهروا النَّدامَةَ، وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء، والإبداء لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ: الجوامع من النار فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا: الأتباع والمتبوعين، هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ في الدنيا؟\nوَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ: رسول إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها: رؤساؤها وأغنياؤها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ. وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلادًا منكم، ولو لم يكن راضيا بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخوّلنا الأموال والأولاد.\nوَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ، وليس يدل ذلك على العواقب والمنقلب، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أنها كذلك.\nوَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلَّا مَنْ آمَنَ: لكن من آمن وَعَمِلَ صالِحًا فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا من الثواب بالواحد عشرة، و(من) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون محله نصبا بوقوع تقرب عليه، والآخر: رفع تقديره: وما هو إلّا من آمن. وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ الدرجات آمِنُونَ.\nوقراءة العامة: جَزاءُ الضِّعْفِ بالإضافة، وقرأ يعقوب: (جَزاءً) منصوبا منوّنا. الضعف رفع مجازه: فأولئك لهم الضعف جزاء على التقديم والتأخير، وقراءة العامة: الْغُرُفاتِ بالجمع، واختاره أبو عبيد قال: لقوله: لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا «١»، وقرأ الأعمش وحمزة: (في الغرفة) على الواحدة.\nوَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ: يعملون فِي آياتِنا بإبطال حججنا وكتابنا، ومُعاجِزِينَ معاونين معاندين يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم ويعجزوننا، أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ. قال سعيد بن جبير: ما كان من غير إسراف ولا تقتير فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير والبر من نفقة فَهُوَ يُخْلِفُهُ إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخر له في الآخرة.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدثنا أبي قال: حدثنا علي بن داود القنطري قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن عمرو بن الحرث عن أبي يونس مولى أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إنّ الله ﷿ قال لي: أنفق أنفق عليك» [٣٨] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابن شاذان عن جعونة بن محمد قال: حدثنا صالح\n_________\n(١) سورة العنكبوت: ٥٨.\n(٢) فتح الباري: ٩/ ٤١١، تفسير القرطبي: ٦/ ٢٤٠.","vol":"8","page":91},{"text":"ابن محمد عن سليمان بن عمرو عن ابن حزم عن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قال: «ينادي مناد كلّ ليلة: لدوا للموت وينادي مناد: ابنوا للخراب، وينادي مناد: اللهمّ هب للمنفق خلفا، وينادي مناد: اللهم هب للممسك تلفا، وينادي مناد: ليت الناس لم يخلقوا، وينادي مناد: ليتهم إذ خلقوا فكروا فيما له خلقوا» [٣٩] «١» .\nوأخبرني الحسين بن محمد الحافظ قال: حدثنا موسى بن محمد قال: حدثنا الحسن بن علويه قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدثنا المسيب، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرّحمن عن أبيه قال: قال عمر لصهيب: إنك رجل لا تمسك شيئا، قال: إني سمعت الله ﷿ يقول: ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ.\nوَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ،\nوأخبرني أبو سفيان الثقفي قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا الحسن بن داود الخشاب قال: حدثنا سويد بن سعيد قال: حدثنا عبد الحميد بن الحسن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله فهو له صدقة وما وقى به عرضه فهو صدقة، وما أنفق المؤمن من نفقة فإنّ خلفها على الله ضامن إلّا ما كان نفقة في بنيان أو معصية» [٤٠] «٢» .\nقال عبد الحميد: فقلت لمحمد: ما معنى «ما يقي به الرجل عرضه»؟ قال: يعطي الشاعر أو ذا اللسان المتّقى.\nوقال مجاهد: إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول هذه الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ فإنّ الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه، ومعنى الآية (ما كان من خلف فهو منه)، وربما أنفق الإنسان ماله أجمع في الخير ثم لم يزل عائلا حتى يموت، ولكن ما كان من خلف فهو منه، ودليل تأويل مجاهد ما\nأخبرني أبو سفيان الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحسين بن بشير قال: أخبرني أبو بكر بن أبي الخصيب قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عمرو بن الحصين قال: حدثنا ابن علانة- وهو محمد- عن الأوزاعي عن ابن أبي موسى عن أبي أمامة قال: إنكم تؤوّلون هذه الآية على غير تأويلها وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ.\nوسمعت رسول الله ﷺ يقول وإلّا فصمتا: «إياكم والسّرف في المال والنفقة، وعليكم بالاقتصاد، فما افتقر قوم قط اقتصدوا» [٤١] «٣» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٢٢.\n(٢) نصب الراية: ٤/ ٤١٥.\n(٣) كنز العمال: ٣/ ٥٣ ح ٥٤٥٤.","vol":"8","page":92},{"text":"وقال (﵇): «ما عال من اقتصد» «١» [٤٢] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم بن هاشم البغوي قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا عاصم بن خالد قال: أخبرني أبو بكر قال: حدثنا حمزة عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» [٤٣] «٢» .\nوَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وإنما جاز الجمع لأنه يقال: رزق السلطان الجند، وفلان يرزق عياله، كأنه قال: وهو خير المعطين.\nوَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يعني هؤلاء الكفّار ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ في الدّنيا؟ فتتبرأ منهم الملائكة فتقول: سُبْحانَكَ: تنزيها لك. أَنْتَ وَلِيُّنا: ربنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أي يطيعون إبليس وذريته وأعوانه في معصيتك. أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ: مصدقون.\nقال قتادة: هو استفهام تقديره كقوله لعيسى: أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي ... «٣» .\nفَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا: شفاعة ولا عذابا، وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ في الدّنيا فقد وردتموها.\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا يعني محمدا (﵇) إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً يعنون القرآن وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَما آتَيْناهُمْ هؤلاء المشركين مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها يقرءونها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ. وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم رسلنا وتنزيلنا وَما بَلَغُوا يعني هؤلاء المشركين مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ يعني مكذبي الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ: إنكاري وتغيري عليهم، يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية.\nقوله تعالى: قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ آمركم وأوصيكم بِواحِدَةٍ بخصلة واحدة وهي أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ لأجل الله و(أن) في محل الخفض على البيان من (واحدة) والترجمة عنها مَثْنى يعني اثنين اثنين متناظرين، وَفُرادى واحدا واحدا متفكرين ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا جميعا، والفكر: طلب المعنى بالقلب، فتعلموا، ما بِصاحِبِكُمْ محمد مِنْ جِنَّةٍ جنون كما تقولون، و(ما) جحد ونفي. إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ. قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ على تبليغ\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٤٤٧.\n(٢) مجمع الزوائد: ٤/ ٧٤.\n(٣) سورة المائدة: ١١٦.","vol":"8","page":93},{"text":"الرسالة والنصيحة مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ أي ما ثوابي إلّا على الله وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ: يرمي ويأتي بِالْحَقِّ ينزله من السماء إلى خير الأنبياء، عَلَّامُ الْغُيُوبِ رفع بخبر إن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>[سورة سبإ (٣٤): الآيات ٤٩ الى ٥٤]</span>\nقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ (٤٩) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٥٣)\nوَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)\nقُلْ جاءَ الْحَقُّ القرآن والإسلام،\nوقال الباقر: يعني السيف.\nوَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ يعني ذهب الباطل وزهق فلم تبق له بقية يبدي بها ولا يعيد، وهذا كقوله: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ «١» .\nوقال الحسن: وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ، وهو كل معبود من دون الله لأهله خيرا في الدنيا وَما يُعِيدُ في الآخرة.\nوقال قتادة: الباطل إبليس، أي ما يخلق إبليس أحدا ولا يبعثه،\nوأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين عن عبد الله بن إبراهيم بن علي عن محمد بن عمران بن هارون عن سفيان بن وكيع عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال:\nدخل النبي ﷺ مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود معه ويقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا «٢» جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ.\nقُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وآخذ بجنايتي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.\nوَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ يعني من عذاب الدنيا، فلا نجاة وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يعني عذاب الدّنيا، وقال الضحاك وزيد بن أسلم: هو يوم بدر. الكلبي: من تحت أقدامهم.\nوأخبرنا محمد بن نعيم عن محمد بن يعقوب عن الحسن بن علي بن عفان عن الحسن بن عطية عن يعقوب الأصفهاني عن ابن أبزي: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ قال: خسف بالبيداء.\nأخبرني عقيل بن محمد أنّ المعافى بن زكريا البغدادي أخبرهم قال: أخبرنا محمد بن\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ١٨.\n(٢) سورة الإسراء: ٨١.","vol":"8","page":94},{"text":"جرير قال: حدّثني عصام بن رواد بن الجراح قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سفيان بن سعيد قال:\nحدّثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله ﷺ وذكر فتنة تكون بين أهل الشرق والمغرب: «فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين: جيشا إلى المشرق، وجيشا إلى المدينة حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقرون بها أكثر من مائة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج راية هدى من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم ولا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها. ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله سبحانه جبرائيل (﵇) فيقول: يا جبرائيل اذهب فأبدهم. فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، فذلك قوله ﷿ في سورة سبأ: وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ فلا ينفلت منهم إلّا رجلان: أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة» [٤٤] «١» .\nفلذلك جاء القول: «وعند جهينة الخبر اليقين» .\nوقال قتادة: ذلك حين يخرجون من قبورهم، وقال ابن معقل: إذا عاينوا عذاب الله يوم القيامة وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه.\nوَقالُوا حين عاينوا العذاب في الدنيا والآخرة وقت البأس آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى: من أين لَهُمُ التَّناوُشُ تناول التوبة ونيل ما يتمنون؟\nقال ابن عباس: يسألون الراد وليس يحين الرد، وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (التناؤش): بالهمز والمد، وهو الإبطاء والبعد. يقال: تناشيت الشيء أي أخذته من بعيد، والنيش الشيء البطيء.\nقال الشاعر:\nتمنى نئيشا أن يكون أطاعني ... وقد حدثت بعد الأمور أمور «٢»\nوقال آخر:\nوجئت نئيشا بعدها فاتك الخبر «٣»\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٢/ ١٢٩.\n(٢) الصحاح: ٣/ ١٠٢٠. [.....]\n(٣) لسان العرب: ٦/ ٣٦١.","vol":"8","page":95},{"text":"وقرأ الباقون: بغير همز، من التناول. يقال: نشته نوشا إذا تناولته.\nقال الراجز:\nفهي تنوش الحوض نوشا من علا ... نوشا به تقطع أجواز الفلا «١»\nوتناوش القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضا وتدانوا، واختار أبو عبيد: ترك الهمز لأنّ معناه: التناول، وإذا همز كان معناه البعد. فكيف يقول: أنى لهم البعد مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ:\nمن الآخرة؟ فكيف يتناولون التوبة، وإنما يقبل التوبة في الدّنيا وقد ذهبت الدّنيا فصارت بعيدة من الآخرة؟\nوَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ، أي من قبل نزول العذاب وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ، يعني يرمون محمدا ﷺ بالظنون لا باليقين، وهو قولهم: إنه ساحر، بل شاعر، بل كاهن، هذا قول مجاهد، وقال قتادة: يعني يرجمون بالظن، يقولون: لا بعث ولا جنّة ولا نار.\nوَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ، يعني التوبة والإيمان والرجوع إلى الدّنيا كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ أي أهل دينهم وموافقهم من الأمم الماضية حين لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت البأس إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ.\n_________\n(١) الصحاح: ٣/ ١٠٢٣.","vol":"8","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-628>سورة الملائكة (فاطر)</span>\nأخبرني محمد بن القاسم الفارسي قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن مطير النيسابوري قال:\nحدّثنا إبراهيم بن شريك الكوفي قال: حدّثنا أحمد بن يونس اليربوعي قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثلاث أبواب من الجنّة أن ادخل من أي الأبواب شئت» [٤٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-629>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢) يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣) وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ (٦) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ (٨)\nقوله ﷿: الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ يعني في أجنحة الملائكة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا ابن شاذان قال: حدّثنا جعونة بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد قال: حدثنا مسلم بن إياس عن عبد الله بن المبارك عن ليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب أنّ رسول الله ﷺ سأل جبرائيل (﵇): أن يتراءى له في صورته، فقال له جبرائيل (﵇) . «إنك لن تطيق ذلك» . قال: «إني أحبّ أن تفعل» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٣٠.","vol":"8","page":97},{"text":"فخرج رسول الله ﷺ إلى المصلّى في ليلة مقمرة، فأتاه جبرائيل (﵇) في صورته، فغشي على رسول الله ﷺ حين رآه، فلما أفاق وجبرائيل (﵇) مسنده واضعا إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه، فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله ما كنت أرى أنّ شيئا من الخلق هكذا» . فقال جبرائيل ﵇: «فكيف لو رأيت إسرافيل ﵇؟ إنّ له لاثني عشر جناحا جناح منها بالمشرق وجناح بالمغرب، وإنّ العرش على كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين «١» لعظمة الله ﷿ حتى يعود هذا الوصع- والوصع عصفور صغير- حتى ما يحمل عرشه إلّا عظمة» [٤٦] .\nوأخبرني أبو الحسن الساماني قال: أخبرني أبو حامد البلالي عن العباس بن محمد الدوري قال: أخبرني أبو عاصم النبيل عن صالح التاجي عن ابن جريج عن ابن شهاب في قول الله ﷿: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قال: حسن الصورة.\nوأخبرني الحسين بن محمد عن أحمد بن جعفر بن حمدان عن عبد الله بن محمد بن سنان عن سلمة بن حبان عن صالح التاجي عن الهيثم القارئ قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال:\nأنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟ جزاك الله خيرا، وقيل: الخطّ الحسن.\nأخبرنا ابن فنجويه عن ابن شيبة عن ابن زنجويه عن سلمة عن يحيى بن أحمد الفزار ويحيى ابن أكثم قالا: أخبرنا أبو اليمان عن عاصم بن مهاجر الكلاعي عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: الخط الحسن يزيد الحق وضحا.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثني الحسن بن علي بن يزيد الوشاء عن علي بن سهل الرملي قال: أخبرني الوليد بن مسلم عن خليد بن دعلج عن قتادة في قول الله ﷿: يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قال: الملاحة في العينين.\nإِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الزيادة والنقصان.\nما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ نعمة، فَلا مُمْسِكَ لَها: لا يستطيع أحد حبسها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ فيما أمسك الْحَكِيمُ فيما أرسل.\nيا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ. قرأ سفيان بن سلمة وأبو جعفر وحمزة والأعمش والكسائي: غير بالخفض وهو اختيار أبي عبيد. الياقوت: بالرفع.\nوهذه الآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقا غيره وهم يثبتون معه خالقين كثيرين.\nيَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ\n_________\n(١) في الدر المنثور ١: ٩٣ (الأحيان) .","vol":"8","page":98},{"text":"فعزى نبيه (﵌)، وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، قراءة العامة بفتح الغين، وهو الشيطان، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال:\nحدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن يزيد المقري عن محمد بن المصفى عن أبي حياة، قرأ: وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغُرُورُ برفع الغين، وهي قراءة ابن السماك العدوي يدل عليه وما حدثنا.\nقال: أخبرنا عبد الله بن حامد محمد بن خالد قال: أخبرنا داود بن سليمان قال: أخبرنا عبد بن حميد عن يحيى بن عبد الحميد عن ابن المبارك عن عبد الله بن عقبة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: لا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ قال: أن يعمل المعصية ويتمنّى العفو.\nإِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا: فعادوه ولا تطيعوه إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ: أشياعه وأولياءه لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ليسوقهم إلى النار، فهذه عداوته ثم بيّن حال موافقيه ومخالفيه فقال عزّ من قائل: الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ.\nقوله: فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ أي شبّة وموّه وحسّن له سُوءُ: قبح عَمَلِهِ وفعله فَرَآهُ حَسَنًا زين ذلك الشيطان بالوسواس ونفسه تميله إلى الشبهة وترك النظر في الحجة المؤدية إلى الحق، والله ﷾ يخلقه ذلك في قلبه، وجوابه محذوف مجازه: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كمن لم يزين له سوء عمله ورأى الحق حقا والباطل باطلا؟ نظيره قوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ «١»، وقوله أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ «٢» ونحوها.\nوقيل: معناه: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فأضلّه الله كمن هداه؟ دليله قوله: فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ.\nوقيل: معناه تحت قوله: فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فيكون معناه: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، أي تتحسف عليه؟ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: أفمن زيّن له سوء عمله فرآه حسنا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فإنّ الله يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء، والحسرة: شدة الحزن على ما فات من الأمر.\nوقراءة العامة: (تَذْهَبْ نَفْسُكَ): بفتح التاء والهاء وضم السين، وقرأ أبو جعفر بضم التاء وكسر الهاء وفتح السين، ومعنى الآية: لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إذ لم يؤمنوا، نظيره فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ «٣» .\n_________\n(١) سورة الرعد: ٣٣.\n(٢) سورة الزمر: ٩.\n(٣) سورة الكهف: ٦، الشعراء: ٣.","vol":"8","page":99},{"text":"إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٩ الى ١٤]</span>\nوَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ (٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١) وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)\nإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)\nوَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ من القبور.\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن محمد بن خالد عن داود بن سليمان عن عبد بن حميد عن المؤمل بن إسماعيل عن حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن وكيع بن عدس عن عمه أبي رزين قال: قلت يا رسول الله: كيف يحيي الله الموتى؟ وما آية ذلك في خلقه؟ فقال ﷺ: «هل مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضرا؟» قلت: نعم.\nقال: «فكذلك يحيى الله الموتى، وتلك آيته في خلقه» [٤٧] «١» .\nقوله ﷿ مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ، يعني علم العزة لمن هي، فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، وذلك أنّ الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا «٢»، وقال سبحانه: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا «٣»، كلّا، وردّ الله عليهم: من أراد أن يعلم لمن العزّة الحقيقة فآية العزّة لله، ومن أراد أن يكون في الدراين عزيزا فليطع الله فإنّ العزّة لله جميعا.\n_________\n(١) زاد المسير: ٦/ ٢٤٨.\n(٢) سورة النساء: ١٣٩.\n(٣) سورة مريم: ٨١.","vol":"8","page":100},{"text":"إِلَيْهِ أي إلى الله، ومعناه: إلى محل القبول وإلى حيث لا يملك فيه الحكم إلّا الله ﷿، وهو كما يقال: ارتفع أمرهم إلى القاضي. يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يعني: «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» وكل ذكر مرضي لله تعالى، وقرأ أبو عبد الرّحمن: (الكلام الطيب)،\nوأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الدينوري قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن محمد بن أحمد الهمداني قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد المسكين البصري عن أحمد بن محمد المكي عن علي بن عاصم عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ: في قول الله تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ قال: «هو قول الرجل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلّا الله والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها ملك إلى السماء فحيا بها وجه الرّحمن ﷿، فإذا لم يكن عمل صالح لم يقبل منه» [٤٨] .\nواختلف العلماء في حكم هذه الكناية ومعنى الآية، فقال أكثر المفسرين: الهاء في قوله:\nيَرْفَعُهُ راجعة إلى الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، يعني أنّ العمل الصالح يرفع الكلم فلا يقبل القول إلّا بالعمل، وهذا اختيار نحاة البصرة، وقال الحسن وقتادة: الْكَلِمُ الطَّيِّبُ: ذكر الله وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ أداء فرائضه. فمن ذكر الله ولم يؤدّ فرائضه زاد كلامه على عمله، وليس الإيمان بالتمنّي ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقته «١» الأعمال. فمن قال حسنا وعمل غير صالح ردّ الله عليه قوله، ومن قال حسنا وعمل صالحا رفعه العمل ذلك فإن الله يقول: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ.\nودليل هذا التأويل\nقوله (﵇): «لا يقبل الله قولا إلّا بعمل، ولا يقبل قولا وعملا إلّا بنية [ولا يقبل قولا ونية إلّا باصابة السنة]» [٤٩] .\nوجاء في الخبر: «الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب» [٥٠] «٢» .\nوفي هذا المعنى يقول الشاعر:\nلا ترض من رجل حلاوة قوله ... حتى يزيّن ما يقول فعال «٣»\nفإذا وزنت فعاله بمقاله ... فتوازنا فإخاء ذاك جمال\nقال ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر، وفيه قيل:\nلا يكون المقال إلّا بفعل ... إنما القول زينة في الفعال\n_________\n(١) في المخطوط: وصدقه.\n(٢) في قول علي (﵇): «الجنة بلا عمل حمق» راجع عيون الحكم: ٣١٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٢٩.","vol":"8","page":101},{"text":"كل قول يكون لا فعل فيه ... مثل ماء يصبّ في غربال\nوأنشدني أبو القاسم الحبيشي لنفسه:\nلا يكون المقال إلّا بفعل ... وكلّ قول بلا فعال هباء\nإنّ قولا بلا فعال جميل ... ونكاحا بلا ولي سواء «١»\nوقال بعض أهل المعاني على هذا القول: معنى يَرْفَعُهُ، أي يجعله رفيعا ذا وزن وقيمة، كما يقال: طود رفيع ومرتفع، وقيل: العمل الصالح هو الخالص، يعني أنّ الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأعمال، دليله قوله: فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا «٢» أي خالصا ثم قال: وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا «٣»، فجعل نقيض الصالح الشرك والرياء، وقال قوم: هذه الكناية راجعة إلى العمل، يعني أنّ الكلم الطيب يرفع العمل فلا يرفع ولا يقبل عمل إلّا أن يكون صادرا عن التوحيد وعائد الذكر يرفع وينصب، وهذا التأويل اختيار نحاة الكوفة وقال آخرون: الهاء كناية عن العمل، والرفع من صفة الله سبحانه، أي يرفعه الله.\nوَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ أي يعملون، قال مقاتل: يعني الشرك، وقال أبو العالية:\nيعني الذين مكروا برسول الله ﷺ في دار الندوة، وقال الكلبي: الَّذِينَ يَمْكُرُونَ يعني يعملون السيئات في الدّنيا، وقال ابن عباس ومجاهد وشهر بن حوشب: هم أصحاب الرياء. لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ أي يكسد ويفسد ويضل ويضمحل في الآخرة.\nوَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجًا وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قراءة العامة: (يُنْقَصُ) بضم الياء، وقرأ الحسن وابن سيرين وعيسى (يَنْقُصُ) بفتح الياء وضم القاف، وقرأ الأعرج: مِنْ عُمْرِهِ بالتخفيف.\nقال سعيد بن جبير: مكتوب في أول الكتاب عمره كذا وكذا سنة، ثم يكتب أسفل من ذلك ذهب يوم ذهب يومان ذهب ثلاثة أيام حتى ينقطع عمره.\nوَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ: طيب سائِغٌ: جائز هني شَرابُهُ.\nوقرأ عيسى: (سيّغ) مثل: ميّت وسيّد. وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ شديد الملوحة، عن: ابن عباس، وقال الضحاك: هو المرّ مزاجه كأنه يحرق من شدة المرارة والملوحة. وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا: طعاما شهيا، يعني: السمك من العذب والملح، وَتَسْتَخْرِجُونَ منه: من\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٢٩. [.....]\n(٢) سورة الكهف: ١١٠.\n(٣) سورة الكهف: ١١٠.","vol":"8","page":102},{"text":"الملح دون العذب حِلْيَةً تَلْبَسُونَها يعني اللؤلؤ، وقيل: فيه عيون عذبة، ومما بينهما يخرج اللؤلؤ. وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ: جواري، وقال مقاتل: هو أن يرى سفينتين إحداهما مقبلة والأخرى مدبرة، وهذه تستقبل تلك وتلك تستدبر هذه، يجريان بريح واحدة، لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ الله على نعمه.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا ابن شاذان قال: حدثنا جيفويه بن محمد قال: حدثنا صالح بن محمد عن القاسم بن عبد الله عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «كلم الله البحرين فقيل للبحر الذي بالشام: يا بحر إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء، وإني حامل فيك عبادا يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أغرقهم. قال الله ﷿: فإني أحملهم على ظهرك وأجعل بأسك في نواحيك [وحاملهم على يدي] .\nوقال للبحر الذي باليمن: إني قد خلقتك وأكثرت فيك من الماء وإني حامل فيك عبادا لي يسبحونني ويحمدونني ويهللوني ويكبرونني فما أنت صانع بهم؟ قال: أسبحك وأحمدك وأهللك وأكبرك معهم، وأحملهم على [ظهري] بطني. قال الله سبحانه: فإني أفضلك على البحر الآخر بالحلية والطري» [٥١] «١» .\nقوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ وهي القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة، عن أكثر المفسرين. وقال ابن عباس: هو شق النواة، وقال السدي: هو ما ينقطع به القمع.\nإِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ: يتبرؤون منكم ومن عبادتكم إياها، وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ يعني نفسه تعالى.\n_________\n(١) ضعفاء العقيلي: ٢/ ٣٣٩ ترجمة ٩٣٥ وما بين معقودين منه.","vol":"8","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-631>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ١٥ الى ٣٥]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (١٩)\nوَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (٢٠) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (٢١) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (٢٣) إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيها نَذِيرٌ (٢٤)\nوَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (٢٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)\nلِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠) وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (٣٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)\nالَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (٣٥)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ. وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، سئل الحسين بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله ﷾: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ «١» فقال: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى طوعا وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ كرها.\nوَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ يعني وَإِنْ تَدْعُ نفس مُثْقَلَةٌ بذنوب غيرها إِلى حِمْلِها، أي حمل ما عليها من الذنوب لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى: ولو كان المدعوّ ذا قربى له: ابنه أو أمه أو أباه أو أخاه.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عن أحمد بن محمد بن رزمة القزويني عن محمد بن عبد ابن عامر السمرقندي قال: حدّثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول:\nقوله سبحانه: لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى قال: يعني الوالدة تلقي ولدها يوم القيامة فتقول: يا بني ألم تكن بطني لك وعاء؟ ألم يكن لك ثديي سقاء؟ فيقول: بلى يا أماه. فتقول: يا بني قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني ذنبا واحدا. فيقول: يا أماه إليك عني، فإني اليوم عنك مشغول.\nإِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي يخافونه ولم يروه، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى صلح عمل خيرا وصالحا فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ.\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ يعني: الجاهل والعالم، وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ\n_________\n(١) سورة العنكبوت: ١٣.","vol":"8","page":104},{"text":"يعني: الكفر والإيمان، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ يعني: الجنة والنار، والحرور: الريح الحارة بالليل، والسموم بالنهار، وقال بعضهم: الحرور: بالنهار مع الشمس، وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ يعني: المؤمنين والكفار. إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ، حتى يتعظ ويجيب وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ يعني: الكفار شبههم بالأموات، وقرأ أشهب العقيلي: (بِمُسْمِعِ مَنْ فِي الْقُبُورِ) بلا تنوين على الإضافة.\nإِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ. إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ كرر وهما واحد لاختلاف اللفظين.\nثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ.\nأَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها قدم النعت على الاسم فلذلك نصب. وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ: طرق، واحدها جدّة نحو مدة و(مدد)، وأما جمع الجديد فجدد (بضم الدال) مثل: سرير وسرر بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ، قال الفراء: فيه تقديم وتأخير، مجازه: سود غرابيب، وهي جمع غربيب، هو الشديد السواد يشبّهها بلون الغراب قال الشاعر يصف كرما:\nومن تعاجيب خلق الله غاطية ... البعض منها ملاحيّ وغربيب «١»\nوَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ قال: المؤرخ: إنما أَلْوانُهُ لأجل (من) «٢»، وسمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر محمّد بن عياش يقول:\nإنما قال: أَلْوانُهُ لأجل أنها مردودة إلى «ما» في الإضمار، مجازه: وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ ما هو مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ «٣» .\nكَذلِكَ تمام الكلام هاهنا، أي ومن هذه الأشياء مختلف ألوانه باختلاف الثمرات، ثم ابتدأ فقال ﷾: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ روى عن عمر بن عبد العزيز أنه قرأ (إِنَّما يَخْشَى اللَّهُ) رفعا و(الْعُلَماءَ) نصبا، وهو اختيار أبي حنيفة على معنى يعلم الله، وقيل:\nيختار، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة.\nوقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه عن إسحاق بن صدقة قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم عن سيف بن عمر قال: حدّثنا عباس بن\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ٥٨٠.\n(٢) أي ذكّر ضمير (ألوانه) مراعاة ل (من) .\n(٣) تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٤٢.","vol":"8","page":105},{"text":"عوسجة عن عطاء الخراساني رفع الحديث قال: ظهر من أبي بكر خوف حتى عرف فيه فكلمه النبي ﷺ في ذلك فأنزل الله سبحانه تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ في أبي بكر ﵁ وفي الحديث: «أعلمهم بالله أشدهم له خشية» [٥٢] .\nوقال مسروق: كفى بالمرء علما أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلا أن يعجب بعلمه.\nوأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين الثقفي قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الربيعي قال:\nحدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد بن أيوب المحرمي قال: حدثنا صالح بن مالك الأزدي قال: حدّثنا عبيد الله بن سعد عن صالح بن مسلم الليثي قال: أتى رجل الشعبيّ فقال: أفتني أيها العالم؟ فقال: العالم من خشي الله ﷿.\nإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ. إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ الآية قال مطرف بن عبد الله بن الشخير: هذه آية القراء، وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: حدّثنا ابن شاذان قال: حدثنا جيعويه قال: حدّثنا صالح بن محمد عن عبد الله بن عبد الله عن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير الليثي أنه قال: قام رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما لي لا أحبّ الموت؟ قال: «ألك مال؟» . قال: نعم. قال: «فقدمه» . قال: لا أستطيع. قال: «فإنّ قلب المرء مع ماله إن قدمه أحب أن يلحق به، وإن أخّره أحب أن يتأخر معه» [٥٣] «١» .\nيَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ، قال الفراء: قوله يَرْجُونَ جواب لقوله: إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ.\nلِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ. وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ. ثُمَّ مردود إلى ما قبله من كتب الله في قوله: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ، أي قبله من الكتب السالفة، أي أنزلنا تلك الكتب، ثُمَّ أَوْرَثْنَا هذا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا، ويجوز أن تكون ثُمَّ بمعنى الواو أي (وأورثنا) كقوله:\nثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا «٢» أي وكان ومعنى أَوْرَثْنَا: أعطينا لأنّ الميراث عطاء، قاله مجاهد، وقال بعض أهل المعاني: أَوْرَثْنَا أي أخرنا، ومنه الميراث لأنه تأخر عن الميت ومعناه: أخرنا القرآن عن الأمم السالفة وأعطيناكموه وأهّلناكم له، وقال عنترة:\nوأورثت سيفي عن حصين بن معقل ... إلى جده إني لثأري طالب\nأي أخرت، وفي هذا كرامة لأمة محمد ﷺ حيث قال لهم: أَوْرَثْنَا وقال: لسائر الأمم وَرِثُوا الْكِتابَ الآية يعني القرآن.\n_________\n(١) بتفاوت في كنز العمال: ١٥/ ٥٥١ ح ٤٢١٣٩ وتفسير الثعالبي: ١/ ٣٠٣.\n(٢) سورة البلد: ١٧.","vol":"8","page":106},{"text":"الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا وهم أمة محمد (﵌) . ثم قسمهم ثلاث طبقات ورتبهم على ثلاث درجات فقال الله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قيّد اللفظ وعلّق الظلم بالنفس فلذلك ساغ أن يكون من أهل الاصطفاء مع ظلمه.\nفإن قيل: ما وجه الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق وإنما يقدم الأفضل؟\nفالجواب عنه أن نقول: إنما أخر السابق ليكون أقرب إلى الجنان والثواب، كما قدم الصوامع والبيع والصلوات في سورة الحج على المساجد التي هي أفضل بقاع الأرض، فتكون الصوامع أقرب إلى الهدم والخراب وتكون المساجد أقرب إلى ذكر الله تعالى.\nومنهم من قال: إنما جعل ذلك لأن الملوك إذا أرادوا الجمع بين الأشياء بالذكر قدموا الأدنى على الأفضل. كقوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ «١»، وقال:\nيُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ «٢»، وقال: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ «٣» وقال:\nخَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ «٤» .\nوقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته وأخر السابق لئلا يعجب بعمله.\nوقال جعفر الصادق (﵇): «بدأ بالظالم إخبارا «٥» أنه لا يتقرب إليه إلّا بصرف رحمته وكرمه، وأنّ الظلم لا يؤثّر في الاصطفائية ثم ثنى بالمقتصدين لأنهم بين الخوف والرجاء، ثم ختم بالسابقين لئلا يأمن أحد مكر الله وكلّهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص»\n[٥٤] «٦» .\nوقال بعضهم: قدم الظالم لأنه لم يكن له شيء يتكل عليه إلّا رحمة الله فاعتمد على الله واتكل على رحمته واتكل المقتصد على حسن ظنه بربه واتكل السابق على حسناته وطاعته.\nوقال محمد بن علي الترمذي: جمعهم في الاصطفاء إزالة للعلل عن العطاء لأنّ الاصطفاء أوجب الإرث لا الإرث أوجب الاصطفاء لذلك قيل: صحح النسبة ثم أطمع في الميراث.\nوقال أبو بكر الوراق: إنما رتبهم هذا الترتيب على مقامات الناس لأنّ أحوال العبد ثلاث: معصية، وغفلة، ثم توبة وقربة. فإذا عصى دخل في حيّز الظالمين، وإذا تاب دخل في\n_________\n(١) سورة الرعد: ٦.\n(٢) سورة الحج: ٦١.\n(٣) سورة الشورى: ٤٩.\n(٤) سورة الملك: ٢.\n(٥) في المصدر: قدم الظالم ليخبر. [.....]\n(٦) تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٤٩.","vol":"8","page":107},{"text":"جملة المقتصدين وإذا صحت التوبة وكثرت العبادة والمجاهدة اتصل بالله ودخل في عداد السابقين.\nواختلف المفسرون والمتأوّلون في معنى الظالم والمقتصد والسابق فأكثروا، وأنا ذاكر نصوص ما قالوا وبالله التوفيق:\nأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن الحسين بن عبد الله الحافظ، قال: حدّثنا برهان ابن علي الصوفي والفضل بن الفضل الكندي قالا: أخبرني أبو خليفة الفضل بن الحباب قال:\nحدثنا محمد بن كثير قال: أخبرنا سفيان عن الأعمش عن أبي ثابت أنّ رجلا دخل المسجد فقال: اللهم ارحم غربتي وآنس وحشتي ويسر لي جليسا صالحا. قال أبو الدرداء: لئن كنت صادقا لأنا أسعد بذلك منك، سمعت رسول الله ﷺ: قرأ هذه الآية ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فقال:\n«أما السابق فيدخل الجنة بِغَيْرِ حِسابٍ، وأما المقتصد ف يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا، وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة، فهم [الذين] قالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ... إلى قوله: لُغُوبٌ [٥٥] «١» .\nقال الكندي والأعمش عن رجل عن أبي ثابت: وأخبرني الحسين بن محمد قال: أخبرني أبو بكر بن مالك القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدّثني أبي عن إسحاق بن عيسى حدّثني أنس بن عياض الليثي أبو ضمرة عن موسى بن عتبة عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله ﷿: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فأما الذين سبقوا بالخيرات فأولئك الذين يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حِسابًا يَسِيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحسبون في طول المحشر ثم هم الذين تلقّاهم الله برحمته فهم الذين يقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ... إلى قوله: لُغُوبٌ [٥٦] «٢»\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد بن سمعان الذرار قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب بن الحسن المقرئ بواسط قال: حدّثنا محمّد بن خالد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا فرج بن فضالة عن أزهر بن عبد الله الحرازي قال: حدّثني من سمع عثمان بن عفان تلا هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا الآية، فقال: سابقنا: أهل جهادنا، ومقصرنا: أهل حضرنا، وظالمنا: أهل بدونا.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٤٥، وكذلك في تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٥١ بتفاوت.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ١٩٨.","vol":"8","page":108},{"text":"وأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا محمد بن إسحاق قال: حدّثنا إسماعيل بن يزيد قال: حدّثنا داود عن الصلت بن دينار قال: حدّثنا عقبة بن صهبان قال: دخلت على عائشة فسألتها عن قول الله ﷿: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ... فقالت لي: يا بني كلّهم في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله ﷺ شهد له رسول الله ﷺ بالجنة، وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به، وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم فجعلت نفسها معنا.\nوقال مجاهد والحسن وقتادة: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالوا: هم أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ...،\nوَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ هم أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ... وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ هم السَّابِقُونَ ... الْمُقَرَّبُونَ من الناس كلهم.\nقال قتادة: فهذا في الدنيا على ثلاث منازل وعند الموت قال الله تعالى: وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ إلى قوله: وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ «١»، وفي الآخرة أيضا، قال ﷿:\nوَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً. فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ إلى قوله: الْمُقَرَّبُونَ «٢» .\nوقال ابن عباس: السابق: المؤمن المخلص، والمقتصد: المرائي، والظالم: الكافر بنعمة الله غير الجاحد لها لأنه حكم للثلاثة بدخول الجنة فقال: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها، وسمعت أبا محمد شيبة بن محمد بن أحمد الشعبي يقول: سمعت أبا بكر بن عبد يقول: قالت عائشة:\nالسابق: الذي أسلم قبل الهجرة، والمقتصد: الذي أسلم بعد الهجرة، والظالم: نحن.\nوقال بكر بن سهل الدمياطي: الظالم لنفسه: الذي مات على كبيرة ولم يتب منها، والمقتصد: الذي لم يصب كبيرة، والسابق بالخيرات: الذي لم يعص الله والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.\nوعن الحسن أيضا قال: السابق: من رجحت حسناته، والمقتصد: من استوى حسناته وسيئاته، والظالم: الذي ترجح سيئاته على حسناته.\nسهل بن عبد الله: السابق: العالم، والمقتصد: المتعلم، والظالم: الجاهل، وعنه أيضا:\nالسابق: الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد: الذي اشتغل بمعاده عن معاشه، والظالم: الذي اشتغل بمعاشه عن معاده.\nوقيل: الظالم: طالب الدنيا، والمقتصد: طالب العقبى، والسابق، طالب المولى.\nوقيل: الظالم: المسلم، والمقتصد: المؤمن، والسابق: المحسن.\n_________\n(١) سورة الواقعة: ٩٠- ٩٤.\n(٢) سورة الواقعة: ٧- ١١.","vol":"8","page":109},{"text":"وقيل: الظالم: المرائي في جميع أعماله، والمقتصد: من تكون أعماله بعضها رياء وبعضها إخلاصا، والسابق: المخلص في أفعاله كلها، وقيل: الظالم: من أخذ الدنيا حلالا كان أو حراما، والمقتصد: من يجتهد في طلب الحلال، والسابق: الذي ترك الدنيا جملة وأعرض عنها.\nأبو عثمان الحبري: الظالم: من وجد الله بلسانه ولم يوافق فعله قوله، والمقتصد: من وجده بلسانه وأطاعه بجوارحه، والسابق: من وجده بلسانه وأطاعه بجوارحه وأخلص في عمله، وقيل: السابقون: هم المهاجرون الأولون، والمقتصدون: عامة الصحابة، والظالمون:\nالتابعون.\nوسمعت محمد بن الحسين السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز بمصر يقول: قال ابن عطا: الظالم: الذي تحبه من أجل الدّنيا، والمقتصد: الذي تحبه من أجل العقبى، والسابق: الذي أسقط مراده بمراد الحق، فلا يرى لنفسه طلبا ولا مرادا لغلبة سلطان الحق عليه، وقيل: الظالم: من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد: الذي استوى ظاهره وباطنه، والسابق: الذي باطنه خير من ظاهره.\nوقيل: الظالم: الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد: الذي يعبده طمعا في الجنة، والسابق: الذي يعبده لا لسبب، وقيل: الظالم: الزاهد، والمقتصد: العارف، والسابق:\nالمحب، وقيل: الظالم: الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد: الذي يصبر عند البلاء، والسابق:\nالذي يتلذذ بالبلاء، وقيل: الظالم: الذي يعبده على الغفلة والعادة، والمقتصد: الذي يعبده على الرغبة والرهبة، والسابق: الذي يعبده على الهيبة ورؤية المنة، وقيل: الظالم: الذي أعطي فمنع، والمقتصد: الذي أعطي فبذل، والسابق: الذي منع فشكر، وقيل: الظالم: غافل، والمقتصد: طالب، والسابق واجد، وقيل: الظالم: من استغنى بماله، والمقتصد: من استغنى بدينه، والسابق: من استغنى بربه، وقيل: الظالم التالي للقرآن، والمقتصد: القارئ له والعالم به، والسابق: القارئ لكتاب الله العالم بكتاب الله العامل به، وقيل: السابق: الذي يدخل المسجد قبل تأذين المؤذن، والمقتصد: الذي يدخل المسجد وقد أذن، والظالم: الذي يدخل المسجد وقد أقيم، وقيل: الظالم: الذي يحب نفسه، والمقتصد: الذي يحب ربه، والسابق:\nالذي يحبه ربه، وقيل: الظالم: مريد، والمقتصد: مراد، والسابق: مطلوب، وقيل: الظالم:\nمدعو، والمقتصد مأذون له، والسابق: مقرب، وقيل: الظالم: عيوف، والمقتصد: ألوف، والسابق: حليف.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: الظالم: ينتصف ولا ينصف، والمقتصد: ينصف وينتصف، والسابق ينصف ولا ينتصف.","vol":"8","page":110},{"text":"ذو النون المصري: الظالم: الذي لا يذكر الله بلسانه، والمقتصد: الذي يذكره بقلبه، والسابق: الذي لا ينسى ربه.\nأحمد بن عاصم الأنطاكي: الظالم: صاحب الأقوال، والمقتصد: صاحب الأفعال، والسابق: صاحب الأحوال.\nثم جمعهم الله ﷾ في دخول الجنة فقال ﷾: جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن زرعة قال: حدّثنا يوسف بن عاصم الرازي قال: حدّثنا أبو أيّوب سليمان بن داود المنقري المعروف بالشاذكوي عن حصين ابن نمير أبو محصن عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن أبيه عن أسامة بن زيد عن النبي ﷺ: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ الآية قال: «كلهم في الجنة» [٥٧] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن محمد بن علي بن الحسين الفأفاء القاضي قال:\nحدّثنا بكر بن محمد المروزي قال: حدّثنا أبو قلابة قال: حدّثنا عمرو بن الحصين عن الفضل بن عميرة عن ميمون الكردي عن أبي عثمان الهندي قال: سمعت عمر بن الخطاب قرأ على المنبر:\nثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا الآية فقال: قال رسول الله ﷺ: «سابقنا سابق، ومقتصدنا ناج «٢»، وظالمنا مغفور له» [٥٨] «٣» . قال أبو قلابة: فحدثت به يحيى بن معين فجعل يتعجب منه.\nيُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشير قال: حدثنا أبو الحرث أحمد بن سعيد بن أمّ سعيد قال: حدّثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: حدّثنا أسيد بن موسى عن ابن ثومان عن عطاء ابن قرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته بحلية أهل الدنيا جميعا لكان ما يحليه الله سبحانه به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعا» «٤» [٥٩] .\nوَقالُوا أي يقولون إذا دخلوا الجنة الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ أخبرني الحسين بن محمد العدل قال: حدّثنا محمد بن المظفر قال: حدّثنا علي بن إسماعيل بن حماد البغدادي قال: حدّثنا عمرو بن علي الفلاس قال: حدّثنا معاذ بن هشام، قال حدّثني أبي عن\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٦٠ ح ٢٢١٧٥.\n(٢) في المخطوط: ناجي.\n(٣) كنز العمال: ٢/ ١٠ ح ٢٩٢٥.\n(٤) المعجم الأوسط: ٨/ ٣٦٢.","vol":"8","page":111},{"text":"عمرو بن مالك عن ابن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قول الله ﷿: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ قال: حزن النار.\nوأخبرني الحسين بن محمد عن محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدثنا أبو شعيب الحراني قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي داود الحراني قال: حدّثنا جرير عن أشعث بن قيس عن شمر بن عطية في قول الله ﷿: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ قال حزن الخبز.\nعكرمة: حزن الذنوب والسيئات وخوف رد الطاعات، وقيل: حزن الموت، وقيل: حزن الجنة والنار لا يدرى إلى أيهما يصير. الثمالي: حزن الدنيا. الضحاك: حزن إبليس ووسوسته.\nذو النون: حزن القطيعة.\nالكلبي: يعني الحزن الذي يحزننا في الدنيا من يوم القيامة، وقيل: حزن العذاب والحساب، وقيل: حزن أهوال الدنيا وأوجالها، وقال القاسم: حزن زوال النعم وتقليب القلب وخوف العاقبة.\nوسمعت السلمي يقول: سمعت النصرآبادي يقول: ما كان حزنهم إلّا تدبير أحوالهم وسياسة أنفسهم، فلما نجوا منها حمدوا وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ،\nأخبرني أبو عبد الله الدينوري قال: أخبرني أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي عن عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «ليس على أهل (لا إله إلّا الله) وحشة في قبورهم ولا في محشرهم ولا في منشرهم، وكأني بأهل (لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ) يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن وجوههم ويقولون: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ [٦٠] «١» .\nالَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ أي الإقامة مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ أي كلال وإعياء وفتور، وقراءة العامة بضم اللام، وقرأ السلمي بنصب اللام وهو مصدر أيضا كالولوع، وقال الفراء: كأنه جعله ما يلغب مثل لغوب.\nأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن مهدي قال: أبو عبد الله محمد بن زكريا بن محمدويه «٢» الرجل الصالح عن عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي قال: حدّثنا عاصم بن عبد الله قال: حدّثني إسماعيل عن ليث بن أبي سليم عن الضحاك بن مزاحم في قول الله سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ قال: إذا\n_________\n(١) كتاب الدعاء للطبراني: ٤٣٦، والمعجم الأوسط: ٩/ ١٨١.\n(٢) كذا في الأصل.","vol":"8","page":112},{"text":"دخل أهل الجنة استقبلهم الولدان والخدم كأنهم اللؤلؤ المكنون. قال: فيبعث الله ملكا من الملائكة معه هدية من رب العالمين وكسوة من كسوة الجنة فيلبسه. قال: فيريد أن يدخل الجنة فيقول الملك: كما أنت فيقف ومعه عشرة «١» خواتيم من خواتيم الجنة هدية من رب العالمين فيضعها في أصابعه. مكتوب في أول خاتم منها: طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ\n«٢»، وفي الثاني مكتوب: ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ «٣»، وفي الثالث مكتوب: «رفعت عنكم الأحزان والهموم»، وفي الرابع مكتوب: «زوجناكم الحور العين»، وفي الخامس مكتوب: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ»، وفي السادس مكتوب: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا «٤»، وفي السابع مكتوب:\n«أَنَّهُمْ هُمُ الْفائِزُونَ»، وفي الثامن: «صرتم آمنين لا تخافون»، وفي التاسع مكتوب: «رافقتم النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ»، وفي العاشر مكتوب: «سكنتم في جوار من لا يؤذي الجيران» . ثم تقول الملائكة: «ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ» .\nفلما دخلوا بيوتا ترفع قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ.. إلى قوله: لُغُوبٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>[سورة فاطر (٣٥): الآيات ٣٦ الى ٤٥]</span>\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٣٨) هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسارًا (٣٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلاَّ غُرُورًا (٤٠)\nإِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاَّ نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤) وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا (٤٥)\n_________\n(١) في المخطوط: عشر.\n(٢) سورة الزمر: ٧٣.\n(٣) سورة ق: ٣٤. [.....]\n(٤) سورة المؤمنون: ١١١.","vol":"8","page":113},{"text":"وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا أي لا يقبضون فيستريحون.\nوذكر عن الحسن: فيموتون، و(لا) يكون حينئذ جوابا للنفي، والمعنى: لا يقضى عليهم ولا يموتون. كقوله: لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ «١» .\nوَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ قراءة العامة بنصب النون واللام وقرأ أبو عمرو بضم الياء واللام وفتح الزاي على غير تسمية الفاعل.\nوَهُمْ يَصْطَرِخُونَ: يدعون ويستغيثون ويصيحون فيها، وهو افتعال من الصراخ، ويقال للمغيث: صارخ وللمستغيث: صارخ. رَبَّنا أَخْرِجْنا من النار نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ في الدّنيا، فيقول الله ﷿: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ. اختلفوا في هذه المدة، فقال قتادة والكلبي: ثماني عشرة سنة، وقال الحسن: أربعون سنة، وقال ابن عباس:\nستون سنة.\nأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه «٢» قال: حدّثنا ابن شنبه وأحمد بن جعفر بن حمدان قالا:\nحدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة حدّثنا ابن أبي فديك عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبي حصين عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﵌: «إذا كان يوم القيامة نودي أين أبناء الستين؟ وهو الذي قال الله ﷿ فيه: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ» [٦١] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن حرجة قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال:\nحدّثنا الحجبي عن عبد العزيز بن أبي حازم قال: سمعت أبي يحدث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: «من عمّره الله ستين سنة فقد أعذر الله إليه في العمر» [٦٢] «٤» .\nوأخبرني ابن فنجويه عن أحمد بن جعفر بن حمدان عن إبراهيم بن سهلويه عن الحسين بن عرفة، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك» [٦٣] «٥» .\nوقال رسول الله ﷺ: «معترك منايا أمتي ما بين الستين إلى السبعين» «٦» [٦٤] .\n_________\n(١) سورة المرسلات: ٣٦.\n(٢) في بعض كتب الرجال اثبت بالفاء وفي بعضها بالميم: منجويه.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ٩٧.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٤١٧.\n(٥) مسند أبي يعلى: ١٠/ ٣٩٠، والسنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٣٧٠.\n(٦) تفسير القرطبي: ٤/ ١٤٥، وكشف الخفاء: ١/ ١٤٦.","vol":"8","page":114},{"text":"وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ أي الرسول، وقال زيد بن علي: القرآن، وقال عكرمة وسفيان بن عيينة ووكيع والحسين بن الفضل: يعني الشيب، وفيه قيل:\nرأيت الشيب من نذر المنايا ... لصاحبها وحسبك من نذير «١»\nفحدّ الشيب أهبة ذي وقار ... فلا خلف يكون مع القتير\nوقال آخر:\nوقائلة تبيض والغواني ... نوافر عن معاينة القتير «٢»\nفقلت لها المشيب نذير عمري ... ولست مسودا وجه النذير\nفَذُوقُوا أي العذاب فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ. إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ. هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا غضبا وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسارًا. قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أي في الأرض أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا يأمرهم بذلك فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ.\nقرأ ابن كثير وأبو عمرو والأعمش وحمزة بَيِّنَةٍ على الواحد، وقرأ غيرهم (بينات) بالجمع، وهو اختيار أبي عبيد قال: لموافقة الخط. فإني قد رأيتها في بعض المصاحف بالألف والتاء. بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا. إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا، روى مغيرة عن إبراهيم قال: جاء من أصحاب عبد الله بن مسعود إلى كعب ليتعلم من علمه، فلما رجع قال عبد اللَّه:\nهات الذي أصبت من كعب. قال: سمعت كعبا يقول: إنّ السماء تدور في قطبة مثل قطبة الرحا في عمود على منكب ملك. فقال عبد الله: وددت أنك انفلتّ من رحلتك براحلتك ورحلها، كذب كعب ما ترك يهوديته بعد، إنّ الله ﷿ يقول: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا الآية، إن السماوات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت.\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ وذلك أنّ قريشا لما بلغهم أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم قالوا: لعن الله اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، فو الله لئن أتانا رسول لنكونن أهدى دينا منهم، وهذا قبل قدوم النبي ﷺ، فلما بعث محمد ﷺ كذبوه فأنزل الله ﷿:\nوَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، يعني اليهود والنصارى، فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ: محمد ﷺ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا بعدا ونفارا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٥٤.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٤٩.","vol":"8","page":115},{"text":"اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ ونصب اسْتِكْبارًا على البدل من النفور، قاله الأخفش، وقيل:\nعلى المصدر، وقيل: نزع الخافض. وَمَكْرَ السَّيِّئِ يعني العمل القبيح، وقال الكلبي: هو إجماعهم على الشرك وقتل النبي (﵌) وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، أي لا يحل ولا ينزل، ويحيط ويلحق فقتلوا يوم بدر، وقراءة العامة: السَّيِّئِ بإشباع الإعراب فيها، وجزم الأعمش وحمزة (ومكر السّي) تخفيفا وكراهة لالتقاء الحركات ولم يعملا ذلك في الأخرى، والقراءة المرضية ما عليه العامة.\nوفي الحديث أنّ كعبا قال لابن عباس: قرأت في التوراة: من حفر حفرة وقع فيها. فقال ابن عباس: أنا أوجد لك ذلك في القرآن، ثم قرأ قوله ﷾: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ.\nوأخبرني أبو عبد الله الحسين بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا محمد بن الحسن البلخي قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرنا يونس بن يزيد عن الزهري قال:\nبلغنا أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تمكر ولا تعن ماكرا فإن: الله ﷾ يقول: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، ولا تبغ ولا تعن باغيا، بقول الله ﷾: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ «١» ولا تنكث ولا تعن ناكثا فإنّ الله سبحانه يقول: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ «٢»» [٦٥] «٣»\nفَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ يعني العذاب إذا كفروا فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.\nأَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيمًا قَدِيرًا. وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا من الجرائم ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها، يعني الأرض كناية عن غير مذكور مِنْ دَابَّةٍ.\nقال الأخفش والحسين بن الفضل: أراد بالدابة: الناس دون غيرهم، وأجراها الآخرون على العموم.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه [عن] الفربابي قال: حدّثني أبو مسعود أحمد بن الفرات قال: أخبرنا أبو عوانة قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال النبي ﷺ: «إذا أصاب الله ﷿ قوما بعذاب أصاب به من بين ظهرانيهم ثم يبعثون على أعمالهم يوم القيامة» [٦٦] .\n_________\n(١) سورة يونس: ٢٣.\n(٢) سورة الفتح: ١٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٤/ ٣٦٠، اختلاف في الحديث.","vol":"8","page":116},{"text":"وقال قتادة في هذه الآية: قد فعل الله ذلك في زمن نوح فأهلك الله ما على ظهر الأرض من دابة إلّا ما حمل في سفينة نوح، وقال ابن مسعود: كاد الجعل يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ هذه الآية، وقال أنس: إنّ الضب ليموت هزلا في جحره بذنب ابن آدم، وقال يحيى ابن أبي كثير: أمر رجل بمعروف ونهى عن منكر، فقال له رجل: عليك نفسك فإنّ الظالم لا يضر إلّا نفسه. فقال أبو هريرة: كذبت والذي نفسي بيده، إنّ الحباري لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم.\nوقال أبو حمزة الثمالي في هذه الآية: يحبس المطر فيهلك كل شيء.\nوَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيرًا.","vol":"8","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>سورة يس</span>\nمكيّة، وهي ثلاثة آلاف حرف وسبعمائة وتسع وعشرون كلمة وثلاث وثمانون آية في فضلها:\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الناقد قال: أخبرني أبو العباس محمد بن إسحاق السراج قال: حدّثنا حميد بن عبد الرّحمن عن الحسين بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لكل شيء قلب وإنّ قلب القرآن (يس) ومن قرأ (يس) كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات» [٦٧] «١» .\nوأخبرني محمد بن الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن مسلم الملطي بمصر قال: حدّثنا إسماعيل بن محمود النيسابوري قال: حدّثنا أحمد بن عمران الرازي عن محمد بن عمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في القرآن لسورة تشفع لقرائها ويغفر لمستمعها، ألا وهي سورة يس» [٦٨] «٢» .\nوأخبرنا أبو الحسن عبد الرّحمن بن محمد بن إبراهيم الطبراني بها قال: حدّثنا العباس بن محمد بن قوهيار قال: حدّثنا الفضل بن حماد وأخبرنا أحمد بن أبي الفراتي قال: أخبرنا أبو نصر السرخسي قال: حدّثنا محمد بن أيوب قالا: حدّثنا إسماعيل بن أبي أوس عن محمد بن عبد الرّحمن بن أبي بكر الجدعاني عن سليمان بن مرقاع عن هلال بن الصلت أنّ أبا بكر قال:\nقال رسول الله ﷺ: «يس تدعى المعمة» . قيل: يا رسول الله وما المعمة؟ قال: «تعم صاحبها:\nخير الدنيا وتدفع عنه أهاويل الآخرة، وتدعى الدافعة والقاضية» قيل: يا رسول الله وكيف ذلك؟\nقال: «تدفع عنه كل سوء وتقضي له كل حاجة، ومن قرأها عدلت له عشرون حجة، ومن سمعها كان له ألف دينار في سبيل الله، ومن كتبها وشربها أدخلت [جوفه] «٣» ألف دواء وألف\n_________\n(١) سنن الدارمي: ٢/ ٤٥٦ بتفاوت.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ١. [.....]\n(٣) في المخطوط: جوفها.","vol":"8","page":118},{"text":"يقين وألف زلفى وألف رحمة، ونزع عنه كل داء وغل» [٦٩] «١» .\nوأخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكي قال: حدّثنا أبو الأحرز محمد بن عمر بن جميل قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم- وهو أبو بسطام البغدادي- قال: حدّثنا إسماعيل ابن إبراهيم قال: حدّثنا يوسف بن عطية عن هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ (يس) يريد بها الله ﷿ غفر الله له وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة «٢» مرة، وأيما مريض قرئت عنده سورة (يس) نزل عليه بعدد كل حرف عشرة أملاك يقومون بين يديه صفوفا فيصلون ويستغفرون له ويشهدون قبضه وغسله ويتبعون جنازته ويصلون عليه ويشهدون دفنه، وأيما مريض قرأ سورة يس وهو في سكرات الموت لم يقبض ملك الموت روحه حتى يجيئه رضوان خازن الجنان بشربة من الجنة فيشربها وهو على فراشه فيموت وهو ريان ويبعث وهو ريان ويحاسب وهو ريان ولا يحتاج إلى حوض من حياض الأنبياء حتى يدخل الجنة وهو ريان» [٧٠] «٣» .\nوحدّثنا أبو الفضل علي بن محمّد بن أحمد بن علي الشارعي الخوارزمي إملاء قال: حدّثنا أبو سهل بن زياد القطان قال: حدّثنا ابن مكرم قال: حدّثنا مصعب بن المقدّم قال: حدّثنا أبو المقدام هشام عن الحسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة (يس) في ليلة أصبح مغفورا له» [٧١] «٤» .\nوأخبرني الحسين بن محمد الثقفي قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا حمزة بن الحسين بن عمر البغدادي قال: حدّثنا محمد بن أحمد الرياحي قال: حدّثنا أبي قال:\nحدّثنا أيوب بن مدرك عن أبي عبيدة عن الحسن عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «من دخل المقابر فقرأ سورة (يس) خفف عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات» [٧٢] «٥» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا علي بن ماهان عن علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا عبد الرّحمن المحاربي قال: حدّثنا عامر بن يساف اليمامي عن يحيى بن كثير قال: بلغنا أنه من قرأ (يس) حين يصبح لم يزل في فرح حتى يمسي، ومن قرأها حين يمسي لم يزل في فرح حتى يصبح، وقد حدّثني من جربها.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ١.\n(٢) في المخطوط: اثني عشر.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٥٤ بتفاوت.\n(٤) الجامع الصغير: ٢/ ٦٣٣ ح ٨٩٣٤.\n(٥) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٥٤.","vol":"8","page":119},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>[سورة يس (٣٦): الآيات ١ الى ١٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤)\nتَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (٩)\nوَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ (١٢)\nيس اختلف القراء فيه، فقرأ حمزة والكسائي وخلف في أكثر الروايات يِس بكسر الياء بين اللفظين قراءة أهل المدينة، وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم.\nالباقون: بفتح الياء، وقرأ أبو جعفر وأبو عمرو وحمزة وأيوب وأبو حاتم وعاصم في أكثر الروايات، (يسين)، بإظهار النون والسكون.\nواختلف فيه عن نافع وابن كثير، فقرأ عيسى بن عمر: (يَس) بالنصب، شبهه ب (أين) و(كيف)، وقرأ ابن أبي إسحاق بكسر النون، شبهه بأمس ورقاش وحذام وقرأ هارون الأعور:\nبضم النون، شبهه بمنذ وحيث وقطّ. الآخرون: بإخفاء النون.\nواختلف المفسرون في تأويله، فقيل: قسم، وقال ابن عباس: يعني يا إنسان بلغة طيئ عطا: بالسريانية، وقال أبو العالية: يا رجل، وقال سعيد بن جبير: يا محمّد، دليله قوله: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ.\nوقال السيد الحميري:\nيا نفس لا تمحضي بالنصح جامدة ... على المودة إلّا آل ياسينا «١»\nوقال أبو بكر الوراق: يا سيد البشر.\nفإن قيل: لم عدّ يس آية ولم يعد طس آية؟\nفالجواب أنّ طس أشبه قابيل من جهة الزنة والحروف الصحاح ويس أوله حرف علة وليس مثل ذلك في الأسماء المفردة، فأشبه الجملة والكلام التام وشاكل ما بعده من رؤوس الآي.\nوَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ. إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ وهو جواب لقول الكفار: لَسْتَ مُرْسَلًا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٤.","vol":"8","page":120},{"text":"عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. تَنْزِيلَ قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بنصب اللام على المصدر كأنه قال: نزل تنزيلا، وقيل: على الخروج من الوصف، وقرأ الآخرون بالرفع أي هو تنزيل الْعَزِيزِ: الشديد المنع على الكافرين الرَّحِيمِ: ب [عباده] «١» وأهل طاعته.\nلِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ في الفترة، وقيل: بما أنذر آباؤهم فَهُمْ غافِلُونَ عن الإيمان والرشد.\nلَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ وجب العذاب عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. إِنَّا جَعَلْنا، نزلت في أبي جهل وأصحابه المخزوميين، وذلك\nأنّ أبا جهل كان قد حلف لئن رأى محمدا يصلّي ليرضخن برأسه. فأتاه وهو يصلي ومعه حجر ليدمغه فلما رفعه أثبتت يده إلى عنقه ولزق الحجر بيده. فلما عاد إلى أصحابه وأخبرهم بما رأى سقط الحجر، فقال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر.\nفأتاه وهو يصلي ليرميه بالحجر فأعمى الله بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه وقالوا له: ما صنعت؟ فقال: ما رأيته، ولقد سمعت صوته وحال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه لو دنوت منه لأكلني\n، فأنزل الله ﷿: إِنَّا جَعَلْنا.\nفِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ: مغلولون، وأصل الإقماح غض البصر ورفع الرأس، يقال: بعير مقمح إذا رفع رأسه وغض بصره، وبعير قامح إذا أروى من الماء فأقمح. قال الشاعر يذكر سفينة كان فيها:\nونحن على جوانبها قعود ... نغضّ الطرف كالإبل القماح «٢»\nوقال أبو عبيدة: هذا على طريق المثل، ولم يكن هناك غل، إنما أراد: منعناهم عن الإيمان وعما أرادوا بموانع، فجعل الأغلال مثلا لذلك، وفي الخبر أنّ أبا ذؤيب كان يهوى امرأة في الجاهلية، فلما أسلم أتته المرأة- واسمها أم مالك- فراودته عن نفسه، فأبى وأنشد يقول:\nفليس كعهد الدار يا أمّ مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل «٣»\nوعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل «٤»\nأراد منعنا: بموانع الإسلام عن تعاطي الزنا والفسق، وقال عكرمة: إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا يعني ظلمات وضلالات كانوا فيها.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة والظاهر ما أثبتناه.\n(٢) الصحاح: ١/ ٣٩٧.\n(٣) الصحاح: ٢/ ٥١٦.\n(٤) تفسير القرطبي: ٧/ ٣٠١.","vol":"8","page":121},{"text":"وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ: فأعميناهم، العامة بالغين.\nأخبرني الحسن بن محمد الثقفي قال: حدّثنا البغوي ببغداد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن أبي شنبه البغدادي قال: حدّثنا أبو القاسم عثمان بن صالح الحناط قال: حدّثنا عثمان بن عمر عن شعبة عن علي بن نديمة قال: سمعت عكرمة يقول: فأعشيناهم- بالعين غير معجمة- وروى ذلك عن ابن عباس.\nفَهُمْ لا يُبْصِرُونَ. وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أخبرنا ابن فنجويه الدينوري عن عبد الله بن محمد بن شنبه قال: حدّثنا عمير بن مرداس قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا الحسين بن الوليد قال: حدّثنا حنان بن زهير العدوي عن أبيه عن عمر بن عبد العزيز، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه عن الفربابي قال: حدّثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمد بن عمرو الليثي أنّ الزهري حدثه قال: دعا عمر بن عبد العزيز غيلان القدري فقال: يا غيلان بلغني أنك تكلم في القدر؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنهم يكذبون عليّ.\nقال: يا غيلان اقرأ أول سورة (يس) فقرأ: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إلى قوله: وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. فقال غيلان: يا أمير المؤمنين والله لكأني لم أقرأها قط قبل اليوم، أشهدك يا أمير المؤمنين أني تائب مما كنت أقول في القدر. فقال عمر بن عبد العزيز:\nاللهم إن كان صادقا فتب عليه، وإن كان كاذبا فسلط عليه من لا يرحمه واجعله آية للمؤمنين.\nقال: فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه عن الفربابي قال: حدّثنا عبد الله بن معاذ قال:\nحدّثنا أبي عن بعض أصحابه قال: حدث محمد بن عمير بهذا الحديث ابن عون، فقال ابن عون: أنا رأيته مصلوبا على باب دمشق.\nإِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ يعني إنما ينفع إنذارك- لأنه كان ينذر الكل- مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ: القرآن فعمل به وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ: أخبره بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ. إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى عند البعث وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا من الأعمال وَآثارَهُمْ ما استن به بعدهم، نظيره قوله: يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ\n«١»، وقوله: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ «٢» .\nوقال المغيرة بن شعبة والضحاك: نزلت في بني عذرة، وكانت منازلهم بعيدة عن المسجد فشق عليهم حضور الصلوات، فأنزل الله ﷿: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ يعني خطاهم إلى المسجد.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفربابي قال: حدّثنا\n_________\n(١) سورة القيامة: ١٣.\n(٢) سورة الانفطار: ٥.","vol":"8","page":122},{"text":"حنان بن موسى قال: حدّثنا عبد الله بن المبارك عن سعيد الحريري عن أبي نضرة عن جابر عن عبد الله قال: أردنا النقلة إلى المسجد والبقاع حول المسجد خالية فبلغ ذلك النبي ﷺ فأتانا في ديارنا فقال: «يا بني سلمة، بلغني أنكم تريدون النقلة إلى المسجد؟» فقالوا: يا رسول الله، بعد علينا المسجد، والبقاع حول المسجد خالية. فقال: «يا بني سلمة، دياركم فإنما تكتب آثاركم» . قال:\nفما وددنا بحضرة المسجد لمّا قال رسول الله ﷺ عليه الذي قال. [٧٣] «١» .\nأخبرنا أبو علي الروزباري قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن مهرويه الرازي قال: حدّثنا أبو حاتم الرازي قال: حدّثنا قرة بن حبيب قال: حدّثنا عتبة بن عبد الله عن ثابت عن أنس في قوله سبحانه: وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ قال: الخطى يوم الجمعة.\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ علمناه وعدّدناه وبيناه فِي إِمامٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>[سورة يس (٣٦): الآيات ١٣ الى ٤٤]</span>\nوَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤) قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (١٥) قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦) وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٧)\nقالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ (١٨) قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩) وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)\nأَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)\nوَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (٢٩) يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (٣١) وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٣٢)\nوَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٣٥) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ (٣٦) وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)\nوَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠) وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (٤٢)\nوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلاَّ رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (٤٤)\n_________\n(١) صحيح ابن حبان: ٥/ ٣٩٠. [.....]","vol":"8","page":123},{"text":"وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ وهي أنطاطية إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ يعني رسل عيسى: قالت العلماء بأخبار الأنبياء: بعث عيسى (﵇) رسولين من الحواريين إلى أنطاكية، فلما قربا من المدينة رأيا شيخا يرعى غنيمات وهو حبيب صاحب (يس)، فسلما عليه، فقال الشيخ: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى يدعوكم من عبادة الأوثان إلى عبادة الرّحمن. فقال:\nأمعكما آية؟ قالا: نعم، نشفي المرضى ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله. فقال الشيخ: إنّ لي ابنا مريضا صاحب فراش منذ سنين. قالا: فانطلق بنا إلى منزلك نتطلع حاله.\nفأتى بهما إلى منزله، فمسحها ابنه فقام في الوقت بإذن الله صحيحا، ففشا الخبر في المدينة وشفى الله على يديهما كثيرا من المرضى، وكان لهم ملك يقال له سلاحين، وقال:\nوهب اسمه ابطيحيس، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، قالوا: فانتهى الخبر إليه فدعاهما، فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى. قال: وما آيتكما؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص، ونشفي المرضى بإذن الله. قال: وفيم جئتما؟ قالا: جئناك ندعوك من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر إلى عبادة من يسمع ويبصر. فقال الملك: أو لنا إله سوى آلهتنا؟ قالا: نعم من أوجدك وآلهتك. قال: قوما حتى أنظر في أمركما. فتتبعهما الناس فأخذوهما وضربوهما في السوق.\nوقال وهب بن منبه: بعث عيسى (﵇) هذين الرسولين إلى أنطاكية فأتياها ولم يصلا إلى ملكها فطالت مدة مقامهما، فخرج الملك ذات يوم: فكبرا وذكرا الله، فغضب الملك وأمر بهما فأخذا وحبسا وجلد كل واحد منهما مائة جلدة. قالوا: فلما كذب الرسولان وضربا، بعث عيسى رأس الحواريين شمعون الصفا على أثرهما لينصرهما.\nفدخل شمعون البلدة متنكرا وجعل يعاشر حاشية الملك حتى أنسوا به فرفع خبره إلى الملك فدعاه فرضي عشرته، وآنس به وأكرمه. ثم قال له ذات يوم: أيها الملك بلغني أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك إلى غير دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟\nفقال الملك: حال الغضب بيني وبين ذلك. قال: فإذا رأى الملك دعاهما حتى نتطلع ما عندهما.\nفدعاهما الملك فقال لهما شمعون: من أرسلكما إلى هاهنا؟ قالا: الله الذي خلق كل شيء وليس له شريك. فقال لهما شمعون: فصفاه وأوجزا. فقالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: وما آيتكما؟ قالا له: ما تتمناه. فأمر الملك حتى جاءوا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة. فما زالا يدعوان ربّهما حتى انشق موضع البصر، فأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما «١» في حدقتيه فصارتا مقلتين فبصر بهما، فتعجب الملك، فقال شمعون للملك: أرأيت [لو] سألت إلهك حتى يصنع صنيعا مثل هذا فيكون لك الشرف ولإلهك.\n_________\n(١) في المخطوط: فوضعا.","vol":"8","page":124},{"text":"فقال له الملك: ليس عندي سر إنّ إلهنا الذي نعبده لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وكان شمعون إذا دخل الملك على الصنم يدخل بدخوله ويصلّي كثيرا ويتضرع، حتى ظنوا أنه على ملتهم.\nوقال الملك للرسولين: إن قدر إلهكما الذي تعبدانه على إحياء ميت آمنا به وبكما. قالا:\nإلهنا قادر على كل شيء. فقال الملك: إنّ ها هنا ميتا مات منذ سبعة أيام ابنا لدهقان وأنا أخرته فلم أدفنه حتى يرجع أبوه وكان غائبا. فجاؤوا بالميت وقد تغيّر وأروح، فجعلا يدعوان ربهما علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرا. فقام الميت وقال: إني قد مت منذ سبعة أيام، ووجدت مشركا فأدخلت في تسعة أودية من النار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا بالله.\nثم قال: فتحت أبواب السماء فنظرت فرأيت شابا حسن الوجه يشفع لهؤلاء الثلاثة. قال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار إلى صاحبيه. فتعجب الملك، فلما علم شمعون أنّ قوله أثر في الملك أخبره بالحال ودعاه، فآمن قوم وكان الملك فيمن آمن، وكفر آخرون.\nوقال ابن إسحاق عن كعب ووهب: بل كفر الملك، وأجمع هو وقومه على قتل الرسل، فبلغ ذلك حبيبا وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم ويذكرهم ويدعوهم إلى طاعة المرسلين فذلك قوله سبحانه: إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ.\nواختلفوا في اسميهما، فقال ابن عباس: تاروص وماروص، وقال وهب: يحيى ويونس، ومقاتل: تومان ومانوص.\nفَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ أي فقوّينا برسول ثالث. قرأ طلحة بن مصرف وعاصم عن حفص: فَعَزَزْنا مخففا، أي فغلبناهم، من عزيز برسول ثالث وهو شمعون.\nوقال مقاتل: شمعان، وقال كعب: الرسولان صادق وصدوق والثالث شلوم وإنما أضاف الإرسال إليه لأن عيسى (﵇) إنما بعثهم بأمره ﷿، وكانوا في جملة الرسل، فقالوا جميعا لأهل أنطاكية: إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ. قالُوا ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ: ما أنتم إلّا كاذبون. قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ. وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ. قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا تشاء منا.\nبِكُمْ، قال مقاتل: حبس عنهم المطر فقالوا: هذا بشؤمكم لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ، قال قتادة: بالحجارة، وقال آخرون: لنقتلنكم، وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ. قالُوا طائِرُكُمْ: شؤمكم مَعَكُمْ بكفركم، وقال ابن عباس والضحاك: حظّكم من الخير والشر.\nقال قتادة: أعمالكم، وقرأ الحسن والأعرج: طيركم.","vol":"8","page":125},{"text":"أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ وعظتم، وقرأ أبو جعفر بالتخفيف، يعني من حيث ذكرتم، وجوابه محذوف مجازه: أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ قلتم هذا القول، بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ: مشركون مجاوزون الحد.\nقوله: وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى وهو حبيب بن مري، وقال ابن عباس ومقاتل: حبيب بن إسرائيل النجار، وقال وهب: وكان رجلا سقيما قد أسرع فيه الجذام، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة، وكان مؤمنا ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين: فيطعم نصفا عياله ويتصدق بنصفه، فلما بلغه أنّ قومه قصدوا قتل الرسل جاءهم فقال:\nيا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ. اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ، قال قتادة: لما انتهى حبيب إلى الرسل قال لهم: تسألون على هذا من أجر؟ قالوا: لا. فقال ذلك. قال: وكان حبيب في غار يعبد ربه، فلما بلغه خبر الرسل أتاهم وأظهر دينه وما هو عليه من التوحيد وعبادة الله، فقيل له: وأنت مخالف لديننا وتابع دين هؤلاء الرسل ومؤمن بإلههم؟ فقال: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ. إِنِّي إن فعلت ذلك إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ\nفلما قال لهم ذلك وثبوا إليه وثبة رجل واحد فقتلوه ولم يكن أحد يدفع عنه.\nقال عبد الله بن مسعود: وطئوه بأرجلهم حتى خرج قضيبه من دبره، وقال السدّي: كانوا يرمونه بالحجارة وهو يقول: اللهم اهد قومي حتى قطعوه وقتلوه، وقال الحسن: خرقوا خرقا في حلقة فعلقوه من سوق المدينة، وقبره في سور أنطاكية فأوجب الله له الجنة، فذلك قوله: قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ.\nفلما أفضى إلى جنة الله وكرامته، قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ.\nأخبرنا أبو بكر عبد الرّحمن بن عبد الله بن علي بن حمشاد المزكى بقراءتي عليه في شعبان سنة أربعمائة فأقرّ به قال: أخبرنا أبو ظهير عبد الله بن فارس بن محمد بن علي ابن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب في شهر ربيع الأول سنة ست وأربع وثلاثمائة قال: حدّثنا إبراهيم بن الفضل بن مالك قال: حدّثنا عن أخيه عيسى عن عبد الرّحمن ابن أبي ليلى عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: «سبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين:\nعلي بن أبي طالب، وصاحب آل يس، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون وعلي أفضلهم» [٧٤] «١» .\nقالوا: فلما قتل حبيب غضب الله له وعجّل لهم النقمة، فأمر جبرئيل (﵇) فصاح\n_________\n(١) كنز العمال: ١١/ ٦٠١ ح ٣٢٨٩٨ وتفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٦٩، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٢٠ وفيه:\n(الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل يس، وحزقيل مؤمن آل فرعون، وعلي بن أبي طالب وهو أفضلهم) .","vol":"8","page":126},{"text":"بهم صيحة ماتوا عن آخرهم، فذلك قوله ﷿: وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ. إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً، وفي مصحف عبد الله: (إن كانت إلّا زقية واحدة)، وهي الصيحة أيضا وأصلها من الزقا، وقرأ أبو جعفر: صيحةٌ بالرفع، جعل الكون بمعنى الوقوع فَإِذا هُمْ خامِدُونَ ميتون.\nيا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ قال عكرمة: يعني على أنفسهم، وفيه قولان:\nأحدهما: أنّ الله يقول: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ وكآبة عليهم حين لم يؤمنوا.\nوالآخر: أنه من قول الهالكين. قال أبو العالية: لما عاينوا العذاب قالوا: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ يعني الرسل الثلاثة حين لم يؤمنوا، بهم فتمنوا الإيمان حين لم ينفعهم، وقرأ عكرمة:\nيا حَسْرَهْ عَلَى الْعِبادِ بجزم الهاء ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وكان خبر الرسل الثلاثة في أيام ملوك الطوائف.\nأَلَمْ يَرَوْا يعني أهل مكة كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ؟ والقرن: أهل كل عصر سموا بذلك لاقترابهم في الوجود أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ. وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا بالتشديد، ابن عامر والأعمش وعاصم وحمزة. الباقون: بالتخفيف. فمن شدد جعل (إِنْ) بمعنى الجحد، و(لَمَّا) بمعنى (إلّا)، تقديره: وما كل إلا جميع، كقولهم: سألتك لما فعلت، أي إلّا فعلت، ومن خفف جعل (إن) للتحقيق وحققه، وما صلة، مجازه: وكل جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ. وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها بالمطر، وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ:\nبساتين مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ. لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ، قرأ الأعمش: بضم الثاء وجزم الميم (ثُمْرِهِ)، وقرأ [خلف] ويحيى وحمزة والكسائي بضم الثاء والميم، وقرأ الآخرون بفتحهما «١» وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ قرأ العامة بالهاء، وقرأ عيسى بن عمر وأهل الكوفة:\n(عملت) بلا هاء، ويجوز في (ما) ثلاثة أوجه:\nالوجه الأوّل: الجحد، بمعنى ولم تعمله أيديهم، أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها، وهذا معنى قول الضحاك ومقاتل.\nوالوجه الثاني معنى المصدر، أي ومن عمل أيديهم.\nوالوجه الثالث معنى الذي، [أي وما عملت أيديهم] من الحرث والزرع والغرس، وهو معنى قول ابن عباس. أَفَلا يَشْكُرُونَ نعمه؟\nسُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ: الأشكال والأصناف\n_________\n(١) راجع زاد المسير: ٣/ ٦٦.","vol":"8","page":127},{"text":"كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ. وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ: ننزع ونخرج مِنْهُ النَّهارَ، وقال الكلبي:\nنذهب به فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ: داخلون في الظلام.\nوَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يعني إلى مستقر لها. قال ابن عباس: لا تبلغ مستقرها حتى ترجع إلى منازلها، وقال قتادة: إلى وقت واحد لها لا تعدوه، وقيل: إلى انتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا، وقيل: إلى أبعد منازلها في الغروب.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب وأحمد بن جعفر قالا: حدّثنا إبراهيم ابن سهل قال: حدّثنا محمد بن بكار العيسي قال: حدّثنا إسماعيل بن علية قال: حدّثنا يونس بن عبيد عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر عن النبي ﷺ في قوله: وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها قال: «مستقرها تحت العرش» [٧٥] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثني أبو الطيب أحمد بن عبد الله بن يحيى الدارمي قال: حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد السمرقندي بدمياط قال: حدّثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدّثنا مروان بن معاوية عن محمد بن أبي حسان عن عمرو بن دينار عن ابن عباس أنه قرأ: (والشمس تجري لا مستقر لها)، وهي قراءة ابن مسعود أيضا، أي لا قرار لها، فهي جارية أبدا.\nذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ بالرفع، نافع وابن كثير وأبو عمرو وأيوب ويعقوب غير ورش «٢»، واختاره أبو حاتم قال: لأنك شغلت الفعل عنه فرفعته للابتداء، وقرأ الباقون بالنصب، واختاره أبو عبيد، قال: للفعل المتقدم قبله والمتأخر بعده، فأما المتقدم فقوله:\nنَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ وأما المتأخر فقوله: قَدَّرْناهُ، أي قدرنا له المنازل.\nمَنازِلَ، أي قدرنا له المنازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل القمر كل ليلة بمنزل منها، وأسماؤها: الشرطان، والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة والزبرة، والصرفة، والعوّا، والسماك، والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ الدلو المؤخر، وبطن الحوت.\nفإذا صار إلى آخر منازله عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ، وهو العذق الذي فيه الشماريخ، فإذا أقدم وعتق يبس وتقوّس واصفر فشبه القمر في دقته وصفرته به، ويقال لها أيضا الأهان.\nلَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ بل هما يسيران دائبين ولكلّ حدّ لا يعدوه ولا\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ١٥٨.\n(٢) وهو محمد بن أحمد المقرئ الورشي المغربي الأندلسي، راجع الأنساب: ٥/ ٥٩١.","vol":"8","page":128},{"text":"يقصر دونه، فإذا جاء سلطان هذا ذهب ذلك وإذا جاء سلطان ذلك ذهب هذا، فذلك قوله:\nوَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ. فإذا اجتمعا وأدرك كل واحد صاحبه قامت القيامة وذلك قوله سبحانه: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ «١» .\nوَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ: يجرون.\nوَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ الموقر المملوء، وهي سفينة نوح الآباء في السفينة، والأبناء في الأصلاب، والحمل: منع الشيء أن يذهب إلى جهة السفل.\nوَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ أي مثل سفينة نوح ما يَرْكَبُونَ وهي السفن كلها.\nأخبرنا عبيد بن محمد بن محمّد بن مهدي قال: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا أحمد بن حازم قال: حدّثنا عبد الله بن موسى عن سفيان عن السدي عن أبي مالك في قوله:\nوَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ قال: السفن الصغار، وقال ابن عباس: الإبل سفن البر.\nوَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ: ينجون من الغرق إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ يعني انقضاء آجالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>[سورة يس (٣٦): الآيات ٤٥ الى ٥٩]</span>\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥) وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ (٤٦) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) ما يَنْظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)\nفَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١) قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢) إِنْ كانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ (٥٣) فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)\nإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ (٥٦) لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ (٥٧) سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أي ما بين أيديكم من الآخرة فاعملوا لها وَما خَلْفَكُمْ من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها. قاله ابن عباس، وقال مجاهد: ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ: ما يأتي من الذنوب، وَما خَلْفَكُمْ: ما مضى من الذنوب.\nالحسن. ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ يعني وقائع الله فيمن كان قبلكم من الأمم وَما خَلْفَكُمْ من أمر الساعة.\n_________\n(١) سورة القيامة: ٩.","vol":"8","page":129},{"text":"مقاتل: ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عذاب الأمم الخالية، وَما خَلْفَكُمْ: عذاب الآخرة.\nلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، والجواب محذوف تقديره: إذا قيل لهم هذا، أعرضوا، دليله ما بعده: وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ. وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ: الرزق مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ يتوهمون أنّ الله تعالى لما كان قادرا على إطعامه وليس يشاء إطعامه، فنحن أحق بذلك. نزلت في مشركي مكة حين قال لهم فقراء أصحاب رسول الله ﷺ: أعطونا ما زعمتم من أموالكم أنها لله، وذلك قوله: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا «١» فحرموهم، وقالوا: لو شاء الله أطعمكم فلا نعطيكم شيئا حتى ترجعوا إلى ديننا.\nإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ في اتباعكم محمدا ومخالفتكم ديننا. عن مقاتل بن حيان، وقال غيره: هو من قول أصحاب رسول الله ﷺ لهم.\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنا نبعث؟ فقال الله تعالى: ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة إسرافيل تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ أي يختصمون ويخاصم بعضهم بعضا.\nواختلفت القراء فيه فقرأ ابن كثير وورش وأبو عبيد وأبو حاتم بفتح الخاء وتشديد الصاد ومثله روى هشام عن أهل الشام: لما أدغموا نقلوا حركة التاء إلى الخاء.\nوقرأ أبو جعفر وأيوب ونافع غير ورش ساكنة الخاء مخففة الصاد، وقرأ أبو عمرو:\nبالإخفاء، وقرأ حمزة: ساكنة الخاء مخففة الصاد، أي يغلب بعضهم بعضا بالخصام، وهي قراءة أبي بن كعب، وقرأ الباقون: بكسر الخاء وتشديد الصاد.\nفَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً: فلا يقدرون على أن يوصي بعضهم بعضا، وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأخيرة: نفخة البعث، وبين النفختين أربعون سنة، فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ أي القبور، واحدها جدث إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ يخرجون، ومنه قيل للولد: نسلا لأنه يخرج من بطن أمّه، والنسلان والعسلان: الإسراع في السير.\nقالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا أي منامنا قال أبي بن كعب وابن عباس وقتادة: إنما يقولون هذا لأن الله رفع عنهم العذاب فيما بين النفختين فيرقدون، وقال أهل المعاني: إنّ الكفار إذا عاينوا جهنم وأنواع عذابها صار ما عذبوا في القبور في جنبها كالنوم، فقالوا: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟ ثم قال: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ: أقرّوا حين لم ينفعهم\n_________\n(١) الأنعام/ ١٣٦.","vol":"8","page":130},{"text":"الإقرار، وقال مجاهد: يقول الكفار: مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا؟ ويقول المؤمنون: هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ.\nإِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ. فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، محل (ما) نصب من وجهين:\nأحدهما: مفعول ما لم يسمّ فاعله.\nوالثاني: بنزع حرف [الخفض] «١»، أي ب (ما) .\nإِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ، قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشيبة بجزم الغين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الآخرون: بضم الغين، واختاره أبو عبيد، وهما لغتان مثل السّحت والسّحت ونحوهما.\nواختلف المفسرون في معنى الشغل. فأخبرنا محمد بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا أسباط بن محمد عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس في قول الله تعالى: إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ قال: افتضاض الأبكار.\nوأخبرني فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا أحمد بن الوليد الشطوي قال: حدّثنا محمد بن موسى قال: حدّثنا معلى بن عبد الرّحمن قال: حدّثنا شريك عن عاصم الأحول عن أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكارا» [٧٦] «٢» .\nوقال الكلبي والثمالي والمسيب: يعني فِي شُغُلٍ عن أهل النار وعما هم فيه، لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم، وقال وكيع بن الجراح: يعني في السماع، سئل يحيى بن معاذ: أي الأصوات أحسن؟ قال: مزامير أنس في مقاصير قدس بألحان تجميل في رياض تمجيد فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.\nوقال ابن كيسان: يعني في زيارة بعضهم بعضا، وقيل: في ضيافة الله وقيل: في شغلهم بعشرة أشياء: ملك لا عزل معه، وشباب لا هرم معه، وصحة لا سقم معها، وعزّ لا ذل معه، وراحة لا شدة معها، ونعمة لا محنة معها، وبقاء لا فناء معه، وحياة لا موت معها، ورضا لا سخط معه، وأنس لا وحشة معه.\nوقيل: شغلهم في الجنة بسبعة أنواع من الثواب لسبعة أعضاء: فأما ثواب الرجل فقوله:\n_________\n(١) في الأصل: الصفة.\n(٢) مجمع الزوائد: ١٠/ ٤١٧.","vol":"8","page":131},{"text":"ادْخُلُوها بِسَلامٍ آمِنِينَ «١»، وثواب اليد قوله: يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا «٢»، وثواب الفرج قوله:\nوَحُورٌ عِينٌ «٣»، وثواب البطن قوله: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا «٤» الآية، وثواب اللسان قوله:\nوَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٥» وثواب الأذن قوله: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا «٦»، وثواب العين قوله: وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ.\nقال طاوس: لو علم أهل الجنة عمّن شغلوا ما هنّأهم ما اشتغلوا به، وسئل بعض الحكماء عن\nقوله (﵇): «أكثر أهل الجنة البله»\n[٧٧] قال: لأنهم في شغل بالنعيم عن المنعم، ثم قال: من رضي بالجنة عن الله فهو أبله.\nفاكِهُونَ قرأ العامة: بالألف، وقرأ أبو جعفر (فكهون وفكهين) بغير ألف حيث كانا، وهما لغتان: كالحاذر والحذر والفاره والفره، وقال الكسائي: الفاكه والفاكهة مثل شاحم ولاحم ولابن وتامر، واختلف العلماء في معناهما، فقال ابن عباس: فرحون. مجاهد والضحاك:\nمعجبون. السدي: ناعمون.\nهُمْ وَأَزْواجُهُمْ: حلائلهم فِي ظِلالٍ قرأ العامة بالألف وكسر الظاء على جمع (ظلّ)، وقرأ ابن مسعود وعبيد بن عمير وحمزة والكسائي وخلف: (ظلل) على جمع (ظلة) .\nعَلَى الْأَرائِكِ يعني السرر في الحجال، واحدتها أريكة، مثل سفينة وسفن وسفائن وقيل: هي الفرش، مُتَّكِؤُنَ. لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ قال ابن عباس: يسألون. قال مقاتل: يتمنون ويريدون، وقيل: معناه. من ادّعى منهم شيئا فهو له بحكم الله ﷿ لأنهم لا يدعون إلّا ما يحسن.\nسَلامٌ قرأ العامة بالرفع، أي لهم سلام، وقرأ النخعي: بالنصب على القطع والمصدر.\nأخبرني الحسن بن محمّد بن عبد الله الحافظ قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال:\nحدّثنا أحمد بن الفرج المقرئ قال: حدّثنا محمد بن عبد الملك أبي الشوارب قال: حدّثنا أبو عاصم عبد الله بن عبد الله العباداني قال: حدّثنا الفضل بن عيسى الرقاشي، وأخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق المؤذن قال: حدّثني أبو بكر أحمد بن محمد بن موسى الملحمي الأصفهاني قال: حدّثنا الحسن بن أبي علي الزعفراني قال: حدّثنا ابن أبي الشوارب قال: حدّثنا\n_________\n(١) سورة الحجر: ٤٦.\n(٢) سورة الطور: ٢٣.\n(٣) سورة الواقعة: ٢٢.\n(٤) سورة الطور: ١٩.\n(٥) سورة يونس: ١٠. [.....]\n(٦) سورة الواقعة: ٢٥- ٢٦.","vol":"8","page":132},{"text":"أبو عاصم قال: حدّثنا الفضل الرقاشي عن محمد بن المنكدر عن جابر قال: قال النبي ﷺ:\n«بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطح لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربّ ﷿ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة. فذلك قوله ﷿ سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ فينظر إليهم وينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ماداموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، فيبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» [٧٨] «١» .\nوَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ قال ابن عباس: تفرقوا. أبو العالية: تميزوا. السدي:\nكونوا على حدة. قتادة: اعدلوا عن كل خير. الضحاك: إنّ لكل كافر في النار بيتا، يدخل ذلك البيت ويردم به بالنار فيكون فيه أبد الآبدين فلا يرى ولا يرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>[سورة يس (٣٦): الآيات ٦٠ الى ٨٣]</span>\nأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)\nالْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥) وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦) وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ (٦٧) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ (٦٨) وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)\nلِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)\nلا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦) أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)\nأَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ أي لا تطيعوه في معصية الله. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ. وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ أي أغوى بالدعاء إلى المعصية جِبِلًّا كَثِيرًا\nقرأ علي ﵁ (جِبِلًا) بالباء مخففا\n، وقرأ أهل المدينة وعاصم وأيوب\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٥.","vol":"8","page":133},{"text":"وأبو عبيد وأبو حاتم بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام، وقرأ يعقوب بضم الجيم والباء، وتشديد اللام، وبه قرأ الحسن وعبيد بن عمير وعيسى بن عمر والأشهب، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بضم الجيم وجزم الباء مخففا، وقرأ الباقون: بضم الجيم والباء وتخفيف اللام، وكلها لغات.\nمعناه: الخلق والأمة، وإنما اختار أبو عبيد وأبو حاتم ضم الجيم والباء والتشديد لقوله تعالى وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ «١» .\nأَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ. هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ تحذرون، اصْلَوْهَا: ادخلوها الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ فلا يتكلمون. قال قتادة: جرى بينهم خصومات وكلام فكان هذا آخرها.\nأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا أبو عامر حامد بن سعدان قال: حدّثنا أحمد بن صالح قال: حدّثنا عبد الله بن وهب قال:\nحدّثني عمرو بن الحرث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله، فجحد وخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون. فيقول: كذبوا. فيقال: أهلك وعشيرتك. فيقول: كذبوا. فيقال: احلفوا، فيحلفون.\nثم يصمتهم الله ﷿ ويشهد عليهم ألسنتهم ثم يدخلهم النار» [٧٩] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا هشام بن عمار قال: حدّثنا إسماعيل بن عياش قال: حدّثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن عقبة بن عامر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه فخذه من الرجل الشمال» [٨٠] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:\nحدّثنا أبي قال: حدّثنا يزيد قال: أخبرنا الحريري أبو مسعود عن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: «يجيئون يوم القيامة على أفواههم الفدام وإنّ أول ما يتكلم من الآدميين فخذه وكفه» [٨١] «٤» .\nوَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ\n_________\n(١) سورة الشعراء: ١٨٤.\n(٢) مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٥١.\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ١٥١.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ٣ بتفاوت.","vol":"8","page":134},{"text":": فتبادروا إلى الطريق، فَأَنَّى يُبْصِرُونَ وقد طمسنا أعينهم؟ قال ابن عباس ومقاتل وعطاء وقتادة: يعني ولو نشاء لتركناهم عميا يترددون، فكيف يبصرون الطريق حينئذ؟\nوَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ، أي أقعدناهم في منازلهم قردة وخنازير، والمسخ تحويل الصورة، فَمَا اسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ إلى ما كانوا عليه، وقيل: لا يستطيعون الذهاب ولا الرجوع.\nوَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ، قرأ الأعمش وعاصم وحمزة بالتشديد. غيرهم بفتح النون وضم الكاف مخففا. أي يرده إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ شبه حال الصبي الذي هو أول الخلق، وقيل: يصيّره بعد القوة إلى الضعف، وبعد الزيادة إلى النقصان، وبعد الحدة والطراوة إلى البلى والخلوقة، فكأنه نكس حاله.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش المقرئ قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا مهران بن أبي عمر عن سفيان: وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ قال: إذا بلغ ثمانين سنة تغيّر جسمه. أَفَلا يَعْقِلُونَ. وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ لأنه يورث الشبهة.\nأخبرني ابن فنجوية قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: حدّثنا حامد بن شعيب عن شريح بن يونس قال: حدّثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي عيينة عن أبيه عن الحكم قال: كان رسول الله ﷺ يتمثل بقول العباس بن مرداس:\n«أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة» .\nقالوا: يا رسول الله إنما قال:\n... بين عيينة والأقرع\n. فأعادها وقال:\n... «بين الأقرع وعيينة»\n. فقام إليه أبو بكر ﵁ فقبل رأسه وقال: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [٨٢] «١» .\nوأخبرنا الحسين بن محمد الحديثي قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله بن هامان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن أنّ النبي ﷺ كان يتمثل بهذا البيت:\n«كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا»\n«٢» .\nفقال أبو بكر: يا نبي الله، إنما قال الشاعر:\nكفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا\nفقال أبو بكر أو عمر: أشهد أنك رسول الله، يقول الله ﷿: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٥/ ٢٦٨ بتفاوت.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٣/ ٥٨٥.","vol":"8","page":135},{"text":"أخبرني الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق المسيبي قال: حدّثنا حامد بن شعيب قال: حدّثنا شريح بن يونس قال: حدّثنا أبو سفيان عن معمر عن قتادة: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ قال: بلغني أنّ عائشة سئلت هل كان رسول الله ﷺ يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت:\nكان الشعر أبغض الحديث إليه، قالت: ولم يتمثل بشيء من الشعر إلّا ببيت أخي بني قيس طرفة:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد «١»\nفجعل يقول: «من لم تزود بالأخبار»، فقال أبو بكر: ليس هكذا يا رسول الله. فقال (﵌): «إني لست بشاعر، وما ينبغي لي» [٨٣] «٢» .\nإِنْ هُوَ يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ. لِتُنْذِرَ بالتاء [وهي قراءة] «٣» أهل المدينة والشام والبصرة إلّا أبا عمرو، والباقون بالياء قال: التاء للنبي ﷺ والياء للقرآن. مَنْ كانَ حَيًّا أي عاقلا مؤمنا في علم الله لأن الكافر والجاهل ميّت الفؤاد، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا يعني عملناه من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة، أَنْعامًا فَهُمْ لَها مالِكُونَ: ضابطون وقاهرون.\nوَذَلَّلْناها لَهُمْ: سخرناها فَمِنْها رَكُوبُهُمْ قرأ العامة بفتح الراء أي مركوبهم، كما يقال: ناقة حلوب، أي محلوب، وقرأ الأعمش والحسن: بضم الراء على المصدر.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن هامان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة قال: في مصحف عائشة:\n(ركوبتهم)، والركوب والركوبة واحد مثل: الحمول والحمولة. وَمِنْها يَأْكُلُونَ لحمانها.\nوَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ من أصوافها ولحومها وغير ذلك من المنافع. وَمَشارِبُ يعني ألبانها أَفَلا يَشْكُرُونَ. وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ أي لتمنعهم من عذاب الله، ولا يكون ذلك قط.\nلا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ في النار لأنهم مع أوثانهم في النار فلا يدفع بعضهم عن بعض النار.\nفَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ يعني تكذيبهم وأذاهم وجفاهم. تم الكلام هاهنا ثم استأنف فقال\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٢٥٩.\n(٢) كشف الخفاء: ١/ ٤٤٨.\n(٣) في المخطوط: وفي الأحقاف، والظاهر ما أثبتناه.","vol":"8","page":136},{"text":"إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ. أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ جدل بالباطل مُبِينٌ.\nواختلفوا في هذا الإنسان من هو؟ فقال ابن عباس: هو عبد الله بن أبيّ، وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وائل السهمي، وقال الحسن: هو أميّة بن خلف،\nوقال قتادة: أبي بن خلف الجمحي وذلك أنه أتى النبي ﷺ بعظم حائل قد بلي فقال: يا محمد أترى الله يحيي هذا بعد ما قد رمّ؟ فقال ﷺ: «نعم، ويبعثك ويدخلك النار» [٨٤] «١»\nفأنزل الله هذه الآية: وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ بدء أمره، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ بالية، وإنما لم يقل رميمة لأنه معدول من فاعله وكل ما كان معدولا عن وجهه ووزنه كان مصروفا عن إعرابه كقوله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا «٢» أسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية.\nقُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها: خلقها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا، وإنما لم يقل الخضر، والشجر- جمع الشجرة- لأنه ردّه إلى اللفظ.\nقال ابن عباس: هما شجرتان يقال لإحداهما مرخ، والأخرى العفار. فمن أراد منهم النار قطع منها غصنين مثل السواكين، وهما خضراوان يقطر منهما الماء فيسحق المرخ وهو ذكر على العفار أنثى فتخرج منهما النار بإذن الله ﷿.\nيقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار «٣»، وقال الحكماء: كل شجر فيه نار إلّا العناب. فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ النار فذلك زادهم.\nأَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ قرأ العامة بالألف، وقرأ يعقوب (بقدر) - على الفعل- عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ، ثم قال: بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ. إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أي وجود شيء، أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ. فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٥٨.\n(٢) سورة مريم: ٢٨.\n(٣) راجع لسان العرب: ٣/ ٥٣، واستمجد: استفضل أي استكثر من النار. [.....]","vol":"8","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>سورة الصافات</span>\nمكية، وهي ثلاثة آلاف وثمانمائة وستة وعشرون حرفا، وثمانمائة وستون كلمة، ومائة واثنتان وثمانون آية\nأخبرنا كامل بن أحمد المفيد قال: أخبرنا محمد بن جعفر الوراق قال: حدّثنا إبراهيم بن الفضل قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير الآملي عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ وَالصَّافَّاتِ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ جنّي وشيطان، وتباعد عنه مردة الشياطين وبرئ من الشرك، وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين» [٨٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-639>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١ الى ٢٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِراتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِياتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ (٤)\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ (٩)\nإِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ (١٠) فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ (١١) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)\nوَقالُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)\nوَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ (٢٣)\nوَالصَّافَّاتِ صَفًّا قال ابن عباس ومسروق والحسن وقتادة: يعني صفوف الملائكة في السماوات كصفوف الخلق في الدّنيا للصلاة، وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه حتى يأمرها بما يريد، وقيل: هي الطير، دليله قوله: وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ»\nوقوله:\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ «٣» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٨/ ٢٩٣.\n(٢) سورة النور: ٤١.\n(٣) سورة الملك: ١٩.","vol":"8","page":138},{"text":"والصف: ترتيب الجمع على خط كالصف في الصلاة والحرب.\nفَالزَّاجِراتِ زَجْرًا يعني الملائكة تزجر السحاب وتسوقه، وقال قتادة: هي زواجر القرآن.\nفَالتَّالِياتِ ذِكْرًا يعني جبرائيل والملائكة تتلو كتب الله، عن مجاهد والسدي، وقيل:\nهي جماعة قرّاء القرآن، وهي كلها جمع الجمع، فالصافة جمع الصاف، والصافات جمع الصافة وكذلك أختاها، وقيل: هو قسم بالله تعالى على تقدير: وربّ الصافات.\nإِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ موضع القسم قال مقاتل: لأنّ كفار مكة قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا؟ فأقسم الله تعالى بهؤلاء: إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ، وقرأ الأعمش وأبو عمرو وحمزة كلّهم بالإدغام، والباقون بالبيان.\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ أي مطالع الشمس وذلك أنّ الله تعالى خلق للشمس ثلاثمائة وستين كوة في المشرق، وثلاثمائة وستين كوة في المغرب على عدد أيام السنة تطلع كل يوم من كوة منها وتغرب في كوة منها فهي المشارق والمغارب.\nحدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي إملاء قال: حدّثنا أبو العباس محمّد بن إسحاق بن إبراهيم الثقفي إملاء قال: حدّثني إسحاق بن إبراهيم بن عبد الرّحمن بن عمر بن منيع- صدوق ثقة- قال: حدّثنا ابن عليه عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة قال: قال ابن عباس:\nإنّ الشمس تطلع كل سنة في ثلاثمائة وستين كوة تطلّع كل يوم في كوة ولا ترجع إلى تلك الكوة إلّا ذلك اليوم من العام القابل، ولا تطلع إلّا وهي كارهة، فتقول: ربّ لا تطلعني على عبادك فإني أراهم يعصونك ويعملون بمعاصيك أراهم. قال: أو لم تسمعوا إلى ما قال أمية بن أبي الصلت:\n... حتى تجر وتجلد؟\nقلت: يا مولاي وتجلد الشمس؟ قال: عضضت بهن أبيك، إنما اضطره الروي إلى الجلد.\nوقيل: وكل موضع شرقت عليه الشمس فهو مشرق، وكل موضع غربت عليه فهو مغرب، كأنه أراد ربّ جميع ما شرقت عليه الشمس «١» .\nإِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ قرأ عاصم برواية أبي بكر (بِزِينَةٍ) منونة (الْكَواكِبَ) نصبا، يعني بتزييننا الكواكب، وقيل: أعني الكواكب، وقرأ حمزة وعاصم في سائر الروايات (بِزِينَةٍ) منونة. الْكَواكِبِ خفضا على البدل، أي بزينة الكواكب.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٩/ ١٠٩.","vol":"8","page":139},{"text":"وقرأ الباقون بِزِينَةِ الْكَواكِبِ مضافة. قال ابن عباس: يعني بضوء الكواكب.\nوَحِفْظًا أي وحفظناها حفظا، أو وجعلناها أيضا حفظا، وذلك شائع في اللغة مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ: خبيث خال عن الخير.\nلا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى كأنه قال: فلا يسمعون. قرأ أهل الكوفة يَسَّمَّعُونَ بالتشديد، أي يتسمعون، قال مجاهد: كانوا يتسمعون ولكن لا يسمعون، وهو اختيار أبي عبيد، وقرأ الآخرون بالتخفيف، وهو اختيار أبي حاتم، إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى يعني الكتبة من الملائكة في السماء وَيُقْذَفُونَ، ويرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ من آفاق السماء.\nدُحُورًا يبعدونهم عن مجالس الملائكة، والدحر والدحور: الطرد والإبعاد، وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ: دائم، نظيره قوله سبحانه: وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا «١»، وقال ابن عباس: شديد.\nالكلبي: موجع، وقيل: خالص.\nإِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ: مسارق فسمع الكلمة، فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ: تبعه ولحقه كوكب مضيء قوي لا يخطئه يقتل أو يحرق أو يحيل، وإنما يعودون إلى استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه طمعا في السلامة ونيل المراد كراكب البحر.\nفَاسْتَفْتِهِمْ فسلهم، يعني: أهل مكة أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنا يعني: من الأمم الخالية، وقد أهلكناهم بذنوبهم، وقيل: يعني السماوات والأرض وما بينهما.\nنزلت في أبي الأسد بن كلدة، وقيل: أبيّ بن أسد، وسمّي بالأسدين لشدة بطشه وقوته، نظيرها: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ «٢» وقوله سبحانه أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ «٣» .\nإِنَّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ أي جيد حر يلصق ويعلق، باليد ومعناه اللازم تبدل الميم كأنه يلزم اليد، وقال السدي: خالص. قال مجاهد والضحاك: [الرمل] «٤» .\nبَلْ عَجِبْتَ قرأ حمزة والكسائي وخلف (عَجِبْتُ) بضم التاء- وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس على معنى أنهم قد حلّوا محل من تعجّب منهم، وقال الحسين بن الفضل: العجب من الله، إنكار الشيء وتعظيمه وهو لغة العرب، وقد جاء في الخبر: عجب ربكم من إلّكم وقنوطكم والخبر الآخر: إنّ الله ليعجب من الشاب إذا لم يكن له صبوة ونحوها، وسمعت أبا\n_________\n(١) سورة النحل: ٥٢.\n(٢) سورة غافر: ٥٧.\n(٣) سورة النازعات: ٢٧.\n(٤) تفسير الطبري: ١٤/ ٤٠، ونقل عن مجاهد قوله: اللازب: اللازم.","vol":"8","page":140},{"text":"القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي البغدادي يقول:\nسئل جنيد عن هذه الآية فقال: إنّ الله لا يعجب من شيء، ولكنّ الله وافق رسوله لمّا عجب رسوله، فقال: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ «١» . أي هو لما يقوله.\nوقرأ الآخرون بفتح التاء على خطاب النبي ﷺ، وهي قراءة شريح القاضي. قال: إنما يعجب من لا يعلم، والله عنده علم كلّ شيء، ومعناه، بل عجبت من تكذيبهم إياك.\nوَيَسْخَرُونَ وهم يسخرون من تعجّبك.\nوَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ وإذا وعظوا لا يتعظون.\nوَإِذا رَأَوْا آيَةً يعني انشقاق القمر يَسْتَسْخِرُونَ يسخرون وقيل: يستدعي بعضهم بعضا إلى أن يسخر.\nوَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ. أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ. أَوَآباؤُنَا يعني: وآباؤنا أو بمعنى الواو الْأَوَّلُونَ. قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ: صاغرون. فَإِنَّما هِيَ يعني: النفخة والقيامة زَجْرَةٌ: صيحة واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ أحياء. وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ. هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ. احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ\nأخبرني الحسن بن محمد المدني قال: حدّثنا محمد بن علي الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا عمّي أبو بكر قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن سماك، عن النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ قال: «ضرباءهم» [٨٦] «٢»\n، وقال ابن عباس: أشباههم. ضحاك ومقاتل:\nقرناءهم من الشياطين، كل كافر معه شيطانه في سلسلة. قتادة والكلبي: كل من عمل مثل عملهم، فأهل الخمر مع أهل الخمر، وأهل الزنا مع أهل الزنا، وقال الحسن: وأزواجهم المشركات «٣» .\nوَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ في الدنيا فَاهْدُوهُمْ: فادعوهم، قاله الضحاك، وقال ابن عباس: دلّوهم، وقال ابن كيسان: فدلوهم، والعرب تسمي السائق هاديا، ومنه قيل: الرقية هادية السائق، قال امرؤ القيس:\nكأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حنا بشيب مرجّل «٤»\nإِلى صِراطِ الْجَحِيمِ: طريق النار.\n_________\n(١) سورة الرعد: ٥.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٣/ ٥٦.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٥/ ٧٣.\n(٤) الصحاح: ٦/ ٢٥٣٤.","vol":"8","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-640>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٢٤ الى ٦١]</span>\nوَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (٢٤) ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٧) قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)\nقالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩) وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ (٣٠) فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ (٣٢) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)\nإِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧) إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ (٣٨)\nوَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)\nعَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ (٤٤) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)\nكَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٥٠) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)\nقالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧) أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (٥٨)\nإِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩) إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١)\nوَقِفُوهُمْ واحبسوهم، يقال: وقفته وقفا فوقف وقوفا. إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ قال ابن عباس: عن لا إله إلّا الله. ضحاك: عن خطاياهم. القرظي: عن جميع أقوالهم وأفعالهم.\nأخبرني الحسين بن محمد الدينوري قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال: أخبرنا محمد بن عقبة قال: حدّثنا أبو حصين بن نمير الهمداني قال:\nحدّثنا حسين بن قيس الرحبي- وزعم أنه شيخ صدوق- قال: حدّثنا عطاء عن أبي عمر عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمس خصال: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين كسبه، وفيما أنفقه، وما عمل فيما علم» [٨٧] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن عبد الرّحمن بطرسوس قال: حدّثنا أحمد بن خليد قال: حدّثنا يوسف بن يونس الأخطف الأقطس قال: حدّثنا سليمان بن بلال عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة دعا الله سبحانه بعبد من عبيده فيوقفه بين يديه فيسائله عن جاهه كما يسائله عن ماله» [٨٨] «٢» .\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٣٥.\n(٢) مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٤٦. [.....]","vol":"8","page":142},{"text":"ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ أي لا تنتقمون ولا ينصر بعضهم بعضا، يقوله خزنة النار للكفار، وهذا جواب أبي جهل حين قال يوم بدر: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ.\nقال الله ﷾: بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ قال ابن عباس: خاضعون. الحسن:\nمنقادون. الأخفش: ملقون بأيديهم، وقال أهل المعاني: مسترسلون لما لا يستطيعون له دفعا ولا منه امتناعا كحال الطالب السلامة في نزل المنازعة.\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يعني: الرؤساء والأتباع يَتَساءَلُونَ: يتخاصمون.\nقالُوا يعني: الأتباع للرؤساء: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ أي من قبل اليمين فتضلوننا عنه، قاله الضحاك، وقال مجاهد: عن الصراط الحق: وقال أهل المعاني: أي من جهة النصيحة والبركة والعمل الذي يتيمن به، والعرب تتيمن بما جاء عن اليمين، وقال بعضهم:\nأي عن القوة والقدرة كقول الشماخ.\nإذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين «١»\nأي بالقوة وغرابة اسم ملك اليمن.\nقالُوا يعني: الرؤساء بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ. وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ. فَحَقَّ عَلَيْنا وعليكم قَوْلُ رَبِّنا يعنون قوله سبحانه: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «٢» .\nإِنَّا جميعا لَذائِقُونَ العذاب.\nفَأَغْوَيْناكُمْ: فأضللناكم لأنا كُنَّا غاوِينَ ظالمين، قال الله سبحانه: فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ. إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ. إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ. وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ يعني النبي صلّى الله عليه وآله. قال الله سبحانه ردا عليهم: بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ. إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ. وَما تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ. أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يعني: بكرة وعشية، كقوله:\nوَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا «٣» .\nفَواكِهُ: جمع الفاكهة، وهي كلّ طعام يؤكل للتلذذ لا للقوت الذي يحفظ الصحة، يقال: فلان يتفكّه بهذا الطعام، وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ: إناء فيه شراب، ولا يكون كأسا حتى يكون فيه شراب، وإلّا فهو إناء،\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ٥٩٣.\n(٢) سورة السجدة: ١٣.\n(٣) سورة مريم: ٦٢.","vol":"8","page":143},{"text":"قال الأخفش: كل كأس في القرآن فهو خمر مِنْ مَعِينٍ: خمر جارية في أنهار طاهرة العيون، ويجوز أن يكون فعيلا من (المعن) وهو الإسراع والشدة من (أمعن في الأمر) إذا اشتدّ دخوله فيه. يعني: خمرا شديدة الجري سريعته.\nبَيْضاءَ أي صافية في نهاية اللطافة ولَذَّةٍ: لذيذة لِلشَّارِبِينَ لا فِيها غَوْلٌ أي إثم عن الكلبي، نظيره لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ «١» . قتادة: وجع البطن. الحسن: صداع. مجاهد:\nداء. ابن كيسان: مغص. الشعبي: لا تغتال عقولهم فتذهب بها، وقال أهل المعاني: الغول:\nفساد يلحق في خفاء، يقال: اغتاله اغتيالا إذا فسد عليه أمره في خفية، ومنه الغول والغيلة وهو القتل خفية.\nوَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ قرأ حمزة والكسائي وخلف: بكسر الزاي هاهنا وفي سورة الواقعة، وافقهم عاصم في الواقعة. الباقون: بفتح الزاي فيهما. فمن فتح الزاي، فمعناه: لا تغلبهم على عقولهم ولا يسكرون، يقال: نزف الرجل فهو منزوف ونزيف، إذا سكر وزال عقله، قال الشاعر «٢»:\nفلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج\nأي السكران، ومن كسر الزاي فمعناه: لا ينفد شرابهم. يقال: أنزف الرجل فهو منزوف إذا فنيت خمره. قال الحطيئة:\nلعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ... لبئس الندامى كنتم آل أبجرا «٣»\nوَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ: حابسات الأعين، غاضّات الجفون، قصرن أعينهن عن غير أزواجهن، فلا ينظرن إلّا إلى أزواجهنّ عِينٌ نجل العيون حسانها، واحدتها: عيناء، يقال:\nرجل أعين وامرأة عيناء ورجال ونساء عين.\nكَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ: جمع البيضة مَكْنُونٌ مستور مصون. قال الحسن وابن زيد شبههن ببيض النعامة تكنها «٤» بالريش من الريح والغبار «٥»، وقيل: شبههن ببطن البيض قبل أن يقشر، وهو معنى قول ابن عباس، وإنما ذكّر المكنون والبيض جمع لأنه ردّه إلى اللفظ.\nفَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ في الجنة. قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ في\n_________\n(١) سورة الطور: ٢٣.\n(٢) الصحاح: ١/ ٣٠٦.\n(٣) لسان العرب: ٩/ ٣٢٧.\n(٤) تكنها: تحميها، والكن: كل شيء وقى شيئا، راجع كتاب العين: ٥/ ٢٨١.\n(٥) راجع تفسير القرطبي: ١٥/ ٨٠، وفتح القدير: ٤/ ٣٩٤.","vol":"8","page":144},{"text":"الدنيا. قال مجاهد: كان شيطانا، وقال آخرون: كان من الإنس. قال مقاتل: كانا أخوين، وقال الباقون: كانا شريكين: أحدهما فطروس وهو الكافر، والآخر يهوذا وهو المؤمن، وهما اللذان قصّ الله حديثهما في سورة الكهف.\nيَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ بالبعث؟ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ:\nمجزيون ومحاسبون ومملوكان قالَ الله سبحانه لأهل الجنة: هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ إلى النار؟\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أحمد ابن يزيد المقرئ عن جلاد عن الحكم بن طاهر، عن السدي، عن أبي ملك عن ابن عباس أنه قرأ هل مطلعون فاطّلع بخفضهما وبكسر اللام، قال: رافعون فرفع، قال ابن عباس:\nوذلك أنّ في الجنة كوى «١» فينظر أهلها منها إلى النار وأهلها.\nفَاطَّلَعَ هذا المؤمن فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ فرأى قرينه في وسط النار.\nقالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ما أردت إلّا أن تهلكوا «٢» وأصله من التردّي. وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي: عصمته ورحمته لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ معك في النار.\nأَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ، فتقول لهم الملائكة: لا، وقيل: إنما يقولونه على جهة الحديث بنعمة الله سبحانه عليهم في أنّهم لا يموتون ولا يعذّبون، وقيل: يقوله المؤمن على جهة التوبيخ لقرينه بما كان ينكره.\nإِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-641>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٦٢ الى ٧٨]</span>\nأَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)\nثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠) وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢) فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤) وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)\nوَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)\nأَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا: رزقا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، والزقوم ثمرة شجرة كريهة الطّعم جدا، من قولهم: يزقم هذا الطعام، إذا تناوله على كره ومشقة شديدة.\nإِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ: للكافرين، وذلك أنهم قالوا: كيف يكون في النار شجرة\n_________\n(١) الكوى: جمع كوة وهي الطاقة والنافذة الصغيرة.\n(٢) كذا في المخطوط.","vol":"8","page":145},{"text":"والنار تحرق الشجر؟! وقال ابن الزبعرى لصناديد قريش: إنّ محمدا يخوفنا بالزقوم وإنّ الزقوم بلسان بربر وأفريقية الزبد والتمر، فأدخلهم أبو جهل بيته وقال: يا جارية زقّمينا. فأتتهم بالزبد والتمر، فقال: تزقّموا فهذا ما يوعدكم به محمد، فقال الله سبحانه: إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ: قعر النار. قال الحسن: أصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها.\nطَلْعُها ثمرها، سمّي طلعها لطلوعه كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ قال بعضهم: هم الشياطين بأعيانهم، شبّهه بها لقبحه لأن الناس إذا وصفوا شيئا بعاهة القبح قالوا: كأنه شياطين، وإن كانت الشياطين لا ترى لأن قبح صورتها متصور في النفس، وهذا معنى قول ابن عباس والقرظي، وقال بعضهم: أراد بالشياطين الحيّات، والعرب تسمي الحية القبيحة الخفيفة الجسم شيطانا، قال الشاعر:\nتلاعب مثنى حضرميّ كأنه ... تعمج شيطان بذي خروع قفر «١»\nوقال الراجز:\nعنجرد تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف «٢»\nوالأعرف: الذي له عرق، وقيل: هي شجرة قبيحة خشنة مرة منتنة، تنبت في البادية تسميها العرب رؤوس الشياطين.\nفَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ، والملء: حشو الوعاء بما لا يحتمل زيادة عليه، ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْبًا: خلطا ومزاجا، وقال مقاتل: شرابا مِنْ حَمِيمٍ: ماء حار شديد الحرارة، ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ ثم بمعنى قبل، مجازه: وقبل ذلك مرجعهم لإلى الجحيم، كقول الشاعر:\nإنّ من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده «٣»\nأي قبل ذلك ساد أبوه، ويجوز أن تكون بمعنى الواو.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي المقري قال: حدّثني علي بن الحسن بن سعد الهمداني قال: حدّثنا عباس بن يزيد بن أبي حبيب قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا سفيان عن ميسرة عن المنهال عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه قرأ (ثم إنّ مقتلهم لإلى الجحيم) .\nإِنَّهُمْ أَلْفَوْا: وجدوا آباءَهُمْ ضالِّينَ فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ يسرعون.\nوَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ: مرسلين\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٣٢٨.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ٣١١.\n(٣) مغني اللبيب: ١/ ١١٧.","vol":"8","page":146},{"text":"فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ، نظيره: وَنُوحًا إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ «١»، وهو قوله: فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ «٢» .\nفَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ على التعظيم، وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، وهو الغرق، وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ،\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال:\nحدّثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدّثنا بندار قال: حدّثنا محمد بن خالد بن غيمة قال: حدّثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي ﷺ في قوله وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ قال: «سام وحام ويافث» [٨٩] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا محمد بن عمران بن هارون قال:\nحدّثنا أبو عبد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيّب قال: كان ولد نوح ثلاثة: سام وحام ويافث، فسام أبو العرب وفارس وروم، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج وما هنالك.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج نوح ﵇ من السفينة مات من معه من الرجال والنساء إلّا ولده ونساءهم، فذلك قوله: وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ.\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، أي لقينا له ثناء حسنا وذكرا جميلا فيمن بعده من الأنبياء والأمم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٧٩ الى ٩٨]</span>\nسَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢) وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ (٨٣)\nإِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٨٧) فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)\nفَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٩١) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)\nفَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (٩٦) قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧) فَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)\nسَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٧٦. [.....]\n(٢) سورة القمر: ١٠.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٣/ ٨٠.","vol":"8","page":147},{"text":"ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ: أهل دينه وسنته لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ:\nمخلص من الشرك والشك، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال:\nحدّثنا محمد بن العلا قال: حدّثنا عصام بن علي عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: يا بنيّ لا تكونوا لعّانين أو لم يروا إلى إبراهيم لم يلعن شيئا قط فقال الله سبحانه: إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ؟\nإِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا: ما الذي تَعْبُدُونَ أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، قال ابن عباس: كان قومه يتعاطون علم النجوم فعاملهم حيث كانوا لئلّا ينكروا عليه وذلك أنه كان لهم من الغد عيد ومجمع، وكانوا يدخلون على أصنامهم ويقرّبون لهم القرابين ويصنعون بين أيديهم الطعام قبل خروجهم إلى عيدهم زعموا التّبرك عليه، فإذا انصرفوا من عيدهم أكلوه. قال مقاتل: وكانت الأصنام اثنين وسبعين صنما من خشب وحديد ورصاص وشبه وفضّة وذهب، وكان كبيرهنّ من ذهب في عينيه ياقوتتان، وقالوا لإبراهيم (﵇): لا تخرج غدا معنا إلى عيدنا. فنظر إلى النجوم، فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ، قال ابن عباس: مطعون، وقال الحسن: مريض، وقال الضحاك:\nسأسقم لقوله سبحانه إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» .\nوقيل: سَقِيمٌ بما في عنقي من الموت، وقيل: سَقِيمٌ بما أرى من أحوالكم القبيحة، وقيل:\nسَقِيمٌ بعلة عرضت له، وإنّه إنما نظر في النجوم مستدلا بها على وقت حمّى كانت تأتيه، والصحيح أنه لم يكن سقيما لما\nروي عن النبي (﵇) أنه قال: «لقد كذب إبراهيم ثلاث كذبات، ما منها واحدة إلّا وهو بماحل وناصل بها عن دينه «٢»\n: قوله: إِنِّي سَقِيمٌ، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ وقوله لسارة: هذه أختي» [٩٠] «٣» .\nفَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ إلى عيدهم، فدخل إبراهيم إلى الأصنام فكسرها ووضع الفأس على عاتق الصنم الكبير، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على أصنامهم قبل أن يرجعوا إلى منازلهم، فدخلوا عليها فإذا هي مكسورة، فذلك قوله سبحانه: فَراغَ: فمال إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ إظهارا لضعفهم وعجزهم: أَلا تَأْكُلُونَ ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ لأنها أقوى على العمل من الشمال، وهذا قول الربيع بن أنس قال: يعني يده اليمنى، وقيل: بالقسم الذي سبق منه، وذلك قوله: وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ»\nوقال الفراء: بالقوة.\n_________\n(١) سورة الزمر: ٣٠.\n(٢) في المصدر: ثنتان في الله وواحدة في ذات نفسه.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٣/ ٨٥.\n(٤) سورة الأنبياء: ٥٧.","vol":"8","page":148},{"text":"فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ: إلى إبراهيم يَزِفُّونَ، أي يسرعون عن الحسن. مجاهد: يزفون زفيف النعام وهو حال بين المشي والطيران. الضحاك: يسعون، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يُزِفُّونَ بضم الياء، وهما لغتان: فقال لهم إبراهيم على وجه الحجاج: أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ؟ وفي هذه الآية دليل على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله ﷾ حيث قال: وَما تَعْمَلُونَ على [أنها] مكتسبة للعباد حيث أثبت لهم عملا، فأبطل مذهب القدرية والجبرية بهذه الآية،\nوقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله خالق كلّ صانع وصنعته»\n[٩١] «١» .\nقالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ: معطم النار. قال مقاتل: بنوا له حائطا من الحجر طوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤوه من الحطب وأوقدوا فيه النار.\nفَأَرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ: المقهورين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ٩٩ الى ١٠٦]</span>\nوَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)\nوَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)\nوَقالَ إبراهيم: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي، أي إلى مرضاة ربي، وهو المكان الذي أمر بالذهاب إليه. نظيره قوله: وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي «٢»، وقيل: ذاهِبٌ إِلى رَبِّي بنفسي وعملي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ مختصر. أي رب هب لي ولدا صالحا من الصالحين.\nفَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ذلك الغلام، قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ الآية، واختلف السّلف من علماء المسلمين في الذي أمر إبراهيم بذبحه من ابنيه بعد إجماع [أهل الخاص] على أنه كان إسحاق، فقال قوم: الذبيح إسحاق، وإليه ذهب من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والعباس بن عبد المطلب، ومن الباقين وأتباعهم كعب الأحبار وسعيد بن جبير وقتادة ومسروق وعكرمة والقاسم بن أبي بزة وعطاء ومقاتل وعبد الرّحمن بن سابط والزبيري والسدّي.\nوهي رواية عكرمة وابن جبير عن ابن عباس. أخبرني الحسن بن محمد بن عبد الله قال:\n_________\n(١) المستدرك: ١/ ٣١.\n(٢) سورة العنكبوت: ٢٦.","vol":"8","page":149},{"text":"حدّثنا طلحة بن محمّد، وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا أحمد ابن حرب قال: حدّثنا سنيد بن داود قال: حدّثني حجاج عن ليث بن سعد عن صفوان بن عمرو عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: هو إسحاق.\nوأخبرني الحسن قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب قال: حدّثنا رضوان بن أحمد الصيدلاني قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي قال: حدّثنا أبو معاوية عن حجاج عن القاسم بن نافع عن أبي الطفيل، عن علي قال: «الذي أراد إبراهيم (﵇) ذبحه إسحاق»\n[٩٢] «١» .\nوروى شبعة عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص قال: افتخر رجل عند ابن مسعود فقال: أنا فلان ابن فلان ابن الأشياخ الكرام. فقال عبد الله: ذاك يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله (﵇) .\nوأخبرنا الحسين محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا المبارك عن الحسن عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب قال: الذي فداه الله بِذِبْحٍ عَظِيمٍ إسحاق.\nوأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بكار قال: حدّثنا خالد بن عبد الله الواسطي عن داود ابن أبي هند عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه إسحاق (﵉) .\nوأخبرنا الحسن قال: أخبرنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حمّاد قال: أخبرنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الذي أراد إبراهيم ذبحه هو إسحاق.\nوأخبرني الحسن قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا عباس الدوري قال: حدّثنا أبو سلمة- يعني المنقري- قال: حدّثنا محمد بن ثابت العبدي عن موسى مولى أبي بكر الصديق عن سعيد بن جبير قال: [لمّا] أري إبراهيم ذبح إسحاق في المنام سار به مسيرة شهر في غداة واحدة حتى أتى به المنحر بمنى، فلما صرف الله عنه الذبح وأمره أن يذبح الكبش فذبحه فسار به مسيرة شهر في روحة واحدة، طويت له الأودية والجبال.\nوروى سفيان عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال موسى: «يا رب\n_________\n(١) المستدرك: ٢/ ٥٥٨- والرواية عن ابن عباس.","vol":"8","page":150},{"text":"يقولون: إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فبم قالوا ذلك؟» قال: «إن إبراهيم لم يعدل بي شيئا قط إلّا اختارني عليه، وإن إسحاق جاد لي بالذبح وهو بغير ذلك أجود، وإن يعقوب كلّما زدته بلاء زاد بي حسن ظنّ» [٩٣] «١» .\nوروى حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة قال: قال يوسف: للملك: «ترغب أن تأكل معي أو تنكف وأنا والله يوسف بن يعقوب نبيّ الله ابن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله (﵈)؟!» [٩٤] «٢» .\nوقال الآخرون: هو إسماعيل، وإلى هذا القول ذهب عبد الله بن عمر وأبو الطفيل عامر ابن واثلة وسعيد بن المسيب والشعبي والحسن البصري ويوسف بن مهران ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن كعب القرظي وهي رواية عطاء بن أبي رباح وأبي حمرة نصر بن عمران الضبعي ويوسف بن ماهك عن ابن عباس قال: المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق، وكذبت اليهود.\nوقد روي عن النبي (﵌) كلا القولين، ولو كان فيهما صحيح بالإجماع لم يعزه إلى غيره «٣»، وأمّا الرواية التي رويت عنه صلّى الله عليه أنّ الذبيح إسحاق ما\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد [قالا] «٤»: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثنا موسى بن إسحاق قال: حدّثنا عبد الله بن أبي شنبه قال: أخبرنا الأشيب قال:\nحدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس قال: قال رسول الله ﷺ: «الذي أراد إبراهيم أن يذبح إسحاق» [٩٥] «٥» .\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن علي بن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال:\nحدّثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا حجاج عن ابن جريح قال: أخبرت عن صفوان بن سليم وزيد بن أسلم عن النبي (﵇) أنه قال: «إنّ إسحاق الذي أراد إبراهيم أن يذبحه» [٩٦] .\nوأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة [فأقرأنيه] «٦» قال: أخبرنا جدي قال: حدّثنا علي بن حجر قال: حدّثنا عمر بن حفص عن أبان عن أنس قال:\nقال رسول الله صلّى الله عليه: «يشفع إسحاق بعدي فيقول: يا رب صدّقت نبيّك وجدت بنفسي\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٣/ ٩٧.\n(٢) تفسير الطبري: ١٣/ ٧.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) في المخطوط: قال.\n(٥) المستدرك للحاكم بتفاوت ٢/ ٥٥٧. [.....]\n(٦) في المخطوط: فاقريه، ويحتمل: قراءة، والظاهر ما أثبتناه.","vol":"8","page":151},{"text":"للذبح فلا تدخل النار من لم يشرك بك شيئا» . قال: «فيقول ﵎: وعزتي لا أدخل النار من لا يشرك بي شيئا» [٩٧] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا أبو حفص عمر بن محمد بن عيسى الجوهري قال: حدّثنا عيسى بن مساور الجوهري قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ خيّرني بين أن يغفر لنصف أمّتي أو شفاعتي فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذي سبقني إليه العبد الصالح لتعجّلت منها دعوتي إنّ الله سبحانه لما فرّج عن إسحاق كرب الذبح قيل: يا إسحاق سل تعط. فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجّلنها قبل نزغة الشيطان، اللهم من مات لا يشرك بك شيئا فاغفر له وأدخله الجنة» [٩٨] «١» .\nوأما ما روي عنه صلّى الله عليه أنّ الذبيح إسماعيل\nفروى عمر بن عبد الرّحمن، عن عبيد الله بن محمد العتبي- من ولد عتبة بن أبي سفيان- عن أبيه قال: حدّثني عبد الله بن سعيد عن الصنابحي قال: كنا عند معاوية بن أبي سفيان فذكروا الذبيح إسماعيل أو إسحاق، فقال: على الخبير سقطتم، كنت عند النبي صلّى الله عليه فجاء رجل فقال: يا رسول الله عد عليّ مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين فضحك رسول الله صلّى الله عليه، فقيل له: يا أمير المؤمنين وما الذبيحان؟ فقال: إنّ عبد المطلب لما حفر بئر زمزم نذر لله ﷿ لئن سهل الله ﷿ له أمرها ليذبحنّ أحد ولده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله وقالوا: افد ابنك بمائة من الإبل ففداه بمائة من الإبل والثاني إسماعيل (﵇) [٩٩] «٢» .\nفهذا ما ورد من الأخبار في هذا الباب، فأما حجة القائلين بأنه إسحاق من القرآن فهو أنّ الله سبحانه أخبر عن خليله إبراهيم (﵇) حين فارق قومه مهاجرا إلى الشام مع امرأته سارة وابن أخيه لوط وقال: إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ إنه دعا فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ وذلك أنه قبل أن يعرف هاجر، وقبل أن تصير له أم إسماعيل. ثم اتبع ذلك الخبر عن إجابته ودعوته وتبشيره أياه بِغُلامٍ حَلِيمٍ ثم عن رؤيا إبراهيم أن يذبح ذلك الغلام الذي بشر به حين بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ وليس في [كتاب الله بشير لإبراهيم بولد ذكر] «٣» إلّا بإسحاق.\nواحتج من قال: إنه إسماعيل من القرآن بما روى محمد بن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي أنه كان يقول: إنّ الذي أمر الله سبحانه إبراهيم بذبحه من ابنيه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك\n_________\n(١) مجمع زوائد: ٨/ ٢٠٢، تفسير ابن كثير: ٤: ١٨ بتفاوت يسير.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ١١٣ بتفاوت.\n(٣) تاريخ الطبري: ١/ ١٩٠.","vol":"8","page":152},{"text":"في كتاب الله سبحانه، وذلك أن الله ﷿ يقول حين فرغ من قصة المذبوح: وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ.\nوقال عز من قائل: فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ «١» يقول: بابن وبابن ابن، فلم يكن يأمره بذبح إسحاق وله فيه من الله ﷾ الموعود «٢» . فلما لم يذكر الله تعالى إسحاق إلّا بعد انقضاء قصّة الذبح، ثم بشّره بولد إسحاق علمنا أنّ الذبيح إسماعيل.\nقال القرظي: فذكرت ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة، إذ كنت معه بالشام، فقال لي عمر: إنّ هذا الشيء ما كنت أنظر فيه، وإني لأراه كما قلت. ثم أرسل إلى رجل كان عنده بالشام، وكان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه، وكان يرى أنه من علماء اليهود، فسأله عمر بن عبد العزيز عن ذلك وأنا عنده فقال: أيّ ابني إبراهيم أمر بذبحه؟ فقال: إسماعيل. ثم قال: والله يا أمير المؤمنين إنّ اليهود لتعلم ذلك ولكنهم ليحسدونكم معشر العرب على أن يكون أنّ أباكم الذي كان من أمر الله ﷾ فيه والفضل الذي ذكره الله سبحانه منه لصبره على ما أمر به، فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم.\nواحتجوا أيضا بأن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير «٣» والحجاج، قال الشعبي: رأيت قرني الكبش منوطين بالكعبة، وكان القرنان ميراثا لولد إسماعيل عن أبيهم، فلم يزاحمهم على ذلك ولد إسحاق وهم الروم، وكانوا أكبر وأعزّ وأمنع من العرب: وهذا أدل دليل على أن الذبيح إسماعيل.\nوقال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحاق كان أو إسماعيل؟ فقال لي: يا أصمع أين ذهب عنك عقلك؟\nومتى كان إسحاق ﵇ بمكة؟ وإنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه إبراهيم (﵉)، كما قال الله سبحانه وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ «٤»، والمنحر بمكة لا شكّ فيه.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن المنذر الضرير يقول: سمعت أبا محمد الزنجاني المؤدّب يقول: سئل أبو سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد:\nإنّ الذبيح هديت إسماعيل ... نطق الكتاب بذاك والتنزيل «٥»\n_________\n(١) سورة هود: ٧١.\n(٢) أي الولد الموعود.\n(٣) هو عبد الله بن الزبير بن العوّام. هامش المخطوط.\n(٤) سورة البقرة: ١٢٧.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٥/ ١٠٠.","vol":"8","page":153},{"text":"شرف به خصّ الإله نبيّنا ... وأتى به التفسير والتأويل\nإن كنت أمّته فلا تنكر له ... شرفا به قد خصّه التفضيل\nوأما قصة الذبح فقال السدي بإسناده: لمّا فارق إبراهيم الخليل (﵇) قومه مهاجرا إلى الشام هاربا بدينه، كما قال الله ﷾: وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ دعا الله ﷾ أن يهب له ابنا صالحا من سارة فقال: رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ. فلما نزل به أضيافه من الملائكة المرسلين إلى المؤتفكة وبشّروه بغلام حليم، قال إبراهيم لما بشّر به:\nفهو إذن لله ذبيح. فلما ولد الغلام وبَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ، قيل: أوف بنذرك الذي نذرت. فكان هذا هو السبب في أمر الله تعالى رسوله إبراهيم بذبح ابنه، فقال إبراهيم عند ذلك لإسحاق: «انطلق نقرّب قربانا لله تعالى» [١٠٠]، وأخذ سكّينا وحبلا ثم انطلق معه حتى إذا ذهب به بين الجبال قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ فقال يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: كان إبراهيم إذا زار هاجر وإسماعيل حمل على البراق فيغدو من الشام فيصلي بمكة، ويروح من مكة فيبيت عند أهله بالشام. حتى إذا بلغ إسماعيل معه السعي وأخذ بنفسه ورجاه لما كان يأمل فيه من عبادة ربه وتعظيم حرماته، أري في المنام أن يذبحه، فلما أمر بذلك قال لابنه: «يا بني خذ الحبل والمدية ثم انطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب» . فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب [ثبير]، أخبره بما أمر، كما ذكر الله تعالى، قالوا:\nفقال له ابنه الذي أراد أن يذبحه: «يا أبت اشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عنّي ثيابك حتى لا ينضح عليها من دمي شيء، فينقص أجري وتراه أمّي فتحزن، واشحذ شفريك، وأسرع مرّ السكين على حلقي ليكون أهون للموت عليّ، فإنّ الموت شديد، وإذا أتيت أمي فاقرأ ﵍ مني، وإن رأيت أن ترد قميصي على أمي فافعل فإنه عسى أن يكون أسلى لها عنّي» .\nفقال له إبراهيم (﵇): «نعم العون أنت يا بني على أمر الله» .\nففعل إبراهيم ما أوصاه به ابنه، ثم أقبل عليه يقبّله، وقد ربطه وهو يبكي والابن يبكي حتى استنقع الدموع تحت خده، ثم إنه وضع السكين على حلقه فلم تنحر السكين. قال السدي:\nضرب الله صفحة من النحاس على حلقه. قالوا: فقال الابن عند ذلك: «يا أبت كبّني لوجهي على جبيني، فإنّك إذا نظرت في وجهي رحمتني، وأدركتك رقّة تحول بينك وبين أمر الله وأنا لا أنظر إلى الشفرة فأجزع» . ففعل ذلك إبراهيم، ووضع السكين على قفاه فانقلب السكين، ونودي: «يا إبراهيم مه، قد صدّقت الرّؤيا، هذه ذبيحتك فداء لابنك فاذبحها دونه»، فنظر إبراهيم فإذا هو بجبرائيل ومعه كبش أقرن أملح فكبّر جبرائيل فكبّر الكبش فكبّر إبراهيم فكبّر ابنه وأخذ إبراهيم الكبش وأتى به المنحر من منى فذبحه.","vol":"8","page":154},{"text":"قال ابن عباس: فو الذي نفسي بيده، لقد كان أوّل الإسلام، وإنّ رأس الكبش لمعلّق بقرنيه في ميزاب الكعبة.\nقال السدّي: فلما أخذ إبراهيم (﵇) الكبش خلّى عن ابنه، وأكبّ عليه وهو يقبّله ويقول: «يا بني وهبت لي»، ثم رجع إلى سارة فأخبرها الخبر، فجزعت سارة وقالت: يا إبراهيم، أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني؟ [١٠١] .\nوروى أبو هريرة عن كعب الأحبار وابن إسحاق عن رجاله قالوا: لما أري إبراهيم (﵇) ذبح ابنه قال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذا آل إبراهيم، لا أفتن منهم أحدا أبدا.\nفتمثل لهم الشيطان رجلا وأتى أمّ الغلام فقال لها: هل تدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت:\nذهب به يحطبنا من هذا الشعب. قال: لا والله ما ذهب به إلّا ليذبحه. قالت: كلا هو أرحم به وأشدّ حبّا له من ذلك. قال: إنه يزعم أنّ الله أمره بذلك. قالت: فإن كان ربه أمره بذلك فقد أحسن أن يطيع ربه، وسلّمنا لأمر الله ﷿.\nفخرج الشيطان من عندها حتى أدرك الابن وهو يمشي على إثر أبيه فقال له: يا غلام هل تدري أين يذهب أبوك؟ قال: «يحطب أهلنا من هذا الشعب» . قال: والله ما يريد إلّا أن يذبحك. قال: «ولم» .\nقال: زعم أنّ ربه أمره بذلك، قال: «فليفعل ما أمره به ربه، فسمعا وطاعة» .\nفلما امتنع منه الغلام أقبل على إبراهيم، فقال له: أين تريد أيّها الشيخ؟ قال: «أريد هذا الشعب لحاجة لي فيه» . فقال: والله إني لأرى الشيطان قد جاءك في منامك، فأمرك بذبح بنيّك هذا. فعرفه إبراهيم فقال: «إليك عنّي يا عدوّ الله، فو الله لأمضينّ لأمر الله» [١٠٢] «١» .\nوروى أبو الطفيل عن ابن عباس أنّ إبراهيم لما أمر بذبح ابنه، عرض له الشيطان بهذا المشعر فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى بأمر الله ﷿ في ذلك.\nوقال أمية بن أبي الصلت: «٢»\nولإبراهيم الموفي بالنذر ... احتسابا وحامل الأحدال\nبكره لم يكن ليصبر عنه ... لو يراه في معشر أقتال\nيا بني إني نذرتك لله ... شحيطا فاصبر فدى لك حالي\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ١/ ١٩٢ ذكر الخبر عن صفة فعل إبراهيم وابنه.\n(٢) الأبيات بكاملها في تاريخ الطبري: ١/ ١٩٥ ذكر خبر إبراهيم وابنه.","vol":"8","page":155},{"text":"واشدد الصفد لا أحيد عن السكين ... حيد الأسير ذي الأغلال\nوله مدية تخايل في اللحم ... هذام حنية كالهلال\nبينما يخلع السرابيل عنه ... فكّه ربّه بكبش حلال\nقال خذه ذا وأرسل ابنك إني ... للذي قد فعلتما غير قال\nربما تجزع النفوس من الأمر ... له فرجة كحل العقال\nفهذه قصة الذبح كما قال الله سبحانه: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قال ابن عباس: يعني المشي مع أبيه إلى الحيل «١» . قال الحسن ومقاتل بن حيان: يحني العقل الذي يقوم به الحجة، وقال الضحاك: يعني الحركة، وقال ابن زيد: [هو السعي في] العبادة.\nيا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ: رأيت في المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ لنذر عليّ فيك أمرت بذلك، وذلك أنّ إبراهيم (﵇) رأى ليلة التروية كأن قائلا يقول له: إنّ الله يأمرك بذبح ابنك هذا. فلما أصبح روّى في نفسه- أي فكّر- من الصباح إلى الرواح أمن الله هذا الحكم أو من الشيطان؟ فمن ثم سمّي يوم التروية. فلما أمسى رأى في المنام ثانيا ما رآه من ذبح الولد، فلما أصبح عرف أنّ ذلك الحكم من الله، فمن ثم سمّي يوم عرفة.\nوقال: مقاتل: رأى ذلك إبراهيم ثلاث ليال متتابعات، وقال عطاء ومقاتل: أمر إبراهيم أن يذبح ابنه ببيت المقدس فلما تيقّن ذلك أخبر ابنه فقال لابنه فَانْظُرْ ماذا تَرى؟ قرأ العامة بفتح التاء، وقرأ حمزة والكسائي (تُرِي) بضم التاء وكسر الراء- أي ماذا تشير؟ وإنما جاز أن يؤامر ابنه في المضي لأمر الله لأنه أحبّ أن يعلم صبره على أمر الله وعزمه على طاعته فقال له ابنه:\nيا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ.\nفَلَمَّا أَسْلَما أي انقادا وخضعا لأمر الله ﷾ ورضيا به، وقرأ ابن مسعود (فلما سلّما) أي فوّضا، وقرأ ابن عباس (استسلما) . قال قتادة: أسلم هذا ابنه وهذا نفسه وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي صرعه وأضجعه وكبّه على وجهه للذّبح وَنادَيْناهُ، قال أهل المعاني: (الواو) مقحمة صلة، مجازه: ناديناه، كقوله: وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا «٢» يعني:\nأوحينا، وقوله: وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ «٣» وقال امرؤ القيس:\nفلما أجزنا ساحة الحيّ وانتحى «٤»\n_________\n(١) في تفسير القرطبي ١٥/ ٩٩: وقال ابن عباس: هو احتلام، قتادة: مشى مع أبيه\n(٢) سورة يوسف: ١٥.\n(٣) سورة الأنبياء: ٩٦. [.....]\n(٤) لسان العرب: ٥/ ٣٢٦.","vol":"8","page":156},{"text":"وقال الشاعر:\nحتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبّوا\nوقلبتم ظهر المجن لنا ... إنّ اللئيم العاجز الخب «١»\nأراد: قلبتم.\nأَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ: الاختبار المظهر فيما يوجب النعمة أو النقمة، ولذلك قيل للنعم: بلاء وللمحنة بلاء لأنها سمّيت باسم سببها المؤدّى به إليها، كما قيل لأسباب الموت: هذا الموت بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٠٧ الى ١٢٢]</span>\nوَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ (١٠٩) كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)\nوَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢) وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ (١١٤) وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥) وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (١١٦)\nوَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١)\nإِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)\nوَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، والذّبح: المهيأ لأن يذبح، والذّبح- بالفتح- المصدر، وقد اختلفوا في هذا الذّبح وسبب تسميته عظيما فأخبرنا أبو الحسن الفهندري قال: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا إبراهيم بن مرزوق البصري قال: حدّثنا أبو عامر العقدي عن سفيان ابن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الكبش الذي ذبحه إبراهيم هو الذي قرّبه ابن آدم، وقال سعيد بن جبير: حق له أن يكون عظيما وقد رعى في الجنة أربعين خريفا، وقال مجاهد: سمّاه عظيما لأنه متقبل، وقال الحسين بن الفضيل: لأنه كان من عند الله، وقال أبو بكر الورّاق: لأنه لم يكن عن نسل وإنما كان بالتكوين، وقيل: لأنه فداء عبد عظيم، وقال أهل المعاني: قيل له: عظيم لأنه يصغر مقدار غيره من الكباش بالإضافة إليه، وأكثر المفسرين على أنه كان كبشا من الغنم أعين أقرن أملح، وروى عمر بن عبيد عن الحسن أنه كان يقول: ما فدى إسماعيل إلّا تيس من الأروى، وأهبط عليه من [السماء]، وهي رواية أبي صالح عن ابن عباس قال: وكان وعلا.\nوَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ، أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد\n_________\n(١) السان العرب: ١١/ ٥٦٨.","vol":"8","page":157},{"text":"الله قالا: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سبيك قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن داود عن عكرمة عن ابن عباس. وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ: بشرى نبوّة بشّر به مرتين حين ولد وحين نبّئ، وَبارَكْنا عَلَيْهِ أي على إبراهيم في الأولاد، وَعَلى إِسْحاقَ حين أخرج أنبياء بني إسرائيل من صلبه.\nوَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ: مؤمن وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ: كافر ظاهر الكفر.\nوَلَقَدْ مَنَنَّا: أنعمنا عَلى مُوسى وَهارُونَ بالنبوة.\nوَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما: بني إسرائيل مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ، يعني الغرق، حيث أغرقنا فرعون وقومه وَنَصَرْناهُمْ يعني موسى وهارون وقومهما فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ على القبط، وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ: المستنير وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٢٣ الى ١٣٨]</span>\nوَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)\nإِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)\nوَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) إِلاَّ عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ (١٣٥) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٣٦) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)\nوَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)\nوَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، أخبرنا أبو محمد بن أبي القاسم بن المؤهل قال: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: حدّثنا بكار بن قتيبة قال: حدّثنا أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا قيس بن أبي إسحاق عن عبية بن ربيعة عن ابن مسعود قال: إلياس هو إدريس، وإسرائيل هو يعقوب، وإلى هذا ذهب عكرمة، وقال: هو في مصحف عبد الله: وإن إدريس لمن المرسلين وتفرّد عبد الله وعكرمة بهذا القول.\nوقال الآخرون: هو نبي من أنبياء بني إسرائيل. قال ابن عباس: وهو ابن عمّ اليسع، وقال ابن إسحاق: هو إلياس بن ياسين بن العيزار بن هارون بن عمران، وقال أيضا محمد بن إسحاق ابن ياسر والعلماء من أصحاب الأخبار: لمّا قبض الله سبحانه حزقيل النبي عظمت الأحداث في بني إسرائيل، وظهر فيهم الفساد والشرك، ونسوا عهد الله، ونصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله، فبعث الله إليهم إلياس (﵇): نبيا وإنما دانت الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى ﵇ يبعثون إليهم تجديد ما نسوا من التوراة، وبنو إسرائيل يومئذ متفرّقون في أرض الشام وفيهم ملوك كثيرة وكان سبب ذلك أنّ يوشع بن نون لما فتح أرض الشام بعد موسى","vol":"8","page":158},{"text":"وملكها بوّأها بني إسرائيل وقسّمها بينهم، فأحلّ سبطا منهم بعلبك ونواحيها، وهم سبط إلياس الذي كان منهم إلياس فبعثه الله إليهم نبيّا، وعليهم يومئذ ملك يقال له: [أجب] «١» قد ضلّ أضل قومه، وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنما يقال له: بعل، وكان طوله عشرين ذراعا، وكانت له أربعة وجوه. قال: فجعل إلياس يدعوهم إلى الله سبحانه، وهم في كلّ ذلك لا يسمعون منه شيئا إلّا ما كان من أمر الملك الذي كان ببعلبك، فإنه آمن به وصدّقه وكان إلياس يقوم أمره ويسدده ويرشده وكان «٢» لأجب الملك هذا امرأة يقال لها أزبيل «٣»، وكان يستخلفها على رعيته إذا غاب عنهم في غزاة أو غيرها، فكانت تبرز للناس كما يبرز زوجها وتركب كما يركب، وتجلس في مجلس القضاء فتقضي بين الناس، وكانت قتّالة للأنبياء.\nقال: وكان لها كاتب رجل مؤمن حكيم يكتمها إيمانه، وكان كاتبها قد خلّص من يدها ثلاثمائة نبي كانت تريد قتل كل «٤» واحد منهم إذا بعث سوى الذين قبلهم ممن يكثر عددهم، وكانت في نفسها غير محصنة، ولم يكن على وجه الأرض أفحش منها، وهي مع ذلك قد تزوجت سبعة «٥» ملوك من بني إسرائيل وقتلتهم «٦» كلّهم بالاغتيال، وكانت معمّرة حتى يقال: إنها ولدت سبعين ولدا.\nقال: وكان لأجب هذا جار من بني إسرائيل، رجل صالح يقال له (مزدكي) وكانت له جنينة يعيش منها ويقبل على عمارتها ويزينها، وكانت الجنينة إلى جانب قصر الملك وامرأته، وكانا «٧» يشرفان على تلك الجنينة يتنزهان فيها ويأكلان ويشربان ويقيلان فيها، وكان أجب الملك مع ذلك يحسن إليه، وامرأته أزبيل تحسده على ذلك لأجل تلك الجنينة، وتحتال في أن تغصبها إياه لما تسمع الناس يكثرون ذكر الجنينة ويتعجبون من حسنها، ويقولون: ما أحرى أن تكون هذه الجنينة لأهل هذا القصر! ويتعجبون من الملك وامرأته كيف لم يغصباها صاحبها. فلم تزل امرأة الملك تحتال على العبد الصالح مزدكي في أن تقتله وتأخذ جنينة والملك ينهاها عن ذلك فلا تجد عليه سبيلا.\nثم إنه اتفق خروج الملك إلى سفر بعيد، وطالت غيبته، فاغتنمت امرأته أزبيل ذلك للحيلة\n_________\n(١) ضبطه المصنّف في عرائس المجالس: ١٩٢- ١٩٩، بلفظ: لاجب.\n(٢) قوله: آمن به وصدّقه..، وكان، وردت في هامش المخطوط على أنها سقط، وفي ضمن المتن من عرائس المجالس.\n(٣) ضبطه المصنّف في المصدر نفسه بلفظ: أربيل.\n(٤) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: رجل.\n(٥) في المخطوط: سبع.\n(٦) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: قتلت.\n(٧) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: كان.","vol":"8","page":159},{"text":"على مزدكي، وهو غافل عمّا تريد به، مقبل على عبادة ربه وإصلاح معيشته، فجمعت أزبيل جمعا من الناس وأمرتهم أن يشهدوا على مزدكي أنه سبّ زوجها أجب فأجابوها إلى ملتمسها من الشهادة عليه.\nوكان من حكمهم في ذلك الزمان على من سبّ الملك القتل إذا قامت عليه البيّنة بذلك فأحضرت مزدكي، وقالت له: بلغني أنّك شتمت الملك وعبته. فأنكر مزدكي ذلك، فقالت المرأة: إنّ عليك شهودا، وأحضرت الشهود فشهدوا بحضرة الناس عليه بالزور، فأمرت بقتل مزدكي فقتل وأخذت جنينته غصبا فغضب الله عليهم بقتل العبد»\nالصالح.\nفلما قدم الملك من سفره أخبرته الخبر، فقال لها: ما أصبت ولا وفقت ولا أرانا نفلح بعده أبدا، وإنا كنّا عن جنينته لأغنياء، قد كنّا نتنزه فيها، وقد جاورنا وتحرّم بنا مذ زمان طويل، فأحسنا جواره وكففنا عنه الأذى، لوجوب حقه علينا، فختمت أمره بأسوأ الجوار، وما حملك على اجترائك عليه إلّا سفهك وسوء رأيك وقلّة تفكرك في العواقب. فقالت: إنما غضبت لك وحكمت بحكمك. فقال لها: أوما يسعه حلمك ويحدوك عظيم خطرك على العفو عن رجل واحد فتحفظين له جواره؟ قالت: قد كان ما كان.\nفبعث الله تعالى إلياس (﵇) إلى أجب الملك وقومه وأمره أن يخبرهم أنّ الله سبحانه قد غضب لوليّه حين قتلوه بين أظهرهم ظلما، وآلى على نفسه أنهما إن لم يتوبا عن صنعهما ولم يردّا الجنينة على ورثة مزدكي أن يهلكهما- يعني أجب وامرأته- في جوف الجنينة أشرّ ما يكونان بسفك دميهما ثم يدعهما جيفتين ملقاتين فيها حتى تتعرى عظامهما من لحومهما ولا يمتّعان بها إلّا قليلا.\nقال: فجاء إلياس وأخبره بما أوحى الله تعالى إليه في أمره وأمر امرأته والجنينة، فلما سمع الملك ذلك اشتد غضبه عليه ثم قال له: يا إلياس والله ما أرى ما تدعو إليه إلّا باطلا، والله ما أرى فلانا وفلانا، سمى ملوكا منهم قد عبدوا الأوثان- إلّا على مثل ما نحن عليه يأكلون ويشربون ويتنعّمون مملكين ما ينقص من دنياهم ولا من أمرهم «٢» الذي تزعم أنه باطل، وما نرى لكم علينا [ولا] عليهم من فضل.\nقال: وهمّ الملك بتعذيب إلياس وقتله، فلما سمع إلياس ذلك وأحسّ بالشر، رفضه وخرج عنه، فلحق بشواهق الجبال، وعاد «٣» الملك إلى عبادة بعل. فارتقى إلياس أصعب جبل وأشمخه، فدخل مغارة فيه، فيقال: إنه قد بقي فيه سبع سنين شريدا طريدا خائفا يأوي إلى\n_________\n(١) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: لعبد، بدل: يقتل العبد.\n(٢) قوله: ما ينقص من.... أمرهم من عرائس المجالس، وفي المخطوط: ما ينقص دنياهم أمرهم.\n(٣) وهذا يعني أن أجب قد ارتدّ عن إيمانه.","vol":"8","page":160},{"text":"الشعاب والكهوف يأكل من نبات الأرض وثمار الشجر، وهم في طلبه قد وضعوا عليه العيون، يتوقعون أخباره ويجتهدون في أخذه، والله ﷾ يستره ويدفع عنه. فلما تمّ له «١» سبع سنين أذن الله تعالى في إظهاره عليهم وشفاء غيظه منهم، فأمرض الله سبحانه ابنا لأجب- وكان أحبّ ولده إليه، وأعزهم عليه، وأشبههم به- فأدنف حتى يئس منه، فدعا صنمه بعلا- وكانوا قد فتنوا ببعل وعظموه، حتى جعلوا له أربعمائة سادن فوكلوهم به وجعلوهم أمناءه، فكان الشيطان يدخل في جوف الصّنم فيتكلّم بأنواع الكلام، وأربعمائة يصغون بآذانهم إلى ما يقول الشيطان، ويوسوس إليهم الشيطان بشريعة من الضلال فيكتبونها للناس فيعملون بها، ويسمونهم الأنبياء.\nفلما اشتدّ مرض ابن الملك طلب إليهم الملك أن يتشفعوه إلى بعل ويطلبوا لابنه من قبله الشفاء والعافية فدعوه «٢» فلم يجبهم، ومنع الله بقدرته الشيطان عن صنمهم فلم يمكنه الولوج في جوفه ولا الكلام «٣»، وهم مجتهدون في التضرع إليه وهو لا يزداد إلّا خمودا «٤» . فلما طال عليهم ذلك قالوا لأجب: إنّ في ناحية الشام آلهة أخرى، وهي في العظم مثل إلهك، فابعث إليها الأنبياء ليشفعوا لك إليها، فلعلّها أن تشفع لك إلى إلهك بعل، فإنه غضبان عليك، ولولا غضبه عليك لكان قد «٥» أجابك وشفى لك ابنك.\nقال أجب: ومن أجل ماذا غضب عليّ، وأنا أطيعه وأطلب رضاه منذ كنت، لم أسخطه ساعة قط؟ قالوا: من أجل أنك لم تقتل إلياس، وفرطت فيه حتى نجا سليما، وهو كافر بإلهك، يعبد غيره، فذلك الذي أغضبه عليك. قال أجب: وكيف لي أن أقتل إلياس يومي هذا، وأنا مشغول عن طلبه بوجع ابني؟ فليس لإلياس مطلب، ولا يعرف له موضع فيقصد، فلو عوفي ابني تفرّغت لطلبه، ولم يكن لي همّ ولا شغل غيره حتى آخذه فاقتله، فأريح إلهي منه وأرضيه.\nقال: ثم إنه بعث أنبياءه الأربعمائة ليشفعوا إلى الآلهة «٦» . التي بالشام، ويسألوها أن تشفع إلى صنم الملك ليشفي ابنه. فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيال الجبل الذي فيه إلياس، أوحى الله سبحانه إلى إلياس أن يهبط من الجبل ويعارضهم ويستوقفهم ويكلمهم، وقال له: «لا تخف فإني سأصرف عنك شرّهم، وألقي الرّعب في قلوبهم» فنزل إلياس من الجبل، فلما لقيهم استوقفهم، فلما وقفوا، قال لهم: «إنّ الله سبحانه أرسلني إليكم وإلى من وراءكم، فاسمعوا أيّها القوم رسالة ربكم لتبلغوا صاحبكم، فارجعوا إليه وقولوا له: إنّ الله يقول لك: ألست تعلم يا أجب\n_________\n(١) من عرائس المجالس.\n(٢) من عرائس المجالس وفي المخطوط: فدعوهم. [.....]\n(٣) من عرائس المجالس.\n(٤) في عرائس المجالس: لا يزداد بذلك إلّا ألما وجهدا.\n(٥) من عرائس المجالس، وفي المخطوط لقد، بدل لكان قد.\n(٦) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الهون.","vol":"8","page":161},{"text":"أنّي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا إله بني إسرائيل الذي خلقهم ورزقهم وأحياهم وأماتهم، أفجهلك وقلة علمك حملك على أن تشرك بي، وتطلب الشفاء لابنك من غيري ممن لا يملكون لأنفسهم شيئا إلّا ما شئت؟ إنّي حلفت باسمي لأغيظنّك في ابنك ولأميتنه في فوره هذا حتى تعلم أنّ أحدا لا يملك له شيئا دوني» .\nفلما قال لهم هذا رجعوا، وقد ملئوا منه رعبا، فلما صاروا إلى الملك قالوا له ذلك وأخبروه بأن إلياس انحط عليهم وهو رجل نحيف طويل «١»، قد قشف وقحل وتمعط شعره وتقشر جلده، عليه جبّة من شعر وعباءة قد خللها على صدره بخلال، فاستوقفنا، فلما صار معنا قذفت له في قلوبنا الهيبة والرعب، وانقطعت ألسنتنا، ونحن في هذا العدد الكبير وهو واحد، فلم نقدر على أن نكلّمه ونراجعه ونملأ أعيننا منه، حتى رجعنا إليك، وقصّوا عليه كلام إلياس، فقال أجب: لا ينتفع بالحياة ما كان إلياس حيّا، ما الذي منعكم أن تبطشوا به حين لقيتموه وتوثقوه وتأتوني به، وأنتم تعلمون أنه طلبي وعدوّي؟ فقالوا: قد أخبرناك ما الذي منعنا منه ومن كلامه والبطش به. قال أجب: ما يطاق إذن إلياس إلّا بالمكر والخديعة.\nفقيّض له خمسين رجلا من قومه من ذوي القوة والبأس، وعهد إليهم عهده وأمرهم بالاحتيال عليه «٢» والاعتناء به، وأن يطمعوه في أنهم قد آمنوا به هم ومن وراءهم ليستنيم إليهم ويغترّ بهم فيمكنهم من نفسه، فيأتوا به ملكهم. فانطلقوا حتى ارتقوا ذلك الجبل الذي فيه إلياس (﵇)، ثم تفرّقوا فيه وهم ينادونه بأعلى أصواتهم، ويقولون: يا نبي الله ابرز لنا وأشرف «٣» بنفسك فإنا قد آمنا بك وصدقناك، وملكنا أجب وجميع قومنا، وأنت آمن على نفسك، وجميع بني إسرائيل يقرءون عليك السلام ويقولون: قد بلّغتنا رسالة ربك وعرفنا ما قلت وآمنا بك، وأجبناك إلى ما دعوتنا فهلمّ إلينا، فأنت نبينا ورسول ربنا، فأقم بين أظهرنا واحكم فينا، فإنا ننقاد لما أمرتنا وننتهي عما نهيتنا، وليس يسعك أن تتخلف عنا مع إيماننا وطاعتنا، فتداركنا وارجع إلينا، وكلّ هذا كان منهم مماكرة وخديعة.\nفلما سمع إلياس مقالتهم وقعت بقلبه، وطمع في إيمانهم وخاف الله، وأشفق من سخطه إن هو لم يظهر ولم يجبهم بعد الذي سمع منهم، فلمّا أجمع على أن يبرز لهم، رجع إلى نفسه فقال: «لو أنّي دعوت الله ﷾ وسألته أن يعلمني ما في أنفسهم ويطلعني على حقيقة أمرهم»، وذلك أنّ الله سبحانه وفقه وألهمه التوقّف والدعاء والتحرز، فقال: «اللهم إن كانوا صادقين فيما يقولون فائذن لي في البروز إليهم، وإن كانوا كاذبين فاكفنيهم وارمهم بنار تحرقهم» .\n_________\n(١) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: طوال.\n(٢) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: له.\n(٣) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: امنن.","vol":"8","page":162},{"text":"فما استتمّ قوله حتى حصبوا بالنار من فوقهم أجمعين.\nقال: وبلغ أجب وقومه الخبر فلم يرتدع من همه بالسوء، واحتال ثانيا في أمر إلياس، وقيّض فئة أخرى مثل عدد أولئك، أقوى منهم وأمكن من الحيلة والرأي فأقبلوا حتى توغلوا [في] تلك الجبال. متفرقين، وجعلوا ينادون: يا نبي الله إنا نعوذ بالله وبك من غضب الله وسطواته، إنا لسنا كالذين «١» أتوك قبلنا، إنّ أولئك فرقة نافقوا وخالفوا «٢»، فصاروا إليك ليكيدوا بك من غير رأينا ولا علمنا «٣»، وذلك أنهم حسدونا وحسدوك وخرجوا إليك سرا، ولو علمنا بهم لقتلناهم ولكفيناك مؤونتهم، والآن فقد كفاك ربك أمرهم وأهلكهم بسوء نياتهم وانتقم دونك منهم. فلما سمع إلياس مقالتهم دعا الله بدعوته الأولى، فأمطر عليهم النار فاحترقوا عن آخرهم.\nوفي كل ذلك ابن الملك في البلاء الشديد من وجعه كما وعده الله ﷾ على لسان نبيّه إلياس، لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من عذابه، فلما سمع الملك بهلاك أصحابه ثانيا إزداد غضبا إلى غضب، وأراد أن يخرج في طلب إلياس بنفسه إلّا أنه شغله عن ذلك مرض «٤» ابنه، فلم يمكنه، فوجه نحو إلياس الكاتب المؤمن الذي هو كاتب امرأته، رجاء أن يأنس به إلياس، فينزل معه وأظهر للكاتب أنه لا يريد بإلياس سوءا، وإنما أظهر له ذلك لما اطّلع عليه من إيمانه، وأنّ الملك مع اطلاعه على إيمانه كان مغضيا عنه فيه لما هو عليه من الأمانة والكفاءة والحكمة وسداد الرأي والبصر «٥» بالأمور- فلما وجّهه نحوه أرسل معه «٦» فئة من أصحابه، وأوعز إليهم «٧» دون الكاتب أن يوثقوا إلياس ويأتوه به إن أراد التخلف عنهم، وإن جاء مع الكاتب واثقا به آنسا لمكانته لم يوحشوه ولم يرّوعوه. ثم أظهر للكاتب الإنابة، وقال له: إنه قد آن لي أن أتوب واتّعظ، وقد أصابتنا بلايا من حريق أصحابنا، والبلاء الذي فيه ابني، وقد عرفت أنّ ذلك بدعوة إلياس، ولست آمن أن يدعو على جميع من بقي منا فنهلك بدعوته، فانطلق لنا إليه وأخبره أنا قد تبنا وأنبنا، وإنّه لا يصلحنا في توبتنا، وما نريد من رضا ربنا وخلع أصنامنا إلّا أن يكون إلياس بين أظهرنا، يأمرنا وينهانا، ويخبرنا بما يرضي ربنا.\nقال: وأمر قومه فاعتزلوا الأصنام وقال له: أخبر إلياس أنّا قد خلعنا آلهتنا التي كنا نعبد\n_________\n(١) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: كالذي.\n(٢) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: خالفتنا.\n(٣) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: علم.\n(٤) من عرائس المجالس.\n(٥) في عرائس المجالس: البصارة.\n(٦) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: أرسله.\n(٧) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الفئة. [.....]","vol":"8","page":163},{"text":"وأرجأنا أمرها حتى ينزل إلياس إلينا فيكون هو الذي يحرقها ويهلكها، وكان ذلك مكرا من الملك. فانطلق الكاتب والفئة حتى علا الجبل الذي فيه إلياس، ثم ناداه، فعرف إلياس صوته، فتاقت نفسه إليه وأنس به «١»، وكان مشتاقا إلى لقائه.\nقال: وأوحى الله ﷾ إلى إلياس أن انزل إلى أخيك الصالح، فالقه وجدد العهد به. فنزل إليه وسلم عليه وصافحه وقال له: ما الخبر؟ فقال المؤمن: إنه بعثني إليك هذا الجبار الطاغية وقومه، ثم قصّ عليه ما قالوا، ثم قال له: إني لخائف إن رجعت إليه ولست معي أن يقتلني، فمرني بما شئت أفعله وأنتهي إليه، وإن شئت انقطعت إليك فكنت معك وتركته، وإن شئت جاهدته معك، وإن شئت ترسلني إليه بما تحبّ فأبلغه رسالتك، وإن شئت دعوت ربك فجعل لنا من أمرنا فرجا ومخرجا.\nقال: فأوحى الله سبحانه إلى إلياس أنّ كلّ شيء جاءك منهم مكر وكذب ليظفروا بك، وإنّ أجب إن أخبرته رسله أنّك قد لقيت هذا الرجل ولم يأت بك إليه اتهمه وعرف أنه قد داهن «٢» في أمرك فلم يأمن أن يقتله فانطلق معه، فإنّ انطلاقك معه عذره وبراءته عند أجبّ، وإنّي سأشغل عنكما أجب، فأضاعف على ابنه البلاء حتى لا يكون له همّ غيره ثم أميته على شرّ حال، فإذا مات هو فارجع عنه ولا تقم.\nقال: فانطلق معهم حتى قدموا عليه شدّد الله الوجع على ابنه وأخذ الموت يكظمه فشغل الله بذلك أجب وأصحابه عن إلياس، ورجع إلياس سالما إلى مكانه. فلما مات ابن أجب، وفرغوا من أمره وقلّ جزعه، انتبه لإلياس وسأل عنه الكاتب الذي جاء به، فقال: ليس لي به علم وذلك أنه شغلني عنه موت ابنك والجزع عليه ولم أكن أحسبك إلّا وقد استوثقت منه. فأضرب عنه أجب وتركه لما كان فيه من الجزع على ابنه.\nفلما طال الأمر على إلياس ملّ المكث «٣» في الجبال والمقام بها واشتاق إلى العمران والناس، نزل من الجبل وانطلق حتى نزل بامرأة من بني إسرائيل، وهي أمّ يونس بن متّى ذي النون، فاستخفى عندها ستة أشهر ويونس بن متى يومئذ مولود يرضع، وكانت أمّ يونس تخدمه بنفسها وتواسيه بذات يدها ولا تدّخر عنه كرامة تقدر عليها.\nقال: ثم إنّ إلياس سئم ضيق البيوت بعد تعوده فسحة الجبال دوحها فأحبّ اللّحوق بالجبال، فخرج وعاد إلى مكانه، فجزعت أمّ يونس لفراقه [وأوحشها] «٤» فقده ثم لم تلبث إلّا\n_________\n(١) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: بمكانه.\n(٢) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: كاهن.\n(٣) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: الكون.\n(٤) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: وأوحشتها.","vol":"8","page":164},{"text":"يسيرا حتى مات ابنها حين فطمته، فعظمت مصيبتها فيه، فخرجت في طلب إلياس فلم تزل ترقى الجبال وتطوف فيها حتى عثرت عليه ووجدته فقالت له: إني قد فجعت بعدك بموت ابني فعظمت فيه مصيبتي واشتد لفقده بلائي وليس لي ولد غيره فارحمني وادع ربك ﷻ ليحيي لي ابني ويجبر مصيبتي، وإني قد تركته مسجّى لم أدفنه، وقد أخفيت مكانه. فقال لها إلياس: «ليس هذا مما أمرت به، وإنما أنا عبد مأمور أعمل بما يأمرني ربي، ولم يأمرني بهذا» فجزعت المرأة وتضرعت، فأعطف الله سبحانه قلب إلياس لها، فقال لها: «ومتى مات ابنك؟» قالت: منذ سبعة أيام.\nفانطلق إلياس معها وسار سبعة أخرى حتى انتهى إلى منزلها فوجد ابنها يونس بن متّى ميتا منذ أربعة عشر يوما، فتوضأ وصلّى ودعا فأحيا الله يونس بن متّى بدعوة إلياس. فلما عاش وجلس، وثب إلياس وانصرف وتركه وعاد إلى موضع ما كان فيه. فلما طال عصيان قومه ضاق بذلك إلياس ذرعا وأجهده البلاء، قال: فأوحى الله سبحانه إليه بعد سبع سنين وهو خائف مجهود: «يا إلياس ما هذا الحزن والجزع الذي أنت فيه؟ ألست أميني على وحيي، وحجّتي في أرضي، وصفوتي من خلقي؟ فسلني أعطك فإني ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم» قال:\n«تميتني فتلحقني بآبائي فإني قد مللت بني إسرائيل وملّوني، وأبغضتهم فيك وأبغضوني» . فأوحى الله سبحانه إليه: «يا إلياس، ما هذا باليوم الذي أعري منك الأرض وأهلها، وإنما قوامها وصلاحها بك وأشباهك وإن كنتم قليلا، ولكن تسألني فأعطيك» .\nقال إلياس: «فإن لم تمتني يا إلهي فأعطني ثاري من بني إسرائيل» . قال الله سبحانه:\n«وأي شيء تريد أن أعطيك يا إلياس؟» قال: «تمكّنني من خزائن السماء سبع سنين فلا تنشأ عليهم سحابة إلّا بدعوتي، ولا يمطر عليهم سبع سنين قطرة إلّا بشفاعتي، فإنهم لا يذلّهم إلّا ذلك» . قال الله ﷾: «يا إلياس، أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين» . قال: «فستّ سنين» . قال: «أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين» .\nقال: «فخمس سنين» . قال: «أنا أرحم بخلقي من ذلك وإن كانوا ظالمين، ولكنّي أعطيك ثأرك ثلاث سنين، أجعل خزائن المطر بيدك، ولا تنشأ عليهم سحابة إلّا بدعوتك، ولا ينزل عليهم قطرة إلّا بشفاعتك» . قال إلياس: «فبأي شيء أعيش؟» قال: «أسخّر لك جنسا من الطير ينقل إليك طعامك وشرابك من الريف والأرض التي لم تقحط» .\nقال إلياس: «قد رضيت» .\nقال: فأمسك الله عنهم المطر حتى هلكت الماشية والدواب والهوام والشجر، وجهد","vol":"8","page":165},{"text":"الناس جهدا شديدا، وإلياس على حالته مستخف من قومه يوضع له الرزق حيثما كان، وقد عرفه بذلك قومه، فكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في البيت قالوا: لقد دخل إلياس هذا المكان، فطلبوه ولقي منهم أهل ذلك المنزل شيئا.\nقال ابن عباس: أصاب بني إسرائيل ثلاث سنين القحط، فمرّ إلياس بعجوز، فقال لها:\nهل عندك طعام؟ فقالت: نعم، شيء من دقيق وزيت قليل. قال: فدعا بهما ودعا فيه بالبركة ومسّه حتى ملأ جرابها دقيقا وملأ خوابيها زيتا، فلمّا رأى بنو إسرائيل «١» ذلك عندها قالوا: من أين لك هذا؟ قالت: مرّ بي رجل من حاله كذا وكذا فوصفته بصفته، فعرفوه وقالوا: ذلك إلياس، فطلبوه فوجدوه فهرب منهم.\nثم إنه آوى ليلة إلى بيت امرأة من بني إسرائيل لها ابن يقال له: اليسع بن أخطوب وكان «٢» به ضر، فآوته وأخفت أمره، فدعا له فعوفي من الضر الذي كان به، واتّبع اليسع إلياس فآمن به وصدّقه ولزمه، وكان يذهب به حيثما ذهب، وكان إلياس قد أسنّ وكبر، وكان اليسع غلاما شابا.\nثم إن الله سبحانه أوحى إلى إلياس: «إنك قد أهلكت كثيرا من الخلق ممن لم يعص سوى بني إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوام والشجر يحبس المطر من بني إسرائيل» .\nفيزعمون- والله أعلم- أنّ إلياس قال: «يا ربّ دعني أكن أنا الذي أدعو لهم به، وآتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء الذي أصابهم لعلّهم أن يرجعوا وينزعوا عمّا هم عليه من عبادة غيرك» . قيل له: «نعم» .\nفجاء إلياس إلى بني إسرائيل فقال لهم: «إنكم قد هلكتم جوعا وجهدا، وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر لخطاياكم، وإنكم على باطل وغرور، فإن كنتم تحبون أن تعلموا ذلك فاخرجوا بأصنامكم [تلك] «٣» فإن استجابت لكم فذلك كما تقولون، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم، ودعوت الله ففرج عنكم ما أنتم فيه من البلاء» .\nقالوا: أنصفت.\nفخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم ولم يفرّج عنهم ما كانوا فيه من البلاء، ثم قالوا لإلياس (﵇): يا إلياس إنا قد هلكنا فادع الله لنا. فدعا لهم إلياس ومعه اليسع بالفرج عنهم مما هم فيه، وأن يسقوا، فخرجت سحابة مثل الترس على ظهر البحر، وهم ينظرون،\n_________\n(١) قوله: رأى بنو إسرائيل، من عرائس المجالس، وفي المخطوط: رأواه.\n(٢) من عرائس المجالس.\n(٣) في المخطوط: ذلك.","vol":"8","page":166},{"text":"فأقبلت نحوهم وطبقت الآفاق، ثم أرسل الله تعالى عليهم المطر وأغاثهم وحييت بلادهم. فلما كشف الله عنهم الضر نقضوا العهد، ولم ينزغوا عن كفرهم، ولم يقلعوا عن ضلالتهم، وأقاموا على حيث ما كانوا عليه، فلما رأى إلياس ذلك دعا ربه ﷿ أن يريحه منهم، فقيل له- فيما يزعمون- انظر يوم كذا وكذا، فاخرج فيه إلى موضع كذا، فما جاءك من شيء فاركبه ولا تهبه.\nفخرج إلياس ومعه اليسع بن أحطوب، حتى إذا كان بالموضع الذي أمر، أقبل فرس من نار حتى وقف بين يديه، فوثب عليه إلياس، فانطلق به الفرس، فناداه اليسع: يا إلياس، ما تأمرني؟ فقذف إليه بكسائه من الجوّ الأعلى، وكان ذلك علامة استخلافه إياه على بني إسرائيل، فكان ذلك آخر العهد به، ورفع الله سبحانه إلياس من بين أظهرهم، وقطّع عنه لذّة المطعم والمشرب، وكساه الرّيش، فكان إنسيّا ملكيّا، أرضيّا سماويّا، وسلّط الله تعالى على أجب الملك وقومه عدّوا لهم، فقصدهم من حيث لم يشعروا بهم حتى رهقهم، فقتل أجب ملكهم وأزبيل امرأته في بستان مزدكي، فلم تزل جيفتاهما ملقاتين في تلك الجنينة حتى بليت لحومهما ورمت عظامهما.\nونبّأ الله سبحانه بفضله اليسع، وبعثه رسولا إلى بني إسرائيل وأوحى إليه وأيده بمثل ما أيّد به عبده إلياس، فآمنت به بنو إسرائيل، فكانوا يعظّمونه وينتهون إلى أمره، وحكم الله تعالى فيهم قائم إلى أن فارقهم اليسع.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدّثنا الحسن بن عبد العزيز الجدوي عن ضمرة عن السدي بن يحيى عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: إلياس والخضر ﵉ يصومان شهر رمضان بيت المقدس، ويوافيان الموسم في كلّ عام.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا الحسن بن أيوب قال: حدّثنا عبد الله بن أبي زياد قال: حدّثنا يسار قال: حدّثنا بشر بن منصور قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد البصري قال: قال حدّثني العلاء البجلي عن زيد مولى عون الطفاوي عن رجل من أهل عسقلان كان يمشي بالأردن عند نصف النهار، فرأى رجلا فقال: يا عبد الله من أنت؟ قال: فجعل لا يكلمني، قلت: يا عبد الله من أنت؟ قال: «أنا إلياس» قال: فوقعت عليّ رعدة، فقلت: ادع الله يرفع عني ما أجد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك. قال: فدعا لي بثماني دعوات: «يا برّ يا رحيم يا حنان يا منان يا حي يا قيوم»، ودعوتين بالسريانية لم أفهمهما.\nقال: ورفع الله عنّي ما كنت أجد، فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين يدي، قال:\nفقلت له: يوحى إليك اليوم؟ قال: «منذ بعث الله سبحانه محمدا رسولا فإنه ليس يوحي إليّ» قال: قلت له: كم الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: «أربعة، اثنان في الأرض، واثنان في السماء، في","vol":"8","page":167},{"text":"السماء عيسى وإدريس، وفي الأرض إلياس والخضر» . قلت: كم الأبدال؟ قال: «ستون رجلا، خمسون منهم من لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجل بالمصيصية ورجلان بعسقلان وسبعة في سائر البلدان، كلّما أذهب الله بواحد، جاء الله بآخر، بهم يدفع عن الناس وبهم يمطرون» . قلت: فالخضر أين يكون؟ قال: «في جزائر البحر» . قلت: فهل تلقاه؟ قال: «نعم» .\nقلت: أين؟ قال: «بالموسم» قلت: فما يكون من حديثكما؟ قال: «يأخذ من شعري وآخذ من شعره» .\nقال: وذاك حين كان بين مروان بن الحكم وبين أهل الشام القتال، فقلت: فما تقول في مروان بن الحكم؟ قال: «ما تصنع به؟ رجل جبّار عات على الله سبحانه، القاتل والمقتول والشاهد في النار» . قال: قلت: فإني قد شهدت فلم أطعن برمح ولم أرم بسهم ولم أضرب بسيف، وأنا أستغفر الله ﷿ من ذلك المقام أن أعود إلى مثله أبدا.\nقال: «أحسنت، هكذا فكن» .\nقال: فأني وإياه قاعدان، إذ وضع بين يديه رغيفان أشد بياضا من الثلج، أكلت أنا وهو رغيفا وبعض آخر ثم رفع فما رأيت أحدا وضعه ولا أحدا رفعه. قال: وله ناقة ترعى في وادي الأردن، فرفع رأسه إليها فما دعاها حتى جاءت فبركت بين يديه فركبها، قلت: أريد أن أصحبك. قال: «إنك لا تقدر على صحبتي» . قلت: إني خلوّ، ما لي زوجة ولا عيال. قال:\n«تزوج وإياك والنساء الأربع: إياك والناشز والمختلعة والملاعنة والمبارية «١»، وتزوّج ما بدا لك من النساء» . قال: قلت: إني أحبّ لقاءك. قال: «إذا رأيتني فقد لقيتني «٢»»، ثم قال: «إني أريد أن أعتكف في بيت المقدس في شهر الله المبارك رمضان» [١٠٣] .\nقال: ثم حالت بيني وبينه شجرة، فو الله ما أدري كيف ذهب، فذلك قوله ﷿: وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ أتعبدون بَعْلًا؟ وهو اسم صنم لهم كانوا يعبدونها، ولذلك سمّيت مدينتهم بعلبك، وقال مجاهد وعكرمة والسدّي: البعل الرب بلغة أهل اليمن، وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال ابن عباس: وسألت أعرابيا يقول: لآخر: من بعل هذه الناقة؟ يعني صاحبها. قال الفراء: هي بلغة هذيل.\nوَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ، فلا تعبدونه: اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ، قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب بنصب الهاء والبائين على البدل، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم ورواية حفص عن عاصم، وقرأ الآخرون برفعها على الاستئناف.\nفَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ في العذاب والنار إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ من قومه فإنهم\n_________\n(١) في عرائس المجالس: المبرزة.\n(٢) من عرائس المجالس، وفي المخطوط: رأيتني.","vol":"8","page":168},{"text":"[ناجون من النار] «١» وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ قرأ ابن محيص وشيبة سلام على إلياسين موصلا.\nوقرأ ابن عامر ونافع ويعقوب (آل ياسين) بالمدّ. الباقون: إِلْ ياسِينَ بالقطع والقصر، فمن قرأ آل ياسين بالمد، فإنه أراد آل محمد عن بعضهم، وقيل: أراد إلياس، وهو أليق بسياق الآية، ومن قرأ إِلْ ياسِينَ فقد قيل: إنها لغة في إلياس مثل إسماعيل وإسماعين وميكائيل وميكائين، وقال الفراء: وهو جمع، أراد إلياس وأتباعه من المؤمنين كقولهم: الأشعرون والمكيون وقال الكسائي: العرب تثني وتجمع الواحد كقول الشاعر:\nقدني من نصر الخبيبين قدي\nوإنما هو أبو خبيب عبد الله بن الزبير.\nوقال الآخر:\nجزاني الزهدمان جزاء سوء\nوإنما هو زهدم، وفي حرف عبد الله (وإن إدريس لمن المرسلين، وسلام على ادراسين) .\nإِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغابِرِينَ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ، أي على آثارهم ومنازلهم، مُصْبِحِينَ\n: وقت الصباح، وَبِاللَّيْلِ\nأيضا تمرّون، وهاهنا تمّ الكلام، ثم قال أَفَلا تَعْقِلُونَ\n، فتعتبروا؟\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة، والظاهر ما أثبتناه.","vol":"8","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-646>[سورة الصافات (٣٧): الآيات ١٣٩ الى ١٨٢]</span>\nوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)\nلَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ (١٤٨)\nفَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)\nما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٥٧) وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)\nسُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠) فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ (١٦١) ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ (١٦٢) إِلاَّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)\nوَما مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)\nلَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (١٧٣)\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥) أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨)\nوَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩) سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٢)\nوَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ أَبَقَ\n. هرب إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ\n، قال ابن عباس ووهب: كان يونس (﵇) قد وعد قومه العذاب فلما تأخر العذاب عنهم خرج كالمنشور «١» منهم، فقصد البحر وركب السفينة، فاحتبست السفينة، فقال الملّاحون: هاهنا عبد أبق من سيّده، وهذا رسم السفينة إذا كان فيه آبق لا تجري. فاقترعوا، فوقعت القرعة على يونس، فقالوا: ألا نلقيه في الماء؟ واقترعوا ثانيا وثالثا فوقعت القرعة على يونس، فقال: «أنا الآبق» وزجّ نفسه في الماء، فذلك قوله سبحانه: فَساهَمَ\n: فقارع، والمساهمة: إلقاء السهام على جهة القرعة. فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ\nالمقروعين المخلوعين المغلوبين.\nفَالْتَقَمَهُ: فابتلعه والتقمه الْحُوتُ وأوحى الله سبحانه إليه أنّي جعلت بطنك سجنا ولم أجعله لك طعاما، وَهُوَ مُلِيمٌ مذنب، قد أتى بما يلام عليه.\nفَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ المنزّهين الذاكرين لله سبحانه قبل ذلك في حال الرخاء، وقال ابن عباس: من المصلين، وقال مقاتل: من المصلحين المطيعين قبل المعصية، وقال وهب: من العابدين، وقال سعيد بن جبير: يعني قوله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «٢» وقال الحسن: ما كانت له صلاة في بطن الحوت ولكنه قدم عملا صالحا، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ لصار بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة.\nفَنَبَذْناهُ: طرحناه بِالْعَراءِ قال الكلبي: يعني وجه الأرض. مقاتل بن حيان: يعني ظهر الأرض. مقاتل بن سليمان بالبراري من الأرض. الأخفش بالفناء الفراء بالأرض الواسعة.\nالسدّي: بالساحل، وأصل العراء الأرض الخالية عن الشجر والنّبات، ومنه قيل للمتجرد:\nعريان. قال الشاعر:\n[ترك الهام ... بالعراء ... صار للخير حاصر العبقا] «٣»\nوَهُوَ سَقِيمٌ عليل كالفرخ الممغط، واختلفوا في المدة التي لبث يونس (﵇) في بطن الحوت، فقال مقاتل بن حيان: ثلاثة أيام. عطاء: سبعة أيام، ضحاك: عشرين يوما.\nالسدي والكلبي ومقاتل بن سليمان: أربعين يوما.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) سورة الأنبياء: ٨٧.\n(٣) هكذا في الأصل.","vol":"8","page":170},{"text":"وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ أي له، وقيل: عنده، كقوله: لَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ»\nأي عندي شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ قال ابن مسعود: يعني القرع. ابن عباس والحسن ومقاتل هو كل نبت يمتد وينبسط على وجه الأرض، ولا يبقى على الشتاء وليس له ساق نحو القثاء والبطيخ والقرع والحنظل. سعيد ابن جبير: هو كل شيء ينبت ثمّ يموت من عامه، وقيل: هو يفعيل من (قطن بالمكان) إذا أقام به إقامة زائل لا إقامة ثابت، وقال مقاتل بن حيان: وكان يستظل بالشجرة، وكانت وعلة تختلف إليه فيشرب من لبنها، وَأَرْسَلْناهُ يجوز أن يكون من حبسه في بطن الحوت، تقدير الآية وقد أرسلناه، ويجوز أن يكون بعده، ويجوز أن يكون إلى قوم آخرين. إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ قال ابن عباس: معناه ويزيدون، قال الشاعر:\nفلما اشتد أمر الحرب فينا ... تأملنا رياحا أو رزاما «٢»\nأي ورزاما، وقال مقاتل: بل يزيدون.\nواختلفوا في مبلغ الزيادة على مائة ألف فقال ابن عباس ومقاتل: عشرون ألف. الحسن والربيع: بضع وثلاثون ألفا، ابن حيان: سبعون ألفا، فَآمَنُوا عند معاينة العذاب، فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ انقضاء آجالهم.\nفَاسْتَفْتِهِمْ: فسل يا محمد أهل مكة أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ وذلك أن جهينة وبني سلمة بن عبد الدار زعموا أنّ الملائكة بنات الله، أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ: حاضرون خلقنا إياهم، نظيره قوله: أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ «٣» .\nأَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى. قرأ العامة بقطع الألف لأنه ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة على حالها مثل أَسْتَكْبَرْتَ «٤» وأَسْتَغْفَرْتَ «٥» وأَذْهَبْتُمْ «٦» ونحوها.\nوقرأ أبو جعفر ونافع في بعض الروايات (الكاذبون اصطفى) موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، مجازه: لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ ويقولون أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ثم رجع إلى الخطاب: ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَفَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ: برهان بيّن على أنّ الله ولدا فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا\n: فجعلوا\n_________\n(١) سورة الشعراء: ١٤. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٤/ ٢٩٩.\n(٣) سورة الزخرف: ١٩.\n(٤) سورة ص: ٧٥.\n(٥) سورة المنافقون: ٦.\n(٦) سورة الأحقاف: ٢٠.","vol":"8","page":171},{"text":"الملائكة بنات الله، فسمّي الملائكة جنّا لاختبائهم عن الأبصار، هذا قول مجاهد وقتادة، وقال ابن عباس: قالوا لحيّ: من الملائكة- يقال لهم: الجنّ ومنهم إبليس- بنات الله.\nقال الكلبي: قالوا (لعنهم الله): بل تزوّج من الجن فخرج منها الملائكة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وقال الحسن: أشركوا الشيطان في عبادة الله فهو النسب الذي جعلوه.\nوَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ يعني قائلي هذا القول لَمُحْضَرُونَ في النار.\nسُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فإنهم من النار ناجون. فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ يعني الأصنام ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي مع ذلك بِفاتِنِينَ: بمضلّين إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ أي إلّا من هو في علم الله وإرادته سيدخل النار.\nأخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا أبو بكر بن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس عن عمر بن ذر قال: قدمنا على عمر بن عبد العزيز فذكر عنده القدر، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله ألّا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلما من كتاب الله، وجهله من جهله وعرفه من عرفه، ثم قرأ فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ، وقد فصلت هذه الآية بين الناس.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفربابي قال: حدّثنا إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدّثنا أنس بن عياض قال: حدّثني أبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر قال: قال لي عمر بن عبد العزيز (من فيه إلى أذني): ما تقول في الذين يقولون لا قدر؟ قال:\nأرى أن يستتابوا، فإن تابوا وإلّا ضربت أعناقهم. قال عمر بن عبد العزيز: ذلك الرأي فيهم والله لو لم يكن إلّا هذه الآية الواحدة لكفى بها: فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ.\nما مِنَّا إِلَّا لَهُ يعني إلّا من له مَقامٌ مَعْلُومٌ: مكان مخصوص في العبادة. قال ابن عباس: ما في السماوات موضع شبر إلّا وعليه ملك مصلّ أو مسبح، وقال أبو بكر: الوراق:\nإِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ يعبد الله عليه، كالخوف والرجا، والمحبة والرضا، وقال السدي: يعني في القربى والمشاهدة.\nوَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في الصلاة، وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ وَإِنْ كانُوا وقد كادوا يعني أهل مكة لَيَقُولُونَ لام التأكيد: لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ: كتابا مثل كتبهم، لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ فَكَفَرُوا بِهِ فيه اختصار تقديره: فلما أتاهم ذلك الكتاب كفروا به. نظيره قوله: أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ «١» .\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٥٧.","vol":"8","page":172},{"text":"فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ، وهذا وعيد لهم.\nوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ، وهي قوله: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي «١» .\nإِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ قال ابن عباس: يعني الموت، وقال مجاهد: يعني يوم بدر، وقيل: إلى يوم القيامة، وقال مقاتل بن حيان: نسختها آية القتال.\nوَأَبْصِرْهُمْ. أنظر إليهم إذا عدوا، وقيل: أبصر حالهم بقليل، وقيل: انتظرهم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ما أنكروا: أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ وذلك أنّ رسول الله (﵇) لما أوعدهم العذاب، قالوا: مَتى هذَا الْوَعْدُ؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nفَإِذا نَزَلَ العذاب بِساحَتِهِمْ: بناحيتهم وفنائهم فَساءَ: فبئس صَباحُ الْمُنْذَرِينَ:\nالكافرين.\nأخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله الزاهد قال: أخبرنا أبو العباس السراح قال: حدّثنا محمد بن رافع قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمّر عن قتادة عن أنس في قوله: فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ قال: لما أتى النبي صلّى الله عليه خيبر فوجدهم حين خرجوا إلى زرعهم ومعهم مساحيهم، فلما رأوه ومعه الجيش نكصوا، فرجعوا إلى حصنهم، فقال النبي ﵇: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [١٠٤] «٢» .\nوَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ تأكيد للأولى.\nسُبْحانَ رَبِّكَ- إلى آخر السورة-\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال:\nحدّثنا أبو مسلم: حدّثنا محمد بن إسماعيل بن محمد بن أسد بن عبد الله الأصفهاني قال:\nحدّثنا أسيد بن عاصم قال: حدّثنا أبو سفيان بن صالح بن مهران قال: حدّثنا نعمان قال: حدّثنا أبو العوام عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إذا سلمتم عليّ فسلّموا على المرسلين فإنما أنا رسول من المرسلين» «٣» [١٠٥] .\nقال أبو العوام: كان قتادة يذكر هذا الحديث إذا تلا هذه الآية: سُبْحانَ رَبِّكَ إلى آخر السورة.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا مطرف عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد\n_________\n(١) سورة المجادلة: ٢١.\n(٢) كتاب المسند للشافعي: ٣١٨.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٣/ ١٣٩.","vol":"8","page":173},{"text":"الخدري قال: كان رسول الله صلّى الله عليه يقول قبل أن يسلّم: سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا وكيع عن ثابت بن أبي صفية عن الأصبغ بن نباتة عن علي ﵁ قال: «من أحبّ أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن آخر كلامه من مجلسه سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» [١٠٦] «٢» .\n[أخبرنا ابن فنجويه، أخبرنا الحسن المخلدي المقرئ عن أبي الحسن علي بن أحمد عن أبي [عثمان] البصري عن أبي خليفة [الجمحي عن] عبد المؤمن عن إبراهيم بن إسحاق [عن عبد الصمد] عن صالح بن مسافر قال: قرأت على عاصم بن أبي النجود سورة والصافات فلما أتيت على آخرها سكت، فقال: لم؟ اقرأ.\nفقلت: قد ختمت، قال إني فعلت كما فعلت على أبي عبد الرحمن السلمي، فقال أبو عبد الرحمن: كذلك قال لي عليّ وقال لي: قل: آذنتكم بأذانة المرسلين ولتسئلن عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ «٣» .\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ١٠٣.\n(٢) الأذكار النووية: ٢٩٩ ح ٨٨٩.\n(٣) هكذا وجد هذا الخبر في هامش المخطوط.","vol":"8","page":174},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-647>سورة ص</span>\nوهي ثلاثة آلاف وسبعة وستون حرفا، وسبعمائة واثنتان وثلاثون كلمة، وثمانية وثمانون آية.\nمن كتاب ثواب الأعمال: أخبرنا إبراهيم قال: حدّثنا سلام في إسناده قال: ومن قرأ سورة ص كان له من الأجر مثل جبل سخّره الله لداود عشرة حسنات، وعصم من أن يصرّ على ذنب صغير أو كبير «١» .\nحدّثنا إبراهيم بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا أبو الربيع قال: حدّثنا ابن وهب قال:\nحدّثني العطاف بن خلد عن عبد الرّحمن بن حرملة عن برد مولى سعيد بن المسيب: إنّ ابن المسيّب كان لا يدع أن يقرأ كل ليلة ص.\nقال العطاف: فلقيت عمران بن محمّد بن سعيد بن المسيب فسألته عن ذلك.\nقال: بلغني أنّه ما من عبد يقرأها كلّ ليلة إلّا اهتز له العرش.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>[سورة ص (٣٨): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤)\nأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ (٦) ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (٧)\nص قرأ العامة بالجزم، واختلفوا في معناه.\nفقال الكلبي: عن أبي صالح، سئل جابر بن عبد الله وابن عباس عن ص فقالا: لا ندري.\nوقال عكرمة: سأل نافع الأزرق عبد الله بن عباس عن ص فقال: كان بحرا بمكّة وكان عليه عرش الرّحمن، إذ لا ليل ولا نهار.\n_________\n(١) نقله الطبرسي في مجمع البيان: ٨/ ٣٤٠، عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ.","vol":"8","page":175},{"text":"سعيد بن جبير: ص بحر يحيي الله به الموتى بين [النفختين] .\nالضحّاك: صدق الله. مجاهد: فاتحة السّورة. قتادة: اسم من أسماء القرآن. السدّي:\nقسم أقسم الله ﷾ به، وهو اسم من أسماء الله ﷿. وهي رواية الوالبي عن ابن عبّاس.\nمحمد بن كعب القرظي: هو مفتاح أسماء الله، صمد، وصانع المصنوعات، وصادق الوعد.\nوقيل: هو اسم السّورة، وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفّار من القرآن.\nوقرأ الحسن وابن أبي إسحاق: صادِ بخفض الدّال، من المصادّاة، أي عارض القرآن بعملك وقابله به، واعمل بأوامره، وانته عن نواهيه.\nوقرأ عيسى بن عمر صادَ بفتح الدّال، ومثله قافَ ونونَ، لاجتماع السّاكنين، حرّكها إلى أخف الحركات.\nوقيل: على الإغراء.\nوقيل في ص: إنّ معناه صاد محمّد قلوب الخلق واستمالها حتّى آمنوا به.\nوَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ قال ابن عباس ومقاتل: ذي البيان.\nالضحاك: ذي الشرف، دليله قوله ﷿: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ.\nوقيل: ذي ذكر الله ﷿.\nواختلفوا في جواب القسم، فقال قتادة: موضع القسم قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا كما قال سبحانه: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا. وقال الأخفش جوابه قوله: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ كقوله ﷿: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا ... وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ ... إِنْ كُلُّ نَفْسٍ. وقيل:\nقوله: إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ.\nوقال الكسائي: قوله: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ.\nوقيل: مقدم ومؤخر تقديره بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ... وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ.\nوقال الفراء: ص معناها وجب وحقّ، فهي جواب لقوله وَالْقُرْآنِ كما تقول: [نزل] والله.\nوقال القتيبي من قال جواب القسم بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا قال: «بل» إنما تجيء لتدارك كلام ونفي آخر، ومجاز الآية أن الله أقسم ب ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ويعني حمية جاهلية وتكبر.","vol":"8","page":176},{"text":"وَشِقاقٍ يعني خلاف وفراق.\nكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا بالأيمان والاستغاثة عند نزول العقوبة وحلول النقمة بهم.\nوَلاتَ حِينَ مَناصٍ وليس بوقت فرار ولا بر.\nوقال وهب: وَلاتَ بلغة السريانية إذا أراد السرياني أن يقول وليس يقول: ولات.\nوقال أئمة أهل اللغة: وَلاتَ حِينَ مفتوحتان كأنّهما كلمة واحدة، وإنّما هي «لا» زيدت فيها التاء كقولهم: ربّ وربّت، وثمّ وثمّت.\nقال أبو زيد الطائي:\nطلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء «١»\n[وقال] آخر:\nتذكّرت حبّ ليلى لات حينا ... وأمسى الشيب فقطع القرينا «٢»\nوقال قوم: إن التاء زيدت في حين كقول أبي وجزة السعديّ:\nالعاطفون حين ما من عاطف ... والمطعمون زمان ما من مطعم «٣»\nوتقول العرب: تلان بمعنى الآن، ومنه حديث ابن عمر سأله رجل عن عثمان ﵁ فذكر مناقبه ثم قال: اذهب بها تلان إلى أصحابك يريد الآن «٤» .\nوقال الشاعر:\nتولى قبل يوم بين حمانا ... وصلينا كما زعمت تلانا «٥»\nفمن قال: إن التاء مع «لا» قالوا: قف عليه لأن بالتاء [...] «٦» .\nوروى قتيبة عن الكسائي أنّه كان يقف: ولاه، بالهاء، ومثله روي عن أهل مكة، ومن قال: إن التاء مع حين. قالوا: قف عليه ولا، ثم يبتدئ تحين مناص. وهو اختيار أبي عبيد قال: لأني تعمّدت النظر إليه في الأمام مصحف عثمان بن عفان ﵁ عنه فوجدت التاء متصلة مع حين قد ثبتت: «تحين» «٧» .\n_________\n(١) لسان العرب: ١٣/ ٤٠. [.....]\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ٤٦٨.\n(٣) تاج العروس: ٩/ ١٨٨، وتفسير القرطبي: ٥/ ١٤٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٥/ ١٤٧- ١٤٩.\n(٥) لسان العرب: ١٣/ ٤٣.\n(٦) كلمة غير مقروءة.\n(٧) أنظر المصدر السابق.","vol":"8","page":177},{"text":"وقال الفراء: النوص بالنون التأخر، والبوص بالباء التقدم. وجمعهما امرؤ القيس في بيت فقال:\nأمن ذكر ليلى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص «١»\nفمناص مفعل من ناص مثل مقام.\nقال ابن عباس: كان كفار مكة إذا قاتلوا فاضطروا في الحرب قال بعضهم لبعض:\nمناص، أي اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ببدر قالوا: مناص، فأنزل الله سبحانه وَلاتَ حِينَ مَناصٍ.\nوَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا.\nوذلك\nأن عمر بن الخطاب ﵁ أسلم فشق ذلك على قريش وفرح به المؤمنون، فقال الوليد بن المغيرة للملأ من قريش، وهم الصناديد والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم سنّا، وأبو جميل ابن هشام، وأبي وأميّة ابنا خلف، وعمر بن وهب بن خلف، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وعبد الله بن أميّة والعاص بن وائل، والحرث بن قيس، وعدي بن قيس، والنضر بن الحرث، وأبو البحتري بن هشام، وقرط بن عمرو، وعامر بن خالد، ومحرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، والأخنس بن سريق، وحويطب ابن عبد العزى، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، والوليد بن عتبة، وهشام بن عمر بن ربيعة، وسهيل بن عمرو، فقال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب. فأتوا أبا طالب فقالوا له: أنت شيخنا وكبيرنا، وقد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء، وإنّا أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك. فأرسل أبو طالب إلى النبيّ ﷺ فدعاه فقال له: يا ابن أخ هؤلاء قومك يسألونك السواء فلا تمل كل الميل على قومك.\nفقال رسول الله ﷺ: «وماذا يسألوني؟» فقال: يقولون ارفضنا وارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك.\nفقال النبي (﵇): «أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم؟» فقال أبو جهل: لله أبوك لنعطينكها وعشر أمثالها.\nفقال رسول الله ﷺ: «قولوا لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» «٢» [١٠٧] . فنفروا من ذلك وقاموا وقالوا:\nأَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا كيف يسع الخلق كلهم إله واحد.\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ٣/ ١٠٣١.\n(٢) أسباب نزول الآيات: ٢٤٧.","vol":"8","page":178},{"text":"إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ أي عجيب.\nقال مقاتل: بلغة أزد شنوه.\nقال أهل اللغة: العجيب والعجاب واحد كقولك كريم وكرام وكبير وو كبار وطويل وطوال وعريض وعراض وسكين حديد وحداد.\nأنشد الفراء:\nكحلقة من أبي رماح ... تسمعها لاهة الكبار\nوقال آخر:\nنحن أجدنا دونها الضرابا ... إنّا وجدنا ماءها طيابا «١»\nيريد طيبا.\nوقال عباس بن مرداس: تعدوا به سلمية سراعه. أي سريعة.\nوقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعيسى بن عمر: عجّاب بالتشديد. وهو المفرط في العجب.\nفأنشد الفراء:\nآثرت إدلاجي على ليل جرّة ... هضيم الحشا حسانة المتجرد «٢»\nوأنشد أبو حاتم:\nجاءوا بصيد عجّب من العجب ... أزيرق العينين طوال الذنب «٣»\nوَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا يعني إلى أبي طالب فأشكوا إليه ابن أخيه وَاصْبِرُوا واثبتوا عَلى آلِهَتِكُمْ نظيرها في الفرقان لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها «٤» .\nإِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ أي لأمر يراد بنا ما سَمِعْنا بِهذا الذي يقول محمّد فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ.\nقال ابن عبّاس والقرظي والكلبي ومقاتل: يعنون النصرانية، لأن النصارى تجعل مع الله إلها.\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ٥٦٦.\n(٢) لسان العرب: ٢/ ٢٧٢.\n(٣) تاريخ دمشق: ٧/ ٤٢٢ ط. دار الفكر.\n(٤) سورة الفرقان: ٤٢.","vol":"8","page":179},{"text":"وقال مجاهد وقتادة: يعنون ملة قريش، ملة زماننا هذا «١» .\nإِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ القرآن مِنْ بَيْنِنا قال الله ﷿: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي أيّ وحيي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>[سورة ص (٣٨): الآيات ٨ الى ٢١]</span>\nأَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (١٠) جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (١٢)\nوَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (١٤) وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ (١٥) وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ (١٦) اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)\nإِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ (٢٠) وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ (٢١)\nبَلْ لَمَّا أي لم يَذُوقُوا عَذابِ ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ نعمة رَبِّكَ يعني مفاتيح النبوة، نظيرها في الزخرف أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ «٢» أي نبوة ربك الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ أي فليصعدوا في الجبال إلى السماوات، فليأتوا منها بالوحي إلى من يختارون ويشاؤن، وهذا أمر توبيخ وتعجيز.\nوقال الضحاك ومجاهد وقتادة: أراد بالأسباب: أبواب السماء وطرقها.\nجُنْدٌ أي هم جند ما هُنالِكَ أي هنالك و(ما) صلة مَهْزُومٌ مغلوب، ممنوع عن الصعود إلى السماء مِنَ الْأَحْزابِ أي من جملة الأجناد.\nوقال أكثر المفسرين: يعني أن هؤلاء الملأ الذين يقولون هذا القول، جند مهزوم مقهور وأنت عليهم مظفر منصور.\nقال قتادة: وعده الله ﷿ بمكة أنّه سيهزمهم، فجاء تأويلها يوم بدر من الأحزاب، أيّ كالقرون الماضية الذين قهروا وأهلكوا، ثم قال معزّا لنبيه ﷺ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ قال ابن عبّاس: ذو البناء المحكم.\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ١٥/ ١٥٢.\n(٢) سورة الزخرف: ٣٢. [.....]","vol":"8","page":180},{"text":"وقال القتيبي: والعرب تقول: هم في عز ثابت الأوتاد، وملك ثابت الأوتاد. يريدون أنّه دائم شديد، وأصل هذا أن البيت من بيوتهم بأوتاده.\nقال الأسود بن يعفر: في ظل ملك ثابت الأوتاد.\nوقال الضحاك: ذو القوة والبطش.\nوقال الحلبي ومقاتل: كان يعذب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحمد مدّه مستلقيا بين أربعة أوتاد كل رجل منه إلى سارية وكل يد منه إلى سارية، فيتركه كذلك في الهواء بين السماء والأرض حتّى يموت.\nوقال مقاتل بن حيان: كان يمد الرجل مستلقيا على الأرض ثم يشده بالأوتاد.\nوقال السدي: كان يمد الرجل ويشده بالأوتاد ويرسل عليه العقارب والحيّات.\nوقال قتادة وعطاء: كانت له أوتاد وأرسال وملاعب يلعب عليها بين يديه.\nوَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ إِنْ كُلٌّ ما كل منهم إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ فوجب عليهم ونزل بهم عذابي\nوَما يَنْظُرُ ينتظر هؤُلاءِ يعني كفار مكة إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً وهي نفخة القيامة.\nوقد روي هذا التفسير مرفوعا إلى النبي (﵇) .\nما لَها مِنْ فَواقٍ.\nقال ابن عبّاس وقتادة: من رجوع. الوالبي: يزداد. مجاهد: نظرة. الضحاك: مستوية.\nوفيه لغتان: (فُواقٍ) بضم الفاء وهي لغة تميم، وقراءة يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. و(فَواقٍ) بالفتح وهي لغة قريش، وقراءة سائر القرّاء واختيار أبي عبيد.\nقال الكسائي: هما لغتان بمعنى واحد، كما يقال حمام المكوك وحمامه، وقصاص الشعر وقصاصه. وفرّق الآخرون بينهما.\nقال أبو عبيدة والمؤرخ: بالفتح بمعنى الراحة والإفاقة كالجواب من الإجابة، ذهبا به إلى إفاقة المريض من علته، و(الفواق) بالضم ما بين الحلبتين، وهو أن يحلب الناقة ثم تترك ساعة حتّى يجتمع اللبن فما بين الحلبتين فواق. فاستعير في موضع الانتظار مدة يسيرة.\nقال رسول الله ﷺ: «من رابط فواق ناقة في سبيل الله حرّم الله جسده على النار» «١» [١٠٨] .\n_________\n(١) الجامع الصغير للسيوطي: ٢/ ٦٠٣ ح ٨٦٩٢، كنز العمال: ٤/ ٣٠٧ ح ١٠٦٣٤.","vol":"8","page":181},{"text":"وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ.\nقال سعيد بن جبير عن ابن عبّاس: يعني كتابنا.\nوعنه أيضا: القط الصحيفة التي أحصت كل شيء.\nقال أبو العالية والكلبي: لمّا نزلت في الحاقة فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ «١»، وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ «٢» .\nقالوا على جهة الاستهزاء: (عَجِّلْ لَنا قِطَّنا) يعنون كتابنا عجّله لنا في الدّنيا.\nقَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ.\nوقال الحسن وقتادة ومجاهد والسدي: يعني عقوبتنا وما كتب لنا من العذاب.\nقال عطاء: قاله النضر بن الحرث، وهو قوله: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ»\nوهو الذي قال الله سبحانه سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ «٤» قال عطاء: لقد نزلت فيه بضع عشرة آية من كتاب الله ﷿.\nوقال سعيد بن جبير: يعنون حظنا ونصيبنا من الجنّة التي تقول.\nقال الفراء: القطّ في كلام العرب الحظ، ومنه قيل للصك قطّ «٥» .\nوقال أبو عبيدة والكسائي: القطّ الكتاب بالجوائة.\nقال الأعشى:\nولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق «٦»\nيعني كتب الجوائز أيّ بفضل وبعلو، يقال فرس أفق وناقة أفقه إذا كانا كريمين، وفضّلا على غيرهما.\nوقال مجاهد: قِطَّنا حسابنا، ويقال لكتاب الحساب: قطّ، وأصل الكلمة من الكتابة.\nفقال الله سبحانه لنبيه (﵇): اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ ذا القوة في العبادة إِنَّهُ أَوَّابٌ مطيع.\n_________\n(١) سورة الحاقة: ١٩.\n(٢) سورة الحاقة: ٢٥.\n(٣) سورة الأنفال: ٣٢.\n(٤) سورة المعارج: ١.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٥/ ١٥٧، وفتح القدير: ٤/ ٤٢٤.\n(٦) الصحاح للجوهري: ٣/ ١١٥٤.","vol":"8","page":182},{"text":"عن ابن عبّاس: رجّاع إلى التوبة.\nعن الضحاك، سعيد بن جبير: هو المسبّح بلغة الحبش «١» .\nأخبرني الحسين بن محمّد الدينوري قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا أبو العبّاس عبد الله بن جعفر بن أحمد بن [فارس] ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن القاسم قال: حدثنا عمرو بن حصين قال: حدثنا الحسين بن عمرو عن أبي بكر الهذلي عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «الزرقة يمن وكان داود النبي (﵇) أزرق» «٢» [١٠٩] .\nإِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بتسبيحه.\nقال ابن عبّاس: وكان يفهم تسبيح الحجر والشجر.\nبِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن شنبه قال: حدثنا الحسين بن يحيويه قال: حدثنا أبو أميّة محمّد بن إبراهيم قال: حدثنا الحجاج بن نصير قال: حدثنا أبو بكر الهذلي عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: كنت أمرّ بهذه الآية لا أدري ما العشي والإشراق، حتّى حدثتني أم هاني بنت أبي طالب أن رسول الله (﵇) دخل عليها فدعا بوضوء فتوضأ، ثم صلى الضحى وقال: «يا أم هاني هذه صلاة الإشراق» [١١٠] «٣» .\nروى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: لم يزل في نفسي [من] صلاة الضحى شيء حتّى طلبتها في القرآن فوجدتها في هذه الآية يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ.\nقال عكرمة: وكان ابن عبّاس لا يصلي صلاة الضحى ثم صلّى بعدها.\nوروي أن كعب الأحبار قال لابن عبّاس ﵄: إني لأجد في كتاب الله صلاة بعد طلوع الشمس.\nفقال ابن عبّاس: أنا أوجدك ذلك في كتاب الله في قصة داود يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ وليس الإشراق طلوع الشمس، إنّما هو صفاؤها وضوؤها.\nوَالطَّيْرَ أيّ وسخّرنا له الطير مَحْشُورَةً مجموعة كُلٌّ لَهُ أيّ لداود أَوَّابٌ مطيع وَشَدَدْنا مُلْكَهُ أيّ قوّيناه.\n_________\n(١) فتح القدير: ٤/ ٤٢٧، والدر المنثور: ٥/ ٢٩٨.\n(٢) انظر: الجامع الصغير: ٢/ ٣٣، وتفسير القرطبي: ٦/ ١٧.\n(٣) مسند الحميدي: ١/ ١٦٠، مسند ابن راهويه: ٥/ ١٩.","vol":"8","page":183},{"text":"وقرأ الحسن: وشدّدنا بتشديد الدال.\nقال ابن عبّاس: كان أشد ملوك الأرض سلطانا كان يحرس محرابه كل ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل، فذلك قوله وَشَدَدْنا مُلْكَهُ بالحرس.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد بن الحسن قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا محمّد بن الفضل قال: حدثنا داود بن أبي الفرات عن عليّ بن أحمد عن عكرمة عن ابن عبّاس: أن رجلا من بني إسرائيل استعدى على رجل من عظمائهم، فاجتمعا عند داود النبي فقال المستعدي: ان هذا غصبني بقرتي.\nفسأل داود الرجل عن ذلك فجحده، وسأل الآخر البيّنة فلم يكن له بيّنة. فقال لهما داود:\nقوما حتى أنظر في أمركما.\nفقاما من عنده، فأوحى الله سبحانه إلى داود (﵇) في منامه: أن يقتل الرجل الذي استعدي عليه.\nفقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتّى أتثبت.\nفأوحى الله سبحانه إليه مرة أخرى أن يقتله. فلم يفعل، فأوحى الله ﷾ إليه الثالثة: أن يقتله أو تأتيه العقوبة من الله، فأرسل داود إلى الرجل فقال له: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك.\nفقال له الرجل: تقتلني بغير بيّنة ولا ثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفذن أمر الله فيك.\nفلمّا عرف الرجل أنّه قاتله قال: لا تعجل حتّى أخبرك أني والله ما أخذت بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت والد هذا فقتلته، فلذلك أخذت.\nفأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبته في بني إسرائيل عند ذلك لداود، واشتد به ملكه فهو قوله سبحانه: وَشَدَدْنا مُلْكَهُ.\nوَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ يعني النبوة والإصابة في الأمور. وقال أبو العالية: العلم الذي لا تردّه العقول.\nوَفَصْلَ الْخِطابِ قال ابن عبّاس: بيان الكلام.\nوقال الحسن والكلبي وابن مسعود ومقاتل وأبو عبد الرحمن السلمي: يعني علم الحكم والبصر بالقضاء، كأن لا يتتعتع في القضاء بين الناس، وهي إحدى الروايات عن ابن عبّاس.\nوقال علي بن أبي طالب: هو البيّنة على المدّعى واليمين على من أنكر.","vol":"8","page":184},{"text":"وأخبرنا أبو حفص عمر بن أحمد بن محمّد بن عمر الجوري قال: أخبرنا أبو بكر بالويه بن محمّد بن بالويه المربتاني بها، قال: حدثنا محمّد بن حفص الحوني قال: حدثنا نصر بن علي الخميصمي قال: أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا شريك عن الأعمش عن أبي صالح عن كعب في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان.\nأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن يحيى قال:\nحدثنا وهب بن جرير قال: أخبرنا [شعبة] عن الحكم عن شريح في قوله وَفَصْلَ الْخِطابِ قال: الشهود والإيمان. وهو قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدثنا أحمد بن محمّد أبي شيبة قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم البغوي قال: حدثنا إسحاق بن يوسف الأزرق عن زكريا يعني ابن أبي زائدة عن [السبيعي] قال: سمعت زيادا يقول: فَصْلَ الْخِطابِ الذي أعطي داود، أما بعد وهو أوّل من قالها.\nوَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ الآية. اختلف العلماء بأخبار الأنبياء في سبب امتحان الله سبحانه نبيّه داود بما امتحنه به من الخطيئة.\nفقال قوم: كان سبب ذلك أنه تمنى يوما من الأيام على ربّه ﷿ منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب (﵈) وسأله أن يمتحنه نحو الذي كان امتحنهم، ويعطيه من الفضل نحو الذي كان أعطاهم.\nوروى السدي والكلبي ومقاتل: عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا: كان داود قد قسّم الدهر ثلاثة أيام: يوما يقضي فيه بين الناس، ويوما يخلوا فيه لعبادة ربّه، ويوما يخلوا فيه لنسائه وأشغاله. وكان يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال:\nيا رب أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي.\nفأوحى الله ﷿ إليه: أنهم ابتلوا ببلاء ما لم تبتل بشيء من ذلك فصبروا عليها. ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه، وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره، وابتلى يعقوب بالحزن على يوسف. وأنك لم تبتل بشيء من ذلك.\nفقال داود: ربّ فابتلني بمثل ما ابتليتهم وأعطني مثل ما أعطيتهم.\nفأوحى الله سبحانه إليه: أنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا واحترس.\nفلمّا كان ذلك اليوم الذي وعده الله تعالى، دخل داود محرابه وأغلق بابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور، فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فمدّ يده ليأخذها ويدفعها إلى ابن صغير له، فلما أهوى إليها","vol":"8","page":185},{"text":"طارت غير بعيد، من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت، فتبعها فطارت حتّى وقعت في كوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فنظر داود أين تقع، فبعث إليها من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل، هذا قول الكلبي.\nوقال السدي: رآها تغتسل على سطح لها، فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا، فتعجب داود من حسنها وحانت منها التفاتة وأبصرت ظله، فنفضت شعرها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها فسأل عنها. فقيل: هي تشايع بنت شايع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود.\nفكتب داود إلى ابن أخته أيوب صاحب بعث البلقاء: أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدّمه قبل التابوت وكان من قدّم على التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتّى يفتح الله سبحانه على يديه أو يستشهد، فبعثه وقدّمه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا. فبعثه ففتح له، فكتب إلى داود بذلك، فكتب إليه أيضا: أن ابعثه إلى عدو كذا أشدّ منه بأسا. فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلمّا انقضت عدّة المرأة تزوّجها داود فهي أم سليمان «١» .\nوقال آخرون: سبب امتحانه أن نفسه حدثته أنّه يطيق قطع يوم بغير مقارفة.\nوهو ما أخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أحمد بن الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا سعيد عن مطر عن الحسن قال: إن داود جزّأ الدهر أربعة أجزاء: يوما لنسائه، ويوما للعبادة، ويوما للقضاء بين بني إسرائيل، ويوما لبني إسرائيل يذاكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه.\nقال: فلما كان يوم بني إسرائيل ذكروا فقالوا: هل يأتي على الإنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا؟\nفأضمر داود في نفسه أنه سيطبق ذلك، فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد، وأكبّ على قراءة التوراة، فبينما هو يقرأ إذ حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن قد وقعت بين يديه، فأهوى إليها ليأخذها، فطارت فوقعت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها، فما زال يتبعها حتّى أشرف على امرأة تغتسل فأعجبه خلقها وحسنها، فلمّا رأت ظله في الأرض جللت نفسها بشعرها، فزاده ذلك بها إعجابا، وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه، فكتب إليه أن أسر إلى مكان كذا وكذا مكانا، إذا سار إليه قتل ولم يرجع ففعل فأصيب، فخطبها داود فتزوجها «٢» .\n_________\n(١) هذه القصة الخرافة التي يجل الله عنها أولياءه فضلا عن أنبيائه، وردت في تفسير الطبري: ٢٣/ ١٧٥، وتاريخ الطبري: ١/ ٣٣٨، ومستدرك الحاكم: ٢/ ٥٨٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٣/ ١٧٦، تفسير القرآن للصنعاني: ٣/ ١٦١.","vol":"8","page":186},{"text":"وقال بعضهم: في سبب ذلك ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد قال: حدثنا مخلد ابن جعفر الباقرجي قال: حدثنا الحسين بن علوية قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثنا إسحاق قال: حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن قال: قال داود لبني إسرائيل حين ملك: والله لأعدلن بينكم، فلم يستثن فابتلي به «١» .\nوقال أبو بكر محمّد بن عمر الوراق: كان سبب ذلك أن داود (﵇) كان كثير العبادة فأعجب بعلمه فقال: هل في الأرض أحد يعمل عملي؟\nفأتاه جبرئيل فقال: ان الله ﷿ يقول: أعجبت بعبادتك والعجب يأكل العبادة، فإن أعجبت ثانيا وكلتك إلى نفسك.\nقال: يا رب كلني إلى نفسي سنة.\nقال إنها لكثيرة.\nقال: فساعة.\nقال: شأنك بها.\nفوكل الأحراس ولبس الصوف ودخل المحراب ووضع الزبور بين يديه، فبينا هو في نسكه وعبادته إذ وقع الطائر بين يديه وكان من أمر المرأة ما كان.\nقالوا: فلمّا دخل داود بامرأة أوريا لم تلبث إلّا يسيرا حتّى بعث الله سبحانه ملكين في صورة إنسيين فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه في يوم عبادته فمنعهما الحرس أن يدخلا عليه، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلّا وهو بهما بين يديه جالسين «٢»، فذلك قوله:\nوَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا وإنّما جعلوا جمع الفعل، لأن الخصم اسم يصلح للواحد والجميع والإثنين والمذكر والمؤنث.\nقال لبيد:\nوخصم يعدون الدخول كأنهم ... قروم غيارى كل أزهر مصعب «٣»\nوقال آخر:\nوخصم عضاب ينفضون لحاهم ... كنفض البراذين العراب المخاليا «٤»\n_________\n(١) زاد المسير: ٦/ ٣٢٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٣/ ١٧٥. [.....]\n(٣) لسان العرب: ١٢/ ١٨٠.\n(٤) فتح القدير: ٤/ ٤٢٥.","vol":"8","page":187},{"text":"وإنّما جمع وهما اثنان، لأن معنى الجمع ضم شيء إلى شيء فالاثنان فما فوقهما جماعة، كقوله ﷿ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٢ الى ٢٨]</span>\nإِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ (٢٢) إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ (٢٣) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ (٢٤) فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦)\nوَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)\nإِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ قال الفراء: قد كرر إذ مرتين، ويكون معناهما كالواحد، كقولك:\nضربتك إذ دخلت علي إذ اجترأت، فالدخول هو الاجتراء، ويجوز أن يجعل إحداهما على مذهب لما.\nفَفَزِعَ مِنْهُمْ حين همّا عليه محرابه بغير إذنه.\nقالُوا لا تَخَفْ يا داود خَصْمانِ أي نحن خصمان بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ ولا تجز، عن ابن عبّاس والضحاك.\nوقال السدي: لا تسرف. المؤرخ: لا تفرط.\nوقرأ أبو رجاء العطاردي: وَلا تَشْطُطْ بفتح التاء وضم الطاء الأولى، والشطط والأشطاط مجاوزة الحد، وأصل الكلمة من حدهم شطت الدار، وأشطت إذا بعدت.\nوَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ أيّ وسط الطريق، فإن قيل: كيف قال: إِنَّ هذا أَخِي فأوجب الأخوة بين الملائكة ولا مناسبة بينهم، لأنهم لا ينسلون.\nفي الجواب: أن معنى الآية: نحن لخصمين كما يقال وجهه: القمر حسنا، أيّ كالقمر.\nقال أحد الخصمين إِنَّ هذا أَخِي على التمثيل لا على التحقيق، على معنى كونهما على طريقة واحدة وجنس واحد، كقوله سبحانه: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ وقد قيل: إن المتسورين كانا أخوين من بني إسرائيل لأب وأم، وإن أحدهما كان ملكا والآخر لم يكن ملكا، فنبها داود على ما فعل.\n_________\n(١) سورة التحريم: ٤.","vol":"8","page":188},{"text":"لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ وهذا من أحسن التعريض، حتّى كنّى بالنعاج عن النساء.\nوالعرب تفعل ذلك كثيرا توري عن النساء بالظباء والشاة والبقر وهو كثير وأبين في أشعارهم.\nقال الحسن بن الفضل: هذا تعريض التنبيه والتفهيم، لأنه لم يكن هناك نعاج ولا بغي، وإنما هو كقول الناس ضرب زيد عمرا، وظلم عمرو زيدا، واشترى بكر دارا وما كان هناك ضرب ولا ظلم ولا شراء.\nفَقالَ أَكْفِلْنِيها. قال ابن عبّاس: أعطنيها.\nابن جبير عنه: تحوّل لي عنها.\nمجاهد: أنزل لي عنها.\nأبو العالية: ضمها إليّ حتّى أكفلها.\nابن كيسان: اجعلها كفلي، أي نصيبي.\nوَعَزَّنِي وغلبني فِي الْخِطابِ.\nقال الضحاك: إن تكلم كان أفصح مني، وإن حارب كان أبطش مني.\nوقرأ عبيد بن عمير: وعازني في الخطاب بالألف من المعاز وهي المغالبة.\nفقال داود: قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ فإن قيل: كيف جاز لداود أن يحكم وهو لم يسمع كلام الخصم الآخر؟\nقيل: معنى الآية أن أحدهما لمّا ادّعى على الآخر عرّف له صاحبه، فعند اعترافه فصل القضية بقوله: (لَقَدْ ظَلَمَكَ) فحذف الاعتراف، لأن ظاهر الآية دال عليه، كقول العرب: أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال.\nوقال الشاعر:\nتقول ابنتي لما رأتني شاحبا ... كأنك سعيد يحميك الطعام طبيب «١»\nتتابع أحداث تخر من إخوتي ... فشيّبن رأسي والخطوب تشيب «٢»\nوَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ الشركاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فليسوا كذلك وَقَلِيلٌ ما هُمْ ودليل ما ذكرنا من التأويل.\n_________\n(١) زاد المسير: ٣/ ١٢٩، وتاريخ دمشق: ٢٧/ ٢٦٧ بتفاوت في الصدر.\n(٢) زاد المسير: ٣/ ١٢٩.","vol":"8","page":189},{"text":"ما قاله السدي، بإسناده: إن أحدهما لما قال: إِنَّ هذا أَخِي الآية فقال داود للآخر: ما تقول؟ فقال إن لي تسعا وتسعين نعجة، ولأخي هذا نعجة واحدة، وأنا أريد ان آخذها منه فأكمل نعاجي مائة. قال: وهو كاره.\nقال: إذا لا ندعك وذلك، وإن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا وهذا يعني طرف الأنف وأصله الجبهة.\nفقال: يا داود أنت أحق أن يضرب منك هذا وهذا، حيث لك تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلّا امرأة واحدة، فلم تزل به تعرضه للقتل حتّى قتل وتزوجت امرأته.\nقال: فنظر داود فلم ير أحدا، فعرف ما قد وقع فيه «١»، فذلك قوله سبحانه: وَظَنَّ وأيقن داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ ابتليناه.\nقال سعيد بن جبير: إنما كانت فتنة داود النظر.\nقلت: ولم يتعمد داود النظر إلى المرأة، ولكنه أعاد النظر إليها فصارت عليه.\nفهذه أقاويل السلف من أهل التفسير في قصة امتحان داود.\nوقد روى عن الحرث الأعور عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: من حدّث بحديث داود على ما روته القصاص معتقدا صحته جلدته حدّين لعظيم ما ارتكب وجليل ما احتقب من الوزر والإثم، برمي من قد رفع الله ﷾ محله، وأبانه رحمة للعالمين وحجة للمهتدين.\nفقال القائلون بتنزيه المرسلين في هذه القصة: إن ذنب داود لما كان أنه تمنى أن تكون له امرأة أوريا حلالا له وحدث نفسه بذنب، واتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب وهلاكه، فلما بلغه قتله لم يجزع عليه ولم يتوجع له، كما جزع على غيره من جنده إذا هلك، ثم تزوج امرأته، فعاتبه الله سبحانه على ذلك، لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله ﷾.\nوقال بعضهم: كان ذنب داود أن أوريا كان قد خطب تلك المرأة ووطّن نفسه عليها، فلما غاب في غزاته خطبها داود فزوجت منه لجلالته، فاغتم لذلك أوريا غما شديدا، فعاتبه الله تعالى على ذلك حيث لم تزل هذه الواحدة لخاطبها الأول، وقد كانت عنده تسع وتسعون امرأة.\nوممّا يصدق ما ذكرنا [ما] قيل عن المفسرين المتقدمين، ما\nأخبرني عقيل بن محمّد بن أحمد الفقيه: أن المعافي بن زكريا القاضي ببغداد أحمد بن زكريا أخبره عن محمّد بن جرير قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرني ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة عن أبي صخر\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٣/ ١٧٦، وتاريخ الطبري: ١/ ٣٣٩.","vol":"8","page":190},{"text":"عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك سمعه يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن داود النبيّ حين نظر إلى المرأة وأهم، قطع على بني إسرائيل، وأوصى صاحب البعث فقال: إذا حضر العدو فقرّب فلانا بين يدي التابوت، وكان التابوت في ذلك الزمان يستنصر به من قدم بين يدي التابوت وكان التابوت لم يرجع حتّى يقتل أو ينهزم عنه الجيش، فقتل زوج المرأة ونزل المكان يقصان عليه قصته، ففطن داود فسجد، فمكث أربعين ليلة ساجدا حتّى نبت الزرع من دموعه وأكلت الأرضة من جبينه، وهو يقول في سجوده: ربّ زلّ داود زلة أبعد ممّا بين المشرق والمغرب، ربّ إن لم ترحم ضعف داود وتغفر ذنبه جعلت ذنبه حديثا في الخلوف من بعده.\nفجاءه جبرئيل (﵇) من بعد أربعين ليلة فقال: يا داود إن الله غفر لك الهمّ الذي هممت به.\nفقال داود: عرفت أن الربّ قادر على أن يغفر لي الهمّ الذي هممت به، وقد عرفت أن الله عدل لا يميل، فكيف بفلان إذا جاء يوم القيامة فقال: ربّ دمي الذي عند داود؟\nفقال جبرئيل: ما سألت ربك عن ذلك، ولئن شئت لأفعلن.\nقال: نعم.\nفعرج جبرئيل وسجد داود فمكث ما شاء الله ثم نزل، فقال: قد سألت الله تعالى يا داود عن الذي أرسلتني فيه فقال: قل لداود إن الله يجمعكما يوم القيامة فيقول له هب [لي] دمك الذي عند داود. فيقول: هو لك يا رب. فيقول: فإن لك في الجنّة ما شئت وما اشتهيت عوضا» «١» [١١١] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا الباقرجي قال: حدثنا الحسن بن علوية قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدثنا إسحاق بن بشير قال: أخبرنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: وأخبرنا سعيد بن بشير وعصمة بن حداس القطعي، عن قتادة عن الحسن وابن سمعان، عمن يخبره عن كعب الأحبار قال: وأخبرني أبو الياس عن وهب بن منبه قالوا جميعا:\nإن داود لما دخل عليه الملكان فقضى على نفسه، فتحولا في صورتهما فعرجا وهما يقولان:\nقضى الرجل على نفسه. وعلم داود إنه عني به، فخر ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلّا لحاجة ولوقت صلاة مكتوبة، ثم يعود ساجدا ثم لا يرفع رأسه إلّا لحاجة لا بدّ منها، ثم يعود ويسجد تمام أربعين يوما، لا يأكل ولا يشرب وهو يبكي حتّى نبت [الزرع] حول رأسه وهو ينادي ربّه ﷿ ويسأله التوبة، وكان يقول في سجوده:\nسبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، سبحان الحائل\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٣/ ١٧٩.","vol":"8","page":191},{"text":"بين القلوب، سبحان خالق النور، إلهي خليت بيني وبين عدوي إبليس، فلم أقم لفتنته إذ نزلت بي، سبحان خالق النور، إلهي تبكي الثكلى على ولدها إذا فقدته وداود يبكي على خطيئته، سبحان خالق النور، إلهي لم اتعظ بما وعظت به غيري، سبحان خالق النور، إلهي أنت خلقتني، وكان في سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي يغسل الثوب فيذهب درنه ووسخه والخطيئة لازمة بي لا تذهب عني، سبحان خالق النور، إلهي أمرتني أن أكون لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الرحيم فنسيت عهدك، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف عنه الغطاء فيقال: هذا داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عينين أنظر بهما إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، إلهي بأي قدم أقوم بها أمامك يوم تزول أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور، إلهي ويل للخاطئين يوم القيامة من سوء الحساب، سبحان خالق النور، إلهي مضت النجوم وكنت أعرفها بأسمائها، فتركتني والخطيئة لازمة بي، سبحان خالق النور، إلهي من أين تطلب المغفرة إلّا من عند سيده، سبحان خالق النور، إلهي مطرت السماء ولم تمطر حولي، سبحان خالق النور، إلهي أعشبت الأرض ولم تعشب حولي بخطيئتي، سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق حرّ شمسك فكيف أطيق حرّ نارك، سبحان خالق النور، إلهي أنا الذي لا أطيق صوت رعدك فكيف أطيق صوت جهنم، سبحان خالق النور، إلهي كيف يستتر الخاطئون بخطاياهم دونك وأنت شاهدهم حيث كانوا، سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وجمدت العينان من مخافة الحريق على جسدي، سبحان خالق النور، إلهي الطير تسبّح لك بأصوات ضعاف تخافك وأنا العبد الخاطئ الذي لم ارع وصيتك، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود من الذنب العظيم الذي أصاب، سبحان خالق النور، إلهي أنت المغيث وأنا المستغيث فمن يدعوا المستغيث إلّا المغيث، سبحان خالق النور، إلهي قد تعلم سري وعلانيتي فاقبل عذري، سبحان خالق النور.\nاللهمّ إني أسألك إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، أن تعطيني سؤلي فإن إليك رغبتي، سبحان خالق النور، اللهم برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك لهواني، سبحان خالق النور، اللهمّ إني أعوذ بك من دعوة لا تستجاب وصلاة لا تتقبّل وذنب لا يغفر وعذر لا يقبل، سبحان خالق النور، إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني، سبحان خالق النور، فررت إليك بذنوبي وأعترف بخطيئتي، فلا تجعلني من القانطين ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وجمدت الدموع وتناثر الدود من ركبتي وخطيئتي الزم بي من جلدي، سبحان خالق النور.\nقال: فأتاه نداء: يا داود أجائع أنت فتطعم، أظمآن أنت فتسقى، أمظلوم أنت فتنصر؟\nولم يجبه في ذكر خطيئته بشيء، فصاح صيحة هاج ما حوله ثم نادى: يا رب الذنب الذنب الذي أصبته.","vol":"8","page":192},{"text":"ونودي: يا داود ارفع رأسك فقد غفرت لك.\nفلم يرفع رأسه حتّى جاء جبرئيل (﵇) فرفعه.\nقال وهب: إن داود (﵇) أتاه نداء: أني قد غفرت لك.\nقال: يا رب كيف وأنت لا تظلم أحدا.\nقال: اذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداك فتحلل منه.\nقال: فانطلق حتّى أتى قبره وقد لبس المسوح حتّى جلس عند قبره ثم نادى: يا أوريا.\nفقال: لبيك من هذا الذي قطع عليّ لذتي وايقظني؟\nقال: أنا داود.\nقال: ما جاء بك يا نبي الله؟\nقال: أسألك أن تجعلني في حل ممّا كان مني إليك! قال: وما كان منك إليّ؟\nقال: عرضتك للقتل.\nقال: عرضتني للجنّة وأنت في حلّ.\nفأوحى الله تعالى إليه: يا داود ألم تعلم أنّي حكم عدل لا أقضي بالتعنت والتغرير، ألا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته.\nقال: فرجع إليه فناداه فأجابه.\nفقال: من هذا الذي قطع عليّ لذتي؟\nقال: أنا داود.\nقال: يا نبي الله أليس قد عفوت عنك؟\nقال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك وتزوجتها.\nقال: فسكت فلم يجبه، ودعاه فلم يجبه، وعاوده فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يؤخذ برقبته فيدفع إلى المظلوم، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النّار، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل الطويل له حين تقربه الزبانية مع الظالمين إلى النّار، سبحان خالق النور.\nقال: فأتاه نداء من السماء: يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك.","vol":"8","page":193},{"text":"قال: يا رب كيف لي أن تعفو عني وصاحبي لم يعف عني.\nقال: يا داود أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه فأقول له: رضى عبدي؟\nفيقول: يا رب من أين لي هذا ولم يبلغه عملي.\nفأقول له: هذا عوض من عبدي داود فأستوهبك منه فيهبك لي.\nقال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي «١» .\nفذلك قوله سبحانه: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ يعني ذلك الذنب وَإِنَّ لَهُ بعد المغفرة عِنْدَنا يوم القيامة لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ يعني حسن مرجع.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا مخلد بن جعفر قال: حدثنا الحسن بن علوية قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرنا أبو الياس ومقاتل وأبو عبد الرحمن الجندي عن وهب بن منبه قال: إن داود لما تاب الله ﷿ عليه بكى على خطيئته ثلاثين سنة، لا ترقأ له دمعة ليلا ونهارا، وكان أصاب الخطيئة وهو ابن سبعين سنة، فقسّم الدهر بعد الخطيئة على أربعة أيام: فكان يوم للقضاء بين بني إسرائيل، ويوم لنسائه، ويوم يسيح في الفيافي وفي الجبال والساحل، ويوم يخلوا في دار له فيها أربعة آلاف محراب، فيجتمع إليه الرهبان فينوح معهم على نفسه ويساعدونه على ذلك، فإذا كان يوم سياحته، يخرج في الفيافي فيرفع صوته بالمزامير، فيبكي وتبكي معه الشجر والرمال والطير والوحوش حتّى تسيل من دموعهم مثل الأنهار، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحجارة والجبال والدواب والطير حتّى تسيل أودية من بكائهم، ثم يجيء إلى الساحل فيرفع صوته بالمزامير فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر والسباع وطير الماء، فإذا أمسى رجع.\nفإذا كان يوم نوحه على نفسه، نادى مناديه: أن اليوم يوم نوح داود على نفسه، فليحضر من يساعده.\nقال: فيدخل الدار التي فيها المحاريب فيبسط له ثلاث فرش من مسوح، حشوها ليف فيجلس عليها وتجيء الرهبان أربعة آلاف راهب عليهم البرانس وفي أيديهم العصي فيجلسون في تلك المحاريب، ثم يرفع داود صوته بالبكاء والنوح على نفسه، ويرفع الرهبان معه أصواتهم، فلا يزال يبكي حتى يغرق الفراش من دموعه، ويقع داود فيها مثل الفرخ يضطرب فيجيء ابنه سليمان فيحمله، فيأخذ داود من تلك الدموع بكفيه ثم يمسح بها وجهه ويقول: يا رب اغفر ما ترى، فلو عدل بكاء داود ببكاء أهل الدّنيا لعدله.\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ١/ ٣٤١ بتفاوت.","vol":"8","page":194},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن ماجة قال: حدثنا الحسن بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن أبي زياد قال: حدثنا سيار عن جعفر قال: سمعت ثابتا يقول: ما شرب داود شرابا بعد المغفرة إلّا وهو ممزوج بدموع عينيه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن مالك قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:\nحدثنا أبي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا عثمان بن أبي العاتكة: أنه كان من دعاء داود:\nسبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي، ضاقت عليّ الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إليّ روحي، إلهي أتيت أطباء عبادك ليداووا إليّ خطيئتي، فكلهم عليك يدلني «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدثنا محمّد ابن موسى الحلواني قال: حدثنا مهنى بن يحيى الرملي قال: حدثنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي قال: بلغنا أن رسول الله ﷺ قال: «خدّ الدموع في وجه داود (﵇) خديد الماء في الأرض» «٢» [١١٢] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ظفران بن الحسن بن جعفر بن هاشم قال: حدثنا أبو العباس أحمد بن موسى بن سليمان قال: حدثنا أبو حفص عمر بن محمّد النسائي قال: حدثني إبراهيم بن عبد الله عن ابن بشر بن محمّد بن أبان قال: حدثنا الحسن بن عبد الله القرشي قال:\nلما أصاب داود (﵇) الخطيئة فزع إلى العباد، فأتى راهبا في قلة جبل فناداه بصوت عال فلم يجبه، فلما أكثر عليه الصوت قال الراهب: من هذا الذي يناديني؟\nقال: أنا داود نبي الله.\nقال: صاحب القصور الحصينة والخيل المسوّمة والنساء والشهوات، لئن نلت الجنّة بهذا لأنت أنت.\nفقال داود: فمن أنت؟\nقال: أنا راهب راغب مترقب.\nقال: فمن أنيسك وجليسك؟\nقال: اصعد تره إن كنت تريد ذلك.\nقال: فتخلل داود الجبل حتّى صار إلى القلة فإذا هو بميت مسجى.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٥/ ٣٠٤، وتفسير القرطبي: ١٥/ ١٨٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ١٨٦.","vol":"8","page":195},{"text":"فقال له: هذا جليسك وهذا أنيسك؟\nقال: نعم.\nقال: من هذا؟\nقال: تلك قصته مكتوب في لوح من نحاس عند رأسه.\nقال: فقرأ الكتاب فإذا فيه: أنا فلان ابن فلان ملك الأملاك، عشت ألف عام وبنيت ألف مدينة وهزمت ألف عسكر وألف امرأة أحصنت وافتضضت ألف عذراء، فبينا أنا في ملكي أتاني ملك الموت وأخرجني ممّا أنا فيه، فهذا التراب فراشي والدود جيراني.\nقال: فخرّ داود مغشيا عليه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن علي الهمداني قال: حدثنا عثمان بن نصر البغدادي قال: حدثنا محمّد بن عبد الرحمن بن غزوان قال: حدثنا الأشجعي عن الثوري عن عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «كان الناس يعودون داود يظنون أن به مرضا، وما به مرض وما به إلّا الحياء والخوف من الله سبحانه» «١» [١١٣] .\nوقال وهب: لما تاب الله تعالى على داود كان يبدأ إذا دعا [يستغفر] للخاطئين قبل نفسه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا الباقرجي قال: حدثنا الحسن قال: حدثنا إسماعيل قال:\nحدثنا إسحاق بن بشر قال: حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: كان داود ساجدا من بعد الخطيئة لا يجالس إلّا الخاطئين ثم يقول: تعالوا إلى داود الخاطئ.\nولا يشرب شرابا إلّا مزجه بدموع عينيه، وكان يجعل خبز الشعير اليابس في قصعته، فلا يزال يبكي حتّى يبتل بدموع عينيه، وكان يذر عليه الملح والرماد فيأكل ويقول هذا أكل الخاطئين.\nقال: وكان داود قبل الخطيئة يقوم نصف الليل ويصوم النصف من الدهر، فلما كان من خطيئته ما كان، صام الدهر كله وقام الليل كله.\nوأخبرنا عن إسحاق قال: حدثنا مقاتل وأبو الياس قالا: حدثنا وهب بن منبه: أن داود لما تاب الله عليه قال: يا رب غفرت لي؟\nقال: نعم.\n_________\n(١) الجامع الصغير: ٢/ ٢٦٧ ح ٦٢٠٦، وكنز العمال: ١١/ ٤٩٣ ح ٣٢٣٢٣.","vol":"8","page":196},{"text":"قال: فكيف لي أن لا أنسى خطيئتي فأستغفر منها وللخطائين إلى يوم القيامة.\nقال: فوسم الله ﷿ خطيئته في يده اليمنى، فما رفع فيها طعاما ولا شرابا إلّا بكى إذا رآها، وما كان خطيبا في الناس إلّا بسط راحته فاستقبل الناس، ليروا وسم خطيئته.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدثنا يوسف بن عبد الله بن ماهان قال: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الله الجدلي قال: ما رفع داود رأسه بعد الخطيئة إلى السماء حتّى مات.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدثنا محمّد بن خالد قال: حدثنا داود بن سليمان قال:\nحدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا أبو أسامة عن محمّد بن سليمان قال: حدثنا ثابت قال: كان داود إذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله لا يسدها إلّا الأسر وإذا ذكر رحمته تراجعت.\nقال: وروى المسعودي عن يونس بن حباب وعلقمة بن مرثد قالا: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع داود أكثر حيث أصاب الخطيئة، ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم (﵇) أكثر حيث أخرجه الله تعالى من الجنّة وأهبط إلى الأرض.\nويروى أن داود كان إذا قرأ الزبور بعد الخطيئة لا يقف له الماء ولا تصغي إليه البهائم والوحوش والطيور كما كان قبلها، ونقصت نعمته فقال: إلهي ما هذا؟\nفأوحى الله سبحانه: يا داود إن الخطيئة هي التي غيّرت صوتك وحالك.\nفقال: إلهي أو ليس قد غفرتها لي؟\nفقال: نعم قد غفرتها لك، ولكن ارتفعت الحالة التي كانت بيني وبينك من الودّ والقربة، فلن تدركها أبدا فذلك قوله: فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ.\nقال الحسين بن الفضل: سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي عن قوله سبحانه: وَخَرَّ راكِعًا هل يقال للراكع خرّ؟\nقلت: لا.\nقال: فما معنى الآية؟\nقلت: معناها فخرّ بعد أن كان راكعا، أي سجد.\nأخبرني الحسن بن محمّد بن الحسين قال: حدثنا هارون بن محمّد بن هارون العطار قال:\nحدثنا محمّد بن عبد العزي قال: حدثنا سليمان بن داود قال: حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي سعيد الخدري قال: رأيتني أكتب سورة ص","vol":"8","page":197},{"text":"وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ\n، فلما أتيت على هذه الآية وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ، رأيت فيما يرى النائم كأنّ القلم خرّ ساجدا، فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له.\nفقال النبي ﷺ: «تقول كما قال وتسجد كما سجد» [١١٤] فتلاها فسجدوا وأمرنا أن نسجد فيها.\nوأخبرني الحسين بن محمّد قال: حدثنا صمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدثنا أبو حفص بكر بن أحمد بن مقبل قال: حدثنا عمر بن علي الصيرفي قال: حدثنا اليمان بن نصر الكعبي قال: حدثنا عبد الله أبو سعد المدني قال: حدثني محمّد بن المنكدر عن محمّد بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني أبو سعيد الخدري قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إني رأيت الليلة في منامي كأني تحت شجرة، والشجرة تقرأ ص، فلما بلغت السجدة سجدت، فسمعتها تقول في سجودها:\nاللهم أكتب لي بها أجرا، وحط عني بها وزرا، وارزقني بها شكرا، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود سجدته.\nفقال رسول الله ﷺ: «أفسجدت أنت يا أبا سعيد؟» .\nقلت: لا يا رسول الله.\nقال: «أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة» ثم قرأ رسول الله ﷺ حتّى بلغ السجدة فسجد ثم قال مثل ما قالت الشجرة «١» .\nوأخبرني الحسين بن محمّد قال: حدثنا محمّد بن علي بن الحسن قال: حدثنا بكر بن أحمد بن مقبل قال: حدثنا نصر بن علي قال: حدثنا محمّد بن يزيد بن خنيس قال: حدثنا الحسن بن محمّد بن عبيد الله بن أبي يزيد قال: قال لي ابن جريح: حدثنا حسن قال: حدثني جدّك عبيد الله بن أبي يزيد قال: حدثني ابن عبّاس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت الليلة فيما يرى النائم كأني أصلي خلف شجرة، فرأيت كأني قرأت السجدة فسجدت فرأيت الشجرة كأنها سجدت، فسمعتها وهي ساجدة تقول:\nاللهم اكتب لي عندك بها أجرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وضع عني بها وزرا، واقبلها مني كما قبلت من عبدك داود.\nقال ابن عبّاس: فرأيت النبيّ ﷺ قرأ السجدة ثم سجد فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل من كلام الشجرة، قال الله ﷾ فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ.\n_________\n(١) تفسير الثعالبي: ٥/ ٦٤.","vol":"8","page":198},{"text":"روى أبو معشر عن محمّد بن كعب ومحمّد بن قيس أنهما قالا في قوله ﷿: وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ.\nروى أبو معشر عن محمّد بن كعب قال: إن أول من يشرب الكأس يوم القيامة داود.\nيا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ تركوا الأيمان بيوم الحساب وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا ليتدبروا آياتِهِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>[سورة ص (٣٨): الآيات ٢٩ الى ٤٤]</span>\nكِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٩) وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢) رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ (٣٣)\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ (٣٤) قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥) فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ (٣٦) وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ (٣٨)\nهذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٩) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠) وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ (٤٢) وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٤٣)\nوَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)\nهذه قراءة العامة. وقرأ أبو جعفر وعاصم في رواية الأعشى والترجمني: (ليدبّروا) بياء واحدة مفتوحة مخففة على الحذف.\nقال الحسن: تدبر آياته، إتباعه.\nوَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ.\nقال الكلبي: غزا سليمان (﵇) أهل دمشق ونصيبين فأصاب منهم ألف فرس.\nوقال مقاتل: ورث سليمان من أبيه داود ألف فرس وكان أبوه أصابها من العمالقة.\nوقال عوف عن الحسن: بلغني أنها كانت خيلا خرجت من البحر لها أجنحة.\nقالوا: فصلى سليمان الصلاة الأولى وقعد على كرسيّه وهي تعرض عليه، فعرضت عليه منها تسعمائة فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غابت وفاتته الصلاة ولم يعلم بذلك بفتنته له، واغتم لذلك فقال: رُدُّوها عَلَيَّ.","vol":"8","page":199},{"text":"فردوها عليه فعرقبت وعقرت بالسيف ونحرها لله سبحانه، وبقي منها مائة فرس، فما في أيدي الناس اليوم من الخيل فهو من نسل تلك المائة.\nقال الحسن: فلما عقر الخيل، أبدله الله سبحانه مكانها خيرا منها وأسرع [من] الريح التي تَجْرِي بِأَمْرِهِ كيف يشاء، وكان يغدوا من إيليا فيقيل بقرير الأرض باصطخر «١» ويروح من قرير [بكابل] «٢» .\nوقال ابن عبّاس: سألت علي بن أبي طالب عن هذه الآية فقال: ما بلغك في هذا يا ابن عبّاس؟\nفقلت له: سمعت كعب الأحبار يقول: إن سليمان اشتغل ذات يوم بعرض الأفراس والنظر إليها حَتَّى تَوارَتْ الشمس بِالْحِجابِ.\nفقال لما فاتته الصلاة: إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ رُدُّوها عَلَيَّ يعني الأفراس وكانت أربعة وعشرون، وبقول: أربعة عشر، فردوها عليه فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها، وأن الله سلبه ملكه أربعة عشر يوما، لأنه ظلم الخيل بقتلها.\nفقال علي بن أبي طالب ﵁: كذب كعب الأحبار، لكن سليمان اشتغل بعرض الأفراس ذات يوم، لأنه أراد جهاد عدو حَتَّى تَوارَتْ الشمس بِالْحِجابِ، فقال بأمر الله للملائكة الموطنين بالشمس: رُدُّوها عَلَيَّ. يعني الشمس، فردوها عليه حتّى صلّى العصر في وقتها.\nفإن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم ولا يرضون بالظلم، لأنهم معصومون مطهّرون، فذلك قوله سبحانه: إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ وهي الخيل القائمة على ثلاث قوائم، وقد أقامت الأخرى على طرف الحافر من يد أو رجل.\nقال عمر بن كلثوم: تركنا الخيل عاكفة عليه مقلدة أعنتها صفونا.\nوقال القتيبي: الصافن في كلام العرب الواقف من الخيل وغيرها.\nقال النبي ﷺ: «من سرّه أن يقوم له الرجال صفونا فليتبوأ مقعده من النار»\n«٣» [١١٥] أي وقوفا الْجِيادُ الخيار السراع واحدها جواد فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ يعني الخيل، والعرب تعاقب بين الراء واللام فيقول: انهملت العين وانهمرت، وختلت الرجل وخترته أي خدعته.\n_________\n(١) إصطخر: من أقدم مدن فارس وأول دار لملكهم، قرب يزد (معجم البلدان) .\n(٢) تفسير الطبري: ٢٢/ ٨٥، وفي الدر المنثور: ٥/ ٢٢٧: كان سليمان يركب الريح من إصطخر فيتغدى ببيت المقدس ثم يعود فيتعشى باصطخر. [.....]\n(٣) زاد المسير: ٦/ ٣٣٤.","vol":"8","page":200},{"text":"وقال مقاتل: حُبَّ الْخَيْرِ يعني المال وهي الخيل التي عرضت عليه عَنْ ذِكْرِ رَبِّي يعني الصلاة، نظيرها لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ «١»، حَتَّى تَوارَتْ يعني الشمس، كناية عن غير مذكور.\nكقول لبيد:\nحتّى إذا ألقت يدا في كافر «٢»\nيعني الشمس بِالْحِجابِ وهو جبل دون قاف بمسيرة سنة، تغرب الشمس من ورائها.\nرُدُّوها كرّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ أي فأقبل يمسح سوقها وأعناقها بالسيف، وينحرها تقربا بها إلى الله سبحانه وطلبا لرضاه، حيث اشتغل بها عن طاعته، وكان ذلك قربانا منه ومباحا له، كما أبيح لنا ذبح بهيمة الأنعام.\nوقال قوم: معناه حبسها في سبيل الله، وكوى سوقها وأعناقها بكيّ الصدقة.\nويقال للكيّة على الساق: علاظ، وللكيّة على العنق: دهاو.\nوقال الزهري وابن كيسان: كان يمسح سوقها وأعناقها، ويكشف الغبار عنها حبا لها.\nوهي رواية ابن أبي طلحة عن ابن عبّاس.\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ هذه قصة محنة نبي الله سليمان وسبب زوال ملكه مدة، واختلفوا في سبب ذلك.\nفروى محمّد بن إسحاق عن بعض العلماء قال: قال وهب بن منبه: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من جزائر البحر يقال لها صيدون، بها ملك عظيم الشأن لم يكن للناس إليه سبيل لمكانه في البحر، وكان الله قد أتى سليمان في ملكه سلطانا لا يمتنع عليه شيء في بر ولا بحر، إنما يركب إليه [إذا ركب على] الريح، فخرج إلى تلك المدينة تحمله الريح على ظهر الماء حتى نزل بها بجنوده من الجنّ والإنس، فقتل ملكها واستقام فيها وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك الملك يقال لها: جرادة، لم ير مثلها حسنا وجمالا، واصطفاها لنفسه ودعاها إلى الإسلام، فأسلمت على جفاء منها وقلة ثقة، وأحبها حبا لم يحبه شيئا من نسائه، وكانت على منزلتها عنده، لا يذهب حزنها ولا يرقأ دمعها، فشق ذلك على سليمان فقال لها: ويحك ما هذا الحزن الذي لا يذهب والدمع الذي لا يرقأ؟\nقالت: إن أبي أذكره وأذكره ملكه وما كان فيه وما أصابه فيحزنني ذلك.\n_________\n(١) سورة النور: ٣٧.\n(٢) الصحاح للجوهري: ٢/ ٨٠٨، وعجز البيت:\nوأجن عورات الثغور ظلامها.","vol":"8","page":201},{"text":"فقال سليمان: فقد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه، وسلطانا أعظم من سلطانه، وهداك للإسلام وهو خير من ذلك كله.\nقالت: إن ذلك لكذلك، ولكنني إذا ذكرته أصابني ما ترى من الحزن، فلو أنك أمرت الشياطين فصوّروا صورته في داري التي أنا فيها أراها بكرة وعشيا، لرجوت أن يذهب ذلك حزني، وأن يسلّى عني بعض ما أجد في نفسي.\nفأمر سليمان الشياطين فقال: مثّلوا لها صورة أبيها في دارها حتّى لا تنكر منه شيئا.\nفمثّلوا لها حتّى نظرت إلى أبيها بعينه، إلّا أنّه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فأزّرته وقمّصته وعمّمته، وردّته بمثل ثيابه التي كان يلبس، ثم كانت إذا خرج سليمان من دارها تغدوا عليه في ولائدها حتّى تسجد له ويسجدن معها كما كانت تصنع به في ملكه، وتروح كل عشية بمثل ذلك، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك أربعين صباحا وبلغ ذلك آصف بن برخيا، وكان صدّيقا وكان لا يرد عن باب سليمان أيّ ساعة أراد دخول شيء من بيوته، حاضرا كان [سليمان] أو غائبا، فأتاه فقال: يا نبي الله كبرت سني، ودق عظمي، ونفد عمري، وقد حان مني الذهاب، وقد أحببت أن أقوم مقاما قبل الموت، أذكر فيه من مضى من أنبياء الله، وأثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم.\nفقال: افعل.\nفجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبا، فذكر من مضى من أنبياء الله، فأثنى على كل نبي بما فيه وذكر ما فضّله الله به، حتّى انتهى إلى سليمان فقال: ما كان أحلمك في صغرك، وأورعك في صغرك، وأفضلك في صغرك، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما يكره في صغرك، ثم انصرف.\nفوجد سليمان في نفسه من ذلك حتّى ملأه غضبا، فلما دخل سليمان داره أرسل إليه فقال:\nيا آصف ذكرت من مضى من أنبياء الله، وأثنيت عليهم خيرا في كل زمانهم وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني جعلت تثني عليّ بخير في صغري، وسكت عمّا سوى ذلك من أمري في كبري فما الذي أحدثت في آخر عمري؟\nقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة.\nفقال: في داري؟\nفقال: في دارك.\nقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، لقد علمت أنك ما قلت الذي قلت إلّا عن شيء بلغك.\nثم رجع سليمان إلى داره فكسّر ذلك الصنم، وعاقب تلك المرأة وولائدها، ثم أمر بثياب","vol":"8","page":202},{"text":"الطهرة فأتى بها- وهي ثياب لا يغزلها إلّا الأبكار ولم تمسها امرأة رأت الدم- فلبسها ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، وأمر برماد ففرش له، ثم أقبل تائبا إلى الله ﷿ حتّى جلس على ذلك الرماد وتمعك فيه بثيابه تذللا لله سبحانه وتضرعا إليه، يبكي ويدعو ويستغفر ممّا كان في داره ويقول فيما يقول:\nرب ماذا ببلائك عند آل داود أن يعبدوا غيرك وأن يقرّوا في دورهم وأهاليهم عبادة غيرك.\nفلم يزل كذلك يومه ذلك حتى أمسى، ثم يرجع إلى داره، وكانت أم ولد له يقال لها:\nالأمينة، كان إذا دخل مذهبه أو أراد إصابة امرأة من نسائه وضع خاتمه عندها حتّى يتطهر، وكان لا يلبس خاتمة إلّا وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه، فوضعه يوما من تلك الأيام عندها كما كان يضعه ثم دخل مذهبه، فأتاها الشيطان صاحب البحر وكان اسمه: صخر، على صورة سليمان لا ينكر منه شيئا.\nفقال: يا أمينة خاتمي.\nفناولته إياه فجعله في يده ثم خرج حتّى جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والانس، وخرج سليمان فأتى الأمينة، وقد غيرت حاله وهيبته عند كل من رأى فقال: يا أمينة خاتمي.\nفقالت: ومن أنت؟\nقال: أنا سليمان بن داود.\nفقالت: كذبت لست بسليمان وقد جاء سليمان وأخذ خاتمه وهو جالس على سريره في ملكه.\nفعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج فجعل يقف على الدار من دور بني إسرائيل فيقول: أنا سليمان بن داود. فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون: انظروا إلى هذا المجنون أي شيء يقول يزعم أنه سليمان بن داود.\nفلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر فكان ينقل الحيتان لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين فإذا امسى باع إحدى سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها، فمكث بذلك أربعين صباحا، عدة ما كان عبد ذلك الوثن في داره، فأنكر آصف وعظماء بني إسرائيل حكم عدو الله الشيطان في تلك الأربعين اليوم.\nفقال آصف: يا معشر بني إسرائيل هل رأيتم من اختلاف حكم ابن داود ما رأيت؟\nقالوا: نعم.\nقال: أمهلوني حتّى أدخل على نسائه فأسألهن: هل أنكرن منه في خاصة أمره، ما أنكرناه في عامة أمر الناس وعلانيته؟","vol":"8","page":203},{"text":"فدخل على نسائه فقال: ويحكن هل أنكرتن من أمر ابن داود ما أنكرناه؟\nفقلن: أشدّه ما يدع امرأة منّا في دمها، ولا يغتسل من جنابة.\nفقال: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ... إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ.\nثم خرج إلى بني إسرائيل فقال: ما في الخاصة أعظم ممّا في العامة. فلما قضى أربعون صباحا طار الشيطان عن مجلسه، ثم مرّ بالبحر فقذف الخاتم فيه، فبلعته سمكة وأخذها بعض الصيادين، وقد عمل له سليمان صدر يومه ذلك حتّى إذا كان العشي أعطاه سمكته وأعطى السمكة التي أخذت الخاتم، وخرج سليمان بسمكتيه فباع التي ليس في بطنها الخاتم بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فاستقبله خاتمه في جوفها فأخذه فجعله في يده، ووقع ساجدا وعكفت عليه الطير والجنّ وأقبل عليه الناس، وعرف الذي كان دخل عليه لما كان أحدث في داره، فرجع إلى ملكه وأظهر التوبة من ذنبه وأمر الشياطين فقال: ائتوني بصخر.\nفطلبته له الشياطين حتّى أخذ له فأتى به فجاءت له صخرة، فأدخله فيها ثم شد عليه أخرى ثم أوثقها بالرصاص والحديد، ثم أمر به فقذف في البحر.\nفهذا حديث وهب بن منبه «١» .\nقال السديّ في سبب ذلك: كان لسليمان (﵇) مائة امرأة، وكانت امرأة منهنّ يقال لها: جرادة، وهي أبرّ نسائه وآمنهن عنده، فكان إذا أحدث أو أتى حاجة، نزع خاتمه ولم يأتمن عليه أحدا من الناس غيرها، فجاءته يوما من الأيام فقالت له: إن أخي بينه وبين فلان خصومة، وأنا أحب أن تقضي له إذا جاءك.\nفقال: نعم. ولم يفعل، فابتلي بقوله وأعطاها خاتمه ودخل المخرج فخرج الشيطان في صورته، فقال لها: هات الخاتم.\nفأعطته، فجاء حتّى جلس على مجلس سليمان، وخرج سليمان بعده فسألها أن تعطيه خاتمه.\nفقالت: ألم تأخذه قبل؟\nقال: لا. وخرج من مكانه تائها، ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما.\nقال: فأنكر الناس حكمه، فاجتمع قرّاء بني إسرائيل وعلمائهم، فجاؤا حتّى دخلوا على نسائه، فقالوا: إنّا قد أنكرنا هذا، فإن كان سليمان فقد ذهب عقله، وأنكرنا أحكامه، فبكى النساء عند ذلك قال: فأقبلوا يمشون حتّى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا التوراة فقرءوها، فلما قرءوا\n_________\n(١) بطوله في تاريخ الطبري: ١/ ٣٥١- ٣٥٤.","vol":"8","page":204},{"text":"التوراة طار من بين أيديهم حتّى وقع على شرفة والخاتم معه، ثم طار حتّى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعته حوت.\nقال: فأقبل سليمان في حاله التي كان فيها، حتّى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه، فاستطعمه من صيدهم، وقال: إني أنا سليمان.\nفقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه.\nقال: فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر، فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه، وقالوا: بئس ما صنعت حين ضربته.\nفقال: إنه زعم أنه سليمان. فأعطوه سمكتين ممّا قد مذر عندهم، فلم يشغله ما كان به من الضرب، حتّى قام إلى شط البحر فشق بطونهما وجعل يغسلهما، فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه، فردّ الله عليه ملكه وبهاءه، وجاءت الطير حتّى حامت عليه، فعرف القوم أنه سليمان، فقاموا يعتذرون مما صنعوا.\nفقال: ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم هذا أمر كان لا بدّ منه.\nثم جاء حتّى أتي ملكه وأمر حتّى أتى بالشيطان الذي أخذ خاتمه، وجعله في صندوق من حديد ثم أطبق عليه، وأقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمره فألقي في البحر، وهو كذلك حيّ حتّى الساعة «١» .\nوفي بعض الروايات: أن سليمان لما افتتن، سقط الخاتم من يده وكان فيه ملكه، فأخذه سليمان فأعاده إلى يده فسقط من يده، فلما رآه سليمان لا يثبت في يده أيقن بالفتنة، وأن آصف قال لسليمان: إنك مفتون بذنبك والخاتم لا يتماسك في يدك أربعة عشر يوما.\nففرّ إلى الله تائبا من ذنبك، وأنا أقوم مقامك وأسير في عالمك وأهل بيوتك بسيرتك، إلى أن يتوب الله عليك ويردك إلى ملكك.\nففرّ سليمان هاربا إلى ربّه، وأخذ أصف الخاتم فوضعه في يده فثبت، وأن الجسد الذي قال الله تعالى: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا كان هو أصف كاتبا لسليمان، وكان عنده علم من الكتاب، فأقام أصف في ملك سليمان وعالمه يسير بسيرته ويعمل بعمله أربعة عشر يوما، إلى أن رجع سليمان إلى منزله تائبا إلى الله سبحانه وردّ الله عليه ملكه، فقام أصف من مجلسه وجلس سليمان على كرسيه، وأعاد الخاتم في يده فثبت فيها.\nوأخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: أخبرنا أحمد بن الأزهر قال:\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٨، وتاريخ الطبري: ١/ ٣٥٤.","vol":"8","page":205},{"text":"حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب: أن سليمان بن داود احتجب عن الناس ثلاثة أيام، فأوحى الله ﷿ إليه: أن يا سليمان احتجبت عن الناس ثلاثة أيام فلم تنظر في أمور عبادي، ولم تنصف مظلوما من ظالم.\nوذكر حديث الخاتم وأخذ الشيطان إياه كما رويناه «١» .\nوقال في آخره: قال علي: فذكرت ذلك للحسن فقال: ما كان الله ﷿ يسلطه على نسائه «٢» .\nوقال بعض المفسرين: كان سبب فتنة سليمان أنه أمر أن لا يتزوج امرأة [إلّا] من بني إسرائيل، فتزوج امرأة من غيرهم فعوقب على ذلك.\nوقيل: ان سليمان لما أصاب ابنة ملك صيدون أعجب بها، فعرض عليها الإسلام فأبت وامتنعت فخوّفها سليمان.\nفقالت: إن أكرهتني على الإسلام قتلت نفسي.\nفخاف سليمان أن تقتل نفسها، فتزوج بها وهي مشركة، وكانت تعبد صنما لها من ياقوت أربعين يوما في خفية من سليمان إلى أن أسلمت، فعوقب سليمان بزوال ملكه أربعين يوما» .\nوقال الشعبي في سبب ذلك: ولد لسليمان ابن، فاجتمعت الشياطين وقال بعضهم لبعض:\nإن عاش له ولد لم ننفك مما نحن فيه من البلاء والسحرة، فسبيلنا أن نقتل ولده أو نحيله.\nفعلم سليمان بذلك فأمر السحاب حتّى حملته الريح وغدا ابنه في السحاب خوفا من معرة الشيطان، فعاقبه الله لخوفه من الشيطان، ومات الولد فألقى ميتا على كرسيّه، فهو الجسد الذي قال الله سبحانه: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ.\nوقيل: هو ان سليمان قال يوما: لأطوفن الليلة على نسائي كلهن، حتّى يولد لي من كل واحدة منهن ابن فيجاهد في سبيل الله. ولم يستثن، فجامعهن كلهن في ليلة واحدة، فما خرج له منهن إلّا شق مولود، فجاءت به القابلة والقته على كرسي سليمان.\nفذلك قوله ﷿: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا وهو ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد عن آخرين قالوا: حدثنا ابن الشرقي، قال: حدثنا محمّد بن عقيل وأحمد بن حفص قالا: حدثنا حفص قال: حدثني إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة، قال: اخبرني أبو الزناد عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة\n_________\n(١) بطوله في تاريخ دمشق: ٢٢/ ٢٤٨ ط. دار الفكر.\n(٢) الدر المنثور: ٥/ ٣١٢.\n(٣) انظر تفسير القرطبي: ١٥/ ١٩٩.","vol":"8","page":206},{"text":"قال: قال رسول الله ﷺ: «قال سليمان بن داود لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة، كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل إن شاء الله. فلم يقل: إن شاء الله. فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلّا امرأة واحدة جاءت بشق رجل، والذي نفس محمّد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون» [١١٦] «١»\nفذلك قوله ﷿:\nوَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ.\nقال مقاتل: فتن سليمان بعد ملك عشرين سنة، وملك بعد الفتنة عشرين سنة.\nوَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا أيّ شيطانا، عن أكثر المفسرين.\nواختلفوا في اسمه، فقال مقاتل وقتادة: اسمه صخر بن عمر بن عمرو بن شرحبيل وهو الذي دل سليمان على الألماس حين أمر ببناء بين المقدس وقيل له: لا يسمعن فيه صوت حديد، فأخذوا الألماس فجعلوا يقطعون به الحجارة والجواهر ولا تصوت، وكان سليمان إذا أراد أن يدخل الخلاء والحمام لم يدخل بخاتمه، فدخل الحمام وذكر القصة في أخذ الشيطان الخاتم.\nقال: وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال: أما والله لأجربنّه، فقال:\nيا نبي الله- وهو لا يرى أنه نبي الله- أرأيت أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتّى تطلع الشمس، أترى عليه بأسا؟ قال: لا. فرخص له في ذلك، وذكر الحديث.\nوروى أبو إسحاق عن عمارة بن عبد عن علي ﵁ قال: بينما سليمان جالس على شاطئ البحر وهو يلعب بخاتمه، إذ سقط في البحر وكان ملكه في خاتمه.\nوروى حماد بن سلمة عن عمر بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ:\n«كان نقش خاتم سليمان بن داود لا إله إلّا الله محمّد رسول الله» [١١٧] «٢» .\nرجع إلى حديث علي قال: فانطلق سليمان وخلّف شيطانا في أهله وأتى عجوزا فآوى إليها فقالت له العجوز: أن شئت ان تنطلق فاطلب فأكفيك عمل البيت وإن شئت أن تكفيني البيت وانطلق والتمس.\nقال: فانطلق يلتمس، فأتى قوم يصيدون السمك فجلس إليهم فنبذوا إليه سمكات، فانطلق بهن حتّى أتى العجوزة، فأخذت تصلحه فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم فأخذته وقالت لسليمان: ما هذا؟\nفأخذه سليمان فلبسه، فأقبلت الشياطين والجنّ والإنس والطير والوحوش، وهرب الشيطان\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٣/ ٢٠٩، وصحيح مسلم: ٥/ ٨٧.\n(٢) كنز العمال: ١١/ ٤٩٨ ح ٣٢٣٣٧، وتذكرة الموضوعات: ١٠٨.","vol":"8","page":207},{"text":"الذي خلّف في أهله، فأتى جزيرة في البحر فبعث إليه الشياطين فقالوا: لا نقدر عليه، ولكنه يرد علينا في الجزيرة في كل سبعة أيام يوما، لا نقدر عليه حتّى يسكر.\nقال: فنزح ماءها وجعل فيها خمرا. قال: فجاء يوم وروده فإذا هو بالخمر فقال: والله إنك لشراب طيب إلّا أنك تصبين «١» الحليم وتزيدين الجاهل جهلا.\nثم رجع حتّى عطش عطشا شديدا ثم أتاها فقال: إنك لشراب طيب إلّا أنك تصبين الحليم وتزيدين الجاهل جهلا.\nقال: ثم شربها حتّى غلبته على عقله، ثم أروه الخاتم فقال: سمع وطاعة «٢» .\nقال: فأتى به سليمان فأوثقه ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان الذي يرون من نفسه، والماء الذي يخرج من الجبل هو بوله.\nوقال السدي: اسم ذلك الشيطان اسمذي وقيل خبفيق.\nوقال مجاهد: اسمه آصف.\nأخبرنا أبو صالح بن أبي الحسن البيهقي الفقيه قال: أخبرنا أبو حاتم التميمي قال: حدثنا أبو الأزهر العبدي قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا قال: شيطانا يقال له: آصف. قال له سليمان: كيف تفتنون الناس؟\nقال: أرني خاتمك أخبرك. فلما أعطاه نبذه آصف في البحر، فساح سليمان فذهب ملكه وقعد آصف على كرسيّه ومنعه الله سبحانه نساء سليمان فلم يقربهن، وأنكر الناس أمر سليمان، وكان سليمان يستطعم فيقول: أتعرفونني؟ أنا سليمان فيكذبونه حتّى أعطته امرأة يوما حوتا فبطّ بطنه، فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفرّ آصف فدخل البحر. وقيل: إن الجسد هو آصف ابن برخيا الصدّيق، وقد مضت القصة.\nوقيل: هو الولد الميت الذي غدا في السحاب.\nوقيل: هو الولد الناقص الخلق.\nوقيل: معنى قوله: وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا أن سليمان ضرب بعلّة أشرف منها على الموت، حتّى صار جسدا في المثل بلا روح، وقد وصف المريض المضني بهذه الصفة، فيقال كالجسد الملقى ولم يبق منه إلّا جسده وتقدير الآية وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا.\n_________\n(١) في بعض المصادر: تطيشين.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٢/ ١٨٧.","vol":"8","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-652>وأما صفة كرسي سليمان</span>\nفروي ان سليمان لما ملك بعد أبيه، أمر باتخاذ كرسي ليجلس عليه للقضاء، وأمر بأن يعمل بديعا مهولا، بحيث إن لو رآه مبطل أو شاهد زور ارتدع وتهيّب.\nقال: فعمل له كرسي من أنياب الفيل، وفصصوه بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد وأنواع الجواهر، وحففوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، على رأس نخلتين منها طاوسان من ذهب وعلى رأس الآخرين نسران من ذهب بعضها مقابل لبعض، وقد جعلوا من جنبتي الكرسي أسدين من الذهب، على رأس كل واحد منهما عمود من الزمرد الأخضر، وقد عقدوا على النخلات أشجار كروم من الذهب الأحمر، واتخذوا عناقيدها من الياقوت الأحمر، بحيث أظل عريش الكروم النخل والكرسي.\nقال: وكان سليمان إذا أراد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى، فيستدير الكرسي كله بما فيه دوران الرحى المسرعة، وتنشر تلك النسور والطواويس أجنحتها ويبسط الأسدان أيديهما فيضربان الأرض بأذنابهما، وكذلك يفعل في كل درجة يصعدها سليمان، فإذا استوى بأعلاه أخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان فوضعاه على رأس سليمان، ثم يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاوسان والأسدان مائلات برءوسها إلى سليمان ينضحن عليه من أجوافها المسك والعنبر ثم تناولت حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من أعمدة الكرسي التوراة، فيفتحها سليمان ويقرأها على الناس ويدعوهم إلى فصل القضاء، ويجلس عظماء بني إسرائيل على كراسي الذهب المفصصة وهي ألف كرسي عن يمينه، ويجيء عظماء الجنّ ويجلسون على كراسي من الفضة عن يساره وهي ألف كرسي حافين جميعا، به ثم تحف بهم الطير تظلهم، ويتقدم إليه الناس للقضاء، فإذا دعى بالبينات وتقدمت الشهود لإقامة الشهادات، دار الكرسي بما فيه من جميع ما حوله دوران الرحى المسرعة، ويبسط الأسدان أيديهما ويضربان الأرض بأذنابهما وينشر النسران والطاوسان أجنحتهما، فيفزع منه الشهود ويدخلهم من ذلك رعب شديد، فلا يشهدون إلّا بالحق «١» .\nقالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذنبي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ.\nوقال ابن كيسان: أي لا يكون لأحد.\nمِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ المعطي.\nقال عطاء بن أبي رباح: يريد هب لي ملكا لا أسلبه في باقي عمري كما سلبته في ماضي عمري.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٠٢.","vol":"8","page":209},{"text":"وقال مقاتل بن حيان: كان سليمان ملكا ولكنه أراد بقوله لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي تسخير الرياح والطير، يدل عليه ما بعده.\nوقيل: إنما سأل ذلك ليكون آية لنبوته ودلالا على رسالته ومعجزا لمن سواه.\nوقيل: إنما سأل ذلك ليكون علما له على المغفرة وقبول التوبة، حيث أجاب الله ﷾ دعاءه ورد إليه ملكه وزاد فيه.\nوقال عمر بن عثمان الصدفي: أراد به ملك النفس وقهر الهوى.\nيؤيده ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد قال: حدثنا داود بن سليمان قال: حدثنا عبد بن حميد قال:\nأخبرنا عبد الله بن يزيد قال: حدثنا عبد الرحمن بن زياد الأفريقي قال: حدثنا سلمان بن عامر الشيباني قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: «أرأيتم سليمان وما أعطاه الله من ملكه؟ فإنه لم يرفع طرفه إلى السماء تخشعا لله ﷿ حتّى قبضه الله ﷿» [١١٨] «١» .\nوأخبرنا شعيب بن محمّد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدثنا أبو الأزهر قال: حدثنا روح بن عبادة قال: حدثنا هشام عن الحسن أن النبي ﷺ قال: «قد عرض لي الشيطان في مصلاي الليلة كأنه هرّكم هذا، فأخذته فأردت أن أحبسه حتّى أصبح، فذكرت دعوة أخي سليمان رب هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فتركته» [١١٩] «٢» .\nومنه عن روح عن شعبة عن محمّد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة قال: إن رسول الله ﷺ قال: «إن عفريتا من الجن جعل يتقلب عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي وأن الله ﷿ أمكنني منه [فرعته] «٣» فلقد هممت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتّى يصبح فتنظرون إليه كلكم، فتذكرت قول سليمان: ربّ هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي فردّه الله ﷿ خاسئا» [١٢٠] «٤» .\nفَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً ليّنة رطبة حَيْثُ أَصابَ حيث أراد وشاء، بلغة حمير.\nتقول العرب: أصاب الصواب وأخطأ الجواب، أي أراد الصواب.\nقال الشاعر:\n_________\n(١) المصنف لابن أبي شيبة: ٨/ ١١٨. [.....]\n(٢) الدر المنثور: ٥/ ٣١٣.\n(٣) كذا في المخطوط: وفي المصادر: (فأخذته) و(فذعته) و(فانتهرته) .\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٢٩٨، وصحيح البخاري: ٤/ ١٣٦.","vol":"8","page":210},{"text":"أصاب الكلام فلم يستطع ... فأخطأ الجواب لدى المفصل «١»\nوَالشَّياطِينَ أي وسخرنا له الشياطين كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ يستخرجون له اللئالئ من البحر، وهو أول من استخرج اللؤلؤ من البحر وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ يعني مشدودين في القيود واحدها صفد هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ فأعط، من قوله سبحانه: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ «٢» .\nوتقول العرب: منّ عليّ برغيف، أي أعطانيه.\nقال الحسن: إن الله ﷿ لم يعط أحدا عطية إلّا جعل فيها حسابا، إلّا سليمان فإن الله سبحانه أعطاه عطاء هنيئا فقال: هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ.\nأَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ قال: إن أعطى أجر وان لم يعط لم يكن عليه تبعة.\nقال مقاتل: هو في أمر الشياطين، خذ من شئت منهم في وثاقك لا تبعة عليك فيما تتعاطاه.\nوَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى قربة وَحُسْنَ مَآبٍ مصير.\nوَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ.\nقال مقاتل: كنيته أبو عبد الله.\nإِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ بتعب ومشقة وبلاء وضر.\nقال مقاتل: بِنُصْبٍ في الجسد وَعَذابٍ في المال.\nوفيه أربع لغات: (نُصُب) بضمتين وهي قراءة أبي جعفر، و(نَصَب) بفتح النون والصاد وهي قراءة يعقوب و(نَصْب) بفتح النون وجزم الصاد وهي رواية هبيرة عن حفص عن عاصم، و(نصب) بضم النون وجزم الصاد وهي قراءة الباقين.\nواختلفوا في سبب ابتلاء أيوب:\nفقال وهب: استعان رجل أيوب على ظلم يدرأه عنه، فلم يعنه فابتلي.\nوروى حيان عن الكلبي: أن أيوب كان يغزوا ملكا من الملوك كافرا، وكانت مواشي أيوب في ناحية ذلك الملك، فداهنه ولم يغزه فابتلي.\nوقال غيرهما: كان أيوب كثير المال فأعجب بماله فابتلى.\nارْكُضْ بِرِجْلِكَ الأرض، أي ادفع وحرك هذا مُغْتَسَلٌ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٠٥، تفسير الثعالبي: ٥/ ٦٩.\n(٢) سورة المدّثّر: ٦.","vol":"8","page":211},{"text":"ثم نبعث له عين أخرى باردة فقال: هذا بارِدٌ وَشَرابٌ وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا أي حزمة من الحشيش فَاضْرِبْ بِهِ امرأتك وَلا تَحْنَثْ في يمينك إِنَّا وَجَدْناهُ صابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>[سورة ص (٣٨): الآيات ٤٥ الى ٦٠]</span>\nوَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ (٤٥) إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ (٤٧) وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ (٤٨) هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)\nجَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤)\nهذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ (٥٦) هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ (٥٨) هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ (٥٩)\nقالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ (٦٠)\nوَاذْكُرْ عِبادَنا.\nقرأه العامة: بالألف.\nوقرأ ابن كثير: (عبدنا) على الواحد، وهي قراءة ابن عبّاس.\nأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن يوسف الفقيه قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن يحيى ابن بلال قال: حدثنا يحيى بن الربيع المكي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن عمر بن عطاء عن ابن عبّاس أنه كان يقرأ: واذكر عبدنا إبراهيم ويقول: إنما [ذكر] إبراهيم ثم ولده بعده وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي ذوي القوة في العبادة وَالْأَبْصارِ التبصر في العلم والدين إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ.\nقرأ أهل المدينة مضافا وهي رواية هشام عن الشام.\nوقرأ الآخرون: بالتنوين على البدل وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ هذا الذي ذكرت ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ لذات مستويات على ملاذ امرأة واحدة بنات ثلاث وثلاثين سنة، واحدها ترب هذا ما تُوعَدُونَ بالتاء.\nابن كثير وأبو عمر والباقون: بالياء.\nلِيَوْمِ الْحِسابِ أي في يوم الحساب.\nقال الأعشى:","vol":"8","page":212},{"text":"المهينين ما لهم لزمان السوء ... حتّى إذا أفاق أفاقوا «١»\nأي في زمان السوء إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ هلاك وفناء هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ الكافرين لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها يدخلونها فَبِئْسَ الْمِهادُ هذا أيّ هذا العذاب فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ.\nقال الفراء: رفعت الحميم والغساق ب (هذا) مقدما ومؤخرا، والمعنى هذا حميم وغساق فليذوقوه، وإن شئت جعلته مستأنفا وجعلت الكلام فيه مكتفيا كاملا قلت: هذا فليذوقوه ثم قلت منه حميم وغساق.\nكقول الشاعر:\nحتّى إذا ما أضاء الصبح في غلس ... وغودر البقل ملوي ومحصود «٢»\nواختلف القراء في قوله: (وَغَسَّاقٌ)، فشددها يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف وحفص وهي قراءة أصحاب عبد الله، وخففها الآخرون.\nقال الفراء: من شدد جعله اسما على فعّال نحو الخبّاز والطبّاخ. ومن خفف [جعله] اسما على فعال نحو العذاب.\nواختلف المفسرون فيه:\nفقال ابن عبّاس: هو الزمهرير يحرقهم ببرده كما تحرقهم النار.\nوقال مجاهد ومقاتل: هو [الثلج] البارد الذي قد انتهى برده، أي يريد هو المبين بلغة الطحارية وقد بلغه النزل.\nمحمّد بن كعب: هو عصارة أهل النار.\nقتادة والأخفش: هو ما يغسق من قروح الكفرة والزناة بين لحومهم وجلودهم، أيّ تسيل.\nقال الشاعر:\nإذا ما تذكرت الحياة وطيبها ... وإلي جرى دمع من العين غاسق «٣»\nوَآخَرُ قرأ أهل البصرة ومجاهد: (وأخر) بضم الألف على جمع أخرى، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنه نعته بالجمع فقال: أرواح مثل الكبرى والكبر.\nوقرأ غيرهم: على الواحد وَآخَرُ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٢٠، لسان العرب: ١٠/ ٣١٧.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٣/ ٢١٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٢٢.","vol":"8","page":213},{"text":"مِنْ شَكْلِهِ مثله أَزْواجٌ أصناف من العذاب والكناية في شكله راجعة إلى العذاب في قوله هذا.\nوأما قوله هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ قال ابن عبّاس: هو أن القتادة إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم الأتباع قالت الخزنة للقادة هذا يعني الاتباع فَوْجٌ جماعة مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ النار، أيّ داخلوها كما دخلتم.\nفقالت السادة: لا مَرْحَبًا بِهِمْ يعني بالأتباع إِنَّهُمْ صالُوا النَّارِ كما صليناها، فقال الاتباع للسادة: بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا أيّ شرعتم وسننتم الكفر لنا فَبِئْسَ الْقَرارُ أي قرارنا وقراركم، والمرحب والرحب السعة، ومنه رحبة المسجد.\nقال أبو عبيدة: يقول العرب للرجل: لا مرحبا بك، أي لا رحبت عليك الأرض، أيّ اتسعت.\nوقال القتيبي: معنى قولهم: مرحبا وأهلا وسهلا، أي أتيت رحبا وسعة، وأتيت سهلا لا حزنا، وأتيت أهلا لا غرباء، فأنس ولا تستوحش، وهي في مذهب الدعاء كما تقول: لقيت خيرا، فلذلك نصب «١» .\nقال النابغة:\nلا مرحبا بغد ولا أهلا به ... إن كان تفريق الأحبة في غد «٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>[سورة ص (٣٨): الآيات ٦١ الى ٧٠]</span>\nقالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١) وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ (٦٢) أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ (٦٣) إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤) قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)\nرَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (٦٧) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (٦٨) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)\nقالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا أي شرّعه وسنّه فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ على عذابنا.\nوقال ابن مسعود: يعني حيات وأفاعي.\nوَقالُوا يعني صناديد قريش وهم في النار ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ في دار الدّنيا، يعني فقراء المؤمنين أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا.\n_________\n(١) غريب الحديث لابن قتيبة: ١/ ٢٠٠.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ١١٧.","vol":"8","page":214},{"text":"قرأ أهل العراق إلّا عاصما وأيوب: بوصل الألف، واختاره أبو عبيد قال: من جهتين:\nإحداهما: أنّ الاستفهام متقدم في قوله: (ما لَنا لا نَرى رِجالًا) .\nوالأخرى: أنّ المشركين لم يكونوا يشكون في اتخاذهم المؤمنين في الدّنيا سخريا، فكيف يستفهمون عمّا قد عملوه. ويكون على هذه القراءة بمعنى بل.\nوقرأ الباقون: بفتح الألف وقطعها على الاستفهام وجعلوا (أم) جوابا لها مجازا:\nأَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا في الدّنيا وليسوا كذلك، فلم يدخلوا معنا النار.\nأَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ فلا نراهم وهم في النار، ولكن احتجبوا عن أبصارنا.\nوقال الفراء: هو من الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ، فهو يجوز باستفهام ويطرحه.\nوقال ابن كيسان: يعني أم كانوا خيرا منّا ولا نعلم نحن بذلك، فكانت أبصارنا تزيغ منهم في الدّنيا فلا نعدهم شيئا.\nأخبرنا أبو بكر الحمشادي قال: أخبرنا أبو بكر القطيعي قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله ابن مسلم قال: حدثنا عصمة بن سليمان الجرار عن يزيد عن ليث عن مجاهد وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ.\nقال: صهيب وسلمان وعمّار لا نراهم في النار أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا في الدّنيا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ في النار إِنَّ ذلِكَ الذي ذكرت لَحَقٌّ ثم بيّن فقال: تَخاصُمُ أي هو تخاصم أَهْلِ النَّارِ ومجاز الآية: أن تخاصم أهل النار في النار لحق قُلْ يا محمّد لمشركي مكة إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ مخّوف وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ يعني القرآن.\nعن ابن عبّاس ومجاهد وقتادة، وروى معمر عنه يوم القيامة، نظيرها عَمَّ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ «١» .\nأَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ في شأن آدم وهو قولهم حين قال الله سبحانه لهم: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها «٢» الآية هذا قول أكثر المفسرين.\nوروى ابن عبّاس عن النبي (﵇) قال: «قال ربّي: أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى يعني الملائكة؟\n_________\n(١) سورة النبأ: ١- ٢.\n(٢) سورة البقرة: ٣٠.","vol":"8","page":215},{"text":"فقلت: لا.\nقال: اختصموا في الكفارات والدرجات، فأما الكفارات: فإسباغ الوضوء في السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة: وأما الدرجات: فإفشاء السلام، واطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام» [١٢١] «١» .\nإِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ.\nقال الفراء: ان شئت جعلت (أَنَّما) في موضع رفع، كأنك قلت: ما يوحى إليّ إلّا الإنذار، وإن شئت جعلت المعنى ما يوحى إليّ إلّا لأني نذير مبين.\nوقرأ أبو جعفر (إنما) بكسر الألف، لأن الوحي قول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>[سورة ص (٣٨): الآيات ٧١ الى ٨٨]</span>\nإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ (٧٢) فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣) إِلاَّ إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ (٧٤) قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ (٧٥)\nقالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦) قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨) قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩) قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠)\nإِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١) قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣) قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)\nقُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٨٧) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)\nإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ وفي تحقيق الله ﷾ التنشئة في اليد، دليل على أنه ليس بمعنى النعمة والقوة والقدرة، إنما هما وصفان من صفات ذاته.\nقال مجاهد: اليد هاهنا بمعنى التأكيد، والصلة مجاز لما خلقت، كقوله سبحانه: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ «٢» أي ربك، وهذا تأويل غير قوي، لأنه لو كان بمعنى الصلة فكان لإبليس أن يقول: إن كنت خلقته فقد خلقتني. وكذلك في القدرة والنعمة، لا تكون لآدم في الخلق مزية على إبليس وقد مضت هذه المسألة عند قوله: مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا «٣» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٢٦.\n(٢) سورة الرحمن: ٢٧. [.....]\n(٣) سورة يس: ٧١.","vol":"8","page":216},{"text":"قال: العرب تسمي الاثنين جميعا لقوله سبحانه هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا «١»، وقوله وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٢» قال: هما رجلان وقال: فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما «٣» .\nأَسْتَكْبَرْتَ ألف الاستفهام تدخل على ألف الخبر أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ المتكبرين على السجود كقوله سبحانه: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ «٤» . قالَ إبليس أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قالَ فَاخْرُجْ مِنْها أي من الجنّة.\nوقيل: من السماوات.\nوقال الحسن وأبو العالية: أيّ من الخلقة التي أنت فيها.\nقال الحسين بن الفضل: وهذا تأويل صحيح، لأن إبليس تجبّر وافتخر بالخلقة، فغيّر الله تعالى خلقه فاسودّ بعد ما كان أبيضا وقبح بعد ما كان حسنا وأظلم بعد أن كان نورانيا.\nفَإِنَّكَ رَجِيمٌ مطرود معذّب وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ وهو النفخة الأولى قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ.\nقرأ مجاهد والأعمش وعاصم وحمزة وخلف: برفع الأول ونصب الثانية على معنى فأنا الحقّ أو فمنّي الحق، وأقول الحق.\nوقال الباقون: بنصبهما.\nواختلف النحاة في وجهيهما، قيل: نصب الأول على الإغراء والثاني بإيقاع القول عليه.\nوقيل: هو الأول قسم، والثاني مفعول مجاز قال: فبالحق وهو الله ﷿ أقسم بنفسه وَالْحَقَّ أَقُولُ.\nوقيل: إنه أتبع قسما بعد قسم.\nوقال الفراء وأبو عبيد: معناهما حققا لم يدخل الألف واللام، كما يقال: الحمد لله وأحمد الله، هما بمعنى واحد.\nوقرأ طلحة بن مصرف: فالحق والحقِّ بالكسر فهما على القسم.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عبدش يقول: هو مردود إلى ما قبله\n_________\n(١) سورة الحج: ١٩.\n(٢) سورة النور: ٢.\n(٣) سورة التحريم: ٤.\n(٤) سورة القصص: ٤.","vol":"8","page":217},{"text":"ومجازه: فبعزتك وبالحق والحق قال الله سبحانه: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ أيّ من نفسك وذريتك وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أيّ على تبليغ الوحي، كناية عن غير مذكور مِنْ أَجْرٍ قال الحسين بن الفضل: هذه الآية ناسخة لقوله قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى «١» .\nوَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ المتقولين القرآن من تلقاء نفسي.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق البستي قال:\nحدثنا أحمد بن عمير بن يوسف قال: حدثنا محمّد بن عوف قال: حدثنا محمّد بن المصفى قال: حدثنا حنوة بن سريج بن يزيد قال: حدثنا أرطاة بن المنذر عن ضمرة بن حبيب عن سلمة بن مقبل قال: قال رسول الله ﷺ: «للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول فيما لا يعلم» [١٢٢] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثني السنّي قال: حدثني عبد الله بن محمّد بن جعفر قال:\nحدثنا أحمد بن يحيى الصوفي قال: حدثنا شعيب بن إبراهيم قال: حدثنا سيف بن عمر الضبي عن وائل بن داود عن يزيد البهي عن الزبير بن العوام قال: نادى منادي رسول الله ﷺ: «اللهم أغفر للذين يدعون أموات امتي ولا يتكلفون إلّا أني بريء من التكلف وصالحوا أمتي» [١٢٣] «٣» .\nوأخبرني الحسين قال: حدثنا ابن شيبة قال: حدثنا عبد الله بن محمّد بن وهب قال:\nحدثنا إبراهيم بن عمرو بن بكر السكسكي ببيت المقدس قال: حدثنا أبي قال: حدثنا إبراهيم بن [........] «٤» علية الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من أتاه الله ﷿ علما فليتق الله وليعلّمه الناس ولا يكتمه، فإنه من كتم علما يعلمه كان كمن كتم ما أنزل الله تعالى على نبيّه وأمره أن يعلمه الناس، ومن لم يعلم فليسكت وإياه أن يقول ما لا يعلم فيهلك ويصير من المتكلفين ويمرق من الدين، وأن الله ﷿ قال: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ من أفتى بغير السنّة فعليه الإثم.\nوأخبرني الحسن قال: حدثنا السنيّ قال: أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا محمّد بن خبير\n_________\n(١) سورة الشورى: ٢٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٣١.\n(٣) انظر: تذكرة الموضوعات: ٦٧.\n(٤) كلام غير مقروء.","vol":"8","page":218},{"text":"العبدي قال: أخبرنا سفيان الثوري عن الأعمش عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم شيئا فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم وأن الله ﷿ قال لنبيّه: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ، إِنْ هُوَ ما هو يعني القرآن إِلَّا ذِكْرٌ عظة لِلْعالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ.\nقال قتادة: يعني بعد الموت.\nوابن عبّاس: يعني يوم القيامة.","vol":"8","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-656>سورة الزمر</span>\nمكية، إلا قوله سبحانه: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الآية. وهي أربعة آلاف وتسعمائة وثمانية أحرف، وألف ومائة واثنتان وسبعون كلمة، وخمس وسبعون آية\nأخبرنا ابن المقرئ قال: أخبرنا ابن مطر قال: حدثنا ابن شريك قال: حدثنا ابن يونس قال: حدثنا أبو سليمان قال: حدثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءه، وأعطاه ثواب الخائفين» [١٢٤] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا ابن حمدان قال: حدثنا ابن ماهان قال: حدثنا مسدد قال: حدثنا حماد بن يزيد عن مروان أبي لبابة مولى عبد الرحمن بن زياد عن عائشة ﵂ قالت:\nكان رسول الله ﷺ يقرأ كل ليلة ببني إسرائيل والزمر.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) انظر: تفسير مجمع البيان.","vol":"8","page":220},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-657>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨)\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ.\nقال الفراء: معناه هذا تنزيل الكتاب، وإن شئت رفعته لمن، مجازه: من الله تنزيل الكتاب، وإن شئت جعلته ابتداء وخبره ممّا بعده.\nمِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أيّ الطاعة الدِّينُ الْخالِصُ قال قتادة: شهادة ان لا إله إلّا الله.\nقال أهل المعاني: لا يستحق الدين الخالص إلّا الله.\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ يعني الأصنام ما نَعْبُدُهُمْ مجازه قالوا ما نعدهم إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى.\nقال قتادة: وذلك أنهم كانوا إذا قيل لهم من ربكم ومن خلقكم وخلق السماوات والأرض ونزل من السماء ماء؟\nقالوا: الله.\nفيقال لهم: فما يعني عبادتكم الأوثان؟\nقالوا: لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى وتشفع لنا عند الله.\nقال الكلبي: وجوابه في الأحقاف فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً «١» الآية.\nإِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يوم القيامة فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي لدينه وحجته مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا كما زعموا لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ.\nقال قتادة: يعني يغشي هذا هذا ويغشي هذا هذا، نظيره قوله: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ» .\nوقال المؤرخ: يدخل هذا على هذا وهذا على هذا، نظيره قوله: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ «٣» .\n_________\n(١) سورة الأحقاف: ٢٨.\n(٢) سورة الأعراف: ١٥٧.\n(٣) سورة فاطر: ١٣.","vol":"8","page":221},{"text":"قال مجاهد: يدور.\nوقال الحسن وابن حيان والكلبي: ينقص من الليل فيزيد في النهار وينقص من النهار فيزيد في الليل، فما نقص من الليل دخل في النهار وما نقص من النهار دخل في الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات ومنتهى الزيادة خمسة عشر ساعة، وأصل التكوير اللف والجمع، ومنه كور العمامة.\nوَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ وأنشأ وجعل لَكُمْ وقال بعض أهل المعاني: جعلنا لكم نزلا ورزقا.\nمِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أصناف وأفراد، تفسيرها في سورة الأنعام يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ نطفة ثم علقة ثم مضغة، كما قال: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا «١» .\nوقال ابن زيد: معناه يخلقكم في بطون أمهاتكم من بعد الخلق الأول الذي خلقكم في ظهر آدم.\nفِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ يعني البطن والرحم والمشيمة ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ عن عبادته إلى عبادة غيره إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ.\nفإن قيل: كيف؟\nقال: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وقد كفروا.\nقلنا: معناه لا يرضى لعباده أن يكفروا به، وهذا كما يقول: لست أحب الإساءة وإن أحببت أن يسيء فلان فلانا فيعاقب.\nوقال ابن عبّاس والسدي: معناه وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ المخلصين المؤمنين الْكُفْرَ، وهم الذين قال: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فيكون عاما في اللفظ خاصا في المعنى كقوله: عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «٢» وإنما يريد به بعض العباد دون البعض.\nوَإِنْ تَشْكُرُوا تؤمنوا ربّكم وتطيعوه يَرْضَهُ لَكُمْ ويثيبكم عليه وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ مخلصا راجعا إليه مستغيثا به ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ أعطاه، ومنه قيل\n_________\n(١) سورة نوح: ١٤. [.....]\n(٢) سورة الإنسان: ٦.","vol":"8","page":222},{"text":"للمال والعطاء: خول، والعبيد خول.\nقال أبو النجم:\nاعطي فلم يبخل ولم يبخل ... كوم الذرى من خول المخول «١»\nنِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ترك ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ في حال النصر وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدادًا يعني الأوثان.\nوقال السدي: يعني أندادا من الرجال، يطيعونهم في معاصي الله.\nلِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-658>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٩ الى ١٩]</span>\nأَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)\nقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)\nأَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)\nأَمَّنْ هُوَ قانِتٌ.\nقرأ نافع وابن كثير ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة: (أمن) بتخفيف الميم.\nوقرأ الآخرون بتشديده، فمن شدّده فله وجهان، أحدهما: تكون الميم في أم صلة ويكون معنى الكلام الاستفهام، وجوابه محذوف مجازه: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ كمن هو غير قانت، كقوله:\nأَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ كمن لم يشرح الله صدره، أو تقول: أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ كمن جعل لله أندادا.\nوالوجه الثاني: أن يكون بمعنى العطف على الاستفهام مجازه: فهذا خير أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ، فحذف لدلالة الكلام عليه ونحوها كثير.\nومن خفف فله وجهان.\nأحدهما: أن يكون الألف في (أمن) بمعنى حرف النداء، تقديره: يا من هو قانت، والعرب تنادي بالألف كما تنادي بياء فتقول: يا زيد أقبل، وأزيد أقبل.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٧/ ٣٦٢، لسان العرب: ١١/ ١١٦.","vol":"8","page":223},{"text":"قال أوس بن حجر:\nأبني لبينى لستم بيد ... ألا يد ليست لها عضد «١»\nيعني يا بني ليتني.\nوقال آخر:\nأضمر بن ضمرة ماذا ذكرت ... من صرمة أخذت بالمغار «٢»\nفيكون معنى الآية: قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ، ويا من هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ إنك من أهل الجنّة، كما تقول: فلان لا يصلي ولا يصوم، فيا من تصلي وتصوم أبشر، فحذف لدلالة الكلام عليه.\nوالوجه الثاني: أن يكون الألف في (أمن) ألف استفهام، ومعنى الكلام: أهذا كالذي جعل لله أندادا، فاكتفى بما سبق إذ كان معنى الكلام مفهوما.\nكقول الشاعر:\nفاقسم لو شيء أتانا رسوله سواك ... ولكن لم نجد لك مدفعا «٣»\nأراد لدفعناه.\nوقال ابن عمر: القنوت قراءة القرآن وطول القيام.\nوقال ابن عبّاس: الطاعة.\nآناءَ اللَّيْلِ ساعاته ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان، أخبرنا محمّد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، أخبرنا عبد بن حميد، حدثنا الحسن بن موسى، حدثنا يعقوب بن عبد الله عن جعفر عن سعيد بن جبير: أنه كان يقرأ: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وَقائِمًا يحذر عذاب الآخرة) .\nوَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ.\nقال مقاتل: نزلت في عمار بن ياسر وأبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله المخزومي.\nقُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ يعني عمار وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يعني أبا حذيفة إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٣/ ٢٣٩، وتاج العروس: ٧/ ٢٩٩ وفيه: يدا مخبولة العضد.\n(٢) معجم ما استعجم: ٣/ ٩٩٦.\n(٣) لسان العرب: ٣/ ٤٥٢، شرح الرضي: ٤/ ٣١٣، والبيت لامرئ القيس.","vol":"8","page":224},{"text":"أخبرنا الحسين بن محمّد بن العدل حدثنا هارون بن محمّد بن هارون العطار حدثنا حازم ابن يحيى الحلواني حدثنا محمّد بن يحيى بن الطفيل حدثنا هشام بن يوسف حدثني محمّد بن إبراهيم اليماني قال: سمعت وهب بن منبه يقول: سمعت ابن عبّاس يقول: من أحب أن يهوّن الله تعالى الموقف عليه يوم القيامة، فليره الله في سواد الليل ساجِدًا وَقائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ..\nقُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ يعني الجنّة، عن مقاتل.\nوقال السدي: يعني العافية والصحة.\nوَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ فهاجروا فيها واعتزلوا الأوثان، قاله مجاهد.\nوقال مقاتل: يعني أرض الجنّة.\nإِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ.\nقال قتادة: لا والله ما هنالك مكيال ولا ميزان.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه الدينوري بقراءتي عليه، حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السني حدثنا إبراهيم بن محمّد بن الضحاك حدثنا نصر بن مرزوق حدثنا أسيد بن موسى حدثنا بكر بن حبيش عن ضرار بن عمرو عن زيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ «تنصب الموازين يوم القيامة، فيؤتى بأهل الصلاة فيؤتون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصيام فيؤتون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الصدقة فيؤتون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل الحج فيؤتون أجورهم بالموازين، ويؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبا بغير حساب، قال الله تعالى: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ حتّى يتمنى أهل العافية في الدّنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب به أهل البلاء من الفضل» «١» .\nقال حدثنا أبو علي بن جش المقرئ قال: حدثنا أبو سهل [عن إسماعيل بن سيف] عن جعفر بن سليمان الضبعي عن سعد بن الطريف عن الأصبغ بن نباتة قال: دخلت مع علي بن أبي طالب إلي الحسن بن علي ﵄ نعوده فقال له علي: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟\nقال: أصبحت بنعمة «٢» الله بارئا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٤١.\n(٢) في المصدر: بحمد.","vol":"8","page":225},{"text":"قال: كذلك إن شاء الله.\nثم قال الحسن: أسندوني. فأسنده عليّ إلى صدره ثم قال: سمعت جدي رسول الله يقول: «يا بني أدّ الفرائض تكن من أعبد الناس، وعليك بالقنوع تكن أغنى الناس، يا بني إن في الجنّة شجرة يقال لها: شجرة البلوى، يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم ميزان ولا ينشر لهم ديوان، يصبّ عليهم الأجر صبّا- ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية- إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» «١» .\nحدثنا الحرث بن أبي اسامة حدثنا داود بن المخبر حدثنا عباد بن كثير عن أبي الزناد عن [.........] «٢» [عن أبي ذر عن النبي أنه] قال: «من سرّه أن يلحق بذوي الألباب والعقول فليصبر على الأذى والمكاره فذلك انه [.......] «٣» الجزع ومن جزع صيّره جزعه إلى النار، وما نال الفوز في القيامة إلّا الصابرون إن الله تعالى يقول: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ وقال الله تعالى: وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ «٤»» «٥» .\nقُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ من هذه الأمة قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي فعبدت غيره عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وهذا حين دعى إلى دين آبائه، قاله أكثر المفسرين.\nوقال أبو حمزة الثمالي والسبب هذه الآية منسوخة، إنما هذا قبل أن غفر ذنب رسول الله (﵇) «٦» .\nقُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ.\nأمر توبيخ وتهديد كقوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ «٧» . وقيل: نسختها آية القتال قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ وأزواجهم وخدمهم في الجنّة يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٣/ ٩٣، تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٤٢، الدر المنثور: ٥/ ٣٢٣، مجمع الزوائد: ٢/ ٣٠٥.\n(٢) كلام غير مقروء.\n(٣) كلام غير مقروء.\n(٤) سورة الرعد: ٢٣- ٢٤.\n(٥) باختصار في تفسير نور الثقلين: ٢/ ٥٠١.\n(٦) تفسير أبي حمزة الثمالي: ١٦٢.\n(٧) سورة فصلت: ٤٠. [.....]","vol":"8","page":226},{"text":"قال ابن عبّاس: إن الله تعالى جعل لكل إنسان منزلا في الجنّة وأهلا، فمن عمل بطاعة الله تعالى كان له ذلك المنزل والأهل، ومن عمل بمعصية الله [أخذه] «١» الله تعالى إلى النار، وكان المنزل ميراثا لمن عمل بطاعة الله إلى ما كان له قبل ذلك وهو قوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ «٢» .\nلَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ أطباق وسرادق مِنَ النَّارِ ودخانها وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ مهاد وفراش من نار، وإنما سمّي الأسفل ظلا، لأنها ظلل لمن تحتهم، نظيره قوله تعالى: لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ «٣» وقوله: يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ «٤» وقوله: أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها «٥» وقوله: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ «٦» وقوله ﷾: انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ «٧» .\nذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ الأوثان أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا رجعوا له إِلَى اللَّهِ إلى عبادة الله لَهُمُ الْبُشْرى في الدّنيا بالجنّة وفي العقبى فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أرشده وأهداه إلى الحق.\nأخبرنا الحسين بن محمّد الدينوري حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق أخبرنا إبراهيم بن محمّد حدثنا يونس حدثنا ابن وهب أخبرنا يحيى بن أيوب عن خالد بن يزيد عن عبد الله بن زحر عن سعيد بن مسعود قال: قال أبو الدرداء: لولا ثلاث ما أحببت أن أعيش يوما واحدا:\nالظما بالهواجر، والسجود في جوف الليل، ومجالسه أقوام ينتقون من خير الكلام كما ينتقي طيب التمر.\nقال قتادة: أحسنه طاعة الله.\nوقال السدي: أحسنه ما يرجون به فيعملون به.\nأُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ.\nعن ابن زيد في قوله: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ الآيتين: حدثني أبي: أن هاتين الآيتين\n_________\n(١) هكذا في الأصل.\n(٢) سورة المؤمنون: ١٠.\n(٣) سورة الأعراف: ٤١.\n(٤) سورة العنكبوت: ٥٥.\n(٥) سورة الكهف: ٢٩.\n(٦) سورة الواقعة: ٤٣.\n(٧) سورة المرسلات: ٣٠.","vol":"8","page":227},{"text":"نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهم زيد بن عمرو وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي «١» .\nأَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ [يريد أبا لهب وولده] «٢» أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ أي:\nهو يكون من أهل النار، كرر الاستفهام كما كرر: أنكم أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرابًا وَعِظامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ «٣» .\nومثله كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٠ الى ٢٨]</span>\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)\nكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)\nلكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ [غرف مبنية، قال ابن عباس: من زبرجد وياقوت] «٤» .\nحدثنا عبد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا [.........] «٥» حدثني طلحة حدثنا [حماد عن أبي هارون عن مالك بن أنس عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد] الخدري عن رسول الله (﵇) قال: «إن أهل الجنّة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب الدري الغابر من الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم، فقالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٣/ ٢٤٦.\n(٢) استدراك عن تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٤٤.\n(٣) سورة المؤمنون: ٣٥.\n(٤) عن المصدر السابق.\n(٥) كلام غير مقروء.","vol":"8","page":228},{"text":"المرسلين» «١» .\nتَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ نصب على المصدر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي من السحاب ماءً فَسَلَكَهُ فادخله يَنابِيعَ عيونا فِي الْأَرْضِ قال:\n[الشعبي والضحاك: كل ماء في الأرض فمن السماء نزل إنما ينزل] «٢» من السماء إلى الصخرة ثم يقسم منها العيون والركايا ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ ييبس فَتَراهُ بعد خضرته مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا أي فتاتا منكسرا متفتتا إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ فتح الله صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ للإيمان فَهُوَ عَلى نُورٍ على دلالة مِنْ رَبِّهِ قال قتادة: النور كتاب الله منه تأخذ وإليه ننتهي «٣» ومجاز الآية أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ أي أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ كمن أقسى قلبه.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شيبة حدثنا أبو جعفر محمّد بن الحسن بن يزيد حدثنا الموصلي ببغداد حدثنا أبو فروة واسمه يزيد بن محمّد حدثني أبي عن أبيه حدثنا زيد بن أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحرث عن عبد الله بن مسعود قال:\nقال رسول الله (﵇): «أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ» .\nقلنا: يا رسول الله كيف انشراح صدره؟\nقال: «إذا دخل النور لقلبه انشرح وانفتح» .\nقلنا: يا رسول الله فما علامة ذلك؟\nقال: «الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزول الموت» [١٢٥]» .\nوقال الثمالي: بلغنا أنها نزلت في عمّار بن ياسر «٥» وقال مقاتل: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ يعني النبيّ ﷺ.\nفَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أبو جهل وذويه من الكفّار أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.\nأخبرنا الحسن بن محمّد بن الحسين الحافظ أخبرنا أبو أحمد القاسم بن محمّد بن أحمد\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٣/ ٣٥٩، وبمعناه في صحيح البخاري: ٤/ ٨٨، وصحيح مسلم: ٨/ ١٤٥.\n(٢) عن المصدر السابق. [.....]\n(٣) فتح القدير: ٤/ ٤٥٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٤٧.\n(٥) انظر تفسير أبي حمزة: ٢٨٧، وقال القرطبي: المراد بمن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ هاهنا فيما ذكر المفسرون علي وحمزة.","vol":"8","page":229},{"text":"ابن عبد ربه السراج الصوفي أخبرنا [......] «١» يونس بن يعقوب البزاز حدثنا الحسين بن الفضل بن السمح البصري ببغداد حدثنا جندل حدثنا أبو مالك الواسطي الحسيني حدثنا أبو عبد الرحمن السلمي عن داود بن أبي هند عن أبي نصرة عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «قال الله ﷿: اطلبوا الحوائج من السمحاء فاني جعلت فيهم رحمتي ولا تطلبوها من القاسية قلوبهم فإني جعلت فيهم سخطي» [١٢٦] «٢» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن محمّد عن وهب حدثنا يوسف بن الصباح العطار حدثنا إبراهيم بن سليمان بن الحجاج حدثنا عمي محمّد بن الحجاج حدثنا يوسف بن ميسرة بن جبير عن أبي إدريس الحولاني عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله رفيق يحبّ الرفق في الأمر كله ويحبّ كل قلب خاشع حليم رحيم يعلّم الناس الخير ويدعوا إلى طاعة الله ويبغض كل قلب قاس ينام الليل كله فلا يذكر الله تعالى ولا يدري يرد عليه روحه أم لا» [١٢٧] «٣» .\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا ابن نصرويه حدثنا ابن وهب حدثنا إبراهيم بن بسطام حدثنا سعيد بن عامر حدثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال: ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلبه وما غضب الله تعالى على قوم إلّا نزع منهم الرحمة.\nاللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا.\nقال ابن مسعود: وابن عباس: قال الصحابة:\nيا رسول الله لو حدثتنا، فنزلت اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه بعضا ليس فيه تناقض ولا اختلاف فيه «٤» .\nوقال قتادة: تشبه الآية الآية والكلمة الكلمة والحرف الحرف.\nمَثانِيَ القرآن. قال المفسرون: يسمى القرآن مثاني لأنه تثنى فيه الأخبار والأحكام والحدود وثنى للتلاوة فلا يمل تَقْشَعِرُّ وتستنفر جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ.\nيعني إلى العمل بكتاب الله والتصديق به وقيل إلى بمعنى اللام.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا أحمد بن داود حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا خلف بن سلمة عنه حدثنا هشيم عن حصين عن عبد الله بن\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٤٨.\n(٣) كنز العمال: ٣/ ٣٩ ح ٥٣٧٠.\n(٤) راجع تفسير الطبري: ٢٣/ ٢٤٩.","vol":"8","page":230},{"text":"عروة بن الزبير قال: قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟\nقالت: كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم.\nفقلت لها: إن ناسا اليوم إذا قريء عليهم القرآن؟\nقالت: كما نعتهم: خر أحدهم مغشيا عليه.\nفقالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nوبه عن سلمة حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: أن ابن عمر مرّ برجل من أهل العراق ساقط فقال: ما بال هذا؟\nقالوا: إنه إذا قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله تعالى سقط.\nفقال ابن عمر: إنا لنخشى الله وما نسقط.\nوقال ابن عمر: إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمّد ﷺ.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن الحسين بن [ديزيل] حدثنا أبو نعيم حدثنا عمران أو حمران بن عبد العزيز قال: ذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطا رجليه ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق «١» .\nحدثنا الحسن بن محمّد حدثنا أبو بكر بن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا صلت ابن مسعود الجحدري حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا أبو عمران الجوني قال: وعظ موسى (﵇) قومه فشق رجل منهم قميصه فقيل لموسى قل لصاحب القميص لا يشق قميصه أيشرح لي عن قلبه.\nأخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي حدثنا أحمد بن محمّد بن أبي شيبة حدثنا الحسن بن سعيد بن عمر حدثنا سعدان بن نصر أبو علي حدثنا [نشابة [عن أبي غسان المدني محمّد بن مطرف عن زيد بن أسلم قال: قرأ أبي بن كعب عند النبي ﷺ فرقّوا فقال رسول الله ﷺ: «اغتنموا الدعاء عند الرقة فإنها رحمة» [١٢٨] «٢» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا محمّد بن عبد الله بن برزة وموسى بن محمّد بن علي بن\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٤٩.\n(٢) مسند الشهاب لابن سلامة: ١/ ٤٠٢، وكنز العمال: ٢/ ١٠٢ ح ٣٣٤١.","vol":"8","page":231},{"text":"عبد الله قالا: حدثنا محمّد بن يحيى بن سليمان المروزي حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أخبرنا الحسين بن محمّد وحدثنا موسى بن محمّد بن عليّ حدثنا محمّد بن عبدوس بن كامل حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني حدثنا عبد العزيز بن محمّد عن يزيد بن الهاد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن أم كلثوم بنت العبّاس عن العبّاس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله ﷺ:\n«إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى تحاتت عنه ذنوبه كما تحاتت عن الشجر اليابسة ورقها» [١٢٩] «١» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا أحمد بن جعفر حدثنا حمدان حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري حدثنا محمّد بن معونة حدثنا الليث بن سعد حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمّد بن إبراهيم التيمي عن أم كلثوم بنت العبّاس عن أبيها قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تعالى حرّمه الله تعالى على النار» [١٣٠] .\nذلِكَ يعني أحسن الحديث هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وفيه ردّ على القدرية أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ أي شدته يوم القيامة.\nقال مجاهد: يجر على وجهه في النار.\nوقال عطاء: يرمى به في النار منكوسا، فأول شيء تمسه النار وجهه.\nوقال مقاتل: هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة ضخمة مثل الجبل العظيم من الكبريت، فتشتعل النار في الحجر وهو معلق في عنقه، فحرّها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها من وجهه من أجل الأغلال التي في يده وعنقه، ومجاز الآية أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ كمن هو آمن من العذاب وهو كقوله أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ «٢» الآية.\nقال المسيب: نزلت هذه الآية في أبي جهل.\nوَقِيلَ أي: ويقول الخزنة لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ أي: وباله كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ العذاب والذل الّذي يستحيا منه فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا نصب على الحال غَيْرَ ذِي عِوَجٍ.\nقال مجاهد: يعني غير ذي لبس.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ٣١٠، وكنز العمال: ٣/ ١٤١ ح ٥٨٧٩، وفيهما: البالية ورقها.\n(٢) سورة فصلت: ٤٠.","vol":"8","page":232},{"text":"قال عثمان بن عفان: غير متضاد.\nابن عبّاس: غير مختلف.\nالسدي: غير مخلوق.\nبكر بن عبد الله المزني غير ذي لحن.\nلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الكفر والتكذيب به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٢٩ الى ٣٩]</span>\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)\nلَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)\nقُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩)\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا.\nقال الكسائي: نصب رَجُلًا، لأنه ترجمة للمثل وتفسير له، وإن شئت نصبته بنزع الخافض، مجازه ضرب الله مثلا لرجل أو في رجل.\nفِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ مختلفون متنازعون متشاحون فيه وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه فيه يقال رجل شكس وشرس وضرس وضبس، إذا كان سيء الخلق مخالفا للناس.\nوقال المؤرخ: مُتَشاكِسُونَ متماكسون يقال شاكسني فلان أي ماكسني.\nوَرَجُلًا سَلَمًا.\nقرأ ابن عبّاس ومجاهد والحسن وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب سالما بالألف، واختاره أبو عبيد، قال: إنما اخترنا سالما لصحة التفسير فيه، وذلك أن السالم الخالص وهو ضد المشترك، وأما السلم فهو ضد المحارب، ولا موضع للحرب هاهنا.\nوقرأ سعيد بن جبير: سِلْمًا بكسر السين وسكون اللام.","vol":"8","page":233},{"text":"وقرأ الآخرون: سَلَمًا بفتح السين واللام من غير ألف، واختاره أبو حاتم وقال: هو الذي لا تنازع فيه.\nلِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا وهذا مثلا ضربه الله تعالى للكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن لا يعبد إلّا الله الواحد، ثم قال عزّ من قائل الْحَمْدُ لِلَّهِ الشكر الكامل لله سبحانه دون كل معبود سواه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ إِنَّكَ يا محمّد مَيِّتٌ عن قليل وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ.\nوقرأ ابن محيصن وابن أبي علية: إنك مايت وإنهم مايتون، بالألف فيهما.\nقال الحسن والكسائي والفراء: (الميّت)، بالتشديد، من لم يمت سيموت، و(الميت)، بالتخفيف الذي فارقه الروح، لذلك لم يخفف هاهنا.\nقال قتادة: نعيت إلى رسول الله ﷺ نفسه، ونعيت إليكم أنفسكم.\nأخبرنا ابن فنجويه حدثنا ابن ماجة حدثنا الحسين بن أيوب حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا سيار بن حاتم حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت قال: نعي رجل إلى صلت بن أشيم أخا له فوافقه يأكل فقال: ادن فكل فقد نعى إليّ أخي منذ حين.\nقال: [وكيف وأنا أول من أتاك بالخبر قال: إن الله تعالى نعاه إلىّ فقال] الله تعالى:\nإِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ «١» .\nثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ المحق والمبطل والظالم والمظلوم.\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا ابن مالك حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا ابن نمير حدثنا محمّد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن أنس عن الزبير بن العوام قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ.\nقال الزبير: يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدّنيا مع خواصّ الذنوب؟\nقال: «نعم ليكررن عليكم حتّى يؤدى إلى كل ذي حق حقه» [١٣١] .\nقال الزبير: والله إن الأمر لشديد «٢» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن الحسين بن [ديزيل] حدثنا آدم بن أبي أياس حدثنا ابن أبي ذنب حدثنا سعيد المقرئ عن أبي\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٥/ ٢٥٤، والزيادة التي بين المعكوفتين منه.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ١٦٧، والمستدرك: ٢/ ٤٣٥.","vol":"8","page":234},{"text":"هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من ماله أو عرضه فليتحلّلها اليوم منه قبل أن يؤخذ حين لا يكون درهم ولا دينار إن كان له عمل صالح أخذ بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحملت عليه» [١٣٢] «١» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد الثقفي حدثنا الفضل بن الفضل الكندي حدثنا أبو عبد الله محمّد ابن عبد الله بن محمّد بن النعمان حدثنا محمّد بن بكر بن أبي بكر البرجمي حدثنا محمّد بن المنهال حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح بن القاسم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «تدرون من مفلس أمتي؟» .\nقلنا: نعم من لا مال له.\nقال: «لا، مفلس أمتي من يجاء به يوم القيامة قد ضرب هذا وشتم هذا وأخذ مال هذا، فيؤخذ من حسناته فيوضع على حسنات الآخر، وإن فضل عليه فضل أخذ من سيئات الآخر فطرحت عليه ثم يؤخذ فيلقى في النار» [١٣٣] .\nوقال أبو العالية: هم أهل القبلة.\nأخبرنا الحسين بن فنجويه حدثنا موسى بن محمّد بن علي بن عبد الله بن الحسن بن علوية حدثنا عبيد بن جناد العلوي الحلبي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن القاسم ابن عوف البكري قال: سمعت ابن عمر يقول: لقد عشنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية أنزلت فينا وفي أهل الكتابين ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قلنا: كيف نختصم ونبينا واحد فما هذه الخصومة وكتابنا واحد؟ حتّى رأيت بعضنا يضرب وجه بعض بالسيف، فعرفت أنه فينا نزلت.\nوروى خلف بن خليفة عن أبي هاشم عن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال: كنا نقول:\nربنا واحد وديننا واحد ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟ فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا.\nأخبرنا الحسين بن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز البغوي حدثنا أبو الربيع الزهراني حدثنا حماد بن زيد: زعم ابن عون عن إبراهيم قال:\nلما نزلت ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قالوا: كيف نختصم ونحن اخوان؟ فلما قتل عثمان قالوا: هذه خصومتنا.\nفَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ فزعم أن له ولدا وشريكا وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ بالقرآن\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٥٠٦، وصحيح البخاري: ٣/ ٩٩. [.....]","vol":"8","page":235},{"text":"إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً منزل ومقام لِلْكافِرِينَ وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ.\nقال السدي: (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) يعني جبرائيل جاء بالقرآن (وَصَدَّقَ بِهِ) محمّد تلقاه بالقبول.\nوقال ابن عبّاس: (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) يعني رسول الله جاء بلا إله إلّا الله (وَصَدَّقَ بِهِ) هو أيضا رسول الله بلّغه إلى الخلق.\nوقال علي بن أبي طالب وأبو العالية والكلبي: (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) يعني رسول الله (وَصَدَّقَ بِهِ) أبو بكر.\nوقال قتادة ومقاتل: (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) رسول الله (وَصَدَّقَ بِهِ) هم المؤمنون واستدلا بقوله: أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ.\nوقال عطاء: (وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ) الأنبياء (﵈) (وَصَدَّقَ بِهِ) الاتباع وحينئذ يكون (الَّذِي) بمعنى (الذين) على طريق الجنس كقوله: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا «١» ثم قال: ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ «٢» وقوله: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا «٣» .\nودليل هذا التأويل ما أخبرنا ابن فنجويه حدثنا طلحة بن محمّد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدثنا أبو بكر عن مجاهد حدثنا عبدان بن محمّد المروزي حدثنا عمار بن الحسن حدثنا عبد الله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع: أنّه كان يقرأ والذين جاؤ يعني الأنبياء (﵈) وصدقوا به الاتباع.\nوقال الحسن: هو المؤمن صدّق به في الدّنيا وجاء به يوم القيامة.\nيدل عليه ما أخبرنا ابن فنجويه حدثنا أبو علي بن حبش المقرئ أخبرنا يعني الظهراني أخبرنا يحيى بن الفضل الخرقي حدثنا وهيب بن عمرو أخبرنا هارون النحوي عن محمّد بن حجارة عن أبي صالح الكوفي وهو أبو صالح السمان أنه قرأ وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ مخففة، قال: هو المؤمن جاء به صادقا فصدّق به.\nوقال مجاهد: هم أهل القرآن يجيؤون به يوم القيامة يقولون هذا الذي أعطيتمونا فعملنا بما فيه.\nأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٧.\n(٢) سورة البقرة: ١٧.\n(٣) سورة العصر: ٢.","vol":"8","page":236},{"text":"قرأ أبو جعفر ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: عباده بالجمع.\nوقرأ الباقون: عَبْدَهُ يعنون محمدا ﷺ.\nوَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وذلك\nأنهم خوّفوا النبيّ ﷺ معرة الأوثان وقالوا: إنك تعيب آلهتنا وتذكرها بسوء، فو الله لتكفّ عن ذكرها أو لنخلينك أو يصيبك بسوء\nوَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ شدة وبلاء هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ نعمة ورخاء هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ.\nقرأ شيبة وأبو عمرو ويعقوب: بالتنوين فيهما، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم.\nوقرأ الباقون: بالإضافة.\nقال مقاتل: فسألهم النبي (﵇) فسكتوا فأنزل الله سبحانه قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ إذا جاءكم بأس الله تعالى من المحق منّا ومن المبطل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٤٠ الى ٥٢]</span>\nمَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)\nوَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)\nقَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)\nمَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ بحفيظ ورقيب، وقيل:\nموكّل عليهم في حملهم على الإيمان.","vol":"8","page":237},{"text":"اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها فيقبضها عند فناء أجلها وانقضاء مدتها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها كما يتوفى التي ماتت، فجعل النوم موتا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ عنده.\nقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف. قضي بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء الموت رفع على مذهب ما لم يسم فاعله.\nوقرأ الباقون بفتحها، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لقوله (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) فهو يقضي عليها.\nقال المفسرون: إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فيتعارف ما شاء الله تعالى منها، فإذا أراد جميعها الرجوع إلى أجسادها، أمسك الله تعالى أرواح الأموات عنده وحبسها، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها «١» .\nإِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وقت انقضاء مدة حياتها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الأصبهاني أخبرنا محمّد بن جعفر المطري حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا ابن فضل حدثنا عطاء عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها قال: يقبض أنفس الأموات والأحياء، فيمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء إلى أجل مسمّى لا يغلط.\nوقال ابن عبّاس: في ابن آدم نفس وروح بينهما مثل شعاع الشمس، فالنفس التي بها العقل والتمييز، والروح التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه.\nأخبرنا الحسين بن محمّد الثقفي حدثنا الفضل بن الفضل الكندي حدثنا إبراهيم بن سعد بن معدان حدثنا ابن كاسب حدثنا عبد الله بن رجاء عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة ان النبي ﷺ قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليضطجع على شقه الأيمن وليقل: باسمك ربّي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين» [١٣٤] «٢» .\nأَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا من الشفاعة وَلا يَعْقِلُونَ يعني وإن كانوا لا يملكون شيئا من الشفاعة ولا يعقلون إنكم تعبدونهم أفتعبدونهم قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعًا فمن يشفع فبإذنه يشفع لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٤/ ١٢.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٦/ ٢٤١، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٢٦٢.","vol":"8","page":238},{"text":"قال ابن عبّاس ومجاهد ومقاتل: انقبض.\nقتادة: كفرت واستكبرت.\nالضحاك: نفرت.\nالكسائي: انتفضت.\nالمؤرخ: أنكرت، وأصل الاشمئزاز النفور والازورار.\nقال عمرو بن كلثوم:\nإذا عضّ الثقاف بها اشمأزت ... وولتهم عشوزنة زبونا «١»\nوَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ يعني الأوثان، وذلك حين ألقى الشيطان في أمنية رسول الله ﷺ عن قراءته سورة النجم: تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ يفرحون قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي يا فاطر السماوات والأرض عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان حدثنا عبيد الله بن ثابت حدثنا أبو سعيد الكندي حدثنا ابن فضيل حدثنا سالم بن أبي حفصة عن منذر الثوري قال:\nكنت عند الربيع بن خيثم فدخل عليه رجل ممّن شهد قتل الحسين ممّن كان يقاتله فقال ابن خيثم يا معلقها. يعني الرءوس، ثم أدخل يده في حنكه تحت لسانه فقال: والله لقد قتلتم صفوة لو أدركهم رسول الله ﷺ لقبّل أفواههم وأجلسهم في حجره، ثم قرأ قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.\nوَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا أشركوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.\nأخبرنا ابن فنجويه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا ابن وهب حدثني محمد بن الوليد القرشي حدثنا محمّد بن جعفر حدثنا شعبة عن ابن عمران الحوني قال: سمعت أنس بن مالك يحدّث عن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى لأهون أهل النار عذابا لو أن لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلّا أن تشرك بي» «٢» .\nوَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ في الدّنيا أنه نازل بهم في الآخرة.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٦٤، لسان العرب: ١٣/ ٢٨٦.\n(٢) صحيح البخاري: ٧/ ٢٠١.","vol":"8","page":239},{"text":"قال السدي: ظنّوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات.\nقال سفيان: وقرأ هذه الآية: ويل لأهل الريا ويل لأهل الريا.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا الفرياني حدثني محمّد ابن عبد الله بن عماد حدثني عقبة بن سالم عن عكرمة بن عمار قال: جزع محمّد بن المنكدر عند الموت فقيل له: تجزع.\nفقال: أخشى آية من كتاب الله تعالى وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فأنا أخشى ان يبدو لي من الله ما لم أحتسب.\nوَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ أعطيناه نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ من الله بأني له أهل.\nقال قتادة: على خير عندي.\nبَلْ هِيَ يعني النعمة فِتْنَةٌ.\nوقال الحسين بن الفضل: بل كلمته التي قالها فتنة.\nوَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: قارون إذ قال إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي.\nفَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ يعني كفار هذه الأمة سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٥٣ الى ٦٤]</span>\nقُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)\nأَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)\nلَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)","vol":"8","page":240},{"text":"قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الآية.\nاختلف المفسرون في المعنيّين بهذه الآية.\nفقال بعضهم: عنى بها قوما من المشركين.\nقال ابن عبّاس: نزلت في أهل مكة قالوا يزعم محمّد انه من عبد الأوثان وقتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ لم يغفر له، فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا مع الله الها آخر وقتلنا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nأنبأني عبد الله بن حامد بن محمّد الأصفهاني أخبرني إبراهيم بن محمّد بن عبد الله البغدادي حدثنا أبو الحسن أحمد بن حمدان الجبلي حدثنا أبو إسماعيل حدثنا إسحاق بن سعيد أبو سلمة الدمشقي حدثنا أنس بن سفيان عن غالب بن عبد الله عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عبّاس قال: بعث رسول الله ﷺ إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه: يا محمّد كيف تدعوني إلى دينك وأنت تزعم أنه من قتل أو شرك أو زنى يَلْقَ أَثامًا ويُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا، وأنا قد فعلت ذلك كله، فهل تجد لي رخصة؟ فأنزل الله تعالى إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا «١» الآية.\nقال وحشي: هذا شرط شديد فلعلي لا أقدر على هذا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ «٢» .\nفقال وحشي: هذا شرط شديد فلعلي لا أقدر على هذا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ.\nفقال وحشي: أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا، فهل غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.\nفقال وحشي: نعم هذه، فجاء فأسلم.\nفقال المسلمون: هذه له خاصة أم للمسلمين عامة؟\nوقال: «بل للمسلمين عامة» «٣» .\nوقال قتادة ذكر لنا أن ناسا أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية، فلما جاء الإسلام أشفقوا أن لن يتاب عليهم، فدعاهم الله بهذه الآية.\nوقال ابن عمر: نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد ونفر من المسلمين، كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول: لا يقبل الله تعالى من هؤلاء صرفا ولا عدلا أبدا، قوم أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوا به، فنزلت على هؤلاء الآيات فكان\n_________\n(١) سورة مريم: ٦٠.\n(٢) سورة النساء: ٤٨.\n(٣) المعجم الكبير: ١١/ ١٥٨، مجمع الزوائد: ١٠/ ٢١٥.","vol":"8","page":241},{"text":"عمر بن الخطاب كاتبا فكتبها بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا أبو بكر بن خرجة حدثنا محمّد بن عبد الله بن سلمان الحضرمي حدثنا محمّد بن العلاء حدثنا يونس بن بكير حدثنا ابن إسحاق حدثنا نافع عن ابن عمر عن عمر ﵁ أنه قال: لما اجتمعنا إلى الهجرة أبعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص بن وائل وقلنا: الميعاد بيننا المناصف ميقات بني غفار، فمن حبس منكم لم يأبها فقد حبس فليمض صاحبه، فأصبحت عندها أنا وعياش وحبس عنا هشام وفتن فافتتن، فقدمنا المدينة فكنا نقول: هل يقبل الله من هؤلاء توبة قوم عرفوا الله ورسوله ثم رجعوا عن ذلك لما أصابهم من الدّنيا؟ فأنزل الله تعالى قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إلى قوله أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ.\nقال عمر: فكتبتها بيدي كتابا ثم بعثت بها إلى هشام.\nقال هشام: فلما قدمت عليّ خرجت بها إلى ذي طوى فقلت اللهم فهمنيها، فعرفت أنها أنزلت فينا، فرجعت فجلست على بعيري فلحقت برسول الله ﷺ. فقتل هشام شهيدا بأجنادين في ولاية أبي بكر ﵁.\nوقال بعضهم: نزلت في قوم كانوا يرون أهل الكبائر من أهل النار، فأعلمهم الله تعالى أنه يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا لمن يشاء.\nوروى مقاتل بن حيان عن نافع عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله نرى أو نقول: أنه ليس شيء من حسناتنا إلّا وهي مقبولة حتّى نزلت هذه الآية أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ فلما نزلت هذه الآية قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقيل لنا:\nالكبائر والفواحش.\nقال: فكنا إذا رأينا من أصاب شيئا منها قلنا: قد هلك، فنزلت هذه الآية، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحدا أصاب منها شيئا خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئا رجونا له. وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر، والآية عامة للناس أجمعين لا تَقْنَطُوا.\nقرأ أبو عمرو والأعمش ويحيى بن وثاب وعيسى والكسائي ويعقوب (لا تَقْنِطُوا) بكسر النون.\nوقرأ أشهب العقيلي: بضمه.\nوقرأ الآخرون: بفتحه.\nروى الأعمش عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود قال: دخل عبد الله بن مسعود المسجد فإذا قاص يقص وهو يذكر النار والأغلال، فجاء حتّى قام على رأسه وقال: يا مذكّر لم","vol":"8","page":242},{"text":"تقنط الناس ثم قرأ قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ الآية.\nأخبرنا ابن فنجويه حدثنا أبو حبش المقرئ حدثنا ابن فنجويه حدثنا عبد سلمة حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم: أن رجلا كان في الأمم الماضية يجتهد في العبادة فيشدد على نفسه ويقنّط الناس من رحمة الله ثم مات فقال: أي رب ما لي عندك؟\nقال: النار.\nقال: أي رب وأين عبادتي واجتهادي؟\nفيقول: إنك كنت تقنط الناس من رحمتي في الدّنيا، فأنا اليوم أقنطك من رحمتي.\nإِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا حامد بن محمّد بن عبد الله حدثنا محمّد بن صالح الأشج حدثنا داود بن إبراهيم حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت بن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ولا يبالي» [١٣٥] .\nوفي مصحف عبد الله: (إن الله يغفر الذنوب جميعا لمن يشاء) .\nإِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.\nأخبرنا ابن فنجويه حدثنا محمّد بن المظفر حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء قال: ما علمت أحدا من أهل العلم ولا من أصحاب محمّد ﷺ يقول لذنب: إن الله لا يغفر هذا.\nأخبرنا عقيل بن محمّد بن أحمد: أن المعافا بن زكريا أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا زكريا بن يحيى وهداد بن أبي زائدة حدثنا حجاج حدثنا ابن لهيعة عن أبي قنبل قال: سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول: حدثني أبو عبد الرحمن الجيلاني أنه سمع ثوبان مولى رسول الله ﷺ يقول: سمعت رسول الله (﵇): «يقول ما أحب أن لي الدّنيا وما فيها بهذه الآية قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» [١٣٦] .\nفقال رجل: يا رسول الله ومن أشرك؟\nفسكت النبي (﵇) ثم قال: «ألا ومن أشرك ألا ومن أشرك ألا ومن أشرك» [١٣٧] «١» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٢٧٥.","vol":"8","page":243},{"text":"وبإسناده عن محمّد بن جرير حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية حدثنا يونس عن ابن سيرين قال: قال علي ﵁: ما في القرآن آية أوسع من قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ الآية.\nوبه عن ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير عن منصور عن الشعبي عن شتير بن شكل قال: سمعت ابن مسعود يقول: إن أكثر آية فرجا في القرآن يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا الآية «١» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي حدثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي حدثنا علي بن محمّد بن ماهان حدثنا سلمة بن شبيب قال: قريء على عبد الرزاق وأنا أسمع عن معمر عن الزهري قال: دخل عمر بن الخطاب على النبيّ ﷺ وهو يبكي فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك يا عمر؟» .\nقال: يا رسول الله إن بالباب شابا قد أخرق فؤادي وهو يبكي.\nفقال له رسول الله: «أدخله عليّ» .\nفدخل وهو يبكي فقال له رسول الله ﷺ: «ما شأنك يا شاب؟» .\nقال: يا رسول الله أبكاني ذنوب كثيرة وخفت من جبار غضبان عليّ.\nقال: «أشركت بالله يا شاب؟» .\nقال: لا.\nقال: «أقتلت نفسا بغير حقها؟» .\nقال: لا.\nقال: «فإن الله يغفر لك ذنبك ولو مثل السماوات السبع والأرضين السبع والجبال الرواسي» .\nقال: يا رسول الله ذنب من ذنوبي أعظم من السماوات السبع ومن الأرضين السبع.\nقال: «ذنبك أعظم أم العرش؟» قال: ذنبي.\nقال: «ذنبك أعظم أم الكرسي؟» .\nقال: ذنبي.\nقال: «ذنبك أعظم أم إلهك؟» .\nقال: بل الله أجلّ وأعظم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٤/ ٢٠.","vol":"8","page":244},{"text":"فقال: «إن ربّنا لعظيم ولا يغفر الذنب العظيم إلّا الإله العظيم» .\nقال: «أخبرني عن ذنبك» .\nقال: إني مستحيي من وجهك يا رسول الله.\nقال: «أخبرني ما ذنبك؟» .\nقال: إني كنت رجلا نباشا أنبش القبور منذ سبع سنين، حتّى ماتت جارية من بنات الأنصار فنبشت قبرها فأخرجتها من كفنها، ومضيت غير بعيد إذ غلبني الشيطان على نفسي، فرجعت فجامعتها ومضيت غير بعيد إذ قامت الجارية فقالت: الويل لك يا شاب من ديّان يوم الدين يوم يضع كرسيّه للقضاء، يأخذ للمظلوم من الظالم تركتني عريانة في عسكر الموتى ووقفتني جنبا بين يدي الله تعالى.\nفقام رسول الله ﷺ وهو يضرب في قفاه ويقول: «يا فاسق أخرج ما أقربك من النار» .\nقال: فخرج الشاب تائبا إلى الله تعالى حتّى أتى عليه ما شاء الله ثم قال: يا إله محمّد وآدم وحواء إن كنت غفرت لي فاعلم محمدا وأصحابه وإلّا فأرسل نارا من السماء فأحرقني بها ونجني من عذاب الآخرة.\nقال: فجاء جبرئيل وله جناحان جناح بالمشرق وجناح بالمغرب قال: السلام يقرؤك السلام. قال: «هو السلام وإليه يعود السلام» .\nقال: يقول: أنت خلقت خلقي؟.\nقال: «لا، بل هو الذي خلقني» .\nقال: يقول: أنت ترزقهم؟\nقال: «لا، بل هو يرزقني» .\nقال: أنت تتوب عليهم؟\nقال: «لا، بل هو الذي يتوب عليّ» .\nقال: فتب على عبدي.\nقال: فدعا النبيّ ﷺ الشاب فتاب عليه وقال: «أَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» «١» .\nوَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ أي واقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة. وَأَسْلِمُوا لَهُ واخضعوا له مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ.\n_________\n(١) لم نجدها فيما بين أيدينا من مصادر العامة، فانظر: أمالي الشيخ الصدوق: ٩٨.","vol":"8","page":245},{"text":"أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الحافظ حدثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السنّي حدثنا أبو يعلى الموصلي حدثنا أبو خيثمة حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا كثير بن زيد عن الحرث بن أبي يزيد قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن من السعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله تعالى الإنابة» [١٣٨] «١» .\nوَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ والقرآن كله حسن وانما معنى الآية ما قال الحسن: التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن الذي أنزل على ثلاثة أوجه: ذكر القبيح لنجتنبه، وذكر الأدون لئلا نرغب فيه، وذكر الحسن لنؤثره.\nوكذلك قال السدي: الأحسن ما أمر الله به في الكتاب.\nوقال ابن زيد (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) يعني المحكمات وكلوا علم المتشابهات إلى عالمها.\nمِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يعني لأن لا تقول كقوله: أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ «٢» وَأَنْ تَصُومُوا «٣» ونحوهما.\nيا حَسْرَتى يا ندامتا وحزني، والتحسر الاغتمام على ما فات، سمّي بذلك لانحساره عن صاحبه بما يمنع عليه استدراكه وتلا في الأمر فيه، والألف في قوله: (يا حَسْرَتى) هي بالكناية للمتكلم وإنما أريد يا حسرتي على الاضافة، ولكن العرب تحوّل الياء التي هي كناية اسم المتكلم في الاستغاثة ألفا فتقول: يا ويلتا ويا ندامتا، فيخرجون ذلك على لفظ الدعاء، وربّما لحقوا بها الهاء.\nأنشد الفراء:\nيا مرحباه بحمار ناجية ... إذا أتى قربته للسانية «٤»\nوربّما الحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة.\nوكذلك قرأ أبو جعفر: يا حسرتاي.\nعَلى ما فَرَّطْتُ قصّرت فِي جَنْبِ اللَّهِ قال الحسن: في طاعة الله. سعيد بن جبير:\nفي حق الله في أمر الله. قاله مجاهد.\nقال أهل المعاني: هذا كما يقال هذا صغير في جنب ذلك الماضي، أي في أمره.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٣٣٢. [.....]\n(٢) سورة النحل: ١٥.\n(٣) سورة البقرة: ١٨٤.\n(٤) شرح الرضي على الكافية: ١/ ٤٢٠.","vol":"8","page":246},{"text":"وقيل: في سبيل الله ودينه. والعرب تسمّي السبب والطريق الى الشيء جنبا تقول:\nتجرعت في جنبك غصصا وبلاء، أي بسببك ولأجلك.\nقال الشاعر:\nأفي جنب بكر قطعتني ملامة ... لعمري لقد كانت ملامتها ثنى «١»\nوقال في الجانب الذي يؤدي إلى رضى الله تعالى وثوابه، والعرب تسمّي الجانب جنبا.\nقال الشاعر:\nالناس جنب والأمير جنب «٢»\nيعني الناس من جانب والأمير من جانب.\nوَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ المستهزئين بدين الله تعالى وكتابه ورسوله والمؤمنين.\nقال قتادة: في هذه الآية لم يكفه ان ضيع طاعة الله تعالى، حتّى جعل يسخر بأهل طاعة الله.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه حدثنا هارون بن محمّد حدثنا محمّد بن عبد العزيز حدثنا سلمة حدثنا أبو الورد الوزان عن إسماعيل عن أبي صالح: (يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) قال: كان رجل عالم في بني إسرائيل ترك علمه وأخذ في الفسق، أتاه إبليس فقال له: لك عمر طويل فتمتع من الدّنيا ثم تب.\nفأخذ في الفسق، وكان عنده مال فأنفق ماله في الفجور، فأتاه مالك الموت في ألذّ ما كان.\nفقال: من أنت؟\nفقال: أنا ملك الموت جئت لأقبض روحك.\nفقال: يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ، ذهب عمري في طاعة الشيطان وأسخطت ربّي.\nفندم حين لم تنفعه الندامة، قال: فأنزل الله ﷾ خبره في القرآن.\nأَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً رجعة إلى الدّنيا فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ وفي نصب قوله: (فَأَكُونَ) وجهان:\n_________\n(١) الصحاح للجوهري: ٦/ ٢٢٩٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ٥/ ١٩٢، لسان العرب: ١/ ٢٧٨، وهو للأخفش.","vol":"8","page":247},{"text":"أحدهما: على جواب لو.\nوالثاني: على الرد على موضع الكرّة، وتوجيه الكرّة في المعنى لو أنّ لي أن أكر.\nكقول الشاعر: أنشده الفراء:\nفمالك منها غير ذكرى وحسرة ... وتسأل عن ركبانها أين يمموا»\nفنصب تسأل عطفا على موضع الذكرى، لأن معنى الكلام: فمالك منها إلّا أن يذكر، ومنه قول الله تعالى: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا «٢» عطف يرسل على موضع الوحي في قوله تعالى: إِلَّا وَحْيًا.\nبَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ.\nقرأ العامة: بفتح الكاف والتاء.\nوقرأت عائشة: بكسرها أجمع، ردتها إلى النفس.\nوروى ذلك عن رسول الله ﷺ.\nحدثنا ابن فنجويه حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل أخبرنا سعيد بن نصير قال: سمعت إسحاق بن سلمة الرازي قال: سمعت أبا جعفر الرازي يذكر عن الربيع بن أنس أنبأني عبد الله بن حامد أخبرتنا سعيدة بنت حفص بن المهتدي ببخارى قالت: حدثنا صالح بن محمّد البغدادي حدثنا عبد الله بن يونس بن بكر حدثنا أبي حدثنا عيسى بن عبد الله بن ماهان أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: سمعت رسول الله (﵇) يقول: «بَلى قَدْ جاءَتْكِ آياتِي فَكَذَّبْتِ بِها وَاسْتَكْبَرْتِ وَكُنْتِ مِنَ الْكافِرِينَ» [١٣٩] «٣» على مخاطبة النفس.\nقال المروزي: وهي رواية السريحي عن الكسائي.\nوَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ فزعم أن له ولدا وشريكا وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.\nقال الأخفش: تَرَى غير عاملة في قوله: (وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ) إنما ابتداء وخبر.\nأَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ.\nقرأ أهل الكوفة: بالألف على الجمع.\n_________\n(١) جامع البيان الطبري: ٢٤/ ٢٧، تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٧٢، وهو للفراء.\n(٢) سورة الشورى: ٥١.\n(٣) معاني القرآن: ٦/ ١٨٧، الدر المنثور: ٥/ ٣٣٣.","vol":"8","page":248},{"text":"وقرأ الباقون: بغير ألف على الواحد، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم والأخفش، لأن المفازة هاهنا الفوز، ومعنى الآية: بنجاتهم من العذاب بأعمالهم الحسنة.\nلا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ لا يصيبهم المكروه وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أيّ مفاتيح خزائن السماوات والأرض، واحدها مقلاد مثل مفتاح ومفاتيح، ومقليد مثل منديل ومناديل وفيه لغة أخرى أقاليد.\nواحدها إقليد، وقيل: هي فارسية معربة اكليل.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري بقرائتي عليه حدثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه حدثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي حدثنا عمر بن أحمد بن شنبه حدثنا إسماعيل بن سعيد الخدري حدثنا أغلب بن تميم عن مخلد أبي الهذيل عن عبد الرحمن أخيه قال ابن عيينة: عن عبد الله بن عمر عن عثمان بن عفان ﵁ انه سأل رسول الله ﷺ عن تفسير هذه الآية (مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) .\nفقال: «يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها: لا إله إلّا الله والله اكبر وسبحان الله وبحمده واستغفر الله لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ، بيده الخير يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، يا عثمان من قالها إذا أصبح أو أمسى عشر مرات أعطاه الله تعالى ست خصال: أما أولها: فيحرس من إبليس وجنده، والثانية: يحضره إثنا عشر ملكا، والثالثة: يعطى قنطاران من الجنّة، والرابعة: يرفع له درجة، والخامسة: يزوجه الله تعالى زوجة من الحور العين، والسادسة: يكون له من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل، وله أيضا من الأجر كمن حج أو اعتمر فقبلت حجته وعمرته، فإن مات من ليلته مات شهيدا» [١٤٠] «١» .\nأخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمّد بن العدل بقرائتي عليه حدثنا أحمد بن محمّد بن يحيى أخبرنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن زكريا الجرجاني الفقيه حدثنا أحمد بن جعفر بن نصر الرازي حدثنا محمّد بن يزيد النوفلي حدثنا حماد بن محمّد المروزي حدثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي ﵁ قال: سألت النبيّ ﷺ عن تفسير المقاليد.\nفقال: «يا عليّ سألت عظيما، المقاليد هو أن تقول عشرا إذا أصبحت وعشرا إذا أمسيت:\nلا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ والله أكبر سبحان الله والحمد لله واستغفر الله ولا حول ولا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ...، هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ ... يُحْيِي وَيُمِيتُ بيده الخير وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، من قالها عشرا إذا أصبح وعشرا إذا امسى أعطاه الله تعالى خصالا ستا أولهن:\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ١١٥.","vol":"8","page":249},{"text":"يحرسه من إبليس وجنده فلا يكون لهم عليهم سلطان، والثانية: يعطى قنطارا في الجنّة أثقل في ميزانه من جبل أحد، والثالثة: يرفع الله له درجة لا ينالها إلّا الأبرار، والرابعة: يزوجه الله من الحور العين، والخامسة: يشهده إثنا عشر ألف ملك يكتبونها فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ يشهدون له بها يوم القيامة، والسادسة: كمن قرأ التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكان كمن حج واعتمر فقبل الله حجة وعمرته، وإن مات من يومه أو ليلته أو شهره طبع بطابع الشهداء، فهذا تفسير المقاليد» [١٤١] «١» .\nوَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ وذلك حين دعا إلى دين آبائه. واختلف القرّاء في قوله: تَأْمُرُونِّي فقرأ أهل المدينة: بنون واحدة مخففة على الحذف والتحقيق.\nوقرأ أهل الشام: بنونين على الأصل.\nوقرأ الآخرون: بنون واحدة مشددة على الإدغام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>[سورة الزمر (٣٩): الآيات ٦٥ الى ٧٥]</span>\nوَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩)\nوَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤)\nوَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)\nوَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الذي عملته قبل الشرك.\nوقال أهل الإشارة: معناه لئن طالعت غيري في السر لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٧٥.","vol":"8","page":250},{"text":"وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ثم دلّه على التوحيد فقال عز من قائل: بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ لله تعالى على نعمة الايمان وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ حين أشركوا به غيره، ثم خبر عن عظمته فقال وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ أيّ ملكه يَوْمَ الْقِيامَةِ بلا مانع ولا منازع ولا مدّع، وهي اليوم أيضا ملكه، ونظيره قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «١» ولِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ «٢» .\nقال الأخفش: هذا كما يقال خراسان في قبض فلان، ليس أنها في كفّه وإنما معناه ملكه.\nوَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ للطي معان منها: الإدراج كطي القرطاس والثوب بيانه يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ، ومنه الإخفاء كما تقول: طويت فلانا عن الأعين، وأطو هذا الحديث عني أي استره.\nومنه: الإعراض يقال: طويت عن فلان أو أعرضت عنه.\nومنه: الافناء، تقول العرب: طويت فلانا بسيفي، أي أفنيته.\nوقراءة العامة: مَطْوِيَّاتٌ بالرفع. وقرأ عيسى بن عمر: بالكسر ومحلها النصب على الحال والقطع، وإنما يذكر اليمين للمبالغة في الاقتدار.\nوقيل: هو معنى القوة، كقول الشاعر:\nتلقاها عرابة باليمين «٣»\nوقيل: اليمين بمعنى القسم، لأنه حلف أنه يطويها ويفنيها. وهو اختيار علي بن مهدي الطبري قال: معناه مضنيات بقسمه.\nحكى لي أستاذنا أبو القاسم بن حبيب عنه ثم نزه نفسه، وقال تعالى: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم أتى ذاكر بعض ما ورد من الآثار في تفسير هذه الآية.\nأخبرنا عبد الله بن حامد بقرائتي عليه حدثنا محمّد بن جعفر المطري حدثنا علي بن حرب الموصلي حدثنا ابن فضيل حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا أبا القاسم إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والخلائق على إصبع، ثم يقول هكذا بيده.\nفضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: «وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ» «٤» .\n_________\n(١) سورة الفاتحة: ٤.\n(٢) سورة غافر: ١٦.\n(٣) الصحاح: ١/ ١٨٠، لسان العرب: ١/ ٥٩٣، وهي للشماخ.\n(٤) مسند أحمد: ١/ ٤٢٩، وسنن الترمذي: ٥/ ٤٩ ح ٣٢٩١، بتفاوت يسير. [.....]","vol":"8","page":251},{"text":"وأنبأني عبد الله بن حامد أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا العبّاس بن الفضل الاسقاطي حدثنا أحمد بن يونس حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبيد الله قال: جاء حبر إلى رسول الله ﷺ. فقال: يا محمّد أو يا أبا القاسم إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ يوم القيامة على إصبع، والأرضين على إصبع، والجبال على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، يهززهن فيقول: أنا الملك أنا الملك.\nفضحك النبي ﷺ تعجبا ممّا قال الحبر تصديقا له، ثم قرأ وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١» .\nأخبرنا أحمد بن محمّد بن يوسف القصري بها أخبرنا إسماعيل بن محمّد بن إسماعيل ببغداد حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا محمّد بن صالح الواسطي عن سليمان بن محمّد عن عمر بن نافع عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر رأيت رسول الله ﷺ قائما على هذا المنبر- يعني منبر رسول الله (﵇) . وهو يحكي عن ربّه ﵎ فقال: «إن الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السماوات والأرضين السبع في قبضته- ثم قال هكذا وشد قبضته ثم بسطها- ثم يقول: أنا الله، أنا الرحمن، أنا الملك، أنا القدوس، أنا السلام، أنا المؤمن، أنا المهيمن، أنا العزيز، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الذي بدأت الدّنيا ولم يك شيئا، أنا الذي أعدتها، أين الملوك أين الجبابرة» [١٤٢] .\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا عمر بن الخطاب حدثنا عبد الله بن الفضل حدثنا هدية ابن خالد حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قرأ على المنبر (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) فبسط رسول الله ﷺ يديه ثم قال: «فيمجّد الله نفسه، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا العزيز، أنا الملك، أين الجبارون، أين المتكبرون» .\nقال: فرجف المنبر حتّى قلنا ليتحركنّ به، وقيل: ليخرنّ به «٢» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد حدثنا عمر عن عبد الله حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة عن عمر بن حمزة عن سالم بن عبد الله حدثني عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ:\n«يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟\nأين المتكبرون» «٣» .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٨/ ١٢٥.\n(٢) كتاب السنة لابن أبي عاصم: ٢٤١ ح ٥٤٥.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٤/ ٣٦.","vol":"8","page":252},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد إجازة أخبرنا محمّد بن الحسين حدثنا محمّد بن جعونة أخبرنا أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا أبو بكر بن أبي مريم الغساني عن سعيد بن ثوبان الكلاعي عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي ﷺ: أنه أتاه حبر من أحبار اليهود فقال: إني سائلك عن أشياء فخبّرني بها.\nفقال له النبي ﷺ: «اسأل ذلك» .\nفقال الحبر: أرأيت قول الله تعالى في كتابه: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ) فأين الخلق عند ذلك؟\nفقال النبي ﷺ: «هم أضياف الله تعالى فلن يعجزهم ما لديه» .\nفقال الحبر: فقوله ﷾: وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ فأين الخلق عند ذلك؟\nفقال النبي ﷺ: «هم فيها كالرقيم في الكتاب» [١٤٣] «١» .\nوقال ابن عبّاس: في هذه الآية كل ذلك يمينه، وليس في يده الأخرى شيء، وإنما يستعين بشماله المشغولة يمينه، وما السماوات والأرضون السبع في يدي الله تعالى إلّا كخردلة في يد أحدكم «٢» .\nأنبأني عقيل بن أحمد: أن المعافا بن زكريا أخبره عن محمّد بن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة حدثني ابن إسحاق عن محمّد عن سعيد قال: اتى رهط من اليهود النبي ﷺ وقالوا:\nيا محمّد هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟\nفغضب النبي ﷺ حتّى انتقع لونه ثم ساورهم غضبا لربّه فجاءه جبرئيل (﵇) فسكنه وقال: اخفض عليك جناحك وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه، قال يقول الله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.\nفلما تلاها عليهم النبي ﷺ قالوا له: صف لنا ربك كيف خلقه وكيف عضده وكيف ذراعه؟\nفغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأول ثم ساورهم فجاءه جبرئيل فقال: مثل مقالته، وأتاه بجواب ما سألوه وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ الآية «٣» .\nوقال مجاهد: وكلتا يدي الرحمن يمين.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٣/ ٣٣٣.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٤/ ٣٢.\n(٣) تفسير الدر المنثور: ٦/ ٤١٠.","vol":"8","page":253},{"text":"أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن حامد الأصبهاني أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق أخبرنا بشير بن موسى حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرنا عمرو بن أوس الثقفي:\nأنه سمع عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله ﷺ: «المقسطون عند الله تعالى يوم القيامة على منابر من منابر النور على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» [١٤٤] «١» .\nوقال الحسين بن الفضل والأخفش معنى الآية وَالْأَرْضُ جَمِيعًا ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ أي مضبوطات مربوطات بِيَمِينِهِ، أي بقدرته وهي كلها في ملكه وقبضته، نحو قوله تعالى: أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ «٢» أي وما كانت لكم قدرة، وليس الملك لليمين دون سائر الجسد والله أعلم.\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ.\nأخبرنا أبو محمّد الحسين بن أحمد المخلدي إملاء وقراءة أخبرنا عبد الله بن محمّد بن مسلم حدثنا أحمد بن محمّد بن أبي رجاء المصيصي حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أسلم العجلي عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن عمرو قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصور.\nفقال: «قرن ينفخ فيه» [١٤٥] «٣» .\nفَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ أيّ ماتوا وهي النفخة الثانية إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ اختلفوا في الذين استثناهم الله تعالى.\nأخبرنا أبو علي الحسين بن محمّد بن محمّد الروذبادي حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمّد ابن عبد الرحيم الشروطي حدثنا عبدان بن عبد الله بن أحمد حدثنا محمّد بن مصفي حدثنا بقية عن محمّد عن عمرو بن محمّد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ سأل جبرئيل عن هذه الآية فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ: «من أولئك الذين لم يشاء الله أن يصعقهم؟» .\nفقال: هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش «٤» .\nأخبرنا الحسين بن فنجويه بقرائتي عليه حدثنا أبو علي بن حبش المقرئ قال: قرأ عليّ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ١٦٠، والسنن الكبرى للبيهقي: ١٠/ ٨٧.\n(٢) سورة النساء: ٣٦.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ١٦٢، وسنن الدارمي: ٢/ ٣٢٥.\n(٤) المستدرك: ٢/ ٢٥٣.","vol":"8","page":254},{"text":"أبي يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي وأنا أسمع حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمّد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه سأل جبرئيل (﵉) عن هذه الآية وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ: «من الذين لم يشاء الله تعالى أن يصعقهم؟» .\nقال: هم الشهداء متقلدون حول عرشه تتلقاهم الملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت أزمتها الدرّ برحائل السندس والإستبرق نمارها ألين من الحرير، مدّ خطاها مدّ أبصار الرجال يسيرون في الجنّة يقولون عند طول البرهة: انطلقوا إلى ربنا لننظر كيف يقضي بين خلقه، فيضحك إليهم إلهي ﷿، فإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه «١» .\nأخبرنا ابن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الحسن بن يحيويه حدثنا عمرو بن ثور وإبراهيم بن أبي سفيان قالا:\nحدثنا محمّد بن يوسف الفربابي حدثنا سليمان بن حيان عن محمّد بن إسحاق عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: تلا رسول الله (﵇) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين استثنى الله تعالى؟\nقال: «هو جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت- قال: فيقول يا ملك الموت خذ نفس اسرافيل. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وميكائيل وملك الموت. فيقول: يا ملك الموت خذ نفس ميكائيل. فيأخذ نفس ميكائيل فيقع كالطود العظيم. فيقول: يا ملك الموت من بقي؟ فيقول: سبحانك ربّي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام بقي جبرئيل وملك الموت.\nفيقول: مت يا ملك الموت فيموت. فيقول: يا جبرئيل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام وجهك الباقي الدائم وجبرئيل الميت الفاني- قال-: فيقول: يا جبرئيل لا بدّ من موتك، فيقع ساجدا يخفق بجناحيه فيقول: سبحانك ربّي تباركت وتعاليت ذا الجلال والإكرام» .\nفقال رسول الله ﷺ: «إن فضل خلقه على خلق ميكائيل كالطود العظيم على الضرب من الضراب» [١٤٦] «٢» .\nأخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن جعفر حدثنا حاجب بن أحمد بن يرحم حدثنا محمّد بن حماد حدثنا محمّد بن الفضيل عن سليمان التيمي عن أبي نصرة عن جابر في قوله تعالى:\n_________\n(١) الدر المنثور: ٥/ ٣٣٦.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٤/ ٣٨، وتفسير القرطبي: ١٥/ ٢٨٠.","vol":"8","page":255},{"text":"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ قال: موسى ممّن استثنى الله تعالى، وذلك بأنه قد صعق مرة.\nيدل عليه ما\nأخبرنا عقيل بن أحمد: أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا عبدة بن سليمان حدثنا محمّد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قال يهودي بسوق المدينة: والذي اصطفى موسى على البشر، قال: فرفع رجل من الأنصار يده فصك بها وجهه فقال: تقول هذا وفينا رسول الله.\nفقال رسول الله ﷺ: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فأكون أنا أول من يرفع رأسه، فإذا موسى أخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممّن استثنى الله تعالى» [١٤٧] «١» .\nوقال كعب الأحبار: هم إثنا عشر، حملت العرش وجبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.\nالضحاك: هم رضوان والحور ومالك والزبانية.\nقتادة: الله أعلم بثنياه «٢» .\nالحسن: (إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ) يعني الله وحده. وقيل: عقارب النار وحياتها، ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أي في الصور أُخْرى مرة أخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ من قبورهم يَنْظُرُونَ يعني ينظرون إلى البعث.\nوقيل: ينتظرون أمر الله تعالى فيهم.\nقالت العلماء: ووجه النفخ في الصور أنه علامة جعلها الله تعالى ليتصوّر بها العاقل وأخذ الأمر، ثم تجديد الخلق.\nوَأَشْرَقَتِ وأضاءت الْأَرْضُ.\nوقرأ عبيد بن عمير: (وَأُشْرِقَتِ) على لفظ ما لم يسم فاعله كأنها جعلت مضيئة.\nبِنُورِ رَبِّها قال أكثر المفسرين: بضوء ربّها، وذلك حين يبرز الرحمن لفصل القضاء بين خلقه فما يتضارون في نوره إلّا كما يتضارون في الشمس في اليوم الصحو الذي لا دخن فيه «٣» .\nوقال الضحاك: بحكم ربّها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٤/ ٤٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٨٠. [.....]\n(٣) تفسير الطبري: ٢٤/ ٤٢.","vol":"8","page":256},{"text":"وقال السدي: بعدل ربّها. ويقال: إن الله تعالى خلق في القيامة نورا يلبسه وجه الأرض فتشرق الأرض به، ويقال: ان الله يتجلى للملائكة فتشرق الأرض بنوره، وأراد بالأرض عرصات القيامة.\nوَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ.\nقال ابن عبّاس: يعني الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة.\nوقال السدي: الذين استشهدوا في طاعة الله.\nوقيل: هم الحفظة، يدل عليه قوله تعالى: وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ «١» .\nوَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا سوقا عنيفا يسحبون على وجوههم إِلى جَهَنَّمَ زُمَرًا أفواجا بعضها على أثر بعض، كل أمة على حدة.\nوقال أبو عبيد والأخفش: يعني جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة.\nحَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها السبعة وكانت قبل ذلك مغلقة.\nواختلف القراء في قوله: (فُتِحَتْ) و(فُتِّحَتْ) فخففها أهل الكوفة، وشددهما الآخرون على التكثير.\nوَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها توبيخا وتقريعا لهم أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ وجبت كَلِمَةُ الْعَذابِ وهي قوله تعالى:\nلَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «٢» .\nعَلَى الْكافِرِينَ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وَسِيقَ الَّذِينَ وحشر الذين اتَّقَوْا رَبَّهُمْ فأطاعوه ولم يشركوا به إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ركبانا حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ الواو فيه واو الحال ومجازه وقد فتحت أبوابها، فأدخل الواو هاهنا لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها من الآية الأولى لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، ويقال:\nزيدت الواو هاهنا، لأن أبواب الجنّة ثمانية وأبواب الجحيم سبعة، فزيدت الواو هاهنا فرقا بينهما.\nحكى شيخنا عبد الله بن حامد عن أبي بكر بن عبدش أنها تسمى واو ثمانية.\nقال: وذلك أن من عادة قريش أنهم يعدون العدد من الواحد إلى الثمانية، فإذا بلغوا\n_________\n(١) سورة ق: ٢١.\n(٢) سورة هود: ١١٩.","vol":"8","page":257},{"text":"الثمانية زادوا فيها واوا فيقولون: خمسة، ستة، سبعة، وثمانية، يدل عليه قول الله تعالى:\nسَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا «١» وقال سبحانه: التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ «٢»، فلما بلغ الثامن من الأوصاف قال وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ «٣»، وقال ﷾: وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ «٤»، وقال تعالى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا «٥» .\nوقيل: زيادة الواو في صفة الجنّة علامة لزيادة رحمة الله على غضبه وعقوبته.\nوَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ قال قتادة فإذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنّة والنار، فيقتص بعضهم من بعض، حتّى إذا هدءوا واطمئنوا قال لهم رضوان وأصحابه: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ.\nأخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي أخبرنا أبو حاتم مكي بن عبدان التميمي حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر السليطي حدثنا روح بن عبادة القيسي حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي ﵁: أنه سئل عن هذه الآية وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا الآية.\nفقال: سيقودهم إلى أبواب الجنّة حتّى إذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة تخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا فيها فجرت عليهم بنضرة النعيم، فلن تغير أجسادهم بعدها أبدا ولن تشعث أشعارهم بعدها أبدا كأنما دهنوا بالدهان، ثم عمدوا إلى الأخرى فشربوا منها فأذهبت ما في بطونهم من أذى أو قذى، وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنّة: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، ويلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم إذا جاء من الغيبة يقولون: ابشر قد أعدّ الله لك كذا وكذا وأعد لك كذا وكذا، وينطلق غلام من غلمانه يسعى إلى أزواجه من الحور العين فيقول: هذا فلان- باسمه في الدّنيا- قد قدم.\nفيقلن: أنت رأيته؟\nفيقول: نعم.\nفيستخفهن الفرح حتّى يخرجن إلى أسكفة الباب ويجيء ويدخل، فإذا سرر موضونة، وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد\n_________\n(١) سورة الحاقة: ٧.\n(٢) سورة التوبة: ١١٢.\n(٣) سورة التوبة: ١١٢.\n(٤) سورة الكهف: ٢٢.\n(٥) سورة التحريم: ٥.","vol":"8","page":258},{"text":"أسس على جندل اللؤلؤ بين أخضر وأحمر وأبيض وأصفر من كل لون، ثم يتكئ على أريكة من أرائكه، ثم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدر له لألمّ أن يذهب بصره، أنه مثل البرق فيقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ «١» قال: فيناديهم الملائكة أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .\nواختلف أهل العربية في جواب قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاؤُها.\nفقال بعضهم: جوابه: (فُتِحَتْ) والواو فيه [مثبتة] مجازها حتّى إذا جاؤها فتحت أبوابها كقوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً «٣» أي ضياء.\nوقيل: جوابه: قوله تعالى: وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها والواو فيه ملغاة تقديره: حتّى إذا جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها.\nكقول الشاعر:\nفإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا توهم حالم بخيال «٤»\nأراد فإذا ذلك لم يكن.\nوقال بعضهم: جوابه مضمر ومعنى الكلام: حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها: سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ، فدخلوها.\nوَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ قال أبو عبيدة: جوابه محذوف مكفوف عن خبره، والعرب تفعل هذا لدلالة الكلام عليه.\nقال الأخطل في آخر قصيدة له:\nخلا أن حيا من قريش تفضلوا ... على الناس أو ان الأكارم نهشلا «٥»\nوقال عبد مناف بن ربيع في آخر قصيدة:\nحتّى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلاء كما تطرد الجمالة الشردا «٦»\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٤٣.\n(٢) سورة الأعراف: ٤٣.\n(٣) سورة الأنبياء: ٤٨.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢٤/ ٤٦، وفي اللسان: ٢/ ٥٥١، نسبه إلى ابن مقبل، وفيه:\nفإذا وذلك يا كبيشة لم يكن ... إلّا كلمة حالم بخيال\n(٥) تفسير الطبري: ٢٤/ ٤٧، وشرح الرضي على الكافية: ٤/ ٣٧٧.\n(٦) المصدر السابق، ولسان العرب: ٣/ ٢٣٧. [.....]","vol":"8","page":259},{"text":"وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ يعني أرض الجنّة، وهو قوله تعالى: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ «١» .\nنَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ثواب المطيعين وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ محدقين محيطين مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ودخول (من) للتوكيد يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ متلذذين بذلك لا متعبدين به، لأن التكليف يزول في ذلك اليوم وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ أي بين أهل الجنّة والنار بالحق وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nأخبرنا أبو صالح شعيب بن محمّد البيهقي الفقيه أخبرنا مكي بن عبدان أخبرنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر حدثنا روح بن عبادة حدثنا سعيد عن قتادة في هذه الآية قال: فتح أول الخلق بالحمد وقال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ «٢» وختم بالحمد فقال: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمّد بن عبد الكريم الفزاري حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الرحمن بن عثمان عن عبادة بن ميسرة عن محمّد بن المنكدر عن ابن عمر أن النبيّ ﷺ قرأ على المنبر آخر سورة الزمر فتحرك المنبر مرتين.\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ١٠٥.\n(٢) سورة الأنعام: ١.","vol":"8","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-664>سورة المؤمن</span>\nقال الثمالي: إنما سميت بذلك من أجل حزقيل مؤمن آل فرعون مكية، وهي خمس وثمانون آية، وألف ومائة وتسع وتسعون كلمة، وأربعة ألف وتسع مائة وستون حرفا في فضل الحواميم:\nأخبرنا الأستاذ أبو الحسين علي بن محمّد بن الحسن الجنازي قراءة عليه حدثنا أبو الشيخ الأصبهاني حدثنا محمّد بن أبي عصام حدثنا إبراهيم بن سليمان الحرّاني حدثنا عثمان المزني حدثنا عبد القدوس بن حبيب عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «الحواميم ديباج القرآن» [١٤٨] «١» .\nأخبرنا أبو محمّد ابن الرومي أخبرنا أبو العباس السراج حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عبّاس قال: لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم.\nأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمّد بن يعقوب القصري بها أخبرنا أبو علي الصفار ببغداد حدثنا سعدان بن نصر وأخبرنا أبو الحسين الخبازي أخبرنا الشدائي وهو أبو بكر أحمد بن نصر حدثنا ابن المنادي عن سعدان بن نصر: أن المعتمر بن سليمان الرقي حدثهم عن الخليل بن مرة مرسلا قال: كان النبي ﷺ يقول: «الحواميم سبع وأبواب جهنّم سبع: جهنم، والحطمة، ولظى، والسعير، وسقر، والهاوية، والجحيم، فتجيء كل حاء ميم منهن يوم القيامة على باب من هذه الأبواب فيقول: لا يدخل الباب من كان يؤمن بي ويقرأني» [١٤٩] «٢» .\nأخبرنا علي بن محمّد بن الحسن حدثنا أبو جعفر محمّد بن عبد الله بن بذرة حدثنا أبو علي أحمد ابن بشر المرثدي حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني حدثنا جعفر بن عون عن مسعر عن سعيد بن إبراهيم قال: كنّ الحواميم يسمون العرائس.\n_________\n(١) الجامع الصغير: ١/ ٥٩٤ ح ٣٨٥١.\n(٢) الجامع الصغير: ١/ ٥٩٤ ح ٣٨٥٣.","vol":"8","page":261},{"text":"وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لكل شيء ثمرة، وأن ثمرة القرآن ذوات حسم هن روضات حسان مخصبات متجاورات، فمن أحب أن يرتع في رياض الجنّة فليقرأ الحواميم» [١٥٠] «١» .\nوقال ابن مسعود: إذا وقعت في أل حم وقعت في روضات أتأنق فيهن.\nوقال ﷺ: «مثل الحواميم في القرآن مثل الحبرات في الثياب» [١٥١] «٢» .\nوقال ابن سيرين: رأى رجل في المنام سبع جوار حسان في مكان واحد لم ير أحسن منهن فقال لهن: لمن أنتن؟\nقلن: لمن قرأ أل حم.\nفأما فضائل هذه السورة خاصة.\nفأخبرنا أبو عبد الله حدثنا ظفران حدثنا أبو محمّد بن أبي حاتم حدثنا الحسن بن محمّد ابن الصباح وأخبرنا أبو الحسين الخبازي حدثنا ظفران حدثنا ابن أبي داود حدثنا محمّد بن عاصم وأخبرنا الخبازي حدثنا ابن حبش المقرئ حدثني أبو العبّاس محمّد بن موسى الدقاق حدثنا عبد الله بن روح المدائني حدثنا نشابة بن سوار حدثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن زيد وعن عطاء بن أبي ميمونة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «من قرأ حم المؤمن لم تبق روح نبيّ ولا صدّيق ولا شهيد ولا مؤمن إلّا صلّوا عليه واستغفروا له» [١٥٢] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٨٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٨٨.","vol":"8","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١ الى ١٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ (٤)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ (٥) وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٦) الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)\nحم\nأنبأنا أبو عبد الله بن فنجويه حدثنا أبو علي بن حبش المقرئ حدثنا أبو القاسم ابن الفضل حدثنا علي بن الحسن حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا يحيى بن حسان حدثنا رشد عن الحسن بن ثوبان عن عكرمة قال: قال رسول الله ﷺ: «حم اسم من أسماء الله تعالى وهي مفاتيح خزائن ربّك تعالى» [١٥٣] «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان أخبرنا مكي بن عبدان حدثنا عبد الله بن هاشم حدثنا عبد الرحمن ابن مهدي حدثنا شعبة قال: سألت السدي عن حم؟\nفقال: قال ابن عبّاس: هو اسم الله الأعظم.\nوروى عكرمة عن ابن عبّاس قال: (الر) و(حم) و(ن) حروف الرَّحْمنُ مقطوعة.\nالوالبي عنه: «٢» قسم أقسم الله تعالى به، وهو اسم من أسماء الله تعالى.\nوقال قتادة: حم اسم من أسماء القرآن.\nمجاهد: فواتح السور.\nالقرظي: أقسم الله تعالى بحلمه وملكه أن لا يعذب أحدا عاد إليه يقول لا إله إلّا الله مخلصا من قلبه.\nالشعبي: شعار السورة.\nوقال عطاء بن أبي مسلم الخراساني: الحاء افتتاح أسماء الله تعالى: حليم، وحميد، وحيّ، وحنّان، وحكيم، والميم افتتاح أسمائه: ملك، ومجيد، ومنّان. يدل عليه ما\nروى عن أنس بن مالك أنه قال: سأل أعرابي رسول الله ﷺ ما حم، فإنا لا نعرفها في لغتنا؟\nفقال: «بدء أسماء وفواتح سور» [١٥٤] .\nوقال الضحاك والكسائي: معناه قضى ما هو كائن، كأنه أراد الإشارة إلى حمّ بضم الحاء وتشديد الميم.\nتَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ واختلف القراء في قوله: (حم) فكسر الحاء حيث كان، عيسى وحمزة والكسائي وخلف، ومثله روى يحيى وحماد عن أبي بكر عن عاصم.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٨٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٢٨٩.","vol":"8","page":263},{"text":"وقرأ أبو جعفر وأبو عبيد وأبو حاتم وابن ذكوان بين الفتح والكسر.\nومثله روى بكر بن سهل الدمياطي وإسماعيل النخاس عن ورش عن نافع.\nوقرأ الباقون: بالفتح.\nغافِرِ الذَّنْبِ قال ابن عبّاس: لمن قال: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ...\nوَقابِلِ التَّوْبِ ممّن قال: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ... شَدِيدِ الْعِقابِ لمن لا يقول: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ ...\nذِي الطَّوْلِ ذي الغنى عمّن لا يقول: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ.\nوقال الضحاك: ذي المنن.\nقتادة: ذي النعم.\nالسدي: ذي السعة.\nالحسن: ذي الفضل.\nابن زيد: ذي القدرة، وأصل الطول: الإنعام الذي تطول مدته على صاحبه، يقال: اللهم طلّ علينا، أي أنعم علينا وتفضل، ومنه قيل للمنفع: طائل، ويقال في الكلام: ما خليت من فلان بطائل وما حظيت منه بنائل، أي لم أجد منه منفعة.\nحدثنا الحسن بن محمّد بن فنجويه حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان حدثنا يوسف بن عبد الله ابن ماهان حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن ثابت قال: كنت إلى جانب سرادق مصعب بن الزبير في مكان لا يمر فيه الدواب، وقد استفتحت حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ إذ مرّ رجل على دابة فلما قلت: (غافِرِ الذَّنْبِ) . قال: قل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي.\nقلت: (وَقابِلِ التَّوْبِ) .\nقال: قل: يا قابل التوب اقبل توبتي. قلت: (شَدِيدِ الْعِقابِ) .\nقال: قل: يا شديد العقاب اعف عني عقابي.\nقلت: (ذِي الطَّوْلِ) .\nقال: قل يا ذي الطول طلّ عليّ بخير.\nقال: ثم التفت يمينا وشمالا فلم أر شيئا.\nوقال أهل الإشارة: (غافِرِ الذَّنْبِ) فضلا (وَقابِلِ التَّوْبِ) وعدا (شَدِيدِ الْعِقابِ) عدلا.\nلا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ فردا. و(التَّوْبِ) يجوز أن يكون مصدرا، ويحتمل أن يكون جمع التوبة، مثل دومة ودوّم وعومة وعوّم.","vol":"8","page":264},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد قرأه عليه حدثنا محمّد بن خالد بن الحسن أخبرنا داود بن سليمان حدثنا عبد بن حميد حدثنا كثير بن هشام أخبرنا جعفر بن مرقان حدثنا يزيد بن الأصم:\nأن رجلا كان ذا بأس، وكان يوفد إلى عمر بن الخطاب ﵁ لبأسه، وكان من أهل الشام، وأن عمر فقده فسأل عنه فقيل له: يتابع في هذا الشراب فدعا عمر كاتبه فقال: اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان سلام عليكم، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلّا هو بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ. وختم على الكتاب ثم دفعه إلى رسوله وقال: لا تدفعن الكتاب إليه حتّى تجده صحوان.\nثم أمر من عنده فدعوا له أن يقبل الله تعالى عليه بقلبه، وأن يتوب عليه، فلما أتت الصحيفة الرجل جعل يقرأها ويقول قد وعدني الله تعالى أن يغفر لي وحذّرني عقابه، فلم يزل يرددها على نفسه حتّى بكى ثم نزع، فأحسن النزع وحسنت توبته وحاله، فلما بلغ عمر أمره قال: هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخاكم زل زلة فسدّدوه ووفقوه وادعوا الله تعالى له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشياطين عليه «١» .\nما يُجادِلُ ما يخاصم ويمادي فِي آياتِ اللَّهِ بالإنكار لها إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمّد بن يعقوب حدثنا محمّد بن إسحاق حدثنا خالد بن الوليد حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: آيتان ما أشدّهما على الذين يجادلون في القرآن ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ «٢» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد حدثنا محمّد بن خالد حدثنا داود بن سليمان أخبرنا عبد بن حميد حدثنا الحسين بن علي الجعفي عن زائد عن ليث عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن جدالا في القرآن كفر» [١٥٥] «٣» .\nفَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ تصرفهم فِي الْبِلادِ للتجارات وبقائهم فيها مع كفرهم، فإن الله تعالى يمهلهم ولا يهملهم، نظيره: لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتاعٌ قَلِيلٌ «٤»، ثم قال: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ والكفار الذين تحزبوا على أنبيائهم بالمخالفة والعداوة مِنْ بَعْدِهِمْ، أي من بعد قوم نوح وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ ويقتلوه.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٥/ ٣٤٥.\n(٢) سورة البقرة: ١٧٦.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٢٥٨، والمستدرك: ٢/ ٢٢٣.\n(٤) سورة آل عمران: ١٩٦- ١٩٧.","vol":"8","page":265},{"text":"قال الفراء: كان حقه أن يقول برسولها وكذلك هي في قراءة عبد الله، ولكنه أراد بالأمة الرجال فكذلك قال: (بِرَسُولِهِمْ) ...\nوَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا ليبطلوا ويزيلوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ من الملائكة.\nقال ابن عبّاس: حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرة خمس مائة عام.\nوقال: مسيرة أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفا من أهل السماء السابعة، وأهل السماء السابعة أشد خوفا من أهل السماء التي تليها، والتي تليها أشد خوفا من التي تليها.\nقال مجاهد: بين الملائكة وبين العرش سبعون حجابا من نور.\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا مخلد بن جعفر حدثنا الحسن بن علوية حدثنا إسماعيل ابن عيسى حدثنا إسحاق أخبرني مقاتل عن الضحاك عن ابن عبّاس قال: لمّا خلق الله حملة العرش قال لهم: احملوا عرشي. فلم يطيقوا، فخلق مع كل ملك منهم من أعوانهم مثل جنود من في السماوات من الملائكة ومن في الأرض من الخلق، فقال: احملوا عرشي. فلم يطيقوا، فخلق مع كل واحد منهم جنود سبع سماوات وسبع أرضين وما في الأرض من عدد الحصى والثرى فقال: احملوا عرشي. فلم يطيقوا، فقال: قولوا لا حول ولا قوة إلّا بالله.\nفقالوا: لا حول ولا قوة إلّا بالله استقلينا عرش ربّنا.\nقال: فنفذت أقدامهم في الأرض السابعة على متن الثرى فلم تستقر، فكتب على قدم كل ملك اسم من أسمائه تعالى، فاستقرت أقدامهم.\nوروى شهر بن حوشب عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تتفكروا في عظمته ولكن تفكروا فيما خلق الله تعالى من الملائكة، فإن خلقا من الملائكة يقال له: إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى، وقد مرق رأسه من سبع سماوات وأنه ليتضاءل من عظمة الله تعالى حتّى يصير كأنه الوضيع» [١٥٦] «١» .\nوروى موسى بن عقبة عن محمّد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله من حملة عرشه ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبع مائة عام» [١٥٧] «٢» .\n_________\n(١) كشف الخفاء للعجلوني: ١/ ٣١١، والدر المنثور: ٥/ ٣٤٧ بتفاوت يسير.\n(٢) المعجم الأوسط: ٣/ ٤١، ومجمع الزوائد: ١/ ٨٠ وفيه: سبعين عاما، والمعجم الأوسط: ٢/ ١٩٩ وفيه: أربع مائة عام. [.....]","vol":"8","page":266},{"text":"وفي الخبر: أن الله تعالى أمر جميع الملائكة أن يغدوا ويروحوا بالسلام على حملة عرشه، تفضيلا لهم على سائر الملائكة، فهذه صفة حملة العرش.\nوأما صفة العرش:\nفروى لقمان بن عامر عن أبيه قال: ان الله تعالى خلق العرش من جوهرة خضراء، للعرش ألف ألف رأس زاجون ومن وراء هؤلاء مائة ألف صف من الملائكة قد وضعوا اليمنى على اليسرى ليس منهم أحد إلّا وهو يسبح بتحميده لا يسبحه الآخر، ما بين جناحي أحدهم مسيرة ثلاثمائة عام، وما بين شحمة أذنه إلى عاتقه أربع مائة عام، واحتجب الله تعالى بينه وبين الملائكة الذين هم حول العرش بسبعين حجابا من نار، وسبعين حجابا من ظلمة، وسبعين حجابا من نور، وسبعين حجابا من در أبيض، وسبعين حجابا من ياقوت أحمر، وسبعين حجابا من زبر جد أخضر، وسبعين حجابا من ثلج، وسبعين حجابا من ماء، وسبعين حجابا من برد وما لا يعلمه إلّا الله تعالى.\nقال: ولكل واحد من حملة العرش ومن حوله أربعة وجوه: وجه ثور، ووجه أسد، ووجه نسر، ووجه إنسان، ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: أما جناحان فعلى وجه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وأما جناحان فيتبوأ فيقوى بهما، ليس لهم كلام إلّا التسبيح والتحميد والتكبير والتمجيد.\nوقال يزيد الرقاشي: ان لله تعالى ملائكة حول العرش يسمّون المخلصين، تجري أعينهم مثل الأنهار إلى يوم القيامة يميدون كأنما ينفضهم من خشية الله، فيقول لهم الربّ ﷻ: يا ملائكتي مخافة تخيفكم؟\nفيقولون: يا ربّنا لو أن أهل الأرض أطلعوا من عزتك وعظمتك على ما اطلعنا عليه، ما أساغوا طعاما ولا شرابا ولا انبسطوا في فرشهم، ولخرجوا إلى الصحارى يخورون كما يخور البقر «١» .\nيُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا وهذا تفسير لقوله وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ «٢» ... رَبَّنا أي ويقولون: ربّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا نصبا على التفسير، وقيل: نصبا على النقل، أي وسعت رحمتك وعلمك كل شيء فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ دينك وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ.\nروى الأعمش عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يقولون الملائكة خير من ابن\n_________\n(١) لم نجده إلّا في شرح اصول الكافي للمازندراني: ١١/ ٣٤٩ عن بعض المفسرين.\n(٢) سورة الشورى: ٥.","vol":"8","page":267},{"text":"الكواء، يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ وابن الكواء يشهد عليهم بالكفر، وابن الكواء رجل من الخوارج قال: وكانوا لا يحبون الاستغفار على أحد من أهل هذه القبلة.\nوقال: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله للعباد الشيطان.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبي يقول: سمعت محمّد بن علي بن محمّد الوراق يقول: سمعت يحيى بن معاذ الرازي يقول لأصحابه إذ قرأ هذه الآية: افهموا فما في العالم خيرا أرجى منه.\nرَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ في محل نصب عطفا على الهاء والميم صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\nقال سعيد بن جبير: يدخل الرجل الجنّة فيقول: أين أبي أين أمي أين ولدي أين زوجي؟\nفيقال: لم يعملوا مثل عملك.\nفيقول: كنت أعمل لي ولهم.\nفيقال: أدخلوهم الجنّة.\nوَقِهِمُ السَّيِّئاتِ أنواع العذاب وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ يوم القيامة وهم في النار وقد مقتوا أنفسهم حين عاينوا العذاب فيقال لهم: لَمَقْتُ اللَّهِ إياكم في الدّنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ اليوم أَنْفُسَكُمْ عند حلول العذاب بكم إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ.\nقال ابن عبّاس وقتادة والضحاك: كانوا أمواتا في أصلاب آبائهم، فأحياهم الله تعالى في الدّنيا ثم أماتهم الموتة التي لا بدّ منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة، فهما حياتان وموتتان، وهذا مثل قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتًا فَأَحْياكُمْ «١» الآية.\nوقال السدي: أميتوا في الدّنيا ثم أحيوا في قبورهم، فسئلوا ثم أميتوا في قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة.\nفَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ فنصلح أعمالنا، نظيرها قوله: هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ «٢» ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ في الكلام متروك استغنى بدلالة الظاهر عليه، مجازه: فأجيبوا أن لا سبيل إلى ذلك وهو العذاب والخلود في النار، بأنه إِذا دُعِيَ اللَّهُ\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٨.\n(٢) سورة الشورى: ٤٤.","vol":"8","page":268},{"text":"وَحْدَهُ في الدّنيا كَفَرْتُمْ به وأنكرتم أن لا تكون الإلهية له خالصة، وقلتم أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ غيره.\nتُؤْمِنُوا تصدقوا ذلك المشرك. وسمعت بعض العلماء يقول: وإن يشرك به بعد الرد إلى الدّنيا لو كان تؤمنوا تصدقوا المشرك ذكره بلفظ الاستفهام. نظيره قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «١» فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>[سورة غافر (٤٠): الآيات ١٣ الى ٢٨]</span>\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (١٤) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ (١٦) الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٧)\nوَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ (١٨) يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ (٢١) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢٢)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧)\nوَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)\nهُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقًا بإدرار الغيث وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ العبادة والطاعة وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ رَفِيعُ أيّ هو رفيع الدَّرَجاتِ يعني رافع طبقات الثواب للأنبياء والمؤمنين في الجنّة.\nقال ابن عبّاس: رافع السماوات وهو فوق كل شيء وليس فوقه شيء.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٢٨.","vol":"8","page":269},{"text":"ذُو الْعَرْشِ خالقه ومالكه يُلْقِي الرُّوحَ ينزل الوحي، سمّاه وحيا، لأنه يحيى به القلوب كما يحيي بالأرواح الأبدان مِنْ أَمْرِهِ من قوله وقيل بأمره عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ.\nقراءة العامة: بالياء أي ينذر الله تعالى.\nوقرأ الحسن: بالتاء، يعني لتنذر أنت يا محمّد يَوْمَ التَّلاقِ.\nأخبرنا أبو الحسين بن الفضل الفقيه حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا محمّد بن عبيد الله حدثنا أبو أسامة حدثنا المبرك بن فضالة عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عبّاس في قوله تعالى: لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ قال: يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض.\nوقال قتادة ومقاتل: يلتقي فيه الخلق والخالق.\nابن زيد: يتلاقى العباد.\nميمون بن مهران: يلتقي الظالم والمظلوم والخصوم. وقيل: يلتقي العابدون والمعبودون.\nوقيل: يلتقي فيه المرء مع عمله يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ خارجون من قبورهم، ظاهرون لا يسترهم شيء لا يَخْفى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ من أعمالهم وأحوالهم شَيْءٌ ومحل (هُمْ) رفع على الابتداء و(بارِزُونَ) خبره لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ وذلك عند فناء الخلق، وقد ذكرنا الأخبار فيه.\nقال الحسن: هو السائل وهو المجيب، لأنه يقول ذلك حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه فيقول: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ الذي قهر الخلق بالموت.\nأخبرنا شعيب أخبرنا مكي حدثنا أبو الأزهر حدثنا روح حدثنا حماد عن عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: يجمع الله الخلق يوم القيامة بصعيد واحد، بأرض بيضاء كأنها سبيكة فضّة لم يعص الله تعالى فيها قط، فأول ما تتكلم به أن ينادي مناد لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.\nالْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ فأول ما يبدءون به من الخصومات الدماء وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ أي بيوم القيامة، سمّيت بذلك لأنها قريبة، إذ كل ما هو آت قريب.\nقال النابغة:\nأزف الترحل غير أن ركابنا ... لمّا تزل برحالنا وكأن قد «١»\n_________\n(١) شرح الرضي على الكافية: ٣/ ٢٤١.","vol":"8","page":270},{"text":"أي: قرب، ونظيرها هذه الآية قوله تعالى: أَزِفَتِ الْآزِفَةُ «١» أيّ قربت القيامة.\nإِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ من الخوف قد زالت وشخصت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم فلا هي تعود إلى أماكنها ولا هي تخرج من أفواههم فيموتوا فليسوا سواء «٢» نظيره قوله: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ «٣» ... كاظِمِينَ مكروبين ممتلئين خوفا وحزنا، والكاظم الممسك للشيء على ما فيه، ومنه كظم قربته إذا شد رأسها، فهم قد أطبقوا أفواههم على ما في قلوبهم من شدة الخوف، والكظم تردد الغيظ والخوف والحزن في القلب حين يضيق به.\nيقول العرب للبئر الضيقة وللسقاية المملوءة: ماء كظامة وكاظمة، ومنه الحديث: كيف بكم [إذا] بعجت مكة كظائم.\nقال الشاعر:\nيخرجن من كاظمة الح صن الخرب ... يحملن عبّاس بن عبد المطلب «٤»\nونصب كاظِمِينَ على الحال والقطع.\nما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ قريب وصديق، ومنه قيل للأقرباء والخاصة حامّة وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ فيشفع فيهم يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ.\nوقال المؤرخ: فيه تقديم وتأخير مجازه أي الأعين الخائنة قال ابن عبّاس: هو الرجل يكون جالسا مع القوم، فتمر المرأة فيسارقهم النظر إليها.\nوقال مجاهد: هي نظر الأعين إلى ما نهى الله تعالى عنه.\nقتادة: هي همزة بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله تعالى ولا يرضاه.\nوَما تُخْفِي الصُّدُورُ وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ يعني الأوثان لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ لأنها لا تعلم شيء ولا تقدر على شي.\nوقرأ أهل المدينة وأيوب: تدعون بالتاء، ومثله روى هشام عن أهل الشام والباقون:\nبالياء.\nإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً.\n_________\n(١) سورة النجم: ٥٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٤/ ٦٧ بتفاوت.\n(٣) سورة إبراهيم: ٤٣.\n(٤) لسان العرب: ١٥/ ٣٩٥، وفيه: (صبحن) بدل (يخرجن) .","vol":"8","page":271},{"text":"قرأه العامة: بالهاء.\nوقرأ ابن عامر: منكم بالكاف. وكذلك هو في مصاحفهم.\nوَآثارًا فِي الْأَرْضِ فلم ينفعهم ذلك حين أخذهم الله بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ يعني من عذاب الله من واق ينفعهم ويدفع عنهم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا يعني فرعون وقومه اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ.\nقال قتادة: هذا قتل غير القتل الأول، لأن فرعون كان أمسك عن قتل الولدان، فلما بعث إليه موسى أعاد القتل عليهم.\nوَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ ليصدوهم بقتل الأبناء واستحياء النساء عن متابعة موسى ومظاهرته وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ وما مكر فرعون وقومه واحتيالهم إِلَّا فِي ضَلالٍ وَقالَ فِرْعَوْنُ لملائه ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ الذي يزعم أنه أرسله إلينا فيمنعه منّا إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ يغير دِينَكُمْ الذي أنتم عليه بسحر أَوْ أَنْ.\nقرأ أبو عمر وأهل المدينة وأهل الشام وأهل مكة: وأن بغير ألف، وكذلك هي في مصاحف أهل الحرمين والشام.\nوقرأ الكوفيون وبعض البصريين: (أَوْ أَنْ) بالألف، وكذلك هي في مصاحف أهل العراق.\nوقال أبو عبيد: وبها يقرأ للزيادة التي فيها، ولأن (أو) ربما كانت في تأويل الواو، ولا تكون الواو في معنى أو.\nيُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ.\nقرأ أهل المدينة والبصرة: (يُظْهِرَ) بضم الياء وكسر الهاء، و(الْفَسادَ) بنصب الدال على التعدية.\nومثله روى حفص عن عاصم وهي اختيار أبي عبيد قال لقومه: يُبَدِّلَ دِينَكُمْ، فكذلك يُظْهِرَ ليكون الفعلان على نسق واحد.\nوقرأ الآخرون: بفتح الياء والهاء ورفع الدال على اللزوم، وهي اختيار أبي حاتم. والفساد انتقاص الأمر، وأراد فرعون به تبديل الدين وعبادة غيره.\nوَقالَ مُوسى لما توّعده فرعون بالقتل: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ اختلفوا في هذا المؤمن.","vol":"8","page":272},{"text":"فقال بعضهم: كان من آل فرعون، غير أنه كان آمن بموسى، وكان يكتم إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه.\nقال السدّي ومقاتل: كان ابن عم فرعون وهو الذي أخبر الله تعالى عنه فقال: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى «١» .\nوقال آخرون: كان إسرائيليا، ومجاز الآية: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون.\nواختلفوا أيضا في اسمه.\nفقال ابن عبّاس وأكثر العلماء: اسمه حزبيل.\nوهب بن منبه: اسمه حزيقال.\nابن إسحاق: خبرل.\nأخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمّد بن خالد أخبرنا داود بن سليمان أخبرنا عبد الواحد أخبرنا أحمد بن يونس حدثنا خديج بن معاوية عن أبي إسحاق قال: كان اسم الرجل الذي آمن من آل فرعون (حبيب) .\nأَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ أي لأن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ من العذاب.\nوقال بعض أهل المعاني: أراد يصبكم كل الذي يعدكم.\nوالعرب تذكر البعض وتريد الكل، كقول لبيد:\nتراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها «٢»\nأي كل النفوس.\nإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مشرك.\nوقال السدي: قتّال.\nكَذَّابٌ على الله.\nأخبرنا الامام أبو منصور محمّد بن عبد الله الجمشاذي حدثنا أبو العبّاس الأصم حدثنا العبّاس بن محمّد الثوري حدثنا خالد بن مخلد القطواني حدثنا سليمان بن بلال حدثني هشام بن عروة عن أبيه عن عمرو بن العاص قال: ما تؤول من رسول الله ﷺ شيء كان أشد من أن طاف\n_________\n(١) سورة القصص: ٢٠.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٥/ ١١٨، تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٠٧.","vol":"8","page":273},{"text":"بالبيت فلقوه حين فرغ فأخذوا بمجامع ردائه فقالوا: أنت الذي تنهانا عمّا كان يعبد آباؤنا؟\nفقال: «أنا ذاك» .\nفقام أبو بكر ﵁ فالتزمه من ورائه وقال: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ إلى آخر الآية رافع صوته بذلك، وعيناه تسفحان حتّى أرسلوه «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٢٩ الى ٣٧]</span>\nيا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاَّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣)\nوَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (٣٤) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِبًا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧)\nيا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ غالبين مستعلين على بني إسرائيل فِي الْأَرْضِ أرض مصر فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ عذاب الله إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ من الرأي والنصيحة إِلَّا ما أَرى لنفسي.\nوقال الضحاك: ما أعلمكم إلّا ما أعلم نظيره بِما أَراكَ اللَّهُ «٢» . وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مثل ما أصابهم من العذاب وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ.\nقرأه العامة: بتخفيف الدال، بمعنى يوم ينادي المناد بالشقاوة والسعادة، إلّا أن فلان بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، إلّا أن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدا، وينادي الناس بعضهم بعضا، وينادي أصحاب الأعراف، وأهل الجنّة أهل النار، وأهل النار أهل الجنّة، وينادي حين يذبح الموت: يا أهل الجنّة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، وينادي كل قوم بأعمالهم. وقرأ الحسن: (التنادي) بتخفيف الدال واثبات الياء على الأصل.\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٦/ ٤٥٠.\n(٢) سورة النساء: ١٠٥. [.....]","vol":"8","page":274},{"text":"وقرأ ابن عبّاس والضحاك: بتشديد الدال، على معنى يوم التنافر، وذلك إذا ندّوا في الأرض كما تند الإبل إذا شردت على أربابها.\nقال الضحاك: وذلك إذا سمعوا زفير النار ندّوا هرابا، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلّا وجدوا ملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: يَوْمَ التَّنادِ وقوله تعالى: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا «١» وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها «٢» .\nيَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ أيّ منصرفين عن موقف الحساب إلى النار.\nوقال مجاهد: يعني فارّين غير معجزين.\nما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ ناصر يمنعكم من عذابه وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ بن يعقوب (﵇) مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ أي من قبل موسى بالبينات.\nقال وهب: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عمّر إلى زمن موسى. وقال الباقون: هو غيره.\nفَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مشرك مُرْتابٌ شاك الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا أي كبر ذلك الجدال مقتا كقوله: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا «٣» وكَبُرَتْ كَلِمَةً «٤» عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ يختم الله بالكفر عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ.\nوقرأ أبو عمرو وابن عامر: (قَلْبٍ) منوّنا.\nوقرأ الآخرون: بالإضافة «٥» .\n[واختاره أبو حاتم وأبو عبيد] «٦»، وفي قراءة ابن مسعود: (على قلب كل متكبر جبار) .\nوَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا قصرا. والصرح البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، وأصله من التصريح وهو الإظهار.\n_________\n(١) سورة الرحمن: ٣٣.\n(٢) سورة الحاقة: ١٧.\n(٣) سورة الصف: ٣.\n(٤) سورة الكهف: ٥.\n(٥) أي إضافة قلب إلى المتكبر ويكون في الكلام حذف تقديره: «كذلك يطبع الله على كل قلب، على كل متكبر جبار» فحذف «كل» .\n(٦) عن تفسير القرطبي: ١٥/ ٣١٣.","vol":"8","page":275},{"text":"لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ أي طرقها وأبوابها فَأَطَّلِعَ.\nقرأه العامة: برفع العين نسقا على قوله: (أَبْلُغُ) .\nوقرأ حميد الأعرج: بنصب العين.\nومثله روى حفص عن عاصم على جواب (لَعَلِّي) بالفاء.\nوأنشد الفراء عن بعض العرب:\nعلى صروف الدهر أو دولاتها ... يدلننا اللمّة من لماتها\nفتستريح النفس من زفراتها «١»\nبنصب الحاء على جواب حرف التمني.\nإِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى كاذِبًا فيما يقول: إن له ربّا غيري أرسله إلينا وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ خسار وضلال.\nنظيره: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «٢» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٤/ ٨٣ و٣٠/ ٦٧.\n(٢) سورة المسد: ١.","vol":"8","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-668>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٣٨ الى ٥٧]</span>\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ (٣٩) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠) وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)\nلا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ (٤٣) فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٤٤) فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ (٤٦) وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ (٤٨) وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذابِ (٤٩) قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٥٠) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (٥١) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ (٥٣) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٥٤) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ (٥٥) إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)\nوَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ طريق الصواب يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ متعة وبلاغ، تنتفعون بها مدة ثم تزول عنكم وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ ينتفع بها.\nوقال السديّ: يعني لا يستجيب لأحد في الدّنيا ولا في الآخرة، فكان معنى الكلام: ليست له استجابة دعوة.\nوقال قتادة: ليست له دعوة مستجابة. وقيل: ليس له دعوة في الدّنيا ولا في الآخرة إلّا عبدوها، لأن الأوثان لم تأمر بعبادتها في الدّنيا، ولم تدع الربوبية وفي الآخرة تتبرأ من عابديها وَأَنَّ مَرَدَّنا مرجعنا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النَّارِ.\nقال ابن عبّاس وقتادة: يعني المشركين.\nوقال مجاهد: هم السفّاكون الدماء بغير حقها.\nوقال عكرمة: الجبارين المتكبرين.\nفَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم الذكر وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ وذلك انهم توعدوه لمخالفة دينهم إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ عالم بأمورهم من المحق منهم ومن المبطل فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا.\nقال قتادة: نجا مع موسى وكان قبطيا.\nوَحاقَ نزل بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ في الدّنيا الغرق وفي الآخرة النار وذلك قوله:\nالنَّارُ وهي رفع على البدل من السوء يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وأصل العرض اظهار الشيء.","vol":"8","page":277},{"text":"قال قتادة: يعرضون عليها صباحا ومساء، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخا ونقمة وصغارا لهم.\nوقال السدي وهذيل بن شرحبيل: هو أنهم لما هلكوا جعلت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تعرض على النار كل يوم مرتين تغدوا وتروح إلى النار حتى تقوم الساعة.\nأخبرني عقيل بن محمّد بن أحمد الجرجاني: أن أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمّد بن جرير حدثنا عبد الكريم بن أبي عمير حدثنا حماد بن محمّد الفزاري قال: سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال: يرحمك الله رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا فوجا فوجا، لا يعلم عددها إلّا الله تعالى، فإذا كان العشي رجع مثلها سودا.\nقال: وفطنتم لذلك؟\nقال: نعم.\nقال: إن تلك الطيور في حواصلها أزواج آل فرعون يعرضون على النار غُدُوًّا وَعَشِيًّا، فترجع إلى وكورها وقد احترقت رياشها وصارت سودا، فنبت عليها أرياش من الليل بيض وتناثر السود، ثم تغدوا فيعرضون على النار غدوا وعشيا ثم ترجع إلى وكورها، فذلك دأبهم في الدّنيا، فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى: أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ.\nقال: وكانوا يقولون: إنهم ستمائة ألف مقاتل «١» .\nقال عكرمة ومحمّد بن كعب: هذه الآية تدل على عذاب القبر، لأن الله تعالى ميّز عذاب الآخرة فقال: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ «٢» ادخلوا.\nقرأ أهل المدينة والكوفة إلّا أبا بكر ويعقوب: بقطع الألف وكسر الخاء من الإدخال.\nوقرأ الباقون: بوصل الألف وضم الخاء من الدخول «٣» .\nوَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا في الدّنيا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ والتبع يكون واحدا وجمعا.\nوقال نحويو البصرة: وواحده تابع.\nوقال أهل الكوفة: هو جمع لا واحد له، لأنه كالمصدر وجمعه أتباع.\nقالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيها.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٤/ ٩٠.\n(٢) سورة غافر: ٤٦.\n(٣) والتقدير: ادخلوا يا آل فرعون، راجع تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٢٠.","vol":"8","page":278},{"text":"وقرأ ابن السميقع: (إنا كلا فيها) بالنصب، جعلها نعتا وتأكيدا ل (إِنَّا) ..\nإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ وَقالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ إذا اشتد.\nالشعبي قال: كنية الدجال أبو يوسف «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٥٨ الى ٧٤]</span>\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨) إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (٥٩) وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ (٦٠) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (٦١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)\nكَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٦٤) هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٦٥) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦٦) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)\nهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩) الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)\nثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ (٧٤)\nوَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ بالتاء أهل الكوفة وغيرهم: بالياء.\nواختاره أبو عبيد قال: لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم.\nإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لجائية لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ بها وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ أي وحدوني واعبدوني دون غيري أجبكم وآجركم واثيبكم واغفر لكم، هذا قول أكثر المفسرين. يدل عليه سياق الآية.\n_________\n(١) انظر: تاريخ بغداد: ١٠/ ٢٣٨.","vol":"8","page":279},{"text":"وقال بعضهم: هو الذكر والدعاء والسؤال.\nأخبرنا ابن فنجويه حدثنا محمّد بن الحسن حدثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدثني عثمان ابن خرداد حدثنا قطر بن بشير حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ليسأل أحدكم ربّه حاجته كلها حتّى شسع نعله إذا انقطع» [١٥٨] «١» .\nإِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي توحيدي وطاعتي، عن أكثر المفسرين.\nوقال السديّ: عن دعائي.\nأخبرنا عقيل بن محمّد أبو المعافا بن زكريا أخبرنا محمّد بن جرير حدثنا محمّد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن منصور والأعمش عن ذر عن سبع الحضرمي عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الدعاء هو العبادة- ثم تلا هذه الآية-:\nوَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي» [١٥٩] «٢» عن دعائي.\nوباسناده عن ابن جرير حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشام بن القاسم عن الأشجع قال: قيل لسفيان: ادع الله. قال: إن ترك الذنوب هو الدعاء سَيَدْخُلُونَ.\nقرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو حاتم: بضم الياء وفتح الخاء.\nواختلف فيه.\nعن أبي عمرو وعاصم غير هم ضده.\nجَهَنَّمَ داخِرِينَ صاغرين اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ كَذلِكَ كما أفكتم عن الحق مع قيام الدلائل، كذلك يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرارًا وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ.\nقرأ العامة: بضم الصاد. وقرأ أبو رزين العقيلي: وَأَحْسَنَ صِوَرَكُمْ بكسر الصاد، وهي لغة.\nقرأه العامة: بضم الصاد.\nوَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ وذلك حين دعي إلى الكفر [فأمر أن يقول هذا] .\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٥/ ٢٤٢ ح ٣٦٨٢، والجامع الصغير: ٢/ ٤٩٩ ح ٧٥٦٢.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٢٦٧، وسنن أبي داود: ١/ ٣٣٢ ح ١٤٧٩. [.....]","vol":"8","page":280},{"text":"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا أي أطفالا، نظيره: أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ «١» . ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ أن يصير شيخا وَلِتَبْلُغُوا جميعا أَجَلًا مُسَمًّى وقتا محدودا لا تجاوزونه ولا تسبقونه وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ذلك فتعرفوا أن لا إله غيره فعل ذلك هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ.\nقال ابن زيد: هم المشركون.\nوقال أكثر المفسرين: نزلت في القدريّة.\nأخبرني عقيل بن محمّد إجازة أخبرنا المعافا بن زكريا أخبرنا محمّد بن جرير أخبرنا محمّد ابن بشار ومحمّد بن المثنى حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن داود بن أبي هند عن محمّد بن سيرين قال: إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدريّة فأنا لا أدري فيمن نزلت. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ إلى قوله بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا إلى آخر الآية.\nوبه عن ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني مالك بن أبي الخير الزيادي عن أبي قبيل عن عقبة بن عامر الجهني: أن رسول الله ﷺ قال: «سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللين» .\nفقال عقبة: يا رسول الله وما أهل الكتاب؟\nقال: «قوم يتعلمون كتاب الله يجادلون الذين آمنوا» .\nفقال: وما أهل اللين؟ فقال: «قوم يتبعون الشهوات ويضيّعون الصلوات» [١٦٠] «٢» .\nقال أبو قتيل: لا أحسب المكذبين بالقدر إلّا الذين يجادلون الذين آمنوا، وأما أهل اللين فلا أحسبهم إلّا أهل العمود ليس عليهم إمام جماعة ولا يعرفون شهر رمضان «٣» .\nقال محمّد بن جرير: أهل العمود الحي العظيم «٤» .\nالَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ.\n_________\n(١) سورة النور: ٣١.\n(٢) المستدرك: ٢/ ٣٧٤، والمعجم الكبير للطبراني: ١٧/ ٢٩٦، وجامع البيان للطبري: ٢٤/ ١٠٤. وفي المصدرين الأولين: أهل اللبن.\n(٣) تفسير ابن جرير الطبري: ٢٤/ ١٠٤.\n(٤) قال قتادة: البر: أهل العمود، راجع تفسير القرطبي: ١٤/ ٤١.","vol":"8","page":281},{"text":"أخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا ابن حبش المقرئ حدثنا ابن فنجويه حدثنا سلمة حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن التيمي عن أبيه قال: لو أن غلا من أغلال جهنّم وضع على جبل لوهصه حتّى يبلغ الماء الأسود.\nوَالسَّلاسِلُ.\nقرأه العامة: بالرفع، عطفا على الْأَغْلالُ.\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري حدثنا أبو علي بن حبش المقرئ حدثنا أبو القاسم بن الفضل حدثنا أبو زرعة حدثنا نصر بن علي حدثني أبي عن هارون عن عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عبّاس أنه قرأ: وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ بنصب اللام والياء. يقول: إذا كانوا يسحبونها كان أشد عليهم.\nأخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي حدثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي حدثنا عبد الله ابن محمّد بن عبد العزيز البغوي حدثني جدي حدثني منصور بن عمار حدثنا بشر بن طلحة عن خالد بن الدريك عن يعلى بن منبه رفعه قال: ينشئ الله تعالى لأهل النار سحابة سوداء مظلمة فيقال يا أهل النار ما تشتهون؟\nفيسألون بارد الشراب. فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم وسلاسلا تزيد في سلاسلهم وجمرا يلتهب النار عليهم.\nثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ أي توقد بهم النار.\nقال مجاهد: يصيرون وقودا للنار.\nثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني الأصنام قالُوا ضَلُّوا عَنَّا فلا نراهم بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا أنكروا. وقيل: جهلوا.\nوقال بعضهم: فيه إضمار، أي لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا ببصر وبسمع وبضر وبنفع.\nوقال الحسين بن الفضل: يعني لم نكن نصنع من قبل شيئا، أي ضاعت عبادتنا لها فلم نكن نصنع شيئا.\nقال الله ﷾ كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكافِرِينَ.","vol":"8","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-670>[سورة غافر (٤٠): الآيات ٧٥ الى ٨٥]</span>\nذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٧٩)\nوَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)\nفَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)\nذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ تبطرون وتأمرون فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ تفخرون وتختالون وتنشطون ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ من العذاب في حياتك أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل أن يحل بهم ذلك فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ خبرهم في القرآن وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ اللَّهُ الَّذِي تحق له العبادة هو الذي جَعَلَ خلق لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ تحمل أثقالكم في أسفاركم من بلد إلى بلد وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ نظيره وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ «١» .\nوَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثارًا فِي الْأَرْضِ يعني مصانعهم وقصورهم فَما أَغْنى عَنْهُمْ أيّ لم ينفعهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ وقيل: هو بمعنى الاستفهام، ومجازه: أي شيء أغنى عنهم كسبهم.\nفَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا يعني الأمم بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ.\nقال مجاهد: قولهم نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث، وقيل: أشروا بما عندهم من العلم، بما كان عندهم أنه علم وهو جهل.\nوقال الضحاك: رضوا بالشرك الذي كانوا عليه.\nوقال بعضهم: هو الفرح راجع إلى الرسل يعني فرح الرسل بما عندهم من العلم بنجاتهم وهلاك أعدائهم.\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٧٠.","vol":"8","page":283},{"text":"وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ أيّ تبرأنا ممّا كنا نعدل بالله فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا عذابنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي في نصبها ثلاثة أوجه أحدها: بنزع الخافض أيّ كسنّة الله.\nوالثاني: على المصدر، لأن العرب تقول سنّ يسنّ سنّا وسنّة.\nوالثالث: على التحذير والإغراء، أي احذروا سنّة الله كقوله: (ناقَةُ اللَّهِ وسُنَّةَ اللَّهِ) .\nقَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وهي أنهم إذا عاينوا عذاب الله لم ينفعهم أيمانهم وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ بذهاب الدارين.","vol":"8","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>سورة فصّلت</span>\nسورة حم السجدة: مكّية، وهي أربع وخمسون آية، وسبعمائة وست وتسعون كلمة، وثلاث آلاف وثلاثمائة وخمسون حرفا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-672>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤)\nوَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ (٩)\nوَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (١١)\nحم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ كِتابٌ فُصِّلَتْ بينت آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ولو كان غير عربي لما علموه.\nوفي نصب القرآن وجوه:\nأحدها: إنّه شغل الفعل علامات حتّى صارت بمنزلة الفاعل، فنصب القرآن وقوع البيان عليه.\nالثاني: على المدح.\nوالثالث: على إعادة الفعل، أي فصّلنا قرآنا.\nوالرابع: على إضمار فعل، أي ذكرنا قرآنا.\nوالخامس: على الحال.\nوالسادس: على القطع.","vol":"8","page":285},{"text":"بَشِيرًا وَنَذِيرًا نعتان للقرآن فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ أي لا يسمعونه ولا يصغون إليه وَقالُوا يعني مشركي مكّة قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ أغطية مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ فلا نفقه ما يقول، قال مجاهد: كالجعبة للنبل وَفِي آذانِنا وَقْرٌ فلا نسمع ما يقول، وإنّما قالوا ذلك ليؤيّسوه من قبولهم لدينه وهو على التمثيل. وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ خلاف في الدين، فجعل خلافهم ذلك ساترا وحاجزا لا يجتمعون ولا يوافقون من أجله ولا يرى بعضهم بعضا. فَاعْمَلْ بما يقتضيه دينك. إِنَّنا عامِلُونَ بما يقتضيه ديننا. قال مقاتل: فأعبد أنت إلهك، وإنّا عابدون آلهتنا.\nقُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ قال الحسن: علمه الله التواضع فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وجهوا وجوهكم إليه بالطاعة والإخلاص وَاسْتَغْفِرُوهُ من ذنوبكم الّتي سلفت. وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ قال ابن عباس: لا يشهدون لا إله إلّا الله وهي زكاة الأنفس، وقال الحسن وقتادة: لا يقرّون بالزكاة ولا يؤمنون بها، ولا يرون إيتاءها واجبا، وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة.\nوكان يقال: الزّكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا ومن تخلف عنها هلك، وقد كان أهل الردة بعد النبي ﷺ، قالوا: أما الصلاة فنصلي، وأما الزّكاة فو الله لا تغصب أموالنا.\nوقال أبو بكر «﵁»: والله لا أفرق بين شيء جمع الله تعالى بينه والله لو منعوني عقالا ممّا فرض الله ورسوله لقاتلتهم عليه.\nوقال مجاهد والربيع: يعني لا يزكّون أعمالهم، وقال الفراء: هو أنّ قريشا كانت تطعم الحاج، فحرموا ذلك على من آمن بمحمّد ﷺ. وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قال ابن عباس: غير مقطوع. مقاتل: غير منقوص، ومنه المنون لأنّه ينقص منه الإنسان أي قوته. مجاهد: غير محسوب، وقيل: غير ممنون به. قال السدي: نزلت هذه الآية في المرضى والزمنى والهرمى إذا عجزوا عن الطاعة يكتب لهم الأجر كأصح ما كانوا يعلمون فيه «١» .\nقُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الأحد والإثنين. وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها أي في الأرض بما خلق فيها من المنافع، قال السدي: أنبت شجرها. وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها قال الحسن والسدي: يعني أرزاق أهلها ومعايشهم وما يصلحهم، وقال مجاهد وقتادة: وخلق فيها بحارها، وأنهارها، وأشجارها، ودوابها في يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، روى ابن نجيح عن مجاهد، قال: هو المطر.\n_________\n(١) فتح القدير: ٤/ ٥٠٦.","vol":"8","page":286},{"text":"قال عكرمة والضحاك: يعنيو قدر في كل بلدة منها، ما لم يجعله في الأخرى، ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة من بلد إلى بلد، فالسابري من سابور، والطيالسة من الري، والحبر واليمانية من اليمن، وهي رواية حصين، عن مجاهد.\nوروى حيان، عن الكلبي، قال: الخبز لأهل قطر، والتمر لأهل قطر، والذرة لأهل قطر، والسمك لأهل قطر، وكذلك أخواتها.\nفِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ يعني إنّ هذا مع الأول أربعة أيّام، كما يقول: تزوجت أمس امرأة واليوم اثنتين وأحدهما الّتي تزوجتها أمس، ويقال: أتيت واسط في خمسة والبصرة في عشرة، فالخمسة من جملة العشرة. فرد الله سبحانه الآخر على الأوّل، وأجمله في الذكر.\nسَواءً رفعه أبو جعفر على الابتداء، أي هي سواء، وخفضه الحسن ويعقوب على نعت قوله: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، ونصبه الباقون على المصدر، أي استوت استواء، وقيل: على الحال والقطع، ومعنى الآية: سَواءً لِلسَّائِلِينَ عن ذلك، قال قتادة والسدي: من سأله عنه، فهكذا الأمر، وقيل: للسّائلين الله حوائجهم.\nقال ابن زيد: قدر ذلك على قدر مسائلهم، لأنّه لا يكون من مسائلهم شيء إلّا قد علمه قبل أن يكون.\nقال أهل المعاني: معناه سَواءً لِلسَّائِلِينَ وغير السائلين، يعني إنّه بيّن أمر خلق الأرض وما فيها لمن سأل ومن لم يسأل، ويعطي من سأل ومن لم يسأل.\nثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي عمد إلى خلق السماء وقصد، تسويتها، والإستواء من صفة الأفعال على أكثر الأقوال، يدل عليه قوله ﷾: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ بخار الماء. فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا أي جيئا بما خلقت فيكما من المنافع، وأخرجاها، وأظهراها بمصالح خلقي. قال ابن عباس: قال الله تعالى للسّماوات:\nاطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وقال للأرض: شقي أنهارك واخرجي ثمارك.\nقالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ولم يقل طائعتين، لأنّه ذهب به إلى السّماوات والأرض ومن فيهنّ، مجازه: أَتَيْنا بمن فينا طائِعِينَ، فلمّا وصفهما بالقول أخرجهما في الجمع مجرى ما يعقل، وبلغنا أنّ بعض الأنبياء، قال: يا ربّ لو إنّ السّماوات والأرض حين قلت لهما ائتيا طوعا أو كرها عصيناك، ما كنت صانعا بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: وأين تلك الدابة؟. قال: في مرج من مروجي. قال: وأين ذلك المرج؟ قال: في علم من علمي.\nوقرأ ابن عباس: آتيا وآتينا بالمد، أي أعطينا الطاعة من أنفسكما. قالتا: أعطينا.","vol":"8","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>[سورة فصلت (٤١): الآيات ١٢ الى ٢٠]</span>\nفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظًا ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ (١٦)\nوَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)\nفَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ أي أتمهنّ وفرغ من خلقهنّ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها قال قتادة والسدي: يعني خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها، وخلق في كلّ سماء خلقها من الملائكة والخلق الّذي فيها من البحار وجبال البرد، وما لا يعلم، وقيل: معناه وأوحى إلى أهل كلّ سماء من الأمر والنهي ما أراد.\nوَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ كواكب. وَحِفْظًا لها من الشياطين الّذين يسترقون السمع، ونصب حفظها على المعنى، كأنّه قال: جعلها زينة وحفظا، وقيل: معناه وحفظا زيّنّاها- على توهم سقوط الواو- أي وزيّنّا السّماء الدّنيا بمصابيح حفظا لها، وقيل: معناه وحفظها حفظا.\nذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ فَإِنْ أَعْرَضُوا يعني هؤلاء المشركين، فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ خوفتكم. صاعِقَةً وقيعة وعقوبة مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ إِذْ جاءَتْهُمُ يعني عادا وثمودا الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ يعني قبلهم وبعدهم.\nوأراد بقوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الرّسل الّذين أرسلوا إلى آباءهم من قبلهم ومن خلفهم، يعني من بعد الرّسل الّذين أرسلوا إلى آباءهم، وهو الرسول الّذي أرسل إليهم، هود وصالح (﵉)، والكناية في قوله: مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ راجعة إلى عاد وثمود، وفي قوله تعالى: وَمِنْ خَلْفِهِمْ، راجعة إلى الرسل.\nأَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً بدل هؤلاء الرّسل ملائكة. فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ.\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد بن محمد الأصبهاني، قرأه عليه في شوال سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى العبيدي، حدثنا أحمد بن نجدة بن العريان، حدثنا الجماني حدثنا ابن فضيل، عن الأجلح من الذيال بن حرملة، عن جابر بن عبد الله،","vol":"8","page":288},{"text":"قال: قال الملأ من قريش وأبو جهل: قد التبس علينا أمر محمّد، فلو التمستم رجلا عالما بالشعر والكهانة والسحر، فأتاه فكلمه ثمّ أتانا ببيان من أمره، فقال عتبة بن ربيع: والله لقد سمعت بالشعر والكهانة والسحر، وعلمت من ذلك علما، وما يخفى عليّ إن كان ذلك. فأتاه، فلما خرج إليه، قال: يا محمّد، أنت خير أم هاشم؟، أنت خير أم عبد المطلب؟، أنت خير أم عبد الله؟، فبم تشتم آلهتنا، ونضلك إيانا، فإن تتمنى الرئاسة عقدنا لك ألويتنا، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كانت بك الباءة زوجناك عشر نسوة تختار من أي أبيات قريش، وإن كان بك المال جمعنا لك ما تستغني أنت وعقبك من بعدك، ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلم، فلما فرغ، قرأ رسول الله (﵇): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ... إلى قوله: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم، ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش، فاحتبس عنهم عتبة، فقال أبو جهل: يا معشر قريش، والله ما نرى عتبة إلّا قد [صبأ] إلى محمّد وأعجبه طعامه، وما ذاك إلّا من حاجة أصابته، فانطلقوا بنا إليه، فانطلقوا إليه.\nفأتاه أبو جهل فقال: والله يا عتبة، ما حبسك عنّا إلّا إنّك صبوت إلى محمّد، وأعجبك طعامه، فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمّد. فغضب عتبة وأقسم ألّا يكلم محمّدا أبدا، وقال: والله لقد علمتم إنّي من أكثر قريش مالا، ولكني أتيته وقصصت عليه القصة، فأجابني بشيء، والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا ... إلى قوله:\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف وقد علمتم إنّ محمّدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل بكم العذاب.\nفَأَمَّا عادٌ يعني قوم هود. فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً وذلك إنّهم كانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم. أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا أي باردة شديدة الصوت والهبوب وأصله من الصرير، فضوعف كما يقال: نهنهت وكفكفت، وقد قيل: إنّ النهر الّذي يسمّى صرصرا إنّما سمي بذلك لصوت الماء الجاري فيه.\nفِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ متتابعات شديدات نكدات مشؤومات عليهم ليس فيها من الخير شيء، وقرأ أبو جعفر وابن عامر وأهل الكوفة نَحِساتٍ بكسر الحاء، غيرهم بجزمه.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علي، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، حدثنا مقاتل عن الضحاك في قوله تعالى: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا، قال: أمسك الله تعالى عنهم المطر ثلاث سنين ودامت الرياح عليهم من","vol":"8","page":289},{"text":"غير مطر، وبه عن مقاتل، عن إبراهيم التيمي وعن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: إذا أراد الله بقوم خيرا، أرسل عليهم المطر وحبس عنهم كثرة الرياح، وإذا أراد الله بقوم شرّا حبس عنهم المطر وأرسل عليهم كثرة الرياح.\nلِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى لهم وأشد إذلالا وإهانة. وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ وَأَمَّا ثَمُودُ قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب، ثمود بالرفع والتنوين، وكانا يجران ثمودا في القرآن كله إلّا قوله: وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ «١»، فإنّهما كانا لا يجرانه هاهنا من أجل إنّه مكتوب في المصحف هاهنا بغير ألف، وقرأ ابن أبي إسحاق وَأَمَّا ثَمُودَ منصوبا غير منون، وقرأ الباقون مرفوعا غير منون.\nفَهَدَيْناهُمْ دعوناهم وبيّنا لهم. فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فاختاروا الكفر على الإيمان. فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ مهلكة. الْعَذابِ الْهُونِ أي الهوان، ومجازه: ذي هون. بِما كانُوا يَكْسِبُونَ وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ وَيَوْمَ يُحْشَرُ يبعث ويجمع، وقرأ نافع ويعقوب نَحْشُرُ بنون مفتوحة وضم الشين. أَعْداءَ اللَّهِ نصبا. إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ يساقون ويدفعون إلى النّار، وقال قتادة والسدي: يحبس أولهم على آخرهم. حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ أي بشراتهم. بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وقال السدي وعبيد الله ابن أبي جعفر: أراد بالجلود الفروج.\nوأنشد بعض الأدباء لعامر بن جوين:\nالمرء يسعى للسلامة والسلامة حسبه ... أو سالم من قد تثنى جلده وأبيض رأسه «٢»\nوقال: جلده كناية عن فرجه.\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٥٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٥٠.","vol":"8","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-674>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٢١ الى ٣٢]</span>\nوَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (٢٥)\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)\nنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)\nوَقالُوا يعني الكفّار الّذين يحشرون إلى النّار. لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ\nحدثنا عقيل بن محمّد: إنّ أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمّد بن جرير، حدثنا أحمد بن حازم الغفاري، أخبرنا علي بن قادم الفزاري، أخبرنا شريك، عن عبيد المكيت، عن الشعبي، عن أنس، قال: ضحك رسول الله ﷺ ذات يوم حتّى بدت نواجذه، ثمّ قال: «ألّا تسألوني ممّ ضحكت» .\nقالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟\nقال: «عجبت من مجادلة العبد ربّه يوم القيامة، قال: يقول يا ربّ أليس وعدتني أن لا تظلمني؟ قال: فإنّ لك ذاك. قال: فإنّي لا أقبل عليّ شاهدا، إلّا من نفسي. قال: أو ليس كفى بي شهيدا، وبالملائكة الكرام الكاتبين؟ قال: فيختم على فيه وتتكلم أركانه بما كان يعمل» .\nقال: «فيقول لهنّ بعدا لكنّ وسحقا عنكنّ كنت أجادل» [١٦١] «١» .\nقال الله تعالى: وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أي تستخفون في قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: تتقون. قتادة: تظنون. أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ\nأخبرنا الحسين بن محمّد ابن فنجويه، حدثنا هارون بن محمد بن هارون وعبد الله بن عبد الرّحمن الوراق، قالا: حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن كثير وأبو حذيفة، قالا: حدثنا سفيان عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن وهب بن ربيعة، عن ابن مسعود، قال: إنّي لمستتر بأستار الكعبة، إذ جاء ثلاثة نفر، ثقفي وختناه قريشيان، كثير شحم بطونهم، قليل فقههم، فحدّثوا الحديث بينهم، فقال أحدهم: أترى يسمع ما قلنا؟ فقال الآخر: إذا رفعنا يسمع، وإذا خفضنا لم يسمع، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا رفعنا فإنّه يسمع إذا خفضنا. فأتيت النبيّ ﷺ، فذكرت له ذلك، فأنزل الله تعالى وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ ... إلى قوله:\nفَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ\nوالثقفي عبد ياليل وختناه القريشيان ربيعة وصفوان بن أمية. وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ أهلككم. فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ قال قتادة: الظنّ هاهنا بمعنى العلم،\nوقال النبي ﷺ: «لا يموتنّ أحدكم، إلّا وهو يحسن الظنّ بالله، وإنّ قوما أساءوا\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ٧/ ٥٥.","vol":"8","page":291},{"text":"الظنّ بربّهم فأهلكهم»\n[١٦٢] «١» فذلك قوله: وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ ... الآية.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه الدينوري، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، حدثنا عبد الله بن العباس الطيالسي، حدثنا أحمد بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزياد عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: يقول الله تعالى: «أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني» [١٦٣] «٢» .\nوقال قتادة: من استطاع منكم أن يموت وهو حسن الظنّ بربّه فليفعل، فإنّ الظنّ اثنان:\nظنّ ينجي، وظنّ يردي، وقال محمّد بن حازم الباهلي:\nالحسن الظنّ مستريح ... يهتم من ظنّه قبيح\nمن روح الله عنه ... هبّت من كلّ وجه ريح\nلم يخب المرء عن منح ... سخاء وإنّما يهلك الشحيح\nفَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا يسترضوا ويطلبوا العتبى. فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ المرضيين، والمعتّب الّذي قبل عتابة وأجيب إلى ما يسأل، وقرأ عبيد بن عمير وَإِنْ تُسْتَعْتَبُوا على لفظ المجهول فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ بكسر التاء، يعني إن سألوا أن يعملوا ما يرضون به ربّهم فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ أي ما هم بقادرين على إرضاء ربّهم لأنهم فارقوا دار العمل.\nوَقَيَّضْنا سلّطنا وبعثنا ووكلنا. لَهُمْ قُرَناءَ نظراء من الشياطين. فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ من أمر الدّنيا حتّى آثروه على الآخرة. وَما خَلْفَهُمْ من أمر الآخرة، فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث.\nوَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ مع أمم. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من مشركي قريش. لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ قال ابن عباس: يعني والغطوا فيه، كان بعضهم يوصي إلى بعض، إذا رأيتم محمدا يقرأ، فعارضوه بالزجر والابتعاد.\nمجاهد وَالْغَوْا فِيهِ بالمكاء والصفير وتخليط في المنطق على رسول الله ﷺ إذا قرأ.\nقال الضحاك: أكثروا الكلام فيختلط عليه القول.\nالسدي: صيحوا في وجهه.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٥٣.\n(٢) السنن الكبرى: ٤/ ٤١٢.","vol":"8","page":292},{"text":"مقاتل: ارفعوا أصواتكم بالأشعار والكلام في وجوههم حتّى تلبسوا عليهم قولهم، فيسكتوا.\nأبو العالية: قعوا فيه وعيبوه.\nوقرأ عيسى بن عمرو الْغُوا فِيهِ بضم الغين. قال الأخفش: فتح الغين، كان من لغا يلغا مثل طغا يطغا، ومن ضم الغين من لغا يلغوا مثل دعا يدعوا.\nلَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ محمدا على قراءته.\nفَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ أقبح. الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ في الدّنيا. ذلِكَ الّذي ذكرت. جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ ثمّ بيّن ذلك الجزاء ما هو، فقال: النَّارُ أي هو النّار لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ فقد ذكر إنّها في قراءة ابن عباس ذلك جزاء أعداء الله النّار دار الخلد، ترجم بالدار عن النّار، وهو مجاز الآية.\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وهو إبليس الأبالسة. وَالْإِنْسِ وهو ابن آدم الّذي قتل أخاه. نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا في النّار. لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ في الدرك الأسفل لأنهما سنا المعصية.\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا\nأخبرنا الحسين بن محمد الثقفي بقراءتي عليه، حدثنا الفضل الكندي، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الزيدي العسكري، حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو قتيبة سلمة بن قتيبة، حدثنا سهل بن أبي حزم عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قال: من مات عليها، فهو ممّن استقام «١» .\nأخبرنا الحسين بن محمد بن الثقفي بقراءتي عليه، حدثنا عبيد بن محمد بن شنبه، حدثنا جعفر ابن الفربابي، حدثنا محمد بن الحسن البلخي، أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن سعيد بن عمران، عن أبي بكر الصديق ﵁، ثُمَّ اسْتَقامُوا قال: لم يشركوا بالله شيئا. أخبرنا ابن فنجويه الثقفي، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا يونس، عن الزهري إنّ عمر بن الخطاب ﵁، قال وهو يخطب النّاس على المنبر: الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فقال: استقاموا على طريقة الله بطاعته، ثمّ لم يروغوا روّغان الثعالب، وقال عثمان بن عفان ﵁: يعني أخلصوا العمل الله،\nوقال علي بن أبي طالب ﵁: أدّوا الفرائض.\nابن عباس استقاموا على أداء فرائضه.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٥/ ٥٤.","vol":"8","page":293},{"text":"محمد بن موسى الحلواني، حدثنا إسماعيل بن بشر بن منصور، حدثنا مسكين أبو فاطمة عن شهر بن حوشب، قال: قال الحسن: وتلا هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فقال: استقاموا على أمر الله تعالى، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته. مجاهد وعكرمة:\nاستقاموا على شهادة أن لا إله إلّا الله، حتّى لحقوا به. قتادة وابن زيد: استقاموا على عبادة الله وطاعته، ابن سيرين: لم يعوجوا، سفيان الثوري: عملوا على وفاق ما قالوا. مقاتل بن حيان:\nاستقاموا على المعرفة ولم يرتدوا. مقاتل بن سليمان: استقاموا على إنّ الله ربّهم. ربيع:\nأعرضوا عما سوى الله تعالى. فضيل بن عياض: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية. بعضهم:\nاستقاموا إسرارا كما استقاموا إقرار، وقيل: استقاموا فعلا كما استقاموا قولا.\nروى ثابت عن أنس إنّ النبي ﷺ، قال لما نزلت هذه الآية: «أمتي وربّ الكعبة» [١٦٤] «١» .\nأخبرنا الحسن بن محمد الثقفي، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي وأحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم السني، قالا: حدثنا أبو خليفة الفضل بن حيان الجمحي، حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله الثقفي. قال: قلت: يا رسول الله أخبرني بأمر أعتصم به، فقال: «قل ربّي الله ثمّ استقم» قال: قلت: ما أخوف ما تخاف عليّ؟\nفأخذ رسول الله ﷺ بلسان نفسه، وقال: «هذا» [١٦٥] «٢» .\nوروي إنّ وفدا أقدموا على النبي ﷺ، فقرأ عليهم القرآن، ثمّ بكى، فقالوا: أمن خوف الّذي بعثك تبكي؟ قال: «نعم، إنّي قد بعثت على طريق مثل حد السيف، إن استقمت نجوت، وإن زغت عنه هلكت» [١٦٦] «٣» .\nوقال قتادة: كان الحسن إذا تلا هذه الآية، قال: اللهم أنت ربّنا فارزقنا الاستقامة.\nتَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ عند الموت أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا قال قتادة: إذا قاموا من قبورهم. قال وكيع بن الجراح البسري: تكون في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وفي البعث، ألّا يخافوا ولا يحزنوا. قال أبو العالية: لا تَخافُوا على صنيعكم وَلا تَحْزَنُوا على مخلفكم. مجاهد: لا تَخافُوا على ما تقدمون عليه من أمر الآخرة وَلا تَحْزَنُوا على ما خلفتم في دنياكم من أهل وولد ونشيء، فإنّا نخلفكم في ذلك كله. السدي: لا تَخافُوا ما أمامكم، وَلا تَحْزَنُوا على ما بعدكم. عطاء بن رباح: لا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا على ذنوبكم، فإنّي أغفرها لكم.\nوقال أهل اللسان في هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا بالوفاء على ترك\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٥/ ٣٥٨.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٤١٣. [.....]\n(٣) الدر المنثور: ٤/ ٢٠١ بتفاوت.","vol":"8","page":294},{"text":"الجفاء تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ بالرضا أَلَّا تَخافُوا من العناء وَلا تَحْزَنُوا على الفناء، وَأَبْشِرُوا بالبقاء مع الّذين كنتم توعدون من اللقاء، لا تَخافُوا فلا خوف على أهل الاستقامة، وَلا تَحْزَنُوا فإن لكم أنواع الكرامة، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار السلامة. لا تَخافُوا فعلى دين الله استقمتم، وَلا تَحْزَنُوا فبحبل الله اعتصمتم، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ وإن ارتبتم وأحزنتم، لا تَحْزَنُوا فطالما رهبتم، وَلا تَحْزَنُوا فقد نلتم ما طلبتم، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي فيها رغبتم، لا تَخافُوا فأنتم أهل الإيمان، وَلا تَحْزَنُوا فأنتم أهل الغفران، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار الرضوان، لا تَخافُوا فأنتم أهل الشهادة، وَلا تَحْزَنُوا فأنتم أهل السعادة، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار الزيادة، لا تَخافُوا فأنتم أهل النوال، وَلا تَحْزَنُوا فأنتم أهل الوصال، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار الجلال، لا تَخافُوا فقد أمنتم الثبور وَلا تَحْزَنُوا فقد آن لكم الحبور وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار السرور، لا تَخافُوا فسعيكم مشكور وَلا تَحْزَنُوا فذنبكم مغفور، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار النون، لا تَخافُوا فطالما كنتم من الخائفين، وَلا تَحْزَنُوا فقد كنتم من العارفين، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي عجز عنها وصف الواصفين، لا تَخافُوا فلا خوف على أهل الإيمان، وَلا تَحْزَنُوا فلستم من أهل الحرمان، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار الإيمان، لا تَخافُوا فلستم من أهل الجحيم، وَلا تَحْزَنُوا فقد وصلتم إلى الربّ الرحيم، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار النعيم، لا تَخافُوا فقد زالت عنكم المخافة، وَلا تَحْزَنُوا فقد سلمتم من كلّ آفة، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار الضيافة، لا تَحْزَنُوا العزل عن الولاية، وَلا تَحْزَنُوا على ما قدمتم من الخيانة، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي هي دار الهداية، لا تَخافُوا حلول العذاب، وَلا تَحْزَنُوا من هول الحساب وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي دار الثواب. لا تَخافُوا فأنتم سالمون من العقاب، وَلا تَحْزَنُوا فأنتم واصلون إلى الثواب، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ فإنها نعم المآب. لا تَخافُوا فأنتم أهل الوفاء وَلا تَحْزَنُوا على ما كسبتم من الجفاء وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ فإنها دار الصفاء لا تَخافُوا فقد سلمتم من العطب، وَلا تَحْزَنُوا فقد نجوتم من النصب، وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ فإنّها دار الطرب.\nنَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ\nتقول لهم الملائكة الّذين تتنزل عليهم بالبشارة: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ\nوأنصاركم وأحبّاءكم، فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\nقال السدي: نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ\nيعني نحن الحفظة الّذين كنا معكم في الدّنيا، ونَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ\n... فِي الْآخِرَةِ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا ابن خالد، أخبرنا داود بن عمرو الضبّي أخبرنا إبراهيم ابن الأشعث عن الفضيل بن عياض عن منصور عن مجاهد نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ\n. قال: قرناؤهم الّذين كانوا معهم في الدّنيا، فإذا كان يوم القيامة، قالوا: لن نفارقكم حتّى ندخلكم الجنّة.\nوَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ\nتريدون وتسألون وتتمنون، وأصل الكلمة إنّ ما تدّعون إنّه لكم، فهو لكم بحكم ربّكم.","vol":"8","page":295},{"text":"نُزُلًا أي جعل ذلك رزقا. مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>[سورة فصلت (٤١): الآيات ٣٣ الى ٥٤]</span>\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَما يُلَقَّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)\nفَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ (٣٨) وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ (٤١) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)\nما يُقالُ لَكَ إِلاَّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ (٤٣) وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (٤٤) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥) مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)\nوَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨) لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (٥١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)\nسَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)\nوَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ إلى طاعة الله. وَعَمِلَ صالِحًا وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ قال ابن سيرين والسدي وابن زيد: هو رسول الله ﷺ، وقال مقاتل: هو جميع الأئمّة والدعاة إلى الله تعالى، وقال عكرمة: هو المؤذن. قال أبو أمامة الباهلي: وَعَمِلَ صالِحًا يعني صلّى ركعتين بين الآذان والإقامة.","vol":"8","page":296},{"text":"أنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا حاجب بن أحمد بن يرحم بن سفيان، حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا وكيع، حدثنا عبيد الله بن الوليد الوصاني عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عائشة ﵂ قالت: إنّي لأرى هذه الآية نزلت وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ.. الآية في المؤذنين.\nوروى جرير بن عبد الحميد عن فضيل بن رفيدة، قال: كنت مؤذنا في زمن أصحاب عبد الله، فقال لي عاصم بن هبيرة: إذا أذّنت وفرغت من آذانك، فقل: الله أكبر الله أكبر لا إله إلّا الله، وأنا من المسلمين، ثمّ أقرأ هذه الآية: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ قال الفراء:\nولا هاهنا صلة معناه ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، وأنشده:\nما كان يرضي رسول الله فعلهما ... والطيبان أبو بكر وعمر «١»\nأي أبو بكر وعمر ﵄.\nادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ قريب صديق، قال مقاتل: نزلت في أبي سفيان بن حرب وكان مؤذيا لرسول الله ﷺ، فصار له وليّا، بعد أن كان عدوا. نظيره قوله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً «٢»، قال ابن عباس: أمر الله تعالى في هذه الآية بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.\nوَما يُلَقَّاها يعني هذه الخصلة والفعلة. إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ في الخير والثواب، وقيل: ذو حظ. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لاستعاذتك وأقوالك. الْعَلِيمُ بأفعالك وأحوالك.\nوَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إنما قال خلقهنّ بالتأنيث لأنّه أجرى على طريق جمع التكسير، ولم يجر على طريق التغليب للمذكر على المؤنث لأنّه فيما لا يعقل. إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا عن السجود. فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يعني الملائكة. يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ.\nلقوله تعالى: لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ، وَلَهُ يَسْجُدُونَ «٣» .\nوَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً يابسة دارسة لا نبات فيها. فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا أي يميلون عن الحقّ في أدلتنا.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢/ ٧١.\n(٢) سورة الممتحنة: ٧.\n(٣) سورة الأعراف: ٢٠٦.","vol":"8","page":297},{"text":"قال ابن عباس: هو تبديل الكلام ووضعه في غير موضعه، وقال مجاهد: يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا بالمكاء والتصدية واللغو واللغط. قتادة: يعني يكذبون في آياتنا. السدي: يعاندون ويشاققون. ابن زيد: يشركون ويكذبون. قال مقاتل: نزلت في أبي جهل لعنه الله.\nلا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ أبو جهل. خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ عثمان بن عفان وقيل: عمار بن ياسر اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ أمر وعيد وتهديد إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ عالم فيجازيكم به.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ حين جاءهم. وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ كريم على الله عن ابن عباس، وقال مقاتل: منيع من الشّيطان والباطل. السدي: غير مخلوق.\nلا يَأْتِيهِ الْباطِلُ قال قتادة والسدي: يعني الشيطان. مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ. فلا يستطيع أن يغيّر أو يزيد أو ينقص، وقال سعيد بن جبير: يعني لا يَأْتِيهِ النكير مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، وقيل: لا يأتيه ما يبطله أو يكذّبه من الكتب المتقدّمة، بل هو موافق لها مصدّق ولا يجيء بعده كتاب يبطله وينسخه، بل هو موافق لها مصدق. عن الكلبي. تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ما يُقالُ لَكَ من الأذى. إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ يعزّي نبيه ﷺ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لمن تاب. وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ لمن أصر.\nوَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا بغير لغة العرب. لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ بيّنت. آياتُهُ بلغتنا حتّى نفقهها، فإنّا قوم عرب، ما لنا وللأعجمية. ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ يعني أكتاب أعجميّ ونبي عربي.\nقال مقاتل: وذلك إنّ رسول الله ﷺ، كان يدخل على يسار غلام ابن الحضرمي وكان يهوديا أعجميّا ويكنى (أبا فكيهة)، فقال المشركون: إنّما يعلّمه يسار، فأخذه سيده عامر بن الحضرمي، وضربه، وقال: إنّك تعلم محمدا. فقال يسار: هو يعلمني. فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقرأ الحسن: أعجمي بهمزة واحدة على الخبر، وكذلك رواه هشام عن أهل الشام.\nووجهه ما روى جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير، قال: قالت قريش: لولا أنزل هذا القرآن أعجميّا وعربيّا حتّى تكون بعض آياته أعجميّا وبعضها عربيّا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل في القرآن بكلّ لسان، فمنه السجيل، وهي فارسية عربت سنك وكل، والقراءة الصحيحة قراءة العامة بالاستفهام على التأويل الأول.\nقُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أخبرنا محمد بن نعيم، أخبرنا الحسين بن أيوب، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا القاسم بن سلام، حدثنا حجاج بن أيوب، عن شعبة، عن موسى بن أبي عائشة، عن سلمان بن قتيبة، عن ابن عباس ومعاوية وعمرو ابن العاص، إنّهم كانوا يقرءون هذه الحروف بكسر الميم","vol":"8","page":298},{"text":"وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، وقرأه الباقين بفتح الميم على المصدر، واختاره أبو عبيد، قال: لقوله:\nهُدىً وَشِفاءٌ فكذلك عَمًى مصدر مثلها، ولو إنّها هاد وشاف لكان الكسر في عمى أجود ليكون نعتا مثلهما.\nأُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ قال بعض أهل المعاني: قوله: أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ خبر لقوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، وحديث عن محمد بن جرير، قال:\nحدثني شيخ من أهل العلم، قال: سمعت عيسى بن عمر سأل عمرو بن عبيد إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ، أين خبره؟ فقال عمرو: معناه في التفسير إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ كفروا به وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ فقال عيسى بن عمر: أجدت يا أبا عثمان.\nوقوله تعالى: يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ مثل لقلت استماعهم وانتفاعهم بما يوعظون به، كأنهم ينادون إلى الإيمان وبالقرآن من حيث لا يسمعون لبعد المسافة.\nوَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ فمؤمن به وكافر، ومصدّق ومكذّب. كما أختلف قومك في كتابك. وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ في تأخير العذاب. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ من عذابهم وعجل إهلاكهم.\nوَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ فإنّه لا يعلمه غيره،\nوذلك إنّ المشركين، قالوا للنبي ﷺ: لئن كنت نبيا، فأخبرنا عن الساعة متى قيامها؟، ولئن كنت لا تعلم ذلك فإنّك لست بنبيّ. فانزل الله تعالى هذه الآية.\nوَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ من صلة ثمرات، بالجمع أهل المدينة والشام، غيرهم ثمرة على واحدة. مِنْ أَكْمامِها أوعيتها، واحدتها كمة، وهي كلّ ظرف لمال أو وغيره، وكذلك سمّي قشرة الكفري، أي الذي ينشق عن الثمرة كمه. قال ابن عباس: يعني الكفري قبل أن ينشق، فإذا انشقت فليست بأكمام. وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ يقول إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ كما يردّ إليه علم الثمار والنتاج.\nوَيَوْمَ يُنادِيهِمْ يعني ينادي الله تعالى المشركين. أَيْنَ شُرَكائِي الّذين تزعمون في الدّنيا إنّها آلهة. قالُوا يعني المشركين، وقيل: الأصنام، يحتمل أن يكون القول راجعا إلى العابدين وإلى المعبودين أيضا آذَنَّاكَ أعلمناك وقيل: أسمعناك. ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ شاهد إنّ لك شريك لما عاينوا القيامة تبرؤا من الأصنام، وتبرأ الأصنام منهم وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ في الدنيا.\nوَظَنُّوا أيقنوا. ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ مهرب، و(ما) هاهنا حرف وليس باسم، فلذلك لم يعمل فيه الظنّ، وجعل الفعل ملقى.","vol":"8","page":299},{"text":"لا يَسْأَمُ يمل. الْإِنْسانُ يعني الكافر. مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ أي من دعائه بالخير ومسألته ربّه، ودليل هذا التأويل، قراءة عبد الله لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ من دعائه بالخير، أي بالصحّة والمال. وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ من روح الله. قَنُوطٌ من رحمته. وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً عافية ونعمة. مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ شدة وبلاء أصابته. لَيَقُولَنَّ هذا لِي أي بعملي، وأنا محقوق بهذا.\nوَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدثنا عبد الله بن ثابت، حدثنا أبو سعيد الكندي، حدثنا أحمد بن بشر، عن أبي شرمة، عن الحسن بن محمد بن علي أبي طالب، قال:\nالكافر في أمنيتين، أما في الدّنيا، فيقول: لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، وأما في الآخرة، فيقول الَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\n..\nفَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ شديد.\nوَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض كلاهما في الكثرة، يقال: أطال فلان الكلام والدعاء، وأعرض إذا أكثر.\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ القرآن. مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ قال ابن عباس: يعني منازل الأمم الخالية. وَفِي أَنْفُسِهِمْ بالبلاء والأمراض، وقال المنهال والسدي: فِي الْآفاقِ يعني ما يفتح لمحمد ﷺ من الآفاق، وَفِي أَنْفُسِهِمْ: مكّة، وقال قتادة: فِي الْآفاقِ يعني وقائع الله تعالى في الأمم، وَفِي أَنْفُسِهِمْ، يوم بدر.\nعطاء وابن زيد: فِي الْآفاقِ يعني أقطار الأرض والسّماء من الشمس والقمر والنجوم والنبات والأشجار والأنهار والبحار والأمطار، وَفِي أَنْفُسِهِمْ من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، وسبيل الغائط والبول، حتّى إنّ الرجل ليأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج ما يأكل ويشرب من مكانين.\nحَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ يعني إنّ ما نريهم ونفعل من ذلك هو الحقّ، وقيل: إنّه يعني الإسلام، وقيل: محمد ﷺ، وقيل: القرآن أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ.","vol":"8","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-676>سورة الشّورى</span>\nسورة حم عسق مكّية، وهي ثلاث وخمسون آية، وثمانمائة وستّ وستّون كلمة، وثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية وثمانون حرفا\nأخبرنا سعيد بن محمد بن محمد المقري، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد الحبري، حدثنا إبراهيم بن شريك الكوفي، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي، حدثنا سلام بن سليم المدائني، حدثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة الباهلي عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة حم. عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة ويستغفرون له ويسترحمون له» [١٦٧] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) عسق (٢) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)\nتَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)\nحم عسق سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت أبا عثمان بن أبي بكر المقري الزعفراني، يقول: سمعت شيخي يقول: سمعت أبا بكر المؤمن يقول: سألت الحسين بن الفضل لم قطّع حم عسق ولم تقطّع كهيعص، والمر والمص؟.\nقال: لكونها من سور أوائلها حم، فجرت مجرى نظائرها، قبلها وبعدها، وكان حم مبتدأ، وعسق خبره، ولأنّها آيتان، وعدت أخواتها الّتي كتبت موصولة آية واحدة.\nوقيل: لأنّ أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها، إنّها حروف التهجي لا غيره، واختلفوا في حم، فأخرجها بعضهم من حيز الحروف وجعلوها فعلا، وقالوا، معناه حم، أي قضي ما هو كائن إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٣٥.","vol":"8","page":301},{"text":"فأمّا تفسيرها أخبرنا عقيل بن محمد بن أحمد الفقيه: إنّ أبا الفرج المعافى بن زكريا القاضي، أخبرهم عن محمد بن جرير، حدثني أحمد، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن أرطأة بن المنذر، قال: جاء رجل إلى ابن عباس، فقال له وعنده حذيفة بن اليمان: أخبرني عن تفسير قول الله تعالى: حم عسق قال: فأطرق ثمّ أعرض عنه، ثمّ كرّر مقالته، فلم يجيبه بشيء، وكرّر مقالته، ثمّ كرّر الثالثة، فلم يجيبه شيئا، فقال له حذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم كرهها، نزلت في رجل من أهل بيته، يقال له: عبد الإله أو عبد الله، ينزل على نهر من أنهار المشرق، يبني عليه مدينتان يشق النهر بينهما شقا، فإذا أذن الله تعالى في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدّتهم، بعث الله تعالى على إحداهما نارا ليلا، فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كلّها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت، فما هو إلّا بياض يومها ذلك حتّى يجمع فيها كلّ جبّار عنيد منهم، ثمّ يخسف الله تعالى بها وبهم جميعا، فذلك قوله تعالى: حم عسق. يعني عزيمة من الله وفتنة وقضاء حم عسق عدلا منه، سين سيكون فتنة، قاف واقع بهما- بهاتين المدينتين.\nونظير هذا التفسير ما\nأخبرنا عبد الله بن أحمد بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد بن الحسن، حدثنا عبد الله بن مخلة، حدثنا إسحاق بن بشر الكاهلي، حدثنا عمار بن سيف الضبي أبو عبد الرّحمن، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النهدي عن جرير بن عبد الله، قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصّراة تجتمع فيها جبابرة أهل الأرض، تجبى إليها الخزائن، يخسف بها، وقال مرة: يخسف بأهلها، فلهي أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة.\nوذكر عن ابن عباس إنّه كان يقرأ (حم سق) بغير عين، ويقال: إنّ السين فيها كلّ فرقة كائنة، وإنّ القاف كلّ جماعة كائنة، ويقول: إنّ عليا إنّما كان يعلم الفتن بهما\n، وكذلك هو في مصحف عبد الله (حم سق) .\nوقال عكرمة: سأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن قوله: حم عسق.\nفقال: (ح) حلمه، (م) مجده، (عين) علمه، (سين) سناه، (ق) قدرته، أقسم الله تعالى بها.\nوفي رواية أبي الجوزاء إنّ ابن عباس، قال لنافع: (عين) فيها عذاب، (سين) فيها مسخ، (ق) فيها قذف. يدلّ عليه ما\nروي في حديث مرفوع إنّ النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية عرفت الكآبة في وجهه، فقيل له: ما هذه الكآبة يا رسول الله؟ قال: أخبرت ببلاء ينزل في أمتي. من خسف ومسخ وقذف، ونار تحشرهم وريح تقذفهم في اليم، وآيات متتابعات متصلة بنزول عيسى (﵇)، وخروج الدجال.","vol":"8","page":302},{"text":"وقال شهر بن حوشب وعطاء بن أبي رباح: (ح) حرب يعز فيها الذليل ويذل فيها العزيز في قريش، ثمّ تقضى إلى العرب، ثمّ تقضى إلى العجم، ثمّ تمتد إلى خروج الدجال.\nوقال عطاء: (ح) حرب في أهل مكّة يجحف بهم حتّى يأكلون الجيف وعظام الموتى، (م) ملك يتحول من قوم إلى قوم (ع) عدو لقريش قصدهم، (س) سيء يكون فيهم، (ق) قدرة الله النافذة في خلقه.\nوقال بكر بن عبد الله المزني: (ح) حرب تكون بين قريش والموالي، فتكون الغلبة لقريش على الموالي، (م) ملك بني أمية، (ع) علو ولد العبّاس، (سين) سناء المهدي (ق) قوة عيسى (﵇) حين ينزل، فيقتل النصارى ويخرب البيع «١» .\nوقال محمد بن كعب: أقسم الله بحلمه ومجده وعلوه وسناءه وقدرته، أن لا يعذب من عاد إليه بلا إله إلّا الله مخلصا له من قلبه،\nوقال جعفر بن محمد وسعيد بن جبير: (ح) من رحمن، (م) من مجيد، (عين) من عالم، (سين) من قدوس، (ق) من قاهر.\nالسدي: هو من الهجاء المقطع، (عين) من العزيز، (سين) من السلام، (ق) من القادر.\nوقيل: هذا في شأن محمد ﷺ (فالحاء) حوضه المورود، و(الميم) ملكة الممدود، و(العين) عزه الموجود، و(السين) سناؤه المشهود، و(القاف) قيامه في المقام المحمود، وقربه في الكرامة إلى المعبود.\nوقال ابن عباس: ليس من نبيّ صاحب كتاب إلّا وقد أوحيت حم عسق إليه، فلذلك، قال: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ قرأ ابن كثير بفتح الحاء ومثله روى عباس، عن ابن عمرو ورفع الاسم بالبيان، كأنّه قال: يوحي إليك.\nقيل: من الّذي يوحي؟ قال: الله، وهي كقراءة من قرأ يُسَبَّحُ لَهُ فِيها «٢» بفتح الباء، الباقون بكسره.\nوَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وقال مقاتل: نزل حكمها على الأنبياء (﵉) لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ أي من عظمة الله وجلاله فوقهنّ.\nقال ابن عباس: تَكادُ السَّماواتُ كلّ واحدة منها تتفطّر فوق الّتي تليها من قول المشركين، اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا «٣»: نظيره قوله: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا\n_________\n(١) العمدة لابن بطريق: ٤٢٩ ح ٨٩٨، والطرائف لابن طاوس: ١٧٦ ح ٢٧٦ عن الثعلبي.\n(٢) سورة النور: ٣٦.\n(٣) سورة البقرة: ١١٦.","vol":"8","page":303},{"text":"أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَدًا «١» . وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ من المؤمنين بيانها ويستغفرون للّذين آمنوا أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.\nقال الحكماء: وعظّم في الابتداء، ثمّ بشّر وألطف في الانتهاء.\nوَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ يحفظ أعمالهم ويحصي عليهم أفعالهم ليجازيهم بها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ إن عليك إلّا البلاغ. وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى مكّة، يعني أهلها. وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ أي بيوم الجمع. لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ أي منهم فريق فِي الْجَنَّةِ فضلا وهم المؤمنون. وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ عدلا وهم الكافرون.\nأخبرنا الإمام أبو منصور الجمشاذي، حدثنا أبو العباس الأصم، حدثنا أبو عثمان سعيد ابن عثمان بن حبيب السوحي، حدثنا بشر بن مطر، حدثني سعيد بن عثمان، عن أبي راهويه جدير بن كريب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص- وكان النبيّ ﷺ يفضّل عبد الله على أبيه-\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا ليث، حدثني أبو قبيل حيّ بن هانئ المعافري عن شفي الأصبحي عن عبد الله بن عمرو، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم، قابضا على كفيه ومعه كتابان، فقال: «أتدرون ما هذان الكتابان»؟، قلنا: لا يا رسول الله.\nفقال للّذي في يده اليمنى: هذا كتاب من ربّ العالمين بأسماء أهل الجنّة وأسماء آباءهم وعشائرهم وعدتهم قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب، وقبل أن يستقروا نطفا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم، ولا ناقص منهم إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة» [١٦٨]، ثمّ قال للّذي في يساره: «هذا كتاب من ربّ العالمين، بأسماء أهل النار وأسماء آباءهم وعشائرهم وعدتهم، قبل أن يستقروا نطفا في الأصلاب وقبل أن يستقروا في الأرحام إذ هم في الطينة منجدلون، فليس بزائد فيهم ولا ناقص منهم، إجمال من الله عليهم إلى يوم القيامة» . فقال عبد الله بن عمرو: ففيم العمل؟، إذ قال: «اعملوا وسددوا وقاربوا، فإن صاحب الجنّة يختم له بعمل أهل الجنّة وأن عمل أي عمل، وإنّ صاحب النّار يختم له بعمل أهل النّار وإن عمل، أي عمل» [١٦٩] «٢» .\nثمّ قال: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ عدل من الله تعالى.\n_________\n(١) سورة مريم: ٩٠- ٩١.\n(٢) سنن الترمذي: ٣/ ٣٠٤.","vol":"8","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-678>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٨ الى ٢٢]</span>\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٨) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)\nشَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)\nيَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (١٨) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩) مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠) أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٢١) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)\nوَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً على ملّة واحدة. وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ الكافرون. ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ لا سواه. وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى مجازه: لأنّه يحيي الموتى. وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ في الدين.\nقَدِيرٌ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ في الدين. فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجًا حلائل- وإنّما قال مِنْ أَنْفُسِكُمْ لأنّه خلق حواء من ضلع آدم- وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجًا يَذْرَؤُكُمْ يخلقكم ويعيشكم فِيهِ أي في الرحم، وقيل: في البطن، وقيل: في الروح، وقيل: في هذا الوجه من الخليقة.\nقال مجاهد: نسلا بعد نسل، ومن الأنعام، وقيل: (في) بمعنى الباء، أي يذرؤكم به، قال ابن كيسان: يكثركم.\nلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ المثل صلة ومجازه: ليس كهو شيء، فأدخل المثل توكيدا للكلام،","vol":"8","page":305},{"text":"كقوله: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ «١» وفي حرف ابن مسعود، فإن آمنوا بما آمنتم به وقال أوس بن حجر:\nوقتلى كمثل جذوع النخيل ... يغشاهم مطر منهمر «٢»\nأي كجذوع، وقال [آخر] «٣» سعد بن زيد:\nإذا أبصرت فضلهم ... كمثلهم في النّاس من أحد «٤»\nوقال آخر:\nليس كمثل الفتى زهير ... خلق يوازيه في الفضائل «٥»\nوقيل: (الكاف) صلة مجازه: ليس مثله، كقول الراجز:\nوصاليات ككما [يؤثفين]\nفأدخل على الكاف كافا تأكيدا للتشبيه، وقال آخر:\n[تنفي الغياديق على الطريق ... قلص عن كبيضة في نيق] «٦»\nفأدخل الكاف مع عن.\nوَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وهو أول أنبياء الشريعة.\nوَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى فاختلفوا في وجه الآية، فقال قتادة: تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقال الحكم: تحريم الأخوات والأمهات والبنات، وقال مجاهد: لم يبعث الله تعالى نبيا إلّا أوصاه بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة.\nفذلك دينه الذي شرع لهم، وهي رواية الوالي عن ابن عباس، وقيل: الدين التوحيد، وقيل: هو قوله: أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ بعث الأنبياء كلّهم بإقامة الدّين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة. كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ من التوحيد ورفض الأوثان. ثمّ قال عزّ من قائل: اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ فيستخلصه لدينه.\nوَما تَفَرَّقُوا يعني أهل الأديان المختلفة، وقال ابن عباس: يعني أهل الكتاب. دليله\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٣٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ٨، فتح القدير: ٤/ ٥٢٨.\n(٣) كذا الظاهر.\n(٤) فتح القدير للشوكاني: ٤/ ٥٢٨، جامع البيان للطبري ٢٥/ ١٨. [.....]\n(٥) فتح القدير للشوكاني: ٤/ ٥٢٨.\n(٦) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ١٨.","vol":"8","page":306},{"text":"ونظيره في سورة المنفكّين إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ «١» .\nإِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ من قبل بعث محمد وصفته. بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ تأخير العذاب. إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو يوم القيامة. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالعذاب.\nوَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ يعني من بعد الأمم الخالية، وقال مجاهد: معناه من قبلهم أي من قبل مشركي مكّة وهم اليهود والنصارى. لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ فَلِذلِكَ أي فإلى ذلك الّذين أوتوا الكتاب. فَادْعُ كقوله: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها «٢» أي إليها وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ اثبت على الدين الذي به أمرت وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ أي أن أعدل أو كي أعدل، كقوله: وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٣» .\nقال ابن عباس: لأسوي بينكم في الدّين، وأؤمن بكلّ كتاب وكلّ رسول، وقال غيره:\nلِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ في جميع الأحوال والأشياء.\nقال قتادة: أمر نبي الله ﷺ أن يعدل، فعدل حتّى مات، والعدل ميزان الله تعالى في الأرض\n، وذكر لنا إنّ داود (﵇)، قال: ثلاث من كنّ فيه فهو الفائز: القصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضا والغضب، والحسنة في السرّ والعلانية، وثلاث من كنّ فيه أهانته: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه، وأربع من أعطيهنّ، فقد أعطي خير الدّنيا والآخرة: لسان ذاكر، وقلب شاكر، وبدن صابر، وزوجة مؤمنة.\nاللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ لا خصومة. بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ نسختها آية القتال. اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا لفصل القضاء. وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ يخاصمون. فِي اللَّهِ في دين الله نبيه. مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ أي من بعد ما استجاب له النّاس، فأسلموا ودخلوا في دينه لظهور معجزته، وقيام حجته. حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ باطلة زائلة.\nعِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ قال مجاهد: نزلت في اليهود والنصارى. قالوا:\nكتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم وأولى بالحقّ.\nاللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ أي العدل عن ابن عباس وأكثر المفسرين.\nمجاهد: هو الّذي يوزن به، ومعنى إنزال الميزان: إلهامه الخلق للعمل به، وأمره بالعدل والإنصاف، كقوله: قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا «٤» .\nوقال علقمة: الميزان محمد ﷺ، يقضي بينهم بالكتاب. وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ\n_________\n(١) سورة البينة: ٤.\n(٢) سورة الزلزلة: ٥.\n(٣) سورة الأنعام: ٧١.\n(٤) سورة الأعراف: ٢٦.","vol":"8","page":307},{"text":"ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي، ومجازها الوقت، وقال الكسائي: إيتائها قريب.\nيَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها ظنّا منهم إنها غير جائية. وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها خائفون منها. وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ قال ابن عباس: حفي بهم. عكرمة: بارّ بهم. السدي: رقيق. مقاتل: لطيف بالبر والفاجر منهم، حيث لم يقتلهم جوعا بمعاصيهم. القرظي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة.\nقال الخوافي: غدا عند مولى الخلق، للخلق موقف يسألهم فيه الجليل، فيلطف بهم الصادق في الرزق من وجهين: أحدهما: إنّه جعل رزقك من الطيبات، والثاني: إنّه لم يدفعه إليك بمرة واحدة، وقيل: الرضا بالتضعيف. الحسين بن الفضل: في القرآن وتيسيره.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عاد البغدادي يقول:\nسئل جنيد عن اللطيف، فقال: هو الّذي لطف بأوليائه حتّى عرفوه، فعبدوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه.\nوقال محمد بن علي الكتاني: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا أيس من الخلق، توكل عليه ورجع إليه فحينئذ يقبله ويقبل عليه، وفي هذا المعنى أنشدنا أبو إسحاق الثعلبي، قال:\nأنشدني أبو القاسم الحبيبي. قال أنشدني أبي، قال: أنشدني أبو علي محمد بن عبد الوهّاب الثقفي:\nأمر بافناء القبور كأنّني ... أخو فطنة والثواب فيه نحيف\nومن شق فاه الله قدّر رزقه ... وربّي بمن يلجأ إليه لطيف «١»\nوقيل: اللطيف الّذي ينشر من عباده المناقب، ويستر عليه المثالب، وقيل: هو الّذي يقبل القليل، ويبذل الجزيل، وقيل: هو الّذي يجبر الكسير، وييسر العسير، وقيل: هو الّذي لا ييأس أحد في الدنيا من رزقه، ولا ييأس مؤمن في العفو من رحمته.\nوقيل: هو الّذي لا يخاف إلّا عدله، ولا يرجى إلّا فضله، وقيل: هو الّذي يبذل لعبده النعمة، فوق الهمّة ويكلفه الطاعة دون الطاقة، وقيل: هو الّذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه، وقيل: هو الّذي لا يرد سائله ولا يؤيّس آمله، وقيل: هو الّذي يعفو عمن يهفو، وقيل: هو الّذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل: هو الّذي يعين على الخدمة، ثم يكثر المدحة، وقيل: هو الّذي أوقد في أسرار عارفيه من المشاهدة سراجا، وجعل الصراط المستقيم لها منهاجا، وأنزل عليهم من سحائب بره ماءا ثجاجا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٧.","vol":"8","page":308},{"text":"يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ كما يشاء من شاء موسعا، ومن شاء مقترا، ومن شاء قليلا ومن شاء كثيرا، ومن شاء حلالا، ومن شاء حراما، ومن شاء في خفض ودعه، ومن شاء في كد وعناء، ومن شاء في بلده ومن شاء في الغربة، ومن شاء بحساب ومن شاء بغير حساب. وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ يعني يريد بعمله الآخرة. نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بالتضعيف بالواحدة عشرة إلى ما شاء الله من الزيادة. وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا يعني يريد بعمله الدّنيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ.\nقال قتادة: يقول: من عمل لآخرته نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ، ومن آثر دنياه على آخرته، لم يجعل الله له نصيبا في الآخرة إلّا النّار، ولم يصب من الدّنيا إلّا رزق قد فرغ منه وقسم له.\nأنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، حدثنا الحسين بن إدريس، حدثنا سويد بن نصير، أخبرنا عبد بن المبارك عن أبي سنان الشيباني، إنّ عمر بن الخطاب ﵁، قال: الأعمال على أربعة وجوه: عامل صالح في سبيل هدى يريد به دنيا، فليس له في الآخرة شيء، ذلك بأنّ تعالى، قال: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها.. «١» الآية، وعامل الرياء ليس له ثواب في الدّنيا والآخرة إلّا الويل، وعامل صالح في سبيل هدى يبتغي به وجه الله والدار الآخرة، فله الجنّة في الآخرة، معها [نعاته] «٢» في الدّنيا، وعامل خطأ وذنوب ثوابه عقوبة الله، إلّا أن يعفوا فإنّه أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ..\nأَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ يوم القيامة، حيث قال: بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ «٣» .. لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ تَرَى الظَّالِمِينَ المشركين يوم القيامة مُشْفِقِينَ وجلين. مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ أي نازل بهم لا محالة. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>[سورة الشورى (٤٢): آية ٢٣]</span>\nذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)\nذلِكَ الَّذِي ذكرت من نعيم الجنّات. يُبَشِّرُ اللَّهُ به. عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فإنّهم أهله.\n_________\n(١) سورة هود: ١٥.\n(٢) ولعلها: نعمته.\n(٣) سورة القمر: ٤٦.","vol":"8","page":309},{"text":"قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى\nقال ابن عباس: لما قدم رسول الله ﷺ من المدينة كانت تنوبه نوائب وحقوق، وليس في يديه سعة لذلك، قالت الأنصار: إنّ هذا الرجل قد هداكم الله به، وهو ابن أختكم، منوبة به. فقالوا له: يا رسول الله إنّك ابن أختنا، وقد هدانا الله على يديك، وتنوبك نوائب وحقوق، ولست لك عندها سعة، فرأينا أن نجمع لك من أموالنا، فنأتيك به، فتستعين به على ما ينوبك وها هو ذا، فنزلت هذه الآية.\nوقال قتادة: اجتمع المشركون في مجمع لهم، فقال بعضهم لبعض: أترون محمّدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، يحثهم على مودته، ومودّة أقربائه\n، وهذا التأويل أشبه بظاهر الآية والتنزيل لأنّ هذه السورة مكّية، واختلف العلماء في معنى الآية.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه بقراءتي عليه، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، حدثنا أبو بكر الأزدي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا قزعة بن سويد، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ: «لا أسألكم على ما أتيتكم من البينات والهدى أجرا إلّا أن تودّوا الله تعالى، وتقرّبوا إليه بطاعته» [١٧٠] «١» .\nوإلى هذا ذهب الحسن البصري، فقال: هو القربى إلى الله تعالى، يقول إلّا التقرب إلى الله تعالى والتودّد إليه بالطاعة والعمل الصالح،\nوروى طاوس والشعبي والوالبي والعوفي عن ابن عباس، قال: لم يكن بطن من بطون قريش إلّا وبين رسول الله وبينهم قرابة، فلما كذّبوه وأبوا أن يبايعوه، أنزل الله تعالى، قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى يعني أن تحفظوني وتودّوني وتصلوا رحمي، فقال رسول الله: «إذا أبيتم أن تبايعوني، فاحفظوا قرابتي فيكم ولا تؤذوني، فإنّكم قومي وأحق من أطاعني وأجابني «٢»» [١٧١] .\nوإليه ذهب أبو مالك وعكرمة ومجاهد والسدي والضحاك وابن زيد وقتادة، وقال بعضهم:\nمعناه إلّا أن تودوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، وهو قول سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب.\nثمّ اختلفوا في قرابة رسول الله ﷺ، الّذين أمر الله تعالى بمودتهم.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه الثقفي العدل، حدثنا برهان بن علي الصوفي، حدثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، حدثنا حرب بن الحسن الطحان، حدثنا حسين الأشقر، عن قيس، عن الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الّذين وجبت علينا مودّتهم؟\nقال: «علي وفاطمة وأبناءهما «٣»» [١٧٢]\n، ودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا أبو منصور\n_________\n(١) مسند احمد: ١/ ٢٦٨، المستدرك: ٢/ ٤٤٤.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ٣١.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ١٠٣","vol":"8","page":310},{"text":"الجمشاذي، قال: حدثني أبو عبد الله الحافظ، حدثني أبو بكر بن مالك، حدثنا محمد بن يونس، حدثنا عبيد الله بن عائشة، حدثنا إسماعيل بن عمرو، عن عمر بن موسى، عن زيد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جده علي بن أبي طالب ﵁، قال: «شكوت إلى رسول الله ﷺ، حسد النّاس لي» . فقال: «أما ترضى أن تكون رابع أربعة، أول من يدخل الجنّة أنا وأنت والحسن والحسين وأزواجنا عن أيماننا وشمالنا، وذريتنا خلف أزواجنا وشيعتنا من ورائنا» [١٧٣] «١» .\nحدثنا أبو منصور الجمشاذي، حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسين بن أحمد، حدثنا أبو العباس محمد بن همام، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن رزين، حدثنا حسان بن حسان، حدثنا حماد بن سلمة ابن أخت حميد الطويل، عن علي بن زيد بن جدعان، عن شهر بن حوشب، عن أمّ سلمة، عن رسول الله ﷺ إنّه قال لفاطمة: «ائتيني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم، فالقى عليهم كساء فدكيا، ثمّ رفع يديه عليهم، فقال: اللهم هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد، فإنك حميد مجيد» . قالت: فرفعت الكساء لأدخل معهم، فاجتذبه وقال: «إنّك على خير» [١٧٤] «٢» ..\nوروى أبو حازم عن أبي هريرة، قال: نظر رسول الله ﷺ إلى علي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: «أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن سالمتم «٣»» [١٧٥] .\nأخبرنا عقيل بن محمّد، أخبرنا المعافا بن زكريا بن المبتلي، حدثنا محمّد بن جرير، حدثني محمّد بن عمارة، حدثنا إسماعيل بن أبان، حدثنا الصياح بن يحيى المزني، عن السدي، عن أبي الديلم، قال: لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا فأقيم على درج دمشق، وقام رجل من أهل الشام، فقال: الحمد لله الّذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرن الفتنة، فقال علي بن الحسين:\nأقرأت القرآن؟\nقال: نعم. قال: قرأت أل حم؟ قال: قرأت القرآن، ولم أقرأ أل حم. قال: ما قرأت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. قال: وإنّكم لأنتم هم؟ قال: نعم» [١٧٦] .\nأخبرنا الحسين بن العلوي الوصي، حدثنا أحمد بن علي بن مهدي، حدثني أبي، حدثنا علي بن موسى الرّضا، حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثنا أبي جعفر بن محمد الصادق، قال:\nكان نقش خاتم أبي محمد بن علي:\nظنّي بالله حسن ... وبالنبي المؤتمن\nوبالوصي ذي المنن ... والحسين والحسن.\nأنشدنا محمد بن القاسم الماوردي، أنشدني محمد بن عبد الرّحمن\n_________\n(١) شواهد التنزيل: ١/ ١٨٥. [.....]\n(٢) مسند احمد: ٦/ ٣٢٣.\n(٣) سنن الترمذي: ٥/ ٣٦٠.","vol":"8","page":311},{"text":"الزعفراني، أنشدني أحمد بن إبراهيم الجرجاني، قال: أنشدني منصور الفقيه لنفسه:\nإن كان حبّي خمسة ... زكت بهم فرائضي\nوبغض من عاداهم ... رفضا فإنّي رافضي «١»\nوقيل: هم ولد عبد المطلب. يدلّ عليه ما\nحدثنا أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد المروزي، حدثنا أبو الحسن المحمودي، حدثنا أبو جعفر محمد بن عمران الأرسابندي حدثنا هديّة بن عبد الوهّاب، حدثنا سعيد بن عبد الحميد بن جعفر، حدثنا عبد الله بن زياد اليمامي، عن إسحاق بن أبي عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ: «نحن ولد عبد المطلب سادة أهل الجنّة، أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي «٢»» [١٧٧] .\nعلي بن موسى الرضا: حدثني أبي موسى بن جعفر، حدثني أبي جعفر بن محمد، حدثني أبي محمد بن علي، حدثني أبي علي بن الحسين، قال: قال رسول الله ﷺ: «حرمت الجنّة على من ظلم أهل بيتي وآذاني في عترتي، ومن اصطنع صنيعة إلى أحد من ولد عبد المطلب ولم يجازه عليها، فأنا أجازيه غدا إذا لقيني في يوم القيامة» [١٧٨] «٣» .\nوقيل: الّذين تحرم عليهم الصدقة ويقسم فيهم الخمس وهم بنو هاشم وبنو عبد المطلب الّذين لم يقترفوا في جاهلية ولا إسلام. يدل عليه قوله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى «٤»، وقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى «٥»، وقوله: وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ «٦» .\nأخبرنا عقيل بن محمّد إجازة، أخبرنا أبو الفرج البغدادي، حدثنا محمّد بن جدير، حدثنا أبو كرير، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا عبد السلم حدثني يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس، قال: قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا فكأنهم مخزوك، فقال ابن عباس أو العباس: شل عبد السلم لنا الفضل عليكم. [فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأتاهم في مجالسهم. فقال: «يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله بي؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي؟» . قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «أفلا تجيبوني؟» . قالوا: ما نقول يا رسول\n_________\n(١) جواهر العقدين: ٢/ ٣٠٤، وينابيع المودة: ٣/ ١٠٣.\n(٢) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٣٦٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٢.\n(٤) سورة الأنفال: ٤١.\n(٥) سورة الحشر: ٧.\n(٦) سورة الإسراء: ١٧.","vol":"8","page":312},{"text":"الله؟. فقال: «ألا تقولون، ألم يخرجك قومك فآويناك، أو لم يكذّبوك فصدقناك، أو لم يخذلوك فنصرناك؟» .\nقال: فما زال يقول حتّى جثوا على الركب، وقالوا: أموالنا وما في أيدينا لله تعالى ولرسوله. قال: فنزلت قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى [١٧٩] «١» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه، حدثنا محمد بن عبد الله بن حمزة، حدثنا عبيد بن شريك البزاز، حدثنا سلمان بن عبد الرّحمن بن بنت شرحبيل، حدثنا مروان بن معاوية الفزاري، حدثنا يحيى بن بشير الأسدي، عن صالح بن حيان الفزاري عبد الله بن شداد بن الهاد عن العباس ابن عبد المطلب إنّه، قال: يا رسول الله ما بال قريش يلقى بعضهم بعضا بوجوه تكاد أن تسايل من الود، ويلقوننا بوجوه قاطبة، تعني باسرة عابسة، فقال رسول الله (﵇):\n«أويفعلون ذلك؟» . قال: نعم، والّذي بعثك بالحقّ. فقال: «أمّا والّذي بعثني بالحقّ، لا يؤمنوا حتّى يحبّوكم لي» [١٨٠] «٢» .\nوقال قوم: هذه الآية منسوخة فإنّما نزلت بمكّة وكان المشركون يؤذون رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى هذه الآية وأمرهم فيها بمودة رسول الله وصلة رحمه. فلما هاجر إلى المدينة وآواه الأنصار وعزروه ونصروه أحبّ الله تعالى أن يلحقه بإخوانه من الأنبياء (﵈) حيث قالوا: وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ «٣»، فأنزل الله تعالى عليه قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ «٤»، فهي منسوخة بهذه الآية وبقوله: قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ «٥»، وقوله: وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ «٦»، وقوله: أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ «٧»، وقوله: أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ «٨» وإلى هذا ذهب الضحاك بن مزاحم والحسين بن الفضل.\nوهذا قول غير قوي ولا مرضي، لأنّ ما حكينا من أقاويل أهل التأويل في هذه الآية لا يجوز أن يكون واحد منها منسوخا، وكفى فتحا بقول من زعم إنّ التقرب الى الله تعالى بطاعته ومودة نبيه وأهل بيته منسوخ.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ٣٣.\n(٢) المصنف: ٧/ ٥١٨، العجم الكبير: ١١/ ٣٤٣، كنز العمال: ١٣/ ٥١٤.\n(٣) سورة الشعراء: ١٠٩.\n(٤) سورة سبأ: ٤٧.\n(٥) سورة ص: ٨٦.\n(٦) سورة المؤمنون: ٧٢. [.....]\n(٧) سورة يوسف: ١٠٤.\n(٨) سورة الطور: ٤٠.","vol":"8","page":313},{"text":"والدليل على صحة مذهبنا فيه، ما\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن حامد الأصبهاني، أخبرنا أبو عبد الله بن محمّد بن علي بن الحسين البلخي، حدثنا يعقوب بن يوسف بن إسحاق، حدثنا محمد بن أسلم الطوسي، حدثنا يعلي بن عبيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله البجلي، قال: قال رسول الله ﷺ: «من مات على حبّ آل محمّد مات شهيد، ألّا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مغفورا له، ألّا ومات على حبّ آل محمّد مات تائبا، ألّا ومن مات على حبّ آل محمّد مات مؤمنا مستكمل الإيمان، ألّا ومن مات على حبّ آل محمّد بشره ملك الموت بالجنّة ثم منكرا ونكيرا، ألّا ومن مات على حبّ آل محمّد جعل الله تعالى زوار قبره ملائكة الرحمن، ألّا ومن مات على حبّ آل محمّد فتح له في قبره بابان من الجنّة. ألّا ومن مات على بغض آل محمّد جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله، ألّا ومن مات على بغض آل محمّد مات كافرا، ألّا ومن مات على بغض آل محمّد لم يشم رائحة الجنّة» [١٨١] «١» .\nوَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً يكتسب طاعة. نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا بالضعف. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ. أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه، حدثنا ابن حنش المقري، حدثنا أبو القاسم بن الفضل، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا إسماعيل بن موسى، حدثنا الحكم بن طهر، عن السدّي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا، قال: المودة لآل محمّد ﷺ «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٤ الى ٢٨]</span>\nأَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٤) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)\nأَمْ يَقُولُونَ يعني كفّار مكّة. افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ.\nقال مجاهد: يعني يربط عليه بالصبر حتّى لا يشق عليك أذاهم، وقال قتادة: يعني يطبع على قلبك فينسيك للقرآن، فأخبرهم إنّه لو افترى على الله لفعل به ما أخبرهم في الآية.\nثمّ ابتدأ، فقال عزّ من قائل: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ. قال الكسائي: فيه تقديم وتأخير.\n_________\n(١) ينابيع المودة: ٣/ ١٤٠، وتفسير القرطبي: ١٦/ ٢٣. بتفاوت يسير.\n(٢) العمدة لابن بطريق عن المصنف: ٥٥ ح ٥٣، ونظم درر السمطين: ٨٦، والكامل لابن عدي: ٢/ ٢٠٩ ترجمة الحكم بن ظهير الفرازي.","vol":"8","page":314},{"text":"مجازه: الله يمحو الباطل. فحذفت منه الواو في المصحف، وهو في وضع رفع كما حذفت من قوله: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ «١» سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ «٢» على اللفظ.\nوَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ. [.......] «٣» . إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ\nقال ابن عباس:\nلما نزلت لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ... وقع في قلوب قوم منها شيء، وقالوا: ما يريد إلّا أن يحثنا على أقاربه من بعده. ثمّ خرجوا، فنزل جبريل (﵇) فأخبره إنّهم اتهموه وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله فإنّا نشهد إنّك صادق، فنزل وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ\nواختلفت عبارات العلماء في حقيقة التوبة وشرائطها.\nأخبرنا الإمام أبو القاسم الحسن بن محمّد بن حبيب بقراءته عليّ. في شهور سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، حدثنا محمّد بن سليمان بن منصور، حدثنا محمّد مسكان بن جبلة بساوة.\nأخبرنا عبد الله بن عبد العزيز بن أبي داود عن إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله، قال: دخل إعرابي مسجد رسول الله ﷺ وقال: اللهمّ إنّي استغفرك وأتوب إليك، سريعا وكبّر، فلما فرغ من صلاته قال له علي: يا هذا إنّ سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذّابين، وتوبتك تحتاج إلى توبة، قال: يا أمير المؤمنين وما التوبة؟ قال: اسم يقع على ستة معاني: على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، وردّ المظالم، وإذابة النفس في الطاعة كما أذبتها في المعصية، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، والبكاء بدل كلّ ضحك ضحكته.\nوسمعت الحسن بن محمّد بن الحسن، يقول: سمعت إبراهيم بن يزيد، يقول: سمعت حسن بن محمّد الترمذي يقول: قيل لأبي بكر محمّد بن عمر الوراق: متى يكون الرجل تائبا؟\nفقال: إذا رجع إلى الله فراقبه واستحياه وخاف نقمته فيما عصاه، والتجاء إلى رحمته فرجاه، وذكر حلمه في ستره فأبكاه، وندم على مكروه أتاه، وشكر ربّه على ما أتاه، وفهم عن الله وعظه فوعاه، وحفظ عهده فيما أوصاه.\nوسمعت الحسن بن محمّد بن حبيب، يقول: سمعت أبا منصور محمّد بن محمّد بن سمعان المذكر، يقول: سمعت أبا بكر بن الشاه الصوفي الفارسي، يقول: سئل الحرب بن أسد المحاسبي: من التائب؟ فقال: من رأى نفسه من الذنوب معصوما، وللخيرات موفقا، ورأى الفرح من قلبه غائبا والحزن فيه باقيا، وأحبّه أهل الخير، وهابه أهل الشّر، ورأى القليل من الدّنيا كثيرا، ورأى الكثير من عمل الآخرة قليلا، ورأى قلبه فارغا من كلّ ما ضمن له، مشتغلا\n_________\n(١) سورة الإسراء: ١١.\n(٢) سورة العلق: ١٨.\n(٣) بياض في المخلوط.","vol":"8","page":315},{"text":"بكلّ ما أمر به.\nوقال السري بن المغلس السقطي: التوبة صدق العزيمة على ترك الذنوب، والإنابة بالقلب إلى علام الغيوب، والندامة على ما فرط من العيوب، والاستقصاء في المحاسبة مع النفس بالاستكانة والخضوع.\nوقال عمرو بن عثمان: ملاك التوبة إصلاح القوت.\nوسمعت أبا القاسم بن أبي بكر بن عبد الله البابي، يقول: سمعت أبا يعلي حمزة بن وهب الطبري، يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني، يقول: سمعت يحيى بن معاذ، وسئل: من التائب؟ فقال: من كسر شبابه على رأسه وكسر الدّنيا على رأس الشيطان، ولزم الفطام حتّى أتاه الحمام.\nوقال سهل بن عبد الله: التوبة، الانتقال من الأحوال المذمومة إلى الأحوال المحمودة، وسئل ابن الحسن البوشيخي: عن التوبة؟ فقال: إذا ذكرت الذنب فلا تجد حلاوته في قلبك.\nوقال الراعي: التوبة ترك المعاصي نية وفعلا، والإقبال على الطاعة نية وفعلا، وسمعت أبا القاسم الحبيبي، يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عماد البغدادي، يقول: سئل جنيد: من التائب؟\nفقال: من تاب عما دون الله.\nوقال شاه الكرماني «١»: اترك الدّنيا وقد تبت وخالف هواك وقد وصلت، ويعفو عن السيئات إذا تابوا فيمحوها.\nأخبرنا الحسن بن محمّد بن الحسن بن جعفر، حدثنا أبي، حدثنا جعفر بن سواد، حدثنا عطية بن لفته، حدثنا أبي، حدثنا الزبيري، عن الزهري عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة.\nقال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى أفرح بتوبة عبده المؤمن من الضال الواجد، ومن العقيم الوالد، ومن الظمآن الوارد. فمن تاب إلى الله تعالى توبة نصوحا أنسى الله حافظيه وبقاع الأرض خطاياه وذنوبه «٢»» . أو قال: «ذنوبه وخطاياه» [١٨٢] .\nوَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ. قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف بالتاء، وهي قراءة عبد الله وأصحابه، ورواية حفص عن عاصم غيرهم بالياء، وهي اختيار أبي عبيد، قال: لأنّه لمن خبرني عن قوم. قال قبله: عَنْ عِبادِهِ، وقال بعده: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.\n_________\n(١) المتوفي سنة ٢٧٠ هـ، واسمه شاه بن شجاع الكرماني أبو الفوارس، راجع الوافي: ١٤/ ٢٣.\n(٢) كنز العمال: ٤/ ٢٠٥/ ح ١٠١٦٦.","vol":"8","page":316},{"text":"وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي يطيع الّذين آمنوا ربّهم في قول بعضهم.\nجعل الفعل للّذين آمنوا، وقال الآخرون: وَيَسْتَجِيبُ الله الَّذِينَ آمَنُوا جعلوا الإجابة فعل الله تعالى، وهو الأصوب والأعجب إليّ لأنّه وقع بين فعلين لله تعالى: الأول قوله: يَقْبَلُ والثاني وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ، ومعنى الآية: ويجيب الله المؤمنين إذا دعوه، وقيل: معناه نجيب دعاء المؤمنين بعضهم لبعض.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا أبو معاوية بن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن سلمة بن سبره، قال: خطبنا معاذ بالشام، فقال: أنتم المؤمنون وأنتم أهل الجنّة والله إنّي لأرجو أن يدخل الجنّة من تسبون من فارس والرّوم وذلك بأن أحدهم إذا عمل لأحدكم العمل، قال: أحسنت يرحمك الله أحسنت بارك الله فيك ويقول الله ﷾: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ.\nأخبرنا الحسين بن محمّد الثقفي، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدثني أبو أحمد عبد الله بن أحمد الزعفراني الهمذاني، حدثنا محمد بن الحسين بن قتيبة بعسقلان، حدثنا محمد بن أيوب بن سويد، حدثني أبي، عن أبي بكر الهذلي، عن أبي صالح عن ابن عباس في قول الله تعالى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، قال: تشفّعهم في إخوانهم. وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ. قال: في إخوان إخوانهم.\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ. الآية نزلت في قوم من أهل الصفّة تمنوا سعة الدّنيا والغنى. قال خباب بن لادن: فينا نزلت هذه الآية وذلك إنّا نظرنا إلى بني قريظة والنضير وبني القينقاع، فتمنيناها فأنزل الله تعالى وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ أي وسع الرزق لعباده.\nلَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ أي لطغوا وعصوا. قال ابن عباس: بغيهم ظلما، منزلة بعد منزلة ودابة بعد دابة ومركبا بعد مركب وملبسا بعد ملبس.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن إبراهيم التبستاني الإصبهاني، حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن العباس العصمي الهروي، أخبرني محمد بن علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن صالح الكرابيسي، يقول: سمعت قصير بن يحيى يقول: قال: شقيق بن إبراهيم في قول الله تعالى:\nوَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا، قال: لو رزق الله العباد من غير كسب وتفرغوا عن المعاش والكسب لطغوا في الأرض وبغوا وسعوا في الأرض فسادا، ولكن شغلهم بالكسب والمعاش رحمة منه وامتنانا.\nوَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ أرزاقهم بِقَدَرٍ ما يَشاءُ لكفايتهم. قال مقاتل: وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ فجعل واحدا فقيرا وآخرا غنيا.","vol":"8","page":317},{"text":"إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ. قال قتادة: في هذه الآية كان يقال: خير الرزق ما لا يطغيك ولا يلهيك،\nوذكر لنا إنّ نبي الله ﷺ قال: «أخوف ما أخاف على أمتي، زهرة الدّنيا وكثرتها «١»» [١٨٣] .\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا أبو جعفر محمد بن الغفار الزرقاني، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أبو حفص عمر بن سعيد الدمشقي، حدثنا صدقة بن عبد الله، حدثنا عبد الكريم الجزري، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ، عن جبريل (﵇)، عن ربّه ﷿ قال: «من أهان لي وليّا، فقد بارزني بالمحاربة، وإنّي لأسرع شيء إلى نصرة أوليائي، وإنّي لأغضب لهم كما يغضب الليث الحرد، وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره إساءته، ولا بد له منه، «٢» فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا ومؤيدا، إن سألني أعطيته وإن دعاني استجبت له وإنّ من عبادي المؤمنين لمن يسألني الباب من العبادة، ولو أعطيته إياه دخله العجب فأفسده، وإنّ من عبادي المؤمنين، لمن لا يصلحه إلّا السقم ولو صححته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلّا الصحّة، ولو أسقمته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلّا الغنى ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإنّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلحه إلّا الفقر ولو أغنيته لأفسده ذلك. إنّي أدبر عبادي لعلمي بقلوبهم إنّي عليم خبير» «٣» .\nقال صدقة: وسمعت أبان بن أبي عياش يحدث بهذا الحديث، عن أنس بن مالك ثمّ يقول: اللهمّ إنّي من عبادك المؤمنين الّذين لا يصلحهم إلّا الغنى فلا تفقرني.\nوَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ يعني المطر، سمي بذلك لأنّه يغيث النّاس أي يجيرهم ويصلح حالهم.\nقال الأصمعي: مررت ببعض قبائل العرب وقد مطروا، فسألت عجوز منهم، كم أتاكم المطر؟ فقالت: غثنا ما شئنا.\nمِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ويبسط مطره نظيره قوله: وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ «٤» .\nأخبرنا شعيب بن محمد، أخبرنا أبو الأزهر، حدثنا روح، حدثنا سعيد، عن قتادة قال:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ٤٠.\n(٢) في المصدر: وما تقرب إلي عبدي المؤمن بمثل أداء ما افترضت عليه وما يزال عبدي المؤمن يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٨.\n(٤) سورة الأعراف: ٥٧.","vol":"8","page":318},{"text":"ذكر لنا أنّ رجلا أتى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين قحط المطر وقنط النّاس.\nقال: مطرتم، ثمّ قال: وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ.\nوَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٢٩ الى ٣٧]</span>\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ (٢٩) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ (٣٠) وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (٣١) وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)\nأَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥) فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)\nوَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ. وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ من الإجرام والآثام. وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ منها فلا يؤاخذكم بها.\nوقرأ أهل المدينة والشام (بما) بغير (فاء)، وكذلك هي في مصاحفهم، وقرأ الباقون فَبِما، بالفاء، وكذلك في مصاحفهم وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم.\nأخبرنا الحسين بن محمد المقري، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب، حدثنا رضوان بن أحمد، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا أبو معاوية الضرير عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: لما نزلت هذه الآية وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قال رسول الله ﷺ: «ما من اختلاج عرق ولا خدش عود ولا نكبة حجر إلّا بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر» [١٨٤] «١» .\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا بشر بن موسى الأسدي، حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا مروان بن معاوية، حدثني الأزهر بن راشد الكاهلي، عن الخضر بن القواس العجلي، عن أبي سخيلة، قال: قال علي بن أبي طالب ﵁:\nألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله ﷺ: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ، قال: «وسأفسرها لك يا عليّ: ما أصابكم في الدنيا من بلاء أو\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣١. [.....]","vol":"8","page":319},{"text":"مرض أو عقوبة فالله أكرم من أن يثنّي عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه» [١٨٥] «١» .\nقال: بإسناده عن خلف بن الوليد، عن المبرك بن فضالة، عن الحسن، قال: دخلنا على عمران بن الحصين في مرضه الشديد الّذي أصابه، فقال رجل منّا: إنّي لا بد أن أسألك عما أرى من الوجع بك، فقال عمران: يا أخي لا تفعل فو الله أن أحبّه إليّ أحبّه إلى الله تعالى. قال الله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ. هذا بما كسبت يداي وعفو ربّي تعالى فيما بقي.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا موسى بن محمّد بن علي، حدثنا جعفر بن محمد الفرماني، حدثنا أبو خثيمه مصعب بن سعيد، حدثنا زهير بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مرة الهمذاني، قال: رأيت على ظهر كف شريح قرحة، قلت: يا أبا أمامة ما هذا؟ قال:\nفَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ.\nأخبرنا الحسين بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني إبراهيم بن الحسن الباهلي المقري، حدثنا حمّاد بن زيد أبو إسماعيل عن ابن عون، عن محمد بن سيرين، قال: لما ركبه الدّين اغتمّ لذلك، فقال: إنّي لأعرف هذا العلم، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا موسى بن محمد، حدثنا أبو بشر أحمد بن بشر الطيالسي، حدثني بعض أصحابنا، عن أحمد بن الحواري، قال: قيل لأبي سلمان الدارابي: ما بال العقلاء أزالوا اللّوم عمن أساء إليهم؟ قال: لأنّهم علموا أنّ الله تعالى إنّما ابتلاهم بذنوبهم، قال الله تعالى: ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «٢» .\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا محمد بن عبد الله بن [برزة]، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا ليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ، قال: «إذا أراد الله تعالى بعبده الخير عجّل له العقوبة في الدّنيا، وإذا أراد الله بعبده الشّر أمسك عليه بذنبه حتّى يوافي به يوم القيامة»\n[١٨٦] «٣» .\nوقال عكرمة: ما من نكبة أصابت عبدا فما فوقها إلّا بذنب لم يكن الله ليغفر له إلّا بها، أو درجة لم يكن الله ليبلّغه إلّا بها.\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ١/ ٣٥٢، تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٠.\n(٢) زاد المسير: ٧/ ٨١، وتفسير القرطبي: ١٦/ ٣١.\n(٣) سنن الترمذي: ٤/ ٢٧.","vol":"8","page":320},{"text":"أخبرنا أبو عثمان سعيد بن محمد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن رجاء، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن ابن أبي داود «١»، عن الضحاك، قال: ما تعلّم رجل القرآن ثمّ نسيه إلّا بذنب، ثمّ قرأ وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، ثمّ قال: وأي مصيبة أعظم من نسيان القرآن «٢» . وقال الحسن في هذه الآية: هذا في الحدود.\nوَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ هربا. وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ يعني السّفن، واحدتها جارية وهي السائرة في البحر، قال الله تعالى: حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ «٣» .\nفِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ أي الجبال، مجاهد: القصور، واحدها علم.\nوقال الخليل بن أحمد: كلّ شيء مرتفع عند العرب فهو علم.\nقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا:\nوإنّ صخرا لتأتمّ الهداة به ... كأنّه علم في رأسه نار «٤»\nإِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ ثوابت وقوفا عَلى ظَهْرِهِ أي على ظهر الماء.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَوْ يُوبِقْهُنَّ يهلكهنّ. بِما كَسَبُوا أي بما كسب أصحابها وركبانها من الذنوب. وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ فلا يعاقب عليها ويعلم.\nقرأ أهل المدينة والشام بالرفع على الاستئناف كقوله في سورة براءة: وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ «٥»، وقرأها الآخرون نصبا على الصرف كقوله تعالى: وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «٦» صرف من حال الجزم إلى النصب استحقاقا وكراهة لعوال الجزم، كقول النابغة:\nفإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع النّاس والشهر الحرام\nونمسك بعده بذناب عيش ... أجبّ الظهر له سنام «٧»\nوقال آخر:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم «٨»\n_________\n(١) في تفسير القرطبي: رواد.\n(٢) المصنف لابن أبي شيبة: ٧/ ١٦٢، وتفسير القرطبي: ١٦/ ٣٠، وتفسير ابن كثير: ٤/ ١٢٦.\n(٣) سورة الحاقة: ١١.\n(٤) بلاغات النساء: ٣١، مجمع البحرين: ٢/ ٥٨٩.\n(٥) سورة التوبة: ١٥.\n(٦) سورة آل عمران: ١٤٢.\n(٧) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ٤٦.\n(٨) الصحاح: ٣/ ١١٧٤.","vol":"8","page":321},{"text":"وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ محيد عن عقاب الله تعالى. فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ من رياش الدّنيا وقماشها. فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وليس من زاد المعاد. وَما عِنْدَ اللَّهِ من الثواب. خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ.\nقرأ يحيى بن رئاب وحمزة والكسائي وخلف هاهنا وفي سورة النجم (كبير) على التوحيد وفسروه الشرك عن ابن عباس، وقرأ الباقون كَبائِرَ بالجمع في السورتين، وقد بينا اختلاف العلماء في معنى «الكبائر» والفواحش. قال السدّي: يعني الزنا، وقال مقاتل: موجبات الخلود.\nوَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ يتجاوزون ويتحملون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٣٨ الى ٥٠]</span>\nوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤٢)\nوَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣) وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ (٤٥) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ (٤٨) لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)\nوَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ، وقيل هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق ﵁. حين لامه النّاس على إنفاق ماله كلّه، وحين شتم فحلم.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا إسحاق بن صدقة، حدثنا عبد الله بن هاشم، حدثنا سيف بن عمر، عن عطية، عن أيوب، عن علي ﵁ قال: اجتمع لأبي بكر ﵄ مال مرة فتصدق به كلّه في سبيل الخير، فلامه المسلمون وخطّأه الكافرون، فأنزل الله تعالى: فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا ... إلى قوله: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ","vol":"8","page":322},{"text":"خص به أبا بكر وعم به من اتبعه.\nوَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ينتقمون من ظالميهم من غير أن يعتدوا.\nوقال مقاتل: هذا في المجروح ينتصر من الجارح فيقتص منه. قال إبراهيم: في هذه الآية كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفو له.\nوَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها سمي الجزاء باسم الابتداء وإن لم يكن سيئة لتشابههما في الصورة. قال ابن نجيح: هو أن يجاب قائل الكلمة القبيحة بمثلها، فإذا قال: أخزاه الله. يقول له: أخزاه الله، وقال السدّي: إذا شتمك بشتمة فاشتمه بمثلها من غير أن تعتدي.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا ابن حنش المقري، حدثنا أبو القاسم بن الفضل، حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال سفيان بن عيينة: قلت لسفيان الثوري: ما قوله تعالى: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها أن يشتمك رجل فتشتمه؟، أو أن يفعل بك فتفعل به؟ فلم أجد عنده شيئا فسألت هشام بن حجير عن هذه الآية، فقال: الجارح إذا جرح تقتص منه وليس هو أن يسبك فتسبه.\nوقال سفيان: وكان ابن شبرمة يقول: أليس بمكّة مثل هشام بن حجير فَمَنْ عَفا فلم ينتقم.\nقال ابن عباس: فمن ترك القصاص وَأَصْلَحَ، وقال مقاتل: وكان العفو من الأعمال الصالحة فأجره على الله.\nقال ابن فنجويه العدل، حدثنا محمد بن الحسن بن بشر، أخبرنا أبو العباس محمد بن جعفر بن ملاس الدمشقي، حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن بشر القريشي، حدثنا زهير بن عباد المدائني، حدثنا سفيان بن عينية عن عمرو بن دينار عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ: «إذا كان يوم القيامة، نادى مناد من كان له على الله أجر، فليقم، قال: فيقوم عنق كثير. قال: فقال:\nما أجركم على الله، فيقولون: نحن الّذين عفونا عمّن ظلمنا، وذلك قوله تعالى: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ فيقال لهم: ادخلوا الجنّة بإذن الله» [١٨٧] «١» .\nإِنَّهُ إنّ الله لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. قال ابن عباس: الّذين يبدءون بالظلم. لقوله تعالى:\nوَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ. فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ.\nمبتدئين به. وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ.\nفلم يكاف. إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وحزمها. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ يهديه أو يمنعه من عذاب الله.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ١١.","vol":"8","page":323},{"text":"وَتَرَى الظَّالِمِينَ الكافرين. لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ رجوع إلى الدّنيا.\nمِنْ سَبِيلٍ وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها أي على النّار خاشِعِينَ خاضعين متواضعين مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ ذليل قد خفي من الذّلّ. قاله ابن عباس، وقال مجاهد وقتادة والسدّي والقرظي: سارقو النظر.\nواختلف العلماء باللغة في وجه هذه الآية، فقال يونس: من بمعنى الياء، مجازه: بطرف خفيّ، أي ضعيف من الذل والخوف، وقال الأخفش: الطرف العين، أي ينظرون من عين ضعيفة، وقيل: إنّما قال: مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ لأنه لا يفتح عينه إنّما ينظر ببعضها، وقيل معناه:\nينظرون إلى النّار بقلوبهم لأنّهم يحشرون عميا، والنظر بالقلب خفيّ.\nوَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ دائم. وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ طريق للوصول «١» إلى الحقّ في الدّنيا والجنّة في العقبى، قد انسدت عليه طرق الخير. اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ بالإيمان والطاعة. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ. ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ معقل. يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ منكم يغير ما بكم.\nفَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا. إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ. وَإِنَّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ. يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا فلا يكون له ولد ذكر.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه، حدثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدثنا محمد بن الحسين الفرج، حدثنا أحمد بن الخليل القومي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا حكيم بن حزام أبو سمير، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ من يمن المرأة تبكيرها بالأنثى قبل الذّكر، وذلك إنّ الله تعالى يقول: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ\n. ألا ترى إنّه بدأ بالإناث قبل الذّكور»\n[١٨٨] «٢» .\nوَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ فلا يكون له أنثى. أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا يجمع بينهما فيولد له الذّكور والإناث. تقول العرب: زوّجت وزوجت الصغار بالكبار. أي قرنت بعضها ببعض.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا طلحة وعبيد، قالا: حدثنا ابن مجاهد، حدثنا الحسين بن علي ابن العباس، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبيد الله، عن إسماعيل بن سلمان، عن أبي عمر،\n_________\n(١) في المخطوط: إلى الوصول.\n(٢) كنز العمال: ١٦/ ٦١١/ ح ٤٦٠٤٦، وتفسير القرطبي: ١٦/ ٤٨ بتفاوت في المصدرين. [.....]","vol":"8","page":324},{"text":"عن ابن الحنيفة في قوله تعالى: أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا. قال: التوائم.\nوَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا فلا يلد ولا يولد له.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن الحسين، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا إسحاق بن بشر، في قول الله تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا قال: نزلت في الأنبياء (﵈) ثمّ عمّت، يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا يعني لوطا (﵇) لم يولد له ذكر إنّما ولد له ابنتان. وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ ويعنى إبراهيم (﵇) لم يولد له أنثى أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرانًا وَإِناثًا يعني النبي ﷺ ولد له بنون وبنات وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيمًا يعني يحيى وعيسى (﵈) .\nإِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ.\nأخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد بن محمد المخلدي إملاء، أخبرنا أبو نعيم عبد الملك ابن محمد بن عدي، حدثنا عمار بن رجاء وعلي بن سهل بن المغيرة، قالا: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا ابن وهب، حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبو حمزة السّكري المروزي، عن إبراهيم الصائغ عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي، عن الأسود، عن عائشة «﵂» .\nقالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أولادكم هبة [الله] لكم يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ [فهم] وأموالهم لكم إذا احتجتم إليها» [١٨٩] «١» .\nقال علي بن الحسن: سألني يحيى بن معين عن هذا الحديث «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>[سورة الشورى (٤٢): الآيات ٥١ الى ٥٣]</span>\nوَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)\nوَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ الآية وذلك\nإنّ اليهود قالوا للنبي ﷺ: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ونظر إليه؟ فإنّا لا نؤمن لك حتّى تفعل ذلك. فقال ﷺ: «لم «٣»\n_________\n(١) نصب الراية: ٣/ ٥٦٩، والدر المنثور: ٦/ ١٢، وفيه: فهم وأموالكم.\n(٢) كذا في المخطوط، ولم نجده في المصادر، وعلي بن الحسن هو ابن شقيق راوي الحديث.\n(٣) أسباب نزول الآيات: ٢٥٢، زاد المسير: ٧/ ٨٧.","vol":"8","page":325},{"text":"ينظر موسى إلى الله» [١٩٠] فأنزل الله تعالى: وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ.\nإِلَّا وَحْيًا يوحي إليه كيف يشاء إما بالإلهام أو في المنام. أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ بحيث يسمع كلامه ولا يراه كما كلم موسى (﵇) أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا. إليه من ملائكة، إما جبريل وإما غيره. فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ.\nقرأ شيبة ونافع وهشام (أَوْ يُرْسِلُ) برفع اللام على الابتداء (فَيُوحِي) بإسكان الياء، وقرأ الباقون بنصب اللام والياء عطفا بهما على محلّ الوحي لأنّ معناه وما كان لبشر أن يكلمه الله إلّا أن يوحي أو يرسل.\nإِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ وَكَذلِكَ أي وما أوحينا إلى سائر رسلنا كذلك. أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا. قال الحسن: رحمة. ابن عباس: نبوة. السدّي: وحيا. الكلبي: كتابا. ربيع:\nجبريل. ملك بن دينار: يعني القرآن، وكان يقول: يا أصحاب القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم فإنّ القرآن ربيع القلوب كما الغيث ربيع الأرض.\nما كُنْتَ تَدْرِي قبل الوحي. مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ يعني شرائع الإيمان ومعالمه.\nوقال أبو العالية: يعني الدعوة إلى الإيمان، وقال الحسين بن الفضل: يعني أهل الإيمان من يؤمن ومن لا يؤمن، وقال محمد بن إسحاق بن جرير: الإيمان في هذا الموضع الصلاة.\nدليله قوله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ «١» .\nوَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا وحّد الكتابة وهما اثنان: الإيمان والقرآن لأن الفعل في كثرة أسمائه بمنزلة الفعل، ألا ترى إنّك تقول إقبالك وإدبارك يعجبني فيوحّدوه وهما اثنان.\nوقال ابن عباس: (وَلكِنْ جَعَلْناهُ) يعني الإيمان، وقال السدّي: يعني القرآن.\nنَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا. وَإِنَّكَ لَتَهْدِي لترشد وتدعوا. إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ. أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، حدثنا أحمد بن محمد بن شاذان، حدثنا الحسين بن محمد، حدثنا صالح بن محمد، قال: سمعت أبا معشر يحدّث، عن سهل بن أبي الجعداء وغيره. قال: احترق مصحف فلم يبق إلّا قوله ﷾: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ وغرق مصحف فامتحى كلّ شيء فيه إلّا قوله: أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٤٣.","vol":"8","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-684>سورة الزخرف</span>\nمكّية، وهي تسع وثمانون آية، وثمانمائة وثلاث وثلاثون كلمة، وثلاثة آلاف وأربعمائة حرف\nأخبرنا ابن المقري، أخبرنا ابن مطر، حدثنا ابن شريك، حدثنا ابن يونس، حدثنا سلام بن سليم، حدثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم عن أبيه، عن أبي أمامة الباهلي، عن أبي بن كعب. قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الزّخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ادخلوا الجنّة بِغَيْرِ حِسابٍ» [١٩١] «١» .\nقوله تعالى:\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١ الى ١٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)\nأَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥) وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٧) فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)\nالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١١) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)\nوَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)\nحم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا. أي أنزلناه وسميناه وبيّناه ووصفناه.\nكقوله تعالى: ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ «٢»، وقوله: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا «٣»، وقوله: جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ «٤»، وقوله تعالى:\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٦٦.\n(٢) سورة المائدة: ١٠٣.\n(٣) سورة الزخرف: ١٩.\n(٤) سورة الحجر: ٩١.","vol":"8","page":327},{"text":"أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ «١» . كلّها بمعنى الوصف والتسمية ويستحيل أن يكون بمعنى الخلق. لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ يعني هذا الكتاب. فِي أُمِّ الْكِتابِ يعني اللوح المحفوظ الّذي عند الله تعالى منه ينسخ، وقال قتادة: أصل الكتاب وجملته.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا مكي بن عيدان، حدثنا عبد الله بن هاشم بن حيان، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، حدثنا هاشم الدستوائي، حدثني القاسم بن أبي يزه، حدثني عروة بن عامر القريشي، قال: سمعت ابن عباس يقول: إنّ أول ما خلق الله تعالى القلم وأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق والكتاب عنده ثمّ قرأ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا\n. اختلفوا في معناه. فقال قوم: أفنضرب عنكم العذاب ونمسك ونعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم، وهذا قول مجاهد والسدي، ورواية الوالبي عن ابن عباس. قال: أفحسبتم إنّه يصفح عنكم ولما تعقلوا ما أمرتم به، وقال آخرون: معناه أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنّكم لا تؤمنون به فلا ننزله ولا نكرره عليكم، وهذا قول قتادة وابن زيد.\nوقال قتادة: والله لو كان هذا القرآن رفع حين ردّه أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة. أو ما شاء الله من ذلك.\nوقال الكلبي: أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم. الكسائي: أفنطوي عنكم الذكر طيّا، فلا تدعون ولا توعظون.\nوهذا من فصيحات القرآن، والعرب تقول لمن أمسك عن الشيء وأعرض عنه: ضرب عنه صفحا، والأصل في ذلك إنّك إذا أعرضت عنه ولّيته صفحة عنقك، قال كثير:\nصفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت «٢»\nأي معرضة بوجهها، وضربت عن كذا وأضربت، إذا تركته وأمسكت عنه.\nأَنْ كُنْتُمْ قرأ أهل المدينة والكوفة إلّا عاصما أن تكتب الألف على معنى إذ. كقوله:\nوَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «٣»، وقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا «٤» .\nوقرأ الآخرون بالفتح على معنى لأنّ كنتم أرادوا على معنى المضي كما يقول في الكلام:\nأسبّك إن حرمتني، يريد إذا حرمتني. قال أبو عبيدة: والنّصب أحبّ إليّ لأنّ الله تعالى عاتبهم على ما كان منهم وعلمه قبل ذلك من فعلهم.\n_________\n(١) سورة التوبة: ١٩.\n(٢) غريب الحديث: ٢/ ١٦٨، لسان العرب: ٢/ ٥١٥.\n(٣) سورة البقرة: ٢٧٨.\n(٤) سورة النور: ٣٣.","vol":"8","page":328},{"text":"قَوْمًا مُسْرِفِينَ مشركين متجاوزين أمر الله. وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ وَما يَأْتِيهِمْ. أي وما كان يأتيهم. مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ كاستهزاء قومك بك. يعزّي نبيه ﷺ فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا قوة. وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ صفتهم وسنتهم وعقوبتهم.\nوَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ أي بمقدار حاجتكم إليه. فَأَنْشَرْنا فأحيينا. بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا. كَذلِكَ أي كما أحيينا هذه البلدة الميتة بالمطر كذلك. تُخْرَجُونَ من قبوركم أحياء.\nوَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ الأصناف. كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ذكر الكناية لأنّه ردها إلى ما، وقال الفراء: أضاف الظهور إلى الواحد لأنّه ذلك الواحد في معنى الجمع كالجند والجيش والرهط والخيل ونحوها من أسماء الجيش.\nثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ أي مطبقين ضابطين قاهرين وهو من القرآن، كأنّه أراد وما كنا مقاومين له في القوة.\nوَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ لمنصرفون في المعاد.\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا سعيد بن محمد بن إسحاق الصيرفي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شنبه، حدثنا محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن علي بن ربيعة، عن علي ﵁، عن النبي ﷺ، إنّه كان إذا وضع رجله في الركاب، قال: «بسم الله» فإذا استوى على الدابة. قال: «الحمد لله على كلّ حال سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ» [١٩٢]، وكبّر ثلاثا وهلل ثلاثا «١» .\nوقال قتادة: في هذه الآية يعلمكم كيف تقولون إذا ركبتم في الفلك والأنعام تقولون:\nوَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ «٢» .\nوَجَعَلُوا يعني هؤلاء المشركين لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءًا أي نصيبا وبعضا.\nوقال مقاتل وقتادة: عدلا وذلك قولهم للملائكة هم بنات الله تعالى.\nإِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ.\n_________\n(١) كتاب الدعاء للطبراني: ٢٤٨.\n(٢) سورة المؤمنون: ٢٩. [.....]","vol":"8","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-686>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ١٦ الى ٣٥]</span>\nأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (٢٠)\nأَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (٢٤) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)\nوَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ (٣٠)\nوَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا وَسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)\nأَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ أخلصكم وخصصكم. بِالْبَنِينَ نظيره قوله تعالى:\nأَفَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثًا «١» .\nوَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا يعني البنات. دليلها في النّحل ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ من الحزن والغيظ.\nأَوَمَنْ يُنَشَّؤُا قرأها أهل الكوفة بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين على غير تسمية الفاعل. أي يربي غيرهم يَنْشَؤُا بفتح الياء وجزم النون وتخفيف الشين، أي ينبت ويكبر.\nفِي الْحِلْيَةِ في الزينة، يعني النساء. قال مجاهد: رخّص للنساء في الحرير والذهب، وقرأ هذه الآية.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسين الزعفراني، حدثنا يحيى بن جعفر بن أبي طالب، حدثنا محمد بن عبيد، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سعيد بن أبي هند، عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله ﷺ: «الذهب والحرير حرام على ذكور أمتي، حلّ لأناثهم» [١٩٣] «٢» .\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٤٠.\n(٢) فتح الباري: ١٠/ ٢٥٠، منتخب مسند عبد بن حميد: ١٩٣.","vol":"8","page":330},{"text":"وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ للحجة من ضعفهنّ وسفههنّ. قال قتادة في هذه الآية: قلما تتكلم امرأة بحجّتها إلّا تكلمت الحجة عليها، وفي مصحف عبد الله (وهو في الكلام غير مبين) .\nوقال بعض المفسرين: عني بهذه الآية أوثانهم الّتي كانوا يعبدونها ويجلّونها ويزينونها وهي لا تتكلم ولا تنبس. قال ابن زيد: هذه تماثيلهم الّتي يضربونها من فضة وذهب، وينشئونها في الحلية يتعبدونها. في محلّ من ثلاثة وجوه: الرفع على الابتداء. والنصب على الإضمار، مجازه: أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا يجعلونه ربّا أو بنات الله، والخفض ردّا على قوله: مِمَّا يَخْلُقُ وقوله:\nبما صرت ...\nوَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا قرأ أبو عمرو وأهل الكوفة عباد الرحمن بالألف والياء!، وأختاره أبو عبيد قال: لأن الإسناد فيها أعلى ولأنّ الله تعالى إنما كذبهم في قوله: «بنات الله» فأخبر إنّهم عبيده وليسوا بناته، وهي قراءة ابن عباس.\nأخبرنا محمد بن نعيم، أخبرنا الحسين بن أيوب، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا القاسم بن سلام، حدثنا هيثم عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، إنّه قرأها عِبادُ الرَّحْمنِ.\nقال سعيد: فقلت لابن عباس: إنّ في مصحفي عبد الرّحمن. فقال: امسحها واكتبها عِبادُ الرَّحْمنِ، وتصديق هذه القراءة، قوله بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ «١»، وقرأ الآخرون عند الرّحمن بالنون واختاره أبو حاتم، قال: لأن هذا مدح، وإذا قلت: عِبادُ الرَّحْمنِ وتصديقها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ «٢» .\nأَشَهِدُوا أحضروا خَلْقَهُمْ حتّى يعرفوا إنّهم أناث، وقرأ أهل المدينة أُشْهِدُوا على غير تسمية الفاعل أي أحضروا. خَلْقَهُمْ حين خلقوا. سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ على الملائكة إنّهم بنات الله وَيُسْئَلُونَ عنها.\nوَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ يعني الملائكة في قول قتادة ومقاتل والكلبي، وقال مجاهد: يعني الأوثان، وإنّما لم يعجل عقوبتنا على عبادتنا إياها لرضا منا بعبادتها. قال الله تعالى: ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ فيما يقولون إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يكذبون.\nأَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل هذا القرآن. فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ دين. وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ وقراءة العامة (أُمَّةٍ) بضم الألف، وهي\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ٢٦.\n(٢) سورة الأعراف: ٢٠٦.","vol":"8","page":331},{"text":"الدين والملة، وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد أِمَّةٍ بكسر الألف واختلفوا في معناها، فقيل:\nهي الطريقة والمقصد من قولهم أممت، وقيل: هي النعمة. قال عدي بن زيد: ثمّ بعد الفلاح والملك والأمة وأريهم هناك القبور، وقيل: هما لغتان بمعنى واحد.\nوَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ مستنون متبعون.\nقالَ قراءة العامة على الأمر، وقرأ ابن عامر على الخبر ومثله روى حفص بن عاصم.\nأَوَلَوْ جاءَكُمْ بالألف أبو جعفر. الباقون جِئْتُكُمْ على الواحد. بِأَهْدى بدين أصوب. مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ. قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ. فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ أي بريء، ولا يثنّى البراء ولا يجمع ولا يؤنث لأنّه مصدر وضع موضع النعت، وفي قراءة عبد الله (بريء) بالياء. مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي خلقني، ومجاز الآية: إِنَّنِي بَراءٌ من كلّ معبود إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ إلى دينه. وَجَعَلَها يعني هذه الكلمة والمقالة كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ قال مجاهد وقتادة: يعني لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وقال القرظي: يعني وجعل وصية إبراهيم الّتي أوصى بها بنيه باقية في نسله وذريته وهي الّتي ذكرها الله تعالى في سورة البقرة: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ «١»، وقال ابن زيد: يعني قوله: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «٢» وقرأ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ «٣» .\nلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ من كفرهم إلى الطاعة ويتوبون بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ في الدّنيا فلم أهلكهم ولم أعاجلهم بالعقوبة على كفرهم. حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ القرآن، وقال الضحاك:\nالإسلام. وَرَسُولٌ مُبِينٌ يبين لهم الأعلام والأحكام وهو محمد ﷺ.\nوَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ القرآن قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. يعني من إحدى القريتين ولم يختلفوا في القريتين إنّهما مكّة والطائف، واختلفوا في الرجلين من هما. قال ابن عباس: الوليد بن المغيرة من مكّة وكان يسمى ريحانة قريش، وحبيب بن عمرو بن عمير الثقفي من الطائف.\nوقال مجاهد: عتبة بن الربيع من مكّة وابن عبد ياليل الثقفي من الطائف. قتادة: هما الوليد بن المغيرة المخزومي، وأبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي، وقال السدي: الوليد بن المغيرة وكنانة بن عبد عمرو بن عمير.\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٣٢.\n(٢) سورة البقرة: ١٣١.\n(٣) سورة الحج: ٧٨.","vol":"8","page":332},{"text":"قال الله ﷾: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نبوته وكرامته فيجعلونها لمن شاءوا. نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فجعلنا هذا غنيا وهذا فقيرا وهذا ملكا وهذا مملوكا، وقرأ ابن عباس وابن يحيى (معايشهم) وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا أي ليسخّر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل ويستخدمونهم ليكون بعضهم لبعض سبب المعاش في الدّنيا، هذا بماله وهذا بأعماله هذا قول السدي وابن زيد، وقال قتادة والضحاك: يعني ليملك بعضهم بعضا فهذا عبد هذا، وقيل: يسخر بعضهم من بعض، وقيل: يتسخر بعضهم بعضا.\nوَرَحْمَتُ رَبِّكَ يعني الجنّة خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ في الدنيا من الأموال وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً مجتمعين على الكفر فيصيروا كلّهم كفّارا. هذا قول أكثر المفسرين، وقال ابن زيد: يعني: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً في طلب الدّنيا واختيارها على العقبى.\nلَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وقرأ أبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو وحميد ويحيى بن وثاب سَقْفًا بفتح السين على الواحد ومعناه الجمع اعتبارا بقوله: فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ «١»، وقرأ الباقون بضم السين والقاف على الجمع. يقال سقف وسقّف مثل رهن ورهّن. قال أبو عبيد: ولا ثالث لهما، وقيل: هو جمع سقيف، وقيل: هو جمع سقوف وجمع الجمع. وَمَعارِجَ أي مصاعد ومراقي ودرجا وسلاليم، وقرأ أبو رجاء العطاردي (ومعاريج) وهما لغتان واحدهما معراج مثل مفاتح ومفاتيح.\nعَلَيْها يَظْهَرُونَ يعلون ويرتقون ويصعدون بها، ظهرت على السطح إذا علوته. قال النابغة الجعدي:\nبلّغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا «٢»\nأي مصعدا.\nوَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوابًا من فضة وَسُرُرًا من فضة عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ وَزُخْرُفًا أي ولجعلنا لهم مع ذلك وَزُخْرُفًا وهو الذهب نظير بيت مزخرف، ويجوز أن يكون معناه من فضة وزخرف فلما نزع الخافض نصب.\nوَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا شدده عاصم وحمزة على معنى وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمَّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا «٣»، وخففه الآخرون على معنى. ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا «٤» فتكون [لغة] الواصلة وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ للمؤمنين.\n_________\n(١) سورة النحل: ٢٦.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٥٢٩،\n(٣) سورة الزخرف: ٣٥.\n(٤) سورة آل عمران: ١٤.","vol":"8","page":333},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا أحمد بن شاذان، أخبرنا جيغويه بن محمد، حدثنا صالح بن محمد، حدثنا إبراهيم بن محمد بن أبان، عن سليمان بن القيس العامري، عن كعب. قال: إنّي لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بأكاليل فلا يصدع ولا ينبض منه عرق يوجع.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا الفربابي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزيدي، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن ثعلبة بن مسلم، عن مسلم بن أبي المجرد، عن عمر بن الخطاب ﵁ إنّه كان يقول: لو أنّ رجلا هرب من رزقه لاتبعه حتّى يدركه، كما إنّ الموت يدرك من هرب منه له أجل هو بالغه، أو أثر هو واطئة ورزق هو آكله وحرف هو قائله فاتقوا الله واجملوا في الطلب، فلا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق أن تطلبوه بمعصية الله تعالى، فإنّ الله لا ينال ما عنده إلّا بطاعته، ولن يدرك ما عنده بمعصيته. فاتقوا الله واجملوا في الطلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٣٦ الى ٥٠]</span>\nوَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٤٠)\nفَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ (٤٧) وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقالُوا يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)\nوَمَنْ يَعْشُ يعرض عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ فلم يخف عقابه ولم يرج ثوابه.\nوقال الضحاك: يمض قدما. القرظي: يولّ ظهره على ذكر الرّحمن وهو القرآن. أبو عبيدة والأخفش: أي تظلم عينه، الخليل بن أحمد: أصل العشو النظر ببصر ضعيف، وأنشد في معناه:\nمتى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد\nوروى نوفل بن أبي عقرب عن ابن عباس إنّه قرأ وَمَنْ يَعْشَ بفتح الشين ومعناه: «من يعم» . يقال منه: عشي يعشي عشيا إذا عمي، ورجل أعشى وامرأة عشواء، ومنه قول الأعشى:","vol":"8","page":334},{"text":"رأت رجلا غائب الوافدين ... مختلف الخلق أعشى ضريرا «١»\nنُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا أي نظمه إليه ونسلّطه عليه فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ فلا يفارقه. وَإِنَّهُمْ يعني الشياطين لَيَصُدُّونَهُمْ يعني الكافرين. عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ حَتَّى إِذا جاءَنا قرأ أهل العراق وابن محيص على الواحد يعنون الكافر، واختاره أبو عبيد وقرأ الآخرون جاءَنا على التشبيه يعنون الكافر وقرينه.\nقالَ الكافر للشيطان. يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ أي المشرق والمغرب، فقلب اسم أحدهما على الآخر، كما قال الشاعر:\nأخذنا بآفاق السّماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع «٢»\nيعني الشمس والقمر، ويقال للغداة والعشي: العصرات، قال حميد بن ثور:\nولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما «٣»\nوقال آخر:\nوبصرة الأزد منا والعراق لنا ... والموصلان ومنا المصر والحرم «٤»\nأراد الموصل والجزيرة، ويقال للكوفة والبصرة: البصرتان، ولأبي بكر وعمر «﵄»:\nالعمران، وللسبطين: الحسنان، وقال بعضهم: أراد بالمشرقين، مشرق الصيف ومشرق الشتاء.\nكقوله تعالى: رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ «٥» .\nفَبِئْسَ الْقَرِينُ قال أبو سعيد الخدري: إذا بعث الكافر زوج بقرينه من الشيطان فلا يفارقه حتّى يصير إلى النّار.\nوَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ في الآخرة إِذْ ظَلَمْتُمْ أشركتم في الدّنيا أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ يعني لن ينفعكم إشراككم في العذاب لأنّ لكلّ واحد نصيبه الأوفر منه فلا يخفف عنكم العذاب لأجل قرنائكم.\nوقال مقاتل: لَنْ يَنْفَعَكُمُ الاعتذار والندم الْيَوْمَ لأنّكم أنتم وقرناؤكم مشتركون اليوم في العذاب كما كنتم مشتركين في الكفر.\nأَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ يعني الكافرين الّذين حقّت عليهم كلمة العذاب فلا يؤمنون.\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٥٥٣.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ١٠٧.\n(٣) الصحاح: ٢/ ٧٤٨. [.....]\n(٤) الصحاح: ٥/ ١٨٤٣.\n(٥) سورة الرحمن: ١٧.","vol":"8","page":335},{"text":"فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فنميتك قبل أن نعذبهم. فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فنعذبهم في حياتك.\nفَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ قال أكثر المفسرين: أراد به المشركين من أهل مكّة فانتقم منهم يوم بدر، وقال الحسن وقتادة: عني به أهل الإسلام من أمة محمد ﷺ وقد كان بعد نبي الرحمة نقمة شديدة فأكرم الله نبيه وذهب به، ولم يره في أمته إلّا الّذي تقر عينه، وأبقى النقمة بعده، وليس من نبي إلّا أرى في أمته العقوبة،\nوذكر لنا إنّ النبي ﷺ أري ما يصيب أمته بعده فما رئي ضاحكا منبسطا حتّى قبضه الله تعالى.\nفَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَإِنَّهُ يعني القرآن. لَذِكْرٌ لَكَ لشرف لك وَلِقَوْمِكَ من قريش، نظيره قوله: لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ «١» أي شرفكم. وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ عن حقّه وأداء شكره.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا أبو علي بن حبش المقري، حدثنا أبو بكر ابن محمد بن أحمد بن إبراهيم الجوهري، حدثنا عمي، حدثنا سيف بن عمر الكوفي، عن وائل أبي بكر، عن الزهيري، عن عبد الله وعطية بن الحسن، عن أبي أيوب، عن علي، عن الضحاك، عن ابن عباس. قال: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه على القبائل بمكّة، ويعدهم الظهور، فإذا قالوا لمن الملك بعدك، أمسك، فلم يخبرهم بشيء، لأنّه لم يؤمر في ذلك بشيء حتّى نزل وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ. فكان بعد ذلك إذا سئل، فقال: لقريش، فلا يجيبونه، وقبلته الأنصار على ذلك.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا نصر بن منصور بن جعفر النهاوندي، حدثنا أحمد بن يحيى بن الجاورد، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا الوليد، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر، إنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من النّاس اثنان» [١٩٤] «٢» .\nأخبرنا عبيد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد الناهد، أخبرنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدثنا الحسن بن ناصح ومحمد بن يحيى، قالا: حدثنا نعيم بن عماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن حسن بن مطعم، عن معاوية، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لا يزال هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلّا كبّ على وجهه ما أقاموا الدّين «٣»» [١٩٥] .\n_________\n(١) سورة الأنبياء: ١٠.\n(٢) البداية والنهاية: ٦/ ٢٧٩.\n(٣) المعجم الكبير: ١٩/ ٣٣٨.","vol":"8","page":336},{"text":"أخبرنا عبيد الله بن محمد الزاهد، أخبرنا أبو العباس السراج، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم، حدثنا هوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن زياد بن محراق، عن أبي كنانة، عن أبي موسى، قال: قام النبي ﷺ على باب البيت وفيه نفر من قريش، فأخذ بعضادي الباب، ثمّ قال:\n«هل في البيت إلّا قريشي؟» قالوا: لا يا رسول الله. إلّا ابن أخت لنا، قال: «ابن أخت القوم منهم» ثم قال: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما داموا إذا حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا، فمن لم يفعل ذلك فعليه لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» [١٩٦] «١» .\nأخبرنا عبيد الله الزاهد، حدثنا أبي العباس السراج، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحيم، حدثني موسى بن داود وخالد بن خداش، قالا: حدثنا بكير بن عبد العزيز، عن يسار بن سلامة، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله ﷺ: «الأمراء من قريش، لي عليهم حقّ ولهم عليكم حقّ ما فعلوا ثلاثا: ما حكموا فعدلوا، واسترحموا فرحموا، وعاهدوا فوفوا» «٢» .\nزاد خالد: «فمن لم يفعل ذلك فعليه لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» [١٩٧] .\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، قال: سمعت أبي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: في قول الله تعالى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ قال: قول الرجل: حدثني أبي، عن جدي.\nوَسْئَلْ يا محمد. مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ.\nاختلف العلماء في هؤلاء المسؤولين. فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي وعطاء بن أبي رياح والحسن والمقاتلان: هم المؤمنون أهل الكتابين، وقالوا: هي في قراءة عبد الله وأبي (وأسئل الّذين أرسلنا إليهم قبلك رسلنا)، وقال ابن جبير وابن زيد: هم الأنبياء الّذين جمعوا له ليلة أسري به ببيت المقدس.\nأخبرنا ابن فنجويه حدثنا موسى بن محمد، حدثنا الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى، حدثنا المسيب، قال: قال: أبو جعفر الدمشقي: سمعت الزهري يقول: لما أسري بالنبي ﷺ صلّى خلفه تلك الليلة كلّ نبي كان أرسل فقيل للنبي (﵇): وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ.\nأخبرنا الحسين بن محمد الدينوري، حدثنا أبو الفتح محمد بن الحسين بن محمد بن\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٤٢١، مجمع الزوائد: ٥/ ١٩٣.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٤٢٤.","vol":"8","page":337},{"text":"الحسين الأزدي الموصلي، حدثنا عبد الله بن محمد بن غزوان البغدادي. حدثنا علي بن جابر، حدثنا محمد بن خالد بن عبد الله ومحمد بن إسماعيل، قالا: حدثنا محمد بن فضل، عن محمد ابن سوقة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله: ﷺ «أتاني ملك فقال: يا محمد وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا على ما بعثوا، قال: قلت: على ما بعثوا، قال: على ولايتك وولاية علي بن أبي طالب «١»» [١٩٨] .\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ وبها يستهزؤن ويكذبون.\nوَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها قرينتها وصاحبتها الّتي كانت قبلها.\nوَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ بالسنين والطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم. لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَقالُوا لما عاينوا العذاب. يا أَيُّهَا السَّاحِرُ يا أيّها العالم الكامل الحاذق، وإنّما قالوا هذا توقيرا وتعظيما منهم، لأنّ السحر كان عندهم علما عظيما وصفة ممدوحه، وقيل: معناه يا أيّها الّذي غلبنا بسحره، كقول العرب: خاصمته فخصمته، ونحوها.\nويحتمل إنّهم أرادوا به الساحر على الحقيقة عيبا منهم إياه، فلم يناقشهم موسى (﵇) في مخاطبتهم إياه بذلك رجاء أن يؤمنوا.\nادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ أي بما أخبرتنا عن عهده إليك إنّا إن آمنا كشف عنا، فاسأله يكشف عنا. إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ مؤمنون.\nفَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ينقضون عهدهم ويصرّون على كفرهم ويتمارون في غيهم.\n_________\n(١) معرفة علوم الحديث للحاكم: ٩٦، وتاريخ دمشق: ٤٢/ ٢٤١ ط. دار الفكر.","vol":"8","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٥١ الى ٦٧]</span>\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)\nفَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)\nوَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢) وَلَمَّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)\nهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٦٦) الْأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)\nوَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ يعني أنهار النيل ومعظمها أربعة: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر تنيس. تَجْرِي مِنْ تَحْتِي بين يدي وجناتي وبساتيني، وقال ابن عباس: حولي. عطاء: في قبضتي وملكي. الحسن: بأمري.\nأَفَلا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ بل أنا بخير. (أم) بمعنى بل، وليس بحرف على قول أكثر المفسرين، وقال الفراء: وقوم من أهل المعاني الوقوف على قوله (أم)، وعنده تمام الكلام.\nوفي الآية إضمار ومجازها: أَفَلا تُبْصِرُونَ أم لا تبصرون أَمْ ابتداء، فقال: أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ ضعيف حقير يعني موسى (﵇) . وَلا يَكادُ يُبِينُ يفصح بكلامه وحجته، لعيّه ولعقدته والرنة الّتي في لسانه.\nفَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ إن كان صادقا أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ قرأ الحسن ويعقوب وأبو حاتم وحفص أَسْوِرَةٌ على جمع السوار، وقرأ أبي: أساور «١»، وقرأ ابن مسعود: أساوير، وقرأ العامة: أساورة بالألف على جمع الأسورة وهو جمع الجمع.\nوقال أبو عمرو بن العلاء: واحد الأساورة والأساور والأساوير أساور، وهي لغة في السوار. قال مجاهد: كانوا إذا استودوا رجلا سوّروه بسوار، وطوّقوه بطوق من ذهب يكون ذلك دلالة لسيادته وعلامة لرئاسته. فقال فرعون: هلا ألقى ربّ موسى أسورة من ذهب «٢» .\nأَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ متابعين يقارن بعضهم بعضا يمشون معه شاهدين له «٣» .\nقال الله تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ القبط وجدهم جهالا. فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا ابن مالك، حدثنا ابن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا الوليد بن مسلم، قال: قال الضحاك بن عبد الرحيم بن أبى حوشب: سمعت بلال بن سعد يقول: قال أبو الدرداء: لو كانت الدّنيا تزن عند الله جناح ذباب ما سقي فرعون منها شرابا.\n_________\n(١) جمع إسوار.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ٢٥/ ١٠٦، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٠٠.\n(٣) تفسير الطبري: ٢٥/ ١٠٦.","vol":"8","page":339},{"text":"فَلَمَّا آسَفُونا أغضبونا، وقال الحسين بن الفضل: خالفونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ فَجَعَلْناهُمْ سَلَفًا قرأ علي وابن مسعود بضم السين وفتح اللام، وقال المؤرخ والنضر بن شميل: هي جمع سلفة، مثل طرقة وطرق، وغرفة وغرف، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي بضم السين واللام، قال الفراء: هو جمع سليف، وحكي عن القاسم بن معين إنّه سمع العرب تقول: مضى سليف من الناس، وقال أبو حاتم: سلف وسلف واحد، مثل خشب وخشب، وثمر وثمر وقرأ الباقون فتح السين واللام على جمع السالف مثل حارس وحرس، وراصد ورّصد، وهم جميعا: الماضون المتقدمون من الأمم.\nوَمَثَلًا عبرة. لِلْآخِرِينَ لمن يجيء بعدهم، قال المفسرون: سلفا لكفّار هذه الأمة إلى النّار.\nوَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا في خلقه من غير أب. فشبه بآدم من غير أب ولا أم. إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ ويقولون ما يريد محمد منا إلّا أن نعبده ونتخذه إلها كما عبدت النصارى عيسى. قاله قتادة.\nوقال ابن عباس: أراد به مناظرة عبد الله بن الزبعري مع النبي ﷺ وشأن عيسى (﵇)، وقد ذكرناها في الأنبياء (﵈) وأختلف القرّاء في قوله: يَصِدُّونَ فقرأ أهل المدينة والشام وجماعة من الكوفيين بضم الصاد، وهي قراءة علي والنخعي ومعناه يعرضون، ونظيره قوله: رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا «١» .\nوقرأ الباقون بكسر الصاد، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم واختلفوا في معناه، فقال الكسائي: هما لغتان مثل يَعْرِشُونَ ويعرشون، ويَعْكُفُونَ ويعكفون، ودرّت الشاة تدر وتدر، وشذ عليه يشذ ويشد، ونمّ الحديث ينمه وينمه، وقال ابن عباس: معناه يضجون. سعيد بن المسيب:\nيصيحون ضحاك: يعجون. قتادة: يجزعون ويضحكون، وقال القرظي: يضجرون.\nوقال الفراء: حدثني أبو بكر بن عياش أنّ عاصما قرأ يَصِدُّونَ من قراءة أبي عبد الرحمن، وقرأ يَصُدُّونَ، وفي حديث آخر إنّ ابن عباس لقي أخي عبيد بن عمير، فقال: إنّ عمك لعربي، فماله يلحن في قوله ﷾: إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ؟.\nوَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ يعنون محمدا ﷺ فنعبد إلهه ونطيعه ونترك آلهتنا، هذا قول قتادة، وقال السدي وابن زيد: أَمْ هُوَ يعنون عيسى (﵇)، قالوا: يزعم محمد إنّ كلّ ما عبد من دون الله في النّار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عزير وعيسى والملائكة في النّار.\nقال الله تعالى: ما ضَرَبُوهُ يعني هذا المثل. لَكَ إِلَّا جَدَلًا خصومة بالباطل.\n_________\n(١) سورة الرعد: ٦١.","vol":"8","page":340},{"text":"بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ\nأخبرنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن عبد الله بن علي الجمشاذي الفقيه، بقراءتي عليه، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل. حدثني أبي، حدثنا عبد الله بن نمير الكوفي، حدثنا حجاج بن دينار الواسطي، أخبرنا ابن فنجويه، حدثنا هارون بن محمد بن هارون، حدثنا السريّ، حدثنا أبو النضر، حدثنا عنبسة بن عبد الواحد القريشي، عن الحجاج بن دينار، عن أبي غالب، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه، إلّا أتوا الجدل، ثمّ قرأ:\nما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ» [١٩٩] «١» .\nإِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ يعني آية أو عبرة وعظه لبني إسرائيل. وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ لأهلكناكم وجعلنا بدلا منكم. مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ يعني يكونون خلفا منكم فيعمرون الأرض ويعبدونني ويطيعونني.\nوَإِنَّهُ يعني عيسى (﵇) . لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ بنزوله يعلم قيام الساعة ويستدل على ذهاب الدّنيا وإقبال الآخرة.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد، قالا: حدثنا أبو بشر بن مجاهد، حدثنا فضل بن الحسن، حدثنا عبيد الله بن معاد، حدثنا أبي، عن عمران بن جرير، قال: سمعت أبا نضرة يقرأ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ، قال: هو عيسى، وبإسناده عن ابن مجاهد، حدثني عبد الله بن [عمر] بن سعد، حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا خالد بن الحرث، حدثنا أبو مكي، عن عكرمة وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ، قال: ذلك عيسى (﵇) .\nوقرأ ابن عباس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار والضحاك وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ بفتح العين واللام، أي إمارة وعلامة،\nوفي الحديث: ينزل عيسى بن مريم على ثنية بالأرض المقدسة، يقال لها: أفيق، بين ممصّرتين وشعر رأسه دهين وبيده حربة يقتل بها الدجال. فيأتي بيت المقدس والنّاس في صلاة العصر، والإمام يؤم بهم فيتأخر الإمام، فيتقدّمه عيسى ويصلي خلفه على شريعة محمد ﷺ، ثمّ يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى. إلّا من آمن به.\nوقال قوم: الهاء في قوله: وَإِنَّهُ كناية عن القرآن، ومعنى الآية وإنّ القرآن لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يعلمكم قيامها ويخبركم بأحوالها وأهوالها، وإليه ذهب الحسن.\nفَلا تَمْتَرُنَّ بِها فلا تشكنّ بها أي فيها. وَاتَّبِعُونِ. هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ وَلا يَصُدَّنَّكُمُ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٢٥٦.","vol":"8","page":341},{"text":"ولا يصرفنّكم الشَّيْطانُ عن دين الله. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَلَمَّا جاءَ عِيسى بني إسرائيل. بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ بالنبوة. وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ من أحكام التوراة.\nفَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ اليهود والنصارى. مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا وأشركوا كما في سورة مريم. مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ الْأَخِلَّاءُ على المعصية في الدنيا. يَوْمَئِذٍ يوم القيامة. بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ.\nالمتحابين في الله على طاعة الله.\nأخبرنا عقيل بن محمد إنّ أبا الهرج البغدادي القاضي أخبرهم، عن محمد بن جرير، حدثنا ابن عبد الأعلى، حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، عن أبي إسحاق، إنّ عليا ﵁ قال في هذه الآية: خليلان مؤمنان وخليلان كافران، فمات أحد المؤمنين، فقال: يا ربّ إنّ فلان كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير، وينهاني عن الشرّ، ويخبرني إنّي ملاقيك. يا ربّ فلا تضلّه بعدي واهده، كما هديتني، وأكرمه كما أكرمتني.\nوإذا مات خليله المؤمن جمع بينهما، فيقول: ليثني أحدكما على صاحبه. فيقول: يا ربّ انه كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشرّ، ويخبرني أنّي ملاقيك، فيقول: نعم الأخ، ونعم الخليل، ونعم الصاحب.\nقال: ويموت أحد الكافرين، فيقول: إنّ فلان كان ينهاني عن طاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالشّر، وينهاني عن الخير ويخبرني إنّي غير ملاقيك.\nفيقول: بئس الأخ، وبئس الخليل، وبئس الصاحب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٦٨ الى ٨٠]</span>\nيا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (٧١) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)\nلَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ (٧٣) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ (٧٤) لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦) وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ (٧٧)\nلَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ (٧٨) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩) أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)\nيا عِبادِ أي فيقال لهم يا عبادي. لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ أخبرنا عقيل بن محمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير. أخبرنا ابن عبد الأعلى،","vol":"8","page":342},{"text":"حدثنا المعتمر، عن أبيه، قال: سمعت إنّ الناس حتّى يبعثون ليس منهم أحد إلّا فزع، فينادي مناد: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ فيرجوها الناس كلّهم. قال: فيتبعها.\nالَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ فينكس اهل الأديان رؤسهم غير المسلمين.\nادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ تسرون وتنعمون. يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ بقصاع واحدتها صفحة.\nمِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ أباريق مستديرة الرؤوس ليست لها آذان ولا خراطم، واحدها كوب. قال الأعشى:\nصريفيّة طيّب طعمها ... لها زبد بين كوب ودنّ «١»\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثني أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا السكوني عبد الحميد بن عبد العزيز، حدثنا الأشعث الضرير، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة لمن له سبع درجات هو على السادسة وفوق السابعة، وإنّ له لثلاثمائة خادم، ويغدي ويراح عليه كل يوم ثلاثمائة صحيفة»، ولا أعلمه إلّا قال: «من ذهب في كل صحيفة لون ليس في الأخرى، وإنّه ليلذ أوله كما يلذ آخره، ومن الأشربة ثلاثمائة إناء، في كلّ إناء لون ليس في الأخرى، وإنّه ليلذ أوله كما يلذ آخره، وإنّه ليقول يا ربّ لو أذنتني لأطعمت أهل الجنّة، وسقيتهم لا ينقص مما عندي شيء إنّ له من الحور العين لاثنين وسبعين زوجة، سوى زوجته في الدّنيا، وإنّ الواحدة منهنّ ليأخذ مقعدها قدر ميل من الأرض» [٢٠٠] «٢» .\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، حدثنا ابن حبش المقري، حدثنا ابن رنجويه، حدثنا سلمة، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن إسماعيل بن أبي سعيد، إنّ عكرمة أخبره رسول الله ﷺ قال: «إنّ أدنى أهل الجنّة منزلة وأسفلهم درجة، رجل لا يدخل الجنّة بعده أحد، يفتح له بصره مسيرة مائة عام في قصور من ذهب وخيام من لؤلؤ ليس منها موضع شبر، إلّا معمور يغدى عليه ويراح سبعين ألف صحيفة من ذهب، ليس منها صحيفة إلّا وفيها لون ليس في الأخرى مثله» [٢٠١] «٣» .\n«شهوته في آخرها كشهوته في أولها، لو نزل به جميع أهل الدنيا لوسع عليهم مما أعطي لا ينقص ذلك مما أوتي شيئا» [٢٠٢] «٤» .\n_________\n(١) لسان العرب: ٩/ ١٩٢. [.....]\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٥٣٧، مجمع الزوائد: ١٠/ ٤٠٠.\n(٣) المصنف لعبد الرزاق: ١١/ ٤٢٤.\n(٤) المصنف لعبد الرزاق: ١١/ ٤٢٤. الحديث واحد","vol":"8","page":343},{"text":"وَفِيها في الجنّة. ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن عاصم تَشْتَهِيهِ بالهاء وكذلك هي في مصاحفهم.\nوَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ\nأخبرنا عقيل بن محمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا ابن يسار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن سابط، إنّ رجلا قال: يا رسول الله إنّي أحبّ الخيل، فهل في الجنة خيل؟.\nفقال: «إنّ يدخلك الله الجنّة فلا تشاء أن تركب فرسا من ياقوتة حمراء تطير بك في أي الجنّة شئت، إلّا ركبت» [٢٠٣] «١» .\nفقال: إعرابي يا رسول الله إنّي أحبّ الإبل، فهل في الجنّة إبل؟. فقال: «يا إعرابي إن يدخلك الله الجنّة إن شاء الله. كان لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عيناك» [٢٠٤] «٢» .\nوبه عن ابن جرير، حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمر بن عبد الرحمن الأياد، عن محمد ابن سعد الأنصاري، عن أبي ظبية السلمي، قال: إنّ السرب من أهل الجنّة لتظلهم السحابة، فتقول: ما أمطركم؟. فما يدعو داع من القوم بشيء إلّا مطرتهم، حتّى إنّ القائل منهم ليقول:\nأمطرينا كَواعِبَ أَتْرابًا.\nوبه عن ابن جرير، حدثنا موسى بن عبد الرحمن، حدثنا زيد بن الحبان بن الرّيان، أخبرنا معاوية بن صالح، حدثني سليمان بن عامر، قال: سمعت أبا أمامة يقول: إنّ الرجل من أهل الجنّة ليشتهي الطائر وهو يطير، فيقع منفلقا نضيجا في كفه، فيأكل منه حتّى تنتهي نفسه، ثمّ يطير، ويشتهي الشراب فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد ثمّ يرجع إلى مكانه.\nوَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك، حدثنا محمد بن إبراهيم ابن زياد الطيالسي الرازي، حدثنا محمد بن حسان الأزرق، حدثنا ريحان بن سعيد، حدثنا عباد ابن منصور، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، إنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا ينزع رجل من أهل الجنّة من ثمرها إلّا أعيد في مكانها مثلاها «٣»» .\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ المشركين. فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ليمتنا ربّك فنستريح، فيجيبهم مالك بعد ألف سنة: قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ مقيمون في العذاب.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٥٢.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٥٢.\n(٣) الدر المنثور: ١/ ٣٨.","vol":"8","page":344},{"text":"أخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا ابن حبش المقري، حدثنا ابن الفضل، حدثنا جعفر ابن محمد الدنقاي الضبي، حدثنا عاصم بن يوسف اليربوعي، حدثنا قطبة بن عبد العزيز السعدي، عن الأعمش، عن سمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أمّ الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله ﷺ: «يلقى على أهل النّار الجوع حتّى يعدل ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بطعام نْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ\n، فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غصة فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب فيستغيثون بالشراب فيدفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون ادعوا خزنة جهنم، فيقولون ألم تك تأتكم رسلكم بالبينات؟ قالُوا: بَلى، قالُوا: فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ، قال: فيقولون ادعوا مالكا، فيدعون: يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، فيجيبهم إِنَّكُمْ ماكِثُونَ» ! [٢٠٥] «١» .\nقال: فقال الأعمش: أنبئت إنّ بين دعائهم وبين إجابته إياهم ألف عام.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا هارون بن محمد بن هارون، حدثنا محمد بن عبد العزيز، حدثنا القاسم بن يونس الهلالي، حدثنا قطبة بن عبد العزيز يعني السعدي، عن الأعمش، عن سمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي ﷺ: «ونادوا يا مال ليقض علينا ربّك» [٢٠٦] . باللام «٢» .\nلَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ أَمْ أَبْرَمُوا أحكموا. أَمْرًا في المكر برسول الله ﷺ. فَإِنَّا مُبْرِمُونَ محكمون.\nأَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ. بَلى نسمع ونعقل وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ يعني الحفظة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>[سورة الزخرف (٤٣): الآيات ٨١ الى ٨٩]</span>\nقُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)\nوَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ١٠٨.\n(٢) صحيح البخاري: ٦/ ٣٨، تفسير القرطبي: ١٦/ ١١٦.","vol":"8","page":345},{"text":"قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ يعني إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ في قولكم وبزعمكم، فأنا أول الموحدين المؤمنين بالله في تكذيبكم والجاحدين لما قلتم من إنّ له ولدا.\nقاله مجاهد.\nوقال ابن عباس: يعني ما كان للرّحمن ولد وأنا أول الشاهدين له بذلك والعابدين له، جعل بمعنى النفي والجحد، يعني ما كان وما ينبغي له ولد. ثمّ ابتداء فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ، وقال السدي: معناه، قُلْ: إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أول من عبده بأنّ له ولد، ولكن لا ولد له، وقال قوم من أهل المعاني: معناه، قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ. فَأَنَا أَوَّلُ الآنفين من عبادته.\nويحتمل أن يكون معناه ما كان للرحمن ولد. ثم قال: فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ الآنفين من هذا القول المنكرين إنّ له ولدا. يقال عبد إذا أنف وغضب عبدا. قال الشاعر:\nألا هويت أم الوليد وأصحبت ... لما أبصرت في الرأس مني تعبد «١»\nوقال آخر:\nمتى ما يشاء ذو الود يصرّم خليله ... ويعبد عليه لا محالة ظالما «٢»\nأخبرنا عقيل بن محمد إجازة، أخبرنا أبو الفرج، أخبرنا محمد بن جرير، حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، حدثنا ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة، عن ابن قشط، عن نعجة بن بدر الجهني إنّ امرأة منهم دخلت على زوجها- وهو رجل منهم أيضا- فولدت في ستة أشهر فذكر ذلك زوجها لعثمان بن عفان ﵁ وأمر بها ترجم، فدخل عليه علي بن أبي طالب ﵁ فقال: إنّ الله تعالى يقول في كتابه: وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا «٣» وقال:\n(وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ) قال: فو الله ما عبد عثمان ﵁ أن بعث إليها ترد. قال عبد الله بن وهب:\nما استنكف ولا أنف «٤»\nسُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ يكذبون. فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا في باطلهم. وَيَلْعَبُوا في دنياهم. حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ يعني يعبد في السّماء ويعبد في الأرض. وَهُوَ الْحَكِيمُ في تدبير خلقه.\nالْعَلِيمُ بصلاحهم.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ١٣١.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ١٣١.\n(٣) سورة الأحقاف: ١٥.\n(٤) تفسير ابن كثير: ٤/ ١٤٦.","vol":"8","page":346},{"text":"وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ.\nاختلف العلماء في معنى هذه الآية. فقال قوم: (مِنْ) في محل النصب وأراد ب الَّذِينَ يَدْعُونَ عيسى وعزير والملائكة، ومعنى الآية: ولا يملك عيسى وعزير والملائكة الشّفاعة إلّا ل مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ فآمن على علم وبصيرة، وقال آخرون: (مِنْ) في وضع رفع والَّذِينَ يَدْعُونَ الأوثان والمعبودين من دون الله. يقول: ولا يملك المعبودون من دون الله الشفاعة إلّا ل مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وهم عيسى وعزير والملائكة يشهدون بالحقّ.\nوَهُمْ يَعْلَمُونَ حقيقة ما شهدوا. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ عن عبادته. وَقِيلِهِ يعني قول محمد ﷺ شاكيا إلى ربّه. يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ.\nواختلف القراء في قوله: قِيلِهِ، فقرأ عاصم وحمزة وَقِيلِهِ بكسر اللام على معنى وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وعلم قيله، وقرأ الأعرج بالرفع، أي وعنده قيله، وقرأ الباقون بالنصب وله وجهان: أحدهما: أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ ونسمع قِيلَهُ والثاني: وقال: قِيلَهُ.\nفَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ نسختها آية القتال، ثمّ هددهم.\nفَسَوْفَ يَعْلَمُونَ بالتاء أهل المدينة والشام وحفص، واختاره أيوب وأبو عبيد، الباقون بالياء.","vol":"8","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-691>سورة الدخان</span>\nمكّية، وهي تسع وخمسون آية، وثلاثمائة وست وأربعون كلمة، وألف وأربعمائة وواحد وثمانون حرفا\nأخبرنا محمّد بن القاسم، حدثنا محمّد بن عبد الله، حدثنا الحسن بن سفيان، حدثنا محمّد بن يزيد، حدثنا زيد بن حباب، أخبرنا الحسين بن محمّد بن فنجويه، حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو عيسى بن علي الختلي، حدثنا أبو هاشم الرفاعي، حدثنا زيد بن الحباب، حدثنا عمر بن عبد الله بن أبي السري عن يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الدّخان في ليلة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك» [٢٠٧] «١» .\nأخبرنا محمد بن القاسم، حدثنا عبد الله بن محمد بن علي، حدثنا السّراج، حدثنا أبو يحيى، حدثنا كثير بن هشام، عن هشام بن المقدام، عن الحسن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حم الّتي يذكر فيها الدّخان في ليلة الجمعة، أصبح مغفورا له» [٢٠٨] «٢» .\nأخبرنا عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمد الطبراني بها، حدثنا أبو علي الرقاء، أخبرنا أبو منصور سليمان بن محمد بن الفضل، حدثنا طالوت بن عباد، حدثنا فضال بن كثير حي، قال:\nأتيت أبا أمامة، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ حم الدّخان ليلة الجمعة- يوم الجمعة- بنى الله له بيتا في الجنّة» [٢٠٩] «٣» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n_________\n(١) سنن الدارمي: ٤/ ٢٣٧.\n(٢) مسند أبي يعلى: ١١/ ٩٤. [.....]\n(٣) مجمع الزوائد: ٢/ ١٦٨.","vol":"8","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-692>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١ الى ١٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) وَالْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)\nأَمْرًا مِنْ عِنْدِنا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨) بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)\nفَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)\nإِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)\nحم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ. إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ قال قتادة وابن زيد:\nهي لَيْلَةُ الْقَدْرِ، أنزل الله تعالى القرآن فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ من أم الكتاب إلى السّماء الدّنيا، ثمّ أنزله على نبيه ﷺ في الليالي والأيام، وقال الآخرون: هي ليلة النصف من شعبان.\nأخبرنا الحسين بن محمّد فنجويه، حدثنا عمر بن أحمد بن القاسم، حدثنا إبراهيم المستملي الهستجاني، حدثنا أبو حصين بن يحيى بن سليمان، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا أبو بكر بن أبي سبره، عن إبراهيم بن محمد، عن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب «﵁» قال: قال النبي ﷺ: «إذا كان ليلة النصف من شعبان، قوموا ليلتها وصوموا يومها، فإنّ الله تعالى ينزل لغروب الشمس إلى سمّاه الدّنيا فيقول: ألّا مستغفر فأغفر له، ألّا مسترزق فأرزقه، ألّا مبتلى فأعافيه، ألّا مبتلى فأعافيه، ألّا كذا، ألّا كذا، ألّا كذا، حتّى يطلع الفجر\n، إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ» [٢١٠] «١» .\nفِيها يُفْرَقُ يفصل. كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ محكم. قال الحسن ومجاهد وقتادة: يبرم في ليلة القدر من شهر رمضان كلّ أجل وعمل وخلق ورزق، وما يكون في تلك السنة، وقال أبو عبد الرّحمن السلمي: يدبر أمر السنة في ليلة القدر، وقال هلال بن نساف: كان يقال: انتظروا القضاء في شهر رمضان.\nوقال عكرمة: في ليلة النصف من شعبان، يبرم فيه أمر السنة، وينسخ الأحياء من الأموات، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد، ولا ينقص منهم أحد.\nيدل عليه ما\nأخبرنا عقيل بن محمد، أخبرنا أبو الفرج القاضي، أخبرنا محمد بن جبير، حدثني عبيد بن آدم بن أبي إياس، حدثني أبي، حدثنا الليث، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن عثمان بن محمد بن المغيرة الأخنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان. حتّى أنّ الرجل لينكح ويولد له، وقد خرج أسمه في الموتى» [٢١١] «٢» .\nأَمْرًا أي أنزلنا أمرا. مِنْ عِنْدِنا من لدنا، وقال الفراء: نصب على معنى نفرق كل\n_________\n(١) كنز العمال: ١٢/ ٣١٤، ح ٣٥١٧٧.\n(٢) كنز العمال: ١٥/ ٦٩٤، ح ٤٢٧٨٠.","vol":"8","page":349},{"text":"أمر فرق وأمرا. إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ محمد ﷺ إلى عبادنا. رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وقيل: أنزلناه رحمة، وقيل: أرسلناه رحمة، وقيل: الرحمة.\nإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما كسر أهل الكوفة (بائه) ردا على قوله مِنْ رَبِّكَ، ورفعه الآخرون ردا على قوله هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وإن شئت على الابتداء.\nإِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ إنّ الله رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فأيقنوا إنّ محمدا رسوله، وإنّ القرآن تنزيله. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ. رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ فَارْتَقِبْ فانتظر. يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ.\nاختلفوا في هذا الدّخان، ما هو، ومتى هو،\nفروى الأعمش ومسلم بن صبيح، عن مسروق، قال: كنا عند عبد الله بن مسعود جلوسا، وهو مضطجع بيننا، فأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، إنّ قاصا عند أبواب كنده، يقص ويقول في قوله تعالى: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ إنّه دخان يأتي يوم القيامة، فيأخذ بأنفاس الكفّار والمنافقين وأسماعهم وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه شبه الزكام، فقام عبد الله وجلس، وهو غضبان، فقال: يا أيّها الناس اتقوا الله، من علم شيئا فليقل ما يعلم، ومن لا يعلم، فليقل الله أعلم، فأن الله تعالى، قال لنبيه ﷺ قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ «١» وسأحدثكم عن ذلك: أنّ قريشا لما أبطأت عن الإسلام، واستعصت على رسول الله ﷺ دعا عليهم، فقال: «اللهم سبع سنين كسني يوسف «٢»» [٢١٢] . فأصابهم من الجهد والجوع ما أكلوا الجيف والعظام والميتة والجلود، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلّا الدخان من ظلمة أبصارهم من شدة الجوع، فأتاه أبو سفيان بن حرب، فقال: يا محمد إنّك حيث تأمر بالطاعة وصلة الرحم، وإنّ قومك قد هلكوا فادع الله لهم فإنّهم لك مطيعون.\nفقال الله تعالى: فقالوا:\nرَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ فدعا فكشف عنهم، فقال الله تعالى: إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ إلى كفركم. يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر، فهذه خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والرّوم.\nوقال الآخرون: بل هو دخان يجيء قبل قيام السّاعة، فيدخل في أسماع الكفّار والمنافقين، حتّى تكون كالرأس الحنيذ، ويعتري المؤمن منهم كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلّها كبيت أوقد فيه وليس فيه خصاص.\n_________\n(١) سورة ص: ٨٦\n(٢) صحيح ابن حبان: ١٤/ ٥٤٩ تفاوت بسير.","vol":"8","page":350},{"text":"قالوا: ولم يأت بعد، وهو آت وهذا قول ابن عباس وابن عمير والحسن وزيد بن علي، يدل عليه ما\nأنبأني عقيل بن محمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثنا عصام بن داود الجراح، حدثنا أبي، حدثنا سفيان بن سعيد، حدثنا منصور بن المعتمر عن ربعي ابن حراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول، قال رسول الله ﷺ: «إنّ أول الآيات الدخان ونزول عيسى ابن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق النّاس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا» [٢١٣] «١» .\nقال حذيفة: يا رسول الله ما الدخان؟ فتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة. أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر كمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره.\nوبه عن ابن جرير، حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عليه، عن ابن جريح، عن عبد الله بن أبي مليكة، قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم، فقال: ما نمت الليلة حتّى أصبحت. قلت: لم؟\nقال: قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدّخان قد طرق فما نمت حتّى أصبحت.\nرَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى من أين لهم للتذكير والاتعاظ بعد نزول البلاء وحلول العذاب. وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ محمّد ﷺ. ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ يعلمه بشر. مَجْنُونٌ إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ إلى كفركم، وقال قتادة:\nعائدون في عذاب الله.\nيَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى وهو يوم بدر. إِنَّا مُنْتَقِمُونَ هذا قول أكثر العلماء، وقال الحسن: هو يوم القيامة.\nوروي، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال ابن مسعود: الْكُبْرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة.\n_________\n(١) كنز العمال: ١٤/ ٢٥٩، ح ٣٨٦٤٥.","vol":"8","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-693>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ١٧ الى ٣٧]</span>\nوَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)\nفَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٢٦)\nوَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ (٢٧) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)\nوَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٦)\nأَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)\nوَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ على الله وهو موسى بن عمران (﵇)، وقيل: شريف وبسيط في قومه. أَنْ أَدُّوا أن ادفعوا. إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ يعني بني إسرائيل فلا يعذبهم. إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ على الوحي.\nوَأَنْ لا تَعْلُوا تطغوا وتبغوا. عَلَى اللَّهِ فتعصوه وتخالفوا أمره. إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ برهان مبين فتوعدوه بالقتل. فقال: وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ يقتلون، وقال قتادة: تَرْجُمُونِ بالحجارة. ابن عباس: يشتمون ويقولون هو ساحر. وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ فخلوا سبيلي غير مرجوم باللسان ولا باليد.\nفَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ مشركون، فقال سبحانه: فَأَسْرِ بِعِبادِي بني إسرائيل. لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ يتبعكم فرعون وقومه.\nوَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إذا قطعته أنت وأصحابك رهوا ساكنا على حالته وهيئته الّتي كان عليها حين دخلته. إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ.\nواختلفت عبارات المفسرين عن معنى الرهو فروى الوالبي عن ابن عباس رَهْوًا، قال:\nسمتا. العوفي عنه: هو أن يترك كما كان. كعب: طريقا. ربيع: سهلا. ضحاك: دمثا. عكرمة:\nيابسا جزرا، وقيل جذاذا. قتادة: طريقا يابسا، وأصل الرهو في كلام العرب السكون. قال الشاعر:\nكأنما أهل حجر ينظرون متى ... يرونني خارجا طيرا يناديد «١»\nطيرا رأت بازيا نضح الدماء به ... وأمه خرجت رهوا إلى عيد\nيعني عليها سكون.\nكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ مجلس كَرِيمٍ شريف وإنّما سماه كريما لأنّه مجلس الملوك، قاله مجاهد وسعيد بن جبير، وقالا: هي المنابر، وقال قتادة: الكريم الحسن.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ١٥٨.","vol":"8","page":352},{"text":"وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ ناعمين فاكهين أشرين بطرين معجبين. كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ بني إسرائيل. نظيره قوله: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ «١» الآية.\nفَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وذلك إن المؤمن إذا مات بكت عليه السّماء والأرض أربعين صباحا، وقال عطاء: في هذه الآية بكاءها حمرة أطرافها،\nوقال السدي: لما قتل الحسين بن علي «﵄» بكت عليه السّماء، وبكاؤها حمرتها «٢» .\nحدثنا خالد بن خداش، عن حماد بن زيد، عن هشام، عن محمد بن سيرين. قال:\nأخبرونا إنّ الحمرة الّتي مع الشفق لم تكن، حتّى قتل الحسين ﵁ «٣» .\nأخبرنا ابن بكر الخوارزمي، حدثنا أبو العياض الدعولي، حدثنا أبي بكر بن أبي خثيمة، وبه عن أبي خثيمة، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا سليم القاضي، قال: مطرنا دما أيام قتل الحسين «٤» .\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو علي المقري، حدثنا أبو بكر الموصلي، حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة الرمدني، أخبرني يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ إنّه قال: «ما من عبد إلّا له في السّماء بابان:\nباب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه وتلا هذه الآية:\nفَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ» «٥»، وذلك إنّهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملا صالحا تبكي عليهم، ولم يصعد إلى السّماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي.\nأخبرنا عقيل بن محمد: إنّ المعافا بن زكريا أخبره، عن محمد بن جرير، حدثنا يحيى بن طلحة، حدثنا عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمر، عن شريح بن عبيد الحضرمي: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، ألّا لا غربة على مؤمن، ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه، إلّا بكت عليه السّماء والأرض» . ثمّ قرأ رسول الله (﵇): فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ، ثمّ قال: «إنّهما لا تبكيان على الكافر» [٢١٤] «٦» .\nوَما كانُوا مُنْظَرِينَ وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ قتل الأبناء واستحياء\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٣٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٥/ ١٦٠ ح ٢٤٠٧٢، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٤١.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٤١، والصواعق المحرقة: ١٩٤.\n(٤) المصدر السابق، وذخائر العقبي: ١٤٥، والجرح والتعديل للرازي: ٤/ ٢١٦ رقم ٩٤١.\n(٥) تفسير ابن كثير: ٤/ ١٥٣.\n(٦) الدر المنثور: ٦/ ٣٠.","vol":"8","page":353},{"text":"النساء. مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ يعني مؤمني بني إسرائيل.\nعَلى عِلْمٍ منّا لهم. عَلَى الْعالَمِينَ يعني عالمي زمانهم وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ قال قتادة: نعمة بيّنة حين فلق لهم البحر وظلّل عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وأنزل «١» عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى.\nوقال ابن زيد: ابتلاهم بالرخاء والشدة، وقرأ: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ «٢» .\nإِنَّ هؤُلاءِ يعني مشركي مكّة. لَيَقُولُونَ إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ بمبعوثين بعد موتنا. فَأْتُوا بِآبائِنا الّذين ماتوا. إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إنّا نبعث أحياء بعد الموت.\nأَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ قال قتادة: هو تبّع الحميري، وكان سار بالجيوش حتّى حيّر الحيرة، وبنى سمرقند، وكان إذا كتب، كتب باسم الّذي يملك برا وبحرا وضحا وريحا.\nوذكر لنا إنّ كعبا يقول: ذمّ الله قومه ولم يذمّه، وكانت عائشة «﵂» تقول: لا تسبوا تبّعا فإنه كان رجلا صالحا، وقال سعيد بن جبير: هو الّذي كسا البيت.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن محمد القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو زرعة عمرو بن جابر، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي (﵇) يقول: «لا تسبوا تبّعا، فإنّه قد كان أسلم» [٢١٥] «٣» .\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا محمد بن علي سالم الهمذاني، حدثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر النيسابوري، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن أبي ذيب، عن المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أدري تبّع نبيا كان أم غير نبي» [٢١٦] «٤» .\nوَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ من الأمم الخالية الكافرة.\nأَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ.\n_________\n(١) وفي المخطوط: أنزلنا، وهو خطأ. [.....]\n(٢) سورة الأنبياء: ٣٥.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٣٤٠.\n(٤) عون المعبود: ١٢/ ٢٨١، تفسير ابن كثير: ٤/ ١٥٦.","vol":"8","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-694>[سورة الدخان (٤٤): الآيات ٣٨ الى ٥٩]</span>\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (٣٨) ما خَلَقْناهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠) يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)\nإِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ (٤٧)\nثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢)\nيَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ (٥٣) كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)\nفَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)\nوَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا لا يدفع ابن عم عن ابن عمه ولا صديق عن صديقه.\nوَلا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ اختلف النحاة في محل (مَنْ) فقال بعضهم: محله رفع بدلا من الاسم المضمر في يُنْصَرُونَ، وإن شئت جعلته ابتداء وأضمرت خبره، يزيد إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ فنغني عنه ونشفع له، وإن شئت جعلته نصبا على الاستثناء والانقطاع، عن أول الكلام يريد اللهم إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ الفاجر وهو أبو جهل بن هشام.\nأنبأني عقيل بن حمد، أخبرنا المعافا بن زكريا، أخبرنا محمد بن جرير، حدثني أبو السائب، حدثني أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان أبو الدرداء يقرئ رجلا إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعامُ الْأَثِيمِ فجعل الرجل يقول: طعام اليتيم، فلما أكثر عليه أبو الدرداء فرآه لا يفهم. قال: قل إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طعام الفاجر.\nكَالْمُهْلِ يَغْلِي بالياء ابن كثير وحفص، ورويس جعل الفعل غيرهم بالتاء لتأنيث الشجرة.\nفِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ خُذُوهُ يعني الأثيم. فَاعْتِلُوهُ فأدخلوه وادفعوه وسوقوه الى النّار. يقال: عتله يعتله عتلا إذا ساقه بالعنف والدفع والجذب. قال الفرزدق:\nليس الكرام بنا حليك أباهم ... حتّى تردّ إلى عطية تعتل «١»\nأي ساق دفعا وسحبا، وفيه لغتان: كسر التاء، وهي قراءة أبي جعفر وأبي مرو وأهل الكوفة، وضمها وهي قراءة الباقي.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ١٧٢.","vol":"8","page":355},{"text":"إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ وهو الماء الّذي قال الله تعالى: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ «١» ثمّ يقال له: ذُقْ هذا العذاب. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ في قومك. الْكَرِيمُ بزعمك، وذلك إنّ أبا جهل. قال: ما بين حبليها رجل أعز ولا أكرم مني. فيقول له الخزنة هذا على طريق الاستخفاف والتحقيق.\nوقراءة العامة إِنَّكَ بكسر الألف على الابتداء، وقرأ الكسائي بالنصب على معنى لأنّك.\nإِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ تشكون ولا تؤمنون به فقد لقيتموه فذوقوه. إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ قرأ أهل المدينة والشام بضم (الميم) من المقام على المصدر أي في إقامة، وقرأ غيرهم بالفتح أي في مكان كريم.\nفِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وهو ما رقّ من الديباج. وَإِسْتَبْرَقٍ وهو ما غلظ منه معرّب. مُتَقابِلِينَ كَذلِكَ وكما أكرمناهم بالجنان والعيون واللباس كذلك أكرمناهم بأن. وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ وهي النساء النقيات البياض، قال مجاهد: يحار فيهن الطرف من بياضهنّ وصفاء لونهنّ، بادية سوقهنّ من وراء ثيابهنّ، ويرى الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء اللون.\nودليل هذا التأويل إنّها في حرف ابن مسعود (بعيس عين) وهي البيض ومنه قيل للإبل البيض عيس، وواحده بعير أعيس، وناقة عيساء، وقيل: الحور الشديدات بياض الأعين، الشديدات سوادها، واحدها أحور، والعين جمع العيناء، وهي العظيمة العينين.\nأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبد الله الطبري الحاجّي، حدثنا أبو علي الحسن ابن إسماعيل بن خلف الخياط، حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بن الفرج، حدثنا محمد بن عبيد بن عبد الملك، حدثنا محمد بن يعلي أبو علي الكوفي، حدثنا عمر بن صبيح، عن مقاتل بن حيان، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز» [٢١٧] «٢» .\nأخبرنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا محمد بن عمر بن إسحاق، عن حبش، حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا أيوب بن علي- يعني الصباحي- حدثنا زياد بن سيار- مولى لي- عن عزة بنت أبي قرصافة، عن أبيها قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إخراج القمامة من المسجد مهور الحور العين» [٢١٨] «٣» .\nيَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ اشتهوها. آمِنِينَ من نفادها وعدمها في بعض الأزمنة ومن\n_________\n(١) سورة الحج: ١٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٥٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٥٣.","vol":"8","page":356},{"text":"غائلتها ومضرّتها، وقال قتادة: آمِنِينَ من الموت والأوصاب والشيطان.\nلا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى يعني سوى الموتة الأولى وبعدها وضع (إلا) موضع بعد كقوله: وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ «١» . يعني بعد ما قد فعل آباؤكم وسواه، وهذا كما يقول في الكلام: ما ذقت اليوم طعاما سوى ما أكلته أمس.\nوَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ فَإِنَّما يَسَّرْناهُ سهلناه، كناية عن غير مذكور.\nبِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ فانتظر الفتح والنصر من ربّك. إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ بزعمهم قهرك.\n_________\n(١) سورة النساء: ٢٢.","vol":"8","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-695>سورة الجاثية</span>\nمكيّة، وهي سبع وثلاثون آية، وأربعمائة وثمان وثمانون كلمة، وألفان ومائة وواحد وتسعون حرفا\nأخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه، أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر العدل، حدثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل، حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا سلام بن سليم، حدثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته عند الحساب» [٢١٩] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ١ الى ٢١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)\nوَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٩)\nمِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠) هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢) وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)\nمَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥) وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)\nهذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١)\nحم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ١١٨.","vol":"8","page":358},{"text":"وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ.\nقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بكسر التاء من آيات وكذلك الّتي بعدها ردا على قوله:\nلَآياتٍ وقرأ الباقون برفعها على خبر حرف الصفة.\nلِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ يعني الغيث سماه رزقا لأنّه سبب أرزاق العباد وأقواتهم فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ. أي بعد حديث الله وكلامه. وَآياتِهِ وحججه ودليله. يُؤْمِنُونَ قرأ أهل الكوفة بالتاء، وأختلف فيه عن عاصم ويعقوب عنهم بالياء.\nوَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ كذّاب. أَثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها. فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ وَإِذا عَلِمَ يعني قوله مِنْ آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هُزُوًا. أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ نزلت في أبي جهل وأصحابه. مِنْ وَرائِهِمْ أمامهم. جَهَنَّمُ نظيره في سورة إبراهيم (﵇) . وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا من الأموال. شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ يعني الأوثان.\nوَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ هذا القرآن. هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ من عذاب موجع.\nاللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدادًا.\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدثنا طلحة وعبد الله، قالا: حدثنا ابن مجاهد، حدثني ابن أبي مهران، حدثني أحمد بن يزيد، حدثنا شبابة، عن أبي سمبلة، عن عبد العزيز بن علي القريشي، حدثنا محمد بن عبد الله بن أيوب الثقفي، عن عثمان بن بشير، قال: سمعت ابن عباس يقرأ: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَنُّهُ مفتوحة (الميم)، مرفوعة (النون)، وبه رواية، عن ابن عمر، قال: سمعت مسلمة يقرأ: وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَنُّهُ مفتوحة (الميم) مرفوعة (النون) وهي مشددة، (والهاء) مضمومة.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ أي لا يخافون وقائع الله ولا يبالون نقمه، قال ابن عباس ومقاتل: نزلت في عمر بن الخطاب ﷺ، وذلك أنّ رجلا من بني غفار كان يشتمه فهمّ عمر أن يبطش به، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأمره بالعفو.\nأخبرنا الحسين بن محمد بن عبد الله، حدثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله، حدثنا الحسن بن علوية، حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار، حدثنا محمد بن زياد الشكري، عن ميمون ابن مهران، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا «١» .\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٤٥.","vol":"8","page":359},{"text":"قال يهودي بالمدينة يقال له فنحاص: احتاج ربّ محمد.\nقال: فلما سمع بذلك عمر بن الخطاب اشتمل على سيفه وخرج في طلبه. فجاء جبريل إلى محمد ﷺ، فقال: إنّ ربّك يقول: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ، وأعلم إنّ عمر بن الخطاب قد اشتمل على سيفه وخرج في طلب اليهودي» . فبعث النبي ﷺ في طلبه، فلما جاءه، قال: «يا عمر خرج سيفك؟» . قال: صدقت يا رسول الله، أشهد أنّك أرسلت بالحقّ، قال:\n«فإنّ ربّك يقول: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ «١»» [٢٢٠] .\nقال: لا جرم والّذي بعثك بالحقّ لا يرى الغضب في وجهي.\nقال القرظي والسدي: نزلت في ناس من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل مكّة كانوا في أذى شديد من المشركين، قبل أن يؤمروا بالقتال فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ وأنزل الله تعالى هذه الآية ثمّ نسختها آية القتال.\nلِيَجْزِيَ قَوْمًا بفتح الياءين وكسر الزاء، وقرأ أبو جعفر بضم الياء الأولى وجزم الثانية، قال أبو عمرو: وهو لحن ظاهر، وقال الكسائي: وهذه ليجري الجزاء قوما، وقرأ الباقون بفتح الياءين على وجه الخبر عن الله تعالى، واختاره أبو عبيده وأبو حاتم لذكر الله تعالى قبل ذلك.\nبِما كانُوا يَكْسِبُونَ مَنْ عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها. ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ الحلالات، يعني المن والسلوى. وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ يعني أحكام التوراة.\nفَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ. إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ سنة وطريقة. مِنَ الْأَمْرِ من الدّين.\nفَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ يعني مراد الكافرين الجاهلين، وذلك حين دعي إلى دين آبائه.\nإِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إن اتبعت أهواءهم. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ هذا يعني هذا القرآن. بَصائِرُ معالم. لِلنَّاسِ في الحدود والأحكام يبصرون بها.\nوَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا اكتسبوا. السَّيِّئاتِ\nيعني الكفر والمعاصي.\nأَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً\nقرأ أهل الكوفة نصبا واختاره أبو عبيدة، وقال: معناه نجعلهم سواء، وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء والخبر، واختاره أبو حاتم، وقرأ الأعمش وَمَماتَهُمْ بنصب التاء على الظرف، أي في.\nمَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ\nبئس ما يقضون، قال المفسرون: معناه المؤمن في\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ٢٥٤.","vol":"8","page":360},{"text":"الدّنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدّنيا والآخرة كافر. نزلت هذه الآية في نفر من مشركي مكّة قالوا للمؤمنين: لئن كان ما تقولون حقا لنفضلنّ عليكم في الآخرة، كما فضلنا عليكم في الدّنيا.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا جعفر بن محمّد الفرماني، حدثنا محمّد بن الحسين البلخي، حدثنا عبد الله بن المبرك، أخبرنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي الضحى، عن مسروق، قال: قال لي رجل من أهل مكّة: هذا مقام أخيك تميم الداري، لقد رأيته ذات ليلة، حتّى أصبح أو كاد أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله، ويركع، ويسجد، ويبكي أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ\n... الآية.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، حدثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل، حدثني أبو هشام زياد بن أيوب، حدثنا علي بن يزيد، حدثنا عبد الرحمن بن عجلان، عن بشير بن أبي طعمة، قال: بتّ عند الربيع بن خيثم ذات ليلة، فقام يصلي فمر بهذه الآية أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ\nفمكث ليله حتّى أصبح ما يجوز هذه الآية إلى غيرها، ببكاء شديد، وقال إبراهيم بن الأشعث: كثيرا ما رأيت الفضيل بن عياض، يردد من أول الليلة إلى آخرها هذه الآية ونظائرها أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ\nثمّ يقول: يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>[سورة الجاثية (٤٥): الآيات ٢٢ الى ٣٧]</span>\nوَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) وَقالُوا ما هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٢٤) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢٦)\nوَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧) وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)\nوَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٣) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٣٤) ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٣٦)\nوَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)\nوَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ.","vol":"8","page":361},{"text":"قال ابن عباس والحسين وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئا إلّا ركبه، إنّه لا يؤمن بالله ولا يخافه ولا يحرم ما حرم الله ولا يحل ما أحل الله، إنّما دينه ما هويت نفسه يعمل به ولا يحجزه عن ذلك تقوى.\nوقال آخرون: معناه أفرأيت من اتّخذ معبوده هواه، فيعبد ما يهوى.\nقال سعيد بن جبير: كانت قريش تعبد العزي- وهو حجر أبيض- حينا من الدهر، وكانت العرب تعبد الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئا أحسن من الأول رموه أو كسروه أو ألقوه في بئر، وعبدوا الآخر، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال مقاتل: نزلت في الحارث بن قيس التميمي أحد المستهترين، وذلك إنّه كان يعبد ما تهواه نفسه.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا طلحة وعبيد الله، قالا: حدثنا ابن مجاهد، حدثني ابن أبي مهران، حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: قال سفيان بن عيينة: إنّما عبدوا الحجارة لإنّ البيت حجارة.\nوقال الحسين بن الفضل: في هذه الآية تقديم وتأخير مجازها: أفرأيت من أتخذ هواه إلهه.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدثنا محمد بن عمران بن هارون، حدثنا أبو عبيد الله المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن شبرمة، عن الشعبي، قال: إنّما سمي الهوى لأنّه يهوي بصاحبه في النّار.\nوبه عن سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: ما ذكر الله ﷿ هوى في القرآن إلّا ذمه.\nفروى أبو أمامة، عن النبي ﷺ إنّه، قال: «ما عبد تحت السّماء إله أبغض إلى الله من هوى» [٢٢١] «١» .\nوقال ﷺ: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه «٢»» [٢٢٢] .\nوروى ضمرة بن حبيب، عن شداد بن أوس إنّ النبي ﷺ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والفاجر من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله» [٢٢٣] «٣» .\nوقال مضر القاضي: لنحت الجبال بالأظافير حتّى تتقطع الأوصال، أهون من مخالفة الهوى إذا تمكن في النفوس.\nوسئل ابن المقفع عن الهوى، فقال: هوان سرقت نونه، فنظمه الشاعر:\nنون الهوان من الهوى مسروقة ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا\nوقال آخر:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٧.\n(٢) المعجم الأوسط: ٥/ ٣٢٨، تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٧. [.....]","vol":"8","page":362},{"text":"إنّ الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد كسبت هوانا «١»\nوإذا هويت فقد تعبدك الهوى ... فاخضع لحبّك كائنا من كانا\nأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو حاتم محمّد بن حيان المسني، قال: ولم أر أكمل منه. قال: وأنشدنا محمد بن علي الحلاري لعبد الله المبرك:\nومن البلاء للبلاء علامة ... أن لا يرى لك عن هواك نزوع «٢»\nالعبد عبد النفس في شهواتها ... والحر يشبع تارة ويجوع\nوأنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد الحبيبي، أنشدنا أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي، أنشدنا أبو المثنى معاذ بن المثنى العنبري، عن أبيه لأبي العتاهية:\nفاعص هوى النفس ولا ترضها ... إنك إن أسخطتها زانكا\nحتّى متى تطلب مرضاتها ... وإنّها تطلب عدوانكا\nوأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا أبو عبيد الطوسي:\nوالنفس إن أعطيتها مناها ... فاغرة نحو هواها فاها «٣»\nوسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا نصر بن منصور بن عبد الله الأصبهاني بهراة يقول:\nسمعت أبا الحسن عمرو بن واصل البحتري يقول: سئل سهل بن عبد الله التستري عن الهوى فقال للسائل: هواك يأمرك فإن خالفته فرّط بك، وقال: إذا عرض لك أمران شككت خيرها فانظر أبعدهما من هواك فإنه.\nوأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن إسماعيل القفال المشاشي بمرو وأنشدني أبو بكر الزيدي:\nإذا طالبتك النفس يوما بشهوة ... وكان إليها للخلاف طريق «٤»\nفدعها وخالف ما هويت فإنما ... هواك عدوّ والخلاف صديق «٥»\nقوله ﷾:\nوَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ منه بعاقبة أمره. وَخَتَمَ طبع. عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً قرأ حمزة والكسائي وخلف غَشْوَةً بفتح (الغين) من غير (ألف) والباقون غِشاوَةً (بالألف) وكسر (الغين) .\nفَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ وَقالُوا يعني المشركين.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨\n(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٦٨.","vol":"8","page":363},{"text":"ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا يموت الآباء ويحيا الأبناء. وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وما يفنينا إلّا الزمان وطول العمر وفي حرف عبد الله وما يهلكنا الدهر يمر.\nوَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ\nأخبرنا الحسين بن فنجويه بقراءتي حدثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي الدينوري، حدثنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب القاضي، حدثنا أحمد بن المقدام العجلي، حدثنا سفيان بن عيينة بن ابي عمران، عن الزهري، عن سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «كان أهل الجاهلية يقولون: إنّما الليل والنهار هو الّذي يهلكنا يميتنا ويحيينا» فقال الله تعالى في كتابه: ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ فيسبون الدّهر.\nفقال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدّهر وأنا الدّهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» [٢٢٤] «١» .\nأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون بقراءتي عليه في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة فاقرّ به، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر وأحمد بن يوسف، قالوا: حدثنا عبد الرزاق بن همام، أخبرنا معمر بن راشد، عن همام بن منبه بن كامل بن سيج، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد ﷺ، قال: «قال الله تعالى: لا يقل ابن آدم يا خيبة الدهر فإنّي أنا الدهر، أرسل الليل والنهار، فإذا شئت قبضتهما» [٢٢٥] «٢» .\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة، حدثنا عبد الملك بن أحمد البغدادي، حدثنا محمود بن خداش، حدثنا سفيان بن محمد الثوري، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (﵇): «لا تسبوا الدهر فإنّ الله تعالى هو الدهر» [٢٢٦] «٣» .\nقال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير هذا الحديث: إنّ هذا مما لا ينبغي لأحد من أهل الإسلام أن يجهل وجهه وذلك أن من شأن العرب أن يذموا الدهر عند المصائب والنوائب [.......] «٤» اجتاحهم الدهر وتخوفتهم الأيام وأتى عليهم الزمان وما أشبه ذلك حتّى ذكروها في أشعارهم، [ونسبوا الأحداث إليه] «٥» .\nقال عمرو بن قميئة:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٥/ ١٩٨.\n(٢) فتح الباري: ١٠/ ٤٦٦، تفسير القرطبي: ١٤/ ١.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٣٩٥.\n(٤) كلمة غير مقروءة.\n(٥) زيادة عن تفسير القرطبي.","vol":"8","page":364},{"text":"رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمي وليس برام «١»\nفلو أنّها نبل إذا لاتقيتها ... ولكنّني أرمي بغير سهام\nعلى الراحتين مرة وعلى العصا ... أنوء ثلاثا بعدهن من قيامي\nوروي إنّ الشعبي دخل على عبد الملك بن مروان وقد ضعف. فسأله عن حاله، فأنشده هذه الأبيات:\nفاستأثر الدهر الغداة بهم ... والدهر يرميني ولا أرمي\nيا دهر قد أكثرت فجعتنا ... بسراتنا ووقرت في العظم\nوتركتنا لحم على وضم ... لو كنت تستبقي من اللحم «٢»\nوسلبتنا ما لست تعقبنا ... يا دهر ما أنصفت في الحكم\nوأنشدنا أبو القاسم السدوسي، أنشدنا عبد السميع بن محمد الهاشمي، أخبرنا أبو الحسن العبسي لابن لنكك في هذا المعنى:\nقل لدهر عن المكارم عطل ... يا قبيح الفعال جهم المحيا\nكم كريم حططته من بقاع ... ولئيم ألحقته بالثريا\nقال أبو عبيده: وناظرت بعض الملاحدة. فقال: إلّا تراه يقول: فإنّ الله هو الدهر. فقلت له: وهل كان أحد يسب الله في أياد الدهر، بل كانوا يقولون كما قال الأعشى:\nاستأثر الله بالوفاء وبالعدل ... وولى الملامة الرجلا «٣»\nقال: فتأويل\nقوله ﷺ: «إنّ الله هو الدهر»\n[٢٢٧]، إن الله جل ذكره هو الّذي يأتي بالدهر والشدائد والمصائب فإذا سببت الدهر وقع السب على الله تعالى لأنّه فاعل هذه الأشياء وقاضيها ومدبرها.\nوقال الحسين بن الفضل: مجازه: فإنّ الله هو مدهّر الدهور.\nوروي عن علي ﵁ في خطبة له: مدهّر الدهور، ومن عنده الميسور، ومن لدنه المعسور.\nودليل هذا التأويل ما أخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري، حدثنا أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن الكارزي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن القاسم الجمحي، حدثنا عسر بن أحمد، قال: بلغني إنّ سالم بن عبد الله بن عمر كان كثيرا ما يذكر الدهر، فزجره أبو عبد الله بن عمر، وقال له: يا بني إياك وذكر الدهر، وأنشد:\nفما الدهر بالجاني لشيء لحينه ... ولا جالب البلوى فلا تشتم الدهرا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٧٢، غريب الحديث: ٢/ ١٤٦.\n(٢) غريب الحديث: ٢/ ١٤٦\n(٣) لسان العرب: ٤/ ٨.","vol":"8","page":365},{"text":"ولكن متى ما يبعث الله باعثا ... على معشر يجعل مياسيرهم عسرا\nوأنشدنا أبو القاسم الحبيبي، أنشدنا الشيخ أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني، أنشدنا معاذ بن نجدة بن العريان:\nدار الزمان على الأمور فإنّه ... [إن لحدا أزراك] بالآلام\nوذو الزمان على الملام فإنما ... يحكي الزمان مجاري الأقلام\nيشكى الزمان ويستزاد وإنّما ... بيد المليك ساند الأحكام\nوأنشدنا الأستاذ أبو القاسم، أنشدني أبي، أنشدني أبو علي محمد بن عبد الوهاب الثقفي:\nيا عاتب الدهر إذا نابه ... لا تلم الدّهر على عذره\nالدهر مأمور له آمر ... وينتهي الدهر إلى أمره\nكم كافر أمواله جمة ... تزداد أضعافا على كفره «١»\nومؤمن ليس له درهم ... يزدادا ايمانا على فقره\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ يعني ليوم القيامة. لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً مجتمعة مستوفرة على ركبها من هول ذلك اليوم، وأصل الجثوة الجماعة من كلّ شيء.\nقال طرفة يصف قبرين:\nترى جثوتين من تراب عليهما ... صفائح صم من صفيح مصمد «٢»\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا موسى بن محمد الحلواني، حدثنا يعقوب بن إسحاق العلوي. حدثنا عبد الله بن يحيى الثقفي، حدثنا أبو عران، عن عاصم الأحول، عن ابن عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي، قال: في القيامة ساعة هي عشر سنين يكون الناس فيها جثاة على ركبهم حتّى إبراهيم (﵇) لينادي «لا أسألك اليوم إلا نفسي» .\nكُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الّذي فيه أعمالها. الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ فيه ديوان الحفظة وقيل اللوح المحفوظ.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدثنا عمر بن نوح البجلي، حدثنا أبو خليفة، حدثنا عثمان بن عبد\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٧١. [.....]\n(٢) لسان العرب: ١٤/ ١٣٢.","vol":"8","page":366},{"text":"الله الشامي، حدثنا عقبة بن الوليد، عن أرطأة بن المنذر، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «أول شيء خلق الله القلم من نور مسيره خمسمائة عام، واللوح من نور مسيره خمسمائة عام، فقال للقلم: اجر فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، بردها وحرها، ورطبها ويابسها، ثمّ قرأ هذه الآية هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ» [٢٢٨] «١» .\nإِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال: وهل يكون النسخ إلّا من كتاب قد فرغ منه، ومعنى نستنسخ يأمر بالنسخ، وقال الضحاك: نثبث. السدي نكتب. الحسن: نحفظ.\nفَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ جنّته ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ الظفر الطاهر. وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فيقال لهم: أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قرأه العامة بالرفع على الابتداء وخبره فيما بعده ودليلهم قوله: إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ «٢» .\nقرأ أبو رجاء وحمزة وَالسَّاعَةَ نصبا عطفا بها على الوعد لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ إنّها كائنة. وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا أي جزاؤها. وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ نترككم في النّار.\nكَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا كما تركتم الإيمان بيومكم هذا. وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ. ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ. قرأه العامة بضم الياء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصم بفتحه.\nمِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ يسترضون. فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ قرأه العامة بكسر (الباء) في ثلاثتها، وقرأ ابن محيصن رفعا على معنى هو ربّ.\nوَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\n_________\n(١) المستدرك: ٢/ ٤٩٨، فتح الباري: ٦/ ٢٠٦، وجامع البيان للطبري: ٢٩/ ٢٢، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٢٤٥.\n(٢) سورة الأعراف: ١٢٨.","vol":"8","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-698>محتوى الجزء الثامن من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة الأحزاب ٥ سورة سبأ ٦٩ سورة الملائكة (فاطر) ٩٧ سورة يس ١١٨ سورة الصافات ١٣٨ سورة ص ١٧٥ سورة الزمر ٢٢٠ سورة المؤمن ٢٦١ سورة فصّلت ٢٨٥ سورة الشّورى ٣٠١ سورة الزخرف ٣٢٧ سورة الدّخان ٣٤٨ سورة الجاثية ٣٥٨ طبع على مطابع دار احياء التراث العربي","vol":"8","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>الجزء التاسع</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>سورة الأحقاف</span>\nمكّية. وهي خمسة وثلاثون آية وستمائة وأربع وأربعون كلمة. وألفان وخمسمائة وخمسة وتسعون حرفا\nأخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المفيد، أخبرنا أبو عمرو محمّد بن جعفر بن محمّد الحبري، حدّثنا إبراهيم بن شريك الكوفي، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدّثنا سلام بن سليم، حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة الباهلي، عن أبيّ بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الأحقاف أعطي من الأجر بعدد كلّ نمل في الدّنيا عشر حسنات ومحي عنه عشر سيّئات ويرفع له عشر درجات» [١] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-701>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nحم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣) قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤)\nوَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ (٥) وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)\nحم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ في مصحف عبد الله (أرأيتكم) . ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ من عند الله جاءكم.\nمِنْ قَبْلِ هذا القرآن فيه بيان ما تقولون. أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قرأه العامّة بالألف واختلف العلماء في تأويلها،\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبد الله بن هاشم، حدّثنا يحيى بن سعيد، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن ابن عبّاس","vol":"9","page":5},{"text":"وأظنّه عن النبي ﷺ أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ قال: [الخط] «١»\n، وقال ميمون بن مهران وأبو سلمة بن عبد الرحمن وقتادة: خاصّة من علم. الحسن: أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ يستخرجوه فيثير «٢» .\nمجاهد: رواية تأثرونها عمّن كان قبلهم. عكرمة ومقاتل: رواية عن الأنبياء (﵈) .\nمحمّد بن كعب القرضي: الإسناد وأصل الكلمة من الأثر وهي الرواية. يقال: نموت الحديث «٣» أثره، أثرا وأثارة، كالشجاعة، والجلادة، والصلابة، فما آثروا، ومنه قيل للخبر:\nأثر.\nقال الأعشى:\nإنّ الّذي فيه تماريتما ... بيّن للسامع والآثر «٤»\nوقال الكلبي: بقية من علم. قال الأخفش: تقول العرب: لهذه الناقة أثارة من سمن، أي بقيّة. قال الراعي:\nوذات أثارة أكلت عليها ... بناتا في أكمّتها قصارا\nوقرأ علي بن أبي طالب ﵁ أَوْ أَثْرَةٍ بفتح (الألف) وسكون (الثاء) من غير (ألف) .\nوقرأ السلمي أَوْ أَثَرَةٍ بفتح (الهمزة) و(الثاء) من غير (ألف)، أي خاصة من علم أوتيتموه وأوثرتم بها على غيركم. وقول عكرمة: أو ميراث من علم.\nإِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ أجهل. مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ يعني الأوثان. عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ لا يسمعون ولا يفهمون. فأخرجها وهي جماد مخرج ذكور بني آدم إذ كانت قد مثّلتها عبدتها بالملوك والأمراء التي تخدم.\nوَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ جاحدين وعنهم متبرّئين.\nبيانه قوله: تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ «٥» .\nوَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إن عذّبني على افترائي.\n_________\n(١) في فتح الباري وغيره: الخط، أي بكتاب مكتوب.\n(٢) فتح الباري: ٨/ ٤٤٢ وفيه: أثره شيء يستخرجه فيثير وتفسير الطبري: ٢٦/ ٥ ح ٢٤١٥٣.\n(٣) روي عن رسول الله ﷺ: «ما من نبي يموت ... الحديث» . تنوير الحوالك للسيوطي: ٢٤٧ ط. دار الكتب العلمية.\n(٤) الصحاح: ٢/ ٥٧٥.\n(٥) سورة القصص: ٦٣.","vol":"9","page":6},{"text":"هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ تخوضون. فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٩ الى ١٢]</span>\nقُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِمامًا وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)\nقُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ بديعا مثل نصف ونصيف، من الرسل، لست بأوّل مرسل، فلم تنكرون نبوّتي؟ هل أنا إلّا كالأنبياء قبلي؟ وجمع البدع: أبداع، قال عدي بن زيد:\nفلا أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالا عرت من بعد بؤسي وأسعدي «١»\nوَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ اختلف العلماء في معنى هذه الآية وحكمها، فقال بعضهم: معناها وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ يوم القيامة.\nفلمّا نزلت هذه الآية فرح المشركون فرحا شديدا، وقالوا: واللات والعزّى ما أمرنا وأمر محمّد ﷺ عند الله إلّا واحد، وما له علينا من مزية وفضل، ولولا إنّه ابتدع ما يقوله من ذات نفسه لأخبره الذي بعثه بما يفعل به. فأنزل الله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٢» .\nفبيّن له أمره ونسخت هذه الآية، فقالت الصحابة: هنيئا لك يا نبيّ الله، قد علمنا ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «٣» الآية. وأنزل وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا «٤» فبيّن الله تعالى ما يفعل به وبهم.\nوهذا قول أنس وقتادة والحسن وعكرمة.\nأخبرني الحسين بن محمّد بن الحسين الدينوري، حدّثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السني، حدّثنا إسماعيل بن داود، حدّثنا هارون بن سعيد، حدّثنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن أبي شهاب إنّ خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أنّ أمّ العلاء- امرأة من الأنصار قد بايعت رسول الله ﷺ- أخبرته أنّهم اقتسموا والمهاجرين سكناهم قرعة.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٦/ ٨.\n(٢) سورة الفتح: ٢.\n(٣) سورة الفتح: ٥.\n(٤) سورة الأحزاب: ٤٧.","vol":"9","page":7},{"text":"قالت: فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه أبياتنا موضعه الّذي توفي فيه، فلمّا توفي غسّل وكفّن في أثوابه، فدخل رسول الله ﷺ فقلت لعثمان بن مظعون: رحمة الله عليك أبا السائب، لقد أكرمك الله، فقال رسول الله: «وما يدريك إنّ الله تعالى «١» أكرمه» .\nقالت: فقلت: بأبي أنت وأمي لا أدري. قال: «أما هو فقد جاءه اليقين وما رأينا إلّا خيرا. فو الله إنّي لأرجو له الجنّة، فو الله ما أدري- وأنا رسول الله-ماذا يفعل بي» [٢] «٢» .\nقالت: فو الله لا أزكّي بعده أحدا.\nقالوا: وإنّما قال هذا حين لم يخبر بغفران ذنبه، وإنّما غفر الله له ذنبه في غزوة الحديبية قبل موته بسنتين وشيء، وقال ابن عبّاس: لمّا اشتدّ البلاء بأصحاب رسول الله ﷺ رأى رسول الله فيما يرى النائم وهو بمكّة أرضا ذات سباخ ونخل رفعت له، يهاجر إليها.\nفقال له أصحابه وهم بمكّه: إلى متى نكون في هذا البلاء الّذي نحن فيه؟ ومتى نهاجر إلى الأرض التي أريت. فسكت.\nفأنزل الله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ أترك في مكاني أو أخرج إلى الأرض التي رفعت لي، وقال بعضهم: معناها: ولا أدري ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ، إلى ماذا يصير أمري وأمركم في الدّنيا؟\nأنبأني عقيل بن محمّد، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمّد بن جرير، أخبرنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا أبو بكر الهذل، عن الحسن. في قوله تعالى: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ، فقال: أمّا في الآخرة فمعاذ الله قد علم إنّه في الجنّة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ في الدّنيا، أخرج كما أخرجت الأنبياء من قبلي ولا أدري ما يفعل بكم، أمّتي المكذّبة أم المصدّقة، أم أمّتي المرميّة بالحجارة من السّماء قذفا أم مخسوف بها خسفا.\nثمّ أنزل الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا «٣» . يقول: سيظهر دينكم على الأديان. ثمّ قال في أمّته: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ «٤» فأخبره الله تعالى ما يصنع به وبأمّته. وهذا قول السدي واليماني، وقال الضحّاك: وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ أي ما تؤمرون وما تنهون عنه.\n_________\n(١) غير موجودة في المصدر.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ٤٣٦ صحيح البخاري: ٢/ ٧١، اختلاف في اللفظ. [.....]\n(٣) سورة الفتح: ٢٨.\n(٤) سورة الأنفال: ٣٣.","vol":"9","page":8},{"text":"إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ.\nقال قتادة والضحاك وابن زيد: هو عبد الله بن سلام شهد على نبوّة المصطفى ﷺ. فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ اليهود، فلم يؤمنوا.\nأخبرنا عبد الرّحمن بن إبراهيم بن محمّد بن يحيى، أخبرنا عبدوس بن الحسين بن منصور، حدّثنا محمّد بن إدريس يعني الحنظلي، وأخبرنا عبد الله بن حامد، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن محمّد بن عبد الله البغدادي، حدّثنا إسماعيل بن محمّد بن إسحاق، حدّثنا عمر بن محمّد بن عبد الله الأنصاري.\nحدّثني حميد الطويل، عن أنس، قال: جاء عبد الله بن سلام إلى رسول الله ﷺ مقدمه المدينة، فقال: إنّي سائلك عن ثلاث لا يعلمهنّ إلّا نبي، ما أوّل أشراط السّاعة؟، وما أوّل طعام يأكله أهل الجنّة؟، والولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمّه؟.\nقال: «أخبرني جبريل بهنّ آنفا» قال عبد الله: ذاك عدوّ اليهود من الملائكة.\nقال: «أمّا أوّل أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب، وأمّا أوّل طعام يأكله أهل الجنّة مرارة «١» كبد حوت، فأمّا الولد، فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت الولد» [٣] «٢» .\nفقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أنّك رسول الله. ثمّ قال: يا رسول الله إنّ اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن تسائلهم عنّي بهتوا عليّ عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي ﷺ: «أي رجل عبد الله فيكم؟» قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيّدنا وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: «أرأيتم إن أسلم عبد الله» . قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله.\nفقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله. قالوا: شرّنا وابن شرّنا.\nوانتقصوه، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله وأحذر.\nودليل هذا التأويل\nأنبأني عقيل بن محمّد أنّ المعافى بن زكريا أخبرهم، عن محمّد بن جرير، أخبرنا يونس، أخبرنا عبد الله بن يوسف السبكي قال: سمعت مالك بن أنس يحدّث، عن أبي النضر، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: ما سمعت رسول الله ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: إنّه من أهل الجنّة، إلّا لعبد الله بن سلام [٤] «٣» .\n_________\n(١) في المصدر زيادة.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ١٨٩.\n(٣) مجمع البحرين: ٢/ ٥٥١.","vol":"9","page":9},{"text":"قال: وفيه نزلت وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ.\nوقال آخرون: هو موسى بن عمران (﵇) .\nوروى الشعبي، عن مسروق في هذه الآية، قال: والله ما نزلت في عبد الله بن سلام لأنّ ل حم نزلت بمكّة، وإنّما أسلم عبد الله بالمدينة، وإنّما كانت محاجّة من رسول الله لقومه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ومثل القرآن التوراة، فشهد موسى على التوراة، ومحمّد على القرآن، وكلاهما مصدّق أحدهما الآخر، وقيل: هو ابن يامين.\nوقيل: هو نبي من بني إسرائيل فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ فلم يؤمنوا.\nإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ لدينه وحجّته، وقال أهل المعاني: هذه الآية محذوفة الجواب مجازها قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ من المحقّ منّا ومنكم، ومن المبطل؟\nوَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا من اليهود. لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ دين محمّد خَيْرًا ما سَبَقُونا إِلَيْهِ يعني عبد الله بن سلام وأصحابه، قاله أكثر المفسّرين، وقال قتادة: نزلت هذه الآية في ناس من مشركي قريش، قالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمّد خيرا ما سبقنا إليه فلان، وفلان يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ «١» .\nوقال الكلبي: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أسدا وغطفان لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني جهينة ومزينة. لَوْ كانَ ما جاء به محمّد خَيْرًا ما سبقنا إليه رعاء البهم ورذال الناس.\nقال الله تعالى: وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ أي بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان. فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ كما قالوا: أساطير الأوّلين. وَمِنْ قَبْلِهِ أي ومن قبل القرآن.\nكِتابُ مُوسى إِمامًا يؤتم به. وَرَحْمَةً لمن آمن وعمل به، ونصبا على الحال، عن الكسائي، وقال أبو عبيدة: فيه إضمار أي أنزلناه أو جعلناه إماما ورحمة. الأخفش على القطع لأنّ قوله: كِتابُ مُوسى معرفة بالإضافة، والنكرة إذا أعيدت وأضيفت أو أدخلت عليها الألف واللام، صارت معرفة.\nوَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا نصب على الحال، وقيل: أعني لسانا. وقيل: بلسان.\nلِيُنْذِرَ (بالتاء) مدني وشامي ويعقوب وأيوب، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم على خطاب النبي (﵇)، وقرأ الباقون (بالياء) على الخبر عنه. وقيل: عن الكتاب.\nالَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم بالكفر والمعصية. وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ وجهان من الإعراب:\n_________\n(١) سورة البقرة: ١٠٥.","vol":"9","page":10},{"text":"الرفع على العطف على الكتاب مجازه وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ وبشرى، والنصب على معنى لتنذر الّذين ظلموا أو تبشّر. فلمّا جعل مكان وتبشر وَبُشْرى أو وبشارة نصب كما يقال:\nأتيتك لأزورك وكرامة لك، وقضاء حقّك يعني لأزورك وأكرمك وأقضي حقّك، فنصبت الكرامة والقضاء بفعل مضمر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-703>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ١٣ الى ٢٥]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (١٦) وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ (١٨) وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٩) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠) وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١) قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)\nقالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)\nإِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْسانًا قرأ العامّة: «حُسْنًا» بدون ألف، وقرأ أهل الكوفة: (إِحْسانًا) وهي قراءة ابن عبّاس «١» .\nحَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا بكره ومشقّة. وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ وفطامه، وقرأ الحسن\n_________\n(١) قيل: في مصاحف أهل الحرمين والبصرة والشام «حُسْنًا» وحجّتهم قوله تعالى في العنكبوت: ٨ (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا)، وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء: «حَسَنًا» بفتح الحاء والسين، وأما حجّة العامة فقوله تعالى في سورة الأنعام (وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا) وهي في مصاحف أهل الكوفة، (راجع زاد المسير: ٦/ ١٢١، وتفسير القرطبي: ١٦/ ١٩٢) أقول: في مصاحف المسلمين هذا الزمان (إِحْسانًا) وحجتنا قوله تعالى (وَلا تَفَرَّقُوا) .","vol":"9","page":11},{"text":"ويعقوب: «وفصله» بغير ألف. ثَلاثُونَ شَهْرًا قال المفسّرون: حمله ستّة أشهر ورضاعه أربعة وعشرون شهرا.\nوقال ابن إسحاق: حمله تسعة أشهر وفصاله من اللبن لأحد وعشرين شهرا.\nحَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ نهاية قوّته وقامته وغاية شبابه واستوائه وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى أربعين سنة، فذلك قوله تعالى: وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قال السدي والضحاك: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقّاص. وقد مضت القصة، وقال الآخرون: نزلت في أبي بكر الصدّيق ﵁ وأبيه أبي قحافة عثمان بن عمرة، وأمّه أمّ الخير بنت صخر بن عمرو بن عامر، فلمّا بلغ أبو بكر أربعين سنة آمن بالنبي ﷺ وقال لربّه: إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ.\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا إسحاق بن صدقة، حدّثنا عبد الله بن هاشم، عن سيف بن عمر، عن عطية، عن أبي أيّوب، عن علي ﵁ في قوله:\nوَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا نزلت في أبي بكر، أسلم أبواه جميعا ولم يجتمع لأحد من أصحاب رسول الله [من] المهاجرين [أسلم] أبواه غيره، أوصاه الله بهما ولزم ذلك من بعده.\nقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي ألهمني وأوسعني. أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي أن تجعلهم مؤمنين صالحين. قالوا: فأجاب الله تعالى أبا بكر في أولاده فأسلموا، ولم يكن أحد من الصحابة أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته إلّا أبو بكر ﵁.\nإِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا يعني أعمالهم الصالحة فيثيبهم عليها.\nوَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فلا يعاقبهم بها. فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ أي مع أصحاب الجنّة، و(فِي) بمعنى مع وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ وهو قوله: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ «١» وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ إذا دعوه إلى الإيمان بالله والإقرار بالبعث والجزاء. أُفٍّ لَكُما وهي كلمة كراهية.\nأَتَعِدانِنِي قراءة العامة (بنونين) حقيقيتين، وروى أهل الشام (بنون) واحدة مشدّدة أَنْ أُخْرَجَ من قبري حيّا بعد فنائي وبلائي. وَقَدْ خَلَتِ مضت الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي فلم يبعث منهم أحد. وقرأ الحسن والأعمش وأبو معمر أَنْ أَخْرُجَ بفتح وضم (الراء) .\nوَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ يستصرخان الله ويستغيثانه عليه ويقولان له:\n_________\n(١) سورة التوبة: ٧٢.","vol":"9","page":12},{"text":"وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا الذي تعدانني وتدعوانني إليه. إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ قال ابن عبّاس وأبو العالية والسدي ومجاهد: نزلت هذه الآية في عبد الله. وقيل: في عبد الرّحمن بن أبي بكر الصدّيق. قال له أبواه: أسلم وألحّا عليه في دعائه إلى الإيمان. فقال: أحيوا لي عبد الله بن جدعان وعامر بن كعب ومشايخ قريش حتّى أسألهم عمّا يقولون.\nقال محمّد بن زياد: كتب معاوية إلى مروان حتّى يبايع الناس ليزيد، فقال عبد الرّحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية، أتبايعون لأبنائكم؟\nفقال مروان: هذا الذي يقول الله تعالى فيه: وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي ...\nالآية. فسمعت عائشة ﵂ بذلك فغضبت، وقالت: والله ما هي به، ولو شئت لسمّيته ولكنّ الله لعن أباك وأنت في صلبه فأنت نضض «١» من لعنة الله.\nأُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب. قالوا: يعني الّذين أشار عليهم ابن أبي بكر، وقال أحيوهم إليّ، هم الّذين حقّ عليهم القول، وهم الماضون بقوله: وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي، فإمّا ابن أبي بكر فقد أجاب الله تعالى فيه دعاء أبيه بقوله: وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي فأسلم وحسن إسلامه.\nوقال الحسن وقتادة: هذه الآية مرسلة عامة، وهي نعت عبد كافر فاجر عاق لوالديه. فِي أُمَمٍ مع أمم. قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ وَلِكُلٍّ واحد من الفريقين المؤمنين والكافرين.\nدَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا منازل ومراتب عند الله يوم القيامة بإعمالهم فيجازيهم عليها، وقال ابن زيد: في هذه الآية درج أهل النار تذهب سفالا، ودرج أهل الجنّة تذهب علوّا.\nوَلِيُوَفِّيَهُمْ أجورهم (بالياء) مكي وبصري وهشام، والباقون (بالنون) .\nأَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ فيقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها قرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب (أذهبتم طيباتكم) بالاستفهام، واختلف فيه عن أهل الشام، وغيرهم بالخبر، وهما صحيحتان فصيحتان لأنّ العرب تستفهم بالتوبيخ وتترك الاستفهام فيه. فتقول: أذهبت ففعلت كذا وكذا؟، وذهبت ففعلت وفعلت؟\nفَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ\nأخبرنا ابن محمّد بن الحسين بن منجويه، حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله، حدّثنا محمّد بن أحمد بن إبراهيم الكرابيسي، حدّثنا حميد بن الربيع، حدّثنا أبو معمر،\n_________\n(١) كذا في المخطوط.","vol":"9","page":13},{"text":"حدّثنا عبد الوارث، حدّثنا محمّد بن حجارة، عن حميد الشامي، عن سليمان، عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ، قال: كان رسول الله إذا سافر كان آخر عهده بإنسان من أهله وأوّل من يدخل عليه إذا قدم فاطمة ﵍.\nفلمّا قدم من غزوة فأتاها فإذا لمح وقيل: لمح على بابها ورأى على الحسن والحسين قلبين من فضّة، فرجع ولم يدخل عليها، فلمّا رأت ذلك فاطمة ظنّت إنّه لم يدخل عليها من أجل ما رأى، فهتكت الستر ونزعت القلبين من الصّبيين، فقطعتهما، فبكى الصبيّان، فقسمته بينهما نصفين، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ وهما يبكيان، فأخذه رسول الله منهما، وقال: «يا ثوبان اذهب بهذا إلى بني فلان- أهل بيت بالمدينة- واشتر لفاطمة قلادة من عصب وسوارين من عاج» قال: «فإنّ هؤلاء أهل بيتي ولا أحبّ أن يأكلوا طيّباتهم في الحياة الدّنيا» [٥] «١» .\nأنبأني عقيل بن محمّد، قال: أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمّد بن جرير، حدّثنا كثير، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد، عن قتادة، قال: حدّثنا صاحب لنا، عن أبي هريرة، قال: إنّما كان طعامنا مع رسول الله ﷺ الأسودان: الماء، والتمر، والله ما كنا نرى سمراكم هذه ولا ندري ما هي.\nوبه عن قتادة، عن أبي بردة بن عبد الله بن قيس الأشعري، عن أبيه، قال: أي بني لو شهدتنا ونحن مع نبيّنا ﷺ إذا أصابتنا السماء حسبت إنّ ريحنا ريح الضأن، إنّما كان لباسنا الصوف.\nوبه عن قتادة، قال: ذكر لنا أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ كان يقول: لو شئت كنت أطيبكم طعاما وألينكم لباسا، ولكنّي أستبقي طيباتي. وذكر لنا أنّه لما قدم الشام صنع له طعام لم ير قبله مثله. قال: هذا لنا فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟! قال خالد ابن الوليد: لهم الجنّة. فاغرورقت عينا عمر، وقال: لئن كان حظّنا في الحطام وذهبوا فيما أرى أنا بالجنّة لقد باينونا بونا بعيدا.\nوذكر لنا أنّ النبي ﷺ دخل على أهل الصفة، مكانا يجتمع فيه فقراء المسلمين- وهم يرقعون ثيابهم بالأدم ما يجدون لها رقاعا.\nقال: أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما يستر الكعبة؟ قالوا: نحن يومئذ خير.\nأخبرنا الحسين بن منجويه، حدّثنا محمّد بن أحمد بن نصرويه، حدّثنا أبو العبّاس أحمد ابن موسى الجوهري، حدّثنا علي بن سهل الرملي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثني رزق أبو الهذيل، حدّثني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبّاس، عن عمر بن الخطّاب ﵁ أنّه حدّثه أنّه دخل على رسول الله ﷺ حين هجر نساءه فوافاه على سرير رميل، يعني مرمولا مشدودا، قد أثّر الحصير في جنبه، متوسّد وسادة من أدم محشوة ليف.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٢٧٥ الدر المنثور: ٦/ ٤٣.","vol":"9","page":14},{"text":"فقال عمر: والتفتّ في البيت فو الله ما رأيت شيئا يردّ البصر إلّا أهب- يعني جلدا معطوبة- قد سطع ريحها، فبكيت، فقلت: يا رسول الله أنت رسول الله وخيرته، فيما أرى وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير؟! فاستوى رسول الله جالسا، وقال: «أوفي شك أنت يا ابن الخطّاب؟» «أولئك قوم عجلت لهم طيّباتهم في حياتهم الدّنيا» [٦] «١» .\nأخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن عتبة، حدّثنا الفرماني، حدّثنا أبو أمية الواسطي، حدّثنا يزيد بن هارون، أخبرنا مبارك بن فضالة، حدّثنا حفص بن أبي العاص، قال: كنت أتغدى مع رسول الله ﷺ، فتغدينا الخبز والزيت والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد، وأقلّ ذلك اللحم العريض، وكان يقول: «لا تنخلوا الدقيق فإنّه كلّه طعام» [٧] .\nفيجيء بخبز منقلع غليظ، فجعل يأكل ويقول لنا: كلوا. فجعلنا نعتذر، فقال: ما لكم لا تأكلون؟! فقلت: لا نأكله والله يا أمير المؤمنين، نرجع إلى طعام ألين من طعامك.\nقال: بخ يا بن أبي العاص، ألا ترى أنّي عالم بأن آمر بدقيق أن ينخل بخرقة فيخبز في كذا، وكذا؟ أما ترى أنّي عالم إنّ آمر إلى عناق سمينة فيلقى عنها شعرها، ثمّ تخرج صلاء كأنّه كذا وكذا؟ أما ترى أنّي عالم أن أعمل إليّ صاع أو صاعين من زبيب فاجعله في سقاء ثمّ أرش عليه من الماء فيطبخ كأنّه دم غزال؟\nقال: قلت: والله يا أمير المؤمنين إني لأراك عالما بطيب العيش، فقال عمر: أجل، والله الذي لا إله إلّا هو لولا إنّي أخاف أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في العيش، ولكنّي سمعت الله يقول لقوم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها «٢» .\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن عبد العزيز، حدّثنا محمّد بن بكار الريان، حدّثنا أبو معشر، عن محمّد بن قيس، عن جابر بن عبد الله. قال:\nاشتهى أهلي لحما، فمررت بعمر بن الخطّاب ﵁، فقال: ما هذا يا جابر؟ فقلت: أشتهى أهلي لحما، فاشتريت لحما بدرهم. فقال: أوكلّما اشتهى أحدكم شيئا جعله في بطنه؟ أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا؟\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا محمّد بن الحسين، حدّثنا بشر، حدّثنا ابن أبي الخصيب، أخبرني أحمد بن محمّد بن أبي موسى، حدّثنا أحمد بن أبي الحواري، حدّثنا أبي، قال: قال وهب بن الورد: خلق ابن آدم والخبز معه، فما زاد على الخبز ينمو شهوة. قال: فحدّثت به أبا سليمان. فقال: صدق، الملح مع الخبز شهوة.\nوَاذْكُرْ أَخا عادٍ يعني هود (﵇) .\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٣٤.\n(٢) كنز العمال: ١٢/ ٦٢٤ ح ٣٥٩٢٤.","vol":"9","page":15},{"text":"إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ قال ابن عبّاس: الأحقاف واد بين عمان ومهرة. مقاتل: كانت منازل عاد باليمن في حضرموت بموضع يقال له: مهرة إليها تنسب الجمال، فيقال: إبل مهرية ومهاري، وكانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم، وكانوا من قبيلة إرم.\nوقال الضحّاك: الأحقاف جبل بالشام. مجاهد: هي أرض جساق من حسمى. قتادة: ذكر لنا أنّ عادا كانوا حيّا باليمن أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها: الشحر. ابن زيد:\nهي ما استطال من الرمل كهيئة الجبل ولم يبلغ أن يكون جبلا «١» .\nالكلبي: الأحقاف ما نضب عنه الماء زمان الغرق، كان ينضب الماء من الأرض ويبقى أثره. الخليل: هي الرمال العظام. الكسائي: هي ما استدار من الرمل، وواحدها حقف وحقاف، مثل دبغ ودباغ، ولبس ولباس. وقيل: الحقاف جمع الحقف، والأحقاف جمع الجمع.\nونظير حقف أحقاف شبر وأشبار. قال الأعشى:\nفبات إلى أرطاة حقف تلفّه ... حريق شمال يترك الوجه أقتما «٢»\nوقال: بنا بطن حرّى ذي حقاف عقنقل. ويقال: حقف أحقف أي رمل متناه في الاستدار.\nقال العجاج:\nبات إلى إرطاة حقف أحقفا\n، والفعل منه أحقف. قال الراجز:\nسماوة الهلال حتّى احقوقفا\n. أي انحنى واستدار.\nوَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مضت الرسل. مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي قبل هود. وَمِنْ خَلْفِهِ وهي في قراءة عبد الله ومن بعده. أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا لتصرفنا. عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا من العذاب. إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ بوقت مجيء العذاب.\nعِنْدَ اللَّهِ لا عندي وإنّما أنا مبلّغ. وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ فَلَمَّا رَأَوْهُ يعني العذاب. عارِضًا نصب على الحال، وإن شئت بالتكرير أي رأوه عارضا وهو السحاب، سمّي بذلك لأنّه يعرض أي يبدو في عرض السماء.\nقال مجاهد: استعرض بهم الوادي. قال الأعشى:\nيا من يرى عارضا قد بتّ أرمقه ... كإنّما البرق في حافاته الشعل «٣»\nقال المفسّرون: ساق الله تعالى السحابة السوداء التي اختار قيل بن عنز رأسه وقد عاد بما\n_________\n(١) راجع تفسير الدر المنثور: ٦/ ٤٣ مورد الآية.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٦/ ٢٩. [.....]\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٦/ ٣٣.","vol":"9","page":16},{"text":"فيها من النقمة إلى عاد فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث. وكانوا قد حبس عنهم المطر أيّاما، فلمّا رأوها.\n[قالُوا: هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا حتى عرفت أنها ريح امرأة منهم يقال لها مهدر فصاحت وصعقت، فلمّا أفاقت قيل لها: ما رأيت؟ قالت: ريحا فيها كشهب النار] «١» .\nمُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ استبشروا بها.\nقالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا يقول الله تعالى: بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ فجعلت تحمل الفسطاط، وتحمل الظعينة، فترفعها حتّى ترى كأنّها جرادة.\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبيد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن منصور الكسائي، حدّثنا الحارث بن عبد الله، حدّثنا هشيم، عن جويبر، حدّثنا أبو داود الأعمى، عن ابن عبّاس في قول الله تعالى: فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ الآية، قال:\nلمّا دنا العارض قاموا فمدّوا أيديهم، فأوّل ما عرفوا أنّها عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم، من رحالهم، ومواشيهم تطير بهم الريح بين السماء والأرض، مثل الرشا، قالوا: فدخلوا بيوتهم، وأغلقوا أبوابهم، فجاءت الريح فغلّقت أبوابهم وصرعتهم، وأمر الله تعالى الريح فأهالت عليهم الرمال فكانوا تحت الرمل سَبْعَ لَيالٍ، وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا لهم أنين، ثمّ أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال ثمّ أمرها فاحتملتهم، فرمت بهم في البحر.\nفهم الذين يقول الله تعالى: تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها مرّت به من رجال عاد وأموالها بأذن ربّها.\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عمر بن الخطّاب، حدّثنا عبد الله بن الفضل، حدّثنا أبو هشام، حدّثنا حفص، عن ابن جريح، عن عطاء، عن عائشة ﵂ قالت: كان النبيّ ﷺ إذا رأى الريح فزع، وقال: «اللهم إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشر ما فيها، وشرّ ما أرسلت به» [٨] «٢» .\nفإذا رأى مخيلة قام، وقعد، وجاء، وذهب، وتغيّر لونه، فنقول: يا رسول الله، فيقول:\n«إنّي أخاف أن يكون مثل قوم عاد، حيث قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» [٩] «٣» .\nفَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ قرأ الحسن (لا تُرى) بتاء مضمومة إِلَّا مَساكِنُهُمْ برفع (النون) . ومثله روى شعيب بن أيّوب، عن يحيى بن آدم، عن أبي بكر بن عيّاش، عن عاصم.\nقال أبو حاتم: هذا لا يستقيم في اللغة إلّا إن أوّل فيه إضمار كما تقول في الكلام: لا ترى\n_________\n(١) تفسير الثعالبي: ٣/ ٤٦ مورد الآية وتفسير ابن كثير: ٢/ ٢٣٥ وتفسير الطبري: ٨/ ٢٨٥.\n(٢) صحيح مسلم: ٣/ ٢٦ السنن الكبرى ٣/ ٣٦٠.\n(٣) المصدر السابق.","vol":"9","page":17},{"text":"النساء إلّا زينب، ولا يجوز لا ترى إلّا زينب، وقال سيبويه: معناه (لا ترى) أشخاصهم. إِلَّا مَساكِنُهُمْ وأجرى الفرّاء هذه الآية على الاستكراه، وذكر أنّ المفضل أنشده:\nنارنا لم تر نارا مثلها ... قد علمت ذاك معدّ كرما «١»\nفأنّث فعل مثل لأنّه للنّار، قال: وأجود الكلام أن يقول: لم تر مثلها نار.\nوقرأ الأعمش وعاصم وحمزة ويعقوب وخلف (بياء) مضمومة مَساكِنُهُمْ رفعا واختاره أبو عبيدة رفعا وأبو حاتم. قال الكسائي: معناه لا يُرى شيء إِلَّا مَساكِنُهُمْ.\nوقال الفرّاء: لا يرى الناس لأنّهم كانوا تحت الرمل، فإنّما يرى مساكنهم لأنّها قائمة.\nوقرأ الباقون (تَرى) (بتاء) مفتوحة (مساكنَهم) نصبا على معنى (لا ترى) يا محمّد (إلّا مساكنَهم) .\nكَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-704>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٢٦ الى ٣٢]</span>\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٢٦) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨) وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)\nيا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٣٢)\nوَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ أي فيما لا يمكنكم فيه من بسطة الأجسام، وقوّة الأبدان، وطول العمر، وكثرة المال.\nوَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصارًا وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ يا أهل مكّة.\nمِنَ الْقُرى كحجر ثمود، وأرض سدوم ونحوهما.\nوَصَرَّفْنَا الْآياتِ الحجج والبيّنات وأنواع العبر والعظات لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ عن كفرهم، فلم يرجعوا، فأهلكناهم، يخوّف مشركي قريش. فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبانًا آلِهَةً\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٦/ ٣٦.","vol":"9","page":18},{"text":"يعني الأوثان، قال الكسائي: القربان كلّ ما يتقرّب به إلى الله تعالى من طاعة، ونسكة، والجمع قرابين، كالرهبان والرهابين.\nبَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ أي كذبهم الذي كانوا يقولون: إنّها تقرّبهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم عنده. وقرأ ابن عبّاس وابن الزبير ذلِكَ إَفَكَهُمْ بفتح (الألف) و(الفاء) على الفعل، أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد. وقرأ عكرمة إَفَّكَهُمْ بتشديد (الفاء) على التأكيد والتفسير. قال أبو حاتم: يعني قلبهم عمّا كانوا عليه من النعيم. ودليل قراءة العامّة قوله: وَما كانُوا يَفْتَرُونَ.\nوَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ الآية.\nقال المفسّرون: لمّا مات أبو طالب خرج رسول الله ﷺ وحده إلى الطائف يلتمس ثقيف النصرة، والمنعة له من قومه\n، فروى محمّد بن أحمد عن يزيد بن زياد عن محمّد بن كعب القرظي، قال: لمّا انتهى رسول الله ﷺ وحده إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم وهم اخوة ثلاثة: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، بنو عمر بن عمير، عندهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم، فدعاهم إلى الله تعالى وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه.\nفقال أحدهم، هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله تعالى أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحد يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلّمك كلمة أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أردّ عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلّمك.\nفقام رسول الله ﷺ من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم: «إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموه» [١٠] .\nوكره رسول الله أن يبلغ قومه عنه فيديرهم عليه ذلك، فلم يفعلوا وأغروا به سفهاءهم، وعبيدهم يسبّونه، ويصيحون به، حتّى اجتمع عليه الناس وألجؤوه إلى حائط لعتبة، وشيبة ابني ربيعة، هما فيه، ورجع عنه سفهاء ثقيف.\nولقد لقي رسول الله ﷺ تلك المرأة من بني جمح، فقال لها: «ماذا لقينا من أحمائك؟» .\nفلمّا اطمئن رسول الله، قال: «اللهم إنّي أشكو إليك ضعف قوّتي، وقلّة حيلتي، وهواني على النّاس، أرحم الراحمين أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدوّ ملّكته أمري. إن لم يكن بك عليّ غضب، فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع، وأعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، ويحلّ عليّ سخطك، لك العتبى حتّى ترضى، لا حول، ولا قوّة إلّا بك» [١١] «١» .\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٣/ ١٦٦.","vol":"9","page":19},{"text":"فلمّا رأى أبناء ربيعة ما لقي تحرّكت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له:\nعداس. فقالا له: خذ قطفا من هذا العنب وضعه في ذلك الطبق، ثمّ اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه، ففعل عداس ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ، فلمّا وضع رسول الله يده، قال: «بسم الله» .\nثمّ أكل، فنظر عداس إلى وجهه، ثمّ قال: والله إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة.\nقال له رسول الله: «ومن أي أهل البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟» . قال: أنا نصراني وأنا رجل من أهل نينوى.\nفقال له رسول الله: «من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى» . قال له: وما يدريك ما يونس بن متّى؟! قال له رسول الله: «ذاك أخي، كان نبيّا وأنا نبيّ» . فأكبّ عداس على رسول الله ﷺ فقبّل رأسه، ويديه، ورجليه [١٢] «١» .\nقال: فيقول أبناء ربيعة أحدهما لصاحبه، أما غلامك فقد أفسده عليك. فلمّا جاءهم عداس، قالا له: ويلك يا عداس ما لك تقبّل رأس هذا الرجل، ويديه، ورجليه؟! قال: يا سيّدي ما في الأرض خير من هذا، لقد خبّرني بأمر ما يعلمه إلّا نبي. فقال: ويحك يا عداس لا يصرفنّك عن دينك، فإنّ دينك خير من دينه.\nثمّ إنّ رسول الله ﷺ انصرف من الطائف راجعا إلى مكّة حتّى يئس من خير ثقيف، حتّى إذا كان بنخلة، قام من جوف الليل يصلّي، فمرّ به نفر من جنّ أهل نصيبين اليمن، وكان سبب ذلك أنّ الجنّ كانت تسترق السمع، فلمّا حرست السماء ورجموا بالشهب. قال إبليس: إنّ هذا الذي حدث في السماء لشيء في الأرض، فبعث سراياه لتعرف الخبر، فكان أوّل بعث بعث ركب من أهل نصيبين وهم أشراف الجنّ وساداتهم، فبعثهم إلى تهامة، فاندفعوا حتّى بلغوا وادي نخلة، فوجدوا رسول الله صلّى الله عليه يصلّي صلاة الغداة، ببطن نخلة ويتلو القرآن، فاستمعوا إليه، وقالُوا: أَنْصِتُوا.\nهذا معنى قول سعيد بن جبير وجماعة من أئمّة الخبر، ورواية العوفي عن ابن عباس،\nوقال آخرون: بل أمر رسول الله أن ينذر الجنّ ويدعوهم إلى الله تعالى، ويقرأ عليهم القرآن، فصرف الله إليه نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ من نينوى وجمعهم له، فقال رسول الله: «إنّي أمرت أن أقرأ على الجنّ الليلة فأيّكم يتبعني؟» فأطرقوا ثمّ استتبعهم فأطرقوا، ثمّ استتبعهم الثالثة، فاتبعه عبد الله بن مسعود، قال عبد الله: ولم يحضر معه أحد غيري، فانطلقنا حتّى إذا كنّا بأعلى مكّة دخل نبيّ الله ﷺ شعبا يقال له: شعب الحجون وخط إليّ خطّا، ثمّ أمرني أن أجلس فيه.\nقال: «لا تخرج منه حتّى أعود إليك» . ثمّ انطلق حتّى قام وافتتح القرآن فجعلت أرى أمثال\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٣/ ١٦٧.","vol":"9","page":20},{"text":"النسور تهوي تمشي في رفوفها، وسمعت لغطا شديدا، حتّى خفت على نبي الله، وغشيته أسورة كثيرة حالت بيني وبينه، حتّى ما أسمع صوته، ثمّ طفقوا ينقطعون مثل قطع السحاب داهنين، ففزع رسول الله ﷺ مع الفجر، ثمّ انطلق إليّ، وقال: «أنمت؟» فقلت: لا والله لقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس حتّى سمعتك تقرعهم بعصاك. تقول: «اجلسوا» .\nقال: «لو خرجت لم آمن أن يتخطّفك بعضهم» .\nثمّ قال: «هل رأيت شيئا؟» . قلت: نعم رأيت رجالا سودا مسفري ثياب بيض. فقال:\n«أولئك جنّ نصيبين سألوني المتاع» - والمتاع الزاد- «فمتعتهم بكلّ عظم حائل وبعرة وروثة» .\nفقالوا: يا رسول الله يقذرها الناس علينا. فنهى النبيّ ﷺ أن يستنجى بالعظم والروث.\nقال: فقلت: يا رسول الله وما يعني ذلك عنهم؟ قال: «إنّهم لا يجدون عظما إلّا وجدوا عليه لحمة يوم أكل، ولا روثة إلّا وجدوا فيها حبّها يوم أكلت» .\nفقلت: يا رسول الله، لغطا شديدا. فقال: «إنّ الجنّ يدارك في قتيل قتل بينهم» - وقيل:\nقتل- «فتحاكموا إليّ، فقضيت بينهم بالحقّ» . قال: ثمّ تبرّز رسول الله ﷺ، ثمّ أتاني فقال: «هل معك ماء؟» . قلت: يا رسول الله معي إداوة فيها شيء من نبيذ التمر، فاستدعاه فصببت على يديه فتوضّأ.\nوقال: «تمرة طيبة وماء طهور» . قال قتادة: فذكر لنا ابن مسعود لمّا قدم الكوفة رأى شيوخا شمطا من الزط، فأفزعوه حين رآهم. وقال: أظهروا. فقيل له: إنّ هؤلاء قوم من الزط، فقال: ما أشبههم بالنفر الذين صرفوا إلى رسول الله ﷺ، يريد الجنّ [١٣] «١» .\nقال: أخبرنيه ابن منجويه، حدّثنا ابن حنش المقري، حدّثنا ابن زنجويه، حدّثنا سلمة، حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر، عن قتادة بمثل معناه إلّا إنّه لم يذكر قصة نبيذ التمر.\nأخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي، حدّثنا محمّد بن الحسن الصوفي، حدّثنا أبو جعفر محمّد بن صالح بن ذريح، حدّثنا مسروق بن المرزبان، حدّثنا ابن أبي زائدة، حدّثنا داود بن أبي هند، عن علقمة، قال: سألت عبد الله بن مسعود، هل كان مع رسول الله ﷺ أحد من الجنّ؟.\nفقال: لا لم يصحبه منّا أحد. ولكنّا فقدناه ذات ليلة، فقلنا استطير أو اغتيل، فتفرّقنا في الشعاب والأودية نلتمسه، فلمّا أصبحنا رأيناه مقبلا من نحو حراء.\nفقلنا: يا رسول الله، بتنا بشرّ ليلة بات بها قوم، نقول: استطير أو اغتيل.\nفقال: «إنّه أتاني داع من الجنّ، فذهبت أقرئهم القرآن» . قال: وأراني آثارهم وآثار نيرانهم. قال: «فسألوه ليلتئذ الزاد» .\n_________\n(١) كنز العمال: ٦/ ١٦٩.","vol":"9","page":21},{"text":"فقال: «فكلّ عظم لم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، والبعر لدوابكم» .\nفقال رسول الله ﷺ: «لا تستنجوا بالعظام ولا بالبعر فإنّه زاد إخوانكم من الجنّ» [١٤] «١» .\nأخبرنا أبو عبد الله بن منجويه، حدّثنا أبو بكر بن خرجه، حدّثنا محمّد بن أيّوب، أخبرنا سلمان بن داود الشاذكوي، عن خالد بن عبد الله الواسطي، عن خالد الحذّاء، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: لم أكن مع النبيّ ﷺ ليلة الجنّ وودت أنّي كنت معه.\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا موسى بن محمّد بن علي، حدّثنا يوسف بن يعقوب القاضي، حدّثنا سليمان بن حرب، حدّثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، قال: سألت أبا عبيدة بن عبد الله، أكان عبد الله مع النبيّ ﷺ ليلة الجنّ؟ قال: لا. قال: وسألت إبراهيم. فقال: ليت صاحبنا كان ذاك.\nقوله تعالى: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ اختلفوا في مبلغ عددهم، فقال ابن عبّاس: كانوا سبعة نفر من جنّ نصيبين فجعلهم رسول الله ﷺ رسلا إلى قومهم.\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا طلحة بن محمّد بن جعفر، وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب، قالا: أخبرنا أبو بكر بن مجاهد، حدّثني أحمد بن حرب، حدّثنا سنيد، حدّثنا حجاج، قال:\nقال ابن جريح: أخبرني وهب بن سلمان، عن شعيب الحماني. إنّ أسماء الجنّ الّذين صرفهم الله تعالى إلى رسوله شاصر، وماصر، ومنشي، وماشي، والأحقب «٢» وقال آخرون: كانوا تسعة.\nأخبرني أبو علي السراج، أخبرنا أبو بكر القطان، حدّثنا أحمد بن يوسف السّلمي، حدّثنا محمّد بن يوسف الفريابي، قال: ذكر سفيان، عن عاصم، عن زر بن حبيش، قال: كان زوبعة من التسعة الّذين استمعوا القرآن من النبي ﷺ.\nفَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا قالوا: صه. وبإسناده عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن ثابت بن قطبة الثقفي، قال: جاء أناس إلى عبد الله بن مسعود، قالوا: كنّا في سفر فرأينا حيّة متشحّطة في دمها مقتولة، فأخذها رجل منّا، فواريناها، فلمّا ولّوا جاءهم ناس، فقالوا: إنّكم دفنتم عمرا، فقالوا ومن عمر؟ قالوا: الحيّة التي دفنتم في مكان كذا وكذا. أمّا إنّه كان من النفر\n_________\n(١) سنن الترمذي: ١/ ١٦.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ١٦/ ٢١٤ وفتح الباري: ٨/ ٥١٧.","vol":"9","page":22},{"text":"الّذين استمعوا القرآن من النبي (﵇) وكان بين حيّتين من الجنّ من المسلمين وغيرهم، فزال، فقتل.\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عمر بن الخطّاب، حدّثنا عبد الله بن الفضل، حدّثنا سهل بن حمزة، حدّثنا عبد الله بن صالح، حدّثني معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني إنّ رسول الله ﷺ، قال: «الجنّ على «١» ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلّون ويظعنون» [١٥] «٢» .\nفَلَمَّا حَضَرُوهُ، قالُوا: قال: بعضهم لبعض أَنْصِتُوا، فأنصتوا واستمعوا القرآن، حتّى كاد يقع بعضهم على بعض من شدّة حرصهم، نظير ما في سورة الجنّ.\nفَلَمَّا قُضِيَ فرغ من تلاوة القرآن واستماع الجان. وقرأ لاحق بن حميد (قَضَى) بفتح (القاف) و(الضاد)، يعني النبيّ ﷺ.\nوَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ مخوّفين داعين بأمر النبي ﷺ.\nقالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ يعني محمّد ﷺ.\nوَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ قال ابن عبّاس: فاستجاب لهم من فوقهم نحو من سبعين رجلا من الجنّ فرجعوا إلى رسول الله فوافقوه بالبطحاء. فقرأ عليهم القرآن وأمرهم ونهاهم. واختلف العلماء في حكم مؤمني الجنّ، فقال قوم: ليس لمؤمني الجنّ ثواب إلّا نجاتهم من النار، وتأوّلوا قوله تعالى:\nيَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا الحسن بن نجيويه، حدّثنا عمرو بن ثور، وإبراهيم بن أبي سفيان، قالا: حدّثنا محمّد بن يوسف الفرباني، حدّثنا سفيان، عن ليث، قال: الجنّ ثوابهم أن يجاروا من النار، ثمّ يقال لهم: كونوا ترابا مثل البهائم.\nوقال آخرون: إن كان عليهم العقاب في الإساءة وجب أن يكون لهم الثواب في الإحسان مثل الإنس. وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى.\nأخبرنا أبو عبد الله الثقفي الدينوري، حدّثنا أبو علي بن حبش المقري، حدّثنا محمّد بن عمران، حدّثنا ابن المقري وأبو عبيد الله. قالا: حدّثنا العبدي، عن سفيان، عن جويبر، عن الضحّاك، قال: الجنّ يدخلون الجنّة ويأكلون ويشربون.\n_________\n(١) «على» غير موجودة في المصدر.\n(٢) مستدرك الحاكم: ٢/ ٤٥٦.","vol":"9","page":23},{"text":"وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-705>[سورة الأحقاف (٤٦): الآيات ٣٣ الى ٣٥]</span>\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤) فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)\nأَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ لم يضعف عن إبداعهن، ولم يعجز عن اختراعهن. بِقادِرٍ قراءة العامة (بالباء) و(الألف) على الاسم واختلفوا في وجه دخول (الباء) فيه، فقال أبو عبيدة والأخفش: هي صلة، كقوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ «١» وقال الحارث بن حلزة:\nقيل ما اليوم بيّضت بعيون ... النّاس فيها تغيّظ وإباء «٢»\nأراد بيضت عيون النّاس.\nوقال الكسائي والفراء: (الباء) فيه جلبت الاستفهام والجحد في أوّل الكلام، كقوله:\nأَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ «٣» . والعرب تدخلها في الجحود، إذا كانت رافعة لما قبلها، كقول الشاعر:\nفما رجعت بخائبة ركاب ... حكيم بن المسيّب منتهاها «٤»\nوقرأ الأعرج وعاصم الجحدري وابن أبي إسحاق ويعقوب بن إسحاق يقدر (بالياء) من غير (ألف) على الفعل، واختار أبو عبيد قراءة العامّة لأنّها في قراءة عبد الله خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ بغير (باء) .\nعَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ فيقال لهم: أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ لهم المقرّر بذلك فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.\nقال ابن عبّاس: ذوو الحزم. ضحّاك: ذوو الجدّ والصّبر. القرظي: ذوو الرأي\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ٢٠.\n(٢) ديوان الحارث بن حلزة: ١٩. [.....]\n(٣) سورة يس: ٨١.\n(٤) المغني: ١/ ١١٠ رقم ١٦٣.","vol":"9","page":24},{"text":"والصواب. واختلفوا فيهم، فقال ابن زيد: كلّ الرسل كانوا أولي عزم، ولم يتّخذ الله رسولا، إلّا كان ذا عزم، وهو اختيار علي بن مهدي الطبري، قال: وإنّما دخلت (مِنَ) للتجنيس لا للتبعيض، كما يقال: اشتريت أكسية من الخزّ، وأردية من البز. حكاها شيخنا أبو القاسم بن حبيب عنه.\nوقال بعضهم: كلّ الأنبياء (﵈) أولوا عزم، إلّا يونس، ألا ترى إنّ نبيّنا ﷺ نهى عن أن يكون مثله، لخفّة وعجلة ظهرت منه حين ولّى من قومه مغاضبا، فابتلاه الله بثلاث:\nسلّط عليه العمالقة حتى أغاروا على أهله وماله، وسلّط الذئب على ولده فأكلهم، وسلّط الحوت عليه حتّى ابتلعه.\nسمعت أبا منصور الجمشاذي يحكيها، عن أبي بكر الرازي، عن أبي القاسم الحكيم.\nوقيل: هم نجباء الرّسل المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر، وهو اختيار الحسين بن الفضل، قال: لقوله في عقبه: أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «١» .\nوقال الكلبي: هم الّذين أمروا بالقتال، فأظهروا المكاشفة، وجاهدوا الكفرة بالبراءة، وجاهدوهم. أخبرنا ابن منجويه الدينوري، عن أبي علي حبش المقري، قال: قال بعض أهل العلم: أُولُوا الْعَزْمِ اثنا عشر نبيّا أرسلوا إلى بني إسرائيل بالشام فعصوهم، فأوحى الله تعالى إلى الأنبياء (﵈): «إنّي مرسل عذابي على عصاة بني إسرائيل»، فشقّ ذلك عليهم، فأوحى الله تعالى إليهم أن اختاروا لأنفسكم، إن شئتم أنزلت بكم العذاب وأنجيت بني إسرائيل، وإن شئتم أنجيتكم وأنزلت ببني إسرائيل. فتشاوروا بينهم، فاجتمع رأيهم على أن ينزل بهم العذاب وينجي بني إسرائيل، فأنجى الله بني إسرائيل وأنزل بأولئك العذاب، وذلك إنّه سلّط عليهم ملوك الأرض، فمنهم من نشر بالمناشير، ومنهم من سلخ جلد رأسه ووجهه، ومنهم من رفع على الخشب، ومنهم من أحرق بالنّار، وقيل هم ستّة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وموسى.\nوهم المذكورون على النسق في سورة الأعراب «٢» والشعراء. وقيل أصحاب الشرائع، وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمّد ﷺ.\nوقال مقاتل: أُولُوا الْعَزْمِ ستّة: نوح صبر على أذى قومه فكانوا يضربونه حتّى يغشى عليه، وإبراهيم صبر على النّار، وإسحاق صبر على الذبح، ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف صبر في البئر وفي السجن، وأيّوب صبر على ضرّه.\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٩٠.\n(٢) كذا في المخطوط.","vol":"9","page":25},{"text":"وقال الحسن البصري: هم أربعة: إبراهيم، وموسى، وداود، وعيسى. فقال: إبراهيم فعزمه قيل له: أَسْلِمْ، قالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ. ثمّ ابتلي في ماله، وولده، ووطنه، ونفسه، فوجد صادقا وافيا في جميع ما أبتلي به، وأمّا موسى، فعزمه قوله حين قال له قومه: إِنَّا لَمُدْرَكُونَ «١» قال: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ «٢» .\nوأمّا داود، فعزمه أنّه أخطأ خطيئة، فنبّه عليها، فبلي أربعين سنة على خطيئته حتّى نبتت من دموعه شجرة، وقعد تحت ظلّها، وأمّا عيسى فعزمه أنّه لم يضع في الدّنيا لبنة على لبنة، وقال: إنّها معبر فاعبروها، ولا تعمروها. فكان الله تعالى يقول لرسوله ﷺ: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق إبراهيم، واثقا بنصرة مولاك مثل ثقة موسى، مهتمّا لما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود، زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى (﵇) .\nحدّثنا الإمام أبو منصور محمّد بن عبد الله الجمشاذي لفظا، أخبرنا أبو عمرو محمد بن محمّد بن أحمد القاضي، أخبرنا أبو عبد الرحمن، أخبرنا ابن أبي الربيع، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، قال: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى (﵈) .\nأخبرنا أبو منصور الجمشاذي، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن يوسف الدقّاق، أخبرنا الحسن ابن محمّد بن جابر، حدّثنا عبد الله بن هاشم، حدّثنا وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع ابن أنس، عن أبي العالية في قوله: فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، قال: كانوا ثلاثة: نوح، وإبراهيم، وهود، ومحمّد رابعهم، أمر أن يصبر كما صبروا.\nأخبرني أبو عبد الله بن منجويه، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن برزة، حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا داود بن المخبر، حدّثنا سليمان بن الحكم، عن الأحوص بن حكيم بن كعب الحبر، قال: في جنّة عدن مدينة من لؤلؤ بيضاء، تكلّ عنها الأبصار، لم يرها نبي مرسل ولا ملك مقرّب، أعدّها الله ﷾ لأولي العزم من الرّسل والشهداء والمجاهدين، لأنّهم فضّلوا الناس عقلا وحلما وإنابة ولبّا.\nوَلا تَسْتَعْجِلْ العذاب. لَهُمْ فإنّه نازل بهم لا محالة. كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ من العذاب في الآخرة لَمْ يَلْبَثُوا في الدّنيا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ يعني في جنب يوم القيامة، وقيل: لأنّه ينسيهم هول ما عاينوا قدر مكثهم في الدّنيا. ثمّ قال: بَلاغٌ أي هذا\n_________\n(١) سورة الشعراء: ٦١.\n(٢) سورة الشعراء: ٦٢.","vol":"9","page":26},{"text":"القرآن وما ذكر فيه من البيان بلاغ بلغكم محمّد ﷺ عن الله تعالى، دليله ونظيره في سورة إبراهيم.\n(﵇) فَهَلْ يُهْلَكُ بالعذاب إذا نزل إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ الخارجون عن أمر الله تعالى.\nأخبرنا الحسين بن محمّد الحديثي، حدّثنا سعد بن محمّد بن إسحاق الصيرفي، حدّثنا محمّد بن عثمان بن أبي شنبه، حدّثنا منجاب بن الحارث، حدّثنا علي بن مهير، حدّثنا ابن أبي ليلى، عن الحكيم عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، قال: إذا عسر على المرأة ولدها، فلتكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة، ثمّ تغسّل، ثمّ تسقى منها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا إله إلّا الله الحليم الكريم سبحان الله رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ، وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ «١» .\nكَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ.\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ٨٦.","vol":"9","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>سورة محمّد</span>\nمدنية، وهي ثمان وثلاثون آية وتسع وثلاثون كلمة، وألفان وثلاثمائة وتسعة وأربعون حرفا\nأخبرنا أبو الحسن محمّد بن القاسم بن أحمد الفارسي بقراءتي عليه، أخبرنا أبو عمر، وإسماعيل بن مجيد بن أحمد بن يوسف السلمي، أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم بن سعيد البوشيخي، حدّثنا سعيد بن حفص، قال: قرأت على معقل بن عبد الله، عن عكرمة بن خالد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة محمّد كان حقّا على الله تعالى أن يسقيه من أنهار الجنّة» [١٦] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١ الى ١٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ (٢) ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ (٣) فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ (٤)\nسَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ (٨) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)\nأَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها (١٠) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ (١١) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ (١٢)\nالَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أبطلها فلم يقبلها، وقال الضحّاك: أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي ﷺ وجعل الديرة عليهم.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ١٥٩.","vol":"9","page":28},{"text":"وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ حالهم، وجمعه بالات. قال سفيان الثوري: وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ لم يخالفوه في شيء. قال ابن عبّاس: الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا أهل مكّة. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ الأنصار.\nذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ يعني الشياطين. وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ يعني القرآن. كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ يبيّن الله للنّاس. أَمْثالَهُمْ أشكالهم.\nفَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل الحرب. فَضَرْبَ نصب على الإغراء الرِّقابِ الأعناق، واحدتها رقبة. حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ أي غلبتموهم، وقهرتموهم، وصاروا أسرى في أيديكم. فَشُدُّوا الْوَثاقَ كي لا يفلتوا منكم، فيهربوا. فَإِمَّا مَنًّا عليهم بَعْدُ الأسر، بإطلاقكم إيّاهم من غير عوض، ولا فدية.\nوَإِمَّا فِداءً (و) نصبا بإضمار الفعل، مجازه: فإمّا أن تمنّوا عليهم منّا، وإمّا أن تفادوهم، واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ «١» ... الآية. وقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ «٢»، وإلى هذا القول ذهب قتادة، والضحاك، والسدي، وابن جريج، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس.\nأخبرنا عقيل بن محمّد أنّ أبا الفرج البغدادي أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، قال: كتب إلى أبي بكر ﵁ في أسير أسر، فذكر أنّهم التمسوه بفداء كذا، وكذا، فقال أبو بكر: اقتلوه، لقتل رجل من المشركين أحبّ إليّ من كذا، وكذا.\nوقال آخرون: هي محكمة والإمام مخيّر بين القتل، والمنّ، والفداء. وإليه ذهب ابن عمر، والحسن، وعطاء، وهو الاختيار لأنّ النبي ﷺ والخلفاء الراشدين كلّ ذلك فعلوا،\nفقتل رسول الله عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، يوم بدر صبرا فادى سائر أسارى بدر.\nوقيل: بني قريظة، وقد نزلوا على حكم سعد، وصاروا في يده سلما ومنّ على أمامة بن أثال الحنفي وهو أسير في يده.\nأخبرنا عقيل أنّ أبا الفرج القاضي البغدادي أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن رجل من أهل الشام ممّن كان يحرس عمر بن عبد العزيز، قال: ما رأيت عمر قتل أسيرا إلّا واحدا من الترك، كان جيء بأسارى من الترك، فأمر\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٥٧.\n(٢) سورة التوبة: ٥.","vol":"9","page":29},{"text":"بهم أن يسترقوا، فقال رجل ممّن جاء بهم: يا أمير المؤمنين لو كنت رأيت هذا- لأحدهم- وهو يقتل المسلمين، لكثر بكاؤك عليهم فقال عمر: قد فدك، فاقتله، فقام إليه فقتله.\nحَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها «١» أثقالها وأحمالها فلا تكون حرب، وقيل: حتّى تضع الحرب آثامها، وأجرامها، فيرتفع، وينقطع، لأنّ الحرب لا تخلو من الإثم في أحد الجانبين والفريقين. وقيل: معناه حتّى يضع أهل الحرب آلتها وعدّتها أو آلتهم وأسلحتهم فيمسكوا عن الحرب.\nوالحرب القوم المحاربون كالشرب والركب، وقيل حتّى يضع الأعداء المتحاربون أوزارها وآثامها بأن يتوبوا من كفرهم ويؤمنوا بالله ورسوله. ويقال للكراع: أوزار، قال الأعشى:\nوأعددت للحرب أوزارها ... رماحا طوالا وخيلا ذكورا «٢»\nومعنى الآية أثخنوا المشركين بالقتل، والأسر حتّى يظهر الإسلام على الأديان كلّها، ويدخل فيه أهل كلّ ملّة طوعا أو كرها وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ «٣» فلا نحتاج إلى قتال وجهاد، وذلك عند نزول عيسى (﵇) .\nوقال الحسن: معناه حتّى لا يعبد إلّا الله. الكلبي: حتّى يسلموا أو يسالموا. ذلِكَ الذي ذكرت وبيّنت من حكم الكفّار وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال.\nوَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ من حكم الكفّار ونَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ...\nوَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ قرأ الحسن بضم (القاف) وكسر (التاء) مشدّدا من غير (ألف)، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وحفص بضمّ (القاف) وكسر (التاء) مخفّفا من غير (ألف)، واختاره أبو حاتم يعني الشهداء، وقرأ عاصم الجحدري قَتَلُوا بفتح (القاف) و(التاء) من غير (ألف)، يعني والذين قتلوا المشركين.\nوقرأ الباقون قاتلوا (بالألف) من المقاتلة، وهم المجاهدون، واختاره أبو عبيد. فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ\nقال قتادة: ذكر لنا إنّ هذه الآية أنزلت يوم أحد ورسول الله ﷺ في الشعب وقد فشت فيهم الجراحات والقتل، وقد نادى المشركون: أعل هبل، فنادى المسلمون: الله أعلى وأجلّ. فنادى المشركون: يوم بيوم والحرب سجال، لنا عزّى ولا عزّى لكم.\nفقال رسول الله ﷺ: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، إنّ القتال مختلفة، إما قتلانا ف أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وإمّا قتلاكم ففي النّار يعذّبون» [١٧] «٤» .\n_________\n(١) سورة محمد: ٤.\n(٢) كتاب العين: ٧/ ٣٨١.\n(٣) سورة الأنفال: ٣٩.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢٦/ ٥٨. [.....]","vol":"9","page":30},{"text":"سَيَهْدِيهِمْ في الدّنيا إلى الطاعة وفي العقبى إلى الدرجات.\nوَيُصْلِحُ بالَهُمْ يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ أي بيّن لهم منازلهم فيها حتّى يهتدوا إلى مساكنهم، ودرجاتهم التي قسم الله لهم، لا يخطئون، ولا يستدلّون عليها أحد، كأنّهم سكّانها منذ خلقوا، وإنّ الرجل ليأتي منزله منها إذا دخلها كما كان يأتي منزله في الدّنيا، لا يشكل ذلك عليه. وإنّه أهدى إلى درجته وزوجته وخدمه ونعمه منه إلى أهله ومنزله في الدّنيا. هذا قول أكثر المفسّرين، وقال المؤرّخ: يعني طيبها، والعرف: الريح الطيّبة، تقول العرب: عرّفت المرقة إذا طيّبتها بالملح والأبازير، قال الشاعر:\nوتدخل أيد في حناجر أقنعت ... لعادتها من الحزير المعرّف «١»\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ أي رسوله ودينه.\nيَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ على الإسلام، وفي القتال وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ قال ابن عبّاس: بعدا لهم، وقال أبو العالية: سقوطا، وقال الضحّاك: خيبة، وقال ابن زيد: شقا، وقال ابن جرير: حزنا، وقال الفراء: هو نصب على المصدر على سبيل الدعاء، وأصل التعس في النّاس والدواب، وهو أن يقال للعاثر: تعسا، إذا لم يريدوا قيامه، ويقال: أتعسه الله، فتعس وهو متعس، وضدّه لعاء إذا أرادوا قيامه، وقد جمعها الأعمش في بيت واحد يصف ناقته:\nبذات لوث غفرناه إذا عثرت ... فالتعس أدنى لها من أن أقول لعا «٢»\nوَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ لأنّها كانت في طاعة الشيطان خالية عن الإيمان. ذلِكَ الإضلال، والإبعاد. بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي أهلكهم ودمّر عليهم منازلهم، ثمّ توعّد مشركي قريش. وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها إن لم يؤمنوا ذلِكَ الذي ذكرت، وفعلت بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وليّهم، وناصرهم، وحافظهم، وفي حرف ابن مسعود ذلك بأنّ الله ولي الّذين آمنوا.\nوَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا محلّه رفع على الابتداء يَتَمَتَّعُونَ في الدّنيا وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ ليس لهم همّة إلّا بطونهم، وفروجهم، وهم لاهون ساهون عمّا في غدهم، وقيل: المؤمن في الدّنيا يتزوّد، والمنافق يتزيّن، والكافر يتمتّع.\nوَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ.\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ٢٩٩.\n(٢) كتاب العين: ٨/ ٢٣٩.","vol":"9","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-708>[سورة محمد (٤٧): الآيات ١٣ الى ٢٣]</span>\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ (١٣) أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧)\nفَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ (١٨) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ (١٩) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ (٢٠) طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ (٢٢)\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ (٢٣)\nوَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أي أخرجك أهلها يدلّ عليه أَهْلَكْناهُمْ ولم يقل: أهلكناها فَلا ناصِرَ لَهُمْ\nعن ابن عبّاس: لما خرج رسول الله ﵇ من مكّة إلى الغار، التفت إلى مكّة، وقال: «أنت أحبّ بلاد الله إلى الله، وأحبّ بلاد الله إليّ، ولو أنّ المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك» [١٨] . فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nأَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وهو محمّد ﷺ والمؤمنون كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وهم أبو جهل والمشركون.\nمَثَلُ شبه وصفة الْجَنَّةِ الَّتِي\nوقرأ علي بن أبي طالب أمثال الجنّة التي\nوُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ آجن متغيّر منتن، يقال: آسن الماء يأسن، وآجن يأجن، وأسن يأسن ويأسن، وأجن يأجن، ويأجن، أسونا، وأجونا، إذا تغيّر، ويقال: أسن الرجل: بكسر السين لا غير، إذا أصابته ريح منتنة، فغشى عليه قال زهير:\nيغادر القرن مصفرا أنا مله «١» ... يميد في الرمح ميل المائح الأسن\nوقرأ العامّة آسِنٍ بالمد، وقرأ ابن كثير بالقصر وهما لغتان.\nوَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لم تدنسها الأيدي، ولم تدنسها الأرجل، ونظير لذّ ولذيذ، طب وطبيب. وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى قال كعب الأحبار:\n_________\n(١) تاج العروس: ٩/ ١٢٢ وفي تفسير القرطبي ١٦/ ٢٣٦: قد أترك القرن، والبيت لزهير.","vol":"9","page":32},{"text":"نهر دجلة نهر ماء الجنّة، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار الأربعة تخرج من نهر الكوثر.\nوَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ يعني المتّقين الّذين هم أهل الجنّة، كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ، فاستغنى بدلالة للكلام عليه، وقال ابن كيسان: مثل الجنّة التي فيها هذه الأنهار، والثمار، كمثل النّار التي فيها الحميم، ومثل أهل الجنّة في النعيم المقيم، كمثل أهل النّار في العذاب الأليم.\nوَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ إذا أدني منهم شوى وجوههم، ووقعت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطّع أَمْعاءَهُمْ وَمِنْهُمْ يعني ومن هؤلاء الكفّار مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وهم المنافقون يستمعون قولك، فلا يعونه، ولا يفهمونه تهاونا منهم بذلك، وتغافلا حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ من الصحابة ماذا قالَ آنِفًا (الآن) وأصله الابتداء.\nقال مقاتل: وذلك أنّ النبيّ ﷺ كان ﷺ يخطب ويحث المنافقين، فسمع المنافقون قوله، فلمّا خرجوا من المسجد سألوا عبد الله بن مسعود عمّا قال رسول الله ﷺ استهزاء وتهاونا منهم بقوله.\nقال ابن عبّاس في قوله: قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: أنا منهم وقد سئلت فيمن سئل. قال قتادة: هؤلاء المنافقون، دخل رجلان: رجل عقل عن الله تعالى وانتفع بما سمع، ورجل لم يعقل عن الله، فلم ينتفع بما سمع، وكان يقال: النّاس ثلاثة: سامع عاقل، وسامع عامل، وسامع غافل تارك.\nأُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فلم يؤمنوا. وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا يعني المؤمنين. زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ وقرأ ابن مسعود والأعمش وأنطاهم! وأعطاهم تَقْواهُمْ ألهمهم ذلك، ووفّقهم، وقال سعيد بن جبير: وَآتاهُمْ ثواب تَقْواهُمْ.\nفَهَلْ يَنْظُرُونَ ينتظرون. إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها أماراتها وعلاماتها، وبعث [النبي] ﷺ منها وقيل: أدلّتها وحجج كونها، واحدها شرط، وأصل الأشراط الإعلام، ومنه الشرط، لأنّهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، ومنه الشرط في البيع وغيره.\nويقال: أشرط نفسه في عمل كذا، وأعلمها وجعلا له. قال أوس بن حجر يصف رجلا وقد تدلّى بحبل من رأس جبل إلى نبعة ليقطعها ويتخذ منها قوسا:\nفأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا «١»\n_________\n(١) غريب الحديث: ١/ ٤١.","vol":"9","page":33},{"text":"فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ يعني فمن أين لهم التذكّر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم السّاعة، نظيره قوله تعالى: وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ «١» .\nفَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ قال بعضهم: الخطاب للنبيّ ﷺ والمراد به غيره وأخواتها كثيرة، وقيل: فاثبت عليه، وقال الحسين بن الفضل: فازدد علما على علمك،\nوقال عبد العزيز ابن يحيى الكناني: هو أنّ النبي ﷺ كان يضجر، ويضيق صدره من طعن الكافرين، والمنافقين فيه، فأنزل الله هذه الآية، يعني فاعلم إنّه لا كاشف يكشف ما بك إلّا الله، فلا تعلق قلبك على أحد سواه.\nوقال أبو العالية وابن عيينة: هذا متصل بما قبله، معناه فاعلم إنّه لا ملجأ، ولا مفزع عند قيام السّاعة، إلّا الله. سمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا بكر بن عدش يقول: معناه فاعلم إنّه لا قاضي في ذلك اليوم إلّا الله، نظيره مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ «٢» .\nوَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ليتسنّ أمّتك بسنّتك، وقيل: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ من التقصير الواقع لك في معرفة الله.\nوَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ\nأخبرني عقيل بن محمّد أنّ أبا الفرج القاضي أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا عثمان بن سعيد، حدّثنا إبراهيم بن سليمان، عن عاصم الأحول، عن عبد الله بن سرخس، قال: دخلت على رسول الله ﷺ، فقلت: غفر الله لك يا رسول الله، فقال رجل من القوم: استغفر لك يا رسول الله؟! قال: «نعم ولك» [١٩] .\nثمّ قرأ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ.\nأخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا أحمد بن علي بن عمر بن حبش الرازي، حدّثنا أبو بكر محمّد بن عيّاش العتبي، حدّثنا أبو عثمان سعيد بن عنبسة الحراز، حدّثنا عبد الرّحمن بن محمّد، عن بكر بن حنيس، عن محمّد بن يحيى، عن يحيى بن وردان، عن أبي هريرة، قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من لم يكن عنده مال يتصدّق به، فليستغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنّها صدقة» [٢٠] «٣» .\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ قال عكرمة: يعني منقلبكم من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمّهات، وَمَثْواكُمْ: مقامكم في الأرض. ابن كيسان: مُتَقَلَّبَكُمْ من ظهر إلى بطن، وَمَثْواكُمْ:\nمقامكم في القبور. ابن عبّاس والضحّاك: منصرفكم ومنتشركم في أعمالكم في الدّنيا،\n_________\n(١) سورة سبأ: ٥٢.\n(٢) سورة الحمد: ٤.\n(٣) مجمع الزوائد: ١٠/ ٢١.","vol":"9","page":34},{"text":"وَمَثْواكُمْ: مصيركم إلى الجنّة وإلى النّار. ابن جرير: مُتَقَلَّبَكُمْ: منصرفكم لأشغالكم بالنهار، وَمَثْواكُمْ: مضجعكم للنوم بالليل، لا يخفى عليه شيء من ذلك.\nوَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا اشتياقا منهم إلى الوحي وحرصا على الجهاد. لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ تأمرنا بالجهاد. فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ بالأمر والنهي، قال قتادة: كلّ سورة ذكر فيها الجهاد، فهي محكمة، وهي أشدّ للقرآن على المنافقين. وفي حرف عبد الله (سورة محدثة) وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعني المنافقين يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ شزرا، بتحديق شديد كراهة منهم للجهاد، وجبنا منهم على لقاء العدوّ نَظَرَ كنظر الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ وعيد وتهديد، قال: طاعَةٌ مجازه، ويقول هؤلاء المنافقون قبل نزول الآية المحكمة (طاعَةٌ) رفع على الحكاية أي أمرنا طاعة أو منّا طاعة.\nوَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ حسن وقيل: هو متصل بالكلام الأوّل، (واللام) في قوله (لَهُمْ) بمعنى (الباء) مجازه فأولى بهم طاعة لله ورسوله وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ بالإجابة والطاعة.\nفَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ أي جدّ الأمر وعزم عليه وأمروا بالقتال. فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ في إظهار الإيمان والطاعة لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ فَهَلْ عَسَيْتُمْ فلعلّكم إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم عن الإيمان، وعن القرآن، وفارقتم أحكامه.\nأَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالمعصية، والبغي، وسفك الدماء، وتعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الفرقة، بعد ما جمعكم الله تعالى بالإسلام، وأكرمكم بالألفة.\nقال قتادة: كيف رأيتم القوم حين تولّوا عن كتاب الله؟ ألم يسفكوا الدم الحرام، وقطعوا الأرحام، وعصوا الرّحمن؟، وقال بعضهم: هو من الآية. قال المسيب بن شريك والفراء:\nيقول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ إن ولّيتم أمر الناس أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالظلم، نزلت في بني أمية، ودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن الحسين، حدّثنا هارون بن محمّد بن هارون، حدّثنا محمّد بن عبد العزيز، حدّثنا القاسم بن يونس الهلالي، عن سعيد بن الحكم الورّاق، عن ابن داود، عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت النبيّ ﷺ يقرأ فهل عسيتم إن وليتم أن تفسدوا في الأرض ثم قال: «هم هذا الحي من قريش أخذ الله عليهم إن ولوا الناس ألّا يفسدوا في الأرض ولا يقطّعوا أرحامهم» «١» .\nوقرأ علي بن أبي طالب إِنْ تُوُلِّيتُمْ بضمّ (التاء) و(الواو) وكسر (اللام)، يقول «٢»: إن وليتكم ولاة جائرة خرجتم معهم في الفتنة، وعاونتموهم «٣» .\nومثله روى رويس عن يعقوب.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٤٦.\n(٢) في تفسير الطبري (٦/ ٤٨٣): أي ولي عليكم.\n(٣) في تفسير القرطبي: حاربتموهم.","vol":"9","page":35},{"text":"وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ قرأ يعقوب، وأبو حاتم، وسلام (وَتَقْطَعُوا) خفيفة من القطع اعتبارا بقوله: وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ «١» وقرأ الحسن يقطّعوا مفتوحة الحروف، اعتبارا بقوله: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ «٢» . وقرأ غيرهم وَتُقَطِّعُوا بضم (التاء) مشدّدا من التقطيع على التكثير لأجل الأرحام.\nأُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ عن الحقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>[سورة محمد (٤٧): الآيات ٢٤ الى ٣٨]</span>\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (٢٥) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ (٢٦) فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ (٢٧) ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)\nأَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)\nأَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها تفهم مواعظ القرآن، وأحكامه، أخبرنا عقيل ابن محمّد، أخبرنا المعافى بن زكريا، أخبرنا محمّد بن جرير، حدّثنا ابن حميد، حدّثنا يحيى بن واضح، حدّثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال: ما من النّاس أحد إلّا وله أربع أعين:\nعينان في وجهه لدنياه، ومعيشته، وعينان في قلبه لدينه، وما وعد الله من الغيب. وما من أحد إلّا وله شيطان متبطّن فقار ظهره، عاطف عنقه على عاتقه، فاغر فاه إلى ثمرة قلبه، فإذا أراد الله بعبد خيرا أبصرت عيناه اللّتان في قلبه ما وعد الله تعالى من الغيب، فيعمل به، وإذا أراد الله بعبد شرّا طمس عليهما، فذلك قوله: أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٧.\n(٢) سورة المؤمنون: ٥٣.","vol":"9","page":36},{"text":"وبه عن ابن جرير، حدّثنا بشير، حدّثنا حمّاد بن زيد، حدّثنا هشام بن عبده عن أبيه، قال:\nتلا رسول الله ﷺ يوما: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتّى يكون الله يفتحها أو يفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتّى ولي فاستعان به.\nإِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى قال قتادة: هم كفّار أهل الكتاب كفروا بمحمّد وهم يعرفونه ويجدون نعته مكتوبا عندهم، وقال ابن عبّاس والضحّاك والسدي: هم المنافقون.\nالشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ زيّن لهم وَأَمْلى لَهُمْ قرأ أبو عمرو بضم (الألف) وفتح (الياء) على وجه ما لم يسمّ فاعله. وقرأ مجاهد، ويعقوب بضمّ (الألف) وإرسال (الياء) على وجه الخبر من الله تعالى عن نفسه أنّه يفعل ذلك بهم وهو اختيار أبي حاتم. وقرأ الآخرون وَأَمْلى بفتح (الألف) بمعنى وأملى الله لهم وهو اختيار أبي عبيدة.\nذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني هؤلاء المنافقين أو اليهود قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ وهم المشركون. سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ في مخالفة محمّد ﷺ، والقعود عن الجهاد.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ قرأ أهل الكوفة إلّا أبو بكر بكسر (الألف) على الفعل، غيرهم بفتحها على جمع السر.\nفَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ (بالتاء) قراءة العامّة، وقرأ عيسى بن عمر (توفّيهم) (بالياء) . الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ عند الموت، نظيرها في الأنفال والنحل. ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك، يعني المنافقين أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ أحقادهم على المؤمنين، واحدها ضغن، فيبديها لهم حتّى يعرفوا نفاقهم. وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ أي لأعلمناكهم، وعرفناكهم، ودللناك عليهم، تقول العرب: سأريك ما أصنع بمعنى سأعلمك، ومنه قوله تعالى: بِما أَراكَ اللَّهُ «١» .\nفَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ بعلامتهم،\nقال أنس بن مالك: ما أخفي على رسول الله ﷺ بعد نزول هذه الآية شيء من المنافقين، كان يعرفهم بسيماهم، ولقد كنّا معه في غزاة وفيها سبعة من المنافقين يشكوهم النّاس، فناموا ذات ليلة وأصبحوا وعلى كلّ واحد منهم مكتوب هذا منافق.\nفذلك قوله: بِسِيماهُمْ.\nوقال ابن زيد: قد أراد الله إظهار نفاقهم، وأمر بهم أن يخرجوا من المسجد، فأبوا إلّا أن\n_________\n(١) سورة النساء: ١٠٥.","vol":"9","page":37},{"text":"يمسكوا بلا إله إلّا الله، فلمّا أبوا أن يمسكوا إلّا بلا إله إلّا الله، حقنت دماؤهم، ونكحوا، ونكحوا بها.\nوَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ قال ابن عبّاس: في معنى القول: الحسن في فحواه.\nالقرظي: في مقصده ومغزاه. واللحن وجهان: صواب، وخطأ، فأمّا الصواب فالفعل منه لحن يلحن لحنا، فهو لحن إذا فطن للشيء، ومنه\nقول النبي ﷺ: «ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض»\n[٢١] «١»، والفعل من الخطأ لحن يلحن لحنا، فهو لاحن، والأصل فيه إزالة الكلام عن جهته، وفي الخبر أنّه قيل لمعاوية: إنّ عبيد الله بن زياد يتكلّم بالفارسية، فقال: أليس طريفا من ابن أخي أن يلحن في كلامه أي يعدل به من لغة إلى لغة، قال الشاعر:\nوحديث الذه هو ممّا ... ينعت الناعتون يوزن وزنا «٢»\nمنطق صائب وتلحن أحيانا ... وخير الحديث ما كان لحنا\nيعني ترتل حديثها.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بالجهاد حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ قرأ العامّة كلّها بالنون لقوله: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ «٣» . وروى أبو بكر والمفضل، عن عاصم كلّها (بالياء) . وقرأ يعقوب، (وَنَبْلُوا) ساكنة (الواو) ردّا على قوله: (نَعْلَمَ) .\nقال إبراهيم بن الأشعث: كان الفضل إذا قرأ هذه الآية بكى، وقال: اللهم لا تبلنا، فإنّك إن بلوتنا هتكت أستارنا، وفضحتنا.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ قال ابن عبّاس: هم المطعمون يوم بدر، نظيره قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ «٤» ... الآية.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ بمعصيتها، قال مقاتل والثمالي: لا تمنوا على رسول الله فتبطلوا أعمالكم، نزلت في بني أسد. وسنذكر القصة في سورة الحجرات إن شاء الله. وقيل: بالعجب والرياء.\nإِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ قيل: هم أصحاب القليب، وحكمها عام فَلا تَهِنُوا تضعفوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ إلى الصلح وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٣٢ صحيح البخاري: ٨/ ٦٢. [.....]\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢١٩٤.\n(٣) سورة محمد: ٣٠.\n(٤) سورة الأنفال: ٣٦.","vol":"9","page":38},{"text":"لأنّكم مؤمنون محقّون.\nوَاللَّهُ مَعَكُمْ قال قتادة: لا تكونوا أوّل الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ قال ابن عبّاس وقتادة والضحّاك وابن زيد: لن يظلمكم. مجاهد: لن ينقصكم أعمالكم بل يثيبكم عليها، ويزيدكم من فضله، ومنه\nقول النبيّ ﷺ: «من فاته صلاة العصر فكأنّما وتر أهله وماله»\n[٢٢] «١» أي ذهب بهما.\nإِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ ربّكم.\nأَمْوالَكُمْ لا يسألكم الأجر، بل يأمركم بالإيمان، والطاعة ليثيبكم عليها الجنّة، نظيره قوله:\nما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ «٢» .. الآية، وقيل: (وَلا يَسْئَلْكُمْ) محمّد صدقة أموالكم، نظيره قوله:\nقُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ... «٣» وقيل: معنى الآية وَلا يَسْئَلْكُمْ الله ورسوله أَمْوالَكُمْ كلّها إنّما يسألانكم غيضا من فيض، ربع العشر فطيبوا بها نفسا، وإلى هذا القول ذهب ابن عيينة وهو اختيار أبي بكر بن عبدش، قال: حكى لنا ابن حبيب عنه، يدلّ عليه سياق الآية.\nإِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ فيجهدكم ويلحّ ويلحفكم عليها، وقال ابن زيد: الإحفاء أن تأخذ كلّ شيء بيدك.\nتَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ قال قتادة: قد علم الله تعالى أنّ في مسألة المال خروج الأضغان ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ عن صدقاتكم وطاعتكم وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ إليها وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ في الطواعية، بل يكونوا أطوع لله تعالى وأمثل منكم، قال الكلبي: هم كندة والنخع. الحسن: هم العجم. عكرمة: فارس والروم.\nأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد ابن الحسين بن عبد الله بن منجويه الدينوري، حدّثنا عمر بن الخطّاب، حدّثنا عبد الله بن الفضل، حدّثنا يحيى بن أيّوب، حدّثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني عبد الله بن نجيح، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال أناس من أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن إن تولّينا استبدلوا، ثمّ لا يكونوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان إلى جانب رسول الله ﷺ، فضرب رسول الله ﷺ فخذ سلمان وقال: «هذا وقومه «٤»، والّذي نفسي بيده لو كان الإيمان معلّقا «٥» بالثريا لناله لتناوله رجال من فارس» [٢٣] «٦» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ١٠٢.\n(٢) سورة الذاريات: ٥٧.\n(٣) سورة ص: ٨٦.\n(٤) في المصدر: أصحابه بدلا من «وقومه» .\n(٥) في المصدر: منوطا بدلا من «معلقا» .\n(٦) سنن الترمذي: ٥/ ٦٠.","vol":"9","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-710>سورة الفتح</span>\nمدنية، وهي تسع وعشرون آية، وخمسمائة وستّون كلمة، وألفان وأربعمائة وثمانية وثلاثون حرفا\nأخبرنا عبيد الله بن محمّد الزاهد بقراءتي عليه، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا أبو الأشعث، حدّثنا أبو المعتمر، قال: سمعت أبي يحدث عن قتادة، عن أنس، قال: لمّا رجعنا من غزوة الحديبية، قد حيل بيننا وبين نسكنا، فنحن بين الحزن والكآبة، فأنزل الله تعالى عليه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا الآية كلّها.\nفقال رسول الله: «لقد نزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا» [٢٤] «١» .\nأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل القهندري بقراءتي عليه، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا محمّد بن يحيى، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع وحدّثني مطرف، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه أنّ رسول الله ﷺ كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطّاب ﵁ يسير معه ليلا، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثمّ سأله فلم يجبه، قال عمر: فحرّكت بعيري حتّى تقدّمت أمام الناس، وخشيت أن يكون نزل فيّ قرآن، فجئت رسول الله ﷺ، فقال: «لقد أنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس» [٢٥] «٢»، ثمّ قرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه الثقفي، حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدّثنا حمزة بن الحسين بن عمر البغدادي، حدّثنا محمّد بن عبد الملك، قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: سمعت المسعودي يذكر، قال: بلغني أنّ من قرأ في أوّل ليلة من رمضان إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا في التطوّع حفظ ذلك العام.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)\nلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧) إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٥/ ١٧٦ السنن الكبرى: ٥/ ٢١٧.\n(٢) صحيح البخاري: ٦/ ٤٤ كنز العمال: ١/ ٥٨١.","vol":"9","page":40},{"text":"إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أخبرنا عبيد الله بن محمّد الزاهد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا هنّاد بن السري، حدّثنا يونس بن بكير، حدّثنا علي بن عبد الله التيمي يعني أبا جعفر الرازي، عن قتادة، عن أنس إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قال: فتح مكّة، وقال مجاهد والعوفي:\nفتح خيبر، وقال الآخرون: فتح الحديبية.\nروى الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: ما كنّا نعدّ فتح مكّة إلّا يوم الحديبية.\nوروى إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكّة، وقد كان فتح مكّة فتحا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنّا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مائة. والحديبية بئر.\nأخبرنا عقيل بن محمّد الفقيه أنّ أبا الفرج القاضي البغدادي، أخبرهم، عن محمّد بن جرير، حدّثنا موسى بن سهل الرملي، حدّثنا محمّد بن عيسى، حدّثنا مجمع بن يعقوب الأنصاري، قال: سمعت أبي يحدّث، عن عمّه عبد الرّحمن بن يزيد، عن عمّه، مجمع بن حارثة الأنصاري- وكان أحد القرّاء الذين قرءوا القرآن- قال: شهدنا الحديبية مع رسول الله ﷺ، فلمّا انصرفنا عنها، إذا الناس يهزون الأباعر، فقال بعض النّاس لبعض: ما بال النّاس؟ قالوا:\nأوحي إلى رسول الله ﷺ. قال: فخرجنا نوجف، فوجدنا النبي (﵇) واقفا على راحلته عند كراع العميم، فلمّا اجتمع إليه الناس، قرأ إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. فقال عمر: أوفتح هو يا رسول الله؟ قال: «نعم والّذي نفسي «١» بيده إنّه لفتح» [٢٦] «٢» . فقسم ﷺ الخمس بخيبر على أهل الحديبية، لم يدخل فيها أحد إلّا من شهد الحديبية.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه العدل، حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا عبيد الله بن أحمد الكسائي، حدّثنا الحارث بن عبد الله، أخبرنا هشيم، عن مغيرة، عن\n_________\n(١) في المصدر: «نفس محمد» بدلا من «نفسي» .\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٤٢٠ سنن أبي داود: ١/ ٦٢٢.","vol":"9","page":41},{"text":"الشعبي في قوله: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا قال: فتح الحديبية، غفر له ما تقدّم من ذنبه، وما تأخّر، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، وظهرت الروم على فارس، وفرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس.\nوقال مقاتل بن حيان: يسّرنا لك يسرا بيّنا،\nوقال مقاتل بن سليمان: لمّا نزل قوله: ما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ «١» فرح بذلك المشركون، والمنافقون، وقالوا: كيف نتّبع رجلا لا يدري ما يفعل به وبأصحابه، ما أمرنا وأمره إلّا واحد، فأنزل الله تعالى بعد ما رجع من الحديبية إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا أي قضينا لك قضاء بيّنا.\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ فنسخت هذه الآية تلك الآية، وقال ﷺ:\n«لقد نزلت عليّ آية ما يسرّني بها حمر النعم» [٢٧] «٢» .\nوقال الضحاك: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا بغير قتال، وكان الصلح من الفتح، وقال الحسن: فتح الله عليه بالإسلام.\nلِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ قال أبو حاتم: هذه (لام) القسم، لما حذفت (النون) من فعله كسرت اللام ونصب فعلها بسببها بلام كي، وقال الحسين بن الفضيل: هو مردود إلى قوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ ولِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي وقال محمّد بن جرير: هو راجع إلى قوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ «٣» لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قبل الرسالة وَما تَأَخَّرَ إلى وقت نزول هذه السورة.\nأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمّد بن عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو عمرو عثمان بن عمر ابن حقيف الدرّاج، حدّثنا حامد بن شعيب، حدّثنا شريح بن يونس، حدّثنا محمّد بن حميد، عن سفيان الثوري ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ما عملت في الجاهلية وَما تَأَخَّرَ كلّ شيء لم تعمله.\nوقال عطاء بن أبي مسلم الخرساني: ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ يعني ذنب أبويك آدم وحوّاء ببركتك وَما تَأَخَّرَ ديوان أمّتك بدعوتك. سمعت الطرازي يقول: سمعت أبا القاسم النصرآبادي يقول: سمعت أبا علي الرودباري بمصر يقول: في قول الله تعالى: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ، قال: لو كان لك ذنب قديم أو حديث لغفرناه.\nوَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا أي ويثبتك عليه، وقيل: يهدي بك.\n_________\n(١) سورة الأحقاف: ٩. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٦٠ وفيه: عليّ سورة.\n(٣) سورة النصر: ٣٠١.","vol":"9","page":42},{"text":"وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا غالبا. وقيل: معزّا. هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ الرحمة، والطمأنينة فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قال ابن عبّاس: كلّ سكينة في القرآن فهي الطمأنينة إلّا التي في البقرة.\nلِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ قال ابن عبّاس: بعث الله نبيّه ﷺ بشهادة أن لا إله إلّا الله، فلمّا صدّقوا فيها زادهم الصلاة، فلمّا صدّقوا زادهم الصيام، فلمّا صدّقوا زادهم الزّكاة، فلمّا صدّقوا زادهم الحجّ، ثمّ زادهم الجهاد، ثمّ أكمل لهم دينهم بذلك، وقوله تعالى: لِيَزْدادُوا إِيمانًا مَعَ إِيمانِهِمْ أي تصديقا بشرائع الإيمان مع تصديقهم بالإيمان.\nوقال الضحاك: يقينا مع يقينهم، وقال الكلبي: هذا في أمر الحديبية حين صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ ...\nوَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا أخبرنا عبيد الله بن محمّد الزاهد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن المبارك، حدّثنا يونس بن محمّد، حدّثنا شيبان، عن قتادة في قوله سبحانه: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ\nقال أنس بن مالك: إنّها نزلت على النبيّ ﷺ بعد مرجعه من الحديبية، وأصحابه مخالطو الحزن والكآبة، قد حيل بينهم وبين مناسكهم ونحروا بالحديبية، فقال النبي ﷺ: «لقد أنزلت عليّ آية هي أحبّ إليّ من الدّنيا جميعا» [٢٨] «١» فقرأها على أصحابه، فقالوا: هنيئا مريئا يا رسول الله، قد بيّن الله تعالى ما يفعل بك، فماذا يفعل بنا؟ فأنزل الله تعالى: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ\nقال أهل المعاني: وإنّما كرّر (اللام) في قوله: لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بتأويل تكرير الكلام مجازه إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ إنّا فتحنا لك لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ أي لن ينصر الله محمّدا ﷺ والمؤمنين.\nعَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ بالذلّ والعذاب وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيرًا وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ قرأ ابن كثير وأبو عمرو أربعتها (بالياء) واختاره أبو عبيد، قال: لذكر الله المؤمنين قبله، وبعده، فأمّا قبله فقوله تعالى: فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وبعده قوله:\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ وقرأها الآخرون (بالتاء) واختاره أبو حاتم.\nوَتُعَزِّرُوهُ وقرأ محمّد بن السميقع (بزاءين)، وغيره (بالراء) أي لتعينوه، وتنصروه. قال\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢١٥ صحيح مسلم: ٥/ ١٧٦.","vol":"9","page":43},{"text":"عكرمة: تقاتلون معه بالسيف،\nأخبرنا علي بن محمّد بن محمّد بن أحمد البغدادي، أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن محمّد الشيباني، أخبرنا عيسى بن عبد الله البصري بهراة، حدّثنا أحمد بن حرب الموصلي، حدّثنا القاسم بن يزيد الحرمي، حدّثنا سفيان بن سعيد الثوري، عن يحيى بن سعيد القطان، حدّثنا سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، قال: لمّا نزلت على النبيّ ﷺ وَتُعَزِّرُوهُ، قال لنا: ماذا كم؟ قلنا: الله ورسوله أعلم.\nقال: لتنصروه وتوقّروه وتعظّموه وتفخموه.\nوهاهنا وقف تام.\nوَتُسَبِّحُوهُ أي وتسبحوا الله بالتنزيه والصلاة. بُكْرَةً وَأَصِيلًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ١٠ الى ٢١]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)\nسَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلًا (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا (١٦) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا (١٧) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)\nوَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)\nإِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ يا محمّد بالحديبية على أن لا يفروا إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ.\nأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا ابن حبش المقري، حدّثنا محمّد بن عمران، حدّثنا أبو عبد الله المخزومي، حدّثنا سفيان بن عينية، عن عمرو بن دينار إنّه سمع جابرا يقول: كنّا يوم الحديبية ألف وأربعمائة، فقال لنا رسول الله ﷺ: «أنتم اليوم خير أهل الأرض» [٢٩] «١» . قال: وقال لنا\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٥/ ٦٣ صحيح مسلم: ٦/ ٢٦.","vol":"9","page":44},{"text":"جابر: لو كنت أبصر لأريتكم موضع الشجرة، وقال: بايعنا رسول الله تحت السّمرة على الموت على أن لا نفرّ، فما نكث أحد منّا البيعة، إلّا جد بن قيس وكان منافقا، اختبأ تحت أبط بعيره، ولم يسر مع القوم.\nيَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ قال ابن عبّاس: يَدُ اللَّهِ بالوفاء لما وعدهم من الخير فَوْقَ أَيْدِيهِمْ بالوفاء.\nوقال السدي: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ وذلك إنّهم كانوا يأخذون بيد رسول الله ﷺ ويبايعونه، ويَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ عند المبايعة.\nوقال الكلبي: معناه نعمة الله عليهم فوق ما صنعوا من البيعة، وقال ابن كيسان: قوّة الله ونصرته فوق قوّتهم ونصرتهم.\nفَمَنْ نَكَثَ يعني البيعة فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ عليه وباله وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ قرأ أهل العراق (بالياء)، وغيرهم (بالنون) .\nأَجْرًا عَظِيمًا وهو الجنّة سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ\nقال ابن عبّاس ومجاهد: يعني أعراب غفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وأسلم، والديك، وذلك أنّ النبيّ ﷺ حين أراد المسير إلى مكّة عام الحديبية معتمرا استنفر من حول المدينة من الأعراب، وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب ويصدّوه عن البيت، وأحرم هو ﷺ، وساق معه الهدي ليعلم النّاس أنّه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب، وقالوا: نذهب معه إلى قوم، قد جاءوه، فقتلوا أصحابه، فنقاتلهم، فتخلّفوا عنه. واعتلّوا بالشغل\n، فأنزل الله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ الّذين خلّفهم الله عن صحبتك، وخدمتك في حجّتك، وعمرتك إذا انصرفت إليهم، فعاتبتهم على التخلّف عنك.\nشَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا ثمّ كذّبهم في اعتذارهم واستغفارهم وأخبر عن إسرارهم وإضمارهم، فقال: يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا قرأ حمزة والكسائي وخلف بضمّ (الضادّ) والباقون بالفتح، واختاره أبو عبيد، وأبو حاتم، قالا: لأنّه قابله بالنفع ضدّ الضرّ.\nأَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وذلك بأنّهم قالوا: إنّ محمّدا وأصحابه أكلة رأس فلا يرجعون، فأين تذهبون؟ انتظروا ما يكون من أمرهم.\nوَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا هالكين، فاسدين، لا تصلحون لشيء من الخير. وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ عن الحديبية إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ يعني غنائم خيبر لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ إلى خيبر فنشهد معكم، فقال أهلها: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا","vol":"9","page":45},{"text":"كَلامَ اللَّهِ\nقرأ حمزة والكسائي (كلم الله) بغير (ألف)، وغيرهم (كَلامَ اللَّهِ)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قال الفرّاء: الكلام مصدر، والكلم جمع الكلمة، ومعنى الآية يريدون أن يغيّروا وعد الله الذي وعد أهل الحديبية، وذلك أنّ الله تعالى جعل غنائم خيبر لهم عوضا من غنائم أهل مكّة، إذا انصرفوا عنهم على صلح، ولم يصيبوا منهم شيئا، وقال ابن زيد: هو قوله تعالى:\nفَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا «١» . والقول الأوّل أصوب، وإلى الحقّ أقرب، لأنّ عليه عامّة أهل التأويل، وهو أشبه بظاهر التنزيل لأنّ قوله:\nفَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا نزلت في غزوة تبوك. قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا إلى خيبر. كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ أي من قبل مرجعنا إليكم: إنّ غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية، ليس لغيرهم فيها نصيب.\nفَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا أن نصيب معكم من الغنائم. بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ قال ابن عبّاس، وعطاء بن أبي رباح، وعطاء الخراساني، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، ومجاهد: هم فارس. كعب: الروم.\nالحسن: فارس، والروم. عكرمة: هوازن. سعيد بن جبير: هوازن، وثقيف. قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين. الزهري، ومقاتل: بنو حنيفة أهل اليمامة، أصحاب مسيلمة الكذّاب.\nقال رافع بن جريج: والله لقد كنّا نقرأ هذه الآية فيما مضى سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فلا نعلم من هم حتّى دعا أبو بكر ﵁ إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنّهم هم، وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد.\nتُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ قرأ العامّة يسالمون في محل الرفع عطفا على قوله:\nتُقاتِلُونَهُمْ، وفي حرف أبي (أو يسلموا) بمعنى حتّى يسلموا، كقول امرئ القيس: أو يموت فنعذرا.\nفَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يعني عام الحديبية يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وهو النّار. قال ابن عبّاس: فلمّا نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة: فكيف بنا رسول الله؟ فأنزل الله ﷾: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ في التخلّف عن الجهاد، والقعود عن الغزو.\nوَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ في ذلك. وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذابًا أَلِيمًا قرأ أهل المدينة والشام (ندخله) (ونعذّبه) فيهما (بالنون) فيهما وقرأ الباقون (بالياء) فيهما، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لذكر الله تعالى قبل ذلك.\n_________\n(١) سورة التوبة: ٨٣.","vol":"9","page":46},{"text":"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ بالحديبية على أن يناجزوا قريشا، ولا يفروا.\nتَحْتَ الشَّجَرَةِ وكانت سمرة، ويروى أنّ عمر بن الخطّاب ﵁ مرّ بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول: هاهنا، وبعضهم هاهنا، فلمّا كثر اختلافهم قال:\nسيروا، هذا التكلف، وقد ذهبت الشجرة، أما ذهب بها سيل وأمّا شيء سوى ذلك.\nوكان سبب هذه البيعة أنّ رسول الله ﷺ، دعا خراش بن أمية الخزاعي، فبعثه إلى قريش بمكّة، وحمله على جمل له يقال له: الثعلب ليبلغ أشرافهم عنه ما جاء له، وذلك حين نزل الحديبية.\nفعقروا له جمل رسول الله ﷺ، وأرادوا قتله فمنعه الأحابيش، فخلّوا سبيله حتّى أتى رسول الله، فدعا رسول الله (﵇) عمر بن الخطّاب ﵁ ليبعثه إلى مكّة، فقال: يا رسول الله إنّي أخاف قريشا على نفسي، وليس بمكّة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها، وغلظتي عليهم، ولكنّي أدلّك على رجل هو أعزّ بها منّي، عثمان بن عفّان، فدعا رسول الله عثمان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش يخبرهم أنّه لم يأت لحرب، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت، معظّما لحرمته، فخرج عثمان إلى مكّة، فلقيه أبان بن سعيد بن العاص حين دخل مكّة، أو قبل أن يدخلها، فنزل عن دابّته وحمله بين يديه، ثمّ ردفه وأجازه حتّى بلّغ رسالة رسول الله ﷺ فقال عظماء قريش لعثمان حين فرغ من رسالة رسول الله: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف به، فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله.\nفاحتبسته قريش عندهم، فبلغ رسول الله ﷺ، والمسلمين أنّ عثمان قد قتل، فقال رسول الله: «لا نبرح حتّى نناجز القوم» «١» . ودعا الناس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله على الموت، وقال بكير بن الأشج: بايعوه على الموت، فقال رسول الله (﵇): «بل على ما استطعتم» [٣٠] «٢» .\nوقال عبد الله بن معقل: كنت قائما على رأس رسول الله ﷺ ذلك اليوم، وبيدي غصن من السمرة، أذبّ عنه، وهو يبايع النّاس، فلم يبايعهم على الموت، وإنّما بايعهم على أن لا يفرّوا،\nوقال جابر بن عبد الله: فبايع رسول الله ﷺ النّاس ولم يتخلّف عنه أحد من المسلمين حضرها إلّا الجد بن قيس أخو بني سلمة، لكأنّي أنظر إليه لاصقا بإبط ناقته مستتر بها من النّاس.\nوكان أوّل من بايع بيعة الرضوان رجل من بني أسد يقال له: أبو سنان بن وهب. ثمّ أتى رسول الله ﷺ إنّ الّذي ذكر من أمر عثمان باطل\n، واختلفوا في مبلغ عدد أهل بيعة الرضوان، فروى شعبة، عن عمرو بن مرّة، قال: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: كنّا يوم الشجرة ألف وثلاثمائة، وكانت أسلم يومئذ من المهاجرين.\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٤/ ١٩١.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٦/ ١١٢ وعيون الأثر: ٢/ ١١٩.","vol":"9","page":47},{"text":"وقال قتادة: كانوا خمسة عشر ومائة. وروى العوفي عن ابن عبّاس، قال: كان أهل البيعة تحت الشجرة ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرون. وقال آخرون: كانوا ألفا وأربعمائة.\nأخبرنا الحسين بن محمّد بن منجويه، حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه، حدّثنا أبو عمران موسى بن سهل بن عبد الحميد الخولي، حدّثنا محمّد بن رمح، حدّثنا الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ. قال: «لا يدخل النّار أحد ممّن بايع تحت الشجرة» [٣١] «١» .\nفَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ من الصدق، والصبر، والوفاء. فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وهو خيبر وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانت خيبر ذات عقار وأموال. فاقتسمها رسول الله بينهم.\nوَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ يعني يوم خيبر. وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ أهل مكّة عنكم بالصلح، وقال قتادة: يعني وكفّ اليهود من خيبر، وحلفاءهم من أسد، وغطفان، عن بيضتكم، وعيالكم، وأموالكم بالمدينة، وذلك أنّ مالك بن عوف النصري، وعيينة بن حصن الفزاري، ومن معهما من بني أسد وغطفان جاءوا لنصرة أهل خيبر فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانصرفوا.\nوَلِتَكُونَ هزيمتهم، وسلامتكم آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ليعلموا أنّ الله هو المتولّي حياطتهم، وحراستهم في مشهدهم ومغيبهم. وَيَهْدِيَكُمْ صِراطًا مُسْتَقِيمًا طريق التوكّل، والتفويض حتّى تتقوا في أموركم كلّها بربّكم، وتتوكّلوا عليه، وقيل: يثبتكم على الإسلام، ويزيدكم بصيرة ويقينا بصلح الحديبية، وفتح خيبر، وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ لما رجع من غزوة الحديبية إلى المدينة، أقام بها بقيّة ذي الحجّة، وبعض المحرم، ثمّ خرج في بقيّة المحرم سنة سبع إلى خيبر، واستخلف على المدينة سماع بن عرفطة الغفاري.\nأخبرنا عبد الله بن محمّد بن عبد الله الزاهد، قرأه عليه، أخبرنا أبو العبّاس محمّد بن إسحاق السرّاج، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا عثمان بن عمر، أخبرنا ابن عون، عن عمرو ابن سعيد، عن أنس بن مالك، أخبرنا عبيد الله بن محمّد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا عبد الأعلى بن حمّاد أبو يحيى الباهلي، حدّثنا يزيد بن زريع، حدّثنا عن ابن أبي عروبة، قال:\nأخبرنا عبيد الله بن محمّد، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدّثنا روح، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: كنت رديف أبي طلحة يوم أتينا خيبر، فصبّحهم\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٣٥٠ وسنن أبي داود: ٢/ ٤٠٢.","vol":"9","page":48},{"text":"رسول الله ﷺ وقد أخذوا مساحيهم، وفؤوسهم، وغدوا على حرثهم، وقالوا: محمّد والخميس. فقال رسول الله: «الله أكبر هلكت «١» خيبر، إنّا إذا نزلنا ساحة «٢» قوم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ» [٣٢] «٣» . ثمّ نكصوا، فرجعوا إلى حصونهم.\nأخبرنا عبيد الله بن محمّد بن عبد الله بن محمّد، حدّثنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا قتيبة بن سعيد، حدّثنا حاتم بن إسماعيل، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع.\nوأخبرنا عبيد الله بن محمّد، أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، حدّثنا النضر بن محمّد، حدّثنا عكرمة بن عمّار، حدّثنا سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال:\nوحدّثت عن محمّد بن جرير، عن محمّد بن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، عن رحالة، قال: وعن ابن جرير، حدّثنا ابن بشار، حدّثنا محمّد بن جعفر، حدّثنا عوف، عن ميمون أبي عبد الله، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، دخل حديث بعضهم في بعض، قالوا: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى خيبر يسير بنا ليلا، وعامر بن الأكوع معنا، فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع: ألا تسمعنا من هينهاتك؟ وكان عامر شاعرا فنزل يحدو بالقوم وهو يرجز لهم:\nاللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا\nانّ الذين هم بغوا علينا ... ونحن عن فضلك ما استغنينا\nفاغفر فداء لك ما اقتفينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا\nوألقين سكينة علينا ... إنّا إذا صيح بنا أتينا «٤»\nفقال رسول الله ﷺ: «من هذا؟» . قالوا: عامر بن الأكوع. فقال: «غفر لك ربّك» . فقال رجل من القوم: وجبت يا نبي الله، لو أمتعتنا به. وذلك أنّ رسول الله (﵇) ما استغفر قطّ لرجل يخصّه إلّا استشهد. قالوا: فلمّا قدمنا خيبر وتصافّ القوم، خرج يهودي، فبرز إليه عامر، وقال:\nقد علمت خيبر إنّي عامر ... شاك السلاح بطل مغامر «٥»\nفاختلفا ضربتين، فوقع سيف اليهودي في ترس عامر، ووقع سيف عامر عليه، وأصاب ركبة نفسه، وساقه، فمات منها، قال سلمة بن الأكوع: فمررت على نفر من أصحاب رسول\n_________\n(١) في المصدر: خربت بدلا من «هلكت» .\n(٢) في المصدر: بساحة بدلا من «ساحة» .\n(٣) سنن النسائي: ٦/ ١٣٢ مسند أحمد: ٣/ ١٠٢.\n(٤) صحيح البخاري: ٥/ ٧٢ و٧/ ١٠٧ وصحيح مسلم: ٥/ ١٨٦.\n(٥) مسند أحمد: ٤/ ٥٢.","vol":"9","page":49},{"text":"الله ﷺ وهم يقولون: بطل عمل عامر، فأتيت نبي الله وأنا شاحب أبكي، فقلت: يا رسول الله أبطل عمل عامر؟ فقال: «ومن قال ذاك؟» قلت: بعض أصحابك. قال: «كذب من قال، بل له أجره مرّتين، إنّه لجاهد مجاهد» [٣٣] .\nقال: فحاصرناهم حتّى أصابتنا مخمصة شديدة ثمّ إنّ الله تعالى فتحها علينا، وذلك أنّ رسول الله ﷺ أعطى اللواء عمر بن الخطّاب، ونهض من نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر، فانكشف عمر، وأصحابه، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ يحينه أصحابه، ويحينهم، وكان رسول الله قد أخذته الشقيقة، فلم يخرج إلى النّاس، فأخذ أبو بكر راية رسول الله، ثمّ نهض فقاتل قتالا شديدا، ثمّ رجع، فأخذها عمر، فقاتل قتالا شديدا، وهو أشدّ من القتال الأوّل، ثمّ رجع، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: «أما والله لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله، ورسوله، ويحبّه الله، ورسوله يأخذها عنوة» [٣٤] «١» .\nوليس ثمّ علي، فلمّا كان الغد تطاول لها أبو بكر وعمر وقريش رجاء كلّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك، فأرسل رسول الله ﷺ سلمة بن الأكوع إلى علي، فدعاه، فجاء علي على بعير له حتّى أناخ قريبا من خباء رسول الله، وهو أرمد قد عصب عينيه بشقة برد قطري، قال سلمة: فجئت به أقوده إلى النبيّ ﷺ.\nفقال رسول الله: «ما لك؟» . قال: رمدت. فقال: «ادن منّي» [٣٥] . فدنا منه فتفل في عينيه، فما وجعهما بعد حتّى مضى لسبيله، ثمّ أعطاه الراية، فنهض بالراية وعليه حلّة أرجوان حمراء، قد أخرج حملها، فأتى مدينة خيبر، وخرج مرحب صاحب الحصن وعليه مغفر معصفر، وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يقول:\nقد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السلاح بطل مجرّب «٢»\nأطعن أحيانا وحينا أضرب ... إذا الحروب أقبلت تلهّب\nكان حمائي كالحمى لا يقرب\nفبرز إليه علي ﵁، وقال:\nأنا الّذي سمّتني أمّي حيدره ... كليث غابات شديد قسوره «٣»\nأكيلكم بالسيف كيل السندره\nفاختلفا ضربتين، فبدره علي، فضربه، فقدّ الحجر والمغفرة، وفلق رأسه حتّى أخذ السيف\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٣٣ صحيح البخاري: ٥/ ٧٦ وصحيح مسلم: ٧/ ١٢١ باختلاف يسير. [.....]\n(٢) البداية والنهاية: ٤/ ٢١٣ مسند أحمد: ٥/ ٣٥٨.\n(٣) البداية والنهاية: ٤/ ٢١٣.","vol":"9","page":50},{"text":"في الأضراس، وأخذ المدينة، وكان الفتح على يديه، ثمّ خرج بعد مرحب أخوه ياسر بن نحر، وهو يقول:\nقد علمت خيبر أنّي ياسر ... شاكي السلاح بطل مغاور «١»\nإذا الليوث أقبلت تبادر ... وأحجمت عن صولتي المغاور\nإنّ حمائي فيه موت حاضر\nوهو يقول: هل من مبارز؟ فخرج إليه الزبير بن العوّام، وهو يقول:\nقد علمت خيبر أنّي زبار ... قرم لقرم غير نكس فرار «٢»\nابن حماة المجد ابن الأخيار ... ياسر لا يغررك جمع الكفّار\nوجمعهم مثل السراب الحبار\nفقالت أمّه صفية بنت عبد المطّلب: أيقتل ابني يا رسول الله؟ فقال: «بل ابنك يقتله إن شاء الله» ثمّ التقيا، فقتله الزبير، فقال أبو رافع مولى رسول الله ﷺ: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين بعثه رسول الله (﵇) برايته، فلمّا دنا من الحصن خرج إليه أهله فقاتلهم، فضربه رجل من اليهود، فطرح ترسه من يده، فتناول علي بابا كان عند الحصن، فتترّس به عن نفسه، فلم يزل في يده، وهو يقاتل حتّى فتح الله تعالى عليه، ثمّ ألقاه من يده حين فرغ، فلقد رأيتني في نفر سبعة أنا ثامنهم نجهد على أن نقلب ذلك الباب، فما نقلبه «٣» .\nثمّ لم يزل رسول الله ﷺ يفتح الحصون حصنا حصنا، ويجوز الأموال حتّى انتهوا إلى حصن الوطيح والسلالم، وكان آخر حصون خيبر افتتح، فحاصرهم رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة، فلمّا أمسى النّاس يوم الفتح أوقدوا نيرانا كثيرة، فقال رسول الله: «على أيّ شيء توقدون؟» قالوا: على لحم، قال: «على أيّ لحم؟» قالوا: لحم الحمر الإنسية. فقال رسول الله ﷺ: «اهريقوها واكسروها «٤»» . فقال رجل: أو نهرّقها ونغسلها؟ فقال: «أوذاك» [٣٦] «٥» .\nقال ابن إسحاق: ولمّا افتتح رسول الله (﵇) القموص حصن بني أبي الحقيق أتى رسول الله ﷺ بصفية بنت حيي بن أخطب، وبأخرى معها، فمرّ بهما بلال، وهو الذي جاء بهما على قتلى من قتل من اليهود، فلمّا رأتهما التي مع صفية، صاحت، وصكّت وجهها، وحثت\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٩٩ ط. الأعلمي.\n(٢) المصدر السابق: ٢/ ٣٠٠.\n(٣) تاريخ الطبري: ٢/ ٣٠١.\n(٤) في المصدر: اكسروها وأحرقوها بدلا من «اهريقوها واكسروها» .\n(٥) صحيح البخاري: ٣/ ١٠٧.","vol":"9","page":51},{"text":"التراب على رأسها، فلمّا رآها رسول الله ﷺ، قال: أغربوا عنّي هذه الشيطانة» . وأمر بصفية، فجرت خلفه وألقى عليها رداءه، فعلم المسلمون أنّ رسول الله قد اصطفاها لنفسه.\nفقال رسول الله ﷺ لبلال لمّا رأى من تلك اليهودية ما رأى: «أنزعت منك الرحمة يا بلال حيث تمرّ بامرأتين على قتلى رجالهما؟» وكانت صفية قد رأت في المنام، وهي عروس بكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق أنّ قمرا وقع في حجرها، فعرضت رؤيتها على زوجها، فقال: ما هذا إلّا أنّك تمنين ملك الحجاز محمّدا، فلطم وجهها لطمة اخضرّت عينها منها، فأتت رسول الله ﷺ وبها أثر منها.\nفسألها: «ما هو؟» فأخبرته هذا الخبر، وأتى رسول الله بزوجها كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وكان عنده كنز بني النضير، فسأله، فجحده أن يكون يعلم مكانه، فأتى رسول الله برجل من اليهود، فقال لرسول الله (﵇): إنّي قد رأيت كنانة يطيف هذه الخزنة كلّ غداة، فقال رسول الله لكنانة: «أرأيت إن وجدناه عندك أقتلك» . قال: نعم.\nفأمر رسول الله ﷺ بالخزنة، فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثمّ سأله ما بقي، فأبى أن يؤدّيه، فأمر به رسول الله الزبير بن العوّام. فقال: «عذّبه حتّى تستأصل ما عنده» [٣٧] «١» .\nفكان الزبير يقدح بزنده في صدره حتّى أشرف على نفسه، ثمّ دفعه رسول الله إلى محمّد ابن مسلمة، فضرب عنقه بأخيه محمود بن مسلمة، وكانت اليهود ألقت عليه حجرا عند حصن ناعم، فقتله، كان أوّل حصن افتتح من حصون خيبر.\nقالوا: فلمّا سمع أهل فدك بما صنع رسول الله ﷺ بخيبر، بعثوا إلى رسول الله أن يسترهم ويحقن لهم دماءهم ويخلّوا له الأموال، ففعل، ثمّ إنّ أهل خيبر سألوا رسول الله أن يعاطيهم الأموال على النصف ففعل على إنّا إن شئنا فخرجنا أخرجناكم، وصالحه أهل فدك على مثل ذلك، وكانت خيبر فيئا للمسلمين، وكانت فدك خالصة لرسول الله (﵇) لم يجلبوا عليها ب خَيْلٍ وَلا رِكابٍ.\nفلما اطمأنّ رسول الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم، شاة مصلية، وقد سألت، أي عضو من الشاة أحبّ إلى رسول الله ﷺ؟ فقيل لها: الذراع، فأكثرت فيها السمّ، وسمّت سائر الشاة، ثمّ جاءت بها، فلمّا وضعتها بين يدي رسول الله، تناول الذراع، فأخذها، فلاك منها مضغة، فلم يسغها، ومعه بشر بن البراء بن معرور، وقد أخذ منها كما أخذ منها رسول الله، فأما بشر فأساغها، وأمّا رسول الله فلفظها، ثمّ قال: «إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم» . ثمّ دعاها، فاعترفت، فقال: «ما حملك على ذلك؟» قالت: بلغت من\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٣٠٢، والبداية والنهاية: ٤/ ٢٢٤.","vol":"9","page":52},{"text":"قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان نبيّا فسيخبر، وإن كان ملكا استرحت منه. قال:\nفتجاوز عنها رسول الله ﷺ ومات بشر بن البراء من أكلته التي أكل.\nقال: ودخلت أم بشر بن البراء على رسول الله ﷺ تعوده في مرضه الذي توفى فيه، فقال: «يا أمّ بشر ما زالت أكلة خيبر التي أكلت بخيبر مع ابنك تعادني، فهذا أوان انقطاع أبهري» [٣٨] «١» .\nوكان المسلمون يرون أنّ رسول الله مات شهيدا مع ما أكرمه الله تعالى به من النبوّة.\nوَأُخْرى أي وعدكم فتح بلدة أخرى. لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها حتّى يفتحها عليكم، وقال ابن عبّاس: علم الله أنّه يفتحها لكم. واختلفوا فيها، فقال ابن عبّاس وعبد الرّحمن بن أبي ليلى والحسن ومقاتل: هي فارس والروم.\nوقال الضحّاك وابن زيد وابن إسحاق: هي خيبر، وعدها الله تعالى نبيّه قبل أن يصيبها، ولم يكونوا يذكرونها ولا يرجونها، حتّى أخبرهم الله تعالى بها. وهي رواية عطية، وماذان، عن ابن عبّاس، وقال قتادة: هي مكّة. عكرمة: هي خيبر. مجاهد: ما فتحوا حتّى اليوم. وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-713>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٢ الى ٢٧]</span>\nوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)\nلَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)\nوَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني أسد، وغطفان، وأهل خيبر، وقال قتادة: يعني كفّار قريش لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِ أي كسنّة الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ في نصرة أوليائه، وقهر أعدائه وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ وهو الحديبية مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا\n_________\n(١) البداية والنهاية: ٤/ ٢٤٠.","vol":"9","page":53},{"text":"(الياء) أبو عمرو، وغيره (بالتاء)، واختلفوا فيهم، فقال أنس: إنّ ثمانين رجلا من أهل مكّة هبطوا على رسول الله وأصحابه من جبل التنعيم عند صلاة الفجر عام الحديبية ليقتلوهم، فأخذهم رسول الله سلما، وأعتقهم، فأنزل الله تعالى: هُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ...\nالآية.\nعكرمة، عن ابن عبّاس، قال: إنّ قريشا كانوا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله عام الحديبية ليصيبوا من أصحابه أحدا، وأخذوا أخذا، فأتى بهم رسول الله ﷺ فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وقد كانوا يرمون عسكر رسول الله ﷺ بالحجارة، والنّبل فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ... الآية.\nوقال عبد الله بن المغفل: كنّا مع النبيّ ﷺ بالحديبية في أصل الشجرة وعلى ظهره غصن من أغصان تلك الشجرة، فرفعته عن ظهره، وعليّ بن أبي طالب بين يديه يكتب كتاب الصلح، وسهيل بن عمرو، فخرج علينا ثلاثون شابّا عليهم السّلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا رسول الله (﵇)، فأخذ الله بأبصارهم، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فخلّى عنهم رسول الله، فأنزل الله تعالى هذه الآية [٣٩] «١» .\nوقال مجاهد: أقبل نبي الله ﷺ معتمرا، وأخذ أصحابه ناسا من أهل الحرم غافلين، فأرسلهم النبيّ ﷺ فذلك الإظفار بِبَطْنِ مَكَّةَ\n، وقال قتادة: ذكر لنا أنّ رجلا من أصحاب رسول الله يقال له: زنيم اطّلع الثنية من الحديبيّة، فرماه المشركون بسهم، فقتلوه، فبعث رسول الله خيلا، فأتوا باثني عشر فارسا من الكفّار، فقال لهم نبيّ الله: «هل لكم عليّ عهد؟ هل لكم عليّ ذمّة؟» [٤٠] . قالوا: لا، فأرسلهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nوقال ابن ايزي، والكلبي: هم أهل الحديبية، وذلك أنّ النبيّ ﷺ لمّا خرج بالهدي وانتهى إلى ذي الحليفة، فقال له عمر ﵁: يا نبي الله تدخل على قوم لك حرب بغير سلاح، ولا كراع؟ قال: فبعث إلى المدينة، فلم يدع فيها كراعا ولا سلاحا إلّا حمله، فلمّا دنا من مكّة منعوه أن يدخل، فسار حتّى أتى منى، فنزل منى، فأتاه عينه أنّ عكرمة بن أبي جهل قد خرج عليك في خمسمائة، فقال لخالد بن الوليد: «يا خالد هذا ابن عمّك قد أتاك في الخيل» [٤١] .\nفقال خالد: أنا سيف الله، وسيف رسوله، يا رسول الله، أرم بي حيث شئت، فيومئذ سمّي سيف الله، فبعثه على خيل، فلقي عكرمة في الشعب فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، ثمّ عادوا في الثانية، فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، ثمّ عاد في الثالثة فهزمه حتّى أدخله حيطان مكّة، فأنزل الله تعالى هذه الآية: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ إلى قوله: عَذابًا أَلِيمًا فكفّ النبيّ ﷺ لبقايا من المسلمين كانوا بقوا فيها من بعد أن أظفره عليهم كراهية، أن تطأهم\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٢٨١.","vol":"9","page":54},{"text":"الخيل بغير علم\n، وذلك قوله تعالى: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا محبوسا. أي وصدّوا الهدي معكوفا محبوسا [٤٢] «١» .\nأَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ منحره، وكان سبعين بدنة،\nروى الزهيري، عن عروة بن الزبير، عن المسوّر بن مخرمة، ومروان بن الحكم، قالا: خرج رسول الله ﷺ من المدينة عام الحديبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالا، وساق معه سبعين بدنة، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كلّ بدنة عن عشرة نفر، فلمّا بلغ ذا الحليفة، تنامى إليه النّاس، فخرج في بضع عشرة مائة من أصحابه، حتّى إذا كانوا بذي الحليفة قلّد الهدي، وأشعره، وأحرم بالعمرة، وكشف بين يديه عينا من خزاعة يخبره عن قريش.\nوسار النبيّ ﷺ حتّى إذا كان بغدير الأشطاط، قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي، فقال:\nإنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي، قد جمعوا لك الأحابيش، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت، فقال النبي ﷺ: «أشيروا عليّ، أترون أن نميل على ذراري هؤلاء الّذين عاونوهم فنصيبهم؟ فإن قعدوا قعدوا موتورين، وان نجوا تكن عنقا قطعها الله أو ترون أن نأمّ البيت، فمن صدّنا عنه قاتلناه» .\nفقام أبو بكر ﵁، فقال: يا رسول الله إنّا لم نأت لقتال أحد، ولكن من حال بيننا، وبين البيت قاتلناه، فقال رسول الله (﵇): «فروحوا إذا» .\nوكان أبو هريرة يقول: ما رأيت أحدا قط أكثر مشاورة لأصحابه من النبيّ ﷺ، فراحوا حتّى إذا كانوا بعسفان، لقيه بشر بن سفيان الكعبي، فقال له: يا رسول الله هذه قريش، قد سمعوا بسيرك، فخرجوا ومعهم العوذ المطافيل، قد لبسوا جلود المنون، ونزلوا بذي طوى، يحلفون بالله لا يدخلها عليهم أبدا، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كراع العميم. وقد ذكرت قول من قال: إنّ خالد بن الوليد يومئذ كان مع رسول الله ﷺ مسلما، فقال رسول الله (﵇): «يا ويح قريش، قد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب؟ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوّة، فما تظنّ قريش، فو الله لا أزال أجاهدهم على الذي بعثني الله به حتّى يظهره الله، أو تنفرد هذه السّالفة» [٤٣] «٢» .\nثمّ قال: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها»، فقال رجل من أسلم:\nأنا يا رسول الله. فخرج على طريق وعر حزن بين شعاب، فلمّا خرجوا منه، وقد شقّ ذلك على المسلمين وأفضى إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله ﷺ للناس: «قولوا:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٦/ ١٢٣.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٣٢٣ المعجم الكبير: ٢٠/ ١٦.","vol":"9","page":55},{"text":"نستغفر الله، ونتوب إليه» . ففعلوا، فقال: «والله إنّها للحطّة التي عرضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها» [٤٤] «١» .\nثمّ قال رسول الله للنّاس: «اسلكوا ذات اليمين» في طريق يخرجه على ثنية المرار على مهبط الحديبية من أسفل مكّة.\nفسلك الجيش ذلك الطريق، فلمّا رأت خيل قريش فترة قريش وأنّ رسول الله قد خالفهم عن طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش ينذرونهم، وسار رسول الله ﷺ حتّى إذا سلك ثنية المرار بركت به ناقته، فقال النّاس: حل حل. فقال: «ما حل؟» قالوا: حلأت الفضول. فقال رسول الله ﷺ: «ما حلأت، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل» .\nثمّ قال: «والّذي نفسي بيده لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يعظمون بها حرمات الله، وفيها صلة الرحم إلّا أعطيتهم إيّاها»، ثمّ قال للناس: «انزلوا» فنزلوا بأقصى الحديبية على بئر قليلة الماء، إنّما يتبرضه الناس تبرضا، فلم يلبث الناس أن ترجوه، فشكا الناس إلى رسول الله ﷺ العطش فنزع سهما من كنانته، وأعطاه رجلا من أصحابه يقال له: ناجية بن عمير بن يعمر بن دارم، وهو سائق بدن رسول الله [٤٥] «٢»، فنزل في ذلك البئر، فغرزه في جوفه، فجاش الماء بالريّ، حتّى صدروا عنه، ويقال: إنّ جارية من الأنصار أقبلت بدلوها، وناجية في القليب يمتح على الناس، فقالت:\nيا أيّها الماتح دلوي دونكا ... إنّي رأيت الناس يحمدونكا «٣»\nيثنون خيرا ويمجّدونكا ... أرجوك للخير كما يرجونكا\nفقال:\nقد علمت جارية يمانية ... أنّي أنا الماتح واسمي ناجية\nوطعنة ذات رشاش واهية ... طعنتها عند صدور العادية\nقال: فبينا هم كذلك، إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله ﷺ من أهل تهامة، فقال: إنّي تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد نزلوا بعداد مياه الحديبية، معهم العوذ المطافيل، وهم مقاتلوك، وصادّوك عن البيت.\nفقال النبيّ ﷺ: «إنّا لم نأت لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، وإنّ قريشا قد نهكتهم الحرب، وأضرّت بهم، فإن شاءوا ماددناهم مدة، ويخلّوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، وإن\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٧٣ البداية والنهاية: ٤/ ١٨٩.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٣٢٣ وصحيح البخاري: ٣/ ١٧٨ بتفاوت، وسنن أبي داود: ١/ ٦٢٩. [.....]\n(٣) البداية والنهاية: ٤/ ١٨٩.","vol":"9","page":56},{"text":"شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلّا فقد حموا، فو الله لأقاتلنّهم على أمري هذا، حتّى تنفرد سالفتي أو لينفذنّ الله أمره» [٤٦] «١» .\nفقال بديل: سنبلغهم ما تقول.\nفانطلق حتّى أتى قريشا، فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل، وسمعناه يقول قولا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا، فقال سفهاؤوهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا بشيء عنه، وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول. قال: سمعته يقول كذا، وكذا. فحدّثهم بما قال النبيّ ﷺ، فقام عروة بن مسعود الثقفي، فقال: أي قوم، ألستم بال الوالد؟ قالوا: بلى. قال:\nألست بالولد؟ قالوا: بلى.\nقال: فهل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال: أفلستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عكاظ، فلمّا ألحّوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا الرجل، قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها ودعوني آته، قالوا: آتيه. فأتاه، فجعل يكلّم النبيّ ﷺ فقال النبي نحوا من مقالته لبديل، فقال عروة عند ذلك: يا محمّد، أرأيت إن استأصلت قومك، فهل سمعت بأحد من العرب استباح، - وقيل اجتاح- أصله قبلك؟ وإن تكن الأخرى فو الله إنّي لأرى وجوها وأشوابا من الناس خلقا أن يفرّوا ويدعوك.\nفقال أبو بكر الصدّيق ﵁: امصص بظر اللات- واللات طاغية ثقيف التي كانوا يعبدون- أنحن نفرّ وندعه؟ فقال: من هذا؟ قالوا: أبو بكر. فقال: أما والّذي نفسي بيده، لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها، لأجبتك، وجعل يكلّم النبيّ ﷺ فكلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس رسول الله، ومعه السيف وعلى رأسه المغفر، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي ﷺ ضرب يده بنعل السيف، وقال: أخّر يدك عن لحيته، فرفع عروة رأسه، فقال: من هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. قال: أي غدّار، أو لست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة قد صحب قوما في الجاهلية، فقتلهم، وأخذ أموالهم، ثمّ جاء فأسلم، فقال النبيّ ﷺ: «امّا الإسلام فقد قبلنا، وأمّا المال، فإنّه مال غدر لا حاجة لنا فيه» [٤٧] «٢» . وإنّ عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله بعينه، فقال: والله لن يتنخم النبيّ ﷺ نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون النظر إليه تعظيما له.\nفرجع عروة إلى أصحابه، فقال: أي قوم لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر، وكسرى، والنجاشي، والله إن رأيت ملكا يعظّمه أصحابه ما يعظّمه أصحاب محمّد محمّدا، والله\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٩/ ٢١٩ والمصنف: ٥/ ٣٣٣ بتفاوت، والمعجم الكبير: ٢٠/ ١١.\n(٢) سنن أبي داود: ١/ ٦٢٩ تاريخ الطبري: ٢/ ٢٧٥.","vol":"9","page":57},{"text":"إن يتنجم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم، فدلك بها وجهه، وجلده، وإذا أمرهم أمرا ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم، وما يحدّون النظر تعظيما له، وإنّه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.\nفقال رجل من كنانة: دعوني آتيه. قالوا: أتيه. فلمّا أشرف على النبيّ ﷺ وأصحابه، قال النبي: «هذا فلان من قوم يعظّمون البدن، فابعثوها له» «١» فبعثت له، واستقبله قوم يلبّون، فلمّا رأى ذلك، قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يصدّوا عن البيت، ثمّ بعثوا إليه الجليس بن علقمة بن ريان، وكان يومئذ سيّد الأحابيش، فلمّا رآه رسول الله قال ﷺ: «إنّ هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا بالهدي في وجهه حتّى يراه» «٢» .\nفلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما رأى، فقال: يا معشر قريش، إنّي قد رأيت ما لا يحل صدّه، الهدي في قلائده، قد أكل أوتاده من طول الحبس عن محلّه، فقالوا له:\nاجلس، فإنّما أنت أعرابي لا علم لك، فغضب الجليس عند ذلك، فقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم أن تصدّوا عن بيت الله من جاءه معظّما له، والذي نفس الجليس بيده، لتخلنّ بين محمّد، وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: كفّ عنّا يا جليس حتّى نأخذ لأنفسنا بما نرضى به.\nفقام رجل منهم يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلمّا أشرف عليهم، قال النبي ﷺ «هذا مكرز بن حفص، وهو رجل فاجر»، فجعل يكلّم النبيّ ﷺ، إذ جاء سهيل بن عمرو فلمّا رآه النبيّ ﷺ قال: «قد سهل لكم أمركم، القوم يأتون إليكم بأرحامكم، وسائلوكم الصلح، فابعثوا الهدي وأظهروا التلبية لعلّ ذلك يليّن قلوبهم» «٣» فلبّوا من نواحي العسكر حتّى ارتجّت أصواتهم بالتلبية، فجاءوا، فسألوا الصلح، وقال سهيل: هات نكتب بيننا وبينكم كتابا، فدعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ﵁ فقال له: «اكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» . فقال سهيل: أما الرّحمن فلا أدري ما هو، ولكن اكتب باسمك اللهم، كما كنت تكتب، فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\nفقال النبيّ ﷺ لعليّ: «اكتب باسمك اللهم»، ثمّ قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله» . فقال سهيل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك.\nفقال النبيّ ﷺ: «والله إنّي لرسول الله وإن كذّبتموني» . ثمّ قال لعلي: «امح رسول الله»،\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٣٣٠ السنن الكبرى: ٩/ ٢٢٠.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٣٢٤.\n(٣) كنز العمال: ١٠/ ٤٧٨.","vol":"9","page":58},{"text":"فقال: والله لا أمحوك أبدا، فأخذه رسول الله وليس يحسن يكتب، فمحاه، ثمّ قال: «اكتب هذا ما قاضى عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو، واصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيهنّ الناس ويكفّ بعضهم من بعض، وعلى أنّه من قدم مكّة من أصحاب محمّد حاجّا أو معتمرا أو يبغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش مجتازا إلى مصر أو إلى الشام يبتغي من فضل الله، فهو آمن على دمه وماله، وعلى إنّه من أتى رسول الله من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممّن مع رسول الله لم يردّوه عليه» .\nفاشتدّ ذلك على المسلمين، فقال رسول الله (﵇): «من جاءهم منّا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم، فلو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا، وإنّ بيننا عيبة مكفوفة، وإنّه لا إسلال، ولا أغلال، وإنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد، وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش، وعهدهم دخل فيه» [٤٨] «١» .\nفتواثبت خزاعة، فقالوا: نحن في عقد محمّد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم. فقال النبي ﷺ: «وعلى أن يخلوا بيننا وبين البيت، فنطوف به» . فقال سهيل: ولا يتحدّث العرب إنّا أخذتنا ضغطة، ولكن لك ذلك من العام المقبل، فكتب: وعلى إنّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكّة، فإذا كان عام قابل خرجنا عنها لك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت فيها ثلاثا، ولا تدخلها بالسّلاح إلّا السيوف في القراب، وسلاح الراكب، وعلى أنّ هذا الهدي حيث ما حبسناه محلّه، ولا تقدمه علينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «نحن نسوقه، وأنتم تردون وجوهه» «٢» .\nقال: فبينا رسول الله يكتب الكتاب هو وسهيل بن عمرو، وإذ جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو، يرسف في قيوده، قد انفلت، وخرج من أسفل مكّة حتّى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فلمّا رأى سهيل أبا جندل، قام إليه، فضرب وجهه، وأخذ سلسلته، وقال: يا محمّد قد تمّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا، وهذا أوّل من أقاضيك عليه، أترده إلينا؟ ثمّ جعل يجرّه ليرده إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أردّ إلى المشركين، وقد جئت مسلما لتنفرني عن ديني؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذّب عذابا شديدا في الله، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل احتسب، فإنّ الله جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرجا، ومخرجا، إنّا قد عقدنا بيننا، وبين القوم عقدا، وصلحا، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهدا، وإنّا لا نغدر» «٣» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٣٢٥ البداية والنهاية: ٤/ ١٩٢.\n(٢) كنز العمال: ١٠/ ٤٨٠ جامع البيان للطبري: ٢٦/ ١٢٥.\n(٣) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٨٢.","vol":"9","page":59},{"text":"فوثب عمر بن الخطّاب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه ويقول: اصبر يا أبا جندل، فإنّما هم المشركون وإنّما دم أحدهم دم كلب، ويدني قائم السيف منه، قال: يقول عمر: رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه، فضنّ الرجل بأبيه.\nقالوا: وقد كان أصحاب رسول الله خرجوا، وهم لا يشكّون في الفتح لرؤيا رآها رسول الله ﷺ، فلمّا رأوا ذلك دخل الناس أمر عظيم حتى كادوا يهلكون، وزادهم أمر أبي جندل شرّا إلى ما بهم، فقال عمر: والله ما شككت منذ أسلمت إلى يومئذ، فأتيت النبيّ ﷺ فقلت: ألست رسول الله؟ قال: «بلى» . قلت: ألسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قال: «بلى» . قلت: فلم نعطي الدّنية في ديننا إذا؟\nقال: «إنّي رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري» [٤٩] «١» .\nقلت: ألست تحدّثنا أنّا سنأتي البيت، فنطوف به؟ قال: «بلى» . قال: «هل أخبرتك أنّا نأتيه العام؟» . قلت: لا، قال: «فإنّك آتيه ومطوّف به»، قال: ثمّ أتيت أبا بكر، وقلت: أليس هذا نبيّ الله حقّا؟\nقال: بلى. قلت: أفلسنا على الحقّ وعدوّنا على الباطل؟ قلت: فلم يعطي الدّنية في ديننا إذا؟ قال: أيّها الرجل إنّه رسول الله، وليس يعصي ربّه، فاستمسك بغرزه حتّى تموت، فو الله إنّه لعلى الحقّ. قلت: أو ليس كان يحدّث أنّا سنأتي البيت، ونطوّف به؟ قال: بلى. قال: أفأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنّك آتيه وتطوف به. قال عمر: فما زلت أصوم وأتصدّق، وأصلّي، وأعتق من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلّمت به.\nقالوا: فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من الكتاب أشهد رجالا على الصلح من المسلمين، ورجالا من المشركين، أبا بكر، وعمر، وعبد الرّحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، ومحمود بن مسلمة أخا بني عبد الأشهل، ومكرز بن حفص بن الأحنف، وهو مشرك، وعلي بن أبي طالب، وكان هو كاتب الصحيفة.\nفلمّا فرغ رسول الله من قصّته سار مع الهدي، وسار الناس، فلمّا كان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية، عرض له المشركون فردوا وجوهه، فوقف النبيّ ﷺ حيث حبسوه، وهي الحديبية وقال لأصحابه: «قوموا، فانحروا، ثمّ احلقوا» . قال: فو الله ما قام منهم رجل.\nحتّى قال ذلك ثلاث مرّات فلمّا لم يقم منهم أحد. قام فدخل على أمّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس.\nفقالت أمّ سلمة: يا نبيّ الله اخرج، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتّى تنحر بدنتك وتدعو\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٢٠/ ١٤ إرواء الغليل: ١/ ٥٨.","vol":"9","page":60},{"text":"حلّاقك فيحلقك. فقام فخرج، فلم يكلّم أحدا منهم كلمة حتى نحر بدنته، ودعا حالقه، فحلقه، وكان الذي حلقه ذلك اليوم خراش بن أمية بن الفضل الخزاعي، فأما يوم الحديبية فحلق رجال وقصّر آخرون، وقال رسول الله ﷺ: «يرحم الله المحلّقين» . قالوا:\nوالمقصّرين يا رسول الله؟ قال: «يرحم الله المحلّقين»، قالوا: والمقصّرين يا رسول الله؟\nقالوا: فلم ظاهرت الترحم للمحلّقين دون المقصّرين؟. قال: «لأنّهم لم يشكّوا» . قال ابن عمر:\nوذلك أنّه تربض القوم، قالوا: لعلّنا نطوف بالبيت. قال ابن عبّاس: وأهدى رسول الله ﷺ عام الحديبية في هداياه جملا لأبي جهل في رأسه برة من فضّة، ليغيظ المشركين بذلك، ثمّ جاءه ﷺ نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ «١» ...\nالآية، قال: فطلّق عمر امرأتين كانتا له في الشرك. قال: فنهاهم أن يردونهنّ وأمرهم أن ترد الصدقات، حينئذ، قال رجل للزهري: أمن أجل الفروج؟ قال: نعم، فتزوّج إحداهما معاوية بن أبي سفيان والأخرى صفوان بن أمية، ثمّ رجع النبيّ ﷺ إلى المدينة فجاءه أبو نصير عتبة بن أسيد بن حارثة وهو مسلم، وكان ممّن جلس بمكّة، فكتب فيه أزهر بن عبد عوف، والأخنس بن شريق الثقفي إلى رسول الله ﷺ وبعثا رجلا من بني عامر بن لؤي، ومعه مولى لهم، فقدما على رسول الله ﷺ بكتابهما، وقالا: العهد الذي جعلت لنا، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بصير إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإنّ الله تعالى جاعل لك، ولمن معك من المستضعفين فرجا، ومخرجا» [٥٠] «٢» .\nثمّ دفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتّى إذا بلغا ذا الحليفة، فنزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو نصير لأحد الرجلين: والله إنّي لأرى سيفك هذا جيّدا، فاستلّه الآخر، فقال: أجل والله إنّه لجيد. قال: أرني أنظر إليه. فأخذه وعلا به أخا بني عامر حتّى قتله، وفرّ المولى وخرج سريعا حتّى أتى رسول الله (﵇)، وهو جالس في المسجد، فلمّا رآه رسول الله ﷺ طالعا قال: «إنّ هذا الرجل قد رأى فزعا» .\nفلمّا انتهى إلى رسول الله ﷺ قال: «ويلك ما لك؟» قال: قتل صاحبكم صاحبي. فو الله ما برح حتّى طلع أبو نصير متوشّحا بالسيف، حتّى وقف على رسول الله، فقال: يا رسول الله وفت ذمّتك أسلمتني ورددتني- وقيل: وذريتني إليهم- ثمّ نجّاني الله منهم، فقال النبيّ ﷺ «ويل أمّه مستعر حرب لو كان معه رجال» .\nفلمّا سمع ذلك عرف أنّه سيردّه إليهم، فخرج أبو نصير حتّى أتى سيف البحر، ونزل بالغيّض من ناحية ذي المروة، على ساحل البحر بطريق قريش، الذي كانوا يأخذون إلى الشام،\n_________\n(١) سورة الممتحنة: ١٠.\n(٢) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٨٣- ٢٨٤.","vol":"9","page":61},{"text":"وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكّة قول رسول الله (﵇) لأبي نصير: «ويل أمّه مستعر حرب لو كان معه رجال» . فخرج عصابة منهم إليه، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي نصير حتّى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم، فو الله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلّا اعترضوا لهم فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، حتّى ضيّقوا على قريش، فأرسلت قريش إلى النبيّ ﷺ (﵇) يناشدونه الله، والرحم، لمّا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن، فآواهم رسول الله ﷺ فقدموا عليه المدينة [٥١] «١» .\nقال الله تعالى: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ بأن يقتلوهم فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ قال ابن زيد: إثم، وقال ابن إسحاق: غرم الدّية. وقيل:\nالكفّارة لأنّ الله تعالى إنّما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها، ولم يعلم قاتله إيمانه الكفّارة دون الدّية، فقال جلّ ثناؤه: فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ «٢» .\nولم يوجب على قاتل خطأ دية، وقيل: هو أنّ المشركين يعيبونكم ويقولون: قتلوا أهل دينهم. (والمعرّة) المشقّة، وأصلها من العرّ وهو الحرب لإذن ذلك في دخولها، ولكنّه حال بينكم، وبين ذلك لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ دينه الإسلام مَنْ يَشاءُ من أهل مكّة قبل أن تدخلوها، هكذا نظم الآية وحكمها، فحذف جواب (لولا) استغناء بدلالة الكلام عليه، وقال بعض العلماء: قوله: (لَعَذَّبْنَا) جواب لكلامين: أحدهما لَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ، والثاني: لَوْ تَزَيَّلُوا أي تميّزوا.\nثمّ قال: لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ يعني المؤمنين، والمؤمنات فِي رَحْمَتِهِ لكن جنّته. قال قتادة: في هذه الآية إنّ الله يدفع بالمؤمنين عن الكفّار، كما يدفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكّة.\nأخبرنا أبو عبد الله بن منجويه الدينوري، حدّثنا أبو علي بن حبش المقري، حدّثنا أبو الطيّب أحمد بن عبد الله بن بجلي الدارمي بأنطاكية، حدّثني أحمد بن يعقوب الدينوري، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن محمّد الأنصاري، حدّثني محمّد بن الحسن الجعفري، قال: سمعت جعفر ابن محمّد يحدّث، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أنّه سأل [رسول الله ﷺ] عن قول الله تعالى: لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابًا أَلِيمًا قال: «هم المشركون من أجداد النبيّ ﷺ ممّن كان بعده في عصره، كان في أصلابهم المؤمنون، فلو تزيّل المؤمنون عن أصلاب الكفّار يعذب الله عذابا أليما» [٥٢] .\nإذ من صلة قوله تعالى:\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٢٨٥\n(٢) سورة النساء: ٩٢. [.....]","vol":"9","page":62},{"text":"لَعَذَّبْنَا إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ حين صدّوا رسول الله ﷺ وأصحابه عن البيت، ولم يقرّوا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، ولا برسالة رسول الله، (والحميّة) فعيلة من قول القائل: حمي فلان أنفه، يحمي حميّة، وتحمية. قال المتلمس:\nألا إنّني منهم وعرضي عرضهم ... كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشّما «١»\nأي يمنع. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى يعني الإخلاص، نظيرها قوله تعالى: وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ «٢» وقوله: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ «٣» .\nأخبرنا أبو بكر محمّد بن أحمد بن شاذان الرازي بقراءتي عليه، حدّثنا أبو عبد الله الحسين ابن علي بن أبي الربيع القطان، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن محمّد بن حنبل، وهيثم- أو وهضيم- ابن همام الآملي، وعلي بن الحسين بن الجنيد، قالوا: حدّثنا الحسن بن قزعة، حدّثنا سفيان بن حبيب، حدّثنا شعبة، عن يزيد بن أبي ناجية، عن الطفيل بن أبي، عن أبيه، عن أبي بن كعب أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: في قول الله تعالى: وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: «لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» [٥٣] «٤» .\nوهو قول ابن عبّاس، وعمرو بن ميمون، ومجاهد، وقتادة، والضحّاك، وسلمة بن كهيل، وعبيد بن عمير، وعكرمة، وطلحة بن مصرف، والربيع، والسّدي، وابن زيد، وقال عطاء الخراساني: هي لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ محمّد رسول الله.\nأخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر بن حبيب، حدّثنا أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن عيسى المزني، حدّثنا أبو نعيم، وأبو حذيفة، قالا: حدّثنا سفيان، عن سلمة ابن كهيل، عن عباية بن ربعي، عن عليّ ﵁ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ والله أكبر.\nوهو قول ابن عمر، وقال عطاء بن رباح: هي لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وحده لا شَرِيكَ لَهُ، ... لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nأخبرنا أبو سعيد محمّد بن عبد الله بن حمدون، أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، حدّثنا أحمد بن منصور المروزي بنيشابور، حدّثنا سلمة بن سليم السلمي، حدّثنا عبد الله ابن المبارك عن معمر عن ابن شهاب الزهري وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٦/ ١٣٥ وفيه: يكشما.\n(٢) سورة الحج: ٣٧.\n(٣) سورة المائدة: ٢٧.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ١٣٨ وسنن الترمذي: ٥/ ٦٣.","vol":"9","page":63},{"text":"وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ محمّدا ﵇. الرُّؤْيا التي أراها إيّاه في مخرجه إلى الحديبية، أنّه يدخل هو وأصحابه المسجد الحرام. بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ كلّها وَمُقَصِّرِينَ بعض رؤوسكم لا تَخافُونَ وقوله: لَتَدْخُلُنَّ يعني وقال: لَتَدْخُلُنَّ لأنّ عبارة (الرُّؤْيا) قول، وقال ابن كيسان: قوله: لَتَدْخُلُنَّ من قول رسول الله ﷺ لأصحابه حكاية عن رؤياه، فأخبر الله تعالى، عن رسوله أنّه قال ذلك، ولهذا استثنى تأدّبا بأدب الله تعالى حيث قال له: وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «١»، وقال أبو عبيدة: (إن) بمعنى إذ مجازه إذ شاء الله كقوله: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا «٢» .\nوقال الحسين بن الفضل: يجوز أن يكون الاستثناء من الدخول لأنّ بين (الرؤيا) وتصديقها سنة، ومات منهم في السنة أناس، فمجاز الآية لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ كلّكم إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.\nويجوز أن يكون الاستثناء واقعا على الخوف، والأمن لا على الدخول، لأنّ الدخول لم يكن فيه شك،\nلقوله ﷺ عند دخول المقبرة: «وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون»\n[٥٤] «٣» فالاستثناء واقع على اللحوق دون الموت.\nفَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنّ الصلاح كان في الصلح، وهو قوله: وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ..\nالآية. فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ أي من دون دخولهما المسجد الحرام، وتحقيق رؤيا رسول الله فَتْحًا قَرِيبًا وهو صلح الحديبية عن أكثر المفسّرين، قال الزهري: ما فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، لأنّه إنّما كان القتال حيث التقى النّاس، فلمّا كانت الهدنة وضعت الحرب، وأمن النّاس بعضهم بعضا، فالتقوا فتفاوضوا في الحديث، والمناظرة، فلم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلّا دخل فيه في تينك السنتين في الإسلام، مثل من كان في الإسلام قبل ذلك وأكثر،\nوقال ابن زيد: هو فتح خيبر فتحها الله تعالى عليهم حين رجعوا من الحديبية، فقسّمها رسول الله ﷺ على أهل الحديبية كلّهم إلّا رجلا واحدا من الأنصار، وهو أبو دجانة سماك بن خرشة كان قد شهد الحديبية، وغاب عن خيبر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>[سورة الفتح (٤٨): الآيات ٢٨ الى ٢٩]</span>\nهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)\n_________\n(١) سورة الكهف: ٢٣.\n(٢) سورة النور: ٣٣.\n(٣) سنن ابن ماجة: ١/ ٤٩٣ ح ١٥٤٧","vol":"9","page":64},{"text":"هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا أنّك نبي صادق فيما تخبر، ونصب شَهِيدًا على التفسير وقيل: على الحال، والقطع، ثمّ قال:\nمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ تمّ الكلام هاهنا، ثمّ قال مبتدئا: وَالَّذِينَ مَعَهُ (الواو) فيه (واو) الاستئناف وَالَّذِينَ في محل الرفع على الابتداء أَشِدَّاءُ غلاظ عَلَى الْكُفَّارِ لا تأخذهم فيهم رأفة. رُحَماءُ بَيْنَهُمْ متعاطفون متوادّون بعضهم على بعض كقوله تعالى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ «١» .\nتَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ أن يدخلهم جنّته وَرِضْوانًا أن يرضى عنهم. سِيماهُمْ علامتهم فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ واختلف العلماء في هذه السيماء، فقال قوم: هو نور وبياض في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة، أنّهم سجدوا في الدّنيا، وهي رواية العوفي، عن ابن عبّاس، وقال عطاء بن أبي رباح والربيع بن أنس: استنارت وجوههم من كثرة ما صلّوا.\nوقال شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر. قال آخرون: السمت الحسن، والخشوع، والتواضع، وهو رواية الوالبي عن ابن عبّاس، قال: أما إنّه ليس بالذي ترون، ولكنّه سيماء الإسلام وسجيّته، وسمته وخشوعه، وقال منصور: سألت مجاهدا عن قوله ﷾: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ، أهو الأثر يكون بين عينيّ الرجل؟\nقال: لا ربّما يكون بين عينيّ الرجل، مثل ركبة العنز، وهو أقسى قلبا من الحجارة، ولكنّه نور في وجوههم من الخشوع، وقال ابن جريج: هو الوقار، والبهاء، وقال سمرة بن عطية: هو البهج، والصفرة في الوجوه، وأثر السهرة. قال الحسن: إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما هم بمرضى، وقال الضحّاك: أمّا إنّه ليس بالندب في الوجوه، ولكنّه الصفرة.\nوقال عكرمة، وسعيد بن جبير: هو أثر التراب على جباههم. قال أبو العالية: يسجدون على التراب لا على الأثواب، وقال سفيان الثوري: يصلّون بالليل، فإذا أصبحوا رؤي ذلك في وجوههم، بيانه\nقوله: ﷺ: «من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار» [٥٥] «٢» .\nقال الزهري: يكون ذلك يوم القيامة، وقال بعضهم: هو ندب السجود، وعلته في الجبهة من كثرة السجود.\n_________\n(١) سورة المائدة: ٥٤.\n(٢) الجامع الصغير: ٢/ ٦٤٠ كنز العمال: ٧/ ٧٨٣.","vol":"9","page":65},{"text":"وبلغنا في بعض الأخبار إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار أنضجي، يا نار أحرقي، وموضع السجود فلا تقربي\n، وقال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كلّ من حافظ على الصلوات الخمسة.\nذلِكَ الذي ذكرت مَثَلُهُمْ صفتهم فِي التَّوْراةِ وهاهنا تمّ الكلام، ثمّ قال:\nوَمَثَلُهُمْ صفتهم فِي الْإِنْجِيلِ فهما مثلان كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ قرأه العامّة بجزم (الطاء)، وقرأ بعض أهل مكّة، والشام بفتحه، وقرأ أنس، والحسن، ويحيى بن وثاب (شطاه) مثل عصاه. وقرأ الجحدري (شطه) بلا همزة، وكلّها لغات. قال أنس: (شَطْأَهُ) نباته، وقال ابن عبّاس: سنبلة حين يلسع نباته عن جنانه. ابن زيد: أولاده. مجاهد، والضحّاك: ما يخرج بجنب الحقلة فينمو ويتمّ عطاء جوانبه. مقاتل: هو نبت واحد، فإذا خرج ما بعده، فهو (شطأه) .\nالسدّي: هو أن يخرج معه ألطافه الأخرى. الكسائي: طرفه. الفراء: شطأ الزرع أن ينبت سبعا، أو ثمانيا، أو عشرا. قال الأخفش: فراخة يقال: أشطأ الزرع، فهو مشطي إذا أفرخ، وقال الشاعر:\nأخرج الشطأ على وجه الثرى ... ومن الأشجار أفنان الثمر «١»\nوهذا مثل ضربه الله تعالى لأصحاب محمّد (﵇) يعني أنّهم يكونون قليلا، ثمّ يزدادون، ويكثرون، ويقوون، وقال قتادة: مثل أصحاب محمّد (﵇) في الإنجيل مكتوب أنّه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر. فَآزَرَهُ قوّاه وأعانه وشد أزره فَاسْتَغْلَظَ فغلظ، وقوى فَاسْتَوى نما وتلاحق نباته، وقام عَلى سُوقِهِ أصوله يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ يعني أنّ الله تعالى فعل ذلك بمحمّد ﷺ وأصحابه لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.\nأخبرنا عبد الخالق بن علي بن عبد الخالق، أخبرنا أبو بكر محمّد بن يوسف بن حاتم بن نصر، حدّثنا الحسن بن عثمان، حدّثنا أحمد بن منصور الحنظلي، المعروف بزاج المروزي، حدّثنا سلمة بن سليمان، حدّثنا عبد الله بن المبارك، حدّثنا مبارك بن فضلة، عن الحسن في قوله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ قال: هو محمّد ﷺ وَالَّذِينَ مَعَهُ أبو بكر الصدّيق ﵁ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ عمر بن الخطّاب ﵁ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ عثمان بن عفّان ﵁ تَراهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا علي بن أبي طالب ﵁ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة الجرّاح سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ قال: المبشّرون عشرة أوّلهم أبو بكر، وآخرهم أبو عبيدة الجراح ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ قال: نعتهم في التوراة والإنجيل كمثل زرع قال: الزرع\n_________\n(١) فتح القدير: ٥/ ٥٦.","vol":"9","page":66},{"text":"محمّد ﷺ أَخْرَجَ شَطْأَهُ أبو بكر الصدّيق، فَآزَرَهُ عمر بن الخطّاب فَاسْتَغْلَظَ عثمان بن عفّان، يعني استغلظ بعثمان الإسلام فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ علي بن أبي طالب يعني استقام الإسلام بسيفه يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ قال: المؤمنون لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ قال: قول عمر لأهل مكّة:\nلا نعبد الله سرّا بعد هذا اليوم.\nأخبرنا ابن منجويه الدينوري، حدّثنا عبد الله بن محمّد بن شنبه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدّثنا محمّد بن مسلم بن واره، حدّثنا الحسين بن الربيع، قال: قال ابن إدريس ما آمن بأن يكونوا قد ضارعوا الكفّار، يعني الرافضة!، لأنّ الله تعالى يقول: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ.\nأخبرنا الحسين بن محمّد العدل، حدّثنا محمّد بن عمر بن عبد الله بن مهران، حدّثنا أبو مسلم الكجي، حدّثنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا عمران، عن الحجّاج، عن ميمون بن مهران، عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله ﷺ: «يكون في آخر الزمان قوم ينبزون أو يلمزون الرافضة يرفضون الإسلام ويلفظونه، فاقتلوهم فإنّهم مشركون!» [٥٦] «١» .\nأخبرنا الحسين بن محمّد، حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، حدّثنا أبي، حدّثنا أبو العوام أحمد بن يزيد الديباجي، حدّثنا المدني، عن زيد، عن ابن عمر، قال: قال النبيّ ﷺ لعليّ: «يا علي أنت في الجنّة وشيعتك في الجنّة، وسيجيء بعدي قوم يدّعون ولايتك، لهم لقب يقال له: الرافضة «٢»، فإن أدركتهم فاقتلوهم فإنّهم مشركون» .\nقال: يا رسول الله ما علامتهم؟ قال: «يا علي إنّهم ليست لهم جمعة، ولا جماعة يسبّون أبا بكر، وعمر» [٥٧] «٣» .\nوَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أي الطاعات، وقد مرّ تأويله، وقال أبو العالية في هذه الآية: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الذين أحبّوا أصحاب رسول الله المذكورين فيها فبلغ ذلك الحسن، فارتضاه، فاستصوبه منهم، قال ابن جرير: يعني من الشطأ الذي أخرجه الزرع، وهم الداخلون في الإسلام بعد الزرع إلى يوم القيامة رد (الهاء) و(الميم) على معنى الشطأ لا على لفظه، لذلك قال: مِنْهُمْ ولم يقل: منه. مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.\n(في فضل المفضل)، حدّثنا الشيخ أبو محمّد المخلدي، إملاء يوم الجمعة في شعبان سنة\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ٢٢.\n(٢) روي عن رسول الله ﷺ «أن سبب تسميتهم بذلك أنهم رفضوا دين النبي» تذكرة الموضوعات للفتني: ٩٣، وهم غير الشيعة وغير الإمامية، التي لا تنطبق عليهم هذه الصفات.\n(٣) للعلامة الأميني كلام حول هذا الحديث وتأويله في الغدير ٣/ ١٥٤.","vol":"9","page":67},{"text":"أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن حمدون بن خالد، وعبد الله بن محمّد بن مسلم، قالا: حدّثنا هلال بن العلاء، قال: حدّثنا حجّاج بن محمّد، عن أيّوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن شداد بن عبد الله، عن أبي أسماء الرجبي، عن ثوبان، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله أعطاني السبع الطوال مكان التوراة، وأعطاني المئين مكان الإنجيل، وأعطاني مكان الزبور المثاني، وفضّلني بالمفضل» [٥٨] «١» .\nوأخبرنا أبو الحسن الحباري، قال: حدّثنا أبو الشيخ الإصبهاني، قال: أخبرنا ابن أبي عاصم، قال: حدّثنا هشام بن عمّار، قال: حدّثنا محمّد بن شعيب بن شابور، قال: حدّثنا سعد ابن قيس، عن قتادة، عن أبي الملح الهذلي، عن واثلة بن الأسقع، أنّ النبيّ ﷺ قال: «أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، وأعطيت المئين مكان الزبور، وفضلت بالمفضل» [٥٩] «٢» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ١٠٧ مجمع الزوائد: ٧/ ١٥٨ بتفاوت. [.....]\n(٢) كنز العمال: ٢/ ٥٧٢ مجمع الزوائد: ٧/ ١٥٨ بتفاوت.","vol":"9","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>سورة الحجرات</span>\nمدنية. وهي ألف وأربعمائة وخمسة وسبعون حرفا، وثلاثمائة وثلاثة وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية\nأخبرنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم العبدوي قرأه عليه سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو عمر ومحمّد بن جعفر بن محمّد العدل، قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني، قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه» [٦٠] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قرأ العامة (تُقَدِّمُوا) بضم (التاء) وكسر (الدال) من التقديم، وقرأ الضحّاك، ويعقوب بفتحهما من التقدّم. واختلف المفسّرون في معنى الآية، فروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عبّاس، قال: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنّة.\nعطية عنه: لا تتكلّموا بين يدي كلامه.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أبو الحسين عمر بن الحسن بن مالك الشيباني، قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد بن عثمان الخزاز. قال: حدّثنا حسين بن محارق أبو جنادة، عن عبد الله بن سلامة، عن السبعي، عن جابر بن عبد الله لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٢١٤.","vol":"9","page":69},{"text":"قال: في الذبح يوم الأضحى، وإليه ذهب الحسن، قال: لا تذبحوا قبل أن يذبح النبيّ ﷺ، وذلك أن ناسا من المسلمين ذبحوا قبل صلاة النبي ﷺ فأمرهم أن يعيدوا الذبح.\nوأخبرنا عبد الخالق، قال: أخبرنا ابن حيي قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي العوام الرياحي، قال: حدّثنا أبي. قال: حدّثنا النعمان بن عبد السّلم التيمي، عن زفر بن الهذيل، عن يحيى بن عبد الله التيمي عن حبّال بن رفيدة، عن مسروق، عن عائشة ﵂ في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قالت: لا تصوموا قبل أن يصوم نبيّكم.\nوروي عن مسروق أيضا، قال: دخلت على عائشة في اليوم الذي جئت فيه، فقالت للجارية: اسقيه عسلا، فقلت: إنّي صائم. فقالت: قد نهى الله تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ\nوأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل. قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم. قال: حدّثني هشام بن يوسف، عن ابن جريح، قال: أخبرني ابن أبي مليكة أنّ عبد الله بن الزبير أخبرهم، قال: قدم ركب من بني تميم على النبيّ ﷺ فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد زرارة، وقال عمر: بل أمّر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلّا خلافي، وقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... الآية [٦١] «١» .\nوقال قتادة: نزلت في ناس كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، لوضع كذا. فكره الله ذلك وقدّم فيه. مجاهد: لا تفتاتوا «٢» على رسول الله بشيء حتّى يقضيه الله على لسانه «٣» .\nالضحّاك: يعني في القتال وشرائع الدين يقول: لا تقضوا أمرا دون الله ورسوله. حيان، عن الكلبي لا تستبقوا رسول الله بقول، ولا فعل حتّى يكون هو الذي يأمركم. وبه قال السدّي، وقال عطاء الخراساني: نزلت في قصة بئر معونة،\nوقيل في الثلاثة الذين نجّوا الرجلين السّلميين، اللذين اعتزما إلى بني عامر وأخذهم مالهما وكانا من أهل العهد، فلمّا أتوا رسول الله ﷺ وقد سبق الخبر إليه، فقال: «بئس ما صنعتم، هما من أهل ميثاقي وهذا الذي معكم من نسوتي «٤»»، قالا: يا رسول الله إنّهما زعما أنّهما من بني عامر، فقلنا: رجلان ممّن قتل إخواننا.\nفقلنا: هما لذلك. وأتاه السّلميون، فقال رسول الله ﷺ: «لا قود لهما لأنّهما اعتزما إلى\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ٦ وصحيح البخاري: ٥/ ١١٦ ط. دار الفكر.\n(٢) لا تفتاتوا: لا تبتدعوا الكلام وتفتوا برأيكم.\n(٣) تفسير الطبري: ٢٦/ ١٥٠.\n(٤) كذا في المخطوط.","vol":"9","page":70},{"text":"عدوّنا» [٦٢] «١» . ولكنّه أيدهما «٢»، فوادّهما رسول الله ﷺ وأنزل الله سبحانه في ذلك: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ حين قتلوا الرجلين\n، وهذه رواية ماذان عن ابن عبّاس.\nوقال ابن زيد: لا تقطعوا أمرا دون رسول الله، وقيل: لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين أيدي العلماء فإنّهم ورثة الأنبياء.\nودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا أبو الحسن الخبازي، قال: حدّثنا أبو القاسم موسى بن محمّد الدينوري بها، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى، قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال:\nحدّثنا رجل بمكّة، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي الدرداء، قال: رآني النبيّ ﷺ أمشي أمام أبي بكر، فقال: «تمشي أمام من هو خير منك في الدّنيا والآخرة، ما طلعت الشمس، ولا غربت على أحد بعد النبيّ ﷺ والمرسلين خيرا وأفضل من أبي بكر!!» [٦٣] «٣» .\nوقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس رسول الله ﷺ فإذا سئل الرسول عن شيء، خاضوا فيه، وتقدّموا بالقول، والفتوى، فنهوا عن ذلك، وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين الله سبحانه، قبل أن يقول فيه رسول الله ﷺ.\nوقيل: لا تطلبوا منزلة وراء منزلته. قال الأخفش: تقول العرب: فلان تقدّم بين يدي أبيه، وأمّه، ويتقدّم إذا استبدّ بالأمر دونهما. وَاتَّقُوا اللَّهَ في تضييع حقّه، ومخالفة أمره. إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لأقوالكم عَلِيمٌ بأفعالكم، وأحوالكم.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ الآية نزلت في ثابت بن قيس ابن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصّوت، فإذا كلّم إنسانا جهر بصوته، فربّما كان يكلّم رسول الله ﷺ فينادي بصوته، فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أي لا تغلظوا له في الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمّد، يا أحمد، كما ينادي بعضكم بعضا، ولكن فخّموه، واحترموه، وقولوا له قولا ليّنا، وخطابا حسنا، بتعظيم، وتوقير: يا نبي الله، يا رسول الله، نظيره قوله سبحانه: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا «٤» .\nأَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ كي لا تبطل حسناتكم. تقول العرب: أسند الحائط أن يميل وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ\nفلمّا نزلت هذه الآية قعد ثابت في الطريق، فمرّ به عاصم بن عدي، فقال: ما\n_________\n(١) بتفاوت في تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٠١.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) تاريخ بغداد: ١٤/ ٣٧٩.\n(٤) سورة النور: ٦٣.","vol":"9","page":71},{"text":"يبكيك يا ثابت؟ قال: هذه الآية أتخوّف أن تكون نزلت فيّ، وأنا رفيع الصوت، أخاف أن يحبط عملي، وأن أكون من أهل النار، فمضى عاصم إلى رسول الله ﷺ وغلب ثابتا البكاء، فأتى امرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول، فقال لها: إذا دخلت بيت فرسي، فشدّي على الضبة بمسمار فضربته بمسمار حتى إذا خرجت عطفه، وقال: لا أخرج حتّى يتوفّاني الله، أو يرضى عنّي رسول الله، فأتى عاصم رسول الله، فأخبره بخبره. فقال: «اذهب، فادعه لي» . فجاء عاصم إلى المكان الذي رآه فلم يجده، فجاء إلى أهله، فوجده في بيت الفرس، فقال له: إنّ رسول الله يدعوك، فقال: أكسر الصبّة، فأتيا رسول الله، فقال له رسول الله ﷺ: «ما يبكيك يا ثابت؟» فقال: أنا صيّت وأتخوّف أن تكون هذه الآية نزلت فيّ، فقال له رسول الله ﷺ: «أما ترضى أن تعيش سعيدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنّة» [٦٤] «١»، فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي أبدا على رسول الله، فأنزل الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ الآية «٢» .\nقال أنس: فكنّا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة، يمشي بين أيدينا، فلمّا كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، رأى ثابت في المسلمين بعض الانكسار، وانهزمت طائفة منهم، فقال: أف لهؤلاء، وما يصنعون. ثمّ قال ثابت لسالم مولى أبي حذيفة: ما كنا نقاتل أعداء الله مع رسول الله مثل هذا، ثمّ ثبتا، ولم يزالا يقاتلان حتّى قتلا. وثابت بن قيس عليه درع، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام أنّه قال له: اعلم أنّ فلانا- رجل من المسلمين- نزع درعي، فذهب بها وهي في ناحية من العسكر عنده فرس تستر في طوله، وقد وضع على درعي لرمه «٣»، فأت خالد بن الوليد، فأخبره حتّى يسترد درعي وأت أبا بكر خليفة رسول الله وقل له: إنّ عليّ دينا حتّى يقضي، وفلان من رقيقي عتيق.\nفأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس على ما وصفه، فاسترد الدرع، وأخبر خالد أبا بكر تلك الرؤيا، فأجاز أبو بكر وصيّته. قال مالك بن أنس: لا أعلم أجيزت بعد موت صاحبها إلّا هذه.\nحدّثنا أبو محمّد المخلدي، قال: أخبرنا أبو العبّاس السرّاج، قال: حدّثنا زياد بن أيّوب، قال: حدّثنا عباد بن العوّام، ويزيد بن هارون وسعيد بن عادر، عن محمّد بن عمرو، عن أبي سلمة، قال: حدّثنا سعيد، عن أبي هريرة. قال: لمّا نزلت لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ... الآية، قال أبو بكر: والله لا أرفع صوتي إلّا كأخي السرار «٤» .\n_________\n(١) فتح الباري: ٦/ ٤٥٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٦/ ١٥٣.\n(٣) كذا في المخطوط، ولعلها: دمه.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٠٨، والسرار بالكسر: المسارة أي كصاحب السرار أو كمثل المسارة بخفض صوته (لسان العرب ٤/ ٣٦٢) . [.....]","vol":"9","page":72},{"text":"وروى ابن أبي مليكة عن أبي الزبير، قال: لمّا نزلت هذه الآية، ما حدّث عمر النبيّ ﷺ بعد ذلك، فيسمع النبيّ ﷺ كلامه حتّى يستفهمه ممّا يخفض صوته، فأنزل الله سبحانه فيهم:\nإِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ إجلالا له أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى\nأي اختبرها، فأخلصها، واصطفاها كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج خالصه، وقال ابن عبّاس: أكرمها.\nوأخبرنا أبو سعيد محمّد بن موسى بن الفضل النيسابوري، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد ابن عبد الله بن أحمد الإصبهاني، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن محمّد بن عبد القريشي، قال:\nحدّثنا محمّد بن يحيى بن أبي خاتم، قال: حدّثني جعفر بن أبي جعفر، عن أحمد بن أبي الخولدي، قال: سمعت أبا سلمان يقول: قال عمر بن الخطّاب في قوله: الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى قال: أذهب الشهوات منها لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ويقال: إنّ هذه الآيات الأربع من قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ نزلت في وفد تميم.\nوهو ما\nأخبرني أبو القاسم الحسن بن محمّد، قال: حدّثني أبو جعفر محمّد بن صالح بن هاني الورّاق سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، قال: حدّثنا الفضل بن محمّد بن المسيب بن موسى الشعراني، قال: حدّثنا القاسم بن أبي شيبة، قال: حدّثنا معلّى بن عبد الرّحمن، قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر بن عمر بن الحكم، عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت بنو تميم إلى النبيّ ﷺ، فنادوا على الباب: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين. قال: فسمعها النبيّ ﷺ، فخرج عليهم، وهو يقول: «إنّما ذلكم الله الذي مدحه زين وذمّه شين» «١» .\nقالوا: نحن ناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا نشاعرك ونفاخرك، فقال رسول الله ﷺ: «ما بالشعر بعثت، ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا» [٦٥] «٢» .\nفقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم فاذكر فضلك، وفضل قومك. فقام، فقال:\nالحمد لله الذي جعلنا خير خلقه وآتانا أموالا نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض، من أكثرهم عدّة، ومالا، وسلاحا، فمن أنكر علينا قولنا، فليأت بقول هو أحسن من قولنا، وفعال هي خير من فعالنا. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس، وكان خطيب رسول الله: «قم فأجبه» .\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ٢٥٩.\n(٢) أسباب نزول الآيات للواحدي: ٢٥٩.","vol":"9","page":73},{"text":"فقام، فقال: الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، ثمّ دعا المهاجرين من بني عمّه أحسن الناس وجوها وأعظمهم أحلاما. فأجابوه، فقالوا: الحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ووزراء رسوله، وعزّا لدينه، فنحن نقاتل الناس، حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، فمن قالها منع منّا ماله، ونفسه، ومن أبى قتلناه، وكان زعمه في الله علينا هينا، أقول قولي وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات.\nفقال الزبرقان بن بدر لشاب من شبابهم: قم يا فلان، فقل أبياتا تذكر فيها فضلك، وفضل قومك. فقام الشاب، فقال:\nنحن الكرام فلا حيّ يعادلنا «١» ... فينا الرؤوس وفينا يقسم الربع\nونطعم الناس عند القحط كلّهم ... من السديف إذا لم يؤنس القزع\nإذا أبينا فلا يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع\nقال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى حسّان بن ثابت، فانطلق إليه الرّسول، فقال: وما تريد منّي وكنت عنده؟ قال: جاءت بنو تميم بشاعرهم، وخطيبهم، فأمر رسول الله ﷺ ثابت بن قيس، فأجابه، وتكلّم شاعرهم، فأرسل إليك لتجيبه.\nوذكر له قول شاعرهم. قال: فجاء حسّان، فأمره رسول الله ﷺ أن يجيبه فقال: يا رسول الله مره، فليسمعني ما قال، فقال النبي ﷺ: «اسمعه ما قلت»، فأنشده ما قال، فقال حسّان:\nإنّ الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد شرّعوا سنّة للنّاس تتبّع\nيرضى بها كلّ من كانت سريرته ... تقوى الإله وكلّ الخير يصطنع\nثمّ قال حسّان:\nنصرنا رسول الله والدين عنوة ... على رغم عات من معد وحاضر\nبضرب كإيزاغ المخاض مشاشه ... وطعن كأفواه اللقاح الصوادر\nوسل أحدا يوم استقلت شعابه ... بضرب لنا مثل الليوث الجواذر\nألسنا نخوض الموت في حومة الوغى ... إذا طاب ورد الموت بين العساكر\nونضرب هام الدارعين وننتمي ... إلى حسب من جذم غسان قاهر\nفلولا حياء الله قلنا تكرّما ... على النّاس بالخيفين هل من منافر\nفأحياؤنا من خير من وطئ الحصى ... وأمواتنا من خير أهل المقابر\n_________\n(١) في أسباب النزول: يفاخرنا بدلا من «يعادلنا» .","vol":"9","page":74},{"text":"قال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّي والله لقد جئت لأمر ما جاء له هؤلاء، وإنّي قد قلت شعرا، فاسمعه منّي، فقال: هات، فقال:\nأتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم\nوإنّا رؤس الناس من كلّ معشر ... وأنّ ليس في أرض الحجاز كدارم\nوإنّ لنا المرباع في كلّ غارة ... تكون بنجد أو بأرض التهائم\nفقال رسول الله ﷺ: «قم يا حسّان فأجبه» . فقام حسّان، فقال:\nبني دارم لا تفخروا إنّ فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم\nهبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم\nفقال رسول الله ﷺ: «لقد كنت غنيا يا أخا دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أنّ الناس قد نسوه» .\nقال: فكان قول رسول الله ﷺ أشدّ عليهم من قول حسّان. ثمّ رجع حسّان إلى شعره.\nفقال:\nكأفضل ما نلتم من المجد والعلى ... ردافتنا من بعد ذكر الأكارم\nفإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم\nفلا تجعلوا لله ندّا وأسلموا ... ولا تفخروا عند النبيّ بدارم\nوإلّا وربّ البيت مالت أكفّنا ... على هامكم بالمرهفات الصوارم\nقال: فقام الأقرع بن حابس، فقال: إنّ محمّدا المولى، إنه والله ما أدري ما هذا الأمر، تكلّم خطيبنا، فكان خطيبهم أحسن قولا، وتكلّم شاعرنا، فكان شاعرهم أشعر، وأحسن قولا.\nثمّ دنا من النبيّ ﷺ فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسوله.\nفقال له النبيّ ﷺ: «ما يضرّك ما كان قبل هذا» . ثمّ أعطاهم رسول الله ﷺ وكساهم، وقد كان يخلف في ركابهم عمرو بن الأهتم، وكان قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه رسول الله مثل ما أعطى القوم، فأزرى به قيس، وقال فيه أبيات شعر وارتفعت الأصوات، وكثر اللغط عند رسول الله ﷺ. فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ إلى قوله وَأَجْرٌ عَظِيمٌ يعني جزاء وافرا، وهو الجنّة «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ٤ الى ١٠]</span>\nإِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)\nوَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)\n_________\n(١) بطوله في أسباب النزول: ٢٥٩ وتاريخ دمشق: ٩/ ١٨٨- ١٩١ ط. دار الفكر، وزاد المسير لابن الجوزي:\n٧/ ١٧٨.","vol":"9","page":75},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ يعني أعراب تميم، حيث نادوا: يا محمّد اخرج علينا، فإنّ مدحنا زين وذمّنا شين، قاله قتادة.\nقال ابن عبّاس: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى حي من بني العنبر وأمّر عليهم عيينة بن حصين الفزاري، فلمّا علموا أنّه توجّه نحوهم، هربوا، وتركوا عيالهم، فسباهم عيينة، وقدم بهم على رسول الله ﷺ، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري، فقدموا وقت الظهيرة، وواقفوا رسول الله في أهله قائلا، فلمّا رأتهم الذراري جهشوا إلى آبائهم يبكون، وكان لكلّ امرأة من نساء رسول الله ﷺ بيت، وحجرة، فعجلوا أن يخرج إليهم رسول الله ﷺ وجعلوا ينادون: يا محمّد اخرج إلينا حتّى أيقظوه من نومه، فخرج إليهم، فقالوا: يا محمّد فادنا عيالنا.\nفنزل جبريل، فقال: يا محمّد إنّ الله يأمرك أن تجعل بينك، وبينهم رجلا، فقال لهم رسول الله ﷺ: «أترضون أن يكون بيني وبينكم سمرة بن عمرو، وهو على دينكم؟» .\nفقالوا: نعم. قال سمرة: أنا لا أحكم بينهم وعمّي شاهد، وهو الأعور بن شامة فرضوا به.\nفقال الأعور: أرى أن يفادي نصفهم، ويعتق نصفهم. فقال النبي ﷺ «قد رضيت» .\nففادى نصفهم وأعتق نصفهم، فقال رسول الله ﷺ: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل، فليعتق منهم» [٦٦] «١» . فأنزل الله ﷾: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ ... الآية\n، وقال زيد بن أرقم: جاء ناس من الغرف إلى النبيّ ﷺ فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى هذا الرجل، فإن يكن نبيّا فنحن أسعد الناس به، وأن يكن ملكا نعش في جناحه. فجاءوا إلى حجرة النبيّ ﷺ، فجعلوا ينادونه: يا محمّد، يا محمّد، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ\nوهي جمع الحجر، والحجر جمع حجرة، فهو جمع الجمع، وفيه لغتان: فتح (الجيم) وهي قراءة أبي جعفر، كقول الشاعر:\n_________\n(١) المعجم الكبير ١٠/ ١٨٥- في المصدر الحديث هكذا: «من كان عليه محرر من ولد إسماعيل فلا يعتق من حمير أحدا» مجمع الزوائد: ١٠/ ٤٦.","vol":"9","page":76},{"text":"أما كان عباد كفيا لدارم ... يلي ولأبيات بها الحجرات\nيعني يلي ولبني هاشم.\nأَكْثَرُهُمْ جهلاء لا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ لأنّك كنت تعتقهم جميعا، وتطلقهم بلا فداء. وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ\nأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أحمد بن عيسى بن السكين البلدي، قال: حدّثني هاشم بن القاسم الحراني، قال: حدّثني يعلى بن الأشدق، قال: حدّثني سعد بن عبد الله، أنّ النبيّ ﷺ سئل عن قول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ قال: «هم الجفاة من بني تميم، لولا أنّهم من أشدّ الناس قتالا للأعور الدجّال، لدعوت الله ﷿ أن يهلكهم» [٦٧] «١» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ الآية\nنزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق بعد الوقعة مصدّقا، وكان بينه، وبينهم عداوة في الجاهلية، فلمّا سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ، فحدّثه الشيطان أنّهم يريدون قتله، فهابهم، فرجع من الطريق إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّ بني المصطلق، قد منعوا صدقاتهم وأرادوا قتلي، فغضب رسول الله، وهمّ أن يغزوهم، فبلغ القوم رجوعه، فأتوا رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك، فخرجنا نتلقّاه، ونكرمه، ونؤدّي إليه ما قبلنا من حقّ الله، فبدا له في الرجوع، فخشينا أن يكون إنّما ردّه من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا، وإنّا نعوذ بالله من غضبه، وغضب رسوله، فأبهمهم «٢» رسول الله ﷺ، وبعث خالد بن الوليد إليهم خفية في عسكر، وأمره أن يخفي عليهم قدومه «٣» .\nوقال له: «انظر، فإن رأيت منهم ما يدلّ على إيمانهم، فخذ منهم زكاة أموالهم، وإن لم تر ذلك، فاستعمل فيهم ما يستعمل في الكفّار» .\nففعل ذلك خالد ووافاهم، فسمع منهم آذان صلاتي المغرب والعشاء، فأخذ منهم صدقاتهم، ولم ير منهم إلّا الطاعة، والخير، فانصرف خالد إلى رسول الله، وأخبره الخبر، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ يعني الوليد بن عقبة بن أبي معيط\nسمّاه الله فاسقا، نظيره أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ «٤»، قال سهل بن عبد الله وابن زيد: الفاسق الكذّاب. أبو الحسين الورّاق: هو المعلن بالذنب، وقال ابن طاهر وابن زيد: الفاسق الذي لا يستحي من الله سبحانه.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ٨٧.\n(٢) في تفسير ابن كثير (٤/ ٢٢٤): وإن النبي استغشهم وهمّ بهم فأنزل الله عذرهم.\n(٣) تفسير الطبري: ٢٦/ ١٦١.\n(٤) سورة السجدة: ١٨.","vol":"9","page":77},{"text":"بنبإ: بخبر فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا كي لا تصيبوا بالقتل، والقتال. قَوْمًا براء بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فاتقوا أن تقولوا الباطل، وتفتروا الكذب، فإنّ الله سبحانه يخبره أنباءكم، ويعرّفه أحوالكم، فتفتضحوا. لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ فيحكم برأيكم، ويقبل قولكم. لَعَنِتُّمْ لأثمتم وهلكتم. وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ فأنتم تطيعون رسول الله وتأتمّون به، فيقيكم الله بذلك العنت. وَزَيَّنَهُ وحسّنه فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ.\nثمّ انتقل من الخطاب إلى الخبر، فقال عزّ من قائل: أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ نظيرها قوله سبحانه: وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ «١»، قال النابغة:\nيا دارميّة بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد «٢»\nفَضْلًا أي كان هذا فضلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا\nقال أكثر المفسّرين: وقف رسول الله ﷺ ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار وهو على حماره، فبال حماره، فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه وقال: إليك عنّا بحمارك، فقد آذانا نتنه. فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك.\nفغضب لعبد الله بن أبي رجل من قومه، وغضب لعبد الله بن رواحة رجل من قومه، فغضب لكلّ واحد منهما أصحابه حتّى استسبّوا، وتجالدوا بالأيدي، والجريد، والنعال، ولم يقدر رسول الله ﷺ على إمساكهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، فلمّا نزلت قرأها رسول الله ﷺ فاصطلحوا، وكفّ بعضهم عن بعض، وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على سيفه، فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبد الله بن أبي: أعليّ تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم، والّذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا لضربتك حتّى أقتلك، فأنشأ عبد الله بن أبي يقول:\nمتى ما يكن مولاك خصمك جاهدا ... تظلم «٣» ويصرعك الذين تصارع «٤»\nقال قتادة: نزلت في رجلين من الأنصار، كانت بينهما مداراة في حقّ بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنّ حقّي منك عنوة، لكثرة عشيرته، وإنّ الآخر دعاه ليحاكمه إلى نبيّ الله ﷺ، فأبى أن يتبعه، فلم يزل الأمر بينهما، حتّى تدافعوا، وقد تناول بعضهم بعضا بالأيدي، والنعال، ولم يكن قتال بالسيوف.\nوروى محمّد بن الفضيل، عن الكلبي أنّها نزلت في حرب\n_________\n(١) سورة الروم: ٣٩.\n(٢) البداية والنهاية: ٢/ ٢٧٩.\n(٣) في السيرة: تذل بدل من «تظلم» .\n(٤) تفسير الطبري: ٢٦/ ١٦٧ وسيرة ابن هشام: ٢/ ٤٢٥ ط. مصر (صبيح وأولاده) .","vol":"9","page":78},{"text":"سمير وحاطب، وكان سمير قتل حاطبا، فجعل الأوس والخزرج يقتتلون إلى أن أتاهم النبيّ ﷺ، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وأمر نبيّه، والمؤمنين أن يصلحوا بينهم.\nوروى سفيان عن السدّي، قال: كانت امرأة من الأنصار يقال لها: أمّ زيد تحت رجل، وكان بينها، وبين زوجها شيء، فرمى بها إلى علية، وحبسها فيها، فبلغ ذلك قومها فجاءوا، وجاء قومه، فاقتتلوا بالأيدي، والنعال، فأنزل الله سبحانه تعالى: وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا الآية.\nفَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بالدعاء إلى حكم كتاب الله سبحانه، والرضا بما فيه لهما، وعليهما.\nفَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ ترجع إِلى أَمْرِ اللَّهِ وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى له، وعليه في كتابه الذي جعله عدلا بين خلقه. فَإِنْ فاءَتْ رجعت إلى الحقّ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ بحملهما على الإنصاف والرضى بحكم الله، وهو العدل، وَأَقْسِطُوا واعدلوا. إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ في الدين، والولاية فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ إذا اختلفا، واقتتلا، وقرأ ابن سيرين، ويعقوب. بين إخوتكم (بالتاء) على الجمع، وقرأ الحسن (إخوانكم) (بالألف) و(النون) . وَاتَّقُوا اللَّهَ فلا تعصوه ولا تخالفوا أمره لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ.\nقال أبو عثمان البصري: أخوة الدّين أثبت من أخوّة النسب، فإنّ اخوّة النسب تنقطع لمخالفة الدين، وأخوّة الدين لا تنقطع بمخالفة النسب. وسئل الجنيد عن الأخ، فقال: هو أنت في الحقيقة إلّا إنّه غيرك في الشخص.\nأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال:\nحدّثنا محمّد بن إسحاق المسوحي. قال: حدّثنا عمرو بن علي، قال: حدّثنا أبو عاصم. قال:\nحدّثنا إسماعيل بن رافع، عن ابن أبي سعيد، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يعيبه، ولا يخذله، ولا يتطاول عليه في البنيان، فيستر عليه الريح إلّا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلّا أن يعرف له، ولا يشتري لبنيه الفاكهة، فيخرجون بها إلى صبيان جاره، ولا يطعمونهم منها» .\nقال رسول الله ﷺ: «احفظوا، ولا يحفظه منكم إلّا قليل» [٦٨] «١» .\nوفي هاتين الآيتين دليل على انّ البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأنّ الله ﷾ سمّاهم أخوة مؤمنين مع كونهم باغين، عاصين. يدلّ عليه ما\nروى الأعور أنّ علي بن أبي طالب ﵁ سئل وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل، وصفّين، أمشركون هم؟\nفقال: لا، من الشرك فرّوا. فقيل: أهم منافقون؟ فقال: إنّ المنافقين لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٣. [.....]","vol":"9","page":79},{"text":"وقد أخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا أحمد بن الحسين بن عبد الجبّار الصوفي قال: حدّثنا أبو نصر التمّار، قال: حدّثنا كوثر، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: «يا عبد الله هل تدري كيف حكم الله سبحانه فيمن بغى من هذه الأمّة؟» .\nقال: الله ورسوله أعلم. قال: «لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها» [٦٩] «١» .\nوسئل محمّد بن كعب القرظي عن هاتين الآيتين، فقال:\nجعل النبيّ ﷺ أجر المصلح بين الناس، كأجر المجاهد عند الناس\n، وقال بكر بن عبد الله: امش ميلا، وعد مريضا، امش ميلين، وأصلح بين اثنين، امش ثلاثة أميال، وزر أخاك في الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١١ الى ١٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ الآية،\nقال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس، وذلك أنّه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله ﷺ، وقد سبقوه بالمجلس، أوسعوا له حتّى يجلس إلى جنبه، فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاته من صلاة الفجر ركعة مع رسول الله ﷺ، فلمّا انصرف النبيّ ﷺ من الصلاة أخذ أصحابه مجالسهم [منه، فربض] كلّ رجل بمجلسه، فلا يكاد يوسع أحد لأحد، فكان الرجل إذا جاء، فلم يجد مجلسا، قام قائما، كما هو، فلمّا فرغ ثابت من الصلاة، وقام منها، أقبل نحو رسول الله ﷺ فجعل يتخطّى رقاب الناس، ويقول: تفسحوا تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له حتّى انتهى إلى رسول الله ﷺ وبينه وبينه رجل.\nفقال له: تفسح. فقال له الرجل: قد أصبت مجلسا، فاجلس، فجلس ثابت من خلفه مغضبا، فلمّا أبينت الظلمة، غمز ثابت الرجل، وقال: من هذا؟ قال: أنا فلان. فقال له ثابت:\nابن فلانة. ذكر أمّا له كان يعيّر بها في الجاهلية. فنكس الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال الضحّاك: نزلت في وفد تميم الذين ذكرناهم في صدر السورة، استهزءوا بفقراء أصحاب رسول الله ﷺ مثل عمّار، وخباب، وبلال، وصهيب، وسلمان، وسالم مولى أبي حذيفة، لما رأوا من رثاثة حالهم، فأنزل الله سبحانه في الذين آمنوا منهم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٠.","vol":"9","page":80},{"text":"أي رجال من رجال، والقوم اسم يجمع الرجال والنساء «١»، وقد يختص بجمع الرجال، كقول زهير:\nوما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء «٢»\nعَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَ\nنزلت في امرأتين من أزواج النبيّ ﷺ سخرتا من أمّ سلمة، وذلك أنّها ربطت خصريها بسبيبة- وهي ثوب أبيض ومثلها السب- وسدلت طرفيها خلفها. فكانت تجرها.\nفقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجرّ خلفها كأنّه لسان كلب. فهذا كان سخريتهما «٣» .\nوقال أنس: نزلت في نساء رسول الله ﷺ عيّرن أمّ سلمة بالقصر. ويقال: نزلت في عائشة، أشارت بيدها في أمّ سلمة أنّها قصيرة\n، وروى عكرمة، عن ابن عبّاس أنّ صفية بنت حي بن أخطب أتت رسول الله ﷺ فقالت: إنّ النساء يعيّرني فيقلن: يا يهودية بنت يهوديين، فقال رسول الله ﷺ: «هلّا قلت: إنّ أبي هارون، وابن عمّي موسى، وإنّ زوجي محمّد» [٧٠] «٤»، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ أي لا يعيب بعضكم بعضا، ولا يطعن بعضكم على بعض. وقيل:\nاللمز العيب في المشهد، والهمز في المغيب، وقال محمّد بن يزيد: اللمز باللسان، والعين، والإشارة، والهمز لا يكون إلّا باللسان، قال الشاعر:\nإذا لقيتك عن شحط تكاشرني ... وإن تغيبت كنت الهامز اللمزة «٥»\nوَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ\nقال أبو جبير بن الضحّاك: فينا نزلت هذه الآية في بني سلمة، قدم رسول الله ﷺ المدينة، وما منّا رجل إلّا له اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا الرجل الرجل باسم، قلنا: يا رسول الله، إنّه يغضب من هذا. فأنزل الله ﷿: وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ.\nقال قتادة، وعكرمة: هو قول الرجل للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر، وقال الحسن:\nكان اليهودي، والنصراني يسلم، فيقال له بعد إسلامه: يا يهودي، يا نصراني، فنهوا عن ذلك، وقال ابن عبّاس: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيّئات، ثمّ تاب منها، وراجع الحقّ، فنهى الله أن يعيّر بما سلف من عمله.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٥ مورد الآية.\n(٢) كتاب العين: ٥/ ٢٣١.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٦.\n(٤) أسباب نزول الآيات للواحدي: ٢٦٤ تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٢٦.\n(٥) لسان العرب: ٥/ ٤٢٦ تاج العروس: ٤/ ٩٤.","vol":"9","page":81},{"text":"بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ يقول: من فعل ما نهيت عنه من السخرية، واللمز والنبز، فهو فاسق، وبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ فلا تفعلوا ذلك، فتستحقّوا (اسم الفسوق) وقيل: معناه بئس الاسم الذي تسميه، بقولك فاسق، بعد أن علمت أنّه آمن.\nوَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ...\nالآية نزلت في رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ اغتابا رفيقيهما، وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا أو سافر، ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسورين يخدمهما، ويحقب حوائجهما، ويتقدّم لهما إلى المنزل، فيهيّئ لهما ما يصلحهما من الطعام، والشراب، فضم سلمان الفارسي ﵁ إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدّم سلمان، فغلبته عيناه، فلم يهيّئ لهما شيئا، فلمّا قدما، قالا له: ما صنعت شيئا؟ قال: لا. قالا: ولم؟ قال: غلبتني عيناي، فقالا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ، واطلب لنا منه طعاما وإداما، فجاء سلمان إلى رسول الله ﷺ وسأله طعاما، فقال رسول الله ﷺ: «انطلق إلى أسامة بن زيد وقل له: إن كان عنده فضل من طعام، وإدام، فليعطك» .\nوكان أسامة خازن رسول الله ﷺ وعلى رحله، فأتاه، فقال: ما عندي شيء، فرجع سلمان إليهما، وأخبرهما بذلك، فقالا: كان عند أسامة، ولكن بخل، فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة، فلم يجد عندهم شيئا، فلمّا رجع سلمان، قالا: لو بعثناه إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثمّ انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ.\nفلمّا جاءا إلى رسول الله ﷺ قال لهما: «ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما» قالا: يا رسول الله، والله ما تناولنا يومنا هذا لحما، فقال: «ظللتم تأكلون لحم سلمان، وأسامة» [٧١] «١» .\nفأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا\nقرأه العامّة (بالجيم) وقرأ ابن عبّاس، وأبو رجاء العطاردي (ولا تحسّسوا) (بالحاء)، قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما عن الآخر. إلّا أنّ التجسّس لما يكتم، ويوارى، ومنه الجاسوس، والتحسس (بالحاء) تخبر الأخبار، والبحث عنها، ومعنى الآية خذوا ما ظهر، ودعوا ما ستر الله، ولا تتّبعوا عورات المسلمين.\nأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا قتيبة بن سعد، عن مالك، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٣١.","vol":"9","page":82},{"text":"والظنّ، فإنّ الظنّ أكذب الحديث، وَلا تَجَسَّسُوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا» [٧٢] «١» .\nوأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حبش، قال: أخبرنا علي بن زنجويه. قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن زرارة بن مصعب بن عبد الرّحمن بن عوف، عن المسوّر بن مخرمة، عن عبد الرّحمن بن عوف، أنّه حرس ليلة عمر بن الخطّاب بالمدينة، فبينا هم يمشون شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمّونه، فلمّا دنوا منه، إذا باب يجاف على قوم لهم أصوات مرتفعة، ولغط، فقال عمر، وأخذ بيد عبد الرّحمن: أتدري بيت من هذا؟ قال: قلت: لا.\nقال: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن بيثرب، فما ترى؟ قال عبد الرّحمن:\nأرى أنّا قد أتينا ما قد نهى الله سبحانه، فقال: وَلا تَجَسَّسُوا فقد تجسسنا، فانصرف عمر عنهم، وتركهم.\nوبه عن معمر، قال: أخبرني أيّوب، عن أبي قلابة أنّ عمر بن الخطّاب، حدّث أنّ أبا محجن الثقفي شرب الخمر في بيته هو وأصحابه، فانطلق عمر حتّى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلّا رجل، فقال أبو محجن: يا أمير المؤمنين إنّ هذا لا يحلّ لك، فقد نهاك الله ﷿ عن التجسّس، فقال عمر: ما يقول هذا؟ فقال زيد بن ثابت، وعبد الله بن الأرقم: صدق يا أمير المؤمنين، هذا التجسّس، قال: فخرج عمر ﵁، وتركه. وروى زيد بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب خرج ذات ليلة، ومعه عبد الرّحمن بن عوف ﵄ يعسّان إذ شبّ لهما نار، فأتيا الباب، فاستأذنا، ففتح الباب، فدخلا، فإذا رجل، وامرأة تغنّي، وعلى يد الرجل قدح، وقال عمر للرجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: فمن هذه منك؟\nقال: امرأتي. قال: وما في القدح؟ قال: ماء زلال. فقال للمرأة: وما الّذي تغنّين؟ فقالت:\nأقول:\nتطاول هذا الليل واسودّ جانبه ... وأرّقني ألّا حبيب ألاعبه «٢»\nفو الله لولا خشية الله والتقى ... لزعزع من هذا السرير جوانبه\nولكن عقلي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي أن تنال مراكبه\nثمّ قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين، قال الله: وَلا تَجَسَّسُوا فقال عمر:\nصدقت، وانصرف. وأخبرنا الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي. قال: حدّثنا\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٤٧٠ بتفاوت يسير. صحيح البخاري: ٧/ ٨٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٣٤ ولسان العرب: ٨/ ١٤٢، بتفاوت فيهما بالبيت الثاني.","vol":"9","page":83},{"text":"الحسين بن علوية. قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، قال: قيل لابن مسعود: هل لك في الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ فقال: إنّا قد نهينا عن التجسّس، فإن يظهر لنا شيئا نأخذه به.\nوَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا\nأخبرنا الحسين، قال: حدّثنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقري. قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن زيد أبو بكر السطوي، قال: حدّثنا علي بن إشكاب، قال: حدّثنا عمر بن يونس اليمامي، قال: حدّثنا جهضم بن عبد الله، عن العلاء بن عبد الرّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال: «أن يذكر أخاك بما يكره، فإمّا إن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتّه» [٧٣] «١» .\nوقال معاذ بن جبل: كنا مع رسول الله ﷺ فذكر القوم رجلا، فقالوا: ما يأكل إلّا ما أطعم، ولا يرحل إلّا ما رحّل، فما أضعفه، فقال رسول الله ﷺ: «اغتبتم أخاكم» .\nقالوا: يا رسول الله وغيبة أن نحدّث بما فيه؟ فقال: «بحسبكم أن تحدّثوا عن أخيكم بما فيه» [٧٤] «٢» .\nوروى موسى بن وردان عن أبي هريرة أنّ رجلا قام من عند رسول الله، فرأوا في قيامه عجزا، فقالوا: يا رسول الله ما أعجز فلانا. فقال رسول الله ﷺ «أكلتم أخاكم واغتبتموه» [٧٥] «٣» .\nأَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا، قال قتادة: يقول: كما أنت كاره أن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها، فكذلك فاكره لحم أخيك وهو حيّ، فَكَرِهْتُمُوهُ قال الكسائي، والفراء: معناه، فقد كرهتموه. وقرأ أبو سعيد الخدري (فَكُرِّهْتُمُوهُ) بالتشديد على غير تسمية الفاعل.\nأخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن نوح البجلي، قال: حدّثنا أبو صالح عبد الوهاب بن أبي عصمة. قال: حدّثنا إسماعيل بن يزيد الأصفهاني. قال: حدّثنا يحيى بن سليم، عن كهمس، عن ميمون بن سباه، وكان يفضل على الحسن، ويقال: قد لقي من لم يلق، قال: بينما أنا نائم إذا أنا بجيفة زنجي وقائل يقول لي: كل، قلت: يا عبد الله، ولم آكل؟ قال: بما اغتبت عبد فلان، قلت: والله ما ذكرت منه خيرا، ولا شرّا، قال: لكنّك استمعت، ورضيت، فكان\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٨٤ صحيح مسلم: ٨/ ٢١ بتفاوت.\n(٢) الدر المنثور: ٦/ ٩٧.\n(٣) مجمع الزوائد: ٨/ ٩٤ جامع البيان للطبري: ٢٦/ ١٧٧.","vol":"9","page":84},{"text":"ميمون بعد ذلك لا يغتاب أحدا، ولا يدع أن يغتاب عنده أحد، وحكي عن بعض الصالحين أنّه قال: كنت قاعدا في المقبرة الفلانية، فاجتازني شاب جلد، فقلت: هذا، وأمثاله، وبال على الناس، فلمّا كانت تلك الليلة رأيت في المنام أنّه قدّم إليّ جنازة عليها ميّت، وقيل لي كل من لحم هذا، وكشف عن وجهه، فإذا ذلك الشاب، فقلت: أنا لم آكل من لحم الحيوان الحلال منذ سنين، فكيف آكل هذا؟ فقيل: فلم اغتبته إذا؟ فانتبهت حزينا، فكنت آوي إلى تلك المقبرة سنة واحدة، فرأيت الرجل، فقمت إليه لأستحلّ منه، فنظر إليّ من بعيد، فقال: تبت. قلت:\nنعم، قال: ارجع إلى مكانك.\nوقد أخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عمر بن الخطّاب. قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل.\nقال: أخبرنا علي بن محمّد. قال: حدّثنا يحيى بن آدم. قال: حدّثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن ابن عمر، لأبي هريرة، قال: جاء ماعز إلى النبي ﷺ، فقال: إنّه زنى، فأعرض عنه، حتّى أقرّ أربع مرّات، فأمر برجمه، فمرّ النبيّ ﷺ على رجلين يذكران ماعزا، فقال أحدهما: هذا الذي ستر عليه، فلم تدعه نفسه حتّى رجم برجم الكلب.\nقال: فسكت عنهما حتّى مرّا معه على جيفة حمار شائل رجله، فقال ﷺ لهما: «انزلا فأصيبا منه» . فقالا: يا رسول الله غفر الله لك، وتؤكل هذه الجيفة؟\nقال: «ما أصبتما من لحم أخيكما آنفا أعظم عليكما، أما إنّه الآن في أنهار الجنّة منغمس فيها» [٧٦] .\nوأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا الفريابي، قال: حدّثنا محمّد بن المصفى، قال: حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا عبد القدوس بن الحجّاج، قال: حدّثني صفوان بن عمرو، قال: حدّثنا راشد بن سعد، وعبد الرّحمن بن جبير، عن أنس بن مالك، عن رسول الله ﷺ قال: «لمّا عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم النّاس، ويقعون في أعراضهم» [٧٧] «١» .\nوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ\nأخبرني الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدّثنا يحيى بن أيّوب، قال: حدّثنا أسباط، عن أبي رجاء الخراساني، عن عبّاد بن كثير، عن الحريري، عن أبي نصرة، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، قالا: قال رسول الله ﷺ «الغيبة أشدّ من الزنا» . قيل: وكيف؟\nقال: «إنّ الرجل يزني، ثمّ يتوب، فيتوب الله عليه، وإنّ صاحب الغيبة لا يغفر له حتّى يغفر له صاحبه» [٧٨] «٢» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢٢٤ وسنن أبي داود: ٢/ ٤٥١.\n(٢) الجامع الصغير: ١/ ٤٥٠ العهود المحمدية للشعراني: ٨٥٦ كنز العمال: ٣/ ٥٨٦. [.....]","vol":"9","page":85},{"text":"وأخبرني الحسين، قال: حدّثنا الفضل. قال: حدّثنا أبو عيسى حمزة بن الحسين بن عمر البزاز البغدادي، قال: حدّثنا محمّد بن علي الورّاق. قال: حدّثنا هارون بن معروق، قال:\nحدّثنا ضمرة، عن ابن شوذي، قال: قال رجل لابن سيرين: إنّي قد اغتبتك، فاجعلني في حلّ، قال: إنّي أكره أن أحلّ ما حرّم الله.\nوأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا أبو الطيب بن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع.\nقال: قرأت على أحمد بن سعيد، حدّثنا سعيد، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، عن هشام بن حسّان عن خالد الربعي، قال: قال عيسى ابن مريم لأصحابه: أرأيتم لو أنّ أحدكم رأى أخاه المسلم قد كشف الريح عن ثيابه؟ قالوا: سبحان الله إذا كنّا نردّه. قال: لا، بل كنتم تكشفون ما بقي، مثلا ضربه لهم يسمعون للرجل سيئة أو حسنة، فيذكرون أكثر من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>[سورة الحجرات (٤٩): الآيات ١٣ الى ١٨]</span>\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٧)\nإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)\nيا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ الآية.\nقال ابن عبّاس: نزلت في ثابت بن قيس وقوله للرجل الذي لم يفسح له: ابن فلانة، فقال رسول الله ﷺ: «من الذاكر فلانة؟» . فقام ثابت، فقال: أنا يا رسول الله. فقال: «انظر في وجوه القوم» . فنظر إليهم، فقال: «ما رأيت يا ثابت؟» .\nقال: رأيت أبيض وأسود وأحمر. قال: «فإنّك لا تفضلهم إلّا في الدّين والتقوى» [٧٩] «١»، فأنزل الله سبحانه في ثابت هذه الآية وبالّذي لم يفسح له: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ، فَافْسَحُوا ... «٢» الآية.\nوقال مقاتل: لمّا كان يوم فتح مكّة، أمر رسول الله ﷺ بلالا حتّى علا على ظهر الكعبة وأذّن، فقال عتاب بن أسد بن أبي العيص: الحمد لله الذي قبض أبي حتّى لم ير هذا اليوم، وقال الحرث بن هاشم: أما وجد محمّد غير هذا الغراب الأسود مؤذّنا؟ وقال سهيل بن عمرو:\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات للواحدي: ٢٦٤.\n(٢) سورة المجادلة: ١١.","vol":"9","page":86},{"text":"إن يرد الله شيئا يغيره، وقال أبو سفيان بن حرب: إنّي لا أقول شيئا أخاف أن يخبر به ربّ السماء.\nفأتى جبريل رسول الله ﷺ وأخبره بما قالوا، فدعاهم رسول الله ﷺ وسألهم عمّا قالوا، فأقرّوا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية وزجرهم، عن التفاخر بالأنساب، والتكاثر بالأموال، والازدراء للفقراء\n، وقال يزيد بن سخرة: كان رسول الله ﷺ ذات يوم يمرّ ببعض أسواق المدينة، فإذا غلام أسود قائم، ينادى عليه ليباع، فمن يريد.\nوكان الغلام قال: من اشتراني فعلي شرط، قيل: ما هو، قال: ألا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله ﷺ، فاشتراه رجل على هذا الشرط، فكان رسول الله ﷺ يراه عند كلّ صلاة مكتوبة، ففقده ذات يوم، فقال لصاحبه: «أين الغلام؟» . فقال: محموم يا رسول الله، فقال لأصحابه: «قوموا بنا نعوده» . فقاموا معه فعادوه، فلما كان بعد أيّام قال لصاحبه: «ما حال الغلام؟» [٨٠] «١» .\nقال: يا رسول الله، إنّ الغلام لما به، فقام رسول الله ﷺ فدخل عليه وهو في ذهابه، فقبض على تلك الحال، فتولّى رسول الله ﷺ غسله، وتكفينه، ودفنه، فدخل على المهاجرين، والأنصار من ذلك أمر عظيم، فقال المهاجرون: هاجرنا ديارنا، وأموالنا، وأهالينا، فلم ير أحد منّا في حياته ومرضه وموته ما لقي منه هذا الغلام، وقال الأنصار: آويناه، ونصرناه، وواسيناه فآثر علينا عبدا حبشيّا، فعذر الله سبحانه رسوله ﷺ، فيما تعاطاه من أمر الغلام، وأراهم فضل التقوى، فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا\nوهي رؤوس القبائل وجمهورها مثل ربيعة ومضر والأوس والخزرج. واحدها شعب بفتح الشين، سمّوا بذلك لتشعّبهم واجتماعهم، كتشعّب أغصان الشجر، والشعب من الأضداد يقال: شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرّقته، ومنه قيل للموت: شعوب.\nوَقَبائِلَ وهي دون الشعوب، واحدها قبيلة، وهم كندة من ربيعة، وتميم من مضر، ودون القبائل العمائر، واحدها عمارة بفتح العين كشيبان من بكر، ودارم من تميم، ودون العمائر البطون، واحدها بطن، وهم كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ، واحدها فخذ، وهم كبني هاشم، وأمية من بني لؤي، ثمّ الفصائل، والعشائر، واحدتها فصيلة، وعشيرة، وقيل: الشعوب من العجم، والقبائل من العرب، والأسباط من بني إسرائيل، وقال أبو رزين وأبو روق: الشعوب الذين لا يصيرون إلى أحد، بل ينسبون إلى المدائن، والقرى، والأرضين، والقبائل العرب الذين ينسبون إلى آبائهم.\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات- الواحدي النيسابوري: ٢٦٥.","vol":"9","page":87},{"text":"لِتَعارَفُوا يعرف بعضكم بعضا في قرب النسب، وبعده لا لتفاخروا. وقرأ الأعمش (ليتعارفوا)، وقرأ ابن عبّاس (ليعرفوا) بغير (ألف) .\nإِنَّ أَكْرَمَكُمْ بفتح (الألف)، وقرأه العامة (إِنَّ) بكسر (الألف) على الاستئناف، والوقوف على قوله لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ قال قتادة: في هذه الآية أكرم الكرم التقوى. وألأم اللوم الفجور،\nوقال ﷺ: «من سرّه أن يكون أكرم الناس، فليتّق الله» «١» .\nوقال: «كرم الرجل دينه، وتقواه، وأصله عقله، وحسبه خلقه» «٢»\n، وقال ابن عبّاس: كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة التقوى: إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.\nأخبرنا الحسن، قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن علي، قال: حدّثنا زكريا بن يحيى بن يعقوب المقدسي، قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المقري، قال: حدّثنا ابن رجاء، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: طاف رسول الله ﷺ على راحلته القصواء يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه، فما وجد لها مناخ في المسجد، حتّى أخرجنا إلى بطن الوادي، فأناخت فيه، ثمّ حمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد أيّها الناس، قد أذهب عنكم عيبة الجاهلية، وفخرها بالآباء- وفي بعض الألفاظ: وتعظمها بآبائها- إنّما الناس رجلان، برّ تقي كريم على الله، وفاجر شقيّ هيّن على الله» . ثمّ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ ... الآية، وقال: «أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» [٨١] «٣» .\nوأخبرني الحسين، قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسين الصوفي. قال: حدّثنا أبو شعيب الحراني. قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله الكابلي. قال: حدّثنا الأوزاعي، قال: حدّثني يحيى بن أبي كثير، إنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، ولا إلى أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، وأعمالكم، وإنّما أنتم بنو آدم أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ» [٨٢] «٤» .\nوأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن حفصويه، قال: حدّثنا عبد الله بن جامع المقري، قال: حدّثنا أحمد بن خادم. قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا طلحة، عن عطاء، عن أبي هريرة، قال: الله سبحانه يقول يوم القيامة: إنّي جعلت نسبا، وجعلتم نسبا، فجعلت أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ فأنتم تقولون: فلان بن فلان، وأنا اليوم أرفع نسبي، وأضع أنسابكم، أين المتّقون؟ أين المتّقون؟ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «٥» .\n_________\n(١) تفسير الثعالبي: ٥/ ٢٧٧.\n(٢) تفسير ابن كثير: ١/ ٣١٩ مسند أحمد: ٢/ ٣٦٥ مجمع الزوائد: ١٠/ ٢٥١ بتفاوت.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٣٣ ومسند أحمد: ٢/ ٥٢٤.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٢٨٥ صحيح مسلم: ٨/ ١١.\n(٥) كنز العمال: ٣/ ٩١ ح ٥٦٤٣ وتفسير الدر المنثور: ٦/ ٩٨.","vol":"9","page":88},{"text":"وأخبرنا ابن منجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيّوب. قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب. قال: حدّثنا محمّد بن أبي بكر. قال: حدّثني يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عمر، قال: حدّثني سعيد بن أبي سعيد المقري، عن أبي هريرة، قال: قيل: يا رسول الله من أكرم الناس؟ قال: «أتقاهم» .\nوأنشدني ابن حبيب، قال: أنشدنا ابن رميح، قال: أنشدنا عمر بن الفرحان:\nما يصنع العبد بعزّ الغنى ... والعزّ كلّ العزّ للمتّقي\nمن عرف الله فلم تغنه ... معرفة الله فذاك الشقي «١»\nقالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا الآية\nنزلت في نفر من بني أسد بن خزيمة، ثمّ من بني الحلاف بن الحارث بن سعيد، قدموا على رسول الله ﷺ المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا إله إلّا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السرّ، وأفسدوا طرق المدينة بالعدوان، وأغلوا أسعارها، وكانوا يغدون، ويروحون على رسول الله ﷺ ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأفعال، والعيال والذراري، يمنون على رسول الله ﷺ، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان، وبنو فلان، ويريدون الصدقة، ويقولون: أعطنا، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية.\nوقال السدي: نزلت في الأعراب الذين ذكرهم الله في سورة الفتح، وهم أعراب مزينة، وجهينة، وأسلم، وأشجع، وغفار، كانوا يقولون: آمنّا بالله، ليأمنوا على أنفسهم، وأموالهم، فلمّا استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا، فأنزل الله سبحانه: قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي انقدنا واستسلمنا مخافة القتل والسبي. وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فأخبر أنّ حقيقة الإيمان التصديق بالقلب، وأنّ الإقرار به باللسان، وإظهار شرائعه بالأبدان، لا يكون إيمانا دون الإخلاص الذي محلّه القلب، وأنّ الإسلام غير الإيمان.\nيدلّ عليه ما\nأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله الجوزقي، قرأه عليه محمّد بن زكريا في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، قال: أخبرنا أبو العبّاس محمد بن الدغولي، قال:\nحدّثنا محمّد بن الليث المروزي، قال: حدّثنا عبد الله بن عثمان بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الله ابن المبارك، قال: أخبرنا يونس، عن الزهري. قال: أخبرني عامر، عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول الله ﷺ أعطي رهطا، وسعد جالس فيهم، فقال سعد: فترك رسول الله ﷺ رجلا منهم، فلم يعطه، وهو أعجبهم إليّ. فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان؟ فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله: «أو مسلما» .\nفسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ: «أو مسلما» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٤٦.","vol":"9","page":89},{"text":"فسكت قليلا، ثمّ غلبني ما أعلم منه، فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان، فو الله إنّي لأراه مؤمنا، فقال رسول الله ﷺ: «أو مسلما، فإنّي لأعطي الرجل، وغيره أحبّ إليّ منه خشية أن يكبّ في النار على وجهه» [٨٣] «١» .\nفاعلم أنّ الإسلام الدخول في السلم، وهو الطاعة والانقياد، والمتابعة، يقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم وهو الطاعة والانقياد والمتابعة.\nيقال: أسلم الرجل إذا دخل في السلم، كما يقال: أشتى الرجل إذا دخل في الشتاء، وأصاف إذا دخل في الصيف، وأربع إذا دخل في الربيع، وأقحط إذا دخل في القحط، فمن الإسلام ما هو طاعة على الحقيقة باللسان والأبدان فالجنان، كقوله ﷿ لإبراهيم: أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ «٢»، وقوله: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ «٣» .\nومنه ما هو انقياد باللسان دون القلب وذلك قوله: وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا بيانه قوله سبحانه: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ظاهرا وباطنا، سرّا وعلانيّة لا يَلِتْكُمْ (بالألف) أبو عمر، ويعقوب، واختاره أبو حاتم اعتبارا بقوله: وَما أَلَتْناهُمْ «٤» يقال ألت يألت ألتا، قال الشاعر:\nأبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا «٥»\nوقرأ الآخرون (يَلَتْكَمْ) من لات يليت ليتا، كقول رؤبة:\nوليلة ذات ندى سريت ... ولم يلتني عن سراها ليت «٦»\nومعناهما جميعا لا ينقصكم، ولا يظلمكم. مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثمّ بيّن حقيقة الإيمان، فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا لم يشكّوا في وحدانية الله، ولا بنبوّة أنبيائه ولا فيما آمنوا به، بل أيقنوا وأخلصوا «٧» .\nوَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم، لا من أسلم خوف السيف ورجاء الكسب،\nفلمّا نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسول الله ﷺ\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٣/ ١٠٤.\n(٢) سورة البقرة: ١٣١.\n(٣) سورة الذاريات: ٣٦٣٥.\n(٤) سورة الطور: ٢١.\n(٥) لسان العرب: ٢/ ٤ تاج العروس: ١/ ٥٢٢. [.....]\n(٦) زاد المسير: ٧/ ١٨٧ وتاج العروس: ١/ ٥٨٢.\n(٧) تفسير الطبري: ٢٦/ ١٨٦ بتفاوت.","vol":"9","page":90},{"text":"فحلفوا بالله إنّهم مؤمنون في السرّ، والعلانية، وعرف الله غير ذلك منهم «١»، فأنزل الله سبحانه قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ الذي أنتم عليه.\nوَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ أي بإسلامكم. بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ وفي مصحف عبد الله (إذ هداكم للإيمان) إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّكم مؤمنون. إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ قرأ ابن كثير، والأعمش، وطلحة، وعيسى (بالياء)، غيرهم (بالتاء) .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٦/ ٣٤٩.","vol":"9","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-720>سورة ق</span>\nمكّية، وهي ألف وأربعمائة وأربع وتسعون حرفا، وثلاثمائة وسبع وخمسون كلمة، وخمسة وأربعون آية\nأخبرنا أبو الحسين محمد بن القاسم بن أحمد الماوردي، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد ابن محمد بن سادة الكرابيسي، قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة، عن سعيد، عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حش، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة ق، هوّن الله عليه تارات الموت، وسكراته» [٨٤] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>[سورة ق (٥٠): الآيات ١ الى ١٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ (٤)\nبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)\nوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذلِكَ الْخُرُوجُ (١١) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)\nأَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)\nق قال ابن عبّاس: هو اسم من أسماء الله سبحانه، أقسم به. قتادة: اسم من أسماء القرآن، القرظي: افتتاح أسماء الله، قدير، وقادر، وقاهر، وقاضي، وقابض. الشعبي: فاتحة السّورة. بريد، وعكرمة، والضحّاك: هو جبل محيط بالأرض من زمردة خضراء، خضرة السماء منه، وعليه كتفا السماء، وما أصاب الناس من زمرد، فهو ما يسقط من الجبل، وهي رواية أبي\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٢٣٣.","vol":"9","page":92},{"text":"الحوراء، عن ابن عبّاس. قال وهب بن منبه: إنّ ذا القرنين أتى على جبل قاف، فرأى حوله جبالا صغارا، فقال له: ما أنت؟ قال: أنا قاف، قال: وما هذه الجبال حولك؟ قال: هي عروقي، وليست مدينة من المدائن إلّا وفيها عرق منها، فإذا أراد الله أن يزلزل تلك الأرض أمرني، فحرّكت عرقي ذلك، فتزلزلت تلك الأرض، فقال له: يا قاف، فأخبرني بشيء من عظمة الله، قال: إنّ شأن ربّنا لعظيم، تقصر عنه الصفات، وتنقضي دونه الأوهام.\nقال: فأخبرني بأدنى ما يوصف منها. قال: إنّ ورائي لأرضا مسيرة خمسمائة عام في عرض خمسمائة عام من جبال ثلج يحطم بعضه بعضا، لولا ذاك الثلج لاحترقت من حرّ جهنّم.\nقال: زدني، قال: إنّ جبريل ﵇ واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه، يخلق الله من كلّ رعدة مائة ألف ملك، وأولئك الملائكة صفوف بين يدي الله سبحانه، منكّسو رؤوسهم، فإذا أذن الله لهم في الكلام، قالوا: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وهو قوله: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا «١» يعني لا إله إلّا الله.\nوقال الفرّاء: وسمعت من يقول: (ق): قضي ما هو كائن، وقال أبو بكر الورّاق: معناه قف عند أمرنا، ونهينا، ولا تعدهما. وقيل: معناه قل يا محمّد.\nأحمد بن عاصم الأنطاكي، هو قرب الله سبحانه من عباده، بيانه وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ «٢» وقال ابن عطاء: أقسم بقوّة قلب حبيبه محمّد ﷺ حيث حمل الخطاب، ولم يؤثر ذلك فيه لعلوّ حاله. وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ الشريف، الكريم على الله الكبير، الخبير.\nواختلف العلماء في جواب هذا القسم، فقال أهل الكوفة: بَلْ عَجِبُوا، وقال الأخفش: جوابه محذوف مجازه ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ لتبعثن، وقال ابن كيسان: جوابه قوله:\nما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ الآية، وقيل: قد علمنا، وجوابات القسم سبعة: (إن) الشديدة، كقوله:\nإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ «٣» و(ما) النفي كقوله: وَالضُّحى ... ما وَدَّعَكَ «٤» و(اللام) المفتوحة، كقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ «٥» و(إن) الخفيفة كقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي «٦»، و(لا) كقوله: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ «٧»، لا يبعث الله من يموت، وقد\n_________\n(١) سورة النبأ: ٣٨.\n(٢) سورة ق: ١٦.\n(٣) سورة الفجر: ١٤.\n(٤) سورة الضحى: ٣١.\n(٥) سورة الحجر: ٩٢.\n(٦) سورة الشعراء: ٩٧.\n(٧) سورة الأنعام: ١٠٩.","vol":"9","page":93},{"text":"كقوله: وَالشَّمْسِ وَضُحاها ... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها «١» وبل كقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ يعرفون حسبه، ونسبه، وصدقه، وأمانته. فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ\nغريب.\nأَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا نبعث، فترك ذكر البعث لدلالة الكلام عليه. ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ يقال: رجعته رجعا، فرجع هو رجوعا، قال الله سبحانه: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ «٢» قال الله سبحانه: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ما تأكله من عظامهم، وأجسامهم، وقيل:\nمعناه قد علمنا ما يبلى منهم، وما يبقى لأنّ العصعص لا تأكله الأرض كما\nجاء في الحديث:\n«كلّ ابن آدم يبلى، إلّا عجب الذنب، منه خلق ومنه يركب»\n[٨٥] «٣» وأبدان الأنبياء والشهداء أيضا لا تبلى.\nوقال السدي: والموت يقول: قد علمنا من يموت منهم، ومن يبقى. وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ محفوظ من الشياطين، ومن أن يدرس، ويبعثر، وهو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه جميع الأشياء المقدّرة.\nبَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بالقرآن. لَمَّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ قال أبو حمزة: سئل ابن عبّاس عن المريج، فقال: هو الشيء المكر، أما سمعت قول الشاعر:\nفجالت فالتمست به حشاها ... فخر كأنه خوط مريج «٤»\nالوالبي عنه: أمر مختلف. العوفي عنه: أمر ضلالة. سعيد بن جبير، ومجاهد: ملتبس، قال قتادة: في هذه الآية من نزل الحقّ مرج أمره عليه، والتبس دينه عليه. ابن زيد: مختلط، وقيل: فاسد، وقيل: متغير. وكلّ هذه الأقاويل متقاربة، وأصل المرج الاضطراب، والقلق، يقال: مرج أمر الناس، ومرج الدّين، ومرج الخاتم في إصبعي وخرج إذا قلق من الهزال، قال الشاعر:\nمرج الدّين فأعددت له ... مشرف الحارك محبوك الكتد «٥»\nوفي الحديث: «مرجت عهودهم، وأمانيهم» .\nأَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ أي شقوق، وفتوق، واحدها فرج، وقال ابن زيد: الفروج الشيء المتفرّق المتبري بعضه من بعض، وقال\n_________\n(١) سورة الشمس: ٩١.\n(٢) سورة التوبة: ٨٣.\n(٣) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢٥١ ومسند أحمد: ٢/ ٤٩٩. [.....]\n(٤) تاج العروس: ٢/ ١٠٠.\n(٥) لسان العرب: ١٠/ ٤٠٨ وتفسير القرطبي: ١٧/ ١٥ والحارك: الكاهل، والكتد: مجمع الكتفين.","vol":"9","page":94},{"text":"الكسائي: ليس فيها تفاوت، ولا اختلاف وَالْأَرْضَ مَدَدْناها بسطناها على وجه الماء وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ لون بَهِيجٍ حسن كريم يبهج به أي يسر. تَبْصِرَةً أي جعلنا ذلك تبصرة، وقال أبو حاتم: نصبت على المصدر. وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ يعني تبصر أو تذكّر إنابتها له، لأنّ من قدر على خلق السماوات، والأرض، والنبات، قدر على بعثهم، ونظير التبصرة من المصادر التكملة، والتفضلة، ومن المضاعف النخلة، والبعرة.\nوَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكًا فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ يعني البر، والشعير، وسائر الحبوب التي تحصد وتدّخر وتقتات، وأضاف الحبّ إلى الحصيد، وهما واحد، لاختلاف اللفظين، كما يقال: مسجد الجامع، وربيع الأوّل، وحَقُّ الْيَقِينِ، وحَبْلِ الْوَرِيدِ، ونحوها.\nوَالنَّخْلَ باسِقاتٍ قال مجاهد، وعكرمة، وقتادة: طوالا، وقال عبد الله بن شداد بن الهاد:\nسوقها لاستقامتها في الطول. سعيد بن جبير: مستويات. الحسن والفرّاء: مواقير حوامل، يقال للشاة إذا ولدت: أبسقت، ومحلّها نصب على الحال، والقطع.\nأخبرني الحسن، قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي، قال: حدّثنا عبيد بن محمد بن صبح الكناني. قال: حدّثنا هشام بن يونس النهشلي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن زياد بن علاقة، عن قطبة بن مالك. قال: سمعت النبيّ ﷺ يقرأ: (والنّخل باصقات) بالصاد «١» .\nلَها طَلْعٌ تمر، وحمل سمّي بذلك لأنّه يطلع. نَضِيدٌ متراكب متراكم، قد نضد بعضه على بعض. قال بن الأجدع: نخل الجنّة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال [القلال] «٢» والدلاء، وأنهارها تجري في [عبر] «٣» أخدود رِزْقًا أي جعلناه رزقا لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا.\nأخبرني ابن منجويه، قال: حدّثنا ابن صقلاب. قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب، قال:\nحدّثني ابن أبي الجوادي، قال: حدّثنا [عتيق] بن يعقوب، عن إبراهيم بن قدامة، عن أبي عبد الله الأغر، عن أبي هريرة، قال: كان النبيّ ﷺ إذا جاءهم المطر، فسالت الميازيب، قال:\n«لا محل عليكم العام» [٨٦] «٤» أي الجدب.\nكَذلِكَ الْخُرُوجُ من القبور.\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ وهو ملك اليمن، ويسمّى تبّعا لكثرة أتباعه، وكان يعبد النار فأسلم، ودعا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٧.\n(٢) القلال: خشب ترفع بها الكروم من الأرض، والأخدود: الشقوق المستطيلة في الأرض.\n(٣) في تفسير الطبري (١/ ٢٤٦): غير أخدود.\n(٤) المعجم الأوسط: ١/ ٢٥٨.","vol":"9","page":95},{"text":"قومه إلى الإسلام، وهم من حمير، فكذّبوه، وكان خبره وخبر قومه ما أخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرني أبو علي إسماعيل بن سعدان، قال: أخبرني علي بن أحمد، قال: حدّثنا محمد ابن جرير، وأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال:\nحدّثنا سلمة، قال: حدّثنا محمد بن إسحاق، قال: كان تبّع الآخر، وهو أسعد أبو كرب بن ملكي كرب، حين أقبل من المشرق، جعل طريقه على المدينة، وكان حين مر بها لم يهيج أهلها، وخلّف بين أظهرهم ابنا له، فقتل غيلة، فقدمها، وهو مجمع لإخراجها، واستئصال أهلها، وقطع نخيلها، فجمع له هذا الحيّ من الأنصار، حين سمعوا ذلك من أمره امتنعوا منه، ورئيسهم يومئذ عمرو بن ظلم أخو بني النجار أحد بني عمرو، فخرجوا لقتاله، وكان تبّع نزل بهم قبل ذلك، فقتل رجل منهم، من بني عدي بن النجّار، يقال له: أحمر، رجلا من صحابة تبّع، وجده في عذق له بجدة فضربه بنخلة فقتله.\nوقال: إنّما التمرة لمن أبره، ثمّ ألقاه حين قتله في بئر من آبارهم معروفة، يقال لها: ذات تومان، فزاد ذلك تبعا حنقا عليهم، فبينا تبّع على ذلك من حربهم يقاتلهم ويقاتلونه، قال: فيزعم الأنصار أنّهم كانوا يقاتلونه بالنهار، ويقرونه بالليل، فيعجبه ذلك، ويقول: والله إنّ قومنا هؤلاء لكرام، إذ جاءه حبران من أحبار يهود بني قريظة، عالمان راسخان، وكانا ابني عمرو، وكانا أعلم أهل زمانهما، فجاءا تبّعا حين سمعا ما يريد من إهلاك المدينة، وأهلها، فقالا له: أيّها الملك لا تفعل، فإنّك إن أتيت إلا ما تريد حيل بينك وبينها، ولم يأمن عليك عاجل العقوبة، فقال لهما: ولم ذاك؟ قالا: هي مهاجر نبي يخرج من هذا الحيّ من قريش في آخر الزمان، تكون داره وقراره، فتناهى لقولهما عمّا كان يريد بالمدينة، ورأى أنّ لهما علما، وأعجبه ما سمع منهما، أنّهما دعواه إلى دينهما، فليتبعهما على دينهما، فقال تبع في ذلك:\nما بال نومك مثل نوم الأرمد ... أرقا كأنك لا تزال تسهد\nحنقا على سبطين حلّا يثربا ... أولى لهم بعقاب يوم مفسد\nولقد هبطنا يثربا وصدورنا ... تغلي بلابلها بقتل محصد\nولقد حلفت يمين صبر مؤليا ... قسما لعمرك ليس بالتمردد\nأن جئت يثرب لا أغادر وسطها ... عذقا ولا بسرا بيثرب يخلد\nحتى أتاني من قريظة عالم ... خبر لعمرك في اليهود مسود\nقال ازدجر عن قرية محفوظة ... لنبي مكّة من قريش مهتد\nفعفوت عنهم عفو غير مثرب ... وتركتهم لعقاب يوم سرمد\nوتركتهم لله أرجو عفوه ... يوم الحساب من الجحيم الموقد\nولقد تركت بها له من قومنا ... نفرا أولي حسب وبأس يحمد","vol":"9","page":96},{"text":"نفرا يكون النصر في أعقابهم ... أرجو بذاك ثواب ربّ محمّد «١»\nفلمّا [......] «٢» تبع إلى دينهما أكرمهما وانصرف عن المدينة، وخرج بهما إلى اليمن ولمّا [دنا من] اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا، وقد فارقت ديننا، فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم.\nقالوا: فحاكمنا إلى النار. وكانت باليمن نار في أسفل جبل يقال له: ندا «٣»، يتحاكمون إليها، فيما يختلفون فيه، فتحكم بينهم، تأكل الظالم، ولا تضرّ المظلوم، فلمّا قالوا ذلك لتبّع، قال: أنصفتم، فخرج قومه بأوثانهم، وما يتقرّبون به في دينهم، وخرج الحبران، مصاحفهما في أعناقهما متقلّداهما، حتّى قعدوا للنّار عند مخرجها التي تخرج منه، فخرجت النار إليهم، ولمّا أقبلت نحو حمير، حادوا عنها، وهابوها فدعاهم من حضرهم من الناس، وأمروهم بالصبر لها فصبروا حتّى غشيتهم، فأكلت الأوثان، وما قربوا معها، ومن حمل ذلك من رجال حمير، وخرج الحبران ومصاحفهما في أعناقهما، يتلون التوراة، تعرق جباههما، لم تضرّهما، ونكصت النار حتّى رجعت إلى مخرجها الذي خرجت منه، فأطبقت حمير عند ذلك على دينهما.\nفمن هناك كان أصل اليهودية باليمن «٤» .\nوكان لهم بيت يعظمونه، وينحرون عنده، ويكلّمون منه، إذا كانوا على شركهم، فقال الحبران القرظيان، واسماهما كعب وأسد لتبّع: إنّما هو شيطان [يفنيهم ويلغيهم] «٥»\n، فخلّ بيننا وبينه. قال: فشأنكما به. فاستخرجا منه كلبا أسود، فذبحاه، ثمّ هدما ذلك البيت، فبقاياه اليوم باليمن كما ذكر لي.\nوروى أبي دريد، عن أبي حاتم، عن الرياشي، قال: كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة، آمن بالنبيّ ﷺ محمّد ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال في ذلك شعرا:\nشهدت على أحمد أنّه ... رسول من الله باري النسم\nفلو مد عمري إلى عمره ... لكنت صهرا له وابن عمّ «٦»\nكُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وجب وَعِيدِ لهم بالعذاب يخوف كفّار مكّة، قال قتادة: دمر الله ﷾ قوم تبّع، ولم يدمّره، وكان من ملوك اليمن، فسار بالجيوش، وافتتح البلاد،\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ١/ ٥٣٣ وذكر تمام الأبيات.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) تفسير الطبري: ٢٦/ ٢٠٠.\n(٥) في تفسير الطبري: يعينهم ويلعب بهم (٢٦/ ٢٠٠) .\n(٦) تفسير القرطبي: ١٦/ ١٤٥.","vol":"9","page":97},{"text":"وقصد مكّة ليهدم البيت، فقيل له: إنّ لهذا البيت ربّا يحميه، فندم وأحرم، ودخل مكّة، وطاف بالبيت، وكساه، فهو أوّل من كسا البيت أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ أي عجزنا عنه، وتعذر علينا [الأول فهم في شك الإعادة للخلق] الثاني. بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وهو البعث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>[سورة ق (٥٠): الآيات ١٦ الى ٢٦]</span>\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)\nوَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)\nالَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (٢٦)\nوَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ يحدّثه قلبه، فلا يخفى علينا أسراره، وضمائره وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ أي أعلم به، وأقدر عليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ لأنّ أبعاضه، وأجزاءه يحجب بعضها بعضا، ولا يحجب علم الله سبحانه عن جميع ذلك شيء، وحبل الوريد: عرق العنق، وهو عرق بين الحلقوم، والعلباوين، وجمعه أوردة، والحبل من الوريد وأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين، قال الشاعر:\nفقرت للفجار فجاء سعيا ... إذا ما جاش وانتفخ الوريد\nإِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ أي يتلقّى، ويأخذ الملكان الموكلان عليك، وكّل الله سبحانه بالإنسان مع علمه بأحواله، ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، إلزاما للحجّة، أحدهما عن يمينه يكتب الحسنات، والآخر عن شماله يكتب السيّئات، فذلك قوله سبحانه: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ولم يقل: قعيدان. قال أهل البصرة: لأنّه أراد عن اليمين قعيد، وعن الشمال قعيد، فاكتفى بأحدهما عن الآخر، كقول الشاعر:\nنحن بما عندنا وأنت بما عندك ... راض والرأي مختلف\nوقول الفرزدق:\nإنّي ضمنت لمن أتاني ما جنى ... وأبى فكان وكنت غير غدور «١»\nولم يقل: غدورين، والقعيد، والقاعد كالسميع، والعليم، والقدير، فقال أهل الكوفة:\nأراد قعودا رده إلى الجنس، فوضع الواحد موضع الجمع، كالرسول في الاثنين يجعل للاثنين، والجمع، قال الله سبحانه في الاثنين: نَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ\nوقال الشاعر:\nألكني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر «٢»\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٦/ ٢٠٤.\n(٢) الصحاح: ٤/ ١٦٠٧. [.....]","vol":"9","page":98},{"text":"أخبرنا الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن سالم الختلي. قال: حدّثنا أحمد بن أيّوب الرخاني. قال: حدّثنا جميل بن الحسن، قال: حدّثنا أرطأة بن الأشعث العدوي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ مقعد ملكيك على ثنيتيك، ولسانك قلمهما، وريقك مدادهما، وأنت تجري- أظنّه قال: - فيما لا يعنيك لا تستحي من الله، ولا منهما» [٨٧] «١» .\nوأخبرنا الحسين بن محمد بن منجويه الدينوري، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا الفضل بن العبّاس بن مهران. قال: حدّثنا طالوت. قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة.\nقال: أخبرنا جعفر بن الزبير، عن القاسم بن محمد، عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله ﷺ: «كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيّئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيّئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعلّه يسبّح أو يستغفر» [٨٨] «٢» .\nقال الحسن: إنّ الملائكة يجتنبون الإنسان على حالين: عند غائطه، وعند جماعه، وقال أبو الجوزاء، ومجاهد: يكتبان عليه كلّ شيء حتّى أنينه في مرضه، وقال عكرمة: لا يكتبان عليه إلّا ما يؤجر عليه أو يؤزر فيه، وقال الضحّاك: مجلسهما تحت الشعر على الحنك. ومثله روى عوف عن الحسن، قال: وكان الحسن يعجبه أن ينظف عنفقته «٣» .\nوقال عطية ومجاهد: القعيد الرصيد.\nأخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثمانين وثلاثمائة، قال: حدّثنا أبو محمد البلاذري. قال: حدّثنا محمد بن أيّوب الرازي. قال: حدّثنا أبو التقى هشام بن عبد الملك.\nقال: حدّثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي، عن تمام بن نجيح، عن الحسن، عن أبي هريرة، وأنس، قالا: قال رسول الله ﷺ: «ما من حافظين يرفعان إلى الله سبحانه ما حفظا فيرى الله سبحانه في أوّل الصحيفة خيرا، وفي آخرها خيرا، إلّا قال لملائكته: اشهدوا أنّي قد غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة» [٨٩] «٤» .\nوأخبرنا أبو سهل بن حبيب بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن موسى، قال:\nحدّثنا زنجويه بن محمد. قال: حدّثنا إسماعيل بن قتيبة. قال: حدّثنا يحيى بن يحيى. قال:\nحدّثنا عثمان بن مطر الشيباني، عن ثابت عن أنس. أنّ رسول الله ﷺ، قال: «بأنّ الله سبحانه\n_________\n(١) زاد المسير: ٧/ ١٩٣ تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠.\n(٣) العنفقة: الشعر الذي في الشفة السفلى، وقيل الشعر الذي بينها وبين الذقن (النهاية) .\n(٤) تفسير القرطبي: ١٧/ ١١.","vol":"9","page":99},{"text":"وكّل بعبده المؤمن ملكين يكتبان عمله، فإذا مات، قال الملكان اللّذان وكّلا به يكتبان عمله: قد مات فلان، فيأذن لنا، فنصعد إلى السماء، فيقول الله سبحانه: سمائي مملوءة من ملائكتي يسبّحون، فيقولان: نقيم في الأرض. فيقول الله سبحانه: أرضي مملوءة من خلقي يسبّحون.\nفيقولان: فأين؟ فيقول: قوما على قبر عبدي. فكبّراني، وهللاني، واكتبا ذلك لعبدي ليوم القيامة» [٩٠] «١» .\nما يَلْفِظُ يتكلّم. مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ عنده رَقِيبٌ حافظ عَتِيدٌ حاضر، وهو بمعنى المعتد من قوله: أَعْتَدْنا والعرب تعاقب بين (التاء) و(الذال) لقرب مخرجهما، فيقول:\nاعتددت، وأعذدت، وهرذ، وهرت، وكبذ، وكبت، ونحوهما، قال الشاعر:\nلئن كنت مني في العيان مغيبا ... فذكرك عندي في الفؤاد عتيد «٢»\nوَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ أي وجاءت سكرة الحقّ بالموت لأنّ السكرة هي الحقّ، فأضيفت إلى نفسه لاختلاف الاسمين وقيل: الحقّ هو الله ﷿، مجازه وجاء سكرة أمر الله بالموت. أنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا جوير. قال: حدّثنا ابن المثنى، قال: حدّثنا محمد بن جعفر، قال: حدّثنا شعبة، عن واصل، عن أبي وائل قال: لما كان أبو بكر يقضي، قالت عائشة:\nلعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر «٣»\nفقال أبو بكر: يا بنية لا هو لي، ولكنّه كما قال الله سبحانه: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ أي تكره، عن ابن عبّاس، وقال الحسن: تهرب. الضحّاك:\nتروغ. عطاء الخراساني: تميل. مقاتل بن حيان: تنكص.\nوأصل الحيد الميل، يقال: حدت عن الشيء أحيد حيدا، ومحيدا إذا ملت عنه. قال طرفة:\nأبا منذر رمت الوفاء فهبته ... وحدت كما حاد البعير عن الدحض «٤»\nوَنُفِخَ فِي الصُّورِ يعني نفخة البعث. ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ الذي وعده الله سبحانه للكفّار يلعنهم فيه. وَجاءَتْ ذلك اليوم كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ يسوقها إلى المحشر وَشَهِيدٌ شهد عليه بما عملت في الدّنيا من خير أو شرّ. وروي أنّ عثمان بن عفّان خطب، وقرأ هذه الآية،\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٢ الدر المنثور: ٦/ ١٠٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١١.\n(٣) لسان العرب: ٢/ ٢٣٧.\n(٤) تاج العروس: ٥/ ٢٨ والدحض: الدفع.","vol":"9","page":100},{"text":"فقال: السائق يسوقها إلى الله سبحانه، والشاهد يشهد عليه بما عملت، وقال الضحّاك: السائق الملائكة، والشاهد من أنفسهم الأيدي، والأرجل. وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، وقال أبو هريرة: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال الباقون: هما جميعا من الملائكة، فيقول الله سبحانه لها: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ ورفعنا عنك عماك، وخلّينا عنك سترك، حتّى عاينته. فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قوي، نافذ، ثابت، ترى ما كان محجوبا عنك.\nوروى عبد الوهاب، عن مجاهد، عن أبيه فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ قال: نظرك إليّ لبيان ميزانك حين توزن حسناتك، وسيّئاتك.\nوقيل: أراد بالبصر العلم، علم حين لم ينفعه العلم، وأبصر حين لم ينفعه البصر. وقرأ عاصم الجحدري لَقَدْ كُنْتَ بكسر (التاء)، وبكسر (الكاف)، رد الكتابة إلى النفس. وَقالَ قَرِينُهُ الملك الموكّل به هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ معد محفوظ محضر، قال مجاهد: هذا الذي وكّلني به من بني آدم، قد أحضرته، وأحضرت ديوان أعماله، فيقول الله سبحانه لقرينه: أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ قال الخليل، والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين، وهو جيد حسن، فيقول: ويلك أرحلاها، وازجراها، وخذاه واطلقاه للواحد. قال الفراء: وأصل ذلك إذا دنا أعوان الرجل في إبله، وغنمه، وبقره، اثنان، فجرى كلام الواحد على صاحبيه، ومنه قولهم للواحد في الشعر: خليلي [ثم يقول: يا صاح] . قال امرؤ القيس:\nخليلي مرّا بي على أمّ جندب ... نقض لبانات الفؤاد المعذّب\nوقال:\nقفا نبك عن ذكرى حبيب ومنزل\nوقال:\nقفا نبك من ذكرى حبيب وعروان «١» .\nقال الآخر:\nفقلت لصاحبي لا تعجلانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا\nوأنشد أبو ثروان:\nفإن تزجرني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا «٢»\nوقيل: يشبه أن يكون عني به تكرار القول فيه، فكأنّه يقول: الق الق، فناب ألقيا مناب التكرار، ويجوز أن تكون ألقيا تثنية على الحقيقة، ويكون الخطاب للمتلقيين معا أو السائق والشاهد جميعا، وقرأ الحسن (ألقين) بنون التأكيد الخفيفة، كقوله: لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ\n_________\n(١) كذا بالأصل.\n(٢) تفسير الطبري: ١١/ ٢٠٨.","vol":"9","page":101},{"text":".. كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ عاص معرض عن الحقّ، قال مجاهد وعكرمة: مجانب للحقّ معاند لله.\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أي للزكاة المفروضة، وكلّ حقّ واجب في ماله.\nمُعْتَدٍ ظالم. مُرِيبٍ مشكّك، وقال قتادة: شاك ومعناه: إنّه داخل في الريب الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ والنار وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، فأراد بقوله: مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ أنّه كان يمنع بني أخيه عن الإسلام، ويقول: لئن دخل أحدكم في دين محمّد لا أنفعه بخير ما عشت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>[سورة ق (٥٠): الآيات ٢٧ الى ٣٥]</span>\nقالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)\nهذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ (٣٥)\nقالَ قَرِينُهُ يعني الشيطان الذي قيّض لهذا الكافر العنيد رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ ما أضللته، وما أغويته.\nوقال القرظي: ما أكرهته على الطغيان. وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ عن الحقّ فتبرأ شيطانه عنه، وقال ابن عبّاس، ومقاتل: قالَ قَرِينُهُ يعني الملك، وذلك أنّ الوليد بن المغيرة يقول للملك الذي كان يكتب السيئات: ربّ إنّه أعجلني، فيقول الملك رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ، ما أعجلته، وقال سعيد بن جبير: يقول الكافر: ربّ إنّ الملك زاد عليّ في الكتابة، فيقول الملك: رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ، يعني ما زدت عليه، وما كتبت إلّا ما قال وعمل، فحينئذ يقول الله سبحانه: قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ فقد قضيت ما أنا قاض. وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ في القرآن حذّرتكم، وأنذرتكم، فلا تبديل لقولي ولوعيدي. قال ابن عبّاس: إنّهم اعتذروا بغير عذر، فأبطل الله حجّتهم، ورد عليهم قولهم ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وهو قوله: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ «١»، وقال الفرّاء: معناه ما يكذب عندي لعلمي بالغيب وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فأعاقبهم بغير جرم أو أجزي بالحسن سيّئا. يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ قرأ قتادة، والأعرج، وشيبة، ونافع (تقول) (بالتاء)، ومثله روى أبو بكر عن عاصم، اعتبارا بقوله، قالَ: لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ،\n_________\n(١) سورة هود: ١١٩.","vol":"9","page":102},{"text":"وقرأ الحسن يوم يقال وقرأ الباقون يَوْمَ نَقُولُ (بالنون) لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ لما سبق من وعده إيّاها أنّه يملأها مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ وهذا السؤال منه على طريق التصديق بخبره، والتحقيق لوعده والتقريع لأهل عذابه، والتنبيه لجميع عباده. وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ يحتمل أن يكون جحدا مجازه ما من مزيد، ويحتمل أن يكون استفهاما، بمعنى هَلْ مِنْ مَزِيدٍ، فأزاده وإنّما صلح (هل) للوجهين جميعا، لأنّ في الاستفهام ضربا من الجحد، وطرفا من النفي، قال ابن عبّاس: إنّ الله ﷾، قد سبقت كلمته لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فلمّا بعث للنّاس، وسبق أعداء الله إلى النار زمرا، جعلوا يقحمون في جهنّم فوجا فوجا، لا يلقى في جهنّم شيء إلّا ذهب فيها، ولا يملأها شيء.\nفقالت: ألست قد أقمت لتملأني؟ فوضع قدمه عليها، ثمّ يقول لها: هل امتلأت؟ فتقول:\nقط قط، قد امتلأت، فليس من مزيد. قال ابن عبّاس: ولم يكن يملأها شيء حتّى مس قدم الله فتضايقت فما فيها موضع إبرة، ودليل هذا التأويل ما\nأنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال:\nأخبرنا ابن جرير، قال: حدّثنا بشر، قال: حدّثنا يزيد، قال: حدّثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تزال جهنّم يلقى فيها، وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حتّى يضع ربّ العالمين فيها قدمه، فتتزاوي بعضها إلى بعض، وتقول: قد قد بعزّتك، وكرمك، ولا يزال في الجنّة فضل، حتّى ينشئ الله سبحانه لها خلقا، فيسكنهم فضل الجنّة» [٩١] «١» .\nوأخبرنا ابن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي، قال: حدّثنا محمّد بن يحيى، وعبد الرّحمن بن بشر، وأحمد بن يوسف، قالوا: حدّثنا عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن همام ابن منبه، قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة، عن محمّد رسول الله ﷺ قال: «تحاجت الجنّة والنّار، فقالت النّار: أوثرت بالمتكبّرين والمتجبّرين، وقالت الجنّة: فما لي لا يدخلني إلّا ضعفاء الناس وسقطهم؟ فقال الله سبحانه للجنّة: إنّما أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنّار: إنّما أنت عذابي، أعذّب بك من أشاء من عبادي، ولكلّ واحدة منكما ملأها، فأمّا النار، فإنّهم يلقون فيها وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فلا تمتلئ حتّى يضع الله ﷾ فيها رجله فتقول: قط قط، فهناك تمتلأ وتزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدا، وأمّا الجنّة، فإنّ الله ﷿ ينشئ لها خلقا» [٩٢] «٢» .\nقلت: هذان الحديثان في ذكر القدم، والرجل، صحيحان مشهوران، ولهما طرق من حديث أبي هريرة، وأنس، تركت ذكرهما كراهة الإطالة، ومعنى القدم المذكور في هذا الحديث المأثور قوم يقدمهم الله إلى جهنّم، يملأها بهم، قد سبق في عمله إنّهم صائرون إليها وخالدون\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٨/ ١٦٧ جامع البيان للطبري: ٢٦/ ٢٢٠ بتفاوت.\n(٢) صحيح البخاري: ٦/ ٤٨ وصحيح مسلم ٨/ ١٥١ بتفاوت يسير.","vol":"9","page":103},{"text":"فيها، وقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن معنى هذا الحديث، فقال: هم قوم قدمهم الله للنار، وقال عبد الرّحمن بن المبارك: هم من قد سبق في علمه أنّه من أهل النّار.\nوكلّ ما يقدم، فهو قدم. قال الله سبحانه: أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ، يعني أعمال صالحة قدّموها، وقال الشاعر يذمّ رجلا:\nقعدت به قدم الفجار وغودرت ... وعود ربّ أسبابه من فتنة من خالق\nيعني ليس له ما يفتخر بهم.\nعلى انّ الأوزاعي روى هذا الحديث عن حسّان بن عطية، حتى يضع الجبّار قدمه بكسر القاف، وكذلك روى وهب بن منبه، وقال: إنّ الله سبحانه كان قد خلق قوما قبل آدم، يقال لهم: القدم، رؤوسهم كرؤوس الكلاب والذباب، وسائر أعضائهم كأعضاء بني آدم، فعصوا ربّهم، وأهلكهم الله، يملأ الله بهم جهنّم حين تستزيد. وأمّا الرجل فهو العدد الكبير من الناس وغيرهم.\nيقال: رأيت رجلا من الناس، ومرّ بنا رجل من جياد، وقال الأصمعي: سمعت بعض الأعراب تقول: ما هلك على رجل نبيّ من الأنبياء ما هلك على رجل موسى، يعني القبط، وقال الشاعر:\nفمرّ بنا رجل من النّاس وانزوى ... إليهم من الحيّ اليمانين أرجل\nقبائل من لخم وحمير ... على ابني نزار بالعداوة أحفل «١»\nويصدق هذا التأويل\nقوله ﷺ في سياق الحديث: «ولا يظلم الله من خلقه أحدا»\n، فدلّ أنّ الموضوع الملقى في النّار خلق من خلقه، وقال بعضهم: أراد قدم بعض ملائكته ورجله، وأضاف إليه كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ. والله أعلم. وَأُزْلِفَتِ وأدنيت الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ حتّى يروها قبل أن يدخلوها. غَيْرَ بَعِيدٍ منهم وهو تأكيد، ويقال لهم: هذا ما تُوعَدُونَ في الدنيا على ألسنة الأنبياء.\nلِكُلِّ أَوَّابٍ توّاب، عن الضحّاك. وقيل: رجّاع إلى الطاعة عن ابن زيد، وقال ابن عبّاس وعطاء: الأوّاب المسبّح من قوله سبحانه: يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ. الحكم بن عيينة: هو الذاكر لله في الخلاء. الشعبي ومجاهد: الذي يذكر ذنوبه في الخلاء، فيستغفر منها. قتادة:\nالمصلّي. مقاتل بن حيان: المطيع. عبيد بن عسر: هو الذي لا يقوم من مجلسه حتى يستغفر الله تعالى. أبو بكر الورّاق: المتوكّل على الله سبحانه في السراء والضراء لا يهتدي إلى غير الله. المحاسني: هو الراجع بقلبه إلى ربّه. القاسم: هو الذي لا ينشغل إلّا بالله.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٩. [.....]","vol":"9","page":104},{"text":"حَفِيظٍ قال ابن عبّاس: هو الذي حفظ ذنوبه حتّى يرجع عنها. قتادة: حَفِيظٍ لما استودعه الله سبحانه من حقّه ونعمته. وعن ابن عبّاس أيضا: الحافظ لأمر الله. الضحّاك:\nالمحافظ على نفسه المتعهّد لها. عطاء: هو الذي يذكر الله في الأرض القفر. الشعبي: هو المراقب. أبو بكر الورّاق: الحافظ لأوقاته وهماته وخطواته. سهل: المحافظ على الطاعات والأوامر. مَنْ خَشِيَ في محلّ من وجهان من الإعراب: الخفض على نعت الأوّاب، والرفع على الاستئناف، وخبره في قوله ادخلوها، ومعنى الآية من خاف الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ ولم يره، وقال الضحّاك والسدّي: يعني في الخلاء حيث لا أحد، وقال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الباب.\nوَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ مقبل إلى طاعة الله. قال أبو بكر الورّاق: علامة المنيب أن يكون عارفا لحرمته، مواليا له، متواضعا لحلاله تاركا لهوى نفسه. ادْخُلُوها أي يقال لأهل هذه الصفة: ادْخُلُوها بِسَلامٍ بسلامة من العذاب وسلام الله وملائكته عليهم، وقيل: السلامة من زوال النعيم وحلول النقم.\nذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ يعني الزيادة لهم في النعم ممّا لم يخطر ببالهم، وقال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله ﷾ بلا كيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>[سورة ق (٥٠): الآيات ٣٦ الى ٤٥]</span>\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ (٤٠)\nوَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ (٤٤) نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)\nوَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ قال ابن عبّاس: أثروا.\nمجاهد: ضربوا. الضحّاك: طافوا. النضر بن شميل: دوحوا. الفرّاء: خرقوا. المؤرخ:\nتباعدوا. ومنه قول امرئ القيس:\nلقد نقبّت في الأفاق حتّى ... رضيت من الغنيمة بالإياب «١»\nوقرأ الحسن فَنَقَبُوا بفتح القاف مخفّفة. وقرأ السلمي ويحيى بن معمر بكسر القاف مشدّدا\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٦/ ٢٢٦.","vol":"9","page":105},{"text":"على التهديد والوعيد أي طوّفوا في البلاد، وسيروا في الأرض، فانظروا هَلْ مِنْ مَحِيصٍ من الموت وأمر الله سبحانه.\nإِنَّ فِي ذلِكَ أي في القرى التي أهلكت والعبر التي ذكرت لَذِكْرى التذكرة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أي عقل، فكنّي عن العقل بالقلب لأنّه موضعه ومتبعه. قال قتادة: لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ حيّ، نظيره لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا، وقال الشبلي: قلب حاضر مع الله لا يغفل عنه طرفة عين، وقال يحيى بن معاذ: القلب قلبان: قلب قد احتشى بأشغال الدنيا حتى إذا حضر أمر من أمور الآخرة لم يدر ما يصنع من شغل قلبه بالدنيا. وقلب قد احتشى بأهوال الآخرة، حتّى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة. وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سألت أبا الحسن علي بن عبد الرّحمن العباد عن هذه الآية، فقال: معناها إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ مستقرّ لا يتقلّب عن الله في السراء والضراء.\nأَوْ أَلْقَى السَّمْعَ أي استمع القرآن، يقول العرب: ألق إليّ سمعك أي استمع، وقال الحسين بن الفضل: يعني وجه سامعه وحولها إلى الذكر كما يقال اتبعي إليه.\nوَهُوَ شَهِيدٌ أي حاضر القلب، وقال قتادة: وهو شاهد على ما يقرأ ويسمع في كتاب الله سبحانه من حبّ محمّد ﷺ وذكره. وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ إعياء وتعب.\nنزلت في اليهود حيث قالوا: يا محمد أخبرنا ما خلق الله تعالى من الخلق في هذه الأيّام الستّة؟\nفقال ﷺ: «خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والاثنين، والجبال يوم الثلاثاء والمدائن والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسماوات والملائكة يوم الخميس، إلى ثلاث ساعات من يوم الجمعة وخلق في أوّل الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم» .\nقال: قالوا: صدقت إن أتممت. فقال: وما ذاك؟ فقالوا: ثمّ استراح يوم السبت واستلقى على العرش فأنزل الله سبحانه هذه الآية [٩٣] «١» .\nفَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فإنّ الله سبحانه لهم بالمرصاد، وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ يعني قل: سبحان الله والحمد لله. عن عطاء الخراساني، وقال الآخرون: وصلّ بأمر ربّك وتوفيقه، قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني صلاة الصبح، وَقَبْلَ الْغُرُوبِ صلاة العصر، وروي عن ابن عباس، وَقَبْلَ الْغُرُوبِ: يعني الظهر والعصر، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ يعني صلاة العشاءين، وقال مجاهد: من الليل كلّه، يعني: صلاة الليل، في أي وقت صلّى، وَأَدْبارَ السُّجُودِ قال\n_________\n(١) كنز العمال: ٦/ ١٢٤ جامع البيان للطبري ٢٦/ ٢٢٩ بتفاوت يسير.","vol":"9","page":106},{"text":"عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبو هريرة والحسن بن علي والحسن البصري والنخعي والشعبي والأوزاعي: أَدْبارَ السُّجُودِ: الركعتان بعد المغرب، وإِدْبارَ النُّجُومِ: الركعتان قبل الفجر\n، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقد روي عنه مرفوعا\nأخبرنيه عقيل قال: أخبرنا المعافى، قال حدثنا ابن جرير، قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا ابن فضيل عن رشيد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس قال: قال لي النبي ﷺ: «يا بن عباس ركعتان بعد المغرب أدبار السجود» .\nوقال أنس بن مالك: قال رسول الله ﷺ: «من صلّى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليّين»\n«١»، قال أنس: يقرأ في الركعة الأولى: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وفي الأخرى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.\nقال مقاتل: وقتهما ما لم يغب الشفق، وقال مجاهد: هو التسبيح باللسان في أدبار الصلوات المكتوبات، ورواه عن ابن عباس. وقال ابن زيد: هو النوافل أدبار المكتوبات.\nواختلف القرّاء في قوله: وَأَدْبارَ، فقرأ الحسن والأعرج وخارجة وأبو عمر ويعقوب وعاصم والكسائي: بفتح الألف، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم،\nوقرأ الآخرون: بالكسر، وهي قراءة عليّ وابن عباس.\nوقال بعض العلماء في قوله سبحانه: قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قال: ركعتي الفجر، وَقَبْلَ الْغُرُوبِ قال: الركعتين قبل المغرب.\nروى عمارة بن زاذان عن ثمامة بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: كان ذوو الألباب من أصحاب محمد ﷺ يصلّون الركعتين قبل المغرب «٢» .\nوروى شعبة عن يزيد بن جبير عن خالد بن معدان عن رغبان مولى حبيب بن مسلمة قال:\nرأيت أصحاب النبي ﷺ يهبّون إليها كما يهبّون إلى المكتوبة- يعني الركعتين قبل المغرب «٣» .\nوقال قتادة: ما أدركت أحدا يصلّي الركعتين قبل المغرب إلّا أنس وأبا برزة.\nوَاسْتَمِعْ يا محمد صيحة القيامة يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ إسرافيل ﵈ تأتيه العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة: إن الله [يأمركن] أن تجتمعن بفصل القضاء. مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ صخرة بيت المقدس، وهي وسط الأرض وأقرب الأرض الى السماء بثمانية عشر ميلا، يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ وهي النفخة الأخيرة، ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ\n_________\n(١) المنتزع المختار: ١/ ٢٢٥، وإعانة الطالبين: ١/ ٢٨٥.\n(٢) المصنف لعبد الرزاق: ٢/ ٤٣٥ ح ٣٩٨٢.\n(٣) تحفة الأحوذي: ١/ ٤٦٩.","vol":"9","page":107},{"text":"من القبور. إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعًا جمع سريع، وهو نصب على الحال، مجازه: فيخرجون سراعا، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ: بمسلط قهّار يجبرهم على الإسلام، إنما بعثت مذكّرا مجدّدا.\nقال ثعلب: قد جاءت أحرف فعّال بمعنى مفعل وهي شاذة، جبّار بمعنى مجبر، ودرّاك بمعنى مدرك، وسرّاع بمعنى مسرع، وبكّاء بمعنى مبك، وعدّاء بمعنى معد، وقد قريء: وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ «١» بمعنى المرشد، وسمعت أبا منصور الجمشاذي يقول: سمعت أبا حامد الجازرنجي يقول: [العون] سيف سقّاط، بمعنى مسقط.\nوقال بعضهم: الجبّار من قولهم جبرته على الأمر بمعنى أجبرته، وهي لغة كنانة وهما لغتان.\nوقال الفرّاء: وضع الجبّار في موضع السلطان من الجبرية. قال: وأنشدني المفضّل:\nويوم الحزن إذ حشدت معد ... وكان الناس إلا نحن دينا «٢»\nعصتنا عزمة الجبّار حتى ... صبحنا الجوف ألفا معلمينا «٣»\nقال: أراد بالجبّار المنذر بن النعمان لولايته.\nفَذَكِّرْ يا محمّد بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ قال ابن عباس: قالوا يا رسول الله لو خوّفتنا؟ فنزلت فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ.\n_________\n(١) سورة غافر: ٢٩.\n(٢) الصحاح: ٥/ ٢١١٨.\n(٣) تفسير الطبري: ٢٦/ ٢٣٧.","vol":"9","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-725>سورة الذاريات</span>\nمكية، وهي ألف ومائتان وسبعة وثمانون حرفا، وثلاثمائة وستون كلمة، وستون آية\nأخبرني نافل بن راقم بن أحمد بن عبد الجبار الناجي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي قال: حدّثنا عمرو بن محمد قال: حدّثنا أسباط بن اليسع قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله السلمي قال: حدّثنا نوح بن أبي مريم عن علي بن زيد عن خنيس عن أبىّ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والذاريات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كلّ ريح هبت وجرت في الدنيا» [٩٤] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ١ الى ٢٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالذَّارِياتِ ذَرْوًا (١) فَالْحامِلاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجارِياتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا (٤)\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ (٦) وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)\nقُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ (١١) يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)\nوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)\nوَالذَّارِياتِ ذَرْوًا الرياح التي تذرو التراب ذروا، يقال: ذرت الريح التراب وأذرته.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا الحسن بن أيوب، قال: حدّثنا عبد الله بن أبي زياد قال: حدّثنا سيار بن حاتم قال: حدّثنا أيوب بن خوط قال: حدّثنا عمر الأعرج قال: بلغنا أنّ مساكن الرياح تحت أجنحة الكروبيّين حملة الكرسي، فتهيج من ثمّ فتقع بعجلة الشمس، ثم تهيج من عجلة الشمس فتقع برءوس الجبال، ثم تهيج من رؤوس الجبال فتقع في البر. فأمّا الشمال فإنّها تمرّ بجنّة عدن، فتأخذ من عرق طيبها فتمرّ على أرواح\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٢٥٢.","vol":"9","page":109},{"text":"الصدّيقين، ثمّ تأخذ حدّها من كرسي بنات نعش إلى مغرب الشمس، ويأتي الدبور حدّها من مغرب الشمس إلى مطلع سهيل، ويأتي الجنوب حدّها من مطلع سهيل إلى مطلع الشمس، ويأتي الصبا حدّها من مطلع الشمس إلى كرسيّ بنات نعش، فلا تدخل هذه في حدّ هذه، ولا هذه في حدّ هذه.\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل، قال: حدّثنا الحكم «١» سليمان، قال: حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي ﵁ وَالذَّارِياتِ ذَرْوًا، قال: «الرياح» .\nفَالْحامِلاتِ وِقْرًا قال: «السحاب» . فَالْجارِياتِ يُسْرًا قال: «السفن» .\nفَالْمُقَسِّماتِ أَمْرًا، قال: «الملائكة» .\nإِنَّ ما تُوعَدُونَ من الخير والشر والثواب والعقاب لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ الحساب والجزاء لَواقِعٌ لنازل كائن.\n[ثم] ابتدأ قسما آخر فقال ﷿: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ قال ابن عباس وقتادة والربيع: ذات الخلق الحسن المستوي، وإليه ذهب عكرمة، قال: ألم تر إلى النّسّاج إذا نسج الثوب فأجاد نسجه، قيل: ما أحسن حبكه وقال سعيد بن جبير: ذات الزينة، وقال الحسن: حبكت النجوم.\nمجاهد: هو المتقن البنيان، الضحاك: ذات الطرائق، ولكنّها بعيد من العباد فلا يرونها، قال: ومنه حبك الرمل والماء إذا ضربهما الريح، وحبك الشعر الجعد والدرع، وهو جمع حباك وحبيكة، قال الراجز:\nكأنما جلّلها الحوّاك ... طنفسة في وشيها حباك «٢»\nومنه\nالحديث في صفة الجبال: «راسية حبك حبك»\nيعني الجعودة، وقال ابن زيد: ذات الشدّة، وقرأ قول الله سبحانه: وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا، وقال عبد الله بن عمرو: هي السماء السابعة.\nإِنَّكُمْ يا أهل مكة لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ في القرآن ومحمد ﵇، فمن مصدّق ومكذّب، ومقرّ ومنكر، وقيل: نزلت في المقتسمين.\nيُؤْفَكُ يصرف عَنْهُ أي عن الإيمان بهما مَنْ أُفِكَ صرف فنجويه، وقيل: يصرف\n_________\n(١) في المخطوط: ال، والظاهر ما أثبتناه\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٦/ ٢٤٣.","vol":"9","page":110},{"text":"عن هذا القول، أي من أجله وسببه عن الإيمان من صرف، وذلك أنّهم كانوا يتلقون الرجل إذا أراد الإيمان فيقولون له: إنّه ساحر وكاهن ومجنون، فيصرفونه عن الإيمان، وهذا معنى قول مجاهد.\nوقد يكون (عن) بمعنى (أجل) . أنشد العبسي:\nعن ذات أولية أساود ربّها ... وكأن لون الملح فوق شفارها «١»\nأي من أجل ناقة ذات أوليه.\nقُتِلَ لعن الْخَرَّاصُونَ الكذابون.\nوقال ابن عباس: المرتابون، وهم المقتسمون الذين اقتسموا عقاب الله، واقتسموا القول في النبي ﷺ ليصرفوا الناس عن دين الإسلام.\nوقال مجاهد: الكهنة.\nالَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ: شبهة وغفلة ساهُونَ: لا هون.\nيَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ متى يوم القيامة استهزاء منهم بذلك وتكذيبا.\nقال الله ﷾: يَوْمَ هُمْ أي يكون هذا الجزاء في يوم هم عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ يعذّبون ويحرقون وينضجون بالنار كما يفتن الذهب بالنار. ومجازه بكلمة (عَلَى) هاهنا:\nأنهم موقوفون على النار، وقيل: هو بمعنى الباء.\nويقول لهم الخزنة: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا ولم يقل هذه لأنّ الفتنة هاهنا بمعنى العذاب، فردّ الإشارة إلى المعنى الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ.\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ من الثواب وأنواع الكرامات.\nوقال سعيد بن جبير: تعني آخذين بما أمرهم ربّهم، عاملين بالفرائض التي أوجبها عليهم.\nإِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ قبل دخولهم الجنة مُحْسِنِينَ في الدنيا، وقيل: قبل نزول الفرائض محسنين في أعمالهم.\nكانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ اختلف العلماء في حكم (ما)، فجعله بعضهم جحدا، وقال: تمام الكلام عند قوله: كانُوا قَلِيلًا أي كانوا قليلا من الناس، ثم ابتدأ ما يَهْجَعُونَ أي لا ينامون بالليل، بل يقومون للصلاة والعبادة، وجعله بعضهم بمعنى (الذي)، والكلام متّصل\n_________\n(١) الأولية: الناقة، وساود ربّها: سارّه ليشتريها منه، من السواد، وهو السرار. انظر المخصص في اللغة، المجلد: ١٤ ص ٦٧، الهامش.","vol":"9","page":111},{"text":"بعضه ببعض، ومعناه: كانوا قليلا من الليل الذي يهجعون، أي كانوا قليلا من الليل هجوعهم لأنّ (ما) إذا اتصل به الفعل، صار في تأويل المصدر كقوله: بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم، وجعله بعضهم صلة، أي كانوا قليلا من الليل يهجعون.\nقال محمد بن علي: «كانوا لا ينامون حتى يصلّوا العتمة»\n، وقال أنس بن مالك: يصلّون ما بين المغرب والعشاء، وقال مطرف: قلّ ليلة تأتي عليهم لا يصلّون فيها لله سبحانه، إما من أوّلها، وإما من أوسطها، وقال الحسن: لا ينامون من الليل إلّا أقلّه، وربما نشطوا فمدّوا إلى السحر.\nوَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، قال ابن عباس وسعيد بن المسيب: السائل: الذي يسأل الناس، والمحروم: المحارف الذي ليس له في الإسلام سهم.\nوقال قتادة والزهري: السائل الذي يسألك، والمحروم: المتعفف الذي لا يسألك، وقال إبراهيم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة، يدلّ عليه ما\nروى سفيان عن قيس بن مسلم عن الحسين بن محمد أنّ رسول الله ﷺ بعث سريّة فغنموا، فجاء قوم لم يشهدوا الغنيمة، فنزلت هذه الآية\n، وقال عكرمة: المحروم: الذي لا ينمي له مال، وقال زيد بن أسلم: هو المصاب بثمره أو زرعه أو نسل ماشيته.\nأخبرني الحسن بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا الحسن بن علي الفارسي قال: حدّثنا عمرو بن محمد الناقد قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال:\nحدّثنا محمد بن مسلم الطائفي عن أيوب بن موسى عن محمد بن كعب القرظي: المحروم صاحب الحاجة، ثم قرأ: إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ «١»، ونظيره في قصة ضروان «٢» بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ «٣»، وأخبرنا الحسين قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدّثنا عبد [...] «٤» عن شعبة عن عاصم- يعني الأحول- عن أبي قلابة، قال: كان رجل من أهل اليمامة له مال، فجاء سيل فذهب بماله، فقال رجل من أصحاب النبي ﷺ: هذا المحروم فاقسموا له.\nوقال الشعبي: أعناني أن أعلم ما المحروم، لقد سألت عن المحروم منذ سبعين سنة، فما أنا اليوم بأعلم مني من يومئذ.\n_________\n(١) سورة الواقعة: آية ٦٧.\n(٢) ضروان: اسم أرض باليمن فيها الجنة المشار إليها. انظر الدر المنثور ٦: ٢٥٣ [.....]\n(٣) سورة القلم: ٢٧.\n(٤) بياض في الأصل.","vol":"9","page":112},{"text":"وأصله في اللغة الممنوع، من الحرمان، وهو المنع.\nأخبرنا أبو سهيل بن حبيب قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن موسى قال: حدّثنا أبو بكر بن محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا علي بن عثمان النفيلي الحراني، قال: حدّثنا علي بن عباس الحمصي، قال: حدّثنا سعيد بن عمارة بن صفوان الكلاعي عن الحرث بن النعمان- ابن أخت سعيد بن جبير- قال: سمعت أنس بن مالك يحدّث عن رسول الله ﷺ قال: «يا أنس ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة، يقولون: يا ربّ ظلمونا حقوقنا التي فرضتها عليهم. قال:\nفيقول: وعزّتي وجلالي لأقربنّكم ولأبعدنّهم» [٩٥] «١» .\nقال: فتلا رسول الله ﷺ عليه هذه الآية: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٠ الى ٢٣]</span>\nوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ (٢٢) فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)\nوَفِي الْأَرْضِ آياتٌ عبر وعظات إذا ساروا فيها. لِلْمُوقِنِينَ.\nوَفِي أَنْفُسِكُمْ أيضا آيات أَفَلا تُبْصِرُونَ.\nأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر بن الطيب الكلماباذي بقراءتي عليه، قال:\nحدّثنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص، قال: حدّثنا السري بن خزيمة الأبيوردي، قال: حدّثنا أبو نعيم، قال: حدّثنا سفيان عن ابن جريج عن محمد بن المرتفع عن الزبير وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ، قال: سبيل الغائط والبول، وقال المسيب بن شريك: يأكل ويشرب من مكان واحد، ويخرج من مكانين، ولو شرب لبنا محضا خرج ماء، فتلك الآية في النفس.\nوقال أبو بكر الوراق: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ يعني في تحويل الحالات وضعف القوة وقهر المنّة وعجز الأركاب وفسخ الصريمة ونقض العزيمة، ثم أخبر ﷾ أنّه وضع رزقك حيث لا يأكله السوس ولا يناله اللصوص، فقال سبحانه: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ يعني المطر والثلج اللذين بهما تخرج الأرض النبات الذي هو سبب الأقوات، وقال بعض أهل المعاني: معناه: وفي المطر والنبات سبب رزقكم، فسمّي المطر سماء لأنّه عن السماء ينزل، قال الشاعر:\nإذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا «٢»\nوقال ابن كيسان: يعني وعلى ربّ السماء رزقكم (في) بمعنى (على) كقوله:\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ١١٤.\n(٢) لسان العرب: ١٤/ ٣٩٩.","vol":"9","page":113},{"text":"فِي جُذُوعِ النَّخْلِ «١»، وذكر الربّ مختصرا، كقوله: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٢»، ونظيره قوله: وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها «٣» .\nوأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا ابن حميد، قال: حدّثنا هارون بن المعتز من أهل الري عن سفيان الثوري قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ فقال: ألا أرى رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خربة فمكث ثلاثا لا يصيب شيئا، فلمّا أن كان اليوم الثالث إذا هو يرى جلّة من رطب، وكان له أخ أحسن نيّة منه فدخل معه [فصارتا جلّتين] «٤»، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرّق بينهما الموت.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خميس قال: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثنا إبراهيم بن هاشم البغوي قال: حدّثنا ابن أبي بزّة، قال: حدّثنا حسن بن محمد بن عبيد الله بن أبي يزيد عن شبل بن عبّاد عن ابن [أبي نجيح] «٥» أنّه قرأ (وفي السماء رازقكم وما توعدون) بالألف يعني الله.\nقال مجاهد: وَما تُوعَدُونَ من خير أو شر، وقال الضحاك وَما تُوعَدُونَ من الجنة والنار، وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويّة قال:\nحدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: قال أبو بكر بن عبد الله: سمعت ابن سيرين يقول: وَما تُوعَدُونَ: الساعة.\nفَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ يعني أن الذي ذكرت من أمر الرزق لَحَقٌّ مِثْلَ بالرفع قرأه أهل الكوفة بدلا من (الحق)، وغيرهم بالنصب أي كمثل.\nما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ فتقولون: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وقيل: كما أنّكم ذوو نطق خصصتم بالقوة الناطقة العاقلة فتتكلمون، هذا حق كما حق أنّ الآدمي ناطق، وقال بعض الحكماء: كما أنّ كلّ انسان ينطق بلسان نفسه، ولا يمكنه أن ينطق بلسان غيره، فكذلك كلّ إنسان يأكل رزقه الذي قسم له، ولا يقدر أن يأكل رزق غيره،\nوقال الحسن في هذه الآية: بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله أقواما أقسم لهم ربّهم بنفسه فلم يصدّقوه» [٩٦] «٦» .\nحدّثنا أبو القاسم بن حبيب قال: أخبرنا أبو الحسن الكائيني وأبو الطيّب الخياط وأبو\n_________\n(١) سورة طه: ٧١.\n(٢) يوسف: ٨٢.\n(٣) سورة هود: ٦.\n(٤) في المخطوط: فصارتا ذو.\n(٥) في المخطوط: يحص، والظاهر ما أثبتناه\n(٦) جامع البيان للطبري: ٢٦/ ٢٦٧.","vol":"9","page":114},{"text":"محمد يحيى بن منصور- الحاكم في القسطنطينية- قالوا: حدّثنا أبو رجاء محمد بن أحمد القاضي، قال: حدّثنا أبو الفضل العباس بن الفرج الرياسي البصري، قال: سمعت الأصمعي يقول: أقبلت ذات يوم من المسجد الجامع في البصرة فبينا أنا في بعض سككها إذ طلع أعرابي جلف جاف على قعود له متقلد سيفه وبيده قوس، فدنا وسلّم وقال لي: من الرجل؟، قلت: من بني الأصمع، قال: أنت الأصمعي؟ قلت: نعم، قال: ومن أين أقبلت؟، قلت من موضع مليء بكلام الرّحمن، قال: وللرّحمن كلام يتلوه [الآدمين] .\nقلت: نعم، قال: اتل عليّ شيئا منه، فقلت له: انزل عن قعودك. فنزل، وابتدأت بسورة وَالذَّارِياتِ، فلمّا انتهيت إلى قوله سبحانه: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ. قال: يا أصمعي هذا كلام الرّحمن؟، قلت: أي والذي بعث محمدا بالحق، إنّه لكلامه أنزله على نبيّه محمد، فقال لي: حسبك، ثم قام إلى الناقة فنحرها وقطعها كلّها، وقال: أعنّي على توزيعها ففرقناها على من أقبل وأدبر، ثم عمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وجعلهما تحت الرمل وولّى مدبرا نحو البادية وهو يقول: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ.\nفأقبلت على نفسي باللوم وقلت: لم تنتبهي لما انتبه له الأعرابي، فلمّا حججت مع الرشيد دخلت مكة، فبينا أنا أطوف بالكعبة إذ هتف بي هاتف بصوت دقيق فالتفّت فإذا أنا بالأعرابي نحيلا مصفارا فسلّم علىّ وأخذ بيدي وأجلسني من وراء المقام وقال لي: اتل كلام الرّحمن، فأخذت في سورة وَالذَّارِياتِ، فلمّا انتهيت الى قوله: وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ، صاح الاعرابي فقال: وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، ثم قال: وهل غير هذا؟ قلت: نعم يقول الله سبحانه فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ، فصاح الأعرابي وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟، ألم يصدّقوه بقوله حتى ألجأوه إلى اليمين؟ قالها ثلاثا وخرجت فيها نفسه «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال:\nحدّثنا أبو حاتم قال: حدّثنا شبانة، قال حدّثنا صدقة، قال حدّثنا الوضين بن عطاء عن زيد بن جرير أنّ رجلا جاع في مكان ليس فيه شيء، فقال: اللهم رزقك الذي وعدتني فأتني به، قال:\nفشبع وروى من غير طعام ولا شراب.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن القاسم الخطيب. قال: حدّثنا إسماعيل بن العباس بن محمد الوراق، قال: حدّثنا الحسين بن سعيد بن محمد المحرمي، قال: حدّثنا علي ابن يزيد العبداني قال: حدّثنا فضيل بن مسروق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، قال:\n_________\n(١) كتاب التوابين لعبد الله بن قدامة: ٢٧٥ ح ١١٢.","vol":"9","page":115},{"text":"قال رسول الله ﷺ: «لو أنّ أحدكم فرّ من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت»\n[٩٧] «١» وأنشدت في معناه:\nالرزق في القرب وفي البعد ... أطلب للعبد من العبد\nلو قصّر الطالب في سعيه ... أتاه ما قدّر في قصد\nوقال دعبل:\nأسعى لأطلب رزقي وهو يطلبني ... والرزق أكثر لي مني له طلبا\n«٢»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٢٤ الى ٤٥]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)\nفَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠) قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)\nمُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤) فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٣٧) وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨)\nفَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩) فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠) وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)\nفَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤) فَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)\nهَلْ أَتاكَ يا محمد حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ اختلفوا في عددهم فقال ابن عباس ومقاتل: كانوا اثني عشر ملكا، وقال محمد بن كعب: كان جبريل ومعه سبعة، وقال عطاء وجماعة: كانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر الْمُكْرَمِينَ قال ابن عباس: سمّاهم مكرمين لأنّهم كانوا غير مدعوّين.\nوأخبرني محمد بن القاسم بن أحمد الفقيه قال: حدّثني عبد الله بن أحمد الشعراني، قال:\nأخبرنا عبد الواحد بن محمد بن سعيد الأرعيالي قال: سمعت محمد بن عبد الوهاب يقول: قال لي علي بن غنام: عندي هريسة، ما رأيك فيها؟ قلت: ما أحسن رأيي!، قال: امض، فدخلت الدار فجعل ينادي يا غلام يا غلام، والغلام غائب، فأدخلني بيتا فجلست فيه، فما راعني [إلّا معه] «٣» القمقمة والطست وعلى عاتقه المنديل، فقلت: إنّا لله يا أبا الحسن لو علمت أن الأمر\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٤٢.\n(٢) روضة الواعظين: ٥/ ٤٢٦.\n(٣) في المخطوط (إلّا به معه) . [.....]","vol":"9","page":116},{"text":"عندك هكذا ما دخلت. قال: هوّن عليك، حدّثنا أبو أسامة عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قوله سبحانه: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ قال: خدمته إياهم بنفسه، وقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: كانوا مكرمين عند الله، نظيره في سورة الأنبياء بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ.\nقال أبو بكر الوراق وابن عطاء: سمّاهم مكرمين، لأنّ أضياف الكرام مكرمون، وكان إبراهيم ﵈ أكرم الخليقة وأطهرهم فتوة.\nإِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ أي أنتم قوم مُنْكَرُونَ غرباء لا نعرفكم، وقيل: إنّما أنكر أمرهم، لأنّهم دخلوا عليه من غير استئذان، وقال أبو العاليه: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض.\nفَراغَ فعدل ومال إبراهيم إِلى أَهْلِهِ قال الفرّاء: لا ينطق بالروغ حتى يكون صاحبه محتفيا لذهابه ومجيئه فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ قال قتادة: كان عامة مال إبراهيم البقر فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ أي صيحة، ولم يكن ذلك إقبالا من مكان إلى مكان وإنّما هو كقول القائل: أقبل يشتمني، بمعنى أخذ في شتمي.\nفَصَكَّتْ قال ابن عباس: لطمت وَجْهَها وقال الآخرون: ضربت يدها على جبهتها تعجبا، كعادة النساء إذا أنكرن شيئا أو تعجبن منه، وأصل الصكّ الضرب وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ مجازه: أتلد عجوز عقيم؟ وكانت سارة لم تلد قبل ذلك وكان بين البشارة والولادة سنة، فولدت له سارة وهي بنت سبع وتسعين، وإبراهيم ابن مائة سنة.\nقالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ حدّثنا أبو بكر بن عبدوس- إملاء- قال:\nأخبرنا أبو سهل القطان ببغداد، قال: حدّثنا يحيى بن جعفر، قال: أخبرنا يزيد بن هارون، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف، قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب، قال حدّثنا نصر بن علي، قال: أخبرنا نوح بن قيس، قال: حدّثنا عون بن أبي شداد أنّ ضيف إبراهيم المكرمين لمّا دخلوا عليه فقرّب إليهم العجل فسحه جبريل ﵇ بجناحه، فقام العجل يدرج في الدار حتى لحق بأمّه.\nقالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ قال الكلبي من سنك، وكل بيانه قوله سبحانه مِنْ سِجِّيلٍ.\nمُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.","vol":"9","page":117},{"text":"وَتَرَكْنا فِيها آيَةً عبرة لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ.\nوَفِي مُوسى أي وتركنا في إرسال موسى أيضا عبرة- وقال الفرّاء: هو معطوف على قوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ ...، وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ. فَتَوَلَّى فأعرض وأدبر عن الإيمان بِرُكْنِهِ بقوته وقومه، نظيره أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ يعني المنعة والعشيرة، وقال المؤرخ: بجانبه وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ قال أبو عبيدة:\n(أو) بمعنى (الواو) لأنهم قد قالوهما جميعا، وأنشد بيت جرير:\nأثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهيّة والخشابا «١»\nوقد يوضع (أو) بمعنى (الواو) كقوله: آثِمًا أَوْ كَفُورًا و(الواو) بمعنى (أو) كقوله سبحانه: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ.\nَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ\nقد أتى بما يلام عليه.\nوَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ وهي التي لا تلقّح شجرا ولا تنشئ سحابا ولا رحمة فيها [ولا] «٢» بركة.\nما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ كالنبت الذي قد يبس وديس.\nقال ابن عباس كالشيء الهالك. مقاتل: كالبالي. مجاهد: كالتبن اليابس. قتادة: كرميم الشجر. أبو العالية: كالتراب المدقوق. [قال] يمان: ما رمته الماشية بمرمتها من [الكلأ] «٣»، ويقال للنسفة: المرمة والمقمة، وقيل: أصله من العظم البالي.\nوَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ يعني وقت فناء آجالهم.\nفَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ قال الحسين بن واقد: كلّ صاعقة في القرآن فهي عذاب وَهُمْ يَنْظُرُونَ إليها نهارا.\nفَمَا اسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ فما قاموا بعد نزول العذاب بهم ولا قدروا على نهوض به ولا دفاع وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ منتقمين منّا.\nقال قتادة: وما كانت عندهم قوة يمتنعون بها من الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>[سورة الذاريات (٥١): الآيات ٤٦ الى ٦٠]</span>\nوَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ (٤٦) وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ (٤٨) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)\nوَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١) كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٥٣) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)\nوَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (٥٦) ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ١٧.\n(٢) الكلمة غير موجودة في المخطوط، وهي زيادة منا.\n(٣) في المخطوط (من الكلاب) .","vol":"9","page":118},{"text":"وَقَوْمَ نُوحٍ قرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف (وَقَوْمِ) بجرّ الميم في قَوْمَ نُوحٍ، وقرأ الباقون بالنصب، وله وجوه: أحدهما: أن يكون مردودا على الهاء والميم في قوله فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ أي وأخذت قوم نوح، والثاني: وأهلكنا قوم نوح، والثالث:\nواذكر قوم نوح مِنْ قَبْلُ أي من قبل عاد وثمود وقوم فرعون إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ.\nوَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ بقوة وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ قال ابن عباس قادرون، وعنه أيضا:\nلَمُوسِعُونَ الرزق على خلقنا. الضحاك: أغنياء، دليله قوله سبحانه عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ القتيبي: ذوو سعة على خلقنا. الحسين بن الفضل: أحاط علمنا بكل شيء. الحسن: مطبقون.\nوَالْأَرْضَ فَرَشْناها بسطنا ومهّدنا لكم فَنِعْمَ الْماهِدُونَ الباسطون، والمعنى في الجمع التعظيم.\nوَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ صنفين ونوعين مختلفين كالسماء والأرض، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر، والسهل والجبل، والشتاء والصيف، والجن والانس، والكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة، والحق والباطل، والذكر والأنثى، والجنة والنار.\nلَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعلمون أنّ خالق الأزواج فرد.\nفَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ أي: فاهربوا من عذاب الله إلى ثوابه بالإيمان ومجانبة العصيان.\nقال ابن عباس: فرّوا منه إليه، واعملوا بطاعته، وقال أبو بكر الورّاق: فرّوا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرّحمن، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف قال: حدّثنا محمد بن حمدان بن سفيان، قال: حدّثنا محمد بن زياد قال: حدّثنا يعقوب بن القاسم، قال: حدّثنا محمد بن معز عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان في قوله سبحانه فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ قال: اخرجوا إلى مكة. الحسين بن الفضل: احترزوا من كل شيء دونه، فمن فرّ إلى غيره لم يمتنع منه.\nقال الجنيد: الشيطان داع إلى الباطل، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ يمنعكم منه. ذو النون: ففرّوا من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الشكر. عمرو بن عثمان: فرّوا من أنفسكم إلى ربّكم.","vol":"9","page":119},{"text":"الواسطي: فرّوا إلى ما سبق لكم من الله ولا تعتمدوا على حركاتكم. سهل بن عبد الله: فرّوا مما سوى الله إلى الله. إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ.\nوَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ. كَذلِكَ أي: كما كفر بك قومك، وقالوا ساحر ومجنون كذلك ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ.\nأَتَواصَوْا بِهِ أوصى بعضهم بعضا بالتكذيب وتواطؤوا عليه، والألف فيه ألف التوبيخ.\nبَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ عاصون.\nفَتَوَلَّ فأعرض عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ فقد بلّغت ما أرسلت به وما قصّرت فيما أمرت.\nقال المفسرون: فلمّا نزلت هذه الآية حزن رسول الله ﷺ، واشتدّ ذلك على أصحابه، ورأوا أن الوحي قد انقطع وأنّ العذاب قد حضر، فأنزل الله سبحانه ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ\nقال علي بن أبي طالب: معناه إلّا لآمرهم أن يعبدون، وأدعوهم إلى عبادتي\n، واعتمد الزجاج هذا القول، ويؤيده قوله وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا وقوله: وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ.\nقال ابن عباس: ليقرّوا لي بالعبودية طوعا أو كرها.\nفإن قيل: فكيف كفروا وقد خلقهم للإقرار بربوبيته والتذلّل لأمره ومشيئته، وأنهم قد تذللوا لقضائه الذي قضى عليهم؟\n[قلنا:] لأنّ قضاءه جار عليهم ولا يقدرون الامتناع منه إذا نزل بهم، وإنّما خالفه من كفر به في العمل بما أمره به، فأمّا التذلّل لقضائه فإنّه غير ممتنع فيه، وقال مجاهد: إلّا ليعرفون.\nولقد أحسن في هذا القول لأنّه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده، ودليل هذا التأويل قوله: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ الآيات.\nوروى حيّان عن الكلبي: إلّا ليوحّدون، فأمّا المؤمن فيوحّده في الشدّة والرخاء، وأمّا الكافر فيوحده في الشدّة والبلاء دون النعمة والرخاء، بيانه قوله سبحانه: فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الآية.\nوقال عكرمة: إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ويطيعون. فأثيب العابد وأعاقب الجاحد، وقال الضحاك وسفيان: هذا خاص لأهل عبادته وطاعته. يدلّ عليه [ما] قرأه ابن عباس: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ من المؤمنين إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. قال في آية أخرى: وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وقال بعضهم: معناه وما خلقت السعداء من الجن والإنس إلّا لعبادتي، والأشقياء","vol":"9","page":120},{"text":"منهم إلّا لمعصيتي، وهذا معنى قول زيد بن أسلم، قال: ما جبلوا عليه من الشقاء والسعادة، وقال الحسين بن الفضل: هو الاستعباد الظاهر.\nوليس على هذا القدر لأنّه لو قدر عليهم عبادته لما عصوه ولما عبدوا غيره وإنمّا هو كقوله: جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ثم قال: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ.\nووجه الآية في الجملة أنّ الله تعالى لم يخلقهم للعبادة خلق جبلة وإجبار وإنّما خلقه لهم خلق تكليف واختيار، فمن وفّقه وسدّده أقام العبادة التي خلق لها، ومن خذله وطرده حرمها وعمل بما خلق لها.\nكقوله ﷺ: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له»\n[٩٨] «١» والله أعلم.\nما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ أي رزقا وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ قراءة العامّة برفع النون على نعت الله ﷾، وهو القوي المقتدر المبالغ في القوّة والقدرة.\nقال ابن عباس: المتين الصلب الشديد، وقرأ يحيى والأعمش الْمَتِينِ خفضا على نعت القوّة. قال الفرّاء: كان حقّه التأنيث «٢» فذكّره لأنّه ذهب به إلى الشيء المبرم المحكم الفتل، كما يقال: حبل متين، وأنشد الفرّاء:\nلكلّ دهر قد لبست أثوبا ... حتى اكتسى الرأس قناعا أشيبا «٣»\nمن ريطة واليمنة المعصّبا «٤»\nفذكّر المعصب لأنّ اليمنة صنف من الثياب.\nومن هذا الباب قوله سبحانه: فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ أي وعظ، وقوله: وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ أي الصياح والصوت.\nوأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه الدينوري، قال: حدّثنا القطيفي، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا يحيى بن آدم ويحيى بن أبي كثير قالا: حدّثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرّحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: أقرأني رسول الله ﷺ إنّي أنا الرزاق ذو القوة المتين.\nفَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا من أهل مكة ذَنُوبًا قال ابن عباس وسعيد بن جبير: سجّلا.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٨٢.\n(٢) في المخطوط: التثنية.\n(٣) غريب الحديث: ٢/ ٢٠٦.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٧/ ٥٧.","vol":"9","page":121},{"text":"مجاهد: سبيلا. النخعي: طرفا. عطاء وقتادة: عذابا. الحسن: دولة. الكسائي: حظا.\nالأخفش: نصيبا.\nوأصل الذّنوب في اللغة الدلو الكبيرة العظيمة المملوءة ماء.\nقال الراجز:\nلها ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب «١»\nثم يستعمل في الحظ والنصيب كقول علقمة بن عبيدة.\nوفي كل قوم قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب «٢»\nلعمرك والمنايا طارقات ... لكل بني أب منهم ذنوب «٣»\nمِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ من كفار الأمم الخالية فَلا يَسْتَعْجِلُونِ بالعذاب، فإنّما أمهلوا مع ذنوبهم لأجل ذنوبهم.\nفَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ وهو يوم بدر، وقيل: يوم القيامة.\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ٣٩٢.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ١٨، وفي لسان العرب (كل حي) بدل (كل قوم) لسان العرب: ١/ ٢٧٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٥٧.","vol":"9","page":122},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-730>سورة الطور</span>\nمكية، وهي ألف وخمسمائة حرف، وثلاثمائة واثنتا عشرة كلمة، وتسع وأربعون آية\nأخبرني أبو الحسن الفارسي قال: حدّثنا أبو محمد بن أبي حامد قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن الحسن الصبهاني، قال: حدّثنا المؤمل بن إسماعيل، قال: حدّثنا سفيان الثوري، قال: حدّثنا أسلم المنقري عن عبد الله بن عبد الرّحمن بن ايزي عن أبيه عن أبي بن كعب قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الطور كان حقّا على الله ﷿ أن يؤمنه من عذابه وأن ينعّمه في جنته» [٩٩] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>[سورة الطور (٥٢): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالطُّورِ (١) وَكِتابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ (٧) ما لَهُ مِنْ دافِعٍ (٨)\nوَالطُّورِ كل جبل طور، لكنّه سبحانه عنى بالطور هاهنا الجبل الذي كلّم عليه موسى بالأرض المقدّسة، وهي بمدين واسمه زبير، وقال مقاتل بن حيان: هما طوران يقال لأحدهما:\nطور تينا، وللآخر طور زيتونا لأنهما ينبتان التين والزيتون.\nوَكِتابٍ مَسْطُورٍ مكتوب.\nفِي رَقٍّ جلد مَنْشُورٍ وهو الصحيفة، واختلفوا في هذا الكتاب ما هو؟ فقال الكلبي:\nهو كتاب الله سبحانه بيد موسى ﵇ من التوراة، وموسى يسمع صرير القلم، وكان كلّما مرّ القلم بمكان خرقه إلى الجانب الآخر، فكان كتابا له وجهان، وقيل: اللوح المحفوظ [وهو] «٢» دواوين الحفظة، تخرج إليهم يوم القيامة منشورة فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، دليله ونظيره قوله سبحانه: وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا وقوله سبحانه: وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ،\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٢٧٠.\n(٢) زيادة اقتضاها السياق.","vol":"9","page":123},{"text":"وقيل: هو ما كتب الله تعالى في قلوب أوليائه من الإيمان، بيانه: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، وقيل: هو ما كتب الله تعالى للخلق من السابقة والعاقبة.\nوَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ بكثرة الحاشية والأهل، وهو بيت في السماء السابعة، حذاء العرش، حيال الكعبة، يقال له: الضراح، حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف من الملائكة، يطوفون به ويصلون فيه، ثم لا يعودون إليه أبدا «١»، وخازنه ملك يقال له: [الجن] .\nوقيل: كان البيت المعمور من الجنّة، حمل إلى الأرض لأجل آدم ﵇، ثم رفع إلى السماء أيام الطوفان.\nأخبرنا الحسين بن محمد، قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون، قال: حدّثنا إبراهيم ابن الحسين بن دربل، قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل، قال: حدّثني سفيان بن نسيط عن أبي محمد عن الزبير عن عائشة أنّ النبىّ ﷺ قدم مكة فأرادت عائشة أن تدخل البيت- يعني ليلا- فقال لها بنو شيبة: أنّ أحدا لا يدخله ليلا ولكنا نخليه لك نهارا، فدخل عليها النبي ﷺ فشكت إليه أنّهم منعوها أن تدخل البيت، فقال: «إنّه ليس لأحد أن يدخل البيت ليلا، إن هذه الكعبة بحيال البيت المعمور الذي في السماء، يدخل ذاك المعمور سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه أبدا الى يوم القيامة، لو وقع حجر منه لوقع على ظهر الكعبة، ولكن انطلقي أنت وصواحبك فصلّين في الحجر» [١٠٠] «٢» ففعلت فأصبحت وهي تقول: قد دخلت البيت على رغم من رغم.\nوأخبرنا الحسين بن محمد، قال: حدّثنا هارون بن محمد، قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز، قال: حدّثنا كثير بن يحيى بن كثير، قال: حدّثنا أبي عن عمرو عن الحسن في قوله سبحانه: وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ قال: هو الكعبة البيت الحرام الذي هو معمور من الناس، يعمره الله كلّ سنة، أوّل مسجد وضع للعبادة في الأرض.\nوَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ يعني السماء، سمّاها سقفا لأنها للأرض كالسقف للبيت، دليله ونظيره قوله سبحانه: وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا.\nوَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ قال مجاهد والضحاك وشمر بن عطية ومحمد بن كعب والأخفش:\nيعني الموقد المحمي بمنزلة التنور المسجور، ومنه قيل للمسعر مسجر، ودليل هذا التأويل ما\n_________\n(١) الى هنا في فتح الباري: ٦/ ٢١٩، وتفسير الطبري: ٢٧/ ٢٣ مورد الآية.\n(٢) الدر المنثور: ٦/ ١١٧. [.....]","vol":"9","page":124},{"text":"روي أنّ النبىّ ﷺ قال «لا يركبنّ البحر إلّا حاجّ أو معتمر أو مجاهد في سبيل الله، فإنّ تحت البحر نارا وتحت النار بحرا، وتحت البحر نارا [١٠١] «١» .\nوقال ﷺ «البحر نار في نار»\n[١٠٢] «٢»،\nوروى سعيد بن المسيب أنّ عليا كرم الله وجهه قال لرجل من اليهود: أين جهنم؟ فقال: البحر. فقال: ما أراه إلّا صادقا ثم قرأ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ وَإِذَا الْبِحارُ سُجِرَتْ مخفّفة.\nوتفسير هذه الأخبار ما\nروي في الحديث: «إنّ الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلّها نارا فيسجر بها نار جهنم» [١٠٣] «٣» .\nوقال قتادة: المسجور: المملوء. ابن كيسان: المجموع ماؤه بضعه إلى بعض، ومنه قول لبيد:\nفتوسّطا عرض السرى وصدّعا ... مسجورة متجاور أقلامها «٤»\nوقال النمر بن تولب:\nإذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والسماسما\nوقال أبو العالية: هو اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب، وفي رواية عطية وذي الرمّة الشاعر: أخبرنيه أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن الدينوري. قال: حدّثنا عبيد الله بن أبي سمرة، قال: حدّثنا أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث، قال: حدّثنا السدوسي أبو جعفر، قال: حدّثنا الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء عن ذي الرمّة عن ابن عباس وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الفارغ. قال: خرجت أمة تسقي فرجعت فقالت: إنّ الحوض مسجور. تعني فارغا.\nقال ابن أبي داود: ليس لذي الرمّة حديث غير هذا.\nوروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: المسجور: المحبوس، وقال الربيع بن أنس: المختلط العذب بالملح.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا مخلد بن جعفر، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال:\nحدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا إسحاق بن بسر، قال: أخبرني جويبر عن الضحاك، ومقاتل بن سليمان عن الضحاك عن النزال بن سبرة، عن علي بن أبي طالب أنّه قال في الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ: «هو بحر تحت العرش، غمره كما بين سبع سماوات إلى سبع أرضين، وهو ماء\n_________\n(١) كنز العمال: ٥/ ١٨ ح ١١٨٦١ باختصار، والسنن الكبرى: ٦/ ١٨ بتفاوت.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٣٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٦١.\n(٤) تاج العروس: ٥/ ٤٦.","vol":"9","page":125},{"text":"غليظ يقال له: بحر الحيوان، يمطر العباد بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون من قبورهم» [١٠٤] «١» .\nإِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ نازل ما لَهُ مِنْ دافِعٍ مانع.\nقال جبير بن مطعم: قدمت المدينة لأكلم رسول الله في أسارى بدر [فذهبت] «٢» إليه وهو يصلّي بأصحابه المغرب، وصوته يخرج من المسجد، فسمعته يقرأ وَالطُّورِ الى قوله: إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ فكأنما صدع قلبي، وكان أوّل ما دخل قلبي الإسلام، فأسلمت خوفا من نزول العذاب، وما كنت أظن أني أقوم من مكاني حتى يقع بي العذاب.\nوأخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: أخبرت عن [محمد] بن الحرث المكي، عن عبد الله بن رجاء المكي، عن هشام بن حسان، قال: انطلقت أنا ومالك بن دينار إلى الحسن فانتهينا إليه وعنده رجل يقرأ، فلمّا بلغ هذه الآية إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ ما لَهُ مِنْ دافِعٍ بكى الحسن وبكى أصحابه، وجعل مالك يضطرب حتى غشي عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٩ الى ٢٤]</span>\nيَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا (١٠) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)\nهذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨)\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣)\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)\nيَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا أي تدور كدوران الرحى، وتتكفّأ بأهلها تكفّأ السفينة، ويموج بعضها في بعض.\nواختلفت عبارات المفسرين فيها: قال ابن عباس: تدور دورانا. قتادة: تتحرك.\nالضحاك: تحرك. عطاء الخراساني: تختلف إحداها بعضها في بعض. قطرب: تضطرب.\nعطية: تختلف. المؤرخ: يتحول بعضهم تحولا. الأخفش: تتكفّأ، وكلّها متقاربة.\n_________\n(١) زاد المسير لابن الجوزي: ٧/ ٢١٦، تفسير القرطبي: ١٧/ ٦٢ بتفاوت.\n(٢) ما أثبتناه منا وفي المخطوط (فدفعت) .","vol":"9","page":126},{"text":"وأصل المور الاختلاف والاضطراب، قال رؤبة:\nمسودّة الأعضاد من وشم العرق ... مائرة الضبعين مصلات العنق\nأي مضطربة العضدين.\nوَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْرًا فتزول عن أماكنها وتصير هباء منبثّا.\nفَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وإنّما أدخل الفاء في قوله فَوَيْلٌ لأن في الكلام معنى المجاراة مجازه: إذا كان هذا فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.\nالَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ باطل يَلْعَبُونَ غافلين جاهلين ساهين لاهين.\nيَوْمَ يُدَعُّونَ يدفعون إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا دفعا ويزعجون إليها إزعاجا، وذلك أنّ خزنة النار يغلّون أيديهم إلى أعناقهم ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم، وتجافى أقفيتهم حتى يردوا النار.\nوقرأ أبو رجاء العطاردي يوم يدعون إلى النار دعاء بالتخفيف من الدعاء. قالوا: فإذا دنوا من النار قالت لهم الخزنة:\nهذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ. اصْلَوْها ادخلوها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فاكِهِينَ ذوي «١» فاكهة كثيرة، وفكهين: معجبين ناعمين.\nبِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ ثم يقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ قد صفّ بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ قرأ أبو عمرو «وأتبعناهم» بالنون والألف «ذرياتهم» بالألف فيهما، وكسر التائين لقوله: أَلْحَقْنا ... وَما أَلَتْناهُمْ ليكون الكلام على نسق واحد، وقرأ الآخرون وَاتَّبَعَتْهُمْ بالتاء من غير ألف ثم اختلفوا في قوله: ذُرِّيَّتُهُمْ، وقرأ أهل المدينة الأولى بغير ألف وضم التاء، والثانية بالألف وكسر التاء، وقرأ أهل الشام بالألف فيهما وكسر تاء الثانية، وهو اختيار يعقوب وأبي حاتم، وقرأ الآخرون بغير ألف فيهما وفتح تاء الثانية، وهو اختيار أبي عبيد.\nواختلف المفسّرون في معنى الآية، فقال قوم: معناها وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ التي بلغت الإيمان بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان، وهو قول الضحّاك ورواية العوفي عن ابن عباس. فأخبر الله ﷾ أنّه يجمع لعبده المؤمن ذرّيته في الجنة\n_________\n(١) في المخطوط: ذوو.","vol":"9","page":127},{"text":"كما كان يحب في الدنيا أن يجتمعوا له، ويدخلهم الجنة بفضله ويلحقهم بدرجته، بعمل الأب «١» من غير أن ينقص الآباء من أجور أعمالهم شيئا فذلك قوله سبحانه: وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يعني الآباء، والهاء والميم راجعان إلى قوله: وَالَّذِينَ آمَنُوا، والألت: النقص والبخس.\nأخبرني الحسن بن محمد بن عبد الله الحديثي، قال: حدّثنا سعيد بن محمد بن إسحاق الصيرفي قال: حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا جنادة بن المفلس، قال: حدّثنا قيس بن الربيع، قال: حدّثنا عمرو بن المسرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة وإن كانوا دونه في العمل لتقرّ بهم عينه» «٢» [١٠٥] ثم قرأ والذين آمنوا واتّبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء قال: «ما نقصنا الآباء بما أعطينا [البنين]» [١٠٦] «٣» .\nوأخبرنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن علي بن الحسن الهمداني، قال:\nحدّثنا أبو عبد الله عمر بن نصر البغدادي ببردعة، قال: حدّثنا محمد بن عبد الرّحمن بن غزوان، قال: حدّثنا شريك بن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أظنّه ذكره عن النبىّ ﷺ قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة فسأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنّهم لم يدركوا ما أدركت، فيقول: عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به» «٤» [١٠٧] وتلا ابن عباس:\nوالذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال:\nحدّثني عثمان بن أبي شيبة، قال: حدّثنا محمد بن فضيل عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي قال: سألت خديجة النبىّ ﷺ عن ولدين ماتا في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: «هما في النار» قال: فلمّا رأى الكراهية في وجهها قال: «لو رأيت مكانهما لأبغضتهما» قالت: يا رسول الله فولداي منك؟\nقال: «في الجنة» .\nقال رسول الله ﷺ: «إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار» «٥» [١٠٨] ثم قرأ رسول الله ﷺ والذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريّاتهم\n_________\n(١) في المخطوط: أبيه.\n(٢) المستدرك: ٢/ ٤٦٨.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ١١٤.\n(٤) المعجم الصغير: ١/ ٢٢٩، وتفسير ابن كثير: ٣/ ٣٤، وفي سند الحديث محمد بن عثمان قال الذهبي في الميزان خبره منكر.\n(٥) مسند احمد: ١/ ١٣٤.","vol":"9","page":128},{"text":"كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ من الخير والشر رَهِينٌ مرهون فيؤخذ بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره.\nوَأَمْدَدْناهُمْ وأعطيناهم بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ من أنواع اللحمان يَتَنازَعُونَ يتعاطون فيتناولون ويتداولون فِيها كَأْسًا إناء فيها خمر لا لَغْوٌ فِيها وهو الباطل. عن قتادة. مقاتل بن حيان: لا فضول فيها. سعيد بن المسيّب: لا رفث فيها. ابن زيد: لا سباب ولا تخاصم فيها. القتيبي: لا يذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا، وقال ابن عطاء: أي لغو يكون في مجلس محلّه جنة عدن، والساقي فيه الملائكة، وشربهم على ذكر الله، وريحانهم تحية من عند الله مباركة طيبة، والقوم أضياف الله وَلا تَأْثِيمٌ أي فعل يؤثمهم، وهو تفعيل من الإثم، يعني: إنّهم لا يأثمون في شربها.\nوقال ابن عباس: يعني ولا كذب، وقال الضحّاك: يعني لا يكذب بعضهم بعضا «١» .\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ بالخدمة غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ من بياضهم وصفاء لونهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ مخزون مصون، قال سعيد بن جبير: يعني في الصدف.\nأخبرني الحسن بن محمد، قال: حدّثنا أحمد بن علي بن عمر بن خنيس، قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن عصام، قال: حدّثنا عمر بن عبد العزيز المصري، قال: حدّثنا يوسف بن أبي طيبة عن وكيع بن الجراح عن هشام عن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة من ينادي الخادم من خدمه فيجيبه ألف، يناديه كلّهم:\nلبيك» «٢» [١٠٩] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو علي المقرئ، قال: حدّثنا محمد بن عمران قال:\nحدّثنا هاني بن المسري، قال: حدّثنا عبيده بن سعيد عن قتادة بن عبد الله بن عمر قال: ما من أحد من أهل الجنة إلّا سعى له ألف غلام، كل غلام على عمل ما عليه صاحبه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن أيوب المنوي قال: حدّثنا الحسن ابن الكميت الموصلي قال: حدّثنا المعلى بن مهدي، قال: أخبرنا مسكين عن حوشب عن الحسن أنّه كان إذا تلا هذه الآية يَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ قالوا: يا رسول الله الخادم كاللؤلؤ فكيف بالمخدوم؟ قال «ما بينهما كما بين القمر ليلة البدر وبين أصغر الكواكب» «٣» [١١٠] .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٦٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٦٩. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٦٩.","vol":"9","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>[سورة الطور (٥٢): الآيات ٢٥ الى ٤٩]</span>\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ (٢٥) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ (٢٧) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ (٢٩)\nأَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (٣٢) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٣٤)\nأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (٣٨) أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)\nأَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)\nفَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥) يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٧) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ (٤٩)\nوَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ يسأل بعضهم بعضا قال ابن عباس: إذا بعثوا من قبورهم، وقال غيره: في الجنة وهو الأصوب لقوله سبحانه قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ خائفين من عذاب الله فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ قال الحسن: السّموم: اسم من أسماء جهنم.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك، قال: حدّثنا عبد الله، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أنس بن عياض، قال: حدّثني شيبة بن نصاح عن القاسم بن محمد قال: غدوت يوما وكنت إذا غدوت بدأت بعائشة ﵂ أسلّم عليها، فوجدتها ذات يوم تصلّي السبحة «١» وهي تقرأ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ وتردّدها وتبكي، فقمت حتى مللت ثم ذهبت إلى السوق بحاجتي ثم رجعت فإذا هي تقرأ وترددها وتبكي وتدعو.\nإِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ في الدنيا نَدْعُوهُ نخلص له العبادة إِنَّهُ قرأ الحسن وأبو جعفر ونافع والكسائي بفتح الألف، أي لأنّه، وهو اختيار أبي حاتم، وقرأ الآخرون بالكسر على الابتداء، وهو اختيار أبي عبيدة هُوَ الْبَرُّ قال ابن عباس: اللطيف، وقال الضحاك: الصادق فيما وعد الرَّحِيمُ.\nفَذَكِّرْ يا محمد فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ أي برحمته وعصمته بِكاهِنٍ يبتدع القول ويخبر بما في غد من غير وحي، والكاهن: الذي يقول: إنّ معي قرينا من الجن.\n_________\n(١) السبحة: صلاة التطوع والنافلة.","vol":"9","page":130},{"text":"وَلا مَجْنُونٍ نزلت هذه الآية في الخرّاصين الذين اقتسموا عقاب مكة، يصدون الناس عن الإيمان، ويرمون رسول الله ﷺ بالكهانة والجنون والسحر والشعر. فذلك قوله سبحانه:\nأَمْ يَقُولُونَ يعني هؤلاء المقتسمين الخرّاصين شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ حوادث الدهر فيكفينا أمره بموت أو حادثة متلفة فيموت ويتفرق أصحابه، وذلك أنهم قالوا: ننتظر به ملك الموت فيهلك كما هلك من قبله من الشعراء زهير والنابغة وفلان وفلان، إنّما هو كأحدهم، وإنّ أباه توفي شابا، ونحن نرجو أن يكون موته كموت أبيه.\nوالمنون يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى الموت، سمّيا بذلك لأنّهما ينقصان ويقطعان الأجل، قال الأخفش: لأنّهما يمنيان قوى الإنسان ومنيه أي ينقصان، وأنشد ابن عباس:\nتربّص بها ريب المنون لعلّها ... تطلّق يوما أو يموت حليلها «١»\nقُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ حتى يأتي أمر الله فيكم.\nأَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ عقولهم بِهذا وأنّهم كانوا يعدون في الجاهلية أهل الأحلام ويوصفون بالعقل، وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا وقد وصفهم الله سبحانه بالعقول؟. فقال: تلك عقول كادها الله، أي لم يصحبها التوفيق. أَمْ هُمْ بل هم قَوْمٌ طاغُونَ.\nأَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ استكبارا.\nفَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ أي مثل هذا القرآن يشبهه إِنْ كانُوا صادِقِينَ أنّ محمدا تقوّله من تلقاء نفسه، فإنّ اللسان لسانهم، وهم مستوون في البشرية واللغة والقوة.\nأَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ قال ابن عباس: من غير ربّ، وقيل: من غير أب ولا أم، فهم كالجماد لا يعقلون، ولا يقوم لله عليهم حجة، أليسوا خلقوا من نطفة ثم علقة ثم مضغة؟ قاله ابن عطاء، وقال ابن كيسان: أم خلقوا عبثا وتركوا سدى لا يؤمرون ولا ينهون، وهذا كقول القائل: فعلت كذا وكذا من غير شيء يعني لغير شيء. أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ لأنفسهم.\nأَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ قال ابن عباس:\nالمطر والرزق، وقال عكرمة: يعني النبوّة، وقيل: علم ما يكون أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ المسلطون الجبّارون. قاله أكثر المفسّرين، وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، وقال عطاء: أرباب قاهرون، وقال أبو عبيدة: يقال: خولا تسيطرت عليّ: اتّخذتني، وروى العوفي عن ابن عباس:\nأم هم المنزلون.\n_________\n(١) لسان العرب: ٧/ ٤٠.","vol":"9","page":131},{"text":"أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ [يدّعون أن لهم] مصعدا ومرقاة يرتقون به إلى السماء يَسْتَمِعُونَ فِيهِ الوحي فيدّعون أنّهم سمعوا هناك أنّ الذي هم عليه حق، فهم مستمسكون به لذلك. فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ إن ادّعوا ذلك بِسُلْطانٍ مُبِينٍ حجة بيّنة.\nأَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا جعلا على ما جئتهم به ودعوتهم إليه فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ غرم مُثْقَلُونَ مجهودون.\nأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ أي علم ما غاب عنهم حتى علموا أنّ ما يخبرهم الرسول من أمر القيامة والبعث والحساب والثواب والعقاب باطل غير كائن، وقال قتادة: لمّا قالوا نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ أنزل الله سبحانه أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فهم يعلمون حتى بموت محمد، وإلى ماذا يؤول أمره؟ وقال ابن عباس: يعني أم عندهم اللوح المحفوظ فَهُمْ يَكْتُبُونَ ما فيه، ويخبرون الناس به، وقال القتيبي فَهُمْ يَكْتُبُونَ أي يحكمون.\nوالكتاب: الحكم، ومنه\nقول النبي ﷺ للرجلين اللذين تخاصما «لأقضين بينكم بكتاب الله» [١١١] «١» .\nأي بحكم الله.\nأَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا مكرا في دار الندوة فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ الممكور بهم يعود الضرر عليهم، ويحيق المكر بهم، وكل ذلك أنّهم قتلوا ببدر.\nأَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ قال الخليل بن أحمد: ما في سورة الطور من ذكر أَمْ كلّه استفهام وليس بعطف.\nوَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا كسفا قطعة وقيل: قطعا واحدتها كسفة مثل سدرة وسدر مِنَ السَّماءِ ساقِطًا ذكره على لفظ الكسف يَقُولُوا بمعاندتهم وفرط غباوتهم ودرك شقاوتهم هذا سَحابٌ مَرْكُومٌ موضوع بعضه على بعض.\nهذا جواب لقولهم: فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ وقولهم: أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا فقال: لو فعلنا هذا لقالوا: سَحابٌ مَرْكُومٌ.\nفَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يَصْعُقُونَ أي يموتون، وقرأ الأعمش وعاصم وابن عامر يُصْعَقُونَ بضم الياء وفتح العين، أي يهلكون، وقال الفرّاء: هما لغتان مثل سعد وسعد.\nيَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا كفروا عَذابًا دُونَ ذلِكَ قال البراء بن عازب: هو عذاب القبر، وقال ابن عباس: هو القتل ببدر، وقال مجاهد:\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٣/ ٤٧٨.","vol":"9","page":132},{"text":"الجوع والقحط سبع سنين، وقال ابن زيد: المصائب التي تصيبهم من الأوجاع وذهاب الأموال والأولاد. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ إن العذاب نازل بهم.\nوَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا بمرأى ومنظر منا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ قال أبو الأحوص عوف بن مالك وعطاء وسعيد بن جبير: قل سبحانك اللهم وبحمدك حين تقوم من مجلسك، فإن كان المجلس خيرا ازددت احتسابا، وإن كان غير ذلك كان كفارة له.\nودليل هذا التأويل ما\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، قال:\nحدّثنا ابن الحسن أحمد بن عيسى بن حمدون الناقد بطرطوس. قال: حدّثنا أبو أمية، قال:\nحدّثنا حجاج، قال: حدّثنا ابن جريج، قال: أخبرني موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «من جلس في مجلس كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم:\nسبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلّا أنت أستغفرك وأتوب إليك غفر له ما كان في مجلسه ذلك»\n[١١٢] «١» .\nوقال ابن زيد: [سبّح] بأمر ربّك حِينَ تَقُومُ من منامك، وقال الضحاك والربيع: إذا قمت إلى الصلاة فقل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدّك: ولا إله غيرك، وعن الضحاك أيضا يعني: قل حِينَ تَقُومُ إلى الصلاة: (الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا)، وقال الكلبي: يعني ذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة، وقيل: هي صلاة الفجر.\nوَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ أي وصلّ له، يعني صلاتي العشاء، وَإِدْبارَ النُّجُومِ.\nقال علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك يعني: ركعتي الفجر.\nانبأني عقيل، قال: أخبرنا المقابي، قال: أخبرنا ابن جرير، قال: أخبرنا بسر قال: حدّثنا سعيد بن قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعيد بن هشام عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال في ركعتي الفجر «هما خير من الدنيا جميعا» [١١٣] «٢» .\nوقال الضحاك وابن زيد: هي صلاة الصبح الفريضة.\nقرأ سالم بن أبي الجعد (وَأَدْبارِ) بفتح الألف، ومثله روى زيد عن يعقوب يعني: بعد غروب النجوم.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٤٩٤.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ١٤٩.","vol":"9","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-734>سورة النجم</span>\nمكية، وهي ألف وأربعمائة وخمسة أحرف، وثلاثمائة وستون كلمة، واثنتان وستون آية.\nأخبرني أبو الحسن بن القاسم بن أحمد بقراءتي عليه، قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر، قال: أخبرنا أبو عمرو الحيري وعمر بن عبد الله البصري، قالا: حدّثنا محمد ابن عبد الوهاب قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة النجم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بمحمد ومن جحد به» [١١٤] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١ الى ١٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى (٤)\nعَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩)\nفَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)\nوَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال ابن عباس- في رواية الوالبي والعوفي ومجاهد برواية ابن أبي نجح-: يعني والثريّا إذا سقطت وغابت، والعرب تسمّي الثريّا نجما، وإن كانت في العدد نجوما.\nقال أبو بكر محمد بن الحسن الدربندي: هي سبعة أنجم، ستة منها ظاهرة، وواحد منها خفي، يختبر الناس به أبصارهم، ومنه قول العرب إذا طلع النجم عشاء: ابتغى الراعي كساء- وعن مجاهد أيضا: يعني نجوم السماء كلها حتى تغرب، لفظه واحد ومعناه الجمع، كقول الراعي:\nفباتت تعدّ النجم في مستحيره ... سريع بأيدي الآكلين جمودها «٢»\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٢٨٤.\n(٢) لسان العرب: ١٢/ ٥٧٠.","vol":"9","page":134},{"text":"وسمّي الكوكب نجما لطلوعه، وكلّ طالع نجم، ويقال: نجم السر والقرب والندب إذا طلع.\nوروى عكرمة عن ابن عباس أنّه الرجم من النجوم، يعني ما يرمى به الشياطين عند استراقهم السمع، وقال الضحاك: يعني القرآن إذا نزل ثلاث آيات وأربع وسورة، وكان بين أوله وآخره ثلاث وعشرون سنة، وهي رواية الأعمش عن مجاهد وحيان عن الكلبي، والعرب تسمّي التفريق تنجيما والمفرق نجوما ومنه نجوم الدّين.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال:\nحدّثنا أبي، قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي وَالنَّجْمِ إِذا هَوى قال: يقال: هي النجوم إذا انتثرت يوم القيامة، وقال الأخفش هي النبت، ومنه قوله: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ وهويّه: سقوطه على الأرض، لأنه ما ليس له ساق،\nوقال جعفر الصادق: يعني محمدا ﷺ إذا نزل من السماء ليلة المعراج.\nفالهويّ: النزول والسقوط، يقال: هوى يهوى هويّا: مضى يمضي مضيّا، قال زهير:\nيشج بها الأماعز وهي تهوي ... هوي الدلو أسلمها الرشاء «١»\nوروى عروة بن الزبير عن رجال من أهل بيته قالوا: كانت بنت رسول الله ﷺ عند عتبة بن أبي لهب فأراد الخروج إلى الشام فقال: الأبتر محمد فلأوذينّه في جابنتهج؟؟؟ فأتاه فقال: يا محمد هو يكفر ب النَّجْمِ إِذا هَوى وبالذي دَنا فَتَدَلَّى، ثم تفل في وجهه ورد عليه ابنته وطلّقها فقال رسول الله ﷺ: «اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» «٢» [١١٥] قال: وأبو طالب حاضر فوجم لها وقال:\nما كان أغناك يا بن أخي عن هذه الدعوة.\nفرجع عتبة إلى أبيه فأخبره بذلك ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم: هذه أرض مسبعة، فقال أبو لهب لأصحابه: أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد، فجمعوا أحمالهم وفرشوا لعتبة في أعلاها وناموا حوله، فجاء الأسد فجعل يتشمم وجوههم ثم ثنى ذنبه فوثب وضرب عتبة بيده ضربة، وأخذه فخدشه، فقال: قتلني ومات مكانه. فقال في ذلك حسان بن ثابت:\nسائل بني الأصغر إن جئتهم ... ما كان أنباء أبي واسع\nلا وسّع الله له قبره ... بل ضيّق الله على القاطع\nرمى رسول الله من بينهم ... دون قريش رمية القاذع\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٣٠٤.\n(٢) السنن الكبرى: ٥/ ٢١١.","vol":"9","page":135},{"text":"واستوجب الدعوة منه بما ... بيّن للنّاظر والسامع\nفسلّط الله به كلبه ... يمشي الهوينا مشية الخادع\nحتى أتاه وسط أصحابه ... وقد عليهم سمة الهاجع\nفالتقم الرأس بيافوخه ... والنحر منه قفرة الجائع\nثم علا بعد بأسنانه ... منعفرا وسط دم ناقع\nقد كان هذا لكم عبرة ... للسيّد المتبوع والتابع\nمن يرجع العام إلى أهله ... فما أكيل السبع بالراجع «١»\nما ضَلَّ صاحِبُكُمْ محمد وَما غَوى وهذا جواب القسم.\nوَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى أي بالهوى يعاقب بين عن وبين الباء، فيقيم أحدهما مكان الآخر.\nإِنْ هُوَ ما ينطقه في الدّين إِلَّا وَحْيٌ يُوحى إليه.\nعَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى وهو جبريل.\nذُو مِرَّةٍ قوة وشدّة، ورجل ممرّ أي قوي، قال الشاعر:\nترى الرجل النحيف فتزدريه ... وفي أثوابه رجل مزير «٢»\nوأصله من أمررت الحبل إذا أحكمت فتله، ومنه\nقول النبىّ ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرّة سويّ» [١١٦] «٣» .\nقال الكلبي: وكانت شدّته أنّه اقتلع قريات قوم لوط من الماء الأسود، وحملها على جناحه ورفعها إلى السماء ثم قلبها، وكانت شدّته أيضا أنّه أبصر إبليس وهو يكلّم عيسى على بعض عقاب الأرض المقدّسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه في أقصى جبل بالهند، وكانت شدّته أيضا صيحته بثمود فأصبحوا جاثمين خامدين، وكانت شدّته أيضا هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف، وقال قطرب: يقول العرب لكل حرك الرأي حصف العقل:\nذو مرة، قال الشاعر:\nقد كنت قبل لقائكم ذا مرّة ... عندي لكل مخاصم ميزانه «٤»\n_________\n(١) دلائل النبوة: ٢٢٠ بتفاوت وكذلك في مجمع البيان: ٩/ ٢٨٧.\n(٢) الصحاح: ٢/ ٨١٥.\n(٣) كنز العمال: ٦/ ٤٥٣ ح ١٦٥٠١.\n(٤) لسان العرب: ١٣/ ٤٤٧. [.....]","vol":"9","page":136},{"text":"وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله أن الله تعالى ائتمنه على تبليغ وحيه إلى جميع رسله.\nوقال ابن عباس: ذُو مِرَّةٍ، أي ذو منظر حسن، وقال قتادة: ذو خلق طويل حسن.\nفَاسْتَوى يعني جبريل وَهُوَ يعني محمدا ﷺ، وأكثر كلام العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أن يظهروا كناية المعطوف عليه فيقولون: استوى هو وفلان، ما يقولون:\nاستوى وفلان، وأنشد الفرّاء:\nألم تر أنّ النبع يصلب عوده ... ولا يستوي والخروع المتقصف «١»\nوالمعنى: لا يستوي هو والخروع.\nونظير هذه الآية قوله سبحانه: إِذا كُنَّا تُرابًا وَآباؤُنا فعطف بالآباء على الكنى في كُنَّا من غير إظهار نحن، ومعنى الآية: استوى جبريل ومحمد ليلة المعراج بِالْأُفُقِ الْأَعْلى وهو أقصى الدنيا عند مطلع الشمس في السماء، وقيل: استويا في القوة والصعود إلى السماء، وقيل:\nاستويا في العلم بالوحي، وقال بعضهم: معنى الآية: استوى جبريل أي ارتفع وعلا في السماء بعد أن علّم محمدا، عن سعيد بن المسيب، وقيل: فَاسْتَوى أي قام في صورته التي خلقه الله سبحانه عليها، وذلك\nأنه كان يأتي رسول الله ﷺ في صورة الآدميين كما كان يأتي النبيين، فسأله رسول الله ﷺ أن يريه نفسه على صورته التي جبل عليها، وأراه نفسه مرّتين: مرة في الأرض، ومرّة في السماء فأمّا في الأرض ففي الأفق الأعلى، وذلك أن محمدا ﷺ كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق فسدّ الأفق إلى المغرب، فخرّ رسول الله ﷺ مغشيا عليه، ونزل جبريل في صورة الآدميين وضمّه إلى نفسه، وجعل يمسح الغبار عن وجهه [١١٧] «٢» .\nيدل عليه قوله سبحانه: وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ، وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلّا محمد المصطفى صلوات الله عليه.\nثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقال بعضهم: معناها ثُمَّ دَنا جبرئيل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فَتَدَلَّى فنزل إلى محمد ﷺ بالوحي وهوى عليه فَكانَ منه قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى أي: بل أدنى، وبه قال ابن عباس والحسن وقتادة والربيع.\nقال أهل المعاني: في الكلام تقديم وتأخير، تقديره: ثم تدلّى فدنا لأن التدلّي: الدنوّ، ولكنه سامع حسن لأن التدلّي يدل على الدنوّ، والدنو يدل على التدلّي، وإنمّا تدلى للدنوّ ودنا للتدلّي، وقال آخرون: معناه ثُمَّ دَنا الرب سبحانه من محمد ﷺ فَتَدَلَّى فقرب منه حتى كان قابَ\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٥٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٨٧.","vol":"9","page":137},{"text":"قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، وأصل التدلي: النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب، قال لبيد:\nفتدلّيت عليه قافلا ... وعلى الأرض غيابات الطفل «١»\nوهذا معنى قول أنس ورواية أبي سلمة عن ابن عباس.\nوأخبرني عقيل بن محمد أنّ أبا الفرج البغدادي، أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا الربيع قال: حدّثنا ابن وهب عن سليمان بن بلال عن شريك بن أبي نمر قال: سمعت أنس بن مالك يحدّثنا عن ليلة المسرى أنّه عرج جبريل برسول الله ﷺ إلى السماء السابعة، ثم علا به بما لا يعلمه إلّا الله (﷿) حتى جاء سدرة المنتهى، ودَنا الجبار ربّ العزة فَتَدَلَّى، حتى كان منه قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، فَأَوْحى إليه ما شاء\n، ودنوّ الله من العبد ودنوّ العبد منه بالرتبة والمكانة والمنزلة وإجابة الدعوة وإعطاء المنية، لا بالمكان والمسافة والنقلة، كقوله سبحانه: فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ.\nوقال بعضهم: معناه: ثُمَّ دَنا جبريل من ربّه ﷿ فَكانَ منه قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، وهذا قول مجاهد، يدلّ عليه ما\nروي في الحديث: «إنه أقرب الملائكة من جبرائيل الى الله سبحانه» «٢» [١١٨] .\nوقال الضحاك: ثُمَّ دَنا محمد من ربّه ﷿ فَتَدَلَّى فأهوى للسجود، فَكانَ منه قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، وقيل: ثُمَّ دَنا محمد من ساق العرش فَتَدَلَّى، أي: جاور الحجب والسرادقات، لا نقلة مكان، وهو قائم بإذن الله كالمتعلق بالشيء لا يثبت قدمه على مكان، وهذا معنى قول الحسين بن الفضل.\nومعنى قوله قابَ قَوْسَيْنِ قدر قوسين عربيتين عن ابن عباس وعطاء، والقاب والقيب والقاد والقيد عبارة عن مقدار الشيء، ونظيره من الكلام زير وزار.\nقال ﷺ: «لقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها» [١١٩] «٣» .\nوقال مجاهد: معناه حيث الوتر من القوس، وقال سعيد بن المسيب: القاب صدر القوس العربية حيث يشدّ عليه السير الذي يتنكّبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد، فأخبر أنّ قرب جبرئيل من محمد ﷺ عند الوحي كقرب قاب قوسين.\nوقال أهل المعاني: هذا إشارة إلى تأكيد المحبة والقربة ورفع المنزلة والرتبة، وأصله أنّ\n_________\n(١) لسان العرب: ١٥/ ١٤٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٩٠.\n(٣) فتح الباري: ٤/ ٨٥.","vol":"9","page":138},{"text":"الحليفين والمحبّين في الجاهلية كانا إذا أرادا عقد الصفاء والعهد والوفاء خرجا بقوسيهما- والصفا بينهما- يريدان بذلك أنّهما متظاهران متحاميان يحامي كل واحد منهما عن صاحبه.\nوقيل: هذا تمثيل في تقريب الشيء من الشيء، وهو مستعمل في أمثال العرب وأشعارهم، وقال سفيان بن سلمة وسعيد بن جبير وعطاء وابن إسحاق الهمداني: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ قدر ذراعين، والقوس: الذراع يقاس بها كل شيء، وهي لغة بعض أهل الحجاز. أَوْ أَدْنى بل أقرب.\nوقال بعض: إنّما قال أَوْ أَدْنى لأنه لم يرد أن يجعل لذلك حدّا محصورا.\nوسئل أبو العباس بن عطاء عن هذه الآية فقال: كيف أصف لكم مقاما انقطع عنه جبريل وميكائيل وإسرافيل، ولم يكن إلّا محمد وربّه؟ وقال الكسائي: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أراد قوسا واحدا كقول الشاعر:\nومهمهين قذقين مرتين ... قطعته بالسّمت لا بالسّمتين «١»\nأراد مهمها واحدا.\nوقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: فَتَدَلَّى فتدلّل من الدلال كقولهم: [تظني بمعنى تظنن] وأملى وأملل بمعنى واحد.\nفَأَوْحى\nيعني فأوحى الله ﷾ إِلى عَبْدِهِ\nمحمد ﷺ ما أَوْحى\nقال الحسن والربيع وابن زيد: معناه فَأَوْحى\nجبريل إلى رسول الله ﷺ ما أَوْحى\nإليه ربّه، قال سعيد:\nأوحى إليه أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا إلى قوله وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ، وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرّمة على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمّتك، وسئل أبو الحسن الثوري عنه فقال:\nأوحى إليه سرّا بسرّ من سرّ في سرّ وفي ذلك يقول القائل:\nبين المحبين سر ليس يفشيه ... قول ولا قلم للخلق يحكيه «٢»\nسرّ يمازجه أنس يقابله ... نور تحيّر في بحر من التّيه\nما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قرأ الحسن وأبو جعفر [والجحدري] وقتادة (كَذَّبَ) بتشديد الذال، أي: ما كذّب قلب محمد ما رَأى بعينه تلك الليلة، بل صدّقه وحقّقه، وقرأ الباقون بالتخفيف، أي ما كَذَبَ فؤاد محمد محمدا الذي رأى بل صدّقه، ومجاز الآية: ما كذب الفؤاد فيما رأى، فأسقط الصفة، كقول الشاعر:\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٤٦.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٢٨٩.","vol":"9","page":139},{"text":"لو كنت صادقة الذي حدثتني ... لنجوت منجى الحارث بن هشام «١»\nأي: في التي حدّثتني، وقال بندار بن الحسن: الفؤاد وعاء القلب فيما ارتاب الفؤاد فيما أرى الأصل وهو القلب.\nواختلفوا في الذي رآه. فقال قوم: رأى جبريل، وإليه ذهب ابن مسعود، وقال آخرون:\nهو الله سبحانه، ثم اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم: جعل بصره في فؤاده، فرآه في فؤاده ولم يره بعينه، وقال قوم: بل رآه بعينه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-736>ذكر من قال: إنّه رآه بعينه</span>\nأخبرني الحسن بن الحسين قال: حدّثنا الفضل بن الفضل، قال: حدّثنا أبو يعلى محمد بن زهير الأبلي، قال: حدّثنا بن نحويه، قال: حدّثنا سلمة، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: حدّثنا ابن التيمي عن المبرك بن فضالة، قال: كان الحسن يحلف بالله ﷿ لقد رأى محمد ربّه.\nوانبأني عقيل بن محمد قال: أخبرنا المعافي بن زكريا قال: حدّثنا محمد بن جرير قال:\nحدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان عن أبي إسحاق عمّن سمع ابن عباس يقول: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قال: رأى محمد ربّه.\nوبإسناده عن ابن حميد قال: حدّثنا يحيى بن واضح قال: حدّثنا عيسى بن عبيد سمعت عكرمة و[قد] سئل: هل رأى محمد ربّه؟ فقال: نعم، قد رأى ربّه.\nوبه عن ابن حميد قال: حدّثنا حكام عن أبي جعفر عن الربيع ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قال: رأى ربّه ﷿.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>ذكر من قال: لم يره</span>\nأخبرنا أبو عبيد الله الحسين بن محمد الحافظ- بقراءتي عليه في داري- قال: حدّثنا موسى ابن محمد بن علي، قال: حدّثنا إبراهيم بن زهير، قال: حدّثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدّثنا موسى بن عبيده عن محمد بن كعب قال: قال بعض أصحاب رسول الله: يا رسول الله، أرأيت ربّك؟ قال: «رأيته مرّتين، بفؤادي ولم أره بعيني» «٢» [١٢٠] ثم تلا هذه الآية ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى\nومثله روي عن ابن الحنفية عن أبيه، وأبو العالية عن ابن عباس.\nوأخبرني الحسن، قال: حدّثنا أبو القاسم عن بن محمد بن عبد الله بن حاتم الترمذي،\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٩٣.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٦٢، تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٦٨ والموجود في الكتب (لم أره بعيني ورأيته بفؤادي مرّتين) .","vol":"9","page":140},{"text":"قال: حدّثنا جدي لأمي محمد بن عبد الله بن مرزوق، قال: حدّثنا عفان بن مسلم قال: حدّثنا همان بن عبد الله بن شفيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، قال: وعما كنت تسأله؟ قلت: كنت أسأله: هل رأى ربّه ﷿؟ قال: فإني قد سألته فقال: «قد رأيت نورا، أنى أراه؟» «١» [١٢١] .\nوكذلك روي عن أبي سعيد الخدري أنّه قال: سئل رسول الله ﷺ: ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى قال: «رأيت نورا»\n«٢» [١٢٢]، ومثله روى مجاهد وعكرمه عن ابن عباس.\nوقد ورد في هذا الباب حديث جامع وهو ما أخبرني الحسين بن الحسن، قال: حدّثنا ابن حبش، قال: أخبرنا علي بن زنجويه، قال: حدّثنا سلمة بن عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن عيينة عن مجالد عن سعيد عن الشعبي عن عبد الله بن الحرث قال: اجتمع ابن عباس وكعب فقال ابن عباس: أمّا نحن بنو هاشم فنقول: إنّ محمدا رأى ربّه مرتين، وقال ابن عباس يحبّون أن تكون الخلّة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد. قال: فكبّر كعب حتى جاوبته الجبال، ثم قال:\nإن الله سبحانه قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى ﵇، فكلّمه موسى ورآه محمد.\nقال مجالد: وقال الشعبي: فأخبرني مسروق أنّه قال لعائشة ﵂: يا أمتاه، هل رأى محمد ﷺ ربّه تعالى قط؟، قالت: إنك لتقول قولا، إنّه ليقف منه شعري، قال: قلت: رويدا فقرأت عليها: وَالنَّجْمِ إِذا هَوى حتى قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى. فقالت: رويدا، أين يذهب بك؟ إنّما رأى جبريل في صورته. من حدّثك أن محمدا رأى ربّه فقد كذب، والله ﷿ يقول: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، ومن حدّثك أنّه يعلم الخمس من الغيب فقد كذب، والله سبحانه يقول: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية، ومن حدّثك أنّ محمدا كتم شيئا من الوحي فقد كذب، والله ﷿ يقول: بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الآية.\nقال عبد الرزاق: فذكرت هذا الحديث لعمر، فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس.\nأَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى أي: رأى.\nقرأ علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة ومسروق والنخعي وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب أفتَمرونه بفتح الباء من غير ألف\nعلى معنى أفتجحدونه، واختاره أبو عبيد، قال:\nلأنهم لم يماروه وإنّما يجحدونه، يقول العرب: مريت الرجل حقّه إذا جحدته. قال الشاعر:\nلئن هجرت أخا صدق ومكرمة ... لقد مريت أخا ما كان يمريكا «٣»\n_________\n(١) شرح مسلم للنووي: ٣/ ١٢، تفسير القرطبي ١٧/ ٩٣ تفسير ابن كثير: ٣/ ٥ مع تقديم وتأخير في ألفاظ الحديث\n(٢) المصدر السابق،.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٩٣.","vol":"9","page":141},{"text":"أي جحدته.\nوقرأ سعيد بن جبير وطلحة بن مسرف أفتُمرونه بضم التاء بلا ألف، أي تريبونه وتشككونه، وقرأ الباقون أَفَتُمارُونَهُ بالألف وضم التاء على معنى أفتجادلونه، وهو اختيار أبي حاتم،\nوفي الحديث «لا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر»\n[١٢٣] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-738>[سورة النجم (٥٣): الآيات ١٣ الى ٢٣]</span>\nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧)\nلَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢)\nإِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)\nوَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى مرة أخرى، فسمّاها نزلة على الاستعارة، وذلك أنّ جبريل رآه النبيّ ﷺ على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة بالأفق الأعلى في الأرض، ومرة عند سدرة المنتهى في السماء، وهذا قول عائشة وأكثر العلماء وهو الاختيار، لأنه قرن الرؤية بالمكان فقال عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى، ولأنه قال: نَزْلَةً أُخْرى وتقديرها: ولقد رآه نازلا نزلة أخرى، ووصف الله سبحانه بالمكان والنزول الذي هو الانتقال محال ولأنه قال: نَزْلَةً أُخْرى ولم يرو في الحديث أنّه ﷺ رأى ربّه ﷿ قبل ليلة المعراج فيراه تلك الليلة مرة أخرى، يدل عليها ما\nأخبرني عقيل بن محمد أنّ أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير عن محمد بن المثنى قال: حدّثنا عبد الوهاب الثقفي. قال: حدّثنا داود بن عامر عن مسروق أن عائشة ﵂ قالت: من زعم أنّ محمدا رأى ربّه فقد أعظم الفرية على الله.\nقال: وكنت متكئا فجلست فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني ولا تعجلي، أرأيت قول الله سبحانه وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ. قالت: إنّما هو جبريل رآه على صورته التي خلق عليها مرتين: مرة حين هبط من السماء إلى الأرض سادّا أعظم حلقة ما بين السماء إلى الأرض، ومرة عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى. قالت: وأنا أوّل من سأل النبي «عن هذه الآية فقال: «هو جبريل» [١٢٤] .\nعِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (عند) صلة من قوله: رَآهُ والسدرة: شجرة النبق، وقيل لها سدرة المنتهى لأنه إليها ينتهي علم كل عالم.\nوقال هلال بن سياف: سأل ابن عباس كعبا عن سِدْرَةِ الْمُنْتَهى وأنا حاضر فقال كعب:\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ٦١٩ ج ٢٨٦٠.","vol":"9","page":142},{"text":"إنها سدرة في أصل العرش على رؤوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق، وما خلفها غيب لا يعلمه إلّا الله سبحانه.\nوقال ابن مسعود: سمّيت بذلك لأنّه ينتهى إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله ﷾ إذا انتهى من يصعد إليها من الأرض قبض منها، وقيل: لأنّه ينتهى إليها ما عرج من أرواح المؤمنين، وقيل: لأنّه ينتهي إليها كل من مات على سنّة رسول الله ومنهاجه.\nروى الربيع عن أبي العالية عن أبي هريرة قال: لمّا أسري بالنبي «انتهى إلى السدرة، فقيل له: هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك على سنتك، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ إلى قوله: مُصَفًّى، وهي شجرة يسير الراكب في ظلّها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة منها مغطّية الأمة كلها.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا بن شيبة، قال: حدّثنا التنوخي قال: حدّثنا عبيد بن يعيش، قال: حدّثنا يونس بن بكير، قال: أخبرنا محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن أبيه عن جدته أسماء بنت أبي بكر قال: سمعت النبي «يذكر سدرة المنتهى قال:\n«يسير الراكب في ظلّ الفنن منها مائة عام، ويستظلّ في الفنن منها مائة راكب. فيها فراش من ذهب، كأنّ ثمارها القلال» [١٢٥] «١» .\nوقال مقاتل: هي شجرة لو أنّ ورقة منها وضعت في الأرض لأضاءت لأهل الأرض، تحمل الحليّ والحلل والثمار من جميع الألوان، ولو أنّ رجلا ركب حقّة فطاف على ساقها ما بلغ المكان الذي ركب منه حتى يقتله الهرم، وهي طوى التي ذكرها الله سبحانه في سورة الرعد، وقد تقصيت وصفها في قصة المسرى.\nعِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى\nقال ابن مسعود وأصحابه: فراش من ذهب، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس، ورفعه إلى النبي ﷺ.\nقال الحسن: غشيها نور ربّ العزة فاستنارت، وقيل: الملائكة،\nويروى أنّ رسول الله ﷺ قال: «رأيت على كلّ ورقة من ورقها ملكا قائما يسبّح الله ﷿»\n«٢» [١٢٦]،\nوروى الربيع عن أبي هريرة أو غيره قال: لمّا أسري بالنبي ﷺ انتهى إلى السدرة، قال: فغشيها نور الخلائق وغشيها الملائكة من حب الله مثل الغربان حين يقعن على الشجر.\nقال: فكلّمه عند ذلك وقال له: سل.\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٨٦ بتفاوت يسير [.....]\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٧٥.","vol":"9","page":143},{"text":"وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «فغشيها «١» رفرف من طير خضر» [١٢٧] «٢» .\nقال السدي: من الطيور فوقها،\nوروى أنس عن النبي ﷺ أنّه قال: «انتهيت إلى السدرة وأنا لأعرف أنّها سدرة، أعرف ورقها وثمرها، وإذا ينعها مثل الجرار، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة. فلمّا «٣» غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتا وزمردا حتى ما يستطيع أحد يصفها، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى» [١٢٨] «٤» .\nقال ابن عباس: هي يمين العرش، وهي منزلة الشهداء، نظيره فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى وأخبرنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا أبو عبد الله عمر بن أحمد بن محمد بن الحرث القضباني.\nقال: حدّثنا علي بن العباس المقانعي، قال: حدّثنا ميمون بن الأصبع، قال: حدّثنا يحيى بن صالح الوحاطي قال: حدّثنا محمد بن سليمان بن حمزة البصري، قال: حدّثنا عبد الله بن أبي قيس، قال سمعت عبد الله بن الزبير يقرأ هذه الآية عِنْدَها جَنَّهُ بالهاء الْمَأْوى يعني جنّه المبيت، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد وعبيد الله بن أحمد قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد، قال: حدّثني أبو صدقة قال: حدّثنا أبو الأسباط قال: حدّثنا عبد الرّحمن عن علي بن القاسم الكندي عن موسى بن عبيدة، قال: سمعت محمد بن كعب القرظي يقرأ جَنَّهُ الْمَأْوى وقال مجاهد: يريد أجنّه، والهاء في هذه القراءة كناية عن النبي ﷺ.\nقال أبو حاتم: وهي قراءة علي وأنس يعني ستره، وقال الأخفش: أدركه.\nما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى أي: ما جاور ما أمر به، ولا مال عمّا قصد له.\nلَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى أي الآية الكبرى.\nقال ابن مسعود: رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سدّ الأفق، وقال الضحاك: سدرة المنتهى، وقال عبد الرّحمن بن يزيد ومقاتل بن حيان: رأى جبريل في صورته التي تكون في السماوات، وقيل: المعراج، وما أري تلك الليلة في مسراه في عوده وبدئه. دليله قوله سبحانه لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى ...\nأَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ قراءة العامة بتخفيف التاء، وهي من (الله) ألحقت بها التاء فاثبت. كما قيل: عمر للذكر، ثم قيل: للأنثى عمرة، وكما قيل عباس وعباسة، وكذلك سمّى المشركون أوثانهم بأسماء الله فقالوا: من الله (اللات)، ومن العزيز (العزّى) .\n_________\n(١) في المصدر: يغشاها.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٩٧.\n(٣) في المخطوط: فما.\n(٤) راجع جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٧٢٠٧١ فالحديث ليس واحدا.","vol":"9","page":144},{"text":"قال قتادة: أمّا اللات فكانت بالطائف. ابن زيد: اللات بيت بنخلة كانت قريش تعبده «١» .\nوقرأ ابن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء، وقالوا: كان رجلا يلتّ «٢» السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه، وروى السدي عن أبي صالح أنّه كان بالطائف، وكان يقوم على آلهتهم ويلتّ لهم السويق، فلمّا مات عبدوه.\nوقال مجاهد: كان رجلا في رأس جبل له غنم يسلى منها السمن، ويأخذ منها الأقط، ويجمع رسلها ثم يتخذ منها [حيسا] «٣» فيطعم الحاج، وكان ببطن نخلة، فلما مات عبدوه، وهو اللات، وقال الكلبي: كان رجلا من ثقيف يقال له: (صرمة) بن غنم كان يسلأ السمن فيضعها على صخرة ثم تأتيه العرب فتلتّ به سيوفهم، فلمّا مات الرجل [أخذت] «٤» ثقيف الصخرة الى منازلها فعبدتها فمدرة الطائف على وضع اللات.\nوَالْعُزَّى اختلفوا فيها فقال مجاهد: هي شجرة لغطفان يعبدونها،\nوهي التي بعث إليها رسول الله خالد بن الوليد فقطعها، وجعل خالد يضربها بالفأس ويقول:\nيا عز كفرانك لا سبحانك ... إني رأيت الله قد أهانك «٥»\nفخرجت منها شيطانة، ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، ويقال: إن خالدا رجع إلى النبي ﷺ فقال قد قطعتها، فقال: «ما رأيت؟»، قال: لم أر شيئا، قال ﷺ: «ما قطعت» . فعاودها ومعه المعول فقلعها واجتثّ أصلها، فخرجت جمنهاج امرأة عريانة فقتلها، ثم رجع إلى النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال: «تلك العزى ولن تعبد أبدا» «٦» [١٢٩] .\nوقال الضحاك: وهي صنم لغطفان وضعها لهم سعد بن ظالم الغطفاني، وذلك أنّه قدم مكة فرأى الصفا والمروة، ورأى أهل مكة يطوفون بينهما، فعاد إلى [بطن نخلة] «٧» وقال لقومه:\nإنّ لأهل مكة الصفا والمروة وليست لكم، ولهم اله يعبدونه وليس لكم، قالوا: فما تأمرنا؟ قال:\nأنا أصنع لكم كذلك، فأخذ حجرا من الصفا وحجرا من المروة فنقلهما إلى بطن نخلة، فوضع الذي من الصفا، فقال: هذا الصفا، ثم وضع الذي أخذ من المروة، فقال: هذه المروة، ثم أخذ ثلاثة أحجار فاسندها إلى شجرة وقال: هذا ربّكم، فجعلوا يطوفون بين الحجرين وعبدون\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٧/ ٧٧ مورد الآية، وفي تفسير القرطبي (١٧/ ١٠٠) بيت كان ببطن نخلة.\n(٢) لتّ الشيء: دقه وفتّه وسحقه، ولتّ السويق: تلّه بشيء من الماء أو خلطه بالسمن (عن المنجد) .\n(٣) يسلى: يجمع، والاقط: لبن مجفف يابس، والحيس طعام من التمر والأقط والسمن.\n(٤) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٥) الصحاح: ٣/ ٨٨٦.\n(٦) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠٠.\n(٧) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"9","page":145},{"text":"الحجارة حتى افتتح رسول الله مكة فأمر برفع الحجارة، وبعث خالد بن الوليد إلى العزى فقطعهما\n، وقال ابن زيد: هي بيت بالطائف كانت تعبده ثقيف.\nوَمَناةَ قرأ ابن كثير بالمد، ومثله روى الشموني عن أبي بكر عن عاصم وأنشد:\nألا هل أتى التيم بن عبد مناءة ... على الشنئ فيما بيننا ابن تميم «١»\nوالباقون بالقصر.\nقال قتادة: هي حجارة كانت تعبد. ابن زيد: بيت كان بالمشلل يعبده بنو كعب.\nالضحاك: مناة صنم لهذيل وخزاعة يعبدها أهل مكة، وقيل: إن اشتقاقه من ناء النجم ينوء نوءا، وقال بعضهم: اللات والعزى ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة يعبدونها «٢» .\nواختلف القراء في الوقف على اللات ومناة، فوقف بعضهم عليهما بالهاء وبعضهم بالتاء، وقال بعضهم: كل شيء في القرآن مكتوب بالتاء فإنه يوقف عليه بالتاء نحو بِنِعْمَةِ رَبِّكَ\nوشَجَرَةُ الزَّقُّومِ ونحوهما، وما كان منها مكتوبا بالهاء فالوقف عليه بالهاء، وقال بعضهم:\nالاختيار في كل ما لم يضف ان يكون بالهاء، نحو رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي وشَجَرَةً تَخْرُجُ وما كان مضافا فجائز بالهاء والتاء، فالتاء للإضافة والهاء لأنه تفرد دون التاء.\nوأما قوله سبحانه الثَّالِثَةَ الْأُخْرى قال: العرب لا تقول للثالثة أخرى وأنّما الأخرى نعت للثانية، واختلفوا في وجهها فقال الخليل: إنّما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله:\nمَآرِبُ أُخْرى ولم يقل: أخر، وقال الحسين بن الفضل: في الآية تقديم وتأخير، مجازها:\nأفرأيتم اللات والعزى الاخرى ومناة الثالثة، ومعنى الآية: أَفَرَأَيْتُمُ أيها الزاعمون أن اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ بنات الله.\nأَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى روى القواس والبزي عن ابن كثير بالهمز. الباقون بغير همز، وقال ابن عباس وقتادة: يعني قسمة جائرة حيث جعلتم لربّكم من الولد ما تكرهون لأنفسكم. مجاهد ومقاتل: عوجا. الحسن: غير معتدلة. ابن سيرين: غير مستوية أن يكون لهم الذكور ولله الإناث. الضحاك: ناقصة. سفيان منقوصة. ابن زيد: مخالفة.\nقال الكسائي: يقال فيه: ضاز يضيز ضيزا. ضاز يضوز ضوزا. ضاز يضاز ضأزا إذا ظلم ونقص. قال الشاعر:\nضازت بنو أسد بحكمهم ... إذ يجعلون الرأس كالذّنب «٣»\n_________\n(١) لسان العرب: ١٤/ ٤٣٤.\n(٢) راجع زاد المسير: ٧/ ٢٣٢. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠٢.","vol":"9","page":146},{"text":"وأنشد الأخفش:\nفإن تنأ عنا ننتقصك وإن تغب ... فسهمك مضئوز وأنفك راغم «١»\nوتقدير ضِيزى من الكلام فعلى بضم الفاء لأنها صفة من الصفات، والصفات لا تكون إلّا (فعلى) بضم الفاء، نحو: حبلى وأنثى ويسرى، أو (فعلى) بفتح الفاء نحو: غضبى وسكرى وعطشى، وليس في كلام العرب (فعلى) بكسر الفاء في النعوت، إنّما يكون في الأسماء نحو:\nدفرى، وذكرى وشعري. قال المؤرخ: كرهوا ضم الضاد وخافوا انقلاب الياء واوا وهو من بنات الياء فكسروا الضاد لهذه العلّة، كما قالوا في جمع أبيض: بيض، والأصل بوض مثل:\nحمر وصفر، وأما من قال: ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى.\nإِنْ هِيَ يعني هذه الأوثان إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ قرأ العامة بالياء، وقرأ عيسى بالتاء إِلَّا الظَّنَّ في قولهم: إنّها آلهة وإنّها شفعاؤهم وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى لبيان أنّها ليست بآلهة وأن العبادة لا تصلح إلّا لله الواحد القهار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٢٤ الى ٣٢]</span>\nأَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى (٢٤) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى (٢٥) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى (٢٧) وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)\nفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا (٢٩) ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى (٣٠) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى (٣٢)\nأَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى اشتهى، وهم الكفار وزعموا أن الأصنام تشفع لهم عند الله، يعني: أتظنون أنّ لهم ما يتمنون من شفاعة الأصنام، ليس كما ظنوا أو تمنوا، بل لله الْآخِرَةُ وَالْأُولى، يعني الدنيا، يعطي ما يشاء ويمنع ما يشاء، لا ما تمنّى الإنسان واشتهى، وهذا كقوله: أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ أي لا إله مع الله، وقال ابن زيد: إن كان محمد تمنّى شيئا فأعطاه الله ذلك فلا تنكروه.\nفَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى يعطي من يشاء ما يشاء، ويحرم من يشاء ما يشاء.\nوَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ ممن يعبدونهم هؤلاء الكفار ويزعمون أنهم بنات الله\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٧٩.","vol":"9","page":147},{"text":"ويرجون شفاعتهم عند الله. لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى قال الأخفش: الملك موحّد ومعناه الجمع، وهو مثل قوله: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ.\nإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ أي كتسمية أو بتسمية الْأُنْثى وَما لَهُمْ وذلك حين قالوا: إنهم بنات الله سبحانه، تعالى الله عن افترائهم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ أي من العذاب شَيْئًا نظيره ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ. يعني أنها لا تشفع لهم، وأن ظنهم لا ينقذهم من العذاب.\nفَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا يعني القرآن، وقيل: الإيمان، وقيل محمد ﷺ.\nوَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ قال الفرّاء: وذلك حين قالوا: إنهم بنات الله، تعالى الله عن افترائهم وازرى بهم بعد ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ دينه وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ اختلفوا في معنى إِلَّا فقال قوم: هو استثناء صحيح، واللمم من الكبائر والفواحش، ومعنى الآية: إلّا ان يلم بالفاحشة ثم يتوب وتقع الوقعة ثم ينتهي، وهو قول أبي هريرة ومجاهد والحسن وأبي صالح،\nورواية عطاء عن ابن عباس قال:\nهو الرجل يلمّ بالفاحشة ثم يتوب قال: قال رسول الله ﷺ:\nإن تغفر اللهم تغفر جمّا ... وأي عبد لك لا ألمّا «١»\nوقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم: ما دون الشرك.\nوقال آخرون: هو استثناء منقطع مجازه: لكن اللمم، ولم يجعل اللمم من الكبائر والفواحش، ثم اختلفوا في معناه، فقال بعضهم: هو ما سلف في الجاهلية فلا يؤاخذهم به، وذلك أن المشركين قالوا للمسلمين: إنما كانوا بالأمس يعملون معنا، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وهذا قول زيد بن ثابت وزيد بن أسلم وابنه، وروى الوالبي عن ابن عباس، وقال بعضهم: هو صغار الذنوب مثل النظرة والغمزة والقبلة، وهو من ألمّ بالشيء إذا لم يتعمق فيه ولم يلزمه، وهو قول ابن مسعود ومسروق والشعبي وأبي سعيد الخدري وحذيفة بن اليمان، ورواية طاوس عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما\nقال أبو هريرة عن النبي ﷺ «إن الله ﷿ كتب على ابن آدم حظّه من الزنا أدركه ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الشفتين التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق أو يكذبه، فإن تقدّم بفرجه كان زانيا وإلّا فهو اللمم» [١٣٠] «٢» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٧/ ٨٧.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٧/ ٨٧، والمستدرك للحاكم ٢/ ٤٧٠","vol":"9","page":148},{"text":"وقال ابن الزبير وعكرمة وقتادة والضحاك: هو ما بين الحدّين: حدّ الدنيا وعذاب الآخرة، وهي رواية العوفي والحكم بن عيينة عن ابن عباس، وقال الكلبي: اللمم على وجهين، كل ذنب لم يذكر عليه حدّا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة، فذلك الذي تكفره الصلوات ما لم يبلغ الكبائر، والوجه الآخر هو الذنب العظيم يلمّ به المسلم المرة بعد المرة فيتوب منه، وقال مقاتل: اللمم ما بين الحدّين من الذنوب. نزلت في نبهان التمار وقد مضت القصة في سورة آل عمران، وقال عطاء بن أبي رياح: اللمم عباده النفس الحين بن الحين، وقال سعيد بن المسيب:\nهو ما لمّ على القلب، اي حظر، وقال محمد بن الحنفية: كل ما هممت به من خير أو شرّ فهو لمم.\nودليل هذا التأويل\nالخبر المروي «إنّ للشيطان لمّة، وللملك لمّة، فلمّة الشيطان الوسوسة، ولمّة الملك الإلهام» «١» [١٣١]\nوقال الحسين بن الفضل: اللمم: النظرة من غير تعمد، وهو مغفور، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ذنب، وقال الفرّاء: اللمم: المتقارب من صغار الذنوب، وأصل اللمم والإلمام هو ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة، والحين بعد الحين ولا يتعمق فيه ولا يقيم عليه. يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت، إلمام الخيال، قال الأعشى:\nألمّ خيال من قتيلة بعد ما ... وهي حبلها من حبلنا فتصرّما «٢»\nوقال آخر:\nأنى ألمّ بك الخيال يطيف ... ومطافه لك ذكرة وشغوف\nإِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ لا يتعاظمه ذنب، نظيره وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.\nأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن النعمان بن عبد السلام الأصفهاني قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، قال: أخبرنا العوام بن حوشب عن عمرو بن مرة عن أبي وائل قال: رأى أبو مسيرة عمرو بن شرحبيل، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله في المنام قال: رأيت كأني دخلت الجنة فإذا قباب مضروبة فقلت: لمن هذه؟ فقالوا: لذي الكلاع وحوشب- وكانا ممن قتل مع معاوية- فقلت فأين عمار وأصحابه؟ فقالوا: أمامك، قلت: وقد قتل بعضهم بعضا؟: إنهم لقوا الله سبحانه فوجدوه واسع المغفرة.\n_________\n(١) في المصادر تفاوت: فأمّا لمّة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب الحق، وأما لمّة الملك فإيعاد بالخير وتصديق الحق ...» السنن الكبرى للنسائي: ٦/ ٣٠٥، ومسند أبي يعلى ٨/ ٤١٧، وصحيح ابن حبان: ٣/ ٢٧٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٠٩.","vol":"9","page":149},{"text":"قال أبو خالد: بلغني أن ذا الكلاع أعتق اثنتي عشر ألف بنت.\nهُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أي خلق أباكم من التراب وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمّي جنينا لاجتنانه أي استتاره.\nروى مسروق عن عائشة ﵂ قالت: كانت اليهود إذا هلك لهم صديق قالوا: هو صديق.\nفبلغ ذلك النبي ﷺ وقال: «كذبوا ما من نسمة يخلقها الله سبحانه في بطن أمها إلّا شقي أو سعيد»\n[١٣٢] «١» فأنزل الله سبحانه هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ.\nفِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ قال ابن عباس: لا تمدحوها. مجاهد وزيد بن أسلم: فلا تبرّئوها، وقال الكلبي ومقاتل: كان أناس يعملون أعمالا خبيثة ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجّنا. فأنزل الله سبحانه هذه،\nوقال النبي ﷺ: «إذا رأيتم المدّاحين فاحثوا في وجوههم التراب [١٣٣] «٢» .\nهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى الشرك فآمن،\nوقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: يعني عمل حسنة وارعوى عن سيئة\n، وقال الحسن: أخلص العمل لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-740>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٣٣ الى ٤٤]</span>\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)\nأَلاَّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى (٤٢)\nوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى (٤٣) وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤)\nأَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى ... الآيات، قال ابن عباس والسدي والكلبي والمسيب بن شريك: نزلت في عثمان بن عفان رضوان الله عليه كان يتصدق وينفق في الخير، فقال له أخوه من الرضاعة عبد الله بن أبي سرح: ما هذا الذي تصنع؟ يوشك أن لا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله وأرجو عفوه. فقال له عبد الله:\nأعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن بعض ما كان يصنع من الصدقة والنفقة فأنزل الله سبحانه أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى يعني يوم أحد حين نزل ترك المركز «٣» .\nوَأَعْطى يعني صاحبه قَلِيلًا وَأَكْدى ثم قطع نفقته فعاد عثمان ﵁ إلى أحسن ذلك وأجمله.\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ١٢٢.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٩٤.\n(٣) مراده حين ترك مركز القتال.","vol":"9","page":150},{"text":"وقال مجاهد وابن زيد: نزلت في الوليد بن المغيرة، وكان قد اتبع رسول الله ﷺ على دينه فعيّره بعض المشركين وقال له: أتركت دين الأشياخ وضللتهم وزعمت أنهم في النار، كان ينبغي لك ان تنصرهم. قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له الذي عاتبه ان هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، ففعل وأعطى الذي عاتبه بعض ما كان ضمن له، ثم بخل ومنحه تمام ما ضمن له\nفأنزل الله سبحانه أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى أدبر عن الإيمان وَأَعْطى يعني صاحبه الضامن قَلِيلًا وَأَكْدى بخل بالباقي، وقال مقاتل: يعني أَعْطى الوليد قَلِيلًا من الخير بلسانه ثم أَكْدى اي قطعه ولم يقم عليه.\nوروى موسى بن عبيدة الزبيدي عن عطاء بن يسار قال: نزلت في رجل قال لأهله:\nجهّزوني انطلق إلى هذا الرجل- يعني النبي ﷺ- فتجهّز وخرج، فلقيه رجل من الكفار فقال له:\nأين تريد؟ قال: محمدا، لعلّي أصيب من خيره، فقال له الرجل: أعطني جهازك وأحمل عنك إثمك، فنزلت فيه هذه الآية.\nوروي عن السدّي أيضا قال: نزلت في العاص بن وائل السهمي، وذلك أنّه كان ربما يوافق رسول الله ﷺ في بعض الأمور، وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلّا بمكارم الأخلاق فذلك قوله: أَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى أي لم يؤمن.\nقال المفسّرون: أَكْدى أي قطعه ولم يقم عليه، وأصله من الكدية وهي حجر يظهر في البئر ويمنع من الحفر ويؤيس من الماء.\nقال الكسائي: تقول العرب: أكدى الحافر وأجبل إذا بلغ في الحفر الكدية والجبل، وقال: كديت أصابعه إذا محلت، وكديت يده إذا كلّت فلم يعمل شيئا، وكدى النبت إذا قلّ ريعه، وقال المؤرخ: أَكْدى أي منع الخير، قال الحطيئة:\nفأعطى قليلا ثم أكدى عطاءه ... ومن يبذل المعروف في الناس يحمد «١»\nأَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ يخبر بِما فِي صُحُفِ مُوسى يعني أسفار التوراة وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى ما أرسل به من تبليغ رسالة الله وهي قوله: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى روى عكرمة وطاوس عن ابن عباس قال: كانوا قبل إبراهيم صلوات الله عليه يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي بالولي في القتل، حتى أنّ الرجل يقتل بأبيه وأخيه وابنه وعمه وخاله، والزوج يقتل بامرأته، والسيد يقتل بعبده، حتى كان إبراهيم ﵇ فنهاهم عن ذلك وبلّغهم عن الله أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١١٢.","vol":"9","page":151},{"text":"وقال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد: عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربّه الى خلقه مجاهد: وفّى بما فرض عليه. ربيع: وفّى رؤياه وقام بذبح ابنه. عطاء الخراساني: استعمل الطاعة. أبو العالية: وفّى بتمام الإسلام وهو قوله: وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ، وما ابتلى بهذا الدين أحد فأقام سهامه كلها إلّا إبراهيم، والتوفية: الإتمام. فقال: وفيت عليه حقّه ووفرته، قال الله سبحانه: لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ. سفيان بن عيينة: أدّى الأمانة. الضحّاك:\nوفّى بشأن المناسك. عطاء بن السائب: بلغني أن إبراهيم كان عهد أن لا يسأل مخلوقا شيئا، فلمّا قذف في النار وأتاه جبريل فقال: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فأثنى الله ﷾ عليه بقيامه بما قال ووفائه بما عهد فقال عز من قائل: وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى. الحسين ابن الفضل: وَفَّى بشأن الأضياف حتى سمّي أبا الأضياف. أبو بكر الورّاق: قام بشرط ما ادّعى، وذلك ان الله سبحانه قال له: أسلم قال: أسلمت، فطالبه الله سبحانه بصحة دعواه، فابتلاه في ماله وولده ونفسه، فوجده في ذلك كلّه وافيا، فقال سبحانه وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى أي ادعى الإسلام ثم صحح دعواه.\nوقد روي عن النبي ﷺ في تفسير هذه الآية قولان:\nأحدهما: ما\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا حسين، قال: حدّثنا ابن لهيعة قال: حدّثنا ريان بن فائد عن سهل عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ألا أخبركم لم سمّى تعالى إبراهيم خليله الذي وفّى لأنه كان يقول كلّما أصبح وأمسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ حتى تختم الآية» [١٣٤] «١» .\nوالآخر: ما\nأخبرنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، قال: حدّثنا أحمد بن الفرج المقري، قال: حدّثنا أبو عمر، قال: حدّثنا نصر بن علي قال: أخبرنا معمر بن سليمان عن جعفر عن القاسم عن أبي أمانة أن النبي ﷺ قرأ وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى قال:\n«أتدرون بما وفّى؟» [١٣٥] قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: وَفَّى: يعني عمل يومه بأربع ركعات «٢» كان يصلّيهن من أول النهار [١٣٦] .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ملك قال: حدّثنا ابن حنبل، قال: حدّثنا أبي: قال:\nحدّثنا ابن مهدي، قال: حدّثنا معاوية عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن همار أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: يا بن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره» [١٣٧] .\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبيد الله بن أبي سمرة قال: حدّثنا أبو طلحة أحمد بن\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١/ ٧٣٥،\n(٢) جامع البيان للطبري: ١/ ٧٣٥","vol":"9","page":152},{"text":"محمد بن عبد الكريم قال: حدّثنا نصر بن علي قال: حدّثنا المعمر بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن المعتصم ابو جميل عن أبي يزيد عن سعيد بن جبير أنه قرأ وإبراهيم الذي وفى خفيفة.\nفأما الجامع بين قوله سبحانه: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وبين قوله: وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ فهو ما قال الحسين بن الفضل: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى طوعا، وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ كرها.\nأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي، قال: حدّثنا أحمد بن يحيى الحلواني، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدّثنا عبد الله بن أياد بن لقيط عن أبي رمتة، قال: انطلقت مع أبي إلى النبي ﷺ فلما رأيته قال لي أبي: أتدري من هذا؟، هذا رسول الله. قال: فاقشعررت عن ذلك حين قال لي، وكنت أظن رسول الله ﷺ شيئا لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذا وفرة بها ردع من حناء وعليه ثوبان أخضران، فسلّم عليه أبي، ثم جلسنا فتحدّثنا ساعة ثم قال رسول الله ﷺ لأبي: «هذا ابنك؟» قال أبي: ورب الكعبة حقا أشهد به، فتبسم رسول الله ﷺ ضاحكا من تثبيت شبهي في أبي، ومن حلف أبي عليّ قال: «أما إنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه» ثم قرأ رسول الله ﷺ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى. ثم نظر أبي إلى مثل السلعة بين كتفيه، فقال: يا رسول الله إني أطبّب «١» الرجال، ألا أعالجها لك؟ قال: «لا طبيبها الذي خلقها» [١٣٨] «٢» .\nوَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى أي عمل. نظيره قوله سبحانه: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى.\nقال ابن عباس: هذه الآية منسوخة، فأنزل الله بعدها وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذريّاتهم وما ألتناهم فادخل الأبناء بصلاح الآباء الجنة،\nوقال عكرمة: كان ذلك لقوم إبراهيم وموسى، فأما هذه الأمّة فلهم ما سعوا وما سعى غيرهم. بخير سعد حين سأل رسول الله ﷺ: هل لأمّي إن تطوعت عنها؟ قال: «نعم» [١٣٩]، وخبر المرأة التي سألت رسول الله ﷺ فقالت: إن أبي مات ولم يحجّ، قال: «فحجي عنه» [١٤٠] .\nوقال الربيع بن أنس: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ يعني الكافر، فأمّا المؤمن فله ما سعى وما سعي، وقيل: ليس للكافر من الخير إلّا ما عمله فيثاب عليه في دار الدنيا حتى لا يبقى له في الآخرة خير.\nويروى أن عبد الله بن أبيّ كان أعطى العباس قميصا ألبسه إياه، فلمّا مات عبد الله أرسل رسول الله قميصه ليكفّن فيه. فلم تبق له حسنة في الآخرة يثاب عليها.\n_________\n(١) في المصدر: كأطب.\n(٢) صحيح ابن حبان: ١٣/ ٣٣٧، والمعجم الكبير: ٢٢/ ٢٧٩. [.....]","vol":"9","page":153},{"text":"وسمعت ابن حبيب يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب يقول: سمعت أبي يقول: دعا عبد الله بن طاهر والي خراسان الحسين بن الفضل قال: أشكلت عليّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي، قال: وما هي أيّها الأمير؟، قال: قوله تعالى في وصف ابني آدم فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ\nوصحّ الخبر بأن «الندم توبة»\n[١٤١]، وقوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ،\nوصحّ الخبر «جف القلم بما هو كائن الى يوم القيامة»\n[١٤٢]، وقوله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى فما بال الأضعاف فقال الحسين: يجوز ان لا يكون ندم قابيل توبة له، ويكون ندم هذه الأمة توبة لها، إن الله سبحانه خص هذه الأمة بخصائص لم يشركهم فيها الأمم.\nوفيه قول آخر: وهو أن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل، وإنما كان على حمله، وأما قوله: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى يعني عن طريق العدل، ومجاز الآية: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى عدلا، [ولى أن أجزيه بواحدة ألفا فضلا]، وأمّا قوله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فإنّها شؤون يعيدها لا شؤون يبديها، ومجاز الآية سوق المقادير إلى المواقيت. قال: فقام عبد الله بن طاهر وقبّل رأسه وسوّغ خراجه.\nقال أبو بكر الوراق: إِلَّا ما سَعى أي نوى، بيانه\nقوله ﷺ: «يبعث الناس على نيّاتهم»\n[١٤٣] «١» .\nوَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى قال الأخفش: يقال: جزيته الجزاء وجزيته بالجزاء لا فرق بينهما، قال الشاعر:\nإن أجز علقمة بن سعد سعيه ... لم أجزه ببلاء يوم واحد «٢»\nفجمع بين اللغتين.\nوَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى أي منتهى الخلق ومصيرهم، وهو مجازيهم بأعمالهم، وقيل:\nمنه ابتداء المنّة وإليه انتهاء الآمال.\nأخبرني الحسن بن محمد السفياني قال: حدّثنا محمد بن سماء بن فتح الحنبلي، قال:\nحدّثنا علي بن محمد المصري قال: حدّثنا اسحق بن منصور الصعدي، قال: حدّثنا العباس بن زفر عن أبي جعفر الرازي عن أبيه عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في قوله سبحانه: وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى قال: «لا فكرة في الله «٣»» [١٤٤] .\nوالشاهد لهذا الحديث ما\nأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا عمير بن\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤١٤، كنز العمال: ٣/ ٤١٩ ج ٧٢٤٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١١٥.\n(٣) كنز العمال: ٣/ ٦٩٦.","vol":"9","page":154},{"text":"مرداس قال: حدّثنا عبد الرّحمن بن إبراهيم السلمي، قال: حدّثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن سنان بن سعد عن النبي ﷺ قال: «إذا ذكر الله ﷿ فانتهوا» [١٤٥] «١» .\n[أخبرنا] أبو منصور محمد بن عبد الله الجمشاذي لفظا سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، قال:\nحدّثنا أبو محمد عبد الرّحمن بن محمد بن مجبور قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثني محمد ابن زكريا، قال: حدّثني إبراهيم بن الجنيد، قال: محمد بن يحيى المغني، قال: حدّثنا داود عم الحسين بن قابيل عن قتادة عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه وهم يتفكرون، فقال: «فيم أنتم؟» قالوا: نتفكر في الخالق. فقال: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق، فإنه لا تحيط به الفكرة، تفكّروا أنّ الله خلق السموات والأرض سبعا غلظ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كلّ أرضين خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض خمسمائة عام، غلظ كل سماء خمسمائة عام، وما بين كل سمائين خمسمائة عام، وفي السماء السابعة بحر عمقه مثل ذلك كلّه، فيه ملك لم يجاور الماء كعبه» [١٤٦] «٢» .\nوَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ من شاء من خلقه وَأَبْكى من شاء منهم.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب، قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل، قال:\nحدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، قال: حدّثتنا دلال بنت أبي المدل، قالت: حدّثتنا الصهباء، عن عائشة ﵂ قالت: مرّ النبي ﷺ على قوم يضحكون فقال: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا» [١٤٧] فنزل عليه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى فرجع إليهم فقال «ما خطوت أربعين خطوة حتى أتى جبريل وقال: أئت هؤلاء فقل لهم: إن الله ﷿ يقول: هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى» [١٤٨] «٣» .\nوقال عطاء بن أبي أسلم: يعني: أفرح وأحزن، لأن الفرح يجلب الضحك والحزن يجلب البكاء.\nسمعت أبا منصور الحمساذي يقول: سمعت أبا بكر بن عبد الله الرازي يقول: سمعت يوسف بن جبير يقول: سئل طاهر المقدسي: أتضحك الملائكة؟ فقال: ما ضحك من دون العرش منذ خلقت جهنم، وقيل لعمر: هل كان أصحاب رسول الله ﷺ يضحكون؟ قال: نعم والله، والإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي، وقال مجاهد: أَضْحَكَ اهل الجنة في الجنة، وَأَبْكى أهل النار في النار، وقال الضحاك: أَضْحَكَ الأرض بالنبات وَأَبْكى السماء بالمطر، وقيل: أَضْحَكَ الأسحار بالأنوار وَأَبْكى السماء بالأمطار. ذو النون: أَضْحَكَ قلوب\n_________\n(١) مسند الشاميين: ٣/ ٣٠٨ ج ٢٣٥٠.\n(٢) صدر الحديث في تفسير القرطبي: ٤/ ٣١٤، وذيله في تفسير الطبري: ٢٨/ ١٩٥.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ١١٦.","vol":"9","page":155},{"text":"المؤمنين والعارفين بشمس معرفته، وَأَبْكى قلوب الكافرين العاصين بظلمة نكرته ومعصيته.\nسهل: أَضْحَكَ المطيع بالرحمة وَأَبْكى العاصي بالسخط. محمد بن علي الترمذي: أَضْحَكَ المؤمن في الآخرة، وأبكاه في الدنيا. قسام بن عبد الله: أَضْحَكَ أسنانهم وَأَبْكى قلوبهم وأنشد في معناه:\nاللسن تضحك والأحشاء تحترق ... وإنما ضحكها زور ومختلق\nيا ربّ باك بعين لا دموع لها ... وربّ ضاحك سنّ ما به رمق «١»\nوَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ أفنى في الدنيا وَأَحْيا للبعث، وقيل: أَماتَ الآباء وَأَحْيا الأبناء، وقيل: أَماتَ النطفة وَأَحْيا النسمة، وقيل: أَماتَ الكافر بالنكرة والقطيعة، وَأَحْيا المؤمن بالمعرفة والوصلة، قال سبحانه: أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ، وقال القاسم: أَماتَ عن ذكره وَأَحْيا بذكره. ابن عطاء: أَماتَ بعدله وَأَحْيا بفضله، وقيل: أَماتَ بالمنع والبخل وَأَحْيا بالجود والبذل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>[سورة النجم (٥٣): الآيات ٤٥ الى ٦٢]</span>\nوَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى (٤٧) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى (٤٩)\nوَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) وَثَمُودَ فَما أَبْقى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى (٥٢) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)\nوَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)\nوَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى تصبّ في الرحم، يقال: مني الرجل وأمنى، قاله الضحاك، وعطاء بن أبي رياح، وقال آخرون: تقدّر، يقال: منيت الشيء إذا قدّرته، ويقال: ارض بما يمنى لك الماني، ومنه سمّيت المنية لأنها مقدّرة، وأصلها ممنيّة.\nوَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى الخلق الآخر، يعيدهم أحياء.\nوَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى قال أبو الصلاح: أَغْنى الناس بالمال، وَأَقْنى: أعطى القينة وأصول الأموال. الضحّاك: أَغْنى بالذهب والفضة وصنوف الأموال، وَأَقْنى بالإبل والغنم والبقر. مجاهد والحسن وقتادة: أخدم. ابن عباس: أرضى بما أعطى، وهي رواية بن أبي نجيح وليث عن مجاهد. سليمان التيمي عن الحضرمي: أَغْنى نفسه وأفقر الخلائق إليه. ابن زيد:\nأَغْنى: أكثر وأفقر: أقل، وقرأ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ. الأخفش أَقْنى: أفقر. ابن كيسان: أولد.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١١٧.","vol":"9","page":156},{"text":"وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى وهي كوكب خلف الجوزاء تتبعه، يقال له مرزم الجوزاء، وهما شعريان يقال لأحدهما: العبور، وللأخرى: الغميضاء.\nوقالت العرب في خرافاتها: إن سهيلا والشعرتين كانت مجتمعة فأخذ سهيل فصار يمانيا فتبعته الشعرى العبور فعبرت المجرة، فسمّيت العبور، فأقامت الغميضاء فبكت لفقد سهيل حتى غمضت عينها لأنه أخفى من الآخر، وأراد هاهنا الشعرى العبور، وكانت خزاعة تعبده، وأول من سنّ لهم ذلك رجل من أشرافهم يقال له: أبو كبشة عبد الشعرى العبور وقال: لأن النجوم تقطع السماء عرضا والشعرى طولا فهي مخالفة لها، فعبدتها خزاعة جميعا، فلمّا خرج رسول الله على خلاف العرب في الدين شبّهوه بأبي كبشة فسمّوه بأبي كبشة، بخلافه إياهم كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى.\nوَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى وهم قوم هود.\nوقرأ أهل المدينة وأبو عمرو ويعقوب عادا الأولى مدرجا مدغما، وهمز واوه نافع برواية المسيبي، وقال بطريق الحلواني:، والعرب تفعل ذلك فتقول: قم لان عنّا. يريدون جقم الآن عنّاج وضمّ لثنين يريدون: ضم الإثنين.\nوَثَمُودَ يعني قوم صالح فَما أَبْقى وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى وَالْمُؤْتَفِكَةَ المنقلبة، وهي قرى لوط الأربع: صنواهم، وداذوما، وعامورا، وسدوم. أَهْوى يعني اهواها جبريل إلى الأرض بعد ما رفعها إلى السماء.\nفَغَشَّاها ما غَشَّى يعني الحجارة المنضودة المسوّمة.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ أي نعمائه عليك تَتَمارى تشك وتجادل.\nهذا يعني محمدا ﷺ نَذِيرٌ رسول مِنَ النُّذُرِ الرسل الْأُولى أرسل إليكم كما أرسلوا الى أقوامهم، وهذا كما يقال: فلان واحد من بني آدم، وواحد من الناس، وقال أبو ملك: يعني هذا الذي أنذرتكم به من وقائع الأمم الخالية العاصية في صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى.\nأَزِفَتِ الْآزِفَةُ قربت القيامة.\nلَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ مطهرة مقيمة، و(الهاء) فيه للمبالغة، بيانه قوله: لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ، وقال قتادة: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ رادّ، وقيل: لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كشف وقيام، ولا تقوم إلّا بإقامة الله إياها، وهي على هذا القول اسم و(الهاء) فيه كالهاء في الباقية والعافية والراهية. ثم قال لمشركي العرب: أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ يعني القرآن تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ وَأَنْتُمْ سامِدُونَ ساهون لاهون غافلون. يقال: دع عنك سمودك أي لهوك، وهي رواية الوالبي والعوفي عن ابن عباس، وقال عكرمة: عنه هو الغناء وكانوا إذا سمعوا القرآن سمدوا ولعبوا، وهي لغة أهل اليمن يقولون: اسمد لنا أي تغنّ.","vol":"9","page":157},{"text":"قال الكلبي: السامد: الحزين بلسان طيئ، وبلسان أهل اليمن: اللاهي. الضحّاك:\nأشرون بطرون. قال: وقال ابن عباس: كانوا يمرّون على النبي ﷺ شامخين، ألم تر إلى الفحل يخطر شامخا. عكرمة: هو الغناء باللغة الحميرية.\nقال أبو عبيدة: يقال للجارية: اسمدي لنا أي غنّي. مجاهد: غضاب مبرطمون، فقيل له:\nما البرطمة قال الإعراض.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن صقلاب، قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب. قال: حدّثنا محمد بن يونس، قال: حدّثنا عبد الله بن عمرو الباهلي قال: حدّثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة، قال: لمّا نزلت هذه الآية أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ بكى أهل الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلمّا سمع رسول الله ﷺ حنينهم بكى معهم فبكينا ببكائه، فقال ﷺ: «لا يلج النار من بكى من خشية الله، ولا يدخل الجنة مصرّ على معصية، ولو لم تذنبوا لجاء الله سبحانه بقوم يذنبون ثم يغفر لهم» [١٤٩] «١» .\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد قال: حدّثنا أبي.\nقال: حدّثنا إبراهيم بن خالد، قال: حدّثنا رباح قال: حدّثنا أبو الجراح عن رجل من أصحابهم يقال له: حارم أن النبي ﷺ نزل عليه جبريل وعنده رجل يبكي فقال له: من هذا؟ قال: «فلان» [١٥٠] «٢» قال: إنّا نزن أعمال بني آدم كلها إلّا البكاء فإن الله سبحانه ليطفئ بالدمعة بحورا من نيران جهنم.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا ابن حمدان بن عبد الله، قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا جعفر بن محمد أبو بكر الجرار، قال: حدّثنا سعيد بن يعقوب والطالقاني، قال:\nحدّثنا الوليد بن مسلم، قال: حدّثنا إسماعيل بن رافع، قال: حدّثني ابن أبي مليكة الأحول عن عبد الله بن السائب، قال: قدم علينا سعد بن أبي وقاص بعد ما كفّ بصره، فأتيته مسلّما عليه، فانتسبني فانتسبت، فقال: مرحبا بابن أخي بلغني أنك حسن الصوت بالقرآن، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا» [١٥١] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا القطيعي، قال: حدّثنا عبد الله، قال: حدّثني أبي، قال: حدّثنا وكيع، قال: حدّثنا زياد بن أبي مسلم عن صالح أبي الخليل، قال: لما نزل أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ ما رأي النبي ﷺ ضاحكا.\n_________\n(١) كنز العمال: ٣/ ١٥٠ ج ٥٩١٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٢٢.\n(٣) سنن ابن ماجة: ١/ ٤٢٤.","vol":"9","page":158},{"text":"فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا\nأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان، قال: حدّثنا ابن ماهان، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن محبوب بن حسان البصري، قال: حدّثنا عبد الوارث ابن سعيد قال: حدّثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: قرأ رسول الله ﷺ سورة النجم فسجد فيها، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس.\nوأخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: وفيما قرأت على عبد الله بن نافع، وحدّثني مطرف بن عبد الله، عن ملك، عن ابن شهاب، عن عبد الرّحمن الأعرج عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب قرأ لهم وَالنَّجْمِ إِذا هَوى فسجد فيها.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا بن حمدان، قال: حدّثنا بن ماهان، قال: حدّثنا عبد الله ابن مسلمة عن ابن أبي ذيب عن زيد بن عبد الله بن قسيط عن عطاء بن يسار عن زيد بن ثابت أنه قرأ عند النبي بالنجم ﷺ فلم يسجد فيها.","vol":"9","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-742>سورة القمر</span>\nمكية، وهي ألف وأربعمائة وثلاثة وعشرون حرفا، وثلاثمائة واثنتان وأربعون كلمة وخمس وخمسون آية\nأخبرني أبو الحسين محمد بن القاسم الفقيه، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن زيد العدل، قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز، قال: حدّثنا محمد بن منصور، قال: حدّثنا محمد بن عمران بن عبد الرّحمن بن ابي ليلى، قال: حدّثني أبي عن مجالد بن عبد الواحد عن الحجاج بن عبد الله عن أبي الخليل، وعن علي بن زيد وعطاء بن أبي ميمون عن زيد بن حبيش عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ في كل غداة بعث يوم القيامة ووجهه على صورة القمر ليلة البدر ومن قرأها كل ليلة كان أفضل وجاء يوم القيامة ووجهه مسفر على وجوه الخلائق» [١٥٢] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>[سورة القمر (٥٤): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)\nحِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)\nاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ دنت القيامة وَانْشَقَّ الْقَمَرُ قال ابن كيسان: في الآية تقديم وتأخير، مجازها: انْشَقَّ الْقَمَرُ واقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، يدل عليه قراءة حذيفة (اقتربت الساعة وقد انشق القمر)، وروى عثمان بن عطاء عن أبيه أن معناه: (وسينشقّ القمر)، والعلماء على خلافه والأخبار الصحاح ناطقة بأن هذه الآية قد مضت.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي، قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا روح عن شعبة قال: سمعت سليمان قال: سمعت إبراهيم يحدث عن أبي معمر عن عبد الله أن القمر انشقّ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٣٠٧.","vol":"9","page":160},{"text":"على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فكانت إحداهما فوق الجبل والأخرى أسفل من الجبل، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اشهد» [١٥٣] «١»، وقال أيضا: «اشهدوا» [١٥٤] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا عمر بن الحسن بن علي بن مالك القاضي قال:\nحدّثنا أحمد بن الحسين بن سعيد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حصين عن الأعمش وعبدة الضبي عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود قال: انْشَقَّ الْقَمَرُ على عهد رسول الله ﷺ حتى رأيت فلقتيه.\nوأخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا مكي، قال: حدّثنا أبو الأزهر قال: حدّثنا روح عن شعبة عن سليمان عن مجاهد عن ابن عمر نحو حديث ابن مسعود.\nوأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن زيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب، قال: حدّثنا ابن فضيل، قال: حدّثنا حصين عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: انْشَقَّ الْقَمَرُ ونحن مع النبي ﷺ بمكة.\nوأخبرنا عبد الله قال: أخبر عمر بن الحسن الشيباني قال: حدّثنا أحمد بن الحسن قال:\nحدّثنا أبي قال: حدّثنا حصين عن سعد عن عكرمة عن ابن عباس والحكم عن مجاهد عن ابن عباس ومقسم عن ابن عباس قال: انْشَقَّ الْقَمَرُ على عهد رسول الله ﷺ باثنين: شطره على السويداء، وشطره على الجندمة.\nوأخبرني عقيل بن محمد أن أبا الفرج القاضي حدّثهم عن محمد بن جرير قال: حدّثني محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدّثنا بشر بن المفضل. قال: حدّثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أهل مكة سألوا النبي ﷺ أن يريهم آية، فأراهم القمر شقتين، حتى رأوا الجبل «٣» بينهما.\nوبه عن محمد بن جرير قال: حدّثنا علي بن سهل قال: حدّثنا حجاج بن محمد عن شعبة عن قتادة عن أنس قال: انْشَقَّ الْقَمَرُ على عهد رسول الله ﷺ مرّتين.\nوبه عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة، قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: نزلنا المدائن فكنّا منها على فرسخ، فجاءت الجمعة فحضر أبي فحضرنا معه فخطبنا حذيفة، فقال: ألا إنّ الله سبحانه يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، ألا فإنّ الساعة قد اقتربت، ألا وإنّ القمر قد انشقّ، ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق،.\n_________\n(١) السنن الكبرى: ٦/ ٤٧٦ ح ١١٥٥.\n(٢) السنن الكبرى: ٦/ ٤٧٦ ج ١١٥٥٣.\n(٣) البداية والنهاية: ٦/ ٨٥. [.....]","vol":"9","page":161},{"text":"ألا وإنّ اليوم المضمار وغدا السباق، فقلت لأبي أيستبق الناس غدا؟ فقال: يا بني إنك لجاهل، إنّما هو السباق بالأعمال، ثم جاءت الجمعة الأخرى فحضرنا فخطب حذيفة فقال: ألا إنّ الله يقول: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ ألا وإنّ الساعة قد اقتربت، ألا وإنّ القمر قد انشقّ، ألا وإنّ الدنيا قد أذنت بفراق، ألا وإنّ المضمار اليوم وغدا السباق، ألا وإنّ الغاية النار والسابق من سبق إلى الجنة.\nوبه عن ابن جرير قال: حدّثنا الحسن بن أبي يحيى المقدسي قال: حدّثنا يحيى بن حماد، قال: حدّثنا أبو عوانة عن المغيرة عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله قال: انْشَقَّ الْقَمَرُ على عهد رسول الله ﷺ، وقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة سحركم، فسألوا السفار فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأينا. فأنزل الله سبحانه اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.\nوَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم: مرّ الشيء واستمر إذا ذهب، ونظيره: قرّ واستقر، هذا قول مجاهد وقتادة والفرّاء والكسائي.\nوقال أبو العالية والضحاك: محكم شديد قوي. سيان عن قتادة: غالب، وهو من قولهم:\nمرّ الحبل إذا صلب واشتد وقوي، وامررته أنا إذا أحكمت فتله. ربيع: نافذ. يمان: ماض. أبو عبيدة: باطل، وقيل: يشبه بعضه بعضا.\nوَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ يقول: وكل أمر من خير أو شر مستقر قراره، ومتناه نهايته، فالخير مستقر بأهله في الجنة، والشر مستقر بأهله في النار.\nقال قتادة: وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ: أي بأهل الخير الخير، وبأهل الشر الشر، وقال مقاتل: لكل امرئ منتهى، وقيل: لكل أمر حقيقته، وقال الحسن بن الفضل: يعني يستقر قرار تكذيبهم وقرار تصديق المؤمنين حتى يعرفوا حقيقته في الثواب والعقاب، وقيل: مجازه: كلّ ما قدّر كائن واقع لا محالة، وقيل: لكل أمر من أموري التي أمضيتها في خلقي مستقر قراره لا يزول، وحكى أبو حاتم عن شيبة ونافع مستقرّ بفتح القاف، وذكر الفضل بن شاذان عن أبي جعفر بكسر الراء، ولا وجه لهما.\nقال مقاتل: انْشَقَّ الْقَمَرُ ثم التأم بعد ذلك.\nوَلَقَدْ جاءَهُمْ يعني أهل مكة مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ متناهي. قاله مجاهد. سفيان:\nمنتهى، وهو مفتعل من الزجر، وأصله مزتجر. فقلبت التاء دالا.\nحِكْمَةٌ بالِغَةٌ تامة ليس فيها نقصان وهي القرآن فَما تُغْنِ النُّذُرُ إذا كذّبوهم وخالفوهم.\nفَتَوَلَّ عَنْهُمْ نسختها آية القتال يَوْمَ الى يوم يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ منكر فظيع","vol":"9","page":162},{"text":"عظيم وهو النار، وقيل: القيامة، وخفّف الحسن وابن كثير كافه. غير هما مثقّل، وقرأ مجاهد (نُكِرَ) على الفعل المجهول أي أنكر.\nخُشَّعًا ذليلة أَبْصارُهُمْ وهو نصب على الحال مجازه يخرجون من الأجداث خشعا، وقرأ ابن عباس ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف (خاشعا) بالألف على الواحد، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا بقراءة عبد الله وأبي رجاء خاشعة أبصارهم، وقرأ الباقون (خُشَّعًا) بلا ألف على الجمع.\nقال الفرّاء وأبو عبيدة: إذا تأخرت الأسماء عن فعلها فلك فيه التوحيد والجمع والتأنيث والتذكير تقول من ذلك: مررت برجال حسن وجوههم، وحسنة وجوههم وحسان وجوههم. قال الشاعر:\nوشباب حسن أوجههم ... من إياد بن نزار بن معد «١»\nفمن وحّد فلأنّه في معنى الجمع، ومن جمع فلأنّه صفات، والصفات اسماء، ومن أنّث فلتأنيث الجماعة، وقال الآخر:\nيرمي الفجاج بها الركبان معترضا ... أعناق بزلها مزجى لها الجدل «٢»\nقال الفرّاء: لو قال: معترضة أو معترضات أو مزجاة أو مزجيات كان كل ذلك جائزا.\nيَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ القبور كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ حيارى، وذكر المنتشر على لفظ الجراد، نظيره كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ.\nمُهْطِعِينَ مسرعين منقلبين عامدين إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٩ الى ٢١]</span>\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (١٣)\nتَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨)\nإِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١)\nكَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ أي قبل أهل مكة قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا نوحا ﵇ وَقالُوا مَجْنُونٌ أي هو مجنون وَازْدُجِرَ أي زجروه عن دعوته ومقالته، وقال مجاهد: استطر جنونا، وقال ابن زيد: اتهموه وزجروه وواعدوه «لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ ... لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ» .\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ٧١.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ١١٩.","vol":"9","page":163},{"text":"فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ مقهور فَانْتَصِرْ فانتقم لي منهم.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف، قال: حدّثنا الراوندي، قال: حدّثنا يوسف ابن موسى، قال: حدّثنا وكيع عن الأعمش عن مجاهد عن عبد بن عمير، قال: إن الرجل من قوم نوح ليلقاه فيخنقه حتى يخر مغشيا، فيفيق حين يفيق وهو يقول: رب اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون.\nفَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ منصبّ مندفق ولم يقلع ولم ينقطع أربعين يوما.\nقال ابن عباس والقرظي: منفجر من الأرض. يمان: طبق ما بين السماء والأرض. أبو عبيدة: هايل. الكسائي: سائل. قال امرؤ القيس يصف غيثا:\nراح تمريه الصبا ثم انتحى ... فيه شؤبوب جنوب منهمر «١»\nوقال سلامة بن جندل يصف فرسا:\nوالماء منهمر والشدّ منحدر ... والقصب مضطمر واللون غربيب «٢»\nوَفَجَّرْنَا شققنا الْأَرْضَ بالماء عُيُونًا فَالْتَقَى الْماءُ يعني ماء السماء وماء الأرض، وانما قال: التقى الماء، والالتقاء لا يكون من واحد وانما يكون من اثنين فصاعدا، لأن الماء جمعا وواحدا.\nوقرأ عاصم الجحدري (فالتقى الماءان)، وقرأ الحسن (فالتقى الماوان) بجعل إحدى الألفين واوا. عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ قضي عليهم في أم الكتاب.\nقال محمد بن كعب القرظي: كانت الأقوات قبل الأجساد، وكان القدر قبل البلاء، وتلا هذه الآية.\nوَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ ذكر النعت وترك الاسم، مجازه: على سفينة ذات ألواح من الخشب وَدُسُرٍ مسامير، واحدها دسار، يقال منه: دسرت السفينة إذا شددتها بالمسامير، وهذا قول القرظي وقتادة، وابن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس وشهر بن حوشب: هي صدر السفينة سمّيت بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجئها، اي تدفع، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، قال: الدسر: كلكل السفينة، وأصل الدسر الجر والدفع، ومنه\nالحديث في العنبر «إنما هو شيء دسّره البحر»\n، أي دفعه ورمى به، وقال مجاهد: هي عوارض السفينة. الضحّاك: ألواح جانبها، والدسر أصلها وطرفها. ليث بن أبي نجيح عن مجاهد: أضلاعها.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٣٢.\n(٢) الصحاح: ١/ ٢٠٢.","vol":"9","page":164},{"text":"تَجْرِي بِأَعْيُنِنا أي بمرأى منّا. مقاتل بن حيان: بحفظنا، ومنه قول الناس للدموع: عين الله عليك. مقاتل بن سليمان: بوحينا. سفيان: بأمرنا. جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ يعني فعلنا ذلك ثوابا لنوح، ومجاز الآية: لمن جحد وأنكر وكفر بالله فيه، وجعل بعضهم (من) هاهنا بمعنى (ما)، وقال معناه: جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ من أيادي الله ونعمائه عند الذين غرقهم، وإليه ذهب ابن زيد، وقيل: معناه عاقبناهم لله ولأجل كفرهم به.\nوقرأ مجاهد جَزاءً لِمَنْ كانَ كَفَرَ بفتح الكاف والفاء يعني كان الغرق جزاء لمن يكفر بالله، وكذب رسوله فأهلكهم الله.\nوما نجا من الكفّار من الغرق غير عوج بن عنق كان الماء إلى حجزته، وكان السبب في نجاته على ما ذكر أن نوحا ﵇ احتاج إلى خشب ساج للسفينة فلم يمكنه نقلها، فحمل عوج تلك الخشبة إليه من الشام. فشكر الله تعالى ذلك له ونجّاه من الغرق.\nوَلَقَدْ تَرَكْناها يعني السفينة آيَةً عبرة.\nقال قتادة: أبقاها الله بباقردى من أرض الجزيرة عبرة وآية، حتى نظرت إليها أوائل هذه الأمة نظرا، وكم من سفينة كانت بعدها قد صارت رمدا. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متّعظ معتبر وخائف مثل عقوبتهم.\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي إنذاري. قال الفرّاء: الإنذار والنذر مصدران تقول العرب:\nأنذرت إنذارا ونذرا، كقولك: أنفقت إنفاقا ونفقة، وأيقنت إيقانا ويقينا.\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا سهّلنا وهوّنّا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ اي ليتذكر ويعتبر به ويتفكر فيه، وقال سعيد ابن جبير: يسّرنا للحفظ ظاهرا، وليس من كتب الله كتابا يقرأ كله ظاهرا إلّا القرآن. فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ متّعظ بمواعظه.\nأخبرني الحسن بن محمد بن الحسين، قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق بن راهويه قال: حدّثنا أبو عمير بن النحاس ببيت المقدس، قال:\nحدّثنا ضمرة بن ربيعة عن عبد الله بن شوذب عن مطر الوراق في قول الله سبحانه فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ قال: هل من طالب علم فيعان عليه.\nكَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ شؤم وشرّ مُسْتَمِرٍّ وكان يوم الأربعاء، مستمر: شديد ماض على الصغير والكبير فلم تبق منهم أحدا إلّا أهلكته، وقرأ هارون الأعور نَحْسٍ بكسر الحاء.\nتَنْزِعُ النَّاسَ تقلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتدقّ رقابهم، قال ابن إسحاق: لمّا هاجت الريح قام نفر من عاد سبعة يسمى لنا منهم ستّة من أشدّ عاد وأجسمها منهم: عمرو بن","vol":"9","page":165},{"text":"الحلي، والحرث بن شداد والهلقام وابنا تيقن، وخلجان بن سعد فأولجوا العيال في شعب بين جبلين، ثم اصطفوا على باب الشعب ليردّوا الريح عمن في الشعب من العيال، فجعلت الريح تخفقهم رجلا رجلا، فقالت امرأة من عاد:\nذهب الدهر بعمر بن حلي والهنيات ... ثم بالحرث والهلقام طلاع الثنيات\nوالذي سدّ مهب الريح أيام البليات «١»\nوبإسناد أبي حمزة الثمالي قال: حدّثني محمد بن سفيان عن محمد بن قرظة بن كعب عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: «انتزعت الريح الناس من قبورهم» [١٥٥] «٢» .\nكَأَنَّهُمْ أَعْجازُ قال ابن عباس: أصول، وقال الضحّاك: أوراك. نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ منقلع من مكانه، ساقط على الأرض، وواحد الأعجاز عجز مثل عضد وأعضاد، وإنّما قال: أَعْجازُ نَخْلٍ وهي أصولها التي تقطعت فروعها، لأن الريح كانت ترمي رؤوسهم من أجسادهم، فتبقى أجسام بلا رؤوس.\nسمعت أبا القاسم الجنيني يقول: سمعت أبا علي الحسين بن أحمد القاضي البيهقي.\nيقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن القاسم بن سياب الأنباري يقول: سئل المبرّد بحضرة إسماعيل بن إسحاق القاضي عن ألف مسألة هذه من جملتها، وهو أن السائل قال: ما الفرق بين قوله: جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً وقوله: كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ وكَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ؟ فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب فلك أن تردّه إلى اللفظ تذكيرا، ولك أن ترده إلى المعنى تأنيثا.\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-745>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٢٢ الى ٤٩]</span>\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقالُوا أَبَشَرًا مِنَّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)\nإِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨) فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ (٢٩) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا إِلاَّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)\nوَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٧) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨) فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ (٣٩) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)\nكَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢) أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ (٤٦)\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ (٤٩)\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٧/ ١٣٠ وفيه: سد علينا الريح.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٣٦.","vol":"9","page":166},{"text":"لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ فَقالُوا أَبَشَرًا آدميّا واحدا منّا نَتَّبِعُهُ ونحن جماعة كثيرة وهو واحد، وقرأ أبو السماك العدوي بالرفع، وكلا الوجهين سائغ في عايد الذكر إِنَّا إِذًا إن فعلنا ذلك وتركنا دين آبائنا وتابعناه على دينه، وهو واحد منا آدمي مثلنا لَفِي ضَلالٍ ذهاب عن الصواب وَسُعُرٍ قال ابن عباس: يعني وعذاب، قال الحسن: شدة العذاب. قتادة: عناء. سفيان بن عيينة: هو جمع سعيرة. الفرّاء: جنون، يقال:\nناقة مسعورة إذا كانت خفيفة الرأس هايمة على وجهها. قال الشاعر يصف ناقة:\nتخال بها سعرا إذا السفر هزها ... ذميل وإيقاع من السير متعب «١»\nوقال وهب: وَسُعُرٍ: أي بعد من الحق.\nأَأُلْقِيَ الذِّكْرُ أأنزل الوحي عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ترح مرح بطر متكبر يريد أن يتعظّم علينا بادّعائه النبوّة.\nوقال عبد الرّحمن بن أبي حماد: الأشر الذي لا يبالي ما قال، وقرأ مجاهد أَشُرٌ بفتح الألف وضم الشين وهما لغتان مثل حذر وحذر ويقظ ويقظ وعجل وعجل ومجد ومجد الشجاع.\nسَيَعْلَمُونَ غَدًا بالتاء شامي، والأعمش ويحيى وابن ثوبان وحمزة وغيره بالياء، فمن قرأ بالتاء فهو من قول صالح لهم، ومن قرأ بالياء فهو من قول الله سبحانه، ومعنى الكلام: في الغد القريب على عادة الناس في قولهم للعواقب: إنّ مع اليوم غدا، وإنّ مع اليوم أخاه غدا، وأراد به وقت نزول العذاب بهم مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ قرأ أبو قلامة: مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشَرُّ بفتح الشين وتشديد الراء على وزن أفعل من الشر، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة.\nقال أبو حاتم: لا يكاد العربي يتكلم بالأشرّ والأخير إلا في ضرورة الشعر كقول رؤبة:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٣٨.","vol":"9","page":167},{"text":"بلال خير الناس وابن الأخير\nإنّما يقولون: خير وشر. قال الله ﷿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ وقال سبحانه أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا.\nإِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ باعثوها ومخرجوها من الهضبة التي سألوا فِتْنَةً محنة لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وانتظرهم وننظر ما هم صانعون وَاصْطَبِرْ واصبر على ظلمهم وأذاهم، ولا تعجل حتى يأتيهم أمري، وَاصْطَبِرْ: افتعل من الصبر، وأصل (الطاء) فيه (تاء) فحوّلت (طاء) لأجل (الصاد) .\nوَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ وبين الناقة بالسويّة لها يوم ولهم يوم، وإنّما قال: بَيْنَهُمْ لأن العرب إذا أخبرت عن بني آدم وعن البهائم غلّبوا بني آدم على البهائم. كُلُّ شِرْبٍ نصيب من الماء مُحْتَضَرٌ يحضره من كانت نوبته، فإذا كان يوم الناقة حضرت شربها، وإذا كان يومهم حضروا شربهم، وقال مجاهد: يعني يحضرون الماء إذا غابت الناقة، وإذا جاءت حضروا اللبن.\nفَنادَوْا صاحِبَهُمْ قدار بن سالف وكان أشقر ولذلك قيل له: أشقر ثمود فَعَقَرَ فتناول الناقة بسيفه فعقرها، ولذلك سمّيت العرب الجزار قدارا تشبيها به، وقال الشاعر:\nإنّا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام «١»\nفَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ثم بيّن عذابهم فقال عز من قائل: إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ قرأ الحسن وقتادة بفتح (الظاء) أراد الحظيرة، وقرأ الباقون بكسر (الظاء) أرادوا صاحب الحظيرة.\nقال ابن عباس: هو أن الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم، وقال قتادة: يعني كالعظام النخرة المحترقة وهي رواية العوفي عن ابن عباس ورواية أبي ظبيان عنه أيضا، كحشيش يأكله الغنم، وقال سعيد بن جبير: هو التراب الذي يتناثر من الحائط. ابن زيد: هو الشجر البالي الذي تهشّم حتى ذرّته الريح، والعرب تسمّي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما.\nوَلَقَدْ يَسَّرْنَا هوّنا عليهم الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِبًا ريحا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى، وقال بعضهم: هو الحجر نفسه.\nقال الضحّاك: يعني صغار الحصى، والحاصب والحصب والحصباء هي الحجر الذي\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٣٩.","vol":"9","page":168},{"text":"دون ملء الكف، والمحصب الموضع الذي يرمى فيه الجمار، وقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول لأهل المدينة: حصّبوا المسجد، أي صبّوا فيه الحجارة.\nثم استنثى فقال: إِلَّا آلَ لُوطٍ أي أتباعه على دينه من أهله وأمته نَجَّيْناهُمْ من العذاب بِسَحَرٍ قال الأخفش: إنّما أجراه، لأنه نكرة، ومجازه: بسحر من الأسحار، ولو أراد بسحر يوم بعينه لقال: سحر غير مجرى، ونظيره قوله: اهْبِطُوا مِصْرًا.\nنِعْمَةً يعني كان ذلك أو جعلناه نعمة مِنْ عِنْدِنا عليهم حيث أنجيناهم وأهلكنا أعداءهم كَذلِكَ كما جزيناهم، لوطا وآله نَجْزِي مَنْ شَكَرَ فآمن بالله وأطاعه.\nوَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لوط بَطْشَتَنا أخذنا لهم بالعقوبة قبل حلولها بهم فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ فكذبوا بإنذاره شكا منهم فيه وهو تفاعل من المرية.\nوَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ طالبوه وسألوه أن يخلّي بينهم وبينهم. يقول العرب: راده تروده وارتاده وراوده يراوده نظيرها وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ.\nفَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ أي أعميناهم، وصيّرناها كسائر الوجه لا يرى لها شق، وذلك أنّهم لما قصدوا دار لوط ﵇ وعالجوا بابه ليدخلوا، قالت الرسل للوط: خلّ بينهم وبين الدخول ف إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ، فدخلوا الدار فاستأذن جبريل ربّه ﷿ في عقوبتهم فأذن له فصفقهم بجناحه، فتركهم عميا يترددون متحيرين لا يهتدون إلى الباب، وأخرجهم لوط عميا لا يبصرون. هذا قول عامة المفسّرين، وقال الضحّاك: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل وقالوا: قد رأيناهم حين دخلوا البيت فأين ذهبوا؟، فلم يروهم ورجعوا فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ.\nوَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ جاءهم العذاب وقت الصبح بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ دائم عام استقر فيهم حتى يقضى بهم الى عذاب الآخرة.\nفَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ يعني موسى وهارون ﵇.\nكَذَّبُوا بِآياتِنا التسع كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ بالعذاب أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ قادر لا يعجزه ما أراد، ثم خوّف أهل مكة فقال عز من قائل: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ الذين أحللت بهم نقمتي من قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وآل فرعون أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ من العذاب فِي الزُّبُرِ الكتب تأمنون.\nأَمْ يَقُولُونَ يعني كفار مكة نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ أي جماعة لا ترام ولا تضام، ولا يقصدنا أحد بسوء، ولا يريد حربنا وتفريق جمعنا إلا انتقمنا منهم، وكان حقّه: منتصرون فتبع رؤوس الآي.","vol":"9","page":169},{"text":"سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ قراءة العامة على غير تسمية الفاعل، وقرأ يعقوب بالنون والنصب وكسر الزاي، وفتح العين على التعظيم وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ أي الأدبار، فوحّد والمراد الجمع لأجل رؤوس الآي، كما يقال: ضربنا منهم الرؤوس، وضربنا منهم الرأس، إذا كان الواحد يؤدي عن معنى جميعه، فصدق الله ﷾ وعده وهزمهم يوم بدر.\nقال مقاتل: ضرب أبو جهل فرسه فتقدم يوم بدر في الصف وقال: نحن منتصر اليوم من محمد وأصحابه.\nقال سعيد بن المسيب: سمعت عمر بن الخطاب لمّا نزلت سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ: كنت لا أدري أي جمع نهزم، فلمّا كان يوم بدر رأيت النبي ﷺ ثبت في درعه ويقول:\nسَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ.\nبَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ جميعا وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ أعظم بليّة وأشدّ مرارة من عذاب يوم بدر.\nأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن زياد، قال حدّثنا أبو مصعب قال: حدّثنا مجرد بن هارون عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بادروا بالأعمال- سبعا- ما ينتظرون هل هو إلّا فقر منسي أو غنى مطغ «١» أو مرض مفسد أو كبر معند أو موت مجهز، والدجال شر مستطر، والساعة وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ»\n[١٥٦] .\nإِنَّ الْمُجْرِمِينَ المشركين فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ قال الضحاك: يعني نارا ستعرض عليهم.\nقال الحسين بن الفضل: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ في الدنيا ونار في الآخرة، وقال ابن كيسان:\nبعد من الحق، وقيل: جنون، وقال قتادة في عناء وعذاب، ثم بيّن عذابهم، فقال: يَوْمَ يُسْحَبُونَ يجرّون فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ويقال لهم: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ وإنّما هو كقولك:\nذق المر السياط.\nإِنَّا كُلَّ شَيْءٍ بالنصب قراءة العامة، وقرأ أبو السماك العدوي «٢» بالرفع خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال الحسن: قدر الله لكل شيء من خلقه قدره الذي ينبغي له، وقال الربيع: هو كقوله: قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا أي أجلا لا يتقدم ولا يتأخر، وقال ابن عباس: إنّا كل شيء جعلنا له شكلا يوافقه ويصلح له، فالمرأة للرجل، والأتان للحمار، والرمكة للفرس، وثياب الرجال للرجال لا تصلح للنساء، وثياب النساء لا تصلح للرجال وكذلك ما شاكلها على هذا.\n_________\n(١) الصحاح: ٣/ ١٢٩٣.\n(٢) سنن الترمذي: ٣/ ٣٧٨ بتفاوت.","vol":"9","page":170},{"text":"وروى علي بن أبي طلحة عنه قال: خلق الله سبحانه الخلق كلّهم بقدر، وخلق لهم الخير والشر فخير الخير السعادة، وشر الشر الشقاوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-746>[سورة القمر (٥٤): الآيات ٥٠ الى ٥٥]</span>\nوَما أَمْرُنا إِلاَّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠) وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)\nفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)\nوَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ وحقّه واحد، قال أبو عبيدة هو نعت للمعنى دون اللفظ مجازها:\nوَما أَمْرُنا إِلَّا مرة واحِدَةٌ، يعني الساعة وقيل: معناه وما أمرنا الشيء إذا أردنا تكوينه إلا كلمة واحدة (كُنْ فَيَكُونُ) لا مراجعة فيها. كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ وذكر أن هذه الآيات نزلت في القدرية.\nأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسن بقراءتي عليه في داري قال: حدّثنا الفضل ابن الفضل الكندي، قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن النعمان قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسين بن حفص قال: حدّثنا الحسن بن حفص قال: حدّثنا سفيان عن زياد ابن إسماعيل السهمي، عن محمد بن عباد المخزومي عن أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يخاصمونه في القدر، فنزلت هذه الآية إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ الى آخر السورة.\nوأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا القرماني قال: حدّثنا عبد الأعلى بن حماد قال: حدّثنا المعتمر بن سليمان قال حدّثني أبو مخزوم عن سيار أبي الحكم قال: بلغنا أنّ وفد نجران قالوا: أمّا الأرزاق والأقدار فبقدر الله، وأما الأعمال فليس بقدر، فأنزل الله سبحانه فيهم إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ الى آخر الآية.\nوأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي قال: حدّثنا ابن أبي العوام قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الصباح بن سهل البصري أبو سهل قال:\nحدّثنا جعفر بن سليمان عن خالد بن سلمة عن سعيد بن عمر عن عمر بن زرارة عن أبيه قال:\nكنت جالسا عند رسول الله ﷺ فقرأ: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ الى آخر السورة فقال رسول الله ﷺ: «نزلت هذه الآيات في ناس يكونون في آخر أمتي يكذبون بقدر الله» [١٥٧] «١» .\nوأخبرنا أحمد بن محمد بن يعقوب بن محمويه الفقيه بالقصر قال: حدّثنا أبو علي إسماعيل بن محمد بن إسماعيل قال: حدّثنا الحسين بن عرفه العبدي قال: حدّثنا مروان بن شجاع الجزري عن عبد الملك بن جريج عن عطاء بن أبي رياح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٧/ ١١٧.","vol":"9","page":171},{"text":"في زمزم قد ابتلّت أسافل ثيابه، فقلت له: قد تكلّم في القدر، فقال: أو قد فعلوها؟، قلت:\nنعم، قال: فو الله ما نزلت هذه الآية إلّا فيهم ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ، أولئك شرار هذه الأمة، لا تعودوا مرضاهم ولا تصلّوا على موتاهم. إن أريتني أحدا منهم فقأت عينيه بإصبعيّ هاتين.\nوأخبرني عقيل بن محمد الفقيه أن أبا الفرج البغدادي أخبرهم عن محمد بن جرير قال:\nحدّثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا حصين عن سعيد بن عبيده عن أبي عبد الرّحمن السلمي قال: لمّا نزلت هذه الآية إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ قال رجل: يا رسول الله ففيم العمل في شيء يستأنفه أو في شيء قد فرغ منه؟ فقال رسول الله ﷺ: «اعملوا فكل ميسّر، سنيسره لِلْيُسْرى وسنيسره لِلْعُسْرى» [١٥٨] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن الحسين بن صقلاب قال: حدّثنا أبو الحسن احمد بن محمد بن عبيد الطوابيقي قال: حدّثنا علي بن حرب الطائي قال: حدّثنا أبو مسعود يعني الزجاج. قال: حدّثنا أبو سعد عن طلق بن حبيب عن كعب قال: نجد في التوراة أن القدرية يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد ابن سنان قال: حدّثنا عمرو بن منصور أبو عثمان العيسي قال: حدّثني أبو أسيد الثقفي، قال: حدّثني ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: تمارينا عند رسول الله ﷺ في القدر فقال رسول الله ﷺ «كل شيء بقدر حتى هذه» وأشار بإصبعه السبابة حتى ضرب على ذراعه الأيسر» [١٥٩] «٢» .\nوأخبرني ابن السري النحوي في (درب حاجب) قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد العماني قال: أخبرنا عبد الله بن احمد بن عامر قال: حدّثنا أبي قال: حدّثني علي بن موسى الرضا قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن علي قال: حدّثني أبي علي بن الحسين قال: حدّثني أبي الحسين بن علي قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ قدّر المقادير ودبر التدبر قبل أن يخلق آدم بألفي عام» [١٦٠] «٣» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن احمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثني أحمد بن حماد بن سفيان قال: حدّثنا السري بن عاصم الهمداني قال: حدّثنا محمد بن مصعب القرقساني\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٢٨٢.\n(٢) في المصادر: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس، مسند أحمد: ٢/ ١١٠، وصحيح مسلم: ٨/ ٥٢.\n(٣) مسند زيد: ٤٩٦. [.....]","vol":"9","page":172},{"text":"عن الأوزاعي عن عبده بن أبي لبابة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن» [١٦١] «١» .\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: حدّثنا محمد بن المثنى قال: حدّثني إبراهيم بن أبي الوزير قال:\nحدّثنا مروان بن معاوية الفزاري عن سيف «٢» الكوفي عن أبي فزارة قال: قال ابن عباس: إذا كثرت القدرية بالبصرة ائتفكت بأهلها، وإذا كثرت السبائية بالكوفة «٣» ائتفكت بأهلها «٤» .\nوبه عن الساجي قال: حدّثنا الحسن بن حميد قال: حدّثني عبد الله بن الحسن بن عبد الملك بن حسان الكلبي قال: حدّثني سعيد بن محمد الغساني قال: لما أخذ أبو شاكر الديصاني بالبصرة فأقرّ أنه ديصاني، وكان يجهر القول بالرفض والقدر، فقيل له: لم اخترت القول بالقدر والرفض؟، قال: اخترت القول بالقدر لأخرج أفعال العباد من قدرة الله، وأنه ليس بخالقها، فإذا جاز أن يخرج من قدرته شيء جاز أن تخرج الأشياء من قدرته كلها، واخترت القول بالرفض لأتصول بالطعن الى نقلة هذا الدين، فإذا بطل النقلة بطل المنقول.\nوأخبرني الحسين بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن الدقاق قال: حدّثنا محمد ابن عبد العزيز قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: حدّثنا الدراوردي قال: قال لي أبو سهيل: إذا سلم عليك القدرية فردّ عليهم كما ترد على اليهود قل: وعليك.\nوَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ أشباهكم في الكفر من الأمم السالفة فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ من خير أو شرع يعني الأشياع فِي الزُّبُرِ في كتب الحفظة، وقيل: في اللوح المحفوظ.\nوَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ منهم ومن أعمالهم مُسْتَطَرٌ مكتوب محفوظ عليهم. يقال: كتبت واكتتبت وسطرت واستطرت، وقرأ واقترأت.\nإِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ بساتين وَنَهَرٍ أنهار، ووحّده لأجل رؤوس الآي. كقوله سبحانه: وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ «٥»، وقال الضحاك: يعني في ضياء وسعة، ومنه النهار قال الشاعر:\nملكت بها كفي وانهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها «٦»\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ١٠٦ ح ٤٨١.\n(٢) هو سيف بن عمر الأسدي الكوفي.\n(٣) في المصدر: السبئية بكار.\n(٤) الكامل لابن عدي: ٦/ ١١٦ يرويه عن مجاهد عن ابن عباس.\n(٥) سورة القمر: ٤٥.\n(٦) تاج العروس: ٧/ ١٨٤.","vol":"9","page":173},{"text":"أي وسعت خرقها.\nوقرأ الأعرج وطلحة (وَنُهُرٍ) بضمتين كأنها جمع نهار يعني لا ليل لهم.\nقال الفراء: أنشدني بعض العرب:\nإن تك ليليا فإني نهر ... متى أتى الصبح فلا أنتظر «١»\nأي صاحب نهار، وقال الآخر:\nلولا الثريدان هلكنا بالضمر ... ثريد ليل وثريد بالنهر «٢»\nفِي مَقْعَدِ صِدْقٍ في مجلس حق لا لغو فيه ولا مأثم وهو الجنة عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ملك قادر و(عِنْدَ) إشارة إلى القربة والرتبة.\nقال الصادق: مدح الله المكان بالصدق فلا يقعد فيه إلّا أهل الصدق.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويه قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب بن إبراهيم البكري عن صالح بن حيان عن عبد الله بن بريده أنّه قال في قوله ﷾: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ: إنّ أهل الجنة يدخلون كل يوم على الجبار ﵎ فيقرءون عليه القرآن، وقد جلس كل امرئ منهم مجلسه الذي هو يجلسه على منابر الدر والياقوت والزمرد والذهب والفضة بأعمالهم، فلم تقرّ أعينهم بشيء قط كما تقرّ أعينهم بذلك، ولم يسمعوا شيئا أعظم ولا أحسن منه، ثم ينصرفون الى رحالهم ناعمين، قريرة أعينهم الى مثلها من الغد.\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا سعد بن محمد بن أبي إسحاق الصيرفي قال: حدّثنا محمد ابن عثمان بن أبي شيبة قال: حدّثنا زكريا بن يحيى قال: حدّثنا عمرو بن ثابت عن أبيه عن عاصم بن ضمرة عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أتينا رسول الله ﷺ يوما في مسجد المدينة، فذكر بعض أصحابه الجنة فقال رسول الله ﷺ: «إن لله لواء من نور وعمودا من زبرجد خلقهما قبل أن يخلق السماوات بألفي عام، مكتوب على رداء ذلك اللواء: لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ، محمد رسول الله، محمد خير البرية، صاحب اللواء أمام القوم» فقال علي: الحمد لله الذي هدانا بك وكرّمنا وشرفنا، فقال له النبي ﷺ: «يا علي أما علمت أن من أحبنا وانتحل محبتنا أسكنه الله تعالى معنا» [١٦٢] «٣» وتلا هذه الآية فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا الحسن بن أيوب. قال: حدّثنا\n_________\n(١) لسان العرب: ٥/ ٢٣٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٥٠، لسان العرب: ٥/ ٢٣٨ وفيه: لمتنا، بدل: هلكنا.\n(٣) شواهد التنزيل: ٢/ ٤٦٩- ٤٧٠ عن المصنف.","vol":"9","page":174},{"text":"عبد الله بن أبي زياد. قال: حدّثنا سيار قال: حدّثنا رياح القيسي عن ثور قال: بلغنا أن الملائكة يأتون المؤمنين يوم القيامة فيقولون: يا أولياء الله انطلقوا، فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة، فيقولون: إنكم لتذهبون بنا الى غير بغيتنا، فيقال لهم: وما بغيتكم؟ فيقولون: المقعد مع الحبيب.\nوسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم البلاذري يقول:\nسمعت بكر بن عبد الرّحمن يقول: كان ذو النون المصري يحضّ أصحابه على التهجّد وقيام الليل. فإذا أحسّ منهم فتره قال: كدّوا يا أولياء الله، فإن للأولياء [في الجنة] مقعد صدق يكشف حجب يوم يرون الجليل حقّا.","vol":"9","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-747>سورة الرّحمن</span>\nمكية، وهي ألف وستمائة وستة وثلاثون حرفا، وثلاثمائة وإحدى وخمسون كلمة، وثمان وسبعون آية\nأخبرنا الأستاذ أبو الحسين الجباري قال: حدّثت عن أحمد بن الحسن المقري قال:\nحدّثنا محمد بن يحيى الكيساني قال: حدّثنا هشام البربري قال: حدّثنا علي بن حمزة الكسائي قال: حدّثنا موسى بن جعفر عن أبيه جعفر عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لكلّ شيء عروس، وعروس القرآن سورة الرّحمن جلّ ذكره» [١٦٣] «١» .\nوأخبرني أبو الحسين أحمد بن إبراهيم العبدي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد الحبري قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك بن الفضل الكوفي قال:\nحدّثنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الرّحمن رحم الله ضعفه، وأدّى شكر ما أنعم الله عليه» [١٦٤] «٢» .\nروى هشام بن عروة عن أبيه قال: أول من جهر بالقرآن بمكة بعد رسول الله ﷺ عبد الله ابن مسعود، وذلك أن أصحاب رسول الله اجتمعوا فقالوا: ما سمعت قريش القرآن يجهر به، فمن رجل يسمعهم؟\nفقال ابن مسعود: أنا، فقالوا: إنّا نخشى عليك منهم، وإنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه، فقال: دعوني فإنّ الله سيمنعني، ثم قام عند المقام فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ، رافعا بها صوته، وقريش في أنديتها فتأمّلوا وقالوا: ما يقول ابن أم عبد؟ ثم قاموا إليه فجعلوا يضربونه وهو يقرأ حتى يبلغ منها ما شاء، ثم انصرف إلى أصحابه، وقد أثّروا في وجهه، فقالوا: هذا الذي خشينا عليك.\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ٥٨٢ ج ٢٦٣٨.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٣٢٦.","vol":"9","page":176},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-748>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١ الى ١٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالرَّحْمنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيانَ (٤)\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ (٥) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ (٦) وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ (٧) أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (٩)\nوَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ (١٠) فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٣)\nالرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ نزلت حين قالُوا: وَمَا الرَّحْمنُ؟، وقيل: هو جواب لأهل مكة حين قالوا: إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.\nخَلَقَ الْإِنْسانَ قال ابن عباس وقتادة: يعني آدم ﵇.\nعَلَّمَهُ الْبَيانَ أسماء كل شيء، وقيل: علّمه اللغات كلّها، وكان آدم ﵇ يتكلم بسبعمائة ألف لغة أفضلها العربية، وقال آخرون: أراد جميع الناس لأن الإنسان اسم الجنس ثم اختلفوا في معنى البيان، فروي عن قتادة أنّه قال: علّمه بيان الحلال والحرام، وبيّن له الخير والشر، وما يأتي وما يذر ليحتج بذلك عليه.\nوقال أبو العالية ومرّة الهمذاني وابن زيد: يعني الكلام. الحسن: النطق والتمييز. محمد ابن كعب: ما يقول وما يقال له. السدي: علّم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به. يمان: الكتابة والخط بالقلم. نظيره عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. ابن كيسان: خَلَقَ الْإِنْسانَ يعني محمدا ﷺ، عَلَّمَهُ الْبَيانَ يعني بيان ما كان وما يكون لأنه كان يبيّن عن الأولين والآخرين وعن يوم الدين.\nالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ أي بحساب ومنازل لا تعدّونها، قاله ابن عباس وقتادة وأبو ملك.\nقال ابن زيد وابن كيسان: يعني بهما بحسب الأوقات والأعمار والآجال، لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف نحسب شيئا، لو كان الدهر كلّه ليلا كيف نحسب؟ أو كلّه نهارا كيف نحسب؟ وقال الضحاك: يجريان بعدد. مجاهد: كحسبان الرحى يدوران في مثل قطب الرحا. السدي: بأجل كآجال الناس، فإذا جاء أجلهما هلكا. نظيره كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى. يمان: يجريان بأهل الدنيا وقضائها وفنائها.\nوالحسبان قد يكون مصدر حسبت حسابا وحسبانا مثل الغفران والكفران والرجحان والنقصان، وقد تكون جمع الحساب كالشهبان والرهبان والقضبان والركبان.\nوارتفاع الشمس والقمر بإضمار فعل مجازه الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يجريان بِحُسْبانٍ، وقيل: مبتدأ وخبره فيما بعده.","vol":"9","page":177},{"text":"ونظم الآية الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ وقدر الشمس والقمر، وقيل: هو مردود على البيان، أي عَلَّمَهُ الْبَيانَ، إن الشمس والقمر بحسبان.\nويقال: سعة الشمس ستة آلاف فرسخ وأربعمائة فرسخ في مثلها، وسعة القمر ألف فرسخ في ألف فرسخ.\nمكتوب في وجه الشمس: لا إله إلّا الله، محمد رسول الله، خلق الشمس بقدرته، وأجراها بأمره، وفي بطنها مكتوب: لا إله إلّا الله، رضاه كلام، وغضبه كلام، ورحمته كلام، وعذابه كلام، وفي وجه القمر مكتوب: لا إله إلّا الله، محمد رسول الله، خلق الله القمر، وخلق الظلمات والنور، وفي بطنه مكتوب: لا إله إلّا الله خلق الخير والشر بقدرته، يبتلي بهما من يشاء من خلقه، فطوبى لمن أجرى الله الخير على يديه، والويل لمن أجرى الله الشر على يديه.\nوَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ. قيل: هو ما ليس له ساق من الأشجار، وينبسط على وجه الأرض، وقال السدّي: هو جمع النبات سمّي نجما لطلوعه من الأرض، وسجودها سجود ظلها، وقال مجاهد وقتادة: هو الكوكب، وسجوده طلوعه.\nوَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ قال مجاهد: العدل، وقال الحسن والضحاك وقتادة:\nهو الذي يوزن به ليوصل به الإنصاف والانتصاف، وقال الحسين بن الفضل: هو القرآن، وأصل الوزن التقدير.\nأَلَّا تَطْغَوْا يعني لئلّا تميلوا وتظلموا وتجاوزوا الحق فِي الْمِيزانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ بالعدل، وقال أبو الدرداء: أقيموا لسان الميزان بالقسط، وقال ابن عيينة: الإقامة باليد والقسط بالقلب وَلا تُخْسِرُوا ولا تنقصوا الْمِيزانَ ولا تطففوا في الكيل والوزن.\nقال قتادة في هذه الآية: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل عليك، وأوف كما تحب أن يوفى لك، فإن العدل صلاح الناس.\nوقراءة العامة تُخْسِرُوا بضم التاء وكسر السين، وقرأ بلال بن أبي بردة بفتح التاء وكسر السين وهما لغتان.\nوَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ للخلق، وقال الحسن: للجن والإنس، وقال ابن عباس والشعبي: لكلّ ذي روح.\nفِيها فاكِهَةٌ يعني [ألوان] الفواكه، وقال ابن كيسان: يعني ما يفكههم به من النعم التي لا تحصى، وكل النعم يتفكه بها وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ أوعية التمر، واحدها: كم، وكل ما يسترنا فهو كم وكمة، ومنه كمّ القميص، ويقال: للقلنسوة: كمّة، قال الشاعر:","vol":"9","page":178},{"text":"فقلت لهم كيلوا بكمّة بعضكم ... دراهمكم إني كذاك أكيل «١»\nقال الضحاك: ذاتُ الْأَكْمامِ أي ذات الغلف. الحسن: أكمامها: ليفها. قتادة: رقابها.\nابن زيد: الطلع قبل أن يتفتق.\nوَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ قال مجاهد: هو ورق الزرع، قال ابن السكّيت: يقول العرب لورق الزرع: العصف والعصيفة والجل بكسر الجيم، قال علقمة بن عبدة:\nتسقي مذانب قد مالت عصيفتها ... حدورها من أتيّ الماء مطموم «٢»\nالعصف: ورق الزرع الأخضر إذا قطع رؤوسه ويبس. نظيره كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ.\nوَالرَّيْحانُ قال مجاهد: هو الرزق، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: كل ريحان في القرآن فهو رزق.\nقال مقاتل بن حيان: الرَّيْحانُ: الرزق بلغة حمير. قال الشاعر:\nسلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر «٣»\nسعيد بن جبير عن ابن عباس: الرَّيْحانُ: الريع. الضحّاك: هو الطعام. قال: فالعصف هو التين وَالرَّيْحانُ ثمرته. الحسن وابن زيد: هو ريحانكم هذا الذي يشم. الوالبي عن ابن عباس:\nهو خضرة الزرع. سعيد بن جبير: هو ما قام على ساق.\nوقراءة العامة (وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ) كلّها مرفوعا بالرد على الفاكهة، ونصبها كلّها ابن عامر على معنى خلق هذا الإنسان وخلق هذه الأشياء، وقرأ أهل الكوفة إلّا عاصم (وَالرَّيْحانِ) بالجر عطفا على العصف.\nفَبِأَيِّ آلاءِ نعم رَبِّكُما تُكَذِّبانِ أيها الثقلان.\nيدل عليه ما\nأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن جعفر بن مسلم الحنبلي قال:\nحدّثنا أحمد بن محمد بن عبد الخالق قال: حدّثنا عبد الوهاب الوراق قال: حدّثنا أبو إبراهيم الترجماني قال: حدّثنا هشام بن عمار الدمشقي، قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا وهب ابن محمد عن ابن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله ﷺ سورة الرّحمن حتى ختمها. ثم قال: «ما لي أراكم سكوتا؟ للجن أحسن منكم ردّا، ما قرأت عليهم هذه الآية مرة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ إلّا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربّنا نكذب» [١٦٥] «٤» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٥٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٥٧، لسان العرب: ٤/ ١٢١ وفيه:\nتسقي مذانب قد طالت عصيفتها ... جدورها من أتى الماء مطموم.\n(٣) الصحاح ١/ ٣٧١. [.....]\n(٤) كنز العمال: ٢/ ٣٢٥ ج ٤١٤٦.","vol":"9","page":179},{"text":"وقيل: خاطب بلفظ التثنية على عادة العرب، وقد مضت هذه المسألة في قوله سبحانه:\nأَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ.\nوأما الحكمة من تكرارها فقال القتيبي: إن الله ﷾ عدّد في هذه السورة نعماه، وذكّر خلقه آلاءه. ثم أتبع ذكر كلّ كلمة وضعها، ونعمة ذكرها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم على النعم ويقرّرهم بها، وهو كقولك لرجل «١»: أحسنت إليه وتابعت بالأيادي، وهو في كل ذلك ينكرك ويكفرك: ألم تكن فقيرا فأغنيتك؟ أفتنكر؟ ألم تكن عريانا فكسوتك؟، أفتنكر هذا؟ ألم أحملك وأنت راحل؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملا فعززتك؟، أفتنكر هذا؟ ألم تكن صرورة فحججت بك؟ أفتنكر هذا؟\nوالتكرار سائغ في كلام العرب، حسن في مثل هذا الموضع. قال الشاعر:\nالمم سلومه المم «٢» المم\nوقال الآخر:\nكم نعمة كانت لكم ... كم كم وكم «٣»\nوقال آخر:\nفكادت فرارة تصلى بنا ... فاولى فرارة أولى فرارا\nوقال آخر:\nلا تقطعن الصديق ما طرفت ... عيناك من قول كاشح أشر «٤»\nولا تملّنّ من زيارته ... زره وزره وزر وزر وزر\nوقال الحسين بن الفضل: التكرار لطرد الغفلة وتأكيد الحجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ١٤ الى ٣٠]</span>\nخَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ (١٥) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٦) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (١٨)\nمَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ (١٩) بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢١) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٣)\nوَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ (٢٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٥) كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ (٢٦) وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٢٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٢٨)\nيَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٠)\n_________\n(١) في المخطوط: كقول الرجل.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٦٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٦٠.","vol":"9","page":180},{"text":"خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ وَخَلَقَ الْجَانَّ وهو أب الجن، وقال الضحاك:\nهو إبليس، وقال أبو عبيدة: الجان واحد الجن مِنْ مارِجٍ لهب صاف وخالص لا دخان فيه.\nقال ابن عباس: هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا لهبت. عكرمة: هو أحسنها. مجاهد:\nهو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت، وهو من قولهم: مرج القوم إذا اختلطوا، ومرجت عهودهم وأماناتهم. مِنْ نارٍ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ مشرق الصيف والشتاء وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ مغرب الصيف والشتاء.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. مَرَجَ أرسل الْبَحْرَيْنِ العذب والملح وخلّاهما وخلقهما يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ حاجز وحائل من قدرة الله وحكمته لا يَبْغِيانِ لا يختلطان ولا يتغيران ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقال قتادة: لا يَبْغِيانِ على الناس بالغرق، وقال الحسن: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) يعني بحر الروم وبحر الهند واسم الحاجز بينهما، وعن قتادة أيضا:\nيعني بحر فارس والروم، (بَيْنَهُما بَرْزَخٌ) وهو الجزائر، وقال مجاهد والضحاك: يعني بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام.\nيَخْرُجُ قرأ أهل المدينة وأبو عمرو ويعقوب بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم. الباقون على الضدّ.\nمِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ أي من البحرين، قال أهل المعاني: إنّما يخرج من أحدهما وهو الملح دون العذب، ولكن هذا جائز في كلام العرب ان يذكر شيئا ثم يخصّ أحدهما بفعل دون الآخر، كقول الله سبحانه: امَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ\nوالرسل من الإنس دون الجن، قاله الكلبي. قال: وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وإنما هو في واحدة منهما، وقال بعضهم يخرج من ماء السماء وماء البحر اللؤلؤ وهو أعظم من الدر، واحدتها لؤلؤة. وَالْمَرْجانُ وهو صغارها، وقال مرّة: المرجان جيّد اللؤلؤ، وروى السدّي عن أبي مالك أن المرجان الخرز الأحمر، وقال عطاء الخراساني هو البسذ «١»، يدل عليه قول ابن مسعود: المرجان حجر، والذي حكينا من أن المراد بالبحرين القطر والبحر، وأن الكناية في قوله: (مِنْهُمَا) راجعة إليهما [وهو] قول الضحاك، ورواية عطية عن ابن عباس وليث عن مجاهد.\nوتصديقهم ما أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن محمد بن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: حدّثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج قرأ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ قال: إذا مطرت السماء فتحت الأصداف أفواهها، فحيث وقعت قطرة كانت لؤلؤة.\n_________\n(١) البسذ: جوهر أحمر وقيل: صغار اللؤلؤ.","vol":"9","page":181},{"text":"ولقد ذكر لي أن نواة كانت في جوف صدف، فأصابت بعض النواة ولم يصب بعضها فكانت حيث القطرة من النواة لؤلؤة وسائرها نواة.\nوأخبرنا الحسين قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: قرأ أبي على أبي محمد بن الحسن بن علويه القطان من كتابه وأنا اسمع، قال: حدّثنا بعض أصحابنا قال: حدّثني رجل من أهل مصر يقال له: طسم قال: حدّثنا أبو حذيفة عن أبيه عن سفيان الثوري في قول الله سبحانه: مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ قال: فاطمة وعلي يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ قال: الحسن والحسين «١» .\nوروي هذا القول أيضا عن سعيد بن جبير، وقال: بَيْنَهُما بَرْزَخٌ محمد ﷺ\n، والله أعلم «٢» .\nوقال أهل الإشارة مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أحدهما معرفة القلب والثاني معصية النفس، بينهما برزخ الرحمة والعصمة.\nلا يَبْغِيانِ لا تؤثر معصية النفس في معرفة القلب، وقال ابن عطاء: بين العبد وبين الرب بحران: أحدهما بحر النجاة، وهو القرآن من تعلق به نجا، والثاني بحر الهلاك وهو الدنيا من تمسك بها وركن إليها هلك، وقيل: بحر الدنيا والعقبى، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ وهو القبر قال الله سبحانه: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.\nلا يَبْغِيانِ لا يحل أحدهما بالآخر، وقيل: بحر العقل والهوى بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لطف الله تعالى. يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ التوفيق والعصمة، وقيل: بحر الحياة وبحر الوفاة، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ وهو الأجل، وقيل: بحر الحجة والشبهة، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ وهو النظر والاستدلال يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ الحق والصواب.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَلَهُ الْجَوارِ السفن الكبار الْمُنْشَآتُ كسر حمزة سينها، وهي رواية المفضل عن عاصم تعني المقبلات المبتديات اللاتي أنشأن بجريهن وسيرهن، وقرأ الآخرون بفتحه أي المخلوقات المرفوعات المسخّرات فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ كُلُّ مَنْ عَلَيْها أي على الأرض من حيوان كناية عن غير مذكور كقول الناس: (ما عليها أكرم من فلان) يعنون الأرض، وما بين لابتيها أفضل منه يريدون جزئي المدينة فانٍ هالك، قال ابن عباس: لمّا أنزلت هذه الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض فأنزل الله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فأيقنت الملائكة بالهلاك.\n_________\n(١) تفسير الدر المنثور: ٦/ ١٤٣ مورد الآية.\n(٢) المصدر السابق.","vol":"9","page":182},{"text":"وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ قراءة العامة بالواو، وقرأ عبد الله ذي الجلال بالياء نعت الربّ.\nأخبرني الحسين احمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن منصور الكناني قال: حدّثنا الحرث بن عبد الله قال: أخبرنا عبد الرّحمن بن عثمان الوقاصي، قال: حدّثنا محمد بن كعب القرظي قال: قال عبد الله بن سلام: بعث إلي النبي ﷺ فقال: يا بن سلام إنّ الله ﷿ يقول: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ فأمّا الإكرام فقد عرفت فما الجلال؟\nفقال: بأبي أنت إنّا نجد في الكتب أنّها الجنة المحيطة بالعرش.\nقال: فكم بينهما وبين الجنات التي يسكن الله عباده؟ قال: مدى سبعمائة سنة، قال: فنزل جبرئيل بتصديقه «١» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا بن ماهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: حدّثنا سعيد الجزيري عمّن سمع اللجلاج يقول:\nسمعت معاذ بن جبل- وكان له أخا وصديقا- قال: سمعته يقول: إن رسول الله ﷺ مرّ برجل يصلّي وهو يقول: يا ذا الجلال والإكرام. فقال ﷺ: «قد استجيب لك» [١٦٦] «٢» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب المصيصي قال: حدّثنا هلال بن العلاء قال: حدّثنا أبو الجرار قال: حدّثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «ألظوا ب (يا ذا الجلال والإكرام)» [١٦٧] «٣» .\nواخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب. قال: حدّثنا محمد بن يونس عن بسر بن عمر قال: حدّثنا وهيب بن خالد عن ابن عجلان عن سعيد المنقري قال: الحح رجل فقعد ينادي: يا ذا الجلال والإكرام. فنودي: إني قد سمعت فما حاجتك؟\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من ملك وإنس وجنّ وغيرهم لا غنى لأحد منهم منه- قال ابن عباس: وأهل السموات يسألونه المغفرة، ولا يسألونه الرزق، وأهل الأرض يسألونه الرزق والمغفرة.\n_________\n(١) لا يخفى على القاري اللبيب ما في هذا الحديث من الدس والتوهين والمكيدة على الإسلام ونبيّه إذ كيف يعقل أن نبي الإسلام يستفهم أمرا قد أشكل عليه من رجل يهودي وهو عبد الله بن سلام دون أن يستعين بجبريل (﵇)، والله يقول في محكم بيانه (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ) .\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٢٣٦.\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ١٧٧.","vol":"9","page":183},{"text":"كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ قال مقاتل: أنزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئا، فأنزل الله سبحانه: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.\nأخبرني أبو القاسم عبد الرّحمن بن محمد إبراهيم الحوضي قال: أخبرنا أبو أحمد عبد الله ابن عدي الحافظ قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن طويط أبو القاسم البزاز قال: حدّثنا إبراهيم ابن محمد بن يوسف الفريابي قال: حدّثنا عمر بن بكر قال: حدّثنا حارث بن عبيدة بن رياح الغسّاني عن أبيه عن عبدة بن أبي رياح عن مثبت بن عبد الله الأزدي عن أبيه عن عبد الله بن منيب قال: تلا علينا رسول الله ﷺ هذه الآية كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ فقلنا: يا رسول الله وما ذاك الشأن؟ قال: «يغفر ذنبا، ويفرج كربا، ويرفع قوما، ويضع آخرين» [١٦٨] «١» .\nوحدّثنا أبو بكر محمد بن احمد بن عبدوس إملاء قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد ابن يحيى البزاز، قال: حدّثنا يحيى بن الربيع المكي قال: حدّثنا سفيان بن عيينة قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إن ممّا خلق الله ﷾ لوحا من درّة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور، ينظر الله سبحانه فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء، فذلك قوله سبحانه كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ.\nوقال مجاهد وعبيدة بن عمير: من شأنه أن يجيب داعيا ويعطي سائلا ويفكّ غائبا ويشفي سقيما ويغفر ذنبا ويتوب على قوم، وقال سفيان بن عيينة: الدهر كله عند الله سبحانه يومان:\nأحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة، والشأن الذي هو فيه اليوم الذي هو مدة الدنيا، الاختبار بالأمر والنهي والإحياء والإماتة والإعطاء والمنع، وشأن يوم القيامة الجزاء والحساب والثواب والعقاب، وقال الحسين بن الفضل هو سوق المقادير إلى المواقيت.\nويقال: شأنه سبحانه أنّه يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى الأرحام، وعسكرا من الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبور، ثم يرحلون جميعا إلى الله سبحانه، وقال الربيع بن أنس: يخلق خلقا ويميت آخرين ويرزقهم ويكلؤهم. سويد بن جبلة الفراري: يعتق رقابا ويقحم عقابا ويعطي رغابا، وقال بعضهم: هو الجمع والتفريق. أبو سليمان الداراني: هو إيصاله المنافع إليك، ودفعه المضار عنك. فلم نغفل عن طاعة من لا يغفل عنا؟ وقال أيضا: في هذه الآية كل يوم له إلى العبيد برّ جديد.\nويحكى أن بعض الأمراء سأل وزيره عن معنى هذه الآية فلم يعرفه واستمهله إلى الغد، فرجع الوزير إلى داره كئيبا، فقال له غلام أسود من غلمانه: يا مولاي ما أصابك؟ فزجره.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٧/ ١١٧.","vol":"9","page":184},{"text":"فقال: يا مولاي، أخبرني، فلعلّ الله سبحانه يسهّل لك الفرج على يديّ، فأخبره بذلك فقال له:\nعد إلى الأمير وقل له: إن لي غلاما أسود إن أذنت له فسّر لك هذه الآية، ففعل ذلك ودعا الأمير الغلام وسأله عن ذلك فقال: أيها الأمير شأن الله هو انه يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ، ويُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ويُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، ويشفي سقيما، ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ويعافي مبتلى، ويعز ذليلا، ويذل عزيزا، ويفقر غنيا ويغني فقيرا. فقال الأمير: أحسنت يا غلام، قد فرّجت عني. ثم أمر الوزير بخلع ثياب الوزارة وكساها الغلام، فقال: يا مولاي، هذا شأن الله ﷿.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣١ الى ٣٨]</span>\nسَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٢) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٤) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ (٣٥)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٦) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ (٣٧) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٣٨)\nسَنَفْرُغُ لَكُمْ قرأ عبد الله وأبي (سنفرغ إليكم)، وقرأ الأعمش بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية، وقرأ الأعرج بفتح النون والراء. قال الكسائي: هي لغة تميم، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الياء وفتح الراء، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقوله: يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فاتبع الخبر الخبر، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الراء، واختاره أبو حاتم.\nفإن قيل: إن الفراغ لا يكون إلّا عن شغل والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن. قلنا:\nاختلف العلماء في معنى هذه الآية فقال قوم: هذا وعيد وتهديد من الله ﷾ لهم كقول القائل: لأتفرغنّ لك وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك، وقال آخرون: معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم، وقد يقول القائل للذي لا شغل له: قد فرغت لي وفرغت لشتمي، أي أخذت فيه وأقبلت عليه. قال جرير بن الخطفي:\nولما التقى القين العراقي بأسته ... فرغت إلى القين المقيّد بالحجل «١»\nأي قصدته بما يسوؤه، وهذا القول اختيار الفندي والكسائي.\nوقال بعضهم: إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على الفجور، ثم قال: سَنَفْرُغُ لَكُمْ مما أوعدناكم وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم، وننجز لكم ما وعدناكم، ونوصل كلا إلى ما عدناه، فيتمّ ذلك ويفرغ منه، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل وابن زيد، وقال ابن كيسان: الفراغ\n_________\n(١) تاج العروس: ٦/ ٢٥ ونسبه لجرير يهجو الفرزدق.","vol":"9","page":185},{"text":"للفعل هو التوفر عليه دون غيره. أَيُّهَ الثَّقَلانِ أي الجن والإنس، دليله قوله في عقبه يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ سمّيا ثقلين لأنهما ثقل أحياء وأمواتا، قال الله سبحانه: وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها وقال بعض أهل المعاني: كل شيء له قدر ينافس فيه فهو ثقل، ومنه قيل لبيض النعام: ثقل لأن واجده وصائده يفرح إذا ظفر به قال الشاعر:\nفتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر «١»\nوقال النبي ﷺ: «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي»\n[١٦٩] «٢» فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما، وقال جعفر الصادق: سمي الجن والانس ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ولم يقل: استطعتما لأنهما فريقان في حال جمع كقوله سبحانه: فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ وقوله سبحانه:\nهذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ.\nأَنْ تَنْفُذُوا تجوزوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي أطرافها فَانْفُذُوا ومعنى الآية إن استطعتم ان تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا، وانما يقال لهم هذا يوم القيامة، وقال الضحاك: يعني هاربين من الموت، فأخبر أنه لا يجيرهم من الموت ولا محيص لهم منه، ولو نفذوا من أقطار السماوات والأرض كانوا في سلطان الله ﷿ وملكه، وقال ابن عباس: يعني: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموا، ولن تعلموه إلّا بسلطان يعني البيّنة من الله سبحانه. لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ أي حجة.\nقال ابن عباس وعطاء: لا تخرجون من سلطان، وقيل معناه إلّا إلى سلطاني كقوله وَقَدْ أَحْسَنَ بِي أي أحسن أليّ، وقال الشاعر:\nأسىء بنا أفأحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقليّة إن تقلّت\nوفي الخبر «يحاط على الخلق الملائكة وبلسان من نار ثم ينادون: يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ ... فذلك قوله تعالى ...» [١٧٠] .\nيُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ قرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق بكسر الشين، غيرهما بضمّه، وهما لغتان مثل صوار من البقر، وصوار وهو اللهب، قال حسان بن ثابت يهجو أمية بن أبي الصلت:\nهجوتك فاختضعت لها بذلّ ... بقافية تأجج كالشواظ «٣»\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٤٧٢. [.....]\n(٢) مسند احمد: ٣/ ١٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٧١.","vol":"9","page":186},{"text":"وقال رؤبة:\nإن لهم من وقعنا أقياظا ... ونار حرب تسعر الشواظا «١»\nوقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب ليس بدخان الحطب وَنُحاسٌ قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر السين عطفا على النار، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون بالرفع عطفا على الشواظ، واختاره أبو عبيد.\nقال سعيد بن جبير: النحاس: الدخان، وهي رواية أبي صالح وابن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال النابغة:\nيضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا «٢»\nقال الأصمعي: سمعت أعرابيا يقول: السليط: دهن السنام ولا دخان له، وقال مجاهد وقتادة: هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال مقاتل:\nهي خمسة أنهار من صفر ذائب تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل ونهران على مقدار النهار، وقال عبد الله بن مسعود: النحاس: المهل. ربيع: القطر.\nالضحّاك: درديّ الزيت. الكسائي: هو الذي له ريح شديدة فَلا تَنْتَصِرانِ فلا تنتقمان وتمتنعان.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فَإِذَا انْشَقَّتِ انفرجت السَّماءُ فصارت أبوابا لنزول الملائكة، بيانه قوله سبحانه: يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا فَكانَتْ صارت وَرْدَةً\nمشرقة، وقيل: متغيّرة، وقيل: بلون الورد.\nقال قتادة: إنها اليوم خضراء وسيكون لها يومئذ لون آخر كَالدِّهانِ اختلفوا فيه. قال ابن عباس والضحاك وقتادة والربيع: يعني كلون غرس الورد، يكون في الربيع كميتا أصفر، فإذا ضربه أول الشتاء يكون كميتا أحمر، فإذا اشتدّ الشتاء يكون كميتا أغبر، فشبه السماء في تلوّنها عند انشقاقها بهذا الغرس في تلوّنه، وقال مجاهد وأبو العالية: كالدّهن، وهي رواية شيبان عن قتادة، قال: الدهان جمع الدهن، وللدهن ألوان، شبّه السماء بألوانه. [وقال:] عطاء بن أبي رياح: كعصير الزيت يتلوّن في الساعة ألوانا.\n[وقال:] الحسين بن الفضل: كصبيب الدهن يتلوّن. [وقال:] ابن جريج: تذوب السماء كالدهن الذائب وذلك حين يصيبها حر جهنم، [وقال:] مقاتل: كدهن الورد الصافي. [وقال] مؤرخ: كالوردة الحمراء، [وقال:] الكلبي: كالأديم الأحمر، وجمعه أدهنة.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٧/ ٤٤٦.\n(٢) تاج العروس: ٤/ ٢٥٤.","vol":"9","page":187},{"text":"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة، قال: حدّثنا ابن أيوب قال: حدّثنا لقمان الحنفي قال أتى النبي ﷺ على شاب في جوف الليل وهو يقرأ هذه الآية: فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ فوقف الشاب وخنقته العبرة وجعل يقول:\nويحي من يوم تنشق فيه السماء، ويحي، فقال النبي ﷺ: «يا فتى مثلها أو مثّلها، فو الذي نفسي بيده لقد بكت الملائكة يا فتى من بكائك» [١٧١] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٣٩ الى ٦٧]</span>\nفَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٠) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٢) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)\nيَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٥) وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣)\nمُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣)\nمُدْهامَّتانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧)\nفَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قال الحسين وقتادة: لا يسألون عن ذنوبهم، لأن الله سبحانه علمها منهم وحفظها [عليهم] «٢»، وكتبت الملائكة عليهم، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وعنه أيضا لا يسأل الملائكة [المجرمين] «٣» لأنهم يعرفونهم بسيماهم، دليله ما بعده، وإلى هذا القول ذهب مجاهد، وعن ابن عباس أيضا في قوله سبحانه: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ وقوله «٤»: فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ قال: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم لم عملتم كذا وكذا؟، وقال عكرمة أيضا: مواطن يسأل في بعضها ولا يسأل في بعضها، وعن ابن عباس أيضا: لا يسألون سؤال شفاء وراحة، وانما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ، وقال أبو العالية: لا يسأل غير المذنب عن ذنب المجرم.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ وهو سواد الوجه وزرقة العيون فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ فيسحبون إلى النار ويقذفون فيها ثم يقال لهم: هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ المشركون. يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ قد انتهى خبره، وقال قتادة:\nآني طبخه منذ خلق الله السموات الأرض، ومعنى الآية أنهم يسعون بين الجحيم وبين الحميم.\nقال كعب الأحبار: «آن» [وادي] «٥» من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فينطلق بهم وهم في الأغلال فيغمسون في ذلك الوادي حتى تخلع أوصالهم، ثم يخرجون منها وقد أحدث\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ١٤٥ بتفاوت يسير\n(٢) في المخطوط: عليها.\n(٣) في المخطوط: المجرمون.\n(٤) في المخطوط: وقال.\n(٥) في المخطوط: واديا.","vol":"9","page":188},{"text":"الله سبحانه لهم خلقا جديدا، فيلقون في النار فذلك قوله سبحانه: يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ أي مقامه بين يدي ربّه، وقيل: قيامه لربه، بيانه قوله: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وقيل: قيام ربّه عليه، بيانه قوله: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ قال إبراهيم ومجاهد: هو الرجل يهمّ بالمعصية فيذكر الله تعالى فيدعها من مخافة الله. قال ذو النون: علامة خوف الله أن يؤمنك خوفه من كل خوف، وقال السدّي: شيئان مفقودان الخوف المزعج والشوق المقلق.\nجَنَّتانِ بستانان من الياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، ترابهما الكافور والعنبر وحمأتهما المسك الأذفر، كل بستان منهما مسيرة مائة سنة، في وسط كلّ بستان دار من نور.\nقال محمد بن علي الترمذي: جنة بخوفه ربّه، وجنّة بتركه شهوته. قال مقاتل: هما جنّة عدن وجنّة النعيم، وقال أبو موسى الأشعري: جَنَّتانِ من ذهب للسابقين، وجَنَّتانِ من فضة للتابعين.\nوروي أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «هل تدرون ما هاتان الجنتان؟، هما بستانان في بساتين، قرارهما ثابت، وفرعهما ثابت، وشجرهما ثابت» [١٧٢] .\nوأخبرني عقيل إجازة قال: أخبرنا المعافى قراءة قال: أخبرنا محمد بن جرير الطبري قال:\nحدّثني محمد بن موسى الجرشي قال: حدّثنا عبد الله بن الحرث القرشي قال: حدّثنا شعبة بن الحجاج قال: حدّثنا سعيد الحريري عن محمد بن سعد عن أبي الدرداء قال: قرأ رسول الله ﷺ:\nوَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ فقلت: وإن زنى وإن سرق؟، قال: «وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء» [١٧٣] «١» .\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ذَواتا أَفْنانٍ قال ابن عباس: ألوان، وواحدها فن وهو من قولهم: افتنّ فلان في حديثه إذا أخذ في فنون منه وضروب، قال الضحاك: ألوان الفواكه.\nمجاهد: أغصان وواحدها فنن. عكرمة: ظل الأغصان على الحيطان. الحسن: ذواتا ظلال، وهو كقوله: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ. [قال] الضحاك أيضا: ذواتا أغصان وفصول. قال: وغصونها كالمعروشات تمسّ بعضها بعضا، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. [قال] قتادة: ذواتا فضل وسعة على ما سواهما. [قال] ابن كيسان: ذواتا أصول.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ قال ابن عباس: بالكرامة والزيادة على أهل الجنة، وقال الحسن: تجريان بالماء الزلال، إحداهما التسنيم والأخرى السلسبيل.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٧/ ١١٨ بتفاوت.","vol":"9","page":189},{"text":"عطية: إحداهما مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ والأخرى مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ، وقيل: إنهما تجريان من جبل من مسك، وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ لمن كانت له في الدنيا عينان تجريان بالبكاء.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ صنفان.\nقال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرة حلوة أو مرّة إلّا وهي في الجنة حتى الحنظل إلّا أنه حلو.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُتَّكِئِينَ حال عَلى فُرُشٍ جمع فراش بَطائِنُها جمع بطانة مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وهو ما غلظ من الديباج وحسن، وقيل: هو إستبر معرب.\nقال ابن مسعود وأبو هريرة: هذه البطائن فما ظنّكم بالظهائر؟، وقيل لسعيد بن جبير:\nالبطائن من إستبرق فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله سبحانه: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ.\nوعنه أيضا قال: بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وظواهرها من نور جامد، وقال الفرّاء: أراد بالبطائن الظواهر.\nقال المؤرخ: هو بلغة القبط، وقد تكون البطانة ظهارة والظهارة بطانة لأن كل واحد منهما يكون وجها، تقول العرب: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء للذي يراه، وقال عبد الله ابن الزبير في قتلة عثمان: قتلهم الله شرّ قتلة، ونجا من نجا منهم تحت بطون الكواكب، يعني هربوا ليلا، فجعل ظهور الكواكب بطونا.\nقال القتيبي: هذا من عجيب التفسير، وكيف تكون البطانة ظهارة، والظهارة بطانة؟\nوالبطانة من بطن من الثوب، وكان من شأن الناس إخفاؤه، والظهارة ما ظهر منه، ومن شأن الناس إبداؤه، وهل يجوز لأحد ان يقول لوجه المصلي: هذا بطانته، ولما ولي الأرض: هذا ظهارته، لا والله لا يجوز هذا، وانما أراد الله ﷾ ان يعرّفنا لطفه من حيث يعلم فضل هذه الفرش، وأن ما ولي الأرض منها إستبرق، وإذا كانت البطانة كذلك فالظهارة أعلى وأشرف، وكذلك\nقول النبي ﷺ: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذه الحلّة»\n[١٧٤] «١» . فذكر المناديل دون غيرها لأنها أحسن ويصدّق قول القتيبي ما حكيناه عن ابن مسعود وأبي هريرة، والله أعلم.\nوَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ ثمرهما دانٍ قريب يناله القائم والقاعد والنائم\n_________\n(١) كنز العمال: ١١/ ٦٨٦.","vol":"9","page":190},{"text":"فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ غاضات الأعين، قد قصر طرفهن على أزواجهن فلا ينظرن الى غيرهم ولا يردن غيرهم، قال ابن زيد: تقول لزوجها: وعزّة ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن منك، فالحمد لله الذي جعلك زوجي وجعلني زوجك. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ لم يجامعهنّ ولم يفترعهنّ، وأصله من الدم، ومنه قيل للحائض: طامث، كأنه قال لم يدمهن بالجماع. إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ. قال مجاهد: إذا جامع الرجل ولم يسمّ انطوى الجانّ على إحليله فجامع معه فذلك قوله سبحانه: لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ أي لم يجامعهن، ومنه\nقول النبي ﷺ:\n«إذا امرأة ماتت بجمع لم تطمث دخلت الجنة»\n«١» [١٧٥] وقال الشاعر:\nدفعن اليّ لم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام «٢»\nقال سهل: من أمسك طرفه في الدنيا عن اللذات عوّض في الآخرة القاصرات، وقال ارطأة بن المنذر سألت ضمرة بن حبيب: هل للجن من ثواب؟ قال: نعم، وقرأ هذه الآية، قال:\nفالإنسيّات للإنس والجنيّات للجنّ.\nكَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ قال قتادة: صفاء الياقوت في بياض المرجان.\nأخبرنا الحسن بن محمد قال: حدّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدّثنا حازم بن يحيى الحلواني قال: حدّثنا سهل بن عثمان العسكري قال: حدّثنا عبيدة بن حميد عن عطاء بن السائب عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ: «إن المرأة من أهل الجنّة ليرى بياض ساقها من سبعين حلّة حتى يرى مخّها، إن الله ﷾ يقول:\nكَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ فأما الياقوت فإنه حجر لو أدخلت فيه سلكا ثم استصفيته لرأيته من ورائه» [١٧٦] «٣» .\nوروى سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: إن المرأة من الحور العين لتلبس سبعين حلّة فيرى مخّ ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء «٤» .\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ، (هل) في كلام العرب على أربعة أوجه:\nالأول: بمعنى (قد) كقوله: هَلْ أَتى «٥» وهَلْ أَتاكَ «٦» .\n_________\n(١) غريب الحديث: ١/ ١٢٥.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٣٤٥، تفسير القرطبي: ١٧/ ١٨١ وفيه: وقعن بدل دفعن، لسان العرب: ٢/ ١٦٦ وفيه: فهنّ بدل وهنّ.\n(٣) سنن الترمذي: ٤/ ٨٣ ج ٢٦٥٤. [.....]\n(٤) المصدر السابق: ح ٢٦٥٧.\n(٥) سورة الدهر: ١.\n(٦) سورة الغاشية: ١.","vol":"9","page":191},{"text":"والثاني: بمعنى الاستفهام، كقوله سبحانه: فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا «١» .\nوالثالث: بمعنى الأمر، كقوله سبحانه: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «٢» .\nوالرابع: بمعنى (ما) الجحد، كقوله سبحانه: فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ «٣»، وهَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة وابن حمدان والفضل بن الفضل والحسن بن علي ابن الفضل قالوا: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن بهرام قال: حدّثنا الحجاج بن يوسف المكتب قال: حدّثنا بشر بن الحسين عن الزبير بن عدي عن أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله ﷺ هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قال: «هل تدرون ما قال ربكم ﷿؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هل جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلّا الجنّة» [١٧٧] «٤» .\nوحدّثنا أبو العباس بن سهل بن محمد بن سعيد المروزي لفظا بها قال: حدّثنا جدي أبو الحسن محمد بن محمود بن عبيد الله، قال: أخبرنا عبد الله بن محمود، قال: حدّثنا محمّد بن مبشر، قال: حدثنا إسحاق بن زياد الأبلي قال: حدّثنا بشر بن عبد الله الدارمي، عن بشر بن عبادة عن جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران قال: سمعت ابن عمر وابن عباس يقولان: قال رسول الله ﷺ: «هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ يقول الله سبحانه: هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي إلّا أن أسكنه جنّتي وحظيرة قدسي برحمتي» [١٧٨] «٥» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد الملك بن محمد بن عدي قال: حدّثنا صالح بن شعيب الخواص ببيت المقدس قال: حدّثنا عبيدة بن بكار قال: حدّثنا محمد بن جابر اليمامي عن ابن المكندر هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ قال: هل جزاء من أنعمت عليه بالإسلام إلّا الجنّة، وقال ابن عباس: هل جزاء من عمل في الدنيا حسنا، وقال: لا إله إلّا الله، إلّا الجنّة في الآخرة، هل جزاء الذين أطاعوني في الدنيا إلّا الكرامة في الآخرة،\nوقال الصادق: «هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلّا حفظ الإحسان عليه إلى الأبد»\n، وقال محمد ابن الحنفية والحسن: هي مسجلة للبر والفاجر [للفاجر] «٦» في دنياه وللبرّ في آخرته.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ وَمِنْ دُونِهِما يعني: ومن دون الجنتين الأولتين جَنَّتانِ\n_________\n(١) سورة الأعراف: ٤٤.\n(٢) سورة المائدة: ٩١.\n(٣) سورة النحل: ٣٥.\n(٤) زاد المسير: ٧/ ٢٦٩، تفسير ابن كثير: ٤/ ٢٩٩.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٨٣.\n(٦) غير موجودة في المخطوط.","vol":"9","page":192},{"text":"أخريان، واختلف العلماء في معنى قوله وَمِنْ دُونِهِما، فقال ابن عباس: وَمِنْ دُونِهِما في الدرج، وقال ابن زيد: وَمِنْ دُونِهِما في الفضل، قال ابن زيد: هي أربع: جنتان للمقرّبين السابقين فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ، وجنّتان لأصحاب اليمين والتابعين، فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ، وقال أبو معاذ الفضل بن يحيى: أراد غيرهما لأنهما دون الأوليين، وقال الكسائي:\nيعني أمامهما وقبلهما، كقول الشاعر:\nرب خرق من دونها يخرس السفر ... وميل يفضي إلى أميال «١»\nأي قبل الفلاة الأولى، ودليل هذا التأويل قول الضحاك: الجنتان الأوليان من ذهب وفضة، والأخريان من ياقوت وزمرد، وهما أفضل من الأوليين.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُدْهامَّتانِ ناعمتان سوداوان من ريّهما وشدّة خضرتهما لأن الخضرة إذا اشتدت ضربت إلى السواد، قال ذو الرمّة:\nكسا الأكم بهمي غضة حبشية ... تواما ونقعان الظهور الأقارع «٢»\nفجعلها حبشية لما اشتدّت خضرتها، وقيل ملتقيان.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ ممتلئتان قبّاضتان فوّارتان بالماء لا ينقطعان، وقال الحسن بن أبي مسلمد ينبعان ثم يجريان، وقال ابن عباس: تنضحان بالخير والبركة على أهل الجنة، [وقال] ابن مسعود: تنضخان على أولياء الله بالمسك والكافور. سعيد ابن جبير: ضَّاخَتانِ\nبالماء وألوان الفواكه. أنس بن مالك: تنضخ المسك والعنبر في دور أهل الجنة كما ينضخ طش المطر، وأصل النضخ الرش، وهو أكثر من النضخ.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>[سورة الرحمن (٥٥): الآيات ٦٨ الى ٧٨]</span>\nفِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢)\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧)\nتَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)\n_________\n(١) غريب الحديث: ١/ ٣٤٠.\n(٢) لسان العرب: ٨/ ٢٦٩ لفظة: قرع.","vol":"9","page":193},{"text":"فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ كأنما أعاد ذكر النخل والرمان وهما من حملة الفاكهة للتخصيص والتفضيل، كقوله: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ وقوله:\nحافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ثم قال: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وقوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا سحاب بن الحرث قال: أخبرنا علي بن مسير عن مسيعر عن عمرو بن مرّة عن أبي عبيدة قال: إن نخل الجنّة نضدها ما بين أصله إلى فرعه، وثمره كأمثال القلال، كلّما نزعت عادت مكانها أخرى، العنقود منها اثنا عشر ذراعا، وأنهارها تجري في غير أخدود.\nقال: قلت: من حدّثك؟ قال: أما إنّي لم اخترعه، حدّثني مسروق.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «نظرت إلى الجنة فإذا الرمانة من رمانها كجلد البعير المقتب، وإذا طيرها كالبخت، وإذا فيها جارية، قلت: يا جارية، لمن أنت؟\nقالت: لزيد بن حارثة، وإذا في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» [١٧٩] «١» .\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ قال الكسائي: ذكر الله ﷾ الجنتين والجنتين ثم جمعهن فقال: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ قرأ العامة بالتخفيف، وقرأ أبو رجاء العطاردي (خيّرات) بتشديد الياء.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خنيس قال: حدّثنا ابن مجاهد قال: حدّثنا الصاغاني قال: حدّثنا عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أنه قرأ (فيهن خيّرات) بالتشديد، وهما لغتان مثل (هين وهيّن، ولين وليّن) .\nوأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا أحمد بن عبد الرّحمن\n_________\n(١) كنز العمال: ١٤/ ٤٦٠ ج ٣٩٢٦٦","vol":"9","page":194},{"text":"ابن وهب قال: حدّثنا محمد بن الفرج الصدفي عن عمرو بن هاشم عن ابن أبي كريمة عن هشام ابن حسان عن الحسن عن أمه عن أم سلمة قال: قلت لرسول الله ﷺ: أخبرني عن قوله سبحانه: خَيْراتٌ حِسانٌ قال ﷺ: «خيرات الأخلاق حسان الوجوه» [١٨٠] «١» .\nوقال الحسن: خيرات فاضلات. إسماعيل بن أبي خالد: عذارى. جرير بن عبد الله:\nمختارات.\nوقال المفسّرون: خيرات لسن بذربات ولا ذفرات ولا نجرات ولا متطلّعات ولا متشوّقات ولا متسلطات ولا طمّاحات ولا طوّافات في الطرق، ولا يغرن ولا يؤذين.\nوأخبرنا الحسين قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا حامد بن شعيب البخلي قال: حدّثنا سريح بن يونس قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة عن سلام بن مسكر عن قتادة عن عقبة بن عبد الغفّار قال: نساء أهل الجنة يأخذ بعضهن بأيدي بعض ويتغنين بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها: نحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن خَيْراتٌ حِسانٌ حبينا لأزواج كرام.\nوروى الأسود عن عائشة ﵂: أن الحور العين إذا قلن هذه المقالة أجابتهنّ المؤمنات من نساء الدنيا: نحن المصلّيات وما صلّيتن، ونحن الصائمات وما صمتنّ، ونحن المتوضّئات وما توضأتنّ، ونحن المتصدّقات وما تصدقتنّ.\nقالت عائشة: فغلبتهنّ والله.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ محبوسات مستورات في الحجال. يقال للمرأة: قصيرة وقصورة ومقصورة إذا كانت مخدّرة مستورة لا تخرج.\nقال الشاعر:\nوأنت التي حببت كل قصيرة ... إليّ وما تدري بذاك القصائر\nعنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطى شر النساء البحاتر «٢»\n[الراجز] وقيل: قصر بهنّ على أزواجهن فلا يبغين بهم بدلا.\nأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شاذان، حدّثنا القطان «٣»، حدّثنا ابن حسان حدّثني نصر\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٢٣/ ٣٦٨.\n(٢) الصحاح: ٢/ ٧٩٥، ولسان العرب: ٤/ ٨٥. [.....]\n(٣) من هنا إلى بداية سورة الحديد مستدركة من نسخة دمشق لذا سوف تجد عزيزي القارئ بعض الإختلاف في الأسانيد.","vol":"9","page":195},{"text":"العطار، أخبرنا عمر بن سعد عن أبان بن أبي عياش عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أن حوراء بزقت في بحر [لجي] لعذب ذلك البحر من عذوبة ريقها» [١٨١] «١» .\nفِي الْخِيامِ جمع الخيم، قال ابن مسعود: لكل زوجة خيمة طولها ستون ميلا، وتصديق هذا التفسير، ما\nأخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، حدّثنا الفراتي، حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا همام بن يحيى عن أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عبد أبيه، عن النبي ﷺ قال: «الخيمة درة واحدة طولها في السماء ستون ميلا في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون» [١٨٢] «٢» .\nوأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن يحيى بن طلحة اليربوعي، حدّثنا فضل بن [عياض] «٣»، عن هشام عن محمد عن ابن عباس في قوله: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ قال:\nالخيمة لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ لها أربعة آلاف مصراع من ذهب «٤» .\nأخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن [....] «٥» حدّثنا [....] «٦» أبو شعيب عبد الله بن الحسن الحراني، محمد بن موسى القرشي، حدّثنا حماد بن هلال السكري، حدّثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «مررت ليلة أسري بي بنهر حافتاه قباب المرجان فنوديت منه: السلام عليك يا رسول الله.\nفقلت: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء جوار من الحور العين استأذنّ ربهنّ في أن يسلّمن عليك فأذن لهن، فقلن: نحن الخالدات فلا نموت، ونحن الناعمات فلا نيأس «٧» [أبدا ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا] أزواج رجال كرام ثم قرأ رسول الله ﷺ حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ.\nقال: «محبوسات» [١٨٣] «٨» .\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ. لَمْ يَطْمِثْهُنَّ يمسسهن إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ قرأه العامة بكسر الميم وهي إختيار أبي عبيد وأبي حاتم.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ٣٣.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٤٠٠.\n(٣) في المصدر: عياش.\n(٤) تفسير الطبري: ٢٧/ ٢٠٨.\n(٥) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٦) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٧) في بعض الروايات: لا ينبس.\n(٨) تفسير القرطبي: ١٧/ ١٧٩.","vol":"9","page":196},{"text":"وقرأ أبو يحيى الشامي وطلحة بن مصرف: بالضم فيهما، وكان الكسائي يكسر إحداهما ويضم الأخرى مخيّرا في ذلك، والعلة فيه ما أخبرني أبو محمد شيبة بن محمد المقري، أخبرني أبو عمرو محمد بن محمد بن عبدوس حدّثني ابن شنبوذ أخبرني عياش بن محمد الجوهري، حدّثنا أبو عمر الدوري عن الكسائي قال: إذا رفع الأول كسر الآخر، وإذا رفع الآخر كسر الأول. قال: وهي قراءة أبي إسحاق السبيعي. قال: قال أبو إسحاق: كنت أصلي خلف أصحاب علي بن أبي طالب فأسمعهم يقرءون (يَطْمِثْهُنَّ) بكسر الميم، وكان الكسائي يقرأ واحدة برفع الميم والأخرى بكسر الميم لئلا يخرج من هذين الأثرين، وهما لغتان.\nفَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ قال سعيد بن جبير: هي رياض الجنة خضر مخضّبة. وروي ذلك عن ابن عباس. واحدتها رفرفة والرفارف جمع الجمع.\nوروى العوفي عن ابن عباس قال: الرفرف: فضول المجالس البسط. عيره عنه: فضول الفرش والمجالس. قتادة والضحّاك: محابس خضر فوق الفرش.\nالحسن والقرظي: البسط. ابن عيينة: الزرابي. ابن كيسان: المرافق وهي رواية.\nقتادة عن الحسن وأبو عبيدة: حاشية الثوب وغبره: واكل ثوب عريض عند العرب فهو رفرف.\nقال ابن مقبل:\nوإنا لنزّالون نغشى نعالنا ... سواقط من أصناف ريط ورفرف\nوَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ وهي الزرابي والطنافس الثخان وهي جمع، واحدتها عبقرية. وقد ذكر عن العرب أنها تسمى كل شيء من البسط عبقريا «١» .\nقال قتادة: العبقري عتاق الزرابي، وقال مجاهد: هو الديباج.\nأبو العالية: الطنافس المخمّلة إلى الرقة [ما هي] «٢» .\nالحسن: الدرانيك يعني [الثخان] «٣»، القتيبيّ: كل ثوب موشى عند العرب عبقري.\nقال أبو عبيد: هو منسوب إلى أرض يعمل بها الوشي.\nقال ذو الرمّة:\n_________\n(١) راجع لسان العرب: ٤/ ٥٣٥.\n(٢) كذا في المخطوط، وفي لسان العرب: ١/ ٤٤٧ الطنافس لها خمل رقيق.\n(٣) عن تفسير الطبري: ٢٧/ ٢١٣، وفي المخطوط (الثخاخ) .","vol":"9","page":197},{"text":"حتى كأن رياض القف ألبسها ... من وشي عبقر تجليل وتنجيد «١»\nقال: ويقال: إن عبقر أرض يسكنها الجن.\nقال الشاعر [زهير]:\nبخيل عليها جنة عبقرية ... جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا «٢»\nوقال قطرب: ليس هذا بمنسوب. وكل جليل فاضل فاخر من الرجال [وغيرهم] عند العرب عبقري، ومنه الحديث في عمر: فلم أر عبقريا يفري فرّيه.\nحدّثنا أبو محمد الحسن بن علي بن المؤمل بقراءتي عليه، أخبرنا أبو العباس الأصم، حدّثنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصغاني «٣»، حدّثنا الحسين بن محمد، ح.\nوأخبرني الحسين، حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي، حدّثنا محمد بن إبراهيم بن ناصح، حدّثنا أحمد بن زهير بن حرب، حدّثنا أبو أحمد الحسين بن محمد الزوزني الأرطباني وهو ابن عم عبد الله بن عون عن عاصم الجحدري عن أبي بكرة أن النبي ﷺ قرأ (متكئين على رفرف خضر وعباقري حسان فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام) بالواو، شامي وكذلك هو في مصاحفهم.\nالباقون: (ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ) .\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٥٤٢.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٥٣٥. [.....]\n(٣) هكذا في المخطوط، وبعض كتب التراجم ومنهم من دونه: الصاغاني، راجع تهذيب التهذيب: ٩/ ٣٥.","vol":"9","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>سورة الواقعة</span>\nمكية، وهي ألف وسبعمائة وثلاثة أحرف وثلاثمائة وثمان وسبعون كلمة وست وتسعون آية\nأخبرنا أبو الحسين الخبازي عن مرة، عن الشيخ الحافظ ابن أبي عاصم، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبو بكر العطار، حدّثنا السدي بن يحيى عن شجاع عن أبي طيبة الجرجاني قال:\nدخل عثمان بن عفان على عبد الله بن مسعود يعوده في مرضه الذي مات فيه فقال: ما تشتكي؟\nقال: أشتكي ذنوبي. قال: فما تشتهي؟ قال: أشتهي رحمة ربي. قال: أفلا ندعو الطبيب؟\nقال: الطبيب أمرضني. قال: أفلا نأمر بعطائك؟ قال: لا حاجة لي به. قال: أندفعه إلى بناتك؟ قال: لا حاجة لهنّ بها قد أمرتهنّ أن يقرأن سورة الواقعة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ سورة الواقعة في كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» [١٨٤] «١» .\nوأخبرني محمد بن القاسم، حدّثنا عبد الله بن أحمد الشعراني، حدّثنا أحمد بن علي بن رزين، حدّثنا أحمد بن عبد الله العتكي، حدّثنا جرير عن منصور عن هلال بن سياف عن مسروق قال: من أراد أن يتعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ الدنيا ونبأ الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-754>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١ الى ١٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (٢) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (٣) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)\nوَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (٥) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (٦) وَكُنْتُمْ أَزْواجًا ثَلاثَةً (٧) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (٨) وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (٩)\nوَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)\nإِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ أي إذا نزلت صبيحة القيامة وتلك النفخة الأخيرة لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ تكذيب ذكره سيبويه، وهو اسم كالعافية والنازلة والعاقبة، عن الفراء. قال الكسائي: هي\n_________\n(١) بغية الباحث: ٢٢٦، والجامع الصغير: ٢/ ٦٣٤.","vol":"9","page":199},{"text":"بمعنى الكذب كقوله لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً أي لغوا، ومنه قول العامة: عائذ بالله أي معاذ الله، وقم قائما أي قياما.\nولبعض نساء العرب ترقص ابنها:\nقم قائما قم قائما ... أصبت عبدا نائما\nخافِضَةٌ أي هي خافضة رافِعَةٌ تخفض قوما إلى النار وترفع آخرين إلى الجنة.\nوقال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا ورفعت الصوت فأسمعت من نأى يعني أنها أسمعت القريب والبعيد، ورفعت قوما كانوا مذللين فرفعتهم إلى أعلى عليين ووضعت قوما كانوا في الدنيا مرتفعين فوضعتهم إلى أسفل سافلين.\nابن عطاء: خفضت قوما بالعدل ورفعت قوما بالفضل.\nإِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا أي رجفت وزلزلت وحركت تحريكا من قولهم: السهم يرتجّ في الغرض، بمعنى يهتز ويضطرب.\nقال الكلبي: وذلك أن الله ﷿ إذا أوحى إليها اضطربت فرقا.\nوقال المفسرون: ترجّ كما يرجّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء عليها من الجبال وغيرها.\nوأصل الرجّ في اللغة التحريك يقال: رججته فارتجّ [فارتضى عنقه] ورجرجته فترجرج.\nوَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا أي حثّت حثّا وفتت فتا فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول والبسبسة عند العرب الدقيق أو السويق يلتّ ويتخذ زادا.\nوذكر عن لصّ من غطفان أنه أراد أن يخبز فخاف أن يعجّل عن الخبز فقال لا تخبزا خبزا وبسّا بسّا ولا تطيلا بمناخ حبسا.\nوقال عطاء: أذهبت إذهابا قال سعيد بن المسيب والسدي: كسرت كسرا.\nالكلبي: سيّرت عن وجه الأرض تسييرا. مجاهد: لتّت لتّا.\nالحسن: قلعت من أصلها فذهبت بعد ما كانت صخرا صماء: نظيرها فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا «١» .\nعطية: بسطت بسطا كالرمل والتراب.\nابن كيسان: جعلت كثيبا مهيلا بعد أن كانت شامخة طويلة.\n_________\n(١) سورة طه: ١٠٥.","vol":"9","page":200},{"text":"فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا قال ابن عباس: شعاع الشمس حين يدخل من الكوّة.\nعلي ﵁: رهج الدوابّ «١» .\nعطية: ما تطاير من شرر النار، قتادة: حطام الشجر.\nوقراءة العامة: مُنْبَثًّا بالثاء أي متفرقا، وقرأ النخعي بالتاء أي منقطعا.\nوَكُنْتُمْ أَزْواجًا أصنافا ثَلاثَةً ثم بيّن من هم فقال عز من قائل: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة.\nوقال ابن عباس: وهم الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت الذرية من صلبه. وقال الله [إن] «٢» هؤلاء في الجنة ولا أبالي.\nوقال الضحّاك: هم الذين يعطون كتبهم بإيمانهم.\nوقال الحسن والربيع: هم الذين كانوا ميامين مباركين على أنفسهم، وكانت أعمارهم في طاعة الله ﷿، وهم التابعون بإحسان.\nثم عجّب نبيه ﷺ فقال: ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وهذا كما يقال: زيد ما زيد، يراد زيد شديد.\nوَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ أي الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى شؤمى.\nقال الشاعر:\nالسهم والشرى «٣» في شؤمى يديك لهم ... وفي يمينك ماء المزن «٤» والضرب «٥»\nومنه الشام واليمن لأن اليمن عن يمين الكعبة والشام عن شمالها إذا [دخل الحجر] «٦» تحت الميزاب.\nوهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار.\nوقيل: هم الذين كانوا على شمال آدم عند إخراج الذرية، وقال الله لهم هؤلاء في النار ولا أبالي.\n_________\n(١) راجع الجامع لأحكام القرآن: ١٧/ ١٩٧.\n(٢) في المخطوط: إنهم.\n(٣) كذا في المخطوط.\n(٤) المزن: السحاب الأبيض.\n(٥) هكذا في الأصل.\n(٦) كلمتان غير مقروءتين والظاهر ما أثبتناه.","vol":"9","page":201},{"text":"وقيل: هم الذين يؤتون كتبهم بشمائلهم.\nوقال الحسن: هم المشائيم على أنفسهم، وكانت أعمارهم في المعاصي.\nما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ قال ابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين دليله قوله وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ.\nأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حمران، حدّثنا أبي، حدّثنا محمد بن داود الدينوري، حدّثنا [.....] «١» عن ابن بن الجارود عن عبد الغفور ابن أبي الصباح عن ابن علي، عن كعب في قول الله ﷿: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ قال: هم أهل القرآن وهم المتوجون يوم القيامة.\nوأخبرني الحسين، حدّثنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا أبو شعيب، حدّثنا عبد الله بن الحسن الحراني، حدّثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، حدّثنا الأوزاعي قال: سمعت عثمان بن أبي سودة يقول: السَّابِقُونَ أولهم رواحا إلى المسجد وأولهم خروجا في سبيل الله ﷿.\nوأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، حدّثنا سياد بن حاتم، حدّثنا عبد الله بن شميط قال: سمعت أبي يقول: الناس ثلاثة: فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج عن الدنيا فهذا السابق المقري، ورجل ابتكر عمره بالذنوب وطول الغفلة ثم تراجع بتوبة فهذا صاحب يمين، ورجل ابتكر الشر في حداثته ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا فهذا صاحب الشمال.\nوقال ابن عباس: السَّابِقُونَ إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.\nوقال علي بن أبي طالب: إلى الصلوات الخمس.\nعكرمة: إلى الإسلام. الضحاك: إلى الجهاد. القرظي: إلى كل خير. سعيد بن جبير: هم المسارعون إلى التوبة وإلى أعمال البر. نظيره وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ «٢» سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ «٣» .\nثم أثنى عليهم فقال عزّ من قائل أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ الربيع عن أنس: السَّابِقُونَ إلى إجابة الرسول في الدنيا، وهم السابقون إلى الجنة في العقبى.\nابن كيسان: السَّابِقُونَ إلى كل ما دعا الله ﷾ إليه.\nأُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ إلى الله فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ.\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) سورة آل عمران: ١٣٣.\n(٣) سورة الحديد: ٢١.","vol":"9","page":202},{"text":"أخبرني الحسين، حدّثنا علي بن إبراهيم بن موسى الموصلي، حدّثنا محمد بن مخلد العطار، محمد بن إسماعيل، حدّثنا وكيع، حدّثنا شعبة ومسعر عن سعد بن إبراهيم عن عروة بن الزبير قال: كان يقال «١»: تقدموا تقدموا.\nوأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن ماجة، حدّثنا ابن أيوب، حدّثنا القطواني، حدّثنا سيار، حدّثنا جعفر حدّثني عوف حدّثني رجل من أهل الكوفة قال: بلغني أنه إذا خرج رجل من السابقين المقربين من مسكنه في الجنة كان له ضوء يعرفه من دونه فيقول: هذا ضوء رجل من السابقين المقربين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ١٣ الى ٢٩]</span>\nثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)\nبِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)\nكَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلاَّ قِيلًا سَلامًا سَلامًا (٢٦) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ (٢٧)\nفِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)\nثُلَّةٌ جماعة مِنَ الْأَوَّلِينَ أي الأمم الماضية وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ أمّة محمد ﷺ عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مرمولة منسوجة مشبكة بالذهب والجواهر، قد اتّصل بعضها في بعض، كما توضن حلق الدرع [......] «٢» بعضها في بعض مضاعفة.\nومنه قول الأعشى:\nومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحيّ عيرا فعيرا «٣»\nوقال أيضا:\nوبيضاء كالنهي موضونة لها ... قونس فوق جيب البدن «٤»\nومنه وضين الناقة وهو البطان من السيور إذا نسج بعضه على بعض مضاعفا كحلق الدرع.\nقال الكلبي: طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت فإذا جلس عليها ارتفعت.\nوقال الضحاك: مَوْضُونَةٍ مصفوفة، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس. يقال:\nآجر موضون إذا صفّ بعضها على بعض.\n_________\n(١) كذا في المخطوط والصواب: يقول.\n(٢) بياض في المخطوط. [.....]\n(٣) لسان العرب: ١٣/ ٤٥٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٨/ ٣٨٠.","vol":"9","page":203},{"text":"مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ في الزيارة لا ينظر بعضهم في قفا بعض يَطُوفُ عَلَيْهِمْ للخدمة وِلْدانٌ غلمان مُخَلَّدُونَ أي لا يموتون عن مجاهد، وقال الكلبي: لا يهرمون ولا يكبرون ولا ينقصون ولا يتغيرون، وليس كخدم الدنيا يتغيرون من حال إلى حال.\nابن كيسان: يعني [ولدانا مخلدين] «١» لا يتحولون من حالة إلى حالة، عكرمة: منعمون.\nسعيد بن جبير: مقرّطون.\nقال المؤرّخ: ويقال للقرط الخلد.\nقال الشاعر:\nومخلدات باللجين كأنما ... أعجازهن أفاوز الكثبان «٢»\nوقال علي والحسن: «هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها، لأن الجنة لا ولادة فيها» «٣» .\nوفي الحديث: «أطفال الكفار خدم أهل الجنة» «٤» .\nبِأَكْوابٍ جمع كوب وَأَبارِيقَ جمع إبريق، سمي بذلك لبريق لونه وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ خمر جارية لا يُصَدَّعُونَ عَنْها لا تصدّع رؤوسهم عن شربها وَلا يُنْزِفُونَ وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ يختارون ويشتهون.\nأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا ذكّار، حدّثنا هناد، حدّثنا أبو معونة عن عبيد الله بن الوليد عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة لطيرا فيه سبعون ألف ريشة، فيجيء فيقع على صحيفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض، فيخرج من كل ريشة لون أبيض من الثلج والبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه ثم يطير فيذهب» [١٨٥] «٥» .\nوَحُورٌ عِينٌ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي والمفضل بكسر الواو والنون أي وبحور عين، أتبعوا الآخر الأول في الا عراب على اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهنّ، كقول الشاعر:\nإذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا «٦»\n_________\n(١) في المخطوط: مخلدين ولدانا.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ١٦٤.\n(٣) كنز العمال: ١٤/ ٤٩٨ ح ٣٩٤١٢ وفيه عن الحسن بن علي.\n(٤) المصدر السابق وفيه: هم خدم أهل الجنة.\n(٥) كنز العمال: ١٤/ ٤٦٢- ٤٦٣، والدر المنثور: ٦/ ١٥٦.\n(٦) تفسير الطبري: ٢٧/ ٢٢٩.","vol":"9","page":204},{"text":"والعين لا تزجج وإنما تكحل.\nوقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا، ومثله كثير.\nوقرأ إبراهيم النخعي واشهب العقيلي: (وحورا عينا) بالنصب، وكذلك هو في مصحف أبيّ، على معنى: ويزوّجون حورا عينا. وقال الأخفش: رفع بخبر الصفة، أي لهم حور عين.\nوقيل: هو ابتداء وخبره فيما بعده.\nأخبرنا الحسين، حدّثنا محمد بن الحسن بن صقلاب، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن بشير ابن يوسف بن النضر، حدّثنا بكر بن سهل الدمياطي، حدّثنا عمرو بن هاشم، حدّثنا سليمان بن أبي كرعة، عن هشام بن حسان، عن الحسن، عن أمه، عن أم سلمة قالت: قلت: يا رسول الله أخبرني عن قول الله ﷿ حُورٌ عِينٌ؟ قال: «حور بيض عين ضخام العيون» [١٨٦] «١» .\nأخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن صقلاب، حدّثنا أبو بكر بن أبي الخصيب حدّثني محمد بن غالب حدّثنا الحرث بن خليفة، حدّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من الزعفران» [١٨٧] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن يودة، حدّثنا عبيد بن عبد الواحد بن شريك البزاز، حدّثنا سليمان بن عبد الرحمن ابن بنت شرحبيل، حدّثنا خالد بن يزيد، عن أبي مالك، عن أبيه عن خالد بن معدان، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يدخل الجنة إلّا وهو يزوّج ثنتين وسبعين زوجة، ثنتين من الحور العين وسبعين من ميراثه من أهل النار، وليس منهن امرأة إلّا ولها قبل شهيّ وله ذكر لا ينثني» [١٨٨] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عثمان بن نصر البغدادي، حدّثنا محمد بن مهاجر أبو حنيف، حدّثنا حلبس بن محمد الكلابي، حدّثنا سفيان الثوري، عن منصور أو المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «يسطع نور في الجنة فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها» [١٨٩] «٤» .\nوروي أن الحوراء إن مشت سمع تقديس الخلاخيل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها، وإن عقد الياقوت يضحك من نحرها، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكها من لؤلؤ تصرّان بالتسبيح.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٣١٢، والمعجم الأوسط ٣/ ٢٧٨ بتفاوت.\n(٢) المعجم الأوسط: ١/ ٩٥، وتفسير الطبري: ٢٧/ ٢٣١.\n(٣) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤٥٢ ح ٤٣٣٧.\n(٤) تاريخ بغداد: ١١/ ١٦٣.","vol":"9","page":205},{"text":"وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول: اخطب زوجة [لا تسلبها] منك المنايا، وأعرس بها في دار لا يخربها دوران البلايا وشبّك لها حجلة لا تحرقها نيران الرزايا.\nوقال مجاهد: سميت حورا لأنه يحار فيهن الطرف.\nكَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ المخزون في الصدف الذي لم تمسّه الأيدي جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا إِلَّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا في نصبهما وجهان:\nأحدهما: إتباع للقيل.\nوالثاني: على «١» (يسمعون سلاما)، ثم رجع إلى ذكر منازل أصحاب الميمنة فقال وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ لا شوك فيه، كأنه خضّد شوكها أي قطع ونزع.\nومنه\nالحديث في المدينة: «لا يخضد شوكها ولا يعصر شجرها»\n«٢» وهذا قول ابن عباس وعكرمة وقسامة بن زهير.\nوقال الحسن: لا تعقر الأيدي. قتادة: هو الذي لا يرد اليد منها شوك ولا بعد.\nوقال الضحّاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: هو الموقر حملا.\nقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من الفلال. وقال ابن كيسان: هو الذي لا أذى فيه.\nقال: وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما تكون في الدنيا من الباقلاء وغيره، بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.\nقال أبو العالية والضحّاك: نظر المسلمون إلى وجّ وهو واد مخصب بالطائف، وأعجبهم سدرها.\nوقالوا: يا ليت لنا مثل هذا، فأنزل الله ﷿ وَطَلْحٍ وموز واحدتها طلحة، عن أكثر المفسرين.\nوقال الحسن: ليس هو موزا ولكنه شجر له ظلّ بارد طيب.\nوقال الفراء وأبو عبيدة: الطلح عند العرب شجر عظام لها شوك.\nقال بعض الحداة:\nبشرها دليلها وقالا ... غدا ترين الطلح والجبالا\n_________\n(١) فيكون نصبه بوقوع القيل عليه.\n(٢) التبيان في تفسير القرآن: ٩/ ٤٩٦. [.....]","vol":"9","page":206},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حيان، حدّثنا ابن مروان، حدّثنا أبي، حدّثنا إبراهيم بن عيسى، حدّثنا علي بن علي قال: زعم أبو حمزة الثمالي عن الحسن مولى الحسن بن علي أن عليا قرأ: وطلع منضود.\nوأنبأني عقيل، أنبأنا المعافي محمد بن جرير، حدّثنا سعيد بن يحيى، حدّثنا أبي، حدّثنا مجالد عن الحسن بن سعد عن قيس بن سعد قال: قرأ رجل عند علي ﵁ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ فقال علي: «وما شأن الطلح؟ إنما هو طلع منضود» «١» ثم قرأ «طَلْعٌ [نَضِيدٌ] منضود» .\nفقلت: إنها في المصحف بالحاء فلا تحوّلها؟ فقال: «إن القرآن لا يهاج [اليوم] ولا يحوّل» «٢» .\nوالمنضود: المتراكم الذي قد نضد بأكمله من أوله إلى آخره، ليست له سوق بارزة.\nقال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أغصانها ثمر كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٠ الى ٣٧]</span>\nوَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (٣٣) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)\nإِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧)\nوَظِلٍّ مَمْدُودٍ دائم لا تسخنه الشمس.\nقال الربيع: يعني ظل العرش. عمرو بن ميمون: مسيرة سبعين ألف سنة.\nقال أبو عبيدة: تقول العرب للدهر الطويل والعمر الطويل، وللشيء الذي لا ينقطع:\nممدود.\nقال لبيد:\nغلب العزاء وكنت غير مقلب ... دهر طويل دائم ممدود «٣»\nحدّثنا أبو محمد مهدي بن عبد الله بن القاسم بن الحسن العلوي إملاء في شهر ربيع الأول سنة تسع وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو بكر جعفر بن محمد الحجاج حدّثني محمد بن يونس الكديمي، حدّثنا أبو عامر العقدي، حدّثنا زمعة بن صالح عن سلمة عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ قال: شجرة في الجنة على ساق يخرج إليها أهل الجنة، أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في أصلها ويتذكر بعضهم ويشتهي بعضهم لهو الدنيا فيرسل الله ﷿ عليها ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٧/ ٢٣٤ وفيه: ثم قرأ: طلعها هضيم، فقلنا: أولا نحولها.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٠٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٠٩ وفي جامع البيان للطبري (البقاء) بدل (العزاء): ٢٧/ ٢٣٦.","vol":"9","page":207},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا محمد بن حبيش بن عمر المقرئ، حدّثنا ذكار بن الحسن، حدّثنا هناد بن السري، حدّثنا عبدة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة لا يقطعها، اقرءوا إن شئتم قول الله ﷿: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ» [١٩٠] «١» .\nوَماءٍ مَسْكُوبٍ مصبوب يجري دائما في غير أخدود لا ينقطع.\nأخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن يوسف، حدّثنا محمد بن موسى الحلواني، حدّثنا خزيمة بن أحمد الباوردي، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا الحسين بن علي الجعفي، حدّثنا مزاحم بن داود بن علبة «٢» قال: مات أخ لي وكان بارا بأمّه فرأيته فيما يرى النائم فقلت له: أي أخي إن أخاك يحب أن يعلم إلى أي شيء صرت؟\nفقال لي: أنا فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ وَماءٍ مَسْكُوبٍ.\nوَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ بالأزمان وَلا مَمْنُوعَةٍ بالأثمان.\nوقال القتيبي: لا محظور عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. وقيل: لا تنقطع الثمرة إذا جنيت، بل تخرج مكانها مثلها.\nأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن شيبة، حدّثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدّثنا محمد بن حسان الأزرق، حدّثنا ريحان بن سعيد، حدّثنا عباد بن كثير عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ: «ما قطعت من ثمار الجنة إلّا أبدل الله مكانها ضعفين» [١٩١] .\nوَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ\nأخبرنا أبو علي بن أبي عمرو الجيري الجرشي، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسن بن هارون، حدّثنا عمار بن عبد الجبار، حدّثنا رشيد، ح «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبش، حدّثنا أبو عبد الرحمن الشائي، حدّثنا أبو كريب، حدّثنا رشد بن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة قالا: قال رسول الله ﷺ في قوله وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ قال: «إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام» [١٩٢] «٤» .\n_________\n(١) المصنف لعبد الرزاق: ١١/ ٤١٧، ومسند أبي الجعد: ١٧٧.\n(٢) في كتب الرجال: محمد بن غلبة، تهذيب التهذيب: ١٠/ ٩٠ رقم ١٨٣.\n(٣) هذا الحرف علامة توضع بين سندين للدلالة على اشتراكهما في الراوي الذي بعدها: أنظر معجم الرموز والإشارات: ١١٥- ١١٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٢٧/ ٢٤٠","vol":"9","page":208},{"text":"وقال أبو امامة الباهلي: لو طرح فراش من أعلاها إلى أسفلها لم يستقر إلّا بعد سبعين خريفا.\nوقال علي بن أبي طالب: مَرْفُوعَةٍ على الأسرة.\nوقيل: إنه أراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة فراشا ولباسا وإزارا على الاستعارة، لأن الفرش محل للنساء مَرْفُوعَةٍ رفعن بالجمال والفضل على نساء أهل الدنيا.\nودليل هذا التأويل قوله في عقبه إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عذارى عُرُبًا عرائس متحببات إلى أزواجهن. قاله الحسن وقتادة وسعيد بن جبير وهي رواية الوالبي عن ابن عباس وعكرمة عنه ملقة. وقال عكرمة: غنجة.\nابن بريدة: الشركلة بلغة مكة. والمغنوجة بلغة المدينة.\nوأخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد الحافظ، حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان، حدّثنا عبيد الله بن ثابت بن أحمد، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا ابن يمان عن اسامة بن زيد عن أبيه عُرُبًا قال: حسنات الكلام.\nوأخبرني أبو عبد الله الحافظ أحمد بن محمد بن إسحاق السنيّ، حدّثنا حامد بن شعيب البلخي، حدّثنا سريج بن يونس، هشام، حدّثنا مغيرة عن عثمان عن تيم بن حزام قال: هي الحسنة التبعل وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل إنها لعربة واحدتها عروب.\nأَتْرابًا مستويات في السنّ.\nعن ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، الفراتي، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «يدخل أهل الجنة الجنة مردا بيضا جعادا مكحلين أبناء ثلاث وثلاثين على خلق آدم، طوله ستون ذراعا في سبعة أذرع» «١» [١٩٣] .\nقال المفسرون: هذه صفات نساء الدنيا ومعنى قوله أَنْشَأْناهُنَّ خلقناهن بعد الخلق الأول، وبهذا جاءت الأخبار.\nأخبرني الحسين، محمد بن الحسن الثقفي، حدّثنا محمد بن الحسن بن علي اليقطيني، حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي، حدّثنا صفوان بن صالح، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد العزيز بن الحصين عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وعندها عجوز من بني عامر فقال: «من هذه العجوز عندك يا عائشة؟» قالت: إحدى خالاتي يا رسول الله فقال: «إن الجنة لا تدخلها عجوز» فبلغ ذلك من\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٤٣ وفيه: سبعون ذراعا، وفي لفظ له متفاوت ص ٢٩٥: ستون ذراعا.","vol":"9","page":209},{"text":"العجوز كل مبلغ، فلما رجع النبي ﷺ ذكرت له عائشة ما لقيت العجوز فقال: «إنها إذا دخلت الجنة أنشئت خلقا آخر» [١٩٤] «١» .\nوأخبرني الحسين، حدّثنا أبو زرعة أحمد بن الحسين بن علي الرازي، حدّثنا أبو علي الحسين بن إسماعيل الفارسي نزيل بخارى، حدّثنا عيسى بن عمرو بن [ميمون] البخاري حدّثنا المسيب بن إسحاق، حدّثنا عيسى بن موسى غنجار، حدّثنا إسماعيل بن أبي زياد عن يونس بن عبيد عن الحسن عن أم سلمة زوج النبي ﷺ إنها قالت: سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا أَتْرابًا. فقال: «يا أم سلمة، هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا عمشا رمصا جعلهن الله ﷿ بعد الكبر أَتْرابًا على ميلاد واحد في الاستواء» [١٩٥] «٢» .\nوأخبرني الحسين بن محمد، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علوية، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب بن شريك إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا.\nقال: هنّ عجائز الدنيا أنشأهن الله ﷿ خلقا جديدا، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن أبكارا، فلما سمعت عائشة قالت: وا وجعا. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك وجع» [١٩٦] «٣» .\nوأخبرني الحسين، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي أبو مسلم الكجيّ، حدّثنا حجاج، حدّثنا مبارك، حدّثنا الحسن بن أبي الحسن إن امرأة عجوزا [كبيرة] «٤» أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنة. قال: «يا أم فلان إن الجنة لا تدخلها العجائز» فولت وهي تبكي.\nفقال رسول الله ﷺ: «أخبروها ليست يومئذ بعجوز «٥» فإن الله ﷿ قال إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا أَتْرابًا» [١٩٧] «٦» .\nوبإسناد المسيب، حدّثنا عبد الرحمن الأفريقي عن سعد بن مسعود قال: إذا دخلت الجنة نساء الدنيا فضّلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.\nوأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الطيب، حدّثنا أبو سعيد عمرو بن محمد بن\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ٤١٩، والشمائل المحمدية: ١٩٩ بتفاوت.\n(٢) المعجم الكبير: ٢٣/ ٣٦٨، وتفسير القرطبي: ١٧/ ٢١٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢١١.\n(٤) في المخطوط: كبيرا.\n(٥) في المصدر زيادة: وإنها يومئذ شابة.\n(٦) تفسير مجاهد: ٢/ ٦٤٨. [.....]","vol":"9","page":210},{"text":"منصور، حدّثنا أبو بكر محمد بن سليمان بن الحرث الواسطي ببغداد، حدّثنا خلاد بن يحيى بن صفوان السلمي، حدّثنا سفيان الثوري عن يزيد بن ابان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ في قوله إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً قال: «عجائزكنّ في الدنيا عمشا رمصا فجعلهن إبكارا» «١» .\nوقيل هي الحور العين.\nأخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الملك العثماني، حدّثنا العباس، حدّثنا الوليد عبد الله بن هارون عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «خلق الحور العين من تسبيح الملائكة فليس فيهن أذى»\n«٢» [١٩٨] قال الله ﷿ إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا عُرُبًا عواشق لأزواجهن أَتْرابًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٣٨ الى ٧٨]</span>\nلِأَصْحابِ الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠) وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢)\nوَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦) وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)\nأَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ (٤٨) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)\nفَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ (٥٧)\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ (٦٢)\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧)\nأَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢)\nنَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧)\nفِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)\nلِأَصْحابِ الْيَمِينِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من الأمم الماضية وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ من أمة محمد ﷺ.\nأخبرني الحسين، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق، حدّثنا محمد بن الوليد القرشي وعيسى بن المساور واللفظ له قالا: حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عيسى بن موسى أبو محمد وغيره، عن عروة بن دويم قال: لما أنزل الله ﷿ على رسوله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ بكى عمر ﵁ فقال: يا نبي الله ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ؟ آمنا برسول الله وصدقناه ومن ينجو منّا قليل فأنزل الله ﷿ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ فدعا رسول الله عمر فقال: «يا بن الخطاب قد أنزل الله ﷿ فيما قلت، فجعل: ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ.\nفقال عمر: رضينا عن ربنا ونصدق نبينا.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٣١٢.\n(٢) كنز العمال: ١٤/ ٥١٩ ح ٣٩٤٦٨.","vol":"9","page":211},{"text":"فقال رسول الله ﷺ: «من آدم إلينا ثلة ومني إلى [يوم] القيامة ثلة ولا يستتمها إلّا سودان من رعاة الإبل من قال لا إله إلّا الله» [١٩٩] «١» .\nوأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن محمد بن جرير، حدّثنا بشر، حدّثنا يزيد، حدّثنا سعيد عن قتادة قال الحسن: حدّثني عمر بن أبي حصين عن عبد الله بن مسعود قال: تحدثنا عند رسول الله ﷺ ذات ليلة حتى أكرينا الحديث ثم رجعنا إلى أهلنا فلما أصبحنا غدونا على رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: «عرضت عليّ الأنبياء الليلة بأتباعها من أمتها، وكان النبي يجيء معه الثلاثة من أمته والنبي معه العصابة من أمّته والنبي معه النفر من أمّته والنبي معه الرجل من أمته والنبي ما معه من أمّته أحد حتى أتى موسى في كبكبة بني إسرائيل، فلما رأيتهم أعجبوني فقلت: أي رب من هؤلاء؟ قيل: هذا أخوك موسى بن عمران ومن حفه من بني إسرائيل.\nقلت: ربي فأين أمتي؟ قيل: انظر عن يمينك فإذا ظراب «٢» مكة قد سدّت بوجوه الرجال.\nفقلت: من هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء أمّتك أرضيت؟ فقلت: رب رضيت، قيل: انظر عن يسارك فإذا الأفق قد سدّ بوجوه الرجال.\nفقلت: رب من هؤلاء؟ قيل: هؤلاء أمتك أرضيت؟ قلت: رب رضيت، فقيل: إن مع هؤلاء سبعين ألفا من أمتك يدخلون الجنة. لا حساب عليهم.\nقال: فأنشأ كاشة بن محصن- رجل من بني أسد بن خزيمة فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم فقال: «اللهم اجعله منهم» ثم أنشأ رجل آخر فقال: يا نبي الله ادع ربك أن يجعلني منهم.\nقال: «سبقك بهما عكاشة» .\nفقال ﷺ: «فداكم أبي وامي إن استطعتم أن تكونوا من السبعين فكونوا، وإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الظراب، فإن عجزتم وقصرتم فكونوا من أهل الأفق، فإني قد رأيت ثم أناسا يتهاوشون كثيرا» .\nقال: فقلت: من هؤلاء السبعون ألفا؟ فاتفق رأينا على أنهم أناس ولدوا في الإسلام فلم يزالوا يعملون به حتى ماتوا عليه فنهي حديثهم إلى رسول الله ﷺ فقال: «ليس كذلك ولكنهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» .\nثم قال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن يكون من تبعني من امتي ربع أهل الجنة» فكبّرنا ثم\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ٢٧٠.\n(٢) الظراب: الجبال، والظرب من الحجارة ما كان أصله ناتئا في جبل أو أرض حزنة، كتاب العين: ٨/ ١٥٩، وقيل: هي الروابي الصغار، الصحاح: ١/ ١٧٤- الظرب.","vol":"9","page":212},{"text":"قال: «إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة» فكبّرنا. ثم قال: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة» ثم تلا رسول الله ﷺ هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ [٢٠٠] «١» .\nوقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحّاك ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ يعني من سابقي هذه الأمة وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ من هذه الأمة في آخر الزمان.\nيدل عليه ما\nأخبرنا الحسين بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني، حدّثنا أبو خليفة الفضل بن الحباب محمد بن كثير، حدّثنا سفيان عن أبان بن أبي عياش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال: قال رسول الله ﷺ: «هما جميعا من أمتي» [٢٠١] «٢» .\nوَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ فِي سَمُومٍ ريح حارة وَحَمِيمٍ ماء حار وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ دخان شديد السواد. تقول العرب: أسود يحموم إذا كان شديد السواد.\nوأنشد قطرب:\nوما قد شربت ببطن [مكة] ... فراتا لمد كاليحموم جاري\nوقال ابن بريدة: اليحموم جبل في جهنم يستغيث إلى ظله أهل النار «٣» لا بارِدٍ بل حار لأنه من دخان سعير جهنم وَلا كَرِيمٍ ولا عذب عن الضحّاك، سعيد ابن المسيب والحسن: نظيره: مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ «٤» .\nمقاتل: طيب. قتادة: لا بارِدٍ المنزل وَلا كَرِيمٍ المنظر.\nقال الفراء: يجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا فيه ذم «٥» .\nوقال ابن كيسان: اليحموم اسم من أسماء النار. وقال الضحّاك: النار سوداء وأهلها سود وكل شيء فيها أسود.\nإِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ في الدنيا مُتْرَفِينَ منعّمين وَكانُوا يُصِرُّونَ يقيمون عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ على الذنب الكبير، وهو الشرك.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٤٢٠ وفيه الى قوله: سبقك بها عكاشة، وتاريخ جرجان: ٣٧٣، والمستدرك: ٤/ ٥٧٨.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٢٤٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢١٣.\n(٤) سورة الشعراء: ٧.\n(٥) كقولهم: ما هذه بدار واسعة ولا كريمة.","vol":"9","page":213},{"text":"وقال أبو بكر الأصم: كانوا يقسمون أن لا بعث، وأن الأصنام أنداد لله وكانوا يقيمون عليه فذلك حنثهم.\nوَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ لحق أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ثم يقال لهم: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ.\nقرأ أهل المدينة وعاصم وحمزة والأعمش وأيوب: (شُرْبَ) بضم الشين، واختاره أبو حاتم، وقرأ الباقون: بفتحه، واختاره أبو عبيد.\nوروي عن الكسائي عن يحيى بن سعيد عن جريج إنه قال: ذكرت لجعفر بن محمد قراءة أصحاب عبد الله (شَرْبَ الْهِيمِ) بفتح الشين، فقال: «أما بلغك إن رسول الله ﷺ بعث بديل بن ورقاء الخزاعي إلى أهل منى في أيام التشريق فقال: «إنها أيام أكل وشرب» [٢٠٢] «١» .\nويقال هي بفتح الشين [و.......] «٢» وهما لغتان جيدتان.\nتقول العرب: شربت شربا وشربا وشربا بضمتين.\nوقال أبو زيد الأنصاري: سمعت العرب تقول: شربت شربا، بكسر الشين.\nوأما (الهيم) فالإبل العطاش. وقال عكرمة وقتادة: هو داء بالإبل لا تروى [معه] «٣» ولا تزال تشرب حتى تهلك ويقال لذلك الداء الهيام، ويقال: حمل أهيم وناقة هيماء وإبل هيم.\nقال لبيد:\nأجزت على معارفها بشعث ... وأطلاح من المهري هيم «٤»\nوقال الضحّاك وابن عيينة وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل.\nهذا نُزُلُهُمْ رزقهم وغذاؤهم وما أعدّ لهم يَوْمَ الدِّينِ نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ بالبعث أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ تصبون في الأرحام من النطف؟.\nوقرأ أبو السماك: (تَمْنُونَ) بفتح التاء وهما لغتان.\nأَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنا [قرأ مجاهد وحميد وابن محيصن (قَدَرْنا)\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٣/ ٢٠٤، والمعجم الأوسط: ٧/ ١٦٩.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) في المخطوط: معها.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢١٥.","vol":"9","page":214},{"text":"بتخفيف الدال] «١»، الباقون بالتشديد بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ فمنكم من يعيش إلى أن يبلغ الهرم، ومنكم من يموت شابا وصبيا صغيرا وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عاجزين عن إهلاككم عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ\nأو إبدالكم بامثالكم وَنُنْشِئَكُمْ\nونخلقكم فِي ما لا تَعْلَمُونَ\nمن الصور. قال مجاهد: في أي خلق شئنا.\nوقال سعيد بن المسيب فِي ما لا تَعْلَمُونَ\nيعني في حواصل طير تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف، وبرهوت واد باليمن. وقال الحسن وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ\nأي نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم.\nوقال السدي: نخلقكم في سوى خلقكم.\nوَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الخلقة الْأُولى ولم تكونوا شيئا، فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ أي قادر على إعادتكم كما قدرت على إبدائكم.\nوقال الحسين بن الفضل في هذه الوجوه: وإن كانت غير مردودة، فالذي عندي في هذه الآية وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى\nأي خلقتكم للبعث بعد الموت من حيث لا تعلمون كيف شئت وذلك أنكم علمتم النشأة الأولى كيف كانت في بطون الأمهات وليست الأخرى كذلك.\nأَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أي تثيرون الأرض وتعملون فيها وتطرحون البذر أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ تنبتونه أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ؟.\nأخبرني الحسين، حدّثنا عمر بن محمد بن علي الزيات، حدّثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن مرزوق، حدّثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي، حدّثنا مخلد بن الحسين عن هشام ابن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل حرثت» [٢٠٣] «٢» .\nقال أبو هريرة: ألم تسمعوا قول الله ﷿ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ.\nلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا هشيما لا ينتفع به في مطعم وغذاء. وقال مرة: يعني نبتا لا قمح فيه.\nفَظَلْتُمْ قرأت العامة بفتح الظاء. وقرأ عبد الله بكسره: والأصل ظللتم، فحذف إحدى\n_________\n(١) زيادة عن تفسير القرطبي: ١٧/ ٢١٦ وفي المخطوط: نخفيف مكيّ. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢١٨.","vol":"9","page":215},{"text":"اللامين تخفيفا، فمن فتحه فعلى الأصل ومن كسره نقل حركة اللام المحذوفة إلى الظاء.\nتَفَكَّهُونَ قال يمان: تندمون على نفقاتكم، نظيره فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها «١» .\nقتادة: تعجبون. عكرمة: تلاومون. الحسن: تندمون على ما سلف منكم من معصية الله التي أوجبت لكم عقوبته حتى نالكم في زرعكم ما نالكم. ابن زيد: تتفجّعون. ابن كيسان:\nتحزنون.\nقال: وهو من الأضداد. تقول العرب: تفكهت: أي تنعّمت، وتفكهت: أي حزنت.\nقال الفراء: تَفَكَّهُونَ وتفكنون واحد، والنون لغة عكل «٢» .\nوقيل: التفكه التكلم فما لا يعنيك، ومنه قيل للمزاح: فكاهة.\nإِنَّا قرأ عاصم برواية أبي بكر والمفضل بهمزتين. الباقون على الخبر. ومجاز الآية فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وتقولون إِنَّا لَمُغْرَمُونَ قال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا. قال ابن عباس وقتادة: يعذبون، والغرام: العذاب.\nابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ملقون للشر. مقاتل بن حيان: مهلكون.\nوقال الضحّاك: غرّمنا أموالنا وصار ما أنفقنا غرمنا عليه. مرة الهمداني: محاسبون.\nبَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ محدودون [ممنوعون] «٣» محارفون، والمحروم ضد المرزوق.\nقال أنس بن مالك: مرّ رسول الله ﷺ بأرض الأنصار فقال: «ما يمنعكم من الحرث؟\nقالوا: الجدوبة. قال: «فلا تفعلوا فإن الله ﷿ يقول: أنا الزارع إن شئت زرعت بالماء وإن شئت زرعت بالريح وإن شئت زرعت بالبذر» «٤» [٢٠٤] ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ الآيات.\nأَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ السحاب، واحدتها مزنة.\nقال الشاعر:\nفنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كهام ولا فينا يعدّ بخيل «٥»\n_________\n(١) سورة الكهف: ٤٢.\n(٢) عكل: قبيلة من العرب وقيل: عضل.\n(٣) في المخطوط: ممنّعون بتشديد النون وفتحها.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٢٠.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٢٠.","vol":"9","page":216},{"text":"أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا قال ابن عباس: شديد الملوحة. وقال الحسن: قعاعا مرا.\nفَلَوْلا تَشْكُرُونَ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ تقدحون وتستخرجون من زندكم أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها التي تقدح منها النار وهي المرخ والعفار أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ المخترعون؟\nنَحْنُ جَعَلْناها يعني نار الدنيا تَذْكِرَةً للنار الكبرى.\nأخبرنا ابن سعيد بن حمدون، حدّثنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن يحيى وعبد العزيز بن بشير وأحمد بن يوسف قالوا: حدّثنا عبد الرزاق، حدّثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدّثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله ﷺ قال: «ناركم هذه التي توقد بنو آدم جزءا من سبعين جزءا من حرّ جهنم» .\nقالوا: والله إن كانت لكافيتنا برسول الله. قال: «فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا كلها مثل حرّها» «١» [٢٠٥] .\nوَمَتاعًا بلغة ومنفعة لِلْمُقْوِينَ المسافرين النازلين في الأرض القيّ والقوى، وهي القفر الخالية البعيدة من العمران والأهلين، يقال: أقوت الدار إذا دخلت من سكانها.\nقال الشاعر:\nأقوى وأقفر من نعم وغيّرها ... هوج الرياح بهابي الترب موار «٢»\nوقال النابغة:\nيا دارميّة بالعلياء فالسند ... بها أقوت وطال عليها سالف الأبد «٣»\nهذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد لِلْمُقْوِينَ يعني للمستمتعين من الناس أجمعين، المسافرين والحاضرين يستضيء بها في الظلمة ويصطلي بها في البرد وينتفع بها في الطبخ والخبز ونتذكر بها نار جهنم فنستجير الله منها.\nوقال الحسن: بلغة المسافرين يبلغون بها إلى أسفارهم يحملونها في الخرق والجواليق.\nوقال الربيع والسدي: يعني للمرملين المعترين الذين لا زاد معهم، نارا يوقدون فيختبزون بها، وهي رواية العوفي عن ابن عباس. قال ابن زيد: للجائعين. تقول العرب: أقويت مذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئا.\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٨/ ١٤٩.\n(٢) الهوج: الريح التي تستوي في هبوبها، والهابي من هباء الغبار أي سطع، وموار: تحرك بسرعة، والبيت في تفسير الطبري: ٢٧/ ٢٦٤.\n(٣) ديوان النابغة الجعدي: ٣٥.","vol":"9","page":217},{"text":"قال قطرب: المقوي من الأضداد «١» يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى. يقال: أقوى الرجل إذا قويت دوابّه، وإذا كثر ماله.\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ فَلا أُقْسِمُ قال أكثر المفسرين: معناه: أقسم، ولا صلة، وتصديقه قراءة عيسى بن عمر: (فلا أقسم) على التحقيق.\nوقال بعض أهل العربية: معناه فليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ يعني نجوم القرآن التي كانت تنزل على «٢» انكدارها وانتشارها يوم القيامة.\nواختلف القراء فيه فقرأ حمزة والكسائي وخلف: بموقع على الواحد، غيرهم:\n(بِمَواقِعِ) على الجمع. وهو الاختيار.\nوَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ يعني هذا الكتاب، وهو موضع القسم لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ [حصين] «٣» عزيز مكرم.\nوقال عبد العزيز بن يحيى الكناني: غير مخلوق، وقيل: سمي كريما لأن يسره يغلب عسره.\nفِي كِتابٍ مَكْنُونٍ مصون. عند الله سبحانه محفوظ عن الشياطين وعن جميع ما يشين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-758>[سورة الواقعة (٥٦): الآيات ٧٩ الى ٩٦]</span>\nلا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢) فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)\nوَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)\nفَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣)\nوَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)\n_________\n(١) في المخطوط: الضداد.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) كلمة غير مقروءة والأقرب ما أثبتناه.","vol":"9","page":218},{"text":"لا يَمَسُّهُ أي ذلك الكتاب إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من الذنوب وهم الملائكة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أنبأنا ابن الشرقي، حدّثنا محمد بن الحسين بن طرحان، حدّثنا سعيد بن منصور، حدّثنا أبو الأحوص عن عاصم الأحول عن أنس في قوله ﷿ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال: الملائكة.\nوأخبرنا أبو بكر بن عبدوس، أنبأنا أبو الحسن بن محفوظ، حدّثنا عبد الله بن هاشم، حدّثنا عبد الرحمن عن سفيان عن الربيع عن سعيد بن جبير لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال:\nالملائكة الذين في السماء.\nوقال أبو العالية وابن زيد: ليس أنتم أصحاب الذنوب إنما هم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم، فجبرئيل الذي ينزل به مطهّر والرسل الذين يجيئهم به مطهّرون.\nوقال ابن عباس: من الشرك. عكرمة: هم حملة التوراة والإنجيل.\nقتادة: لا يَمَسُّهُ عند الله إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فأما في الدنيا فيمسّه الكافر النجس والمنافق الرجس.\nحبان عن الكلبي: هم السفرة الكرام البررة. محمد بن فضيل عنه لا يقرؤه إلّا الموحدون.\nقال عكرمة: وكان ابن عباس ينهى أن يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن.\nالفراء: لا يجد طعمه ونفعه إلّا من آمن به.\nالحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلّا من طهّره الله من الشرك والنفاق.\nأبو بكر الوراق: لا يوفق للعمل به إلّا السعداء.\nأبو العباس بن عطاء: لا يفهم حقائق القرآن إلّا من طهر سرّه عند الأنوار من الأقذار.\nجنيد: هم الذين طهر سرّهم عما سوى الله.\nوقال قوم: معناه لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ من الأحداث والجنابات والنجاسات، وردّوا الكناية في قوله لا يَمَسُّهُ إلى القرآن.\nوقالوا: أراد بالقرآن المصحف، سماه قرآنا على قرب الجوار والاتساع،\nكالخبر الصحيح أن رسول الله ﷺ نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو «١»\n. قالوا: وظاهر الآية نفي ومعناها نهي كقوله ﷿: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ ونحوها\n_________\n(١) راجع موطأ مالك: ٢/ ٤٤٦، وصحيح مسلم: ٦/ ٣٠.","vol":"9","page":219},{"text":"واستدلوا بهذه الآية على منع الجنب والحائض والمحدث من مس المصحف وحمله، وقالوا: لا يجوز لأحد حمل المصحف ولا مسّه حتى يكون على صفة يجوز له الصلاة. قال: هذا مذهب جمهور الفقهاء إلّا إن أبا حنيفة لا يمنع من حمله بعلاقة ومسّه بحائل. والاختيار أنه ممنوع منه، لأنه إذا حمله في جلده فإنما حمله بحائل ومع هذا يمنع منه.\nوذهب الحكم وحماد وداود بن علي إلى أنه لا بأس بحمل المصحف ومسّه على أي صفة كانت سواء كان طاهرا أو غير طاهر، مؤمنا أو كافرا. إلّا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمل المصحف.\nوالدليل على أنه لا يحمل المصحف ولا يمسّه إلّا طاهرا ما\nروى أبو بكر محمد بن عمرو ابن جرم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ لما بعثه إلى اليمن كتب في كتابه ألّا يحمل المصحف ولا يمسّه إلّا طاهر.\nوروى سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن النبي ﷺ قال: «لا تمس القرآن إلّا وأنت طاهر» «١» [٢٠٦] .\nولأن به إجماع الصحابة.\nوروي أن عليا سئل: أيمس المحدث المصحف؟ قال: «لا» .\nوروي أن مصعب بن سعد بن أبي وقاص كان يقرأ من المصحف فأدخل يده فحك ذكره فأخذ أبوه المصحف من يده. وقال: قم فتوضأ ثم خذه، ولا مخالف لهما في الصحابة.\nوقال عطاء لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ قال: لا يقلب الورق من المصحف إلّا المتوضئ.\nواستدل المبيحون بكتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر وفيه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ الآية «٢» .\nوأجاز الفقهاء ذلك إذا دعته ضرورة أو حمله عذر عليه، وأما الصبيان فلأصحابنا فيه وجهان:\nأحدهما: أنهم يمنعون منه كالبالغين.\nوالثاني: أنهم لا يمنعون، لمعنيين: أحدهما: أن الصبي لو منع ذلك أدّى إلى ألّا يتلقن القرآن ولا يتعلمه ولا يحفظه، لأن وقت تعلمه وحفظه حال الصغر.\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ٦١٥. [.....]\n(٢) سورة آل عمران: ٦٤.","vol":"9","page":220},{"text":"والثاني: أن الصبي وإن كانت له طهارة فليست بكاملة لأن النية لا تصحّ منه، فإذا جاز أن يحمله على طهر غير كامل جاز أن يحمله محدثا والله أعلم.\nتَنْزِيلٌ أي منزل مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ فسمي المنزّل تنزيلا على اتّساع اللغة، كما تقول للمقدور قدر وللمخلوق خلق، وهذا الدرهم ضرب الأمير ووزن سبعة، ونحوها أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ يعني القرآن أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ قال ابن عباس: مكذبون.\nمقاتل بن حيان: كافرون، ونظيره وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ «١» .\nوقال ابن كيسان: المدهن الذي لا يفعل ما يحق عليه ويدفعه بالعلل.\nوقال المؤرخ: المدهن المنافق الذي ليّن جانبه ليخفي كفره. وادّهن وداهن واحد وأصله من الدهن. وقال مجاهد: تريدون أن تمالئوهم فيه وتركنوا إليهم.\nوقال بعض أئمّة اللغة: مُدْهِنُونَ أي تاركون للحزم في قبول هذا القرآن والتهاون بأمره، ومداهنة العدو وملاينته مكان ما يجب من مغالظته، وأصله من اللين والضعف.\nقال أبو قيس بن الأسلت:\nالحزم والقوة خير من الإدهان ... والفكّة والهاع «٢»\nوَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ حظكم ونصيبكم من القرآن أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ.\nقال الحسن: في هذه الآية خسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلّا التكذيب به.\nوقال آخرون: هذا في الاستسقاء بالأنواء.\nأنبأني عبد الله بن حامد، أنبأنا محمد بن الحسن، حدّثنا أحمد بن يوسف، حدّثنا النضر بن محمد، عكرمة، حدّثنا أبو زميل حدّثني ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ: «أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء «٣» كذا وكذا» [٢٠٧] «٤» .\nقال: فنزلت هذه الآية.\nفَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ حتى وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، وشرح قول ابن عباس هذا في سبب نزول هذه الآية ما\nروي عنه أن النبي ﷺ خرج في سفر فنزلوا فأصابهم\n_________\n(١) سورة القلم: ٩.\n(٢) لسان العرب: ١٠/ ٤٧٦ وفيه: الإشفاق، بدل: الادهان.\n(٣) في نسخة: بنو، بدل: نوء.\n(٤) السنن الكبرى: ٣/ ٣٥٨، والمعجم الكبير: ١٢/ ١٥٣.","vol":"9","page":221},{"text":"العطش وليس معهم ماء فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «أرأيتم إن دعوت لكم فسقيتم فلعلكم تقولون سقينا هذا المطر بنوء كذا» «١» [٢٠٨] .\nفقالوا: يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء.\nقال فصلى ركعتين ودعا ربه فهاجت ريح ثم هاجت سحابة فمطروا حتى سالت الأودية وملئوا الأسقية فثم ركب رسول الله ﷺ فمرّ برجل يغترف بقدح له وهو يقول: سقينا بنوء فلان، ولم يقل: هذا من رزق الله، فأنزل الله ﷿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أي شكركم لله على رزقه إياكم أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ بالنعمة وتقولون: سقينا بنوء كذا\n، وهذا كقول القائل: جعلت العطاء إليك إساءة منك إليّ، وجعلت شكر إكرامي لك أنك اتخذتني عدوا، فمجاز الآية: وتجعلون شكر رزقكم، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «٢» ونحوها.\nقال الشاعر:\nوكان شكر القوم عند المنن ... كنّ الصحيحات وقفا الأعين\nودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا عمر بن الحسن، حدّثنا أحمد، حدّثنا أبي، حدّثنا حصين عن هارون بن سعد عن عبد الأعلى عن أبي عبد الرحمن عن علي أن رسول الله ﷺ قرأ: (وتجعلون شكركم أنكم تكذبون) .\nوذكر الهيثم عن عدي أن من لغة أزد شنوءة «٣»: ما رزق فلان، بمعنى ما شكر «٤» .\nوأنبأني عقيل، المعافي، محمد بن جرير حدّثني يونس، سفيان عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «ان الله ﷾ ليصبح عباده «٥» بالنعمة أو يمسيهم بها فيصبح قوم كافرين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا» [٢٠٩] «٦» .\nقال محمد: فذكرت هذا الحديث لسعيد بن المسيب فقال: ونحن قد سمعنا من أبي هريرة، وقد أخبرني من شهد عمر بن الخطاب ﵁ وهو يستسقي فلما استسقى التفت إلى العباس فقال: يا عم رسول الله كم بقي من نوء الثريا؟\n_________\n(١) أسباب نزول الآيات: ٢٧١.\n(٢) سورة يوسف: ٨٢.\n(٣) على وزن فعولة (لسان العرب: ١/ ١٠٣)، وهي قبيلة سميت لشنآن بينهم، قاله الفيروزآبادي.\n(٤) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ٧/ ٢٩٤، وتفسير القرطبي: ١/ ١٧٨.\n(٥) في المصدر: [القوم] .\n(٦) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٢٧١، والدر المنثور: ٦/ ١٦٤.","vol":"9","page":222},{"text":"فقال: «العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق بعد سقوطها سبعا» قال: فما مضت سابعة حتى مطروا [٢١٠] «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن خالد، أخبرنا داود بن سليمان، حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا هاشم بن القاسم، حدّثنا محمد بن طلحة، عن طلحة عن عبد الله بن محيريز قال: دعاه سليمان بن عبد الملك فقال: لو تعلّمت علم النجوم فازددت إلى علمك.\nفقال: قال رسول الله ﷺ: «ان أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف الأئمة وتكذيبا بالقدر وإيمانا بالنجوم» «٢» [٢١١] .\nثم خاطبهم خطاب التحذير والترهيب فقال عزّ من قائل: فَلَوْلا فهلّا إِذا بَلَغَتِ يعني النفس الْحُلْقُومَ عند خروجها من الجسد فاختزل النفس لدلالة الكلام عليه.\nكقول الشاعر:\nأماويّ ما يغني الثراء عن الفنى ... إذا حشرجت يوما وضاق به الصدر\nوَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ إلى أمري وسلطاني.\nوقال ابن عباس: يريد: من حضر الميت من أهله ينظرون إليه متى تخرج نفسه.\nقال الفراء: وذلك معروف من كلام العرب أن يخاطبوا الجماعة بالفعل كأنهم أهله وأصحابه، والمراد به بعضهم غائبا كان أو شاهدا فيقولوا: قتلتم فلانا والقاتل منهم واحد.\nويقولون لأهل المسجد إذا آذوا رجلا بالازدحام: اتقوا الله فإنكم تؤذون المسلمين وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ بالقدرة والعلم ولا قدرة لكم على دفع شيء عنه.\nقال عامر بن عبد قيس: ما نظرت إلى شيء إلّا رأيت الله سبحانه أقرب إليّ منه.\nوقال بعضهم: أراد: ورسلنا الذين يقبضون.\nوَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ مملوكين ومحاسبين ومجزيين.\nفإن قيل: فأين جواب قوله فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ وقوله فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ؟\nقلنا: قال الفراء: إنهما أجيبا بجواب واحد، وهو قوله تَرْجِعُونَها وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد فهذا من ذلك، ومنه قوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ\n_________\n(١) مسند الحميدي: ٢/ ٤٣٢، وجامع البيان للطبري: ٢٧/ ٢٧١.\n(٢) الجامع الصغير: ١/ ٤٧ ح ٢٧٩، وكنز العمال: ٦/ ١٥ ح ١٤٦٣٢ بتفاوت يسير.","vol":"9","page":223},{"text":"أجيبا بجواب واحد، وهما جزآن ومن ذلك قوله لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ «١» .\nوقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَها أي تردّون نفس هذا الميت إلى جسده إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت وفي البعث، وبيّن درجاتهم فقال فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ وهم السابقون فَرَوْحٌ قرأ الحسن وقتادة ويعقوب: بضم الراء على معنى أن روحه تخرج في الريحان. قاله الحسن.\nوقال قتادة: الروح الرحمة، وقيل: معناه فحياة وبقاء لهم، وذكر أنها قراءة النبي ﷺ.\nأخبرنا محمد بن نعيم، أخبرنا الحسين بن أيوب، أخبرنا علي بن عبد العزيز، أخبرنا أبو عبيد، حدّثنا مروان بن معاوية عن أبي حماد الخراساني عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأ هذا الحرف: (فَرُوحٌ وَرَيْحانٌ) بضم الراء.\nوباسناده عن أبي عبيد، حدّثنا حجاج عن هارون وأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا عمر ابن الحسن، أخبرنا أحمد، حدّثنا أبي، حدّثنا الحسين عن عبيد الله البصري عن هارون بن موسى المعلم أخبرني بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ (فَرُوحٌ وَرَيْحانٌ) بضم الراء.\nوقرأ الآخرون: بفتح الراء.\nواختلفوا في معناه، فقال ابن عباس ومجاهد: فراحة. سعيد بن جبير: فرح. الضحّاك:\nمغفرة ورحمة.\nوَرَيْحانٌ قال ابن عباس: مستراح. مجاهد وسعيد بن جبير: رزق. قال مقاتل: هو بلسان حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه.\nقال الربيع بن خثيم وابن زيد: (فَرَوْحٌ) عند الموت (وَرَيْحانٌ) يخبّأ له في الآخرة.\nوقال الآخرون: هو الريحان المعروف الذي يشمّ.\nقال أبو العالية: لا يفارق أحد من المقربين الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة فيشمّه ثم يقبض «٢» .\nوَجَنَّةُ نَعِيمٍ قال أبو بكر الوراق: الرّوح: النجاة من النار، والريحان: دخول دار القرار.\n_________\n(١) سورة آل عمران: ١٨٨. [.....]\n(٢) تفسير الطبري: ٢٧/ ٢٧٦.","vol":"9","page":224},{"text":"الترمذي: الروح: الراحة في القبر، والريحان: دخول الجنة.\nبسام بن عبد الله: الروح: السلامة، والريحان: الكرامة.\nشعر: «١» الروح معانقة الأبكار والريحان موافقة الأبرار بحران الروح كشف الغطاء والريحان الروية واللقاء.\nوقيل: الروح: الراحة، والريحان: النجاة من الآفة، وقيل: الروح: الموت على الشهادة، والريحان: نداء السعادة، وقيل: الروح: كشف الكروب، والريحان: غفران الذنوب، وقيل:\nالروح: الثبات على الايمان، والريحان: نيل الأمن والأمان.\nوقيل: الروح فضلة، والريحان: [فضالة «٢»] . وقيل: الروح تخفيف الحساب، والريحان:\nتضعيف الثواب.\nوقيل: الروح عفو بلا عتاب، والريحان: رزق بلا حساب.\nويقال: فَرَوْحٌ للسابقين وَرَيْحانٌ للمقتصدين وَجَنَّةُ نَعِيمٍ للطالبين.\nوقيل: الروح لأرواحهم، والريحان لقلوبهم والجنة لأبدانهم والحق لأسرارهم.\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ رفع على معنى: فلك سلام، وهو سلام لك، أي سلامة لك يا محمد منهم فلا تهتمّ لهم فإنهم سلموا من عذاب الله.\nوقال الفراء: مسلّم لك أنهم من أصحاب اليمين. أو يقال لصاحب اليمين: إنه مسلم لك أنك مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ وقيل: فسلام عليك مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ.\nوَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ وهم أصحاب المشأمة فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ وإدخال النار إِنَّ هذا الذي ذكروا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ أي الحق اليقين فأضافه إلى نفسه، وقد ذكرنا نظائره.\nقال قتادة: في هذه الآية: إن الله ﷿ ليس تاركا أحدا من الناس حتى يقفه على اليقين من هذا القرآن، فأما المؤمن فأيقن في الدنيا فنفعه ذلك يوم القيامة، وأما الكافر فأيقن يوم القيامة حين لا ينفعه.\nفَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ فصلّ بذكر ربك وأمره. وقيل: فاذكر اسم ربك الْعَظِيمِ وسبّحه.\n_________\n(١) كذا في المخطوط وليس هو بشعر.\n(٢) في المخطوط فضلة في الموضعين.","vol":"9","page":225},{"text":"أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن شنبه، حدّثنا حمزة بن محمد الكاتب، حدّثنا نعيم بن حماد، حدّثنا عبد الله بن المبارك عن موسى بن أيوب الغافقي عن عمّه وهو إياس بن عامر عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال:\n«اجعلوها في ركوعكم» ولما نزلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال رسول الله ﷺ: «اجعلوها في سجودكم» «١» [٢١٢] .\nأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقرئ، حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد الحافظ أخبرنا أبو بكر بن أبي عاصم النبيل، حدّثنا الحوصي، حدّثنا بقية، عن يحيى بن سعيد، عن خالد بن معدان عن أبي بلال عن العرباض بن سارية أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بالمسبّحات قبل أن يرقد ويقول: «إن فيهن آية أفضل من ألف آية» [٢١٣] «٢» .\nقال: يعني بالمسبحات: الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٤/ ١٥٥.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ١٢٨.","vol":"9","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-759>سورة الحديد</span>\nمدنية وهي ألفان وأربعمائة وستة وسبعون حرفا وخمسمائة وأربع وأربعون كلمة وتسع وعشرون آية\nأخبرنا أبو الحسين المقرئ، حدّثنا أبو بكر الاسماعيلي، حدّثنا وأبو الشيخ الأصفهاني قالا، حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن شريك، حدّثنا أحمد بن يونس اليربوعي، حدّثنا سلام بن سليم المدايني، حدّثنا هارون بن كثير، حدّثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسوله» [٢١٤] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)\nلَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ يعني هُوَ الْأَوَّلُ\nقبل كل شيء بلا حد ولا ابتداء، كان هو ولا شيء موجود وَالْآخِرُ بعد فناء كل شيء وَالظَّاهِرُ الغالب العالي على كل شيء، وكل شيء دونه وَالْباطِنُ العالم بكل شيء، فلا أحد أعلم منه.\nوهذا معنى قول ابن عباس.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٣٨١.","vol":"9","page":227},{"text":"وقال ابن عمر: الْأَوَّلُ بالخلق وَالْآخِرُ بالرزق، وَالظَّاهِرُ بالاحياء وَالْباطِنُ بالإماتة.\nوقال الضحّاك: هو الذي أول الأول وآخر الاخر، وأظهر الظاهر وأبطن الباطن.\nمقاتل بن حيان: هُوَ الْأَوَّلُ بلا تأويل أحد، وَالْآخِرُ بلا تأخير أحد وَالظَّاهِرُ بلا إظهار أحد وَالْباطِنُ بلا إبطان أحد.\nوقال يمان: هُوَ الْأَوَّلُ القديم، وَالْآخِرُ الرحيم، وَالظَّاهِرُ الحليم، وَالْباطِنُ العليم.\nوقال محمد بن الفضل: الْأَوَّلُ ببرّه وَالْآخِرُ بعفوه، وَالظَّاهِرُ بإحسانه وَالْباطِنُ بسرّه.\nوقال أبو بكر الوراق: هُوَ الْأَوَّلُ بالأزلية وَالْآخِرُ بالأبدية، وَالظَّاهِرُ بالأحدية وَالْباطِنُ بالصمدية.\nعبد العزيز بن يحيى: هذه الواوات مقحمة والمعنى: هو الأول الآخر الظاهر الباطن، لأن من كان منا أولا لا يكون آخرا، ومن كان ظاهرا لا يكون باطنا.\nوقال الحسين بن الفضل: هُوَ الْأَوَّلُ بلا ابتداء، وَالْآخِرُ بلا انتهاء، وَالظَّاهِرُ بلا اقتراب، وَالْباطِنُ بلا احتجاب.\nوقال القناد: الْأَوَّلُ السابق إلى فعل الخير والمتقدم على كل محسن إلى فعل الإحسان، وَالْآخِرُ الباقي بعد فقد الخلق، والخاتم بفعل الإحسان، وَالظَّاهِرُ الغالب لكل أحد، ومن ظهر على شيء فقد غلبه، وَالظَّاهِرُ أيضا: الذي يعلم الظواهر ويشرف على السرائر، وَالظَّاهِرُ أيضا:\nظهر للعقول بالإعلام وظهر للأرواح باليقين وإن خفي على أعين الناظرين، وَالْباطِنُ الذي عرف المغيّبات وأشرف على المستترات، وَالْباطِنُ أيضا: الذي خفي عن الظواهر فلم يدرك إلّا بالسرائر.\nوقال السدي: الْأَوَّلُ ببرّه إذ عرّفك توحيده، وَالْآخِرُ بجوده إذ عرّفك التوبة على ما جنيت، وَالظَّاهِرُ بتوفيقه إذ وفقك للسجود له، وَالْباطِنُ بستره إذ عصيته فستر عليك.\nوقال ابن عطاء: الْأَوَّلُ بكشف أحوال الدنيا حتى لا يرغبوا فيها، وَالْآخِرُ بكشف أحوال العقبى حتى لا يشكّوا فيها، وَالظَّاهِرُ على قلوب أوليائه حتى يعرفوه، وَالْباطِنُ عن قلوب أعدائه حتى ينكروه.\nوقيل: الْأَوَّلُ قبل كل معلوم، وَالْآخِرُ بعد كل مختوم، وَالظَّاهِرُ فوق كل مرسوم، وَالْباطِنُ محيط بكل مكتوم.\nوقيل هُوَ الْأَوَّلُ بإحاطة علمه بذنوبنا قبل وجود ذنوبنا، وَالْآخِرُ بسترها علينا في عقبانا، وَالظَّاهِرُ بحفظه إيانا في دنيانا، وَالْباطِنُ بتصفية أسرارنا وتنقية أذكارنا.","vol":"9","page":228},{"text":"وقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بالتكوين، بيانه قوله إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «١» وَالْآخِرُ بالتلقين، بيانه قوله يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا «٢» الآية.\nوَالظَّاهِرُ بالتبيين بيانه يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ «٣» وَالْباطِنُ بالتزيين بيانه وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ «٤» .\nوقال محمد بن علي الترمذي: الْأَوَّلُ بالتأليف وَالْآخِرُ بالتكليف وَالظَّاهِرُ بالتصريف، وَالْباطِنُ بالتعريف.\nوقال الجنيد: هُوَ الْأَوَّلُ بشرح القلوب، وَالْآخِرُ بغفران الذنوب، وَالظَّاهِرُ بكشف الكروب، وَالْباطِنُ بعلم الغيوب.\nوسأل عمر كعبا عن هذه الآية فقال: معناها أن علمه بالأول كعلمه بالآخر وعلمه بالظاهر كعلمه بالباطن.\nوقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بالهيبة والسلطان، وَالْآخِرُ بالرحمة والإحسان، وَالظَّاهِرُ بالحجة والبرهان، وَالْباطِنُ بالعصمة والامتنان.\nوقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بالعطاء، وَالْآخِرُ بالجزاء، وَالظَّاهِرُ بالثناء، وَالْباطِنُ بالوفاء.\nوقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بالبرّ والكرم، وَالْآخِرُ بنحلة القسم، وَالظَّاهِرُ بإسباغ النعم، وَالْباطِنُ بدفع النقم.\nوقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بالهداية، وَالْآخِرُ بالكفاية، وَالظَّاهِرُ بالولاية، وَالْباطِنُ بالرعاية.\nوقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بالانعام، وَالْآخِرُ بالإتمام، وَالظَّاهِرُ بالإكرام، وَالْباطِنُ بالإلهام.\nوقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بتسمية الأسماء، وَالْآخِرُ بتكملة النعماء، وَالظَّاهِرُ بتسوية الأعضاء، وَالْباطِنُ بصرف الأهواء.\nوقيل: هُوَ الْأَوَّلُ بإنشاء الخلائق، وَالْآخِرُ بافناء الخلائق، وَالظَّاهِرُ بإظهار الحقائق، وَالْباطِنُ بعلم الدقائق.\nوقال الواسطي: لم يدع للخلق نفسا «٥» بعد ما أخبر عن نفسه أنه الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ.\n_________\n(١) سورة يس: ٨٢.\n(٢) سورة إبراهيم: ٢٧.\n(٣) سورة النساء: ٢٦.\n(٤) سورة الحجرات: ٧.\n(٥) كذا في المخطوط.","vol":"9","page":229},{"text":"وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت الشبلي يقول: في هذه الآية أشياء ساقطة فإني أول آخر ظاهر باطن.\nوَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ\nأخبرنا شعيب بن محمد أخبرنا مكي بن عبدان أخبرنا أحمد بن الأزهر حدّثنا روح بن عبادة، حدّثنا سعيد عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ بينما هو جالس في أصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال: «هل تدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: «هذا العنان هذا روايا الأرض يسوقه الله ﷿ إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه» ثم قال هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإنها الرقيع موج مكفوف وسقف محفوظ» .\nقال: «فكم تدرون بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإن بينكم وبينها مسيرة خمسمائة سنة» قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإن فوقها سماء أخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة» حتى عدّد سبع سماوات بين كل سماءين مسيرة خمسمائة سنة.\nثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك؟» قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء السابعة مثلما بين سماءين» .\nثم قال: «هل تدرون ما الذي تحتكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإنها الأرض» .\nقال: «فهل تدرون ما تحتها؟» قالوا: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإن تحتها أرضا أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عدّد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة»، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو دليتم أحدكم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله» [٢١٥] ثم قرأ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ومعناه بالعلم والقدرة والخلق والملك.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبا مكي، أخبرنا أحمد بن منصور المروزي، حدّثنا علي ابن الحسن، حدّثنا أبو حمزة عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: دخلت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فسألته خادما فقال لها رسول الله ﷺ: «ألا أدلك على ما هو خير لك من ذلك أن تقولي: اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الْحَبِّ وَالنَّوى أعوذ بك من شر كل شيء أنت أخذ بناصيته،","vol":"9","page":230},{"text":"أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنّا الدين وأغننا من الفقر» «١» [٢١٦] .\nهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ (وَالْأَرْضَ) فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أخبرني ابن فنجويه، حدّثنا عمر بن الخطاب، حدّثنا عبد الله بن الفضل حدّثني أحمد بن وركان، حدّثنا علي بن الحسن بن شقيق قال: قلت لعبد الله بن المبارك: كيف نعرف ربنا ﷿؟ قال: في السماء السابعة على عرشه، ولا تقول كما قالت الجهمية: هاهنا في الأرض.\nوقد ذكرنا معنى الاستواء وحققنا الكلام فيه فأغنى عن الإعادة.\nيَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ بالعلم والقدرة أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ مملّكين، معمرين فيه فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ في ظهر آدم بان الله ربكم لا إله لكم سواه. قاله مجاهد.\nوقيل: أَخَذَ مِيثاقَكُمْ بأن ركّب فيكم العقول وأقام الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول.\nوقراءة العامة: بفتح الهمزة والقاف.\nوقرأ أبو عمرو بضمّهما على وجه ما لم يسمى فاعله. إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يوما من الأيام، فالآن أحرى الأوقات أن تؤمنوا لقيام الحجج والأعلام على حقيقة الإسلام وصحة نبوة المصطفى (﵇) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ (٩) وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)\nهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ محمد ﷺ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ الله بالقرآن، وقيل:\nلِيُخْرِجَكُمْ الرسول بالدعوة مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٧٠، ومجمع الزوائد: ١/ ٨٥، وجامع البيان للطبري: ٢٨/ ١٩٦.","vol":"9","page":231},{"text":"وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثم بيّن سبحانه فضل السابقين في الانفاق والجهاد فقال عزّ من قائل لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ يعني:\nفتح مكة في قول أكثر المفسرين.\nوقال الشعبي: هو صلح الحديبية قال: وقال أصحاب رسول الله ﷺ: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: «نعم عظيم» «١» .\nوَقاتَلَ مع رسول الله ﷺ.\nأُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ أي من بعد الفتح وَقاتَلُوا.\nأخبرني عقيل أن المعافى أخبرهم عن محمد بن جرير حدّثني ابن البرقي، حدّثنا ابن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر أخبرني زيد بن أسلم عن أبي سعيد التمار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم» .\nقال: من هم يا رسول الله؟ قريش.\nقال: «لا هم أرق أفئدة وألين قلوبا» وأشار بيده إلى اليمن فقال: «هم أهل اليمن، ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية» فقلنا: يا رسول الله هم خير منّا؟\nقال: «والذي نفسي بيده لو كان لأحدهم جبل من ذهب ينفقه ما أدرك مدّ أحدهم «٢» ولا نصيفه» ثم جمع أصابعه ومدّ خنصره فقال: «ألا إن هذا فضل ما بيننا وبين الناس لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ» «٣» [٢١٧] .\nوروى محمد بن الفضل عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق ﵁، وفي هذه الآية دلالة واضحة وحجة بيّنة على فضل أبي بكر بتقديمه لأنه أول من أسلم «٤» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٧/ ٢٨٧.\n(٢) في المصدر: أحدكم. [.....]\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٧/ ٢٨٨.\n(٤) اتفقت الرواية عن النبي والصحابة والتابعين بكون علي أول من أسلم وأول من صلى وأول من آمن:\n(حقيقة إسلام علي ﵇) المحقق كون أمير المؤمنين ﵇ أول المتبعين لرسول الله عن وعي ويقين:\nقال المسعودي فيمن استنقص الأمير بصغر سنه عند إسلامه: وهذا قول من قصد إلى إزالة فضائله ودفع مناقبه ليجعل إسلامه اسلام طفل صغير، وصبي غرير لا يفرق بين الفضل والنقصان، ولا يميز بين الشك واليقين، ولا يعرف حقا فيطلبه ولا باطلا فيجتنبه (التنبيه والأشراف: ١٩٨ ذكر التاريخ من مولد الرسول) .\nوقال: ذهب كثير من الناس إلى أنه لم يشرك بالله شيئا فيستأنف الإسلام (مروج الذهب: ٢/ ٤٠٠ ط. مصر ١٣٤٦ هـ، وط. بيروت ٢/ ٢٧٦ ذكر مبعثه وما جاء في ذلك إلى هجرته) .\nوقال المقريزي: أما علي فلم يشرك بالله قط، فعند ما أتى رسول الله ﷺ الوحي وأخبر خديجة وصدّقت كانت هي وعلي. فلم يحتج علي أن يدعى ولا كان مشركا حتى يوحّد فيقال أسلم، هذا هو التحقيق (أمتاع الأسماع: ١/ ١٦- ١٧ تحقيق محمود شاكر ط. مصر) .\nونحوه عن العامري (الرياض المستطابة: ١٦٨ ترجمته) .\nوقال أبو جعفر الاسكافي بعد ذكر حديث الدار:\nفهل يكلف عمل الطعام ودعاء القوم صغير غير مميز؟! وغير عاقل؟! وهل يؤتمن على سرّ النبوة طفل؟! وهل يدعى في جملة الشيوخ والكهول إلّا عاقل لبيب؟! وهل يضع رسول الله ﷺ يده في يده ويعطيه صفقة يمينه بالاخرة والوصية والخلافة إلّا وهو أهل لذلك؟! بالغ حدّ التكليف محتمل لولاية الله وعداوة أعدائه، وما بال هذا الطفل لم يأنس بأقرانه ولم يلصق بأشكاله ولم ير مع الصبيان في ملاعبهم بعد إسلامه؟!.\nبل ما رأيناه إلّا ماضيا على إسلامه، مصمما في أمره محققا لقوله بفعله، قد صدّق إسلامه بعفافه وزهده ولصق برسول الله ﷺ من بين جميع من بحضرته.\nوقد ذكر هو (﵇) في كلامه وخطبه بدء حاله وافتتاح أمره حيث أسلم لمّا دعا رسول الله الشجرة فأقبلت تخذ الأرض فقالت قريش: ساحر حفيف السحر.\nفقال علي (﵇): «يا رسول الله أنا أول من يؤمن بك آمنت بالله ورسوله وصدقتك فيما جئت به، وأنا أشهد أن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك وبرهانا على دعوتك» .\nفهل يكون إيمان قط أصح من هذا الإيمان؟! وأوثق عقدة وأحكم مرّة؟! ولكن حنف العثمانية وغيظهم وعصبية الجاحظ وانحرافه مما لا حيلة فيه (شرح النهج: ١٣/ ٢٤٤ الخطبة ٢٣٨، والغدير: ٢/ ٢٨٧ عن كتابه على العثمانية) .\n(علي أول من أسلم) قال ابن عبد البر في الاستيعاب: وروي عن سلمان وأبي ذر والمقداد وخباب وجابر وأبي سعيد الخدري وزيد بن أرقم: «أن علي بن أبي طالب أول من أسلم وفضّله هؤلاء على غيره» . (الاستيعاب: ٣/ ١٥ ترجمة علي، وجواهر العقدين: ٤٦٢ الباب الخامس عشر) .\nوروي حديث أولية إسلامه عن كل من: زيد بن أرقم (مسند أحمد: ٤/ ٣٦٧- ٣٧١ ط. م و٥/ ٤٩٩ ط.\nب، وصحيح الترمذي: ٥/ ٦٤٢ ح ٣٧٣٤- ٣٧٣٥) . وعن حبة العرني (مسند أبي حنيفة: ٢٤٧ ط. مصر)، وجابر (الإصابة: ٨/ ١٨٣ القسم ١ ط. مصر)، والحارث (اسد الغابة: ٥/ ٥٢٠)، وابن عباس (مستدرك الصحيحين: ٣/ ١٣٣ وخصائص النسائي: (٤٥ ح ٢٣)، وابي هريرة (كنز العمال: ١١/ ٦٠٥ ح ٣٢٩٢٥)، ومالك بن الحويرث (المعجم الكبير: ١٩/ ٢٩١ ترجمته)، وأبي موسى الاشعري (مستدرك الصحيحين: ٣/ ٤٦٥ مناقب أبي موسى الاشعري)، وعفيف الكندي (مستدرك الصحيحين: ٣/ ١٨٣ فضائل خديجة)، وسعد بن أبي وقاص (مستدرك الصحيحين: ٣/ ٥٠٠ مناقب سعد)، وعمر (ذخائر العقبى: ٥٨، وشرح النهج لابن أبي الحديد: ١٣/ ٢٣٠ خطبة ٢٣٨)، وسلمان والمقداد وابي سعيد وخباب وابي ذر (شرح النهج لابن أبي الحديد:\n١٣/ ٢٣٠ خطبة ٢٣٨، والمعجم الكبير: ٥/ ٨٤ ح ٤٦٥٢ ترجمة زيد بن الحارث، و٦/ ٢٦٥ ترجمة سلمان ما روي عنه الكندي، والاستيعاب: ٢/ ٤٥٨، ومستدرك الصحيحين: ٣/ ١٣٦ مناقب الأمير)، وأبي رافع وبريدة (المعجم الكبير: ٢٢/ ٤٥٢ ترجمة خديجة، ومجمع الزوائد: ٩/ ٢٢٠ ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: ٣٥٣ ح ١٥٢٥٨، والأوائل: ٣٠ ح ٧٠)، وأنس (المعجم الكبير: ٢٢/ ٤١١ ترجمة فاطمة)، ومحمد بن أبي بكر (مروج الذهب: ٢/ ٥٩ ط. مصر ١٣٤٦ هـ، وط. بيروت ٣/ ١١ ذكر معاوية) والحسن (﵇) (الاستيعاب: ٢/ ٤٥٨، والحلية: ٤/ ٢٩٤ ط. مصر ١٣٥١)، والكلبي (تاريخ الطبري: ٢/ ٥٧ ذكر أول من أسلم)، وابن عوف (الفتوح لا بن اعثم: ١/ ٢١٧ كتاب علي لمعاوية)، وعروة وسلمان بن يسار (أعلام النبوة: ٢٠٥ باب ١٢)، والمقداد وحبان وجابر وحسن البصري (الائمة الاثنا عشر: ٤٨)، والأعمش (مناقب ابن المغازلي: ١٠٧ ط. بيروت- وط. طهران: ١٥١ ح ١٨٨)، وأبي أيوب وأم سلمة (مناقب الخوارزمي: ٣٥٣ ح ٣٦٤ فصل ٢٠ و: ١١٢ فصل ٩ ح ١٢٢)، والصادق عن آبائه (شرح النهج لابن أبي الحديد: ١٣/ ٢٢٧ الخطبة ٢٣٨)، وعائشة وأسماء (فتح الملك العلي: ٦٧) .\n(علي أول من صلى) روي الحديث عن كل من: ابن عباس (منحة المعبود: ١/ ٨٩- ١٨٠ ح ٢٣٢٣- ٢٦٥٧ والكامل في التاريخ: ١/ ٤٨٤ ذكر اختلاف في أول من أسلم)، وحبة العرني (الأوائل: ٣٠ ح ٦٨، والطبقات الكبرى: ٣/ ١٥ ترجمة علي، وخصائص النسائي: ١٩ ح ١)، وزيد بن أرقم وابي حمزة (خصائص النسائي: ٢٢ و٢٦ ح ٢ و٤، واسد الغابة: ٤/ ١٧، ومسند احمد: ١/ ١٤١ و٤/ ٣٧٠ ط. م و١/ ٢٢٧ و٥/ ٤٩٨ ط. ب)، ومجاهد (الطبقات الكبرى: ٣/ ١٣ قسم ١ ط. ليدن ١٣٢٢ و٣/ ١٥ ترجمة علي ط. بيروت دار الكتب العلمية)، وابن إسحاق وجابر (تاريخ الطبري: ٢/ ٥٥ ط. مصر ١٣٥٧، وشرح النهج: ١٣/ ٢٢٩ خطبة ٢٣٨، وسيرة ابن هشام: ١/ ٢٨١ ط. ب و١/ ٢٦٢ ط. مصر الحلبي)، وابي مسعود (المعجم الكبير: ١٠/ ١٨٤ ترجمة ابن مسعود ح ١٠٣٩٧)، وأنس بن مالك (ذخائر العقبى: ٥٩، وشرح النهج: ١٣/ ٢٢٨ خطبة ٢٣٨، وصحيح الترمذي: ٥/ ٦٤٢ ح ٣٧٣٤)، وبريدة (مستدرك الصحيحين: ٣/ ١١٢ ذكر إسلامه من كتاب المعرفة)، وعفيف الكندي (خصائص النسائي: ٢٧ ح ٥، ومستدرك الصحيحين: ٣/ ١٨٣ مناقب خديجة، والكامل في التاريخ: ١/ ٤٨٤)، وابن مسعود (كنز العمال: ٧/ ٥٦)، والحكم بن عيينة (ذخائر العقبى: ٥٩)، ورافع (ذخائر العقبى: ٥٩، ومناقب الخوارزمي: ٥٧ ح ٢٤)، وعبد الله بن نجي (ترجمة علي: ١/ ٦٤ ح ٩١ و٩٢)، وعمرو بن العاص (الفتوح: ١/ ٤٠١ صفين)، وهاشم بن عتبة (الكامل في التاريخ: ٢/ ٣٨٤ حوادث سنة ٣٧) .\nوأبي أيوب وأنس وعباد بن عبد الله وأبي ذر (شرح النهج: ١٣/ ٢٣٠ خطبة ٢٣٨، وترجمة علي من تاريخ دمشق: ١/ ٨٠ ح ١١٢، و١١٣، ومناقب ابن المغازلي: ٢٥ ط. بيروت- وط. طهران: ١٤ ح ١٧ و١٩، وتاريخ الطبري: ٢/ ٥٦) .\n(علي أول من عبد الله تعالى) فعن حبة العوني أنه سمع عليا يقول: «اللهم لا أعترف أن عبدا لك من هذه الأمة عبدك قبلي غير نبيك- ثلاث مرات-» مسند أحمد: ١/ ٩٩ ط. م، و١/ ١٦٠ ط. ب، وذخائر العقبى: ٦٠ ذكر انه أول من صلى، ومنتخب كنز العمال: ٥/ ٤٠، وكنز العمال: ٦/ ٣٦٥ ط. مصر، و١٣/ ١٢٦ ح ٣٦٤٠٠ ط. بيروت، وأسد الغابة:\n٤/ ١٧ مع تفاوت، وكنز الفوائد: ١٢٢، ومجمع الزوائد: ٩/ ١٠٢ ط. مصر وبغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد: ١٢٥ ح ١٤٦٠١، والاستيعاب: ٢/ ٤٥٨، والقول المسدد: ٨٣ الحديث العاشر، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: ٤/ ٣٦، خصائص النسائي: ٣ ط. مصر و٣١ ح ٧ ط. بيروت.\nوأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: «اللهم إنك تعلم أن لم يعبدك أحد من هذه الأمة بعد نبيها ﷺ قبلي، ولقد عبدتك قبل أن يعبدك أحد من هذه الأمة بست سنين» المعجم الأوسط: ٢/ ٤٤٤ ح ١٧٦٧.\n(علي أول من آمن) فعن معاذة العدوية: قال علي (﵇): «أنا الصديق الأكبر آمنت بالله قبل أن يؤمن أبو بكر» (كنز العمال:\n١٣/ ١٦٤ ح ٣٦٤٩٧، وترجمة علي من تاريخ دمشق: ١/ ٦٢ ح ٨٨، وأنساب الأشراف: ٢/ ١٤٦ ترجمة علي، وشرح النهج: ١٣/ ٢٢٨ خطبة ٢٣٨.\nروى أولية إيمانه كل من: الإمام الحسن (﵇) (المعجم الكبير: ١/ ٩٥ ح ١٦٣ ترجمة علي- سنّة، وشرح النهج: ٦/ ٢٨٨ الخطبة ٨٣)، وعمرو ابن عباد (خصائص النسائي: ٣ ط. مصر التقدم)، وليلى الغفارية (الاستيعاب: ٢/ ٧٥٩ ترجمتها)، وابي ذر ومعاذة العدوية ومعاذ بن جبل (الرياض النضرة: ٢/ ١٥٧ و١٩٨، وأنساب الأشراف: ٢/ ٣٦٢)، وسلمان وأبي (فيض القدير: ٤/ ٢٥٨ ط. مصر ١٣٥٦، ومنتخب الكنز: ٥/ ٣٣، وذخائر العقبى: ٥٨)، وأبي رافع (شرح النهج: ١٣/ ٢٢٨ خطبة ٢٣٨)، ومحمد بن أبي بكر (مروج الذهب: ٢/ ٥٩ ط. مصر ١٣٤٦ هـ، وط. بيروت ٣/ ١١ ذكر معاوية)، وحذيفة (كنز العمال: ١١/ ٦١٦ ح ٣٢٩٩٠)، وابي سعيد ومعاذ بن جبل (حلية الأولياء: ١/ ٦٦)، وعمر (كنز العمال: ٦/ ٣٩٣ ط. مصر و١٣/ ١١٧ ح ٣٦٣٧٨ ط. ب، ومناقب الخوارزمي: ٥٥ ح ١٩ فصل ٤)، وجابر (مناقب الخوارزمي: ١١١ فصل ٩ ح ١٢٠)، ومعاوية بن يزيد (تاريخ اليعقوبي: ٢/ ٢٥٤ ايام معاوية بن يزيد) وابن عباس (كنز العمال: ١٣/ ١٢٣ ح ٣٦٣٩٢)، والمقداد (تاريخ اليعقوبي: ٢/ ١٦٣ ايام عثمان)، والأشتر (الفتوح: ١/ ٣٨٨ حرب صفين- ما جرى بين علي ومعاوية من الكتب)، وابن شهاب (شرح النهج: ١/ ٢٢٦ الخطبة ٦)، وعمرو بن العاص (الفتوح: ١/ ٤٠١ ذكر القوم الذين أنفذهم معاوية لعلي) .","vol":"9","page":232},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر، أخبرنا أحمد بن إسحاق الفقيه أخبرنا محمد بن أيوب، أخبرنا أبو الوليد الطيالسي، حدّثنا عكرمة بن عماد، حدّثنا شداد بن عبد الله أبو عمار","vol":"9","page":233},{"text":"وقد كان أدرك نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ قال: قال أبو امامة لعمرو بن عبسة بأي شيء تدّعي أنك ربع الإسلام؟ قال: إني كنت أرى الناس على الضلالة ولا أرى الأوثان شيئا، ثم","vol":"9","page":234},{"text":"سمعت عن رجل يخبرنا أخبار مكة فركبت راحلتي حتى قدمت عليه، فإذا قومه عليه جرآء قال:\nقلت: ما أنت؟\nقال: أنا نبي. قلت: وما نبي؟ قال: رسول الله.\nقلت: بأي شيء أرسلك؟ قال: «أوحد الله ولا أشرك به شيئا وكسر الأوثان وصلة الأرحام» .\nقلت: من معك على هذا؟ قال: حرّ وعبد. وإذا معه أبو بكر وبلال، فأسلمت عند ذلك فلقد رأيتني ربع الإسلام «١» .\nولأنه أول من أظهر الإسلام:\nأخبرنا أبو محمد الأصبهاني، أخبرنا أبو بكر الصعي، أخبرنا عبد الله بن احمد بن حنبل، أخبرنا أبي، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، حدّثنا زائدة عن عاصم بن أبي النجود عن زر عن عبد الله ابن مسعود قال: كان أول من أظهر الإسلام رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمار وأمّه سمية وصهيب وبلال والمقداد.\nولأنه أول من قاتل على الإسلام:\nأخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد الجرجاني بها، أخبرنا أبو الطاهر محمد بن الحسن\n_________\n(١) صحيح مسلم: ٢/ ٢٠٨.","vol":"9","page":235},{"text":"المحمدآبادي وحدّثنا أبو قلابة، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، حدّثنا زائدة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود قال: أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي ﷺ وأبو بكر ﵁. ولأنه أول من أنفق على رسول الله ﷺ في سبيل الله.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن إسحاق بن أيوب، أخبرنا محمد بن يونس، حدّثنا العلا بن عمرو الشيباني، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري، حدّثنا سفيان بن سعيد عن آدم بن علي عن ابن عمر قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر الصديق وعليه عباءة قد خلّلها في صدره بخلال فقال: «أنفق ماله عليّ قبل الفتح» .\nقال: فإن الله ﷿ يقول: اقرأ ﵇ وتقول له: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ساخط؟\nفقال أبو بكر: أأسخط؟ إني عن ربي راض إني عن ربي راض.\nولهذا قدّمه الصحابة على أنفسهم وأقروا له بالتقدم والسّبق.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا محمد بن يونس عقبة بن سنان، حدّثنا أبو بشر، حدّثنا الهيصم بن شداخ عن الأعمش عن عمرو بن مرّة عن عبد الله بن سلمة عن علي ﵁ قال: سبق رسول الله ﷺ وصلى أبو بكر وثلث عمر فلا أوتي برجل فضلني على أبي بكر وعمر إلّا جلدته جلد المفتري وطرح الشهادة!! «١» .\nوَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٢ الى ١٦]</span>\nيَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)\nيَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ على الصراط بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ.\n_________\n(١) ضعف الحفاظ هذا الحديث لأن بعض الصحابة قالت بتفضيل علي ﵁ على الخلفاء ﵃ الذين سبقوه على ما ذكره ابن عبد البر في الإستيعاب في ترجمة الإمام علي ﵁.","vol":"9","page":236},{"text":"قال بعضهم: أراد جميع جوانبهم، فعبّر بالبعض عن الكل على مذهب العرب في الإيجاز، ومجازه: عن أيمانهم.\nوقال الضحّاك: أراد يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ كتبهم.\nوقرأ سهل بن سعد الساعدي: بِإِيْمانِهِمْ بكسر الهمزة، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة، وأراد بالنور: القرآن.\nقال عبد الله بن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم فمنهم من يأتي نوره كالنخلة ومنهم من يؤتي نوره كالرجل القائم وأدناهم نورا على إبهامه فيطفأ مرة ويقد مرة.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال: «من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن أبين وصنعاء ودون ذلك، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء نوره موضع قدميه، وتقول لهم الملائكة: بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» [٢١٨] «١» .\nيَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا قراءة العامة: موصولة أي انتظرونا.\nوقرأ يحيى والأعمش وحمزة: (أَنْظِرُونا) بفتح الألف وكسر الظاء أي أمهلونا.\nوقال الفراء: تقول العرب: أنظرني أي انتظرني، وأنشد في ذلك بيت عمرو بن كلثوم:\nأبا هند فلا تعجل علينا ... وانظرنا نخبرك اليقينا «٢»\nقال: يعني انتظرنا.\nنَقْتَبِسْ نستضيء مِنْ نُورِكُمْ قال المفسرون: إذا كان يوم القيامة أعطى الله تعالى المؤمنين نورا على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، وأعطى المنافقين الضالّين كذلك خديعة لهم وهو قوله ﷿ وَهُوَ خادِعُهُمْ\n«٣» .\nوقال الكلبي: بل يستضيء المنافقون بنور المؤمنين ولا يعطون النور «٤» .\nقالوا فبينما هم يمشون إذ بعث الله تعالى ريحا وظلمة فأطفأ نور المنافقين، فذلك قوله ﷿ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا مخافة أن يسلبوا نورهم كما سلب المنافقون، فإذا بقي المنافقون في الظلمة قالوا\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٣٠.\n(٢) شرح المعلقات السبع: ١١٧.\n(٣) سورة النساء: ١٤٢.\n(٤) التسهيل لعلوم التنزيل: ٤/ ٩٦.","vol":"9","page":237},{"text":"للمؤمنين انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ من حيث جئتم فَالْتَمِسُوا فاطلبوا هناك لأنفسكم نُورًا فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ أي سور والباء صلة، عن الكسائي. وهو حاجز بين الجنة والنار لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ يعني الجنة وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ أي من قبل ذلك الظاهر الْعَذابُ وهو النار.\nأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن ماجة القزويني، حدّثنا محمد بن أيوب الرازي، حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: وأخبرني ابن حمدان، حدّثنا ابن ماهان، حدّثنا موسى بن إسماعيل حماد عن أبي سنان قال: كنت مع علي بن عبد الله بن عباس عند وادي جهنم فحدّث عن أبيه وقرأ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ الآية ثم قال: أي هذا موضع السور، يعني وادي جهنم.\nوأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السني أخبرني أحمد بن عمير بن يوسف، حدّثنا عبد السلام بن عتيق، حدّثنا أبو مسهر، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن عطية بن قيس حدّثني أبو العوام مؤذن أهل بيت المقدس عن عبد الله بن عمرو قال: إن السور الذي ذكر الله ﷿ في القرآن فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ سور مسجد بيت المقدس الشرقي باطنه من المسجد وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ الوادي: وادي جهنم.\nوأخبرني ابن فنجويه، حدّثنا السني، حدّثنا أبو يعلي الموصلي حدّثنا أبو نصر التمار، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن زياد بن أبي سودة أن عبادة بن الصامت قام على سور بيت المقدس الشرقي فبكى. فقال بعضهم: ما يبكيك يا أبا الوليد؟ فقال: من هاهنا أخبرنا رسول الله ﷺ أنه رأى جهنم.\nوأخبرني عقيل أن أبا الفرج حدثهم عن محمد بن جرير حدّثني محمد بن عوف، حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا صفوان، حدّثنا شريح أن كعبا يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله ﷿ فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ الآية.\nيُنادُونَهُمْ يعني ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور، فبقوا في الظلمة والعذاب، وصار المؤمنون في النور والرحمة أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ في الدنيا نصوم ونصلي ونناكحكم ونوارثكم؟ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أهلكتم أَنْفُسَكُمْ بالنفاق وَتَرَبَّصْتُمْ بالأيمان.\nوقال مقاتل: بل تَرَبَّصْتُمْ بمحمد الموت وقلتم: يوشك أن يموت محمد فتستريح وَارْتَبْتُمْ شككتم في التوحيد والنبوة وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ للأباطيل.\nوقال أبو بكر الورّاق: طول الأمل.","vol":"9","page":238},{"text":"أخبرني الحسين، حدّثنا ابن حمدان، حدّثنا يوسف بن عبد الله، حدّثنا مسلم بن أدهم حدّثنا همام بن يحيى، حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خط خطوطا وخط خطا منها ناحية فقال: «تدرون ما هذا؟ هذا مثل ابن آدم ومثل التمني، وذلك الخط الأمل بينما هو يتمنى إذ جاءه الموت» [٢١٩] «١» .\nوأخبرنا الحسين، حدّثنا الكندي، حدّثنا أبو عيسى حمزة بن الحسين بن عمر، حدّثنا يحيى بن عبد الباقي، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن بلال بن سعد قال: ذكرك حسناتك ونسيانك سيئاتك غرّة.\nحَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ يعني الموت وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ أي الشيطان. وقرأ سماك بن حرب: بضم الغين يعني الأباطيل.\nقال قتادة: كانوا على خدعة من الشيطان وما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.\nفَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ بدل وعوض.\nقراءة العامة يُؤْخَذُ بالياء.\nوقرأ ابن عامر والحسن وأبو جعفر ويعقوب بالتاء واختاره أبو حاتم.\nوَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني المشركين مَأْواكُمُ النَّارُ أي صاحبتكم وأولى بكم وأحق بإن تكون مسكنا لكم.\nقال لبيد:\nفعذب كلا الفريقين بحسب أنه ... مولى المخافة خلقها وإمامها «٢»\nوَبِئْسَ الْمَصِيرُ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا الآية. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المنافقين بعد الهجرة بسنة، وذلك أنهم سألوا سلمان الفارسي ذات يوم فقالوا: حدّثنا عمّا في التوراة فإن فيها العجائب، فنزلت الآية تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ إلى قوله نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ «٣» فخبّرهم بأن هذا القرآن أحسن من غيره وأنفع لهم، فكفّوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم [عادوا] «٤» فسألوا سلمان عن مثل ذلك فنزلت اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الآية «٥» .\nفكفّوا عن سؤال سلمان ما شاء الله ثم [عادوا] أيضا فسألوا فقالوا: حدّثنا عن التوراة فإن فيها العجائب، ونزلت هذه الآية.\n_________\n(١) فتح الباري: ١١/ ٢٠٣، وتفسير القرطبي: ١٧/ ٢٤٧.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢٥٢٩.\n(٣) سورة يوسف: ٣.\n(٤) في المخطوط: أعادوا.\n(٥) سورة الزمر: ٢٣.","vol":"9","page":239},{"text":"فعلى هذا القول يكون تأويل الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا في العلانية واللسان.\nوقال غيرهما: نزلت في المؤمنين.\nقال عبد الله بن مسعود: ملّ أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله لو حدّثتنا! فأنزل الله ﷿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ الآية.\nفقالوا: يا رسول الله لو قصصت علينا! فأنزل الله ﷿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ الآية.\nفقالوا: يا رسول الله لو ذكّرتنا ووعظتنا. فأنزل الله ﷿ هذه الآية.\nوقال ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلّا أربع سنين، فجعل المؤمنون يعاتب بعضهم بعضا.\nوقال ابن عباس: إن الله تعالى استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن، فقال أَلَمْ يَأْنِ يحن لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ ترق وتلين وتخضع قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ.\nقرأ شيبة ونافع وعاصم برواية المفضل وحفص: خفيفة الزاي، غيرهم: مشددة.\nمِنَ الْحَقِّ وهو القرآن، قال مجاهد: نزلت هذه الآية في المتعرّبين بعد الهجرة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، حدّثنا محمد بن خالد، حدّثنا سليمان بن داود، حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا يزيد بن هارون، حدّثنا الحسام بن المصك «١» عن الحسن عن شداد بن أوس قال:\nقال رسول الله ﷺ: «أول ما يرفع من الناس الخشوع» [٢٢٠] «٢» .\nوَلا يَكُونُوا يعني وألّا يكونوا، محله نصب بالعطف على تَخْشَعَ قال الأخفش: وإن شئت جعلته نهيا فيكون مجازه: ولا يكونن، ودليل هذا التأويل رواية يونس عن يعقوب أنه قرأ:\n(ولا تكونوا) بالتاء.\nكَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ وهم اليهود والنصارى. فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ الزمان والدهر والغاية بينهم وبين أنبيائهم فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.\nروى الأعمش عن عمارة بن عمير عن الربيع بن عميلة، حدّثنا عبد الله حدّثنا، ما سمعت «٣» حدّثنا هو أحسن منه إلّا كتاب الله ﷿ أو رواية عن النبي ﷺ أن بني إسرائيل لما\n_________\n(١) في بعض كتب الرجال: حسام بن مصك، بحذف الألف واللام، أنظر تهذيب التهذيب: ٢/ ٢١٣ الرقم ٤٤٦. [.....]\n(٢) مجمع الزوائد: ٢/ ١٣٦، والمعجم الكبير: ٧/ ٢٩٥.\n(٣) كذا في المخطوط.","vol":"9","page":240},{"text":"طال عليهم الأمد قست قلوبهم فاخترعوا كتابا من عند أنفسهم استهوته قلوبهم واستحلته أنفسهم، وكان الحق يحول بينهم وبين كثير من شهواتهم حتى نبذوا كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ، فقالوا: اعرضوا هذا الكتاب على بني إسرائيل فإن تابعوكم فأتركوهم، وإن خالفوكم فاقتلوهم، ثم قالوا: لا بل أرسلوا إلى فلان رجلا من علمائهم فاعرضوا عليه الكتاب فإن تابعكم فلن يخالفكم أحد بعده وإن خالفكم فاقتلوه فلن يختلف عليكم بعده أحد.\nفأرسلوا إليه، فأخذ ورقة فكتب فيها كتاب الله ﷿ ثم جعلها في قرن ثم علّقها في عنقه، ثم لبس عليه الثياب، ثم أتاهم فعرضوا عليه الكتاب فقالوا: أتؤمن بهذا؟ فأومأ إلى صدره فقال: آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟ يعني الكتاب الذي في القرن، فخلّوا سبيله.\nوكان له أصحاب يغشونه، فلما مات نبشوه فوجدوا القرن ووجدوا فيه الكتاب، فقالوا:\nألا ترون قوله: آمنت بهذا، ومالي لا أومن بهذا؟ إنما عني هذا الكتاب؟ فاختلف بنو إسرائيل على بضع وسبعين ملة، وخير مللهم أصحاب ذي القرن.\nقال عبد الله: وإن من بقي منكم سيرى منكرا، وبحسب أمرى يرى منكرا لا تستطيع أن يغيره أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره.\nوقال مقاتل بن حيان: إنما يعني بذلك مؤمني أهل الكتاب قبل أن يبعث النبي ﷺ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ يعني خروج النبي ﷺ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني الذين ابتدعوا الرهبانية أصحاب الصوامع، ثبتت طائفة منهم على دين عيسى حتى بعث النبي ﷺ وآمنوا به، ومنهم طائفة رجعت عن دينها وهم الذين فسّقهم «١» فكفروا بدين عيسى ولم يؤمنوا بمحمد (﵇) .\nوقال محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدبين، فلما هاجروا أصابوا الريف والنعمة ففتروا عمّا كانوا فيه، فقست قلوبهم، فينبغي للمؤمنين أن يزدادوا إيمانا ويقينا وإخلاصا في طول صحبة الكتاب.\nأنبأني عبد الله بن حامد، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن العباس الضبّي، أخبرنا أبو جعفر محمد بن عبد الله النيّري، حدّثنا أبو سعيد الأشج، حدّثنا أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن وائل بن بكر قال: قال عيسى (﵇): «لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد فإنما الناس رجلان مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية» [٢٢١] .\n_________\n(١) كذا في المخطوط.","vol":"9","page":241},{"text":"أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدّثنا أبو عبد الله المقرئ قال: سمعت أبا الحسن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: سمعت أبا عمار الحسين ابن حريث يقول: سمعت الفضل بن موسى السيناني يقول: كان سبب توبة الفضل بن عياض أنه عشق جارية فواعدته ليلا، فبينما هو يرقى الجدران إليها إذ سمع قارئا يقرأ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ فرجع القهقرى.\nوهو يقول: بلى فلان بلى والله فلان. فأواه الليل إلى خربة وفيها جماعة من السابلة، وإذا بعضهم يقول لبعض بالفارسية: فضيل بدر أهست در ما راه برّذ.\nفقال الفضيل في نفسه: الا أراني أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين يخافونني؟\nاللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي إليك جوار بيتك الحرام.\nثم أقبل عليهم فقال لهم بالفارسية: منم فضيل كناه كار أز من ترسيديد اكنون مترسيد.\nقال الفضل بن موسى: ثم خرج فجاور.\nوحدّثنا أبو سعد بن أبي عثمان الزاهد، أخبرنا أبو الفضل أحمد بن أبي عمران بمكة، حدّثنا أبو يعقوب البزاز، حدّثنا محمد بن حاتم السمرقندي، حدّثنا أحمد بن زيد، حدّثنا حسين ابن الحسن قال: سئل ابن المبارك وأنا حاضر عن أول زهده فقال: إني كنت في بستان، وأنا شاب مع جماعة من أترابي، وذلك في وقت الفواكه، فأكلنا وشربنا وكنت مولعا بضرب العود فقمت في بعض الليل، فإذا غصن يتحرك عند رأسي فأخذت العود لأضرب به فإذا بالعود ينطق وهو يقول أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته وصرفت ما عندي من جميع الأمور التي كنت عليها مما شغلت عن الله، وجاء التوفيق من الله ﷿ فكان ما سهل لنا من الخير بفضل الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ١٧ الى ٢٥]</span>\nاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)\nما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)","vol":"9","page":242},{"text":"اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ. قرأ ابن كثير وعاصم برواية أبي بكر والمفضل بتخفيف الصادين من التصديق مجازه: إن المؤمنين والمؤمنات.\nوقرأ الباقون: بتشديدهما بمعنى أن المتصدقين والمتصدقات، فأدغم التاء في الصاد كالمزمل والمدثر، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم اعتبارا لقراءة أبي: (إن المتصدقين والمتصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا) بالصدقة والنفقة في سبيله.\nقال الحسن: كل ما في القرآن من القرض الحسن فهو التطوع وإنما عطف بالفعل على الاسم لأنه في تقدير الفعل، مجازه: إن الذين صدقوا وأقرضوا يضاعف لهم أمثالها.\nقراءة العامة: بالألف وفتح العين. وقرأ الأعمش: (يضاعِفه) بكسر العين وزيادة هاء.\nوقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو جعفر (يضعّف) بالتشديد.\nوَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ وهو الجنة وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ واحدهم: صديق وهو الكثير الصدق.\nقال الضحاك: هم ثمانية نفر سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر وعلي وزيد وعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد وحمزة بن عبد المطلب، تاسعهم عمر بن الخطاب ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نبيّه.\nوَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ اختلف العلماء في نظم هذه الآية وحكمها، فقال قوم: تمام الكلام عند قوله: الصِّدِّيقُونَ ثم ابتدأ فقال: وَالشُّهَداءُ وأراد بهم شهداء المؤمنين خاصة، والواو فيه واو الاستثناء، وهذا قول ابن عباس ومسروق وجماعة من العلماء. وقال الآخرون:\nهي متصلة بما قبلها، والواو فيه واو النسق.\nثم اختلفوا في معناها، فقال الضحّاك: نزلت في قوم مخصوصين من المؤمنين، وكانوا كلّهم شهداء، وقد مرّ ذكرهم.\nوقال غيره: نزلت في المؤمنين المخلصين كلّهم.\nأخبرني عبد الله بن حامد- إجازة- قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا عبد الله ابن غنام النخعي قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا عبيد بن سعيد، عن شعبة، عن أبي","vol":"9","page":243},{"text":"قيس، عن الهرمل، عن عبد الله قال: إنّ الرجل ليقاتل الناس ليرى مكانه، وإنّ الرجل ليقاتل على الدنيا، وإنّ الرجل ليقاتل ابتغاء وجه الله، وإنّ الرجل ليموت على فراشه فيكون شهيدا، ثم قرأ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد قال: حدّثنا داود بن سليمان قال:\nحدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا سفيان بن ليث، عن مجاهد قال: كلّ مؤمن صدّيق شهيد، ثم قرأ هذه الآية، يعني موصولة.\nوقال ابن عباس في بعض الروايات: أراد بالشهداء الأنبياء خاصّة.\nلَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ في ظلمة القيامة. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا: (ما) صلة مجازه اعْلَمُوا ...\nلَعِبٌ باطل لا حاصل له وَلَهْوٌ: فرح ثم ينقضي وَزِينَةٌ منظر يتزيّنون به، وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ: يفخر به بعضكم على بعض، وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ أي يتاه بكثرة الأموال والأولاد.\nوقال بعض المتأوّلين من المتأخّرين: لعب كلعب الصبيان، ولهو كلهو الفتيان، وزينة كزينة النسوان، وتفاخر كتفاخر الأقران، وتكاثر كتكاثر الدهقان.\nوقال عليّ بن ابي طالب لعمار بن ياسر: «لا تحزن على الدنيا، فإن الدنيا ستّة أشياء:\nمطعوم، ومشروب، وملبوس، ومشموم، ومركوب، ومنكوح. فأكبر طعامها العسل وهي بزقة ذبابة، وأكبر شرابها الماء ويستوي فيه جميع الحيوان، وأكبر الملبوس الديباج وهي نسجة دود، وأكبر المشموم المسك، وهي دم فأرة ظبية، وأكبر المركوب الفرس وعليها يقتل الرجال، وأكبر المنكوح النساء وهو مبال في مبال. والله إن المرأة ليزيّن أحسنها يراد به أقبحها» «١» .\nثم ضرب جلّ ذكره لها مثلا فقال عزّ من قائل: كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ أي الزّرّاع نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا فيبلى ويفنى وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ، يعني: أو مغفرة مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ سابِقُوا: سارعوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها: سعتها كعرض السماوات والأرض لوصل بعضها ببعض.\nوقال ابن كيسان: عنى به جنّة واحدة من الجنان.\nأُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ بالجدب والقحط وذهاب الزرع والثمر وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ بالأوصاب والأسقام.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٥٥.","vol":"9","page":244},{"text":"وقال الشعبي: المصيبة: ما يكون من خير وشرّ وما يسيء ويسرّ.\nودليل هذا التأويل قوله سبحانه: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ «١» فذكر الحالتين جميعا: إِلَّا فِي كِتابٍ يعني: اللوح المحفوظ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها: من قبل أن نخلق الأرض والأنفس.\nوقال ابن عباس: يعني المصيبة.\nوقال أبو العالية: يعني النسمة.\nإِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ إن خلق ذلك وحفظه على الله هيّن.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن مخلد قال: أخبرنا داود قال: حدّثنا عبيد قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا الربيع بن أبي صالح قال: دخلت على سعيد بن جبير في نفر فبكى رجل من القوم، فقال: ما يبكيك؟ قال: أبكي لما أرى بك ولما يذهب بك إليه. قال: فلا تبك، فإنّه كان في علم الله سبحانه أن يكون، ألم تسمع إلى قول الله ﷿: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ الآية.\nلِكَيْلا تَأْسَوْا: تحزنوا عَلى ما فاتَكُمْ من الدنيا، وَلا تَفْرَحُوا: تبطروا بِما آتاكُمْ. قراءة العامّة بمدّ الألف، أي (أعطاكم)، واختاره أبو حاتم. وقرأ أبو عمرو بقصر الألف أي: (جاءكم)، واختاره أبو عبيد، قال: لقوله سبحانه: فاتَكُمْ ولم يقل: (أفاتكم) فجعل له، فكذلك (أتاكم) جعل الفعل له ليوافق الكلام بعضه بعضا.\nقال عكرمة: ما من أحد إلّا وهو يفرح ويحزن فاجعلوا للفرح شكرا وللحزن صبرا.\nوَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ: متكبّر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.\nوقال ابن مسعود: لأن الحس جمرة أحرقت ما أحرقت، وأبقت ما أبقت، أحبّ إليّ من أن أقول لشيء كان: ليته لم يكن، أو لشيء لم يكن: ليته كان.\nوقال جعفر الصادق: «يا بن آدم، ما لك تأسّف «٢» على مفقود لا يردّه إليك الفوت؟ وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت؟» «٣» .\nوقيل لبزرجمهر: ما لك أيها الحكيم لا تأسف على ما فات ولا تفرح بما هو آت؟ فقال:\nلأنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة، والآتي لا يستدام بالحبرة.\n_________\n(١) سورة الحديد: ٢٣.\n(٢) في المصدر: تأس.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٥٨.","vol":"9","page":245},{"text":"وقال الفضيل في هذا المعنى: الدنيا مفيد ومبيد فما أباد فلا رجعة له، وما أفاد فقد أذن بالرحيل.\nوقال الحسين بن الفضل: حمل الله سبحانه بهذه الآية المؤمنين على مضض الصبر على الفائت، وترك الفرح بالآتي، والرضا بقضائه في الحالتين جميعا.\nوقال قتيبة بن سعيد: دخلت بعض أحياء العرب فإذا أنا بفضاء من الأرض مملوء من الإبل الموتى والجيف بحيث لا أحصي عددها، فسألت عجوزا: لمن كانت هذه الإبل؟ فأشارت إلى شيخ على تلّ يغزل صوفا، فقلت له: يا شيخ ألك كانت هذه الإبل؟ قال: كانت باسمي. قلت:\nفما أصابها؟ قال: ارتجعها الذي أعطاها. قلت: وهل قلت في ذلك شيئا؟ قال: نعم:\nلا والذي أخذ [...] «١» من خلائقه ... والمرء في الدهر نصب الرزء والمحن\nما سرّني أنّ إبلي في مباركها ... وما جرى في قضاء الله لم يكن «٢»\nوقال سلم الخوّاص: من أراد أن يأكل الدارين فليدخل في مذهبنا عامين ليضع الله سبحانه الدنيا والآخرة بين يديه. قيل: وما مذهبكم؟ قال: الرضا بالقضا، ومخالفة الهوى.\nوأنشد:\nلا تطل الحزن على فائت ... فقلّما يجدي عليك الحزن\nسيّان محزون على ما مضى ... ومظهر حزنا لما لم يكن\nالَّذِينَ يَبْخَلُونَ، قيل: هو في محل الخفض على نعت (المختال)، وقيل: هو رفع بالابتداء وخبره ما بعده. وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ قرأ أهل المدينة والشام بإسقاط (هو) وكذلك هو في مصاحفهم. الباقون بإثباته.\nلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ يعني له يعدل. وقال ابن زيد:\nما يوزن به. لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ: ليعمل الناس بينهم بالعدل وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ، قال ابن عباس: نزل آدم من الجنّة معه خمسة أشياء من الحديد: السندان، والكلبتان، والمنقعة، والمطرقة، والإبرة.\nوقال أهل المعاني: يعني أنه أخرج لهم الحديد من المعادن، وعلمهم صنيعته بوحيه.\nوقال قطرب: هذا من النزل كما تقول: أنزل الأمر على فلان نزلا حسنا، فمعنى الآية أنه جعل ذلك نزلا لهم، ومثله قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ «٣» .\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة.\n(٢) زاد المسير لابن الجوزي: ٧/ ٣٠٨.\n(٣) سورة الزمر: ٦.","vol":"9","page":246},{"text":"ودليل تأويل السلف من المفسرين ما\nأخبرنا أبو سفيان الحسن بن عبد الله الدهقان قال:\nحدّثنا الحسن بن إسماعيل بن خلف الخيّاط قال: حدّثنا أبو بكر محمّد بن الفرج المعدّل قال:\nحدّثنا محمّد بن عبيد بن عبد الملك قال: حدّثنا سفيان بن محمّد أبو محمّد (ابن أخت سفيان الثوري) عن عبد الملك بن ملك التميمي عن عبد الله بن خليفة عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ﷿ أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: فأنزل الحديد، والنّار، والماء والملح» «١» [٢٢٢] .\nفِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، قوّة شديدة، يعني: السلاح والكراع، وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ممّا يستعملونها في مصالحهم ومعايشهم إذ هو آلة لكلّ صنعة. وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ، يعني: أرسلنا رسلنا، وأنزلنا معهم هذه الأشياء ليعامل الناس بالحقّ والعدل وليرى سبحانه مَنْ يَنْصُرُهُ أي دينه وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-764>[سورة الحديد (٥٧): الآيات ٢٦ الى ٢٩]</span>\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)\nوَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ على دينه رَأْفَةً وَرَحْمَةً والرأفة أشد الرقّة وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها من قبل أنفسهم ما كَتَبْناها فرضناها وأوجبناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ يعني: ولكنهم ابتغوا رِضْوانِ اللَّهِ بتلك الرهبانية فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وهم أهل الرأفة والرحمة والرهبانية التي ابتدعوها طلبا لرضا الله وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني الذين لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها وكفروا بدين عيسى وتهوّدوا وتنصّروا. وبنحو ما فسّرنا ورد فيه الآثار.\nوقال ابن مسعود: كنت رديف رسول الله ﷺ على حمار، فقال لي: «يا ابن أمّ عبد، هل تدري من أين اتّخذت بنو إسرائيل الرهبانية؟» . قلت: الله ورسوله أعلم.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٠١.","vol":"9","page":247},{"text":"قال: «ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى (﵇) يعملون بمعاصي الله سبحانه، فغضب أهل الإيمان فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات فلم يبق منهم إلّا القليل، فقالوا:\nإن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ولم يبق للدين أحد يدعو إليه، فتعالوا نتفرّق في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا عيسى- يعنون محمّدا- فتفرّقوا في غيران الجبال، وأحدثوا الرهبانية، فمنهم من تمسّك بدينه ومنهم من كفر» [٢٢٣] . ثم تلا هذه الآية وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ- الآية.\nفَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ يعني: من ثبتوا عليها أَجْرَهُمْ، ثم قال النبي ﷺ: «يا ابن أم عبد، أتدري ما رهبانية أمتي؟» قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «الهجرة والجهاد والصلاة والصوم والحج والعمرة والتكبير على التلاع» «١» [٢٢٤] .\nوأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله ابن سليمان قال: حدّثنا شيبان بن فرّوخ قال: حدّثنا الصعق بن حزن، عن عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق، عن سويد بن غفلة، عن ابن مسعود قال: دخلت على رسول الله ﷺ فقال: «يا ابن مسعود، اختلف من كان قبلكم على ثنتين وسبعين فرقة ونجا منها ثلاث وهلك سائرهن، فرقة وازت الملوك وقاتلوهم على دين عيسى فأخذوهم وقتلوهم، وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك ولا بأن يقيموا بين ظهرانيهم تدعوهم إلى دين الله سبحانه ودين عيسى، فساحوا في البلاد وترهّبوا وهم الذين قال الله سبحانه: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ» .\nقال النبي ﷺ: «من آمن بي وصدّقني واتّبعني فقد رعاها حَقَّ رِعايَتِها، ومن لم يؤمن بي فأولئك هم الهالكون» [٢٢٥] «٢» .\nوروى الضحّاك وعطّية عن ابن عباس قال: كتب الله سبحانه عليهم القتال قبل أن يبعث محمّدا ﷺ فلما استخرج أهل الإيمان ولم يبق منهم إلّا قليل وكثر أهل الشرك، وذهبت الرسل وقهروا، اعتزلوا في الغيران فلم يزل بهم ذلك حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله ودينه، وأخذوا بالبدعة وبالنصرانيّة وباليهودية، ولم يرعوها حقّ رعايتها، وثبتت طائفة على دين عيسى حتى جاءهم البيّنات، وبعث الله سبحانه محمّدا ﷺ وهم كذلك. فذلك قوله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ إلى قوله: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا عليّ بن حرب قال:\nحدّثنا ابن فضيل قال: حدّثنا عطاء، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.\nوحدّثت عن محمّد بن جرير، قال: حدّثنا أبو عمّار الحسين بن حريث قال: حدّثنا الفضل\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٦٥.\n(٢) مجمع الزوائد: ٧/ ٢٦٠.","vol":"9","page":248},{"text":"ابن موسى عن سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى (﵇) بدّلوا التوراة والإنجيل. وكان فيهم مؤمنون يقرءون التوراة والإنجيل ويدعونهم إلى دين الله ويأمرونهم بتقوى الله سبحانه، فقيل لملكهم: لو جمعت هؤلاء الذين شقّوا عليكم وآذوكم فقتلتموهم، أقرّوا بما نقرّ به، ودخلوا فيما نحن فيه. فدعاهم ملكهم وجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل. إلّا ما بدّلوا فيها، فقالوا: ما تريد منّا؟ نحن نكفيكم أنفسنا. فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا اسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم أعطونا شيئا نرفع به طعامنا وشرابنا ولا نردّ عليكم. وقالت طائفة أخرى: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونسرب كما تسرب الوحش فإن قدرتم علينا بأرض فاقتلونا. وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دورا في الفيافي ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمرّ بكم. وليس أحد من أولئك إلّا له حميم منهم، ففعلوا ذلك بهم فمضى أولئك على منهاج عيسى، وخلف قوم من بعدهم ممّن قد غيّر الكتاب، فجعل الرجل يقول: نكون في مكان فلان فنتعبّد كما تعبّد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتّخذ دورا كما اتّخذ فلان، وهم على شركهم، ولا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فذلك قوله سبحانه: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. قال: ابتدعها هؤلاء الصالحون فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، يعني الآخرين الذين جاءوا من بعدهم، وفَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني الذين: ابتدعوها وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ: الذين جاءوا من بعدهم.\nقال: فلمّا بعث النبيّ ﷺ (﵇) ولم يبق منهم إلّا قليل، انحطّ رجل من صومعته، وجاء السائح من سياحته وصاحب الدير من ديره، وآمنوا به وصدّقوه فقال الله ﷿: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمّد (﵇) يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ قال:\nأجرين لإيمانهم بعيسى والإنجيل وإيمانهم بمحمّد والقرآن، وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ يعني: القرآن لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الذين يتشبّهون بهم أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ إلى آخرها.\nوقال قوم: انقطع الكلام عند قوله: وَرَحْمَةً ثم قال: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وذلك أنّهم تركوا الحقّ، وأكلوا لحم الخنزير، وشربوا الخمر، ولم يتوضّؤوا ولم يغتسلوا من جنابة، وتركوا الختان، فَما رَعَوْها يعني: الطاعة والملّة حَقَّ رِعايَتِها. كناية عن غير مذكور. فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ، وهم أهل الرأفة والرحمة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ، وهم أهل الرهبانية والبدعة، وإليه ذهب مجاهد.\nومعنى قوله: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ: وما أمرناهم إلّا بذلك وما أمرناهم إلّا بالترهّب، أو يكون وجهه: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ بزعمهم وعندهم، والله أعلم.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمّد (﵇) يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ:\nنصيبين مِنْ رَحْمَتِهِ لإيمانكم بالأوّل وإيمانكم بالآخر.","vol":"9","page":249},{"text":"وقال أبو موسى الأشعري: كِفْلَيْنِ: ضعفين بلسان الحبشة.\nقال ابن جبير: وأصله ما يكتفل به الراكب من الثياب والمتاع فيحبسه ويحفظه من السقوط، يقول: يحصنكم هذا الكفل من العذاب كما يحصن الراكب الكفل من السقوط. ومنه الكفالة لأنّها تحصن الحقّ.\nوَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ في الناس، وعلى الصراط أحسن.\nوقال ابن عباس: النور القرآن.\nوقال مجاهد: الهدى والبيان، وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\nقال سعيد بن جبير: بعث النبي ﷺ جعفرا ﵁ في سبعين راكبا للنجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلمّا كان عند انصرافه قال ناس ممّن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلا: ايذن لنا فنأتي هذا النبيّ ﷺ فنلمّ به ونجدّف بهؤلاء في البحر فإنا أعلم بالبحر منهم. فقدموا مع جعفر على النبيّ ﷺ وقد تهيأ النبيّ ﷺ (﵇) لوقعة أحد، فلمّا رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة وشدّة الحال استأذنوا النبيّ ﷺ (﵇) فقالوا: يا رسول الله إنّ لنا أموالا، ونحن نرى ما بالمسلمين من خصاصة، فإن أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها. فأذن لهم فانصرفوا وأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله سبحانه فيهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ إلى قوله وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ «١» فكانت النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن قوله:\nيُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ «٢»، فجروا على المسلمين فقالوا: يا معشر المسلمين، أما من آمن منّا بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجر كأجوركم فما فضلكم علينا؟ فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ فجعل لهم أجرين وزادهم النور والمغفرة\nثم قال: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ، وهكذا قرأها سعيد بن جبير أَلَّا يَقْدِرُونَ الآية.\nوروى حنان عن الكلبي قال: كان هؤلاء أربعة وعشرين رجلا قدموا من اليمن على رسول الله ﷺ وهو بمكّة، لم يكونوا يهودا ولا نصارى، وكانوا على دين الأنبياء فأسلموا، فقال لهم أبو جهل: بئس القوم أنتم والوفد لقومكم. فردّوا عليه: وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ، فجعل الله سبحانه لهم ولمؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه أجرين اثنين، فجعلوا يفخرون على أصحاب رسول الله ﷺ وقالوا: نحن أفضل منكم لنا أجران ولكم أجر واحد، فأنزل الله سبحانه: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ الآية.\n_________\n(١) سورة القصص: ٥٤. [.....]\n(٢) سورة القصص: ٥٤.","vol":"9","page":250},{"text":"أخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدّثنا أبو بكر بن مالك قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن سفيان، عن صالح، عن الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: «من كانت له أمة فعلّمها فأحسن تعليمها، وأدّبها فأحسن تأديبها، وأعتقها وتزوّجها فله أجران، وعبد أدّى حقّ الله وحقّ مواليه، ورجل «١» من أهل الكتاب آمن بما جاء به موسى أو ما جاء به عيسى وما جاء به محمّد ﷺ فله أجران» [٢٢٦] «٢» .\nوقال قتادة: حسد أهل الكتاب المسلمين، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال مجاهد: قالت اليهود: يوشك أن يخرج منا نبيّ يقطع الأيدي والأرجل، فلمّا خرج من العرب كفروا، فأنزل الله سبحانه لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أي ليعلم (لا) صلة أَلَّا يَقْدِرُونَ يعني أنّهم لا يقدرون، كقوله: أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا «٣» وأنشد الفرّاء:\nإنّي كفيتك ما توثق ... إن نجوت إلى الصباح\nوسلمت من عرض الجنون ... من الغدوّ إلى الرواح\nإن تهبطنّ بلاد قومي ... يرتعون من الطلاح\nأي: إنّك تهبطن.\nعَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ الآية.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني أبو بكر بن خرجة قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي قال: حدّثنا الحسن بن السكن البغدادي، قال: حدّثنا أبو زيد النحوي، عن قيس بن الربيع عن الأعمش، عن عطيّة، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ﷿ قسّم الأجر وقسّم العمل، فقيل لليهود: اعملوا، فعملوا إلى نصف النهار، فقيل: لكم نصف قيراط. وقيل للنصارى: اعملوا، فعملوا من نصف النهار إلى العصر، فقيل: لكم قيراط.\nوقيل للمسلمين: اعملوا، فعملوا من صلاة العصر إلى غروب الشمس بقيراطين. فتكلّم اليهود والنصارى في ذلك، فأنزل الله سبحانه: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ» [٢٢٧] «٤» .\n_________\n(١) في المصدر: أيما رجل من أهل الكتاب ... مع تقديم وتأخير فيه.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٣٩٥.\n(٣) سورة طه: ٨٩.\n(٤) الدر المنثور: ٦/ ١٧٩.","vol":"9","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-765>سورة المجادلة</span>\nمدنيّة، وهي ألف وسبعمائة واثنان وتسعون حرفا، وأربعمائة وثلاث وسبعون كلمة، واثنتان وعشرون آية\nأخبرنا أبو الحسين عليّ بن محمّد بن الحسن المقرئ، عن مرّة قال: حدّثنا أبو بكر أحمد ابن إبراهيم الجرجاني وأبو الشيخ عبد الله بن محمّد الأصبهاني قالا: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم ابن شريك الكوفي قال: حدّثنا أحمد بن يونس اليربوعي قال: حدّثنا سلام بن سليم المدائني قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبىّ بن كعب قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة» [٢٢٨] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)\nقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ: تخاصمك وتحاورك وتراجعك فِي زَوْجِها وهي امرأة من الأنصار ثمّ من الخزرج، واختلفوا في اسمها ونسبها، فقال ابن عباس: هي خولة بنت\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٠٧.","vol":"9","page":252},{"text":"خولد. وقال أبو العالية: خويلة بنت الدليم. وقال قتادة: خويلة بنت ثعلبة. وقال المقاتلان:\nخولة بنت ثعلبة ابن مالك بن خزامة الخزرجية من بني عمرو بن عوف.\nعطية عن ابن عباس: خولة بنت الصامت.\nوروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنّ اسمها جميلة «١»، وزوجها أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت وذلك أنّها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فنظر إلى عجزها، فلمّا انصرفت أرادها فأبت عليه فغضب عليها، وكان امرئا فيه سرعة ولمم.\nفقال لها: أنت عليّ كظهر أمّي. ثم ندم على ما قال، وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية. فقال لها: ما أظنك إلّا قد حرمت عليّ. قالت: لا تقل ذلك، ائت رسول الله ﷺ فسله. فقال: إني أجدني استحي منه أن أسأله عن هذا. قالت: فدعني أسأله. قال: سليه.\nفأتت النبي ﷺ وعائشة تغسل شقّ رأسه، فقالت: يا رسول الله، إنّ زوجي أوس بن الصامت تزوّجني، وكنت شابّة جميلة ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرّق وكبرت سنّي ظاهر منّي وقد ندم، فهل من شيء يجمعني وإيّاه ينعشني؟ فقال رسول الله ﷺ:\n«حرمت عليه» . فقالت: يا رسول الله، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، وإنّه أبو ولدي وأحبّ الناس إليّ. فقال رسول الله ﷺ: «حرمت عليه» . فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، قد طالت صحبتي ونقصت «٢» له بطني. فقال رسول الله (﵇): «ما أراك إلّا وقد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء» [٢٢٩] «٣» .\nفجعلت تراجع رسول الله ﷺ، فإذا قال لها رسول الله (﵇): «حرمت عليه» هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدّة حالي، اللهمّ، فأنزل على لسان نبيّك.\nوكان هذا أول ظهار في الإسلام. فقامت عائشة تغسل شقّ رأسه الآخر فقالت: انظر في أمري، جعلني الله فداك يا نبيّ الله. فقالت عائشة: اقصري حديثك ومحادثتك، أما ترين وجه رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه أخذه مثل السبات؟ فلمّا قضى الوحي قال: «ادعي زوجك» [٢٣٠] . فجاء، فقرأ ما نزل عليه رسول الله ﷺ: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ثم بيّن حكم الظهار، وجعل فيه الكفّارة، فقال سبحانه: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ إلى آخرها، قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلّها، إنّ المرأة لتحاور رسول الله وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى عليّ بعضه، إذ أنزل سبحانه: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ الآيات.\n_________\n(١) في المصدر: خولة بنت ثعلبة.\n(٢) كذا في المخطوط وفي المصدر: نثرت.\n(٣) سنن ابن ماجة: ١/ ٦٦٦ ح ٢٠٦٣، والسنن الكبرى: ٧/ ٣٨٢، ومستدرك الحاكم: ٢/ ٤٨١.","vol":"9","page":253},{"text":"فلمّا نزلت هذه الآيات وتلاها عليه رسول الله ﷺ قال له: «هل تستطيع أن تعتق رقبة؟» .\nقال: إذن يذهب مالي كلّه. الرقبة غالية وأنا قليل المال. فقال رسول الله ﷺ: «فهل تستطيع أن تصوم شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ؟» . قال: والله يا رسول الله، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات كلّ بصري وخشيت أن تعشو عيني. قال: «فهل تستطيع أن تطعم سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» . قال: لا والله، إلّا أن تعينني على ذلك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: «إنّي معينك بخمسة عشر صاعا، وأنا داع لك بالبركة» [٢٣١] «١» .\nفأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعا واجتمع لهما أمرهما.\nفذلك قوله: الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ، قد ذكرنا اختلاف القرّاء في هذا الحرف في سورة الأحزاب.\nما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ قرأ العامّة بخفض التاء ومحلّه نصب، كقوله سبحانه: ما هذا بَشَرًا «٢» . وقيل: (بأمهاتهم) . وقرأ المفضّل بضمّ التاء. إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا أي كذبا، والمنكر: الذي لا تعرف صحّته. وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ، اعلم أنّ الألفاظ التي يصير المرء بها مظاهرا على ضربين: صريح، وكناية. فالصريح هو أن يقول: أنت عليّ كظهر أمّي، وكذلك إذا قال: أنت عليّ كبطن أمّي أو كرأس أمّي أو كفرج أمّي، وهكذا إذا قال: فرجك أو رأسك أو ظهرك أو صدرك أو بطنك أو يدك أو رجلك عليّ كظهر أمّي، فإنّه يصير مظاهرا، وكلّ ذلك محلّ قوله:\nيدك أو رجلك أو رأسك أو بطنك طالق فإنّه تطلق، والخلاف في هذه المسألة بين الفريقين كالخلاف في الطلاق.\nومتى ما شبّهها بأمّه أو بإحدى جدّاته من قبل أبيه وأمّه كان ذلك ظهارا بلا خلاف. وإن شبّهها بغير الأمّ والجدّة من ذوات المحارم التي لا تحلّ له بحال كالابنة والأخت والعمّة والخالة ونحوها، كان مظاهرا على الصحيح من المذاهب. فصريح الظهار هو أن يشبّه زوجته أو عضوا من أعضائها بعضو من أعضاء أمّه، أو أعضاء واحدة من ذوات محارمه.\nوالكناية أن يقول: أنت عليّ كأمّي، أو مثل أمّي أو نحوها، فإنّه يعتبر فيه نيّته. فإن أراد ظهارا كان مظاهرا وإن لم ينو الظهار لا يصر مظاهرا. وكلّ زوج صحّ طلاقه صحّ ظهاره، سواء كان عبدا أو حرا أو ذمّيا أو دخل بالمرأة أو لم يدخل بها، أو كان قادرا على جماعها أو عاجزا عنه. وكذلك يصحّ الظهار من كلّ زوجة، صغيرة كانت أو كبيرة، أو عاقلة أو مجنونة، أو رتقاء أو سليمة، أو صائمة أو محرمة، أو ذمّية، أو مسلمة، أو في عدّة يملك رجعتها.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٠٩ بتفاوت يسير.\n(٢) سورة يوسف: ٣١.","vol":"9","page":254},{"text":"وقال أبو حنيفة: لا يصحّ ظهار الذمّيّ. وقال مالك: لا يصحّ ظهار العبد، قال بعض العلماء: لا يصحّ ظهار غير المدخول بها. وقال المزني: إذا طلّق الرجل امرأته طلقة رجعيّة ثم ظاهر فإنّه لا يصحّ.\nثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا اعلم أنّ الكفارة تلزم بالظهار وبالعود جميعا، ولا تلزم بأحدهما دون الآخر. كما أنّ الكفارة في باب اليمين تجب باليمين والحنث جميعا معا، فإذا عاد في ظهاره لزمته الكفّارة.\nواختلف العلماء والفقهاء في معنى العود فقال الشافعي: العود الموجب للكفّارة أن يمسك عن طلاقها بعد الظهار وتمضي مدّة يمكنه أن يطلّقها فلم يطلّقها.\nوقال قتادة: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يريد أن يغشاها ويطأها بعد ما حرّمها. وإليه ذهب أبو حنيفة، قال: إن عزم على وطئها ونوى أن يغشاها كان عودا.\nوقال مالك: إن وطئها كان عودا، وإن لم يطأها لم يكن عودا.\nوقال أصحاب الظاهر: إن كرّر اللفظ كان عودا وإن لم يكرّر لم يكن عودا. وهو قول أبي العالية، وظاهر الآية يشهد له، وهو قوله: ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا أي إلى ما قالوا، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ «١» مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا لأنّ الله سبحانه قيّد الرقبة بالإيمان في كفّارة القتل وأطلق في هذا الموضع، ومن حكم المطلق أن يحمل على القيد. وقوله: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أي يتجامعا، فالجماع نفسه محرّم على المظاهر حتى يكفّر، فإن وطئ قبل التكفير فقد فعل محرّما، ولا تسقط عنه الكفّارة بل يأتي بها على وجه القضاء، كما لو أخّر الصلاة عن وقتها، فإنّه لا يسقط عنه إتيانها بل يلزمه قضاؤها. وسواء كفّر بالإعتاق أو الصيام أو الإطعام فإنّه يجب عليه تقديم الكفّارة، ولا يجوز له أن يطأها قبل الكفّارة.\nوقال أبو حنيفة: إن كفّر بالإطعام جاز له أن يطأ ثم يطعم ولم يخالف في العتق والصيام.\nفهذا حكم وطء المظاهر قبل التكفير.\nوأمّا غير الوطء من التقبيل والتلذّذ فإنّه لا يحرم في قول أكثر العلماء. وهو قول الحسن وسفيان، والصحيح من مذهب الشافعي. وقال بعضهم: عنى به جميع معاني المسيس لأنّه عامّ وهو أحد قولي الشافعي ﵁.\nذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ: تؤمرون به، وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الرقبة ولا\n_________\n(١) كذا في المخطوط، والظاهر أنّ هنا سقطا من كلام المصنّف وهو كلمة (مؤمنة) الشارحة للرقبة كي يستقيم التعليل.","vol":"9","page":255},{"text":"ثمنها، أو يكون مالكا للرقبة إلّا إنّه محتاج إليها لخدمته، أو يكون مالكا للثمن ولكن يحتاج إليه لنفقته أو كان له مسكن يسكنه، فله الانتقال إلى الصوم.\nوقال أبو حنيفة: ليس له أن يصوم وعليه أن يعتق الرقبة وإن كان محتاجا إليها وإلى ثمنها، فإن عجر عن الرقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فإن أفطر في أثنائها بغير عذر قطع التتابع وعليه أن يستأنف شهرين متتابعين. وإن أفطر بعذر المرض أو السفر، فاختلف الفقهاء فيه، فقال قوم: لا ينقطع التتابع وله أن يبني ويقضي الباقي، وإليه ذهب سعيد بن المسيّب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي، وهو أحد قولي الشافعي.\nوقال آخرون: ليس له أن يبني بل يلزمه أن يستأنف ويبتدئ، وهو قول النخعي وأصحابه، والأصحّ من قولي الشافعي.\nوإن تخلّل صوم الشهرين زمان لا يصحّ فيه الصوم عن الكفّارة كالعيدين وأيام التشريق وأيام شهر رمضان، فإنّ التتابع ينقطع بذلك ويجب الاستئناف.\nولو وطئ المظاهر في الشهرين، نظر فإن وطئها نهارا بطل التتابع وعليه الابتداء، وإن وطئها ليلا لم يبطل التتابع. وقال أبو حنيفة: سواء وطئ ليلا أو نهارا فإنّه يبطل التتابع وعليه أن يستأنف صوم شهرين متتابعين.\nفَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الصيام، وعدم الاستطاعة مثل أن يخاف من الصوم لعلة أو لحوق ومشقّة شديدة ومضرّة ظاهرة، فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا لكلّ مسكين مدّ من غالب قوت بلده، والخلاف فيه بين الفريقين كالاختلاف في زكاة الفطرة. ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ.\nإِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ: يخالفون ويعادون اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا: أهلكوا وأخّروا وأحربوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ قراءة العامّة بالياء لأجل الحائل، وقرأ أبو جعفر القارئ (تكون) - بالتاء- لتأنيث النجوى، والأول أفصح وأصحّ مِنْ نَجْوى متناجين ثَلاثَةٍ، قال الفراء: إن شئت خفضت الثلاثة على نعت النجوى وإن شئت أضفت النجوى إليها، ولو نصبت على أنّها [حال] «١» لكان صوابا. إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ بالعلم يسمع نجواهم ويعلم فحواهم، وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ، قراءة العامّة بالنصب في محلّ الخفض عطفا. وقرأ يعقوب وأبو حاتم أكثر بالرفع على محلّ الكلام قبل دخول (من)، وقرأ\n_________\n(١) في المخطوط: فعل.","vol":"9","page":256},{"text":"الزهري أكبر بالباء «١»، إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى - الآية-\nقال ابن عباس: نزلت في اليهود والمنافقين وذلك أنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلّا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أصحابهم وأقرباؤهم. فلمّا طال ذلك وكثر شكوا إلى رسول الله ﷺ فأمرهم ألّا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال مقاتلان «٢»\n: أنزلت في اليهود، وكانت بينهم وبين النبي ﷺ موادعة، فإذا مرّ بهم رجل من أصحاب النبيّ ﷺ (﵇) جلسوا يتناجون فيما بينهم حتى ينظر المؤمن أنّهم يتناجون بقتله أو بما يكره، فينزل الطريق عليهم من المخافة، فبلغ ذلك النبي (﵇) فنهاهم عن النجوى فلم ينتهوا وعادوا إلى النجوى، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال ابن زيد:\nكان الرجل يأتي رسول الله ﷺ يسأله الحاجة ليري الناس أنّه قد ناجى فيقول لهم: إنّما يتناجون في حرب حضرت، أو جمع قد جمع لكم، أو أمر مهمّ قد وقع، فأنزل الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى أي المناجاة.\nثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ أي يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها وَيَتَناجَوْنَ، قرأ يحيى والأعمش وحمزة (ينتجون) على وزن (يفتعلون)، وقرأ الباقون يَتَناجَوْنَ على وزن (يتفاعلون)، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله: إِذا تَناجَيْتُمْ وتَناجَوْا ولم يقل (انتجيتم) و(انتجوا) . بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وقرأ الضحّاك:\n(ومعصيات الرسول) فيهما بالجمع وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ وذلك\nأنّ اليهود كانوا يدخلون على رسول الله ﷺ فيقولون: السام عليك. فيرد عليهم رسول الله: «وعليكم» . ولا يدري ما يقولون، والسام الموت، فإذا خرجوا قالوا: لو كان نبيّا لعذّبنا واستجيب فينا وعرف قولنا. فدخلوا عليه ذات يوم وقالوا: السام عليك. ففطنت عائشة ﵂ إلى قولهم وقالت: وعليكم السام والذام\n_________\n(١) أي أكبر. [.....]\n(٢) كذا في المخطوط، والأولى: المقاتلان.","vol":"9","page":257},{"text":"والداء واللعنة. فقال رسول الله ﷺ: «مه يا عائشة، إنّ الله﷿- يحبّ الرفق في الأمر كلّه ولا يحبّ الفحش والتفحّش» .\nفقالت: يا رسول الله، ألم تسمع ما قالوا؟، فقال رسول الله (﵇): «ألم تسمعي ما رددت عليهم؟» . فأنزل الله هذه الآية، فقال رسول الله ﷺ: «إذا سلّم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم» [٢٣٢] «١» .\nثم نهى المؤمنين أن يتناجوا فيما بينهم كفعل المنافقين واليهود فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا، قراءة العامّة بالألف، وروى أويس «٢» عن يعقوب: (فلا تتنجوا) من الانتجاء. بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ كفعل المنافقين واليهود وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ التناجي بِضارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا حمّاد بن الحسن قال:\nحدّثنا عبيد الله قال: حدّثنا الأعمش، عن سفيان عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون [صاحبهما] «٣» فإنّ ذلك يحزنه» [٢٣٣] «٤» .\nأخبرنا محمّد بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: أخبرنا عبد الله بن بشر قال: حدّثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أنّ النبي ﷺ قال: «لا يتناج اثنان دون الثالث» [٢٣٤] «٥» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا الآية،\nقال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبيّ ﷺ (﵇)، وكانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلا ضنّوا بمجلسهم عند رسول الله ﷺ فأمرهم الله أن يفسح بعضهم لبعض.\nوقال [المقاتلان] «٦»\n: كان النبي (﵇) في الصفّة وفي المكان ضيق وذلك يوم الجمعة، وكان رسول الله ﷺ يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار، فجاء أناس من أهل بدر وفيهم ثابت بن قيس بن شماس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي ﷺ فقالوا: السلام عليكم- أيّها النبيّ ورحمة الله. فردّ عليهم النبي (﵇) ثم سلّموا على القوم بعد ذلك،\n_________\n(١) كنز العمال: ٩/ ١٢٠ ح هامش رقم ٢، ومسند احمد: ٣/ ٩٩.\n(٢) كذا في المخطوط، والظاهر أنه رويس.\n(٣) في المخطوط (صاحبه) . وما أثبتناه أصح.\n(٤) مسند احمد: ١/ ٣٧٥.\n(٥) مسند أحمد بن حنبل ١: ٣٧٥، ٤٢٥، ٤٣١، ٤٣٢، ٤٣٨، ٤٦٢، ٤٦٤.\n(٦) في المخطوط: مقاتلان.","vol":"9","page":258},{"text":"فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فعرف النبي (﵇) ما يحملهم على القيام فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبيّ ﷺ فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار والتابعين من غير أهل بدر: «قم يا فلان وأنت يا فلان» [٢٣٥] «١» .\nفأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين يديه من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبيّ ﷺ (﵇) الكراهية في وجوههم، فقال المنافقون للمسلمين:\nألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس؟ فو الله ما عدل على هؤلاء، أنّ قوما أخذوا مجالسهم وأحبّوا القرب من نبيّهم فأقامهم وأجلس من أبطأ عنه مقامهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال الكلبي: نزلت في ثابت بن قيس بن الشماس- وقد ذكرت هذه القصّة في سورة الحجرات- فأنزل الله ﷿ في الرجل الذي لم يتفّسح له يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا: توسّعوا، ومنه قولهم: مكان فسيح إذا كان واسعا في المجلس.\nقرأ السلمي والحسن وعاصم فِي الْمَجالِسِ- بالألف- على الجمع، وقرأ قتادة:\n(تفاسحوا) بالألف فيهما، وقرأ الآخرون تَفَسَّحُوا (في المجلس) يعنون مجلس النبيّ ﷺ، واختاره أبو حاتم وأبو عبيد قال: لأنّه قراءة العامّة، مع أن المجلس يؤدي معناه عن المجالس كلّها من مجلس النبيّ ﷺ (﵇) وغيره.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال:\nحدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدّثنا فليح، عن أيوب بن عبد الرحمن بن صعصعة [الأنصاري، عن يعقوب] «٢» بن أبي يعقوب، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن افسحوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ» [٢٣٦] «٣» .\nوقال أبو العالية والقرظي: هذا في مجالس الحرب ومقاعد القتال، كان الرجل يأتي القوم في الصّف فيقول لهم: توسّعوا، فيأبون عليه لحرصهم على القتال، فأمرهم الله سبحانه أن يفسح بعضهم لبعض. وهذه رواية العوفي عن ابن عباس.\nقال الحسن: بلغني أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قاتل المشركين وصفّ أصحابه للقتال تشاحّوا على الصف الأوّل ليكونوا في أوّل غارة القوم، فكان الرجل منهم يجيء إلى الصّف الأوّل فيقول لإخوانه: توسّعوا لي ليلقى العدوّ ويصيب الشهادة، فلا يوسّعون له رغبة منهم في الجهاد والشهادة، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\n_________\n(١) زاد المسير: ٧/ ٣٢٣.\n(٢) بياض في مصوّرة المخطوط، وتمام السند من مسند أحمد بن حنبل.\n(٣) مسند أحمد بن حنبل ٥: ٤٨٣.","vol":"9","page":259},{"text":"وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا قرأ عاصم وأهل المدينة والشام بضم الشينين، وقرأ الآخرون بكسرهما. وهما لغتان، يعني وإذا قيل لكم: قوموا وتحرّكوا وارتفعوا وتوسّعوا لإخوانكم فافعلوا.\nوقال أكثر المفسّرين: معناه: وإذا قيل لكم: انهضوا إلى الصلاة والجهاد والذكر وعمل الخير أي حق كان فَانْشُزُوا ولا تقصّروا.\nقال عكرمة والضحاك: يعني إذا نودي للصلاة فقوموا لها، وذلك أن رجالا تثاقلوا عن الصلاة إذا نودي لها، فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال ابن زيد: هذا في بيت رسول الله ﷺ وذلك أن كلّ رجل منهم كان يحبّ أن يكون آخر عهده رسول الله، فقال الله سبحانه: وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا عن النبيّ ﷺ وأنّ له حوائج فَانْشُزُوا ولا تطلبوا المكث عنده يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ بطاعتهم رسول الله وقيامهم من مجالسهم وتفسّحهم لإخوانهم وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ منهم بفضل علمهم وسابقتهم دَرَجاتٍ فأخبر الله سبحانه أنّ رسول الله ﷺ مصيب فيما أمر وأنّ أولئك المؤمنين مثابون فيما ائتمروا، وأنّ النفر من أهل بدر مستحقّون لما عوملوا من الإكرام وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عامر البلخي قال: حدّثنا القاسم ابن عبّاد قال: حدّثنا صالح بن محمّد الترمذي قال: حدّثنا المسيّب بن شريح، عن أبي بكر الهذلي، عن الحسن قال: قرأ ابن مسعود هذه الآية يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ فقال: أيّها الناس، افهموا هذه الآية ولترغّبكم في العلم فإن الله سبحانه يقول: يرفع الله المؤمن العالم فوق الذي لا يعلم درجات «١» .\nوأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه قال: أخبرنا صالح ابن مقاتل، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «فضل العالم على الشهيد درجة، وفضل الشهيد على العابد درجة، وفضل النبيّ ﷺ على العالم درجة، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، وفضل العالم على سائر الناس كفضلي على أدناهم» [٢٣٧] «٢» .\nوقال رسول الله ﷺ: «من جاءته منيّته وهو يطلب العلم فبينه وبين الأنبياء درجة واحدة» [٢٣٨] «٣» .\n_________\n(١) زاد المسير: ٧/ ٣٢٤.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤١٨.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤١٨.","vol":"9","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-768>[سورة المجادلة (٥٨): الآيات ١٢ الى ٢٢]</span>\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦)\nلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ (١٨) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)\nلا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً\nقال ابن عباس:\nوذلك أنّ الناس سألوا رسول الله ﷺ فأكثروا، حتى شقّوا عليه وأحفوه بالمسألة فأدّبهم الله سبحانه وفطّنهم عن ذلك بهذه الآية، وأمرهم أن لا يناجوه حتى يقدّموا صدقة.\nوقال مقاتل بن حيّان: نزلت في الأغنياء، وذلك أنّهم كانوا يأتون النبيّ ﷺ فيكثرون مناجاته ويغلبون الفقراء على [المجالس] حتى كره النبي ﷺ طول جلوسهم ومناجاتهم فأمر الله تعالى بالصدقة عند المناجاة، فلمّا رأوا ذلك انتهوا عن المناجاة، فأمّا أهل العسرة فلم يجدوا شيئا، وأمّا أهل الميسرة فبخلوا ومنعوا، فاشتدّ ذلك على أصحاب النبيّ ﷺ فنزلت الرخصة «١»،\nقال مجاهد: نهوا عن مناجاة النبيّ ﷺ حتى يتصدّقوا، فلم يناجه إلّا عليّ بن أبي طالب ﵁ قدّم دينارا فتصدّق به ثمّ نزلت الرخصة.\nوقال عليّ بن أبي طالب ﵁: إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها\n_________\n(١) الحديث في تحفة الأحوذي: ٩/ ١٣٧، وتفسير الدر المنثور: ٦/ ١٨٥. [.....]","vol":"9","page":261},{"text":"أحد بعدي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً فإنّها فرضت ثم نسخت «١» .\nأخبرني عبد الله بن حامد- إجازة- قال: أخبرنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه قال: أخبرنا علي بن صقر بن نصر قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن «٢» الأشجعي، عن سفيان عن عثمان بن المغيرة، عن [سالم] بن أبي الجعد، عن عليّ بن علقمة الأنماري، عن علىّ بن أبي طالب قال: لمّا نزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً دعاني رسول الله ﷺ فقال: «ما ترى بذي دينار»؟. قلت: لا يطيقونه.\nقال: «كم»؟. قلت: حبّة أو شعيرة. قال: «إنك لزهيد» [٢٣٩] . فنزلت أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ الآية.\nقال عليّ ﵁: فيّ خفّف الله سبحانه عن هذه الأمّة، ولم تنزل في أحد قبلي ولن تنزل في أحد بعدي [٢٤٠] «٣» .\nقال ابن عمر: كان لعليّ بن أبي طالب ثلاث لو كان لي واحدة منهن كانت أحبّ إليّ من حمر النعم: تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى [٢٤١] «٤» .\nذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني للفقراء. أَأَشْفَقْتُمْ أبخلتم وخفتم بالصدقة الفاقة أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فتجاوز عنكم ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وقيل: الواو صلة. مجازه (وإذ لم تفعلوا تاب الله عليكم) تجاوز عنكم وخفّف ونسخ الصدقة.\nقال مقاتل بن حيّان: إنّما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ.\nوقال الكلبي: ما كانت إلّا ساعة من النهار.\nفَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نزلت في المنافقين تولّوا اليهود وناصحوهم ونقلوا إليهم أسرار المسلمين ما هُمْ مِنْكُمْ يا معشر المسلمين وَلا مِنْهُمْ يعني اليهود والكافرين. نظيره مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ «٥» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٣٠٢.\n(٢) في المصادر: يحيى بن آدم عن عبيد الله بن عبد الرحمن.\n(٣) مناقب ابن المغازلي: ٣٢٥، وذخائر العقبى: ١٠٩، وسنن الترمذي: ٥/ ٨٠ ح ٣٣٥٥.\n(٤) بتمامه في تفسير فرات الكوفي: ٤٦٩، وكنز العمال: ١٣/ ١١٦ ح ٣٧٣٧٦٢ بتفاوت عن عمر.\n(٥) النساء: ١٤٣.","vol":"9","page":262},{"text":"وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.\nقال السدّي ومقاتل: خاصّة في عبد الله بن نبتل المنافق، كان يجالس رسول الله ﷺ ثم يرفع حديثه إلى اليهود، فبينا رسول الله ﷺ في حجرة من حجره إذ قال: «يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبّار وينظر بعيني شيطان» فدخل عبد الله بن نبتل وكان أزرق، فقال له النبيّ ﷺ:\n«على ما تشتمني أنت وأصحابك»؟\nفحلف بالله ما فعل، وقال له النبيّ ﷺ: «فعلت» [٢٤٢] «١» .\nوانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله ما سبّوه، فأنزل الله سبحانه ذكر هذه الآية.\nأَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ الكاذبة، وقرأ الحسن بكسر الألف، أي إقرارهم جُنَّةً يستجنّون بها من القتل ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ.\nلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ يوم القيامة أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كارهين، ما كانوا كاذبين كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ، قال قتادة: إنّ المنافق يحلف له يوم القيامة كما حلف لأوليائه في الدنيا وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ،\nأخبرنا الحسن بن محمّد قال: حدّثنا أحمد بن يعقوب الأنباري قال: حدّثنا أبو حنيفة محمّد بن حنيفة بن ماهان الواسطي قال: حدّثنا إبراهيم بن سليم الهجمي قال: حدّثنا ابراهيم بن سليمان الدبّاس قال: حدّثنا ابن أخي روّاد، عن الحكم عن عيينة عن مقسم عن ابن عباس قال:\nقال رسول الله ﷺ: «ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله؟ فيقوم القدرية وجوههم مسودّة، مزرقّة أعينهم، مائل شدقهم، يسيل لعابهم، فيقولون: والله ما عبدنا من دونك شمسا ولا قمرا ولا صنما ولا وثنا ولا اتّخذنا من دونك إلها» [٢٤٣] «٢» .\nفقال ابن عباس: صدقوا والله، أتاهم الشرك من حيث لا يعلمون، ثم تلا ابن عباس هذه الآية وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ، هم والله القدريون، هم والله القدريون.\nاسْتَحْوَذَ: غلب واستولى عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٣٠٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٣٠٥.","vol":"9","page":263},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ:\nالأسفلين.\nكَتَبَ اللَّهُ: قضى الله سبحانه لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي، وذلك أنّ المؤمنين قالوا: لئن فتح الله لنا مكّة وخيبر وما حولها فإنّا لنرجو أن يظفرنا الله على الروم وفارس. فقال عبد الله بن أبىّ: أتظنّون الروم وفارس كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ والله لهم أكثر عددا وأشدّ بطشا من ذلك. فأنزل الله سبحانه: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ نظيره قوله سبحانه:\nوَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ «١» .\nلا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ- الآية- نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة. وسنذكر القصة في سورة الامتحان إن شاء الله.\nوقال السدّي: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أبي، وذلك أنّه كان جالسا إلى جنب رسول الله ﷺ فشرب رسول الله (﵇) الماء، فقال عبد الله: يا رسول الله، أبق فضلة من شرابك. قال: «وما تصنع بها»؟ قال: أسقيها أبي لعلّ الله يطهّر قلبه.\nففعل فأتى بها أباه، فقال: ما هذا؟ قال من شراب رسول الله (﵇) جئتك بها لتشربها لعلّ الله ﷾ يطهّر قلبك. فقال أبوه: هلّا جئتني ببول أمّك. فرجع إلى النبي (﵇)، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في قتل أبي. فقال رسول الله ﷺ: «بل ترفّق به وتحسّن إليه» «٢» .\nوقال ابن جريح: حدّثت أنّ أبا قحافة سبّ النبي ﷺ فصكّه أبو بكر صكّة سقط منها، ثم ذكر ذلك للنبيّ (﵇) فقال: «أو فعلته؟» . فقال: نعم. قال: «فلا تعد إليه» [٢٤٤] «٣» فقال أبو بكر ﵁: والله لو كان السيف منّي قريبا لقتلته، فأنزل الله سبحانه هذه الآية:\nيُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ.\nوروى مقاتل بن حيّان، عن مرّة الهمذاني، عن عبد الله بن مسعود في هذه الآية: وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله بن الجراح يوم أحد أَوْ أَبْناءَهُمْ\nيعني أبا بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وقال: يا رسول الله: دعني أكرّ في الرعلة «٤» الأولى. فقال له رسول الله: «متّعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنّك عندي بمنزلة سمعي وبصري؟» [٢٤٥] «٥» .\n_________\n(١) سورة الصافات: ١٧١- ١٧٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٧/ ٣٠٧.\n(٣) زاد المسير: ٧/ ٣٢٨.\n(٤) الرعلة: الخيل. هامش المخطوط. الصحاح ٤: ١٧١٠- رعل.\n(٥) أسباب نزول الآيات: ٢٧٨.","vol":"9","page":264},{"text":"وإِخْوانَهُمْ يعني مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد أَوْ عَشِيرَتَهُمْ يعني عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وعليّا وحمزة وعبيدة قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر. أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ قراءة العامّة بفتح الكاف والنون، وروى المفضّل عن عاصم بضمّهما على المجهول، والأوّل أجود لقوله: وَأَيَّدَهُمْ وندخلهم.\nقال الربيع بن أنس: يعني أثبت الإيمان في قلوبهم فهي موقنة مخلصة.\nوقيل: معناه كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ، كقوله: فِي جُذُوعِ النَّخْلِ.\nوقيل: حكم لهم بالإيمان فذكر القلوب لأنّها موضعه.\nوَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ: وقوّاهم بنصر منه، قاله الحسن، وقال السدّي: يعني بالإيمان. ربيع، بالقرآن وحجّته، نظيره: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا. ابن جرير: بنور وبرهان وهدى. وقيل: برحمة. وقيل: أمدّهم بجبريل (﵇) .\nوَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمّد بن حمدان بن سفيان قال: حدّثنا محمّد بن يزيد بن عبد الله بن سلمان قال: حدّثنا المرداس أبو بلال قال:\nحدّثنا إسماعيل، عن سعد بن سعيد الجرجاني، عن بعض مشيخته قال: قال داود (﵇): «إلهي، من حزبك وحول عرشك؟» .\nفأوحى الله سبحانه إليه: «يا داود، الغاضّة أبصارهم، النقيّة قلوبهم، السليمة أكفّهم، أولئك حزبي وحول عرشي» [٢٤٦] «١» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٧/ ٣٠٩.","vol":"9","page":265},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>سورة الحشر</span>\nمدنية، وهي أربع وعشرون آية، وأربعمائة وخمس وأربعون كلمة، وتسعمائة وثلاثة عشر حرفا\nأخبرنا أبو العبّاس سهل بن محمّد بن سعيد المروزي قال: حدّثني أبو الحسن المحمودي قراءة: حدثنا تميم بن محمود عن العبّاس بن [...] «١» عن رجاله: قال: حدّثنا محمّد بن صالح عن زيد العجمي عن ابن عباس قال: قال النبيّ ﷺ (﵇): «من قرأ سورة (الحشر) لم يبق جنّة ولا نار ولا عرش ولا كرسي ولا حجاب ولا السماوات السبع والأرضون السبع والهوام والريح والطير والشجر والدواب والجبال والشمس والقمر والملائكة إلّا صلّوا عليه، واستغفروا له، فإن مات من يومه أو ليلته مات شهيدا» [٢٤٧] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ (٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٤)\nما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ (٥)\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ الآيات، قال المفسرون: نزلت هذه الآيات بأسرها في بني النضير، وذلك\nأنّ النبيّ ﷺ لما دخل المدينة صالحه بنو النضير على ألّا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، فقبل رسول الله ﷺ منهم ذلك، فلمّا غزا رسول الله ﷺ بدرا وظهر على المشركين قالت بنو النضير: والله إنّه للنبيّ الذي وجدنا نعته في التوراة: لا تردّ لهم راية. فلما\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة. [.....]\n(٢) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٢٣.","vol":"9","page":266},{"text":"غزا رسول الله ﷺ أحدا وهزم المسلمون ارتابوا ونافقوا وأظهروا العداوة لرسول الله (﵇) والمؤمنين، ونقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ، فركب كعب بن الأشرف في أربعين راكبا من اليهود إلى مكّة، فأتوا قريشا فحالفوهم وعاقدوهم على أن تكون كلمتهم واحدة على محمّد (﵇) . ثم دخل أبو سفيان في أربعين وكعب في أربعين من اليهود المسجد وأخذ بعضهم على بعض الميثاق بين الأستار والكعبة، ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة، فنزل جبريل على رسول الله ﷺ فأخبره بما تعاقد عليه كعب وأبو سفيان، وأمر (﵇) بقتل كعب بن الأشرف فقتله محمّد بن مسلمة الأنصاري، وكان أخاه من الرضاعة.\nوقد كان رسول الله ﷺ اطّلع منهم على خيانة ونقض عهد، حتى أتاهم رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر وعليّ (﵃) يستعينهم في دية الرجلين المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أميّة الضمري في منصرفه من بئر معونة حين أغربا إلى بني عامر، فأجابوه ﷺ إلى ذلك، وأجلسوه وهمّوا بالفتك به وطرح حجر عليه من فوق الحصن، فأخبره الله سبحانه بذلك وعصمه.\nوقد مضت هذه القصة وقصة مقتل كعب بن الأشرف، فلمّا قتل كعب أصبح رسول الله ﷺ وأمر الناس بالسير إلى بني النضير، وكانوا بقرية لهم يقال لها: زهرة، فلمّا سار إليهم النبيّ ﷺ وجدهم ينوحون على كعب، وكان سيّدهم، فقالوا: يا محمّد، واعية على إثر واعية، وباكية على إثر باكية؟ قال: «نعم» . قالوا: ذرنا نبكي بشجونا ثم ائتمرنا أمرك. فقال النبيّ ﷺ: «اخرجوا من المدينة» [٢٤٨] «١» .\nقالوا: الموت أقرب إلينا من ذلك.\nفتنادوا بالحرب وأذنوا بالقتال، ودسّ المنافقون: عبد الله بن أبيّ وأصحابه إليهم ألّا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ فدربوا على الأزقة وحصونها. ثم أجمعوا الغدر برسول الله ﷺ فأرسلوا إليه: اخرج في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون رجلا حتى نلتقي بمكان نصف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدّقوك وآمنوا بك آمنّا كلّنا.\nفخرج النبيّ ﷺ في ثلاثين من أصحابه وخرج إليه ثلاثون حبرا من اليهود، حتى إذا كانوا في براز من الأرض قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه ومعه ثلاثون رجلا من أصحابه كلّهم يحبّ أن يموت قبله؟ فأرسلوا إليه: كيف نفهم ونحن ستون رجلا، اخرج في ثلاثة من أصحابك، ونخرج لك ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنّا كلّنا وصدّقناك.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٤، بتفاوت.","vol":"9","page":267},{"text":"فخرج النبي ﷺ في ثلاثة من أصحابه، وخرج ثلاثة من اليهود، واشتملوا على الخناجر وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى أخيها وهو رجل مسلم من الأنصار فأخبرته بما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله (﵇)، فأقبل أخوها سريعا حتى أدرك النبي ﷺ فسارّه بخبرهم قبل أن يصل النبيّ ﷺ فرجع النبيّ ﷺ (﵇) .\nفلمّا كان الغد عدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة، فلمّا قذف الله سبحانه فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وأيسوا من نصر المنافقين سألوا نبي الله (﵇) الصلح فأبى عليهم [إلّا] «١» أن يخرجوا من المدينة على ما يأمرهم به النبيّ ﷺ، فقبلوا ذلك، وصالحهم على الإجلاء، وعلى أنّ لهم ما أقلّت الإبل من أموالهم إلّا الحلقة وهي السلاح، وعلى أن يخلوا له ديارهم وعقارهم وسائر أموالهم.\nوقال ابن عباس: صالحهم على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، وللنبي ﷺ ما بقي.\nوقال الضحاك: أعطى كلّ ثلاثة نفر بعيرا وسقاء، ففعلوا ذلك وخرجوا من المدينة إلى الشام إلى أذرعات وأريحا إلّا أهل بيتين منهم: آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب، فإنّهم لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، فذلك قوله ﷾: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ يعني بني النضير مِنْ دِيارِهِمْ التي كانت بيثرب.\nقال ابن إسحاق: كان إجلاء بني النضير مرجع النبي ﷺ من أحد وكان فتح قريظة عند مرجعه من الأحزاب وبينهما سنتان.\nلِأَوَّلِ الْحَشْرِ قال الزهري: كانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما مضى، وكان الله سبحانه قد كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وكانوا أول حشر في الدنيا حشروا إلى الشام.\nقال ابن عباس: من شكّ أنّ المحشر بالشام فليقرأ هذه الآية وذلك\nأنّ النبيّ ﷺ (﵇) قال لهم يومئذ: «اخرجوا» . قالوا: إلى أين؟ فقال: «إلى أرض المحشر» [٢٤٩] «٢»\n، فأنزل الله سبحانه لِأَوَّلِ الْحَشْرِ.\nوقال الكلبي: إنّما قال: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ لأنّهم أوّل من حشروا من أهل الكتاب ونفوا من الحجاز.\nوقال مرّة الهمداني: كان هذا أوّل الحشر من المدينة، والحشر الثاني من خيبر وجميع\n_________\n(١) في المخطوط (ان لا) .\n(٢) زاد المسير: ٣٣٢.","vol":"9","page":268},{"text":"جزيرة العرب إلى أذرعات وأريحا من الشام في أيام عمر بن الخطاب ﵁ وعلى بدنه «١» .\nوقال قتادة: كان هذا أوّل الحشر، والحشر الثاني نار تحشرهم من المشرق إلى المغرب تبيت معهم حيث باتوا، وتقيل معهم حيث قالوا، وتأكل منهم من تخلّف.\nقال يمان بن رباب: إنّما قال: لِأَوَّلِ الْحَشْرِ لأنّ الله سبحانه فتح على نبيّه (﵇) في أول ما قاتلهم.\nما ظَنَنْتُمْ أيّها المؤمنون أَنْ يَخْرُجُوا من المدينة وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ حيث درّبوها وحصّنوها فَأَتاهُمُ اللَّهُ أي أمر الله وعدله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ بقتل سيّدهم كعب بن الأشرف.\nيُخْرِبُونَ قراءة العامّة بالتخفيف، من الإخراب، أي يهدمون، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وأبو عمرو بن العلاء بالتشديد، من التخريب، وقال أبو عمرو: إنّما اخترت التشديد لأنّ الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن، وأنّ بني النضير لم يتركوا منازلهم فيرتحلوا عنها ولكنّهم خرّبوها بالنقض والهدم.\nوقال الآخرون: التخريب والإخراب بمعنى واحد.\nقال الزهري: ذلك أنّهم لمّا صالحهم النبيّ ﷺ على أنّ لهم ما أقلّت الإبل، كانوا ينظرون إلى الخشبة في منازلهم ممّا يستحسنونه، أو العمود أو الباب فيهدمون بيوتهم وينزعونها منها ويحملونها على إبلهم ويخرّب المؤمنون باقيها.\nوقال ابن زيد: كانوا يقتلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران ويقلعون الخشب حتى الأوتاد يخربونها لئلّا يسكنها المؤمنون، حسدا منهم وبغضا.\nوقال الضحاك: جعل المسلمون كلّما هدموا شيئا من حصونهم جعلوا هم ينقضون بيوتهم بأيديهم ويخربونها ثم يبغون ما خرب المسلمون.\nوقال ابن عباس: كلّما ظهر المسلمون على دار من دورهم هدموها ليتّسع لهم المقاتل، وجعل أعداء الله ينقبون دورهم من أدبارهم فيخرجون إلى التي بعدها فيتحصّنون فيها ويكسرون ما يليهم منها، ويرمون بالتي خرجوا منها أصحاب رسول الله ﷺ «٢» .\nوقال قتادة: كان المسلمون يخربون ما يليهم من ظاهرها، ويخربها اليهود من داخلها فذلك قوله سبحانه يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) راجع تاريخ الإسلام للذهبي: قسم المغازي ص: ١٢٢.","vol":"9","page":269},{"text":": فاتّعظوا يا أُولِي الْأَبْصارِ يا ذوي العقول.\nوَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ: الخروج عن الوطن لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ وقرأ طلحة بن مصرف: (ومن يشاقق الله) (كالتي في الأنفال) فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\nما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ الآية، وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ لما نزل ببني النضير وتحصّنوا في حصونهم أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فجزع أعداء الله عند ذلك وقالوا: يا محمّد، زعمت أنّك تريد الصلاح، أفمن الصلاح عقر الشجر وقطع النخيل؟ فهل وجدت فيما زعمت أنّه أنزل عليك الفساد في الأرض؟ فشقّ ذلك على النبيّ ﷺ، ووجد المسلمون في أنفسهم من قولهم، وخشوا أن يكون ذلك فسادا، واختلف المسلمون في ذلك، فقال بعضهم: لا تقطعوا فإنّه ممّا أفاء الله علينا، وقال بعضهم: بل نغيظهم بقطعها، فأنزل الله سبحانه هذه الآية بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل من قطعه من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله سبحانه.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد بن يحيى وعبد الرحمن بن بشر وأبو الأزهر وحمدان وعلي قالوا: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريح قال: أخبرني موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر أنّ النبي (﵇) قطع نخل بني النضير وحرق، ولها يقول حسان:\nوهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير «١»\nأخبرنا أبو عبد الله محمّد بن عبد الله وأبو محمّد إسحاق بن إبراهيم وأبو علي الحسن بن محمّد وأبو القاسم الحسن بن محمّد قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصمّ قال: أخبرنا الربيع قال:\nأخبرنا الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنّ النبيّ ﷺ أمر بإحراق نخل بني النضير، فقال فيه حسان بن ثابت:\nوهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير «٢»\nوفي ذلك نزل قوله سبحانه: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ.\nاختلفوا فيها فقال قوم: هي ما دون العجوة من النخل، فالنخل كلّه لينة ما خلا العجوة، وهو قول عكرمة ويزيد بن رويان وقتادة.\nورواية باذان عن ابن عباس قال: وكان النبي ﷺ أمر بقطع نخلهم إلّا العجوة\n، وأهل المدينة يسمّون ما خلا العجوة من التمر: الألوان، واحدها لون ولينة، وأصلها لونة فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها.\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/ ٥١٣.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٥١٣.","vol":"9","page":270},{"text":"وقال الزهري: اللينة ألوان النخل كلّها إلّا العجوة والبرنيّة، وقال مجاهد وعطية وابن زيد: هي النخل كلّه من غير استثناء.\nالعوفي عن ابن عباس: هي لون من النخل.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا جعفر بن محمّد قال: حدّثنا عبد الله بن مبارك، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ قال: النخلة والشجرة.\nقال سفيان: هي كرام النخل.\nوقال مقاتل: هي ضرب من النخل يقال لثمرتها: اللون، وهو شديد الصفرة ترى نواه من خارج يغيب فيه الضرس. وكان من أجود تمرهم وأعجبها إليهم، وكانت النخلة الواحدة منها ثمن وصيف، وأحبّ إليهم من وصيف، فلما رأوا ذلك الضرب يقطع شقّ عليهم مشقّة شديدة، وقالوا للمؤمنين: تزعمون أنّكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون وتخربون وتقطعون الشجر، دعوا هذا النخل، فإنّما هي لمن غلب عليها.\nوقيل: هي النخلة القريبة من الأرض.\nوأنشد الأخفش:\nقد شجاني الحمام حين تغنّى ... بفراق الأحباب من فوق لينه «١»\nوالعرب تسمّي ألوان النخل كلّها لينة، قال ذو الرمّة:\nكأنّ قتودي فوقها عش طائر ... على لينة فرواء «٢» تهفو جنوبها\nوقال أيضا:\nطراق الخوافي واقعا فوق لينة ... لدى ليلة في ريشه يترقرق «٣»\nوجمع اللينة لين، وقيل: ليان، قال امرؤ القيس يصف عنق فرس.\nوسالفة كسحوق الليان ... أضرم فيها الغوي السعر\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٩.\n(٢) في ديوانه: سوقاء. انظر ديوان ذي الرمّة ٢: ٣٣٩.\n(٣) لسان العرب: ٨/ ١٣٩.","vol":"9","page":271},{"text":"أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها: سوقها فلم تقطعوها ولم تحرقوها، وقرأ عبد الله:\n(ما قطعتم من لينة ولا تركتم قوما على أصولها إلّا بإذن الله) . وقرأ الأعمش: (ما قطعتم من لينة أو تركتم قوّما على أصولها) .\nفَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ أي وليذلّ اليهود، ويحزنهم ويغيظهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٦ الى ٧]</span>\nوَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)\nوَما أَفاءَ اللَّهُ: ردّ الله عَلى رَسُولِهِ ورجع إليه، ومنه فيء الظل مِنْهُمْ من بني النضير من الأموال فَما أَوْجَفْتُمْ: أوضعتم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وهي الإبل، يقول:\nلم يقطعوا إليها شقة، ولم ينالوا فيها مشقّة ولم يكلّفوا مؤونة ولم يلقوا حربا وإنّما كانت بالمدينة فمشوا إليها مشيا، ولم يركبوا خيلا ولا إبلا إلّا النبي ﷺ، فإنّه ركب جملا فافتتحها رسول الله ﷺ صلحا وأجلاهم عنها وأحرز أموالهم، فسأل المؤمنون النبيّ ﷺ القسمة، فأنزل الله سبحانه ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فجعل أموال بني النضير لرسول الله ﷺ خاصّة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول الله (﵇) بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا إلّا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة وهم أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة، ولم يسلم من بني النضير إلّا رجلان: أحدهما سفيان بن عمير بن وهب، والثاني سعيد بن وهب وسلما على أموالهما فأحرزاها.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمّد قال: أخبرنا بشر بن موسى قال:\nحدّثنا الحميد قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا عمرو بن دينار ومعمر بن راشد، عن ابن شهاب الزهري أنّه سمع مالك بن أوس بن الحدثان البصري يقول: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: إنّ أموال بني النضير كانت مما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ممّا لم يوجف المسلمون عليه ب خَيْلٍ وَلا رِكابٍ، فكانت لرسول الله ﷺ خالصا، فكان رسول الله (﵇) ينفق على أهله منه نفقة سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدّة في سبيل الله.\nأخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد بن محمّد بن الحسن قال: حدّثنا محمّد ابن يحيى قال: حدّثنا محمّد بن يوسف قال: حدّثنا ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري","vol":"9","page":272},{"text":"قال: وأخبرت «١» عن محمّد بن جرير قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عبد الأعلى قال: حدّثنا أبو ثور، عن معمر، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إليّ عمر بن الخطاب فدخلت عليه، فقال: إنّه قد حضر أهل ثبات من قومك، وأنّا قد أمرنا لهم برضخ فاقسمه بينهم.\nفقلت: يا أمير المؤمنين، مر بذلك غيري. قال: اقبضه أيّها المرء.\nفبينا أنا كذلك إذ جاء مولاه يرفأ فقال: عبد الرحمن بن عوف والزبير وعثمان وسعد يستأذنون. فقال: ايذن لهم. ثم مكث ساعة، ثم جاء فقال: هذا علي والعباس يستأذنان.\nفقال: ايذن لهما. فلمّا دخل العباس قال: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين هذا الغادر الفاجر الخائن!!! «٢» . وهما حينئذ يختصمان في ما أَفاءَ اللَّهُ ﷿ عَلى رَسُولِهِ من أموال بني النضير. فقال القوم: اقض بينهما يا أمير المؤمنين وأرح كلّ واحد منهما من صاحبه، فقد طالت خصومتهما. فقال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، أتعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا نورّث، ما تركناه صدقه» [٢٥٠] «٣» .\nقالوا: قد قال ذلك. ثم قال لهما: أتعلمان أنّ رسول الله ﷺ قال ذلك؟ قالا: نعم.\nقال: فسأخبركم بهذا الفيء، إنّ الله سبحانه خصّ نبيّه (﵇) بشيء لم يعط غيره فقال:\nعزّ من قائل: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ فكانت هذه لرسول الله (﵇) خاصّة، فو الله ما اختارها دونكم ولا استأثرها دونكم، ولقد قسّمها عليكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ ينفق على أهله منها سنتهم ثم يجعل ما بقي في مال الله، ﷿.\nما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى يعني من أموال الكفار أهل القرى.\nقال ابن عباس: هي قريظة والنضير وهما بالمدينة، وفدك وهي من المدينة على ثلاثة أميال، وخيبر، وقرى عرينة، وينبع جعلها الله تعالى لرسوله يحكم فيها ما أراد فاحتواها كلّها. فقال ناس: هلّا قسّمها؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى.\n_________\n(١) بداية سند ثان إلى الزهري.\n(٢) إن ما نسب العبّاس يدلّ على سوء أدب من قبله إذ لا ينبغي لمسلم أن ينكر فضل على بن أبي طالب في الإسلام فضلا عن العباس عم الرسول ﷺ وهذا إن دلّ فلا يدلّ إلا على وضع هذا الحديث، ومن تلك الأحاديث المبنية لذلك:\nأخرج أحمد والحاكم، وصححه عن أم سلمة قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «من سبّ عليا فقد سبّني» .\nوأخرج الطبراني بسند صحيح عن أم سلمة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من أحبّ عليا فقد أحبّني، ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغض عليا فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله» .\nيراجع تاريخ دمشق: ٤٢/ ٢٦٦- ٢٧٠ وذكر طرقه.\n(٣) مسند أحمد: ١/ ٦. [.....]","vol":"9","page":273},{"text":"فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى قرابة النبيّ ﷺ. وهم بنو هاشم وبنو المطلب.\nواختلف الفقهاء في وجه استحقاقهم سهمهم من مال الفيء والغنيمة.\nفقال قوم: إنّهم يستحقّون ذلك بالقرابة ولا تعتبر فيهم الحاجة وعدم الحاجة، وإليه ذهب الشافعي وأصحابه.\nوقال آخرون: إنّهم يستحقون ذلك بالحاجة لا القرابة، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، فإذا قسم ذلك بينهم فضل الذكور على الإناث كالحكم في الميراث، فيكون للذكر سهمان، وللأنثى سهم.\nوقال محمّد بن الحسن: سوّى بينهم، ولا يفضل الذكران على الإناث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>ذكر حكم هاتين الآيتين</span>\nاختلف العلماء فيه، فقال بعضهم: أراد بقوله: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى: الغنائم التي يأخذها المسلمون من أموال الكافرين عنوة وقهرا، وكانت الغنائم في بدء الإسلام لهؤلاء الذين سمّاهم الله سبحانه في سورة الحشر، دون الغانمين والموجفين عليها، ثم نسخ ذلك بقوله في سورة الأنفال: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ «١» الآية.\nوهذا قول يزيد بن رويان وقتادة.\nوقال بعضهم: الآية الأولى بيان حكم أموال بني النضير خاصّة لقوله سبحانه: وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ، والآية الثانية بيان حكم سائر الأموال التي أصيبت بغير قتال، ولم يوجف عليها بالخيل والجمال.\nوقال الآخرون: هما واحد، والآية الثانية بيان قسمة المال الذي ذكر الله سبحانه في الآية الأولى.\nواعلم أنّ جملة الأموال التي للأئمّة والولاة فيها مدخل على ثلاثة أوجه:\nأحدها: ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم كالصدقات.\nوالثاني: الغنائم وهي ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين بالحرب والعهد.\nوالثالث: الفيء وهو ما رجع الى النبيّ ﷺ من أموال الكافرين عفوا صفوا من غير قتال ولا إيجاف خيل وركاب مثل مال الصلح والجزية والخراج والعشور التي تؤخذ من تجّار الكفّار إذا دخلوا دار الإسلام، ومثل أن يهرب المشركون ويتركوا أموالهم أو يموت منهم في دار الإسلام أحد، ولا يكون له وارث.\n_________\n(١) سورة الأنفال: ٤١.","vol":"9","page":274},{"text":"وأمّا الصدقات، فمصرفها ما ذكر الله ﷾: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ «١» - الآية- وقد مضى البيان عن أهل السهمين.\nوأمّا الغنائم فإنّها كانت في بدء الإسلام لرسول الله ﷺ يصنع بها ما يشاء، كما قال ﷿: قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ «٢» ثم نسخ ذلك بقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ الآية: فجعل أربعة أخماسها للغانمين تقسّم بينهم.\nفأما ما كان من النقود والعروض والأمتعة والثياب والدواب والكراع فإنّه يقسّم بينهم، ولا يحبس منهم.\nوأمّا العقار، فاختلف الفقهاء فيه، فقال مالك (﵀): للإمام أن يحبس الأراضي عنهم ويجعلها وقفا على مصالح المسلمين.\nوقال أبو حنيفة: الإمام مخيّر بين أن يقسّمها بينهم وبين أن يحبسها عنهم ويجعلها وقفا على مصالح المسلمين.\nوقال الشافعي ﵁: ليس للإمام حبسها عنهم بغير رضاهم، وحكمها حكم سائر الأموال.\nوهو الاختيار لأنّ الله سبحانه أخرج الخمس منها بعد ما أضاف الجميع إليهم بقوله: غَنِمْتُمْ فدلّ أنّ الباقي لهم وحقّهم. وأما الخمس الباقي فيقسّم على خمسه أسهم: سهم لرسول الله ﷺ، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.\nوأمّا الفيء فإنّه كان يقسّم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة وعشرين سهما: أربعة أخماسها، وهي عشرون سهما لرسول الله ﷺ يفعل بها ما شاء ويحكم فيها ما أراد، والخمس الباقي يقسّم على ما يقسم عليه خمس الغنيمة.\nوأما بعد وفاة رسول الله ﷺ فقد اختلف الفقهاء في الأربعة الأخماس التي كانت له ﷺ من الفيء.\nفقال قوم: إنّها تصرف الى المجاهدين المتصدّين للقتال في الثغور، وهو أحد قولي الشافعي ﵁.\nوقال آخرون: تصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثغور وحفر الآبار وبناء القناطر ونحوها بدءا بالأهمّ فالأهمّ، وهو القول الآخر للشافعي ﵁.\nوأمّا السهم الذي كان لرسول الله ﷺ من خمس الفيء وخمس الغنيمة فإنّه يصرف بعده\n_________\n(١) سورة التوبة: ٦٠.\n(٢) سورة الأنفال: ١.","vol":"9","page":275},{"text":"الى مصالح المسلمين بلا خلاف، كما\nقال ﷺ: «الخمس مردود فيكم» [٢٥١] «١» .\nوهكذا ما خلّفه من مال غير موروث عنه، بل هو صدقة تصرف عنه إلى مصالح المسلمين كما\nقال ﷺ: «إنّا لا نورّث، ما تركناه صدقة» [٢٥٢] «٢» .\nفكانت صفايا رسول الله ﷺ من مال الفيء الذي خصّه الله سبحانه بها له، ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضل جعله في الكراع والسلاح في سبيل الله كما ذكر. فلمّا توفي رسول الله ﷺ وليها أبو بكر ﵁ فجعل يفعل بها ما كان يفعل رسول الله ﷺ ثم وليها عمر ﵁ على ما ولي رسول الله ﷺ وأبو بكر، فلما استخلف عثمان ولّاها عليّ بن أبي طالب على سبيل التولية وجعله القسيم فيها، يليها على ما وليها رسول الله (﵇) وصاحباه، وبالله التوفيق.\nأخبرنا عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن أبي جعفر الطبري قال: حدّثنا ابن عبد الأعلى قال:\nحدّثنا ابن ثور، عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة بن خالد، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قرأ عمر ﵁. إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ حتى بلغ عَلِيمٌ حَكِيمٌ «٣» ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ «٤» - الآية- ثم قال: هذه لهؤلاء، ثم قرأ ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى حتى بلغ لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ ... وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا ... وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ، ثم قال: استوعبت هذه المسلمين عامّة، فليس أحد إلّا له فيها حقّ. ثم قال: لئن عشت ليأتينّ الراعي وهو يسير حمره نصيبه «٥» منها لم يعرق فيها جبينه.\nكَيْ لا يَكُونَ دُولَةً قراءة العامة يَكُونَ- بالياء- دُولَةً بالنصب على معنى كي لا يكون الفيء دولة. وقرأ أبو جعفر بالتاء والرفع، أي كي لا تكون الغنيمة أو الأموال، ورفع دُولَةٌ فاعلا ل (كان)، وجعل الكينونة بمعنى الوقوع، وحينئذ لا خبر له. والقرّاء كلهم على ضمّ الدال من ال دُولَةً إلّا أبا عبد الرحمن السلمي فإنّه فتح دالها.\nقال عيسى بن عمر: الحالتان بمعنى واحد. وفرّق الآخرون بينهما، فقالوا: الدولة- بالفتح- الظفر والغلبة في الحرب وغيرها وهي مصدر، والدولة- بالضمّ- اسم الشيء الذي يتداوله الناس بينهم مثل العارية، ومعنى الآية: كي لا يكون الفيء دولة بين الرؤساء والأقوياء والأغنياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء وذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا غنموا غنيمة أخذ الرئيس ربعها\n_________\n(١) كنز العمال: ٤/ ٣٧٢ ح ١٠٩٦٧.\n(٢) صحيح مسلم: ٥/ ١٥٢.\n(٣) سورة التوبة: ٦٠.\n(٤) سورة الأنفال: ٤١.\n(٥) من تفسير الطبري ٢٨: ٣٧، وفي المخطوط: وحمير يصيبه.","vol":"9","page":276},{"text":"لنفسه وهو المرباع، ثم يصطفي منها أيضا- يعني «١» المرباع- ما شاء، وفيه يقول شاعرهم:\nلك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول «٢»\nفجعل الله سبحانه أمر الرسول (﵇) بقسمته في المواضع التي أمر بها ليس فيها خمس، فإذا خمس رفع عن المسلمين جميعا.\nوَما آتاكُمُ: أعطاكم الرَّسُولُ من الفيء والغنيمة فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ من الغلول «٣» وغيره فَانْتَهُوا.\nقال الحسن في هذه الآية: يؤتيهم الغنائم ويمنعهم الغلول.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن عليّ قال: حدّثنا أبو محمّد عبيد بن أحمد بن عبيد الصفّار الحمصي قال: حدّثنا عطية بن بقيّة بن الوليد قال: حدّثنا عيسى ابن أبي عيسى قال: حدّثنا موسى بن أبي حبيب قال: سمعت الحكم بن عمير الثمالي- وكانت له صحبة- يقول: قال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا القرآن صعب مستصعب عسير على من تركه، يسير لمن تبعه وطلبه. وحديثي صعب مستصعب وهو الحكم، فمن استمسك بحديثي وحفظه نجا مع القرآن. ومن تهاون بالقرآن وبحديثي خسر الدنيا والآخرة. وأمرتم أن تأخذوا بقولي وتكتنفوا أمري وتتبعوا سنتي، فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن، ومن استهزأ بقولي فقد استهزأ بالقرآن. قال الله سبحانه: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» [٢٥٣] «٤» .\nوأخبرنا الحسين قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفريابي وعبيد الله بن أحمد الكناني قالا: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا معاوية بن هشام قال: حدّثنا سفيان الثوري، عن الأشتر، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد قال: لقي عبد الله بن مسعود رجلا محرما وعليه ثيابه، فقال: انزع عنك. فقال الرجل: أتقرأ عليّ بهذا آية من كتاب الله؟ قال: نعم ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [٢٥٤] .\nوَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-773>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ٨ الى ١٠]</span>\nلِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠)\n_________\n(١) كذا في المخطوط، والظاهر أنه (عدا) .\n(٢) لسان العرب: ٧/ ٤١٥.\n(٣) الغلول: الخيانة في الغنيمة خاصّة. الصحاح ٥: ١٧٨٤- غل.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٧.","vol":"9","page":277},{"text":"لِلْفُقَراءِ يعني كي لا يكون ما أفاء الله على رسوله دولة بين الأغنياء منكم، ولكن يكون للفقراء الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ في إيمانهم. قال قتادة: هؤلاء المهاجرون الذي تركوا الديار والأموال والأهلين والعشائر وخرجوا حبا لله ولرسوله، واختاروا الإسلام على ما كانت فيهم من شديدة، حتى ذكر لنا أنّ الرجل يعصب الحجر على بطنه ليقيم به صلبه من الجوع، وكان الرجل يتّخذ الحفرة في الشتاء ماله دثار غيرها.\nوروى جعفر بن المغيرة، عن سعيد بن جبير وسعيد بن عبد الرحمن بن أبزي قالا: كان أناس من المهاجرين لأحدهم الدار والزوجة والعبد والناقة يحجّ عليها ويغزو فنسبهم الله أنّهم فقراء، وجعل لهم سهما في الزكاة.\nوَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا: توطّنوا الدَّارَ اي اتّخذوا المدينة دار الإيمان والهجرة، وهم الأنصار أسلموا في ديارهم وبنوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ بسنتين فأخر الله عليهم البناء.\nونظم الآية: والذين تبوّءوا الدار من قبلهم أي من قبل قدوم المهاجرين عليهم وقد آمنوا يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً حزازة وغيظا وحسدا مِمَّا أُوتُوا أي ممّا أعطوا المهاجرين من الفيء. وذلك\nأن رسول الله ﷺ قسم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلّا ثلاثة نفر كما ذكرناهم، فطابت أنفس الأنصار بذلك.\nوَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ إخوانهم من المهاجرين بأموالهم وديارهم وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ: فاقة وحاجة إلى ما هو يزول وذلك أنّهم قاسموهم ديارهم وأموالهم.\nوأخبرنا أبو محمّد الحسن بن أحمد بن محمّد السيستاني قال: حدّثنا أبو العبّاس محمّد بن إبراهيم الثقفي قال: أخبرنا محمود بن خداش- وسمعته يقول: ما أخذت شيئا أشتري قط «١» - قال: حدّثنا محمّد بن الحسن السيستاني قال: حدّثنا الفضيل بن غزوان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ وقد أصابه الجهد فقال: يا رسول الله، إني جائع فأطعمني.\nفبعث النبيّ ﷺ (﵇) إلى أزواجه: «هل عندكنّ شيء؟» . فكلّهنّ قلن: والذي بعثك بالحقّ نبيّا ما عندنا إلّا الماء. فقال رسول الله ﷺ: «ما عند رسول الله ما يطعمك هذه الليلة» .\nثم قال: «من يضف هذا هذه الليلة يرحمه الله» «٢» [٢٥٥] .\n_________\n(١) كذا عبارته في المخطوط، والمنقول عنه في كتب الرجال قوله: ما اشتريت شيئا قط ولا بعت. انظر تهذيب التهذيب ١٠: ٥٦/ ١٠٢، تاريخ بغداد ١٣: ٩١/ ٧٠٧٤.\n(٢) زاد المسير: ٧/ ٣٣٨. [.....]","vol":"9","page":278},{"text":"فقام رجل من الأنصار قال: أنا يا رسول الله. فأتى به منزله، فقال لأهله: هذا ضيف رسول الله ﷺ فأكرميه ولا تدّخري عنه شيئا. فقالت: ما عندنا إلّا قوت الصبية. قال: قومي فعلّليهم عن قوتهم حتى يناموا ولا يطعموا شيئا، ثم أسرجي فأبرزي، فإذا أخذ الضيف ليأكل قومي كأنّك تصلحين السراج فأطفئيه وتعالي نمضغ ألسنتنا لضيف رسول الله ﷺ حتى يشبع ضيف رسول الله. قال: فقامت إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا عن قوتهم ولم يطعموا شيئا، ثم قامت فأبرزت وأسرجت فلمّا أخذ الضيف ليأكل قامت كأنّها تصلح السراج فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما لضيف رسول الله (﵇) فظنّ الضيف أنّهما يأكلان معه، حتى شبع ضيف رسول الله ﷺ، وباتا طاويين. فلمّا أصبحا عدوا إلى رسول الله (﵇)، فلمّا نظر إليهما تبسّم ثم قال: «لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه الليلة» [٢٥٦] . فأنزل الله سبحانه:\nوَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ الآية.\nقال أنس بن مالك: أهدي لبعض الصحابة رأس شاة مشوي وكان مجهودا، فوجّهه إلى جار له فتناوله تسعة أنفس ثم عاد إلى الأوّل، فأنزل الله سبحانه: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ.\nويحكى عن أبي الحسن الأنطاكي أنّه اجتمع عنده نيف وثلاثون رجلا بقرية بقرب الري ولهم أرغفة معدودة لم تسع جميعهم ونشروا الرغفان وأطفؤوا السراج وجلسوا للطعام، فلمّا رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل واحد منهم إيثارا لصاحبه.\nويحكى عن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك لطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحت وجهه، فإذا أنا به، قلت: أسقيك؟ فأشار أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت:\nأسقيك؟ فسمع به آخر قال: آه، فأشار هشام أن انطلق به إليه، فجئته فإذا هو قد مات، ثم رجعت الى هشام فإذا هو قد مات، ثم رجعت الى ابن عمي فإذا قد مات ﵀.\nسمعت أبا القاسم الحسن بن محمّد النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمّد بن عبيد الله الجرجاني يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني يحكي عن أبي يزيد البسطامي قال: ما غلبني أحد مثل ما غلبني شاب من أهل بلخ قدم علينا حاجّا، فقال لي: يا أبا يزيد، ما حدّ الزهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا. فقال هكذا عندنا كلاب بلخ. فقلت:\nما حدّ الزهد عندكم؟ فقال: إذا فقدنا صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا محمّد أحمد بن محمّد بن إبراهيم البلاذري يقول: سمعت بكر بن عبد الرحمن يقول: سئل ذو النون المصري عن علامة الزاهد المشروح صدره فقال: ثلاث: تفريق المجموع، وترك طلب المفقود، والإيثار عند القوت.","vol":"9","page":279},{"text":"قال ابن عباس: قال رسول الله (ﷺ) يوم النضير للأنصار: «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة» [٢٥٧] «١» .\nفقالت الأنصار: بل نقسم لهم من أموالنا وديارنا ونؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها.\nفأنزل الله سبحانه: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ\nوالشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل، يقال: فلان شحيح من الشّح والشّحّ والشحّة والشحاحة، قال عمرو بن كلثوم:\nترى اللحز الشحيح إذا أمرّت ... عليه لماله فيها مهينا «٢»\nوفرّق العلماء من السلف بينهما.\nفأخبرني الحسن بن محمّد قال: حدّثنا موسى بن محمّد بن علي قال: حدّثنا إدريس بن عبد الكريم الحدّاد قال: حدّثنا عاصم بن علي بن عاصم، وأخبرنا عبد الخالق قال: حدّثنا ابن حبيب قال: حدّثنا ابن شاكر قال: حدّثنا عاصم بن علي قال: حدّثنا المعادي، عن جامع بن شداد، عن أبي الشعثاء قال:\nقال رجل لعبد الله بن مسعود: يا أبا عبد الرحمن، إني أخاف أن أكون قد هلكت. قال:\nوما ذاك؟ قال: سمعت الله سبحانه يقول: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وأنا رجل شحيح لا يكاد يخرج من يديّ شيء. فقال: ليس ذاك الشحّ الذي ذكر الله سبحانه في القرآن، ولكن الشحّ أن تأكل مال أخيك ظلما، ولكن ذلك البخل، وبئس الشيء البخل.\nالوالبي علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ قال: يقول: هوى نفسه يتبع هواه فلم يقبل الإيمان.\nوقال ابن زيد: من لم يأخذ شيئا لشيء نهاه الله سبحانه ولم يدعه الشحّ الى أن يمنع شيئا من شيء أمره الله تعالى به فقد وقاه شحّ نفسه.\nوقال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يديه، والشحّ أن يبخل بما في أيدي الناس.\nوأخبرني أبي قال: أخبرنا محمّد بن أحمد بن عبد الله النحوي قال: أخبرنا محمّد بن حمدون ابن خالد قال: حدّثنا محمّد بن عبد الوهاب بن أبي تمام العسقلاني قال: حدّثنا سليمان\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٣٠.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٤٠٤.","vol":"9","page":280},{"text":"ابن بنت شراحيل قال: حدّثنا إسماعيل بن عبّاس قال: حدّثنا عمارة بن عديّة الأنصاري، عن عمّه عمر بن جارية، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «برئ من الشحّ من أدّى الزكاة، وقرى الضيف وأعطى في النائبة» [٢٥٨] «١» .\nأخبرني أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو حذيفة أحمد بن محمّد بن عليّ بن عبد الله ابن محمّد الطائي قال: حدّثنا عبد الله بن زيد قال: حدّثنا إبراهيم بن العلاء قال: حدّثنا إسماعيل بن عباس عن هشام بن الغاد عن أبان عن أنس أنّ رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللهم إنّي أعوذ بك من شحّ نفسي وإسرافها ووسواسها» [٢٥٩] «٢» .\nوأخبرنا أبو عبد الله قال: حدّثنا هارون بن محمّد بن هارون قال: أخبرنا عبد الله بن محمّد بن سنان قال: حدّثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: حدّثنا داود بن قيس الفرّاء، عن عبد الله بن مقسم، عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ قال: «اتقوا الشحّ فانّ الشحّ أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم» [٢٦٠] «٣» .\nوروى سعيد بن جبير، عن أبي الهياج الأسدي قال: كنت أطوف بالبيت، فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شحّ نفسي. لا يزيد على ذلك. فقلت له فيه، فقال: إنّي إذا وقيت شحّ نفسي لم أسرق، ولم أزن، ولم أفعل. وإذا الرجل عبد الرحمن بن عوف.\nويحكى أنّ كسرى قال لأصحابه: أي شيء أضرّ بابن آدم؟ قالوا: الفقر. فقال كسرى:\nالشحّ أضرّ من الفقر لأنّ الفقير إذا وجد اتّسع، والشحيح لا يتسع أبدا.\nوَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ.\nقال ابن أبي ليلى: الناس على ثلاثة منازل: الفقراء المهاجرون، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ، ... وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فاجهد ألّا تكون خارجا من هذه المنازل.\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا علي بن إبراهيم الموصلي قال: حدّثنا محمّد بن مخلد الدوري قال: حدّثنا محمّد بن إسماعيل الحساني قال: حدّثني أبو يحيى الحماني، عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عيينة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: أمر الله سبحانه بالاستغفار لأصحاب محمّد ﷺ، وهو يعلم أنهم سيفتنون.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله\n_________\n(١) المعجم الكبير: ٤/ ١٨٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٣٠.\n(٣) مسند أحمد: ٣/ ٣٢٣.","vol":"9","page":281},{"text":"ابن سليمان قال: حدّثنا ابن نمير قال: حدّثنا أبي، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الملك بن عمير، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: أمرتم بالاستغفار لأصحاب محمّد ﷺ فسببتموهم، سمعت نبيّكم ﷺ يقول: «لا تذهب هذه الأمّة حتى يلعن آخرها أوّلها» [٢٦١] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسن بن علي الطوسي قال: حدّثنا محمّد بن المؤمّل بن الصباح البصري قال: حدّثنا النصر بن حماد العتكي قال:\nحدّثنا سيف ابن عمر الأسدي قال: حدّثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رأيتم الذين يسبّون أصحابي فقولوا: لعن الله شركم» [٢٦٢] «٢» .\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدّثنا ابن النعمان قال:\nحدّثنا هارون بن سليمان قال: حدّثنا عبد الله- يعني ابن داود- قال: حدّثنا كثير بن مروان الشامي، عن عبد الله بن يزيد الدمشقي قال: أتيت الحسن فذكر كلاما إلّا إنّه قال: أدركت ثلاثمائة من أصحاب محمّد ﷺ منهم سبعون بدريا كلّهم يحدّثونني أنّ رسول الله ﷺ قال: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» [٢٦٣] «٣» .\nفالجماعة ألّا تسبّوا الصحابة، ولا تماروا في دين الله، ولا تكفّروا أحدا من أهل التوحيد بذنب.\nقال عبد الله بن زيد: فلقيت أبا أمامة وأبا الدرداء وواثلة وأنس بن مالك، وكلّهم يحدّثونني بحديث عن رسول الله ﷺ بمثل حديث الجماعة.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو الفضل صالح بن الأصبغ التنوخي قال: حدّثنا أبو الفضل الربيع بن محمّد بن عيسى الكندي قال: حدّثنا سعيد بن منصور قال: حدّثنا شهاب بن حراش، عن عمّه العوّام بن حوشب، قال: أدركت من أدركت من صدر هذه الأمّة وهم يقولون: اذكروا محاسن أصحاب رسول الله ﷺ حتى تأتلف عليهم القلوب ولا تذكروا ما شجر بينهم فتحرشوا الناس عليهم.\nوسمعت عبد الله بن حامد يقول: سمعت محمّد بن محمّد بن الحسن قال: سمعت أبا عبد الله محمّد بن القاسم الجمحي المكّي قال: سمعت محمّد بن سعدان المروزي قال: سمعت أحمد بن إسماعيل المروزي، عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن أبيه قال: قال عامر بن شراحيل الشعبي: يا مالك، تفاضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلة، سئلت اليهود: من\n_________\n(١) المعجم الأوسط: ٥/ ٢٥٥ وفيه: تفنى، بدل: لا تذهب- وتفسير القرطبي: ١٨/ ٣٣.\n(٢) المعجم الأوسط: ٨/ ١٩١.\n(٣) سنن الترمذي: ٤/ ٢٢٦.","vol":"9","page":282},{"text":"خير أهل ملّتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ فقالوا:\nحواريّو عيسى. وسئلت الرافضة: من شرّ أهل ملّتكم فقالوا: أصحاب محمّد، أمروا بالاستغفار إليهم فسبّوهم فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية ولا تثبت لهم قدم، ولا تجمع لهم كلمة، كُلَّما أَوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ بسفك دمائهم وتفريق شملهم، وإدحاض حجّتهم، أعاذنا الله وإياكم من الأهواء المضلّة.\nوأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمّد المعدل قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يونس المقري قال: حدّثنا أحمد بن محمّد بن سالم قال: حدّثنا سوار بن عبد الله القاضي قال: حدّثنا أبي قال: قال مالك بن أنس: من ينتقص أحدا من أصحاب رسول الله ﷺ وكان في قلبه عليهم غلّ، فليس له حق في فيء المسلمين، ثم تلا ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى حتى أتى على هذه الآية، ثم قرأ لِلْفُقَراءِ حتى أتى على هذه الآية، ثم قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ حتى أتى على هذه الآية ثم قال: وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ إلى قوله:\nرَؤُفٌ رَحِيمٌ فمن ينتقصهم أو كان في قلبه عليهم غلّ فليس له من الفيء حقّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>[سورة الحشر (٥٩): الآيات ١١ الى ٢٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ (١٣) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٥)\nكَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ (١٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (١٩) لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ (٢٠)\nلَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)\nأَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا، أي أظهروا خلاف ما أضمروا، وهو مأخوذ من (نافقاء اليربوع) وهي أخذ جحرته، إذا أخذ عليه جحر أخذ من جحر آخر، فيقال عند ذلك: نفق ونافق،","vol":"9","page":283},{"text":"فشبه فعل المنافق بفعل اليربوع لأنه يدخل من باب ويخرج من باب، فكذلك المنافق يدخل في الإسلام باللفظ ويخرج منه بالعقد. والنفاق لفظ إسلامي لم يكن يعرفه العرب قبل الإسلام.\nيَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم بنو قريضة والنضير لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ من دياركم لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا سألنا خذلانكم وخلافكم أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ لَأَنْتُمْ يا معشر المؤمنين أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ يقول: يرهبونكم أشدّ من رهبتهم من الله ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ لا يُقاتِلُونَكُمْ يعني اليهود جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ، ولا يبرزون لكم بالقتال أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ.\nقرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وابو عمرو: (جدار) - بالألف- على الواحد.\nوروي عن بعض أهل مكّة: (جَدْرٍ) - بفتح الجيم وجزم الدال- وهي لغة في الجدار.\nوقرأ يحيى بن وثاب (جُدْرٍ)، بضم الجيم وسكون الدال.\nوقرأ الباقون بضمّهما.\nبَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ يعني: بعضهم فظّ على بعض وبعضهم عدوّ لبعض، وعداوتهم بعضهم بعضا شديدة.\nوقيل: بأسهم فيما بينهم من وراء الحيطان والحصون شديدة، فإذا خرجوا لكم فهم أجبن خلق الله سبحانه.\nتَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى متفرقة مختلفة. قال قتادة: أهل الباطل مختلفة أهواؤهم، مختلفة شهاداتهم مختلفة أعمالهم وهم مجتمعون في عداوة أهل الحق، وقال مجاهد: أراد أن دين المنافقين يخالف دين اليهود ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني مثل هؤلاء كمثل الذين من قبلهم وهم مشركوا مكة. قَرِيبًا ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ يوم بدر قاله مجاهد، وقال ابن عباس: كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني بني قينقاع. وقيل: مثل قريظة كمثل بني النضير وكان بينهما سنتان، فربما ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ الجلاء والنفي. وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ.\nثم ضرب مثلا للمنافقين واليهود في تخاذلهم فقال عزّ من قائل: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ الآية.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا مقاتل عن عطاء عن ابن عباس وعبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن ابن عباس في قوله سبحانه: كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ","vol":"9","page":284},{"text":"فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ\nالآية قال: كان راهب في الفترة يقال له برصيصا «١» وكان قد تعبّد في صومعة له سبعين سنة لم يعص الله فيها طرفة عين وأن إبليس أعياه في أمره الحيل، فلم يستطيع له شيء فجمع ذات يوم مردة الشياطين فقال: ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا، فقال الأبيض، وهو صاحب الأنبياء وهو الذي يتصدى للنبي ﷺ وجاءه في صورة جبرائيل ليوسوس إليه على وجه الوحي فجاءه جبرائيل حتى دخل بينهما فدفعه بيده دفعة هينة فوقع من دفعة جبرائيل إلى أقصى أرض الهند، فذلك قوله سبحانه: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ «٢» .\nفقال الأبيض لإبليس: أنا أكفيك فانطلق فتزيّن بزينة الرهبان وحلق وسط رأسه ثم مضى حتى أتى صومعة برصيصا فناداه فلم يجبه برصيصا وكان لا ينفتل عن صلاته إلّا في كل عشرة أيام ولا يفطر إلّا في عشرة أيام مرّة، فكان يواصل الأيام العشرة والعشرين والأكثر، فلما رأى الأبيض أنّه لا يجيبه أقبل على العبادة في أصل صومعته فلما أنفتر برصيصا اطّلع من صومعته ورأى الأبيض قائما منتصبا يصلّي في هيئة حسنة من هيئة الرهبان فلما رأى ذلك من حاله ندم في نفسه حين لها عنه فلم يجبه، فقال له: إنّك ناديتني وكنت مشتغلا عنك فحاجتك؟\nقال: حاجتي أني أحببت أن أكون معك فأناديك وأقتبس من علمك ونجتمع على العبادة فتدعو لي وأدعو لك قال: برصيصا: إني لفي شغل عنك فإن كنت مؤمنا فإن الله سبحانه سيجعل لك فيما أدعو للمؤمنين والمؤمنات نصيبا إن استجاب لي، ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وأقبل الأبيض يصلي فلم يلتفت إليه برصيصا أربعين يوما بعدها، فلمّا انفتل رآه قائما يصلي، فلمّا رأى برصيصا شدّة اجتهاده وكثرة تضرّعه وابتهاله الى الله سبحانه كلّمه وقال له:\nحاجتك؟\nقال: حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك، فأذن له فارتفع إليه في صومعته فأقام الأبيض معه حولا يتعبد لا يفطر إلّا في كل أربعين يوما ولا ينفتل عن صلاته إلّا في كل أربعين يوما مرّة وربّما مدّ الى الثمانين، فلما رأى برصيصا اجتهاده تفاطرت إليه نفسه فأعجبه شأن الأبيض، فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق فإنّ لي صاحبا غيرك ظننت أنك أشدّ اجتهادا ممّا أرى، وكان يبلغنا عنك غير الذي رأيت، قال: فدخل على برصيصا من ذلك أمر شديد وكره مفارفته للّذي رأى من شدّة اجتهاده، فلما ودّعه قال له الأبيض: إنّ عندي دعوات أعلّمكها أياك تدعو بهن فهي خير مما أنت فيه، يشفي الله بها السقيم، ويعافي بها المبتلى والمجنون، قال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة، لأن لي في نفسي شغلا وإني أخاف إن علم بهذا الناس شغلوني عن العبادة، فلم يزل به الأبيض حتى علّمه، ثم انطلق حتى أتى إبليس فقال له: قد والله أهلكت\n_________\n(١) راجع لقصّة برصيصا البداية والنهاية: ٢/ ١٦٢، وزاد المسير لابن الجوزي: ٧/ ٣٤٣.\n(٢) سورة التكوير: ٢٠.","vol":"9","page":285},{"text":"الرجل، قال: فانطلق الأبيض فتعرّض لرجل فخنقه ثم جاءه في صورة رجل متطبّب فقال لأهله:\nإنّ بصاحبكم جنونا فأعالجه؟\nقالوا: نعم، فقال لهم: إني لا أقوى على جنّيته ولكن سأرشدكم الى من يدعو الله ﷿ فيعافى، فقالوا له: دلّنا، فانطلقوا الى برصيصا فإنّ عنده أسم الله الذي إذا دعى به أجاب، قال: فانطلقوا إليه فسألوه ذلك فدعا بتلك الكلمات فذهب عنه الشيطان، وكان يفعل الأبيض بالناس مثل، من مكانك قال: وما هي؟ قال: تسجد لي، قال: أفعل، فسجد له، فقال: يا برصيصا هذا الذي أردت منك صارت عاقبة أمرك الى أن كفرت بربّك فلما كفر قال: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ يقول الله سبحانه: فَكانَ عاقِبَتَهُما يعني الشيطان وذلك الإنسان أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ.\nقال ابن عباس: فضرب الله هذا المثل ليهود بني النضير والمنافقين من أهل المدينة، وذلك\nأن الله سبحانه أمر نبيّه (﵇) أن يخلي بني النضير عن المدينة، فدسّ المنافقون إليهم، فقالوا: لا تجيبوا محمدا الى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم فإن قاتلكم كنا معكم وإن أخرجكم خرجنا معكم. قال: فأطاعوهم فدربوا على حصونهم وتحصّنوا في ديارهم رجاء نصر المنافقين حتى جاءهم النبي ﷺ فناصبوه الحرب يرجون نصر المنافقين فخذلوهم وتبرّؤوا منهم كما تبرّأ الشيطان من برصيصا وخذله.\nقال ابن عباس: فكانت الرهبان بعد ذلك في بني إسرائيل لا يمشون إلّا بالتقية والكتمان وطمع اهل الفجور والفسق في الأحبار فرموهم بالبهتان والقبيح، حتى كان أمر جريج الراهب، فلمّا برّأ الله جريجا الراهب مما رموه به فانبسطت بعدها الرهبان وظهروا للناس «١» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ بأداء فرائضه واجتناب معاصيه وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ يعني يوم القيامة وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ أي نسوا حق الله وتركوا أمره فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ يعني حظ أنفسهم أن يقدّموا لها خيرا أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ وركّبنا فيه العقل لَرَأَيْتَهُ في صلابته ورزانته خاشِعًا ذليلا خاضعا مُتَصَدِّعًا يعني متشققا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وهو ما غاب عن العباد مما لم يعاينوه ولم يعلموه وَالشَّهادَةِ وهي ما علموه وشاهدوه، وقال الحسن: يعني السرّ والعلانية.\nهُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ وهو ذو الملك وقيل: القادر على\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٢.","vol":"9","page":286},{"text":"اختراع الأعيان الْقُدُّوسُ الظاهر من كل عيب المنزه عما لا يليق به. قال قتادة: المبارك، وقال ابن كيسان: الممجّد وهو بالسريانية قديشا.\nالسَّلامُ الْمُؤْمِنُ قال بعضهم: المصدّق لرسله بإظهار معجزاته عليهم، ومصدّق للمؤمنين ما وعدهم من الثواب وقابل إيمانهم، ومصدق للكافرين ما أوعدهم من العقاب.\nقال ابن عباس ومقاتل: هو الذي آمن الناس من ظلمه وآمن من آمن به من عذابه من الإيمان الذي هو هذا التخويف كما قال: وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ «١» .\nوقال النابغة:\nوالمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند «٢»\nوقال ابن زيد: هو الذي يصدّق المؤمنين إذا وحّدوه، وقال الحسين بن الفضل: هو الداعي الى الإيمان والآمر به والموجب لأهله اسمه. القرظي: هو المجير كما قال: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ «٣» . الْمُهَيْمِنُ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: الشهيد. ضحاك: الأمين. ابن زيد: المصدّق. ابن كيسان: هو اسم من أسماء الله في الكتب، الله أعلم بتأويله. عطا:\nالمأمون على خلقه. الخليل: هو الرقيب. يمان: هو المطّلع. سعيد بن المسيب: القاضي.\nالمبرد: [الْمُهَيْمِنُ في معنى مؤيمن إلّا أن الهاء بدل من الهمزة] «٤» .\nقال أبو عبيدة: هي خمسة أحرف في كلام العرب على هذا الوزن: المهيمن والمسيطر والمبيطر والمنيقر- وهو الذاهب في الأرض-، والمخيمر اسم جبل.\nالْعَزِيزُ الْجَبَّارُ قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته، وهو على هذا القول صفة ذات، وقيل: هو من الجبر وهو الإصلاح، يقال: جبرت العظم إذا أصلحته بعد كسر، وجبرت الأمر، والجبر وجبرته فجبر تكون لازما ومتعديا قال العجاج:\nقد جبر الدين الإله فجبر «٥»\nونظيره في كلام العرب: دلع لسانه فدلع، وفغر فاه ففغر، وعمّر الدار فعمرت، وقال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد.\n_________\n(١) سورة قريش: ٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٦- العائذات: ما عاذ بالبيت من الطير، والغيل: الشجر الكثير الملتف، والسند:\nما قابلك من الجبل وعلا.\n(٣) سورة المؤمنون: ٨٨. [.....]\n(٤) عن زاد المسير: ٢/ ٢٨٤.\n(٥) لسان العرب: ٤/ ١١٥.","vol":"9","page":287},{"text":"أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدّثنا محمد بن بكار بن الريان. قال حدّثنا أبو معشر عن محمد بن كعب قال: إنما يسمّى الجبار، لأنّه جبر الخلق على ما أراد والخلق أرق شأنا من أن يعصوا [له أمرا] «١» بل طرفة عين إلّا بما أراد، وسئل بعض الحكماء عن معنى الجبّار فقال: هو القهّار الذي إذا أراد أمرا فعله وحكم فيه بما يريد لا يحجزه عنه حاجز ولا يفكّر فيمن دونه. إن آدم اجتبي من غير طاعة وإن إبليس لعن على كثرة الطاعة، وقيل: هو الذي لا تناله الأيدي، من قول العرب: نخلة جبّارة، إذا طالت وفاتت الأيدي قال الشاعر:\nسوامق جبار أثيث فروعه ... وعالين قنوانا من البسر أحمرا «٢»\nالْمُتَكَبِّرُ عن كل سوء، المتعظّم عمّا لا يليق به، وأصل الكبر والكبرياء: الامتناع وقلة الانقياد، قال حميد بن ثور:\nعفت مثل ما يعفو الفصيل فأصبحت بها كبرياء الصعب وهي ذلول «٣» الْخالِقُ المقدّر المقلّب للشيء بالتدبير الى غيره كما قال: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ «٤» وقال: خَلَقَكُمْ أَطْوارًا «٥» الْبارِئُ المنشئ للأعيان من العدم الى الوجود الْمُصَوِّرُ الممثل للمخلوقات والعلامات المميّزة والهيئات المتفرّقة حتى يتميّز بها بعضها من بعض يقال: هذه صورة الأمر أي مثاله، فأولا يكون خلقا ثم [نطفة ثمّ علقة] «٦» ثم تصويرا إذا انتهى وكمل، والله أعلم.\nلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\nأخبرنا أحمد بن محمد بن يعقوب الفقيه بالقصر قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ببغداد قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا محمد بن صالح الواسطي عن سليمان ابن محمد عن عمر بن نافع عن أبيه قال: قال عبد الله بن عمر: رأيت رسول الله ﷺ قائما على هذا المنبر- يعني منبر رسول ﷺ- وهو يحكي عن ربّه سبحانه فقال: «إنّ الله تعالى إذا كان يوم القيامة جمع السموات والأرضين السبع في قبضته ﵎ ثم قال هكذا وشدّ قبضته ثم بسطها ثم يقول: أنا اللَّهُ أنا الرَّحْمنُ أنا الرَّحِيمُ أنا الْمَلِكُ أنا الْقُدُّوسُ أنا السَّلامُ أنا الْمُؤْمِنُ أنا\n_________\n(١) سقط في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٧، لسان العرب: ١٢/ ٤٣١ وفيه: الطليح، بدل: الفصيل، وركوب، بدل:\nذلول.\n(٤) سورة الزمر: ٦.\n(٥) سورة نوح: ١٤.\n(٦) في المخطوط كلمة غير مقروؤة والظاهر ما أثبتناه.","vol":"9","page":288},{"text":"الْمُهَيْمِنُ أنا الْعَزِيزُ أنا الْجَبَّارُ أنا الْمُتَكَبِّرُ أنا الذي بدأت الدنيا ولم تك شيئا، أنا الذي أعدتها أين الملوك أين الجبابرة» [٢٦٤] «١» .\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا محمد بن يونس الكريمي قال:\nحدّثنا عمرو بن عاصم قال حدثنا أبو الأشهب عن يزيد بن آبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ آخر سورة الحشر غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» [٢٦٥] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدثنا أحمد بن أبي سريح وأحمد بن منصور الرمادي قالا: حدّثنا أبو أحمد الزبيدي قال: حدّثنا خالد بن سليمان قال: حدّثني نافع عن أبي نافع عن معقل بن يسار أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قال حين يصبح ثلاث مرات: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر، وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلّون عليه حتى يمسي، فأن مات في ذلك اليوم مات شهيدا، ومن قال حين يمسي كان بتلك المنزلة» [٢٦٦] «٣» .\nوأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا عبد الله بن محمد قال: حدّثنا السماح قال: حدّثنا أحمد بن الفرح قال: حدّثنا أبو عثمان- يعني المؤذن- قال: حدّثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا أمامة يقول: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ خواتيم الحشر من ليل أو نهار فقبض في ذلك اليوم أو الليلة فقد أوجب الجنة» [٢٦٧] «٤» .\nوأخبرني ابن القاسم قال حدّثنا ابن بختيار قال: حدثنا مكي بن عيدان قال: حدّثنا إبراهيم ابن عبد الله قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا أبو الأشهب قال: حدّثنا يزيد الرقاسي عن أنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «من قرأ آخر سورة الحشر: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ الى آخرها فمات من ليلته مات شهيدا» [٢٦٨] «٥» .\nوأخبرني أبو عثمان بن أبي بكر الحبري قال: حدثنا أبو الحسين محمد بن محمد الحجاجي قال: أخبرنا عبد الله بن أبان بن شداد أن إسماعيل بن محمد الحبريني حدّثهم قال:\nحدثنا علي بن زريق قال: حدثنا هشام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال:\nسألت رسول الله ﷺ عن اسم الله الأعظم فقال: «عليك بآخر سورة الحشر فأكثر قرأتها، فأعدت عليه فعاد عليّ، فأعدت عليه فعاد عليّ» [٢٦٩] «٦» .\n_________\n(١) الدرّ المنثور: ٥/ ٣٣٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٩، تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٣٩.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٢٦، كنز العمّال: ٢/ ١٣٨ ح ٣٤٩١.\n(٤) كنز العمّال: ١/ ٥٨٣، ح ٢٦٤٣.\n(٥) كنز العمّال: ١/ ٥٩٣، ح ٢٧٠٣.\n(٦) تفسير القرطبي: ١٨/ ٤٩. [.....]","vol":"9","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-775>سورة الممتحنة</span>\nمدنية، وهي ألف وخمسمائة وعشرة أحرف، وثلاثمائة وثماني وأربعون كلمة، وثلاثة عشر آية\nأخبرنا الجباري قال: حدّثنا ابن حيان قال: أخبرنا الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطية قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدثنا زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الممتحنة كان المؤمنون والمؤمنات له شفعاء يوم القيامة» [٢٧٠] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢) لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣) قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)\nرَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥) لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦) عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٤٣.","vol":"9","page":290},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك\nأن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم بن عبد مناف أتت رسول الله ﷺ من مكة الى المدينة بعد بدر بسنتين ورسول الله ﷺ تجهز لفتح مكة فقال لها رسول الله ﷺ: «أمسلمة جئت؟» قالت: لا، قال: «أمهاجرة جئت؟» قالت: لا، قال: «فما جاء بك؟» قالت: كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهبت موالي واحتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، فقال لها: «فأين أنت من شباب مكة؟» [٢٧١] «١» - وكانت مغنية نائحة-.\nقالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، فحثّ رسول الله ﷺ عليها بني عبد المطلب وبني المطلب فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة حليف بني أسد بن عبد العزى فكتب معها الى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير، هذه رواية باذان عن أبن عباس، وقال مقاتل بن حيان: أعطاها عشرة دراهم، قالوا: وكساها بردا علم أن يوصل الكتاب الى أهل مكة، وكتب في الكتاب: (من حاطب بن أبي بلتعة الى أهل مكة، أن رسول الله ﷺ يريدكم فخذوا حذركم) فخرجت سارة ونزل جبرائيل فأخبر النبي ﷺ بما فعل، فبعث رسول الله ﷺ عليّا وعمّار وعمر والزبير وطلحة والمقداد بن الأسود وأبا مريد وكانوا كلهم فرسانا، وقال لهم:\n«انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فأن بها ظعينة معها كتاب من حاطب الى المشركين فخذوه منها وخلّوا سبيلها، وأن لم تدفعه إليكم فاضربوا عنقها» .\nقال: فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان الذي قال رسول الله ﷺ، فقالوا لها: أين الكتاب؟ فحلفت بالله ما معها من كتاب، فحثوها وفتشوا متاعها فلم يجدوا معها كتابا فهمّوا بالرجوع فقال علي ﵁ والله ما كذبنا ولا كذّبنا وسلّ سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلّا والله جرّدنّك ولأضربنّ عنقك. فلما رأت الجد أخرجت من ذؤابتها قد خبأتها في شعرها، فخلّوا سبيلها ولم يعترضوا لها ولا لمن معها ورجعوا بالكتاب الى رسول الله ﷺ، فأرسل رسول الله ﷺ الى حاطب فأتاه، فقال له: «هل تعرف الكتاب؟» قال: نعم، قال: «فما حملك على ما صنعت»؟\nفقال: يا رسول الله والله ما كفرت منذ أسلمت ولا غششتك منذ نصحتك ولا أجبتهم منذ فارقتهم، ولكن لم يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع عشيرته، وكنت عزيزا فيهم، وكان أهلي بين ظهرانيهم، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أنّ الله\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٥١، زاد المسير: ٨/ ٢.","vol":"9","page":291},{"text":"ينزل بهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا. فصدّقه رسول الله ﷺ وعذره، فقام عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله ﷺ «وما يدريك يا عمر لعلّ الله قد أطلع على أهل بدر فقال لهم أعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» [٢٧٢] «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا محمد بن غالب قال:\nحدثنا عبد الصمد قال: حدثنا ليث عن أبي الدنير عن جابر أن عبدا لحاطب جاء يشتكي حاطبا الى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال النبي ﷺ: «كذبت، لا يدخلها أبدا لأنه شهد بدرا والحديبية» [٢٧٣] «٢» .\nوأنزل الله سبحانه في شأن حاطب ومكاتبته المشركين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ أي المودة، والباء صلة، كقول القائل: أريد أن أذهب، وأريد بأن أذهب، قال الله سبحانه وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ «٣» أي إلحادا بِظُلْمٍ ومنه قول الشاعر:\nفلما رجت بالشرب هزّ لها العصا ... شحيح له عند الازاء نهيم «٤»\nأي رجت الشرب.\nوَقَدْ واو الحال كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ من مكة أَنْ تُؤْمِنُوا أي لأن آمنتم بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ في الكلام تقديم وتأخير، نظم الآية: لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ، وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ ... إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يروكم ويظهروا عليكم يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ بالشتم وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ فلا تناصحوهم فإنّهم لا يناصحوكم ولا يوادونكم.\nلن ينفعكم يقول لا تدعونّكم قرابتكم وأولادكم التي بمكة الى خيانة رسول الله ﷺ والمؤمنين وترك مناصحتهم وموالاة أعدائهم ومظاهرتهم فلن ينفعكم أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ التي عصيتم الله سبحانه لأجلهم يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ فيدخل أهل طاعته والإيمان به الجنة، ويدخل أهل معصيته والكفر به النار.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٨/ ٧٥، تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٦٩.\n(٢) كنز العمّال: ١٠/ ٤٠١، ح ٢٩٩٦٠.\n(٣) سورة الحج: ٢٥.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢٨/ ٧٣.","vol":"9","page":292},{"text":"واختلف القرّاء في قوله: يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ فقرأ عاصم ويعقوب وأبو حاتم بفتح الياء وكسر الصاد مخففا، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضمّ الياء وكسر الصاد مشددا، وقرأ ابن عامر والأعرج بضم الياء وفتح الصاد وتشديده، وقرأ طلحة والنخعي بالنون وكسر الصاد والتشديد، وقرأ أبو حيوة يُفْصِلُ من أفصل يفصل، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الصاد مخففا من الفصل.\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: حدّثنا سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّما الدين النصيحة» ثلاثا، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» [٢٧٤] «١» .\nقَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ قدوة حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ خليل الرحمن وَالَّذِينَ مَعَهُ من أهل الإيمان إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ المشركين إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ جمع بريء، وقراءة العامة على وزن فعلا غير مجز، وقرأ عيسى بن عمر بِراءٌ بكسر الباء، على وزن فعال مثل قصير وقصار وطويل وطوال وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكُمْ أي جحدنا بكم وأنكرنا دينكم وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ يعني قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره إلا في قوله: لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أن عصيته نهوا أن يتأسوا في هذه خاصة بإبراهيم فيستغفروا للمشركين، ثم بيّن عذره في سورة التوبة.\nوفي هذه الآية دلالة بيّنة على تفضيل نبيّنا وذلك أنه حين أمر بالاقتداء به أمر على الإطلاق ولم يستثن فقال: ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وحين أمر بالاقتداء بإبراهيم استثنى.\nرَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا [هذا قول] «٢» إبراهيم ومن معه من المؤمنين.\nوَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ يعني في إبراهيم ومن معه من الأنبياء والأولياء أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فلما نزلت هذه الآية عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين في الله وأظهروا لهم العداوة والبراءة فعلم سبحانه شدّة وجد المؤمنين بذلك فأنزل الله سبحانه: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ أيها المؤمنون وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ من مشركي مكّة مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يفعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم فصاروا لهم أولياء وإخوانا وخالطوهم وناكحوهم\nوتزوّج رسول الله ﷺ أم حبيبة\n_________\n(١) كنز العمّال: ٣/ ٤١٢، ح ٧١٩٧، سنن الدارمي: ٢/ ٣١١.\n(٢) العبارة في المخطوط مطمسة والظاهر ما أثبتناه وفي تفسير القرطبي: (١٨/ ٥٧) هذا من دعاء إبراهيم (﵇) وأصحابه.","vol":"9","page":293},{"text":"بنت أبي سفيان بن حرب فلان لهم أبو سفيان وكانت أم حبيبة تحت عبد الله بن جحش بن ذياب، وكانت هي وزوجها من مهاجري الحبشة، فنظر بوجهها وحاولها أن تتابعه فأبت وصبرت على دينها، ومات زوجها على النصرانية، فبعث رسول الله ﷺ الى النجاشي فيها ليخطبها عليه، فقال النجاشي لأصحابه: من أولى بها؟\nقالوا: خالد بن سعيد بن العاص، قال: فزوّجها من نبيّكم، ففعل ومهرها النجاشي أربعمائة دينار، وساق أليها مهرها، ويقال بل خطبها رسول الله ﷺ الى عثمان بن عفان فلما زوّجه أياها بعث الى النجاشي فيها، فساق عنه وبعث بها إليه فبلغ ذلك أبا سفيان وهو يومئذ مشرك فقال: ذاك الفحل لا يقرع أنفه.\nرخّص الله سبحانه في صلة الذين لم يعادوا المؤمنين ولم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من جميع الكافرين، فقال عزّ من قائل: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ تعدلوا فيهم بالإحسان والبر.\nإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ واختلف العلماء فيمن نزلت فيهم هذه الآية،\nفقال ابن عباس:\nنزلت في خزاعة منهم هلال بن عديم وخزيمة ومزلقة بن مالك بن جعشم وبنو مدلج وكانوا صالحوا النبي ﷺ على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه أحدا\n، وقال عبد الله بن الزبير: نزلت في أسماء بنت أبي بكر وذلك أن أمها فتيلة بنت الغري بن عبد أسعد من بني مالك بن حنبل قدمت عليها المدينة بهدايا ضيابا وقرطا وسمنا وهي مشركة، فقالت أسماء: لا أقبل منك هدية ولا تدخلين عليّ في بيتي حتى أستأذن رسول الله ﷺ، قالت لها عائشة: رسول الله ﷺ، فأنزل الله ﷿ هذه الآية، فأمر بها رسول الله أن تدخلها منزلها وتقبل هديّتها وتكرمها وتحسن إليها.\nوقال مرّة الهمداني وعطية العوفي: نزلت في قوم من بني هاشم منهم العباس.\nإِنَّما يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ في دينكم وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ وهم مشركو مكة أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ الواضعون الولاية في غير موضعها.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ الآية\nقال ابن عباس: أقبل رسول الله ﷺ معتمرا حتى إذا كان بالحديبية صالحه مشركو مكّة على من أتاه من أهل مكّة رده عليهم ومن أتى أهل مكة من أصحاب رسول الله ﷺ فهو لهم ولم يردوه عليه، وكتبوا بذلك كتابا وختموا عليه فجاءت سبيعة بنت الحرث الأسلمية مسلمة بعد الفراغ من الكتاب، والنبي ﷺ بالحديبية فأقبل زوجها مسافر من بني مخزوم- وقال مقاتلان هو صفي بن الراهب- في طلبها، وكان كافرا فقال: يا محمد أردّد علي امرأتي فأنك قد شرطت لنا أن ترد علينا من أتاك منّا وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ من دار الكفر الى دار الإسلام.","vol":"9","page":294},{"text":"فَامْتَحِنُوهُنَ\nقال ابن عباس: امتحانهن أن يستحلفهن ما خرجت من بغض زوج وما خرجت رغبة عن أرض الى أرض وما خرجت التماس دنيا وما خرجت إلّا حبّا لله ورسوله، فاستحلفها رسول الله ﷺ ما خرجت بغضا لزوجها ولا عشقا لرجل منا وما خرجت إلا رغبة في الإسلام، فحلفت بالله الذي لا اله الا هو على ذلك، فأعطى رسول الله ﷺ مهرها وما أنفق عليها ولم يردها عليه، فتزوّجها عمر، فكان رسول الله ﷺ يردّ من جاء من الرجال ويحبس من جاءه من النساء إذا امتحن ويعطي أزواجهن مهورهن\n، فذلك قوله سبحانه: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ يعني أزواجهن الكفار ما أَنْفَقُوا عليهن من المهر وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مهورهن وأن كنّ لهنّ أزواج كفار في دار الكفر لأنّه فرّق بينهما الإسلام إذا استبرئت أرحامهن.\nوَلا تُمْسِكُوا قراءة العامة بالتخفيف من الإمساك، وتكون الباء صلة مجازه: ولا تمسكوا عصم الكوافر وقرأ الحسن أبو عمرو ويعقوب وأبو حاتم بالتشديد من التمسّك وقال:\nمسكت بالشيء وتمسّكت به، والعصم جمع العصمة وهي ما اعتصم به من العقد والمسك، والكوافر: جمع كافرة. نهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات، وأمرهم بفراقهن قال ابن عباس: يقول لا تأخذوا بعقد الكوافر ممن كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يعتدن بها فقد انقطعت عصمتها منه وليست له بامرأة، وإن جاءتكم امرأة مسلمة من أهل مكّة ولها بها زوج كافر فلا تعتدن به فقد انقطعت عصمته منها.\nقال الزهري: فلما نزلت هذه الآية طلّق عمر بن الخطاب ﵁ امرأتين كانتا له بمكّة مشركتين قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة فتزوّجها بعده معاوية بن أبي سفيان وهما على شركهما بمكة والأخرى أم كلثوم بنت عمر بن حروا الخزاعية أم عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن غانم- رجل من قومه- وهما على شركهما، وكانت عند طلحة بن عبيد الله بن عثمان ابن عمرو التيمي أروى بنت ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب ففرّق بينهما الإسلام حين نهى القرآن عن التمسك بِعِصَمِ الْكَوافِرِ،\nوكان طلحة قد هاجر وهي بمكة على دين قومها ثم تزوّجها في الإسلام بعد طلحة خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس، فكانت ممن فرّ الى رسول الله ﷺ من نساء الكفار فحبسهما وزوّجها خالدا، وأميمة بنت بشر كانت عند ثابت بن الدحداحة ففرّت منه- وهو يومئذ كافر- الى رسول الله ﷺ فزوجها رسول الله ﷺ سهل بن حنيف، فولدت عبد الله بن سهل «١» .\nقال الشعبي: وكانت زينب بنت رسول الله ﷺ امرأة أبي العاص بن الربيع فأسلمت\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٨/ ٩٢.","vol":"9","page":295},{"text":"ولحقت بالنبي ﷺ في المدينة وأقام العاص مشركا في مكة ثم أتى المدينة فأمنته زينب ثم أسلم فردّها عليه رسول الله ﷺ.\nوَسْئَلُوا أيّها المؤمنون الذين ذهبت أزواجكم فلحقن بالمشركين ما أَنْفَقْتُمْ عليهن من الصدقات من تزويجهن منهم وَلْيَسْئَلُوا بعد المشركين الذين لحقت أزواجهم بكم مؤمنات إذا تزوجن فيكم من يتزوجها منكم.\nما أَنْفَقُوا من المهر ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ قال الأزهري:\nولولا العهد والهدنة الذي كان بينه ﵇ وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد إليهم صداقا، وكذلك يصنع بمن جاء من المسلمات قبل العهد، فلما نزلت هذه الآية أقرّ المؤمنون بحكم الله سبحانه وأدّوا ما أمروا من نفقات المشركين على نسائهم وأبى المشركون أن يقرّوا بحكم الله فيما أمر من أداء نفقات المسلمين فأنزل الله سبحانه وَإِنْ فاتَكُمْ أيها المؤمنون شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فلحقن بهم مرتدات فَعاقَبْتُمْ قراءة العامة بالألف وأختاره أبو عبيدة وأبو حاتم، وقرأ إبراهيم وحميد والأعرج فعقّبتم مشددا، وقرأ مجاهد فأعقبتم على وزن أفعلتم وقال: صنعتم بهم كما صنعوا بكم، وقرأ الزهري «فعقبتم» خفيفة بغير ألف، وقرأ فعقِبتم كسر القاف خفيفة وقال: غنمتم.\nوكلها لغات بمعنى واحد يقال: عاقب وعقّب وعقب وعقب وأعقب ويعقب واعتقب وتعاقب إذا غنم.\nومعنى الآية: فغزوتم وأصبتم من الكفار عقبى وهي الغنيمة وظفرتم وكانت العاقبة لكم، وقال المؤرخ: معناه فحلقتم من بعدهم وصار الأمر إليكم، وقال الفرّاء: عقّب وعاقب مثل تصعر وتصاعر، وقيل: غزوة بعد غزوة.\nفَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ الى الكفار منكم مِثْلَ ما أَنْفَقُوا عليهم من الغنائم التي صارت في أيديكم من أموال الكفار وقيل: فعاقبتم المرتدة أي قتلتموها،\nوكان جميع من لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين راجعة عن الإسلام ست نسوة: أم الحكم بنت أبي سفيان كانت تحت عياض بن شداد الفهري، وفاطمة بنت أبي آمنة بن المغيرة أخت أم سلمة كانت تحت عمر بن الخطاب فلما أراد عمر أن يهاجر أبت وارتدّت، ويروع بنت عقبة كانت تحت شماس بن عثمان، وعبدة بنت عبد العزى بن فضلة وزوجها عمر بن عبدون، وهند بنت أبي جهل بن هشام وكانت تحت هشام بن العاص بن وائل، وكلثوم بنت جدول كانت تحت عمر ابن الخطاب، وأعطاهم رسول الله ﷺ مهور نسائهم من الغنيمة «١» .\nوَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٨/ ٧٠، وكتاب المجر: ٤٣٣.","vol":"9","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>[سورة الممتحنة (٦٠): الآيات ١٢ الى ١٣]</span>\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ الآية\nوذلك يوم فتح مكة لما فرغ الرسول ﷺ من بيعة الرجال وهو على الصفا وعمر بن الخطاب أسفل منه وهو يبايع النساء بأمر رسول الله ﷺ ويبلغهن عنه وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة مستنكرة مع النساء خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها فقال النبي ﷺ: «أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا» فرفعت هند رأسها وقالت والله إنك لتأخذ علينا أمرا ما رأيناك أخذته على الرجال، وبايع الرجال يومئذ على الإسلام والجهاد فقط، فقال النبي ﷺ: «وَلا يَسْرِقْنَ» فقالت هند: إن أبي سفيان رجل شحيح وإني أصيب من ماله هنات ولا أدري أتحل لي أم لا؟\nفقال أبو سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى وفيما غير فهو لك حلال، فضحك رسول الله ﷺ، وعرفها فقال لها: «وإنك لهند بنت عتبة» قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله عفا الله عنك فقال: «لا يَزْنِينَ» [٢٧٥] فقالت هند أوتزني الحرة؟ فقال: وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ فقالت هند: ربيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا فأنتم وهم أعلم، وكان ابنها حنظلة بن أبي سفيان قد قتل يوم بدر، فضحك عمر حتى استلقى وتبسّم النبي ﷺ فقال: وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وهو أن تقذف ولدا على زوجها وليس منه، فقالت هند: والله إنّ البهتان يقبح وما تأمرنا إلّا مكارم الأخلاق، وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فقالت: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقرّ النسوة بما أخد عليهن «١» .\nوأختلف العلماء في كيفية بيعة رسول الله ﷺ عليه النساء،\nفأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي قال: حدثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدثنا سفيان وأخبرنا عبد الله ابن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثنا بشر بن مطر قال: حدثنا سفيان بن عتبة عن محمد بن المفكر وسمع أميمة بنت رفيقة تقول: بايعت رسول الله ﷺ في نسوة فقال: فيما استطعتن وأطقتن فقلت: رسول الله أرحم بنا من أنفسنا، قلت: يا رسول الله صافحنا قال: «إني لا أصافح النساء إنما قولي [لامرأة واحدة] كقولي لمائة امرأة» [٢٧٦] «٢» .\nوأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن قال: حدّثنا\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٥٦.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ٣٥٧.","vol":"9","page":297},{"text":"محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يبايع النساء بالكلام بهذه الآية عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا قالت: وما مسّ يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط إلا يد امرأة تملكها\n، وقال السعري كان النبي ﷺ يبايع النساء وعلى يده ثوب مطري.\nوروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه أنّ النبي ﷺ كان إذا بايع النساء دعا بقدح من ماء فغمس يده فيه ثم غمس أيديهن فيه\n، وقال الكلبي: كان رسول ﷺ يشرط على النساء وعمر ﵁ يصافحهن.\nوأختلف المفسرون في معنى المعروف فقال القرظي: المعروف الذي لا يعصينه فيه، ربيع: كل ما وافق طاعة الله فهو معروف، فلم يرض الله لنبيّه أن يطاع في معصية الله. بكر بن عبد الله المدني: لا يعصينك في كل أمر فيه رشدهن، مجاهد: لا تخلو المرأة بالرجال، سعيد ابن المسيب ومحمد بن السائب وعبد الرحمن بن زيد: لا تحلقن ولا تسلقن ولا تحرقن ثوبا ولا ينتفن شعرا ولا يخمشن وجها ولا ينشرن شعرا ولا يحدثن الرجال إلا ذا محرم ولا تخلوا امرأة برجل غير ذي محرم ولا تسافر امرأة ثلاثة أيام مع غير ذي محرم، ابن عباس: لا ينحن.\nودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن علي الهمداني قال:\nحدثنا محمد بن علي بن مخلد الفرقدي قال: حدثنا سليمان الشادكوى قال حدّثنا النعمان بن عبد السلام قال حدّثني عمرو بن فروخ قال: حدثنا مصعب بن نوح قال: أدركت عجوزا ممن بايعت النبي ﷺ فحدّثتني عن النبي ﷺ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ قال: النوح\nوأخبرنا الحسن قال:\nأخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو بكر بن سلام قال: حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال: حدّثنا سعدون قال: حدثنا سليمان بن داود قال حدثنا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «هذه النوائح يجعلن يوم القيامة صفّين صفا عن اليمين وصفا وعن الشمال «١» وينبحن كما تنبح الكلاب» [٢٧٧] «٢» .\nوأخبرنا الحسين قال: حدثنا السني قال: أخبرني إسحاق بن مروان الخطراني قال: حدثنا الحسن بن عروة قال: حدّثنا علي بن ثابت الجزري قال: حدّثنا حسان بن حميد عن سلمة بن جعفر عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ «تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثاء غبراء عليها جلباب من لعنة ودرع من حرب واضعة يدها على رأسها تقول: وا ويلاه، وملك يقول: آمين، ثم يكون من ذلك حظها النار» [٢٧٨] «٣» .\n_________\n(١) في المصدر: اليسار.\n(٢) كنز العمّال: ١٥/ ٦٠٨، ح ٤٢٣١٦، وفيه زيادة (فينبحن على أهل النار)، تفسير القرطبي: ١٨/ ٧٤. [.....]\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ٣٤٤.","vol":"9","page":298},{"text":"وأخبرنا الحسن قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرنا أبو يعلي الموصلي قال: حدثنا هدية بن خالد قال حدثنا أبان بن يزيد قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير أن زيدا حدّثه أنّ أبا سلمة حدّثه أن أبا مالك الأشعري حدّثه أن رسول الله ﷺ قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن: الفخر في الإحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة»\n[٢٧٩] .\nوقال: «النائحة إذا لم تتب قبل موتها يقام يوم القيامة عليها سربال من قطران ودرع من حرب» [٢٨٠] .\nوأخبرنا الحسن قال: أخبرنا ابن حمدان قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن سنان قال:\nحدّثنا عبد الله بن رجاء الغداني قال: حدّثنا عمران بن دوار القطان قال: حدّثنا قتادة عن أبي مرانة العجلي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا تصلي الملائكة على نائحة ولا مرنة «١»\n[٢٨١] «٢» .\nوأخبرنا الحسن قال: حدّثنا أحمد بن إسحاق قال: حدّثني عمر بن حفص المكاري قال:\nحدّثنا أبو عتبة قال: حدّثنا فقيه قال: حدّثنا أبو عامر قال: حدّثني عطاء بن أبي رياح أنّه كان عند ابن عمر وهو يقول: إن رسول الله ﷺ: لعن النائحة والمسمعة والحالقة والسالقة والواشمة والمتوشمة وقال: «ليس للنساء في إتباع الجنائز أجر» [٢٨٢] «٣» .\nوأخبرنا الحسن قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا يوسف بن عبد الله قال حدّثنا موسى ابن إسماعيل قال: حدّثنا حماد عن أبان بن أبي عياش عن الحسين أنّ عمر بن الخطاب ﵁ سمع نائحة فأتاها فضربها حتى وقع خمارها عن رأسها، فقيل: يا أمير المؤمنين المرأة المرأة قد وقع خمارها، قال: إنها لا حرمة لها «٤» .\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وهم اليهود وذلك ان ناسا من فقراء المسلمين كانوا يخبرون اليهود بأخبار المسلمين ويتواصلونهم فيصيبون بذلك من ثمارهم، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك قَدْ يَئِسُوا يعني هؤلاء اليهود مِنَ الْآخِرَةِ أن يكون لهم فيها ثواب كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أن يرجعوا إليهم أو يبعثوا.\nأخبرنا الشيخ أبو علي بن أبي عمرو الخيري الحرشي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا محمد ابن خلف بن شعبة قال: حدّثنا محمد بن سائق قال: حدّثنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن\n_________\n(١) هو الصوت الشديد والصرخة عند الغناء والبكاء.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٣٦٢.\n(٣) السنن الكبرى: ٤/ ٦٣، كنز العمّال: ١٦/ ٣٩١، ح ٤٥٠٥٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٨/ ٧٥ عن الثعلبي.","vol":"9","page":299},{"text":"ابن عباس في قوله سبحانه كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: هم الكفار أصحاب القبور قد يئسوا من الآخرة.\nوأخبرنا أبو علي بن أبي عمرو قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا علي بن سعيد بن جبير النسائي قال: حدّثنا أبو النظر قال: حدّثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: الكفار حين دخلوا قبورهم يئسوا من رحمة الله.\nوأخبرنا أبو علي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا شبل عن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﷿ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ بكفرهم كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ من الموتى في الآخرة حتى يبين لهم أعمالهم.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال:\nحدّثنا وكيع قال: حدّثنا عبد الله بن حبيب عن أبي ثابت قال: سمعت القاسم بن أبي بزة يقول في قول الله سبحانه قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ قال: من كان منهم من الكفار يئس من الخير.","vol":"9","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-778>سورة الصف</span>\nمكية، وهي تسعمائة حرف، ومائتان وأحدى وعشرون كلمة، وأربع عشرة آية\nأخبرنا أبو الحسن الحيازي قال: حدّثنا ابن حبش قال: حدّثني أبو عباس محمد بن موسى الرازي قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني قال: حدّثني شبابة بن سواد الغزاري قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن زيد وعن عطاء بن أبي ميمونة عن بن حبش عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة عيسى (﵇) كان عيسى مصليا عليه مستغفرا له مادام في الدنيا وهو يوم القيامة رفيقه» [٢٨٣] «١»\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-779>[سورة الصف (٦١): الآيات ١ الى ١٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)\nوَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥) وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧) يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)\nسَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٩/ ٤٥٩.","vol":"9","page":301},{"text":"قال مقاتلان: قال المؤمنون قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال الى الله سبحانه لعلمناه وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلّهم الله على أحب الأعمال اليه فقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ فبيّن لهم فابتلوا يوم أحد بذلك، فولّوا عن النبي ﷺ مدبرين فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال: الكلبي: قال: المؤمنون: يا رسول الله لو نعلم أحب الأعمال لفعلنا ونزل هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ثم انقطع الكلام ولم يبين لهم شيئا فمكثوا بعد ذلك ما شاء الله أن يمكثوا وهم يقولون: ليتنا نعلم ما هي أما والله إذن لاشتريناها بالأموال والأنفس والأهلين، فدلّهم الله سبحانه فقال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الآية، فابتلوا بذلك يوم أحد ففرّوا عن رسول الله ﷺ حين صرع وشج في وجهه وكسرت رباعيته، فنزلت هذه الآية يعيّرهم ترك الوفاء.\nوقال محمد بن كعب: لما أخبر الله ﷾ رسوله ﷺ بثواب شهداء بدر قالت الصحابة: لئن لقينا بعده قتالا لنفرغن فيه وسعنا ففروا يوم أحد فعيّرهم الله بهذه الآية\n، وقال ابن عباس: كان ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: وددنا لو أن الله دلّنا على أحب الأعمال إليه فنعمل به، فأخبرهم الله تعالى أن أفضل الأعمال إيمان لا شك فيه والجهاد، فكره ذلك ناس منه وشق عليهم الجهاد وتباطؤوا عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقال: قتادة والضحاك: نزلتا في شأن القتال، كان الرجل يقول: قتلت ولم يقاتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مقلاب قال: حدّثنا أبو الحرث أحمد بن سعيد بدمشق قال: حدّثنا يعقوب بن محمد الزهري قال: أخبرنا حصين بن حذيف الصهري قال:\nحدّثني عمي عن سعيد بن المسيب عن مهيب قال: كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين ونهاهم فقتله صهيب في القتال، فقال رجل: يا رسول الله قتلت فلانا ففرح بذلك رسول الله ﷺ، فقال عمرو بن عبد الرحمن لصهيب: أخبر النبي ﷺ أنك قتلته فأن فلانا ينتحله، فقال صهيب: إنما قتلته لله تعالى ولرسوله، فقال عمرو بن عبد الرحمن: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟ قال: نعم يا رسول الله، فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ والآية الأخرى.\nوقال الحسن: هؤلاء المنافقون ندبهم الله سبحانه ونسبهم الى الاقرار الذي أعلنوه للمسلمين فأنزل الله فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كذبا وزورا، وقال:\nابن زيد: نزلت في المنافقين كانوا يعدون المؤمنين النصر وهم كاذبون، وقال: مجاهد: نزلت في نفر من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة قال: في مجلس لهم: لو علمنا أي الأعمال أحب الى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله سبحانه هذه السورة فقال عبد الله بن رواحة: لا أبرح","vol":"9","page":302},{"text":"حبيسا في سبيل الله حتى أموت أو أقتل فقتل بمؤته شهيدا رحمة الله عليه ورضوانه، وقال:\nميمون بن مهران: نزلت في الرجل يقرض نفسه بما لم يفعله نظيره ويحبون أن يحمدوا عما لم يفعلوا.\nحدّثنا أبو القاسم الحسيني لفظا قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي قال: حدّثنا عمي سعيد الدارمي قال: حدّثنا محبوب بن موسى الأنطاكي قال: حدّثنا أبو إسحاق الفراري عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبد الله بن سلام قال: خرجنا نتذاكر فقلنا: أيكم رسول الله ﷺ فسأله أي الأعمال أحب الى الله، ثم تفرقنا وهبنا أن يأتيه أحدنا، فأرسل إلينا رسول الله ﷺ وجمعنا فجعل يومي بعضنا الى بعض فقرأ علينا سَبَّحَ لِلَّهِ الى آخرها.\nقال أبو سلمة: فقرأها علينا عبد الله بن سلام الى آخرها قال يحيى بن أبي كثير: فقرأ علينا أبو سلمة الى آخرها، قال الأوزاعي: فقرأ علينا يحيى بن إسحاق الى آخرها، قال أبو إسحاق الفزاري: فقرأها علينا الأوزاعي الى آخرها، قال محبوب بن موسى: قرأها علينا الفزاري الى آخرها، قال عثمان بن سعيد: فقرأها علينا محبوب الى آخرها، قال الطرائفي:\nفقرأها علينا عثمان بن سعيد الى آخرها، قال القاسم: وقرأها علينا أبو الحسن الطرائفي الى آخره، وقرأها علينا الأستاذ أبو القاسم الى آخرها وسألنا أحمد الثعلبي أن يقرأ فقرأ علينا إلى آخرها.\nكَبُرَ مَقْتًا نصب على الحال وأن شئت على التمييز.\nوقال الكسائي: أَنْ تَقُولُوا في موضع رفع لان كَبُرَ بمنزلة قولك بئس رجلا أخوك، وأضمر القراء فيه اسما مرفوعا، والمقت والمقاتة مصدر واحد يقال: رجل ممقوت ومقيت إذا لم تحبّه الناس إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ ولا يزولون عن أماكنهم كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ قد رصّ بعضه الى بعض أي أحكم وأيقن وأدقّ فليس فيه فرجه ولا خلل، وأصله من الرصاص، ومنه\nقول النبي ﷺ: «تراصوا بينكم في الصفوف لا يتخللنكم الشياطين كأنها بنات حذف» [٢٨٤] «١» .\nوَإِذْ قالَ: مُوسى لِقَوْمِهِ من بني إسرائيل يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وذلك حين رموه بالادرة وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ والرسول يحترم ويعظم فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ عن الحق قُلُوبَهُمْ عن الدين وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ وهو الذي لا يذم، وفي وجهه قولان:\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ٥/ ٣٨٧ بتفاوت.","vol":"9","page":303},{"text":"أحدهما: أن الأنبياء كلّهم حمّادون لله سبحانه ونبينا ﷺ أحمد، أي أكثر حمدا لله منهم.\nوالثاني: أنّ الأنبياء كلّهم محمودون ونبيّنا أحمد أي أكثر مناقب وأجمع للفضائل.\nفَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ قراءة العامة بالتخفيف من الإنجاء وقرأ ابن عامر بالتشديد من [التنجية] مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ بيّن ما هي فقال: تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني ابن حرجة قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن الفرح البغدادي قال: حدّثنا حجاج بن محمد بن جبير القصاب عن الحسن قال: سألنا رسول الله ﷺ عليها فقال: «قصر من لؤلؤة في الجنّة وذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون، على كلّ فراش امرأة من الحور العين، في كل بيت سبعون مائدة على كل مائدة سبعون لونا من كل الطعام، في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة، قال: فيعطي الله المؤمن من القوة في غذاءه وحده ما يأتي على ذلك كله» [٢٨٥] «١» .\nفِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَأُخْرى قال: نحاة البصرة: هي في محل الخفض «٢» مجازه: وتجارة أخرى، وقال نحاة الكوفة: محلها رفع أي ولكم أخرى في العاجل مع ثواب الآجل.\nتُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ثم حثهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ أعوانا بالسيف على أعدائه، قرأ أبو عمرو وقرأ أهل الحجاز أنصارا بالتنوين وهو اختيار أيوب، وقرأ الباقون بالإضافة وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد قال: لقوله نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ولم يقل: أنصارا لله.\nكَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ: الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ٤٢٠، تفسير القرطبي: ١٨/ ٨٨.\n(٢) أي معطوفة على تجارة.","vol":"9","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-780>سورة الجمعة</span>\nمدنية، وهي سبعمائة وعشرون حرفا، ومائة وثمانون كلمة، وأحدى عشر آية\nأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا موسى قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا سليمان قال:\nحدّثنا أبو معاذ عن أبي عصمة عن زيد العمي عن أبي نصرة عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ قال: «من قرأ سورة الجمعة كتب له عشر حسنات بعدد من ذهب الى الجمعة من مصر من أمصار المسلمين ومن لم يذهب» [٢٨٦] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)\nمَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٦) وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ قال أهل اللغة: كل أسم على فعّول بتشديد للعين فالفاء منه منصوبة، نحو سفّود وكلّوب وسمّور وشبّوط- وهو ضرب من السمك إلّا أحرف: سبّوح وقدّوس، ومردوح لواحد المراديح «٢»، وحكى الفراء عن الكسائي قال: سمعت أبا الدنيا وكان أعرابيا فصيحا يقرأ القدوس بفتح القاف ولعلها لغة.\nالْعَزِيزِ الْحَكِيمِ وقرأ أبو وائل الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ بالرفع على معنى هو الملك القدوس.\nأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٥ بتفاوت.\n(٢) المراديح: كل ما بسط ومد على الأرض.","vol":"9","page":305},{"text":"ابن سليمان قال: حدّثنا محمد بن إسحاق الرازي قال: حدّثنا إسحاق بن سليمان قال: سمعت عمرو بن أبي قيس عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال: هذه الآية يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ في التوراة سبعمائة آية.\nهُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ يعني العرب رَسُولًا مِنْهُمْ محمدا ﷺ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ في آخَرِينَ وجهان من الأعراب: أحدهما الخفض على الرد الى الأميين، مجازه: وفي آخرين، والثاني: النصب على الردّ الى الهاء والميم من قوله يُعَلِّمُهُمُ أي ويعلم آخرين منهم أي من المؤمنين الذين يدينون بدينه.\nلَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ أي لم يدركوهم ولكنهم يكونون بعدهم.\nوأختلف العلماء فيهم فقال ابن عمرو سعيد بن جبير: هم العجم، وهي رواية ليث عن مجاهد يدلّ عليه كما\nروى ثور بن يزيد عن أبي العتب عن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ كلّمه فيها الناس فأقبل رسول الله ﷺ على سلمان فقال: «لو كان (الدين) «١» عند الثريا لناله رجال من هؤلاء» [٢٨٧] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال:\nحدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي قال: حدّثني أبو حمزة الثمالي قال: حدّثني حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: قال النبي ﷺ: «رأيتني تبعني غنم سود ثم أتبعتها غنم سود ثم أتبعتها غنم عفر» أوّلها أبا بكر قال: أمّا السود فالعرب، وأما العفر فالعجم تبايعك بعد العرب، قال: «كذلك عبّرها الملك سحر» [٢٨٨] «٣» يعني وقت السحر.\nوبه عن أبي حمزة قال: حدّثني السدي قال: كان عبد الرحمن بن أبي ليلى إذا قال: رجل من أصحاب النبي ﷺ فأنه يعني به عليا، وإذا قال: رجل من أهل بدر فإنما يعني به عليا، فكان أصحابه لا يسألونه عن أسمه، وقال: عكرمة ومقاتل: هم التابعون، وقال ابن زيد وابن حيان:\nهم جميع من دخل في الإسلام بعد النبي ﷺ الى يوم القيامة وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد.\nوروى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ قال: «وأن في أصلاب أصلاب أصلاب\n_________\n(١) في المصدر: الإيمان.\n(٢) صحيح مسلم: ٧/ ١٩٢.\n(٣) المصنّف: ٧/ ٢٣٤، وبتفاوت في كنز العمال: ١١/ ٤٤٩، ح ٣٢١١٣. [.....]","vol":"9","page":306},{"text":"رجال (أمتي) «١» رجالا ونساء يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ... بِغَيْرِ حِسابٍ» [٢٨٩] «٢» ثم تلا رسول الله ﷺ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ\nذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ أي كلّفوا العمل بها ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها ولم يعملوا بما فيها ولم يؤدّوا حقّها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا كتبا من العلم والحكمة.\nقال الفراء: هي الكتب العظام واحدها سفر، ونظيرها في الكلام شبر وأشبار وجلد وأجلاد فكما أن الحمار يحملها ولا يدري ما فيها ولا ينتفع بها كذلك اليهود يقرءون التوراة ولا ينتفعون به، لأنهم خالفوا ما فيه.\nأنشدنا أبو القاسم بن أبي بكر المكتب قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن المنذر قال: أنشدنا أبو محمد العشائي المؤدب قال: أنشدنا أبو سعيد الضرير:\nزوامل للأسفار لا علم عندهم ... بجيّدها إلا كعلم الأباعر\nلعمرك ما يدري المطي إذا غدا ... بأسفاره إذ راح ما في الغرائز «٣»\nبِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ محمد وأصحابه فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فادعوا على أنفسكم بالموت إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنكم أبناء الله وأحباؤه فإن الموت هو الذي يوصلكم إليه.\nوَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ.\nأخبرنا الحسن قال:\nحدّثنا السني قال: حدّثنا النسائي قال: أخبرني عمرو بن عثمان قال: حدّثنا بقية بن الوليد قال: حدّثنا الزبيدي قال: حدّثني الزهري عن أبي عبيد أنه سمع أبا هريرة يقول قال: رسول الله ﷺ: «لا يتمن أحدكم الموت أما محسن فإن يعش يزدد خيرا فهو خير له وأما مسيئا فلعلّه أن يستعتب» [٢٩٠] «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ٨ الى ٩]</span>\nقُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)\nقُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ\n_________\n(١) في المصدر: من أصحابي رجالا.\n(٢) كنز العمّال: ١٢/ ٣٤٥٧٢.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٨، لسان العرب: ١١/ ٣١٠، وفيه: للأشعار، بدل: للأسفار- والبعير، بدل:\nالمطي، وبأوساقه بدل: بأسفاره.\n(٤) مسند أحمد: ٢/ ٣٠٩، وفي كنز العمّال: ٤/ ٢٥٤، ح ١٠٤٠٨، بتفاوت يسير.","vol":"9","page":307},{"text":"يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ أي في يوم الجمعة كقوله سبحانه ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ «١» أي في الأرض وأراد بهذا النداء الآذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة، يدل عليه ما\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا أحمد بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدّثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان لرسول الله ﷺ مؤذن واحد- بلال- لم يكن له مؤذن آخر غيره، فكان إذا جلس رسول الله ﷺ على المنبر أذّن على باب المسجد فإذا نزل أقام الصلاة، ثم كان أبو بكر كذلك وعمر كذلك حتى إذا كان عثمان فكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانا فأمر بالتأذين الأوّل على دار له بالسوق يقال لها الزوراء، فكان يؤذن له عليها، فإذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذنه الأوّل، فإذا نزل أقام للصلاة فلم يعب ذلك عليه.\nوقراءة العامة الْجُمُعَةِ بالضم الميم، وقرأ الأعمش مخففة بجزم الميم وهما لغتان وجمعها: جمع وجمعات.\nأخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا أبا الحسن بن أيوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: سمعت الكسائي يخبر عن سليمان عن الزهري قال: قال ابن عباس: نزل القرآن بالتثقيل والتفخيم قال الفرّاء وأبو عبيد: التخفيف حسن وهو [........] «٢» في مذهب العربية مثل غرفة وغرف وطرفة وطرف وحجرة وحجر. وقال الفراء: وفيها لغة أخرى ثالثة: جمعة بالفتح كقولك رجل ضحكة وهمزة ولمزة وهي لغة بني عقيل، وقيل: هي لغة النبي ﷺ وإنما سمي هذا اليوم جمعة لما\nأخبرنا الحسن قال: حدّثنا الكندي قال: حدّثنا محمد بن مخلد العطّار قال: حدّثنا محمد بن عيسى بن أبي موسى قال:\nحدّثنا عبد الله بن عمرو بن أبي أمية قال: حدّثنا قيس الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن قرثع الضبي عن سليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّما سميت الجمعة لأن آدم جمع فيها خلقه»\n[٢٩١] «٣» . وقيل: لأنّ الله سبحانه فرغ فيه من خلق الأشياء فاجتمعت فيه المخلوقات.\nوقيل: يجمع الجماعات فيها، وقيل: لاجتماع الناس فيه للصلاة، وقيل: أوّل من سماها جمعة كعب بن لؤي.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حفصويه قال: حدّثنا الحسن بن أحمد بن حفص الحلواني قال: حدّثنا إبراهيم بن إسحاق قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدّثنا عبد العزيز عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن أبي سلمة قال: أول من قال: أما بعد كعب بن لؤي، وكان\n_________\n(١) سورة فاطر: ٤٠.\n(٢) كلمة غير مقروءة.\n(٣) صدر الحديث في كنز العمّال: ٧/ ٧٠٩، ح ٢١٠٣٩، والذيل غير موجود.","vol":"9","page":308},{"text":"أول من سمى الجمعة الجمعة وكان يقال للجمعة: العروبة، وقيل: أوّل من سماها جمعة الأنصار.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا سلمة ابن شيب قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدم النبي ﷺ المدينة وقبل أن ينزل الجمعة وهم الذين سمّوها الجمعة، قالت الأنصار: لليهود يوم يجمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى يوم أيضا مثل ذلك، فهلموا فلنجعل يوما يجمع فيه فيذكر الله ﷿ ونصلّي ونشكره- أو كما قالوا-.\nفقالوا: يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى فاجعلوه يوم العروبة، وكانوا يسمّون يوم الجمعة يوم العروبة واجتمعوا الى أسعد بن زرارة فصلّى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم فسمّوه يوم الجمعة حين اجتمعوا إليه فذبح لهم أسعد بن زرارة شاة فتغدوا وتعشوا من شاة واحده وذلك لقلتهم، فأنزل الله سبحانه في ذلك بعد إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الآية، فهذه أول جمعة جمعت في الإسلام.\nفأما أول جمعة جمعها رسول الله ﷺ بأصحابه\nفقال أهل السير والتواريخ: قدم رسول الله ﷺ مهاجرا حتى نزل قباء على بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين أشتد الضحى فأقام ﷺ بقباء يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وأسس مسجدهم ثم خرج بين أظهرهم يوم الجمعة عامدا المدينة فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ اليوم في ذلك الموضع مسجد وكانت هذه الجمعة أول جمعة.\nوقال: الحسن هي مستحبة وليست بفرض،\nوقال سعيد: جمعها رسول الله ﷺ في الإسلام فخطب في هذه الجمعة وهي أوّل خطبة خطبها بالمدينة فيما قيل، وقال ﷺ: «الحمد لله أحمده وأستعينه واستغفره وأستهديه وأؤمن به ولا أكفره وأعادي من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى والنور والموعظة عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ وقلّة من العلم وضلالة من الناس وانقطاع من الزمان ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فقد رشد ومن يعصيهما فقد غوى وفرط وضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا، وأوصيكم بتقوى الله فأنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة وان يأمره بتقوى الله فاحذروا ما حذركم الله من نفسه وأن تقوى الله لمن عمل به على وجل ومخافة من ربّه عون وصدق على ما تبغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السرّ والعلانية لا ينوي بذلك إلّا وجه الله يكن له ذكرا في عاجل أمره، وذخرا فيما بعد الموت حين يفتقر المرء الى ما قدم، وما كان مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ","vol":"9","page":309},{"text":"بِالْعِبادِ\n، والذي صدق قوله ونجز وعده لا خلق لذلك فأنه يقول ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، واتقوا الله في عاجل أمركم وآجله في السرّ والعلانية فإنه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ كفر عَنْهُ سَيِّئاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا، ومن يتق الله فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا، وان تقوى الله توقي مقته وتوقي عقوبته وتوقي سخطه، وأن تقوى الله تبيض الوجوه وترضي الرب وترفع الدرجة خذوا بحظّكم ولا تفرطوا في جنب الله فقد علّمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وَجاهِدُوا فِي سبيل اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، هُوَ اجْتَباكُمْ وسَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ولا حول ولا قوة إلّا بالله، وأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد اليوم، فأنه من يصلح ما بينه وبين الله يكفيه الله ما بينه وبين الناس، وذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، ويملك الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوّة إلّا بالله العظيم» [٢٩٢] «١» .\nفلهذا صارت الخطبة شرطا في انعقاد الجمعة وهو قول جمهور العلماء، وقال الحسن:\nهي مستحبة وليست بفرض، وقال سعيد بن جبير: هي بمنزلة الركعتين من الظهر فإذا تركها وصلّى الجمعة فقد صلى الركعتين من الظهر، وأقلّ ما يجزي من الخطبة أن يحمد الله ويصلّي على نبيّه ويوصي بتقوى الله سبحانه ويقرأ آية من القرآن في الخطبة الأولى ويجب في الثانية أربع كالأولى إلّا إن الواجب بدل قراءة الآية الدعاء، هذا قول أكثر العلماء والفقهاء، وقال أبو حنيفة: لو أقتصر على التحميد أو التسبيح أو التكبير أجزاه، وقال أبو يوسف ومحمد: الواجب ما يتناوله أسم الخطبة.\nثم القيام شرط في صحة الخطبة مع القدرة عليه في قول عامّة الفقهاء إلّا أبا حنيفة فأنه لم يشرطه فيها، والدليل على أن القيام شرط في الخطبة قوله سبحانه: وَتَرَكُوكَ قائِمًا.\nوحديث ابن عمر: ما كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين إلّا وهو قائم.\nوللشافعي قولان في الطهارة في حال الخطبة فقال في الجديد: هي شرط في الخطبة، وقال في القديم: ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة رحمة الله.\nفهذا بيان القول في أول جمعه جمعت في الإسلام، وأول جمعه جمعها رسول الله ﷺ وأول خطبة خطبها فيها في المدينة، فأمّا أول جمعة جمعت بعدها بالمدينة فقال ابن عباس: أول جمعة جمعت في الإسلام بعد الجمعة بالمدينة بقرية يقال لها جواثا من قرى البحرين.\nقوله: فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ أي أمضوا إليه واعملوا له.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ١١٥، تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١١.","vol":"9","page":310},{"text":"يحيى بن حنظلة قال: سمعت سالما قال: قال ابن عمر: سمعت ﷺ يقرأ فامضوا الى ذكر الله.\nوأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع ابن سليمان قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: ما سمعت عمر قط يقرأها إلّا وأمضوا الى ذكر الله.\nوأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن جعفر الكلمواني قال: حدثنا أبو بكر محمد بن محمد بن حفص قال: حدثنا السري بن خزيمة قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا سفيان عن حنظلة عن سالم عن عمر أنه كان يقرأها فامضوا الى ذكر الله، وروى الأعمش عن إبراهيم قال:\nكان عبد الله يقرأها فامضوا الى ذكر الله ويقول: لو قرأها فَاسْعَوْا لسعيت حتى يسقط ردائي، وهي قراءة أبي العالية أيضا، وقال الحسن: أما والله ما هو بالسعي على الأقدام، ولقد نهوا أن يأتوا الصلاة إلّا وعليهم السكينة والوقار ولكن بالقلوب والنيّة والخشوع.\nوأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال: أخبرنا عبد الوهاب قال: سئل سعيد عن فضل الجمعة فأخبرنا عن قتادة أنه كان يقول في هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ فالسعي أن تسعى بقلبك وعملك وهو المشي إليها قال: وكان يتأوّل هذه الآية فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ «١» يقول فلما مشى معه، وقال: الكلبي فلما عمل مثله عمله.\nوأخبرنا محمد بن حمدويه قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا الربيع قال: قال الشافعي: السعي في هذا الموضع هو العمل، قال الله ﷾ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى «٢» وقال سبحانه: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «٣» وقال تعالى: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها «٤» وقال زهر: سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم فلم يدركوهم ولم يلاقوا ولم يألوا الى ذكر الله يعني الصلاة.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب وليع قال: حدّثنا منصور بن دينار عن موسى بن أبي كثير عن سعيد بن المسيب فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال: موعظة الإمام وَذَرُوا الْبَيْعَ يعني البيع والشراء لأنّ البيع يتناول المعنيان جميعا ومنه\nقول النبي ﷺ: «البيّعان بالخيار ما لم يتفرقا»\n[٢٩٣] «٥» أراد البائع والمشتري، وقال الأخطل:\n_________\n(١) سورة الصافات: ١٠٢.\n(٢) سورة الليل: ٤.\n(٣) سورة النجم: ٣٩.\n(٤) سورة البقرة: ٢٠٥.\n(٥) كتاب المسند للشافعي: ١٣٨، مسند أحمد: ٢/ ٩.","vol":"9","page":311},{"text":"وباع بنيه بعضهم بخشارة ... وبعت لذبيان العلاء بمالكا «١»\nيريد بالأول البيع وبالآخر الابتياع، وإنّما يحرم البيع عند الأذان الثاني، وقال الزهري:\nعند خروج الإمام، وقال الضحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشرى، وروى السدي عن أبي مالك قال: كان قوم يجلسون في بقيع الزبير ويشترون ويبيعون إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ولا يقومون فنزلت هذه الآية.\nذلِكُمْ الذي ذكرت من حضور الجمعة والاستماع الى الجمعة وأداء الفريضة خَيْرٌ لَكُمْ من المبايعة إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مصالح أنفسكم ومضارها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>ذكر تلكم الآية</span>\nأعلم أن صلاة الجمعة واجب على كل مسلم إلّا خمسة نفر: النساء والصبيان والعبيد والمسافر والمرضى. يدل عليه ما\nأخبرنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسن بن محمد بن إسحاق الأزهري [باسفرائين] قال: أخبرنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ قال: أخبرنا المزني قال: قال الشافعي: أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: حدّثني سلمة بن عبد الله الحطمي عن محمد ابن كعب القرطي أنه سمع رجلا من بني وائل يقول: قال رسول الله ﷺ: «تجب الجمعة على كلّ مسلم إلا امرأة أو صبي أو مملوك» [٢٩٤] «٢» .\nوأخبرنا أن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا الربيع بن سليمان الحبري قال: حدّثنا عبد الملك بن سلمة القرشي قال: حدّثنا أبو المثنى سلمان بن يزيد الكعبي عن محمد بن عجلان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «تحرم التجارة عند الأذان يوم الجمعة ويحرم الكلام عند الخطبة وتحل التجارة بعد صلاة الجمعة ولا تجب الجمعة على أربعة: المريض والعبد والصبي والمرأة، فمن سعى بلهو أو تجارة اسْتَغْنَى اللَّهُ عنه وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» [٢٩٥] .\nوتجب الجمعة على أهل القرى إذا سمعوا النداء من المصر، ووقت اعتبار سماع الأذان يكون المؤذّن صيّتا والأصوات هادئة والريح ساكنة، وموقف المؤذن عند سور البلد، ويعتبر كل قرية بالسور الذي يليها، هذا مذهب الشافعي، وقال ابن عمر وأبو هريرة وأنس: تجب الجمعة على من كان على عشرة أميال من المصر، وقال سعيد بن المسيب: يجب على من آواه المبيت، وقال الزهري: تجب على من كان على ستة أميال، ربيعة أربع أميال، مالك والليث: ثلاثة أميال.\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٦٤٥، لسان العرب: ٤/ ٢٤٠، وفي المصادر هو للحطيئة وليس للأخطل. [.....]\n(٢) كتاب المسند للشافعي: ٦١.","vol":"9","page":312},{"text":"وقال أبو حنيفة، لا تجب الجمعة على أهل السواد سواء كانت القرية قريبة من البلد أو بعيدة، حتى حكي أن محمد بن الحسن سأله هل تجب الجمعة على أهل دياره وبينها وبين الكوفة مجرى نهر، فقال: لا.\nواختلف الفقهاء في عدد من ينعقد بهم الجمعة، فقال الحسن: ينعقد باثنين، وقال الليث ابن سعد وأبو يوسف: بثلاثة، وقال سفيان الثوري وأبو حنيفة: بأربعة، وقال ربيعة: الرأي باثني عشر، وقال الشافعي: لا تنعقد الجمعة بأقل من أربعين نفسا، قال: فكل قرية جمعت فيها أربعين بالغين عاقلين أحرار مقيمين لا يظعنون عنها شتاء وصيفا الا ظعن حاجة وجبت عليهم الجمعة، وقال مالك: إذا كانت قرية فيها سوق ومسجد فعليهم الجمعة من غير اعتبار عدد، وقال أبو حنيفة: لا تجب الجمعة على أهل السواد والقرى ولا يجوز لهم أقامتها فيها، وأشترط في وجوب الجمعة وانعقادها: المصر الجامع للسلطان القاهر والسوق القائمة والنهر الجاري، واحتج\nبحديث علي كرم الله وجهه: لا جمعة ولا تسويق إلا في مصر جامع، وفي بعض الأخبار إلا على أهل مصر جامع\nوضعّفه بعضهم.\nوالدليل على أبي حنيفة حديث ابن عباس قال: أول جمعة جمعت بعد جمعة النبي ﷺ بالمدينة في قرية من قرى البحرين يقال لها جواثا، وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب الى أهل البحرين صلّوا الجمعة حيث ما كنتم، وتصح إقامة الجمعة بغير إذن السلطان وحضوره، وقال أبو حنيفة: من شرطها الإمام أو خليفة.\nوالدليل على أن السلطان ليس بشرط في انعقاد الجمعة، ما روي أن الوليد بن عقبة والي الكوفة أبطأ يوما في حضور الجمعة فتقدّم عبد الله بن مسعود وصلى الجمعة بالناس من غير إذنه،\nوروي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه صلى الجمعة بالناس، يوم حصر عثمان ولم ينقل أنه استأذنه\n، وروى أن سعيد بن العاص والي المدينة لما أخرج من المدينة صلى أبو موسى الأشعري الجمعة بالناس من غير استئذان.\nولا يجوز أن يصلي في بلد واحد إلّا جمعة واحدة فأن صليت ثانية بطلت، وقال أبو يوسف: فإن كان للبلد جانبان جاز أن يصلي كل جانب منه جمعة، وقال محمد بن الحسن يجوز أن يصلي في بلد واحد جمعتان استحسانا.\nفأما الوعيد الوارد لمن ترك صلاة الجمعة من غير عذر،\nفأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال:\nحدّثنا أبو العباس الأحمر قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن الحكم قال: أخبرنا ابن أبي فديك قال: أخبرنا ابن أبي ذئب عن أسيد بن أسيد البرّاد عن عبد الله بن قتادة عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: «من ترك الجمعة ثلاثا من غير ضرورة طبع الله على قلبه» [٢٩٦] «١» .\n_________\n(١) المستدرك للحاكم: ١/ ٢٩٢.","vol":"9","page":313},{"text":"وروى عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن النبي ﷺ أنه قال: «لينتهين أقوام يسمعون النداء يوم الجمعة ثم لا يشهدونها أو ليطبعن الله على قلوبهم أو ليكونن من الغافلين أو ليكونن من أهل النار» [٢٩٧] «١» .\nوروى أنه ﷺ خطب فقال: «إن الله قد افترض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا، [في شهري هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة] فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام عادل أو جائر من غير عذر فلا بارك الله له ولا جمع الله شمله ألا فلا حج له ألا ولا صوم له، ومن تاب تاب الله عليه» [٢٩٨] «٢» .\nأخبرنا أبو عبد الله الفتحوي قال: حدّثنا أبو بكر القطيعي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حسن بن علي عن الحسن بن الحر عن ميمون بن أبي المسيّب قال: أردت الجمعة زمن الحجاج، قال: فتهيأت للذهاب ثم قلت: أين أذهب أصلي خلف هذا فقلت مرة: أذهب، وقلت مرة: لا أذهب قال: فاجمع رأي على الذهاب، فناداني مناد من جانب البيت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ قال: وجلست اكتب كتابا فعرض لي شيء إن أنا كتبته في كتابي زين كتابي وكنت قد كذبت، فأن أنزلته كان في كتابي بعض القبح وكنت قد صدقت، فقلت مرة: اكتب، وقلت مرة:\nلا أكتب، فأجمع رأي على تركه فتركته، فناداني مناد من جانب البيت يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>فأما ثواب من شهد الجمعة</span>\nوأخبرنا أحمد بن أبي قال: حدّثنا الهيثم بن كليب قال: حدّثنا عيسى بن أحمد قال:\nحدّثنا بقية قال: حدّثني الضحاك بن حمزة عن أبي نصرة عن أبي رجاء العطار عن أبي بكر الصديق وعمر بن حصين قالا: قال رسول الله ﷺ: «من اغتسل يوم الجمعة كفّرت عنه ذنوبه وخطاياه فإذا أخذ في المشي [إلى الجمعة] كتب له بكل خطوة عمل عشرين سنة فإذا (فرغ) «٤» من (الجمعة) «٥» أجيز بعمل مائتي سنة» [٢٩٩] .\nوأخبرنا أحمد بن أبي في آخرين قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصم قال: أخبرنا الربيع قال:\n_________\n(١) مسند الشاميين للطبراني: ٢/ ٢٨٥، ح ١٣٥٢.\n(٢) سنن ابن ماجة: ١/ ٣٤٣، كنز العمّال: ٧/ ٧٢١، ح ٢١٠٩٢.\n(٣) سورة إبراهيم: ٢٧.\n(٤) في المصدر: انصرف.\n(٥) في المصدر: الصلاة.","vol":"9","page":314},{"text":"أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن سمي عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «من أغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرّب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرّب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرّب بيضة. فإذا خرج الإمام حضرة الملائكة يستمعون الذكر» [٣٠٠] «١» .\nوأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو القاسم عمر بن أحمد بن الحسن البصري قال:\nحدّثنا عبد الله بن محمد بن شودب قال: حدّثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا بن يزيد بن هارون عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ليلة أسري بي الى السماء رأيت تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرة مملوءة من الملائكة يسبحون الله ويقدّسونه ويقولون في تسبيحهم: اللهم أغفر لمن شهد الجمعة، اللهم أغفر لمن اغتسل في الجمعة» [٣٠١] «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>فأما فضل يوم الجمعة</span>\nفأخبرنا أبو عمرو الفراتي وأبو عبد الله الحافظ وأبو محمد الكناني وأبو علي الثوري قالوا: حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف قال: أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن يزيد بن عبد الله بن السهاد عن محمد بن إبراهيم بن الحرث عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط وفيه [تيب] عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلّا وهي مسبحة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلّا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله شيئا إلّا أعطاه إياه» [٣٠٢]» .\nقال أبو هريرة: قال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة، فقلت له: كيف يكون آخر ساعة وقد قال النبي ﷺ لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة لا يصلي فيه فقال ابن سلام ألم يقل النبي ﷺ: «من جلس مجلسا ينتظر فيه الصلاة فهو في الصلاة حتى يصلّي» فقلت بلى قال: «فهو ذلك» [٣٠٣] «٤» .\nوأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا ابن هند قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال حدّثنا أبو\n_________\n(١) كتاب المسند للشافعي: ٦٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ١١٩.\n(٣) كتاب المسند: ٧٢.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ٤٥١.","vol":"9","page":315},{"text":"بدر شجاع بن الوليد السكوني قال حدّثنا زياد بن خيثمة عن عثمان بن أبي مسلم عن أنس بن مالك قال: أبطأ علينا رسول الله (﵇) ذات يوم فلمّا خرج قلنا: أحبست قال: ذلك أنّ جبرئيل (﵇) أتاني بهيئة المرأة البيضاء فيها نكتة سوداء فقال إنّ هذه الجمعة فيها خير لك ولأمّتك وقد أرادها والنصارى فأخطئوها، قلت: يا جبرائيل ما هذه النكتة السوداء؟ قال:\nهذه السّاعة الّتي في يوم الجمعة لا يوافقها مسلم يسأل الله فيها خيرا إلّا أعطاه إيّاه أو ذخر له مثله يوم القيامة أو صرف عنه من السوء مثله وإنّه خير الأيّام عند الله، وإنّ أهل الجنّة يسمّونه يوم المرند، قلت: يا رسول الله وما يوم المرند؟\nقال: إنّ في الجنّة واديا، رائحة نبته مسك أبيض، يتنزل الله ﷾ كل يوم جمعة ويضع كرسيّه فيه، ثم يجاء بمنابر من نور وتوضع خلفه فتحفّ منه الملائكة ثم يجاء بكرسي من ذهب فيوضع، ثمّ يجيئ النبيّون والصدّيقون والشهداء والمؤمنون أهل الغرف فيجلسون ثمّ يقسم الله ﷾ فيقول: أي عبادي سلوا، فيقولون: نسألك رضوانك؟ فيقول: قد رضيت عنكم، فسلوا، فيسألون مناهم فيعطيهم الله ما شاءوا وأضعافها فيعطيهم ما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر، ثم يقول: ألم أنجزكم وعدي وأتممت عليكم نعمتي، وهذا محل كرامتي، ثم ينصرفون إلى غرفهم ويعودون كلّ يوم جمعة قلت: يا جبرائيل ما غرفهم؟ قال: من لؤلؤة بيضاء أو ياقوتة حمراء أو زبر جدة خضراء مفرزة منها أبوابها فيها أزواجها، مطردة فيها أنهارها.\nوأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا أبو العبّاس عبد الوهّاب بن عبد الجليل ذكر قال حدّثنا أبو محمّد أحمد بن محمّد بن إسحاق السني قال حدّثنا أحمد بن غالب البصري الزاهد بعد إذ قال حدّثنا دينار مولى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ ليلة الجمعه ويوم الجمعة أربعة وعشرون ساعة، لله سبحانه في كل ساعة ستّمائة ألف عتيق من النّار» [٣٠٤] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-786>[سورة الجمعة (٦٢): الآيات ١٠ الى ١١]</span>\nفَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١)\nفَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ أي فرغ منها.\nفَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ للتجارة والتصرف في حوائجكم.\nوَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أي الرزق وهما أمر إباحة وتخيير كقوله سبحانه وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا «٢» .\n_________\n(١) مسند أبي يعلى: ٦/ ٢٠١ بتفاوت.\n(٢) سورة المائدة: ٢.","vol":"9","page":316},{"text":"وقد أخبر عقيل أنّ أبا الفرح أخبرهم عن أبي جعفر الطبري قال: حدّثني العبّاس بن أبي طالب قال حدّثنا علي بن المعافي بن يعقوب الموصلي قال: حدّثنا أبو علي الضائع عن أبي خلف عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله سبحانه فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال: ليس بطلب دنيا ولكن عيادة مريض، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله «١» .\nقال الحسن وسعيد بن جبير ومكحول وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ هو طلب العلم.\nوقال جعفر بن محمّد الصّادق فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ هو يوم السبت.\nوَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا الآية\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن جعفر قال حدّثنا علي بن حرب قال حدّثنا ابن فضيل قال حدّثنا حصين عن سالم بن الجعد عن جابر ابن عبد الله قال: أقبلت عير ونحن نصلّي مع النبيّ (﵇) الجمعة فانفضّ الناس إليها فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا فيهم فنزلت وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا الآية.\nوقال الحسن وأبو مالك: أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة، فلمّا رأوه قاموا إليه بالبقيع، خشوا أن يسبقوا إليه فلم يبق مع النبي ﷺ إلّا رهط منهم أبو بكر وعمر، فنزلت هذه الآية فقال رسول الله (﵇): «والّذي نفس محمّد بيده لو تتابعتم حتّى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا» [٣٠٥] «٢» .\nقال المقاتلان: بينا رسول الله (﵇) يخطب يوم الجمعة إذ قدم دحية بن خليفة بن فروة الكلبي ثم أحد بني الخزرج ثم أحد بني زيد بن مناة بن عامر من الشام بتجارة، وكان إذا قدم لم يبق بالمدينة عاتق إلّا أتاه وكان يقدّم إذا قدم كل ما يحتاج إليه من دقيق أو برّ أو غيره، فينزل عند أحجار الزيت، وهو مكان في سوق المدينة، ثم يضرب بالطبل ليؤذن الناس بقدومه فيخرج إليه الناس، فقدم ذات جمعة وكان ذلك قبل أن يسلم، ورسول الله (﵇) قائما على المنبر يخطب، فخرج النّاس فلم يبق في المسجد إلّا إثنا عشر رجلا وامرأة فقال النبي (﵇): «لولا هؤلاء لسوّمت عليهم الحجارة من السماء» [٣٠٦] «٣» وأنزل الله سبحانه هذه الآية\n، وقال ابن عباس في رواية الكلبي لم يبق في المسجد إلّا ثمانية رهط، وقال ابن كيسان:\nخرجوا إلّا أحد عشر رجلا وامرأة.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٤. [.....]\n(٢) مسند أبي يعلى: ٣/ ٤٦٨.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١١.","vol":"9","page":317},{"text":"قال قتادة ومقاتل: بلغنا أنّهم فعلوا ذلك ثلاث مرات، وكل مرّة بعير تقدم من الشام، وكل ذلك يوافق يوم الجمعة.\nوقال مجاهد: كانوا يقومون إلى نواضحهم وإلى السفر، يقدّمون يتبعون التجارة واللهو، فأنزل الله سبحانه وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْوًا قال المفسّرون: يعني الطبل وذلك أنّ العير كانت إذا قدمت المدينة استقبلوها بالطبل والتصفير.\nوقال جابر بن عبد الله: كان الجواري إذا نكحوا يمرّون بالمزامير والطبل فانفضّوا إليها، فنزلت هذه الآية، وقوله انْفَضُّوا إِلَيْها ردّ الكناية إلى التجارة لأنّها أهم وأفضل، وقد مضت هذه المسألة.\nوقرأ طلحه بن مصرف وإذا رأوا لهوا أو تجارة انفضّوا إليها.\nوَتَرَكُوكَ قائِمًا على المنبر.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو عمرو بن الحسن قال حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حصين عن مسعر وأبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن حسان عن عبيدة عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أنّه سئل: أكان النبي ﷺ يخطب قائما أو قاعدا؟\nقال أما تقرأ وَتَرَكُوكَ قائِمًا.\nقُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ قرأ أبو رجاء العطاردي خير من اللهو والتجارة للّذين آمنوا.\nوَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ لأنّه موجد الأرزاق فإيّاه فاسألوا ومنه فاطلبوا.","vol":"9","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-787>سورة المنافقون</span>\nمدنيّة، وهي سبعمائة وستة وسبعون حرفا، ومائة وثمانون كلمة، وإحدى عشرة آية\nأخبرنا الهادي قال: حدّثنا طغران قال: حدّثنا ابن أبي داود قال: حدّثنا محمّد بن عاصم قال: حدّثنا شبابة قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن يزيد عن ذرّ بن حبيش عن أبي ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المنافقين بري من النفاق» [٣٠٧] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-788>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ (١) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣) وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧)\nإِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ فيما أظهروا لأنّهم أضمروا خلافه.\nاتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً سترة فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ. وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ لاستواء خلقها، وحسن صورتها، وطول قامتها.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٦.","vol":"9","page":319},{"text":"قال ابن عبّاس: وكان عبد الله بن أبيّ جسيما صحيحا فصيحا ذلق اللسان، فإذا قال يسمع النبي (﵇) قوله.\nوَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام.\nقرأ الأعمش والكسائي وأبو عمرو عن عابس وقيل عبّاس: خُشْبٌ مخفف بجزم الشين، وهي قراءة البراء بن عازب واختيار أبي عبيد قال: [المدّ مذهبها] «١» في العربية، وذلك أنّ واحدتها خشبة ولم تجد في كلامهم اسما على مثل فعلة تجمع فعل بضم الفاء والعين، ويلزم من فعلها أن ينقل البدن أيضا فيقرأ وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ لأن واحدتها بدنة أيضا.\nوقرأ الآخرون بالتثقيل وهي اختيار أبي حاتم واختلف فيه عن ابن كثير وعاصم.\nأخبرنا أبو بكر بن أبي محمّد الحمشاذي قال: أخبرنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدّثنا محمّد بن يونس بن موسى قال: حدّثنا الأصمعي قال: حدّثنا سليم العاملاني قال: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت حالي محتضن خشبة، فقال أحسبك من أهل هذه الآية وتلا كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ.\nيَحْسَبُونَ من جبنهم وسوء ظنهم وقلّة يقينهم.\nكُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ قال مقاتل: يقول إن نادى مناد في العسكر وانقلبت دابّة، ونشدت ضالة ظنّوا أنّهم يرادون بذلك لما في قلوبهم من الرعب.\nوقال بعضهم: إنّما قال ذلك لأنّهم على وجل من أن ينزل الله فيهم، يهتك أستارهم وتبيح دماءهم وأموالهم وقال الشاعر في هذا المعنى:\nولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما «٢»\nثمّ قال هُمُ الْعَدُوُّ ابتداء وخبر.\nفَاحْذَرْهُمْ ولا تأمنهم.\nقاتَلَهُمُ اللَّهُ لعنهم الله.\nأَنَّى يُؤْفَكُونَ يصرفون عن الحق.\nوَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ أي أمالوها وأظهروا بوجوهم إظهارا للكراهية.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) الصحاح: ٥/ ١٩٤٦.","vol":"9","page":320},{"text":"وقرأ نافع والمفضل ويعقوب برواية روح وزيد بتخفيف الواو، وهي اختيار أبي حاتم.\nوقرأ الباقون بالتشديد واختاره أبو عبيدة قال: لأنّهم فعلوها مرّة بعد مرّة.\nوَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ يعرضون عمّا دعوا إليه، وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ لا يستغفرون.\nسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي المنافق وأصحابه، وذلك ما\nذكره أهل التفسير وأصحاب السير أنّ رسول الله ﷺ بلغه أنّ بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحرث بن أبي ضراب أبو جويرية زوج رسول الله ﷺ، فلمّا سمع بهم رسول الله (﵇) خرج إليهم حتّى لقيهم على ماء من مياههم يقال له: المريسيع من ناحية قدموا إلى الساحل، فتزاحف النّاس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونقل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءها عليه، وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كليب بن عوف بن عامر يقال له:\nهشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت وهو يرى أنّه من العدو فقتله خطأ.\nفبينا النّاس على ذلك الماء إذ وردت واردة الناس ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني عمار يقال له: جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه وسنان الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء فاقتتلا فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، فأعان جهجاه الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال وكان فقيرا، وقال عبد الله بن أبي الجعال: وإنّك لهناك؟ فقال: وما يمنعني أن أفعل ذلك؟ فاشتدّ لسان جعال على عبد الله، فقال عبد الله: والّذي يحلف به لأذرنّك وبهمك عن هذا، وغضب عبد الله بن أبي وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم غلاما حديث السّن، وقال ابن أبي افعلوا قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما مثلنا ومثلهم إلّا كما قال القائل: سمّن كلبك يأكلك، أما والله لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ يعني بالأعزّ نفسه وبالأذلّ رسول الله ﷺ.\nثمّ أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عن جعال وذويه فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، ولأوشكوا أن يتحولوا عن بلادكم فيلحقوا بعشائرهم ومواليهم فلا تنفقوا عليهم حتّى ينفضّوا من حول محمّد، فقال زيد بن أرقم: أنت والله الذليل المبغض في قومك، ومحمّد في عزّ من الرحمن ومودّة من المسلمين، والله لا أحبّك بعد كلامك هذا.\nفقال عبد الله: اسكت فإنّما كنت ألعب، فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ﷺ وذلك بعد فراغه من الغزو فأخبره الخبر وعنده عمر بن الخطاب فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله","vol":"9","page":321},{"text":"فقال: إذا توعد أن خلّ عنه يدخل. فقال: أمّا إذا جاء أمر النبي (﵇) فعمر يرحل ولم يلبث إلّا أياما ولأنك حسبتني أشتكي ومات.\nقالوا: فلمّا نزلت هذه الآية وبان كذب عبد الله بن أبي قيل له: يا أبا حباب إنّه قد نزلت أي شداد، فاذهب إلى رسول الله يستغفر لك فلوّى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أؤمن فقد آمنت، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت، فما بقي إلّا أن أسجد لمحمّد، فأنزل الله سبحانه وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ إلى قوله هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فلا يعذر أحد أن يعطي هنا شيئا إلّا بأذنه، ولا أن يمنعه شيئا إلّا بمشيئته.\nقال رجل لحاتم الأصم: من أين يأكل؟ فقرأ وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ.\nوقال الجنيد: خزائن السماء: الغيوب، وخزائن الأرض: القلوب وهو علّام الغيوب ومقلّب القلوب، وكان الشبلي يقول: وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فأين تذهبون؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>[سورة المنافقون (٦٣): الآيات ٨ الى ١١]</span>\nيَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)\nيَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ يعني من غزوة بني لحيان ثمّ بني المصطلق، وهم حي من هذيل لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ.\nوَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ فعزّة الله سبحانه قهر من دونه، وعزّ رسوله إظهار دينه على الأديان كلّها، وعزّ المؤمنين نصره إيّاهم على أعدائهم فهم ظاهرون.\nوقيل: عزّة الله: الولاية، قال الله تعالى هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ وعزّة الرسول:\nالكفاية قال الله سبحانه: إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ وعزّ المؤمنين: الرفعة والرعاية قال الله سبحانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وقال وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رؤفا رَحِيمًا.\nوقيل: عزة الله الربوبية، وعزّة الرسول: النبوّة. وعزّة المؤمنين: العبودية.\nوكان جعفر الصّادق يقول: «من مثلي وربّ العرش معبودي، من مثلي وأنت لي» .\nوقيل: عزّة الله خمسة: عزّ الملك والبقاء، وعزّ العظمة والكبرياء، وعزة البذل والعطاء،","vol":"9","page":322},{"text":"وعزّ الرفعة والغناء، وعزّ الجلال والبهاء، وعزّ الرسول خمسة: عزّ السبق والابتداء، وعزّ الأذان والنداء، وعزّ قدم الصدق على الأنبياء، وعزّ الاختيار والاصطفاء، وعزّ الظهور على الأعداء، وعزّ المؤمنين خمسة: عزّ التأخير بيانه: نحن السابقون الآخرون، وعزّ التيسير بيانه: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ... يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ، وعزّ التبشير بيانه: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا، وعزّ التوقير بيانه: وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، وعزّ التكثير وبيانه: إنهم أكثر الأمم.\nوَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ «١» يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ لا تشغلكم أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ قال المفسرون: يعني الصلوات الخمس، نظيره قوله سبحانه:\nرِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ الآية.\nوَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ. وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي أمهلتني يجوز أن يكون (لا) صلة، فيكون الكلام بمعنى التمنّي، ويجوز أن يكون بمعنى هلّا فيكون استفهاما.\nإِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ يعني مثل ما أجلت في الدنيا، فَأَصَّدَّقَ فأتصدّق وأزكّي مالي.\nوَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ المؤمنين نظيره قوله وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ هذا قول مقاتل وجماعة من المفسرين، وقالوا: نزلت هذه الآية في المنافقين.\nوقيل: الصالح هاهنا: الحج، والآية نازلة في المؤمنين.\nروى الضّحاك وعطية عن ابن عبّاس قال: ما من أحد يموت وكان له مال ولم يؤدّ زكاته وأطاق الحجّ ولم يحجّ إلّا سأل الرجعة عند الموت فقالوا: يا بن عبّاس اتّق الله فإنّما نرى هذا الكافر سأل الرجعة فقال: أنا أقرأ عليكم قرآنا، ثم قرأ هذه الآية الى قوله فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ قال: أحجّ، أخبرناه ابن منجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن سهلويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزّاق قال: أخبرنا الثوري عن يحيى بن أبي حيّة عن الضّحاك عن ابن عبّاس.\nواختلف القرّاء في قوله وَأَكُنْ فقرأ أبو عمرو وابن محيص: وأكون بالواو ونصب النون على جواب التمنّي أو للاستفهام بالفاء، قال أبو عمرو: وإنما حذفت الواو من المصحف اختصارا كما حذفوها في (كلّمن) وأصلها الواو.\nقال الفرّاء: ورأيت في بعض مصاحف عبد الله فَقُولا- فقلا- بغير واو، وتصديق هذه\n_________\n(١) في المخطوط: (وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) وهو وهم.","vol":"9","page":323},{"text":"القراءة ما أخبرنا محمّد بن نعيم قال: أخبرنا الحسين بن أيّوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا حجاج عن هارون قال: في حرف أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود- وأكون من الصالحين، بالواو.\nوقرأ الآخرون: بالجزم وَأَكُنْ عطفا بها على قوله فَأَصَّدَّقَ لو لم يكن فيه الفاء وذلك أنّ قوله فَأَصَّدَّقَ لو لم يكن فيه الفاء كان جزما، واختار أبو عبيد الجزم، قال: من ثلاث جهات:\nأحدها: إنّي رأيتها في مصحف الإمام عثمان- (وَأَكُنْ) بحذف الواو ثم اتفقت بذلك المصاحف فلم تختلف.\nوالثانية: اجتماع أكثر قرّاء الأمصار عليها.\nوالثالثة: إنّا وجدنا لها مخرجا صحيحا في العربية لا يجهله أهل العلم بها وهو أن يكون نسقا على محل أصّدق قبل دخول الفاء، وقد وجدنا مثله في أشعارهم القديمة منها قول القائل:\nفأبلوني بليتكم لعلّي ... أصالحكم واستدرج نويا «١»\nفجزم واستدرج عطفا على محل أصالحكم قبل دخول لعلّي.\nوَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ بالياء مختلف عنه غيره بالتاء.\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ٤٧٤.","vol":"9","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-790>سورة التغابن</span>\nمكية إلّا قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ الآية وهي ألف وسبعون حرفا، ومائتان وإحدى وأربعون كلمة، وثماني عشرة آية\nأخبرنا أبو الحسن المحاربي قال: حدّثنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدّثنا أبو داود سليمان ابن أحمد بن الوليد قال: حدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا الوليد بن الوليد الدمشقي عن عبد الرحمن بن ثومان عن عطاء بن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مولود يولد إلّا وفي تشابيك رأسه مكتوب خمس آيات من فاتحة سورة التغابن» [٣٠٨] «١» .\nوأخبرني نافل بن راقم قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن محمّد قال: حدّثنا عمرو بن محمد قال: حدّثنا أسباط بن اليسع قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله السلمي قال: حدّثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم عن علي بن زيد عن ذر عن أبي قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة التغابن دفع عنه موت الفجأة» [٣٠٩] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-791>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢) خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣) يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٤)\nأَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٥) ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦) زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)\nيُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٣١.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٧.","vol":"9","page":325},{"text":"هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ اختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: إنّ الله سبحانه خلق الخلق مؤمنين وكافرين.\nقال ابن عبّاس: بدأ الله خلق بني «١» آدم مؤمنا وكافرا ثمّ يعيدهم يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا وكافرا.\nواحتجّوا بحديث الصادق المصدّق\nوقوله: «السعيد من سعد في بطن أمّه والشقي من شقي في بطن أمّه» [٣١٠] .\nوكما\nأخبرنا عبد الله بن كامل الأصبهاني قال: أخبرني أبو بكر أحمد بن محمد بن يحيى العبدي بنو شيخ قال: حدّثنا أحمد بن نجدة بن العريان قال: حدّثنا المحاملي قال: حدّثنا ابن المبارك عن أبي لهيعة قال: حدّثني بكر بن سوادة عن أبي تميم الحسائي عن أبي ذر عن رسول الله ﷺ قال: «إذا مكث المني في الرحم أربعين ليلة أتاه ملك النفوس، فعرج به إلى الرّب ﵎، فقال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي الله سبحانه ما هو قاض. أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق» وقرأ أبو ذر من فاتحة التغابن خمس آيات» [٣١١] «٢» .\nوأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا ابن حبيب قال: حدّثنا إبراهيم بن إسماعيل السيوطي قال: حدّثنا داود بن المفضل قال: حدّثنا نصر بن طريف قال: أخبرنا قتادة عن أبي حسان الأعرج عن ناجيه بن كعب عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «خلق الله سبحانه فرعون في بطن أمّه كافرا، وخلق يحيى بن زكريّا في بطن أمّه مؤمنا» [٣١٢] «٣» .\nوقال رسول الله ﷺ: «إنّ الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا [٣١٣] «٤» .\nوقال الله سبحانه وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا.\nإنّ الله سبحانه خلق الخلق ثم كفروا وآمنوا. قالوا وتمام الكلام عند قوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثم وصفهم فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وهو مثل قوله: اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي [عَلى بَطْنِهِ] «٥» الآية، قالوا: فالله خلقهم والمشي فعلهم، وهذا اختيار الحسن ابن الفضل.\nقالوا: أو خلقهم مؤمنين وكافرين لما وصفه بفعلهم في قوله: فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ الكفر فعل الكافر، والإيمان فعل المؤمن.\nواحتجّوا بقوله سبحانه: فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها\nوبقوله: «كل مولود يولد على الفطرة»\n[٣١٤] «٦»،\nوقوله حكاية عن ربّه: «إنّي خلقت عبادي كلّهم حنفاء»\n[٣١٥] «٧» ونحوها من\n_________\n(١) في المخطوط: ابن.\n(٢) الدر المنثور: ٦/ ٢٢٧.\n(٣) كنز العمال: ١١/ ٥٢٢ ح ٣٢٤٣٦.\n(٤) سنن الترمذي: ٤/ ٣٧٤.\n(٥) سورة النور: ٤٥. [.....]\n(٦) مسند أحمد: ٢/ ٢٣٣.\n(٧) صحيح مسلم: ٨/ ١٥٩ وفيه: «حنفاء كلّهم» .","vol":"9","page":326},{"text":"الأخبار، ثم اختلفوا في تأويلها، فروى أبو الجوزاء عن ابن عبّاس قال: «فمنكم مؤمن يكفر، ومنكم كافر يؤمن» .\nوقال أبو سعيد الخدري: «فَمِنْكُمْ كافِرٌ حياته مؤمن في العاقبة، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ حياته كافر في العاقبة»، وقال الضحاك: فَمِنْكُمْ كافِرٌ في السّر مؤمن في العلانية كالمنافق، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ في السّر، كافر في العلانية كعمّار وذويه. فَمِنْكُمْ كافِرٌ بالله مؤمن بالكواكب، وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ بالله كافر بالكواكب، يعني في شأن الأنوار.\nقال الزجّاج: وأحسن ما قيل فيها هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ بأنّ الله خلقه، وهو مذهب أهل الدهر والطبائع. وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ بأنّ الله خلقه.\nوجملة القول في حكم هذه الآية ومعناها والّذي عليه جمهور الأمّة والأئمة والمحقّقون من أهل السنّة هي أنّ الله خلق الكافر وكفره فعلا له وكسبا، وخلق المؤمن وإيمانه فعلا له وكسبا، فالكافر يكفر ويختار الكفر بعد خلق الله سبحانه إيّاه لأنّ الله ﷾ قدّر عليه ذلك وعلمه منه، والمؤمن يؤمن ويختار الإيمان بعد خلق الله تعالى إيّاه لأنّ الله سبحانه أراد ذلك منه وقدّره عليه وعلمه منه، ولا يجوز أن يوجد من كلّ واحد منهم غير الذي قدّره الله عليه وعلمه منه، لأنّ وجود خلاف المقدور عجز، وخلاف المعلوم جهل، وهما لا يليقان بالله تعالى، ولا يجوزان عليه، ومن سلك هذا السبيل سلم من الجبر والقدر فأصاب الحقّ كقول القائل:\nيا ناظرا في الدّين ما الأمر ... لا قدر صحّ ولا جبر «١»\nوقد أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد العمدة السرخسي قال: حدّثنا عبد الله بن مبشر الواسطي قال: حدّثنا أحمد بن منصور الزّيادي قال: سمعت سيلان يقول: قدم أعرابي البصرة فقيل له: ما تقول في القدر؟ قال: أمر تغالت فيه الظنون، واختلف فيه المختلفون، فالواجب علينا أن نردّ ما أشكل علينا من حكمه إلى ما سبق من علمه.\nخَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ يعني الأمم الخالية فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. ذلِكَ العذاب. بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا لأنّ البشر وإن كان لفظه واحد فإنّه في معنى الجمع وهو اسم الجنس وواحده إنسان ولا واحد له من لفظه.\nفَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ عن إيمانهم وَاللَّهُ غَنِيٌّ عن خلقه، حَمِيدٌ في أفعاله.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٣٣.","vol":"9","page":327},{"text":"زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ يا محمّد بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.\nفَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وهو القرآن.\nوَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-792>[سورة التغابن (٦٤): الآيات ٩ الى ١٨]</span>\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ (١٢) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)\nيَوْمَ يَجْمَعُكُمْ قراءة العامّة بالياء لقوله سبحانه فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وقرأ [رويس عن يعقوب (يوم نجمعكم)] بالنون اعتبارا بقوله أَنْزَلْنا.\nلِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وهو تفاعل من الغبن وهو فوت الحظ والمراد، وقد ورد في تفسير التغابن عن رسول الله ﷺ ما\nأخبرنا الحسن بن محمّد قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن سنان قال: حدّثنا كثير بن يحيى قال: حدّثنا أبو آمنة بن معلّى الثقفي قال: حدّثنا سعيد بن أبي سعيد المنقري عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما من عبد مؤمن يدخل الجنّة إلّا أري مقعده من النّار لو أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النّار إلّا أري مقعده من الجنّة لو أحسن ازداد حسرة» [٣١٦] «١» .\nقال المفسّرون: من غبن أهله منازله في الجنّة فيظهر يومئذ غبن كلّ كافر ببركة الإيمان، وغبن كلّ مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه الأيّام.\nوَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قرأ أهل المدينة والشام هاهنا وفي السورة الّتي تليها: نكفّر وندخله بالنون، والباقون بالياء.\n_________\n(١) كنز العمال: ١٤/ ٤٨١ ح ٣٩٣٤٦.","vol":"9","page":328},{"text":"ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ. ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ بإرادته وقضائه.\nوَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ قصدوا به لا يصيب مصيبة إلّا بإذن الله يَهْدِ قَلْبَهُ يوفقه لليقين حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه قاله ابن عبّاس.\nوأنبأني عبد الله بن حامد إجازة قال: أخبرنا الحسن بن يعقوب قال: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله قال: حدّثنا وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان قال: كنّا نعرض المصاحف على علقمة بن قيس فمرّ بهذه الآية ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ فسألناه عنها فقال: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنّها من عند الله فيرضى ويسلّم.\nوقال أبو بكر الورّاق: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ عند النعمة والرخاء، فيعلم أنّها من فضل الله يَهْدِ قَلْبَهُ للشكر، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ عند الشدّة والبلاء فيعلم أنّها من عند الله يَهْدِ قَلْبَهُ للرضا والصبر.\nوقال أبو عثمان الجيري: ومن صحّ إيمانه يَهْدِ قَلْبَهُ لاتباع السنّة.\nوقد اختلف القرّاء في هذه الآية، فقراءة العامّة (يَهْدِ قَلْبَهُ) بفتح الياء والباء واختاره أبو عبيده وأبو حاتم، وقرأ السلمي بضم الياء والباء وفتح الدّال على الفعل المجهول، وقرأ طلحة ابن مصرف: نهد قلبه بالنون وفتح الباء على التعظيم.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا أحمد بن الفرج المقرئ قال:\nحدّثنا أبو عمر المقرئ قال: حدّثنا أبو عمارة قال: حدّثنا سهل بن موسى الأسواري قال:\nأخبرني من سمع عكرمة يقرأ: ومن يؤمن بالله يهدأ قلبه، من الهدوء أي يسكن ويطمئن.\nوقرأ مالك بن دينار: يهدا قلبه بألف ليّنة بدلا من الهمزة.\nوَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ التبليغ البيّن.\nاللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ نزلت في قوم أرادوا الهجرة فثبّطهم عنها أزواجهم وأولادهم.\nقال ابن عبّاس: كان الرجل يسلم، فإذا أراد أن يهاجر منعه أهله وولده وقالوا له: ننشدك الله أن تذهب وتدع أهلك وعشيرتك وتصير بالمدينة بلا أهل ومال، وإنّا قد صبرنا على إسلامك فلا نصبر على فراقك، ولا نخرج معك، فمنهم من يرقّ لهم ويقيم لذلك فلا يهاجر، فإذا هاجر رأى النّاس قد نقموا في الدّين منهم أن يعاقبهم في تباطئهم به عن الهجرة، ومنهم من لا يطيعهم ويقولون لهم في خلافهم في الخروج: لئن جمعنا الله وإيّاكم لا تصيبون منّي خيرا، ولأفعلنّ، وأفعلنّ فأنزل الله سبحانه هذه الآية.","vol":"9","page":329},{"text":"وقال عطاء بن يسار وعطاء الخراساني: نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، كان ذا أهل وولد، وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورفّقوه وقالوا: إلى من تكلنا وتدعنا فيرقّ ويقيم، فأنزل الله ﷾: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ لحملهم إيّاكم على المعصية وترك الطاعة فَاحْذَرُوهُمْ أن تقبلوا منهم.\nوَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فلا تعاقبوهم على خلافهم إيّاكم فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ بلاء واختبار يحملكم على الكسب من الحرام والمنع عن الحقّ، وقال القتيبي: إغرام يقال فتن فلان بفلانة أي أغرم بها.\nقالت الحكماء: أدخل من التبعيض في ذكر الأزواج والأولاد حيث أخبر عن عداوتهم، لأنّ كلّهم ليسوا بأعداء ولم يذكر- من- في قوله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ\nلأنّها لا تخلو عن الفتنة واشتغال القلب بها، يدلّ عليه قول عبد الله بن مسعود: «لا يقولنّ أحد: اللهم إنّي أعوذ بك من الفتنة، فإنّه ليس منكم أحد يرجع إلى مال وأهل وولد إلّا وهو مشتمل على فتنة، ولكن ليقل: اللهم إني أعوذ بك من مضلّات الفتن» «١» .\nوأخبرنا ابن منجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل قال:\nحدّثنا أبو خثمه قال: حدّثنا زيد بن حباب قال: حدّثنا حسين بن واقد قاضي مرو قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ يخطب فجاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يعثران، فنزل النّبي (﵇) إليهما فأخذهما فوضعهما في حجره على المنبر فقال: «صدق الله نَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ\nرأيت هذين الصبيين فلم أصبر عنهما» ثم أخذ في الخطبة. [٣١٧] «٢»\nفَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ناسخة لقوله اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وقد مرّ ذكره.\nوَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ مجازه: يكن الإنفاق خيرا لأنفسكم. وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ومنعها عن الحقّ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ قال ابن عمر: «ليس الشّح أن يمنع الرجل ماله، وإنّما الشّح أن يطمع الرجل إلى ما ليس له» .\nإِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ. عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٤٣.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣٥٤، تفسير القرطبي: ١٨/ ١٤٣.","vol":"9","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>سورة الطلاق</span>\nمدنية، وهي ألف وستون حرفا، ومائتان وسبعة وأربعون كلمة، واثنتا عشرة آية\nأخبرنا ابن المقري قال: أخبرنا ابن مطر قال: حدّثنا ابن شريك قال: حدّثنا ابن يونس قال: حدّثنا سلام قال: حدّثنا شاهرون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ سورة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مات على سنّة رسول الله ﷺ» [٣١٨] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا (١) فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣) وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)\nذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥) أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى (٦)\nهذه السورة تسمى سورة النساء القصرى افتتحها الله ﷾ بخطاب منه [للنبي] ﷺ فقال يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ.\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ ثم جمع الخطاب فقال عزّ من قائل إِذا طَلَّقْتُمُ ومجازها: يا أيها النبي\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٦.","vol":"9","page":331},{"text":"قل لأمّتك إذا طلقتم النِّساءَ أي أردتم تطليقهن كقوله فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ.\nفَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وهو أن يطلقها طاهرا من غير جماع، يقول: طلّقوهن لطهرهنّ الذي يحصينّه من عدّتهن، ولا تطلقوهن لحيضهنّ الذي لا يعتددن به من قروئهنّ، وهذا للمدخول بها لأنّ من لم يدخل بها لا عدّة عليها.\nفإذا طلّقها في طهر لم يجامعها فيه نفذ طلاقه وأصاب السنّة، وإن طلّقها حائضا وقع الطلاق وأخطأ السنّة «١» .\nوقال سعيد بن المسيّب في آخرين: لا يقع لأنّه خلاف ما أمروا، وإليه ذهب الشيعة، فإن طلقها في طهرها ثلاثا فكرّهه قوم وقالوا ليس بطلاق السنّة لأنّه لم يدع للإمساك موضعا، وكان الشافعي والجمهور يبيحونه ولا يكرهونه لأنّ عبد الرحمن بن عوف طلّق امرأته ثلاثا، وإنّ العجلاني لمّا لاعن قال: كذبت عليها إن أمسكتها، هي طالق ثلاثا، فلم يردّ عليه النبي ﷺ.\nواختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية، قال:\nفأخبرنا ابن منجويه، حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شعبة، حدّثنا أبو القاسم عمر بن عقبة بن الزبير الأنصاري، حدّثنا أبو عبد الله محمّد ابن أيّوب بن معيد بن هناد الكوفي، حدّثنا أسباط بن محمّد، حدّثنا سعيد بن عروة عن قتادة عن أنس قال: طلّق رسول الله ﷺ حفصة فأتت أهلها فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ\nوقيل له: راجعها فإنّها صوّامة قوّامة، وهي من إحدى أزواجك ونسائك في الجنّة.\nوقال السدي: نزلت في عبد الله بن عمر، وذلك أنّه طلّق امرأته حائضا وأمره النّبي ﷺ أن يراجعها ويمسكها حتّى تطهر، ثم تحيض حيضة أخرى فإذا طهرت طلّقها إن شاء قبل أن يجامعها أو يمسكها، فإنّها العدّة التي أمر الله بها.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، حدّثنا محمد بن يعقوب، حدّثنا الحسن بن علي بن عفّان، حدّثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: طلّقت امرأتي على عهد رسول الله ﷺ وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «مره فليراجعها حتى تطهر «٢» ثم تحيض حيضة أخرى، فإذا طهرت فليطلقها إن شاء قبل أن يجامعها أو يمسكها، فإنّها العدّة التي أمر الله تعالى أن يطلّق لها النساء» [٣١٩] «٣» .\nقال فقلت لنافع ما صنعت التطليقة قال: واحدة اعتدّت بها.\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٨/ ١٥٠.\n(٢) في المصدر: «من حيضتها هذه» .\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٥٤.","vol":"9","page":332},{"text":"وقال المقاتلان: نزلت في عبد الله بن عمرو بن العاص وعمرو بن سعيد بن العاص وطفيل بن الحرث وعتبة بن غزوان.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، حدّثنا أحمد بن عبد الله المزني، حدّثنا الحضرمي، حدّثنا عثمان، حدّثنا عبد السلم بن حرب عن يزيد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن قال: بلغ أبا موسى أنّ النّبي ﷺ وجد عليهم فأتاه فذكر ذلك له فقال له رسول الله ﷺ:\n«يقول أحدكم: قد زوجت، قد طلّقت، وليس كذلك عدّة المسلمين، طلّقوا المرأة في قبل عدّتها» [٣٢٠] «١» .\nوكان ابن عبّاس وابن عمر يقرءان: فطلّقوهنّ قبل عدّتهن، وفي هذه الآية دليل واضح أنّ السنّة والبدعة اعتبارهما في وقت الطّلاق لا في عدد الطلاق لأنّ الله تعالى ذكر وقت الطّلاق فقال: فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ولم يذكر عدد الطّلاق، فكذلك في حديث ابن عمر الّذي رويناه دليل أنّ الاعتبار بالوقت لا بالعدد لأنّ النبي ﷺ علّمه الوقت لا العدد [٣٢١] «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>فصل في ذكر بعض الأخبار الواردة في الطلاق</span>\nأخبرنا الحسن بن فنجويه بقراءتي عليه، حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدّثنا أبو حامد أحمد بن جعفر المستملي، حدّثنا أبو محمد يحيى بن إسحاق بن سافرى ببغداد، حدّثنا أحمد بن حباب، حدّثنا عيسى بن يونس، حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ من أبغض الحلال إلى الله تعالى الطّلاق» [٣٢٢] «٣» .\nأخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا ابن حبيش المقري، حدّثنا علي بن عبد الحميد العصاري بحلب، حدّثنا أبو إبراهيم الترجماني، حدّثنا عمرو بن جميع عن جويبر عن الضّحاك عن النزال بن سمرة عن علي ﵁ عن النّبي ﷺ قال: «تزوّجوا ولا تطلّقوا، فإنّ الطّلاق يهتزّ منه العرش» [٣٢٣]» .\nأخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدّثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة أخبرنا أبي، حدّثنا أبو أمامة عن حمّاد بن زيد عن أبي أيّوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء\n_________\n(١) المصنف: ٤/ ٣، وفي كنز العمال بتفاوت: ٩/ ٦٤٧/ ٢٧٨٠٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٥١.\n(٣) كنز العمال: ٩/ ٦٦١ ح ٢٧٨٧٢.\n(٤) كنز العمال: ٩/ ٦٦١ ح ٢٧٨٧٤. [.....]","vol":"9","page":333},{"text":"الرحبي عن ثوبان رفعه إلى النبي ﷺ: «أيّما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنّة» [٣٢٤] «١» .\nأخبرنا الحصين بن محمد بن الحسين أخبرنا موسى بن محمد بن علي، حدّثنا عبد الله بن ناجية، حدّثنا وهب بن منبه، حدّثنا محمد بن عبد الملك الواسطي، حدّثنا عمرو بن قيس الملائي عن عبد الله بن عيسى عن عمارة بن راشد عن عبادة بن نسي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطلّقوا النساء إلّا من ريبة فإنّ الله تعالى لا يحبّ الذوّاقين ولا الذوّاقات» [٣٢٥] «٢» .\nأخبرنا ابن فنجويه أخبرنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي، حدّثنا عبد الصمد بن سعيد- قاضي حمص-، حدّثنا عبد السلم بن العباس بن الوليد الحضرمي، أخبرنا علي بن خالد بن خليّ، حدّثنا أبي، حدّثنا سويد بن حميد عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «ما حلف بالطّلاق «٣» ولا استحلف به إلّا منافق» [٣٢٦] «٤» .\nوَأَحْصُوا الْعِدَّةَ أي عدد أقرائها فاحفظوها.\nوَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ حتى تنقضي عدّتهنّ.\nوَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وهي الزنا فيخرجن لإقامة الحد عليهنّ، هذا قول أكثر أهل المفسرين.\nوقال قتادة: معناه: له أن يطلّقها على نشوزها، فلها أن تتحول من بيت زوجها، والفاحشة: النشوز.\nوقال ابن عمر والسدي: أي خروجها قبل انقضاء عدّتها فاحشة.\nأنبأني عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن الحسن، حدّثنا الفضل بن المسيّب، حدّثنا سعيد، حدّثنا سفير عن محمد بن عمرو بن علقمة عن محمد بن إبراهيم التيمي عن ابن عباس في قوله: إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ قال: إلّا أن تبدو على أهلها، فإذا بدت عليهم فقد حلّ إخراجها.\nوَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا أي مراجعة في الواحدة والثنتين ما دامت في العدّة.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٢٧٧.\n(٢) كنز العمال: ٩/ ٦٦٢ ح ٢٧٨٧٥ وفيه: لا تطلق.\n(٣) في المصدر زيادة: «مؤمن» .\n(٤) كنز العمال: ١٦/ ٦٨٩ ح ٤٦٣٤٠.","vol":"9","page":334},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد قرأه عليه، حدّثنا محمد بن جعفر المطيري، حدّثنا الحسن بن عرفة، حدّثنا هيثم عن مغيرة وحصين عبد الرحمن وأشعث وإسماعيل بن أبي خالد وداود بن أبي هند وشبان ومجالد كلّهم عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس بالمدينة فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ فقالت: طلّقني زوجي البتّة، فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة فلم يجعل لي سكنى ولا نفقه، وأمرني أن أعتدّ في بيت ابن أمّ مكتوم.\nقال هيثم: قال مجالد في حديثه: إنّما النفقة والسكنى على من كانت له المراجعة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسين، حدّثنا أحمد بن يوسف، حدّثنا عبد الرزّاق، أخبرنا معمّر قال: أخبرنا عقيل بن محمد الفقيه أنّ أبا الفرج البغدادي القاضي أخبرهم عن محمد بن جهير، حدّثنا ابن عبد الأعلى، حدّثنا ابن ثور عن معمّر عن الزهري عن عبيد الله أنّ فاطمة بنت قيس كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي وأنّه خرج مع علي ابن أبي طالب ﵁ إلى اليمن حين أمّره رسول الله ﷺ على بعض اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت لها من طلاقها، وأمر عباس بن أبي ربيعة والحرث بن هشام أن ينفقا عليها، فقالا لها: والله ما لك من نفقة إلّا أن تكوني حاملا.\nفأتت النبي ﷺ فذكرت له قولهما، فلم يجعل لها نفقة إلّا أن تكون حاملا، واستأذنته في الانتقال، فأذن لها فقالت: أين أنتقل يا رسول الله؟ قال: «عند ابن أمّ مكتوم» [٣٢٧] «١» وكان أعمى، تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلم تزل هنالك حتى مضت عدّتها، فأنكحها النبي ﷺ أسامة ابن زيد، فأرسل إليها مروان بن الحكم قبيصة بن ذؤيب يسألها عن هذا الحديث، فقال مروان:\nلم نسمع هذا الحديث إلّا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها، فقالت فاطمة حين بلغها قول ابن مروان: بيني وبينكم القرآن، قال الله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ إلى قوله لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْرًا قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ «٢»\nفَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أي أشرفن على انقضاء عدّتهنّ وقربن منه.\nفَأَمْسِكُوهُنَّ برجعة تراجعونهنّ. بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أي اتركوهنّ حتى تنقضي عدّتهن فيكنّ منكم ويكنّ أملك لأنفسهنّ.\nوَلا تُضآرُّوهُنَّ فنزل الضرار هو المعروف.\nوَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ على الرجعة والفراق.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ٤١٧.\n(٢) صحيح مسلم: ٤/ ١٩٧.","vol":"9","page":335},{"text":"وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا قال عكرمة والشعبي والضحاك: من يطلق السنة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا إلى الرجعة.\nوَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ لا يرجو ولا يتوقع.\nقال أكثر المفسرين: نزلت هذه الآية في عوف بن مالك الأشجعي، وذلك أنّ المشركين أسروا ابنا له يسمّى: سالما، فأتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنّ العدوّ أسر ابني وشكا إليه أيضا الفاقة، فقال رسول الله ﷺ: «ما أمسى عند آل محمد إلّا مد فاتّق الله واصبر وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلّا بالله»\n[٣٢٨] «١» ففعل الرجل ذلك، فبينا هو في بيته إذ أتاه ابنه وقد غفل عنه العدو فأصاب إبلا وجاء بها إلى أبيه وكان فقيرا وقال الكلبي في رواية يوسف بن مالك: قدم ابنه ومعه خمسون بعيرا.\nأخبرنا عبد الله بن حامد أخبرنا محمد بن عامر البلخي، حدّثنا القاسم بن عبّاد، حدّثنا صالح بن محمد الترمذي، حدّثنا أبو علي غالب عن سلام بن سليم عن عبد الحميد عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: جاء عوف بن مالك الأشجعي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إنّ ابني أسره العدو وجزعت الأم، فما تأمرني؟ قال: «[اتّق الله واصبر] وآمرك وإيّاها أن تستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلّا بالله» [٣٢٩] . فانصرف إليها وقالت: ما قال لك النبي ﷺ؟ قال: أمرني وإياك أن نستكثر من قول: لا حول ولا قوة إلّا بالله، قالت: نعم ما أمرك به، فجعلا يقولان فغفل عنه العدو فساق غنمهم فجاء بها إلى أبيه وهي أربعة آلاف شاة، فنزلت وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ما ساق من الغنيمة «٢» .\nوقال مقاتل: أصاب غنما ومتاعا ثمّ رجع إلى أبيه فانطلق أبوه إلى النبي ﷺ فأخبره الخبر وسأله الحلّ له وأن يأكل ما أتاه به ابنه، فقال النبي (﵇): «نعم» وأنزل الله تعالى هذه الآية.\nأخبرنا ابن فنجويه الدينوري، حدّثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدّثنا بن وهب، أخبرنا عبد الله بن إسحاق، حدّثنا عمرو بن الأشعث، حدّثنا سعد بن راشد الحنفي، حدّثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال: قرأ رسول الله ﷺ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ قال: مخرجا من شبهات الدنيا، ومن غمرات الموت، ومن شدائد يوم القيامة» [٣٣٠] «٣» .\n_________\n(١) إعانة الطالبين: ٤/ ٣٨٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٦٠، وأسباب النزول للواحدي: ٢٨٩ وما بين معكوفين منهما.\n(٣) الدر المنثور: ٦/ ٢٣٢.","vol":"9","page":336},{"text":"وقال ابن مسعود ومسروق: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا هو أن «١» يعلم أنّه من قبل الله، وأنّ الله تعالى رازقه وهو معطيه ومانعه. الربيع بن خيثم: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا من كلّ شيء ضاق على الناس.\nأبو العالية: مَخْرَجًا من كلّ شدّة.\nالحسن: مَخْرَجًا عمّا نهاه عنه.\nالحسين بن الفضل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في أداء الفرائض يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا من العقوبة ويرزقه الثواب مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.\nوقال الصادق: «وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يعني «٢» يبارك له فيما آتاه» [٣٣١] «٣» .\nوقال سهل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في اتّباع السّنّة يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا من عقوبة أهل البدع، وَيَرْزُقْهُ الجنّة مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.\nعمرو بن عثمان الصدفي: ومن يقف عند حدوده، ويحتسب معاصيه يخرجه من الحرام إلى الحلال، ومن الضّيق إلى السعة، ومن النّار إلى الجنّة.\nأبو سعيد الخرّاز: ومن يتبرأ من حوله وقوّته بالرجوع إليه يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ممّا كلّفه بالمعونة له.\nعلي بن صالح: يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا يقنّعه برزقه، وقيل: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ في الرزق وغيره بقطع العلائق يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا بالكفاية وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.\nأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه، أخبرنا أبو مكي بن مالك المطيعي، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدّثنا معتمر عن كهمس عن أبي السليل عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّي لأعلم آية لو أخذ بها النّاس لكفتهم وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ فما يزال يقولها ويعيدها» [٣٣٢] «٤» .\nويحكى أنّ رجلا أتى عمر بن الخطّاب ﵁ فقال: ولّني مما ولّاك الله! قال أتقرأ القرآن؟\nقال: لا. فقال: إنّا لا نولّي من لا يقرأ القرآن، فانصرف الرجل واجتهد في تعلّم القرآن رجاء أن يعود إلى عمر فيولّيه عملا، فلمّا تعلم القرآن تخلّف عن عمر، فرآه ذات يوم فقال: يا هذا هجرتنا، فقال: يا أمير المؤمنين لست ممّن يهجر، ولكنّي تعلّمت القرآن فأغناني الله تعالى عن\n_________\n(١) في المخطوط: أنّه.\n(٢) في المصدر: «أي» .\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٣.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٦٠.","vol":"9","page":337},{"text":"عمر وعن باب عمر. فقال: أيّ آية أغنتك، فقال: قول الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد بن محمد، أخبرنا أحمد بن محمد بن عّدوس، أخبرنا عثمان بن سعيد الرّازي، حدّثنا مهدي بن جعفر الرّملي، حدّثنا الوليد بن مسلم عن الحكم بن مصعب عن محمد بن علي عن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكثر الاستغفار جعل الله له من كل همّ فرجا، ومن كل ضيق مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ» [٣٣٣] «١» .\nوَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فيثق به ويسكن قلبه إليه في الموجود والمفقود.\nفَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قرأ العامة بالِغٌ بالتنوين أَمْرَهُ النّصب: أي منفّذ أمره ممضى في حلقة قضائه، وقرأ طلحة بن مضر: بالِغُ أَمْرِهِ على الإضافة، ومثله روى حفص والمفضل عن عاصم.\nوقرأ داود بن أبي هند: بالغٌ بالتنوين أمرُهُ: رفعا.\nقال الفراء: أي أمره بالغ.\nقال عبد الرحمن بن نافع: لما نزلت وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ قال أصحاب رسول الله ﷺ: حسبنا الله إذا توكلنا عليه فنحن ننسى ما كان لنا ولا نحفظه، فأنزل الله تعالى إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ يعني منكم وعليكم.\nقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا حدا وأجلا ينتهي إليه.\nقال مسروق: في هذه الآية إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ توكل عليه أو لم يتوكل، غير أنّ المتوكل عليه يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا.\nقال الربيع: إنّ الله تعالى قضى على نفسه أنّ من توكل كفاه، ومن آمن به هداه، ومن أقرضه جازاه، ومن وثق به نجّاه، ومن دعاه أجاب له، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى:\nوَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وإِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضاعِفْهُ لَكُمْ ومَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ...\nوَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ فلا يرجون أن يحضن إِنِ ارْتَبْتُمْ قال قوم:\nإن شككتم أنّ الدم الذي يظهر منها لبكرها من الحيض أو من الاستحاضة.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٢٤٨. [.....]","vol":"9","page":338},{"text":"فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ هذا قول الزهري وابن زيد وقال آخرون: إِنِ ارْتَبْتُمْ في حلمهنّ فلم تدروا ما الحلم في عدتهن، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ.\nأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون، حدّثنا أبو حاتم مكي بن عيدان، حدّثنا أبو الأزهر أحمد بن الأزهر، حدّثنا أسباط محمد عن مطرف عن أبي عثمان عمرو بن سالم قال: لمّا نزلت عدّة النساء في سورة البقرة في المطلقة المتوفى عنها زوجها، قال أبي بن كعب:\nيا رسول الله إنّ أناسا من أهل المدينة يقولون قد بقي من النساء ما لم يذكر فيهن شيء.\nقال: وما هو؟ قال: الصّغار والكبار وذوات الحمل، فنزلت هذه الآيات وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ ... إلى آخرها.\nوقال مقاتل: لما نزلت وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ الآية، قال خلاد بن النعمان بن قيس الأنصاري: يا رسول الله فما عدّة من لا تحيض وعدة التي لم تحض وعدّة الحبلى؟ فأنزل الله تعالى وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ\nيعني القواعد اللاتي قعدن عن المحيض.\nإِنِ ارْتَبْتُمْ شككتم في حالها وفي حكمها.\nوقال أبو علي الزهري: إِنِ ارْتَبْتُمْ إن تعنّتّم، قال: وهو من الأضداد، يكون شكا ويقينا كالظن، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ يعني بهنّ الصّغار.\nوَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ في المطلقات والمتوفى عنهن أزواجهنّ.\nقال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، أخبرنا محمد بن محمد بن الحسن، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر بن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: أرسل مروان عبد الله بن عتبة إلى سبيعة بنت الحرث يسألها عمّا أنبأها به رسول الله ﷺ، فأخبرته أنّها كانت عند سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع، وكان ثلاثا، فوضعت حملها قبل أن يمضي لها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجها وخطبها، قالت: فأتيت النبي ﷺ فذكرت ما قال أبو السنابل، فقال النبي ﷺ: «قد حللت حين وضعت حملك» [٣٣٤] «١» وأمرها أن تتزوج،\nفإن أريقت حيضة المرأة وهي شابة، فإنّها يتأنّى بها أحامل أم لا؟ وإن استبان حملها فأجلها أن تضع حملها، وإن لم يستبن حملها فاختلف الفقهاء فيه:\nفقال بعضهم: يستأنى بها، فأقصى ذلك سنة، وهذا مذهب مالك وأحمد وإسحاق وأبي\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ٤٣٢، كنز العمال: ٩/ ٦٥١ ح ٢٧٨٢١.","vol":"9","page":339},{"text":"عبيد، كانوا يرون عدّة المرأة ارتفاع حيضها وهي شابة سنة، ورووا ذلك عن عمر وغيره.\nفأمّا أهل العراق فإنّهم يرون عدتها ثلاث حيضات بعد ما كانت قد حاضت مرّة في عمرها وإن مكثت عشرين سنة إلى أن تبلغ من الكبر مبلغا تيأس من الحيض، فتكون عدّتها بعد الأياس ثلاثة أشهر، وهذا الأصح من مذهب الشافعي وعليه العلماء، ورووا ذلك عن ابن مسعود وأصحابه.\nوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ذلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا أَسْكِنُوهُنَّ يعني مطلّقات نسائكم.\nمِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ أي من المواضع التي «١» سكنتم.\nوقال الكسائي: (من) صلة مجازة أسكنوهن حيث سكنتم، مطلقات نسائكم.\nمِنْ وُجْدِكُمْ سعتكم وطاقتكم، قراءة العامّة بضم الواو، وقرأ الأعرج بفتحه، وروى نوح عن يعقوب بكسر الواو، وكلّها لغات. حتى تنقضي عدتهن.\nوَلا تُضآرُّوهُنَّ ولا تؤذوهن لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ مساكنهن فيخرجن.\nوَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ليخرجن من عدّتهن.\nواختلف الفقهاء في هذه المسألة: فذهب مالك والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو عبيدة ومحمد بن جرير إلى أنّ المبتوتة المطلقة ثلاثا لا نفقة لها، ولها سكنى، واحتجوا بأنّ الله تعالى عمّ بالسكنى المطلقات كلّهنّ، وخصّ بالنفقة أولات الأحمال خاصّة قال فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.\nوقال أحمد وأبو ثور: لا سكنى لها ولا نفقة، واحتجوا\nبحديث فاطمة بنت قيس أخت الضّحاك بن قيس حين أرسل زوجها المخزومي طلاقها فلم يجعل لها رسول الله ﷺ نفقة وقال لها: إنّما النفقة إذا كانت له عليك الرجعة، وأمرها أن تعتدّ في بيت ابن أم مكتوم\n، وقد ذكرناه، وهذا قول أبي بن كعب وزيد بن ثابت «٢» .\nوأما [سفيان] وأهل العراق فقالوا: لها السكنى والنفقة حاملا كانت أو حائلا، وهذا قول [عائشة] ﵂.\n_________\n(١) في المخطوط: الذي.\n(٢) راجع شرح مسلم للنووي: ١٠/ ٩٦.","vol":"9","page":340},{"text":"ويروى أنّ عائشة قالت لفاطمة بنت قيس: اتقي الله يا فاطمة فقد فتنت الناس إنّما أخرجك رسول الله ﷺ لأنّك كنت امرأة لسنة فخشي لسانك على [أحمائك] .\nفأما نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها،\nفقال علي وابن عمر وشريح والنخعي والشعبي وحماد وابن أبي ليلى [وسفر] «١» وأصحابه: ينفق عليها من جميع المال حتى تضع.\nوقال ابن عباس وعبد الله بن الزبير وجابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأبو حنيفة: لا ينفق عليها إلّا من نصيبها «٢» .\nفَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ أولادكم منهنّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ على إرضاعهنّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ يقول: وليقبل بعضكم من بعض إذا أمره بالمعروف، وقال الفرّاء: وَأْتَمِرُوا همّوا.\nالكسائي: شاوروا.\nوَإِنْ تَعاسَرْتُمْ في الرّضاع فأبى الزوج أن يعطي المرأة أجرة رضاعها، وأبت الأم أن ترضعه فليس له إكراهها على إرضاعه، ولكنه يستأجر للصبيّ مرضعا غير أمه الباينة منه، فذلك قوله فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>[سورة الطلاق (٦٥): الآيات ٧ الى ١٢]</span>\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا (٨) فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)\nاللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)\nلِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ على قدر غناه وَمَنْ قُدِرَ ضيّق فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ من المال.\nلا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا في النفقة إِلَّا ما آتاها أعطاها من المال.\nسَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا. وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عصت وطغت وتمردت\n_________\n(١) كذا في المخطوط، ولعلّه سفيان الثوري، ولم نجده بهذا اللفظ في كتب الفقه نعم في المغني قال: وبه قال ابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري والحسن وأبو حنيفة وأصحابه والبتي والعنبري (المغني: ٩/ ٢٨٩) .\n(٢) راجع المبسوط للسرخسي: ٥/ ٢٠١.","vol":"9","page":341},{"text":"عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ أي وأمر رسله فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا بالمناقشة والاستقصاء وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا منكرا فظيعا، وهو عذاب النّار، لفظهما ماض ومعناهما الاستقبال.\nوقيل: في الآية تقديم وتأخير مجازها: فعذّبناها في الدنيا بالجوع والقحط والسيف وسائر المصائب والنوائب والبلايا والرزايا، وحاسبناها في الآخرة حسابا شديدا.\nفَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْرًا أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا يعني القرآن.\nرَسُولًا بدل من الذكر. وقيل: مع الرّسول. وقيل: وأرسل رسولا. وقيل: الذّكر هو الرّسول. وقيل: أراد شرفا ثم بيّن ما هو فقال: سُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا. اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ\nفي العدد.\nيَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ بالوحي من السماء السابعة إلى السفلى.\nوقال أهل المعاني: هو ما يدبر فيهنّ من عجيب تدبيره فينزل المطر ويخرج النبات ويأتي بالليل والنّهار والشتاء والصّيف ويخلق الحيوان على اختلاف هيأتها وأنواعها، وينقلهم من حال إلى حال.\nقال ابن كيسان: وهذا على مجال اللغة واتساعها، كما يقول للموت أمر الله، وللرياح والسحاب ونحوها.\nوقال قتادة: في كل أرض من أرضه وسماء من سمائه خلق من خلقه، وأمر من أمره، وقضاء من قضائه.\nلِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا فلا يخفى عليه شيء.","vol":"9","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>سورة التحريم</span>\nمدنية، وهي اثنتا عشرة آية ومائتان وسبعة وأربعون كلمة، وألف وستون حرفا\nأخبرني ابن المقرئ، أخبرنا ابن مطر، حدّثنا ابن شويك، حدّثنا ابن يونس، حدّثنا سلام ابن سليم، حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامه الباهلي عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ أعطاه الله تَوْبَةً نَصُوحًا» [٣٣٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢) وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)\nيا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وذلك\nأنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الغداة دخل على نسائه امرأة امرأة، وكان أهديت لحفصة بنت عمر عكّة عسل، فكان إذا دخل عليها رسول الله ﷺ مسلّما حبسته وسقته منها، وإنّ عائشة أنكرت احتباسه عندها فقالت لجويرية عندها حبشية يقال لها: حصن: إذا دخل رسول الله ﷺ على حفصة فادخلي عليها وانظري ماذا يصنع، فأخبرتها الخبر وشأن العسل، فغارت عائشة وأرسلت إلى صواحبها فأخبرتهن وقالت: إذا دخل عليكنّ رسول الله ﷺ فقلن: إنّا نجد منّك ريح مغافير، وهو صمغ العرفط، كريه الرائحة، وكان رسول الله يكرهه.\nقال: فدخل رسول الله على سودة، قالت: فما أردت أن أقول ذلك لرسول الله ﷺ ثم أنّي فرقت من عائشة فقلت: يا رسول الله ما هذه الريح التي أجدها منك؟ أكلت المغافير؟\nفقال: «لا، ولكن حفصة سقتني عسلا» . ثمّ دخل رسول على امرأة امرأة وهنّ يقولنّ له ذلك، ثمّ دخل على عائشة فأخذت بأنفها. فقال لها النبي ﷺ: «ما شأنك؟»\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٥٢.","vol":"9","page":343},{"text":"قالت: أجد ريح المغافير، أكلتها يا رسول الله؟ قال: «لا بل سقتني حفصة عسلا» .\nقالت: حرست إذا نحلها العرفط، فقال لها ﷺ: «والله لا أطعمه أبدا» فحرّمه على نفسه [٣٣٦] «١» .\nوقال عطاء بن أبي مسلم: إنّ التي كانت تسقي رسول الله ﷺ أم سلمة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا محمد بن الحسن، حدّثنا علي بن الحسن، حدّثنا علي ابن عبد الله، حدّثنا حجّاج بن محمد الأعور عن ابن جريج قال: زعم عطاء أنّه سمع عبيد بن عمير قال: سمعت عائشة زوج النبي ﷺ ورضي عنها تخبر أنّ رسول الله كان يمكث عند زينب بنت جحش ويشرب عندها عسلا، قالت: فتواطأت أنا وحفصة أيّتنا دخل عليها النبي ﷺ فلنقل:\nإني أجد منك ريح مغافير، فدخل على إحداهما، فقالت له ذلك، فقال: «لا بل شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له» . فنزلت يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ... الآيات [٣٣٧] «٢» .\nقالوا: وكان رسول الله ﷺ قسّم الأيام بين نسائه فلمّا كان يوم حفصة قالت: يا رسول الله، إنّ لي إلى أبي حاجة نفقة لي عنده، فأذن لي أن أزوره وآتي، فأذن لها، فلمّا خرجت أرسل رسول الله ﷺ إلى جاريته مارية القبطية أم إبراهيم- وكان قد أهداها المقوقس- فأدخلها بيت حفصة فوقع عليها، فأتت حفصة فوجدت الباب مغلقا فحبست عند الباب، فخرج رسول الله (﵇) ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: إنّما أذنت لي من أجل هذا، أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها في يومي وعلى فراشي، أما رأيت لي حرمة وحقا؟ ما كنت تصنع هذا بامرأة منهنّ؟ فقال رسول الله (﵇): «أليس هي جاريتي قد أحلّها الله لي؟ اسكتي فهي حرام عليّ ألتمس بذلك رضاك، فلا تخبري بهذا امرأة منهن هو عندك أمانة» [٣٣٨] «٣» .\nفلمّا خرج رسول الله ﷺ قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة فقالت: ألا أبشرك أنّ رسول الله قد حرّم عليه أمته مارية، فقد أراحنا الله منها، فأخبرت عائشة بما رأت وكانتا متصافيتين، متظاهرتين على سائر أزواج النبي ﷺ، فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله ﷺ حتى حلف أن لا يقربها فأنزل الله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ يعني العسل ومارية.\nوقال عكرمة: نزلت في المرأة التي وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ عليه والسلام، ويقال لها أم شريك فأبى النبي (﵇) أن يصلها لأجل امرأته تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٧٨، تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٥٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٧٧.\n(٣) مجمع الزوائد: ٥/ ٩.","vol":"9","page":344},{"text":"قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ أن تكفروها إذا حنثتم، وهي قوله في سورة المائدة.\nوَاللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فأمره أن يكفّر حنثه، ويراجع أمته.\nوَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا وهو تحريمه ﷺ فتاته على نفسه، وقوله لحفصة: لا تخبري بذلك أحدا.\nوقال الكلبي: أسرّ إليها أن أباك وأبا عائشة يكونان خليفتين على أمتي من بعدي.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قراءة عليه، أخبرنا عمر بن الحسن، حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد، حدّثنا أبي، حدّثنا حصين عن الحر المسلي عن خلف بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا قال: أسرّ النبي ﷺ أمر الخلافة بعده فحدّثت به حفصة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا نصر بن محمد بن شيرزاد، حدّثنا الحسن بن سعيد البزار، حدّثنا خالد بن العوام البزار، حدّثني فرات بن السائب عن ميمون بن مهران في قول الله تعالى وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثًا قال: أسرّ إليها أنّ أبا بكر خليفتي من بعدي.\nفَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ خبّرت بالحديث الذي أسرّ إليها رسول الله ﷺ صاحبتها.\nوَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ اي وأطلع الله نبيه ﷺ على أنّها قد نبّأت به.\nوقرأ طلحة بن مصرف: فلمّا أنبأت به بالألف.\nعَرَّفَ بَعْضَهُ قرأ علي وأبو عبد الرّحمن والحسن البصري وقتادة والكسائي: عرف بالتخفيف.\nأخبرنا محمد بن عبدوس، حدّثنا محمد بن يعقوب، حدّثنا محمد بن الجهم، حدّثنا الفرّاء، حدّثني شيخ من بني أسد يعني الكسائي عن نعيم بن عمرو عن عطاء عن أبي عبد الرّحمن قال: كان إذا قرأ عليه الرجل عرّف بالتشديد حصبه بالحصباء، ومعناه على هذه القراءة: عرف بعض ذلك ما فعلت الفعل الذي فعلته من إفشاء سرّه أي غضب من ذلك عليها وجازاها به، من قول القائل لمن أساء إليه: لأعرفنّ لك بمعنى لأجازينّك عليه.\nقالوا وجازاها رسول الله ﷺ بإنّ طلّقها، فلمّا بلغ ذلك عمر قال: لو كان في آل عمر خير لما طلقك رسول الله شهرا، فجاءه جبرائيل (﵇) وأمره بمراجعتها، واعتزل رسول الله ﷺ نساءه شهرا، وقعد في مشربة أم إبراهيم مارية حتى نزلت آية التخيير، فقال مقاتل بن حيّان: لم يطلق رسول الله ﷺ حفصة وإنّما همّ بطلاقها فأتاه جبرائيل (﵇) فقال: لا تطلّقها فإنّها صوّامة قوّامة، وإنّها من أحدى نسائك في الجنة، فلم يطلقها.\nوقرأ الباقون: عرّف بالتشديد يعني: إنّه عرّف حفصة بعض ذلك الحديث وأخبرها به،","vol":"9","page":345},{"text":"واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة قال: لأنّه في التفسير أنّه أخبرها ببعض القول الذي كان منها، ومما يحقق ذلك قوله: وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ يعني: إنّه لم يعرّفها إياه ولم يخبرها به.\nولو كانت عَرَّفَ بَعْضَهُ مخففة لكان ضدّه وأنكر بعضا، ولم يقل أعرض عنه.\nقال الحسن: ما استقصى كريم قط، قال الله تعالى عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ.\nقال مقاتل: يعني أخبرها ببعض ما قال لعائشة، فلم يخبرها بقولها أجمع، عرّف حفصة بعضه وأعرض عن بعض الحديث بأنّ أبا بكر وعمر يملكان بعدي.\nفَلَمَّا نَبَّأَها بِهِ أي أخبر حفصة بما أظهره الله عليه.\nقالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>[سورة التحريم (٦٦): آية ٤]</span>\nإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ (٤)\nإِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما أي زاغت ومالت واستوجبتما التوبة.\nوقال ابن زيد: مالت قلوبهما بأن سرّهما ان يجتنب رسول الله (ﷺ) جاريته، وذلك لهما موافق فسّرهما ما كره رسول الله.\nأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قراءة عليه، أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا عبد الرّزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر ﵁ عن المرأتين من أزواج رسول الله اللّتين قال الله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما حتى حج عمر وحججت معه، فلمّا كنا ببعض الطريق عدل عمر وعدلت معه بالأداوة فتبرّد ثم أتاني فسكبت على يديه، فتوضّأ فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النّبي ﷺ اللّتان قال الله تعالى إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما. فقال عمر: وا عجبا لك يا ابن عبّاس.\nقال الزّهري: كره والله ما سأله ولم يكتمه ثمّ قال: هي حفصة وعائشة، ثمّ أخذ يسوق الحديث فقال: كنّا معاشر قريش قوما نغلب النساء، فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم.\nقال: وكان منزلي في بني أميّة بن زيد بالغوالي قال: فتعصّبت يوما على امرأتي، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت: وما ينكر أن أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج النّبي صلّى الله عليه ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل قال: فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت:","vol":"9","page":346},{"text":"أتراجعن رسول الله صلّى الله عليه؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكنّ اليوم إلى الليل؟\nقالت: نعم. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر، أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله صلّى الله عليه فإذا هي قد هلكت.\nلا تراجعي رسول الله صلّى الله عليه ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك ولا يغرنّك إن كانت جارتك هي أوسم وأحبّ إلى رسول الله ﷺ منك- يريد عائشة ﵂.\nقال: وكان لي جار من الأنصار، قال: كنّا نتناوب النزول إلى رسول الله (﵇) فينزل يوما وأنزل يوما فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك، قال: وكنّا نتحدّث أنّ غسّان تفعل الحيل لتغزونا، فنزل صاحبي يوما ثم أتاني غشيان فضرب بابي، ثم ناداني فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم.\nقلت: ماذا، أجاءت غسّان؟ قال: بل أعظم من ذلك! طلق الرسول نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت، قد كنت أظنّ هذا كائنا، حتّى إذا صليت الصبح شددت عليّ ثيابي، ثمّ نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي فقلت: أطلّقكنّ رسول الله ﷺ؟ قالت: لا أدري هو معتزل في هذه المشربة، فأتيت غلاما له أسود، فقلت: استأذن لعمر، فدخل الغلام ثمّ خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتّى أتيت المنبر فإذا حوله رهط جلوس بعضهم، فجلست قليلا ثمّ غلبني ما أجد، فأتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر فدخل ثمّ خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت فجلست إلى المنبر ثمّ غلبني ما أجد فأتيت- يعني الغلام- فقلت:\nاستأذن لعمر، فدخل ثمّ خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، قال: فولّيت مدبرا، فإذا الغلام يدعوني فقال: أدخل فقد أذن لك، فدخلت فسلّمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متكئ على رمل حصير قد أثّر في جنبه، فقلت: أطلّقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليّ وقال: لا.\nفقلت: الله أكبر، ثم ذكر له ما قال لامرأته وما قالت له امرأته، فتبسم رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله قد دخلت عليّ حفصة وذكرت ما قلت لها. فتبسّم أخرى، فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم. فجلست فرفعت رأسي في البيت، فو الله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلّا أهن ثلاثة، فقلت: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يوسّع على أمتك فقد وسّع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله، فاستوى جالسا ثم قال: «أفي شكّ أنت يا ابن الخطاب، أولئك عجّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» [٣٣٩] . فقلت: استغفر لي يا رسول الله، وكان أقسم ألّا يدخل عليهنّ شهرا من شدة موجدته عليهنّ حتى عاتبه الله تعالى.\nقال الزهري: فأخبرني عروة عن عائشة ﵂ قالت: فلمّا مضى تسع وعشرون ليلة على رسول الله بدأني، فقلت: يا رسول الله إنّك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا، وإنّك قد","vol":"9","page":347},{"text":"دخلت عن تسع وعشرين، أعدّهن، قال: إن الشهر تسع وعشرون، ثم قال: يا عائشة إنّي ذاكر لك أمرا فلا عليك ألّا تعجلي فيه حتى تسامري أبويك، قالت: ثم قرأ عليّ يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ حتى بلغ أَجْرًا عَظِيمًا قالت عائشة: قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني- وقيل:\nليأمراني بفراقه- فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإنّي أريد الله ورسوله والدار الآخرة.\nقالت عائشة: فقلت له يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك فقال: فقال النبي ﷺ:\nإنّما بعثني الله مبلّغا ولم يبعثني متعنتا [٣٤٠] «١» .\nوَإِنْ تَظاهَرا تعاونا على أذى النبي ﷺ، قرأ أهل الكوفة بتخفيف الظاء على الحذف واختاره أبو عبيد، وقرأ الباقون بالتشديد على الإدغام واختاره أبو حاتم.\nفَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وليّه وحافظه وناصره.\nوَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ قال المسيب بن شريك: هو أبو بكر ﵁.\nوقال سعيد بن جبير: عمر (رض)، عكرمة: أبو بكر وعمر، يدلّ عليه ما أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا علي بن أحمد بن نصرويه، حدّثنا أبو الحسن علي بن الحسن بن سليمان الباقلاني، حدّثنا أبو عمار الحسين بن الحرث، حدّثنا عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سقيق عن عبد الله عن النبي ﷺ في قوله ﷿ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ قال: «إنّ صالح المؤمنين أبو بكر وعمر ﵄ [٣٤١] «٢» .\nأخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا أبو علي المقري، حدّثنا أبو القاسم بن الفضل، حدّثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر، حدّثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب، حدّثني رجل ثقة يرفعه إلى علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ في قوله الله تعالى:\nوَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ هو علي بن أبي طالب ﵁» [٣٤٢] «٣» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، أخبرنا عمر بن الحسن، حدّثنا أحمد بن الحسن، حدّثنا أبي، حدّثنا حصين عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه عن أسماء بنت عميس قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «وصالح المؤمنين هو علي بن أبي طالب ﵁» [٣٤٣] «٤» .\nوقال الكلبي: هم المخلصون الذين ليسوا بمنافقين.\nوقال قتادة والعلاء بن زياد العدوي: هم الأنبياء.\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٥/ ٩٦ ح ٣٣٧٤.\n(٢) مجمع الزوائد: ٧/ ١٢٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ١٨٩، شواهد التنزيل: ٢/ ٣٤١.\n(٤) فتح الباري: ١٠/ ٣٥٣.","vol":"9","page":348},{"text":"وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ أي أعوان، فلم يقل: صالحو ولا ظهرا، لأن لفظهما وأن كان واحدا فهو في معنى الجمع كقول الرجل: لا يقرئني إلّا قارئ القرآن، فهو واحد ومعناه الجمع لأنّه قد أذن لكل قارئ القرآن ان يقرئه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>[سورة التحريم (٦٦): الآيات ٥ الى ١٢]</span>\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ (٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)\nضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)\nعَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ داعيات، وقيل: مصليات.\nتائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ يسحن معه حيث ما ساح، وقيل: صائمات.\nوقال زيد بن أسلم وأبنه ويمان: مهاجرات.\nثَيِّباتٍ وَأَبْكارًا والآية واردة في الإخبار، عن القدرة لا عن الكون في الوقت لأنه تعالى قال: إِنْ طَلَّقَكُنَّ وقد علم أنّه لا يطلقهنّ، وهذا قوله وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ فهذا إخبار عن القدرة وتخويف لهم، لا أن في الوجود من هو خير من أمة محمد ﷺ.\nيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نارًا يعني: مروهم بالخير، وانهوهم عن الشر وعلّموهم وأدنوهم تقوهم بذلك نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ فظاظ شِدادٌ أقوياء لم يخلق الله فيهم الرّحمة، وهم الزبانية التسعة عشر وأعوانهم من خزنه النّار.\nلا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا قراءة العامة بفتح النون على نعت التوبة.","vol":"9","page":349},{"text":"وروى حماد ويحيى بن آدم عن أبي بكر عن عاصم بضمّه على المصدر، وهي قراءة الحسن.\nقال المبرّد: أراد توبة ذات نصح، واختلف المفسّرون في معنى التوبة النّصوح.\nوقال عمر وأبي ومعاذ: التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب، كما لا يعود اللبن إلى الضرع، ورفعه معاذ.\nوقال الحسن: هي أن يكون العبد نادما على ما مضى، مجمعا على أن لا يعود فيه.\nالكلبي: أن يستغفر باللسان، ويندم بالقلب، ويمسك بالبدن.\nقال قتادة: هي الصادقة الناصحة.\nسعيد بن جبير: هي توبة مقبولة، ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاث: خوف أن لا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات.\nسعيد بن المسيّب: توبة تنصحون بها أنفسكم.\nالقرظي: تجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإظهار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سيّئ الخلّان.\nسفيان الثوري: علامة التوبة النّصوح أربع: القلّة، والعلة، والذلة، والغربة.\nفضيل بن عياض: هي أن يكون الذنب نصب عينيه، ولا يزال كأنّه ينظر إليه.\nأبو بكر محمد بن موسى الواسطي: هي توبة لا لعقد عوض لأن من أذنب في الدنيا لرفاهيّة نفسه، ثم تاب طلبا لرفاهيتها في الآخرة فتوبته على حظ نفسه لا لله.\nأبو بكر الورّاق: هي أن تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك كتوبة الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا.\nأبو بكر الرقاق المصري: ردّ المظالم واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات. رويم الرّاعي: هو أن تكون لله وجها بلا قفا كما كنت له عند المعصية قفا بلا.\nرابعة: توبة لابيات منها. ذو النون: علامتها ثلاث: قلة الكلام وقلة الطعام وقلة المنام.\nسقيق: هي أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من النّدامة، لينجو من آفاتها بالسّلامة.\nسري السقطي: لا تصح التوبة النصوح إلّا بنصحة النفس من المؤمنين لأن من صحة توبته أحب أن يكون النّاس مثله.","vol":"9","page":350},{"text":"الجنيد: هي أن بنسى الذنب فلا يذكره أبدا لأن من صحة توبته صار محبّا لله، ومن أحب الله نسي ما دون الله.\nسهل: هي توبة أهل السنّة والجماعة لأنّ المبتدع لا توبة له، بدليل\nقوله صلّى الله عليه:\n«حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب» [٣٤٤] «١» .\nأبو الأديان: هي أن يكون لصاحبها دمع سفوح، وقلب عن المعاصي جموع، فإذا كان ذلك فإنّ توبته نصوح، وأمارات التوبة منه تلوح.\nفتح الموصلي: علامتها ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظماء.\nعَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ على الصراط.\nيَقُولُونَ إذا طفئ نور المنافقين.\nرَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ثمّ ضرب مثلا للصالحات، والصالحات من النساء فقال عزّ من قائل: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ واسمها واغلة وامرأة لوط واسمها واهلة. وقال مقاتل: والعدو والهة.\nكانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما في الدين، وما بغت امرأة النّبي قط.\nقال ابن عبّاس: ليس بخيانة الزّنا وهما [امرأتا] نوح ولوط (﵉) وإنّما خيانتهما أنّهما كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح تخبر النّاس أنّه مجنون وتطلع على سرّه، فإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به. وأمّا امرأة لوط فكانت تدلّ قومه على أضيافه.\nفَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مع توبتهما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ يخوّف عائشة وحفصة ﵄.\nوَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ وهي آسية بنت مزاحم.\nقال المفسرون: لمّا غلب موسى السحرة آمنت امرأة فرعون فلمّا تبيّن إسلامها وثبتت عليه أوتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد وألقاها في الشمس وأمر بصخرة عظيمة لتلقى عليها، فلمّا أتوها بالصخرة إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وأبصرت بيتها في الجنّة من درّة، وانتزع الله روحها، فألقيت الصخرة على جسد ليس فيه روح، فلم تجد ألما من عذاب فرعون.\nوقال الحسن وابن كيسان: رفع الله امرأة فرعون إلى الجنّة فهي فيها تأكل وتشرب.\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ٢٢١ بتفاوت، وبتمامه في تفسير القرطبي: ١٨/ ١٩٩. [.....]","vol":"9","page":351},{"text":"أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون، أخبرنا علي بن عبدان، حدّثنا أبو الأزهر، حدّثنا أسباط عن سليمان عن أبي عثمان عن سلمان قال: كانت امرأة فرعون تعذّب بالشمس، وإذا انصرفوا عنها أظلّتها الملائكة وجعلت ترى بيتها في الجنّة.\nوَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ أي دينه.\nأخبرنا عبد الله بن حامد، أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي سعيد، حدّثنا علي بن حرث، حدّثنا أبو المنذر هشام بن محمد عن أبي صالح عن ابن عبّاس في قول الله تعالى وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الكافرين، قطع الله بهذه الآية طمع من ركب المعصية ورجا أن ينفعه صلاح غيره، وأخبر أنّ معصية الغير لا تضرّه إذا كان مطيعا.\nوَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا أي في درعها، لذلك ذكر الكناية.\nوَصَدَّقَتْ قراءة العامّة بالتشديد، وقرأ لاحق بن حميد بالتخفيف.\nبِكَلِماتِ رَبِّها قراءة العامّة بالجمع.\nوقرأ الحسن وعيسى والجحدري: الكلمة على الواحد يعنون عيسى (﵇) وَكُتُبِهِ قرأ أبو عمر ويعقوب: وَكُتُبِهِ، على الجمع، وهي رواية حفص عن عاصم واختيار أبي حاتم قال: لأنّها أعم.\nوقرأ الباقون: وكتابه، على الواحد وهي اختيار أبي عبيد.\nوَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ المطيعين، مجازه: من القوم العابدين، ولذلك لم يقل قانتات، نظيره يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ.\nأخبرنا الحسن بن محمد، حدّثنا أحمد بن محمّد بن إسحاق السني ومحمد بن المظفّر قالا: حدّثنا علي بن أحمد بن سليمان، حدّثنا موسى بن سابق، حدّثنا ابن وهب أخبرني الماضي ابن محمد عن بردة عن مكحول عن معاذ بن جبل: أنّ النّبي ﷺ دخل على خديجة وهي تجود بنفسها فقال: «أكره ما نزل بك يا خديجة وقد جعل الله في الكره خيرا كثيرا، فإذا قدمت على ضرّاتك فأقرئيهنّ منّي السلام» [٣٤٥] «١» .\nقالت: يا رسول الله من هنّ؟\nقال: «مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وكليمة أو حليمة أخت موسى» [٣٤٦] «٢» . شكّ الراوي، فقالت: بالرفاه والبنين.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٠٤.\n(٢) نفس المصدر السابق.","vol":"9","page":352},{"text":"أخبرنا الحسن بن محمد، حدّثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدّثنا عبيد الله أحمد بن منصور الكسائي، حدّثنا محمد بن عبد الجبار المعروف بسندول الهمداني، حدّثنا أبو أسامة عن شعبة عن عمرو بن مرّة عن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلّا أربع: آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم أبنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النّساء كفضل الثريد على سائر الطعام» [٣٤٧] «١» .\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣/ ٣٥٨ صدر الحديث والذيل موجود في مسند أحمد: ٤/ ٣٩٤.","vol":"9","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-801>سورة الملك</span>\nمكية، وهي ثلاثون آية، وثلاثمائة وثلاثون كلمة وألف وثلاثمائة حرفا\nحدّثنا أبو محمد المخلدي أخبرنا أبو العباس السراج، حدّثنا العباس بن عبد الله الترمذي، حدّثنا حفص بن عمر، حدّثنا الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «وددت أنّ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ في قلب كل مؤمن» [٣٤٨]» .\nأخبرني أبو الحسن الفارسي، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن يزيد، حدّثنا أبو يحيى البزار، حدّثنا محمد بن يحيى، حدّثنا أبو داود، حدّثنا عمران عن قتادة عن عباس الجشمي عن أبي هريرة أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ سورة من كتاب الله ما هي إلّا ثلاثون آية شفعت لرجل وأخرجته يوم القيامة من النّار وأدخلته الجنّة وهي سورة تبارك» [٣٤٩] «٢» .\nأخبرنا أبو الحسن بن أبي إسحاق المزكي، وأبو الحسن بن أبي الفضل العدل قالا: حدّثنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الصّفار، حدّثنا سعدان بن نصر، حدّثنا معمّر بن سليمان عن الخليل بن مرّة عن عاصم بن أبي النّجود رواه عن زرّ بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: إذا وضع الميت في قبره يؤتى من قبل رجليه فيقال: ليس لكم عليه سبيل قد كان يقوم بسورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول لسانه: ليس لك عليّ سبيل كان يقرأ بي سورة الملك، ثم قال: هي المانعة من عذاب القبر، وهي في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد اكثر وأطيب.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)\nوَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)\n_________\n(١) كنز العمال: ١/ ٥٨٤ ح ٢٦٤٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٠٥.","vol":"9","page":354},{"text":"ارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ\nقدّم الموت على الحياة لأنّه إلى القهر أقرب، كما قدّم البنات على البنين في قوله: يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ.\nقال قتادة: أذلّ الله ابن آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياة ودار فناء، وجعل الآخرة دار جزاء وبقاء. وقيل: قدّمه لأنّه أقدم، وذلك أنّ الأشياء في الابتداء كانت في حكم الموات كالنطفة والتراب ونحوها، ثم اعترصت عليها الحياة.\nقال ابن عباس: خلق الموت على صورة كبش أملح لا يمرّ بشيء ولا يجد ريحه شيء إلّا مات، وخلق الحياة على صورة فرس بلقاء، وهي التي كان جبرئيل والأنبياء (﵈) يركبونها، خطوها مد البصر، وهي فوق الحمار ودون البغل، لا تمر بشيء، ولا تطأ شيئا ولا يجد ريحها شيء إلّا حيّ، وهي التي أخذ السامري من أثرها فألقاها على العجل فحيي.\nلِيَبْلُوَكُمْ فيما بين الحياة إلى الموت، أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا\nأخبرنا الحسن بن محمد بن فنجويه، حدّثنا محمد بن عبد الله بن برزة، حدّثنا الحرث بن أسامة، حدّثنا داود بن المحر، حدّثنا عبد الواحد بن زياد العبدي عن كليب بن وائل عن ابن عمر عن النبي (صلّى الله عليه) أنّه تلا (تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) حتى بلغ إلى قوله (أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) . ثم قال: أيكم أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، وأسرعكم في طاعة الله.\nوبإسناده عن داود بن المحر، حدّثنا ميسر عن محمد بن زيد عن أبي سلمة عن أبي قتادة قال: قلت: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ما عني به؟ قال: «يقول أيّكم أحسن عقلا» [٣٥٠] «١» .\nوقال رسول الله ﷺ: «أتمّكم عقلا وأشدّكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله تعالى به ونهى عنه نظرا وإن كان أقلكم تطوعا» [٣٥١] «٢» .\nأخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد، حدّثنا أبو بكر بن أبي الدّنيا القرشي، حدّثنا محمد بن علي بن الحسن بن سقيق عن إبراهيم عن\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ١٢/ ٩.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٦٩.","vol":"9","page":355},{"text":"الأشعث عن فضيل بن عياض لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قال: أخلصه وأصوبة، قلت: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنّ العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتّى يكون خالصا صوابا، والخالص: إذا كان لله، والصّواب: إذا كان على السنّة.\nوقال الحسن: يعني أيّكم أزهد في الدنيا زهدا، وأترك لها تركا.\nوقال سهل: أيّكم أحسن توكّلا على الله.\nقال الفرّاء: لم يرفع البلوى على أي لأنّ فيما بين أي والبلوى إضمارا وهو كما يقول في الكلام: بلوتكم لأنظر أيّكم أطوع، ومثله سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ «١» أي سلهم وانظر أيّهم.\nفأيّ رفع على الابتداء وأحسن خبره.\nوَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا طبقا على طبق، بعضها فوق بعض، يقال: أطبقت الشيء إذا وضعت بعضه فوق بعض.\nقال أبان بن تغلب: سمعت بعض الأعراب يذمّ رجلا فقال: شرّه طباق، وخيره غير باق.\nقال سيبويه: ونصب طِباقًا لأنّه مفعول ثان.\nما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ قرأ يحيى بن ثابت والأعمش وحمزة والكسائي:\nمن تفوّت بغير ألف، وهي اختيار أبي عبيد وقراءة عبد الله وأصحابه.\nأخبرنا عبد الله بن حامد الورّاق، أخبرنا مكي بن عبدان، حدّثنا عبد الله بن هاشم، حدّثنا يحيى بن سعيد القّطان عن سفيان عن الأعمش عن إبراهيم عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله أنّه كان يقرأ: من تفوّت.\nقال الأعمش: فذكرت لأبي رزين فقال: لقد سمعتها من عبد الله فيما قبلتها وأخذتها، وقرأ تَفاوُتٍ، وهي قراءة الباقين واختيار أبي حاتم وهما لغتان مثل التّعهد والتّعاهد، والتحمّل والتحامل، والتطهر والتطاهر. ومعناه: ما ترى في خلق الرحمن من اعوجاج واختلاف وتناقض وتباين، بل هي مستوية مستقيمة، وأصله من الفوت، وهي أن يفوت بعضها بعضا لقلّة استوائها، يدلّ عليه قول ابن عبّاس: من تفرق «٢» .\nفَارْجِعِ فردّ الْبَصَرَ قال الفراء: إنّما قال فارجع وليس قبله فعل مذكور فيكون الرجوع على ذلك الفعل لأنّ مجاز الكلام: أنظر ثمّ ارجع البصر.\n_________\n(١) سورة القلم: ٤٠.\n(٢) راجع زاد المسير لابن الجوزي: ٨/ ٥٨.","vol":"9","page":356},{"text":"هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ فتوق وشقوق وخروق.\nالضحّاك: اختلاف وشطور، عطية: عيب، ابن كيسان: تباعد، القرظي: قروح، أبو عبيدة: صدوع «١» قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود:\nشققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور «٢»\nوقال آخر:\nتغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا سكر ولم يبلغ سرور «٣»\nوقال آخر:\nبنى لكم بلا عمد سماء ... وزيّنها فما فيها فطور «٤»\nثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ ردّ البصر وكرّر النظر كَرَّتَيْنِ مرتين، يَنْقَلِبْ ينصرف ويرجع إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئًا خاشعا، ذليلا، مبعدا وَهُوَ حَسِيرٌ يعني كليل، منقطع لم يدرك ما طلب قال الشاعر:\nنظرت إليها بالمحصب من منى ... فعاد إليّ الطرف وهو حسير «٥»\nأخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا موسى بن محمد، حدّثنا الحسن بن علويه، حدّثنا إسماعيل بن عيسى، حدّثنا المسيب، حدّثنا إبراهيم البكري عن صالح بن جبار عن عبد الله بن يزيد عن أبيه، قال المسيب: وحدّثنا أبو جعفر عن الرّبيع عن كعب قالا: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة صفر- وقال نحاس- والخامسة فضة، والسادسة ذهب والسّابعة ياقوتة حمراء، وبين السّماء السّابعة إلى الحجب السبعة صحاري من نور، واسم صاحب الحجب «فنطاطروس» .\nوَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ أي الكواكب، واحدها مصباح وهو السراج.\nوَجَعَلْناها رُجُومًا مرمى لِلشَّياطِينِ إذا اخترقوا السّمع، وَأَعْتَدْنا لَهُمْ في الآخرة عَذابَ السَّعِيرِ ما جعلنا لهم في الدنيا من الشهب، وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أيضا عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا صوتا كصوت الحمار وَهِيَ تَفُورُ تزفر وتغلي بهم كما يغلي القدر.\n_________\n(١) راجع تفسير الطبري: ٢٩/ ٥- ٦، وفتح القدير: ٥/ ٢٥٩.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٣٠٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٠٩.\n(٤) الأبيات في تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٠٩.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢١٠. [.....]","vol":"9","page":357},{"text":"وقال مجاهد: تفور بهم كما يفور الحبّ القليل في الماء الكثير.\nتَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ يتفرق بعضها من بعض على أهلها غيظا وانتقاما لله تعالى كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ قوم سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ رسول في الدنيا قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا للرسل ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>[سورة الملك (٦٧): الآيات ١٠ الى ٣٠]</span>\nوَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)\nهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥) أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)\nوَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩)\nقُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)\nوَقالُوا وهم في النّار لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ النذر من الرسل، وما جاءونا به أَوْ نَعْقِلُ عنهم. قال ابن عباس: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ الهدى أو نعقله فنعمل به.\nما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا بعدا، وقال سعيد بن جبير: هو واد في جهنم لِأَصْحابِ السَّعِيرِ ونقله أبو جعفر والكسائي بروايتيه الدوري وقتيبة الخلاف عنهما، وحققه الآخرون: وهما لغتان مثل الرّعب والرّعب، السّحت والسّحت، أخبرنا عبد الله ابن حامد، أخبرنا محمد بن خالد حدّثنا داود بن سليمان، حدّثنا عبد بن حميد، حدّثنا عبيد الله ابن موسى عن إسرائيل عن أبي يحيى عن مجاهد عن ابن عباس قال: إنّ الرجل ليجرّ إلى النار فتنزوي، وتنقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن: ما لك؟ قالت: إنّه كان يستجير منّي فيقول: أرسلوا عبدي. وإنّ الرجل ليجرّ إلى النار، فيقول: يا ربّ ما كان هذا الظنّ بك! قال:\nفما كان ظنّك؟ قال: كان ظنّي أن تسعني رحمتك، فيقول: أرسلوا عبدي. وإنّ الرجل ليجرّ إلى","vol":"9","page":358},{"text":"النار فتشهق إليه النار شهيق البغلة إلى الشعير، ثمّ تزفر زفرة لا يبقى أحد إلّا خاف.\nإِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ.\nقال ابن عباس: نزلت في المشركين، كانوا ينالون من رسول الله ﷺ، فيخبره جبرائيل ما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض: أسرّوا قولكم كي لا يسمع إله محمد.\nوقال أهل المعاني: إن شئت جعلت «من» في قوله: مَنْ خَلَقَ اسما للخالق؟ فقلت: ألا يعلم الخالق ما في الصدور وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وإن شئت جعلته اسما، فقلت: ألا يعلم الله مخلوقه.\nأخبرنا الفنجوي حدّثنا موسى بن الحسن بن علويّة حدّثنا عيسى بن إسماعيل بن عيسى بن المسيّب، قال: بينا رجل واقف بالليل في شجر كثير وقصفت الريح فوقع في نفس الرجل فقال:\nأترى الله يعلم ما يسقط من هذه الورق؟ فنودي من خلفه: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟! وروى محمد بن فضيل عن زرين عن ابن أبي أسماء أنّ رجلا دخل غيضة فقال: لو خلوت هاهنا للمعصية من كان يراني؟ قال: فسمع صوتا ملأ ما بين لابتي الغيضة، أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ؟! هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا سهلا مسخّرة لا تمتنع فَامْشُوا فِي مَناكِبِها قال ابن عباس وقتادة: في جبالها، ضحاك: في آكامها، مجاهد: طرقها وفجاجها، وقال الكلبي:\nأطرافها، الفرّاء: في جوانبها، مقاتل: نواحيها، الحسن: سهلها حيث أردتم فقد جعلها لكم ذلولا لا تمتنع، وأصل المنكب الجانب ومنه منكب الرجل، والريح النكاب، وتنكب فلان.\nوَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ الحلال وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ وقال ابن عباس:\nأمنتم عذاب من في السماء أن عصيتموه. وقيل: معنى أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ: قدرته وسلطانه وعرشه ومملكته، وقيل: إنّما قال: مَنْ فِي السَّماءِ لأنّهم كانوا يعترفون بأنّه إله السماء، ويزعمون إنّ الأصنام آلهة الأرض، وكانوا يدعون الله من جهة السماء، وينتظرون نزول أمره بالرحمة والسطوة منها.\nوقال المحقّقون «١»: معنى قوله: فِي السَّماءِ أي فوق السماء كقوله تعالى: فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ «٢»، أي فوقها لا بالمماسة والتحيز ولكن بالقهر والتدبير «٣» .\n_________\n(١) في المخطوط: المتحقّقون.\n(٢) سورة التوبة: ٢.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٨/ ٢١٦.","vol":"9","page":359},{"text":"وقيل: معناه على السماء كقوله: وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ «١» ومعناه: إنّه مالكها ومدبّرها والقائم عليها، كما يقال: فلان على العراق والحجاز، وفلان على خراسان وسجستان يعنون أنّه واليها وأميرها.\nوأعلم أنّ الآيات والأخبار الصحاح في هذا الباب كثيرة وكلّها إلى العلو مشيرة، ولا يدفعها إلّا ملحد جاحد أو جاهل معاند، والمراد بها- والله أعلم- توقيره وتعظيمه وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلو والعظمة دون أن يكون موصوفا بالأماكن والجهات والحدود والحالات لأنّها صفات الأجسام وأمارات الحدث والله ﷾ كان ولا مكان فخلق الأمكنة غير محتاج إليها، وهو على ما لا يزل، ألا يرى أنّ الناس يرفعون أيديهم في حال الدعاء إلى السماء مع إحاطة علمه وقدرته ومملكته بالأرض وغيرها أحاطتها بالسماء، إلّا أنّ السماء مهبط الوحي ومنزل القطر ومحلّ القدس ومعدن المطهرين المقرّبين من ملائكته، وإليها ترفع أعمال عباده وفوقها عرشه وجنّته وبالله التوفيق.\nأَنْ يَخْسِفَ يغور بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ قال الحسن: تحرّك بأهلها، وقال الضحّاك: تدور بهم وهم في قعرها، وقال ابن كيسان: تهوى بهم.\nأَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِبًا ريحا ذات حجارة كما فعل بقوم لوط وأصحاب الفيل فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ أي إنذاري بالعذاب.\nوَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ إنكاري، وأثبت بعض القرّاء الياء في هذه الحروف وجوابها على الأصل وحذفها بعضهم على الخط.\nأَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ أجنحتها وهي تطير، وَيَقْبِضْنَ أجنحتها بعد انبساطها، ما يُمْسِكُهُنَّ يحبسهنّ في حال القبض والبسط أن يسقطن، إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ.\nأَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ قال ابن عباس: منعه لكم يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ فيدفع عنكم ما أراد بكم إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ في الضلال وَنُفُورٍ تباعد من الحقّ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ راكبا رأسه في الضلالة والجهالة أعمى القلب والعين لا يبصر يمينا ولا شمالا، وهو الكافر.\nوقال قتادة: هو الكافر أكبّ على معاصي الله في الدنيا فحشره الله يوم القيامة على وجهه، أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وهو المؤمن، وقوله مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ فعل غريب! لأنّ أكثر اللغة في التعدّي واللزوم أن يكون أفعلت يفعّل، وهذا على ضدّه يقال:\n_________\n(١) سورة طه: ٧١.","vol":"9","page":360},{"text":"كببت فلانا على وجهه فأكب، قال الله تعالى: فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ «١»،\nوقال النبيّ ﷺ:\n«وهل يكبّ الناس في النار على مناخرهم إلّا حصائد ألسنتهم» [٣٥٢] «٢» .\nونظيره في الكلام قولهم: قشعت الريح السحاب فأقشعت، وبشرته بمولود فأبشر، وقيل مكبّا لأنه فعل غير واقع «٣»، قال الأعشى:\nمكبّا على روقيه يحفّز عرفه ... على ظهر عريان الطريقة أهيما «٤»\nقُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ فَلَمَّا رَأَوْهُ ويعني العذاب في الآخرة عن أكثر المفسّرين، وقال مجاهد: يعني العذاب ببدر، زُلْفَةً قريبا، وهو اسم بوصف مصدر يستوي فيه المذكّر والمؤنّث والواحد والاثنان والجميع سِيئَتْ أخزيت وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا فاسودّت وعلتها الكآبة والغربة يقول العرف: سويه فسيء، ونظيره سررته فسر وشعلته فشعل وَقِيلَ قال لهم الخزنة: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ أي أن يعجّله لكم.\nوقراءة العامّة: (تَدَّعُونَ) بتشديد الدال يفتعلون من الدعاء عن أكثر العلماء أي يتمنّون ويتسلّون، وقال الحسن: معناه يدّعون أن لا جنّة ولا نار، وقرأ الضحاك وقتادة ويعقوب بتخفيف الدال، أي تدعون الله أن يأتكم به وهو قوله: وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ «٥» الآية.\nقُلْ يا محمد لمشركي مكّة الذين يتمنّون هلاكك ويتربّصون بك ريب المنون أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ فأماتني وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا أبقانا وأخّر في آجالنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ فإنّه واقع بهم لا محالة، وهذا اختيار الحسين بن الفضل ومحمد بن الحسن.\nوقال بعضهم: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ فعذّبني (وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا) غفر لنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ونحن معا إنّما خائفون من عذابه لأنّ له أن يأخذنا بذنوبنا ويعاقبنا ويهلكنا لأنّ حكمه جائز وأمره نافذ وفعله واقع في ملكه، فنحن مع إيماننا خائفون من\n_________\n(١) سورة النمل: ٩٠.\n(٢) سنن الترمذي: ٤/ ١٢٥.\n(٣) في تفسير الطبري زيادة: وإذا لم يكن واقعا أدخلوا فيه الألف فقالوا: أكب فلان على وجهه فهو مكب ومنه قول الأعشى....\n(٤) تفسير الطبري: ٢٩/ ١٢.\n(٥) سورة الأنفال: ٣٢.","vol":"9","page":361},{"text":"عذابه فمن يمنعكم من عذاب الله وأنتم كافرون؟ وهذا معنى قول ابن عباس واختيار عبد العزيز ابن يحيى وابن كيسان.\nقُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ بالياء الكسائي ورواه عن عليّ ﵁، الباقون بالتاء، مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ نحن أم أنتم قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْرًا يعني غائرا ذاهبا ناضبا في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء، قال الكلبي ومقاتل: يعني ماء زمزم وبئر ميمون الحضرمي وهي بئر عادية قديمة.\nفَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ ظاهر تناله الأيدي والدلاء، وقال عطاء عن ابن عباس: جار، وقال المؤرخ: عذب بلغة قريش.","vol":"9","page":362},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-804>محتوى الجزء التاسع من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة الأحقاف/ ٥ سورة محمّد/ ٢٨ سورة الفتح/ ٤٠ سورة الحجرات/ ٦٩ سورة ق/ ٩٢ سورة الذاريات/ ١٠٩ سورة الطور/ ١٢٣ سورة النجم/ ١٣٤ سورة القمر/ ١٦٠ سورة الرّحمن/ ١٧٦ سورة الواقعة/ ١٩٩ سورة الحديد/ ٢٢٧ سورة المجادلة/ ٢٥٢ سورة الحشر/ ٢٦٦ سورة الممتحنة/ ٢٩٠ سورة الصف/ ٣٠١ سورة الجمعة/ ٣٠٥ سورة المنافقون/ ٣١٩ سورة التغابن/ ٣٢٥ سورة الطلاق/ ٣٣١ سورة التحريم/ ٣٤٣ سورة الملك/ ٣٥٤","vol":"9","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>الجزء العاشر</span>\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>سورة القلم</span>\nمكّية، وهي اثنان وخمسون آية، وثلاث مائة كلمة، وألف ومائتان وستّة وخمسون حرفا\nأخبرنا محمد بن القيّم أخبرنا محمد بن طه حدّثنا إبراهيم بن شريك حدّثنا أحمد بن عبد الله حدّثنا سلام بن سليم حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن ابنه عن أبي أمامة بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة ن وَالْقَلَمِ أعطاه الله تعالى ثواب الذين حسّن الله أخلاقهم» [١] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)\nن اختلف القراء فيه، فأظهر بعضهم نونه، وأخفاها الآخرون، وقرأ ابن عباس (نِ) بكسر النون على إضمار حرف القسم، وقرأ عيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعّل، واختلف المفسّرون في معناه، فقال مجاهد ومقاتل ومرة الهمداني وعطاء الخراساني والسدي والكلبي:\nهو الحوت الذي يحمل الأرض، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس قال: أوّل ما خلق الله القلم فجرى بما هو كائن، ثمّ رفع فخلق الماء فخلق منه السماوات، ثمّ خلق النون فبسط الأرض على ظهر النون، فتحرّكت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال فإنّ الجبال لتفخر على الأرض، ثمّ قرأ ابن عباس: ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ واختلفوا في اسمه:\nفقال الكلبي ومقاتل: يهموت، وقال أبو اليقظان والواقدي وأبو كعب: لوسا،\nوقال عليّ ابن أبي طالب ﵁: يلهوت\n، وقال الراجز.\nما لي أراكم كلكم سكوتا ... والله ربي خالق اليلهوتا «٢»\nقالت الرواة: لمّا خلق الله تعالى الأرض وفتقها بعث الله سبحانه من تحت العرش ملكا،\n_________\n(١) مجمع البيان: ١٠/ ٨٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٢٤ وفيه: البهموتا.","vol":"10","page":5},{"text":"فهبط إلى الأرض حتّى دخل تحت الأرضين السبع فوضعها على عاتقه، إحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب باسطتين قابضتين على الأرضين السبع، حتى ضبطها ولم يكن لقدمه موضع قرار، فأهبط الله تعالى من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ألف قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه فلم يستقر قدماه، فاحدر الله تعالى ياقوتة حمراء من أعلى درجة في الفردوس، غلظها مسيرة خمس مائة عام، فوضعها بين سنام الثور إلى أذنه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار الأرض، ومنخراه في البحر، فهو يتنفس كلّ يوم نفسا فإذا تنفس مد البحر، وإذا مدّ نفسه جزر فلم يكن لقوائم الثور موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين فاستقرّت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه: فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ الآية «١»، فلم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله تعالى نونا وهو الحوت العظيم، فوضع الصخرة على ظهره وبسائر جانبه، والحوت على البحر على متن الريح، والريح على القدرة وثقل الدنيا كلّها بما عليها حرفان من كتاب الله تعالى قال لها الجبّار:\nكوني، فكانت.\nوقال كعب الأحبار: إنّ إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلّها فوسوس إليه، وقال: أتدري ما على ظهرك يا لوتيا من الأمم والدواب والشجر والجبال وغيرها لو نفضتهم ألقيتهم من ظهرك أجمع، قال: فهمّ لوتيا أن يفعل ذلك، فبعث الله تعالى دابّة فدخلت منخره ووصلت إلى دماغه فضج الحوت إلى الله تعالى منها، فأذن لها فخرجت، قال كعب: والذي نفسي بيده لينظر إليها وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت كما كانت.\nوقال بعضهم: هي آخر حروف الرحمن، وهي رواية عكرمة عن ابن عباس قال: الر وحم ون، حروف الرحمن ﵎ مقطعة.\nوقال الحسن وقتادة والضحاك: النون: الدواة، وهي رواية ثابت اليماني عن ابن عباس، وقال فيه الشاعر:\nإذا ما الشوق يرح بي إليهم ... ألقت النون بالدمع السجوم\nوقال معاوية بن قرة: هو لوح من نور، ورفعه إلى النبيّ ﷺ «٢» .\nوقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله تعالى به، ابن كيسان: فاتحة السورة، عطاء: افتتاح اسمه نور وناصر ونصير «٣» [القرظي]: أقسم الله تعالى بنصرته المؤمنين بيانه قوله:\n_________\n(١) سورة لقمان: ١٦.\n(٢) راجع تفسير الطبري: ٢٩/ ٢١.\n(٣) في تفسير القرطبي (١٥/ ٢٨٩): الحاء افتتاح اسمه: حميد وحنّان وحليم وحكيم، والميم افتتاح اسمه:\nملك ومجيد ومنّان ومتكبر ومصور. [.....]","vol":"10","page":6},{"text":"كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ\n«١»،\nجعفر الصادق: هو نهر في الجنّة «٢» .\nوَالْقَلَمِ وهو الذي كتب به الذكر، وهو قلم من نور ما بين السماء والأرض ويقال: لمّا خلق الله تعالى القلم وهو أوّل ما خلقه نظر إليه فانشقّ نصفين، ثمّ قال: اجر، فقال: يا ربّ بم أجري، فقال: بما هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك.\nقال عطا: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت، كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ قال: دعاني فقال: أي بني اتق الله واعلم أنّك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده والقدر خيره وشره، إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أوّل ما خلق الله القلم فقال له: اكتب، فقال: يا ربّ وما أكتب؟ فقال: اكتب العلم «٣» وقال: فجرى القلم في تلك الساعة وما هو كائن إلى الأبد» [٢] «٤» .\nوحكي أنّ ابن الزيّات دخل على بعض الخلفاء فوجده مغموما، وقال له: روّح عني يا ابن الزيّات، فأنشأ يقول:\nاللهم فضل والقضاء غالب ... وكان الخطّ في اللوح\nانتظر الروح وأسبابه ... أيئس ما كنت في الروح «٥»\nوهل أراد بالقلم الخطّ والكتابة الذي امتنّ الله تعالى على عباده بتعليمه إياهم؟ ذلك كما قال: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ.\nوقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف القلم ونفعه فلم أراد إخلال هذا الكتاب عن تدبر فصوصه؟\nفقال ابن هيثم: من جلالة القلم أنّه لم يكتب لله تعالى كتاب إلّا به لذلك أقسم الله تعالى به. وقيل: الأقلام مطايا الفطن ورسل الكرام.\nوقيل: القلم الظلم الأكبر. وقيل: البيان اثنان: بيان لسان وبيان بنان، وفضل بيان البنان أنّ ما تثبته الأقلام باق على الأيام، وبيان اللسان تدرسه الأعوام.\nوقال بعض الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا شيئان: القلم والسيف، والسيف تحت العلم وفيه يقول شاعرهم:\n_________\n(١) سورة الروم: ٤٧.\n(٢) زاد المسير: ٨/ ٦٥.\n(٣) في المصدر: القدر.\n(٤) السنن الكبرى: ٩/ ٣.\n(٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٥/ ١٦٥.","vol":"10","page":7},{"text":"إن يخدم القلم السيف الذي خضعت ... له الرقاب ودانت دون حذره الأمم\nفالموت والموت لا شيء يغالبه ... ما زال يتبع ما يجرى به القلم\nكذا قضى الله للأقلام مذ برئت ... إن السيوف لها مذ أرهفت خدم «١»\nوللصنوبري:\nقلم من القصب الضعيف الأجوف ... أمضى من الرمح الطويل الأثيف\nومن النصال إذا بدت لقيتها ... ومن المهنّد للصقال المرهف «٢»\nوأشدّ إقداما من الليث الذي ... يكوي القلوب إذا بدا في الموقف\nأنشد أبو القيّم السدوني، قال: أنشدني عبد السميع الهاشمي، قال: أنشدني ابن صفون لأبي تمّام في معناه:\nولضربة من كاتب في بيانه ... أمضى وأبلغ من رقيق حسام\nقوم إذا عزموا عداوة حاسد ... سفكوا الدماء بأسنّة الأقلام\nوللبحتري:\nقوم إذا أجدوا الأقلام عن غضب ... ثمّ استمدّوا بها ماء المنيّات\nنالوا بها من أعاديهم وأن كثروا ... ما لا ينالوا على المشرفيات\nوقال آخر:\nما السيف غضبا يضيء رونقه ... أمضى على النائبات من قلمه\nولأبن الرومي:\nفي كفّه قلم ناهيك من قلم ... نبلا وناهيك من كفّ به اتّشحا\nيمحو ويثبت أرزاق العباد به ... فما المقادير إلّا ما وحى ومحا\nقال: وأنشد بعضهم في وصفه:\nوأخرس ينطق بالمحكمات ... وجثمانه صامت أجوف\nكلّه ينطق في جفنه ... وبالثام منطقه يعرف\nوالآخر في وصفه:\nنحف الشوى بعد ما على أم رأسه ... ويحفى ويقوى عدوه حين يقطع\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٨٥.\n(٢) المرهف: النصل الرقيق (لسان العرب ١٢/ ٩٩) .","vol":"10","page":8},{"text":"لجّ ظلاما في نهار لسانه ... ويفهم عمّن قال ما ليس يسمع\nاخذه وما شجرات نابتات بفقره ... إذا قطعت حارت مطايا الأصابع\nلهن بكاء العاشقين ولونهم ... سوى أيّها يبكن سود المدامع\nآخر:\nهذا هو البيت الأول للبيتين التاليين.\nيناط نحدّه الأفراد طرّا ... يمحي بعض خلق أو ممات\nبمشيه حيّة وبلون جان ... وجرم متيم وشيما الطيبات «١»\nقوله: وَما يَسْطُرُونَ يكتبون، ويجوز أن يكون معناه ويسطرهم يعني السفرة. وقيل:\nجمع الكتبة ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ يعني أنّك لا تكون مجنونا وقد أنعم الله عليك بالنبوّة. وقيل: بعصمة ربّك.\nوقيل: هو كما يقال: ما أنت بمجنون والحمد لله. وقيل: معناه ما أنت بمجنون والنعمة لربّك كقولهم: سبحانك اللهمّ وبحمدك، أي والحمد لك. وقال لبيد:\nوأفردت في الدنيا بفقد عشيرتي ... وفارقني جار بأربد نافع «٢»\nأي: وهو أربد.\nوقال النابغة:\nلم يحرموا حسن الغداء وأمّهم ... طفحت عليك بناتق مذكار «٣»\nأي: وهو ناتق.\nوَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ غير مقطوع ولا منقوص من قولهم: حبل منين إذا كان غير متين.\nوَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ قال ابن عباس ومجاهد: دين عظيم، وقال الحسن: كان خلقه آداب القرآن،\nونقلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ ورضي عنها فقالت: كان خلقه القرآن.\nوقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، وقال جنيد: سمي خلقه عظيما لأنّه لم يكن له همّة سوى الله.\nوقال الواسطي: لأنّه جاد بالكونين عوضا عن الحقّ. وقيل: لأنّه عاشرهم بخلقه وزايلهم\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٢٦ مورد الآية.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٢٦.","vol":"10","page":9},{"text":"بقلبه، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق، وأوصى بعض الحكماء رجلا فقال: عليك بالحقّ مع الخلق والصدق مع الحقّ. وقيل: لأنّه امتثل بالدنيا لله تعالى إياه بقوله: خُذِ الْعَفْوَ «١» الآية. وقيل: عظم له خلقه حيث صغّر الألوان في عينه ليعرف لهذه مكونها.\nوقيل: سمّي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه تدلّ عليه ما\nأخبرنا أبو القيّم الحسن ابن محمد المفسّر، أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفّار، حدّثنا ابن أبي الرما حدّثنا الدراوردي، عن ابن عجلان عن القعقاع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» [٣] «٢» .\nوقال: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» [٤] «٣» .\nأخبرنا أبو عمرو أحمد بن أبي الفرابي جد أبو العباس الأصم، حدّثنا ابن عبد الحكم أخبرنا أبي وشعيب، وأخبرنا الليث عن عمر بن أبي عمرو عن المطّلب بن عبد الله عن عائشة﵂- قالت: سمعت النبيّ ﷺ يقول: «إنّ المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة قائم الليل صائم النهار» [٥] «٤» .\nقال: وأخبرنا أحمد بن أبي الفرابي، أخبرنا منصور بن محمد السرخسي، حدّثنا محمد بن أيوب الرازي حدّثنا أبو الوليد حدّثنا شعبة عن القاسم وأبي قرة قال: سمعت عطاء الكيخاراني عن أم الدرداء عن أبي الدرداء قال: قال النبيّ ﷺ: «ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن» [٦] «٥» .\nأخبرنا أحمد بن السري العروضي في درب الحاجب، أخبرنا محمد بن عبد الله بن أحمد ابن جعفر العماني، أخبرنا عبد الله بن أحمد بن عامر الطائي، حدثني أبي، حدّثنا عليّ بن موسى الرضا حدّثنا أبي موسى بن جعفر عن أبيه جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن عليّ عن أبيه عليّ بن الحسين عن أبيه الحسين بن عليّ عن أبيه عليّ بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله:\n«عليكم بحسن الخلق فإنّ حسن الخلق في الجنّة لا محالة، وإياكم وسوء الخلق فإنّ سوء الخلق في النار لا محالة» [٧] «٦» .\nأخبرنا ابن فنجويّه حدّثنا عبيد الله بن محمد بن شنبه، حدّثنا سمعان عن ابن الجارود\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٩٩.\n(٢) السنن الكبرى: ١٠/ ١٩٢.\n(٣) الجامع الصغير: ١/ ٥١.\n(٤) مسند أحمد: ٦/ ٦٤. [.....]\n(٥) مسند أحمد: ٦/ ٤٤٦.\n(٦) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٨٧.","vol":"10","page":10},{"text":"حدّثنا صالح عن سعيد بن جبير عن أبي عثمان اليهري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:\n«أحبّكم إلى الله «١» أحسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين يألفون ويؤلفون، وأبغضكم إلى الله المشّاءون بالنميمة المفرّقون بين الأخوان «٢» الملتمسون للبراء العنت» [٨] «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٥ الى ١٥]</span>\nفَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)\nوَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ (١٤)\nإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)\nفَسَتُبْصِرُ فسترى يا محمد وَيُبْصِرُونَ ويرون يعني الذين رموه بالجنون. بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ اختلف المفسرون في معنى الآية ووجهها، فقال قوم: معناه بأيّكم المجنون، وهو مصدر على وزن المفعول كما يقال: ما لفلان مجنون ومعقود ومعقول أي جلادة وعقد وعقل، قال الشاعر:\nحتّى إذا لم يتركوا لعظامه ... لحما ولا لفؤاده معقولا «٤»\nأي عقلا، وهذا معنى قول الضحاك: ورواية العوفي عن ابن عباس.\nوقيل: الباء بمعنى في مجازه: فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ في أي الفريقين المجنون في فريقك يا محمد أو في فريقهم.\nوالمفتون: المجنون الذي فتنه الشيطان. وقيل: تأويله بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ وهو الشيطان، وهذا معنى قول مجاهد.\nوقال آخرون: معناه: أيّكم المفتون والباء زائدة لقوله تعالى: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ «٥» ويَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ «٦» وهذا قول قتادة والأخفش [وأبي عبيد] «٧» .\nوقال الراجز:\nنحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج\n_________\n(١) في المصدر: إليّ.\n(٢) في المصدر: الأحبّة.\n(٣) المعجم الأوسط: ٧/ ٣٥٠.\n(٤) فتح القدير: ٥/ ٢٦٨.\n(٥) سورة المؤمنون: ٢٠.\n(٦) سورة الإنسان: ٦.\n(٧) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٢٩.","vol":"10","page":11},{"text":"إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ فيما دعوك عليه من دينهم الخبيث، نزلت في مشركي قريش حين دعوه إلى دين آبائه، وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ قال عطية والضحاك: لو تكفر فيكفرون.\nوقال ابن عباس: برواية الوالبي لو ترخص فيرخصون، قال الكلبي: لو تلن لهم فيلينون، الحسن: لو تصانعهم دينك فيصانعون في دينهم، زيد بن مسلم: لو تنافق وترائي فينافقون، أبان ابن تغلب: لو تحابهم فيحابوك، وقال العوفي: لو تكذب فيكذّبون، عوف عن الحسن: لو ترفض بعض أمرك فيرفضون بعض أمرهم، ابن كيسان: لو تقاربهم فيقاربوك.\nوَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ كثير الحلف بالباطل يعني: الوليد بن المغيرة وقيل: الأسود بن عبد يغوث، وقيل: الأخفش بن شديق. مَهِينٍ ضعيف حقير.\nوقال ابن عباس: كذّاب وهو قرين منه لأنّ الرجل إنّما يكذّب لمهانة نفسه عليه. وقال قتادة: المكثار في الشر. هَمَّازٍ مغتاب يأكل لحوم الناس. وقال الحسن: هو الذي يعيب ناحية في المجلس لقوله: همزة. مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ قتادة: يسعى بالنميمة يفسد بين الناس.\nمَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ قال ابن عباس: يعني للإسلام يمنع ولده وعشيرته من الإسلام ويقول: لأن دخل واحد منكم في دين محمد لا أنفعه بشيء أبدا. وقال الآخرون: يعني بخيل بالمال ضنين به عن الحقوق.\nمُعْتَدٍ غشوم ظلوم. أَثِيمٍ فاجر.\nعُتُلٍّ قال ابن عباس: العتل: الفاتك الشديد المنافق. وقال عبيد بن عمير: العتلّ الأكول الشروب القويّ الشديد يوضع في الميزان فلا يزن شعره، يدفع الملك من أولئك سبعين ألف دفعة.\nوقال عليّ والحسن: العتلّ: الفاحش الخلق السيّئ الخلق.\nوقال يمان: هو الجافي القاسي اللئيم العشرة. وقال مقاتل: الضخم. وقال الكلبي: هو الشديد في كفره، وكلّ شديد عند العرب عتل وأصله من العتل وهو الدفع بالعنف.\nبَعْدَ ذلِكَ أي مع ذلك زَنِيمٍ وهو الدعي الملحق النسب الملصق بالقوم وليس منهم.\nقال الشاعر:\nزنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع «١»\nوقال حسّان بن ثابت:\n_________\n(١) لسان العرب: ١٢/ ٢٧٧.","vol":"10","page":12},{"text":"وأنت دعي نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد «١»\nوقال آخر:\nزنيم ليس يعرف من أبوه ... بغي الام ذو حسب لئيم «٢»\nفقال مرّة الهمداني: إنّما ادّعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة، هذا قول أكثر المفسرين.\nوقال عليّ بن أبي طالب ﵁: الزنيم: الذي لا أصل له.\nوقيل: هو الذي له زنمة كزنمة الشاة.\nروى عكرمة عن ابن عباس قال: في هذه الآية الكريمة نعت فلم يعرف حتّى قيل زَنِيمٍ فعرف، وكانت له زنمه في عنقه يعرف بها. وقال عكرمة: الزنيم: المعروف [بلؤمه] كما تعرف الشاة بزنمتها. وقال الشعبي: هو الذي له علامة في [الشر] تعرف كما تعرف الشاه بزنمتها.\nوقال القرطبي وسعيد بن جبير و[عكرمة]: هو الكافر الهجين المعروف بالشرّ المريب «٣» .\nوقال الوالبي عن ابن عباس: الزنيم: الظلوم.\nأخبرنا أبو عبد الله ابن فنجويه حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيفي حدّثنا عبد الله بن أحمد ابن حنبل حدثني أبي حدّثنا وكيع حدّثنا عبد الحميد عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن عمر قال: سئل رسول الله ﷺ عن العتلّ الزنيم فقال: «هو الشديد الخلق المصحح الأكول الشروب الواجد للطعام والشروب الظلوم للناس رحيب الجوف» [٩] «٤» .\nأخبرنا ابن فنجويه حدّثنا محمد بن الحسن بن عليّ القطيفي حدّثنا أحمد بن عبد الله بن رزين العقيلي حدّثنا صفوان بن صالح حدّثنا الوليد بن مسلم حدثني أبو شيّة إبراهيم بن عثمان عن عثمان بن عمير عن شهر بن حوشب عن سداد بن أوس قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنّة جواظ ولا جعظري ولا عتل ولا زنيم» قال: قلت: فما الجواظ؟\nقال: «كلّ جمّاع منّاع» .\nقلت: فما الجعظري؟\nقال: «الفظ الغليظ» .\nقلت: فما العتل الزنيم؟\n_________\n(١) لسان العرب: ٧/ ٤٢٠.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٣٢.\n(٣) راجع تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٤.\n(٤) مجمع الزوائد: ٧/ ١٢٨. [.....]","vol":"10","page":13},{"text":"قال: «كلّ رحب الجوف بئر الحلق أكول شروب غشوم ظلوم» [١٠] «١» .\nأخبرنا ابن فنجويه حدّثنا ابن حبش المقري حدّثنا ابن زنجويه حدّثنا سلمة حدّثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم في قوله: زَنِيمٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «تبكي السماء من رجل أصحّ الله جسمه وأرحب جوفه، وأعطاه من الدنيا مقضما- في المصدر بعضا- فكان للناس ظلوما، فذلك العتل الزنيم، قال: وتبكي السماء من الشيخ الزاني ما تكاد الأرض تقلّه» [١١] «٢» .\nوروي الثمالي عن مجاهد في الزنيم قال: كانت له ست أصابع في يده في كل إبهام له إصبع زائدة. وأكثر العلماء على أن الزنيم الدعي الشرير، وقد ورد في هذا الباب أخبار غرائب نذكر من بعضها وبالله التوفيق:\nأخبرنا الحسن بن محمد بن الحسين بن عبد الله المقري حدّثنا محمد بن الحسن بن بشير حدّثنا ابن خوصا، أخبرنا ابن خنيق حدّثنا يوسف بن أسباط عن أبي إسرائيل الملائي، عن فضيل ابن عمر والفقمي عن مجاهد عن ابن عمر عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «لا يدخل الجنّة ولد زنى ولا ولده ولا ولد ولده» [١٢] «٣» .\nأخبرنا الحسين بن محمد حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد الطواسعي، حدّثنا أبو بدر عباد بن الوليد حدّثنا حيّان بن هلاك حدّثنا حماد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن عياض عن عيسى بن حطان عن عبد الله بن عمر أنّ النبيّ ﷺ قال: «إنّ أولاد الزنى يحشرون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير» [١٣] «٤» .\nأخبرنا الحسن بن محمد، حدّثنا أبو بكر بن مالك القطيعي، حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدّثني أبي، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الرازي، حدّثنا سلمة بن الفضل حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان عن محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي رافع عن ميمونة زوج النبيّ ﷺ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يزال أمّتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنى فإذا فشا فيهم ولد الزنى فيوشك أن يعمّهم الله تعالى بعقاب» [١٤] «٥» .\nأخبرنا الحسن بن محمد حدّثنا الفضل بن الفضل الكندي حدّثنا إبراهيم بن الحسن الآدمي حدّثنا أبو أمية محمد بن إبراهيم الطرسوسي حدّثنا سعيد بن أوس حدّثنا أبو الأشهب- هو العطاردي- قال: سمعت عكرمة يقول: إذا كثر أولاد الزنى قلّ المطر.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٣ بتفاوت.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٤.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٤.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٤.","vol":"10","page":14},{"text":"أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ قرأ أبو جعفر وابن عامر ويعقوب آن بالمد واختاره أبو حاتم وقرأ حمزة وعاصم برواية أبي بكر أأن بهمزتين، وغيرهم بالجرّ.\nفمن قرأ بالاستفهام فله وجهان: أحدهما: الآن كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ، والآخر: الآن كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ تطيعه. ومن قرأ على الخبر فمعناه: فلا تطع لأيّ كان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-809>[سورة القلم (٦٨): الآيات ١٦ الى ٤١]</span>\nسَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦) إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ (١٧) وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)\nفَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥)\nفَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠)\nقالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١) عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها إِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ (٣٢) كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)\nما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ (٣٨) أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ (٣٩) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)\nأَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ (٤١)\nسَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ قال ابن عباس: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك علامة باقية على أنفه قال: فقاتل يوم بدر: فخطم بالسيف بالقتال «١»، وقال قتادة: سنخلق به شيئا، يقول العرب للرجل يسبّ الرجل سبّة قبيحة باقية: قد وسمه ميسم سوء، يريدون الصق به عارا لا يفارقه، كما أنّ السمة لا تنمحي ولا يعفو أثرها. قال جرير:\nلما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث «٢» جدعت أنف الأخطل «٣»\nأراد به الهجاء.\nوقال أبو العالية ومجاهد: سنسمه على أنفه ونسوّد وجهه فنجعل له علامة في الآخرة يعرف سواد وجهه، الضحاك والكسائي: يشكونه على وجهه. وقال حريز بن محمد بن جرير:\nسنبين أمره بيانا واضحا حتى يعرفوه ما يخفى عليهم كما لا تخفى السمة على الخراطيم. قال الفرّاء: وإن كان الخرطوم قد خص بالسمة فإنّه في مذهب الوجه. لأنّ بعض الشيء يعبّر به عن كله، وقد مرّ هذا الباب.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٩/ ٣٥.\n(٢) البعيث: هو خداش بن بشر ويقال: بشير.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٧.","vol":"10","page":15},{"text":"قال النضر بن شميل: معناه سنحدّه على شربه الخمر، والخرطوم: الخمر وجمعه خراطيم. وقال الشاعر:\nتظل يومك في لهو وفي طرب ... وأنت بالليل شرّاب الخراطيم «١»\nقوله: إِنَّا بَلَوْناهُمْ يعني اختبرنا وامتحنّا أهل مكّة بالقحط والجوع. كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ.\nأخبرنا أبو عمرو الفرابي أخبرنا أبو موسى أخبرنا الحريري حدّثنا فارس بن عمر حدّثنا صالح بن محمد حدّثنا محمد بن مزوان عن الكليني عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ قال: بستان باليمن يقال لها القيروان دون صنعاء بفرسخين، يطأه أهل الطريق، وكان غرسه قوم من أهل الصلاة، وكانت لرجل فمات فورثه بنين له، فكان يكون للمساكين إذا صرموا نخلهم كل شيء تعداه المنجل فلم تجدّه، فإذا طرح من فوق المنجل أملى البساط، فكل شيء يسقط على البساط فهو أيضا للمساكين، فإذا حصدوا زروعهم فكل شيء تعدّاه المنجل فهو للمساكين، وإذا داسوا كان لهم كل شيء ينثر، فلما مات الأب ورثها هؤلاء الأخوة عن أبيهم، فقالوا: والله إنّ المال لقليل وإنّ العيال لكثير إنّما كان يفعل هذا الأمر إذا كان كثيرا والعيال قليلا، فأمّا إذا قلّ المال وكثر العيال فإنّا لا نستطيع أن نفعل هذا، فتحالفوا بينهم يوما ليعدون عدوة قيل خروج الناس فليصر من نخلهم ولم يستثنوا- لم يقولوا إن شاء الله- فغدا القوم بسدف من الليل إلى جنّتهم ليصرموها فرأوها مسودّة، وقد طاف عليها من الليل طائف من عذاب أصابها فأحرقها فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فذلك قوله تعالى: إِذْ أَقْسَمُوا حلفوا، لَيَصْرِمُنَّها لتجدّيها ولتقطيع ثمرها، مُصْبِحِينَ إذ أصبحوا قبل أن يعلم المساكين، وَلا يَسْتَثْنُونَ لا يقولون إن شاء الله، فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ عذاب مِنْ رَبِّكَ ولا يكون الطائف إلّا بالليل، وكان ذلك الطائف نارا أنزلت من السماء فأحرقتها. وَهُمْ نائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ كالليل المظلم الأسود، قال الشاعر:\nتطاول ليلك الجون البهيم ... فما ينجاب عن صبح صريم «٢»\nوقال الحسن: صرم عنها الخير فليس فيها شيء، ابن كيسان: كالجرة السوداء، ابن زيد:\nكالأرض المصرومة، الأخفش: كالصبح انصرم من الليل، وقال المروّج: كالرملة انصرمت من معظم الرمل، وأصل الصريم: المصروم، وكلّ شيء قطع من شيء فهو صريم، فالليل صريم والصبح صريم، لأنّ كلّ واحد منهما ينصرم عن صاحبه.\nقال ابن عباس: كالرماد الأسود بلغة حذيم.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٣٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٤٢.","vol":"10","page":16},{"text":"فَتَنادَوْا نادى بعضهم بعضا مُصْبِحِينَ أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ فَانْطَلَقُوا فمضوا إليها وَهُمْ يَتَخافَتُونَ يتشاورون يقول بعضهم لبعض: أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ.\nقال ابن عباس: على قدرة قادرين في أنفسهم. وقال أبو العالية والحسن: على جد وجهد. وللنخعي والقرطبي ومجاهد وعكرمة: على أمر مجتمع قد أسّسوه بينهم. وروى معمر عن الحسن قال: على فاقة، وقيل: على قوّة، وقال السدي: الحرد: اسم الجنّة. وقال سفيان:\nعلى حنق وغضب، ومنه قول الأشهب بن رملة:\nأسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حرد دماء الأساود «١»\nوفيه لغتان حرّد وحرد، مثل الدّرك والدرك، وقال أبو عبيدة والقتيبي: على منع والحرد، والمحاردة: المنع، تقول العرب: حاردت السنة، إذا لم يكن فيها مطر، وحاردت الناقة إذا لم يكن لها لبن.\nقال الشاعر:\nفإذا ما حاردت أو بكأت ... فت عن حاجب أخرى طينها «٢»\nوقيل: على قصد، قال الراجز:\nوجاء سيل كان من أمر الله ... يحرد حرد الجنّة المغلة «٣»\nوقال آخر:\nإمّا إذا حردت حردي فمجرية ... ضبطاء تسكن غيلا غير مقروب «٤»\nفَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ لمخطئوا الطريق فليس هذه بجنتنا. فقال بعضهم: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ حرمنا خيرها ونفعها لمنعنا المساكين وتركنا الاستثناء قالَ أَوْسَطُهُمْ أعدلهم وأعقلهم وأفضلهم، أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ هلّا تستثنون، قال أبو صالح: استثناءهم:\nسبحان الله. وقيل: هلا تسبحون الله وتقولون: سبحان الله وتشكرونه على ما أعطاكم. وقيل:\nهلّا تستغفرونه من فعلكم.\nقالُوا سُبْحانَ رَبِّنا ننزهه على أن يكون ظالما، وأقرّوا على أنفسهم بالظلم فقالوا: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ في منعنا حقّ الفقراء وتركنا الاستثناء، وقال ابن كيسان: طغينا نعم الله فلم نشكرها.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٤٠.\n(٢) لسان العرب: ١٣/ ٥١ وفيه: فك عن، جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٤٠.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٤١.\n(٤) الصحاح: ٦/ ٢٣٠١. [.....]","vol":"10","page":17},{"text":"عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْرًا مِنْها، قرأ الحسن وعاصم والأخفش وابن محيص بالتخفيف، وغيرهم بالتشديد، وهما لغتان وفرق قوم بينهما، فقال: التبديل تغيير الشيء أو تغيير حاله وعين الشيء قائم، والإبدال رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه.\nقال عبد الله بن مسعود: بلغني أنّ القوم أخلصوا وعرف الله تعالى منهم الصدق، فأبدلهم بها جنّة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منها عنقودا. وقال بكر بن سهل الدمياطي:\nحدّثني أبو خالد اليمامي أنه رأى تلك الجنّة، وقال: رأيت كل عنقود منها كالرجل الأسود القائم.\nإِنَّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ كَذلِكَ الْعَذابُ أي كفعلنا بهم نفعل بمن تعدّى حدودنا وخالف أمرنا.\nوَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتابٌ نزل من عند الله ﷾. فِيهِ تَدْرُسُونَ تقرؤون ما فيه. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ في ذلك الكتاب لَما تَخَيَّرُونَ تختارون وتشتهون أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عهود ومواثيق عَلَيْنا بالِغَةٌ كما عهدناكم علمه ووعدناكم فاستوثقتم بها منا، فلا ينقطع عهدكم إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ كسر (إن) لدخول اللام فيه في ذلك العهد. لَما تَحْكُمُونَ تقضون وتريدون فيكون لكم حكمكم. سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ الذي ذكرت زَعِيمٌ كفيل، والزعيم: الرسول ها هنا- قاله الحسن وابن كيسان- قائم بالحجة والدعوى أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ أرباب تفعل هذا. وقيل: شهداء يشهدون لهم بصدق ما يدّعونه.\nفَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>[سورة القلم (٦٨): الآيات ٤٢ الى ٥٢]</span>\nيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ (٤٣) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥) أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)\nأَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠) وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)\nوَما هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٥٢)\nيَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ أي عن أمر شديد فظيع، وهو إقبال الآخرة. قرأه العامة بياء مضمومة، وقرأ ابن عباس بتاء مفتوحة، أي يكشف القيامة عن ساقها. وقرأ الحسن بتاء مضمومة عَنْ ساقٍ أي عن أمر شديد فظيع، وهو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا وهذا من باب الاستعارة، يقول العرب للرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج فيه إلى جد وجهد ومعاناة ومقاساة للشدة: شمّر عن ساقه، فاستعير الساق في موضع الشدة.","vol":"10","page":18},{"text":"قال دريد بن الصّمة يرثي رجلا:\nكميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الجلاء طلاع أنجد «١»\nويقال للأمر إذا اشتدّ وتفاقم وظهر وزالت عماه: كشف عن ساقه، وهذا جائز في اللغة، وإن لم يكن للأمر ساق وهو كما يقال: أسفر وجه الأمر، واستقام صدر الرأي. قال الشاعر يصف حربا:\nكشفت لهم عن ساقها ... وبدا من الشر الصراح «٢»\nوأنشد ابن عباس:\nاصبر عناق أنّه شرّ باق ... قد سنّ لي قومك ضرب الأعناق «٣»\nوقامت الحرب بنا على ساق.\nوقال آخر:\nقد كشفت عن ساقها فشدّوا ... وجدت الحرب بكم فجدّوا «٤»\nوالعرب تقول له: الحرب كشفت عن ساقها.\nقال الشاعر:\nعجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طراد الطير عن أرزاقها «٥»\nفي سنة قد كشفت عن ساقها ... حمراء تبري اللحم عن عراقها «٦»\nونحو ذلك قال أهل التأويل.\nأخبرنا أبو بكر بن عبد أوس، أخبرنا أبو الحسن محفوظ، حدّثنا عبد الله بن هاشم، حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفير عن عاصم، عن سعيد بن جبير: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قال: عن شدّة الأمر. وقال ابن عباس: هي أشد ساعة في يوم القيامة.\nوقال الربيع عن العطا: أخبرنا ابن فنجويه، حدّثنا أحمد بن جعفر بن سلم الجتلي، حدّثنا محمد بن عمر وابن مسعدة البيروتي، حدّثنا محمد بن الوزير السلمي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا روح بن جناح عن مولى عمر بن عبد العزيز عن أبي بردة عن أبي موسى الأشعري، عن\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ١١٧.\n(٢) لسان العرب: ١٠/ ١٦٨.\n(٣) الدر المنثور: ٦/ ٢٥٤.\n(٤) فتح القدير: ٥/ ٢٧٥.\n(٥) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٤٨.\n(٦) العراق: بالضم العظم بغير لحم، والعرق بالفتح ما اشتمل على اللحم.","vol":"10","page":19},{"text":"النبيّ ﷺ: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ قال: «نور عظيم يخرّون له سجّدا» [١٥] «١» .\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن محمد الرومي يقرأ أبي عليه في مسجده يوم السبت لأربع بقين من ذي الحجة سنة ست وثمانين وثلاثمائة، حدّثنا أبو العباس محمد بن إسحاق السراج، حدّثنا زهير بن محمد، حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك، حدّثنا قريش بن حيان العجلي، حدّثنا بكر بن وائل عن الزهري عن أبي عبد الله الأغر عن أبي هريرة قال: قلنا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟\nقال: «هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» .\nقلنا: لا.\nقال: «فهل تضارون في القمر ليلة البدر؟» .\nقلنا: لا.\nقال: «فإنّكم ترون كذلك، إذا كان يوم القيامة جمع الأوّلون والآخرون، ونادى مناد: من كان يعبد شيئا فليلزمه، وترفع لهم آلهتهم التي كانوا يعبدون فتمضي ويتبعونها حتى يقذفهم في النار، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيقال لهم: ذهب الناس وبقيتم فيقولون: لنا ربّ لم نره بعد، قال: يقول هل تعرفونه؟ فيقولون: إن بيننا وبينه آية إذا رأيناه عرفناه، فيكشف لهم عن ساق فيخرون له سجدا، ويبقى أقوام ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فَلا يَسْتَطِيعُونَ» [١٦] «٢» .\nأخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم- قراءة عليه في جمادي الآخرة سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، أخبرنا أبو بكر الشافعي، حدّثنا أبو قلابة الرقاشي، حدّثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد، حدّثنا إسماعيل بن رافع عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن رجل من الأنصار عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «يأخذ الله تعالى للمظلوم من الظالم، حتى لا يبقى مظلمة عند أحد حتى أنه يكلف شائب اللبن بالماء ثمّ يتبعه أن يخلص اللبن من الماء، فإذا فرغ من ذلك نادى مناد يسمع الخلائق كلهم ألا ليلحق كل قوم بآلهتهم وما كانوا يعبدون من دون الله فلا يبقى أحد عبد شيئا من دون الله إلّا مثلت له آلهته بين يديه، ويجعل الله ملكا من الملائكة على صورة عزير، ويجعل الله ملكا من الملائكة على صورة عيسى ابن مريم، فيتبع هذا اليهود ويتبع هذا النصارى، ثمّ يلونهم، وقيل: تلونهم آلهتهم إلى النار، وهم الذين يقول الله تعالى: لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها وَكُلٌّ فِيها خالِدُونَ «٣» فإذا لم يبق إلّا المؤمنون، وفيهم المنافقون قال الله لهم: ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ٧/ ١٢٨.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٥١ بتفاوت.\n(٣) سورة الأنبياء: ٩٩.","vol":"10","page":20},{"text":"فيقولون: ما لنا إله إلّا الله وما كنا نعبد غيره، فينصرف الله تعالى فيمكث ما شاء أن يمكث، ثمّ يأتيهم فيقول: أيّها الناس ذهب الناس فالحقوا بآلهتكم وما كنتم تعبدون، فيقولون والله ما لنا إله إلّا الله وما كنا نعبد غيره، فيكشف لهم عن ساق ويتجلى لهم من عظمته ما يعرفون أنه ربّهم، فيخرون سجّدا على وجوههم ويخر كل منافق على قفاه يجعل الله أصلابهم كصياصي البقر، ثمّ يضرب الصراط بين ظهراني جهنم» [١٧] «١» .\nأخبرنا عقيل بن محمد بن أحمد أن أبا الفرج البغدادي القاضي، أخبرهم عن أبي جعفر الطبري، حدّثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدّثنا أبي وشعيب بن الليث عن الليث، حدّثنا خالد بن يزيد بن أسلم عن أبي هلال، قال أبو جعفر: وحدّثني موسى بن عبد الرحمن بن المسروقي، حدّثنا جعفر بن عون، حدّثنا هشام بن سعيد، حدّثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ليلحق كل أمة بما كانوا يعبدون (فيذهب أصحاب الصليب مع صليبهم وأصحاب الأوثان مع أوثانهم وأصحاب كلّ آلهة مع آلهتهم) «٢» فلا يبقى أحد كان يعبد صنما ولا وثنا ولا صورة إلّا ذهبوا حتى يتساقطون في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده من بر وفاجر وغبرات من أهل الكتاب، ثمّ يؤتى بجهنم تعرض كأنها سراب يحطم بعضها، بعضا ثمّ يدعى اليهود فيقال: ماذا كنتم تعبدون؟\nفيقولون: عزير بن الله فيقول: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تريدون؟ فيقولون:\nأي ربنا ظمئنا اسقنا فيقول: أفلا تردّون فيذهبون حتى يتساقطون في النار، ثمّ يدعى النصارى فيقول: ماذا كنتم تعبدون؟\nفيقولون: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ فيقول: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد، فماذا تريدون؟\nفيقولون: أي ربّنا ظمئنا اسقنا، فيقول: أفلا تردّون فيذهبون فيتساقطون في النار، فيبقى من كان يعبد الله تعالى من بر وفاجر، ثمّ يأتي الله تعالى ﷻ لنا في صورة غير صورته التي رأيناه فيها أوّل مرة، فيقول: أيها الناس لحقت كل أمة بما تعبد، ونحن ننظر ربنا الذي كنا نعبد، فيقول: أنا ربكم فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله من آية تعرفونها؟\nفيقولون: نعم، فيكشف عن ساق فيخرون سجدا لله تعالى أجمعون، ولا يبقى من كان سجد في الدنيا سمعة ورياء ولا نفاقا إلّا صار ظهره طبقا واحدا، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثمّ يدفع برّنا ومسيئنا وقد عاد لنا في صورته التي رأيناه فيها أوّل مرّة، فيقول: أنا ربكم فيقولون:\nنعم أنت ربّنا ثلاث مرّات» [١٨] «٣» .\n_________\n(١) الدر المنثور: ٥/ ٣٤١ بتفاوت.\n(٢) غير موجود في المصدر.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٥٠.","vol":"10","page":21},{"text":"وبه قال أبو جعفر بن جرير الطبري، حدّثنا أبو لهب، حدّثنا أبو بكر، حدّثنا الأعمش، عن المنهال عن قيس بن بكر، قال: حدثني عبد الله وهو عند عمر قال: إذا كان يوم القيامة يقوم الناس بين يدي رب العالمين أربعين عاما، شاخصة أبصارهم إلى السماء، حفاة عراة يلجمهم العرق، ولا يكلّمهم بشيء أربعين عاما، ثمّ ينادي مناد: يا أيها الناس أليس عدلا من ربكم الذي خلقكم وصوّركم ورزقكم ثمّ عبدتم غيره أن يولي كل قوم ما تولوا؟ قالوا: نعم، قال: فيرفع لكل قوم ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونها حتى تقذفهم في النار، فيبقى المسلمون والمنافقون فيقال: ألا تذهبون قد ذهب الناس؟ فيقولون: حتى يأتينا ربّنا، قال: وتعرفونه؟\nقالوا: إن اعترف لنا، قال: فعند ذلك يكشف عن ساق ويتجلى لهم فيخرّ من كان يعبده ساجدا ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأنّ في ظهورهم السفافيد فيذهب بهم إلى النار ويدخل هؤلاء الجنّة، فذلك قوله ﷾: وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وذلك أن المؤمنين يرفعون رؤوسهم ووجوههم أشد بياضا من الثلج، وتسوّد وجوه الكافرين والمنافقين. وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ في الدنيا. إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ أصحاء فلا يأتونه ويأبونه.\nقال إبراهيم التيمي: يدعون إلى الصلاة المكتوبة بالأذان والإقامة فيأبونه. وقال سعيد بن جبير: كانوا يسمعون حيّ على الفلاح فلا يجيئون. قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلّا في الذين يتخلّفون عن الجماعات.\nويروى أنّ ربيع بن الجثم عرض له الفالج فكان يتهادى «١» بين رجلين إلى المسجد، فقيل له: يا أبا يزيد لو جلست فإن لك رخصة، قال: من سمع حي على الفلاح فليجب ولو حبوا.\nقيل لسعيد بن المسيب: إنّ طارقا يريد قتلك فتغيّب، فقال: أحيث لا يقدره عليّ الله، فقيل له:\nفاجلس، فقال: أسمع حيّ على الفلاح فلا أجيب «٢» .\nفَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ أي فدعني والمكذبين بهذا القرآن. سَنَسْتَدْرِجُهُمْ سنأخذهم مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ فيعذّبوا يوم بدر. وقيل: معناه سنزيدهم حزنا وخذلانا فيزدادوا عصيانا وطغيانا.\nوقال سفيان الثوري: يسبغ عليهم النعم وينسيهم الشكر. وقال [العباد] «٣»: لم نعاقبهم في وقت مخالفتهم فيستيقظوا بل أمهلناهم ومددنا لهم في النعم حتى زال عنهم خاطر التدبير، فكانوا منعّمين في الظاهر مستدرجين في الحقيقة.\n_________\n(١) في المخطوط: تهادى.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٥١. [.....]\n(٣) كذا في المخطوط.","vol":"10","page":22},{"text":"وقال الحسن: كم مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه.\nوَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ في الضجر والغضب والعجلة وهو يونس (﵇) .\nإِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ مغموم لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ أدركه، وفي مصحف عبد الله (تداركته) بالتاء. نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ حين رحمه وتاب عليه لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ مليم مجرم.\nفَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا وذلك أنّ الكفار أرادوا أن يعيّنوا رسول الله ﷺ ويصيبوه بالعين، فنظر إليه قوم من قريش، وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه.\nوقيل: كانت العين في بني أسد، حتى أن كانت الناقة السمينة والبقرة السمينة تمرّ بأحدهم فيعاينها ثمّ يقول: يا جارية خذي المكيل والدرهم فأتينا بلحم من لحم هذه البقرة، فما تبرح حتى تقع بالموت فتنحر.\nوقال الكلبي: كان رجل من العرب يمكث لا يأكل يومين أو ثلاثة، ثمّ يرفع جانب خبائه فتمر به الإبل فيقول: لم أر كاليوم إبلا ولا غنما أحسن من هذه، فما تذهب إلّا قريبا حتى يسقط منها طائفة وعدة، فسأل الكفار هذا الرجل أن يصيب رسول الله ﷺ بالعين ويفعل به مثل ذلك «١»، فأجابهم وأنشد:\nقد كان قومك يحسبونك سيدا ... وأخال أنّك سيد معيون «٢»\nفعصم الله تعالى نبيّه ﷺ، وأنزل وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: ويكاد الذين كفروا.\nلَيُزْلِقُونَكَ دخلت اللام لمكان إن، وقرأ الأعمش وعيسى ليرهقونك، وهي قراءة ابن عباس وابن مسعود أي يهلكونك، وقرأ أهل المدينة بفتح الياء لَيُزْلِقُونَكَ، وقرأ غيرهم بضمه، وهما لغتان، يقال: زلّفه تزلقه زلقا، أزلقه تزلقه إزلاقا بمعنى واحد، واختلفت «٣» عبارات المفسرون في تأويله.\nقال ابن عباس: يقذفونك بأبصارهم لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ.\nويقال: زهق السهم وزلق إذا نفذ، وقال قتادة، بمعنى يزهقونك، معمر عن الكلبي:\nيصرعونك، حيان عنه: يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة، عطية: يرجونك، المؤرخ:\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٢٤٩.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢١٧١.\n(٣) في المخطوط: واختلف.","vol":"10","page":23},{"text":"يزيلونك، النضر بن شميل والأخفش: يعينونك، قال عبد العزيز بن يحيى: ينظرون إليك نظرا شزرا بتحديق شديد يروّعنك به ويظهرون العداوة لك. السدي: يصيبونك بعيونهم، ابن زيد:\nليمسوك، جعفر: ليأكلونك، الحسن وابن كيسان: ليقتلونك، وهذا كما يقال: صرعني بطرفه وقتلني بعينه، وقال الشاعر:\nترميك مزلقة العيون بطرفها ... وتكلّ عنك نصال نبل الرامي\nوقال آخر:\nيتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطئ الأقدام «١»\nوقال الحسن: دواء إصابة العين أن يقرأ الإنسان هذه الآية.\nوقد قال رسول الله ﷺ:\nالعين حق «وأن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر» [١٩] «٢» .\nوَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ وَما هُوَ يعني محمدا، وقيل: القرآن إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٥٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٢٦.","vol":"10","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-811>سورة الحاقة</span>\nمكّية: وهي ألف وأربعة وثمانون حرفا، وست وخمسون كلمة، واثنان وخمسون آية\nأخبرنا كامل بن أحمد، وأخبرنا محمد بن مسلم، قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك، قال: حدّثنا أحمد بن يونس، قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الحاقة حاسبه الله حِسابًا يَسِيرًا» [٢٠] «١» .\nوأخبرنا أبو الحسين الخبازي، قال: حدّثنا أبو الشيخ الحافظ، قال: حدّثنا الحسن بن محمد، قال: حدّثنا أبو زرعة، قال: حدّثنا عمرو بن عثمان، قال: حدّثنا محمد بن حميد عن فضالة بن شريك عن أبي الزاهرية، قال: سمعته يقول: من قرأ إحدى عشرة آية من سورة الحاقة أجير من فتنة الدجال، ومن قرأها كان له نورا من فوق رأسه إلى قدمه.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١ الى ١٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)\nفَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥) وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ (٨) وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ (٩)\nفَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً (١٠) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢) فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً (١٤)\nفَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ (١٦) وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ (١٧)\nالْحَاقَّةُ. مَا الْحَاقَّةُ أي القيامة، وسمّيت حاقّة لأنها حقّت فلا كاذبة لها. ولأن فيها حواق الأمور وحقائقها. ولأنّ فيها يحق الجزاء على الأعمال أي يجب، فيقال: حق عليه الشيء\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٠٢.","vol":"10","page":25},{"text":"إذا وجب بحق حقوقا، قال الله سبحانه: وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ «١» وقال الكسائي والمؤرخ: الْحَاقَّةُ: يوم الحق، يقول العرب: لما عرفت الحق مني.\nوالْحَاقَّةُ والحقّة هي ثلاث لغات بمعنى واحد، والْحَاقَّةُ الأولى رفع بالابتداء وخبره فيما بعده، وقيل: الْحَاقَّةُ الأولى مرفوعة بالثانية لأنّ الثانية بمنزلة الكتابة عنها كأنه عجب منها وقال: الحاقة ما هي؟ كما تقول: زيد ما زيد، والْحَاقَّةُ الثانية مرفوعة بما، وما بمعنى أي شيء، وهو رفع بالحاقة الثانية، ومثله الْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ «٢»، وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ «٣»، ونحوهما.\nوَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ أي بالعذاب الذي نزل بهم حين وعدهم نبيّهم حتى هجم عليهم فقرع قلوبهم. وقال ابن عباس وقتادة: بالقيامة.\nفَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ أي بطغيانهم وعصيانهم، وهي مصدر كالحاقة، وقيل: هي نعت مجازه: بفعلتهم الطاغية، وهذا معنى قول مجاهد وابن زيد، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها «٤» وقال قتادة: يعني بالصيحة الطاغية التي جاوزت مقادير الصياح فاهمدتهم.\nوَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ عتت على خزانها فلم تطعهم وجاوزت المقدار.\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا محمد بن حمدان بن سعد قال: حدّثنا أبو زرعة الرازي قال: حدّثنا المعافى بن سلمان البحراني قال: حدّثنا موسى بن عمر عن سعيد عن موسى بن المسيب عن شهر بن خوشب عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «ما أرسل الله سبحانه من ريح إلّا بمكيال، ولا قطرة من ماء إلّا بمكيال، إلّا يوم عاد ويوم نوح، فإن الماء يوم نوح طغى على الخزائن فلم يكن لهم عليها سبيل، ثمّ قرأ: بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ» [٢١] «٥» .\nسَخَّرَها أرسلها وسلطها. عَلَيْهِمْ والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار. سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ قال وهب: هي الأيام التي سمّاها العرب: أيام العجوز ذات برد ورياح شديدة وإنما نسبت هذه الأيام الى العجوز لأن عجوزا دخلت سربا فتبعتها الريح فقتلها اليوم الثامن من نزول العذاب وانقطع العذاب في اليوم الثامن.\n_________\n(١) سورة الزمر: ٧١.\n(٢) سورة القارعة: ١- ٢.\n(٣) سورة الواقعة: ٢٧.\n(٤) سورة الشمس: ١١.\n(٥) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٦١.","vol":"10","page":26},{"text":"وقيل: سمّيت أيام العجوز لأنها في عجز الشتاء ولها أسامي مشهورة. أنشدني أحمد بن محمد بن يوسف، قال: أنشدنا محمد بن طاهر الوزير قال: أنشدنا أبو الحسين محمد بن محمد ابن يحيى الصفار قال: أنشدنا محمد بن القيّم بن بشار قال: أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلب الشاعر في وصف أيام العجوز:\nكسع «١» الشتاء بسبعة غبر ... أيّام شهلتنا «٢» من الشهر\nفبآمر وأخيه مؤتمر ... ومعلّل وبمطفئ الجمر «٣»\nذهب الشتاء مولّيا عجلا ... وأتتك واقدة من النجر «٤»\nواسم اليوم الثامن: مكفي الظعن.\nحُسُومًا قال ابن عباس: تباعا، ومجاهد وقتادة: متابعة ليس فيها فترة، وعلى هذا القول هو من جسم الكي وهو أن تتابع عليه بالمكواة، وقال مقاتل والكلبي: دائمة، والضحاك:\nكاملة لم تفتر عنهم حتى أفنتهم، عطيّة: شؤما كأنّها حسمت الخير عن أهلها، الخليل: قطعا لدابرهم، والحسم: القطع والمنع ومنه حسم الداء وحسم الدفاع، قال يمان والنظر بن شميل:\nحسمهم فقطعهم وأهلكهم وهو نصب على الحال والقطع.\nفَتَرَى الْقَوْمَ فِيها أي في تلك الليالي والأيام، صَرْعى هلكى جمع صريع كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ أصول نَخْلٍ خاوِيَةٍ ساقطة، وقيل: خالية الأجواف. فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ بقاء.\nوَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ قرأ أبو عمرو والحسن والسلمي والحجري والكسائي ويعقوب:\nبكسر القاف وفتح الباء أي ومن معه من جنوده وأتباعه وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم اعتبار:\nبقراءة عبد الله وأبيّ ومن معه، وقرأ أبو موسى الأشعري: ومن تلقاه، وقرأ الآخرون: وَمَنْ قَبْلَهُ بفتح القاف وجزم الباء، أي ومن تقدّمه من القرون الخالية.\nوَالْمُؤْتَفِكاتُ قراءة العامّة بالألف، وقرأ الحسن والمؤتفكة: بغير ألف بِالْخاطِئَةِ بالخطيئة والمعصية وهي الكفر فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً نامية عالية غالية. قال ابن عباس: شديدة، وقيل: زائدة على عذاب الأمم.\nإِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ أي عتا فخرج بلا وزن ولا كيل. قال قتادة: طغى الماء فوق كل\n_________\n(١) الكسع: شدّة المرّ.\n(٢) الشهلة: العجوز. [.....]\n(٣) الصحاح: ٣/ ٨٨٤.\n(٤) النجر: الحرّ.","vol":"10","page":27},{"text":"شيء خمسة عشر ذراعا حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ السفينة لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً\nعبرة وموعظة وَتَعِيَها\nقرأ طلحة بإسكان على العين تشبها بقوله: وَأَرِنا، واختلف فيه عن عاصم وابن بكر وهي قراءة رديئة غير قويّة، الباقون: مشبع.\nأُذُنٌ واعِيَةٌ عقلت عن الله ما سمعت.\nالفاربي بن فنجويه، قال: حدّثنا ابن حيان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن عليّ قال: حدّثنا أبو حمزة الثمالي قال:\nحدثني عبد الله بن الحسن قال: حين نزلت هذه الآية وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ\nقال رسول الله ﷺ:\n«سألت الله أن يجعلها أذنك يا عليّ» [٢٢] «١» قال علي: فما نسيت شيئا بعد وما كان لي أن أنساه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدثني ابن حسن قال: حدّثنا أبو القيّم بن الفضل قال: حدّثنا محمد بن غالب بن الحرب قال: حدثني بشر بن آدم قال: حدثني عبد الله بن الزبير الأسدي قال: حدّثنا صالح بن ميثم قال: سمعت بريرة الأسلمي يقول: قال رسول الله ﷺ لعلي: «إنّ الله ﷿ أمرني أن أدنيك ولا أقصيك، وأن أعلّمك وأن تعي وأن حقّا على الله سبحانه أن تعي» قال: ونزلت وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ\n[٢٣] «٢» .\nفَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ وهي النفخة الأولى وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وما عليها وَالْجِبالُ وما فيها فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً فكسّر ودقّتا دقة واحدة فصارتا هباء منبثّا، وإنّما قال:\nفَدُكَّتا ولم يقل: دككن لأنّه جعل الأرض كالشيء الواحد، وجعل الجبال كالشيء الواحد.\nفَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ قامت القيامة وَانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ ضعيفة وَالْمَلَكُ يعني الملائكة عَلى أَرْجائِها نواحيها وأقطارها، بلغة هذيل واحدها رجاء وتثنيته رجوان وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ.\nقال ابن عباس: ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عددهم إلّا الله،\nوقال رسول الله ﷺ: «هم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين، فكانوا ثمانية» [٢٤] «٣» .\nوأخبرنا الإمام أبو منصور الحمادي قال: حدّثنا الإمام أبو الوليد قال: حدّثنا جعفر قال:\nحدّثنا عليّ بن حجر قال: حدّثنا شريك عن سماك عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد\n_________\n(١) كنز العمّال: ١٣/ ١٧٧، ح ٣٦٥٢٦.\n(٢) كنز العمّال: ١٣/ ١٣٦، ح ٣٦٤٢٦.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٧٣.","vol":"10","page":28},{"text":"المطلب في قوله سبحانه: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ قال: ثمانية أملاك على صورة الأوعال.\nوفي الحديث: «إن لكلّ ملك منهم أربعة أوجه: وجه رجل، ووجه أسد، ووجه ثور، ووجه نسر» [٢٥] «١» .\nوقيل: أنشد بين يدي رسول الله ﷺ قول أمية بن أبي الصلت:\nرجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد\nوالشمس تصبح كل آخر ليلة ... حمراء تصبح لونها يتورّد\nتأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلّا معذّبة وإلّا تجلّد «٢»\nقال رسول الله ﷺ: «صدق» [٢٦] .\nوروى عن عليّ بن الحسن أنه قال: إنّ الله سبحانه خلق العرش رابعا لم يخلق قبله إلّا ثلاثة أشياء: الهواء، والقلم، والنور، ثمّ خلق من ألوان أنوار مختلفة، من ذلك نور أخضر منه اخضرت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرت الصفرة، ونور أحمر منه احمرت الحمرة، ونور أبيض فهو نور الأنوار، ومنه ضوء النهار ثمّ جعله سبعين ألف ألف ألف طبق ليس من ذلك طبق إلّا يسبّح بحمده ويقدّسه بأصوات مختلفة لو أذن للسان منها أن تسمع لهدم الجبال والقصور ولخسف البحار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>[سورة الحاقة (٦٩): الآيات ١٨ الى ٥٢]</span>\nيَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ (١٨) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (٢٢)\nقُطُوفُها دانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ (٢٤) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ (٢٦) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ (٢٧)\nما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)\nإِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ (٣٥) وَلا طَعامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ (٣٧)\nفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨) وَما لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ (٤٢)\nتَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧)\nوَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٦٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٦٦.","vol":"10","page":29},{"text":"يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى بالياء كوفي غير عاصم والباقون بالتاء مِنْكُمْ خافِيَةٌ\nفي الحديث قال: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمّا عرضتان فجدال وخصومات «١» ومعاذير، وأمّا الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» [٢٧] «٢» .\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ أي تعالوا اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ها الوقف وأخواته مثله إِنِّي ظَنَنْتُ علمت وأيقنت أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ.\nأخبرنا الحسن قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا أبو القيّم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: حدّثنا عمر بن إبراهيم بن خالد عن عبد الرحمن قال: حدّثنا مرحوم بن أبي أرطبان ابن عم عبد الله بن عون قال: حدّثنا عاصم الأحول عن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ: «أوّل من يعطى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ من هذه الأمّة عمر بن الخطّاب، وله شعاع كشعاع الشمس!» فقيل له: فأين أبو بكر؟\nقال: «هيهات هيهات زفّته الملائكة إلى الجنّة!» «٣» .\nأخبرنا الحسن، حدّثنا منصور بن جعفر بن محمد النهاوندي، قال: حدّثنا أبو صالح أحمد ابن محمد بن أسعد البروجردي، قال: حدّثنا أسد بن عاصم، قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد، قال: حدّثنا أبو عمر الضرير عن حماد عن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت:\nقال رسول الله ﷺ: «يا عائشة كلّ الناس يحاسبون يوم القيامة إلّا أبو بكر» [٢٨] «٤» .\nفَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ مرضية كقوله: ماءٍ دافِقٍ «٥» وقيل: ذات رضا مثل لأبن وتأمن فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ رفيعة قُطُوفُها دانِيَةٌ ثمارها قريبة ينالها القائم والقاعد والمضطجع، يقال لهم كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ قدّمتم لآخرتكم من الأعمال الصالحة في الأيام الماضية وهي الدنيا.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله قال: أخبرت عن عبد الله بن أبي بكر بن عليّ المقدمي قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر قال: سمعت يوسف بن يعقوب الخيفي يقول: بلغنا أن الله ﷾ يقول يوم القيامة: يا أوليائي طال ما نظرت إليكم في الدنيا وقد قلصت شفاهكم عن الأشربة، وغارت أعينكم، وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، وكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ.\n_________\n(١) غير موجودة في المصدر.\n(٢) مسند أحمد: ٤/ ٤١٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٦٩.\n(٤) كنز العمّال: ١١/ ٥٥٨، ح ٣٢٦٣٥، وح ٣٢٦٣٦ بتفاوت.\n(٥) سورة الطارق: ٦.","vol":"10","page":30},{"text":"وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ قال ابن الثابت: تلوى يده اليسرى خلف ظهره ثمّ يعطى كتابه. وقيل: تنزع من صدره إلى خلف ظهره فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ يقول: يا ليت الموتة التي متّها في الدنيا كانت القاضية الفارغة من كل ما بعدها، فلم أبعث بعده، والقاضية موت الأحياء بعدها. وقيل: معناه يا ليتني متّ فاسترحت. قال قتادة: تمنّى الموت ولم يكن عنده في الدنيا شيء أكره من الموت.\nما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ذهبت عنّي حجّتي عن أكثر المفسّرين، وقال ابن زيد: زال عنّي ملكي وقولي فيقول الله لخزنة جهنّم: خُذُوهُ، ويروى أنّه يجتمع على شخص واحد من أهل النار مائة ألف من الزبانية، فيقطع في أيديهم قال: فلا يرى على أيديهم منه إلّا الودك، ثمّ يعاد خلقا جديدا.\nفَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ أدخلوه ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ فأدخلوه في ذراع الملك، فيدخل دبره ويخرج من منخريه. وقيل: يدخل من فيه ويخرج من دبره.\nروى سفيان عن بسر بن دعلوق عن نوف البكالي قال: كلّ ذراع سبعون باعا والباع أبعد ممّا بينك وبين مكّة، وكان في رحبة الكوفة «١» .\nوقال سفيان الثوري: كلّ ذراع من سبعين ذراعا سبعون ذراعا وقال: بأي ذراع هو؟،\nوقال عبد الله بن عمرو ابن العاص: قال رسول الله ﷺ: «لو أن رصاصة مثل هذه- وأشار إلى جمجمة- أرسلت من السماء إلى الأرض فهي مسيرة خمسمائة سنة بلغت الأرض قبل الليل، ولو أنّها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها أو قعرها» [٢٩] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبش قال: حدّثنا ابن زنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن عليّ قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: حدّثنا بكار ابن عبد الله عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن حنظلة عن كعب في قوله: ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا فَاسْلُكُوهُ قال: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا الحسن بن علويه قال:\nحدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا سويد بن يحيى قال: بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، ولو أن حلقة منها وضعت على جبل لذاب من حرّها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٩/ ٧٨.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ١٩٧. [.....]","vol":"10","page":31},{"text":"إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ صديق، وقيل: قريب يعينه، وقيل: هو مأخوذ من الحميم، وهو الماء الحار كأنه الصديق الذي يرق ويحترق قلبه له. وَلا طَعامٌ وليس له اليوم طعام. إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ وهو صديد أهل النار مأخوذ من الغسل كأنه غسالة جروحهم وقروحهم، وقال الضحاك والربيع: هو شجر يأكله أهل النار. لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخاطِؤُنَ المذنبون وهم الكافرون.\nفَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ وَما لا تُبْصِرُونَ ترون وما لا ترون، وأراد جميع المكونات والموجودات، وقيل: الدنيا والآخرة. وقيل: ما في ظهر السماء والأرض وما في بطنها. وقيل:\nالأجسام والأرواح.\nوقيل: النعم الظاهرة والباطنة.\nوقال جعفر الصادق: بِما تُبْصِرُونَ من صنعي في ملكي وَما لا تُبْصِرُونَ من برّي بأوليائي.\nوقال الجنيد: ما تُبْصِرُونَ من آثار الرسالة والوحي على حسن محمد وَما لا تُبْصِرُونَ من السر معه ليلة الإسراء. وقيل: ما أظهر الله للملائكة واللوح والقلم، وما استأثر بعلمه فلم يطلع عليه أحدا.\nوقيل: ما تُبْصِرُونَ: الإنس وَما لا تُبْصِرُونَ: الجن والملائكة. وقال ابن عطا: ما تُبْصِرُونَ من آثار القدرة وَما لا تُبْصِرُونَ من أسرار القرية.\nإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ أي تلاوة محمد وتبليغه، وقيل: لقول مرسل رسول كريم فحذف كقوله وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» .\nوَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قرأ ابن عامر ويعقوب أبو حاتم: يؤمنون ويذكرون بالياء، وغيرهم بالتاء فيهما تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ تخرّص واختلق عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ قيل: من صلة مجازه:\nلعاقبناه وانتقمنا منه بالحق كقوله: قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ «٢» أي من قبل الحق.\nوقال ابن عباس: لأخذناه بالقوة والقدرة، كقول الشاعر:\nإذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها غرابة باليمن «٣»\nوقيل: معناه لأخذنا منه باليد اليمنى من يديه، وهو مثل معناه لأذللناه وأهناه، وهذا\n_________\n(١) سورة يوسف: ٨٢.\n(٢) سورة الصّافات: ٢٨.\n(٣) الصحاح: ١/ ١٨٠.","vol":"10","page":32},{"text":"كقوله: ذي السلطان إذا أراد الاستخفاف ببعض من بين يديه، واهانته لبعض أعوانه، خذ بيده فاقمه، واعتمد ابن جرير هذا التأويل.\nثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ نياط القلب، عن ابن عباس وأكثر الناس، وقال قتادة: حبل القلب، وقال مجاهد: الحبل الذي في الظهر. وقيل: هو عرق بين العلباء والحلقوم.\nفَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ مانعين يحجزوننا عن عقوبته وما نفعله به وإنّما جمع وهو فعل واحد ردا على معناه كقوله: لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «١»،\nوقال (﵇):\n«لم تحل الغنائم لأحد «٢» سود الرؤوس [ممّن] قبلكم»\n[٣٠] «٣» لفظه واحد ومعناه الجميع.\nوَإِنَّهُ يعني القرآن لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ إذا رأوا ثواب متابعيه وقد خالفوه. وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ أضافه إلى نفسه لاختلاف اللفظين فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الذي كلّ شيء في جنب عظمته صغير.\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٨٥.\n(٢) في بعض المصادر: لقوم.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٧٦، وأحكام القرآن للجصّاص: ٣/ ٦٠.","vol":"10","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>سورة المعارج</span>\nمكية، وهي ألف ومائة وستّون حرفا، واثنتان وست عشرة كلمة، وأربعة وأربعون آية\nأخبرني محمد بن القيّم، قال: حدّثنا إسماعيل بن مجيد قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن سعد قال: حدّثنا سعد بن حفص قال: قرأت على معقل بن عبيد الله عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة سَأَلَ سائِلٌ أعطاه الله ثواب الَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ» [٣١] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ (١) لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ (٢) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ (٣) تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)\nفَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (٥) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ (٩)\nوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)\nسَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ قرأ أهل المدينة والشام سال بغير همز، وقرأ الباقون بالهمز واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، فمن قرأه بالهمز فهو من السؤال لا غير وله وجهان: أحدهما أن تكون الباء في قوله بِعَذابٍ بمعنى عن كقوله سبحانه: فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا «٢» أي عنه، وقال علقمة بن عبدة:\nفإن تسألوني بالنساء فانّي ... بصير بأدواء النساء طبيب «٣»\nأي عن النساء.\nومعنى الآية: سأل سائل عن عذاب واقع نازل: على من ينزل؟ ولمن هو؟ فقال الله سبحانه مجيبا له:\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١١٦.\n(٢) سورة الفرقان: ٥٩.\n(٣) لسان العرب: ١/ ٥٥٤.","vol":"10","page":34},{"text":"لِلْكافِرينَ\nوهذا قول الحسن وقتادة قالا: كان هذا بمكّة، لما بعث الله تعالى محمدا ﷺ إليهم وخوّفهم بالعذاب والنكال، قال المشركون بعضهم لبعض: من أهل هذا العذاب اسألوا محمدا لمن هو وعلى من ينزل وبمن يقع، فبيّن الله سبحانه وأنزل سَأَلَ سائِلٌ عذابا واقعا لِلْكافِرينَ أي على الكافرين\n، اللام بمعنى على، وهو النضر بن الحرث حيث دعا على نفسه وسأل العذاب فقال: اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ لأنّه نزل به ما سأل يوم بدر، فقتل صبرا ولم يقتل من الأسرى يومئذ غيره وغير عقبه بن أبي معيط، وهذا قول ابن عباس ومجاهد،\nوسئل سفيان بن عيينة عن قول الله سبحانه: سَأَلَ سائِلٌ فيمن نزلت، فقال: لقد سألتني عن مسألة ما سألني أحد قبلك.\nحدّثني أبي عن جعفر بن محمد عن آبائه، فقال: لما كان رسول الله ﷺ بغدير خم، نادى بالناس فاجتمعوا، فأخذ بيد عليّ ﵁ فقال: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «١» .\nفشاع ذلك وطار في البلاد، فبلغ ذلك الحرث بن النعمان القهري فأتى رسول الله ﷺ على ناقة له حتّى أتى الأبطح، فنزل عن ناقته وأناخها وعقلها، ثمّ أتى النبيّ ﷺ وهو في ملأ من أصحابه فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلّي خمسا فقبلناه منك، وأمرتنا بالزكاة فقبلنا، وأمرتنا بالحجّ فقبلنا، وأمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا، ثمّ لم ترض بهذا حتّى رفعت بضبعي ابن عمّك ففضلته علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شيء منك أم من الله تعالى؟\nفقال: «والّذي لا إله إلّا هو هذا من الله» فولّى الحرث بن النعمان يريد راحلته وهو يقول:\nاللهمّ إن كان ما يقوله حقا فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، فما وصل إليها حتّى رماه الله بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره فقتله، وأنزل الله سبحانه: سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ [٣٢] «٢» .\nومن قرأ بغير همز فله وجهان: أحدهما أنّه لغة في السؤال، تقول العرب: سال سائل وسأل سال مثل نال ينال، وخاف يخاف، والثاني: أن يكون من السيل، قال زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، سال واد من أودية جهنم يقال له سائل.\nمِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ. قال ابن عباس: يعني ذي السماوات، وقال ابن كيسان:\nالمعارج الفتق الذي بين سمائين وأرضين، قتادة: ذي الفواصل والنعم، سعد بن جبير: ذي الدرجات، القرطبي: ذي الفضائل العالية، مجاهد: معارج الملائكة.\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٨٤، و٥/ ٣٤٧، والمستدرك: ٣/ ١١٠، ومصنّف ابن أبي شيبة: ٧/ ٤٩٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٧٩ مورد الآية.","vol":"10","page":35},{"text":"تَعْرُجُ بالياء الكسائي وهي قراءة ابن مسعود واختيار أبي عبيد، وغيرهم بالتاء الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ هو جبريل إِلَيْهِ إلى الله ﷿ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ من سنين الدنيا، لو صعد غير الملائكة وذلك أنّها تصعد من منتهى أمر الله من أسفل الأرض السابعة إلى منتهى أمره من فوق السماء السابعة.\nوروى ليث عن مجاهد فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال: من منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السموات مقدار خمسين ألف سنة ويوم كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ يعني بذلك نزول الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد فذلك مقدار ألف سنة لأنّ ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام.\nوقال محمد بن إسحاق بن يسار: لو سار بنو آدم من الدنيا إلى موضع العرش ساروا خمسين ألف سنة قبل أن يقطعوه.\nوقال الحكم بن عكرمة: هو مدة عمر الدنيا من أولها إلى آخرها، خمسون ألف سنة لا يدري أحدكم مضى وكم بقي إلّا الله. وقال قتادة: هو يوم القيامة.\nوقال الحسن: هو يوم القيامة وليس يعني أن مقدار طوله هو دون عمره، ولو كان ذلك لكانت له غاية نعني فيها الجنة والنار، ولكنّه يوم موقفهم للحساب، حتّى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا، وذلك أنّ ليوم القيامة أولا وليس له آخر. لأنّه يوم ممدود ولو كان له آخر كان منقطعا.\nوقيل: معناه لو ولى محاسبة العباد في ذلك غير الله لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة، وهي رواية محمد بن الفضيل عن الكلبي قال: يقول: لقد لو وليت حساب ذلك اليوم الملائكة والجن والإنس وطالت محاسبتهم لم يفرغوا منه في خمسين ألف سنة، وأنا أفرغ منه في ساعة من النهار.\nوقال يمان: هو يوم القيامة فيه خمسون موطنا، كل موطن ألف سنة، وفيه تقديم وتأخير، كأنه قال: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ... فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ يعرج الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ.\nوروى أبو الجوزاء وابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو يوم القيامة جعله الله على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة فأراد أن أهل الموقف يستطيلون ذلك اليوم.\nوأخبرنا ابن فنجويه، قال: حدّثنا القطيعي، قال: حدّثنا عبد الله قال: حدّثنا أبي قال:\nحدّثنا حسن قال: حدّثنا ابن لهيعة قال: حدّثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال:\nقيل لرسول الله ﷺ: يوم كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ما أطول هذا اليوم؟ فقال رسول الله ﷺ:","vol":"10","page":36},{"text":"«والذي نفسي بيده إنّه ليخفف على المؤمنين حتّى يكون أخف عليهم من صلاة مكتوبة تصليها في الدنيا» [٣٣] «١» .\nوقال إبراهيم التيمي: ما قدر ذلك اليوم على المؤمن إلّا كما بين الظهر والعصر.\nفَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ يعني العذاب بَعِيدًا وَنَراهُ قَرِيبًا لأنّ ما هو آت قريب يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ كعكر الزيت، وقيل: كالفلز المذاب وقد مرّ تفسيره وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ كالصوف المصبوغ، ولا يقال عهن إلّا للمصبوغ. وقال مقاتل: كالصوف المنفوش. قال الحسن: كالصوف الأحمر وهو أضعف الصوف، وأوّل ما تتغير الجبال تصير رملا مهيلا، ثمّ عهنا منفوشا، ثمّ تصير هباء منثورا.\nوَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا قريب قريبا لشغله بشأن نفسه، وقرأ: وَلا يُسْئَلُ بضم الياء، أي لا يسأل حميم عن حميم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ١١ الى ٣٥]</span>\nيُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١) وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (١٢) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤) كَلاَّ إِنَّها لَظى (١٥)\nنَزَّاعَةً لِلشَّوى (١٦) تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعى (١٨) إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠)\nوَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلاَّ الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ (٢٣) وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)\nوَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٢٩) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)\nفَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٣١) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٣٢) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ (٣٣) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ (٣٤) أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)\nيُبَصَّرُونَهُمْ يرونهم وليس في القيامة مخلوق إلّا وهو نصب عن صاحبه من الجن والإنس فيبصر الرجل أباه وأخاه وقرابته وعشيرته ولا يسأله، ويبصر الرجل حميمه فلا يكلمه لاشتغالهم بأنفسهم.\nقال ابن عباس: يتعارفون مدة ساعة من النهار ثمّ لا يتعارفون بعد ذلك، وقال السدي:\nيُبَصَّرُونَهُمْ يعرفونهم، أمّا المؤمن فلبياض وجهه، وأما الكافر فلسواد وجهه.\nيَوَدُّ الْمُجْرِمُ يتمنّى المشرك لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصاحِبَتِهِ زوجته وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ عشيرته التي فصل منهم، أبو عبيدة: فخذه، ثعلب: آبائه الأدنين. غيره:\n_________\n(١) كشف الخفاء: ٢/ ٣٨٥.","vol":"10","page":37},{"text":"أقربائه الأقربين الَّتِي تُؤْوِيهِ مجاهد قبيلته وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ذلك الفداء من عذاب الله سبحانه كَلَّا ليس كذلك لا ينجيه من عذاب الله شيء.\nثمّ ابتدأ فقال: إِنَّها لَظى وقيل: معناه حقّا إنّها لظى، فيكون متّصلا ولظى اسم من أسماء جهنّم، ولذلك لم يجر، وقيل: هي الدركة الثانية سمّيت بذلك لأنّها تتلظى، قال الله تعالى: فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى «١» .\nنَزَّاعَةً قراءة العامة بالرفع على نعت اللظى، وروى حفص عن عاصم بالنصب على الحال والقطع لِلشَّوى قال الكلبي: لأمر الرأس بأكل الدماغ، ثمّ يعود الدماغ كما كان، ثمّ يعود لأكله فذلك دائها، وهي رواية أبي ظبيان عن ابن عباس، عطيّة عنه: يعني الجلود والهام، سعيد بن جبير عنه: للعصب والعقب، مجاهد: لجلود الرأس، ودليل هذا التأويل قول كثير عزّة:\nلأصبحت هدتك الحوادث هذه ... لها فشواة الرأس باد قتيرها «٢»\nإبراهيم بن مهاجر: اللحم دون العظم، الهام يحرق كل شيء منه ويبقى فؤاده نصيحا، أبو صالح: للحم الساق، ثابت البناني: لمكارم وجهه، قتادة: لمكارم خلقه وأطرافه، أبو العالية:\nلمحاسن وجهه، يمان: خلّاعة للأطراف، مرة: للأعضاء، ابن زيد: لأذاب العظام، الضحّاك:\nتبري اللحم والجلد عن العظم حتّى لا تترك منه شيئا، الكسائي: للمفاصل، ابن جرير: الشوى جمع شواة وهي من جوارح الإنسان ما لم يكن مقتلا يقال: رمى فاشوى إذا لم يصب مقتلا، وقال بعض الأئمة: هي القوائم والجلود، قال امرؤ القيس:\nسليم الشظى عبل الشوى شنج النسا «٣»\nوقال الأعشى:\nقالت قتيلة ما له قد جلّلت شيبا شواته «٤»\nتَدْعُوا إلى نفسها مَنْ أَدْبَرَ عن الإيمان وَتَوَلَّى عن الحق فتقول إليّ إليّ.\nقال ابن عباس: تدعوا الكافرين والمنافقين بأسمائهم بلسان فصيح، ثمّ تلتقطهم كما تلتقط الطير الحب، وقال تغلب: تَدْعُوا أي تهلك يقول العرف: دعاك الله أي أهلكك الله، وقال الخليل: إنه ليس كالدعاء تعالوا ولكن دعوتها إياهم تمكّنها من تعذيبهم وفعلها بهم ما تفعل.\nوَجَمَعَ المال فَأَوْعى أمسك ولم يود حقّ الله منه.\n_________\n(١) سورة الليل: ١٤.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٨٨. [.....]\n(٣) الصحاح: ٥/ ١٧٩٤.\n(٤) الصحاح: ٦/ ٢٣٩٦.","vol":"10","page":38},{"text":"أخبرني وقيل: إنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا محمد بن منصور قال:\nحدّثنا أبو فطن قال: حدّثنا المسعودي عن الحكم قال: كان عبد الله بن حكيم لا يربط كيسه ويقول: سمعت الله ﷾ يقول: وَجَمَعَ فَأَوْعى.\nإِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا.\nأخبرنا عبد الخالق قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن يزداد الرازي، قال: حدّثنا أبو الحسن طاهر الخثعمي، قال: حدّثنا إسماعيل بن موسى، قال: أخبرنا الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: هَلُوعًا قال: الحريص على ما لا يحلّ له.\nوروى عطية عنه قال: هو الذي قال الله ﷾: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا وقال سعيد بن جبير: شحيحا، عكرمة: ضجورا، الضحاك والحسن: بخيلا، حصين: حريصا، قتادة وابن زيد: حزونا، مجاهد: شرها، وعن الضحاك أيضا: الهلوع الذي لا يشبع، مقاتل: ضيق القلب، ابن كيسان: خلق الله الإنسان يحب ما يسره ويرضيه ويهرب مما يكرهه «١» ويسخطه ثمّ تعبّده بإنفاق ما يحب ويلذ والصبر على ما يكره، عطا: عجولا وقيل:\nجهولا، سهل: متقلّبا في شهواته وهواه، وسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القيّم البزاز يقول: قال ابن عطاء: الهلوع: الذي يرضى عند الموجود ويسخط عند المفقود، أبو الحسن الوراق: نسّاء عند النعمة دعّاء عند المحنة، وعن سهل أيضا: إذا افتقر جزع وإذا أيسر منع، أبو عبيدة وثعلب: هو الذي إذا مسّه الخير لم يشكر وإذا مسّه الشرّ لم يصبر، وقيل: طموعا يرضيه القليل من الدنيا ويسخطه مثلها، والهلع في اللغة: أشد الحرص وأسوأ الجزع.\nقال النبيّ ﷺ: «شرّ ما أعطى العبد شح هالع وجبن خالع» [٣٤] «٢» .\nوتقول العرب: ناقة هلواع إذا كانت سريعة السير خفيفة. قال الشاعر:\nصكاء علبة إذا استدبرتها ... حرج إذا استقبلتها هلواع «٣»\nثمّ استثنى ﷾ إِلَّا الْمُصَلِّينَ قيل: هم الصحابة خاصّة وهم المؤمنون عامّة فإنّهم يغلبون فرط الهلع بحكم الشرع لثقتهم بربّهم ويقينهم بقدرته، واستثنى الجمع من الواحد.\nلأنّ الإنسان اسم الجنس فهو في معنى الجمع.\nالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ.\n_________\n(١) في المخطوط: يكره.\n(٢) الفائق في غريب الحديث: ٣/ ٤٠٤.\n(٣) لسان العرب: ٨/ ٣٧٥.","vol":"10","page":39},{"text":"أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا بشر بن موسى قال: حدّثنا أبو عبد الرحمن المقري عن حيوة قال: حدثني يزيد بن أبي حسب عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليزني: أن عقبة بن عامر قال لهم: الذين هم على صلواتهم دائمون.\nقال: قلنا: الذين لا يزالون يصلون؟ فقال: لا ولكن الذين إذا صلوا لم يلتفتوا يمينا ولا شمالا وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ يعني يقيمونها ولا يكتمونها ولا يغيرونها.\nوقال سهل: قائمون بحفظ ما شهدوا به من شهادة لا إله إلّا الله، فلا يشركون به في شيء من الأفعال والأقوال والأحوال. وقرأ ابن عامر ويعقوب وحفص بِشَهاداتِهِمْ بالألف على الجمع، الباقون بشهادتهم.\nوَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>[سورة المعارج (٧٠): الآيات ٣٦ الى ٤٤]</span>\nفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ (٤٠)\nعَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعًا كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)\nفَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا فما بالهم كقوله سبحانه: فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ «١» وقوله سبحانه: فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ «٢» .\nقِبَلَكَ مُهْطِعِينَ مقبلين مسرعين عليك مادّي أعناقهم مديمي النظر إليك متطلّعين نحوك.\nوقد مرّ تفسير الإهطاع وهو نصب على الحال عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ حلقا وفرقا عصبة عصبة وجماعة جماعة متفرقين، والعزين: جماعات في تفرقة، واحدتها عزة ونظيرها في الكلام ثبته وثبتين وكره وكرين وقله وقلين، قال عنترة:\nوقرن قد تركت لذي ولي ... عليه الطير كالعضب العزين «٣»\nوقال الراعي:\n_________\n(١) سورة النساء: ٨٨.\n(٢) سورة المدّثّر: ٤٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٩٤.","vol":"10","page":40},{"text":"أخليفة الرحمن إنّ عشيرتي ... أمسى سوائمهم عزين فلولا «١»\nوقال آخر:\nكأن الجماجم من وقعها ... خناطيل «٢» يهون شتى عزينا «٣»\nوأخبرني عقيل أن المعافى أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا بكار قال: حدّثنا مؤمل قال: حدّثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة: أن النبيّ ﷺ خرج على أصحابه وهم حلق حلق فقال: «ما لي أراكم عزين» [٣٥] «٤» .\nقال المفسّرون: كان المشركون يجتمعون حول النبيّ ﷺ ويتسمعون كلامه ولا ينتفعون به، بل يكذبونه ويكذبون عليه ويستهزءون به وبأصحابه، ويقولون: دخل هؤلاء الجنّة كما يقول محمد، فلندخلها قبلهم وليكونن لنا فيها أكثر مما لهم فأنزل الله سبحانه: أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ\nقرأ الحسن وطلحة بفتح الياء وضم الخاء، ومثله روى المفضل عن عاصم، الباقون ضده كَلَّا لا يدخلونها ثمّ ابتدأ فقال: إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ أي من نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة فلا يستوجب الجنّة أحد منهم بكونه شريفا لأنّ مادة الخلق واحدة بل يستوجبونها بالطاعة، قال قتادة في هذه: إنّما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتق إلى الله.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن برزة قال: حدّثنا محمد بن سليمان ابن الحرث الباغندي قال: حدّثنا عارم أبو النعمان السدوسي، قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس بن مالك، قال: كان أبو بكر الصديق إذا خطبنا ذكر مناتن ابن آدم فذكر بدء خلقه أنّه يخرج من مخرج البول مرتين، ثمّ يقع في الرحم نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ يخرج من بطن أمه فيتلوث في بوله وخراه حتّى يقذر أحدنا نفسه.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد بن عليّ، قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفريابي، قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا جرير بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش قال: قال رسول الله ﷺ وبصق يوما في كفه ووضع عليها إصبعه فقال: «يقول ﷿ بني آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه، حتّى إذا سوّيتك وعدّلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد، فجمعت ومنعت حتّى إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ قلت: أتصدّق وأنى أوان الصدقة» [٣٦] «٥» .\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ١٠٧.\n(٢) الخناطيل: لا واحد لها من جنسها، وهي جماعات من الوحش والطير في تفرقة.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٩٣.\n(٤) مسند أحمد: ٥/ ٩٣.\n(٥) مسند أحمد: ٤/ ٢١٠.","vol":"10","page":41},{"text":"وقيل: إنّا خلقناهم من أجل ما يعلمون وهو الأمر والنهي والثواب والعقاب فحذف أجل، كقول الشاعر:\nأأزمعت من آل ليلى احتكارا ... وشطّت على ذي هوى أن تزارا «١»\nأي من أجل آل ليلى.\nوقيل: (ما) بمعنى من، مجازه: إنا خلقناهم ممن يعلمون ويعقلون لا كالبهائم. فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ قرأ أبو حيوة برب المشرق والمغرب إِنَّا لَقادِرُونَ عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ نظيره في سورة الواقعة.\nفَذَرْهُمْ يَخُوضُوا في باطلهم وَيَلْعَبُوا ويلهوا في دنياهم حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ نسختها آية القتال يَوْمَ يَخْرُجُونَ قراءة العامّة بفتح الياء وضم الراء، وروى الأعشى عن أبي بكر عن عاصم بضم الياء وفتح الراء مِنَ الْأَجْداثِ القبور سِراعًا إلى إجابة الداعي كَأَنَّهُمْ إِلى نَصْبٍ قراءة العامّة بفتح النون وجزم الصاد يعنون إلى شيء منصوب، يقال: فلان نصب عيني.\nقال ابن عباس: يعني إلى غاية وذلك حين سمعوا الصيحة الأخيرة. الكلبي: إلى علم ورواية، وقال أبو العلاء: سمعت بعض العرب يقول: النصب الشبكة التي يقع فيها الصيد فيتسارع إليها صاحبها مخافة أن يفلت الصيد منها، وقرأ زيد بن ثابت وأبو رجاء وأبو العالية ومسلم البطين والحسن وأشهب العقيلي وابن عامر إِلى نُصُبٍ بضم النون والصاد، وهي رواية حفص عن عاصم واختيار أبي حاتم.\nقال مقاتل والكسائي: يعني إلى أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله. وقال الفراء والأخفش: النصب جمع النصب مثل رهن، والأنصاب جمع النصب فهي جمع الجمع. وقيل:\nالنصب والأنصاب واحد.\nيُوفِضُونَ يسرعون. قال الشاعر:\nفوارس ذبيان تحت الحديد ... كالجن يوفضن من عبقر «٢»\nوقال ابن عباس وقتادة: يسعون، وقال أبو العالية ومجاهد: يستبقون، ضحاك: يطلعون.\nالحسن يبتدرون. القرظي يشتدون خاشِعَةً ذليلة خاضعة أَبْصارُهُمْ بالعذاب، قال قتادة:\nسواد الوجوه تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ يغشاهم هوان، ومنه غلام مراهق إذا غشى الاحتلام ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ وهو يوم القيامة.\n_________\n(١) لسان العرب: ٨/ ١٤٤. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٢٩٧.","vol":"10","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-818>سورة نوح</span>\nمكيّة وهي تسعمائة وتسعة وعشرون حرفا، ومائتان وأربع وعشرون كلمة، وثمان وعشرون آية.\nأخبرني محمد بن القيّم قال: حدّثنا محمد بن محمد بن شاذة قال: حدّثنا أحمد بن محمد ابن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا سليم بن فتينة عن شعبة عن عاصم بن تهّدله عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة نوح كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح» [٣٧] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>[سورة نوح (٧١): الآيات ١ الى ٢٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١) قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)\nقالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاَّ فِرارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا (٩)\nفَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (١٢) ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا (١٤)\nأَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا (١٩)\nلِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا (٢٠) قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالًا (٢٤)\nمِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا (٢٥) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِرًا كَفَّارًا (٢٧) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبارًا (٢٨)\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٣٠.","vol":"10","page":43},{"text":"إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ (من) صلة وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وهو الموت فلا يهلككم بالعذاب إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِرارًا نفارا وإدبارا عنه وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ لئلّا يسمعوا دعوتي وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ غطوا بها وجوههم لئلّا يروني ولا يسمعوا صوتي وَأَصَرُّوا على الكفر وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهارًا ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ الدعوة وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرارًا فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن إبراهيم بن عليّ قال: حدّثنا محمد بن عمران بن هارون قال: حدّثنا أبو عبيد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان عن مطرف عن الشعبي: أن عمر خرج يستسقي بالناس، فلم يزد على الاستغفار حتّى رجع، فقالوا له: ما رأيناك استسقيت، فقال عمر: لقد طلبت المطر لمحاويج السماء التي يستنزل منها المطر، ثمّ قرأ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا.\nوَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ بساتين وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا جارية، وذلك أن قوم نوح لما كذّبوه زمانا طويلا حبس الله عنهم المطر، وأعقم أرحام نسائهم أربعين سنة، فهلكت أموالهم ومواشيهم، فوعدهم الله إن آمنوا أن يرد عليهم.\nوروى الربيع بن صبيح أن رجلا أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فقال: ادع الله أن يرزقني ابنا، فقال له: استغفر الله، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه فقال له: استغفر الله فقلنا أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فقال: ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئا إنّما اعتبرت فيه قول الله سبحانه حكاية عن نبيّه نوح (﵇) إنّه قال لقومه:\nاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا.\nما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقارًا. قال ابن عباس ومجاهد: ما لكم لا ترون لله عظمة، سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون لله حقّ عظمته. منصور عن مجاهد: لا تبالون لله عظمته.\nالعوفي عن ابن عباس: لا تعلمون لله عظمة. قتادة: لا ترجون لله عاقبة، ابن زيد: لا ترون لله طاعة. الكلبي: لا تخافون لله عظمة. ابن كيسان: ما لكم لا ترجون في عبادة الله أن يثبكم على توقيركم إياه خير، الحسن: لا تعرفون لله حقا ولا تشكرون له نعمة. سعيد بن جبير أيضا:\nلا يرجون لله ثوابا ولا يخافون عقابا، والرجاء من الأضداد يكون أملا وخوفا.","vol":"10","page":44},{"text":"وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوارًا تارات ومرات حالا بعد حال، نطفة ثمّ علقة ثمّ مضغة، إلى تمام الخلقة أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا قال الحسن: يعني في السماء الدنيا. وهذا جائز في كلام العرب، كما يقال: أتيت بني تميم وأتاني بعضهم، ويقول: فلان متوار في دور بني فلان، وإنّما هو في دار واحدة. وقال مقاتل: هو معناه وجعل القمر معهن نورا لأهل الأرض، (في) بمعنى مع. وقال عبد الله بن محمد: وإن الشمس والقمر وجوههما قبل السموات وضوء الشمس ونور القمر منها وأقفيتها قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك آية من كتاب الله سبحانه وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا مصباحا مضيئا.\nوقيل لعبد الله بن عمر: ما بال الشمس تصلينا أحيانا وتبرد علينا أحيانا، فقال: إنّها في الصيف في السماء الرابعة وفي الشتاء في السماء السابعة عند عرش الرحمن، ولو كانت في السماء الدنيا لما قام لها شيء.\nوَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا وكان حقّه إنباتا ولكنّه مصدر مخالف للصدر، وقال الخليل: مجازه: فنبتم نباتا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها أمواتا وَيُخْرِجُكُمْ منها أحياء إِخْراجًا وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطًا مهادا يحملكم ويستركم أمواتا لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجًا طرقا مختلفة. قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسارًا وهم القادة والأشراف وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا عظيما يقال: كبر كبار بالتخفيف وكبّار بالتشديد، كلها بمعنى واحد ونظيره في كلام العرب، أمر عجيب وعجاب وعجّاب، ورجل حسان وحسّان، وكمال وكمّال، وقرّاء للقاري ووضّاء للوضي، وأنشد ابن السكيت:\nبيضاء تصطاد القلوب وتستبي ... وبالحسن قلب المسلم القراء «١»\nوقال آخر:\nوالمرء يلحقه بقيتان الندى ... خلق الكريم وليس بالوضاء «٢»\nوقرأ ابن محيص وعيسى: كبارا بالتخفيف، واختلفوا في معنى مكرهم.\nفقال ابن عباس: قالوا قولا عظيما. الحسن: مكروا في دين الله وأهله مكرا عظيما.\nالضحاك: افتروا على الله وكذّبوا رسله. وقيل: حرّشوا أسفلتهم على قتل نوح.\nوَقالُوا لهم لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا قرأ أهل المدينة بضم الواو، وغيرهم بفتحها «٣» وهما لغتان وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ قراءة العامة غير مجرى فيهما، قال أبو\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٨/ ٣٠٦.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٨/ ٣٠٧.\n(٣) في المخطوط: بفتحه.","vol":"10","page":45},{"text":"حاتم: لأنهما على بناء فعل مضارع وهما مع ذلك أعجميان. وقرأ الأعمش وأشهب العقيلي:\nولا يغوثا ويعوقا مصروفين وَنَسْرًا.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدّثنا محمد بن بكار بن المرقان، قال: حدّثنا أبو معشر عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب، قال: كان لآدم (﵇) خمس بنين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وكانوا عبادا فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزنا شديدا، فجاءهم الشيطان، فقال: هل لكم أن أصور لكم في قبلتكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا: نكره أن يجعل في قبلتنا شيئا نصلي إليه، قال: فأجعله في مؤخّر المسجد. قالوا: نعم فصوره لهم من صفر ورصاص، ثمّ مات آخر فصوّره لهم، ثمّ مات آخر فصوّره لهم، قال: فنقصت الأشياء كما ينقصون اليوم وأقاموا على ذلك ما شاء الله، ثمّ تركوا عبادة الله سبحانه فأتاهم الشيطان فقال: ما لكم لا تعبدون شيئا، قالوا: من نعبد؟ قال: هذه آلهتكم وآلهة آبائكم لا ترونها مصوّرة في مصلّاكم، قال: فعبدوها من دون الله ﷿، حتّى بعث الله ﷿ نوحا فدعاهم إلى عبادة الله سبحانه، فقالوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ إلى قوله ﷾: وَنَسْرًا.\nوروى سفيان عن موسى عن محمد بن قيس، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا قال: كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح (﵉)، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلمّا ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس فقال: إنّما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم.\nقال ابن عباس: كان نوح يحرس جسد آدم على جبل بالهند، يحول بين الكافرين وبين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إنّ هؤلاء يفخرون عليكم فيزعمون أنّهم بنو آدم دونكم وإنّما هو جسد وأنا أصور لكم مثله تطوفون «١» به، فنحت خمسة أصنام وحملهم على عبادتها وهي ودّ وسواع ويغوث ويعوق ونسر، فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأوثان وطمّها التراب، فلم تزل مدفونة حتّى أخرجها الشيطان لمشركي العرب، فاتخذت قضاعة ودّا فعبدوها بدومة الجندل، ثمّ توارثه بنوه الأكابر فالأكابر حتّى صارت إلى كلب فجاء الإسلام وهو عندهم، وأخذ أعلى وأنعم وهما من طيئ يغوث فذهبوا به إلى مراد فعبدوه زمانا، ثمّ إن بني ناجية أرادوا أن ينزعوه من أعلى وأنعم، ففروا به إلى الحصين أخي بني الحرث بن كعب، وأما يعوق فكان لكهلان، ثمّ توارثه بنوه الأكبر فالأكبر، حتّى صار إلى همدان، وأما نسر فكان لخثعم يعبدونه، وأما سواع فكان لآل ذي الكلاع يعبدونه «٢» .\n_________\n(١) في المخطوط: تطيفون.\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ١٨/ ٣٠٨.","vol":"10","page":46},{"text":"وقال عطاء وقتادة والثمالي والمسيب: صارت أوثان قوم نوح إلى العرب فكان ود لكلب بدومة الجندل، وكان سواع برهاط لهذيل، وكان يغوث لبني غطيف من مراد بالجوف، وكان يعوق لهمدان، وكان نسر لآل ذي الكلاع من حمير، وأما اللات فلثقيف، وأما العزى فلسليم وغطفان وخثعم ونصر وسعيد بن بكر، وأما مناة فكانت لقديد، وأما أساف ونائلة وهبل فلأهل مكّة، وكان أساف حيال الحجر الأسود، وكانت نائلة حيال الركن اليماني، وكان هبل في جوف الكعبة ثمانية عشر ذراعا.\nوقال الواقدي: كان ودّ على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير.\nوَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا أي ضل بعبادتها وبسببها كثيرا من الناس نظيره رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ «١» وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلالًا مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أي من خطاياهم «٢» و(ما) صلة وقرأ أبو عمرو خطاياهم أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصارًا وقرأ أبو حيوة والأعمش: مما خطتهم على الواحد، وروى أبو روق عن الضحاك في قوله سبحانه:\nأُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا قال: يعني في الدنيا في حالة واحدة كانوا يغرقون من جانب ويحترقون في الماء من جانب.\nأنشدنا أبو القيّم الحسن قال: أنشدنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن رمح، قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنبازي:\nالخلق مجتمع طورا ومفترق ... والحادثات فنون ذات أطوار\nلا تعجبنّ لأضداد إن اجتمعت ... فالله يجمع بين الماء والنار\nوَقالَ نُوحٌ قال مقاتل: نوح بالسريانية الساكن، وإنّما سمّي نوحا لأنّ الأرض سكنت إليه رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا. أحدا يدور في الأرض فيذهب ويحيى، وهو فيعال من الدوران مثل القيام أصله قيوام وديّوار.\nوقال القتيبي: أصله من الدار أي نازل دارا إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ قال ابن عباس: كان الرجل ينطلق بابنه إلى نوح فيقول: احذر هذا فإنّه كذّاب وإن أبي حذّرنيه فيموت الكبير وينشأ الصغير عليه.\nوَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِرًا كَفَّارًا يعني: من سيكفر ويفجر. قال محمد بن كعب ومقاتل والربيع وعطية وابن زيد: إنّما قال نوح (﵇) هذا حين أخرج الله تعالى كلّ مؤمن\n_________\n(١) سورة إبراهيم: ٣٦.\n(٢) في المخطوط: خطياتهم.","vol":"10","page":47},{"text":"أصلابهم وأرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، وقيل: سبعين سنة وأخبر الله ﷾ نوحا أنّهم لا يؤمنون ولا يلدون مؤمنا، فحينئذ دعا عليهم نوح، فأجاب الله سبحانه دعاءه فأهلكهم كلّهم ولم يكن فيهم صبي وقت العذاب.\nوقال أبو العالية والحسن: لو أهلك أطفالهم معهم لكان عذابا من الله لهم، ولكن الله تعالى أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب ثم أهلكهم، والدليل عليه قوله سبحانه: وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ «١» وقد علمنا أن الأطفال لم يكذّبوا الرسل وإنّما وقع العذاب على المكذّبين.\nرَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا أي داري، وقال الضحاك: مسجدي، وقيل: سفينتي وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ عامة وقال الكلبي: من أمّة محمد ﷺ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبارًا هلاكا ودمارا.\n_________\n(١) سورة الفرقان: ٣٧.","vol":"10","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>سورة الجن</span>\nمكيّة وهي ثمان مائة وسبعون حرفا، وخمس وثمانون كلمة، وثماني وعشرون آية\nأخبرنا نافل بن راقم بن أحمد بن عبد الجبار البابي، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي، قال: حدّثنا عمرو بن محمد الكرباسي، قال: حدّثنا أسباط بن اليسع البخاري، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله السلمي، قال: حدّثنا نوح بن أبي مريم عن عليّ بن زيد عن أبيّ ابن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الجنّ أعطي بعدد كلّ جنّي وشيطان صدّق بمحمد وكذّب به عتق رقبة» [٣٨] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-821>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١ الى ١٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (٤)\nوَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا (٩)\nوَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤)\nوَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (١٥)\nقُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ وكانوا تسعة من جن نصيبين استمعوا قراءة النبيّ ﷺ وقد مرّ خبرهم «٢» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٤٠.\n(٢) راجع مسند أحمد: ١/ ٤٥٨.","vol":"10","page":49},{"text":"قال أبو حمزة الثمالي: بلغنا أنهم من بني الشيطان وهم أكثر الجن عددا وهم عامة جنود إبليس. فَقالُوا لما رجعوا إلى قومهم إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا وَأَنَّهُ بالفتح قرأه أهل الشام والكوفة إلّا حفصا.\nوفتح أبو جعفر ما كان مردودا على الوحي، وكسر ما كان حكاية عن الجن، وجرها كلّها الباقون.\nتَعالى جَدُّ رَبِّنا حدّثنا عبيد الله بن محمد بن محمد بن مهدي العدل، قال: حدّثنا الأصم، قال: حدّثنا أحمد بن حازم، قال: حدّثنا عبد الله بن سفيان عن السدي في قوله: جَدُّ رَبِّنا قال: أمر ربنا.\nوبإسناده عن سفيان عن سلمان التيمي عن الحسن، قال: غنى ربنا ومنه قيل: للحظ جد ورجل مجدود. وقال ابن عباس: قدرة ربنا. مجاهد وعكرمة: جلاله. قتادة: عظمته. ابن أبي نجيح عن مجاهد: ذكره. ضحاك: فعله. القرظي: آلاؤه ونعمه على خلقه. الأخفش: علا ملك ربنا. ابن كيسان: علا ظفره على كل كافر بالحجة. والجدّ في اللغة: العظمة، ومنه قول أنس:\nكان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا أي عظم.\nوقال ابن عباس: لو علمت أن في الإنس جدّا ما قالت تعالى جدّ ربّنا،\nوقال أبو جعفر الباقر وابنه جعفر والربيع بن أنس: ليس لله جد وإنّما وليه الجدّ بالجهالة فلم تؤخذوا به.\nمَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَدًا وقرأ عكرمة: تَعالى جِدُّ رَبِّنا بكسر الجيم على ضد الهزل، وقرأ ابن السميع: (جدي ربّنا) وهو الجدوى والمنفعة.\nوَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا جاهلنا، وقال مجاهد وقتادة: هو إبليس لعنه الله عَلَى اللَّهِ شَطَطًا عدوانا وقولا عظيما وَأَنَّا ظَنَنَّا حسبنا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أي كنّا نظنّهم صادقين في قولهم: إنّ لله صاحبة وولدا حتّى سمعنا القرآن وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ وذلك قول الرجل من العرب إذا أمسى بالأرض القفر: أعوذ بسيد هذا الوادي من شرّ سفهاء قومه، فيبيت في أمن وجوار حتّى يصبح.\nقال مقاتل: أوّل من تعوّذ بالجن قوم من أهل اليمن، ثمّ بنو حنيفة ثمّ فشا ذلك في العرب.\nأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا أبو القيّم عبد الله بن محمد بن إسحاق المروزي، قال: حدّثنا موسى بن سعيد بن النعمان بطرطوس، قال: حدّثنا فروة بن معراء الكندي، قال: حدّثنا القيّم بن مالك عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب الأنصاري، قال: خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أوّل ما ذكر","vol":"10","page":50},{"text":"رسول الله ﷺ بمكّة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف النهار جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب الراعي، فقال: يا عامر الوادي جارك، فنادى مناد لا نراه يقول: يا سرحان أرسله، فأتانا الحمل يشتدّ حتّى دخل الغنم، ولم يصبه كدمة، قال، وأنزل الله سبحانه على رسوله بمكة: وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقًا\nيعني: [إن الإنس زادوا الجن طغيانا باستعاذتهم] «١» فزادتهم رهقا.\nقال ابن عباس: أثما. معمر عن قتادة: خطيئة. سعيد عنه: جرأة «٢» . مجاهد: طغيانا.\nربيع: فرقا. ابن زيد: خوفا. إبراهيم: عظمة، وذلك أنّهم قالوا: [سدنا] الجن والإنس. مقاتل:\nغيّا. الحسن: شرّا. ثعلب: خسارا. والرهق في كلام العرب: الإثم وغشيان المحارم، ورجل مرهق: إذا كان كذلك. وقال الأعشى:\nلا شيء ينفعني من دون رؤيتها ... هل يشتفي وامق ما لم يصب رهقا «٣»\nوَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ يا معشر الكفّار من الإنس أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا بعد موته وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا من الملائكة وَشُهُبًا من النجوم وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها من السماء مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ برمي الشهب أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا أهواء مختلفة وفرقا شتى، منّا المؤمن ومنّا الكافر.\nقال سعيد بن جبير: ألوانا شتى. الحسن: قددا مختلفين، الأخفش: ضروبا، أبو عبيدة:\nأصنافا، المؤرّخ: أجناسا، النضر: مللا، ابن كيسان: شيعا وفرقا لكلّ فرقة هوى كأهواء الناس، وقال الفراء: تقول العرب: هؤلاء طريقة قومهم أي ساداتهم ورؤساؤهم، المسيّب: كنّا مسلمين ويهودا ونصارى.\nأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا محمد بن عمرو بن الخطاب، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن نحتويه، قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إبراهيم الصوري بأنطاكية، قال: حدّثنا محمد بن المتوكل بن أبي السراي، قال: حدّثنا المطلب بن زياد، قال: سمعت السدي يقول في قول الله سبحانه: كُنَّا طَرائِقَ قِدَدًا، قال: الجن مثلكم فيهم قدرية ومرجئة ورافضة وشيعة.\nواحد القدد: قدة، وهي الفرقة وأصلها من القدّ وهو القطع. قال لبيد يرثي أخاه أربد:\nلم تبلغ العين كل نهمتها ... ليلة تمشي الجياد كالقدد\n_________\n(١) التقويم عن تفسير القرطبي: ١٩/ ١٠.\n(٢) في تفسير القرطبي: سعيد بن جبير: كفرا. [.....]\n(٣) لسان العراب: ١٠/ ١٢٩.","vol":"10","page":51},{"text":"وقال آخر:\nولقد قلت وزيد جاسر ... يوم ولّت خيل عمرو قددا\nوَأَنَّا ظَنَنَّا علمنا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ إن أراد بنا أمرا وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا إن طلبنا وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ قرأه العامّة بالألف، وقرأ الأعمش فلا يخفف بالجزم بَخْسًا نقصا وَلا رَهَقًا ظلما، يقول: لا يخاف أن ينقص من حسناته، ولا أن يزداد في سيّئاته، ولا أن يؤخذ بذنب غيره، ولا أن يعاقب بغير جرم، وقيل:\nرَهَقًا: مكروها يغشاه، وقيل: ذهاب كله نظيره قوله ﷾: فَلا يَخافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا «١» .\nوَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ الجائرون العادلون عن الحق. يقال: أقسط الرجل فهو مقسط إذا عدل، قال الله سبحانه: وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ «٢»، وقسط يقسط قسوطا إذا جاد. قال الشاعر:\nقوم هم قتلوا ابن هند عنوة ... عمرا وهم قسطوا على النعمان «٣»\nوأنشد ابن زيد:\nقسطنا على الأملاك في عهد تبّع ... ومن قبل ما أدرى النفوس عقابها «٤»\nونظيره في الكلام المترب: الفقير، والمترب: الغني.\nفَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا أي قصدوا وأعدّوا وتوخّوا ومنه بتحرّى القبلة لمن عميت عليه. وقال امرؤ القيس:\nديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرّى وتدر «٥»\nأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>[سورة الجن (٧٢): الآيات ١٦ الى ٢٨]</span>\nوَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩) قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (٢٠)\nقُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلاَّ بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (٢٤) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (٢٥)\nعالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)\n_________\n(١) سورة طه: ١١٢.\n(٢) سورة الحجرات: ٩.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٧.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ١٤١.\n(٥) الصحاح: ٤/ ١٥١٢.","vol":"10","page":52},{"text":"وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا قراءة العامة لو: بكسر الواو. وقرأ الأعمش: لَوُ اسْتَقامُوا بضم الواو.\nعَلَى الطَّرِيقَةِ اختلف المفسرون في تأويلها، فقال قوم: معناها وأن لو استقاموا على طريقة الحقّ والإيمان والهدى وكانوا مؤمنين مطيعين. لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقًا، قال عمر ﵁ في هذه الآية: أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة، يعني أعطيناهم مالا كثيرا وعيشا رغيدا ووسعنا عليهم في الرزق وبسطنا لهم في الدنيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ لنختبرهم كيف شكرهم فيما خوّلوا وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء بن رياح والضحاك وقتادة وعبيد بن عمير وعطية ومقاتل والحسن، قال: كان والله أصحاب رسول الله ﷺ سامعين لله مطيعين فتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر، ففتنوا بها فوثبوا بإمامهم فقتلوه يعني عثمان بن عفان.\nودليل هذا التأويل قوله ﷾: وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ «١» وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «٢» وقوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً «٣» وقوله تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا «٤» الآيات.\nوقال آخرون: معناها وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى طريقة الكفر والضلالة وكانوا كفّارا كلهم لأعطيناهم مالا كثيرا ولوسّعنا عليهم لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ عقوبة لهم واستدراجا، حتّى يفتنوا فيعذبهم.\nوهذا قول الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي والثمالي ويمان بن رباب وابن كيسان وابن مجلد، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ «٥» .\n_________\n(١) سورة المائدة: ٦٦.\n(٢) سورة الأعراف: ٩٦.\n(٣) سورة النحل: ٩٧.\n(٤) سورة نوح: ١٠- ١١.\n(٥) سورة الأنعام: ٤٤.","vol":"10","page":53},{"text":"وقوله ﷾: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ «١» .\nوقوله سبحانه: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ «٢» .\nوقوله ﷾: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى «٣» .\nوَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ قرأ أهل الكوفة ويعقوب وأيوب بالياء وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد. وقرأ مسلم بن جندب: نُسْلِكْهُ بضم النون وكسر اللام. وقرأ الآخرون بفتح النون وضم اللام وهما لغتان سلك واسلك بمعنى واحد أي يدخله.\nعَذابًا صَعَدًا قال ابن عباس: شاقا. السدي: مشقة. قتادة: لا راحة فيه. مقاتل: لا فرج فيه. الحسن: لا يزداد إلّا شدّة.\nابن زيد: متعبا. والأصل فيه أن الصعود يشقّ على الإنسان، ومنه قول عمر: ما تصعدني شيء ما تصعد في خطبة النكاح، أي ما شقّ عليّ. وقال عكرمة: هو جبل في النار. وقال الكلبي: يكلّف الوليد بن المغيرة أن يصعد في النار جبلا من صخرة ملساء حتّى يبلغ أعلاها يجذب من أمامه بالسلاسل، ويضرب بمقامع الحديد حتّى يبلغ أعلاها ولا يبلغه في أربعين سنة، فإذا بلغ أعلاها أجر إلى أسفلها، ثمّ يكلف أيضا صعودها فذلك دأبه أبدا، وهو قوله: سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا «٤» .\nوَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ\nقال سعيد بن جبير: قالت الجن لنبي الله كيف لنا أن نأتي المسجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون عنك؟ فنزلت: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا.\nقال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله سبحانه نبيه ﷺ والمؤمنين أن يخلصوا له الدعوة إذا دخلوا المساجد، وأراد بها المساجد كلّها.\nوقال الحسن: أراد بها البقاع كلها وذلك، أن الأرض جعلت للنبي ﷺ مسجدا، وكان المسلمون بعد نزول هذه الآية إذا دخل أحدهم المسجد قال: أشهد أن لا إله إلّا الله والسلام على رسول الله.\nوقال سعيد بن جبير وطلق بن حبيب: أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد وهي سبعة: القدمان والركبتان واليدان والوجه. وسمعت محمد بن الحسن السلمي يقول:\nسمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبو القيّم البزاز يقول: قال ابن عطاء: مساجدك أعضاؤك التي أمرت أن تسجد عليها لا تذللها لغير خالقها.\n_________\n(١) سورة الزخرف: ٣٣.\n(٢) سورة الشورى: ٢٧.\n(٣) سورة العلق: ٦- ٧. [.....]\n(٤) سورة المدّثّر: ١٧.","vol":"10","page":54},{"text":"وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن زكريا غير مرة، قال: أخبرنا ابن الشرقي، قال:\nحدّثنا حمدان السلمي، قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل ومعلّى بن أسيد ومسلم بن إبراهيم، قالوا: حدّثنا وهيب، قال: حدّثنا ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «أمرت أن أسجد على سبعة: أعظم الجبهة- وأشار بيده إلى أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين، وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا [٣٩] «١» .\nوأخبرنا أبو بكر الجوزقي، قال: أخبرنا عمرو بن عبد الله البصري، قال: حدّثنا أحمد بن سلمة، قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدّثنا بكر بن مضر عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن العباس بن عبد المطلب، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا سجد العبد سجد معه سبعة»\n[٤٠] «٢» فإن جعلت المساجد المواضع فواحدها مسجد بكسر الجيم، وإن جعلت الأعضاء فواحدها مسجد بفتح الجيم. وقال الحسن: وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ يعني الصلوات فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا أي أفردوا له التوحيد وأخلصوا له العبادة. وقيل: معناه فردّوها لذكر الله وعبادته فلا تتخذوها متجرا ولا مجلسا ولا طرقا ولا تجعلوا فيها لغير الله نصيبا.\nوَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يعني: محمدا ﷺ يَدْعُوهُ يقول: لا إله إلّا الله ويدعوا إليه ويقرأ القرآن كادُوا يعني: الجن يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا أي يركبون بعضهم بعضا، ويزدحمون ويسقطون حرصا منهم على استماع القرآن. قاله الضحاك ورواه عطية عن ابن عباس.\nسعيد بن جبير عنه: هذا من قول النفر من الجن لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله ﷺ له واهتمامهم به في الركوع والسجود واقتدائهم به في الصلاة.\nوقال الحسن وقتادة وابن زيد: يعني لما قام عبد الله بالدعوة تلبّدت الجن والإنس، وتظاهروا عليه ليبطلوا الحقّ الذي جاءهم به، ويطفئوا نور الله فأبى الله إلّا أن يتم هذا الأمر وينصره ويظهره على من ناواه.\nوأصل اللبد: الجماعات بعضها فوق بعض، ومنه قيل للجراد الكبير: لبد، وتلبد الشعر إذا تراكم. ومنه سمي اللبد لبدا، كما ويقال للشعر على الأسد: لبدة وجمعها لبد، قال زهير:\nلدى أسد شاك السلاح خبان ... له لبد أظفاره لم تقلّم «٣»\nوفيه أربع لغات: لبد بكسر اللام وفتح الباء و[هي] قراءة العامة واختيار أبي عبيدة وأبي\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٢٩٢.\n(٢) كتاب المسند للشافعي: ٤٠.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤.","vol":"10","page":55},{"text":"حاتم واحدتها لبدة بكسر اللام، ولبد بضم اللام وفتح الباء وهي قراءة مجاهد وابن محيص وواحدتها لبدة بضم اللام، ولبد بضم اللام والباء وهي قراءة أبي حيوة واحدتها لبيد، ولبّد بضم اللام وتشديد الباء وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وواحدها لابد مثل راكع ركع وساجد وسجد.\nقالَ يعني رسول الله ﷺ وبه قرأ أكثر القرّاء، وقرأ أبو جعفر والأعمش وعاصم وحمزة قُلْ على الأمر إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا أي ملجأ أميل إليه وقال قتادة:\nنصرا. الكلبي: مدخلا في الأرض مثل السرب، السدي: جرزا.\nقال مقاتل: قال كفار قريش للنبي ﷺ: إنّك أتيت بأمر عظيم لم يسمع بمثله، وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا الأمر، فنحن نجزيك، فأنزل الله سبحانه هذه الآيات.\nوفي قراءة أبي (عنّا ولا رشدا) .\nإِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ فإن فيه الحوار والأمن والنجاة قاله الحسن.\nوقال قتادة: إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ فذلك الذي أملكه بعون الله وتوفيقه، فإمّا الكفر والإيمان فلا أملكهما.\nوقيل: لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا لكن أبلغ بلاغا من الله، إنّما أنا مرسل ومبلّغ لا أملك إلّا ما ملكت.\nوَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ يعني العذاب.\nفَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ يعني العذاب وقيل: القيامة أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا أجلا وغاية تطول مدتها عالِمُ الْغَيْبِ رفع على نعت قوله رَبِّي، وقيل: هو عالم الغيب. فَلا يُظْهِرُ يطلع عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى اصطفى مِنْ رَسُولٍ فإنه يصطفيه ويطلعه على ما يشاء من الغيب. فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ذكر بعض الجهات دلالة على جميعها رَصَدًا حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين واستماع الجن ليلا يسترقوه فيلقوه إلى كهنتهم.\nقال سعيد بن المسيب: رَصَدًا أربعة من الملائكة حفظة. قال مقاتل وغيره: كان الله إذا بعث رسولا أتاه إبليس في صورة جبرائيل يخبره، فبعث الله مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا من الملائكة يحرسونه ويطردون الشيطان، فإذا جاءه شيطان في صورة ملك، قالوا: هذا شيطان فاحذر، وإذا جاءه ملك، قالوا: هذا رسول ربّك.","vol":"10","page":56},{"text":"لِيَعْلَمَ قرأ ابن عباس ويعقوب بضم الياء، أي ليعلم الناس أن الرسل قد بلّغوا، وقرأ الآخرون بفتح الياء أي لِيَعْلَمَ الرسول أن الملائكة أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ عندهم وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا فلم يخف عليه شيئا «١» ونصب عددا على الحال وإن شئت على المصدر أي عد عددا.\n_________\n(١) في المخطوط: عليهم شيء.","vol":"10","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-823>سورة المزمل</span>\nهي مكيّة إلّا قوله سبحانه: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ إلى آخر السورة، وهي ثمانمائة وثمانية وثلاثون حرفا، ومائتان وخمس وثمانون كلمة، وعشرون آية في الكوفي\nأخبرني أبو الحسن الماوردي، قال: حدّثنا أبو محمد بن أبي حامد، قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن الحسن الأصفهاني، قال: حدّثنا المؤمل بن إسماعيل، قال: حدّثنا سفيان الثوري، قال: حدّثنا أسلم المعري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ابزي عن أبيه عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المزمّل رفع عنه العسر في الدنيا والآخرة» [٤١] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)\nيا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ المتلفف بثوبه، وأصله المتزمل فأدغم التاء في الزاء، ومثله يقال: تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطى به، وزمل غيره إذا غطّاه.\nقال امرؤ القيس:\nكبير أناس في بجاد مزمّل «٢»\nقال أبو عبد الله الجدلي: سألت عائشة عن قوله سبحانه: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ما كان تزميله ذلك؟ قالت: كان مرطا طوله أربع عشر ذراعا نصفه عليّ وأنا نائمة ونصفه على رسول الله ﷺ، وهو يصلّي.\nقال أبو عبد الله: فسألتها ما كان؟\nقالت: والله ما كان جزّا ولا قزّا ولا مرعزي ولا إبريسم ولا صوفا كان سداه شعرا ولحمته وبرا.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٥٧.\n(٢) لسان العرب: ١٠/ ٢٥٥.","vol":"10","page":58},{"text":"وقال السدي: أراد يا أيها النائم قم فصلّ. وقال عكرمة: يعني: يا أيّها الذي زمّل هذا الأمر أي حمّله، وكان يقرأ الْمُزَمَّلُ بتخفيف الزاي وفتح الميم وتشديدها. وقالت الحكماء: إنّما خاطبه بالمزمل والمدثر في أوّل الأمر لأنّه لم يكن أدّى بعد شيئا من تبليغ الرسالة.\nقُمِ اللَّيْلَ قراءة العامة بكسر الميم، وقرأ أبو السماك العدوي: بضمه لضمة القاف إِلَّا قَلِيلًا ثمّ بين فقال: نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا إلى الثلث أَوْ زِدْ عَلَيْهِ على النصف إلى الثلثين، خيّره بين هذه المنازل، فلما نزلت هذه الآية صلّى النبيّ ﷺ وأصحابه واشتد ذلك عليهم وكان الرجل لا يدري متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان فكان يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ حتى شقّ عليهم وانتفخت أقدامهم وانتقعت ألوانهم، فرحمهم الله سبحانه وخفف عنهم ونسخها بقوله: عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى «١» الآية. وكان بين أوّل السورة وآخرها سنة.\nوقال سعيد بن جبير: لمّا نزل قوله: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ مكث النبيّ ﷺ على هذه الحال عشر سنين يقوم الليل كما أمره الله تعالى، وكانت طائفة من أصحابه يقومون معه، فأنزل الله سبحانه بعد عشر سنين إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى «٢» الآية. فخفف عنهم بعد عشر سنين.\nوقال مقاتل وابن كيسان: كان هذا قبل أن يفرض الصلوات الخمس، ثمّ نسخ ذلك بالصلوات الخمس. وقال ابن عباس: لما نزل أول المزمّل كانوا يقومون نحو من قيامهم في شهر رمضان، وكان بين أولها وآخرها سنة.\nوروى أبو سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، قالت:\nكنت أجعل لرسول الله ﷺ حصيرا يصلّي عليه من الليل، فتسامع الناس به، فاجتمعوا فلمّا تكثر جماعتهم، كره ذلك وخشي أن يكتب عليهم قيام الليل، فدخل البيت كالمغضب، فجعلوا يتنحنحون ويشتغلون حتّى خرج إليهم، فقال: «يا أيّها الناس اكلفوا «٣» من الأعمال ما تطيقون، فإنّ الله لا يملّ من الثواب حتّى تملّوا من العمل وإنّ خير العمل أدومه وان قلّ» [٤٢] «٤» فنزلت عليه: يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ فكتبت عليهم وأنزلت بمنزلة الفريضة حتى إن كان أحدهم ليربط الحبل فيتعلق به، فمكثوا ثمانية أشهر، فلمّا رأى الله ما يكلّفون ويبتغون به وجه الله ورضاه رحمهم فوضع ذلك عنهم فقال: إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ الآية. فردّهم إلى الفريضة ووضع عنهم قيام الليل إلّا ما تطوعوا به.\nوقال الحسن: في هذه الآية الحمد لله تطوع بعد فريضة.\nوَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. قال الحسن: اقرأه قراءة، بيّنه تبيانا، وعنه أيضا: اقرأه على\n_________\n(١) سورة المزمل: ٢٠.\n(٢) سورة المزمل: ٢٠.\n(٣) أكلفوا: تحمّلوا: النهاية لابن الأثير.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ٣٧.","vol":"10","page":59},{"text":"هينتك ثلاث آيات وأربعا وخمسا. قتادة: تثبت فيه تثبيتا. ابن كيسان: تفهّمه تاليا له. وقيل:\nفصّله تفصيلا ولا تعجل في قراءته، وهو من قول العرب: ثغّر رتّل ورتل إذا كان مفلجا. أبو بكر ابن طاهر: دبّر في لطائف خطابه، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه، وقلبك بفهم معانيه، وسرك بالإقبال عليه.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك، قال: حدّثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدّثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عمرو عن النبيّ ﷺ، قال: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما ترتل في الدنيا فإن منزلك عند آخر آية تقرأها» [٤٣] «١» .\nإِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا قال الحسن: إنّ الرجل ليهدّ السورة ولكن العمل به ثقيل.\nوقال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده. ابن عباس: شديدا. أبو العالية: ثقيلا بالوعد والوعيد والحلال والحرام. محمد بن كعب: ثقيلا على المنافقين. الفرّاء: ثَقِيلًا ليس بالخفيف السفساف لأنه كلام ربّنا. عبد العزيز بن يحيى: مهيبا، ومنه يقال للرجل العاقل: هو رزين راجح.\nوسمعت الأستاذ أبا القيّم بن جندب يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن مضارب بن إبراهيم يقول: سمعت الحسين بن الفضل وسئل عن هذه الآية، فقال: معناها إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا خفيفا على اللسان ثَقِيلًا في الميزان. وقال أبو بكر بن طاهر: يعني قولا لا يحمله إلّا قلب مؤيد بالتوفيق ونفس مزيّنة بالتوحيد. وقال القيّم: في هذه الآية سماع العلم من العالم مرّ واستعماله ثقيل لكنه يأتي بالفرح إذا استعمله العبد على جد السنّة وتمام الأدب. وقيل: عنى بذلك أن القرآن عليه ثقيل محمله. قال ابن زيد: هو والله ثقيل مبارك كما ثقل في الدنيا يثقل في الموازين يوم القيامة.\nأخبرنا أبو الحسين ابن أبي الفضل القهندري، قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا محمد بن يحيى فقال: وفيما قرأت على عبد الله عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحرث بن هشام سأل رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشدّ عليّ فينفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل الملك رجلا فأعرف ما يقول» [٤٤] «٢» .\nقالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه وان جبينه ليرفض عرقا.\n_________\n(١) فتح الباري: ١٣/ ٣٤٩، السنن الكبرى: ٥/ ٢٢، ح ٨٠٥٦.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ١٥٨، تفسير القرطبي: ١٩/ ٣٩.","vol":"10","page":60},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى العبدي، قال: حدّثنا أحمد بن نجدة، قال: حدّثنا يحيى الحماني، قال: حدّثنا ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، قالت: إن كان ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فيضرب بجرافها.\nإِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ أي ساعاته كلّها، وكل ساعة منه فهي ناشئة سميت بذلك لأنها تنشأ، ومنه نشأت السحابة إذا بدت أنشأها الله وجمعها ناشيات.\nأنبأني عقيل، قال: أخبرنا المعافى، قال: أخبرنا ابن جرير، قال: حدثني يعقوب، قال:\nحدّثنا ابن عليّة قال: أخبرنا حاتم بن صفيرة، قال: قلت لعبد بن أبي مليكة: ألا تحدثني أيّ الليل ناشئة؟ فقال: على الثبت سقطت سألت عنها ابن عباس فزعم أنّ الليل كلّه ناشئة. وسألت ابن الزبير عنها فأخبرني مثل ذلك. وقال سعيد بن جبير وابن زيد: أي ساعة قام من الليل فقد نشأ، وهو بلسان الحبش نشأ إذا قام. وقال عكرمة: ما قمت من أوّل الليل فهو ناشئة.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة، قال: حدّثنا ابن أيوب، قال: حدّثنا ابن أبي زياد، قال: حدّثنا سيار، قال: حدّثنا جعفر عن الجرير عن بعض أشياخه عن عليّ بن الحسين أنّه كان يصلّي بين المغرب والعشاء ويقول: أما سمعتم قول الله سبحانه: إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هذا ناشئة الليل.\nوقال أبو مجلد وقتادة: ما كان بعد العشاء فهو ناشئة. وقال عبيد بن عمير: قلت لعائشة:\nرجل قام من أوّل الليل أيقال له قام ناشئة؟ قالت: لا، إنّما الناشئة القيام بعد النوم. وقال يمان وابن كيسان: هي القيام من آخر الليل.\nهِيَ أَشَدُّ وَطْئًا قرأ أبو عمرو وابن عامر وابن محيص: وِطأ بكسر الواو ممدودا، واختاره أبو عبيد على معنى المواطاة والموافقة، وهو أن يواطئ قلبه وسمعه وبصره لسانه. وقرأ الباقون بفتح الواو مقصورا، أي فراغا للقلب. قال ابن عباس: كانت صلواتهم أوّل الليل هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا، يقول: هو أجدر أن تحصوا ما فرض الله عليكم من القيام، وذلك أنّ الإنسان إذا نام لم يدر متى يستيقظ.\nوقال قتادة: أثبت في الخير أحفظ للقراءة. الفرّاء: أثبت قياما. القرطبي: أشدّ على المصلّي من صلاة النهار، دليله\nقول النبيّ ﷺ: «اللهمّ أشدد وطأتك على مضر» [٤٥] .\nابن زيد: أفرغ له قلبا من النهار، لأنّه لا تعرض له حوائج ولا شيء. الحسن، أَشَدُّ وَطْئًا في الخير وأمنع من الشيطان.\nوَأَقْوَمُ قِيلًا وأصوب قراءة، وعبادة الليل أشدّ نشاطا وأتم إخلاصا وأكثر بركة.","vol":"10","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>[سورة المزمل (٧٣): الآيات ٧ الى ٢٠]</span>\nإِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩) وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)\nإِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)\nفَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)\nإِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا قراءة العامة: بالحاء غير معجمة، أي فراغا وسعة لنومك وتصرفك في حوائجك، وأصل السبح سرعة الذهاب. ومنه السباحة في الماء، وفرس سابح شديد الجري. قال الشاعر:\nأباحوا لكم شرق البلاد وغربها ... ففيها لكم يا صاح سبح من السبح\nوقرأ يحيى بن يعمر: سبخا بالخاء المعجمة، أراد خفة وسعة واستراحة، ومنه\nقول النبيّ لعائشة وقد دعت على سارق سرقها: «لا تسبخي عنه بدعائك عليه»\n[٤٦] أي لا تخففي، والتسبيخ توسيع القطن والصوف وتنفيشها، يقال للمرأة: سبّخي قطنك، ويقال لقطع القطن إذا ندف: سابخ.\nقال الأخطل يصف القناص والكلاب:\nفأرسلوهن يذرين التراب كما ... يذري سبائخ قطن ندف أوتار «١»\nقال تغلب: السبح التردد والاضطراب والسبخ السكون ومنه\nقول النبيّ ﷺ: «الحمى من قيح جهنم فسبّخوها بالماء»\n[٤٧] «٢» أي سكنوها.\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بالتوحيد والتعظيم، وقال سهل اقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في ابتداء صلواتك توصلها بركة قرابها إلى ربّك وتقطعك عن كل ما سواه.\nوَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا قال ابن عباس وأكثر الناس: أخلص إليه إخلاصا. الحسن: اجتهد.\nابن زيد: تفرّغ لعبادته. شفيق: توكل عليه توكلا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٤٣. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٤٣.","vol":"10","page":62},{"text":"وسمعت محمد بن الحسن السليمي، يقول: سمعت منصور بن عبد الله، يقول: سمعت أبا القيّم البزاز يقول: قال ابن عطاء: انقطع إليه انقطاعا، وهو الأصل في هذا الباب، يقال:\nبتلت الشيء أي وقطعته، وصدقة بتة بتلة أي بائنة مقطوعة من صاحبها لا سبيل له عليها، ودار تبتيل أي منقطعة عن الدور، قال امرؤ القيس:\nتضيء الظلام بالعشاء كأنّها ... منارة ممسى راهب متبتّل\nونهى رسول الله ﷺ عن التبتّل\nومنه قيل لمريم العذراء البتول.\nوقال أبو القيّم: اتصل به اتصالا ما رجع من رجع إلّا من الطريق، ما وصل إليه أحد فرجع عنه.\nمحمد بن عليّ: ارفع اليدين في الصلاة.\nزيد بن أسلم: التبتل: رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله «١» .\nرَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو وأيوب وحفص برفع الباء على الابتداء. وقيل: على إضمار هو، وقرأ الباقون بالخفض على نعت الربّ في قوله سبحانه:\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ الآية.\nلا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا قيّما بأمورك ففوّضها إليه وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا نسختها آية القتال.\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا السني، قال: حدّثنا حاتم بن شعيب، قال: حدّثنا سريح بن يونس، قال: حدّثنا سعيد بن محمد الورّاق عن الأحوص بن حكيم عن أبيه عن أبي الزاهرية أنّ أبا الدرداء قال: إنا لنكشّر في وجوه أقوام ونضحك إليهم، وإنّ قلوبنا لتقليهم أو لتلعنهم.\nوَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا نزلت في صناديد قريش المكذبين المشتهرين. وقال مقاتل بن حيان: نزلت في المطعمين ببدر وهم عشرة- ذكرناهم في الأنفال- والنعمة التنعم والنعمة المروة والمنّة أيضا، والنعمة بضم النون: الميسرة يقال: نعم ونعمة عيّن ونعمى عين.\nإِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا عندنا في الآخرة قيودا عظاما لا تفكّ أبدا واحدها نكل، قال الشعبي:\nترون أن الله يجعل الأنكال في أرجل أهل النار لأنّه خشي أن يفروا؟ ولكن إذا أراد أن يرتفعوا استفلت بهم. وَجَحِيمًا وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ غير سائغة تأخذ بالحلق لا هو نازل ولا هو خارج وهو الغسلين والزقوم والضريع. وَعَذابًا أَلِيمًا.\nأخبرني عقيل: أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير، قال: حدّثنا أبو كريب، قال: حدّثنا\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ١٩/ ٤٤.","vol":"10","page":63},{"text":"وكيع عن حمزة الزيّات عن حمران بن أعين أنّ النبيّ ﷺ قرأ: إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ فصعق.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا ابن ماجة، قال: حدّثنا الحسن بن أيوب، قال: حدّثنا عبد الله بن أبي زياد، قال: حدّثنا سيار، قال: حدّثنا صالح، قال: حدّثنا خالد بن حسان، قال: أمسى عندنا الحسن وأمسى صائما، فأتيته بطعام فعرضت له هذه الآية إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيمًا وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا فقال: ارفع الطعام، فلما كانت الليلة الثانية أتيناه أيضا بطعام فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعه، فلمّا كانت الليلة الثالثة أتيته فعرضت له هذه الآية، فقال: ارفعوا، فانطلق ابنه إلى ثابت البناني ويزيد الضبي ويحيى البكاء فحدثهم بحديثه، فجاءوا معه فلم يزالوا به حتّى شرب شربة من سويق. يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أي تتحرك وتضطرب بمن عليها وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيبًا وهو الرمل المجتمع مَهِيلًا سائلا متناثرا إذا مسّته تتابع، وأصله مهيول وهو مفعول من قول القائل: هلت الرمل فأنا أهيله، وذلك إذا حرّك أسفله فانهال عليه من أعلاه، يقال: مهيل ومهيول ومكيل ومكيول ومعين ومعيون،\nقال النبيّ ﷺ لأصحابه وهم يشكون الجدوبة: «أتكيلون أم تهيلون»؟\nقالوا: نهيل.\nقال: «كيلوا ولا تهيلوا» [٤٨] «١» .\nوقال الشاعر:\nوإخال أنّك سيّد معيون «٢»\nإِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذًا وَبِيلًا شديدا صعبا ثقيلا، ومنه يقال: كلأ مستوبل وطعام مستوبل إذا لم يستمرأ، ومنه الوبال وقالت الخنساء:\nلقد أكلت بجيلة يوم لاقت ... فوارس مالك أكلا وبيلا «٣»\nوتقول العرب: لقد أوبل عليه الشراء أي توبع.\nفَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ أي فكيف لكم بالتقوى في القيامة إذا كفرتم في الدنيا، يعني:\nلا سبيل لكم إلى التقوى ولا تنفعكم التقوى إذا وافيتم القيامة. وقيل: معناه فكيف تتّقون عذاب يوم، وكيف تنجون منه إذا كفرتم. وقرأ ابن مسعود وعطيّة: فكيف يتّقون يوما يجعل الولدان شيبا أن كفرتم.\n_________\n(١) الفائق في غريب الحديث: ٣/ ٤١٦.\n(٢) الصحاح: ٦/ ٢١٧١.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ٤٩.","vol":"10","page":64},{"text":"وقرأ أبو السماك العدوي: فكيف يتّقون بكسر النون على الإضافة.\nيَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ الصبيان شِيبًا شمطا من هوله وشدّته وذلك حين يقال لآدم: قم فابعث بعث النار من ذرّيتك.\nأخبرني الحسن، قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن بشر، قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي الخطيب، قال: حدثني محمد بن غالب، قال: سمعت عثمان بن الهيثم، يقول: مررت بابن السري وهو قائم في الطريق، فسأله إنسان يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيبًا، قال: هم أولاد الزنا.\nوقيل: أولاد المشركين.\nالسَّماءُ مُنْفَطِرٌ مثقل مشقق بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا إِنَّ هذِهِ السورة أو هذه الآيات تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا بالإيمان والطاعة إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى أقرب مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ روى هشام عن أهل الشام ثُلْثَيِ مخفف غير مشبع وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ نصبها أهل مكة والكوفة على معنى وتقوم نصفه وثلثه، وخففهما الباقون عطفا على ثُلُثَيِ ... وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ أيضا يقومونه.\nوَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ تطيقوا قيام الليل فَتابَ عَلَيْكُمْ تجاوز عنكم ورجع لكم إلى التخفيف عليكم فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ قال السدي: مائة آية. قال الحسن: من قرأ مائة آية في ليله لم يحاجّه القرآن. وقال كعب: من قرأ في ليله مائة آية كتب من القانتين. وقال سعيد: خمسون آية. وروى الربيع بن صبيح عن الحسن: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ قال: يعني في صلاة المغرب والعشاء.\nعَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فسوى بين درجة المجاهدين والمكتسبين المال الحلال للنفقة على نفسه وعلى العيال وللإحسان والإفضال.\nأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا ابن سلم، قال: حدّثنا أبو بكر بن عبد الخالق، قال:\nحدّثنا أبو بكر بن أحمد بن محمد الحجاج، قال: حدثني أبو الفتح، قال: قال أبو نصر بشر بن الحرث، قال: حدّثنا المعافى بن عمران وعيسى بن يونس عن فرقد السبخي عن إبراهيم عن ابن مسعود، قال: أيّما رجل جلب شيئا إلى مدينة من مدائن المسلمين صابرا محتسبا فباعه بسعر يومه كان عند الله سبحانه بمنزلة الشهداء، ثمّ قرأ عبد الله وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.\nوأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد بن عليّ، قال: حدّثنا محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، قال: حدّثنا عبد الحميد بن صالح، قال: حدّثنا أبو عقيل عن القيّم بن عبيد الله","vol":"10","page":65},{"text":"عن أبيه، قال: سمعت ابن عمر، يقول: ما خلق الله ﷿ موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحبّ إليّ من أن أموت بين شعبتي رجل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله.\nفَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ\nسمعت محمد بن الحسن السلمي، يقول: سمعت منصور بن عبد الله، يقول: سمعت أبا القيّم الأسكندراني، يقول: سمعت أبا جعفر الملطي، يقول: عن عليّ ابن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد في هذه الآية، قال: ما تَيَسَّرَ لكم مِنْهُ خشوع القلب وصفاء السر [٤٩] «١» .\nوَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا من الشح والتقصير وَأَعْظَمَ أَجْرًا من ذلك الذي قدّمتموه لو لم تكونوا قدّمتموه، ونصب خَيْرًا وَأَعْظَمَ على المفعول الثاني، وهو فصل في قول البصريين، وعماد في قول الكوفيين لا محل له من الإعراب. وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٦٩.","vol":"10","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-826>سورة المدثر</span>\nمكّية، وهي ألف وعشرة أحرف، ومائتان وخمسون كلمة، وست وخمسون آية\nأخبرني محمد بن القاسم بن أحمد قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: حدّثنا أبو عمر والخيري وعمرو بن عبد الله البصري قالا: حدّثنا محمد بن عبد الوهاب قال: حدّثنا أحمد ابن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المدثر أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بمحمد وكذبه بمكة» [٥٠] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-827>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)\nوَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧)\nيا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ: أي المدّثّر في قطيفه.\nأخبرنا ابو نعيم الاسفرائيني، بها قال: أخبرنا أبو عمران بن موسى بن العباس الارادواري بها، قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي ببيروت قال: أخبرني أبي قال: حدّثنا أبو عمرو الأوزاعي قال: حدّثنا، أبو نصر يحيى ابن أبي كبير العطار اليماني قال: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن: أي القرآن أنزل قبل؟ قال:\nقال رسول الله ﷺ: «إني جاورت بحراء شهرا فلما قضت جواري نزلت فاستبطنت الوادي، فنوديت فنظرت بين يدي وخلفي وعن يميني وشمالي فلم أر شيئا، ثم نظرت إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء فأخذتني وحشة، فأمرتهم فدثّروني فأنزل الله سبحانه: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، حتى بلغ: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ» [٥١] «٢» .\nوأخبرنا أبو نعيم قال: حدّثنا أبو عمران قال: حدّثنا جعفر بن عامر البغدادي قال: حدّثنا سعد أبو محمد قال: حدّثنا شيبان عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال:\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٧١.\n(٢) صحيح مسلم: ١/ ٩٩. بتفاوت.","vol":"10","page":67},{"text":"أخبرني جابر بن عبد الله إنّ أوّل شيء نزل من القرآن يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، وقال جابر: ألا أخبرك ما سمعت عن النبي (﵇) سمعته يقول: «جاورت بحراء فلما قضيت جواري أقبلت في بطن الوادي فناداني مناد فنظرت عن يميني وشمالي وخلفي وأمامي فلم أر شيئا، ثم ناداني فنظرت فوقي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض فجثثت منه فرقا فأقبلت إلى خديجة، فقلت: دثروني وصبّوا عليّ ماءا باردا فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» [٥٢] «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا عليّ بن حرب الموصلي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن يحيى المدني عن يونس عن الزهري قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول: أخبرني جابر أنه سمع رسول الله (﵇) يقول: «فنزعني الوحي مرّة فبينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي أتاني بحراء قاعد على الكرسي بين السماء والأرض فجثثت منه فرقا حتى هويت إلى الأرض فجئت إلى أهلي فقلت زمّلوني فأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» [٥٣] «٢» .\nقُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قال: عكرمة سئل ابن عباس عن هذه الآية فقال: معناه لا يلبسها على معصية ولا على غدرة ثم قال: قول غيلان بن سلمة الثقفي:\nإني بحمد لله لا ثوب فاجر ... لبست ولا من غدرة أتقنع\nوالعرب تقول للرجل إذا وفي وصدق: إنه طاهر الثياب، وإذا غدر ونكث: إنه لدنس الثياب.\nوقال أبي بن كعب: لا يلبسها على غدر ولا على ظلم ولا على أكم «٣» البسها وأنت طاهر، وقال قتادة وإبراهيم والضحاك والشعبي والزهري ويمان: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ من الذنب والإثم والمعصية، وقال أهل المعاني: أراد طهّر نفسك عن الذنوب فكنى عن الجسم بالثياب لأنها تشتمل عليه، كقول عنترة:\nفشككت بالرمح الأصم ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم «٤»\nأي نفسه، وقال آخر:\nثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم بيض المسافر غران «٥»\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ١٧٩.\n(٢) سنن الترمذي: ٥/ ١٠٠، أسباب نزول الآيات: ٧. بتفاوت.\n(٣) الأكم: المتّسخ قال أبو نخيلة: بين النقاء والأكم المستأكم، لسان العرب: ١٢/ ٢١.\n(٤) لسان العرب: ٤/ ٥٠٦.\n(٥) لسان العرب: ١/ ٢٤٦.","vol":"10","page":68},{"text":"أي أنفس بني عوف.\nوقال السدي: يقال للرجل إذا كان صالحا: إنّه لطاهر الثياب، وإذا كان فاجرا: إنه لخبيث الثياب. قال الشاعر:\nلا هم إن عامر بن جهم ... أو ذم حجا في ثياب دسم «١»\nيعني متدنس بالخطايا.\nأبو زوق عن الضحاك: وعملك فأصلح، وهي رواية فضيل بن عياض عن منصور عن مجاهد.\nسعيد بن جبير: وقلبك وبيتك فطهّر، ودليل هذا التأويل قول امرؤ القيس:\nوإن تك قد ساءتك منّي خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسل «٢»\nأي قلبي من قلبك.\nوقال الحسن والمقرظي: وخلقك فحسّن، ودليلهما قول الشاعر:\nويحيى لا يلام بسوء خلق ... ويحيى طاهر الأثواب حر «٣»\nأي حسن الأخلاق.\nعطية عن ابن عباس: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب غير طائل، وقال ابن زيد وابن شريك نقّ ثيابك واغسلها بالماء وطهّرها من النجاسة وذلك أنّ المشركين كانوا لا يتطهرون فأمره أن يطهّر ثيابه.\nقال الفراء: وسمعت بعضهم يقول: طهّرها بالأشنان.\nوقال طاوس: وثيابك فقصّر وشمّر، لأن تقصير الثياب طهرة لها، وقيل: وأهلك فطهّره من الخطايا بالوعظ والتأديب والعرب تسمّي الأهّل ثوبا ولباسا وإزارا، وقد مضى ذكره. يحيى ابن معاد: طهّر قلبك من مرض الخطايا وأشغال الدنيا تجد حلاوة العبادة، فإن من لم يصن الجسم لا يجد شهوة الطعام، وقيل: طهّر قلبك عما سوى الله.\nوَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ قرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وحميد وأبو جعفر وشيبة ويعقوب (وَالرُّجْزَ) بضم الراء ومثله روى الفضل وحفص عن عاصم واختاره أبو حاتم وقرأ الباقون بكسر الراء واختاره أبو عبيد قال لأنها أفشى اللغتين وأكثرهما، وهما لغتان لمعنى واحد.\n_________\n(١) الصحاح: ٥/ ٢٠٥٠. والدسم: المتلطّخ بالذنوب. [.....]\n(٢) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٧٠. والدسم: المتلطّخ بالذنوب.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ٦٤.","vol":"10","page":69},{"text":"قال ابن عباس: اترك المأثم، مجاهد وقتادة وعكرمة والزهري وابن زيد: والأوثان فاهجر ولا تقربها وهي رواية الوالبي عن ابن عباس، وقيل الزاي فيه منقلبة عن السين والعرب تعاقب بين الزاي والسين لقرب مخرجهما ودليل هذا التأويل قوله سبحانه: فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ «١» .\nأبو العالية والربيع: الرجز بالضم الصّنم، وبالكسر: النجاسة والمعصية، وقال الضحاك:\nيعني الشرك، ابن كيسان: يعني الشيطان، وقال الكلبي: يعني العذاب، ومجاز الآية: أهجر ما أوجب لك العذاب من الأعمال، وقيل: أتسقط حب الدنيا عن قلبك فإنها رأس كلّ خطيئة، وقيل: ونفسك فخالفها.\nوَلا تَمْنُنْ قراءة العامة بإظهاره التضعيف وقرأ أبو السماك العدوى ولا تمنّ مدغمة مفتوحة مؤكدة تَسْتَكْثِرُ قرأ الحسن بالجزم على جواب النهي وهو ردي لأنه ليس بجواب.\nوقرأ الأعمش بالنصب على توهّم لام كي كأنه قال: لتستكثر، وقرأ الآخرون بالرفع واختلفوا في معنى الآية فقال أكثر المفسرين ولا تعط شيئا لتعطى أكبر منه، قال قتادة: لا تعط شيأ طمعا لمجازاة الدنيا ومقارضتها، القرظي: لا تعط مالك مصانعة، قال الضحاك ومجاهد:\nكان هذا للنبي ﷺ خاصة، وقال الضحاك: هما رياءان: حلال وحرام، فأما الحلال فالهدايا وأما الحرام فالربا.\nوقال الحسن: وَلا تَمْنُنْ على الله بعملك فتستكثره، الربيع: لا يكثرن عملك في عينك فإنه فيما أنعم الله عليك وأعطاك قليل، ابن كيسان: لا تستكثر عملك فتراه من نفسك أنّما عملك منّة من الله سبحانه عليك، إذ جعل لك سبيلا إلى عبادته [فله] «٢» بذلك الشكر أن هداك له، خصيف عن مجاهد: ولا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: حبل متين إذا كان ضعيفا، ودليله قراءة ابن مسعود ولا تمنن أن تستكثر، وقال ابن زيد: معناه ولا تمنّ بالنبوة على الناس فنأخذ عليها منهم أجرا وعرضا من الدنيا. زيد بن أسلم: إذا أعطيت عطية فأعطها لربّك واصبر حتى يكون هو الذي يثيبك عليها، وقال مجاهد: واصبر لله على ما أوذيت، ابن زيد: حملت أمرا عظيما محاربة العرب ثم العجم فاصبر عليه لله، وقيل: على أوامر الله ونواهيه، وقيل: فَاصْبِرْ تحت موارد القضاء لأجل الله، وقيل: فارق الملامة والسآمة، وقيل: فَاصْبِرْ على البلوى فإنه يمتحن أحباءه وأصفياءه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٨ الى ٣١]</span>\nفَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا (١٢)\nوَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)\nإِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢)\nثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧)\nلا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)\n_________\n(١) سورة الحج: ٣٠.\n(٢) في المخطوط: فعليه.","vol":"10","page":70},{"text":"فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ أي نفخ في الصّور.\nحدثنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد الحفوظي قال: حدّثنا عبد الله بن هشام قال: حدّثنا أسباط بن محمد القرشي عن مطرف عن عطية عن ابن عباس في قوله سبحانه: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته يستمع متى يؤمر فينفخ» [٥٤] «١» وقال أصحاب رسول الله كيف نقول؟\nقال: «قولوا: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا» [٥٥] «٢» .\nفَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ أخبرنا أبو جعفر [محمد] الحلقاني «٣» قال: حدّثنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه قال:\nحدّثنا عمران بن موسى قال: حدّثنا هدية بن خلد القيسي، قال: حدّثنا أبو حباب القصاب قال:\nأمّنا زرارة بن أوفى فلما بلغ فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ الآية: خرّ ميتا «٤» .\nذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ أي خلقته في بطن أمه وَحِيدًا فريدا لا مال له ولا ولد. نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي. قال ابن عباس وكان يسمى: الوحيد في قومه.\nوَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا أي كثيرا وقيل: ما يمدّ بالنماء كالزرع والضرع والتجارة واختلفوا في مبلغه. فقال: مجاهد وسعيد بن جبير: ألف دينار. قتادة: أربعة آلاف دينار. سفيان الثوري: ألف ألف. النعمان بن سالم: كان ماله أرضا. ابن عباس: سبعة آلاف مثقال فضة.\nمقاتل: كان له بستانا بالطائف لا ينقطع ثماره شتاء ولا صيفا، دليله وَظِلٍّ مَمْدُودٍ «٥» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ٣٢٦.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٣٢٦.\n(٣) كذا في المخطوط ولعله: الزرقاني.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ٧٠، وتفسير الثعالبي: ٥/ ٥١٢.\n(٥) سورة الواقعة: ٣٠.","vol":"10","page":71},{"text":"وروى ابن جريح عن عطاء عن عمر في قوله سبحانه: وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُودًا قال:\nغلّة شهر. بشهر.\nوَبَنِينَ شُهُودًا حضورا معه بمكة لا يغيبون عنه. قال سعيد بن جبير: كانوا ثلاثة عشر ولدا. مجاهد وقتادة: كانوا عشرة. مقاتل: كانوا سبعة كلّهم رجال، وهم: الوليد بن الوليد وخالد بن الوليد وعماره بن الوليد وهشام بن الوليد والعاص بن الوليد وقيس بن الوليد وعبد شمس بن الوليد، أسلم منهم ثلاثة: خالد وهشام وعمارة، قالوا: فما زال الوليد بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك.\nوَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا أي بسطت له في العيش بسطا، وقال ابن عباس: يعني المال بعضه على بعض كما تمهد الفرش ثُمَّ يَطْمَعُ يرجو أَنْ أَزِيدَ مالا وولدا أو تمهيدا في الدنيا كَلَّا قطع الرجاء عمّا كان يطمع فيه ويكون متّصلا بالكلام الأوّل وقيل: قسم أي حقا وتكون ابتداء آية.\nإِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيدًا معنادا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا سأكلّفه مشقّة من العذاب لا راحة له منها.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن سعيد قال: حدّثنا أحمد بن صالح قال: حدّثنا عبد الله بن وهب قال: أخبرني عمرو بن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي (﵇) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا قال: «هو جبل في النار يكلف أن يصعده فإذا وضع يده ذابت وإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله ذابت وإذا رفعها عادت» [٥٦] «١» .\nإِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ الآيات، وذلك\nأن الله سبحانه لما أنزل على النبي (﵇) حم تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ إلى قوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ «٢» قرأها النبي (﵇) في المسجد والوليد بن المغيرة قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي (﵇) لاستماعه لقراءته أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حذاء مجلس قومه بني مخزوم فقال: والله لقد سمعت من محمد كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق وإنّه يعلو وما يعلى.\nثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبا والله الوليد والله ليصبأنّ قريش كلّهم وكان يقال للوليد: ريحانة قريش، فقال: لهم أبو جهل أنا أكفيكموه فانطلق فقعد إلى جنب الوليد حزينا، فقال: له الوليد ما لي أراك حزينا يا ابن أخي، قال: وما يمنعني أن لا أحزن وهذه قريش يجمعون\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٧٢.\n(٢) سورة غافر: ١- ٢- ٣.","vol":"10","page":72},{"text":"لك نفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون أنّك [تؤمن] بكلام محمد وتدخل على ابن أبي كبشة وابن أبي قحافة لتنال من فضل طعامهم، فغضب الوليد وقال: ألم تعلم قريش أني أكثرهم مالا وولدا وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام فيكون لهم فضل؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أن محمدا مجنونا فهل رأيتموه يخنق قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه يتكهّن قط؟ قالوا: اللهم لا، قال: تزعمون أنه شاعر فهل رأيتموه ينطق بشعر قط؟ قالوا: اللهم لا. قال: تزعمون أنه كذّاب فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ قالوا: لا، وكان رسول الله (﵇) يسمّى: الأمين قبل النبوة من صدقه.\nفقالت: قريش: فما هو؟ فتفكّر في نفسه ثم نظر وعبس فقال: ما هو إلّا ساحرا، أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر، وما يقوله سحر.\nفذلك قوله سبحانه إِنَّهُ فَكَّرَ في محمد والقرآن وَقَدَّرَ في نفسه ماذا يمكنه أن يقول فيهما. فَقُتِلَ لعن، وقال الزهري: عذّب كَيْفَ قَدَّرَ على طريق التعجّب والإنكار والتوبيخ. ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ كلح ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقالَ إِنْ هذا ما هذا الذي يقرأه محمد إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ يروى ويحكى.\nإِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ يعني يسارا وجبرا فهو مأثرة عنهما. وقيل: يرويه عن مسيلمة صاحب اليمامة، وقيل: يرويه عن أهل بابل.\nسَأُصْلِيهِ سأدخله سَقَرَ لم يصرفه، لأنه اسم من أسماء جهنم.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا سعدان قال: حدّثنا أحمد بن صالح قال: حدّثنا ابن وهب قال: أخبرنا عمرو أن أبا السمح حدّثه عن ابن حجرة عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ: «قال موسى لربّه ﷿: أي عبادك أفقر؟ قال: صاحب سقر» [٥٧] «١» .\nوَما أَدْراكَ ما سَقَرُ لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ فيها شيئا إلّا أكلته وأهلكته قال مجاهد: يعني لا تميت ولا تحيي يعني أنها لا تُبْقِي من فيها حيّا وَلا تَذَرُ من فيها ميتا، ولكنها تحرقهم كلّما جدد خلقهم، وقال السدي: لا تُبْقِي لهم لحما وَلا تَذَرُ لهم عظما، وقال الضحاك: إذا أخذت فيهم لم تبق منهم شيئا وإذا أعيدوا لم تذرهم حتى تفنيهم، ولكل شيء فترة وملالة إلّا لجهنم.\nلَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ مغيّرة للجلود. تقول العرب: لاحته الشمس ولوّحته. قال الشاعر:\nتقول لشيء لوحته السمائم «٢»\nوقال رؤبة:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٧٧.\n(٢) فتح القدير: ٥/ ٣٢٧ ومطلعه: وتعجب هذا أن رأتني شاحبا.","vol":"10","page":73},{"text":"لوح منه بعد بدّن وسق ... تلويحك الضامر يطوى للسبق «١»\nقال مجاهد: يلفح الجد فتدعه أشدّ سوادا من الليل، وقال ابن عباس وزيد ابن أسلم:\nمحرقة للجلد، وقال الحسن وابن كيسان: يعني تلوح لهم جهنم متى يروها عيانا. نظيره وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ «٢»، ولَوَّاحَةٌ رفع على النعت، سقر في قوله وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ وقرأ عطية العوفي في لَوَّاحَةً لِلْبَشَرِ بالنصب والبشر جمع بشره وجمع البشر أبشار.\nعَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ من الخزنة ويحتمل أن يكونوا تسعة عشر صنفا ويحتمل أن يكونوا تسعة عشر صفا، ويحتمل أن يكونوا تسعة عشر نقيبا، ويحتمل أن يكونوا تسعة عشر ملكا بأعيانهم وعلى هذا أكثر المفسّرين. ولا يستنكر هذا فإن ملك واحد يقبض أرواح جميع الخلق كان أحرى أن يكون تسعة عشر على عذاب بعض الخلق.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن لؤلؤ قال: أخبرنا الهيثم بن خلف قال: حدّثنا إبراهيم ابن إبراهيم قال: حدّثنا حجاج بن جريح قال: حدّثنا مرفوعا إلى النبي (﵇) «إنّه نعت خزنة النار فقال: كأن أعينهم البرق، وكإن أفواههم الصياصي يجرّون أشعارهم، لأحدهم من القوة مثل قوة الثقلين يسوق أحدهم الأمة وعلى رقبته جبل فيرميهم في النار، ويرمي بالجبل عليهم» [٥٨] «٣» .\nوقال عمرو بن دينار: إن واحدا منهم يدفع بالدفعة الواحدة في جهنم أكثر من ربيعة ومضر. قال ابن عباس وقتادة والضحاك: لما نزلت هذه الآية قال أبو جهل: لقريش ثكلتكم أمهاتكم اسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر وأنتم ألدّهم- أي الشجعان- أفتعجز كلّ عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم، فقال أبو الاشدين كلدة بن خلف بن أسد الجمحي: أنا أكفيكم منهم سبعة عشرة على ظهري وسبعة على بطني واكفوني أنتم اثنين.\nفأنزل الله ﷾ وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً لا رجالا إذ من فمن ذا يغلب الملائكة وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ عددهم إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لتكذيبهم بذلك وقول بعضهم أنا أكفيكموه. لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لأنّه مكتوب في التوراة والإنجيل أنهم تسعة عشر.\nوَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا وَلا يَرْتابَ يشك الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شك ونفاق قاله أكثر المفسرين، وقال الحسين بن الفضل: السورة مكيّة ولم يكن بمكة البتة نفاق فالمرض في هذه الخلاف لا النفاق.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٧٨. [.....]\n(٢) سورة الشعراء: ٩١.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ٧٩.","vol":"10","page":74},{"text":"ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا إنما قاله مشركو مكّة كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ جموع ربك إِلَّا هُوَ قال مقاتل: هذا جواب أبي جهل حين قال:\nأما لمحمد أعوان إلّا تسعة عشر.\nأخبرنا الحسين قال: حدّثنا عمران أحمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن أحمد الصباح قال: حدّثنا محمد بن عبيدة الوراق أبو مخدورة قال: حدّثنا حسين بن الحسن الأشقر قال:\nحدّثنا هاشم عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقسّم غنائم حنين وجبرئيل إلى جنبه، فأتاه ملك فقال: إنّ ربّك يأمرك بكذا وكذا قال: فخشي النبي عليهم أن يكون شيطان فقال: «يا جبريل أتعرفه» [٥٩] «١» قال: هو ملك، وما كل ملائكة ربّك أعرف.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد بن مرداس قال: حدّثنا سلمة ابن شعيب قال: حدّثنا عبد القدوس قال: سمعت الأوزاعي يقول: قال موسى ﵇: يا ربّ من معك في السماء؟ قال: ملائكتي، قال: كم عددهم؟ قال: إثنا عشر سبطا، قال: كم عدة كل سبط؟ قال: عدد التراب.\nوَما هِيَ يعني النار إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ عضة للناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>[سورة المدثر (٧٤): الآيات ٣٢ الى ٥٦]</span>\nكَلاَّ وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)\nلِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلاَّ أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)\nما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦)\nحَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)\nبَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢) كَلاَّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ (٥٣) كَلاَّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (٥٤) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (٥٥) وَما يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)\nكَلَّا وَالْقَمَرِ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ يعني ولّى ذاهبا، واختلفت القراءة فيه فقرأ ابن محيصن ونافع وحمزة وخلف ويعقوب وحفص إِذْ بغير ألف. أَدْبَرَ بالألف، غيرهم هم ضده، واختاره أبو عبيد قال: لأنها أشدّ موافقه للحرف الذي يليه، ألا تراه قال: وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ فكيف يكون في أحدهما إذا وفي الآخر إذ، وأبو حاتم قال: لأنه ليس في القرآن لجنبه إذ وأنما الأقسام بجنبها إذا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٨٣.","vol":"10","page":75},{"text":"قال قطرب من قرأ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ: يريد أقبل، من قول العرب دبر فلان أي جاء خلفي، فكأنّه دبر خلف النهار. قال أبو الضحى: كان ابن عباس يعيب على من يقرأ دبر ويقول:\nإنما يدبّر ظهر البعير، وقال الفراء: هما لغتان دبّر وأدبر. قال الشاعر:\nصدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت مسامعه كأمس الدابر «١»\nوقال أبو عمرو: دبّر لغة قريش.\nوَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ قرأه العامة بالألف أي أضاء وأقبل، وقرأ ابن السميع وعيسى ابن الفضل سفر بغير ألف، وهما لغتان يقال: سفر وجه فلان وأسفر، إذا أضاء، ويجوز أن يكون من قولهم: سفرت المرأة إذا ألقت خمارها عن وجهها، ويحتمل أن يكون معناه نفي الظلام كما سفر البيت أي يكنس ويقال للمكنسة المسفرة.\nإِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ يعني أن سفر لإحدى الأمور العظام وواحد الكبر كبرى: نَذِيرًا لِلْبَشَرِ يعني أنّ النار نذير للبشر قال الحسن: والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها، وهو نصب على القطع من قوله: لَإِحْدَى الْكُبَرِ لأنها معرفة ونَذِيرًا نكرة.\nقال الخليل: النذير مصدر كالنكير، فلذلك وصف به المؤنث، وقيل: هو من صفة الله سبحانه مجازه: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً ...، نَذِيرًا لِلْبَشَرِ أي إنذارا لهم. قال أبو رزين:\nأنا لكم منها نذير فاتقوها، وقيل: هو صفة محمد (﵇)، ومعنى الكلام: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قم نَذِيرًا لِلْبَشَرِ فأنذر، وهو معنى قول ابن زيد، وقرأ إبراهيم عن أبي غيلة نذيرٌ للبشر بالرفع على إضمار هو.\nلِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ في الخير والطاعة أَوْ يَتَأَخَّرَ عنها في الشر والمعصية نظيره ودليله وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ يعني في الخير وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ عنه قاله الحسن، وهذا وعيد لهم كقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ «٢» يعني أنّه نذير لهما جميعا. كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ مرتهنة بكسبها مأخوذة بعملها. إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فإنهم لا يحاسبون ولا يرتهنون بذنوبهم ولكن يغفرها الله لهم ويتجاوزها عنهم كما وعدهم. قال قتادة: غلق الناس كلّهم إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ واختلفوا فيهم.\nفأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن [شنبه] «٣» قال: حدّثنا رضوان بن أحمد قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي اليقظان عن زاذان عن علي في قوله: إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ قال: هم أطفال المسلمين.\n_________\n(١) بلاغات النساء: ١٢٩. وفيه: مناظره كأمس الدائر، وفي تاريخ دمشق (٤٣/ ٤٩٧): قرعت العابر.\n(٢) سورة الكهف: ٢٩.\n(٣) غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه.","vol":"10","page":76},{"text":"تدل عليه ما\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حسن قال: حدّثنا البغوي قال: حدّثنا علي ابن الجعد قال: أخبرنا أبو عقيل عن نهيّة عن عائشة قالت: سألت رسول الله ﷺ عن ولدان المؤمنين أين هم؟ قال: في الجنة وسألته عن ولدان المشركين فقال: إن شئت سمّعتك تضاغيهم في النار [٦٠] «١» .\nوقال أبو ظبيان: عن ابن عباس: هم الملائكة،\nوروى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر الباقر قال: نحن وشيعتنا أصحاب اليمين\n، وقال مقاتل: هم أهل الجنة الذين كانوا على يمين آدم يوم الميثاق حين قال لهم الله سبحانه: هؤلاء في الجنة ولا أبالي.\nوقال الحسن: هم المسلمون المخلصون، وعنه أيضا: هم الذين كانوا ميامين على أنفسهم. ابن كيسان هم المؤمنون الصالحون ليسوا مرتهنين لأنهم أدّوا ما كان عليهم. يمان: هم الذين أمكنوا رهونهم، وقال الحكيم: هم الذين أختار الله سبحانه بخدمته فلم يدخلوا في الرهن، لأنهم خدّام الله سبحانه وصفوته وكسبهم لم يضرهم، وقال القاسم: كلّ نفس مأخوذة بكسبها من خير وشر إلّا من اعتمد الفضل والرحمة دون الكسب والخدمة فكل من اعتمد على الكسب فهو رهين به ومن اعتمد على الفضل فإنّه غير مأخوذ.\nوسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا عمرو البخاري يقول: في قوله سبحانه: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ قال: فأين الفرار من القدر وكيف القرار على الخطر؟.\nفِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ المشركين ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ في الباطل. وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ يعني الموقن به وهو الموت.\nقال الله ﷾: فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ قال عبد الله بن مسعود: يشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلّا أربعة ثم تلا قوله سبحانه: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ إلى قوله بِيَوْمِ الدِّينِ قال الحسن: كنا نتحدّث أن الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد قال: حدّثنا ثابت عن الحسن أن رسول الله (﵇) قال:\n«يقول الرجل من أهل الجنة يوم القيامة أي ربي عبدك فلان سقاني شربة من الماء في الدنيا فشفّعني فيه، فيقول اذهب فأخرجه من النار فيذهب فيتجسس النار حتى يخرجه منها» [٦١] «٢» .\n_________\n(١) فتح الباري: ٣/ ١٩٥.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٨٨.","vol":"10","page":77},{"text":"وبإسناد عن حماد عن خالد الحذاء عن عبد الله ابن شفيق عن رجل من بني تميم قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «ليشفعن رجل من أمتي لأكثر من بني تميم» [٦٢] «١» .\nوأخبرنا الحسن قال: حدّثنا عمر بن نوح البجلي قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن شاهين قال: حدّثنا عبد الله بن عمر قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا داود بن أبي هند عن عبد الله بن قيس الأسدي عن الحرث بن أقشن قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من أمتي من سيدخل الله بشفاعته الجنة أكثر من مضر» [٦٣] «٢» .\nفَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ نصب على الحال، وقيل: صاروا معرضين. كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ جمع حمار مُسْتَنْفِرَةٌ قرأ أهل المدينة والشام وأيوب بفتح الفاء أي منفرة مذعورة، ومثله روى المفضل عن عاصم وأختاره أبو عبيد، وقرأ الآخرون بالكسر أي نافرة يقال: نفرت واستنفرت بمعنى واحد، وأنشد الفراء:\nأمسك حمارك إنه مستنفر ... في الثر أحمرة عمدن لغرت «٣»\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا أبو حامد المستملي قال: حدّثنا محمد بن حاتم الذمي قال: حدّثنا محمد بن سلام الجمحي قال: سألت أبا سراب الغنوي وكان أعرابيا فصيحا قارئا للقرآن فقلت: حمر ماذا؟ قال: حمر مستنفرة طردها قسورة، قلت: إنّما هي فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ فقال: أفَرَّتْ، قلت: نعم قال: ف مُسْتَنْفِرَةٌ.\nفَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ اختلفوا فيه فقال مجاهد وقتادة والضحاك وابن كيسان: هم الرماة وهي رواية عطاء عن ابن عباس وأبي ظبيان عن أبي موسى الأشعري، وقال سعيد بن جبير: هم القناص وهي رواية عطية عن ابن عباس.\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع عن شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ قال: عصب الرجال.\nوأخبرني عقيل قال: أخبرنا المعافى قال: أخبرنا محمد بن جرير قال: حدّثنا ابن المثنى قال: حدّثني عبد الصمد بن عبد الوارث قال: سمعت أبي تحدث قال: حدّثني داود قال: حدّثني عباس بن عبد الرحمن مولى بني هاشم قال: سئل ابن عباس عن القسورة فقال: هي جمع الرجال ألم تسمع ما قالت فلانة في الجاهلية:\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٦٦ بتفاوت.\n(٢) مسند أحمد: ٥/ ٣١٣ بتفاوت.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٢١٠.","vol":"10","page":78},{"text":"يا بنت كوني خيرة لخيرة ... أخوالها الحي وأهل القسورة «١»\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا أبو عبيد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان بن عيينة عن عمرو وعن عطاء عن ابن عباس في قوله سبحانه فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ قال: هي ركز الناس.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبش قال: حدّثنا أبو يعلي الموصلي قال: حدّثنا يحيى بن معين قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسماعيل بن مسلم العبدي عن أبي المتوكّل في قوله سبحانه: فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ قال: هو لغط القوم، وقال أبو هريرة: هي الأسد.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن سليمان بن قتة عن ابن عباس فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ قال: هو بلسان العرب: الأسد، وبلسان الحبش: القسورة، وبلسان فارس: شير، وبلسان النبط: أريا. وقيل: هو فعولة من القسر وهو القهر، سمي بذلك لأنه يقهر السباع كلّها.\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا محمد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا محمد بن صالح بن ذريح قال: حدّثنا حبارة بن مغلس قال: حدّثنا عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ قال: من حبال الصيادين، وقال عكرمة: من ظلمة الليل، وقيل: هي سواد أول الليل ولا يقال لسواد آخر الليل: قسورة، وقال زيد بن أسلم:\nأي من رجال أقوياء، وكلّ ضخم شديد عند العرب فهو قسور وقسورة. قال لبيد:\nإذا ما هتفنا هتفة في ندينا ... أتانا الرجال العائذون القساور «٢»\nبَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً وذلك أنهم قالوا: يا محمد إن سرّك أن نتبعك فأتنا بكتاب خاصة إلى فلان وفلان من ربّ العالمين نؤمر فيه باتباعك، نظيره قوله: وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ «٣» . بادان عن ابن عباس يقول: كان المشركون يقولون: لو كان محمد صادقا فليصح عند كل رأس رجل منا صيحة فيها براءته وأمنه من النار.\nقال مطر الوراق: كانوا يريدون أن يؤتوا براءة من غير عمل، وقال الكلبي: إن المشركين قالوا:\nيا محمد بلغنا أن الرجل من بني إسرائيل يصبح مكتوب عند رأسه ذنبه وكفارته فأتنا بمثل ذلك، فكرهه رسول الله ﷺ، وأنزل الله سبحانه هذه الآية كَلَّا ليس كما تقولون وتريدون وقيل:\nحقا وكل ما ورد عليك منه فهذا وجهه بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ كَلَّا إِنَّهُ يعني القرآن تَذْكِرَةٌ وليس بسحر فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ بالتاء نافع، يعقوب وغيرهما بالياء إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ\n_________\n(١) فتح القدير: ٥/ ٣٣٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٨٩.\n(٣) سورة الإسراء: ٩٣. [.....]","vol":"10","page":79},{"text":"هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ أي أهل أن تتقى محارمه وأهل أن يغفر لمن اتقاه.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل قال:\nحدّثنا هدية بن خالد قال: وحدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدقاق وهارون بن محمد قالا: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا هدية قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي قال: حدّثنا الحسن ابن علي المعمري قال: حدّثنا هدية قال: حدّثنا سهيل بن أبي حزم عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال هذه الآية: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ: قال ربكم ﷿: أنا أهل أن اتقى ولا يشرك بي غيري وأنا أهل لمن اتقى أن يشرك بي أن أغفر له» [٦٤] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثنا أبي قال:\nحدّثنا عبد القدوس بن بكر قال: سمعت محمد بن النظر الجارقي يذكر في قوله سبحانه: هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ قال: أنا أهل أن يتقيني عبدي فإن لم يفعل كنت أنا أهلا أن أغفر له.\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ٢/ ١٤٣٧.","vol":"10","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-830>سورة القيامة</span>\nمكيّة، وهي ستمائة واثنان وخمسون حرفا، ومائة وتسع وتسعون كلمة، وأربعون آية\nأخبرني محمد بن القيم الفقيه قال: حدّثنا محمد بن يزيد المعدّل قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثنا محمد بن منصور قال: حدّثنا محمد بن عمران بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدّثني أبي عن مجاهد عن عبد الواحد عن الحجاج بن عبد الله عن أبي الخليل وعن علي ابن زيد وعطاء بن أبي ميمونة عن زرين حبش عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة القيامة شهدت أنا وجبرائيل له يوم القيامة أنه كان مؤمنا بيوم القيامة وجاء ووجهه مسفر على وجوه الخلائق يوم القيامة» [٦٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١ الى ١٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ (١) وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (٢) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ (٣) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ (٤)\nبَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ (٥) يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ (٦) فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)\nيَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلاَّ لا وَزَرَ (١١) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)\nلا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ قراءة العامة مقطوعة الألف مهموزة.\nوَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ مثلها، وقرأ الحسن وعبد الرحمن الأعرج لأقسم بغير ألف موصله. وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ بالألف مقطوعة على معنى أنه أقسم باليوم ولم يقسم بالنفس، ومثله روى القواس عن شبل عن ابن بكير، والصحيح أنه قسم بهما جميعا ومعنى قوله لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ اختلفوا فيه فقال: بعضهم لا صلة أي أقسم بيوم القيامة وإليه ذهب سعيد بن جبير وقال أبو بكر بن عباس: هو تأكيد للقسم كقولك لا والله، وقال الفراء في قوله لا: رد لكلام المشركين ثم ابتدأ القسم فقال أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ، وقال: وكل يمين قبلها رد فلا بد من تقديم (لا) قبلها ليفرّق بين اليمين التي تكون جحدا واليمين التي تستأنف، ألا ترى أنك تقول مبتدئا: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق، فكأنك أكّدت قوما أنكروه.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ١٩٠.","vol":"10","page":81},{"text":"أخبرنا عقيل أن المعافى أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا وكيع عن سفيان ومسعر عن زياد بن علاقة عن المغيرة بن شعبة قال: لا يقولون القيامة القيامة وإنما قيامة أحدهم موته، وبه عن سفيان ومسعر عن أبي قيس قال: شهدت جنازة فيها علقمة فلما دفن قال: أما هذا فقد قامت قيامته.\nوَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ قال: سعيد بن جبير وعكرمة: تلوم على الخير والشر ولا تصبر على السراء والضراء. مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه وتقول لو فعلت ولو لم أفعل.\nقتادة: اللوامة: الفاجرة. ابن عباس: هي المذمومة، وقال الفراء: ليس من نفس برّة ولا فاجرة إلّا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيرا قالت: هلّا زدت، وإن كانت عملت سوءا قالت: يا ليتني لم أفعل. الحسن: هي نفس المؤمن، قال: إنّ المؤمن والله ما تراه إلّا يلوم نفسه ما أردت بكلامي ما أردت بأكلتي ما أردت بحديث نفسي وإنّ الفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا [يعاتبها] «١» . مقاتل: هي نفس الكافر تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله في الدنيا، وقيل: لومها قوله سبحانه: يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي «٢» ويا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ «٣» أي في أمر الله. سهل: هي الإمارة بالسوء وهي قرينة الحرص والأمل.\nأبو بكر الورّاق: النفس كافرة في وقت منافقه في وقت مرائية على الأحوال كلّها هي كافرة لأنها لا تألف الحق، وهي منافقة لأنها لا تفي بالعهد، وهي مرائية لأنها لا تحبّ أن تعمل عملا ولا تخطو خطوة إلّا لرؤية الخلق، فمن كانت هذه صفاته فهي حقيقة بدوام الملامة لها.\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ\nنزلت في عدي بن ربيعة بن أبي سلمة حليف بني زهرة ختن الأخنس ابن شريف حليف بني زهرة وكان النبي (﵇) يقول: «اللهم اكفني جاري السوء» يعني عديا والأخنس [٦٦] «٤» وذلك أن عدي بن ربيعة أتى النبي (﵇) فقال: يا محمد حدّثني عن يوم القيامة متى يكون، وكيف يكون أمرها وحالها فأخبره النبي (﵇) بذلك، فقال:\nلو عاينت ذلك اليوم لم أصدّقك ولم أؤمن به، أويجمع الله العظام؟\nفأنزل الله سبحانه أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ يعني الكافر.\nأَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بعد تفريقها وبلائها فنجيبه ونبعثه بعد الموت، يقال: إنّه ذكر\n_________\n(١) في المخطوط: ولا يعاتبه.\n(٢) سورة الفجر: ٢٤.\n(٣) سورة الزمر: ٥٦.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ٩٣.","vol":"10","page":82},{"text":"العظام، والمراد بها نفسه كلّها لأن العظام قالب الخلق ولن يستوي الخلق إلّا باستوائها، وقيل:\nهو خارج على قول المنكر أو يجمع الله العظام كقول الآخر: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ «١» .\nثم قال سبحانه: بَلى قادِرِينَ أي نقدر استقبال صرف إلى الحال، قال الفراء:\nقادِرِينَ نصب على الخروج من نَجْمَعَ كأنك قلت في الكلام: أيحسب أن لن يقوى عليك، بَلى قادِرِينَ على أقوى منك، يريد بلى نقوى مقتدرين على أكثر من ذا «٢»، وقرأ ابن أبي غيلة قادرون بالرفع، أي بلى نحن قادرون، ومجاز الآية: بلى نقدر على جمع عظامه وعلى ما هو أعظم من ذلك، وهو: عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ أنامله فيجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحد كخف البعير، أو كظلف الخنزير، أو كحافر الحمار، فلا يمكنه أن يعمل بها شيئا ولكنا فرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء، ويقبض إذا شاء ويبسط إذا شاء فحسّنا خلقه. هذا قول عامة المفسرين.\nوقال القبيسي: ظن الكافر أن الله لا يبعث الموتى ولا يقدر على جمع العظام البالية، فقال الله سبحانه: بَلى قادِرِينَ أن نعيد السلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى نسوي البنان، ومن يقدر على هذا فهو على جمع كبار العظام أقدر! وهذا كرجل قلت له: أتراك تقدر على أن تؤلف من هذا الحنظل في خيط ويقول نعم وبين الخردل.\nبَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ يقول تعالى ذكره: ما يجهل ابن آدم أن ربّه قادر على جمع عظامه بعد الموت، ولكنّه يريد أن يفجر أمامه، أي يمضي قدما في معاصي الله راكبا رأسه لا ينزع عنها ولا يتوب، هذا قول مجاهد والحسن وعكرمه والسدي، وقال سعيد بن جبير: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، يقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على شر أحواله وأسوأ أعماله، وقال الضحاك: هو الأمل يأمل الإنسان يقول: أعيش وأصيب من الدنيا كذا وكذا ولا يذكر الموت، وقال ابن عباس وابن زيد: يكذّب بما أمامه من البعث والحساب، وقال ابن كيسان: يريد أن تأتيه الآخرة التي هي أمامه فيراها في دار الدنيا.\nوأصل الفجور: الميل، ومنه قيل للكافر والفاسق والكافر: فاجر، لميلهم عن الحق، وقال السدي أيضا: يعني ليظلم على قدر طاقته، وقيل: يركب رأسه في هواه ويهتم حيث قادته نفسه.\nيَسْئَلُ أَيَّانَ متى يَوْمُ الْقِيامَةِ فبيّن الله له ذلك فقال عزّ من قال: فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ قرأ أبو جعفر ونافع وابن أبي إسحاق: بَرَقَ بفتح الراء وغيرهم بالكسر.\n_________\n(١) سورة يس: ٧٨.\n(٢) تفسير الطبري: ٢٩/ ٢١٩.","vol":"10","page":83},{"text":"أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسن بن الحسين بن أيوب، أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا حجاج عن هارون قال: سألت أبا عمرو بن العلاء عنها فقال:\nبَرِقَ بالكسر يعني جار قال: وسألت عنها عبد الله بن أبي إسحاق فقال: بَرَقَ بالفتح، وقال: إنّما برق الحنظل اليابس، وبرق البصر قال: فذكرت ذلك لأبي عمرو فقال: إنما برق الحنظل والنار والبرق، وأما البصر فبرق عند الموت، قال: فأخبرت بذلك ابن أبي إسحاق فقال: أخذت قراءتي عن الأشياخ نصر بن عاصم وأصحابه فذكرت ذلك لأبي عمرو فقال: لكني لا آخذ عن نصر ولا عن أصحابه كأنه يقول أخذ عن أهل الحجاز فقال: قتادة ومقاتل: شخص البصر فلا يطرف مما يرى من العجائب مما كان يكذب به في الدنيا إنّه غير كائن، وقال الفراء والخليل:\nبَرِقَ بالكسر فزع، وأنشدا لبعض العرب:\nفنفسك قانع ولا تتغي ... وداو الكلوم ولا تبرق\nأي لا تفزع من الجرح الذي بك.\nقال ذو الرمّة:\nولو أن لقمان الحكيم تعرّضت ... لعينيه ميّ سافرا كاد يبرق «١»\nوبَرَقَ بفتح الراء: شقّ عينه وفتحها، وأنشد أبو عبيدة:\nلما أتاني ابن عمير راغبا ... أعطيته عيسا صهابا فبرق «٢»\nأي فتح عينه، ويجوز أن يكون من البرق.\nوَخَسَفَ الْقَمَرُ أظلم وذهب ضوءه، قال ابن كيسان: ويحتمل أن يكون بمعنى غاب كقوله سبحانه فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ «٣»، وقرأ [ابن أبي إسحاق وعيسى والأعرج]: وَخُسِفَ بالضم لقوله: وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ «٤» أسودين مكوّرين كأنهما ثوران عقيران، وهي في قراءة عبد الله: وجمع بين الشمس والقمر، وقيل: وجمع بينهما في ذهاب الضياء، وقال عطاء بن يسار: يجمعان يوم القيامة، ثم يقذفان في البحر، فيكونان نار الله الكبرى،\nوقال علي بن أبي طالب وابن عباس: يجعلان في نور الحجب.\nيَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ المهرب، وقرأها العامة الْمَفَرُّ بفتح الفاء واختاره أبو عبيد وأبو حاتم قالا: لأنه مصدر، وقرأ ابن عباس والحسن بكسر الفاء، قال الكسائي: هما\n_________\n(١) لسان العرب: ١٠/ ١٥.\n(٢) الأبيات في تفسير القرطبي: ١٩/ ٩٦ مورد الآية.\n(٣) سورة القصص: ٨١.\n(٤) سورة القيامة: ٩.","vol":"10","page":84},{"text":"لغتان مثل مدب ومدب ومصح ومصح، وقال الآخرون: بالفتح المصدر وبالكسر موضع الفرار مثل المطلع والمطلع.\nكَلَّا لا وَزَرَ لا حصن ولا حرز ولا ملجأ، قال السدي: لا جبل، وكانوا إذا فزعوا نحوا إلى الجبل فتحصّنوا به فقال الله سبحانه: لا جبل يومئذ يمنعهم.\nإِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ\nأي مستقر الخلق وأعمالهم وكل شيء، وقال مقاتل: المنتهى فلا يجد عنه مرحلا نظيره وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى وقال يمان: المصير والمرجع، وهو قول ابن مسعود نظيره إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى\n«١» وإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ «٢» وقوله سبحانه أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ «٣» .\nيُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ\n«٤» قال ابن مسعود وابن عباس: قدم قبل موته من عمل صالح أو طالح وما أخر بعد موته من سنة حسنة أو سيئة يعمل بها. عطية عن ابن عباس:\nبِما قَدَّمَ\nمن المعصية وَأَخَّرَ\nمن الطاعة. مجاهد: بأول عمل عمله وآخره. قتادة: بِما قَدَّمَ\nمن طاعة الله وَأَخَّرَ\nمن حقّ الله فضيّعه. ابن زيد: بِما قَدَّمَ\nمن عمل من خير أو شر وما أَخَّرَ\nمن العمل بطاعة الله فلم يعمل به.\nعطاء: بِما قَدَّمَ\nفي أول عمره وما أَخَّرَ\nفي آخر عمره. زيد بن أسلم: بِما قَدَّمَ\nمن أمواله لنفسه وما أَخَّرَ\nخلّف للورثة، نظيره عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ «٥» .\nسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا سعيد بن أبي بكر بن أبي عثمان يقول:\nسمعت أبي يقول: سمعت أبا عثمان يقول: خمس مصائب في الذنب أعظم من الذنب:\nأوّلها: خذلان الله لعبده حتى عصاه ولو عصمه ما عصاه.\nوالثانية: أن سلبه حلية أوليائه وكساه لباس أعدائه.\nوالثالثة: أن أغلق عليه أبواب رحمته وفتح عليه أبواب عقوبته.\nوالرابعة: نظر إليه وهو يعصيه.\nوالخامسة: وقوفه بين يديه يعرض عليه ما قدّم وأخّر من قبائحه.\nفهؤلاء المصائب الخمس في الذنب أعظم من الذنب.\n_________\n(١) سورة العلق: ٨.\n(٢) سورة آل عمران: ٢٨. [.....]\n(٣) سورة الشورى: ٥٣.\n(٤) سورة القيامة: ١٣.\n(٥) سورة الإنفطار: ٥.","vol":"10","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-832>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ١٤ الى ٢٨]</span>\nبَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ (١٥) لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩) كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (٢١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ (٢٣)\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ (٢٥) كَلاَّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ (٢٦) وَقِيلَ مَنْ راقٍ (٢٧) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ (٢٨)\nبَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ\nقال عكرمة ومقاتل والكلبي: معناه بل الإنسان على نفسه من نفسه رقبا يرقبونه بعمله ويشهدون عليه به وهي: سمعه وبصره ويداه ورجلاه وجميع جوارحه وهذه رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس.\nقال القبسي: أقام جوارحه مقام نفسه لذلك رأت ويجوز أن يكون تأنيثه للإضافة إلى النفس كما تقول في الكلام: ذهبت بعض أصابعه، وبَصِيرَةٌ\nمرفوعة بخبر حرف الصفة وهي قوله عَلى نَفْسِهِ\n، ويحتمل أن يكون معناه بل الإنسان على نفسه ببصيرة، ثم حذفت حرف الجر كقوله: وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ «١» أي لأولادكم، ويصلح أن يكون نعتا لاسم مؤنث أي بل للإنسان على نفسه عين بصيرة وأنشد الفراء:\nكأن على ذي العقل عينا بصيرة ... بمقعده أو منظر هو ناظره\nيحاذر حتّى يحسب الناس كلهم ... من الخوف ولا تخفى عليه سرائره «٢»\nقال أبو العالية وعطاء: بل الإنسان على نفسه شاهد، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، والهاء في بَصِيرَةٌ\nللمبالغة، وقال الأخفش: هي كقولك فلان عبرة وحجة، ودليل هذا التأويل قول الله تعالى: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا «٣» وقال ابن تغلب: البصيرة والبينة والشاهد والدليل واحد.\nر حتّى يحسب الناس كلهم ... من الخوف ولا تخفى عليه سرائره «٢»\nقال أبو العالية وعطاء: بل الإنسان على نفسه شاهد، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، والهاء في بَصِيرَةٌ\nللمبالغة، وقال الأخفش: هي كقولك فلان عبرة وحجة، ودليل هذا التأويل قول الله تعالى: كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا «٣» وقال ابن تغلب: البصيرة والبينة والشاهد والدليل واحد. وَلَوْ أَلْقى عليه مَعاذِيرَهُ\nيعني أنه يشهد عليه الشاهد ولو أعتذر وجادل عن نفسه.\nنظيره قوله سبحانه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ «٤» وقوله: وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ «٥» وهذا قول مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وأبو العالية وعطا. قال الفراء: ولو اعتذر\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٣٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٠٠.\n(٣) سورة الإسراء: ١٤.\n(٤) سورة غافر: ٥١.\n(٥) سورة المرسلات: ٣٦.","vol":"10","page":86},{"text":"فعليه من نفسه من يكذّب عذره. مقاتل: ولو أدلى بعذر أو حجة لم ينفعه ذلك.\nومعنى الإلقاء: القول نظيره: فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ «١» وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ «٢» . الضحاك والسدي: يعني ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب، قال: وأهل اليمن يسمّون الستر المعذار، وقال بعض أهل المعاني: المعاذير إحالة بعضهم على بعض.\nلا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ\nوذلك\nأن رسول الله (﵇) كان لا يفتر من قراءة القرآن مخافة أن ينساه، وكان إذا نزل عليه جبرائيل بالقرآن لم يفرغ جبرائيل من الآية حتى يقرأ رسول الله (﵇) أولها ويحرك لسانه بها في نفسه مخافة أن ينساها فأنزل الله سبحانه وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ «٣» وأنزل سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى\n«٤» وأنزل لا تُحَرِّكْ بِهِ\nأي بالوحي لِسانَكَ\nبه أي تلاوته لتحفظه ولا تنساه إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ\nفي صدرك حتى تحفظه وَقُرْآنَهُ\nوقراءته عليك حتى تعيه وقيل أراد بقوله: وَقُرْآنَهُ\nوجمعه في صدرك وهو مصدر كالرجحان والنقصان.\nفَإِذا قَرَأْناهُ\nعليك فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ\nأي ما فيه من الأحكام ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ بما فيه من الحدود والحلال والحرام. كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ قرأهما أهل المدينة والكوفة بالتاء وغيرهم بالياء أي يختارون الدنيا على العقبى نظيرها في سورة الإنسان إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا «٥» .\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ يعني يوم القيامة ناضِرَةٌ. قال ابن عباس: حسنة. قال الحسن: حسّنها الله بالنظر إلى ربها. مجاهد: مسرورة. ابن زيد: ناعمة. مقاتلان: بيض يعلوها النور. السدي:\nمضيئة. يمان: مسفرة. الفراء: مشرقة بالنعيم. الكسائي: بهجة. قال الفراء والأخفش: يقال نضر الله وجه فلان فلا يتنضر نضيرا فنضر وجهه ننضّر نضرة ونضارة قال الله سبحانه: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ «٦»\nوقال رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها»\n[٦٧] «٧»، ونظر في هذه الآية قوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ «٨» .\nإِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وأكثر الناس تنظر إلى ربّها عيانا.\n_________\n(١) سورة النحل: ٨٦.\n(٢) سورة النحل: ٨٧.\n(٣) سورة طه: ١١٤.\n(٤) سورة الأعلى: ٦.\n(٥) سورة الإنسان: ٢٧.\n(٦) سورة المطفّفين: ٢٤. [.....]\n(٧) مسند أحمد: ٤/ ٨٠.\n(٨) سورة عبس: ٣٩.","vol":"10","page":87},{"text":"قال الحسين بن واقد: أخبرني يزيد بن عكرمة وإسماعيل بن أبي خالد وأشياخ من أهل الكوفة قالوا: تنظر إلى ربّها نظرا، وقال الحسن: تنظر إلى الخالق وحق لها أن تنضر وهي تنظر إلى الخالق، وقال عطية العوفي: ينظرون إلى الله لا تحيط أبصارهم به من عظمته وبصره يحيط بهم، فذلك قوله سبحانه: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ «١» ودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا الحسن بن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن مندة الأصفهاني قال: حدّثنا الحسين بن حفص قال: حدّثنا إسرائيل بن يونس عن ثوير بن أبي فاختة قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وزوجاته ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف عام، وإن أكرمهم على الله لمن ينظر إلى وجهه ﵎ غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله (﵇) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ» [٦٨] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو النفخ محمد بن الحسن الأزدي الموصلي قال:\nحدّثني أحمد بن عيسى بن السكين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عمر بن يونس اليمامي قال:\nحدّثنا قال: أخبرنا رباح بن زيد الصنعاني قال: أخبرني ابن جريح قال: أخبرني زياد بن سعد أن أبا الزبير أخبره عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «يتجلّى ربّنا ﷿ حتى ينظروا إلى وجهه فيخرّون له سجدا فيقول: ارفعوا رؤسكم فليس هذا بيوم عبادة» [٦٩] «٣» .\nوروى الحسن عن عمار بن ياسر قال: كان من دعاء النبي (﵇): «اللهم أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلّة»\n[٧٠] «٤» يعني أنّها تنتظر الثواب من ربّها ولا تراه من خلفه شيء.\nقلت: وهذا تأويل مدخول لأنّ العرب إذا أرادت بالنظر الانتظار قالوا: نظرته، كما قال الله سبحانه: فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ «٥» هل ينظرون إلّا نار الله؟ وما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً «٦» وإذا أردت به التفكّر والتدبير قالوا: نظرت فيه فأمّا إذا كان النظر مقرونا بذكر إلى وذكر الوجه فلا يكون إلّا بمعنى الرؤية والعيان.\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ عابسة كالحة متغيّرة مسودة تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ قال مجاهد: داهية، سعيد بن المسيب: قاصمة الظهر وأصلها الفقرة والفقار، يقال: فقره إذا كسر فقاره، كما يقال: رأسه إذا ضرب رأسه، وقال قتادة: الفاقرة: الشرّ، وقال ابن زيد: تعلم أنها\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٠٣.\n(٢) سنن الترمذي: ٤/ ٩٣.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٠٩.\n(٤) السنن الكبرى: ١/ ٣٨٨.\n(٥) سورة محمّد ﷺ: ١٨.\n(٦) سورة يس: ٤٩.","vol":"10","page":88},{"text":"ستدخل النار، وقال أبو عبيدة: الفاقرة: الداهية يقال: عمل بها الفاقرة وأصلها الوسم على أنف البعير بحديدة أو بنار حتى يخلص إلى العظم، وقال الكلبي: منكرة من العذاب وهي الحجاب.\nكَلَّا إِذا بَلَغَتِ يعني النفس كناية عن غير مذكور التَّراقِيَ فيحشرج بها عند الموت، والتراقي: العظام المكتنفة لثغرة النحر عن يمين وشمال، وقال دريد بن الصمة:\nوربّ عظيمة دافعت عنهم ... وقد بلغت نفوسهم التراقي «١»\nوَقِيلَ\nوقال من حضره مَنْ راقٍ\nهل من طبيب يرقيه ويداويه فيشفيه. قال قتادة:\nالتمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء شيئا.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا السني أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي قال: حدّثنا مسدّد بن مسرهد عن خالد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كوى غلاما له فقلت أتكوى قال: نعم هوّدوا العرب.\nأخبرنا ابن مسعود أن رسول الله (﵇) قال: «إن الله سبحانه لم ينزل داء إلّا وقد أنزل معه دواء جهله من جهله وعلمه من علمه»\n[٧١] «٢»، وقال سليمان التيمي ومقاتل بن سليمان: هذا من قول الملائكة يقول بعضهم لبعض من يرقى بروحه فيصعد بها ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وهذه رواية أبي الجوزاء عن ابن عباس. قال أبو العالية: يختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب أيّهم يترقّى بروحه.\nوَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ فراق ليس يشبهه فراق قد انقطع الرجاء عن التلاق.\nأخبرنا الربيع بن محمد الخاتمي ومحمد بن عقيل الخزاعي قالا: أخبرنا علي بن محمد بن عقبة الشيباني قال: أخبرنا الخضر بن أبان القرشي قال: حدّثنا ابن ميثم بن هدية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (﵇): «إنّ العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وإنّ مفاصله يسلّم بعضها على بعض يقول عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة» [٧٢] «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>[سورة القيامة (٧٥): الآيات ٢٩ الى ٤٠]</span>\nوَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (٢٩) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ (٣٠) فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣)\nأَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٤) ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى (٣٥) أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨)\nفَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)\n_________\n(١) بلاغات النساء: ١٩٧، تفسير القرطبي: ١٩/ ١١١.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٤٤٦.\n(٣) كنز العمال: ١٥/ ٥٦٣ ح ٤٢١٨٣.","vol":"10","page":89},{"text":"وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ قال الربيع بن أنس: الدنيا بالآخرة، وهي رواية أبي الجوزاء وعطية عن ابن عباس، ورواية عوف ومنصور عن الحسن، وروى الوالي وبادان عن ابن عباس قال: أمر الدنيا بأمر الآخرة، فكان في آخر يوم من أيام الدنيا، وأول يوم من أيام الآخرة، وهي رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد وقال: إسماعيل ابن أبي خالد: عمل الدنيا بعمل الآخرة، وقال الضحاك: الناس يجهزون جسده والملائكة يجهزون روحه، وروى سفيان عن رجل عن الحسن عن مجاهد قالا: اجتمع فيه الحياة والموت. قتادة: الشدّة بالشدّة. بشر بن المهاجر عن الحسن قال: هما ساقاك إذا لفّتا في الكفن، وإليه ذهب سعيد بن المسيّب.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو محمد المزني قال: حدّثنا مطين قال: حدّثنا نصر بن علي فقال: حدّثنا خالد بن قيس عن قتادة عن الحسن قال: ماتت رجلاه ولم تحملاه وكان عليهما جوّالا، وروى شعبة عن قتادة قال: أمر أتاه إذا ضرب برجله الأخرى. أبو مالك:\nيلبسهما عند الموت. عكرمة: خروج من الدنيا إلى الآخرة. أبو يحيى عن مجاهد: بلاء ببلاء.\nالقرطبي: الأمر بالأمر. زيد بن أسلم: ساق الكفن بساق الميت. سعيد بن جبير: تتابعت عليه الشدائد. السدي: لا يخرج من كرب إلّا جاءه أشدّ منه، والعرب لا تذكر الساق إلّا في المحن والشدائد، ومنه مثلهم السائر: (لا يرسل الساق إلّا ممسكا ساقا)، وقال أميّه بن أبي الصّلت:\nوقد أرقت لهمّ بات يطرقني ... والنفس ذات حزازات وطرّاق\nمستجذ بالقراة حين ... آرقني ليل التمام أقاسيه على ساق\nأي على تعب وشدة.\nوقال ابن عطاء: اجتمع عليه شدّة مفارقة الوطن من الدنيا والأهل والولد وشدّة القدوم على ربّه لا يدري بماذا يقدم عليه لذلك قال عثمان بن عفان: ما رأيت منظرا إلّا والقبر أفضع منه لأنّه آخر منازل الدنيا وأول منازل الآخرة، وقال يحيى بن معاذ: إذا دخل الميت القبر قام على شفير قبره أربعة أملاك واحد عند رأسه والثاني عند رجليه والثالث عن يمينه والرابع عن يساره، فيقول الذي عند رأسه: يا ابن آدم انفضّت الآجال وانقطعت الآمال، ويقول الذي عن يمينه: ذهبت الأموال وبقيت الأعمال، ويقول الذي عن يساره: ذهب الأشغال وبقي الوبال، ويقول الذي عند الأموال وبقيت الأعمال، ويقول الذي عن يساره: ذهب الأشغال وبقي الوبال، ويقول الذي عند رجليه: طوبى لك من كسبك إن كان كسبك من الحلال وكنت مشتغلا بخدمة ذي الجلال.\nإِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ المنتهى والمرجع تسوق الملائكة روحه حيث أمرهم الله ﷾. فَلا صَدَّقَ يعني أبا جهل وَلا صَلَّى وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى يتبختر، قال زيد بن أسلم: هي مشية بني مخزوم وأصله من المطا وهو الظهر أي يلوي مطاه تبخترا، وقيل: أصله يتمطط أي يتمدد، والمط هو المد فجعلت أحدى الطاءات يا، وقد مضت هذه المسألة وتمطى الإنسان إذا قام من منامه فتمدّد.","vol":"10","page":90},{"text":"أخبرني الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن علي بن الحسين الهمداني قال: حدّثنا محمد بن علي بن مخلد الفرقدي قال: حدّثنا سليمان بن داود الشاذكوني قال: حدّثنا سفيان بن عتبة عن يحيى بن سعيد الأنصاري سمع شيخا قديما يقال له بجنس مولى الزبير يقول: قال رسول الله ﷺ: «إذا مشت أمتي المطيطاء وخدمتهم الروم وفارس سلط بعضهم على بعض» [٧٣] «١» قال سفيان: فأخبرت بهذا الحديث ابن أبي نجيح فقال هل تدرون ما المطيطاء؟ هو مثل قوله سبحانه: ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى يتبختر.\nأَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى هذا وعيد من الله سبحانه على وعيد أبي جهل وهي كلمة موضوعة للتهدّد والوعيد قالت الخنساء:\nهممت بنفسي كل الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها «٢»\nوأنشدني أبو القيّم السدوسي قال: أنشدني أبو محمد عبد الله بن محمد البلوي الأدبي قال: أنشدنا أحمد بن يحيى بن تغلب:\nيا أوس لو نالتك أرماحنا ... كنت كمن تهوى به الهاوية «٣»\nالقيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه\nوقال بعض العلماء: معناه أنك أجدر بهذا العذاب وأحقّ وأولى، يقال للرجل يصيبه مكروه يستوجبه، وقيل: هو كلمة يقولها العرب لمن قاربه المكروه وأصلها من الولي وهو القرب، قال الله سبحانه: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ «٤» ويقال ثمّ الذي يليه أي يقرب منه. قال الشاعر:\nفصالوا صولة فيمن يليهم ... وصلنا صولة فيمن يلينا «٥»\nوقال آخر:\nهجرت غضوب وحب من يتجنّب ... وعدت عواد دون وليك تشعب «٦»\nوحكى لنا الأستاذ أبو القيم الحلبي أنه سمع أبا الهيثم الجمي وكان عارفا بالمعاني يقول حاكيا عن بعض العلماء: أن قوله أَوْلى من المقلوب مجازه: أويل من الويل، كما يقال: ما أطيبه وأيطبه وعاقني وعقاني وأيم وأيامي وأصله أيايم وقوس وقسي وأصله قؤوس، ومعنى الآية\n_________\n(١) المعجم الأوسط: ١/ ٤٨.\n(٢) لسان العرب: ١٥/ ٤١٢.\n(٣) تاج العروس: ١/ ١٦٥، وهو لعمر بن ملقط الطائي. [.....]\n(٤) سورة التوبة: ١٢٣.\n(٥) تاريخ دمشق: ١٠/ ١٤٣.\n(٦) لسان العرب: ١/ ٢٩٢.","vol":"10","page":91},{"text":"كأنه يقول لأبي جهل: الويل لك يوم تموت، والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النار وتخلد فيها.\nوقال قتادة: ذكر لنا أن النبي (﵇) لمّا نزلت هذه الآية أخذ بمجامع ثوب أبي جهل بالبطحاء وقال له: أَوْلى لَكَ فَأَوْلى ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى فقال أبو جهل: أتوعدني يا محمد والله ما تستطيع أنت ولا ربّك أن تفعلا بي شيئا وأني لأعزّ من مشى بين جبليها، فلمّا كان يوم بدر أشرف عليهم وقال: لا نعبد الله بعد اليوم «١»، فصرعه الله شرّ مصرع، وقتله أسوأ قتلة، أقعصه ابنا عفراء وأجهز عليه ابن مسعود «٢»، قال: وذكر لنا أن أبا جهل كان يقول: لو علمت أن محمدا رسول الله ما أتبعت غلاما من قريش قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: «إنّ لكل أمّة فرعونا وأن فرعون هذه الأمة أبو جهل» [٧٤] «٣» .\nأَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً هملا لا يؤمر ولا ينهى يقال: أسديت حاجتي أي ضيّعتها، وأبل سدى ترعى حيث شاءت بلا راع. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى قرأ الحسن وابن محيص وأبو عمرو ويعقوب وسلام بالياء وهي رواية المفضل وحفص عن عاصم واختيار أبي عبيد لأجل المنى، وقرأ الباقون بالتاء لأجل النطفة وهو اختيار أبي حاتم.\nثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى خلقه فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى أَلَيْسَ ذلِكَ الذي فعل هذا بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا الكندي قال: حدّثنا سعيد بن بنان الصفار قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثني يونس الطويل جليس لأبي إسحاق الهمداني عن البراء بن عازب قال: لما نزلت هذه الآية أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى قال رسول الله (﵇): «سبحانك وبلى» [٧٥] «٤» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الربيعي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله ابن أيوب المخزومي قال: حدّثنا صالح بن مالك قال: حدّثنا أبو نوفل علي بن سليمان قال:\nحدّثنا أبو إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: من قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى «٥» إماما كان أو غيره فليقل: سبحان ربي الأعلى، ومن قرأ: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ فإذا انتهى إلى آخرها فليقل: سبحانك اللهم بلى «٦»، إماما كان أو غيره.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٩ ح ١٢٥٧٥ وفيه زيادة ... قسوة وعتوا.\n(٢) تفسير الطبري: ٩/ ٢٧٥.\n(٣) تفسير الدر المنثور: ٦/ ٢٩٦ مورد الآية.\n(٤) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٢٥٠.\n(٥) سورة الأعلى: ١.\n(٦) كذا في المخطوط وتفسير القرطبي (١٩/ ١١٧) وبهامشه عن نسخة: سبحانك اللهم وبحمدك.","vol":"10","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-834>سورة الإنسان (الدهر)</span>\nمكية، وهي ألف وأربع مائة وخمسون حرفا، ومائتان وأربعون كلمة، وإحدى وثلاثون آية\nأخبرني نافل بن راقم قال: حدّثنا محمد بن شادة قال: حدّثنا أحمد بن الحسن قال:\nحدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة عن شعبة عن عاصم عن زرّ عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة هل أتى كان جزاؤه على الله جَنَّةً وَحَرِيرًا» [٧٦] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣) إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا (٤)\nإِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا (٦)\nهَلْ أَتى قد أتى عَلَى الْإِنْسانِ آدم (﵇)، وهو أول من سمّي به حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ أربعون سنة ملقى بين مكة والطائف قبل أن ينفخ الروح فيه لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا لا يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به، وروى أن عمر سمع رجلا يقول هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا فقال عمر: ليتها تمت، وقال عون بن عبد الله: قرأ رجل عند ابن مسعود الآية فقال: إلّا ليت ذلك.\nإِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني ولد آدم مِنْ نُطْفَةٍ يعني من منيّ الرجل ومنيّ المرأة، وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة، كقول عبد الله بن رواحة: هل أنت إلّا نطفة، وجمعها نطاف ونطف، وأصلها من نطف إذا قطر. أَمْشاجٍ أخلاط، واحدها مشج مشيج مثل حذن وحذين قال رؤبة:\nيطرحن كلّ معجّل نسّاج ... لم يكس جلدا في دم أمشاج «٢»\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٠٦.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٢٥٢.","vol":"10","page":93},{"text":"ويقال مشجت هذا بهذا أي خلطته فهو ممشوج ومشج، مثل مخلوط وخليط، قال أبو دوم:\nكأن الريش والفوقين منه ... خلاف النصل سبطيه مشيج\nقال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد والربيع: يعني ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم فيكون منهما جميعا الولد، وماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له، وقال قتادة: هي أطوار الخلق: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم لحما ثم عظاما ثم يكسوه لحما ثم ينشئه خلقا آخر.\nوقال الضحاك: أراد اختلاف ألوان النطفة نطفة، الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء فهي مختلفة الألوان، وهي رواية الوالي عن ابن عباس وابن أبي نجح عن مجاهد، وكذلك قال عطاء الخراساني والكلبي: الأمشاج الحمرة في البياض والبياض في الحمرة أو الصفرة.\nوقال عبد الله بن مسعود وأسامة بن زيد: هي العروق التي تكون في النطفة، وروى ابن جريح عن عطاء قال: الأمشاج الهن الذي كأنه عقب، وقال الحسن: نعم والله خلقت من نطفة مشجت بدم وهو دم الحيضة فإذا حبلت أرفع الحيض، وقال يمان: كل لونين اختلطا فهما أمشاج، وقال ابن السكيت: الأمشاج: الأخلاط، لأنها ممتزجة من أنواع فخلق الإنسان ذا طبائع مختلفة، وقال أهل المعاني: بناء الأمشاج بناء جمع وهو في معنى الواحد لأنه نعت النطفة وهذا كما يقال: برمة أعشار وثوب أخلاق ونحوهما «١» .\nوسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا عثمان المغربي يقول: سئلت وأنا بمكّة عن قول الله سبحانه: أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فقلت ابتلى الله الخلق تسعة أمشاج: ثلاث مفتنات وثلاث كافرات وثلاث مؤمنات، فأما الثلاث المفتنات فسمعه وبصره ولسانه، وأما الثلاث الكافرات فنفسه وهواه وشيطانه، وأما الثلاث المؤمنات فعقله وروحه وملكه، فإذا أيّد الله العبد بالمعونة فقرّ العقل على القلب فملكه واستأسرت النفس والهوى فلم يجد إلى الحركة سبيلا، فجانست النفس الروح وجانس الهوى العقل وصارت كلمة الله هي العليا: قاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ «٢» .\nنَبْتَلِيهِ نختبره بالأمر والنهي وقال بعض أهل العربية: هي مقدمة معناها التأخير مجازها:\nفَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا لنبتليه لأن الابتلاء لا يقع إلّا بعد تمام الخلقة. إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ\n_________\n(١) راجع لسان العرب: ٦/ ٣٣٩، وتاج العروس: ٤/ ٣٤٢.\n(٢) سورة البقرة: ١٩٣.","vol":"10","page":94},{"text":"أي بيّنا له سبيل الحق والباطل والهدى والضلالة وعرّفناه طريق الخير والشرّ وهو كقوله وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «١» . إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا أما مؤمنا سعيدا وأما كافرا شقيّا يعني خلقناه أما كذا وأما كذا، وقيل معنى الكلام: الجزاء، يعني بيّنا له الطريق إن شكر وكفر، وهو إختيار الفرّاء، ثم بين الفريقين فقال عز من قال إِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ كل سلسلة سبعون ذراعا.\nوَأَغْلالًا وَسَعِيرًا قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وعاصم عن حفص والأعمش والكسائي وأيوب كلهن: سَلاسِلَ بإثبات الألف في الوقف والتنوين في الأصل، وهو اختيار أبي عبيد، ورواية هشام عن أهل الشام، ضده حمزة وخلف [وقنبل] ويعقوب برواية [....] «٢» وزيد، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: قَوارِيرَا الأولى بالألف والثاني بغير ألف.\nقال أبو عبيد: ورأيت في مصحف الإمام عثمان قَوارِيرَا الأولى بالألف مبنية والثانية كانت بالألف فحكّت، ورأيت أثرها بيّنا هناك «٣» .\nإِنَّ الْأَبْرارَ يعني المؤمنين الصادقين في إيمانهم المطيعين لربّهم، وقال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر ولا ينصبون الشرّ، وأحدهم بار، مثل شاهد وأشهاد وناصر وأنصار وصاحب وأصحاب ويراد بها مثل نهر وأنهار وضرب وأضراب.\nيَشْرَبُونَ في الآخرة مِنْ كَأْسٍ خمر كانَ مِزاجُها كافُورًا قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك، وقال عكرمة: مزاجها طعمها، وقال أهل المعاني: أراد كالكافور في بياضه وطيب ريحه وبرده، لأن الكافور لا يشرب، وهو كقوله حَتَّى إِذا جَعَلَهُ نارًا «٤» أي كنار، وقال ابن كيسان: طيّبت بالكافور والمسك والزنجبيل، وقال الفرّاء: ويقال: إنّ الكافور اسم لعين ماء في الجنة، وفي مصحف عبد الله من كأس صفراء كان مزاجها قافورا والقاف والكاف يتعاقبان لأنّهما لهويتان، وقال الواسطي: لمّا اختلفت أحوالهم في الدنيا اختلفت أشربتهم في الآخرة فكأس الكافور برّدت الدنيا في صدورهم.\nعَيْنًا نصب لأنها تابعة للكافور كالمفسر له وقال الكسائي: على الحال والقطع، وقيل:\nيشربون عينا، وقيل من عين، وقيل: أعني عينا، وقيل: على المدح وهي لهذه الوجوه كلّها محتملة.\nيَشْرَبُ بِها أي شربها والباء صلة وقيل منها. عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا أي يقودونها حيث شاءوا من منازلهم وقصورهم كما يفجر الرجل منكم النهر يكون له في الدنيا هاهنا وهاهنا إلى حيث يريد.\n_________\n(١) سورة البلد: ١٠. [.....]\n(٢) بياض بالمخطوط.\n(٣) تفسير القرطبي مفصلا: ١٩/ ١٢٣.\n(٤) سورة الكهف: ٩٦.","vol":"10","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-836>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٧ الى ١٣]</span>\nيُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١)\nوَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا (١٣)\nيُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال قتادة: بما فرض الله سبحانه عليهم من الصلاة والزكاة والحج والعمرة وغيرها من الواجبات، وقال مجاهد وعكرمة: يعني إذا بدروا في طاعة الله وفوا به.\nوَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ممتدا قاسيا يقال استطار الصدع في الزجاجة واستطال إذا امتد، ومنه قول الأعشى:\nوبانت وقد أسأرت في الفؤاد ... صدعا على نأيها مستطيرا «١»\nوَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ قال ابن عباس: على قلّته وحسبهم إياه وشهوتهم له، وقال الداري: على حبّ الله، وقال الحسين بن الفضل: على حبّ إطعام الطعام. مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا وهو الحربي يؤخذ قهرا أو المسلم يحبس بحق. قال قتادة: بعد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وأنّ أسراءهم يومئذ لأهل الشرك فأخوك المسلم أحقّ أن تطعمه، وقال مجاهد وسعيد بن جبير وعطا: هو المسجون من أهل القبلة.\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا موسى بن محمد بن علي بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن ناجية قال: حدّثنا عباد بن أحمد العرزمي قال: حدّثنا عمي عن أبيه عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن النبي (﵇) وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا قال: «فقيرا» وَيَتِيمًا قال: «لا أب له» وَأَسِيرًا قال: «المملوك والمسجون»\n، وقال أبو حمزة الثمالي: الأسير المرأة، ودليل هذا التأويل\nقول النبي (﵇): «استوصوا بالنساء خيرا فإنّهن عندكم عوان» [٧٧] «٢» .\nإِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا فيه وجهان: أحدهما أن يكون جمع الشكر كالفلوس بجمع الفلس، والكفور بجمع الكفر، والآخران يكون بمعنى المصدر كالفعول والدخول والخروج.\nقال مجاهد وسعيد بن جبير: أمّا أنهم ما تكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب.\nإِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا في يوم عَبُوسًا تعبس فيه الوجوه من شدّته وكثرة مكارهه\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٢٨.\n(٢) سنن ابن ماجة: ١/ ٥٩٤.","vol":"10","page":96},{"text":"فنسب العبوس إلى اليوم كما يقال: يوم صائم وليل نائم، وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران، وقيل: وصف اليوم بالعبوس لما فيه من الشدّة والهول كالرجل الكالح البائس.\nقَمْطَرِيرًا روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: العبوس: الضيق، والقمطرير:\nالطويل. الكلبي: العبوس: الذي لا انبساط فيه والقمطرير: الشديد. وقال قتادة ومجاهد ومقاتل: القمطرير: الذي يقلّص الوجوه ويقبض الحياة وما بين الأعين من شدته. قال الأخفش:\nالقمطرير أشدّ ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء يقال: يوم قمطرير وقماطر إذا كان شديدا لكربها. قال الشاعر:\nففرّوا إذا ما الحرب ثار غبارها ... ولج بها اليوم العبوس القماطر «١»\nوأنشد الفرّاء:\nبني عمّنا هل تذكرون بلانا ... عليكم إذا ما كان يوم قماطر «٢»\nوقال الكسائي: اقمطرّ القوم وازمهرّ اقمطرارا وازمهرارا وهو الزمهرير والقمطرير، ويوم مقمطر إذا كان صعبا شديدا. قال الهذلي:\nبنو الحرب أرضعنا لهم مقمطرة ... فمن تلق منا ذلك اليوم يهرب «٣»\nفَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ الذي يخافون وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً في وجوههم وَسُرُورًا في قلوبهم وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا على طاعة الله وعن معصيته، وقال الضحاك: على الفقر.\nالقرطبي: على الصوم. عطاء: على الجوع.\nوروي سعيد بن المسيب عن عمر قال: سئل رسول الله (﵇) عن الصبر فقال:\n«الصبر أربعة أولها الصبر عند الصدمة الأولى والصبر على أداء الفرائض، والصبر على اجتناب محارم الله، والصبر على المصائب»\n[٧٨] «٤» . جَنَّةً وَحَرِيرًا قال الحسن: أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير. مُتَّكِئِينَ نصب على الحال فِيها في الجنة عَلَى الْأَرائِكِ السرر في الحجال لا تكون أريكة إذا اجتمعا. قال الحسن: وهي لغة أهل اليمن كان الرجل العظيم منهم يتخذ أريكة فيقال: أريكه فلان.\nوقال مقاتل: الأرائك: السرر في الحجال من الدر والياقوت موضونة بقضبان الذهب والفضة وألوان الجواهر. لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا أي شتاء ولا قيضا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٥.\n(٢) الصحاح: ٢/ ٧٩٧.\n(٣) المصدر السابق، وفي تاج العروس (٣/ ٥٠٧) رواه: بها مقمطرة، فمن يلق يلق سيد مدرّب.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٦.","vol":"10","page":97},{"text":"قال قتادة: علم الله سبحانه أن شدّة الحر تؤذي وشدة القرّ تؤذي فوقّاهم الله أذاهما جميعا، وقال مرة الهمداني: الزمهرير البرد القاطع. مقاتل بن حيّان: هو شي مثل رءوس الابر ينزل من السماء في غاية البرد. ابن سمعود: هو لون من العذاب وهو البرد الشديد.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر أحمد بن عمران السوادي يقول:\nسمعت أبا العباس أحمد بن يحيى ثعلب وسئل عن قوله لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا قال الزمهرير القمر بلغة طيئ. قال شاعرهم:\nوليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر «١»\nأي لم يطلع القمر.\nواختلف العلماء في سبب نزول هذه الآيات فقال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار أطعم في يوم واحد مسكينا ويتيما وأسيرا وكانت قصته.\nأخبرنا ابن فتجويه قال: حدّثنا محمد بن خلف بن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد بن مروان قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا على بن علي بن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أن مسكينا أتى رسول الله (﵇) فقال: يا رسول الله أطعمني فقال: «والذي نفسي بيده ما عندي ما أطعمك ولكن أطلب» فأتى رجلا من الأنصار وهو يتعشى وامرأته فقال له: أني أتيت رسول الله ﷺ فقلت له: أطعمني فقال: ما عندي ما أطعمك ولكن أطلب، فقال:\nالأنصاري لامرأته: ما ترين؟ فقالت: أطعمه وأسقه ثم أتى رسول الله (﵇) يتيم فقال يا رسول الله أطعمني فقال: «ما عندي ما أطعمك ولكن أطلب» فأتى اليتيم الأنصاري الذي أتاه المسكين فقال له: أطعمني فقال لامرأته: ما ترين؟ قالت: أطعمه فأطعمه، ثم أتى رسول الله (﵇) أسير فقال: يا رسول الله أطعمني، فقال: «والله ما معي ما أطعمك ولكن أطلب» [٧٩] «٢» فأتى الأسير الأنصاري فقال له: أطعمني، فقال: لامرأته ما ترين فقالت: أطعمه، وكان هذا كلّه في ساعة واحدة، فأنزل الله سبحانه فيما صنع الأنصاري من إطعامه المسكين واليتيم والأسير وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا.\nوقال غيرهما: نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة وجارية لهما يقال لها فضة وكانت القصة فيه.\nوأخبرنا الشيخ أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن علي الشيباني العدل قراءة عليه في صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محبوب بن حميد النصري\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٠.","vol":"10","page":98},{"text":"قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الخوار ابن عم اللأحنف بن قيس سنة ثمان وخمسين ومائتين وسأله عن هذا الحديث روح بن عبادة قال: حدّثنا القيم بن مهرام عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن سهيل بن علي بن مهران الباهلي بالبصرة قال: حدّثنا أبو مسعود عبد الرحمن بن فهد بن هلال قال: حدّثنا الغنيم بن يحيى عن أبي علي القيري عن محمد بن السائر عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أبو الحسن بن مهران وحدّثني محمد بن زكريا البصري قال: حدّثني سعيد بن واقد المزني قال: حدّثنا القاسم بن بهرام عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس في قول الله ﷾ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا قال: مرض الحسن والحسين فعادهما جدّهما محمد رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ﵄ وعادهما عامّة العرب فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك نذرا وكل نذر لا يكون له وفاء فليس بشيء.\nفقال علي ﵁: إن برأ ولداي مما بهما صمت ثلاثة أيام شكرا، وقالت فاطمة ﵂: إن برأ ولداي مما بهما صمت لله ثلاثة أيام شكرا ما لبس الغلامان العافية، وليس عند آل محمد قليل ولا كثير، فانطلق علي ﵁ إلى شمعون بن جابا الخيبري، وكان يهوديا فاستقرض منه ثلاثة أصوع من شعير، وفي حديث المزني عن ابن مهران الباهلي فانطلق إلى جار له من اليهود يعالج الصوف يقال له: شمعون بن جابا، فقال: هل لك أن تعطيني جزّة من الصوف تغزلها لك بنت محمد ﷺ بثلاثة أصوع من الشعير قال: نعم، فأعطاه فجاء بالسوق والشعير فأخبر فاطمة بذلك فقبلت وأطاعت قالوا: فقامت فاطمة ﵂ إلى صاع فطحنته واختبزت منه خمسة أقراص لكل واحد منهم قرصا وصلى علي مع النبي (﵇) المغرب، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم من موائد الجنة، فسمعه علي ﵁ فأنشأ يقول:\nفاطم ذات المجد واليقين ... يا ابنة خير الناس أجمعين\nأما ترين البائس المسكين ... قد قام بالباب له حنين\nيشكوا إلى الله ويستكين ... يشكوا إلينا جائع حزين\nكل امرء بكسبه رهين ... وفاعل الخيرات يستبين\nموعدنا جنة عليين ... حرمها الله على الضنين\nوللبخيل موقف مهين ... تهوى به النار إلى سجين\nشرابه الحميم والغسلين ... من يفعل الخير يقم سمين\nويدخل الجنة أي حين","vol":"10","page":99},{"text":"فأنشأت فاطمة:\nأمرك عندي يا ابن عمّ طاعة ... ما بي من لؤم ولا وضاعه\nغذيت من خبز له صناعة ... أطعمه ولا أبالي الساعة\nأرجو إذا أشبعت ذا المجاعة ... أن ألحق الأخيار والجماعه\nوأدخل الخلد ولي شفاعه «١»\nقال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئا إلّا الماء القراح، فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة إلى صاع فطحنته فاختبزته وصلّى علي مع النبي (﵇)، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه فأتاهم يتيم فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، يتيم من أولاد المهاجرين، استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنة فسمعه علي ﵁ فأخذ يقول:\nفاطم بنت السيد الكريم ... بنت نبي ليس بالزنيم\nلقد أتى الله بذي اليتيم ... من يرحم اليوم يكن رحيم\nموعده في جنّة النعيم ... قد حرّم الخلد على اللئيم\nألا يجوز الصراط المستقيم ... يزل في النار إلى الجحيم «٢»\nفأنشأت فاطمة:\nأطعمه اليوم ولا أبالي ... وأوثر الله على عيالي\nأمسوا جياعا وهم أشبالي ... أصغرهم يقتل في القتال\nبكربلا يقتل باغتيال ... للقاتل الويل مع الوبال\nتهوى به النار إلى سفال ... وفي يديه الغل والأغلال\nكبوله زادت على الأكبال.\nقال: فأعطوه الطعام ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئا إلّا الماء القراح، فلمّا كان في اليوم الثالث قامت فاطمة ﵂ إلى الصاع الباقي فطحنته واختبزته وصلى علي مع النبي (﵇) ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه إذ أتاهم أسير فوقف بالباب فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، تأسرونا [وتشدوننا] ولا تطعمونا، أطعموني فإني أسير محمد أطعمكم الله على موائد الجنة، فسمعه علي فأنشأ يقول:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٣.","vol":"10","page":100},{"text":"فاطم يا بنة النبي أحمد ... بنت نبي سيد مسوّد\nهذا أسير للنبي المهتد ... مكبّل في غلّه مقيّد\nيشكو إلينا الجوع قد تمدد ... من يطعم اليوم يجده من غد\nعند العلي الواحد الموحّد ... ما يزرع الزارع سوف يحصد\nفأنشأت فاطمة تقول:\nلم يبق مما جاء غير صاع ... قد ذهبت كفي مع الذراع\nابناي والله من الجياع ... يا رب لا تتركهما ضياع\nأبوهما للخير ذو اصطناع ... يصطنع المعروف بابتداع\nعبل الذراعين طويل الباع ... وما على رأسي من قناع\nإلّا قناعا نسجه انساع «١»\nقال: فأعطوه الطعام ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئا إلّا الماء القراح فلما أن كان في اليوم الرابع وقد قضوا نذرهم أخذ علي ﵁ بيده اليمنى الحسن وبيده اليسرى الحسين وأقبل نحو رسول الله ﷺ وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع فلمّا نضر به النبي (﵇) قال: يا أبا الحسن ما أشدّ ما يسؤني ما أرى بكم، أنطلق إلى ابنتي فاطمة فانطلقوا إليها وهي في محرابها وقد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع وغارت عيناها، فلما رآها النبي (﵇) قال: «وا غوثاه بالله، أهل بيت محمد يموتون جوعا» فهبط جبرائيل (﵇) فقال:\nيا محمد خذها، هنّأك الله في أهل بيتك قال: «وما أخذنا يا جبرائيل» [٨٠] «٢» فاقرأه هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ إلى قوله وَلا شُكُورًا إلى آخر السورة.\nقتادة بن مهران الباهلي في هذا الحديث: فوثب النبي (﵇) حتى دخل على فاطمة فلما رأى ما بهم انكب عليهم يبكي، ثم قال: أنتم من منذ ثلاث فيما أرى وأنا غافل عنكم، فهبط جبرائيل (﵇) بهذه الآيات إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا قال: هي عين في دار النبي (﵇) تفجر إلى دور الأنبياء (﵈) والمؤمنين.\nيُوفُونَ بِالنَّذْرِ يعني عليا وفاطمة والحسن والحسين وجاريتهم فضة وَيَخافُونَ يَوْمًا كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ يقول على شهوتهم للطعام، وإيثارهم مسكينا من مساكين المسلمين ويتيما من يتامى المسلمين، وأسيرا من أسارى المشركين، ويقولون إذا\n_________\n(١) النسخ: سير يضفر على هيئة أعنة النعال تشدّ به الرحال. [.....]\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٤. ومناقب الخوارزمي: ٢٧٠.","vol":"10","page":101},{"text":"أطعموهم إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا قال: والله ما قالوا لهم هذا بألسنتهم، ولكنهم أضمروه في نفوسهم، فأخبر الله سبحانه بإضمارهم يقولون: لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُورًا، فيتمنون علينا به ولكنا أعطيناكم لوجه الله وطلب ثوابه قال الله سبحانه: فَوَقاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً في الوجوه وَسُرُورًا في القلوب وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً يسكنونها وَحَرِيرًا يلبسونه ويفترشونه مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا.\nقال ابن عباس: وبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا ضوءا كضوء الشمس وقد أشرقت الجنان لها فيقول أهل الجنة: يا رضوان قال: ربّنا ﷿ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا فيقول: لهم رضوان: ليست هذه بشمس ولا قمر ولكن هذه فاطمة وعلي ضحكا ضحكا أشرقت الجنان من نور ضحكهما، وفيهما أنزل الله سبحانه: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ إلى قوله: وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا.\nوأنشدت فيه:\nأنا مولى لفتى ... أنزل فيه هل أتى «١»\nوعلى هذا القول تكون السورة مدنية، وقد اختلف العلماء في نزول هذه السورة فقال مجاهد وقتادة: هي كلّها مدنية، وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكيّة وهي قوله سبحانه: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا والباقي مدني، قال الآخرون: هي كلّه مكيّة والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ١٤ الى ٢٤]</span>\nوَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا (١٥) قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩) وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا (٢١) إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣)\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)\nوَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها أي قريبة منهم ظلال أشجارها، وفي نصب الدانية أوجه: أحدها العطف بها على قوله مُتَّكِئِينَ، والثاني على موضع قوله: لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا ويرون دانية، والثالثة على المدح، وأتت دانية لأن الظلال جمع وفي قراءة عبد الله ودانيا عليهم ليقدم الفعل، وفي حرف أبيّ ودان رفع على الاستئناف.\nوَذُلِّلَتْ سخّرت وقرّبت قُطُوفُها ثمارها تَذْلِيلًا يأكلون من ثمارها قياما وقعودا ومضطجعين ينالونها ويتناولونها كيف شاءوا على أي حال كانوا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٨.","vol":"10","page":102},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمد قال: حدّثنا موسى بن إسحاق قال:\nحدّثنا أبي قال: حدّثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أرض الجنة من ورق وترابها مسك وأصول شجرها ذهب وفضّة وأفنانها لؤلؤ وزبرجد وياقوت، والورق والثمر تحت ذلك فمن أكل قائما لم يؤذه [ومن أكل جالسا لم يؤذه] ومن أكل مضطجعا لم يؤذه فذلك قوله سبحانه: وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا.\nوَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قال المفسرون:\nأراد بياض الفضة في صفاء القوارير فصفاؤها صفاء الزجاج وهي من فضة «١» .\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدّثنا سفيان وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن حمدويه قال: حدّثنا محمود ابن آدم قال: حدّثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس في قوله سبحانه: قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قال: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم تر الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة في بياض الفضة في صفاء القارورة.\nوقال الكلبي والثمالي: إن الله سبحانه جعل قوارير كلّ قوم من تراب أرضهم وإن تراب الجنة من فضة فجعل من تلك الفضة قوارير يشربون فيها. قَدَّرُوها تَقْدِيرًا على قدر رتبهم لا يزيد ولا ينقص، وقال الربيع والقرطبي: على قدر الكفّ، وقراءة العامّة بفتح القاف والدال قدرها لهم السقاة الذين يطوفون بها عليهم.\nوأخبرني بن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا أبو حامد المستملي قال: أخبرنا محمد بن حاتم الرقي قال: أخبرنا هشام قال: أخبرنا إسماعيل بن سالم عن الشعبي قال: سمعته قرأها قُدِّرُوها بضم القاف وكسر الدال أي قدرت عليهم فلا زيادة فيها ولا نقصان. قال:\nوسمعت غيره قدّروها في أنفسهم فأتتهم على ما قدروا لا يزيد ولا ينقص.\nوَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا سوق ومطرب من غير لدع، والعرب تستحب الزنجبيل قال شاعرهم:\nكأن جنيا من الزنجبيل خالط ... فاها وأريا مشورا «٢»\nوقيل: هو عين في الجنّة توجد منها طعم الزنجبيل.\nقال قتادة: شربها المقرّبون صرفا ويمزج لسائر أهل الجنة.\nعَيْنًا فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا قال قتادة: سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاءوا، وقال\n_________\n(١) المصنّف لابن أبي شيبة: ٨/ ٦٧، وتفسير القرطبي: ١٩/ ١٣٩ مورد الآية.\n(٢) كتاب العين للفراهيدي: ٦/ ٢٨٠ والبيت للأعشى.","vol":"10","page":103},{"text":"مجاهد: حديدة الجرية «١» . يمان: طيبة الطعم والمذاق، تقول العرب: هذا شراب سلس وسلسل وسلسبيل، أبو العالية ومقاتل بن حيان: سميت سلسبيلا لأنها يتسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن الى أهل الجنان على برد الكافور وطعم الزنجبيل وريح المسك، ومعنى تُسَمَّى توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيل صفة الإسم.\nوَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا وهو أن أدناهم- يعني أهل الجنة- منزلة ينظر من ملكه في مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه، وقيل: هو استئذان الملائكة عليهم، وقيل: وَمُلْكًا لا زوال له.\nقال أبو بكر الورّاق: ملكا لا يتعقبه هلك، وقال محمد بن علي الترمذي: يعني ملك التكوين إذا أراد شيئا كان.\nعالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ قرأ قتادة ومجاهد وابن سيرين وعون العقيلي وابن محيص وأبو جعفر ونافع والأعمش وحمزة وأيوب عالِيهُمْ بتسكين الياء على أنه اسم موصوف بالفعل يقول علاهم فهو عاليهم، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود وابن وثاب وغيرهما (عاليتهم)، وتفسير ابن عباس: أما رأيت الرجل عليه ثياب يعلوها أفضل منها، وقرأ الباقون بنصب الياء على الصفة أي فوقهم وهو نصب على الظرف، وقيل: هو كقوله: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ «٢» وقد مضى، ذكرنا تقديم الصفة على الموصوف، وقيل: معناه عاليا لهم ثيابها كقوله:\nهَدْيًا بالِغَ الْكَعْبَةِ «٣» ونحوها.\nخُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ اختلف القراء فيهما فقرأ ابن كثير وابو بكر والمفضل خُضْرٍ بالخفض على نعت السندس والإستبرق بالرفع على نعت الثياب، وقرأ أبو جعفر وابن عامر وأبو عمرو ويعقوب بضده واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، وقرأ نافع وأيوب وحفص كليهما بالرفع، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي وخلف كليهما بالجر.\nوَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا طاهر من الأقذار لم تدنسه الأيدي ولم تدنسه الأرجل كخمر الدنيا قال أبو قلابة وإبراهيم: يعني أنه لا يصير نجسا ولكنه يصير رشحا في أيديهم كريح المسك، وأن الرجل من أهل الجنة يقسم له شهوة مائة رجل من أهل الدنيا وأكلهم ونهمتهم، فإذا أكل ما شاء سقي شرابا طهورا فيطهر بطنه ويصير ما أكل رشحا يخرج من جلده أطيب ريحا من المسك الأذفر ويضمر بطنه وتعود شهوته، وقيل: يطهرهم من الذنوب والأدناس والأنجاس ويرشحهم للجنّة.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٢٩/ ٢٧١، وتفسير القرطبي: (١٩/ ١٤٢) وفيه: حديدة الجرية تسيل في حلوقهم انسلالا.\n(٢) سورة الأنبياء: ٣.\n(٣) سورة المائدة: ٩٥.","vol":"10","page":104},{"text":"وقال جعفر: يطهّرهم به عن كلّ شيء سواه، إذ لا طاهر من تدنّس شيء من الأكوان.\nوقال أبو سليمان الداراني سقاهم ربّهم على حاشية بساط الود، فأرواهم من صحبة الخلق وأراهم رؤية الحقّ، ثمّ أقعدهم على منابر القدس وحيّاهم بتحيّة المزمّل وأمطر التأييد، فسالت عليهم أودية الشوق فكفاهم هموم الفرقة وحيّاهم بسرور القربة.\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا عبد الله محمّد بن علي الشاشي يقول:\nسمعت الحسن بن علوية الدامغاني يقول سئل أبو يزيد البسطامي عن قوله سبحانه وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا قال: طهّرهم به عن محبّة غيره ثم قال: إنّ لله شرابا ادّخره لأفاضل عباده يتولى سقيهم فإذا شربوا طاشوا وإذا طاشوا طاروا وإذا طاروا وصلوا وإذا وصلوا اتّصلوا فهم فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ.\nوسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت طيّب الحمّال يقول: صلّيت خلف سهل بن عبد الله العتمة فقرأ قوله: وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَرابًا طَهُورًا فجعل يحرّك فمه كأنّه يمصّ، فلمّا فرغ من صلاته قيل له: أتشرب أم تقرأ؟ قال: والله لو لم أجد لذّته عند قراءته كلذّتي عند شربه ما قرأته.\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا هارون قال: حدّثنا حازم بن يحيى الحلواني قال حدّثنا محمّد ابن عبد الله بن عمار الموصلي قال: حدّثنا عفيف بن سالم عن أيّوب بن عتبة عن عطاء عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى النبي (﵇) ﵇ يسأله فقال له رسول الله ﷺ: «سل واستفهم» .\nفقال: يا رسول الله فضلتم علينا بالصور والألوان والنبوّة أفرأيت إن آمنت بمثل ما آمنت به وعملت بمثل ما عملت به أأني لكائن معك في الجنّة؟ قال: «نعم» ثمّ قال النبي (﵇):\n«والذي نفسي بيده ليرى بياض الأسود في الجنّة مسيرة ألف عام»، ثمّ قال رسول الله ﷺ «من قال لا إله إلّا الله كان له بها عهد عند الله ومن قال سبحان الله وبحمده كتب له مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة» .\nقال رجل: كيف نهلك بعدها يا رسول الله؟\nقال: «إنّ الرجل ليأتي يوم القيامة لو وضع على جبل لأثقله، قال: فتقوم النعمة من نعم الله سبحانه فيكاد أن تستنفد ذلك كلّه إلّا أن يتطوّل «١» الله تعالى برحمته» قال: ثمّ نزلت هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ إلى قوله وَمُلْكًا كَبِيرًا الآيات.\nقال الحبشي: وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنّة.\n_________\n(١) عند ابن كثير: يتغمده، وعند القرطبي: يلطف.","vol":"10","page":105},{"text":"قال النبي (﵇): «نعم» فاشتكى الحبشي حتى فاضت نفسه. فقال ابن عمر: لقد رأيت رسول الله ﷺ يدليه في حفرته بيده [٨١] «١» .\nإِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا قال ابن عبّاس: متفرّقا آية بعد آية ولم ينزله جملة فلذلك قال (نَزَّلْنا) ...\nفَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا يعني وكفورا. الألف صلة، وقال الفرّاء: أو معنى [....] «٢» كقول الشاعر:\nلا وجد ثكلى كما وجدت ولا ... وجد عجول أضلها ربع «٣»\nأو وجد شيخ أضلّ ناقته ... يوم توافي الحجيج فاندفعوا\nأراد: ولا وجد شيخ.\nقال قتادة: الآثم: الكفور، نهى الله ﷾ نبيّه عن طاعة أبو جهل لما فرضت على نبيّ الله ﷺ الصلاة، وهو يومئذ بمكّة نهاه أبو جهل عنها وقال: لئن رأيت محمدا يصلي لوطأت على عنقه. فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوقال مقاتل: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ يعني من مشركي مكّة أنها تعني عتبة بن ربيعة قال للنبي ﷺ: إن كنت صنعت ما صنعت من أجل النساء فقد علمت قريش أن بناتي من أجملها بنات فأنا أزوّجك بنتي وأسوقها إليك بغير مهر وأرجع عن هذا الأمر «٤» .\nأَوْ كَفُورًا يعني الوليد بن المغيرة قال للنبي ﷺ: يا محمد إن كنت صنعت من أجل المال فقد علمت قريش أني من أكثرهم مالا فأنا أعطيك من المال حتى ترضى فارجع عن هذا الأمر، فأنزل الله سبحانه وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ [آثِمًا] أنها تعني عتبة أَوْ كَفُورًا تعني ولا كفورا وهو الوليد بن المغيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>[سورة الإنسان (٧٦): الآيات ٢٥ الى ٣١]</span>\nوَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٢٥) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (٢٦) إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (٢٧) نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)\nوَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٣٠) يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا (٣١)\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ١/ ٥٣٦، وتفسير القرطبي: ١٩/ ١٤٨.\n(٢) غير مقروءة في المخطوط.\n(٣) العجول من النساء التي فقد ولدها.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٤٩ وله تكملة.","vol":"10","page":106},{"text":"وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ تعني صلاتي العشاء وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا يعني التطوّع إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ أمامهم وقدّامهم كقوله:\nوَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ «١» وقوله سبحانه: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ «٢» .\nيَوْمًا ثَقِيلًا وهو يوم القيامة، نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا. قوّينا وحكمنا. أَسْرَهُمْ قال مجاهد وقتادة ومقاتل: خلقهم، وهي رواية عطية عن ابن عباس يقال: رجل حسن الاسّر أي الخلق، وفرس شديد الأسّر، وقال أبو هريرة والربيع: مفاصلهم، وقال الحسن: أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب وروى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ قال: الشرج وأصل الأسر الشكّ يقال: ما أحسن ما أسر قتبه أي شدّه، ومنه قولهم: خذه بأسره إذا أرادوا أن يقولوا: هو لك كلّه كأنهم أرادوا بعكة وشدة لم تفتح ولم تنقص منه. قال لبيد:\nساهم الوجه شديد اسّره ... مغبط الحارك محبوك الكفل «٣»\nوقال الأخطل:\nمن كلّ مجتنب شديد أسره ... سلس القياد تخاله مختالا «٤»\nوَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا إِنَّ هذِهِ السورة تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي وسيلة بالطاعة. وَما تَشاؤُنَ. بالياء ابن كثير وأبو عمرو ومثله روى هشام عن أهل الشام، غيرهم بالتاء. إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ لأن الأمر إليه لا إليكم وفي أمره عند الله إلّا ما شاء الله، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ، وقرأ أبان بن عثمان والظالمون أَعَدَّ لَهُمْ عَذابًا أَلِيمًا.\n_________\n(١) سورة الكهف: ٧٩.\n(٢) سورة المؤمنون: ١٠٠. [.....]\n(٣) تاج العروس: ٥/ ١٩١.\n(٤) مجنتب: من الجنيبة وهي الفرس تقاد ولا تركب، تفسير القرطبي: ١٩/ ١٥١.","vol":"10","page":107},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-839>سورة المرسلات</span>\nمكّية، وهي ثمان مائة وستة عشر حرفا، ومائة واحدى وثمانون كلمة، وخمسون آية\nأخبرني محمد بن القاسم الفقيه قال: حدّثنا محمد بن زيد العدل قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثنا منصور قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا أبي عن مخالد عن علي بن زيد عن زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة والمرسلات كتب أنه ليس من المشركين» [٨٢] «١» .\nوروى الأسود بن يزيد عن عبد الله بن مسعود: قرأت وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا على رسول الله ﷺ ليلة الجن ونحن نسير «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ١ الى ٣٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِراتِ نَشْرًا (٣) فَالْفارِقاتِ فَرْقًا (٤)\nفَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ (٩)\nوَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤)\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)\nأَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (٢٠) فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ (٢١) إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢٢) فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ (٢٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٤)\nأَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا (٢٥) أَحْياءً وَأَمْواتًا (٢٦) وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا (٢٧) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٢٨) انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩)\nانْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)\nوَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا يعني الرياح بعضها بعضا كعرف الفرس، وقيل كثيرا. يقول العرب:\nالناس إلى فلان عرف واحد إذا توجهوا إليه فأكثروا، وهذا معنى قول مجاهد وقتادة، ورواية أبي العبيد عن ابن مسعود، والعوفي عن ابن عباس، وقال أبو صالح ومقاتل: يعني الملائكة التي أرسلت بالمعروف اسم واحد من أمر الله ونهيه، وهي رواية مسروق عن ابن مسعود.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٢٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٥٣.","vol":"10","page":108},{"text":"فَالْعاصِفاتِ عَصْفًا يعني الرياح الشديدات الهبوب.\nوَالنَّاشِراتِ نَشْرًا يعني الرياح اللينة وقال أبو صالح هي المطرق. قال الحسن: هي الرياح يرسلها الله نشرا بين يدي رحمته اقسم الله بالرياح ثلاث مرات، مقاتل: هم الملائكة ينشرون الكتب.\nفَالْفارِقاتِ فَرْقًا قال ابن عباس وأبو صالح ومجاهد والضحاك: يعني الملائكة التي تفرّق بين الحقّ والباطل، وقال قتادة والحسن وابن كيسان: يعني آي القرآن فرّقت بين الحلال والحرام، وقيل: يعني السحابات الماطرة تشبيها بالناقة الفارق، وهي الحامل التي تجزع حين تضع، ونوق فراق.\nفَالْمُلْقِياتِ ذِكْرًا يعني الملائكة التي تنزل بالوحي نظيره قوله سبحانه: تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ «١» . عُذْرًا أَوْ نُذْرًا يعني الأعذار والإنذار واختلف القرّاء فيهما فخففهما الأعمش وأبو عمرو وحمزة والكسائي واختاره أبو عبيد قال: لأنهما في موضع مصدرين أنما هو الأعذار والإنذار وليس بجمع فيثقّلا، وثقلهما الحسن، وهي رواية الأعشى والجعفي عن أبي بكر عن عاصم، والوليد عن أهل الشام، وروح عن يعقوب الياقوت بتثقيل النذر وتخفيف العذر وهما لغتان، وقرأ إبراهيم التيمي وقتادة عذرا ونذرا بالواو العاطفة ولم يجعلا ألف بينهما.\nإِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ محي نورها، وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ شقت وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ قلعت من أماكنها، وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ جمعت لميقات يوم معلوم، واختلف القراء فيه فقرأ ابو عمرو وقّتت بالواو وتشديد القاف وعلى الأصل، وقرأ أبو جعفر بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى بن عمر الثقفي: أُقِتَتْ بالألف وتخفيف القاف، وقرأ الآخرون بالألف والتشديد وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، والعرب تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم وكّدت واكّرت وورّخت الكتاب وأرّخته وودّشت من القوم وأرّشت ووشاح وأشاح وأكاف ووكاف ووسادة وأسادة، وقال النخعي: رعدت.\nلِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ أي وقتت من الأجل وقيل: أخّرت لِيَوْمِ الْفَصْلِ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ من الأمم المكذّبين في قديم الدهر ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ السالكين سبيلهم في الكفر والتكذيب، وقرأ الأعرج نُتْبِعْهُمُ بالجزم وقرأ ابن مسعود سنتبعهم.\nكَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ. فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ. إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ وهو وقت الولادة فَقَدَرْنا\nقرأ عليّ والحسن\n_________\n(١) سورة القدر: ٤.","vol":"10","page":109},{"text":"والسلمي وطلحة وقتادة وأبو إسحاق وأهل المدينة وأيوب بالتشديد من التقدير\nوهي اختيار الكسائي، وقرأ الباقون بالتخفيف من القدرة واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله فَنِعْمَ الْقادِرُونَ ويجوز أن يكون التشديد والتخفيف بمعنى واحد كقوله ﷾ نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ «١» فهي بالتخفيف والتشديد، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ. أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتًا وعاء أَحْياءً وَأَمْواتًا تجمعهم أحياء على ظهرها فإذا ماتوا ضمتهم إليها في بطنها وقال [بنان الصفّار]: خرجنا في جبانة مع الشعبي فنظر إلى الجبانة فقال: هذه الأموات، ثم نظر إلى البيوت فقال: هذه كفات الأحياء.\nوأصل الكفت: الجمع والضمّ، وكانوا يسمّون بقيع الغرقد كفتة لأنه مقبرة تضمّ الموتى، ومثله\nقول النبي (﵇) «خمروا آنيتكم وأوّكوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب وأطفئوا المصابيح واكفتوا صبيانكم فإنّ للشيطان انتشارا وخطفة»\n[٨٣] «٢» يعني بالليل، ويقال للأرض: كافتة.\nوَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتًا عذبا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ثم أخبر أنه يقال لهم يوم القيامة: انْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ في الدنيا انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ يعني دخان جهنم إذا ارتفع أشعب، وقيل: أنها عنق يخرج من النار فينشعب ثلاث شعب فأمّا النور فيقف على رؤوس المؤمنين والدخان يقف على رؤس المنافقين واللهب الصافي يقف على رؤس الكافرين، وقال مقاتل: هو السرادق والظل من يحموم.\nلا ظَلِيلٍ لا كنين وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ إِنَّها يعني جهنم تَرْمِي بِشَرَرٍ، وهي ما تطاير من النار إذا التهبت واحدتها شررة كَالْقَصْرِ وقرأ عيسى بشرار وهي لغة تميم واحدها شرارة.\nكَالْقَصْرِ وقرأه العامّة بسكون الصاد، وقال ابن مسعود: يعني الحصون والمدائن وهو واحد القصر وهي رواية الوالي عن ابن عباس قال: كالقصر العظيم، وقال القرظي: إنّ على جهنم سورا فما خرج من وراء السور مما يرجع إليه في عظم القصر ولون النار.\nوروى سعيد عن عبد الرحمن بن عابس قال: سألت ابن عباس عن قوله سبحانه: إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ قال هي الخشب العظام المقطعة وكنا نعمد إلى الخشب فنقطعها ثلاثة أذرع وفوق ذلك ودونه ندّخره للشتاء فكنّا نسمّيها القصر، وقال مجاهد: هي حزم الشجر، وقال سعيد ابن جبير والضحاك: هي أصول النخل والشجر العظام واحدتها قصرة مثل تمرة وتمر وجمر\nوقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس: كَالْقَصَرِ بفتح الصاد أراد أعناق النخل\n، والقصرة العنق وجمعها قصر وقصرات، وقرأ سعيد بن جبير كَالْقِصَرِ بكسر القاف وفتح الصاد قال أبو حاتم: ولعله لغة ونظيرها في الكلام حاجة وحوج، كأنه ردّ الكناية إلى اللفظ.\n_________\n(١) سورة الواقعة: ٦٠.\n(٢) الفائق في غريب الحديث: ١/ ٣٤٢.","vol":"10","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-841>[سورة المرسلات (٧٧): الآيات ٣٣ الى ٥٠]</span>\nكَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٤) هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣٧)\nهذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (٣٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٠) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢)\nكُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٤٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٥) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)\nوَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)\nكأنه جمالات قرأ ابن عباس جمالات بضم الجيم كأنها جمع جماله وهي الشيء المجمّل، وقرأ حمزة والكسائي وخلف جِمالَتٌ بكسر الجيم من غير ألف على جمع الجمل مثل حجر وحجارة، وقرأ يعقوب جُمالة بضم الجيم من غير ألف أراد الأشياء العظام المجموعة، وقرأ الباقون جِمالات بالألف وكسر الجيم على جمع الجمال، وقال ابن عباس وسعيد بن جبير:\nهي جبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال، صُفْرٌ جمع الأصفر يعني لون النار، وقال بعض أهل المعاني: أراد سودا، لأنّ في الخبر أن شرر نار جهنم سود كالقير، والعرب يسمي السود من الإبل صفرا، وقال الشاعر:\nتلك خيلي منه وتلك ركابي ... هن صفرا أولادها كالزبيب «١»\nأي سودا.\nوإنّما سمّيت سود الإبل صفرا لأنه يشوب سوادها بشيء من صفرة، كما قيل لبيض الظباء:\nأدم، لأن بيضها يعلوه كدرة.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ رفع عطف على قوله يُؤْذَنُ ...\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ قال أبو عثمان: أمسكتهم رؤية الهيبة وحياء الذنوب، وقال الحسن: وهي عذر لمن أعرض عن منعمه وجحده وكفر بنعمه. هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ جمع الظل وقرأها الأعرج في ظلل على جمع الظلة وَعُيُونٍ وَفَواكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ويقال لهم: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ كُلُوا وَتَمَتَّعُوا في الدنيا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ مشركون مستخفون للعذاب، وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا صلّوا لا يَرْكَعُونَ لا يصلّون،\nقال مقاتل: نزلت في ثقيف حين\n_________\n(١) لسان العرب: ١/ ٣٥٥.","vol":"10","page":111},{"text":"أمرهم رسول الله ﷺ بالصلاة فقالوا لا نحني فإنها مسبّة علينا فقال رسول الله ﷺ: «لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود» [٨٤] «١»\n، وقال ابن عباس: إنما يقال لهم: هذا يوم القيامة حين يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ.\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ أي بعد القرآن يُؤْمِنُونَ إذا لم يؤمنوا به، وقال أهل المعاني: ليس قوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ تكرارا غير مفيد لأنه أراد بكلّ قول منه غير ما أراد بالقول الاخر كأنه ذكر شيئا ثم قال: ويل للمكذّبين بهذا والله أعلم.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٦٨.","vol":"10","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-842>سورة النبأ</span>\nمكّية، وهي سبع مائة وسبعون حرفا، ومائة وثلاث وسبعون كلمة، وأربعون آية\nأخبرني ابن المعزي قال: أخبرنا ابن مطرّز قال: حدثنا ابن شريك قال: حدّثنا ابن يونس قال: حدّثنا سلام قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبيّ أمامة عن أبي قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ عَمَّ يَتَساءَلُونَ سقاه الله ﷾ برد الشراب يوم القيامة» [٨٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-843>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ١ الى ٣٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَمَّ يَتَساءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (٢) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (٣) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٤)\nثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (٥) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا (٦) وَالْجِبالَ أَوْتادًا (٧) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا (٨) وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا (٩)\nوَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا (١١) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا (١٢) وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا (١٤)\nلِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا (١٦) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا (١٧) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا (١٨) وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْوابًا (١٩)\nوَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا (٢٠) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (٢٢) لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا (٢٣) لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤)\nإِلاَّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا (٢٦) إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا (٢٧) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا (٢٨) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا (٢٩)\nفَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذابًا (٣٠)\nعَمَّ يَتَساءَلُونَ يعني عن أي شيء يتساءلون هؤلاء المشركين وذلك أنهم اختلفوا واختصموا في أمر محمد ﷺ وما جاءهم به، عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ قال مجاهد هو القرآن. دليله قوله سبحانه قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ «٢» [الآية] وقال قتادة: هو البعث، الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ فمصدّق ومكذّب كَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ وهذا وعيد لهم، وقال الضحاك كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني الكافرين، ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يعني المؤمنين، وقراءة العامة بالياء فيهما، وقرأ الحسن ومالك بن دينار بالتاء فيهما.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٣٧.\n(٢) سورة ص: ٦٧.","vol":"10","page":113},{"text":"أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهادًا وَالْجِبالَ أَوْتادًا وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا أصنافا ذكورا وإناثا.\nوَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتًا راحة لأبدانكم، والنائم مسبوت لا يعلم ولا يعقل كأنّه ميّت، وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباسًا غطاء وغشاء يلبس كل شيء بسواده وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشًا سببا لمعاشكم والتصرّف في مصالحكم فسمّاه به كقول الشاعر:\nوأخو الهموم إذا الهموم تحضّرت ... [جنح] الظلام وساده لا يرقد «١»\nفجعل الوسادة هي التي لا ترقد والمعنى لصاحب الوسادة.\nوَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدادًا وَجَعَلْنا سِراجًا وَهَّاجًا مضيئا منيرا وقّادا حارّا وهي الشمس. وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ قال مجاهد ومقاتل وقتادة: يعني الرياح التي تعصر السحاب، وهي رواية العوفي عن ابن عباس ومجازه على هذا التأويل بالمعصرات مِنَ بمعنى الباء كقوله سبحانه: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ «٢» وكذلك كان عكرمة يقرأها وأنزلنا بالمعصرات وروى الأعمش عن المنهال عن ابن عمرو وعن قيس بن سكن قال: قال عبد الله في قوله:\nوَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجًا قال: بعث الله سبحانه الريح فحمل الماء من الماء فتدرّ كما تدر اللقحة «٣» ثم يبعث الماء كأمثال العزالي فتضرب به الرياح فينزل متفرّقا «٤» .\nقال المؤرّخ: المعصرات: ذوات الأعاصير، وقال أبو العالية والربيع والضحاك: هي السحاب التي تجلب المطر ولم تمطر كالمرأة المعصر، وهي التي دنا حيضها، قال أبو النجم:\nقد أعصرت أو قد دنا اعصارها.\nوهذه رواية الوالي عن ابن عباس. قال المبرّد: المعصرات الفاطرات، وقال ابن كيسان:\nالمغيثات من قوله يَعْصِرُونَ وقال أبي بن كعب والحسن وسعيد بن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان: مِنَ الْمُعْصِراتِ أي من السموات.\nماءً ثَجَّاجًا أي صبابا، وقال مجاهد: مدرارا، قتادة: متتابعا يتلوا بعضه بعضا، وقال ابن زيد: كثيرا.\nلِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتًا وَجَنَّاتٍ أَلْفافًا مجتمعه ملتفة بعضه ببعض وواحدها ألفّ في قول [نحاة] البصرة وليس بالقوى وفي قول الآخرين واحدها لف ولفيف وقيل: هو جمع الجمع يقال: جنّة لفا [وبنت] لف وجنان لف بضم اللام ثم تجمع اللف ألفافا.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٦ مورد الآية.\n(٢) سورة القدر: ٤- ٥.\n(٣) في نسخة المصدر: ناقة. [.....]\n(٤) السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ٣٦٤.","vol":"10","page":114},{"text":"إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتًا لما وعد الله سبحانه يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا [...] «١»،\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه، قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن منصور الكسائي قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار قال: أخبرنا محمد بن زهير عن محمد بن المهتدي عن حنظلة الدّوري عن أبيه عن [البزا] بن عازب قال: كان معاذ بن جبل جالسا قريبا من رسول الله ﷺ في منزل أبي أيوب الأنصاري فقال معاذ: يا رسول الله أرأيت قول الله تعالى: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجًا فقال: «معاذ سألت عن عظيم من الأمر، ثم أرسل عينيه ثم قال: تحشرون عشرة أصناف من أمتي أشتاتا قد ميّزهم الله تعالى من جماعة المسلمين وبدّل صورهم فبعضهم على صور القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكبّين أرجلهم فوق ووجوههم أسفل يسحبون عليها، وبعضهم عمي يتردّدون، وبعضهم صُمٌّ بُكْمٌ ... لا يَعْقِلُونَ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم وهي مدلّاة على صدورهم يسيل القيح من أفواههم يقذّرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلّبين على جذوع من نار، وبعضهم أشدّ نتنا من الجيف، وبعضهم يلبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم، فأما الذين على صورة القردة فالقتّات من الناس- يعني النّمام- وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، والمنكسين على وجوههم فأكلة الربا، والعمي من يجور في الحكم، والصمّ والبكم المعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف قولهم أعمالهم، والمقطّعة أيديهم وأرجلهم الذين يؤذون الجيران، والمصلّبين على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى السلطان، والذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ومنعوا حق الله سبحانه من أموالهم، والذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء» [٨٦] «٢» .\nوَفُتِحَتِ السَّماءُ قرأ أهل الكوفة بالتخفيف وغيرهم بالتشديد. فَكانَتْ أَبْوابًا أي شقت لنزول الملائكة، وقيل: شقت حتى جعلت كالأبواب قطعا، وقيل: تنحلّ وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق وقيل: إنّ لكل عبد بابين في السماء: باب لعمله وباب لرزقه، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب.\nوَسُيِّرَتِ الْجِبالُ عن وجه الأرض فَكانَتْ سَرابًا كالسراب إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا طريقا وممرا فلا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال مقاتل: محبسا لِلطَّاغِينَ للكافرين مَآبًا لابِثِينَ قرأه العامة بالألف وقرأ علقمة وحمزة: لبثين بغير ألف وهما لغتان فِيها أَحْقابًا جمع حقب والحقب جمع حقبة كقول متمم:\nوكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدّعا «٣»\n_________\n(١) كلمة غير مقروءة في المخطوط.\n(٢) الدر المنثور: ٦/ ٣٠٧.\n(٣) تاج العروس: ٣/ ١١٩.","vol":"10","page":115},{"text":"واختلف العلماء في معنى الحقب فقال قوم: هو اسم للزمان والدّهر وليس له حدّ، وروى أبو الضحى عن ابن مسعود قال: لا يعلم عدد الأحقاب إلّا الله ﷿، وقال آخرون: هو محدود. ثم اختلفوا في مبلغ مدّته فقال طارق بن عبد الرحمن: دعاني شيخ بين الصفا والمروة فإذا عنده كتاب عبد الله بن عمرو لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا ان الحقب أربعون سنة كلّ يوم منها ألف سنة،\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد وابن حسن قالا: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا ابن المقري وأبو عبيد الله قالا: حدّثنا [محمد بن يحيى] العرني عن سفيان عن عمّار الدهني قال: قال علي بن أبي طالب لهلال الهجري: ما يجدون في الحقب في كتاب الله المنزل قال: يجده في كتاب الله ثمانين سنة كل سنة اثنا عشر شهرا لكل شهر ثلاثون يوما كل يوم ألف سنة.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن محمد بن الفتح قال: حدّثنا أبو حامد محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا زياد بن أبي يزيد قال: حدّثنا سليمان بن مسلم عن سليمان الحتمي عن نافع عن [ابن عمر] عن النبي ﷺ قال: «والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يكونوا فيها أحقابا، والحقب بضع وثمانين سنة، والسنة ثلاثمائة وستون ويوما، كل يوم ألف سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، فلا يتّكلنّ أحد على أن يخرج من النار» [٨٧] «١» .\nوقال أبي بن كعب: بلغني أن الحقب ثلاثمائة سنة كل سنة ثلاثمائة وستون يوما كلّ يوم ألف سنة، وقال الحسن: إنّ الله سبحانه لم يذكر شيئا إلّا وجعل له مدّة ينقطع إليها ولم يجعل لأهل النار مدّة بل قال: لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا فو الله ما هو إلّا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر ثم آخر كذلك إلى أبد الآبدين فليس للأحقاب عدة إلّا الخلود في النار ولكن قد ذكروا أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة كل يوم منها ألف سنة ممّا نعده، وقال مقاتل بن حيان: الحقب الواحد سبع عشرة ألف سنة، وقال وهذه الآية منسوخة فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا «٢» يعني أن العدد قد ارتفع والخلود قد حصل، وقال بعض العلماء مجاز الآية لابِثِينَ فِيها أَحْقابًا: لا يذوقون في تلك الأحقاب إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا ثم يلبثون أحقابا يذوقون حرّ الحميم، والغساق من أنواع العذاب، فهو توقيت لأنواع العذاب لا بمكثهم في النار.\nلا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا يشفيهم من الحر إلّا الغسّاق وهو الزمهرير، وقيل صديد أهل السعير، وقال الثمالي: دموعهم، وقال شهر بن حوشب: الغسّاق واد في النار فيه ثلاثمائة وثلاثون شعبا في كل شعب ثلاثمائة وثلاثون بيتا في كل بيت أربع زوايا في كلّ زاوية شجاع كأعظم ما خلقه الله سبحانه من خلقه في رأس كل شجاع سم.\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ٣٠٨.\n(٢) سورة: النبأ: ٣٠.","vol":"10","page":116},{"text":"وَلا شَرابًا يرويهم من العطش، إِلَّا حَمِيمًا وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا حامد بن محمد قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حماد قال: حدّثنا محمد بن علي الحسن الشقيقي قال: سألت أبا معاذ النحوي الفضل بن خالد المروزي يقول في قوله سبحانه: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا قال: البرد: النوم، ومثله قال الكسائي وأبو عبيده وانشدوا فيه:\nبردت مراشفها عليّ فصدّني ... عنها وعن قبلاتها البرد «١»\nوالعرب تقول: منع البرد البرد، يعني أذهب البرد النوم، قال الفراء: إنّ النوم ليبرّد صاحبه وإنّ العطشان لينام فيبرد غليله فلذلك سمي النوم بردا، قال الشاعر:\nوان شئت حرّمت النساء سواكم ... وان شئت لم أطعم نقاخا «٢» ولا بردا «٣»\nوقال الحسن وعطاء: لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا أي روّحا وراحة.\nجَزاءً نصب على المصدر، مجازه: جازيناهم جزاء.\nوِفاقًا وافق أعمالهم وفاقا كما نقول: قاتل قتالا عن الأخفش، وقال الفراء: هو جمع وفق والوفق واللفق واحد، قال الربيع: جزاء بحسب أعمالهم، الضحاك: على قدر أعمالهم، مقاتل: وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار، الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة فأثابهم الله بما يسوءهم.\nإِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ يخافون حِسابًا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا تكذيبا قال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة، يقولون: كذّب كذّابا، وخرّقت القميص خرّاقا، كل فعّلت فمصدرها فعّال في لغتهم مشدّد، قال: وقال لي إعرابي منهم: علي المروّة ستفتيني الحلاق أحب إليك أم القصاب وأنشدني بعض بني كلاب:\nلقد طال [ما ثبطتني] عن صحابي ... وعن حوج قضاؤها من شفائنا «٤»\nوَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتابًا فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا\nأخبرني ابن فنجويه قال:\nحدّثنا السنّي قال: أخبرني ابن منجويه قال: حدّثنا أبو داود الحراني قال: حدّثنا شعيب بن حيان قال: حدّثنا مهدي بن ميمون قال: حدّثنا وسمعت الحسن بن دينار سأل الحسن عن أشد آية في القرآن على أهل النار فقال الحسن: سألت أبا برزة الأسلمي فقال: سألت رسول الله ﷺ فقال:\n«فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذابًا» .\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ١٧.\n(٢) النقاخ: الماء البارد الصافي.\n(٣) الصحاح: ٢/ ٤٤٦.\n(٤) تفسير الطبري: ٣٠/ ٢٢.","vol":"10","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>[سورة النبإ (٧٨): الآيات ٣١ الى ٤٠]</span>\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا (٣١) حَدائِقَ وَأَعْنابًا (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْرابًا (٣٣) وَكَأْسًا دِهاقًا (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا (٣٥)\nجَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا (٣٦) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا (٣٨) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا (٤٠)\nإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا فوزا ونجاة من النار الى الجنة، وقال ابن عباس والضحاك: متنزّها.\nحَدائِقَ وَأَعْنابًا وَكَواعِبَ نواهد قد تكعبت ثديهنّ واحدتها كاعب، قال بشر بن أبي حازم:\n[وكم من حصان قد حوينا كريمة] ... ومن كاعب لم تدر ما البؤس معصر «١»\nأَتْرابًا مستويات في السنّ وَكَأْسًا دِهاقًا قال الحسن وابن عباس وقتادة وابن زيد:\nمترعة مملوة، وقال سعيد بن جبير ومجاهد: متتابعة\nلا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا وَلا كِذَّابًا تكذيبا وهي قراءة العامة، وخفّفه الكسائي وهي قراءة أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه\n، وهما مصدران للتكذيب.\nوقال قوم: الكذاب بالتخفيف مصدر الكاذبة وقيل: هو الكذب، قال الأعشى:\nفصدقتها وكذبتها ... والمرء تنفعه كذابه\nوإنّما خففها هنا لأنها ليست بمقيّدة بفعل يصيّرها مصدرا له، وشدد قوله: وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّابًا لأن كذبوا يقيد الكذاب بالمصدر «٢» .\nجَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِسابًا كثيرا كافيا وافيا يقال: أحسبت فلانا أي أعطيته ما يكفيه حتى قال: حسبي. قال الشاعر:\nونقفي وليد الحيّ إن كان جائعا ... ونحسبه إن كان ليس بجائع «٣»\nأي يعطيه حتى يقول حسبي.\nوقيل: جزاء بقدر أعمالهم وقرأ أبو هاشم عَطاءً حِسابًا بفتح الحاء وتشديد السين على وزن فعّال أي كفافا. قال الأصمعي: تقول العرب حسّبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، وأنشد:\nإذا أتاه ضيفه يحسّبه ... من حاقن «٤» أو من صريح يحلبه «٥»\n_________\n(١) سقط في المخطوط واستدركناه عن تفسير القرطبي: ١٩/ ١٨٣.\n(٢) في تفسير القرطبي (١٩/ ١٨٤): يقيد المصدر بالكذاب.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٨٤.\n(٤) حقن اللبن: جمعه في السقاء. [.....]\n(٥) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٤٦.","vol":"10","page":118},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا الطهراني قال: أخبرنا يحيى بن الفضل قال: حدّثنا وهب بن عمر قال: أخبرنا هارون بن موسى عن حنظلة عن شهر عن ابن عباس أنه قرأ (عطاء حسنا) بالنون.\nرَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ قرأ ابن مسعود والأشهب وأبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو سلام ويعقوب برفع الباء والنون، وقرأ ابن عامر وعيسى وعاصم كلاهما خفضا واختاره أبو حاتم، وقرأ ابن كثير ومحيض ويحيى وحمزة والكسائي رَبِّ خفضا والرحمنُ رفعا، واختاره أبو عبيد، وقال: هذه أعدلها عندي أن يخفض الأوّل منهما لقربه من قوله: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ فتكون نعتا له ونرفع الرحمنُ لبعده منه.\nلا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطابًا كلاما وقال الكلبي: شفاعة إلّا بإذنه.\nيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ اختلفوا فيه،\nفأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن خرجة قال: حدّثنا عبد الله بن العباس الطيالسي قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم ابن طهمان عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس قال: أتى نفر من اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: أخبرنا عن الروح ما هو؟ قال: «هو جند من جند الله ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد وأرجل يأكلون الطعام ثم قرأ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا الآية، قال: هؤلاء جند وهؤلاء جند» [٨٨] «١» .\nوقال ابن عباس: هو من أعظم الملائكة خلقا، وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيب قال: حدّثنا ثابت أبو حمزة عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود قال: الروح ملك أعظم من السموات ومن الجبال وأعظم من الملائكة، وهو في السماء الرابعة تسبح كلّ يوم اثني عشر تسبيحة يخلق من كل تسبحه ملك يجيء يوم القيامة صفا وحده، وقال الشعبي والضحاك: هو جبريل، وروى الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ عن يمين العرش نهرا من نور مثل السموات السبع والأرضين السبع والبحار السبع يدخل جبريل (﵇) فيه كل فجر فيغتسل فيزداد نورا إلى نوره وجمالا إلى جماله وعظما إلى عظمه، ثم ينتفض فيخرج الله سبحانه من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألف ملك يدخل منهم كلّ يوم سبعون ألف ملك البيت المعمور في الكعبة سبعون ألفا لا يعودون إليه إلى أن تقوم الساعة، وقال وهب: إنّ جبريل (﵇) واقف بين يدي الله سبحانه ترعد فرائصه يخلق الله ﷾ من كلّ رعدة ألف ملك، فالملائكة صفوف بين يدي الله منكّسوا رؤوسهم، فإذا أذن الله سبحانه لهم في الكلام قالوا: لا إله إلّا أنت وهو قوله سبحانه: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٨٧.","vol":"10","page":119},{"text":"لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا يعني لا إله إلّا الله، وقال مجاهد: هم خلق على صورة بني آدم يأكلون ويشربون، أبو صالح: خلق يشبهون الناس وليسوا، وقال الحسن وقتادة: هم بنو آدم، قال قتادة: وهذا مما كان يكتمه ابن عباس، وروى ابن مجاهد عن ابن عباس قال: الروح خلق من الله وصورهم على صور بني آدم وما ينزل من السماء ملك إلّا ومعه واحد من الروح، عطية: هي أرواح الناس يقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح الى الأجساد، وقال ابن زيد: كان أبي يقول: هو القرآن وقرأ وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا «١» .\nيَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا قال الشعبي: هما سماطا ربّ العالمين يوم القيامة سماطا من الروح وسماطا من الملائكة لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَوابًا قال: لا إله إلّا الله في الدنيا.\nذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا مرجعا وسبيلا إلى طاعته، نَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا\nيعني القيامة وقيل القتل ببدر.\nْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\nقال عبد الله بن عمر: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مدّ الأديم وحشرت الدواب والبهائم والوحش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء نطحتها، فإذا فرغ من القصاص قال لها:\nكوني ترابا، فعند ذلك قُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\n. قال مجاهد: يقاد يوم القيامة للمنقورة وللمنطوحة من الناطحة، وقال المقاتلان: إنّ الله ﷾ يجمع الوحوش والهوام والطير كلّ شيء غير الثقلين فيقول: من ربّكم فيقولون: الرحمن الرحيم، فيقول لهم الرب ﵎ بعد ما يقضي بينهم حتّى يقتص للجماء من القرناء: أنا خلقتكم وسخّرتكم لبني آدم وكنتم مطيعين أيام حياتكم فارجعوا إلى الذي كنتم كونوا ترابا فيكونون ترابا، فإذا التفت الكافر إلى شيء صار ترابا يتمنى فيقول: يا ليتني كنت في الدنيا في صورة خنزير رزقي كرزقه وكنت اليوم في الآخرة ترابا. قال عكرمة: بلغني أنّ السباع والوحوش والبهائم إذا رأين يوم القيامة بني آدم وما هم فيه من الغمّ والحزن قلن: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم فلا جنّة نرجو ولا نارا نخاف، وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمّد بن خالد قال: حدّثنا داود بن سليمان قال: حدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا الحسن بن موسى قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله قال: حدّثنا جعفر عن عبد الله بن ذكوان أبي الزياد قال: إذا قضي بين الناس وأمر أهل الجنة إلى الجنّة وأهل النار إلى النار قيل لسائر الأمم ولمؤمني الجنّ: عودوا ترابا فيعودون ترابا، فعند ذلك يقول الكافر حيث يراهم قد عادوا ترابا: الَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا\n، وبه قال ليث بن سليم: مؤمنوا الجن يعودون ترابا،\n_________\n(١) سورة الشورى: ٥٢.","vol":"10","page":120},{"text":"وقال عمر بن عبد العزيز: إن مؤمنين الجن حول الجنّة في ريض ورحاب وليسوا فيها.\nوسمعت أبا القاسم بن جبير يقول: رأيت في بعض التفاسير أن الكافر هاهنا إبليس وذلك أنه عاب آدم بأنه خلق من تراب وافتخر بأنه خلق من النار، فإذا عاين يوم القيامة ما فيه آدم وبنوه المؤمنون من الثواب والراحة والرحمة ورأى ما هو وذويه فيه من الشدّة والعذاب تمنّى أنه بمكان آدم فيقول حينئذ: الَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا.\nوقال أبو هريرة: فيقول التراب للكافر: لا ولا كرامة لك من جعلك مثلي.","vol":"10","page":121},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-845>سورة النازعات</span>\nمكيّة: وهي ستة وأربعون آية، ومائة وتسع وسبعون كلمة، وثلاثة وسبع مائة وخمسون حرفا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١ الى ١٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالنَّازِعاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا (٤)\nفَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ (٨) أَبْصارُها خاشِعَةٌ (٩)\nيَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ (١٠) أَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً (١١) قالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ (١٢) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ (١٣) فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)\nوَالنَّازِعاتِ غَرْقًا قال مسروق: هي الملائكة التي تنزع نفوس بني آدم، وهي رواية أبي صالح وعطية عن ابن عباس،\nقال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه: هي الملائكة تنزع أرواح الكافر والكفرة «١»\n، وقال ابن مسعود: يريد أنفس الكفّار ينزعها ملك الموت من أجسادهم من تحت كلّ شعرة ومن تحت الأظافير وأصول القدمين ثم يفرّقها ويردّدها في جسده بعد ما تنزع حتى إذا كادت تخرج ردّها في جسده فهذا عمله بالكفار، وقال مقاتل: هم [ملك الموت] وأعوانه ينزعون روح الكافر كما ينزع السّفود الكثير الشعب من الصوف المبتل فتخرج نفسه كالغريق في الماء.\nسعيد بن جبير: نزعت أرواحهم ثم غرّقت ثم حرّقت ثم قذف بها في النار، وقال مجاهد هو الموت ينزع النفوس، السندي: هي النفس حين تغرق في الصدر، وقيل: يرى الكافر نفسه في وقت النزع كأنه يغرق، الحسن وقتادة وابن كيسان وأبو عبيدة والأخفش: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق تطلع ثم تغيب، عطاء وعكرمة: هي القسيّ، وقيل: الغزاة، الرماة، ومجاز الآية:\nوالنازعات إغراقا كما يغرق النازع في القوس إذا بلغ بها غاية المد [...] «٢» الذي عند النصل الملفوف عليه، ويقال لقشرة البيضة الداخلة غرقي، وأراد بالإغراق المبالغة في النزع وهو سابغ في جميع وجوه تأويلها.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"10","page":122},{"text":"وَالنَّاشِطاتِ نَشْطًا قال ابن عباس: يعني الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حلّ عنها وحكى الفرّاء هذا القول ثم قال: والذي سمعت من العرب أن يقولوا: أنشطت، وكأنما أنشط من عقال، وربطها نشطا، والرابط: الناشط، وإذا ربطت الحبل في يد البعير فقد نشطته وأنت ناشط، وإذا حللته فقد أنشطته وأنت منشط.\nوعن ابن عباس أيضا: هي أنفس المؤمنين عند الموت، ينشط للخروج وذلك أنه ليس من مؤمن يحضره الموت إلّا عرضت عليه الجنّة قبل أن يموت فيرى فيها أشباها من أهله وأزواجه من الحور العين فهم يدعونه إليها، فنفسه إليهم نشيطة ان تخرج فتأتيهم،\nوقال علي ابن أبي طالب: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد والأظفار حتى تخرجها من أجوافها بالكرب والغمّ\n، وقال مجاهد: هو الموت ينشط نفس الإنسان، وقال السندي: حين ينشط من القدمين، عكرمة وعطا: هي الأدهان، قتادة والأخفش: هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، يقال: حمارنا ناشط ينشط من بلد إلى بلد أي يذهب، ويقال لبقر الوحش نواشط، لأنها تذهب من موضع إلى موضع. قال الطرماح:\nوهل بحليف الخيل ممّن عهدته ... به غير أحدان النواشط روّع «١»\nوالهموم تنشط بصاحبها، قال هميان بن قحافة:\nأمست همومي تنشط المناشطا ... الشام بي طورا وطورا واسطا «٢»\nوقال الخليل: النشط والإنشاط «٣» مدّك شيئا إلى نفسك حتى تنحل.\nوَالسَّابِحاتِ سَبْحًا\nقال علي: هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين\n، وقال الكلبي: هم الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح في الماء فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع يسلونه سلا رفيقا ثم يدعونها حتى يستريح، وقال مجاهد وأبو صالح: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين كما يقال للفرس الجواد، سابح إذا أسرع في جريه، وقيل: هي خيل الغزاة. قال امرؤ القيس:\nمسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل «٤»\nوقال قتادة: هي النجوم والشمس والقمر. قال الله سبحانه: كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ «٥» وقال عطا: هي السفن.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٣٨.\n(٢) لسان العرب: ٧/ ٤١٥.\n(٣) النشط: هو الإيثاق، والإنشاط هو الحلّ، تاج العروس: ٥/ ٢٣١.\n(٤) كتاب العين: ٣/ ١٦.\n(٥) سورة يس: ٤٠.","vol":"10","page":123},{"text":"فَالسَّابِقاتِ سَبْقًا قال مجاهد وأبو روق: سقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح، مقاتل:\nهي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، ابن مسعود: هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقضونها وقد عاينت السرور شوقا إلى لقاء الله ورحمته وكرامته، عطا: هي الخيل، قتادة: النجوم تسبق بعضها بعضا في المسير.\nفَالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا يعني الملائكة.\nأخبرنا أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعفر بن الطيب قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص قال: حدّثنا محمد بن خلف قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا الأعمش عن عمرو ابن مرّة عن عبد الرحمن بن سابط قال: يدبّر أمر الدنيا أربعة: جبريل وميكائيل وملك الموت وإسرافيل (﵈)، فأما جبريل فوكّل بالرياح، وأما ميكائيل فوكّل بالقطر والنبات وأمّا ملك الموت فوكّل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم.\nيَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني النفخة الأولى التي يتزلزل ويتحرّك لها كلّ شيء تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ وهي النفخة الأخيرة وبينهما أربعون سنة، قال قتادة: هما صيحتان: أما الأولى فتميت كلّ شيء بإذن الله، وأمّا الأخرى فتحيي كلّ شيء بإذن الله، وقال مجاهد: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ يعني تزلزل الأرض والجبال تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ حين تنشق السماء ويحمل الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً، عطا: الرَّاجِفَةُ: القيامة، والرَّادِفَةُ البعث، ابن زيد: الرَّاجِفَةُ:\nالموت، والرَّادِفَةُ: الساعة، وأصل: الراجفة: الصوت والحركة ومنه سميت الأراجيف لاضطراب الأصوات بها، وكلّ شيء ولى شيئا وتبعه فقد ردفه.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن هارون الحضرمي قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: حدّثنا قبيصة بن عقبة عن سفيان الثوري عن عبد الله ابن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبيّ بن كعب عن أبيّ بن كعب، قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربع الليل قام وقال: «يا أيها الناس اذكروا الله اذكروا الله جاءت الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جاء الموت بما فيه جاء الموت بما فيه» [٨٩] «١» .\nواختلف العلماء في جواب القسم فقال بعض نحاة الكوفة: جوابه مضمر مجازه: لتبعثن ولتحاسبن، وقال بعض نحاة البصرة: هو قوله: إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى وقيل: في الكلام تقديم وتأخير تقديره: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ... وَالنَّازِعاتِ غَرْقًا.\nقُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ خائفة، مجاهد: وجلة، السدي: زائلة عن أماكنها، نظيره إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ «٢»، المؤرّخ: قلقة، قطرب: مستوفرة، يمان: غير هادئة ولا ساكنة، أبو\n_________\n(١) سنن الترمذي: ٤/ ٥٣.\n(٢) سورة غافر: ١٨.","vol":"10","page":124},{"text":"عمرو بن العلا: مرتكضة، المبرد: مضطربة من وجيف الحركات يقال: وجف القلب ووجب فهو يجف ويجب وجوفا ووجيفا ووجوبا ووجيبا.\nأَبْصارُها خاشِعَةٌ يَقُولُونَ يعني هؤلاء المكذّبين للبعث من مشركي مكّة إذا قيل لهم:\nإنكم مبعوثون بعد الموت.\nإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ أي إلى أوّل الحال وابتداء الأمر فراجعون أحياء كما كنّا قبل حياتنا وهو من قول العرب: رجع فلان على حافرته إذا أرجع من حيث جاء، وقال الشاعر:\nأحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفه وعار «١»\nويقال: البعد عند الحافر وعند الحافرة أي في العاجل عند ابتداء الأمر وأول سومه، والتقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة أي عند أول كلمة.\nأخبرنا أبو بكر الجمشادي قال: أخبرنا أبو بكر القطيعي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال: حدّثنا عمر بن مرزوق قال: أخبرنا عمران القطان قال: سمعت الحسن يقول: إنّا لمردودون إلى الدنيا فنصير أحياء كما كنا، قال الشاعر:\nآليت لا أنساكم فاعلموا ... حتى يرد الناس في الحافرة «٢»\nوقال بعضهم: الحافرة الأرض التي فيها تحفر قبورهم فسمّيت حافرة وهي بمعنى المحفورة كقوله سبحانه: ماءٍ دافِقٍ «٣» وعِيشَةٍ راضِيَةٍ «٤» ومعنى الآية إنّا لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدا ثم مردودون في قبورنا أمواتا، وهذا قول مجاهد والخليل بن أحمد، وقيل: سمّيت الأرض حافرة، لأنها مستقر الحوافر كما سمي القدم أرضا، لأنها على الأرض ومجاز الآية: نرد فنمشي على أقدامنا، وهذا معنى قول قتادة، وقال ابن زيد: الحافرة النار، وقرأ تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ قال: هي اسم من أسماء النار وما أكثر أسمائها.\nأَإِذا كُنَّا عِظامًا نَخِرَةً قرأ أهل الكوفة وأيوب ناخرة بالألف، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وابن الزبير وابن مسعود وأصحابه، واختاره الفراء وابن جرير لوفاق رؤوس الآي، وقرأ الباقون بجرة بغير الألف، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم، قال أبو عبيد إنما اخترناه لحجتين: إحداهما: أن الجمهور الأعظم من الناس عليها، منهم أهل تهامة والحجاز والشام والبصرة، والثانية: إنّا قد نظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت\n_________\n(١) لسان العرب: ٤/ ٢٠٥، تفسير القرطبي: ١٩/ ١٩٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٩٧. [.....]\n(٣) سورة الطارق: ٦.\n(٤) سورة الحاقّة: ٢١.","vol":"10","page":125},{"text":"فوجدناها كلّها العظام النخرة، ولم أسمع في شيء منها الناخرة، وكان أبو عمرو يحتج بحجة ثالثة قال: إنّما يكون تناخره إلى تنخرها، ولم يفعل، وهما لغتان في قول أكثر أهل اللسان مثل:\nالطمع والطامع والبخل والباخل والفره والفاره والجذر والجاذر، وفرّق بينهما فقالوا: النخرة:\nالبالية، والناخرة: المجوّفة التي تمرّ فيها الريح فتخرّ أي تصوّت.\nقالُوا يعني المنكرين تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ رجعة غابنة قال الله سبحانه: فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ صيحة ونفخة واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ يعني وجه الأرض صاروا على ظهر الأرض بعد ما كانوا في جوفها، والعرب تسمي الفلاة ووجه الأرض ساهرة، قال أئمة أهل اللغة تراهم سمّوا ذلك بها [لأنّ فيها نوم الحيوان] سهّرهم فوصف بصفة ما فيه، واستدل ابن عباس والمفسرون بقول أمية بن أبي الصلت:\nوفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به لهم مقيم «١»\nأي لهم البر والبحر، وقال امرؤ القيس:\nولاقيتم بعده غبّها ... فضاقت عليكم به الساهرة\nوقال ابو ذؤيب:\nيرتدن ساهرة كأن حميمها ... وعميمها أسداف ليل مظلم «٢»\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن لمهان قال: حدّثنا موسى بن إسماعيل قال: حدّثنا جهاد عن أبي سنان عن أبي المنية فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ جبل عند البيت المقدّس، وروى الوليد بن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ قال الصقع الذي بين جبل حسان وجبل أريحا يمدّه الله كيف يشاء، وقال سفيان: هي أرض الشام، وقال قتادة: هي جهنم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>[سورة النازعات (٧٩): الآيات ١٥ الى ٤٦]</span>\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (١٦) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (١٩)\nفَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصى (٢١) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى (٢٢) فَحَشَرَ فَنادى (٢٣) فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى (٢٤)\nفَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى (٢٦) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ بَناها (٢٧) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها (٢٩)\nوَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (٣٠) أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها (٣١) وَالْجِبالَ أَرْساها (٣٢) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٣) فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى (٣٤)\nيَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغى (٣٧) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى (٣٩)\nوَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى (٤١) يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها (٤٣) إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها (٤٤)\nإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٠/ ٢٥٢ والبيت وصف الجنة.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٩٩.","vol":"10","page":126},{"text":"هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى قرأ أهل الحجاز وأيوب ويعقوب بتشديد الزاي أي تتزكّى ومثله روى العباس عن أبي عمرو، غيرهم بتخفيفه ومعناه تسلّم وتصلح وتطهّر.\nوَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: أخبرنا ابن زنجويه قال: حدّثنا مسلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن التيمي عن عبيد الله بن أبي بكر قال: حدّثني صخر بن جويرية قال: لما بعث الله تعالى موسى (﵇) إلى فرعون فقال له: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى إلى فَتَخْشى ولن يفعل. قال موسى (﵇): يا رب وكيف أذهب إليه وقد علمت أنه لن يفعل؟ فأوحى الله تعالى إليه أن أمض إلى من أمرت به فإن في السماء اثني عشر ألف ملك يطلبون علم القدر فلم يبلغوه ولم يدركوه.\nفَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى وهي العصا واليد البيضاء.\nفَكَذَّبَ وَعَصى ثُمَّ أَدْبَرَ تولى وأعرض عن الإيمان.\nيَسْعى يعمل بالفساد فَحَشَرَ فجمع السحرة وقومه فَنادى فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى يقول ليس ربّ فوقي، وقيل: أراد أن الأصنام أرباب وأنا ربّها وربكم، وقيل: أراد القادة والسادة فَأَخَذَهُ اللَّهُ فعاقبه الله نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى يعني في الدنيا والآخرة، الأولى بالغرق وفي الآخرة بالنار، وقيل: نكال كلمته الأولى وهي قوله سبحانه ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي وكلمته الآخرة هي قوله أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى وكان بينهما أربعون سنة.\nإِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى أَأَنْتُمْ أيها المنكرون للبعث أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّماءُ إن الذي قدر على خلق السماء قادر عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى وقوله لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ «١» .\nبَناها رَفَعَ سَمْكَها سقفها، قال الفراء: كل شيء حمل شيئا من البناء وغيره فهو سمك وبناء وسموك فَسَوَّاها بلا شطور ولا فطور وَأَغْطَشَ أظلم لَيْلَها والغطش أشد الظلمة ورجل أغطش أي أعمى وَأَخْرَجَ ضُحاها أبرز وأظهر نهارها ونوره.\nوَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها اختلفوا في معنى الآية، فقال ابن عباس: خلق الله سبحانه\n_________\n(١) سورة غافر: ٥٧.","vol":"10","page":127},{"text":"الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ، ثم دحا الأرض بعد ذلك أي بسطها، قال ابن عباس وعبد الله بن عمرو: خلق الله الكعبة ووضعها على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام فدحيت الأرض من تحت البيت، وقيل معناه: والأرض مع ذلك دحاها كما يقال للرجل: أنت أحمق وأنت بعد هذا لئيم الحسب، أي مع هذا، قال الله ﷿: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ «١» أي مع ذلك، وقال الشاعر:\nفقلت لها عني إليك فإنني ... حرام وإني بعد ذاك لبيب «٢»\nيعني مع ذلك.\nودليل هذا التأويل قراءة مجاهد والأرض عند ذلك دحاها وقيل بعد بمعنى قبل كقوله سبحانه: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ «٣» أي من قبل الذكر وهو القرآن، وقال الهذلي:\nحملت الهي بعد عروة إذا نجا خراش وبعض الشراهون من بعض زعموا أن خراشا نجا قبل عروة.\nوقراءة العامة وَالْأَرْضَ بالنصب، وقرأ الحسن والأرض رفعها بالابتداء الرجوع الهاء وكلا الوجهين سائغان في عائد الذكر، والدّحو البسط والمدّ، ومنه أدحي النعامة لأنها تدحوه بصّدرها، يقال: دحا يدحوا دحوا ودحا يدحا دحيا لغتان مثل قولهم طغى يطغو أو يطغي وصغا يصغو ويصغي، ومحا يمحو ويمحي ولحي العود يلحوا أو يلحي، فمن قال: يدحو قال دحوت، ومن قال يدحا قال: دحيت.\nأَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها قال القتيبي: أنظر كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنعام من العشب والشجر والحبّ والتمر والعصف والحطب واللباس والنار والملح، لأنّ النار من العيدان والملح من الماء.\nوَالْجِبالَ أَرْساها قراءة العامة بالنصب وقرأ عمرو بن عبيد بالرفع. مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى وهي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كلّ هائلة من الأمور فتغمر ما سواها بعظم هولها أي يغلب، والطامة عند العرب الناهية التي لا تستطاع، وإنّما أخرت من قولهم طمّ الفرس طميمها إذا استفرغ جهده الجري.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا محمد بن عمران قال: حدّثنا هناد ابن السهى قال: حدّثنا أبو أسامة عن ملك بن مغول عن القاسم الهمداني فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى قال الحسن: يسوق أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار.\n_________\n(١) سورة القلم: ١٣.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٠٥.\n(٣) سورة الأنبياء: ١٠٥.","vol":"10","page":128},{"text":"يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى عمل في الدنيا من خير أو شر وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها متى ظهورها وثبوتها فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها علمها عند الله ولست من علمها في شيء\nقالت عائشة:\nلم يزل النبي ﷺ يذكر الساعة ويسأل عنها حتى نزلت هذه الآيات.\nإِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها قراءة العامة بالإضافة وقرأ أبو جعفر وابن محيض منذر بالتنوين، ومثله روى العباس عن أبي عمرو.\nكَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا قيل: في قبورهم، إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها قال الفراء: ليس للغاشية ضحى إنّما الضحى لصدر النهار ولكن هذا ظاهر من كلام العرب أن تقولوا أتتك العشية أو عداتها إنما معناه آخر يوم أو أوّله قال وأنشد بعض بني عقيل:\nنحن صبّحنا عامرا في دارها ... جردا تعاطى طرفي نهارها «١»\nعشية الهلال أو سرارها.\nبمعني عشية الهلال أو عشية سرار العشية.\n_________\n(١) لسان العرب: ٢/ ٥٠٣.","vol":"10","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>سورة عبس</span>\nمكيّة وهي إحدى وأربعون آية، ومائة وثلاثون كلمة، وخمس مائة وثلاثة وثلاثون حرفا\nأخبرنا ابن المقري قال: أخبرنا ابن مطر قال: حدّثنا ابن شريك قال: حدّثنا ابن يونس قال: حدّثنا سلام قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة عَبَسَ وَتَوَلَّى جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر» [٩٠] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-849>[سورة عبس (٨٠): الآيات ١ الى ٣٢]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nعَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى (٢) وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى (٤)\nأَمَّا مَنِ اسْتَغْنى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَما عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى (٨) وَهُوَ يَخْشى (٩)\nفَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤)\nبِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرامٍ بَرَرَةٍ (١٦) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ (١٧) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (١٨) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)\nثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (٢٠) ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ (٢١) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ (٢٤)\nأَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩)\nوَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ (٣٢)\nعَبَسَ كلح. وَتَوَلَّى وأعرض عنه بوجهه أَنْ لأن جاءَهُ الْأَعْمى وهو ابن مكتوم واسمه عبد الله بن شريح بن مالك بن ربيعة الفهري من بني عامر بن لؤي، وذلك\nأنه أتى رسول الله ﷺ وهو يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعباس بن عبد المطلب وأبيا وأمية ابني خلف ويدعوهم إلى الله سبحانه ويرجوا إسلامهم فقال: يا رسول الله ﷺ أقرئني وعلّمني مما علّمك الله، فجعل يناديه ويكرّر النداء ولا يدري أنه مشتغل مقبل على غيره حتى ظهرت الكراهية في وجه رسول الله ﷺ لقطعه كلامه وقال في نفسه: يقول هؤلاء الصناديد إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد فعبس رسول الله ﷺ وأعرض عنه وأقبل على القوم يكلّمهم، فأنزل الله\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٦٣.","vol":"10","page":130},{"text":"سبحانه هذه الآيات، فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك يكرمه وإذا رآه قال: «مرحبا بمن عاتبني فيه ربي» ويقول: «هل لك من حاجة» [٩١] «١» واستخلفه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما قال أنس بن مالك: فرأيته يوم القادسية عليه درع ومعه راية سوداء\n، قال ابن زيد كان يقال: لو كتم رسول الله ﷺ شيئا من الوحي لكتم هذا.\nوَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أي يتطهّر من ذنوبه ويتّعظ ويصلح، وقال ابن زيد: يسلم.\nأَوْ يَذَّكَّرُ يتعظ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى الموعظة، وقراءة العامة فَتَنْفَعُهُ بالرفع نسقا على قوله يَزَّكَّى ويَذَّكَّرُ، وقرأ عاصم في أكثر الروايات بالنصب على جواب لعل بالفاء.\nأَمَّا مَنِ اسْتَغْنى اثرى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى تتعرّض وتصغي إلى كلامه قال الراعي:\nتَصَدَّى لوضّاح كان جبينه سراج الدجى تجبى إليه الأساور، وقرأ أهل الحجاز وأيوب تصّدى بتشديد الصاد على معنى يتصدى، وقرأ الباقون بالتخفيف على الحذف.\nوَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى أن لا يسلم إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى يمشي يعني الأعمى وَهُوَ يَخْشى الله سبحانه فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى تعرض وتتغافل وتتشاغل بغيره كَلَّا ردع وزجر أي لا تفعل مثلها بعدها فليس الأمر كما فعلت من إقبالك على الغني الكافر وإعراضك [عن] «٢» الفقير المؤمن.\nإِنَّها يعني هذه الموعظة، وقيل: هذه السورة، وقال مقاتل: آيات القرآن تَذْكِرَةٌ موعظة وتبصرة فَمَنْ شاءَ من عباد الله ذَكَرَهُ اتّعظ به، وقال مقاتل: فمن شاء الله ذكّره، أي فهّمه واتعظ به إذا شاء الله منه ذلك وذكّره وفهمه، والهاء في قوله: ذَكَرَهُ راجعة إلى القرآن والتنزيل والوحي أو الوعظ.\nفِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ يعني اللوح المحفوظ، وقيل: كتب الأنبياء (﵈)، دليله قوله سبحانه: إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى «٣» .\nمَرْفُوعَةٍ رفيعة القدر عند الله مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال ابن عباس ومجاهد: كتبة وهم الملائكة الكرام الكاتبون واحدهم سافر، ويقال: سفرت أي كتبت ومنه قيل للكتاب سفر، وجمعه أسفار، ويقال للورّاق سفّرا بلغة العبرانية وقال قتادة: هم القرّاء، وقال الباقون: هم الرسل من الملائكة واحدهم سفير وهو الرسول، وسفير القوم هو الذي يسعى بينهم للصلح، وسفرت بين القوم إذا أصلحت بينهم، قال الشاعر:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢١٣.\n(٢) في المخطوط: على.\n(٣) سورة الأعلى: ١٨.","vol":"10","page":131},{"text":"فما ادع السفارة بين قومي ... ولا أمشي بغير أب نسيب «١»\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا الصلت بن مسعود قال: حدّثنا جعفر بن سلمان قال: حدّثنا عبد الصمد بن معقل قال: سمعت عمّي وهب بن منبّه بِأَيْدِي سَفَرَةٍ قال: هم أصحاب محمد.\nكِرامٍ بَرَرَةٍ جمع بار وبرّ مثل كافر وكفرة وساحر وسحرة.\nقُتِلَ الْإِنْسانُ لعن الكافر سمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول:\nسمعت أبا القاسم البزاز يقول: قال ابن عطا: منع الإنسان عن طريق الخيرات بجهله بطلب رشده وسكونه إلى ما وعد الله له، قال مقاتل: نزلت في عتبة بن أبي لهب ما أَكْفَرَهُ بالله وأنعمه مع كثرة إحسانه إليه وأياديه عنده على طريق التعجّب، وقال الكلبي ومقاتل: هو (ما) الاستفهام تعني أي شيء يحمله على الكفر.\nمِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أي طريق خروجه من بطن أمّه، وقال الحسن ومجاهد: يعني طريق الحق والباطل بيّن له ذلك وسهل له العمل به، دليله قوله سبحانه: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «٢» وقال أبو بكر بن طاهر: يسّر على كل أحد ما خلقه له وقدّر عليه، دليله\nقوله ﷺ: «اعملوا فكل ميسّر لما خلق له» [٩٢] «٣» .\nثُمَّ أَماتَهُ قبض روحه فَأَقْبَرَهُ صيّره بحيث يقبر ويدفن يقال: قبرت الميت، إذا دفنته، وأقبره الله أي صيّره بحيث يقبر وجعله ذا قبر ويقول العرب: بترت ذنب البعير والله أبتره، وعضبت قرن الثور والله أعضبه، وطردت فلانا والله أطرده أي صيّره طريدا، وقال الفراء: معناه جعله مقبورا، ولم يجعله ممن يلقى للسباع والطير ولا ممن يلقى في النواويس، فالقبر مما أكرم به المسلم، وقال أبو عبيدة فَأَقْبَرَهُ أي أمر بأن يقبر، قال: وقالت بنو تميم لعمر بن هبيرة لما قتل صالح بن عبد الرحمن: أقبرنا صالحا فقال: دونكموه.\nثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أحياه بعد موته.\nكَلَّا ردّ عليه أي ليس الأمر كما تقول ونظر هذا الكافر، وقال الحسن: حتما.\nلَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي لم يفعل ما أمره به ربّه ولم يؤدّ ما فرض عليه فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ كيف قدر ربّه ودبّره وليكون له آية وعبرة، وقال مجاهد: إلى مدخله ومخرجه.\nأخبرنا ابن فتحويه قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا عبد الله قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا\n_________\n(١) فتح القدير: ٥/ ٣٨٣. [.....]\n(٢) سورة البلد: ١٠.\n(٣) مسند أحمد: ١/ ٨٢.","vol":"10","page":132},{"text":"أحمد بن عبد الملك قال: حدّثنا حماد بن زيد عن علي بن زيد بن جدعان عن الضحاك بن سفيان الكلابي: إن النبي ﷺ قال له: «يا ضحاك ما طعامك؟» قال: يا رسول الله اللحم واللبن، قال:\n«ثم يصير إلى ماذا؟» قال: إلى ما قد علمت. قال: «قال الله ﷾: ضرب ما يخرج من ابن آدم مثلا للدنيا» [٩٣] «١» .\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا سفيان عن يونس عن عبيد عن الحسن عن عتيّ عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ مطعم ابن آدم جعل مثلا للدنيا وان قزحه «٢» وملحه فانظر إلى ما يصير» [٩٤] .\nوأخبرني ابن فنحويه قال: حدّثنا ابن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا سهل بن عامر قال: حدّثنا عمر بن سليمان عن ابن الوليد قال: سألت ابن عمر عن الرجل يدخل الخلاء فينظر إلى ما يخرج منه، قال: يأتيه الملك فيقول انظر إلى ما بخلت به إلى ما صار؟ «٣» أَنَّا قرأ الكوفيون بفتح الألف على نية تكرير الخافض، مجازه: ولينظر إلى أنّا، غيرهم بالكسر على الاستئناف «٤» .\nصَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا يعني الغيث ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا بالنبات فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا قال ابن عباس والضحاك: يعني الرطبة، وأهل مكة يسمون القتّ القضيب، قال ثعلب:\nسمي بذلك لأنه يقضب في كل أيام أي يقطع، وقال الحسن: القضب العلف.\nوَزَيْتُونًا وهو الذي منه الزيت وَنَخْلًا وَحَدائِقَ غُلْبًا غلاظ الأشجار واحدها أغلب ومنه قيل لغليظ الرقبة أغلب، وقال مجاهد: ملتفة، ابن عباس: طوالا، قتادة: الغلب النخل الكرام، عكرمة: عظام الأوساط، ابن زيد: عظام الجذوع والرقاب.\nوَفاكِهَةً وَأَبًّا يعني الكلاء والمرعى، وقال الحسن: هو الحشيش وما تأكله الدواب ولا تأكله الناس، قتادة: أما الفاكهة فلكم وأما الأب فلأنعامكم، أبو رزين: النبات، يدل عليه ما روى ابن جبير عن ابن عباس قال: ما أنبتت الأرض مما تأكل النَّاسُ وَالْأَنْعامُ. علي بن أبي طلحة عنه: الأبّ: الثمار الرطبة. الضحّاك: هو التبن. عكرمة: الفاكهة: ما يأكل الناس، والأب: ما يأكل الدواب.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٤٢٥.\n(٢) قزحه: تبله وهو الذي يوضع في القدور والأوعية من الكمون والكزبرة يقال: توابل.\n(٣) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٢٠.\n(٤) راجع زاد المسير: ٨/ ١٨٥.","vol":"10","page":133},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد قال: حدّثنا داود بن سليمان قال:\nحدّثنا عبد بن حميد قال: حدّثنا محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي إن أبا بكر سئل عن قوله وَفاكِهَةً وَأَبًّا فقال: أي سماء تظلّني وأي أرض تقلّني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم.\nوأخبرنا ابن حمدون قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد قال: أخبرنا أبي عن صالح عن ابن شاب عن أنس بن مالك أخبره أنه سمع هذه الآية ثم قال: كلّ هذا قد عرّفنا فما الأب ثم رفض عصا كانت بيده وقال: هذا لعمر الله التكليف وما عليك يا ابن أم عمر أن لا تدري ما الأب ثم قال: اتبعوا ما تبيّن لكم من هذا الكتاب وما لا فدعوه.\nمَتاعًا لَكُمْ يعني الفاكهة وَلِأَنْعامِكُمْ يعني العشب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>[سورة عبس (٨٠): الآيات ٣٣ الى ٤٢]</span>\nفَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (٣٧)\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ (٤١) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)\nفَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ يعني صيحة القيامة، سمّيت بذلك لأنها تصخّ الأسماع أي تبالغ في إسماعها حتى كاد تصمّها.\nيَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لا يلتفت إلى واحد منهم لشغله بنفسه وقيل: حذرا من مطالبتهم إيّاه لما بينه وبينهم من التبعات والمظالم، وقيل: لعلمه بأنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه من الله شيئا.\nسمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت عبد الله بن طاهر الأبهري يقول في هذه الآية: يفر منهم إذا ظهر له عجزهم وقلّة حيلتهم إلى من يملك كشف تلك الكروب والهموم عنه ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد سوى ربّه الذي لا يعجزه شيء، ويمكن من فسحة التوكّل واستراح في ظل التفويض.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلّد قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني شيخ لنا عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن قال: أول من يفر يوم القيامة من أبيه إبراهيم وأول من يفر من أمه إبراهيم وأول من يفر من ابنه نوح، وأول من يفر من أخيه هابيل بن آدم، وأول من يفر من صاحبته نوح ثم لوط، ثم تلا هذه الآية يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وقال يروون أن هذه الآية نزلت فيهم.\nوأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس قال: أخبرنا أبو بكر بن محمد بن حمدون بن","vol":"10","page":134},{"text":"خالد قال: حدّثنا أبو حنيفة محمد بن عمرو قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا خليد بن دعلج عن قتادة في قول الله سبحانه يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ قال: يفرّ هابيل من قابيل وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، قال:\nيفر النبي ﷺ من أمه وإبراهيم من أبيه وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، قال: لوط من صاحبته ونوح من ابنه.\nلِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ يشغله عن شأن غيره قال خفاف.\nستغنيك حرب بني مالك ... عن الفحش والجهل في المحفل\nقال الفراء: وقرأ بعض القراء وهو ابن محيض (بعينه) وهو شاذ.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن قال: حدّثنا محمد بن عبد العزيز قال:\nحدّثنا ابن أبي أوس قال: حدّثنا أبي عن محمد بن عياش عن عطاء بن بشار عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ: «يبعث الناس حفاة عراة عزلا قد ألجمهم العرق، وبلغ شحوم الآذان» .\nفقلت يا رسول الله وا سوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟ فقال: «قد شغل الناس لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ» [٩٥] «١» .\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ مشرقة مضيئة، يقال: أسفر الصبح إذا أضاء ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ فرحة.\nأخبرنا الحسين قال: حدّثنا أبو علي الحسين بن أحمد الفامي قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار قال: حدّثنا يحيى بن معين قال: أخبرنا إسحاق بن الأشعث عن شمر بن عطية عن عطاء في قول الله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ قال: من طول ما اغبرت في سبيل الله.\nوَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ غبار، ذكر أن البهائم التي يصيّرها الله سبحانه ترابا بعد القضاء بينها حوّل ذلك التراب في وجوه الكفرة تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ظلمة وكآبة وكسوف وسواد، قال ابن عباس: يغشاها ذلّة، قال ابن زيد: الفرق بين الغبرة والقترة أن القترة ما ارتفع من الغبار فلحق بالسماء، والغبرة ما كان أسفل في الأرض أُولئِكَ الذين يصنع بهم هذا هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ.\n_________\n(١) مجمع الزوائد: ١٠/ ٣٣٣.","vol":"10","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-851>سورة التكوير</span>\nمكيّة وهي تسع وعشرون آية، ومائة وأربع كلمات، وخمس مائة وثلاثون حرفا\nحدّثنا الشيخ الإمام أبو الحسن محمد بن علي بن سهل الماسرخي إملاء قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمّل بن عيسى الماسرخي قال: حدّثنا أحمد بن منصور الرمادي قال: حدّثنا إبراهيم بن خالد قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله بن القاص قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد الصناعي يقول:\nسمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: «من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ» [٩٦] «١» .\nوأخبرني سعيد بن محمد قال: أخبرنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال:\nحدّثنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد عن مسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ أعاذه الله ﷾ أن يفضحه حين تنشر صحيفته» [٩٧] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ (٤)\nوَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥) وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ (٦) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧) وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)\nوَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)\nإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أظلمت، عطية عنه:\nذهبت، مجاهد: اضمحلت، قتادة: ذهب ضوؤها، سعيد بن جبير: عوّرت وهي بالفارسية كوريكرد. أبو صالح: نكست، وعنه أيضا: ألقيت، يقال: طعنه فكوّره، أي: ألقاه، ربيع بن هيثم: رمي بها. واصل التكوّر في كلام العرب جمع بعض الشيء إلى بعض كتكوير العمامة، وهو لفّها على الرأس، وتكوير الكارة من النبات، وهو جمع بعضها إلى بعض ولفّها، فمعنى\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٧، تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٢٦.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٧٣.","vol":"10","page":136},{"text":"قوله إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ: جمع بعضها إلى بعض، ثم لف فرمي بها وإذا فعل ذلك بها ذهب ضوئها، دليله ونظيره قوله سبحانه وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ «١» .\nوَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ أي تناثرت من السماء فتساقطت على الأرض ويقال: انكدر الطائر أي سقط عن عشّه.\nقال العجاج:\nأبصر ضربان فضاء فانكدر «٢» .\nوانكدر القوم إذا جاءوا أرسالا حتى انصبوا عليهم «٣»، قال ذو الرمّة:\nفانصاع جانبه الوحشي وانكدرت ... يلجبن لا يأتلي المطلوب والطّلب «٤»\nابن عباس: تغيّرت.\nوَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ عن وجه الأرض فصارت هباء منبثا وَإِذَا الْعِشارُ وهي النوق الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر واحدتها عشراء، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع لتمام سنة وهي أنفس ما تكون عند أهلها وأعزّها عليهم. عُطِّلَتْ سيّبت وأهملت تركها أربابها وكانوا [....] «٥» لأذنابها فلم تركب ولم تحلب، ولم يكن في الدنيا مال أعجب إليهم منها «٦» . لإتيان ما يشغلهم عنها.\nوَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ.\nأخبرنا عبد الخالق قال: أخبرنا ابن حبيب قال: حدّثنا أبو العباس البرتي قال: حدّثنا أبو نعيم قال: حدّثنا سفيان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ قال:\nحشرها موتها، وقال ابن عباس: حشر كلّ شيء الموت غير الجنّ والإنس فإنهما يوقفان يوم القيامة، وقال أبيّ بن كعب وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ أي اختلطت. قتادة: جمعت، وقيل:\nبعثت ليقضي الله [بينها] «٧» .\nوَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ قرأ أهل مكّة والبصرة بالتخفيف وغيرهم بالتشديد، واختلفوا في معناه فقال ابن زيد وشمر بن عطيّة وسفيان ووهب: أوقدت فصارت نارا.\n_________\n(١) سورة القيامة: ٩.\n(٢) أي فانصب، وهو في لسان العرب: ٤/ ٥١٨.\n(٣) كتاب العين: ٥/ ٣٢٦.\n(٤) لسان العرب: ١/ ٥٦٠.\n(٥) غير مقروءة في المخطوط. [.....]\n(٦) تفسير القرطبي: ٣٠/ ٨٣، وتفسير الدر المنثور: ٦/ ٣١٨.\n(٧) في المخطوط: بينهما.","vol":"10","page":137},{"text":"قال ابن عباس: يكوّر الله الشمس والقمر والنجوم في البحر فيبعث عليها ريحا دبورا فينفخه حتى يصير نارا.\nوقال مجاهد ومقاتل والضحّاك: يعني فجر بعضها في بعض العذب والملح فصارت البحور كلّها بحرا واحدا.\nقال الحلبي: ملئت، ربيع بن حيثم: فاضبّت، الحسن: يبست، قتادة: ذهب ماؤها فلم يبق فيها قطرة، وقتل: صارت مياهها بحرا واحد له من الحميم لأهل النار.\nوأخبرنا عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا الحسن بن الحريث قال:\nحدّثنا الفضل موسى عن الحسين بن واقد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية قال: حدّثني أبيّ بن كعب قال: ستّ آيات قبل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس فبينما هم كذلك إذ تناثرت النجوم فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فجردت واضطربت واحترقت وفزعت الجن إلى الإنس والإنس إلى الجن واختلطت الدواب والطير والوحش وماج بعضهم في بعض فذلك قوله سبحانه وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ قال: اختلطت وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ قال: أهملها أهعلها وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ قال: قالت الجن للإنس: نحن نأتيكم بالخبر، فانطلقوا إلى البحر فإذا هي نار تأجج.\nقال: فبينما هم كذلك إذ تصدّعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة العليا، قال: فبينما هم كذلك إذ جاءتهم الريح فأماتتهم «١» .\nوَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ\nأخبرنا الحسن قال: أخبرنا السني قال: أخبرنا أبو يعلي قال:\nحدّثنا محمد بن بكار قال: حدّثنا الوليد بن أبي نور عن سماك عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال: [الضرباء] كل رجل مع كل قوم كانوا يعملون عمله» [٩٨] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن خالد قال:\nحدّثنا أحمد بن خالد الوهبي قال: حدّثنا إسماعيل عن سماك بن حرب إنّه سمع النعمان بن بشير يقول: قال عمر بن الخطاب: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال: الفاجر مع الفاجر، والصالح مع الصالح، قال ابن عباس: ذلك حتى يكون الناس أَزْواجًا ثَلاثَةً، وقال الحسن وقتادة: ألحق كلّ امرئ بشيعته، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى، الربيع بن خيثم يحشر المرء مع صاحب عمله: مقاتل: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين ونفوس الكافرين بالشياطين نظيرها احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ «٣»، وقيل: زوجت النفوس بأعمالها.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٨٠.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٨٨.\n(٣) سورة الصافات: ٢٢.","vol":"10","page":138},{"text":"وأخبرنا محمد بن حمدون قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا حمد بن الأزهر قال: حدّثنا أسباط عن أبيه عن عكرمه في قوله سبحانه: وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ قال زوّجت الأرواح في الأجساد.\nوَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ وهي الجارية المقتولة المدفونة حيّة سمّيت بذلك لما يطرح عليها من التراب فيؤدها أي يثقلها حتى تموت، قالوا: وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت فأراد أن يستحيها ألبسها جبّة من صوف أو شعر ترعى الإبل والغنم في البادية وإذا أراد أن يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية قال أبوها لأمها طيّبيها وزيّنيها حتى أذهب بها إلى أحمائها وقد حفر لها بئرا في الصحراء فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذا البئر فيدفعها من خلفها في البئر لم يهيل على رأسها التراب حتى يستوي البئر بالأرض، فذلك قوله ﷾ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ «١» وقال ابن عباس: كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت وكان أوان ولادتها حفرت حفرة فتمخضت على رأس الحفرة فإذا ولدت جارية رمت بها في الحفرة، وإن ولدت غلاما حبسته، وكانت طوائف من العرب يفعلون ذلك وفيه يقول قائلهم:\nسميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهر ضامن رميت «٢»\nوقال قتادة: كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته ويغذو كلبه فعاب الله تعالى ذلك عليهم وأوعدهم.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان أن قال: حدّثنا الفراتي قال: حدّثنا محمد بن مهدي الأبلي ويحيى بن موسى قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا إسرائيل بن يونس عن سماك ابن حرب عن النعمان بن بشير قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول في قول الله سبحانه:\nوَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ قال: جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني وأدت ثمان بنات في الجاهلية، قال: «فأعتق عن كلّ واحدة منهم رقبة» .\nقال: يا رسول الله إني صاحب إبل. قال: «فانحر عن كل واحدة منهنّ بدنة إن شئت» [٩٩] «٣» .\nسُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ قراءة العامة على الفعل المجهول فيهما، ولها وجهان: أحدهما:\nسُئِلَتْ هي فقيل لها: بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وبأي فجور قتلت؟ كما يقال: قال عبد الله إنه ذاهب وإني ذاهب، وقال عبد الله بأي ذنب ضربت وبأي ذنب ضرب، كلاهما سائغ جائز، والآخر: سئل عنها الذين وأدوها كأنّك قلت: طلبت منهم فقيل: أين أولادكم وبأي ذنب قتلتموهم.\n_________\n(١) سورة النحل: ٥٩.\n(٢) الصحاح: ١/ ٢٤٩.\n(٣) كنز العمال: ٢/ ٥٤٦.","vol":"10","page":139},{"text":"وأخبرنا الحسن بن محمد بن عبد الله المقرئ قال: أخبرنا البغوي ببغداد قال: حدّثنا ابن أبي شيبة قال: حدّثنا زياد بن أيوب دلويه قال: حدّثنا هشام عن رجل ذكروا أنه هارون، قال زياد: ولم اسمعه أنا من هاشم عن جابر بن زيد أنه كان يقرأ وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ومثله قرأ أبو الضحى ومسلم بن صبح.\nوَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ قرأ أهل المدينة والشام والبصرة إلّا أبا عمرو بالتخفيف غيرهم بالتشديد لقوله سبحانه صُحُفًا مُنَشَّرَةً «١» .\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا هارون قال: حدّثنا اليسيري قال: حدّثنا سعيد بن سليمان عن عبد الحمد بن سليمان قال: حدّثنا محمد بن أبي موسى عن عطاء بن بشار عن أم سلمة قال:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة» قالت يا رسول الله كيف بالنساء؟ قال: «شغل الناس يا أم سلمة» قالت: وما شغلهم قال: «نشر الصحف فيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل» [١٠٠] «٢» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-853>[سورة التكوير (٨١): الآيات ١١ الى ٢٩]</span>\nوَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ (١١) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (١٤) فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)\nالْجَوارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)\nمُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (٢٣) وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (٢٤) وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ (٢٥)\nفَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (٢٦) إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)\nوَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ أي فعلت ونزعت وجذبت عن أماكنها ثم طويت، وفي قراءة عبد الله: قشطت بالقاف وهما لغتان، والقاف والكاف في كلام العرب يتعاقبان مخرجيهما كما يقال: الكافور والقافور والقف والكف.\nوَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ قرأ أهل المدينة بالتشديد غيرهم بالتخفيف واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، لأنها واحدة واختلف فيه بن عاصم وبن عامر، ومعناه: أوقدت، قال قتادة: سعّرها غضب الله وخطايا بني آدم.\nوَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ قرّبت لأهلها نظيرها قوله: وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ «٣» عَلِمَتْ عند ذلك نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ من خير أو شرّ وهو جواب لقوله: إِذَا الشَّمْسُ وما بعدها كما\n_________\n(١) سورة المدثر: ٥٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٣٤.\n(٣) سورة الشعراء: ٩٠.","vol":"10","page":140},{"text":"يقال: إذا قام زيد قعد عمر، وقال ابن عباس في قوله: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ إلى قوله:\nعَلِمَتْ: اثنتا عشرة خصلة ستة في الدنيا وستة في الآخرة.\nفَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ قال قوم: هي النجوم الخمسة الذراري السيارة تخنس في مجارتها فترجع ورائها ويكنس في وقت اختفائها غروبها كما يكنس الظباء في مغارها، وقال قتادة: هي النجوم تبدوا بالليل وتخفى بالنهار فلا ترى ودليل هذا التأويل ما\nروى شعبة عن سماك عن خالد بن عرعرة أن رجلا من مراد قال لعلي: ما الخنس الْجَوارِ الْكُنَّسِ؟ قال: هي الكواكب تخنس بالنهار فلا ترى وتكنس بالليل فتأوي إلى مجاريها، وهي بهرام وزحل وعطارد والزهرة والمشتري\n، قال ابن زيد: معنى الخنس: أنها تخنس أي تتأخر عن مطالعها كل سنة لها في كل عام تأخر يتأخره عن تعجيل ذلك الطلوع يخنس عنه والكنس يكنسن بالنهار فلا ترى.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن النواب قال: حدّثنا رضوان بن أحمد بن عبد الجبار قال: حدّثنا أبو معونة عن الأعمش عن إبراهيم عن عبد الله في قوله سبحانه: الْجَوارِ الْكُنَّسِ قال: هي بقر الوحش، وإليه ذهب إبراهيم وجابر بن زيد وقال سعيد بن جبير: هي الظباء وهي رواية العوفي عن ابن عباس.\nوأصل الخنس الرجوع إلى وراء، والكنوس أن يأوي إلى مكانسها، وهي المواضع التي يأوي إليها الوحش قال الأعشى:\nفلما لحقنا الحي أتلع أنس ... كما أتلعت تحت المكانس ربرب «١»\nويقال لها الكنائس أيضا، قال طرفه بن العبد:\nكأن كناسي ضالة يكنفانها ... وأطرقسي تحت صلب مؤيد «٢»\nوقال أوس بن حجر:\nألم تر أن الله أنزل مزنه ... وعفر الظباء في الكناس تقمع «٣»\nوَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ قال الحسن: أقبل بظلامه، وقال الآخرون: أدبر، يقول العرب:\nعسعس الليل وسعسع إذا أدبر ولم يبق منه إلّا اليسير، قال علقمة بن فرط:\nحتى إذا الصبح لها تنفسا ... وانجاب عنها ليلها وعسعسا «٤»\nوقال رؤبة:\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٩٦.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٩٦.\n(٣) المصدر السابق. [.....]\n(٤) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٩٩.","vol":"10","page":141},{"text":"يا هند ما أسرع ما تسعسعا ... من بعد أن كان فتى سرعرعا «١»\nمن بعد إن كان فتى سرعرعا.\nوَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ أقبل وأضاء وبدأ أوله وقيل: أمتد وارتفع. إِنَّهُ يعني القرآن لَقَوْلُ لتنزيل رَسُولٍ كَرِيمٍ وهو جبريل (﵇) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطاعٍ ثَمَّ في السماء يطيعه الملائكة أَمِينٍ على الوحي وَما صاحِبُكُمْ محمد بِمَجْنُونٍ وَلَقَدْ رَآهُ يعني جبريل على صورته بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ وهو الأفق الأعلى من ناحية المشرق الذي يجيء منه النهار، قاله مجاهد وقتادة.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد قال: حدّثنا ابن علويه قال: حدّثنا إسماعيل قال:\nحدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا ابن جريح عن عكرمة، ومقاتل عن عكرمة عن ابن عباس قال:\nقال رسول الله ﷺ لجبريل: «إني أحبّ أن أراك في صورتك التي تكون فيها في السماء» قال:\nلن تقوى على ذلك، قال: «بلى» قال: فأين تشاء أن أتخيل لك؟ قال: «بالأبطح» قال: لا يسعني قال: «فبمنى» قال: لا يسعني قال: «فبعرفات» [١٠١] «٢» قال: ذاك بالحرى أن يسعني، فواعده فخرج النبي ﷺ للوقت، فإذا هو بجبريل (﵇) قد أقبل من جبال عرفات بخشخشه وكلكله قد ملأ ما بين المشرق والمغرب ورأسه في السماء ورجله في الأرض، فلما رآه النبي ﷺ خرّ مغشيا عليه فتحوّل جبريل في صورته فضمّه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف، فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه من تحت العرش ورجلاه في النجوم السابعة، وإن العرش لعلى كاهله، وإنّه ليتضاءل أحيانا من مخافة الله ﷿ حتى يصير مثل الوضع- يعني العصفور- حتى ما يحمل عرش ربك إلّا عظمته.\nوَما هُوَ يعني محمد ﷺ. عَلَى الْغَيْبِ أي الوحي وخبر السماء وما اطّلع عليه من علم الغيب بظنين قرأ زيد بن ثابت والحسن وابن عمرو والأشهب وعاصم والأعمش وحمزة وأهل المدينة والشام بالضاد، وكذلك في حرف أبيّ بن كعب ومصحفه، وهي قراءة ابن عباس برواية مجاهد واختيار أبي حاتم ومعناه: يبخل يقول: [يأتيه] علم الغيب وهو منقوش فيه فلا يبخل به عليكم بل يعلّمكم ويخبركم به، يقول العرب: ضننت بالشيء بكسر النون أضن به ضنا وضنانة فأنا ضنين، أي بخيل، قال الشاعر:\nأجود بمضنون التلاد وانني ... بسرك عمن سالني لضنين «٣»\nوقرأ الباقون بالظاء وكذلك هو في حرف ابن مسعود ومصحفه وهي قراءة عبد الله وعروة\n_________\n(١) الصحاح: ٣/ ١٢٢٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤١.\n(٣) شرح شافية ابن الحاجب ٢: ٢٦٥، وفي الهامش.","vol":"10","page":142},{"text":"ابني الزبير وعمر بن عبد العزيز وأبي عبد السلمي ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس ومعناه يتهمهم يقال: فلان يظن بمال ويزن بمال أي يتّهم به، والظنّة: التهمة، قال الشاعر:\nأما وكتاب الله لا عن شناءة ... هجرت ولكن الظنين ظنين «١»\nواختار أبو عبيد هذه القراءة وقال: أنهم لم يبخّلوه فيحتاج أن ينفى عنه ذلك البخل، وإنما كذّبوه واتهموه، ولأنّ الأكثر من كلام العرب ما هو بظنين بكذا ولا يقولون على كذا إنّما يقولون: ما أنت على كذا بمتهم، وقيل بظنين. بضعيف حكاه الفراء والمبرّد يقال: رجل ظنين أي ضعيف، وبئر ضنون إذا كانت ضعيفة الماء، قال الأعشى:\nما جعل الجد الظنون الذي ... جنّب صوب اللجب الماطر\nمثل الفراتي إذا ما طما ... يقذف بالبوصي والماهر «٢»\nوَما هُوَ يعني القرآن بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ يعني قال: أين تعدلون عن هذا القرآن، وفيه الشفاء والبيان، قال الكسائي: سمعت العرب تقول: انطلق به الغور، وحكى الفراء عن العرب: ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق، أي [...] «٣» قال سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة وأنشدني بعض بني عقيل:\nتصيح بنا حنيفة إذ رأتنا ... وأي الأرض تذهب بالصياح «٤»\nيريد إلى أي الأرض تذهب.\nوقال الواسطي: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ من ضعف إلى ضعف ارجعوا إلى فسحة الربوبيّة ليستقر بكم القرار، وقال الجنيد: معنى هذه الآية مقرون بآية اخرى وهو قوله ﷾: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ «٥» فأين يذهبون.\nإِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ أي يتبع الحق ويعمل به ويقيم عليه ثم قال: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ أخبرنا أبو بكر بن عبدوس المزكى قال:\nأخبرنا أبو حامد بن بلال البزاز قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي قال: حدّثنا أبو مسهر قال:\nحدّثني سعيد عن سليمان بن موسى قال: لما أنزل الله ﷾ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٢، والجد: البئر، والفراتي: نسبة للفرات، والبوصي: ضرب من السفن، والماهر: السابح.\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٣.\n(٥) سورة الحجر: ٢١.","vol":"10","page":143},{"text":"قال أبو جهل بن هشام: ذاك إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم، فأنزل الله سبحانه وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا [الفرمي] «١» قال: حدّثني مالك بن سليمان قال: حدّثنا بقية عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة قال: لمّا أنزل الله سبحانه على رسوله: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ قالوا: الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فأنزل الله ﷾: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عمر بن مهران قال: حدّثنا أبو مسلم الكنجي قال: حدّثنا جعفر بن جبير بن فرقد قال: سمعت رجلا سأل الحسن عن قول الله ﷾ وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ فقال الحسن: والله ما شاءت العرب الإسلام حتى شاء الله لها.\nوأخبرني الحسن قال: حدّثنا أحمد بن علي بن الحسين قال: حدّثنا علي بن أحمد بن بسطام قال: حدّثنا إبراهيم بن الحجاج الشامي قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: حدّثنا أبو سنان عن وهب بن منبّه قال: الكتب التي أنزلها الله سبحانه على الأنبياء بضع وتسعون كتابا قرأت منها بضعا وثمانين كتابا فوجدت فيها (من جعل لنفسه شيئا من المشيئة فقد كفر) .\nقال الواسطي: أعجزك في جميع أوصافك فلا تشاء إلّا مشيئته ولا تعمل إلّا بقوته ولا تطيع إلّا بفضله ولا تعصي. إلّا بخذلانه فماذا يبقى لك وماذا تفتخر من أفعالك وليس من فعلك شيء؟.\n_________\n(١) هو أبو علي الفرمي نسبة (الفر) إلى مدينة على ساحل مصر (معجم البلدان) .","vol":"10","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>سورة الإنفطار</span>\nمكيّة، وهي تسع عشر آية، وثمانون كلمة، وثلاثمائة وسبعة وعشرون حرفا\nأخبرني محمد بن القاسم قال: أخبرنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال:\nحدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ أعطاه الله سبحانه من الأجر بعدد كل قبر حسنة وبعدد كل قطرة ماء حسنة وأصلح الله له شأنه يوم القيامة» [١٠٢] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ (١) وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ (٢) وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)\nعَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ (٨)\nإِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ انشقت وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ تساقطت وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ أي فجر بعضها في بعض عدنها في ملحها وملحها في عدنها فصارت بحرا واحدا، وقال الحسن: ذهب ماؤها، وقال الكلبي: مليت.\nوَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ بحثت ونثرت وأثيرت فاستخرج ما في الأرض من الكنوز ومن فيها من الموتى أحياء، يقال: بعثرت الحوض وبحثرته إذا هدمته فجعلت أسفله أعلاه، وهذا من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضّتها وأموالها عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ من عمل صالح أو طالح.\nوَأَخَّرَتْ من سنّة حسنة أو سيئة، وقال عكرمة: ما قَدَّمَتْ من الفرائض التي أدّتها وَأَخَّرَتْ من الفرائض التي ضيّعتها، وقيل: ما قَدَّمَتْ من الأعمال وَأَخَّرَتْ من المظالم، وقيل:\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٨٣.","vol":"10","page":145},{"text":"ما قَدَّمَتْ من الصدقات وَأَخَّرَتْ من التركات، وقيل ما قَدَّمَتْ من الاسقاط والإفراط وما أَخَّرَتْ من الأولاد وهذا جواب إذا.\nيا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ.\nأخبرنا عبد الله الفتحوي قال: حدّثنا أبو علي المقرئ قال: حدّثنا أبو القاسم ابن الفضل المقرئ قال: حدّثنا علي بن الحسين قال: حدّثنا المقدّمي وعلي بن هاشم قالا: حدّثنا كثير بن هشام قال: حدّثنا جعفر بن برقان قال: حدّثني صالح بن مسمار قال: بلغني أن النبي ﷺ تلا هذه الآية: يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ قال: جهله، وقال قتادة: غرّة شيطانه عدوه المسّلط عليه.\nوحدّثني الحسن بن محمد بن الحسن قال: حدّثني أبي عن جدّي عن علي بن الحسن الهلالي عن إبراهيم بن الأشعث قال: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله ﷾ يوم القيامة بين يديه فقال: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ماذا كنت تقول؟ قال: أقول غرني ستورك المرخاة، نظمه محمد ابن السماك فقال:\nيا كاتم الذنب أما تستحي ... الله في الخلوة ثانيكا\nغرك من ربّك إمهاله ... وستره طول مساويكا «١»\nوقال: مقاتل: غرّه عفو الله حين لم يعجّل عليه بالعقوبة، وتلا [نصر] بن مغلس هذه الآية فقال: غرّه رفق الله به.\nوسمعت أبا القاسم الحلبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن محمد الورّاق يقول: سمعت يحيى بن معاذ يقول: لو أقامني الله سبحانه بين يديه فقال: ما غرّك بي؟ قلت:\nغرّني بك برّك بي سابقا وآنفا.\nوسمعته يقول: أخبرنا عبد الله بن محمد بن صالح المغافري يقول: سمعت حماد بن بكر يحكي عن بعضهم أنه قال: لو سألني عن هذا ربي لقلت: غرّني حلمك، وسمعته يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن يزيد النسقي يقول: سمعت أبا عبد الله حسن أبي بكر الورّاق يقول:\nسمعت أبا بكر الورّاق يقول: لو قال لي ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ لقلت: غرّني كرم الكريم.\nقال أهل الإشارة: إنّما قال: بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ دون سائر أسمائه وصفاته لأنه كان لفتة الإجابة حتى يقول: غرّني كرم الكريم، قال منصور بن عمار لو قيل: ما غرّك بي؟ قلت: يا رب ما غرّني إلّا ما علمته من فضلك على عبادك وصفحك عنهم، وروى أبو وائل عن ابن مسعود\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٤٦.","vol":"10","page":146},{"text":"قال: ما منكم من أحد إلّا سيخلو الله ﷾ به يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم ما غرّك بي يا ابن آدم ماذا عملت فيما علمت يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟.\nوسمعت أبا القاسم النيسابوري يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبيد الله الشامي وأبا الحسن محمد بن الحسين القاضي الجرجاني يقولان: سمعنا إبراهيم بن فاتك يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: سمعت ذا النون المصري يقول: كم من مغرور تحت الستر وهو لا يشعر.\nوأنشدني الحسن بن جعفر البابي يقول: أنشدني منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول:\nأنشدنا أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى:\nيا من غلا في الغنى والتيه ... وغرّه طول تماديه\nأملى لك الله فبارزته ... ولم تخف غبّ معاصيه «١»\nالَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ قرأ أهل الكوفة بتخفيف الدال أي صرفك وأمالك إلى أي صورة شاء قبيحا أو جميلا وقصيرا أو طويلا، وقرأ الباقون بالتشديد أي قوّمك وجعلك معتدل الخلق، وهو اختيار الفراء وأبي عبيد لقوله سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ «٢» .\nفِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ قال مجاهد: في أي شبه أب أو أم أو خال أو عم.\nوأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن العسكري قال: حدّثنا عبد الرحمن بن محمّد بن منصور قال: حدّثنا مطهر بن الهيثم قال: حدّثنا موسى بن علي عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول الله ﷺ. [...] «٣»:\n«وما ولد لك» قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إمّا غلام وإما جارية. قال ﷺ:\n«من شبه» قال: فمن شبه أمه وأباه، فقال النبي ﷺ: «لا تقل هكذا إنّ النطفة إذا استقرت في الرحم أحضر الله كلّ نسب بينهم وبين آدم، أما قرأت هذه الآية فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ» قال ﷺ: «إن شاء في صورة إنسان وإن شاء في صورة حمار وإن شاء في صورة قرد، وإن شاء في صورة كلب وإن شاء في صورة خنزير» [١٠٣] «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>[سورة الانفطار (٨٢): الآيات ٩ الى ١٩]</span>\nكَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ (١٠) كِرامًا كاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ (١٢) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)\nوَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ (١٦) وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ (١٨)\nيَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (١٩)\n_________\n(١) المصدر السابق، وفيه: غلا في العجب.\n(٢) سورة التين: ٤. [.....]\n(٣) بياض في المخطوط.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٨٧.","vol":"10","page":147},{"text":"كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ قراءة العامة بالتاء لقوله سبحانه وَإِنَّ عَلَيْكُمْ وقراءة أبو جعفر بالياء وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ رقباء يحفظون عليكم أعمالكم.\nكِرامًا على الله كاتِبِينَ يكتبون أقوالكم وأفعالكم.\nيَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ إِنَّ الْأَبْرارَ يعني الذين بروا وصدقوا في إيمانهم بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه،\nوأخبرنا عبد الرحمن بن يحيى العدل قال: حدّثنا علي المؤمل قال: حدّثنا أحمد بن عثمان قال: حدّثنا هشام بن عامر قال: حدّثنا سعد بن يحيى بن عبيد الله بن الوليد الوصافي عن محارب بن [دثار] عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إنما سماهم الله الأبرار لأنّهم برّوا الآباء والأبناء، كما أن لوالدك عليك حقا كذلك لولدك عليك حق» [١٠٤] «١» .\nلَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَها يدخلونها يَوْمَ الدِّينِ يوم القيامة وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا قراءة أهل مكّة والبصرة برفع الميم ردّا على اليوم الأول، وقراءة غيرهم بالنصب أي في يوم، واختاره أبو عبيد قال: لأنها اضافة غير محضة وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٢٥.","vol":"10","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-857>سورة المطففين</span>\nمدنية، وهي ست وثلاثون آية، ومائة وتسع وستون كلمة، وسبع مائة وثلاثون حرفا\nأخبرنا كامل بن أحمد المفيد قال: أخبرنا محمد بن مطر العدل قال: حدّثنا ابن إبراهيم بن شريك الأسدي قال: حدّثنا أحمد بن يونس اليربوعي قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامه عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة المطفّفين سقاه الله سبحانه من الرحيق المختوم يوم القيامة» [١٠٥] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١ الى ١٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)\nلِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٦) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ (٨) كِتابٌ مَرْقُومٌ (٩)\nوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاَّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)\nوَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ يعني الذين ينقصون الناس ويبخسون حقوقهم في الكيل والوزن، وأصله من الشيء الطفيف وهو النزر القليل، وإناء طفاف إذا لم يكن ملآن، ومنه قيل للقوم الذين يكونون سواء في حسبة أو عدد: هم كطف الصاع، يعني ذلك: كقرب الملء منه ناقص عن الملء «٢» .\nالَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا أخذوا عَلَى النَّاسِ أي منهم، وعلى ومن تتعاقبان في هذا الموضع يَسْتَوْفُونَ حقوقهم منه وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ أي كالوا لهم أو وزنوا لهم، يقال: وزنتك حقّك، وكلتك طعامك بمعنى وزنت لك وكلت لك، قال الفراء: وهي لغة أهل الحجاز ومن جاوزهم من [......] «٣» قال: وسمعت أعرابية تقول: إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٨٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٣٠/ ١١٣.\n(٣) كلمة غير مقروءة في المخطوط.","vol":"10","page":149},{"text":"قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلها حرفين حرفين ويقف على: كالوا ووزنوا، ثمّ يبتدئ فيقول: هم يخسرون، قال: وأحسب قراءة حمزة أيضا كذلك، قال أبو عبيد: والاختيار أن يكون كلمة واحدة من جهتين: إحداهما: الخط، وذلك أنهم كتبوها بغير ألف، ولو كانتا مقطوعتين لكانتا كالوا ووزنوا بالألف على ما كتبوا الأفعال كلّها مثل: فاؤُ وجاؤُ [...] «١»\nالمصاحف إلّا على إسقاطها.\nوالجهة الأخرى: أنه يقال: كلتك ووزنتك بمعنى كلت لك ووزنت لك، وهو كلام عربي كما يقال: صدتك وصدت لك وكسبتك وكسبت لك ومثله كثير.\nيُخْسِرُونَ ينقصون.\nحدّثنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر قال:\nحدّثنا علي بن الحسين بن واقد، قال: حدّثني أبي قال: حدّثني يزيد النحوي أن عكرمة حدّثه عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل الله سبحانه وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فأحسنوا الكيل.\nوقال القرطبي: كان بالمدينة تجار يطفّفون وكانت بياعتهم كشبه القمار والمنابذة والملامسة والمخاطرة فأنزل الله سبحانه هذه الآية. فخرج رسول الله ﷺ إلى السوق وقرأها عليهم\n، وقال السدي: قدم رسول الله ﷺ المدينة وبها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن يوسف قال: حدّثنا ابن عمران قال: حدّثنا أبو الدرداء، عبد العزيز [بن منيب] قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان عن أبيه عن الضحاك ومجاهد وطاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «خمس لخمس» قالوا: يا رسول الله وما خمس لخمس؟ قال: «ما نقض قوم العهد إلّا سلّط عليهم عدوّهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلّا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلّا فشا فيهم الموت، ولا طفّفوا الكيل إلّا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلّا حبس عنهم القطر» [١٠٦] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا ابن أيوب قال: حدّثنا القصواني قال: حدّثنا سنان بن حاتم قال: حدّثنا حفص قال: حدّثنا مالك بن دينار قال: دخلت على جار لي وقد نزل به الموت فجعل يقول: جبلين من نار جبلين من نار، قال: قلت: ما تقول أتهجر؟\nقال: يا أبا يحيى كان لي مكيالان، كنت أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر، قال: فقمت فجعلت\n_________\n(١) بياض بالمخطوط.\n(٢) المعجم الكبير: ١١/ ٣٨.","vol":"10","page":150},{"text":"أضرب أحدهما بالآخر فقال: يا أبا يحيى كلما ضربت أحدهما بالآخر إزداد عظما فمات في وجعه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن صقلان قال: حدّثنا محمد بن النفاخ الباهلي قال: حدّثنا بركة بن محمد الحلبي عن عثمان بن عبد الرحمن عن النضر بن عدي قال:\nسمعت عكرمة يقول: أشهد على كلّ كيّال أو وزّان أنّه في النار، قيل له: إنّ ابنك كيال أو وزان، قال: أنا أشهد أنه في النار.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل بن الفضل قال: حدّثني عبد الله بن زكريا القاضي قال: حدّثنا العباس بن عبد الله بن أحمد قال: حدّثنا المبرد قال: حدّثنا الرياسي عن الأصمعي قال: قال لي إعرابي: لا تلتمس الحوائج ممن مروءته في رؤس المكاييل والسن الموازين، وروى عبد خير أن عليّا مرّ على رجل وهو يزن الزعفران وقد أرجح، فكفا الميزان، ثم قال: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت، وقال نافع كان ابن عمر يمرّ بالبائع فيقول: اتّق الله وأوف الكيل والوزن، فإن المطفّفين يوقفون يوم القيامة حتى أن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم.\nأَلا يَظُنُّ يستيقن أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا وكيع عن هشام صاحب [الدستواني] عن القمر بن أبي [ابزى] قال: حدّثني من سمع ابن عمر قرأ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ فلما بلغ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ بكى حتى خرّوا وامتنع من قراءة ما بعده.\nكَلَّا قال الحسن: حقا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ الذي كتب فيه أعمالهم لَفِي سِجِّينٍ قال عبد الله بن عمر ومغيث بن سمي وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: هي الأرض السابعة السفلى فيها أرواح الكفّار وأعمالهم، يدلّ عليه ما\nأخبرنا الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيّب قال: حدّثنا الأعمش عن المنهال عن زادان عن البرك قال: قال رسول الله ﷺ: «سجين أسفل سبع أرضين»\n[١٠٧] «١»:\nوأخبرني أبو عبد الله الفنجوي قال: حدّثنا أبو علي المقرئ قال: حدّثنا أبو [القاسم بن] الفضل قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري قال: حدّثنا حفص ابن حميد عن سمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: أخبرني عن قول الله ﷾: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ فقال: إنّ روح الفاجر يصعد بها إلى السماء\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٩٢، وقريب منه في تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٥٨.","vol":"10","page":151},{"text":"فتأبى السماء أن تقبلها ثم يهبط بها إلى الأرض فتأبى الأرض أن تقبلها فيهبط تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجّين، وهي حدّ إبليس، فيخرج لها من سجين من تحت حدّ إبليس رق فيرقم ويختم ويوضع تحت حدّ إبليس بمعرفتها الهلاك بحساب يوم القيامة، وإليه ذهب سعيد بن جبير قال: سجّين تحت حدّ إبليس، وقال عطاء الخراساني: هي الأرض السفلى وفيها إبليس وذريته.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا الفضل قال: حدّثنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: قراءتي على يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: وحدّثني عمارة بن عيسى عن يونس بن يزيد عمّن حدّثه عن ابن عباس أنه قال لكعب الأحبار: أخبرني عن سجّين وعليّين، فقال كعب:\nوالذي نفسي بيده لأخبرنّك عنها إلّا بما أجد في كتاب الله المنزل، أما سجّين فإنّها شجرة سوداء تحت الأرضين السبع مكتوب فيها كلّ اسم شيطان، فإذا قبضت نفس الكافر عرج بها إلى السماء فغلقت أبواب السماء دونها، ثم رمى بها إلى سجين فذلك سجين، وأما عليّيون فإنّه إذا قبضت نفس المسلم عرج بها إلى السماء وفتحت لها أبواب السماء حتى تنتهي إلى العرش، قال: فيخرج كفّ من العرش فيكتب له نزله وكرامته فذلك عليّون.\nوقال الكلبي: هي صخرة تحت الأرض السابعة السفلى خضراء خضرة السموات منها، يجعل كتاب الفجار تحتها، وقال وهب: هي آخر سلطان إبليس.\nوأخبرني عقيل: إن المعافى أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني إسحاق بن وهب الواسطي قال: حدّثنا مسعود بن موسى بن مشكان قال: حدّثنا نصر بن خزيمة عن شعيب بن صفوان عن القرطي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال. «الفلق جبّ في جهنم مغطّى وأما سجين جبّ في جهنم مفتوح» [١٠٨] «١» .\nوأخبرنا أبو القمر الصفار قال: أخبرنا حاجب بن أحمد قال: حدّثنا محمد بن حماد قال:\nحدّثنا يحيى بن سليم الطائفي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله سبحانه: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ قال: سجّين صخرة تحت الأرض السابعة تقلب فيجعل كتاب الفجّار تحتها، وقال عكرمة: أي لفي خسار وضلال، والمعنى أنه أراد بطلان أعمالهم وذهابها بلا محمدة ولا ثواب وهذا سائغ مستفيض في كلام الناس، يقولون لمن خمل ذكره وسقط قدره قد لزق بالحضيض، وقال الأخفش: لفي حبس ضيق شديد، وهو فعّيل من السجن كما يقال فسّيق وشرّيب قال ابن مقبل:\nورفقه يضربون البيض ضاحيّة ... ضربا تواصت به الأبطال سجّينا «٢»\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ١٢٠، الدر المنثور: ٦/ ٣٢٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٥٨.","vol":"10","page":152},{"text":"وَما أَدْراكَ يا محمد ما سِجِّينٌ أي ذلك الكتاب الذي في السجّين ثم منّ فقال:\nكِتابٌ أي هو كتاب مَرْقُومٌ مكتوب مثبت عليهم كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحى حتى يجازوا به وقال قتادة: رقم لهم بشرّ وقيل: مختوم بلغة حمير. وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قراءة العامة تُتْلى، وقرأ أبو حيان بالياء لتقديم الفعل.\nقالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ\nأخبرنا الحسين قال:\nحدّثنا الفضل قال: حدّثنا أبو الحسن أحمد بن مكرم التربي ببغداد قال: حدّثنا علي المكرمي قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: سمعت محمد بن عجلان يقول: حدّثني القعقاع بن حكم أن أبا صالح السمّان قال أن أبا هريرة حدّثه أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنّ العبد إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه فإن تاب صقل قلبه وإن عاد زادت حتى يسوّد قلبه»\n[١٠٩] «١» قال:\nفذلك قوله سبحانه كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ وكذا قال المفسرون: هو الذنب على الذنب حتى يسوّد القلب، وقال حذيفة بن اليمّان: القلب مثل الكفّ فإذا أذنب العبد انقبض وقبض إصبعا من أصابعه ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعا أخرى، ثم إذا أذنب انقبض وقبض أصابعه ثم يطبع عليه فكانوا يرون أنّ ذلك هو الرين، ثمّ قرأ هذه الآية.\nوقال بكر بن عبد الله: إنّ العبد إذا أصاب الذنب صار في قلبه كوخزة الإبرة ثمّ إذا أذنب ثانيا صار كذلك فإذا كثرت الذنوب صار القلب كالمنخل أو كالغربال، وقال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى لعله يصدئ القلب، وقال ابن عباس: طبع عليها، عطا: غشيت على قلوبهم فهوت بها فلا يفزعون ولا يتحاشون «٢»، وقيل: قلبها فجعل أسفلها أعلاها، نظيره قوله سبحانه وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ «٣» وأصل الرين الغلبة، يقال: رانت الخمر على عقله إذا غلبت عليه فسكر، وقال أبو زبيد الطائي:\nثم إذا رآه رانت به الخمر ... وأن لا يرينه باتّقاء\nوقال الراجز:\nلم نرو حتى هجّرت ورين بي ... ورين بالسّاقي الذي أمسى معي «٤»\nمعنى الآية غلب على قلوبهم وأحاطت بها حتى غمرتها وغشيتها.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٢٩٧، تحفة الاحوذي: ١/ ٢٥، جامع البيان للطبري: ٣٠/ ١٢٣ بتفاوت.\n(٢) تفسير الطبري: ٣٠/ ١٢٤.\n(٣) سورة الأنعام: ١١٠. [.....]\n(٤) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ١٢٢.","vol":"10","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-859>[سورة المطففين (٨٣): الآيات ١٥ الى ٣٦]</span>\nكَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) كَلاَّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ (١٩)\nكِتابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)\nيُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (٢٧) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (٢٨) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)\nوَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤)\nعَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)\nكَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ قال بعضهم: من كرامته ورحمته ممنوعون، وقال قتادة: هو أن لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ... وَلا يُزَكِّيهِمْ، وقال أكثر المفسرين: عن رؤيته، قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته.\nأخبرنا الحسن بن محمد بن جعفر قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن هاني قال:\nحدّثنا الحسين بن الفضل قال: حدّثنا عفان بن مسلم الصفار عن الربيع بن صبيح وعبد الواحد بن زيد قالا: قال الحسن: لو علم الزاهدون والعابدون أنهم لا يرون ربّهم في المعاد لزهقت أنفسهم في الدنيا، وقال يحيى بن سليمان: بن نضلة: يسئل مالك بن أنس عن هذه الآية قال:\nلها حجب أعداءه فلم يروه تجلّى لأوليائه حتى رأوه، وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد [الشبوي] «١» بها يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي ﵁ وجاءه كتاب من الصعيد يسألونه عن قول الله سبحانه: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فكتب فيه: لما حجب قوما بالسخط دل على أن قوما يرونه بالرضا، فقلت له: أوتدين بهذا يا سيدي؟\nفقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أن يرى ربّه في المعاد لما عبده في الدنيا.\nثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ لداخلو النار ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيّب عن الأعمش عن النهال عن زادان عن البراء بن عازب عن النبي ﷺ قال: «عليين في السماء السابعة تحت العرش» [١١٠] «٢»\nوقال ابن عباس هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيها، وقال كعب وقتادة: هو قائمة العرش\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٦٢.","vol":"10","page":154},{"text":"اليمنى، مقاتل: ساق العرش، علي ابن أبي طلحة وعطاء عن ابن عباس: هو الجنة، عطية عنه:\nأعمالهم في كتاب الله في السماء، الضحاك: سدرة المنتهى، وقال أهل المعاني: علو بعد علو وشرف بعد شرف، ولذلك جمعت بالياء والنون لجمع الرجال إذا لم يكن له نبأ من واحد ولا ثانية، قال الفراء: هو اسم موضوع على صفة الجمع لا واحد له من لفظه كقولك عشرين وثلاثين، وقال يونس النحوي: واحدها عليّ وعليّه.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن حمدان قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن إسحاق الملحمي قال: حدّثنا محمد بن يونس قال: حدّثنا عفان قال: حدّثنا عفان قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عصام ابن يهدله عن خيثمة عن عبد الله بن عمرو في قوله سبحانه: كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ قال: إنّ أهل عليين لينظرون إلى أهل الجنة من كذا فإذا أشرف رجل أشرقت الجنة وقالوا: قد طلع علينا رجل من أهل عليين.\nوَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ رقم له بخير وفي الآية تقديم وتأخير، مجازها:\nإنّ كتاب الأبرار مرقوم في عليين وهي محل الملائكة، ومثله إن كتاب الفجّار كتاب مرقوم وهي سجين، وهي محل إبليس وجنوده.\nيَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ الملائكة إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ أي ما أعطاهم الله تعالى من الكرامة والنعمة، الأرائك: كلّ ما يتكئ عليه، وقيل: السرير في الحجلة، وقال مقاتل: ينظرون إلى [أعدائهم] «١» كيف يعذّبون، وقال ابن عطاء: على أرائك المعرفة ينظرون إلى المعروف وعلى أرائك القربة ينظرون إلى الرؤوف.\nتَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي عصارته وبريقه ونوره يقال أنضر النبات إذا أزهر ونوّر، وقراءة العامة تَعْرِفُ بفتح التاء وكسر الراء نَضْرَةَ نصب، وقرأ أبو جعفر ويعقوب بضم التاء وفتح الراء على غير تسمية الفاعل.\nيُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ خمر صافية طيبة وقيل: هي الخمر العتيقة، مقاتل: الخمر البيضاء.\nقال حسان:\nيسقون من ورد البريص عليهم ... بردا يصفّق بالرحيق السلسل «٢»\nوقال آخر:\nأم لا سبيل إلى الشباب وذكره ... أشهى إليّ من الرحيق السلسل «٣»\n_________\n(١) في المخطوط: عدوّهم.\n(٢) تفسير القرطبي: ١٩/ ١٤٣، والبريص: نهر بدمشق، وبردى: نهر بدمشق أيضا، ويصفق: يمزج، والرحيق:\nالخمر البيضاء.\n(٣) لسان العرب: ١١/ ٣٤٣.","vol":"10","page":155},{"text":"مَخْتُومٍ ختمت ومنعت عن أن يمسها ماس أو تنالها يد إلى أن يفكّ ختمها الأبرار يوم القيامة، وقال مجاهد: مطيّن.\nخِتامُهُ طينة مِسْكٌ قال ابن زيد: خِتامُهُ عند الله سبحانه: مِسْكٌ وختامها اليوم في الدنيا طين، وقال ابن مسعود: مختوم ممزوج، ختامه خلط ومسك، وقال علقمة: طعمه وريحه مسك، وقال الآخرون: عاقبته وآخر طعمه مسك، قال قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم بالمسك، وروى عبد الرحمن بن سابط عن أبي الدرداء في قوله سبحانه خِتامُهُ مِسْكٌ قال:\nشراب أبيض مثل الفضة يختمون به شرابهم ولو أن رجلا من أهل الدنيا أدخل إصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلّا وجد طيبها.\nوختم كلّ شيء الفراغ منه، ومنه ختم القرآن، والأعمال بخواتيمها، وقراءة العامة (خِتامُهُ) بتقديم التاء\nوقرأ الكسائي (خاتمه) وهي قراءة علي وعلقمة.\nأخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن الجهم قال: أخبرنا يحيى بن زرارة الفراء قال: حدّثني محمد بن الفضل عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه قرأ خاتمه مسك.\nوباسناده عن الفراء قال: حدّثني أبو الأحوص عن أشعث بن أبي الشعثاء المحاربي قال:\nقرأ علقمة بن قيس (خاتمه مسك) وقال: أما رأيت المرأة تقول للعطار: اجعل لي خاتمه مسكا، تريد آخره، والخاتم والختام واحد كما يقال للرجل الكريم: الطابع والطباع، وقال الفرزدق:\nفبتن بجانبي مصرّعات ... وبتّ أفض أغلاق الختام «١»\nوَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله، وقال مجاهد فليعمل العاملون، نظيره قوله سبحانه: لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ «٢»، مقاتل بن سليمان:\nفليتنازع المتنازعون، ابن حيان: فليتسارع المتسارعون، عطا: فليستبق المتسابقون، زيد بن أسلم: فليتشاح المتشاحون، ابن جرير: فليجدوا في طلبه وليحرصوا عليه، وأصله من الشيء النفيس، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس، ويطلبه ويتمناه ويريده كل واحد منهم لنفسه وينفس به على غيره أي يضن.\nوَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ شراب ينصب عليه من علو، ومنه سنام البعير وتسنيم القبور قال الضحاك: هو شراب اسمه تسنيم وهو أشرف الشراب، مقاتل: يسمى تسنيما لأنه يتسنّم فيصب عليه انصبابا من فوقهم في غرفهم ومنازلهم تجري من جنّة عدن إلى أهل الجنان، قال ابن مسعود وابن عباس: هو خالص للمقربين يشربونها صرفا ويمزج لساير أهل الجنة.\n_________\n(١) لسان العرب: ١٠/ ٢٩١.\n(٢) سورة السجدة: ١٧.","vol":"10","page":156},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد في آخرين قالوا: أخبرنا مكيّ قال: حدّثنا عمار بن رجاء قال:\nحدّثنا سويد بن عمرو الكلبي قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن يونس بن مهران عن ابن عباس وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ قال: هذا مما قال الله سبحانه: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ «١»، وعن بعضهم: أنها عين تجري في الهواء متسنما فتصب في أواني أهل الجنّة على مقدار ملئها، فإذا امتلأت أمسك الماء حتى لا يقع منه قطرة على الأرض فلا يحتاجون إلى الاستقاء وهو معنى قول قتادة، وأصل الكلمة مأخوذ من علوّ المكان والمكانة، فيقال للشيء المرتفع: سنام، وللرجل الشريف: سنام وهو اسم معرفة مثل التنعيم وهو اسم جبل.\nعَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا أي منها، وقيل يشربها الْمُقَرَّبُونَ قال الحريري والواسطي: يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ صرفا على بساط القرب في مجلس الأنس ورياض القدس بكأس الرضا على مشاهدة الحقّ ﷾.\nإِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا أشركوا أبا جهل والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأصحابهم من مترفي مكّة كانُوا مِنَ الَّذِينَ عمّار وخبّاب وصهيب وبلال وأصحابهم من فقراء المؤمنين.\nيَضْحَكُونَ وبهم يستهزءون ومن إسلامهم يتعجبون.\nوقال مقاتل والكلبي: نزلت في علي بن أبي طالب (﵇) وذلك أنه جاء في نفر من المسلمين إلى النبي ﷺ فسخر منهم المنافقون وضحكوا وتغامزوا ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه فأنزل الله ﷾ هذه الآيات قبل أن يصل عليّ وأصحابه إلى رسول الله ﷺ [١١١] «٢» .\nوَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ\nيغمز بعضا ويشيرون بالأعين وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ حين يأتون محمد يرون أنهم على شيء وَما أُرْسِلُوا يعني المشركين عَلَيْهِمْ يعني على المؤمنين حافِظِينَ لأعمالهم موكلين بأحوالهم.\nفَالْيَوْمَ يعني يوم القيامة الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ كما ضحك الكفار منهم في الدنيا وذلك أنّه يفتح للكفار باب إلى الجنة فيقال لهم أخرجوا إليها فإذا وصلوا إليه أغلق دونهم يفعل بهم ذلك مرارا ويضحك المؤمنون منهم وهم عَلَى الْأَرائِكِ من الدر والياقوت يَنْظُرُونَ إليهم كيف يعذبون، قال كعب: بين الجنة والنار كوى فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو له كان في الدنيا اطّلع من بعض تلك الكوى، دليله قوله سبحانه فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ «٣» هَلْ ثُوِّبَ جوزي الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ثوّب وأثاب بمعنى واحد.\n_________\n(١) سورة الصافّات: ٦١.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٢٩٨، وقريب منه في شواهد التنزيل ٢: ٤٢٨.\n(٣) سورة الصافات: ٥٥.","vol":"10","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-860>سورة الإنشقاق</span>\nمكيّة. وهي خمس وعشرون آية، ومائة وسبع كلمات، وأربع مائة وأربع وثلاثون حرفا\nأخبرني سعيد بن محمد وكامل بن أحمد ومحمد بن القاسم قالوا: أخبرنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال:\nحدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال النبي ﷺ: «من قرأ سورة انشقت أعاذه الله سبحانه أن يعطيه كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ» [١١٢] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-861>[سورة الانشقاق (٨٤): الآيات ١ الى ٢٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ (٤)\nوَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ (٥) يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا (١١) وَيَصْلى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)\nبَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥) فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (١٦) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ (١٧) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (١٨) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)\nفَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ (٢٣) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢٤)\nإِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)\nإِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبِّها أي سمعت أمر ربها بالانشقاق وطاعته وَحُقَّتْ أي وحق لها أن تطيع ربّها وحق الله ذلك عليه.\nوَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ مدّ الأديم العكاظي وزيد في سعتها. وَأَلْقَتْ أخرجت ما فِيها من الموتى والكنوز وَتَخَلَّتْ وخلت فليس في باطنها شيء. وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ، واختلفوا في جواب قوله إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فقيل جوابه متروك لأنّ المعنى مفهوم، وقيل جوابه يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ومجازه: إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ لقي كل كادح ما عمله، قال المبرّد: فيه تقديم وتأخير تقديره يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٠١.","vol":"10","page":158},{"text":"إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ، وقيل: جوابه وَأَذِنَتْ، وحينئذ يكون الواو زائدة.\nومعنى قوله كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحًا أي عامل واصل به إلى ربّك عملا فملاقيه ومجازى به خيرا كان أو شرا، وقال القتيبي ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك، والكدح: السعي والجهد في الأمر حتى يكدح ذلك فيه، أي يؤثّر ومنه\nقول النبي ﷺ: «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسئلته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجه»\n[١١٣] «١» أي أثر الخدش، قال ابن مقبل:\nوما الدهر إلّا تارتان فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح «٢»\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال:\nحدّثنا إسحاق بن بشر عن سفيان الثوري عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال:\n«النادم ينتظر الرحمة والمعجب ينتظر المقت وكل عامل سيقدم على ما سلف» [١١٤] «٣» .\nفَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ ديوان أعماله بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُورًا.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مندة قال: حدّثنا محمد بن غالب قال:\nحدّثني سعيد بن سليمان قال: حدّثنا مبارك بن فضالة عن أيوب عن أبي مليكة عن عائشة قالت:\nسمعت رسول الله ﷺ يقول: «من يحاسب يعذّب» قالوا: يا رسول الله أليس قد قال الله سبحانه: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا قال: «ذاكم العرض ولكن من نوقش الحساب عذّب» [١١٥] «٤» .\nوَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فتغلّ يده اليمنى إلى عنقه وتجعل يده الشمال وراء ظهره فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، وقال مجاهد: يخلع يده وراء ظهره.\nفَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُورًا ينادى بالويل والهلاك وَيَصْلى سَعِيرًا قرأ أبو جعفر وأيوب وكوفي غير الكسائي بفتح الياء والتخفيف واختاره أبو عبيد لقوله سبحانه: إِلَّا مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ «٥»، وقوله يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى «٦» وقرأ الباقون بضم الياء وتشديد اللام، واختاره أبو حاتم لقوله سبحانه ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ «٧» وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ «٨» إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا\n_________\n(١) سنن ابن ماجة: ١/ ٥٨٩.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٢١/ ٤٠. [.....]\n(٣) كنز العمال: ١٥/ ٩٣٦، ح ٤٣٦٠٧.\n(٤) مسند أحمد: ٦/ ١٢٧.\n(٥) سورة الصافّات: ١٦٣.\n(٦) سورة الأعلى: ١٢.\n(٧) سورة الحاقّة: ٣١.\n(٨) سورة الواقعة: ٩٤.","vol":"10","page":159},{"text":"سمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم المصري يقول: قال ابن عطاء لنفسه متابعا ساعيا.\nإِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ يرجع إلينا\nقال النبي ﷺ: «أعوذ بك من الحور بعد الكور»\n[١١٦] «١» وقال ابن عباس: كنت لا أدري ما معنى يحور حتى سمعت إعرابية تدعوا بنية لها فتقول: حوري حوري أي أرجعي، وقال الشاعر:\nوما المرء إلّا كالشهاب وضوءه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع «٢»\nثم قال: بَلى، أي ليس كما ظن بلى يحور إلينا ويبعث.\nإِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ قال مجاهد وغيره: هو النهار كلّه، عكرمة:\nما بقي من النهار، وقال ابن عباس وأكثر الناس: هو الحمرة التي تبقى في الأفق بعد غروب الشمس وبغيبوبته يتعلّق أول وقت العشاء الآخرة وإليه ذهب من الصحابة ابن مسعود وابن الزبير وعمر وابنه وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأنس بن مالك وأبو قتادة الأنصاري وأبو هريرة وجابر بن عبد الله ومن التابعين سعيد بن المسيّب وسعيد بن جبير وطاوس وعبد الله بن دينار ومكحول، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور وابن عبيد وأحمد وإسحاق، وقال قوم: هو البياض، وإليه ذهب عمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة، والاختيار القول الأول لإجماع العبادلة عليه، ولأن الشواهد في كلام العرب وأشعارهم تشهد له، قال الفراء:\nسمعت بعض العرب يقول: الثور أحمر كأنه الشقق، وقال الشاعر:\nأحمر اللون كمحمر الشفق\nوقال آخر:\nقم يا غلام أعني غير محتشم ... على الزمان بكأس حشوها شفق «٣»\nويقال للحفرة الشفق، وزعم الحكماء أنّ البياض لا يغيب أصلا قال الخليل: صعدت منارة اسكندرية فرمقت البياض فرأيته يتردّد من أفق الى أفق ولم أره يغيب، والله أعلم بالصواب.\nوَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ أي جمع وجمل، ويقال: وسقته أسقه وسقا، ومنه قيل للطعام المجتمع الكبير: وسق وهو ستون صاعا، وطعام موسّق أي مجموع في غرارة ووعاء، وقال مجاهد: برواية ابن أبي بحج: وما آوي فيه من دابة، منصور عنه: وما لفّ وأظلم عليه ودخل\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ١٤٨.\n(٢) الدر المنثور: ٦/ ٣٣٠.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٠٣، تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٧٥، وفيه مرتبك محتشم.","vol":"10","page":160},{"text":"فيه، عكرمة: وما جمع فيه منّ دوابه وعقاربه وحيّاته وظلمته، ضحاك ومقاتل: وما ساق من ظلمه فإذا كان الليل ذهب كل شيء إلى مأواه، وقال الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: شيبه أن يكون على هذا القول من المقلوب، لأن أصل ساق يسوق، عثمان: حمل من الظلمة، أبو حيان: أقبل من ظلمة أو كوكب، سعيد بن جبير: وما عمل فيه، وروى ابن أبي مليكة وابن جبير عن ابن عباس: وما جمع قال: ألم تسمع قول الشاعر:\nأن لنا قلائصا «١» حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا «٢»\nالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ أي أجتمع واستوى وتمّ نوره، قتادة: إذا استدار وقيل: سار، مرّة الهمداني: أرتفع وهو في الأيام البيض، ويقال: اتسق الشيء إذا تتابع، واستوسق من الإبل إذا اجتمعت وانضمت وهو أفتعل من الوسق.\nلَتَرْكَبُنَّ قرأ أهل مكة والكوفة إلّا عاصما بفتح التاء، وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود وأصحابه وابن عباس وأبي العالية، وقالوا: يعني لتركبن يا محمد سماء بعد سماء ودرجة بعد درجة ورتبة بعد رتبة، وقيل: أراد به السماء تتغير لون بعد لون فتصير تارة كَالدِّهانِ وتارة كَالْمُهْلِ وتشقق بِالْغَمامِ مرّة ويطوي «٣» أخرى «٤»، وقرأ الآخرون بضمّة وأختاره أبو عبيد قال:\nلأنّ المعنى بالناس أشبه منه بالنبي ﷺ إنّما ذكر قبل الآية من يؤتى منهم كتابة بيمينه وشماله ثم قال: بعدّها فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وذكر ركوبهم طبقا بعد طبق بينهما.\nواختلف المفسرون في معنى الآية فقال أكثرهم: حالا بعد حال وأمرا بعد أمر في مواقف القيامة عن محمد بن مروان عن الكلبي، حيان عنه: مرّة يعرفون ومرة يجهلون، مقاتل: يعني الموت ثم الحياة ثم الموت ثم الحياة، عطا: مرّة فقرأ ومرة غنى، عمرو بن دينار عن ابن عباس: الشدائد والأهوال الموت ثم البعث ثم العرض، والعرب تقول لمن وقع في أمر شديد:\nوقع في بنات طبق وفي أخرى بنات طبق، أبو عبيدة: لتركبن سنن من كان قبلكم وأحوالكم، عكرمة: حالا بعد حال، رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ، قالت الحكماء: يشتمل الإنسان من كونه نطفة الى أن يهرم ويموت على سبعة وثلاثين حالا من سبعة وثلاثين اسما:\nنطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقا آخر ثم جنينا ثم وليدا ثم رضيعا ثم فطيما ثم يافعا ثم ناشئا ثم مترعرعا ثم حزورا «٥» ثم مراهقا ثم محتلما ثم بالغا ثم أمرد ثم طاردا ثم طارا ثم باقلا ثم مسيطرا ثم مطرخما ثم مختطا ثم صملا ثم ملتحيا ثم مستويا ثم مصعدا ثم مجتمعا- والشاب\n_________\n(١) في لسان العرب: إبلا نقانقا.\n(٢) تفسير جامع البيان للطبري: ٣٠/ ١٥٠، وتفسير القرطبي: ١٩/ ٢٧٧، ولسان العرب: ١٠/ ٣٨٠.\n(٣) في الطبري: وتحمر.\n(٤) راجع تفسير الطبري: ٣٠/ ١٥٥.\n(٥) هو الغلام إذا اشتد وقوي وخدم، راجع لسان العرب: ٤/ ١٨٧. [.....]","vol":"10","page":161},{"text":"يجمع ذلك كلّه ثم ملهوزا ثم كهلا ثم أشمط ثم شيخا ثم أشيب ثم حوقلا ثم صفتانا ثم هرما ثم ميتا، فهذا معنى قوله ﷾: لَتَرْكَبُنَّ.\nطَبَقًا عَنْ طَبَقٍ والطبق في اللغة الحال، قال الأقرع بن حابس:\nإني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منه الى طبق «١»\nفلست أصبو الى خل يفارقني ... ولا تقبض أحشائي من الفرق\nوأنشدني أبو القاسم عبد الله بن محمد البابي قال: أنشدني أبو سعيد عثمان بن جعفر بن نصره الموصلي قال: أنشدنا أبو يعلي أحمد بن علي المثنى:\nالصبر أجمل «٢» والدنيا مفجعة ... من ذا الذي لم يذق من عيشه رنقا\nإذا صفا لك من مسرورها طبق ... أهدى لك الدهر من مكروهها طبقا «٣»\nوقال مكحول في هذه الآية: في كل عشرين عاما يحدثون أمرا لم يكونوا عليه، وهذا أدلّ دليل على حدث العالم وإثبات الصانع، قالت الحكماء: من كان اليوم على حالة وغدا أخرى فليعلم أن يدبيره الى سواه، وقيل لأبي بكر الوراق: ما الدليل على أنّ لهذا العالم صانع فقال:\nتحويل الحالات وعجز القوة وضعف الأركان وقهر المنّة وفسخ العزيمة. سمعت أبا القاسم المفسّر يقول: سمعت أبا الفضل أحمد بن محمد بن حمدون النّسوي يقول: سمعت أبا عبد الرحمن الأرزياني يقول: دخل أبو الفم علي بن محمد بن زيد العلوي بطبرستان عائدا فأنشأ يقول:\nإني اعتللت ولا كانت بك العلل ... وهكذا الدّهر فيه الصاب «٤» والعسل\nإنّ الذي لا تحل الحادثات به ... ولا يغير فيه الله لا الرجل\nفَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ لا يخضعون ولا يستكينون له، وقال الكلبي ومقاتل: لا يصلّون.\nأخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن يوسف بقراءتي عليه قال: أخبرنا مكّي قراءة عليه سنة تسع عشر وثلاثمائة قال: حدّثني محمد بن يحيى قال: وفيها قرأ علي بن عبد الله بن نافع المدنيّ وحدّثني مطرف بن عبد الله عن مالك بن أنس عن عبد الله بن زيد مولى الأسود بن سفيان عن\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٨٠.\n(٢) في المصدر: أحمد.\n(٣) الرنق الكدر، واليتان في مجمع البيان: ١٠/ ٣٠٣.\n(٤) الصاب: العلقم وهو شجر مرّ.","vol":"10","page":162},{"text":"أبي سلمة بن عبد الرحمن بن أحمد أنّ أبا هريرة قرأ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ «١» فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أنّ رسول الله ﷺ سجد فيها.\nوأخبرنا أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن نوح قرأه عليه سنة ست وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو العباس السراج قال: حدثنا قتيبة عن الليث عن بكر عن نعيم بن عبد الله بن محمد قال: صليت مع أبي هريرة فوق هذا المسجد فقرأ إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ فسجد فيها وقال: رأيت رسول الله ﷺ سجد فيها.\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ قال مجاهد: يكتمون، قتادة: يُوعُونَ في صدورهم، ابن زيد يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة. فَبَشِّرْهُمْ أخبرهم بِعَذابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. غير منقوص ولا مقطوع.\n_________\n(١) سورة الإنشقاق: ١.","vol":"10","page":163},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-862>سورة البروج</span>\nمكية، هي اثنان وعشرون آية، كلمها مائة وتسع كلمه، وحروفها أربع مائة وثمانية وخمسون حرفا\nأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا إسماعيل بن بخير قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن حفص قال: قرأت على معقل بن عبد الله عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ أعطاه الله ﷿ من الأجر بعدد كل يوم جمعة وكلّ يوم عرفة يكون في دار الدنيا عشر حسنات» [١١٧] «١» .\nوعن ابن الأنباري أنه قال: روي أن من قرأها أعطاه الله ﷾ بعدد كل جمعة وعرفة ما سأل في الدنيا ويكونان مائة مائة حسنة ومائة درجة ويشفع يوم القيامة في عدد أهل منى حتّى يدخلهم الجنّة وله بعدد فرعون وعاد وثمود الذين كفروا منهم واللوح المحفوظ بعدد كل واحد منهم عتق رقبة مع ماله من المزيد.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-863>[سورة البروج (٨٥): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)\nوَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ:\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن الطيّب قال: أخبرنا أبو سعيد عمرو بن منصور قال: أخبرنا أبو بكر محمّد بن سليمان بن الحسن قال: حدّثنا عبد الله بن موسى.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن بهلويه قال: حدّثنا محمّد بن الصباح قال: أخبرنا مروان بن معاوية قال «٢»: أخبرنا موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد الأنصاري عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «اليوم الموعود\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣١٠.\n(٢) في المخطوط: قالا.","vol":"10","page":164},{"text":"يوم القيامة، والمشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة، ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله فيها بخير إلّا استجاب له ولا يستعيذه من سوء إلا أعاذه منه» [١١٨] «١» .\nوأخبرنا أبو العباس سهل بن محمد بن سعيد قال: حدّثنا أبو محمد الحسن بن محمد بن حليم قال: أخبرنا أبو الموحة قال: أخبرنا عيدان قال: حدّثنا عبد الوارث عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: الشاهد محمد ﷺ، والمشهود يوم القيامة، ثم تلا هذه الآية: فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا «٢» ثم قال: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن القطيني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال: حدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثني سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «شاهد يوم الجمعة ومشهود يوم عرفة» [١١٩] «٣» .\nوأخبرنا الحسين قال: حدّثنا الكندي قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن النعمان قال:\nحدثنا أبو طاهر سهل بن عبد الله قال: حدّثنا عمرو بن سواد بن الأسود قال: حدّثنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن سعيد بن أبي الهلال عن زيد بن أيمن عن عبادة بن نسيء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «أكثروا الصلاة عليّ يوم الجمعة فإنّه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإنّ أحدا لا يصلّي عليّ إلّا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها» .\nقال: قلت: وبعد الموت قال: «إنّ الله سبحانه حرّم على الأرض أن يأكل أجساد الأنبياء فنبيّ الله حيّ يرزق» [١٢٠] «٤» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم النورقي قال: حدّثنا أبو غسان مالك بن ضيغم الراسبي قال: حدّثنا أبو سهل المنذراني عن خبّاب عن رجل قال: دخلت مسجد المدينة فإذا أنا برجل يحدّث عن رسول الله ﷺ والناس حوله فقلت: أخبرني عن شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قال: نعم أمّا الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة، فجزته الى آخر يحدث عن رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني عن شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ. قال: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم النحر، فجزتهما الى غلام كأنّ وجهه الدينار\n_________\n(١) السنن الكبرى للبيهقي: ٣/ ١٧٠.\n(٢) سورة النساء: ٤١.\n(٣) كتاب المسند: ٦٠.\n(٤) البداية والنهاية: ٥/ ٢٩٧، تفسير ابن كثير: ٣/ ٥٢٢.","vol":"10","page":165},{"text":"وهو يحدّث عن رسول الله ﷺ فقلت: أخبرني عن شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قال: نعم أما الشاهد فمحمد ﷺ، وأمّا المشهود فيوم القيامة أما سمعته يقول: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا «١» وقال ﷿: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ «٢» فسألت عن الأول فقالوا: ابن عباس، وسألت عن الثاني فقالوا: ابن عمر، وسألت الثالث فقالوا:\nالحسن بن علي «٣» .\nوأخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن علي الدورقي بقراءتي عليه فأقرّ به قال: أخبرنا عبد الله بن محمد بن الحسن الشرقي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر العبدي قال: حدّثنا يزيد ابن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان عن ابن أبي نجح عن مجاهد في قوله سبحانه وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قال: الشاهد آدم والمشهود يوم القيامة. ليث عنه: الشاهد ابن آدم والمشهود يوم القيامة.\nوقال الوالي عن ابن عباس: الشاهد الله والمشهود يوم القيامة، عكرمة: الشاهد الإنسان والمشهود يوم القيامة وعنه أيضا: الشاهد الملك يشهد على آدم والمشهود يوم القيامة وتلا هاتين الآيتين وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ وذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ «٤»، جابر بن عبد الله: الشاهد يوم القيامة والمشهود الناس.\nمحمد بن كعب: الشاهد أنت والمشهود هو الله، عطاء بن يسار: الشاهد آدم وذريته والمشهود يوم القيامة، الحسن: الشاهد الجمعة والمشهود يوم القيامة يشهده الأولون والآخرون، أبو ملك: الشاهد عيسى والمشهود أمّته، بيانه قوله سبحانه: وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ «٥» عبد العزيز بن يحيى: الشاهد محمّد والمشهود أمّته، بيانه قوله سبحانه:\nوَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا «٦» . الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم، بيانه قوله: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «٧» . سعيد بن المسيب: الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة، وقال سالم بن عبد الله: سألت سعيد بن حسن عن قوله سبحانه وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، فقال: الشاهد هو الله والمشهود محمد بيانه قوله سبحانه:\nوَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا «٨»، وقوله سبحانه: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ\n_________\n(١) سورة الأحزاب: ٤٥.\n(٢) سورة هود: ١٠٣.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣١٥. [.....]\n(٤) سورة ق: ٢١.\n(٥) سورة المائدة: ١١٧.\n(٦) سورة النساء: ٤١.\n(٧) سورة البقرة: ١٤٣.\n(٨) سورة النساء: ٧٩.","vol":"10","page":166},{"text":"«١»، وقيل: الشاهد أعضاء ابن آدم والمشهود ابن آدم بيانه قوله سبحانه: يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ «٢» الآية، وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا بكر محمد بن أحمد بن نحيد القطان البلخي يقول: الشاهد الحجر الأسود والمشهود الحجاج، وقيل: الشاهد الليالي والأيام والمشهود بنو آدم، دليله\nالخبر المروي: «ما من يوم إلّا وينادي إني يوم جديد وإنّي على ما تفعل منّي شهيد فاغتنمني فلو غابت شمسي لم تدركني إلى يوم القيامة» [١٢١] .\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن أحمد بن الصديق يقول:\nسمعت أبا وائلة عبد الرحمن الحسيني المزني يقول: سمعت مطرفا يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: خبّرت عن الحسن بن علي إنّه قال:\nمضى أمسك الماضي شهيدا معدلا ... وأصبحت في يوم عليك شهيد\nفإن كنت بالأمس اقترفت إساءة ... فثنّ بإحسان وأنت حميد\nولا ترج فعل الخير يوما إلى غد ... لعل غدا يأتي وأنت فقيد\nفيومك إن أعتبته عاد نفعه ... عليك وماضي الأمس ليس يعود «٣»\nمحمد بن علي الترمذي: الشاهد الحفظة والمشهود بني آدم، أنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي، قال: أنشدنا أبو بكر بن الأنباري ببغداد في كتاب الزاهر:\nإنّ من يركب الفواحش سرا ... حين يخلو بذنبه غير خالي\nكيف يخلوا وعنده كاتباه ... حافظاه وربه ذو المحال\nوقيل: الشاهد الأنبياء والمشهود محمد ﷺ بيانه قوله سبحانه: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ «٤» إلى قوله: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ «٥»، وقيل: الشاهد الله ﷿ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ والمشهود لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ «٦» بيان قوله سبحانه شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ «٧»، وقيل: الشاهد الخلق والمشهود الحق وفيه يقول الشاعر:\nأيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد\nولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد\n_________\n(١) سورة الأنعام: ١٨.\n(٢) سورة النور: ٢٤.\n(٣) اقتضاء العلم والعمل للخطيب البغدادي: ١١١.\n(٤) سورة آل عمران: ٨١.\n(٥) سورة آل عمران: ٨١.\n(٦) سورة الصافّات: ٣٥.\n(٧) سورة آل عمران: ١٨.","vol":"10","page":167},{"text":"وفي كل شيء له آية ... تدل على أنّه واحد «١»\nوقيل: الشاهد يوم الإثنين والمشهود يوم الجمعة، وقيل: الشاهد الحق والمشهود الخلق، وقيل: الشاهد أفعال العبد والمشهود العبد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>[سورة البروج (٨٥): الآيات ٤ الى ٢٢]</span>\nقُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)\nالَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٩) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (١٠) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (١١) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣)\nوَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (١٦) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (١٧) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (١٨)\nبَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (٢٠) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)\nقُتِلَ لعن، قال ابن عباس: كل شيء في القرآن قتل فهو لعن.\nأَصْحابُ الْأُخْدُودِ: الشق واختلفوا فيهم\nفأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن بن جعفر قال: حدّثنا الحاكم أبو محمد يحيى بن منصور وأبو القاسم منصور بن العباس بنو شنج وأبو الحسن محمد بن محمود بن عبيد الله بمرو وأبو بكر أحمد بن محمد بن عبيد الله الطاهري [....] «٢» واللفظ له قالوا: حدّثنا الحسن بن شيبان بن عامر الشيباني أن هدية بن خالد القيسي حدثهم قال: حدّثنا حماد بن سلمة، وحدثت عن محمد بن جرير قال: حدّثني محمد بن معمر قال: حدّثني حرمي بن عمارة قال: حدّثنا حماد بن سلمة قال: حدّثنا ثابت بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب إنّ رسول الله ﷺ قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر الساحر قال للملك إني قد كبرت فابعث إليّ غلاما أعلمه السحر فبعث إليه غلاما يعلمه فكان في طريقه راهب فقعد إليه الغلام وسمع كلامه فأعجبه فكان إذا أتي الساحر ضربه وإذا رجع من عند الساحر قعد إلى الراهب فسمع كلامه فإذا أتى أهله ضربوه، فشكى ذلك إلى الراهب فقال: إذا احتبست على الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا احتبست على أهلك فقل:\nحبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس فقال: اليوم أعلم الساحر خير أم الراهب، فأخذ حجرا ثم قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذا الدابة حتى يمضي الناس، فرمى بها فقتلها ومضى الناس فأتى الراهب فأخبره فقال الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني قد بلغ من أمرك ما قد أرى وإنك ستبتلى فإذا ابتليت\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣١٦.\n(٢) كلمة غير مقروءة في المخطوط. [.....]","vol":"10","page":168},{"text":"فلا تدل علي، وكان الغلام يبري الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليس للملك قد كان عمي فأتاه بهدايا كثيرة فقال: لك هذا إن أنت شفيتني فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي الله ﷿، فإن آمنت بالله دعوت الله ﷿ فشفاك، فآمن بالله تعالى فشفاه الله فأتى الملك يمشي فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: وسأله بما شفيت قال: بدعاء الغلام، فأرسل إلى الغلام فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما يبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فلم يزل يعذبه حتى دلّ على الراهب فجيء بالراهب فقيل له:\nارجع عن دينك فأبى فدعا بالمنشار فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ثم جيء بالغلام فقيل له ارجع عن دينك فأبي فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال لهم اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا فاصعدوا به فإذا بلغ ذروته فإن رجع عن دينه وإلّا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال: اللهم اكفنيهم كيف شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا، وجاء يمشي إلى الملك فقال له: ما فعل أصحابك؟ فقال: أكفانيهم الله ﷿ فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال احملوه في قرقور فتوسطوا به البحر فلجوا به فإن رجع عن دينه وإلّا فاقذفوه فيه.\nفذهبوا به فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا به، فجاء يمشي الى الملك فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: أكفانيهم الله ﷿، فقال للملك: إنّك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟ قل: تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم تضع السهم في كبد القوس ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في صدغه فوضع الغلام يده في موضع السهم فمات، فقال الناس:\nآمنا برب الغلام آمنا برب الغلام ثلاثا ثلاثا، فأتي الملك فقيل له: أريت ما كنت تحذره قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس كلهم. فأمر [بحفر] الأخدود بأفواه السكك وأضرم النيران وقال:\nمن لم يرجع عن دينه فاقذفوه فيها، أو قيل له اقتحم، ففعلوا ذلك حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال الغلام: يا أمّه اصبري فإنك على حق» [١٢٢] «١» .\nمحمد بن يحيى قال: حدّثنا مسلم بن قتيبة قال: حدّثنا جرير بن حازم عن أيوب عن عكرمة في قول الله سبحانه: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ قال: كانوا من قومك من النبط، وقال الكلبي: هم نصارى أهل نجران وذلك ان ملك نجران أخذ بها قوما مؤمنين فخدّ لهم في الأرض سبعة أخاديد طول كل واحد أربعون ذراعا وعرضه اثنتا عشرة ذراعا ثم طرح فيها [النفط] «٢» والحطب ثم عرضهم عليها فمن أبى قذفوه في النار، فبدأ برجل يقال له عمرو بن زيد فسأله\n_________\n(١) الآحاد والمثاني للضحاك: ١/ ٢١٩- ٢٢١ ح ١٨٧، وصحيح مسلم: ٨/ ٢٣١.\n(٢) كذا في المخطوط.","vol":"10","page":169},{"text":"ملكهم، فقال: من علمك هذا- يعني التوحيد- فأبى أن يخبره فأتى الملك الذي علمه التوحيد فقال: أيّها الملك أنا علمته، واسمه عبد الله بن شمر فقذفه في النار، ثم عرض على النار واحدا واحدا حتى إذا أراد أن يتبع بقيّة المؤمنين فصنع ملكهم صنما من ذهب ثم أمر على كل عشرة من المؤمنين رجلا يقول لهم إذا سمعتم صوت المزامير فاسجدوا للصنم فمن لم يسجد ألقوه في النار، فلما سمعت النصارى بذلك سجدوا للصنم، وأما المؤمنون فأبوا فخدّ لهم وألقاهم فيها [فارتفعت] «١» النار فوقهم اثني عشرة ذراعا.\nقال مقاتل: كانت [الأخاديد] «٢» ثلاثة: واحدة بنجران باليمن، والاخرى بالشام، والاخرى بفارس، حرّقوا بالنار أمّا التي بالشام فهو أنطياخوس بن ميسر الرومي، أمّا التي بفارس فهو بخت نصر، وأما التي بأرض العرب فهو يوسف بن ذي نواس، فأما التي بفارس والشام فلم ينزل الله سبحانه فيهما قرآنا وأنزل في التي كانت بنجران، وذلك أن رجلين مسلمين ممّن يقرءون الإنجيل أحدهما بأرض تهامة والآخر بنجران اليمن فأجّر أحدهما نفسه في عمل يعمله وجعل يقرأ الإنجيل، فرأت بنت المستأجر النور يضيء في قراءة الإنجيل فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه، فسأله فلم يخبره فلم يزل به حتى أخبره بالدين والإسلام فتابعه هو وسبعة وثمانون إنسانا بين رجل وامرأة وهذا بعد ما رفع عيسى إلى السماء، فسمع ذلك يوسف بن ذي نواس بن شراحيل بن تبع بن اليسوح الحميري فخدّ لهم في الأرض فأوقد فيها فعرضهم على الكفر فمن أبى منهم أن يكفر قذفه في النار ومن رجع عن دين عيسى لم يقذف في النار، وإن امرأة جاءت ومعها ولد لها صغير لا يتكلم فلما قامت على شفير الخندق نظرت إلى ابنها فرجعت عن النار فضربت حتى تقدمت فلم تزل كذلك ثلاث مرات فلما كانت في الثالثة ذهبت ترجع فقال لها ابنها: يا أماه إني أرى أمامك نارا لا تطفأ فلما سمعت ابنها يقول ذلك قذفا جميعا أنفسهما في النار فجعلها الله وابنها في الجنة فقذف في النار في يوم واحد سبع وسبعون إنسانا.\nقال ابن عباس: من أبى أن يقع في النار ضرب بالسياط، فأدخلت أرواحهم في الجنة قبل أن تصل أجسامهم إلى النار، وذكر محمد بن إسحاق بن يسار، عن وهب بن منبّه: إنّ رجلا كان بقي على دين عيسى فوقع إلى نجران فدعاهم فأجابوه فسار إليه ذو نواس اليهودي بجنود من حمير وخيّرهم بين النار واليهودية فأبوا عليه فخدّ الأخاديد وأحرق اثني عشر ألفا، وقال الكلبي:\nكان أَصْحابُ الْأُخْدُودِ سبعين ألفا، قال وهب: لما علت أرباط على اليمن خرج ذو نواس هاربا فاقتحم البحر بفرسه فغرق وفيه يقول عمرو بن معدي كرب:\n_________\n(١) في المخطوط: فارتفع.\n(٢) في المخطوط: الأخدود.","vol":"10","page":170},{"text":"أتوعدني كأنك ذو رعين ... بأنعم عيشه أو ذو نواس «١»\nوكائن كان قبلك من نعيم ... وملك ثابت في الناس راس\nقديم عهده من عهده عاد ... عظيم قاهر الجبروت قاس\nأزال الدّهر ملكهم فأضحى ... ينقّل في أناس من أناس\nقال الكلبي: وذو نواس هو الذي قتل عبد الله بن التامر وقد مضت القصّة في الحديث المرفوع إلى رسول الله ﷺ ومما يزيده وضوحا ما روى عطاء عن ابن عباس إنّه قال: كان بنجران ملك من ملوك حمير يقال له يوسف ذو نواس بن شراحبيل بن شراحيل في الفترة قبل مولد النبي ﷺ بتسعين سنة.\nعبد الله بن يوسف قال: حدّثنا عمر بن محمد بن بحير قال: حدّثنا عبد الحميد بن حميد الكشي، عن الحسن بن موسى قال: حدّثنا يعقوب بن عبد الله القمي قال: حدّثنا جعفر بن أبي المغيرة عن ابن [ابزي] قال: لما هزم المسلمون أهل أسفندهان انصرفوا فجاءهم- يعني عمر- فاجتمعوا، فقالوا: أي شيء تجري على المجوس من الأحكام فأنهم ليسوا بأهل كتاب وليسوا من مشركي العرب، فقال: علي بن أبي طالب: بل هم أهل الكتاب وكانوا متمسكين بكتابهم وكانت الخمر قد أحلّت لهم فتناولها ملك من ملوكهم فغلبته على عقله فتناول أخته فوقع عليها فلما ذهب عنه السكر ندم وقال لها: ويحك ما هذا الذي أتيت وما المخرج منه؟.\nقالت: المخرج منه أن تخطب الناس، فتقول: يا أيّها الناس إنّ الله أحل نكاح الأخوات فإذا ذهب [هذا] «٢» في الناس وتناسوه خطبتهم فحرمته، فقام خطيبا، فقال: يا أيّها الناس إنّ الله أحلّ نكاح الأخوات فقال الناس جماعتهم: معاذ الله أن نؤمن بهذا أو نقرّ به ما جاءنا به نبي ولا أنزل علينا في كتاب فرجع إلى صاحبته فقال: ويحك إنّ الناس قد أبوا عليّ قالت: إذا أبّوا عليك فأبسط فيهم السوط قال: فبسط فيهم السوط، فأبى الناس أن يقرّوا فرجع إليها فقال: قد بسطت فيهم السوط فأبوا أن يقرّوا قالت: فجرّد فيهم السيف، قال: فجرّد فيهم السيف فأبوا أن يقرّوا، وقال لها: ويحك إنّ الناس قد أبوا أن يقرّوا، قالت: خدّ لهم أخدودا ثم أوقد فيها النيران ثم اعرض عليها أهل مملكتك فمن تابعك فخلّ عنه ومن أبى فأقذفه في النار، فخدّ لهم أخدودا فأوقد فيها النيران وعرض أهل مملكته على ذلك فمن أبى قذف في النار ومن أجاب خلّى سبيله، فأنزل سبحانه فيهم: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إلى قوله:\nعَذابُ الْحَرِيقِ «٣» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٩٢.\n(٢) في المخطوط: ذا.\n(٣) تفسير الطبري بتفاوت بسيط: ٣٠/ ١٦٦.","vol":"10","page":171},{"text":"وقال الضحاك: أَصْحابُ الْأُخْدُودِ من بني إسرائيل أخذوا رجالا ونساء فخدّ لهم أخدودا ثم أوقد فيها النيران فأقاموا المؤمنين عليها، فقال تكفرون أو نقذفكم في النار، ويزعمون أنه دانيال وأصحابه، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن يوسف، قال: حدّثنا عمر بن محمد بن بحير، قال: حدّثنا عبد بن حميد، عن يونس، عن شيبان عن قتادة في قوله سبحانه:\nقُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ قال: حدّثنا أنّ علي بن أبي طالب كان يقول: هم أناس كانوا بمدراع اليمن اقتتل مؤمنوهم وكفارهم فظهر مؤمنوهم على كفارهم ثم اقتتلوا الثانية فظهر مؤمنوهم على كفارهم ثم أخذ بعضهم على بعض عهودا ومواثيق لا يغدر بعضهم ببعض، فغدر بهم كفارهم فأخذوهم ثمّ أنّ رجلا من المؤمنين قال لهم: هل لكم إلى [خير] توقدون نارا ثم تعرضوننا عليه، فمن تابعكم على دينكم فذلك الذي تشتهون ومن لا اقتحم النار فاسترحتم منه قال: فأججوا نارا وعرضوهم عليها فجعلوا يقتحمونها حتى بقيت عجوز فكأنها تلكأت، فقال لها طفل في حجرها:\nأمضي ولا تنافقي «١» فقص الله عليهم نبأهم وحديثهم «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو محمد المزني قال: حدّثنا مطين قال: حدّثنا عثمان قال: حدّثنا معاوية بن هشام، عن شريك عن جابر عن أبي طفيل، عن علي قال: كان أَصْحابُ الْأُخْدُودِ نبيهم حبشي، قال علي: بعث نبي من الحبشة إلى قومه، ثم قرأ عليّ: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ «٣»، فدعاهم النبي فتابعه أناس فقاتلهم فقتل أصحابه وأخذ فأوثق فأفلت منهم، فخدّ أخدودا فملأها نارا فمن تبع النبي رمي فيها ومن تابعهم تركوه فجاءوا بامرأة معها صبي رضيع فجزعت فقال: يا أماه مرّي ولا تنافقي «٤» .\nوبه عن مطين قال: حدّثنا أبو موسى وقال: وكان في بلاده غلام يقال له عبد الله بن تامر وكان أبوه سلّمه إلى معلم يعلّمه السحر فكره الغلام ذلك ولم يجد بدّا من طاعة أبيه فجعل يختلف إلى المعلم، وكان في طريقه راهب حسن القراءة حسن الصوت فأعجبه ذلك وكان يأتي المعلم آخر الغلمان ويضربه المعلم ويقول: من الذي حبسك وإذا انقلب إلى أبيه دخل على الراهب فضربه أبوه ويقول: لما أبطأت، فشكى الغلام ذلك إلى الراهب فقال له الراهب: إذا أتيت المعلم فقل حبسني أبي وإذا أتيت أباك فقل: حبسني المعلم، وكان في تلك البلاد حيّة\n_________\n(١) في المصدر: ولا تقاعسي.\n(٢) تفسير الدر المنثور: ٦/ ٣٣٢، وتفسير القرطبي: ١٩/ ٢٨٩.\n(٣) سورة غافر: ٧٨.\n(٤) المصدر السابق وفيه: امضي ولا تجرعي.","vol":"10","page":172},{"text":"عظيمة قطعت الطريق على الناس فمر بها الغلام فرماها فقتلها فأحس الراهب بذلك فازداد به عجبا وقال أنت قتلتها قال: نعم قال: إنّ لك لشأنا، وكان للملك ابن مكفوف البصر، فسمع بالغلام وقتله الحية فجاءه مع قائد فقال: أنت قتلت الحيّة؟ قال: لا، قال: ومن قتلها؟\nقال: الله، قال: من الله؟ قال: ربّ السموات والأرض وما بينهما وربّ الشمس والقمر والليل والنهار والدنيا والآخرة، قال: فان كنت صادقا فادع ربّك حتى يرد عليّ بصري، قال:\nالغلام أرأيت إن ردّ الله سبحانه عليك بصرك أتؤمن به؟\nقال: نعم، قال: اللهم إن كان صادقا فاردد عليه بصره، فردّ الله تعالى عليه بصره فرجع إلى منزله بلا قائد، ثم دخل على الملك فلما رآه تعجب منه فقال: من صنع هذا، قال: الله، قال: ومن الله؟\nقال: ربّ السموات والأرض وما بينهما وربّ المشرق والمغرب وربّ الشمس والقمر والليل والنهار والدنيا والآخرة، فقال له الملك: أخبرني من علّمك هذا، ودلّه على الغلام فدعاه فكلّمه فإذا غلام عاقل، فسأله عن دينه فأخبره بالإسلام ومن آمن معه، فهمّ الملك بقتلهم مخافة أن يبدل دينه فأرسل بهم إلى ذروة جبل وقال: ألقوهم من رأس الجبل، فذهبوا بالغلام إلى أطول جبل فدعا الغلام ربّه فأهلكهم الله سبحانه، فغاظ الملك ذلك، ثم أرسل معهم رجالا إلى البحر فقال: غرّقوهم فدعا الغلام ربّه فأغرقهم ونجا هو وأصحابه، فدخل على الملك فقال: ما فعل أصحابك الذين أرسلتهم معك؟\nفقال: أهلكهم الله ونجّاني فقال: اقتلوه بالسيف فنبا السيف عنه، وفشا خبره بأرض اليمن وعرفه الناس فعظّموه وعلموا إنه وأصحابه على الحق فقال الغلام للملك: إنّك لا تقدر على قتلي إلّا أن تفعل ما أقول، قال: فكيف أقتلك، قال: تجمع أهل مملكتك وأنت على سريرك فترميني بسهم باسم إلهي، ففعل الملك ذلك ثم رماه باسم إله الغلام فأصابه فقتله، فقال الناس:\nلا إله إلّا إله عبد الله بن ثامر ولا دين إلّا دينه، فغضب الملك وأغلق الباب وأخذ أفواه السكك وخدّ أخدودا وملأه نارا ثم عرضهم رجلا رجلا فمن رجع عن الإسلام تركه ومن قال ديني دين عبد الله ألقاه في الأخدود فأحرقه، وكان في مملكته امرأة أسلمت فيمن أسلم ولها أولاد ثلاثة أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي عن دينك وإلّا ألقيك في النار وأولادك معك، فأبت فأخذ ابنها الأكبر فألقاه في النار ثم قال لها: ارجعي إلى دينك فأبت فألقى الثاني في النار ثم قال لها: ارجعي عن دينك فأبت فأخذوا الصبي منها ليلقوه في النار فهمّت المرأة بالرجوع فقال الصبي: يا أماه لا ترجعي عن الإسلام فأنك على الحق ولا بأس عليك فألقي الصبي في النار وألقيت أمه على أثره فذلك قوله سبحانه قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ «١» .\n_________\n(١) بتفاوت في تفسير القرطبي: ١٩/ ٢٨٩.","vol":"10","page":173},{"text":"وقال الضحاك: أحرق بخت نصر قوما من المسلمين.\nوالأخدود: الحفرة والشق المستطيل في الأرض كالنهر وجمعه أخاديد وهو أفعول من الخد يقال خددت في الأرض خدّا أي شققت وحفرت.\nالنَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ قراءة العامة بفتح الواو وهو الخطب، وقرأ أبو رجاء العطاردي بضم الواو على المصدر وقراءة العامة النَّارِ ذاتِ بالكسر فهما على نعت الْأُخْدُودِ، وقرأ أشهب العقيلي بالرفع فيهما على معنى أحرقتهم النَّارُ ذاتُ الْوَقُودِ.\nقال الربيع بن أنس: كان أَصْحابُ الْأُخْدُودِ قوما مؤمنين اعتزلوا الناس في الفترة، وأن جبّارا من عبدة الأوثان أرسل إليهم فعرض عليهم الدخول في دينه فأبوا فخدّ أخدودا وأوقد فيه نارا ثم خيّرهم بين الدخول في دينه وبين إلقائهم في النار فاختاروا إلقاءهم في النار على الرجوع عن دينهم فألقوا في النار، فنجّى الله المؤمنين الذين ألقوا في النار بأن قبض أرواحهم قبل أن تمسّهم النار وخرجت النار إلى من على شفير الأخدود من الكفار فأحرقتهم.\nإِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ: حضور، وقال مقاتل: يعني يشهدون إنّ المؤمنين حين تركوا عبادة الصنم وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ: أي وما علموا فيهم عيبا ولا وجدوا لهم جرما ولا رأوا منهم سوءا. إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا: يعني إلّا لأن ومن أجل أن آمنوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.\nإِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا: عذّبوا وأحرقوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ نظيره قوله ﷾:\nيَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ «١»، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخرة وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ في الدنيا وذلك إنّ الله سبحانه أحرقهم بتلك النار التي أحرقوا بها المؤمنين، هذا قول ربيع وأصحابه، وقال الآخرون: هما واحد.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن محمد بن لؤلؤ الوراق قال: حدّثنا أبو عبيد محمد ابن أحمد بن المؤمل الصيرفي قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن جعفر الأحول المعروف باللقوق قال: حدّثنا منصور بن عمّار قال: حدّثنا سعيد بن أبي توبة عن عبد الرحمن بن الجهم يبلغ به حذيفة بن اليمان قال: أسرّ إليّ رسول الله ﷺ حديثا في النار فقال: «يا حذيفة إن في جهنم لسباعا من نار وكلابا من نار وكلاليب من نار وسيوفا من نار وأنه يبعث ملائكة يعلّقون أهل النار بتلك الكلاليب بإحناكهم ويقطعونهم بتلك السيوف عضوا عضوا ويلقونها إلى تلك الكلاب والسباع كلما قطعوا عضوا عاد مكانه عضوا جديد» [١٢٣] «٢» .\n_________\n(١) سورة الذاريات: ١٣.\n(٢) الدر المنثور: ٢/ ١٧٤. [.....]","vol":"10","page":174},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ واختلف العلماء في جواب القسم فقال بعضهم: جوابه قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وفيه إضمار يعني لقد قتل، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ.\nوقال قتادة: جوابه قوله: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي أخذه بالعذاب والانتقام.\nإِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ: يعني الخلق عن أكثر العلماء، وروى عطية العوفي عن ابن عباس: يُبْدِئُ العذاب في الدنيا للكفار ثم يُعِيدُ عليهم العذاب في الآخرة.\nوَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ: قال ابن عباس: التودد إلى أوليائه بالمغفرة. علي عنه: الحبيب، مجاهد: الواد، ابن زيد: الرحيم، وقيل: بمعنى المودود كالحلوب والركوب، وقيل: معناه يغفر ويودّ أن يغفر.\nذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ: السرير العظيم وقال: ابن عباس وقتادة: الكريم، واختلف القرّاء فيه فقرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف بجر الدال على نعت العرش. غيرهم بالرفع على صفة الغفور.\nفَعَّالٌ لِما يُرِيدُ، هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ، خبر الجموع الهالكة ثم بين من هم فقال:\nفِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، من قومك يا محمد. فِي تَكْذِيبٍ: [واستجاب للتعذيب] «١» كدأب من قبلهم، وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ عالم بهم لا يخفى عليه شيء من أحوالهم بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ كريم شريف كثير الخير وليس كما زعم المشركون، وقال عبد العزيز بن يحيى:\nمجيد يعني غير مخلوق، وقرأ ابن السميقع: بَلْ هُوَ قُرْآنُ مَجِيدٍ بالإضافة، أي قرآن ربّ مجيد.\nفِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ.\nقرأ يحيى بن يعمر: فِي لُوحٍ بضم اللام، أي إنّه بلوح وهو ذو نور وعلو وشرف.\nوقرأ الآخرون: بفتح اللام لَوْحٍ مَحْفُوظٍ. قرأ نافع وابن مخيضر: بضم الظاء على نعت القرآن، وقرأ الباقون: بالكسر على نعت اللوح.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد قال: حدّثنا ابن خلويه قال: حدّثنا إسماعيل قال:\nحدّثنا إسحاق بن بشر، قال: أخبرني مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن في صدر اللوح لا إله إلّا الله وحده، ودينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله ﷿ وصدق بوعده واتبع رسله أدخله الجنة. قال: فاللوح لوح من درة بيضاء طويلة طوله ما بين\n_________\n(١) كذا في المخطوط.","vol":"10","page":175},{"text":"السماء والأرض وعرضه ما بين المشرق إلى المغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه بر معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك يقال له ماطريون محفوظ من الشياطين، فذلك قوله بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ لله ﷿ فيه في كلّ يوم ثلاث مائة وستون لحظة يحيي ويميت ويعزّ ويذل ويَفْعَلُ ما يَشاءُ.\nأخبرني عقيل إنّ المعافي أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا عمرو بن علي قال:\nسمعت قرّة بن سليمان قال: حدّثنا حرب بن سريح قال: حدّثنا عبد العزيز بن صهّيب عن أنس بن مالك: في قوله هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ. قال: إن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في جبهة إسرافيل. وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.","vol":"10","page":176},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-865>سورة الطارق</span>\nمكيّة، وهي سبع عشرة آية، واحدي وستون كلمة، ومائتان وتسع وثلاثون حرفا.\nأخبرني أبو عثمان بن أبي بكر المقرئ قال: أخبرنا أبو عمرو بن أبي الفضل الشروطي قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك الأسدي قال: حدّثنا أبو عبد الله بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال:\nقال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الطارق أعطاه الله من الأجر بعدد كلّ نجم في السماء عشر حسنات» [١٢٤] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن نصرويه قال: حدّثنا أبو العباس إسحاق بن الفضل الزيات قال: حدّثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدّثنا الضحّاك بن مخلد عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلي بن كعب عن عبد الرحمن بن خالد بن جبلة أو ابن أبي جبلة- شك أبو عاصم «٢» - عن أبيه قال: رأيت رسول الله ﷺ متوكئا على قوس في مشرقة ثقيف فقرأ:\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ حتى ختمها، فحفظتها في الجاهلية، قال: فمررت في مجلس ثقيف وفيهم قوم من قريش فمنهم عتبة وشيبة وأبناء ربيعة فاستقرءوني فقرأتها عليهم فقال الثقفيون: ما نرى هذا إلّا حقا، فقال القرشيون: نحن أعلم بصاحبنا لو علمنا أنه حق لتبعناه.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (١) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ (٤)\nوَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ.\nنزلت في أبي طالب وذلك لأنه أتى رسول الله ﷺ فأتحفه بخبز ولبن فبينما هو جالس يأكل إذا بخط نجم فامتلأ ماء ثمّ نارا ففزع أبو طالب وقال: أي شيء هذا، فقال رسول الله (﵇) «هذا نجم رمي به وهو آية من آيات الله تعالى» [١٢٥] «٣» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٢٠.\n(٢) كذا في المخطوط.\n(٣) أسباب نزول الآيات: ٢٩٩.","vol":"10","page":177},{"text":"فعجب أبو طالب، فأنزل الله ﷾ وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ\n، والمعنى: يعني النجم يظهر ليلا ويخفى نهارا، أو كل ما جاء ليلا فقد طرق.\nومنه\nحديث نهي النبي ﷺ أن يطرق الرجل أهله وقال: «تستعد المغيبة وتمتشط الشعثة»\n[١٢٦] «١»، وقالت هند بنت عتبة يوم أحد:\nنحن بنات طارق ... نمشي على النمارق\nتريد أن أبانا نجم في شرفه وعلوه.\nوأنشدنا أبو القاسم المفسّر قال: أنشدني أبو الحسن محمد بن محمد بن الحسن قال:\nأنشدني أبو عبد الله محمد بن الرومي قال:\nيا راقد الليل مسرورا بأوّله ... إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا\nلا تفرحن بليل طاب أوّله ... فرب آخر ليل أجج النارا «٢»\nوَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ ثم فسره فقال عزّ من قائل: النَّجْمُ الثَّاقِبُ أي المضيء المنير، يقول العرب: أثقب نارك أي أضئها. مجاهد: المتوهج، عطا: الثاقب الذي يرمي به الشياطين فيثقبهم: قال ابن زيد: كانت العرب تسمّي الثريا النجم، وقيل: هو زحل سمي بذلك لارتفاعه، وتقول العرب للطائر إذا لحق ببطن السماء ارتفاعا: قد ثقب.\nوروى أبو الحوراء عن ابن عباس قال: الطارق: نجم في السماء السابعة لا يسكنها غيره من النجوم، فإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم رجع إلى مكانه من السماء السابعة، وهو زحل فهو طارق حين ينزل وطارق حين يصعد.\nإِنْ كُلُّ نَفْسٍ جواب القسم لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ قرأ الحسن وأبو جعفر وابن عامر وعاصم وحمزة لَمَّا بتشديد الميم، يعنون ما كل نفس إلّا عليها حافظ، وهي لغة هذيل يقولون: يسديك الله لما قمت، يعنون: إلّا قمت، وقرأ الآخرون: بالتخفيف جعلوا (ما) صلة مجازه: إنّ كل نفس لعليها حافظ.\nأخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسن بن أيوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال:\nحدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا معاذ عن ابن عون قال: قرأت عند ابن سيرين: (إنّ كلّ نفس لما) فأنكره وقال: سبحان الله سبحان الله فتأويل الآية كلّ نفس عليها حافظ من ربّها يحفظ عملها ويحصي عليها ما يكتسب من خير وشر.\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٢٩٨.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢ مورد الآية.","vol":"10","page":178},{"text":"قال ابن عباس: هم الحفظة من الملائكة، وقال قتادة: هم حفظة يحفظون عملك ورزقك وأجلك إذا توفيته يا ابن آدم قبضت إلى ربّك، وقال الكلبي [وحصين]: حافظ من الله يحفظ قولها وفعلها ويحفظ حتى يدفعها ويسلمها إلى المقادير ثم تخلى عنها «١» .\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الحطاب قال: حدّثنا عبد الله بن الفضل قال:\nحدّثنا سلمة بن شبيب قال: حدّثنا يحيى بن صالح قال: حدّثنا عمر بن معدان عن سلم بن عامر عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: «وكّل بالمؤمن ستون ومائة ملك يذبّون عنه ما لم يقدر عليه من ذلك للبصر سبعة أملاك يذبّون عنه كما يذبّ عن قصعة العسل الذباب [في اليوم الصائف وما لو بدا لكم لرأيتمونه على جبل وسهل كلهم باسط يديه فاغرفاه وما] «٢» لو وكلّ العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين» [١٢٧] «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>[سورة الطارق (٨٦): الآيات ٥ الى ١٧]</span>\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ (٩)\nفَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ (١٠) وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)\nإِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)\nفَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ أي من أي شيء خلقه ربّه، ثم بيّن جل ثناؤه فقال ﷾: خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ أي مدفوق مصبوب في الرحم وهو المني، فاعل بمعنى مفعول كقولهم سرّ كاتم، وليل نائم، وهمّ ناصب، وعِيشَةٍ راضِيَةٍ، قال الفراء: أعان على ذلك أنها رؤوس الآيات التي معهنّ.\nوالدفق: الصب، تقول العرب للموج إذا علا وانحط: تدفق واندفق وأراد من مائين: ماء الرجل وماء المرأة لأن الولد مخلوق منهما، ولكنه جعله ماء واحدا لامتزاجهما.\nيَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ يعني صلب الرجل وترائب المرأة، واختلفوا في الترائب، فقال ابن عباس: موضع القلادة، الوالي عنه: بين ثدي المرأة، وعن العوفي عنه: يعني بالترائب اليدين والرجلين والعينين، وبه الضحاك، وعن ابن عليّة عن أبي رجاء قال: سئل عكرمة عن التَّرائِبِ فقال: هذه- ووضع يده على صدره بين ثدييه-. سعيد بن جبير: الجيد. ابن زيد:\nالصدر. مجاهد: ما بين المنكبين والصدر. سفيان: فوق الثديين. يمان: أسفل من التراقي.\nقتادة: النحر. جعفر بن سعيد: الأضلاع التي أسفل الصلب. ليث عن معمر بن أبي حبيبة المدني قال: عصارة القلب، ومنه يكون الولد، والمشهور من كلام العرب أنهما عظام النحر والصدر، وواحدتها تربية. قال الشاعر:\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٣٢٠ بتفاوت.\n(٢) زيادة عن المصدر.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ٢٠٩.","vol":"10","page":179},{"text":"وبدت كان ترائبا نحرها ... جمر الغضا في ساعة يتوقّد\nوقال آخر:\nوالزعفران على ترائبها ... شرق به اللّبات والصدر «١»\nوقال المثقب العبدي:\nومن ذهب يسن على تريب ... كلون العاج ليس بذي غضون «٢»\nإِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ قال قتادة: إنّ الله سبحانه على بعث الإنسان وإعادته بعد الموت قادر، وقال عكرمة: إن الله سبحانه على ردّ الماء إلى الصلب الذي خرج منه لقادر، وعن مجاهد: على ردّ النطفة في الإحليل، وعن الضحاك: إنه على ردّ الإنسان ماء كما كان قبل لقادر، مقاتل بن حيان عنه: يقول: إنّ شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة، وعن ابن زيد: أنه على حبس ذلك الماء لقادر حتى لا يخرج.\nوأولى الأقاويل: بالصواب تأويل قتادة لقوله تعالى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ أي تظهر الخفايا، وقال قتادة ومقاتل وسعيد بن جبير عن عطاء بن أبي رياح: السرائر: فرائض الأعمال كالصّوم والصلاة والوضوء وغسل الجنابة، ولو شاء العبد أن يقول قد صمت وليس بصائم وقد صلّيت ولم يصلّ وقد اغتسلت ولم يغتسل لفعل.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وابن البواب قال: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال:\nحدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ قال: السرائر: الصلاة والصيام وغسل الجنابة، ودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: أخبرني عروبة قال: حدّثنا هاشم بن القاسم الحراني قال: حدّثنا عبد الله بن وهب عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجبلي عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ:\n«ثلاث من حافظ عليها فهو وليّ الله حقا، ومن اختانهن فهو عدو الله حقا، الصلاة والصوم والغسل من الجنابة» [١٢٨] «٣» .\nفَما لَهُ: يعني الإنسان الكافر مِنْ قُوَّةٍ تمنعه وَلا ناصِرٍ: ينصره وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ أي ترجع بالغيث وأرزاق العباد كلّ عام، لولا ذلك لهلكوا وهلكت معايشهم، وقال ابن عباس: هو السحاب فيه المطر.\nوأخبرنا ابن عبدوس قال: أخبرنا ابن محفوظ قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٥، وفيه: والنحر بدل: الصدر.\n(٢) المصدر السابق.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٩.","vol":"10","page":180},{"text":"عبد الرحمن بن مهدي عن خصيف عن عكرمة عن ابن عباس وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ قال: ذات المطر. وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ قال: النبات، وقال أبو عبيدة: الرجع الماء، وأنشد المنحل الهذلي في صفة السيف:\nأبيض كالرجع رسوب إذا ... ما ثاج في محتفل يختلي «١»\nوقال ابن زيد: يعني بالرجع ان شمسها وقمرها يغيب ويطلع وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ، أي ينصدع عن النبات والأشجار والثمار والأنهار، نظيره قوله سبحانه شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا وَعِنَبًا إلى آخرها «٢»، وقال مجاهد: هما السدّان بينهما طريق نافذ مثل [ماري] عرفة.\nإِنَّهُ: يعني القرآن لَقَوْلٌ فَصْلٌ: حق وجد وجزل يفصل بين الحق والباطل. وَما هُوَ بِالْهَزْلِ: باللعب والباطل. إِنَّهُمْ: يعني مشركي مكّة. يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا:\nوأريد بهم أمرا. فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا: قليلا فأخذوا يوم بدر.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٠، وثاخت القدم في الوحل إذا خاضت وغابت.\n(٢) سورة عبس: ٢٦- ٢٨. [.....]","vol":"10","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-868>سورة الأعلى</span>\nمكيّة، وهي: تسع عشرة آية، واثنان وسبعون كلمة، ومائتان واحدي وتسعون حرفا.\nأخبرني كامل بن أحمد وسعيد بن محمد بن القاسم قالوا: حدّثنا محمد بن مطر قال:\nحدّثنا إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كبير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الأعلى أعطاه الله من الأجر عشر حسنات، بعدد كل حرف أنزل الله سبحانه على إبراهيم وموسى ومحمد» [١٢٩] «١» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله قال: حدّثنا عبد الله بن عمر بن أبان قال: حدّثنا وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس إن النبي ﷺ إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال:\n«سبحان ربي الأعلى» [١٣٠] «٢»، وكذلك روى عن علي وأبي وموسى وابن عمر وابن عباس وابن الزبير إنهم كانوا يفعلون ذلك\n، وروي جويبر عن الضحاك أنه كان يقول ذلك، وكان يقول من قرأها فليقرأها كذلك،\nوروي عن علي بن أبي طالب إنه قال: كان رسول الله ﷺ يحب هذه السورة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وأول من قال سبحان ربي الأعلى ميكائيل. قال النبي ﷺ:\n«يا جبريل أخبرني عن ثواب من قالها في صلاته أو في غير صلاته» [١٣١] «٣» فقال: يا محمد ما من مؤمن ولا مؤمنة يقولها في سجوده أو في غير سجوده إلّا كانت له في ميزانه أثقل من العرش والكرسي وجبال الدنيا، ويقول الله ﷾: صدق عبدي أنا أعلى فوق كل شيء وليس فوقي شيء أشهدوا ملائكتي إنّي غفرت لعبدي وأدخلته جنتي، فإذا مات زاره ميكائيل كل يوم فإذا كان يوم القيامة حمله على جناحه فيوقفه بين يدي الله سبحانه فيقول: يا ربّ شفّعني فيه فيقول: شفّعتك فيه اذهب به إلى الجنة.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٢٦.\n(٢) عون المعبود: ٣/ ٩٨.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٤.","vol":"10","page":182},{"text":"وقال عقبة بن عامر: لما نزلت فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ قال رسول الله ﷺ: «اجعلوها في ركوعكم» [١٣٢] «١» فلما نزل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قال ﷺ: «اجعلوها في سجودكم» [١٣٣] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١ الى ١٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى (٤)\nفَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى (٥) سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى (٦) إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى (٨) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى (٩)\nسَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى (١٠) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى (١٣)\nسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى يعني قل: سبحان ربّي الأعلى، وإلى هذا التأويل ذهب جماعة من الصحابة والتابعين، وقال قوم معناه: نزّه ربّك الأعلى عما يقول فيه الملحدون ويصفه به المبطلون، وجعلوا الاسم صلة، ويجوز أن يكون معناه، نزّه ذات ربّك عما لا يليق به، لأن الاسم والذات والنفس عبارة عن الوجود والإثبات.\nوقال آخرون: نزّه تسمية ربّك وذكرك إياه إن تذكره إلّا وأنت خاشع معظّم ولذكره محترم، وجعلوا الاسم بمعنى التسمية، وقال الفراء: سواء قلت سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ أو سبح باسم ربّك إذا أردت ذكره وتسبيحه، وقال ابن عباس: صلّ بأمر ربّك الأعلى.\nالَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى فعدل الخلق وَالَّذِي قَدَّرَ\nخفّف عليّ والسلمي والكسائي داله\n، وشدّدها الآخرون.\nفَهَدى: قال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر والسعادة والشقاوة وهدى الأنعام لمراتعها، وقال مقاتل والكلبي: عرّف خلقه كيف يأتي الذكر الأنثى، وعن عطاء قال:\nجعل لكل دابة ما يصلحها وهذا حاله، وقيل: هدى لاكتساب الأرزاق والمعاش، وقيل: خلق المنافع في الأشياء وهدى الإنسان لوجه استخراجها منه، وقيل: هدى لدينه من يشاء من خلقه.\nقال السدي: قدر الولد في الرحم تسعة أشهر، أقل، أو أكثر، وهدى للخروج من الرحم.\nوقال الواسطي: قدّر السعادة والشقاوة عليهم ثم يسّر لكل واحد من الطالعين سلوك ما قدّر عليه، وقيل: قدّر الأرزاق فهداهم لطلبها، وقيل: قدّر الذنوب على عباده ثم هداهم الى التوبة.\nوَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى النبات من بين أخضر وأصفر وأحمر وأبيض.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٢٦.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٢٦.","vol":"10","page":183},{"text":"فَجَعَلَهُ غُثاءً هشيما باليا، أَحْوى أسود إذا هاج وعتق. سَنُقْرِئُكَ: سنعلمك ويقرأ عليك جبريل، فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن تنساه وهو ما ننسخه من القرآن، وهذا معنى قول قتادة،\nوقال مجاهد والكلبي: كان النبي (﵇) إذا نزل جبريل بالقرآن لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله ﷺ بأوله مخافة أن ينساها فأنزل الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى فلم ينس بعد ذلك شيئا\n، ووجه الاستثناء على هذا التأويل ما قاله الفراء: لم يشأ أن ينسى شيئا، وهو كقوله سبحانه: خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ «١»، وأنت تقول في الكلام لأعطينّك كل ما سألت إلّا ما شاء أن أمنعك والنية أن لا تمنعه، وعلى هذا مجاري الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف النمّام.\nوسمعت محمد بن الحسن السلمي يقول: سمعت محمد بن الحسن البغدادي يقول:\nسمعت محمد بن عبد الله الفرغاني يقول: كان يغشي الجنيد في مجلسه أهل النسك من أهل العلوم وكان أحد من يغشاه ابن كيسان النحوي، وكان في وقته رجلا جليلا فقال له يوما: يا أبا القاسم ما تقول في قوله سبحانه: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى فأجابه مسرعا كأنه تقدم له السؤال قبل ذلك بأوقات: لا تنسى العمل به، فأعجب ابن كيسان به إعجابا شديدا وقال: لا يفضض الله فاك مثلك من يصدر عن رأيه «٢» .\nإِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ من القول والفعل وَما يَخْفى: قال محمد بن حامد: يعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى لعمل الجنّة، وقيل: هو متصل بالكلام الأول معناه:\nنعلم الْجَهْرَ مما تقرأه يا محمد على جبريل إذا فرغ من التلاوة عليك، وَما يَخْفى ما تقرأه في نفسك مخافة ان تنساه. ثم وعده فقال: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى أي يهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعلمه وتعمل به، وقيل: ويوفقك للشريعة اليسرى، وهي الحنفية السمحة.\nفَذَكِّرْ عظ بالقرآن إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى التذكر سَيَذَّكَّرُ سيتّعظ مَنْ يَخْشى الله سبحانه يَتَجَنَّبُهَا\nيعني ويتجنب التذكرة ويتباعد عنها. َْشْقَى\nالشقي في علم الله سبحانه. الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها فيستريح وَلا يَحْيى أي حياة تنفعه.\nوسمعت السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول:\nقال ابن عطا: لا يَحْيى! فيستريح عن القطيعة وَلا يَحْيى فيصل إلى روح الوصلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>[سورة الأعلى (٨٧): الآيات ١٤ الى ١٩]</span>\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى (١٧) إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى (١٨)\nصُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى (١٩)\n_________\n(١) سورة هود: ١٠٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٩.","vol":"10","page":184},{"text":"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى: أي تطهّر من الشرك وقال: لا إله إلّا الله، هذا قول عطاء وعكرمة ورواية الوالي عن ابن عباس وسعيد بن جبير عنه أيضا، وقال الحسن: من كان عمله زاكيا، وعن قتادة: عمل صالحا وورعا، وعن أبو الأحوص: رضح من ماله وأدّى زكاة ماله، وكان ابن مسعود يقول: رحم الله امرءا تصدّق ثم صلّى ثم يقرأ هذه الآية، وقال آخرون: هو صدقة الفطر، وروى أبو هارون عن أبي سعيد الخدري، في قوله سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال:\nأعطى صدقة الفطر.\nوَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قال: خرج إلى العيد فصلى.\nوروى عبيد الله بن عمر عن نافع قال: كان ابن عمر إذا صلّى الغداة- يعني من يوم العيد- قال: يا نافع أخرجت الصدقة فإن قلت نعم مضى إلى المصلّى وإن قلت لا قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية في هذا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى: وروى مروان بن معاوية عن أبي خالد قال: دخلت على أبي العالية فقال لي: إذا غدوت غدا إلى العيد فمرّ بي، قال: فمررت به فقال: هل طمعت شيئا؟ قلت: نعم، قال: أفضت على نفسك من الماء، قلت:\nنعم، قال: فأخبرني ما فعلت زكاتك؟ قلت: قد وجهتها قال: إنما أردتك لهذا ثم قرأ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى وقال: إنّ أهل المدينة لا يرون صدقة أفضل منها ومن سقاية الماء، ودليل هذا التأويل ما\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن علي الهمداني قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن إسحاق الأصبهاني قال: حدّثنا حاتم بن يونس الجرجاني قال: حدّثنا دحيم قال: حدّثنا عبد الله بن نافع عن كثير بن عبد الله عن أبيه عن جدّه عن النبي ﷺ في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال: «أخرج زكاة الفطر، وخرج إلى المصلى فصلّى» [١٣٤] «١» .\nقلت: ولا أدري ما وجه هذا التأويل، لأن هذه السورة مكيّة بالإجماع ولم يكن بمكّة عيد، ولا زكاة فطر والله أعلم.\nوَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ: أي وذكر ربّه، وقيل: وذكر تسمية ربّه، وقيل: هو تكبير العيد، فصلّى صلاة العيد، وقيل: الصلوات الخمس. يدل عليه ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد ابن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله قال: حدّثنا عباد بن أحمد العمري قال: حدّثنا عمّي محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عطاء بن السائب عن ابن سابط عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى قال: «من شهد أن لا إله إلّا الله وخلع الأنداد وشهد أني رسول\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢١ بتفاوت.","vol":"10","page":185},{"text":"الله» وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قال: «هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حين ينادى بها، والاهتمام بمواقيتها [١٣٥] «١»\n، وقيل: الصلاة هاهنا الدعاء.\nبَلْ تُؤْثِرُونَ، قراءة العامة: بالتاء وتصديقهم قراءة أبيّ بن كعب، بل وأنتم تؤثرون، وقرأ أبو عمرو بالياء، يعني الاشقين. قال عرفجة الأشجعي: كنا عند ابن مسعود، فقرأ هذه الآية، فقال لنا: أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة. قلنا: لا، قال: لأن الدنيا أحضرت لنا، وعجّل لنا طعامها وشرابها نساؤها [ولذتها وبهجتها، وإن الآخرة غيبت لنا وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل] «٢» .\nوَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى إِنَّ هذا الذي ذكرت في هذه السورة، وقال الكلبي: يعني من قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إلى آخر السورة، وقال ابن زيد يعني قوله: وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى قال قتادة: تتابعت كتب الله كما تسمعون إنّ الآخرة خَيْرٌ وَأَبْقى.\nالضحّاك: إِنَّ هذا القرآن، لَفِي الصُّحُفِ الكتب الْأُولى واحدتها صحيفة، صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى يقال: إنّ في صحف إبراهيم ينبغي للعاقل أن يكون حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه،\nوقال أبو ذر: قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا» قال: قلت: يا رسول الله كم المرسلون منهم؟\nقال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر وبقيّتهم أنبياء» قلت: أكان آدم نبيا؟ قال: نعم كلمه الله سبحانه وخلقه بيده، يا أبا ذر أربعة من الأنبياء عرب: هود وصالح وشعيب ونبيك. قلت: يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟\nقال: «مائة وأربع كتب، منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ، وهو إدريس ثلاثين صحيفة، وهو أوّل من خطّ بالقلم، وعلى إبراهيم عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان» [١٣٦] «٣» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٣١، ومجمع الزوائد: ١٠/ ٢٣٦ وفيه: الآخرة غيبت عنّا.\n(٢) بتمامه في تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٣٢، وبتفاوت في تفسير ابن كثير: ١/ ٦٠٠.\n(٣) الدر المنثور: ٦/ ٣٣٩.","vol":"10","page":186},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-871>سورة الغاشية</span>\nمكّية، وهي ست وعشرون آية، واثنتان وتسعون كلمة، وثلاثمائة وأحد وثمانون حرفا\nأخبرني محمّد بن القاسم قال: حدّثنا إسماعيل بن مجيد قال: حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن سعيد قال: حدّثنا سعيد بن حفص قال: قرأت على معقل بن عبد الله عن عكرمة بن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الغاشية حاسبه الله حِسابًا يَسِيرًا» [١٣٧] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ١ الى ٢٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى نارًا حامِيَةً (٤)\nتُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)\nفِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)\nوَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)\nوَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)\nهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ يعني القيامة يغشي كلّ شيء إلّا هو، هذا قول أكثر المفسّرين.\nوقال سعيد بن جبير ومحمّد بن كعب: الغاشية النار. دليله قوله سبحانه: وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ ...\nوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ يعني يوم القيامة، وقيل: في النار خاشِعَةٌ ذليلة عامِلَةٌ ناصِبَةٌ قال بعضهم: يعني عامِلَةٌ في النار ناصِبَةٌ فيها، قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله ﷾ في الدنيا، فأعملها وأنصبها في النار لمعالجة السلاسل والأغلال، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس قال قتادة: نكرت في الدنيا من طاعة فأعملها وأنصبها في النار.\nوقال الكلبي: يجرّون على وجوههم في النار. الضحّاك: يكلّفون ارتقاء جبل من حديد في النار، والنّصب الدؤوب في العمل.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٣٣.","vol":"10","page":187},{"text":"وقال عكرمة والسدّي: عامِلَةٌ في الدنيا بالمعاصي، ناصِبَةٌ في النار يوم القيامة، وقال سعيد ابن جبير وزيد بن أسلم: هم الرهبان وأصحاب الصوامع، وهي رواية أبي الضحى عن ابن عبّاس.\nتَصْلى نارًا حامِيَةً قال ابن مسعود: تخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل.\nقراءة العامّة بفتح التاء، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر بضمّها اعتبارا بقوله: تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ حارّة. قال قتادة: قد أتى طبخها منذ خلق الله السماوات والأرض.\nلَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ قال محمد وعكرمة وقتادة: وهو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض تسمّيه فرش الشرق، فإذا هاج سمّوه الضريع، وهو أخبث طعام وأبشعه، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس، الوالي عنه: هو شجر من نار، وقال ابن زيد: أمّا في الدنيا فإنّ الضريع الشوك اليابس الذي ليس له ورق، تدعوه العرب الضريع، وهو في الآخرة شوك من نار.\nوقال الكلبي: لا تقربه دابّة إذا يبس، ولا يرعاه شيء، وقال سعيد بن جبير هو الحجارة، عطاء عن ابن عبّاس: هو شيء يطرحه البحر المالح، يسمّيه أهل اليمن الضريع،\nوقد روي عن ابن عبّاس عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الضريع شيء يكون في النار شبه الشوك، أمرّ من الصبر وأنتن من الجيفة وأشدّ حرّا من النار»\n[١٣٨] «١» سمّاه النبيّ ضريعا، وقال عمرو بن عبيد: لم يقل الحسن في الضريع شيئا، إلّا أنّه قال: هو بعض ما أخفى الله من العذاب، وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون منه ويذلّون ويتضرّعون إلى الله سبحانه، وعلى هذا التأويل يكون المعنى المضرّع.\nوقال أبو الدرداء والحسن: يقبّح الله سبحانه وجوه أهل النار يوم القيامة يشبهها بعملهم «٢» القبيح في الدنيا، ويحسن وجوه أهل الجنّة يشبّهها بأعمالهم الحسنة في الدنيا، وأنّ الله سبحانه يرسل على أهل النار الجوع حتّى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع ويستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصّة، فيذكرون أنّهم كانوا يخبزون الغصص في الدنيا بالماء فيستسقون بعطشهم ألف سنة، ثمّ يسقون من عين آنية لا هنيّة ولا مريّة، فكلّما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطّعها، فذلك قوله سبحانه:\nوَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ.\nقال المفسّرون: فلمّا نزلت هذه الآية قال المشركون: إنّ إبلنا لتسمن على الضريع، فأنزل الله سبحانه: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ويقول: فإنّ الإبل ترعاه ما دام رطبا، فإذا يبس فلا يأكله شيء ورطبه يسمّى شبرقا لا ضريعا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٣٠.\n(٢) في المخطوط: بعمله. [.....]","vol":"10","page":188},{"text":"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها في الدنيا راضِيَةٌ في الآخرة حين أعطيت الجنّة بعملها ومجازات لثواب سعيها في الآخرة راضية فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً لغو وباطل، وقيل: حلف كاذب. فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمارِقُ ووسائد ومرافق مَصْفُوفَةٌ بعضها بجنب بعض، واحدتها نمرقة. قال الشاعر:\nكهول وشبّان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق «١»\nوَزَرابِيُّ يعني البسط العريضة. قال ابن عبّاس: هي الطنافس التي لها خمل رقيق، واحدتها زريبة. مَبْثُوثَةٌ مبسوطة وقيل: متفرّقة في المجالس. أَفَلا يَنْظُرُونَ الآية، قال المفسّرون لمّا نعت الله ما في الجنّة في هذه السورة عجب من ذلك أهل الكفر والضلالة وكذبوا بها، فذكرهم الله سبحانه صنعه فقال عزّ من قائل: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ.\nوكانت الإبل من عيش العرب ومن حولهم، وتكلّمت الحكماء في وجه تخصيص الله سبحانه الإبل من بين سائر الحيوانات، فقال مقاتل: لأنّهم لم يروا قط بهيمة أعظم منها، ولم يشاهدوا الفيل إلّا الشاذّ منهم، وقال الكلبي: لأنّها تنهض بحملها وهي باركة لأنّه وليس شيء من الحيوانات سابقها ولا سائقها غيرها، وقال قتادة: ذكر الله سبحانه ارتفاع سرر الجنّة وفرشها فقالوا: كيف نصعد؟ فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\nوسئل الحسن عن هذه الآية وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة؟ فقال: أمّا الفيل فالعرب بعيدو «٢» العهد بها، ثمّ هو خنزير لا يركب ظهرها ولا يأكل لحمها ولا يحلب درها، والإبل من أعزّ مال العرب وأنفسه.\nوقال الحسن: إنّما يأكلون النوى والقت ويخرج «٣» اللبن، وقيل: لأنّها في عظمة تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف حتّى أنّ الصبي الصغير يأخذ بزمامها فيذهب بها حيث يشاء.\nوحكى الأستاذ أبو القاسم بن حبيب أنّه رأى في بعض التفاسير أنّ فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجرّ بها والناقة تتبعها، حتّى دخلت الجحر فجرّت الزمام فتحرّكت فجرّته فقربت فمها من جحر الفأر. فسبحان الذي قدّرها وسخّرها.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن العلاء قال:\nحدّثنا وكيع عن يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن شريح أنّه كان يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة حتّى ننظر إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٣٤.\n(٢) في المخطوط: بعيد.\n(٣) هكذا في المخطوط.","vol":"10","page":189},{"text":"وقيل: الإبل هاهنا السحاب، ولم أجد لذلك أصلا في كتب الأئمّة وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ بسطت،\nوقال أنس بن مالك:\nصلّيت خلف علي بن أبي طالب فقرأ افلا تنظرون إلى الإبل كيف خلقتُ وكذلك رفعتُ ونصبتُ وسطحتُ برفع التاء\n، وقرأ الحسن سطّحت بالتشديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>[سورة الغاشية (٨٨): الآيات ٢١ الى ٢٦]</span>\nفَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥)\nثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)\nفَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ بمسلّط جبّار يكرههم على الإيمان، ثمّ نسخ ذلك بآية القتال وقرأها هارون بِمُسِيْطَرٍ (بفتح الطاء) وهي لغة تميم.\nإِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ اختلفوا في وجه هذا الاستثناء، فقال بعضهم: هو راجع إلى قوله:\nفَذَكِّرْ ومجاز الآية: فَذَكِّرْ قومك إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ منهم، فإنّه لا ينفعه التذكير، وقيل معناه لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ إلّا على مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ، فانّك تقاتله حتّى يسلم، وقيل: هو راجع إلى ما بعده، وتقديره: لكن مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ.\nفَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ وهو النار، وانّما قال: الْأَكْبَرَ لأنّهم عذّبوا في الدنيا بالجوع، والقحط، والقتل، والأسر، ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فإنّه يعذّبه الله العذاب الأكبر) . إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ رجوعهم ومعادهم، وقرأ أبو جعفر بتشديد الياء، قال أبو حاتم: لا يجوز ذلك ولو جاز فيه لجاز في الصيام والقيام. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ.","vol":"10","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>سورة الفجر</span>\nمكّية، وهي خمسمائة وسبعة وتسعون حرفا ومائة وتسع وثلاثون كلمة، وثلاثون آية.\nأخبرني نافل بن راقم بن أحمد البابي قال: حدّثنا محمد بن محمد بن سادة قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا سلمة بن قتيبة عن شعبة عن عاصم بن هدله عن زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة وَالْفَجْرِ في الليالي العشر غفر له ومن قرأها سائر الأيّام كانت له نورا يوم القيامة» [١٣٩] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْفَجْرِ (١) وَلَيالٍ عَشْرٍ (٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ (٤)\nهَلْ فِي ذلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (٥)\nوَالْفَجْرِ قال ابن عبّاس: يعني النهار كلّه، عطية عنه، صلاة الفجر، عثمان بن محصن عنه: فجر المحرّم ومثله قال قتادة: هو أوّل يوم من المحرّم تتفجر منه السنة. ضحاك: فجر ذي الحجّة لأنّ الله سبحانه قرن الأيّام بها. عكرمة وزيد بن أسلم: الصبح. مقاتل: عداه جميع كلّ سنة. القرظي: انفجار الصبح من كلّ يوم إلى انقضاء الدّنيا. في بعض التفاسير: أنّ الفجر الصخور والعيون تتفجّر بالمياه.\nوَلَيالٍ عَشْرٍ قال مجاهد وقتادة والضحّاك والكلبي والحلبي: هي عشر ذي الحجّة، عكرمة: ليالي الحجّ، وقال مسروق: هي أفضل أيّام السنة. أبو روق عن الضحّاك: هي العشر الأول من شهر رمضان، أبو ظبيان عن ابن عبّاس قال: هي العشر الأواخر من شهر رمضان، يمان بن رباب: العشر الأولى من المحرّم التي عاشرها يوم عاشوراء.\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا بن حمدان قال: حدّثنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال:\nحدّثنا منجاب بن الحرث قال: أخبرنا بشر بن عمارة قال: حدّثنا عمر بن حسّان عن عطية\nالعوفي في قوله سبحانه: وَالْفَجْرِ قال: هو الفجر الذي تعرفون، قلت: وَلَيالٍ عَشْرٍ قال:\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٤١.","vol":"10","page":191},{"text":"عشر الأضحى، قلت: وَالشَّفْعِ قال: خلقه، يقول الله سبحانه: وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجًا، قلت: وَالْوَتْرِ قال: الله وتر، قلت له: هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبيّ ﷺ؟ قال: نعم، قلت: عمّن؟ قال: عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ ﷺ [١٤٠] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن نصرويه قال: حدّثنا ابن وهب قال: حدّثنا أحمد بن يحيى بن سعيد القطان وعبدة بن عبد الله بن النعمان قالا: حدّثنا أبو الحسين زيد بن الحبّاب العكلي قال: حدّثنا عبّاس بن عقبة قال: حدّثني حسين بن نعيم الحضرمي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله سبحانه: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ قال:\n«عشر النحر، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر» [١٤١] «٢» .\nوبه عن ابن وهب قال: حدّثنا يوسف بن عبد الرحمن قال: حدّثنا سعيد بن مسلمة الأموي قال: حدّثنا واصل بن السائب الرقاشي قال: حدّثني أبو سودة قال: حدّثني أبو أيّوب الأنصاري قال: سئل رسول الله ﷺ عن قوله ﷾: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ قال: «الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى، والوتر ليلة النحر» [١٤٢] «٣» .\nوأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل الفهندري قال: حدّثنا أبو الطاهر المحمدآبادي قال:\nحدّثنا عثمان بن سعيد قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا خالد بن قيس وهمام بن يحيى قالا: حدّثنا قتادة عن عمران بن عاصم عن عمران بن حصين أنّ النبيّ ﷺ سئل عن الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فقال: «هي الصلاة منها الشفع ومنها الوتر» [١٤٣] «٤» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن لؤلؤ قال: حدّثنا الهيثم قال: حدّثنا الدّورقي قال:\nحدّثنا حجّاج عن ابن جريح قال: أخبرني محمد بن المرتفع أنّه سمع ابن الزبير يقول: وَالشَّفْعِ النفر الأوّل وَالْوَتْرِ [يوم] النفر الآخر.\nوأخبرني الحسن قال: حدّثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي قال: حدّثنا أحمد بن كثير القيسي قال: حدّثنا محمد بن عبد الله المقرئ قال: حدّثنا مروان بن معاوية الفزاري عن أبي سعيد بن عوف قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقول على المنبر: يا معشر الحاجّ إنّكم جئتم من القريب والبعيد على الضعيف والشديد، فأسهرتم الأعين وأنصبتم الأنفس وأتعبتم الأبدان، فلا يبطلنّ أحدكم حجّه وهو لا يشعر، ينظر نظرة بعينه أو يبطش بطشة بيده، أو يمشي مشية برجله.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٢١٤، وتفسير القرطبي: ٢٠/ ٤٠.\n(٢) السنن الكبري: ٢/ ٤٤٥.\n(٣) زاد المسير لابن الجوزي: ٨/ ٢٣٨.\n(٤) زاد المسير لابن الجوزي: ٨/ ٢٣٩.","vol":"10","page":192},{"text":"يا أهل مكّة وسّعوا عليهم ما وسّع الله عليكم وأعينوهم ما استعانوكم عليه، فإنّهم وفد الله وحاجّ بيت الله ولهم عليكم حقّ، فاسألوني فعلينا كان التنزيل، ونحن حصرنا التأويل، فقام إليه رجل من ناحية زمزم فقال: دخلت فأرة جرابي وأنا محرم؟ فقال: اقتلوا الفويسقة، فقام آخر فقال: أخبرنا ب الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ والليالي العشر فقال: أمّا الشفع والوتر فقول الله سبحانه: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ فهما الشفع والوتر، وأمّا الليالي العشرة فالثمان وعرفة والنحر، فقام آخر فقال: أخبرنا عن يوم الْحَجِّ الْأَكْبَرِ؟ فقال: هو يوم النحر ثلاث تتلوها.\nوقال مجاهد ومسروق وأبو صالح: الشَّفْعِ الخلق كلّه، قال الله سبحانه: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ «١» الكفر والإيمان والشقاوة والسعادة والهدى والضلالة والليل والنهار والسماء والأرض والبرّ والبحر والشمس والقمر والجنّ والإنس، وَالْوَتْرِ الله سبحانه، قال الله تعالى:\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ.\nالحسن وابن زيد: أراد ب الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ الخلق كلّه، منه شفع ووتر.\nعطية عن ابن عبّاس: الشَّفْعِ صلاة الغداة وَالْوَتْرِ صلاة المغرب. قتادة عن الحسن: هو العدد منه شفع ومنه وتر. مقاتل: الشَّفْعِ هو آدم وحواء، وَالْوَتْرِ هو الربّ ﵎، وقيل:\nالْوَتْرِ آدم شفّعه الله بزوجته حواء.\nإبراهيم والقرظي: الزوج والفرد. الربيع عن أبي العالية: الشَّفْعِ ركعتان من صلاة المغرب وَالْوَتْرِ الركعة الثالثة، وقيل: الشَّفْعِ الصفا والمروة وَالْوَتْرِ البيت، الحسين بن الفضل: الشَّفْعِ درجات الجنان لأنّها ثمان وَالْوَتْرِ دركات النار لأنّها سبع، كأنّه الله﷾- أقسم بالجنّة والنار.\nمقاتل بن حيان: الشَّفْعِ الأيّام والليالي، وَالْوَتْرِ اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة.\nوسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع الشجري يقول:\nسمعت أبا زيد حاتم بن محبوب السامي يقول: سمعت عبد الجبّار بن العلاء العطّار يقول:\nسمعت سفيان بن عيينة يقول: الوتر هو الله ﷿ وهو الشفع أيضا لقوله: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ «٢» وسمعت أبا القاسم يقول: سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد ابن يزيد يقول: سمعت أبا عبد الله بن أبي بكر الورّاق يقول: سئل أبو بكر عن الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فقال: الشَّفْعِ تضاد أوصاف المخلوقين العزّ والذلّ والقدرة والعجز والقوّة والضعف والعلم\n_________\n(١) سورة الذاريات: ٤٩.\n(٢) سورة المجادلة: ٧.","vol":"10","page":193},{"text":"والجهل والبصر والعمى، وَالْوَتْرِ انفراد صفات الله سبحانه عزّ بلا ذلّ، وقدرة بلا ضعف، وعلم بلا جهل، وبصر بلا عمى وحياة بلا موت وما إزاءها.\nوقيل: الشَّفْعِ مسجد مكّة والمدينة، وَالْوَتْرِ مسجد بيت المقدس، وقيل: الشَّفْعِ القرآن في الحجّ والتمتّع فيه، وَالْوَتْرِ الإفراد فيه، وقال ابن عطاء وَالْفَجْرِ محمّد صلّى الله عليه لأنّ به تفجّرت أنوار الإيمان وغابت ظلم الكفر.\nوَلَيالٍ عَشْرٍ ليالي موسى التي أكمل بها ميعاده بقوله تعالى: وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ «١»، وَالشَّفْعِ: الخلق وَالْوَتْرِ: الحقّ، وقيل: الشَّفْعِ الفرائض وَالْوَتْرِ السنن، وقيل: الشَّفْعِ الأفعال وَالْوَتْرِ النيّة، وهو الإخلاص، وقيل: الشَّفْعِ العبادة التي تتكرّر، كالصلاة والصوم والزكاة، وَالْوَتْرِ: العبادة التي لا تتكرّر كالحجّ، وقيل: الشَّفْعِ النفس والروح إذا كانتا معا، وَالْوَتْرِ الروح بلا نفس والنفس بلا روح، فكأنّ الله سبحانه أقسم بها في حالتي الاجتماع والافتراق «٢» .\nواختلف القرّاء في الْوَتْرِ، فقرأ يحيى «٣» بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف:\nبكسر الواو، وهو اختيار أبي عبيد، قال: لأنّها أكثر في العامّة وأفشى، ومع هذا إنّا تدبّرنا الآثار التي جاء فيها ذكر وتر الصلاة فوجدنا كلّها بهذه اللغة ولم نسمع في شيء منه الوتر بالفتح، ووجدنا المعنى في الوتر جميعا الذي في الصلاة والذي في السورة، وإن تفرّقا في الفرع فإنّهما في الأصل واحد إنّما تأويله الفرد الذي هو ضدّ الشفع، وقرأ الباقون بفتح الواو، وهي لغة أهل الحجاز واختيار أبي حاتم وهما لغتان مستفيضتان.\nوَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ قال أكثر المفسّرين: يعني إذا سار فذهب، وقال قتادة: إذا جاء وأقبل.\nقال مجاهد وعكرمة والكلبي: هي ليلة المزدلفة.\nواختلف القرّاء في قوله: يَسْرِ فقرأ أهل المدينة وأبو عمرو وعيسى بالياء في الوصل، وهي اختيار أبي حاتم ورواية قتيبة ونصير والشرياني عن الكسائي قال أبو عبيد: كان الكسائي فترة يقول: أثبت الياء بالوصل واحذفها في الوقف لمكان الكتاب، ثمّ رجع إلى حذف الياء في الحالين جميعا لأنّها رأس آية، وهي قراءة ابن عامر وعاصم واختيار أبي عبيد اتباعا للخط، وقرأ ابن كثير ويعقوب الياء في الحالين على الأصل، قال الخليل بن أحمد: أسقط الياء منه وفاقا لرؤوس الآي.\nوقال أكثر أهل المعاني: يعني يسري فيه كقولهم: ليل نائم ونهار صائم وسر كاتم. قال الفراء: يحذف العرب الياء ويكتفي بكسر ما قبلها. أنشدني بعضهم:\n_________\n(١) سورة الأعراف: ١٤٢.\n(٢) راجع للأقوال في معنى الشفع والوتر مقدمة فتح الباري: ١٣٦.\n(٣) لعله: الجني.","vol":"10","page":194},{"text":"كفّاك كفّ ما تلقي درهما ... جودا وأخرى تعط بالسيف الدما «١»\nوقال آخر:\nليس يخفى سادتي قدر قوم ... ولعل يخف سئمتي إعساري\nوقال المؤرّخ: سألت الأخفش عن العلّة في سقوط الياء من يسر، فقال: لا أجيبك ما لم تبت على باب داري سنة. فبتّ سنة على باب داره ثمّ سألته فقال: الليل لا يسري، وانّما يسرى فيه وهو مصروف فلمّا صرفه بخسه حظّه من الإعراب، ألا ترى إلى قوله: وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا «٢»؟ ولم يقل بغية لأنّه صرّفه من باغية.\nهَلْ فِي ذلِكَ الذي ذكرت قَسَمٌ أي مقنع ومكتف «٣» في القسم لِذِي حِجْرٍ عقل سمّي بذلك لأنّه يحجر صاحبه ممّا لا يحلّ ولا يجمل كما سمّي عقلا لأنّه يعقله عن القبائح والفضائح، ونهي لأنّه نهى عمّا لا ينبغي، وأصل الحجر المنع، يقال للرجل إذا كان مالكا قاهرا ضابطا له: إنّه لذو حجر، ومنه قولهم: حجر الحاكم على فلان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-876>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ٦ الى ١٤]</span>\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ (٦) إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ (٧) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ (٨) وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ (٩) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ (١٠)\nالَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ (١٢) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ (١٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ (١٤)\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ قرأته العامّة بالتنوين وقرأ الحسن (بعادِ إرم) على الإضافة وقرأت العامّة: (إِرَمَ) بكسر الألف، وقرأ مجاهد بفتحه، قال المؤرّخ: من قرأ بفتح الألف شبههم بالآرام، وهي الأعلام واحدها ارم.\nواختلف العلماء في معنى قوله إِرَمَ فأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى الباقرحي قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا إسحاق بن بشير عن محمد بن إسحاق عمّن يخبره أنّ سعيد بن المسيّب كان يقول: إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ دمشق.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن مروان، قال: حدّثنا علي بن حرب الطائي قال: حدّثنا أبو الأشهب هود عن عوف الإعرابي عن خالد الربعي إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ قال: دمشق، وبه قال عكرمة وأبو سعيد المقبري.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ١٢/ ١٥١. [.....]\n(٢) سورة مريم: ٢٨.\n(٣) في المخطوط: ومكتفي.","vol":"10","page":195},{"text":"وقال القرظي: هي الإسكندرية، وقال مجاهد: هي ارمة ومعناها القديمة. قتادة: هم قبيلة من عاد، وقال أبو إسحاق: هو جدّ عاد، وهو عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح.\nوقال مقاتل: ارم قبيلة من قوم عاد كان فيهم الملك وكانوا موضع مهرة، وكان عاد أباهم فنسبهم إليه، وهو ارم بن عاد بن شمر بن سام بن نوح.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبو الطيّب المروزي قال: حدّثنا محمّد بن علي قال: أخبرنا فضل بن خالد قال: حدّثنا عبيد بن سليمان عن الضحّاك بن مزاحم أنّه كان يقرأ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ بفتح الألف والراء، والإرم الهلاك فقال: ارم بنو فلان أي هلكوا، وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس.\nوروي عن الضحّاك أنّه قرأ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ أي أهلكهم وجعلهم رميما، والصواب أنّها اسم قبيلة أو بلدة فلذلك لم يجرّ «١» .\nقوله: ذاتِ الْعِمادِ قال قوم: يعني ذات الطول والقوّة والشدّة.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أبو حاتم قال: حدّثنا أبو صالح كاتب الليث قال: حدّثني معاوية بن صالح عمّن حدّثه عن المقدام عن النبيّ صلّى الله عليه أنّه ذكر «إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ» فقال: «كان الرجل منهم يأتي بالصخرة فيحملها على [كاهله فيلقيها على أي حي أراد] فيهلكهم» [١٤٤] «٢» .\nوقال الكلبي: كان طول الرجل منهم أربع مائة ذراع، وقال ابن عبّاس: يعني طولهم مثل العماد، ويقول العرب للرجل الطويل: معمّدا، وقال مقاتل: كان طول أحدهم اثني عشر ذراعا، وقال آخرون: إنّما قيل لهم: ذات العماد لأنّهم كانوا أهل عمد سيارة ينتجعون الغيث وينتقلون إلى الكلأ، حيث كان ثمّ يرجعون إلى منازلهم ولا يقيمون في موضع.\nقال الكلبي: ارم هو الذي يجتمع إليه نسب عاد وثمود وأهل السواد وأهل الجزيرة، كان يقال: عاد ارم وثمود ارم، فأهلك الله سبحانه عادا، ثمّ ثمود وبقي أهل السواد وأهل الجزيرة، وكان أهل عمد وخيام وماشية في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا إلى منازلهم فكانوا أهل جنان وزروع ومنازلهم كانت بوادي القرى، وهي التي يقول الله سبحانه: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ.\nوقيل: سمّوا ذات العماد لبناء بناه بعضهم، فشيّد عمده ورفع بناءه، والعماد والعمد والعمد جمع عمود، وهو:\nما أخبرنا أبو القاسم المفسّر قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفّار\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٢٢٠.\n(٢) تفسير الدر المنثور: ٦/ ٣٤٧، وفتح الباري: ٨/ ٥٣٨.","vol":"10","page":196},{"text":"الأصبهاني قال: أخبرنا أبو جعفر أحمد بن مهدي بن رستم الأصبهاني قال: حدّثنا عبد الله بن صالح المصري قال: حدّثني ابن لهيعة وأخبرنا أبو القاسم قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي قال: أخبرنا عثمان بن سعيد الدارجي قال: أخبرنا عبد الله بن صالح قال: حدّثني ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن وهب بن منبه عن عبد الله بن قلابة أنّه خرج في طلب إبل له شردت، فبينما هو في صحاري عدن إذا هو قد وقع على مدينة في تلك الفلوات عليها حصن، وحول الحصن قصور كبيرة وأعلام طوال، فلمّا دنى منها ظنّ أنّ فيها أحدا يسأله عن إبله فلم ير خارجا ولا داخلا فنزل عن دابته وعقلها وسلّ سيفه ودخل من باب الحصن، فلمّا دخل في الحصن إذا هو ببابين عظيمين لم ير أعظم منهما، والبابان مرصّعان بالياقوت الأبيض والأحمر فلمّا رأى ذلك دهش وأعجبه ففتح أحد البابين، فإذا هو بمدينة لم ير أحد مثلها، وإذا قصور كل قصر معلّق تحته أعمدة من زبرجد وياقوت وفوق كلّ قصر منها غرف:\n[اعتبر يا أيها المغرور بالعمر المديد ... أنا شداد بن عاد صاحب الحصن المشيد\n] وأخو القوّة والبأساء والملك الحشيد ... دار أهل الأرض لي من خوف وعيدي ووعيد\nوملكت الشرق والغرب بسلطان شديد ... وبفضل الملك والعدّة فيه والعديد\nفأتى هود وكنّا في ضلال قبل هود ... فدعانا لو قبلناه إلى الأمر الرشيد\nوعصيناه ونادى هل من محيد ... فأتتنا صيحة تهوي من الأفق البعيد\nفتوافينا كزرع وسط بيداء حصيد\nوَثَمُودَ أي وثمود الَّذِينَ جابُوا قطّعوا وخرقوا الصَّخْرَ الحجر واحدتها صخرة بِالْوادِ يعني بوادي القرى، فنحتوا منها بيوتا كما قال الله سبحانه: وَكانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتًا آمِنِينَ «١» .\nقال أهل السير: أوّل من نحت الجبال والصخور والرخام ثمود، فبنوا من الدور والمنازل ألفي ألف وسبع مائة ألف كلّها من الحجارة، وأثبت أبو جعفر وأبو حاتم وورش الياء في الوادي وصلا، وأثبتها في الوصل والوقف ابن كثير برواية البزي والعواش ويعقوب على الأصل، وحذفها الآخرون في الحالتين لأنّها رأس آية.\nوَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ اختلفوا فيه فقال بعضهم: أراد ذا الجنود والجموع الذين يقوّون أمره «٢» ويسدّدون مملكته، وسمّي الأجناد أوتادا لكثرة المضارب التي كانوا يضربونها ويوتّدونها في أسفارهم، وهي رواية عطية عن ابن عبّاس.\n_________\n(١) سورة الحجر: ٨٢.\n(٢) في المخطوط: أمره.","vol":"10","page":197},{"text":"وقال قتادة: سمّي ذا الأوتاد لأنّه كانت له مظال وملاعب وأوتاد يضرب له فتلعب له تحتها، وقال محمد بن كعب: يعني ذا البناء المحكم، وقال سعيد بن جبير: كان له منارات يعذّب الناس عليها، وقال مجاهد وغيره: كان يعذّب الناس بالأوتاد، وكان إذا غضب على أحد مدّه على الأرض وأوتد يديه ورجليه ورأسه على الأرض.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا مخلد قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال:\nحدّثنا إسحاق بن بشير عن ابن سمعان عن عطاء عن ابن عبّاس أنّ فرعون لمّا قيل له: ذو الأوتاد أنّه كان امرأة- وهي امرأة خازنه خربيل «١» بن نوحابيل وكان مؤمنا كتم إيمانه مائة سنة «٢»، وكان لقي من لقى من أصحاب يوسف، وكانت امرأته ماشطة بنت فرعون- فبينما هي ذات يوم تمشّط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت: تعس من كفر بالله، فقالت بنت فرعون: وهل لك من إله غير أبي؟ فقالت: إلهي وإله أبيك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له.\nفقامت فدخلت على أبيها وهي تبكي قال: ما يبكيك؟ قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أنّ إلهك وإلهها وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له. فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت:\nصدقت. فقال لها ويحك: اكفري بإلهك وأقري أني إلهك، قالت: لا أفعل فمدها بين أربعة أوتاد ثم أرسل عليها الحيات والعقارب فقال لها: اكفري بالله وإلّا عذبتك بهذا العذاب شهرين، قالت: والله لو عذّبتني سبعين شهرا ما كفرت بالله تعالى.\nقال: وكان لها ابنتان فجاء بابنتها الكبرى فذبحها على فيها، وقال لها: اكفري بالله وإلّا ذبحت ابنتك الصغرى على فيك، وكانت طفلة رضيعة تجد بها وجدا شديدا فقالت: لو ذبحت من على الأرض على فيّ ما كفرت بالله تعالى.\nقال: فأتى بابنتها فلمّا أن قدّمت منها وأضجعت على صدرها وأرادوا ذبحها جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها فتكلّمت وهي من الأربعة الذين تكلّموا أطفالا، فقالت: يا أمّاه لا تجزعي فإنّ الله سبحانه قد بنى لك بيتا في الجنّة، اصبري فإنّك تمضين إلى رحمة الله سبحانه وكرامته، قال: فذبحت فلم تلبث أن ماتت وأسكنها الله سبحانه الجنّة.\nقال: وبعث في طلب زوجها خربيل فلم يقدروا عليه، فقيل لفرعون: إنّه قد رئي في موضع كذا وكذا في جبال كذا وكذا، فبعث رجلين في طلبه فانتهيا إليه وهو يصلّي وثلاثة صفوف من الوحش خلفه يصلّون، فلمّا رأيا ذلك انصرفا، وقال خربيل: اللهم إنّك تعلم أنّي كتمت إيماني مائة سنة، ولم يظهر عليّ أحد فأيّما هذين الرجلين كتم عليّ فاهده إلى دينك وأعطه من الدنيا سؤله، وأيّما هذين الرجلين أظهر عليّ فعجّل عقوبته في الدّنيا، واجعل مصيره في العاقبة إلى\n_________\n(١) ذكر القرطبي في تفسيره (١٥/ ٣٠٦) عن الثعلبي أن اسمه: حزقيل.\n(٢) كما ذكره في تاج العروس (٧/ ٣٠٢) وقيل ستمائة سنة ذكره الجزائري في القصص: ٢٥٣.","vol":"10","page":198},{"text":"النار، فانصرف الرجلان إلى فرعون فأمّا أحدهما فاعتبر وآمن، وأمّا الآخر فأخبر فرعون بالقصّة على رؤوس الملأ، فقال له فرعون: وهل كان معك غيرك؟ قال: نعم.\nقال: ومن كان معك؟ قال: فلان. فدعى به. فقال: حقّ ما يقول هذا؟ قال: لا، ما رأيت ممّا قال شيئا. فأعطاه فرعون وأجزل، وأمّا الآخر فقتله ثمّ صلبه.\nقال: وكان فرعون قد تزوّج امرأة من أجمل نساء بني إسرائيل يقال لها آسيا بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة فقالت: وكيف يسعني أن أصبر على ما أتى فرعون وأنا مسلمة وهو كافر، فبينما هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فجلس قريبا منها فقالت: يا فرعون أنت شرّ الخلق وأخبثه عمدت إلى الماشطة فقتلتها، فقال: فلعلّ بك الجنون الذي كان بها.\nقالت: ما بي من جنون، وإن إلهي وإلهها وإلهك وإله السماوات والأرض واحد لا شريك له فمزّق عليها وضربها وأرسل إلى أبويها فدعاهما فقال لهما الأمر، بأنّ الجنون الذي كان بالماشطة أصابها فقالت: أعوذ بالله من ذلك، إنّي أشهد أنّ ربّي وربّك وربّ السماوات والأرض واحد لا شريك له، فقال أبوها: يا آسية ألست خير نساء العماليق وزوجك إله العماليق؟ قالت: أعوذ بالله من ذلك إن كان ما تقول حقّا، فقولا له: يتوّجني تاجا يكون الشمس أمامه والقمر خلفه والكواكب حوله، فقال لهم فرعون: أخرجا عنّي فمدّها بين أربعة أوتاد يعذّبها، وفتح الله سبحانه لها بابا إلى الجنّة ليهوّن عليها ما يصنع بها فرعون فعند ذلك قالت: رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ يعني من جماع فرعون وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني من فرعون وشيعته، فقبض الله سبحانه روحها وأسكنها الجنّة «١» .\nوقيل: الأوتاد عبارة عن ثبات مملكته وطول مدّته وشدّة هيبته، كثبوت الأوتاد في الأرض كقول الأسود:\nفي ظل ملك ثابت الأوتاد «٢»\nالَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ قال قتادة: يعني لونا من العذاب صبّه عليهم، وقال السّدي: كلّ يوم لون آخر من العذاب، وقيل:\nوجع العذاب، وقال أهل المعاني: هذا على الاستعارة لأنّ السوط عندهم غاية العذاب، فجرى ذلك لكلّ عذاب. قال الشاعر:\n_________\n(١) القصة بتفاوت في الأحاديث الطوال للطبراني: ١١٥، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٤٢٠.\n(٢) معاني القرآن للنحاس: ٦/ ٨٥، ومعجم البلدان: ١/ ٢٧٢ ومطلعه: ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة.","vol":"10","page":199},{"text":"ألم تر أنّ الله أظهر دينه ... وصبّ على الكفّار سوط عذاب «١»\nإِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ قال ابن عبّاس: سبحانه يرى ويسمع، وقال مقاتل: ترصد الناس على الصراط، فجعل رصدا من الملائكة معهم الكلاليب والمحاجن والحسك، وقال الضحّاك:\nبمرصد لأهل الظلم والمعصية، وقيل: معناه مرجع الخلق ومصيرهم إلى حكمه وأمره، وقال الحسن وعكرمة: ترصد أعمال بني آدم، وعن مقاتل أيضا: ممرّ الناس عليه. عطاء ابن أبي رياح: لا يفوته أحد. يمان: لا محيص عنه. السدي: أرصد النار على طرقهم حتّى تهلكهم، والمرصاد والمرصد الطريق وجمع المرصاد مراصيد وجمع المرصد مراصد.\nوروى مقسم عن ابن عبّاس قال: إنّ على جهنّم سبع مجاسر يسأل العبيد عند أوّلهنّ عن شهادة أن لا إله إلّا الله، فإن جاء بها تامّة جاز بها إلى الثاني، فيسأل عن الصلاة، فإن جاء بها تامّة جاز إلى الثالث، فيسأل عن الزكاة فإن جاء بها تامّة جاز إلى الرابع، فيسأل عن الصوم، فإن جاء به تامّا جاز إلى الخامس، فيسأل عن الحجّ فإن جاء به تامّا جاز إلى السادس، فيسأل عن العمرة فإن جاء بها تامّة جاز إلى السابع، فيسأل عن المظالم فإن خرج منها وإلّا يقال انظروا، فإن كان له تطوّع أكمل به أعماله، فإذا فرغ به انطلق به إلى الجنّة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>[سورة الفجر (٨٩): الآيات ١٥ الى ٣٠]</span>\nفَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (١٥) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ (١٦) كَلاَّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩)\nوَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٢٠) كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى (٢٣) يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي (٢٤)\nفَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ (٢٦) يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩)\nوَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)\nفَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ امتحنه رَبُّهُ بالنعمة والوسعة. فَأَكْرَمَهُ بالمال وَنَعَّمَهُ بما وسّع عليه من الأفضال فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ فيفرح بذلك ويسر ويحمد عليه ويشكر، وإِذا مَا ابْتَلاهُ بالفقر فَقَدَرَ وضيّق وقتّر عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ أذلّني بالفقر، ولم يشكر الله على ما أعطاه من سلامة الجوارح ورزقه من العافية والصحّة. قال قتادة: ما أسرع كفر ابن آدم.\nوقراءة العامّة فَقَدَرَ بتخفيف الدال، وقرأ أبو جعفر وابن عامر بالتشديد، وهما لغتان وكان أبو عمرو يقول: قدر بمعنى قتّر وقدر هو أن يعطيه ما يكفيه ولو فعل ذاك ما قال: رَبِّي أَهانَنِ، ثمّ ردّ عليه فقال: كَلَّا لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ ولم ابتله بالفقر لهوانه عليّ\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٤٩.","vol":"10","page":200},{"text":"وأنّ الفقر والغنى من تقديري وقضائي. فلا أكرم من أكرمته بالغنى وكثرة الدنيا، ولا أهين من أهنته بالفقر وقلّة الدنيا، ولكني إنّما أكرم من أكرمته بطاعتي، وأهين من أهنته بمعصيتي، وقال الفراء: معنى كلا لم ينبغ «١» له أن يكون هذا ولكن ينبغي أن يحمده على الأمرين على الغنى والفقر.\nثم قال: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ يعني أهنت من أهنت من أجل أنّه لا يكرم اليتيم.\nواختلف القرّاء في هذه الآية فقرأ أهل البصرة يكرمون وما بعده كلّه بالياء، وقرأها الآخرون بالتاء وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ قرأ أبو جعفر وأهل الكوفة تَحَاضُّونَ بالألف وفتح التاء، وروى الشذري عن الكسائي (تُحَاضُّونَ) بضم التاء، غيرهم (تحضّون) بغير الألف. وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ الميراث أَكْلًا لَمًّا شديدا، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب غيره. بكر بن عبد الله: اللّمّ الاعتداء في الميراث يأكل ميراثه وميراث غيره. ابن زيد: الأكل اللمّ الذي يأكل كلّ شيء يجده ولا يسأل عنه أحلال أم حرام، ويأكل الذي له والذي لغيره، وذلك أنّهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصبيان، وقرأ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ الآية قال أبو عبيدة يقال: لممت ما على الخوان إذا أتيت على ما عليه وأكلته كلّه أجمع.\nوَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا كثيرا يقال جمّ الماء في الحوض إذا كثر واجتمع. كَلَّا ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر ثمّ أخبر ممن تلهّفهم على ما سلف منهم حين لا ينفعهم فقال عزّ من قائل:\nإِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا مرّة بعد مرّة فيكسر كلّ شيء على ظهرها.\nوَجاءَ رَبُّكَ قال الحسن: أمره وقضاؤه، وقال أهل الإشارة: ظهر قدرة ربّك وقد استوت الأمور وأنّ الحقّ لا يوصف يتحوّل من مكان إلى مكان وأنّى له التجوّل والتنقّل ولا مكان له ولا أوان ولا تجري عليه وقت وزمان لأنّ في حرمان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شيء فهو عاجز، والحقّ ينزّه أن تحوي صفاته الطبائع أو تحيط به الصدور.\nوَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن ماجة قال: حدّثنا يعقوب بن يوسف القروي قال: حدّثنا القاسم بن الحكم قال: حدّثنا عبيد الله بن الوليد قال: حدّثنا عطية عن أبي سعيد قال: لمّا نزلت هذه الآية وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ تغيّر لون رسول الله ﷺ وعرق في وجهه حتى اشتدّ على أصحابه ما رأوا من حاله فانطلق بعضهم إلى عليّ ﵁ فقالوا: يا علي لقد حدث أمر قد رأيناه في نبي الله ﷺ. فجاء عليّ فاحتضنه من خلفه ثمّ قبّل بين عاتقيه ثمّ قال: يا نبي الله بأبي أنت وأمّي ما الذي حدث اليوم وما الذي غيّرك؟\nقال: «جاء جبريل (﵇) فأقرأني هذه الآية: كَلَّا إِذا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ قلت: فكيف يجاء بها؟\n_________\n(١) في المخطوط: ينبغي.","vol":"10","page":201},{"text":"قال: «يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثمّ تعرض لي جهنّم فتقول: ما لي وما لك يا محمّد فقد حرّم الله لحمك ودمك عليّ، فلا يبقى أحد إلّا قال: نفسي نفسي وأنّ محمّدا يقول: أمّتي أمّتي، فيقول الله سبحانه إلى الملائكة: ألا ترون الناس يقولون: ربّ نفسي نفسي وأنّ محمّد يقول: أمّتي أمّتي؟» [١٤٥] «١» .\nوقال عبد الله بن مسعود ومقاتل في هذه الآية: تقاد جهنّم بسبعين ألف زمان كلّ زمام بيد سبعين ألف ملك، لها تغيّظ وزفير حتّى تنصب على يسار العرش.\nيَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرى يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ في حياتي لِحَياتِي في الآخرة فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ قرأ العامّة بكسر الذال والثاء على معنى لا يعذّب أحد في الدنيا كعذاب الله يومئذ.\nقال الفراء وقيل: إنّه رجل مسمّى بعينه وهو أميّة بن خلف الجمحي: يعني لا يعذّب كعذاب هذا الكافر أحد ولا يوثق كوثاقه أحد، واختار أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة لما\nأخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسين بن أيّوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم وعناد بن عباد عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عمّن أقرأه النبيّ- صلّى الله عليه- فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثَقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ يعني بنصب الذال والثاء.\nويروى أنّ أبا عمرو رجع في آخر عمره إلى قراءة النبيّ ﷺ.\nمعنى الآية لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، وهو الإشارة في السلاسل والأغلال.\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال:\nحدّثنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا شعبة عن خالد الحذّاء عن أبي قلابة عمّن سمع النبيّ- صلّى الله عليه- يقرأ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ يعني يفعل به.\nيا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إلى ما وعد الله المصدّقة بما قال.\nمجاهد: المنيبة المخبتة التي قد أيقنت أنّ الله سبحانه ربّنا، وضربت لأمره جأشا.\nالمسيّيب: سمعت الكلبي وأبا روق يقولان: هي التي يبيّض الله وجهها ويعطيها كتابها بيمينها فعند ذلك تطمئن. الحسن: المؤمنة الموقنة. عطية: الراضية بقضاء الله. حيّان عن\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٥٦.","vol":"10","page":202},{"text":"الكلبي: الآمنة من عذاب الله تعالى «١» .\nأخبرني عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا خلّاد بن أسلم قال: أخبرنا النضر عن هارون القارئ قال: حدّثني هلال عن أبي شيخ الهنائي قال: في قراءة أبي يا أيّتها النفس الآمنة المطمئنة.\nوأخبرني أبو محمّد الحسين بن أحمد الشعبي قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا محمد بن إسحاق السراج قال: حدّثنا سوار بن عبد الله قال: حدّثنا المعمر بن سليمان عن إبراهيم بن إسماعيل عن ابن أبي نجاح عن مجاهد يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ قال: الراضية بقضاء الله التي قد علمت أنّ ما أصابها لم يكن ليخطئها وأنّ ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وقال ابن كيسان:\nالمخلصة. ابن عطاء: هي العارفة بالله سبحانه التي لا تصبر عنه طرفة عين، وقيل: المطمئنة بذكر الله. بيانه: وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ، وقيل: هي المتوكّلة على الله تعالى الواثقة بما ضمن لها من الرزق «٢» .\nارْجِعِي إِلى رَبِّكِ اختلف العلماء في تأويل هذه الآية، ووقت هذه المقالة فقال قوم:\nيقال ذلك لها عند الموت: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ وهو الله ﷿.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا محمّد ابن سهل العسكري قال: حدّثنا العطاردي قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا قيس بن الربيع عن إسماعيل عن أبي صالح في قوله سبحانه: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً قال: هذا عند خروجها من الدنيا، فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفراتي قال: حدّثنا أحمد بن خالد قال: حدّثنا روح بن عبادة قال: حدّثنا زهير بن محمد قال: حدّثنا زيد ابن أسلم عن عبد الرحمن بن السليماني عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إذا توفّي العبد المؤمن أرسل الله سبحانه ملكين وأرسل إليه تحفة من الجنّة فيقال لها: اخرجي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، اخرجي إلى روح وريحان وربّ عنك راض، فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في نفسه قط، والملائكة على أرجاء السماء.\nفيقولون: قد جاء من الأرض روح طيّبة ونسمة طيّبة، فلا يمرّ بباب إلّا فتح له ولا ملك إلّا صلّى عليه، حتّى يؤتي به الرحمن، ثمّ تسجد الملائكة ثمّ يقولون: ربّنا هذا عبدك فلأن توفيته كان يعبدك لا يشرك بك شيئا فيقول: مروه فليسجد، وتسجد النسمة، ثمّ يدعى ميكائيل فيقول:\nاذهب بهذه فاجعلها مع أنفس المؤمنين حتّى أسألك عنها يوم القيامة، ثمّ يؤمر فيوسع عليه قبره\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٢٣٨. [.....]\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٢٠/ ٥٧.","vol":"10","page":203},{"text":"سبعون ذراعا عرضه وسبعون ذراعا طوله وينبت له فيه الريحان. إن كان معه شيء من القرآن كفاه نوره، وإن لم يكن معه جعل له مثل الشمس في قبره، ويكون مثله كمثل العروس، ينام فلا يوقظه إلّا أحبّ أهله إليه، فيقوم من نومته كأنّه لم يشبع منها، وإذا توفّي الكافر أرسل الله ﷾ ملكين وأرسل قطعة من سجّاد أنتن وأخشن من كلّ خشن، فيقال: أيّها النفس الخبيثة اخرجي إلى حميم وعذاب أليم وربّ عليك غضبان.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا المسوحي قال: حدّثنا عمرو بن العلاء الحنفي قال: حدّثنا ابن يمان عن أشعث عن جعفر عن سعيد قال: قرأ رجل عند النبيّ ﷺ يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ قال أبو بكر: ما أحسن هذا! فقال النبيّ ﷺ: «أمّا أنّ الملك سيقولها لك [عند الموت]» [١٤٦] «١» .\nحدّثنا أحمد بن محمد بن يعقوب القصري بها قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل ببغداد قال: حدّثنا الحسن بن عرفة قال: أخبرني مروان بن شجاع الجزري، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا محمد بن علي بن سالم قال: حدّثنا أحمد بن منبع قال: حدّثنا مروان عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال: مات ابن عبّاس بالطائف فجاء طائر لم ير على خلقه، فدخل نعشه ثمّ لم ير خارجا منه فلمّا دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا يرى من تلاها: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي وقال آخرون: انّما يقال ذلك لها عند البعث: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ، أي صاحبك وجسدك فيأمر الله سبحانه الأرواح أن ترجع إلى الأجساد، وإلى هذا القول ذهب عكرمة وعطاء والضحّاك وهي رواية العوفي عن ابن عبّاس.\nودليل هذا التأويل ما أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسين بن أيّوب قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا حجّاج عن هارون عن أبان بن أبي عيّاش عن سليمان بن قته عن ابن عبّاس أنّه قراها فادخلي في عبدي على التوحيد.\nوقال الحسن: معناه ارْجِعِي إِلى ثواب رَبِّكِ وكرامته. ابن كيسان: ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ أي أمثالك من عباد ربّك الصالحين.\nوقال بعض أهل الإشارة يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ إلى الدنيا ارْجِعِي إلى الله بتركها والرجوع إلى الله هو سلوك سبيل الآخرة. راضِيَةً عن الله بما أعدّ لها مَرْضِيَّةً رضي عنها ربّها. فَادْخُلِي فِي عِبادِي قال بعضهم: يعني مع عبادي جنّتي في معنى الآية تقديم وتأخير، وإليه ذهب مقاتل والقرظي وأبو عبيدة. وَادْخُلِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ يعني مع أنبيائنا في الجنّة، وقال الأخفش: أي في حزبي، وقال أمر الأرواح بعودها إلى أجسادها والله\n_________\n(١) كنز العمال: ١٢/ ٤٨٥ ح ٣٥٥٩١ وما بين معكوفين منه.","vol":"10","page":204},{"text":"أعلم.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا موسى بن محمد قال: حدّثنا ابن علوية قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا المسيّب قال: حدّثنا إبراهيم عن صالح بن حيان عن ابن بريدة في هذه الآية يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ قال: نفس حمزة بن عبد المطّلب نزلت فيه يوم استشهد يوم أحد، بل نزلت نفسه عند ربّ العالمين، مكرمة مشرفة على من عنده حتّى يردها الله سبحانه إلى حمزة في دعة، وسكون وكرامة.\nوقد نزلت في حبيب بن عدي الذي صلبه أهل مكّة وجعلوا وجهه إلى المدينة، فقال:\nاللهمّ إن كان لي عندك خير فحوّل وجهي نحو قبلتك. فحوّل الله سبحانه وجهه نحو القبلة من غير أن يحوّله أحد، فلم يستطيع أحد أن يحوّله وحكمها عام لجميع المؤمنين المطمئنين.","vol":"10","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-878>سورة البلد</span>\nمكية، وهي ثلاثمائة وعشرون حرفا، واثنتان وثمانون كلمة، وعشرون آية.\nأخبرنا نافل بن ارضم بن عبد الجبّار قال: أخبرنا عبد الله بن أحمد بن محمد الصفّار قال:\nحدّثنا عمرو بن محمد قال: حدّثنا سباط بن اليسع قال: حدّثنا يحيى بن عبد الله السلمي قال:\nحدّثنا أبو عصمة نوح بن أبي مريم عن عليّ بن زيد عن زرّ عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ أعطاه الله الأمن من غضبه يوم القيامة» [١٤٧] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ (٢) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ (٤)\nأَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (٥) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَدًا (٦) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (٧) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)\nوَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ (١٠)\nلا أُقْسِمُ يعني أقسم بِهذَا الْبَلَدِ يعني مكّة وَأَنْتَ يا محمّد حِلٌّ حلال بِهذَا الْبَلَدِ تصنع ما تريد من القتل والأسر، وذلك\nأنّ الله سبحانه أحلّ لنبيّه ﷺ مكّة يوم الفتح حتّى قاتل وقتل، وأحلّ ما شاء وحرم ما شاء، وقتل ابن خطل وهو متعلّق بأستار الكعبة، ومقيّس بن صبابة وغيرهما ثمّ قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن» «٢» فأحلّ دم ابن خطل وأصحابه وحرّم دار أبي سفيان، ثمّ قال ﷺ: «إنّ الله حرّم مكّة يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، فهي حرام إلى أن تقوم الساعة، لم تحلّ لأحد قبلي ولا يحلّ لأحد بعدي ولم يحلّ لي إلّا ساعة من نهار، فلا يعضد شجرها ولا نختلي خلالها ولا نفر صيدها ولا يحلّ لقطتها إلّا المنشد» .\nفقال العبّاس: يا رسول الله إلّا الإذخر فإنّه لقيوننا وقتورنا وبيوتنا، فقال رسول الله ﷺ «إلّا الإذخر» [١٤٨] «٣» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٥٧.\n(٢) مسند أحمد: ٢/ ٥٣٨.\n(٣) مسند أحمد: ١/ ٢٥٣ بتفاوت.","vol":"10","page":206},{"text":"وقال شرحبيل بن سعد: معنى قوله: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ قال: يحرّمون أن تقتلوا بها صيدا أو يعضدوا بها شجرة، ويستحلّون إخراجك وقتلك. وَوالِدٍ وَما وَلَدَ قال عكرمة وسعيد ابن جبير: (الوالد) الذي يولد له (وَما وَلَدَ) العاقر الذي لا يولد له، وروياه عن ابن عبّاس وعلي، هذا القول تكون ما بقيا، وهو يعبد «١» ولا تصحّ إلّا بإضمار. عطية عنه: الوالد وولده.\nمجاهد وقتادة والضحّاك وأبو صالح: وَوالِدٍ آدم وَما وَلَدَ ولده.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا برهان بن علي قال: حدّثنا عبد الله بن الوليد العكبري قال: حدّثنا محمد بن موسى الحرشي قال: حدّثنا جعفر بن سلميان قال: سمعت أبا عمران الخولي قرأ وَوالِدٍ وَما وَلَدَ قال إبراهيم وما ولد. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ أي نصّب.\nعن الوالبي عن ابن عبّاس الحسن: يكابد مصايب الدنيا وشدائد الآخرة. قتادة: في مشقّة فلا يلقاه إلّا يكابد أمر الدنيا والآخرة. سعيد بن جبير: في شدّة، وعن الحسن أيضا: يكابد الشكر على السراء، والصبر على الضرّاء فلا يخلو منهما. عطية عن ابن عبّاس: في شدّة خلق حمله وولادته ورضاعه وفصاله ومعاشه وحياته وموته. عمرو بن دينار عنه: نبات أسنانه. يمان: لم يخلق الله خلقا يكابد ما يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف الخلق، وعن سعيد بن جبير أيضا في ضيق معيشته. ابن كيسان: المكابدة مقاساة الأمر وركوب معظمه، وأصله الشدّة وهو من الكبد. قال لبيد:\nعين هلا بكيت اربد ... إذ قمنا وقام الخصوم في كبد «٢»\nوقال مجاهد وإبراهيم وعكرمة وعبد الله بن شدّاد وعطية والضحّاك: يعني منتصبا قائما معتدل القامة، وهي رواية مقسم عن ابن عبّاس قال: خلق كلّ شيء يمشي على الأرض على أربعة إلّا الإنسان، فإنّه خلق منتصبا قائما على رجلين. مقاتل: في قوّة نزلت في ابن الاسدين واسمه أسيد بن كلده بن أسيد بن خلف، وكان شديدا قويّا يضع الأدم العكاظي تحت قدميه، فيقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فلا يطاق أن تنزع من تحت قدميه إلّا قطعا ويبقى موضع قدمه، ويقال: هو شدّة الأمر والنهي والثواب والعقاب، وقال ابن زيد: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ يعني آدم في كبد أي وسط السماء وذلك حين رفع إلى الجنّة. أبو بكر الوراق: يعني لا يدرك هواه ولا يبلغ مناه. خصيف في معناه ومقاساة وانتقال أحوال نطفة ثمّ علقة إلى آخر تمام الخلق. ابن كيسان: منتصبا رأسه فإذا أذن الله سبحانه في إخراجه انقلب رأسه إلى رجلي أمّه، وقيل: جريء القلب غليظ الكبد مع ضعف خلقته ومهانة مادّته.\nجعفر: أي في بلاء ومحنة.\nابن عطاء: في ظلمة وجهل.\n_________\n(١) كذا في المخطوط.\n(٢) لسان العرب: ٣/ ٣٧٦.","vol":"10","page":207},{"text":"محمد بن علي الترمذي: مضيّعا لما يعنيه مشتغلا بما لا يعنيه.\nأَيَحْسَبُ يعني بالأشدين من قوّته. أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يعني الله ﷾، وقيل: هو الوليد بن المغيرة. أخبرني أبو الضحى عن ابن عبّاس. يَقُولُ أَهْلَكْتُ أنفقت مالًا لُبَدًا بعضه على بعض، وهو من التلبّد في عداوة محمّد.\nوقال مقاتل: نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، وذلك أنّه أذنب ذنبا فاستفتى رسول الله ﷺ فأمره أن يكفّر وقال: لقد ذهب مالي في الكفّارات والنفقات منذ دخلت في دين محمّد.\nواختلف القرّاء في قوله لُبَدًا فقرأ أبو جعفر بتشديد الباء على جمع لابد وراكع، وقرأ مجاهد بضمّ اللام والباء مخفّفا كقولك: أمر بكر ورجل جنب، وقرأ الباقون بضمّ اللام وفتح الباء مخفّفين، ولها وجهان: أحدهما جمع لبدة، والثاني على الواحد، مثل قثم وحطم وليس بمعدول.\nأَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ يعني الله سبحانه وقيل: محمّد (﵇) فيعلم مقدار نفقته، وكان كاذبا لم ينفق جميع ما قال، وقال سعيد بن جبير وقتادة: أيظنّ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ فيسأله عن هذا المال من أين اكتسبه وأين أنفقه؟\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثني الهيثم بن خلف الدوري قال: حدّثني محمد بن يزيد بن سليمان مولى بني هاشم قال: حدّثنا حسين بن الحسين يعني الأشقر قال: حدّثنا هشام بن شبر عن أبي هاشم عن مخالد عن ابن عبّاس قال:\nقال رسول الله ﷺ: «لا تزول قدما العبد يوم القيامة حتّى يسئل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه وعن حبّنا أهل البيت» [١٤٩] «١» .\nقال ابن خرجة: ما سمعت هذا الحديث إلّا من الهيثم.\nوأخبرنا الحسين قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن هارون بن محمد قال: حدّثنا موسى بن هارون بن عبد الله قال: حدّثنا أبو الربيع الزهراني قال: حدّثنا نعيم بن ميسرة، قال: أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: أخبرني رجل من بني عامر عن أبيه قال: صلّيت خلف النبيّ صلّى الله عليه فسمعته يقول: أَيَحْسِبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أَيَحْسِبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ يعني بكسر السين.\nأَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسانًا وَشَفَتَيْنِ قال قتادة: نعم والله متظاهرة لقهرك بها كتما لشكر.\n_________\n(١) كنز العمال: ١٤/ ٣٧٩ ح ٣٩٠١٢، ح ٣٩٠١٣.","vol":"10","page":208},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا عمر بن يحيى قال: حدّثنا جيغويه قال: حدّثنا صالح بن محمد قال: حدّثنا عبد الحميد المدني عن أبي حازم قال: قال رسول الله ﷺ: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرّمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق» [١٥٠] «١» .\nوَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ قال أكثر المفسّرين: يعني بيّنا له طريق الخير والشرّ والحقّ والباطل والهدى والضلالة كقوله: إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا «٢» .\nودليل هذا التأويل ما\nأخبرني عبد الله بن حامد- إجازة- قال: أخبرني أحمد بن يحيى قال: حدّثنا محمّد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن قرّة بن خالد عن الحسن قال: قال رسول الله صلّى الله عليه: «إنّما هما نجدان نجد الخير ونجد الشرّ، فما يجعل نجد الشرّ أحبّ إليكم من نجد الخير» [١٥١] «٣» .\nوأخبرنا محمّد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: حدّثنا أبي عن عمرو بن أبي بكر القرشي عن محمّد بن كعب عن ابن عبّاس في قوله سبحانه: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ قال: الثديين، وإليه ذهب سعيد بن المسيب والضحّاك، والنجد الطريق في ارتفاع. قال الشاعر:\nغداة غدوا فسألك بطن نخلة ... وآخر منهم جازع نجد كبكب «٤»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>[سورة البلد (٩٠): الآيات ١١ الى ٢٠]</span>\nفَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ (١٥)\nأَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)\nفَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ يعني فلم يجاوز بهذا الإنسان العقبة فيأمر. قال الفراء أفرد قوله:\nفَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ بذكر لا مرّة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي، وفي مثل هذا الموضع حتّى يعيدوها عليه في كلام آخر، كما قال: فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى «٥»\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٦٥، وفي كنز العمال بتفاوت: ١٥/ ٨٥٦ ح ٤٣٤٠٧.\n(٢) سورة الإنسان: ٣.\n(٣) مجمع الزوائد: ١٠/ ٢٥٦.\n(٤) الصحاح: ٢/ ٥٤٢.\n(٥) سورة القيامة: ٣١.","vol":"10","page":209},{"text":"وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ «١»، وانّما فعل ذلك كذلك في هذا الموضع استغناء بدلالة آخر الكلام على معناه من إعادتها مرّة واحدة، وذلك أنّه فسّر اقتحام العقبة بأشياء فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ الآية، فكأنه قال في أوّل الكلام فلا فعل ذا ولا ذا ولا ذا.\nوقال بعضهم: معنى الكلام الاستفهام، تقديره أفلا اقتحم العقبة، وإليه ذهب ابن زيد وجماعة من المفسّرين، يقول: فهلّا أنفق ماله في فك الرقاب وإطعام السغبان ليتجاوز بها العقبة ويكون خيرا له من إنفاقه على عداوة محمّد، ويقال: إنّه شبّه عظم الذنب وثقلها على مرتكبها بعقبة، فإذا أعتق رقبة وعمل صالحا كان مثله مثل من اقتحم تلك العقبة، وهي الذنوب حتّى تذهب وتذوب، كمن يقتحم عقبة فيستوي عليها ونحوها.\nوذكر عن ابن عمران: أنّ هذه العقبة جبل في جهنّم، وقال كعب: هي سبعون دركة في جهنّم، وقال الحسن وقتادة: هي عقبة شديدة في النار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله سبحانه، وقال مجاهد والضحّاك والكلبي: هي الصراط يضرب على جهنّم كحدّ السيف مسيرة ثلاثة آلاف سهلا وصعودا وهبوطا، وأنّ لجنبتيه كلاليب وخطاطيف كأنّها شوك السعدان، فناج مسلم وناج مخدوس ومكردس في النار منكوس، فمن الناس من يمرّ عليه كالبرق الخاطف، ومنهم من يمرّ عليه كالريح العاصف، ومنهم من يمرّ عليه كالفارس، ومنهم من يمرّ عليه كالرجل يسير، ومنهم من يزحف زحفا، ومنهم الزالّون والزالّات، ومنهم من يكردس في النار، واقتحامه على المؤمن كما بين صلاة العصر إلى العشاء.\nوقال قتادة: هذا مثل ضربه الله سبحانه يقول: إنّ المعتق والمطعم تقاحم نفسه وشيطانه مثل من يتكلّف صعود العقبة، وقال ابن زيد يقول: فهلّا سلك الطريق التي فيها النجاة والخير ثمّ بيّن ما هي فقال:\nوَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ قال سفيان بن عينية: كلّ شيء قال: وَما أَدْراكَ فإنّه أخبره به، وما قال: (وما يدريك) فإنّه لم يخبر به.\nفَكُّ رَقَبَةٍ فمن أعتق رقبة كان فداه من النار، قرأ أبو رجاء والحسن وابن كثير وأبو عمرو والكسائي بنصب الكاف والميم على الفعل كقوله: ثُمَّ كانَ، وقرأ غيرهم بالإضافة على الاسم واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم لأنّه تفسير لقوله (وَما أَدْراكَ)، ثم أخبر ما هي فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ. أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ مجاعة.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن أبي سمرة قال: حدّثنا محمّد بن عبد الله المستعيني قال: حدّثنا علي بن الحسين البصري قال: حدّثنا حجّاج قال: حدّثنا جرير بن حازم\n_________\n(١) سورة البقرة: ٣٨. [.....]","vol":"10","page":210},{"text":"قال: سمعت الحسن وأبا رجاء يقرآن: فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذا مَتْرَبَةٍ قد لصق بالتراب من الفقر فليس له مأوى إلّا التراب.\nوسمعت أبا القاسم الحلبي يقول: سمعت أبا حامد الخازرجي يقول: المتربة هاهنا من التربة وهي شدّة الحال، وأنشد الهذلي:\nوكنّا إذا ما الضيف حلّ بأرضنا ... سفكنا دماء البدن في تربة المال «١»\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي قال: حدّثنا موسى بن إسحاق الأنصاري قال: حدّثنا عبد الحميد بن صالح قال: حدّثنا عيسى بن عبد الرحمن عن طلحة بن مصرف عن عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله علّمني عملا يدخلني الجنّة فقال: «لئن أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة أعتق النسمة وفكّ الرقبة»، قال: أوليسا واحدا!؟\nقال: «لا، عتق النسمة أن تفرد بعتقها، وفكّ الرقبة أن تعين في ثمنها، والمنحة الوكوف والفيء على ذي الرحم الظالم، فإن لم تطق ذاك فاطعم الجائع واسق الظمآن، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، فإن لم تطق ذاك فكفّ لسانك إلّا من خير» [١٥٢] «٢» .\nثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا قيل: ثمّ بمعنى الواو وَتَواصَوْا أوصى بعضهم بعضا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ برحمة الناس. أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ قرأ أبو عمرو وعيسى وحمزة ويعقوب بالهمزة هاهنا، وفي سورة الهمزة وغيرهم بلا همزة، وهما لغتان. المطبقة، قال الفراء وأبو عبيدة يقال: أصدت وأوصدت إذا أطبقت وقيل: معنى الهمزة المطبقة وغير الهمزة المغلقة، ومنه قيل للباب: وصيد.\n_________\n(١) لسان العرب: ١١/ ١٩١.\n(٢) كنز العمال: ٦/ ٤٣٧ ح ١٦٤٢٩.","vol":"10","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-881>سورة الشمس</span>\nمكية، وهي مائتان وسبعة وأربعون حرفا وأربع وخمسون كلمة وخمس عشرة آية\nأخبرني أبو الحسن محمد بن القاسم الفارسي قال: أخبرنا أبو محمد بن أبي حامد قال:\nحدّثنا أبو جعفر محمد بن الحسن الأصبهاني قال: حدّثنا المؤمل بن إسماعيل قال: حدّثنا سفيان الثوري قال: حدّثنا أسلم المنقري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ايزي عن أبيه عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة وَالشَّمْسِ فكأنّما تصدّق بكلّ شيء طلعت عليه الشمس والقمر» [١٥٣] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١ الى ١٠]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالشَّمْسِ وَضُحاها (١) وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها (٢) وَالنَّهارِ إِذا جَلاَّها (٣) وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها (٤)\nوَالسَّماءِ وَما بَناها (٥) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها (٦) وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (٩)\nوَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠)\nوَالشَّمْسِ وَضُحاها قال مجاهد: ضوؤها. قتادة: هو النهار كلّه. مقاتل: حرّها كقوله سبحانه في طه: وَلا تَضْحى «٢» يعني ولا يؤذيك الحرّ.\nوَالْقَمَرِ إِذا تَلاها تبعها فأخذ من ضوئها وسار خلفها، وذلك في النصف الأوّل من الشهر إذا أغربت الشمس تلاها القمر طالعا.\nوَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها جلّى الشمس وكشفها بإضاءتها، وقال الفراء وجماعة من العلماء:\nيعني والنهار إذا جلى الظلمة، فجازت الكناية عن الظلمة ولم [تذكر في أوله] لأنّ معناها معروف وهو ألا ترى أنّك تقول: أصبحت باردة وأمست عرية وهبّت شمالا فكنّي عن مؤنثات لم يجر لهن ذكر لأنّ معناهنّ معروف.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٦٧.\n(٢) سورة طه: ١١٩.","vol":"10","page":212},{"text":"وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها أي يخشى الشمس حتّى تغيب فتظلم الآفاق «١» .\nوَالسَّماءِ وَما بَناها أي ومن خلقها، وهو الله ﷾، كقوله: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ «٢»، وقيل: هو ما المصدر أي وبنائها كقوله: بِما غَفَرَ لِي رَبِّي «٣» . وَالْأَرْضِ وَما طَحاها خلق ما فيها، عن عطية عن ابن عبّاس والوالبي عنه:\nقسمها. غيره بسطها. وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها عدل خلقها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قال ابن عبّاس برواية الوالبي: يبيّن لها الخير والشرّ.\nوقال العوفي عنه: علّمها الطاعة والمعصية. الكلبي: أعلمها ما يأتي وما ينبغي، وقال ابن زيد وابن الفضل: جعل فيها ذلك يعني بتوفيقه إيّاها للتقوى وخذلانه إيّاها للفجور.\nأخبرني الحسن قال: حدّثنا موسى قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن سنان قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا عزرة بن ثابت الأنصاري قال: حدّثنا يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدؤلي قال ب قال لي عمران بن حصين: أرأيت ما يعمل فيه الناس ويتكادحون فيه؟ أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون ممّا آتاهم به نبيّهم- صلّى الله عليه- وأكّدت عليهم الحجّة؟ قلت: كلّ شيء قد قضى عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلما؟ قال: ففزعت منه فزعا شديدا وقلت: إنّه ليس شيء إلّا وهو خلقه وملك يده لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ «٤» . فقال لي: سدّدك الله، أرأيت ما يعمل الناس فيه ويتكادحون فيه؟ أشيء قضى عليهم من قدر سبق أو فيما يستقبلون ممّا آتاهم به نبيّهم ﷺ وأكّدت به عليهم الحجّة؟\nفقال: في شيء قد قضى عليهم. قال: فقلت فيتمّ العمل إذا قال من كان الله سبحانه خلقه لإحدى المنزلتين يهيئه الله لها وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها.\nقَدْ أَفْلَحَ سعد وفاز، وهاهنا موضع القسم. مَنْ زَكَّاها أي أفلحت نفس زكّاها الله أي أصلحها وطهّرها من الذنوب ووفّقها للتقوى، وَقَدْ خابَ خسرت نفس مَنْ دَسَّاها دسسها الله فأهملها وخذلها ووضع منها وأخفى محلّها حين عمل بالفجور وركب المعاصي، والعرب تفعل هذا كثير فيبدّل في الحرف المشدّد بعض حروفه ياء أو واو كالتقضي والتظنّي وبابهما.\n_________\n(١) راجع لسان العرب: ١٤/ ١٥٣ لفظة أجلى.\n(٢) سورة النساء: ٣.\n(٣) سورة يس: ٢٧.\n(٤) سورة الأنبياء: ٢٣.","vol":"10","page":213},{"text":"أخبرنا أبو بكر بن عيلوس قال: أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن خصيف عن سعيد بن جبير ومجاهد:\nقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها قال: أحدها أصلحها، وقال الآخر: طهّرها.\nوَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قال أحدهما: أغواها، وقال الآخر: أضلّها، وقال قتادة: دسّها آثمها وأفجرها، وقال ابن عبّاس: أبطلها وأهلكها، وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أبو محمد المزني قال: حدّثنا الحضرمي قال: حدّثنا عثمان قال: حدّثنا أبو الأحوص عن محمد بن السائب عن أبي صالح: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قد أفلحت نفس زكّاها الله، وخابت نفس أفسدها الله ﷿.\nوقال الحسن: معناه قد أفلح من زكّى نفسه فأصلحها وحملها على طاعة الله ﷿، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها قال: من أهلكها وأضلّها وحملها على معصية الله ﷿، فجعل الفعل للنفس.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا اليقطيني قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله بن يزيد العقيلي قال:\nحدّثنا صفوان بن صالح قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال أنّ رسول الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وقف ثمّ قال: «اللهمّ آت نفسي تقواها أنت وليّها ومولاها وزكّها أنت خير من زكّاها» [١٥٤] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>[سورة الشمس (٩١): الآيات ١١ الى ١٥]</span>\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (١٢) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (١٤) وَلا يَخافُ عُقْباها (١٥)\nكَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها بطغيانها وعداوتها.\nوروى عطاء الخراساني عن ابن عبّاس قال: اسم العذاب الذي جاءهم الطغوى، فقال:\nكذّبت ثمود بعذابها «٢» .\nوقرأه العامّة بفتح الطاء، وقرأ الحسن وحمّاد بن سلمة بِطُغْواها بضمّ الطاء، وهي لغة كالفتوى والفتوى والفتيا إِذِ انْبَعَثَ قام أَشْقاها وهو قدار بن سالف عاقر الناقة وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا ملتزق الخلق واسم أمّه قديرة.\nأخبرنا محمد بن حمدون قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا عبد الرحمن قال: حدّثنا سفيان قال: حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن زمعة قال: ذكر رسول الله ﷺ عاقر الناقة\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ٢٠٩.\n(٢) تفسير الطبري: ٣٠/ ٢٦٨.","vol":"10","page":214},{"text":"وقال: «انتدب لها رجل ذو عزّ ومنعة في قومه كأبي زمعة» وذكر الحديث [١٥٥] «١» .\nفَقالَ [لَهُمْ] رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ إغراء وتحذير، أي احذروا عقر ناقة الله، كقولك:\nالأسد الأسد.\nوَسُقْياها شربها وسقيها من الماء، فلا تزاحموها فيه، كما قال الله سبحانه: لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ.\nفَكَذَّبُوهُ يعني صالحا (﵇)، فَعَقَرُوها يعني الناقة فَدَمْدَمَ دمّر عَلَيْهِمْ وأهلكهم رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ بتكذيبهم رسوله وعقرهم ناقته.\nفَسَوَّاها فسوّى الدمدمة عليهم جميعا، عمّهم بها، فلم يفلت منهم أحد. وقال المروج:\nالدمدمة: إهلاك باستئصال، وقال بعض أهل اللغة: الدمدمة: الإدامة. تقول العرب: ناقة مدمومة أي سمينة مملوءة، وقرأ عبد الله بن الزبير (فدهدم عليهم) بالهاء، وهما لغتان، كقولك امتقع لونه واهتقع إذا تغير.\nوَلا يَخافُ قرأ أهل الحجاز والشام فلا بالفاء وكذلك هو في مصاحفهم، الباقون بالواو، وهكذا في مصاحفهم عُقْباها عاقبتها.\nواختلف العلماء في معنى ذلك، فقال الحسن: يعني ولا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقال الضحّاك والسدي والكلبي: هو راجع إلى العاقر، وفي الكلام تقديم وتأخير معناه: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها ولا يَخافُ عُقْباها.\n_________\n(١) كنز العمال: ٢/ ٤٧، ومسند الحميدي: ١/ ٢٥٨.","vol":"10","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>سورة والليل</span>\nمكية، وهي ثلاثمائة وعشرة أحرف، وإحدى وسبعون كلمة، وإحدى وعشرون آية\nأخبرني [محمد بن القاسم] بن أحمد قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو عمرو وأبو عثمان البصري قال: حدّثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي قال: حدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامه، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ سورة وَاللَّيْلِ أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه الله سبحانه من العسر ويسّر له اليسر» «١» [١٥٦] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١ الى ١٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى (١) وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى (٢) وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩)\nفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى (١٠) وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى (١٢) وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى (١٣)\nوَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى النهار فيذهب بضوءه وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى يعني ومن خلق.\nأخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسين بن أيوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال:\nأخبرنا أبو عبيد قال: حدّثنا حجاج، عن هارون، عن إسماعيل، عن الحسن: أنه كان يقرأ: وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى، فيقول: والذي خلق، قال هارون قال أبو عمر وأهل مكة: يقول للرعد:\nسبحان ما سبّحت له. وقيل: وخلق الذكر والأنثى، وذكر أنّها في قراءة ابن مسعود وأبي الدرداء: والذكر والأنثى.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: أخبرنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا أبو معونة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمنا الشام، فأتانا أبو الدرداء، فقال:\nأمنكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله؟ قال: فأشاروا إليّ، فقلت: نعم أنا، فقال: فكيف سمعت\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٧٣.","vol":"10","page":216},{"text":"عبد الله يقرأ هذه الآية، وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى؟ قال: قلت: سمعته يقرأها (وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى والذكر والأنثى) .\nقال لنا: والله هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقرؤها وهؤلاء يريدونني أن أقرأ وَما خَلَقَ فلا أتابعهم «١» .\nإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى إنّ عملكم لمختلف [وقال عكرمة وسائر المفسرين: السعي: العمل]، فساع في فكاك نفسه، وساع في عطبها، يدل عليه\nقول النبي ﷺ: «والناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها» [١٥٧] «٢» .\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى ماله في سبيل الله وَاتَّقى ربّه واجتنب محارمه وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى اي بالخلف أيقن بأن الله سبحانه سيخلف هذه، وهذه رواية عكرمة وشهر بن حوشب، عن ابن عباس، يدلّ عليه ما\nأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم، عن محمد بن جرير قال: حدّثني الحسن بن أبي سلمة بن أبي كبشة قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدّثنا عباد بن راشد، عن قتادة قال: حدّثنا خليل العصري، عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من يوم غربت شمسه إلّا وبعث بجنبتها ملكان يناديان، يسمعهما خلق الله تعالى كلهم إلّا الثقلين، اللهم أعط منفقا خلفا وأعط ممسكا تلفا، فأنزل في ذلك القرآن، فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى - الى قوله- لِلْعُسْرى» [١٥٨] «٣» .\nوقال أبو عبد الرحمن السلمي والضحّاك: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى، ب (لا إله إلّا الله) . وهي رواية عطية، عن ابن عباس. وقال مجاهد: بالجنة، ودليله قوله سبحانه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ «٤»، وقال قتادة ومقاتل والكلبي: بموعود الله الذي وعده أن يثيبه.\nفَسَنُيَسِّرُهُ فسنهيّئه في الدنيا، تقول العرب: يسّرت غنم فلان إذا ولدت أو تهيّأت للولادة، قال الشاعر:\nهما سيدانا يزعمان وإنما ... يسوداننا إن يسّرت غنماهما «٥»\nلِلْيُسْرى للخلّة اليسرى، وهي العمل بما يرضاه الله سبحانه، وقيل: نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ﵁.\n_________\n(١) وهو في صحيح مسلم: ٢/ ٢٠٦ ط. دار الفكر، وقال ابن العربي في أحكام القرآن: هذا مما لا يلتفت إليه بشر إنما المعول عليه ما في المصحف فلا تجور مخالفته- عن هامش تفسير القرطبي: ٢٠/ ٨١.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٣٢١، والمستدرك: ٤/ ٤٢٢. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٨٣.\n(٤) سورة يونس: ٢٦.\n(٥) جامع البيان للطبري: ٢٩/ ٧٠.","vol":"10","page":217},{"text":"وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بالنفقة في الخير وَاسْتَغْنى عن ربّه فلم يرغب في ثوابه وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى أي للعمل بما لا يرضى الله حتى يستوجب به النار، فكأنه قال:\nنخذله ونؤذيه إلى الأمرّ العسير، وهو العذاب. وقيل: سندخله جهنم، والعسرى اسم لها.\nفإن قيل: فأي تيسير في العسرى؟ قيل: إذا جمع بين كلامين أحدهما ذكر الخير والآخر ذكر الشر جاز ذلك، كقوله: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا ابن ماهان محمد بن صي قال:\nحدّثنا شعبة، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ كان في جنازة فأخذ عودا فجعل ينكث في الأرض، فقال: «ما منكم من أحد إلّا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار»، فقال رجل: يا رسول الله، أفلا نتّكل؟\nفقال «اعملوا فكلّ ميسّر»، ثم قرأ فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى الآيات «١» .\nوَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى قال مجاهد: مات، وقال قتادة وأبو صالح: هو لحد في جهنم، قال الكلبي: نزلت في أبي سفيان بن حرب.\nإِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى أي بيان الحق من الباطل، وقال الفرّاء: يعني من سلك الهدى فعلى الله سبيله، كقوله سبحانه: وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ، يقول: من أراد الله فهو على السبيل القاصد. وقيل: معناه: إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى والإضلال، كقوله: بِيَدِكَ الْخَيْرُ وسَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ.\nوَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى فمن طلبها من غير مالكهما فقد أخطأ الطريق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>[سورة الليل (٩٢): الآيات ١٤ الى ٢١]</span>\nفَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى (١٤) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)\nوَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى (١٩) إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضى (٢١)\nفَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى تتوقد وتتوهج، وقرأ عبيد بن عمير (تتلظى) على الأصل، وغيره على الحذف لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى قرأ أبو هريرة: ليدخلنّ الجنة إلّا من يأبى، قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى أن يدخل الجنة؟ فقرأ قوله سبحانه: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا برهان بن علي الصوفي قال: حدّثنا أبو خليفة قال: حدّثنا القعنبي قال: حدّثنا مالك قال: صلّى بنا عمر بن عبد العزيز المغرب، فقرأ فيها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى\n_________\n(١) مسند أحمد: ١/ ١٣٢. صحيح البخاري: ٦/ ٨٤.","vol":"10","page":218},{"text":"، فلمّا أتى على هذه الآية فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى وقع عليه البكاء فلم يقدر أن [يتعدّاها] من البكاء، وقرأ سورة أخرى «١» .\nوَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى قال أهل المعاني: أراد الشقي والتقي، كقول طرفة:\nتمنى رجال أن أموت، فإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد «٢»\nأي بواحد.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا أبو حذيفة أحمد بن محمد بن علي قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن محمد بن عبد الله المقري قال: حدّثنا جدّي قال: حدّثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن سالم.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن يوسف قال: حدّثنا ابن عمران قال: حدّثنا أبو عبيد الله المخزومي قال: حدّثنا سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّ أبا بكر ﵁ أعتق من كان يعذّب في الله: بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وبنتها وزنيرة وأم عميس وأمة بني المؤمّل.\nفأما زنيرة فكانت رومية وكانت لبني عبد الدار، فلمّا أسلمت عميت، فقالوا: أعمتها اللات والعزى.\nفقالت: هي تكفر باللات والعزى، فردّ الله إليها بصرها، ومرّ أبو بكر بها وهي تطحن وسيّدتها تقول: والله لا أعتقك حتى يعتقك صباتك، فقال أبو بكر فحلى إذا يا أم فلان فبكم هي إذا؟ قالت: بكذا وكذا أوقية، قال: قد أخذتها، قومي، قالت: حتى أفرغ من طحني.\nوأما بلال فاشتراه، وهو مدفون بالحجارة، فقالوا: لو أبيت إلّا أوقية واحدة لبعناك، فقال أبو بكر: لو أبيتم إلّا مائة أوقية لأخذته، وفيه نزلت يعني أبا بكر، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى إلى آخرها، وأسلم وله أربعون ألفا فأنفقها كلّها، يعني أبا بكر.\nوأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرني أبو سعيد الحسن بن أحمد بن جعفر اليزدي قال:\nأخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي عبد الرحمن المقري قال: حدّثنا سفيان، عن عتبة قال: حدّثني من سمع ابن الزبير على المنبر وهو يقول: كان أبو بكر يبتاع الضعفة فيعتقهم، فقال له أبوه: يا بني لو كنت تبتاع من يمنع ظهرك، قال: [إنما أريد ما أريد] «٣» فنزلت فيه وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى إلى آخر السورة «٤»، وكان اسمه عبد الله بن عثمان.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٨٧ مورد الآية.\n(٢) تاج العروس: ٢/ ٥٢٧، ونسبه إلى الإمام الشافعي. وكذا فعل ابن كثير في تفسيره: ٣/ ١٨٧.\n(٣) عن تفسير القرطبي: ٢٠/ ٨٣ وفي المخطوط تشويش.\n(٤) الآحاد والمثاني: ١/ ٢٠٣، وأسباب النزول للواحدي: ٣٠١ وفيه: ما منع ظهري أريد.","vol":"10","page":219},{"text":"عن عطاء، عن ابن عباس، في هذه الآية أن بلالا لما أسلم ذهب إلى الأصنام فسلح عليها، وكان المشركون وكلوا امراة تحفظ الأصنام، فأخبرتهم المرأة، وكان بلال عبدا لعبد الله ابن جدعان، فشكوا إليه، فوهبه لهم ومائة من الإبل ينحرونها لآلهتهم، فأخذوه وجعلوا يعذبونه في الرمضاء، وهو يقول: أحدا أحد، فمرّ به النبي ﷺ فقال: ينجيك أحد أحد، ثم أخبر رسول الله ﷺ أبا بكر أن بلالا يعذّب في الله، فحمل أبو بكر رطلا من ذهب فابتاعه به «١» .\nوقال سعيد بن المسيب: بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر حين قال له أبو بكر:\nأتبيعه؟ قال: نعم أبيعه بنسطاس، وكان نسطاس عبدا لأبي بكر صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجواري ومواشي، وكان مشركا [وحمله] أبو بكر على الإسلام على أن يكون [له] ماله، فأبى فأبغضه أبو بكر، فلمّا قال له أمية: أتبيعه بغلامك نسطاس؟ اغتنمه أبو بكر وباعه به، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك لبلال إلّا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله سبحانه وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ من أولئك الذين أعتقهم مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى يد نكافئه عليها إِلَّا لكن ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى بثواب الله في العقبى عوضا مما فعل في الدنيا.\nوأخبرنا أبو القاسم يعقوب بن أحمد بن السري العروضي في درب الحاجب قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله العماني الحفيد قال: حدّثنا أحمد بن نصر بن خفيف القلانسي الرقّاء قال: حدّثنا محمد بن جعفر بن سوّار بن سنان في سنة خمس وثمانين ومائتين قال: حدّثنا علي ابن حجر، عن إسحاق بن نجح، عن عطاء قال: كان لرجل من الأنصار نخلة، وكان له جار، فكان يسقط من بلحها في دار جاره، فكان صبيانه يتناولون، فشكا ذلك الى النبي ﷺ، فقال له النبي (﵇) «بعنيها بنخلة في الجنة» [١٥٩]، فأبى قال: فخرج، فلقيه أبو الدحداح، فقال: هل لك أن تبيعها بجبس «٢»؟ يعني حائطا له، فقال: هي لك، قال: فأتى النبي (﵇)، فقال: يا رسول الله اشترها منّي بنخلة في الجنة، قال: نعم، قال: هي لك، فدعا النبي (﵇) جار الأنصاري، فأخذها، فأنزل الله ﷾ وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى إلى قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى أبو الدحداح والأنصاري صاحب النخلة.\nفَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى أبو الدحداح وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى يعني الثواب فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى يعني الجنة.\nوَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى يعني الأنصاري وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى يعني الثواب فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى يعني النار، وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى يعني به إذا مات كما في قوله:\n_________\n(١) أسباب النزول للواحدي: ٣٠١.\n(٢) في تفسير القرطبي: بحسن.","vol":"10","page":220},{"text":"فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى صاحب النخلة وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى يعني أبا الدحداح الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكَّى يعني أبا الدحداح وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى يكافئه بها، يعني أبا الدحداح إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى وَلَسَوْفَ يَرْضى إذا أدخله الجنة. فكان النبي ﷺ يمر بذلك بجبس وعذوقه دانية، فيقول: «عذوق وعذوق لأبي الدحداح في الجنة» «١» .\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي: ٢٠/ ٩٠، مع تفاوت.","vol":"10","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-887>سورة والضحى</span>\nمكية، وهي مائة واثنان وسبعون حرفا، وأربعون كلمة، وإحدى عشرة آية\nأخبرني محمد بن القاسم الفقيه قال: حدّثنا محمد بن يزيد المعدّل قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثنا محمد بن منصور قال: حدّثنا محمد بن عمران بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدّثنا أبي، عن مخالد بن عبد الواحد، عن الحجاج بن عبد الله، عن أبي الخليل، عن علي ابن زيد، وعطاء بن أبي ميمونة، عن زر بن حبيش، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من قرأ سورة وَالضُّحى، كان فيمن يرضاه الله ﷿ لمحمد أن يشفع له، وعشر حسنات يكتبها الله له بعدد كل يتيم» [١٦٠] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالضُّحى (١) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى (٢) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى (٤)\nوَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى (٥) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًاّ فَهَدى (٧) وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى (٨)\nوَالضُّحى\nقال المفسّرون: سألت اليهود رسول الله ﷺ عن ذي القرنين وأصحاب الكهف وعن الروح، فقال: سأخبركم غدا ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي «١» .\nوقال زيد بن أسلم: كان سبب احتباس جبرائيل (﵇) كون جرو في بيته، فلمّا نزل عليه جبرائيل عاتبه رسول الله ﷺ على إبطائه، فقال: يا محمد أما علمت أنّا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة «٢»؟\nواختلفوا في مدة احتباس الوحي عنه، فقال ابن حريج: اثني عشر يوما، وقال ابن عباس:\nخمسة عشر يوما، وقيل: خمسة وعشرين يوما، وقال مقاتل: أربعين يوما. قالوا: فقال\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ١٠/ ٣٨٥ و٢٠/ ٩٣.\n(٢) أسباب النزول: ١٢٧. وتفسير القرطبي: ٢٠/ ٩٣. والدر المنثور: ٢/ ٢٥٩.","vol":"10","page":222},{"text":"المشركون: إنّ محمدا ودّعه ربّه وقلاه، ولو كان أمره من الله لتتابع عليه كما كان يفعل بمن قبله من الأنبياء.\nوقال المسلمون: يا رسول الله أما ينزل عليك الوحي؟ فقال: «وكيف ينزل عليّ الوحي وأنتم لا تنقون براجمكم ولا تقلّمون أظفاركم «١»»، فأنزل الله سبحانه جبرائيل (﵇) بهذه السورة فقال النبي ﷺ: «يا جبرائيل ما جئت حتى اشتقت إليك» [١٦١]، فقال جبرائيل (﵇): وأنا كنت إليك أشدّ شوقا ولكني عبد مأمور وما ننزل إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا الحسن بن علي بن عفان قال: حدّثنا أبو أسامة، عن سفيان، عن الأسود بن قيس، أنه سمع جندب بن سفيان يقول: رمي النبي ﷺ بحجر في إصبعه، فقال:\n«هل أنت إلّا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت» [١٦٢]\nفمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم [الليل]، فقالت له امرأة: يا محمد ما أرى شيطانك إلّا قد تركك، لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث ليال. وقيل: إنّ المرأة التي قالت ذلك أم جميل امرأة أبي لهب، فأنزل الله سبحانه وَالضُّحى. يعني النهار كلّه\n، دليله قوله وَاللَّيْلِ إِذا سَجى فقابله بالليل، نظيره قوله أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى أي نهارا، وقال قتادة ومقاتل: يعني وقت الضحى، وهي الساعة التي فيها ارتفاع الشمس، واعتدال النهار من الحر والبرد في الشتاء والصيف، وقيل: هي الساعة التي كلّم الله فيها موسى، وقيل: هي الساعة التي ألقي السحرة فيها سجّدا، بيانه قوله سبحانه: وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى وقال أهل المعاني فيه وفي أمثاله:\nبإضمار الربّ مجازه: وربّ الضحى.\nوَاللَّيْلِ إِذا سَجى قال الحسن: أقبل بظلامه، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، الوالبي عنه: إذا ذهب الضحّاك: غطّى كلّ شيء، مجاهد وقتادة وابن زيد: سكن بالخلق واستقر ظلامه، يقال: ليل ساج، وبحر ساج إذا كان ساكنا، قال الراجز:\nيا حبذا القمراء والليل الساج ... وطرق مثل ملاء النسّاج «٢»\nوقال أعشى بني ثعلبة:\nفما ذنبنا إن جاش بحر ابن عمّكم ... وبحرك ساج ما يواري الدّعا مصا «٣»\n_________\n(١) المعجم الكبير للطبراني: ١١/ ٣٤١ وفيه: ولا تنقون رواجبكم. وتفسير ابن كثير: ٣/ ١٣٧. [.....]\n(٢) زاد المسير: ٨/ ٢٦٨. كتاب العين: ٦/ ١٦١. لسان العرب: ٥/ ١١٣.\n(٣) لسان العرب: ٧/ ٣٦. تاج العروس: ١٠/ ١٧٠.","vol":"10","page":223},{"text":"ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى أي ما تركك منذ اختارك، ولا أبغضك منذ أحبّك، وهذا جواب القسم.\nوَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ من الثواب، وقيل: من النصر والتمكن وكثرة المؤمنين فَتَرْضى.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابو عبد الله محمد بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا عمر بن بحر قال: حدّثنا عبد بن حميد، عن قتيبة، عن سفيان، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبد الله، عن علي بن عبد الله بن عباس [عن أبيه] قال: قال رسول الله ﷺ «رأيت ما هو مفتوح على أمتي من بعدي كفرا كفرا» [١٦٣] فسرّني ذلك، فنزلت وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال: أعطي في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابها المسك، في كل قصر ما ينبغي له «١» .\nوأخبرني عقيل أن أبا الفرج، أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني عبّاد بن يعقوب قال:\nحدّثنا الحكم بن ظهر، عن السدي، عن ابن عباس: في قوله وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى قال: رضا محمد ان لا يدخل أحد من أهل بيته النار، وقيل: هي الشفاعة في جميع المؤمنين.\nأخبرنيه أبو عبد الله القنجوي قال: حدّثنا أبو علي المقري قال: حدّثنا محمد بن عمران بن أسد الموصلي قال: حدّثنا محمد بن أحمد المدادي قال: حدّثنا عمرو بن عاصم قال: حدّثنا حرب بن سريح البزاز قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن علي قال: حدّثني عمي محمد بن علي بن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ «أشفع لأمتي حتى ينادي ربي ﷿: رضيت يا محمد، فأقول: ربّ رضيت» ثم قال لي: إنّكم معشر أهل العراق تقولون: إن أرجى آية في القرآن يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ قلت: انا لنقول ذلك، قال: ولكنّا أهل البيت نقول: إنّ أرجى آية في كتاب الله تعالى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى وهي الشفاعة [١٦٤] «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدّثنا أبو عامر بن سعدان قال: حدّثنا أحمد بن صالح المصري، قال: حدّثنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدّثه عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ تلا قول الله سبحانه في إبراهيم: فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وقول عيسى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فرفع يديه ثم قال:\n«اللهمّ أمّتي أمّتي» وبكى.\n_________\n(١) المعجم الكبير: ١٠/ ٢٧٧. جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٢٩٢.\n(٢) شواهد التنزيل: ٢/ ٤٤٦.","vol":"10","page":224},{"text":"فقال الله سبحانه: يا جبرائيل اذهب إلى محمد- وربّك أعلم- فاسأله ما يبكيك؟ فأتاه جبرائيل، فسأله فأخبره رسول الله ﷺ فقال الله سبحانه: يا جبرائيل اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك «١» .\nويروي أن النبي ﷺ قال لمّا نزلت هذه الآية: «إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار» [١٦٥] «٢» .\nوقال جعفر بن محمد: دخل رسول الله ﷺ على فاطمة ﵂ وعليها كساء من جلد الإبل، وهي تطحن بيدها، وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله ﷺ لمّا أبصرها، فقال: «يا بنتاه تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل الله عليّ: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى [١٦٦] «٣» .\nثم أخبر الله سبحانه، عن حاله (﵇) التي كان عليها قبل الوحي، وذكّره نعمه، فقال عزّ من قائل: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى.\nأنبأني عبد الله بن حامد الأصبهاني قال: أخبرنا محمد بن عبد الله النيسابوري قال: حدّثنا محمد بن عيسى، قال: حدّثنا أبو عمر الحوصي، وأبو الربيع الزهراني، عن حمّاد بن زيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت: يا ربّ إنك آتيت سليمان بن داود ملكا عظيما، وآتيت فلانا كذا، وآتيت فلانا كذا، قال: يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: بلى أي رب، قال:\nألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى أي رب» [١٦٧] «٤» .\nومعنى الآية: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا صغيرا فقيرا ضعيفا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالا، ولا مأوى، فجعل لك مأوى تأوي إليه، ومنزلا تنزله، وضمّك إلى عمّك أبي طالب حتى أحسن تربيتك، وكفاك المؤونة.\nسمعت الأستاذ أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصفهاني يقول: سمعت أبا القاسم الاسكندراني يقول: سمعت أبا جعفر الملطي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن موسى الرضا يقول: سمعت أبي يقول: سئل جعفر بن محمد الصادق:\nلم أوتم النبي ﷺ عن أبويه؟ فقال: لئلّا يكون عليه حق لمخلوق «٥» .\n_________\n(١) صحيح مسلم: ١/ ١٣٢. جامع البيان للطبري: ١٣/ ٣٠٠.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٩٦.\n(٣) شواهد التنزيل: ٢/ ٤٤٥. فتح القدير: ٥/ ٤٦٠.\n(٤) أسباب نزول الآيات: ٣٠٣. مستدرك الحاكم: ٢/ ٥٢٦.\n(٥) مسند زيد بن علي: ٥٠٣. كشف الغمّة: ٢/ ٣١٨.","vol":"10","page":225},{"text":"وسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد بن عبد الله العنبري يحكي بإسناد له لا أحفظه، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه أنه قال في قوله تعالى: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى: هو من أقوال العرب: درة يتيمة إذا لم يكن لها مثل وقد جاء في الشعر:\nلا ولا درّة يتيمة بحر ... تتلالأ في جونة البياع\nفمجاز الآية: أَلَمْ يَجِدْكَ واحدا في شرفك، وفضلك، لا نظير لك، فآواك إليه.\nوقرأ أشهب العقيلي فأوى بالقصر: أي رحمك. تقول العرب: آويت لفلان أية ومأواة أي رحمته.\nوَوَجَدَكَ ضَالًّا عما أنت عليه اليوم، فهداك إلى الذي أنت عليه اليوم.\nقال السدي: كان على أمر قومه أربعين عاما، وقال الكلبي: وجدك في قوم ضلال فهداك إلى التوحيد، والنبوة، وقيل: فهداهم بك، وقال الحسن والضحّاك وشهر بن حوشب وابن كيسان: وَوَجَدَكَ ضَالًّا عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك إليها، نظيره ودليله قوله سبحانه وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ وقوله تعالى: ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ، وقيل: ضَالًّا في شعاب مكّة، فهداك الى جدّك عبد المطلب، وردّك إليه.\nروى أبو الضحى، عن ابن عباس قال: إن رسول الله ﷺ ضل، وهو صبي صغير في شعاب مكّة، فرآه أبو جهل، منصرفا من أغنامه، فردّه إلى جدّه عبد المطلب، فمنّ الله سبحانه عليه بذلك، حين ردّه إلى جدّه على يدي عدوّه.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبدوس قال: حدّثنا عثمان بن سعيد قال: حدّثنا عمرو بن عوف قال: أخبرنا خالد، عن داود بن أبي هند، عن العباس بن عبد الرحمن، عن بشر بن سعيد، عن أبيه قال: حججت في الجاهلية، فإذا أنا برجل يطوف بالبيت، وهو يرتجز، ويقول:\nيا ربّ ردّ راكبي محمدا ... ردّ إليّ واصطنع عندي يدا\nفقلت: من هذا؟ قيل: عبد المطلب بن هاشم، ذهبت أبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلّا جاء بها، وقد احتبس عليه، قال: فما برحت أن جاء النبي ﷺ وجاء بالإبل، فقال: يا بنيّ لقد حزنت عليك حزنا لا يفارقني أبدا «١» .\nوفي حديث كعب الأحبار، في مولد رسول الله ﷺ وبدء أمره أن حليمة لمّا قضت حق الرضاع، جاءت برسول الله ﷺ لتردّه إلى عبد المطلب، قالت حليمة: فأقبلت أسير حتى أتيت\n_________\n(١) التاريخ الكبير للبخاري: ٣/ ٤٥٤. أسد الغابة: ٢/ ٣٠٥.","vol":"10","page":226},{"text":"الباب الأعظم من أبواب مكّة، فسمعت مناديا ينادي: هنيئا لك يا بطحاء مكة، اليوم يرد عليك النور والدين والبهاء والجمال، قالت: ثم وضعت رسول الله ﷺ لأقضي حاجة وأصلح ثيابي، فسمعت هدّة شديدة، فالتفت فلم أره، فقلت: معاشر الناس أين الصبي؟ فقالوا: أي الصبيان؟\nقلت: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، الذي نضّر الله به وجهي، وأغنى عيلتي، ربّيته حتى إذا أدركت فيه سروري وأملي أتيت به لأردّه، وأخرج هذا من أمانتي، اختلس من بين يدي قبل أن يمس قدمه الأرض، واللات والعزى لئن لم أره لأرمينّ بنفسي من شاهق الجبل، فلأقطعنّ إربا إربا.\nقالوا: ما رأينا شيئا، فلمّا آيسوني وضعت يدي على أم رأسي، وقلت: وا محمداه وا ولداه، فأبكيت الجواري الأبكار لبكائي، وضجّ الناس معي بالبكاء حرقة لي، فإذا أنا بشيخ كالفاني يتوكأ على عصا، قال: ما لك أيتها السعدية؟\nقلت: فقدت ابني محمدا، فقال: لا تبكي أنا أدلّك على من يعلم علمه، وإن شاء أن يردّه فعل، قلت: فدتك نفسي، ومن هو؟ قال: الصنم الأعظم هبل.\nقالت: فدخل وأنا أنظر، فطاف بهبل وقبّل رأسه وناداه: يا سيداه، لم تزل منتك على قريش قديمة، وهذه السعدية تزعم أن ابنا لها قد ضلّ، فردّه إن شئت، وأخرج هذه الوحشة عن بطحاء مكة، فإنها تزعم أن ابنها محمدا قد ضلّ، قال: فانكب هبل على وجهه، وتساقطت الأصنام، وقالت: إليك عنّا أيها الشيخ. إنما هلاكنا على يدي محمد.\nقالت: فأقبل الشيخ أسمع لأسنانه اصطكاكا، ولركبته ارتعادا، وقد ألقى عكازته من يده وهو يقول: يا حليمة إن لابنك ربا لا يضيّعه فاطلبيه على مهل، قالت: فخفت أن يبلغ الخبر عبد المطلب قبلي، فقصدته فلمّا نظر إليّ، قال: أسعد نزل بك أم نحوس؟، قلت: بل النحس الأكبر، ففهمها منّي، وقال: لعلّ ابنك ضلّ منك، قالت: قلت: نعم فظنّ أن بعض قريش قد اغتاله، فسلّ عبد المطلب سيفه لا يثبت له أحد من شدة غضبه، ونادى بأعلى صوته: يا آل غالب، يا آل غالب، وكانت دعوتهم في الجاهلية فأجابته قريش بأجمعها، وقالوا: ما قصتك؟، قال: فقد ابني محمد، قالت قريش: اركب نركب معك، فإن تسنّمت جبلا تسنماه معك، وان خضت بحرا خضناه معك، فركب وركبت قريش معه فأخذ على أعلى مكة وانحدر على أسفلها، فلمّا أن لم ير شيئا ترك الناس واتشح وارتدى بآخر، وأقبل الى البيت الحرام، فطاف اسبوعا ثم أنشأ يقول:\nيا ربّ ردّ راكبي محمدا ... ردّه ربي واتخذ عندي يدا\nيا ربّ إن محمد لم يوجدا ... مجمع قومي كلّهم مبدّدا\nفسمعنا مناديا ينادي من الهواء: معاشر الناس لا تضجوا، فان لمحمد ربّا لا يخذله ولا","vol":"10","page":227},{"text":"يضيّعه، قال عبد المطلب: يا أيها الهاتف ومن لنا به وأين هو؟، قال بوادي تهامة عند شجرة اليمن.\nفأقبل عبد المطلب راكبا متسلحا، فلمّا صار في بعض الطرق تلقّاه ورقة بن نوفل فصارا جميعا يسيران، فبينما هم كذلك إذ النبي ﷺ قائم تحت شجرة يجذب الأغصان ويعبث بالورق، قال له عبد المطلب: من أنت يا غلام؟\nقال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال عبد المطلب: فدتك نفسي وأنا جدّك، ثم حمله على قربوس سرجه وردّه إلى مكة واطمأنت قريش بعد ذلك «١» .\nوقال سعيد بن المسيب: خرج رسول الله ﷺ مع عمه أبي طالب في قافلة ميسرة غلام خديجة، فبينما هو راكب ذات ليلة ظلماء على ناقة إذ جاء إبليس، وأخذ بزمام الناقة فعدل به عن الطريق، فجاء جبرائيل فنفخ إبليس نفخة وقع منها الى الحبشة وردّه الى القافلة، فمنّ الله عليه بذلك.\nوقيل: وَجَدَكَ ضَالًّا ليلة المعراج حين انصرف عنك جبرائيل لا تعرف الطريق، فهداك إلى ساق العرش.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثني ابن حبيش قال: قال بعض أهل الكلام في قوله:\nوَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى: إن العرب إذا وجدت شجرة في فلاة من الأرض وحيدة ليس معها ثانية يسمونها: ضالة، فيهتدون بها إلى الطريق.\nقال: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى أي وحيدا ليس معك نبي غيرك فهديت بك الخلق إليّ، وقال عبد العزيز بن يحيى ومحمد بن علي الترمذي: ووجدك خاملا لا تذكر ولا تعرف من أنت، فهداهم إليك حتى عرفوك، وأعلمهم بما منّ به عليك.\nقال بسام بن عبد الله: وَوَجَدَكَ ضَالًّا نفسك لا تدري من أنت فعرّفك نفسك وحالك، وقال أبو بكر الورّاق وغيره: وَوَجَدَكَ ضَالًّا بحب أبي طالب فهداك إلى حبّه، وغيره: وجدك محبّا فهداك إلى محبوبك، دليله قوله سبحانه، إخبارا عن إخوة يوسف إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٢» وقوله سبحانه: تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ «٣» اي فرط الحب ليوسف.\nوقيل: وجدناك ناسيا شأن الاستثناء حين سئلت عن أصحاب الكهف وذي القرنين والروح، دليله قوله أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما «٤» أي تنسى، وقال سهل: وجد نفسك نفس الشهوة\n_________\n(١) تاريخ مدينة دمشق: ٣/ ٤٧٨.\n(٢) سورة يوسف: ٨.\n(٣) سورة يوسف: ٩٥.\n(٤) سورة البقرة: ٢٨٢. [.....]","vol":"10","page":228},{"text":"والطبع، فغيّره إلى سبيل المعرفة والشرع، قال جنيد: وجدك متحيرا في بيان الكتاب المنزل عليك فهداك لبيانه، لقوله وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ «١» وقوله لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ «٢» .\nقال بندار بن الحسين: ليس قائما مقام الاستدلال فتعرفت إليك، وأغنيتك بالمعرفة عن الشواهد والأدلة، وقيل: وجدك طالبا لقبلتك ضالا عنها فهداك إليها.\nوَوَجَدَكَ عائِلًا فقيرا عديما فأغناك بمال خديجة، ثم بالغنائم، وقال مقاتل: فرضاك بما أعطاك من الرزق، وقرأ ابن السميقع: وجدك عيّلا بتشديد الياء من غير ألف على وزن فيعل، كقولك: طاب يطيب فهو طيّب. وعن ابن عطاء: وجدك فقير النفس، وقيل: فقيرا إليه فأغناك به، وقيل: غنيا بالمعرفة فقيرا عن أحكامها، فأغناك بأحكام المعرفة حتى تم لك الغنى.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش، عن بعضهم أنه قال: وَجَدَكَ عائِلًا تعول الخلق بالعلم فأغناك بالقرآن والعلم والحكمة، وقال الأخفش: وجدك ذا عيال. دليله\nقوله ﷺ:\nوابدأ بمن تعول.\nعن ابن عطاء: لم يكن معك كتاب ولا شريعة فأغناك بهما، وقيل: وَجَدَكَ عائِلًا عن الصحابة محتاجا إليهم، فأكثرنا لك الاخوان والأعوان، وحذف الكاف من قوله فَآوى وأختيها لمشاكلة رؤوس الآي، ولأن المعنى معروف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>[سورة الضحى (٩٣): الآيات ٩ الى ١١]</span>\nفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)\nفَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ واذكر يتمك، وقرأ النخعي والشعبي: فلا تكهر، بالكاف، وكذلك هو في مصحف عبد الله، والعرب تعاقب بين القاف والكاف، يدل عليه حديث معاوية بن الحكم الذي تكلّم في الصلاة قال: ما كهرني، ولا ضربني.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني أبي قال:\nحدّثنا إسحاق بن عيسى قال: حدّثنا مالك، عن ثور بن زيد الدبلي قال: سمعت أبا الغيث يحدّث، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «كافل اليتيم- له أو لغيره- أنا وهو كهاتين في الجنّة إذا اتقى الله سبحانه» [١٦٨] «٣» وأشار مالك بالسبابة والوسطى.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن [يوسف] «٤» قال: حدّثنا الحسن بن علي بن نصر\n_________\n(١) سورة النحل: ٤٤.\n(٢) سورة النحل: ٦٤.\n(٣) مسند أحمد: ٢/ ٣٧٥.\n(٤) وهو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك.","vol":"10","page":229},{"text":"الطوسي قال: حدّثنا جعفر بن محمد بن الفضل برأس العين قال: حدّثنا إبراهيم بن زكريا قال:\nحدّثنا الحسين بن أبي جعفر، عن علي، عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:\nقال رسول الله ﷺ «إنّ اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، فيقول الله سبحانه لملائكته: يا ملائكتي! من أبكى هذا اليتيم الذي غيّب أباه في التراب؟ فيقول الملائكة: ربنا أنت أعلم، فيقول الله: يا ملائكتي! فإني أشهدكم أنّ لمن أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة» فكان عمر إذا رأى يتيما مسح رأسه، وأعطاه شيئا [١٦٩] «١» .\nوأخبرني عبد الله بن حامد الأصفهاني، حدّثنا صالح بن محمد قال: حدّثنا سليمان بن عمرو، عن أبي حزم، عن أنس بن مالك قال: من ضمّ يتيما فكان في نفقته وكفاه مؤونته كان له حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة.\nوَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ فلا تزجر لكن بدّل يسيرا وردّ جميلا، واذكر فقرك.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد فيما أجاز لي روايته عنه قال: أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الحلواني قال: حدّثنا العباس بن عبد الله قال: حدّثنا سعيد أبو عمرو البصري قال: حدّثنا سهل ابن أسلم العنبري، عن الحسن في قوله ﷾: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ قال: أما انه ليس بالسائل الذي يأتيك لكن طالب العلم.\nوأخبرني عبد الله بن حامد الأصفهاني قال: حدّثني العباس بن محمد بن قوهيال «٢» قال:\nحدّثنا حاتم بن يونس قال: حدّثني عبيد بن نعيش قال: سمعت يحيى بن آدم يقول: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ، قال: إذا جاءك الطالب للعلم فلا تنهره.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا أبو عروبة قال: حدّثنا يحيى بن حكيم والحسين بن سلمة بن أبي كبشة قالا: حدّثنا أبو قتيبة قال: حدّثنا الحسن بن علي الهاشمي، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ: «لا يمنعن أحدكم السائل أن يعطيه إذا سأل وأن رأى في يده قلبين من ذهب» [١٧٠] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد الكسائي قال:\nحدّثنا أحمد بن ثابت بن غياث قال: حدّثنا إبراهيم بن الشماس قال: حدّثنا أحمد بن أيوب الضبي، عن إبراهيم بن أدهم قال: نعم القوم السّؤّال، يحملون زادنا إلى الآخرة.\nوقال إبراهيم: السائل يريد الآخرة يجيء إلى باب أحدكم فيقول: هل توجهون إلى أهليكم بشيء.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٠١.\n(٢) لعله: بن موهار، قوهيار.\n(٣) كنز العمال: ٦/ ٤٠٧ ح ١٦٢٨٩. والقلب: السوار.","vol":"10","page":230},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا الحسن بن علي بن زكريا القرشي قال: حدّثنا هدية بن خالد قال: حدّثنا صبان بن علي قال: حدّثنا طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا رددت السائل ثلاثا فلم يرجع فلا عليك أن تزبره» [١٧١] «١» .\nوَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ يعني النبوّة، عن مجاهد ابن أبي نجيح عنه قال: القرآن، وإليه ذهب الكلبي. وحكم الآية [عام] في جميع الإنعام.\nأخبرني الغنجوي قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني ابو عمرو الأزدي قال: حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدّثنا نوح بن قيس قال: حدّثني نصر بن علي قال:\nكان عبد الله بن غالب إذا أصبح يقول: لقد رزقني الله البارحة خيرا، قرأت كذا وصلّيت كذا، وذكرت الله كذا وفعلت كذا، فيقال له: يا أبا فراس إن مثلك لا يقول مثل هذا فيقول: الله سبحانه يقول: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ وتقولان أنتم: لا تحدّث بنعمة ربك.\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن مالك قال: حدّثنا شبر بن موسى قال: حدّثنا عبد الله ابن يزيد المقري قال: حدّثنا أبو معمر، عن بكر بن عبد الله المزني أنه قال: قال رسول الله ﷺ:\n«من أعطي خيرا فلم ير عليه سمّي بغيض الله معاديا لنعمه» [١٧٢] «٢» .\nوأخبرنا الحسن قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال: حدّثنا أبو القاسم بن منيع قال: حدّثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدّثنا وكيع، عن أبي عبد الرحمن يعني القاسم بن وليد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: «من لم يشكر القليل، ومن لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب» [١٧٣] «٣» .\n_________\n(١) كنز العمال: ٦/ ٤٠٠ ح ١٦٢٥٣. والزبر: الزجر والمنع.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٠٢، والشكر لله لابن أبي الدنيا: ٩٢.\n(٣) مسند أحمد: ٤/ ٢٧٨.","vol":"10","page":231},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>سورة الشرح</span>\nمكية، وهي مائة وثلاثة أحرف وسبع وعشرون كلمة، وثماني آيات\nأخبرنا أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن علي الجرجاني قال: حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن إبراهيم قال: حدّثني أبو بكر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم البصري قال:\nحدّثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال: حدّثنا أبو عوانة، عن عاصم بن بهدلة، عن زرّ ابن حبيش، عن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرّج عنّي» [١٧٤] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>[سورة الشرح (٩٤): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)\nفَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)\nأَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ألم نفتح ونوسّع ونليّن لك قلبك بالإيمان والنبوّة والعلم والحكمة.\nوَوَضَعْنا وحططنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ أثقل ظهرك فأوهنه، ومنه قيل للبعير إذا كان رجيع سفر قد أوهنه وأنضاه: نقض. وقال الفرّاء: كسر ظهرك حين سمع نقيضه:\nأي صوته، قال الحسن وقتادة والضحّاك: يعني ما سلف منه في الجاهلية، وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو، وقيل: ذنوب أمتك فأضافها إليه لاشتغال قلبه بها واهتمامه لها، وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: يعني خفّفنا عليك أعباء النبوة والقيام بأمرها، وقيل:\nوعصمناك عن احتمال الوزر.\nوَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ\nأخبرنا عبد الخالق بقراءتي عليه قال: حدّثنا ابن جنب قال: حدّثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل قال: حدّثنا صفوان يعني ابن صالح الثقفي أبو عبد الملك قال:\nحدّثنا الوليد يعني ابن مسلم قال: حدّثني عبد الله بن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي","vol":"10","page":232},{"text":"سعيد الخدري، عن النبي ﷺ أنه سأل جبرائيل عن هذه الآية وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ، قال: «قال الله سبحانه: إذا ذكرت، ذكرت معي» [١٧٥] «١» .\nوحدّثنا أبو سعيد عبد الملك بن أبي عثمان الواعظ قال: حدّثنا إسماعيل بن أحمد الجرجاني قال: أخبرنا عمران بن موسى قال: حدّثنا أبو معمر قال: حدّثنا عباد، عن عوف، عن الحسن في قوله وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ، قال: إذا ذكرت ذكرت معي، وقال قتادة: يرفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلّا ينادي بها: أشهد ان لا إله إلّا الله، وأن محمدا رسول الله، وقال مجاهد: يعني بالتأذين، وفيه يقول حسان بن ثابت يمدح النبي ﷺ:\nأغرّ عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهور يلوح ويشهد\nوضمّ الإله اسم النبي الى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذّن أشهد «٢»\nوقال ابن عطاء: يعني جعلت تمام الإيمان بي بذكرك، وقيل: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ عند الملائكة في السماء، وقيل: بأخذ ميثاقه على النبيين وإلزامهم الإيمان به والإقرار بفضله، وقال ذو النون: همم الأنبياء تجول حول العرش وهمّة محمد ﷺ فوق العرش، لذلك قال: وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ، فذكره ذكره، ومفزع الخلق يوم القيامة إلى محمد ﷺ كمفزعهم إلى الله، لعلمهم بجاهه عنده.\nفَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا أي مع الشدّة التي أنت فيها من جهاد المشركين، ومزاولة ما أنت بسبيله يسرا ورخاء بأن يظهرك عليهم، حتى ينقادوا للحق الذي جئتهم به طوعا وكرها.\nإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا كرّره لتأكيد الوعد وتعظيم الرجاء، وقيل: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا: في الدنيا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا: في الآخرة.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله قال:\nحدّثنا عثمان قال: حدّثنا ابن عليّة، عن يونس، عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية، قال رسول الله ﷺ: «ابشروا فقد جاءكم اليسر لن يغلب عسر يسرين» [١٧٦] «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عمر بن الخطاب قال: حدّثنا علي بن مرداراد الخياط قال: حدّثنا قطن بن بشير قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، عن رجل، عن إبراهيم النخعي قال:\nقال ابن مسعود: والذي نفسي بيده، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنّه لن يغلب عسر يسرين، إنّه لن يغلب عسر يسرين.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٢٩٧.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٠٦.\n(٣) صحيح البخاري: ٦/ ٨٧، جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٢٩٧.","vol":"10","page":233},{"text":"قال العلماء في معنى هذا الحديث: لأنه عرّف العسر ونكّر اليسر، ومن عادة العرب إذا ذكرت اسما معرفة ثم أعادته فهو هو، وإذا نكرّته ثم كررته فهما اثنان، وقال الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني صاحب كتاب (النظم) وهو يكلم الناس في\nقوله (﵇): «لن يغلب عسر يسرين»\n[١٧٧]: فلم يحصل غير قولهم: إن العسر معرفة واليسر نكرة مكررة، فوجب أن يكون [عسر] واحد ويسران، وهذا قول مدخول [إذ] لا يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إنّ مع الفارس سيفا إنّ مع الفارس سيفا أن يكون الفارس واحدا والسيف اثنين، ولا يصح هذا في نظم العربية.\nفمجاز\nقوله: «لن يغلب عسر يسرين»\nإن الله بعث نبيّه (﵇) مقلّا مخففا فعيّره المشركون لفقره، حتى قالوا أنجمع لك مالا؟ فاغتمّ، فظنّ أنهم كذّبوه لفقره، فعزّاه الله ﷾ وعدد عليه نعماءه ووعده الغنى فقال: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ إلى قوله ذِكْرَكَ، فهذا ذكر امتنانه عليه، ثم ابتدأ ما وعده من الغنى ليسلّبه مما خامر قلبه، فقال فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، والدليل عليه دخول الفاء في قوله (فَإِنَّ) ولا يدخل الفاء أبدا إلّا في عطف أو جواب.\nومجازه: لا يحزنك ما يقولون فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا في الدنيا عاجلا، ثم أنجزه ما وعده وفتح عليه القرى العربية، ووسّع ذات يده، حتى يهب المائتين من الإبل، ثم ابتدأ فضلا آخر من الآخرة فقال تأسية له: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، والدليل على ابتدائه تعرّيه من الفاء والواو وحروف النسق فهذا عام لجميع المؤمنين، ومجازه: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ في الدنيا للمؤمنين يُسْرًا في الآخرة لا محالة،\nفقوله: «لن يغلب عسر يسرين»\n! أي لن يغلب عسر الدنيا اليسر الذي وعد الله المؤمنين في الدنيا، واليسر الذي وعدهم في الآخرة، إنما يغلب أحدهما وهو يسر الدنيا، فأمّا يسر الآخرة فدائم غير زايل اي لا يجمعهما في الغلبة،\nكقوله (﵇) «شهرا عيد لا ينقصان»\nاي لا يجتمعان في النقصان.\nوقال أبو بكر الوراق: مع [أختها] بالدنيا جزاء الجنة، قال القاسم: [بردا هذه السعادة من أسحار] «١» الدنيا إلى رضوان العقبى، وقراءة العامة بتخفيف السينين، وقرأ أبو جعفر وعيسى، بضمهما، وفي حرف عبد الله: إنّ مع العسر يسرا، مرة واحدة غير مكررة.\nأخبرني أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الرمجاري وأبو الحسن علي بن محمد ابن محمد البغدادي قالا: حدّثنا محمد بن يعقوب الأصم قال: حدّثنا أحمد بن شيبان الرملي قال: حدّثنا عبد الله بن ميمون القداح قال: حدّثنا شهاب بن خراش، عن عبد الملك بن عمير، عن ابن عباس قال: أهدي للنبي ﷺ بغلة، أهداها له كسرى فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني\n_________\n(١) كذا في المخطوط. [.....]","vol":"10","page":234},{"text":"خلفه، ثم سار بي مليّا، ثم التفت اليّ فقال لي: «يا غلام»، قلت: لبيك يا رسول الله، قال:\n«احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدّة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد مضى القلم بما هو كائن، فلو جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك، لما قدروا عليه، ولو جهدوا أن يضرّوك بما لم يكتبه الله عليك ما قدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين فافعل، فإنّ لم تستطع فاصبر، فإنّ في الصبر على ما يكره خيرا كثيرا، واعلم أنّ مع الصبر النصر، وأنّ مع الكرب الفرج وإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [١٧٨] «١» .\nوسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد بن الحسن النيسابوري يقول: سمعت أبا علي محمد ابن عامر البغدادي يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى يقول: سمعت عمي يقول: سمعت العتبي يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم فألقي في روعي بيت شعر فقلت:\nأرى الموت لن أصبح ولاح ... مغموما له أروح\nفلمّا جنّ الليل سمعت هاتفا يهتف، من الهواء:\nألا يا أيّها المرء ... الذي الهمّ به برّح\nوقد أنشد بيتا لم ... يزل في فكره يسنح\nإذا اشتدّ بك العسر ... ففكّر في ألم نشرح\nفعسر بين يسرين ... إذا فكّرتها فافرح\nقال: فحفظت الأبيات، وفرّج الله غمّي «٢» .\nوأنشدنا أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدنا أبو محمد أحمد بن محمد بن إسحاق الجيزنجي قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي:\nفلا تيأس وإن أعسرت يوما ... فقد أيسرت في دهر طويل\nولا تظننّ بربك ظنّ سوء ... فإنّ الله أولى بالجميل\nفإنّ العسر يتبعه يسار ... وقول الله أصدق كلّ قيل «٣»\nوأنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاد الكرخي قال: أنشدنا أبو بكر الأنباري:\nإذا بلغ العسر مجهوده ... فثق عند ذاك بيسر سريع\n_________\n(١) بتفاوت في مسند أحمد: ١/ ٢٩٣، وتمامه في كتاب الدعاء للطبراني: ٣٤.\n(٢) زاد المسير: ٨/ ٢٧٣.\n(٣) حسن الظن بالله لابن أبي الدنيا: ١٢٣، وقد نسبت الأبيات فيه إلى محمود الوراق، وفيه تفاوت يسير.","vol":"10","page":235},{"text":"ألم تر بخس الشتاء القطيع ... يتلوه سعد الربيع البديع\nولزيد بن محمد العلوي:\nإن يكن نالك الزمان ببلوى ... عظمت شدّة عليك وجلّت\nوتلتها قوارع باكيات ... سئمت دونها الحياة وملّت\nفاصطبر وانتظر بلوغ مداها ... فالرزايا إذا توالت تولّت\nوإذا أوهنت قواك وحلّت ... كشفت عنك جملة فتخلّت\nوقال آخر:\nإذا الحادثات بلغن المدى ... وكادت تذوب لهنّ المهج\nوحلّ البلاء وقلّ الرجاء ... فعند التناهي يكون الفرج «١»\nوأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد السلوسي قال: أنشدني أبو الحسن عيسى بن زيد العقيلي النسابة قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي:\nتوقع إذا ما عرتك الخطوب ... سرورا [يسيّرها] عنك قسرا\nترى الله يخلف ميعاده ... وقد قال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا\nفَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ قال ابن عباس: إذا فرغت من صلاتك فَانْصَبْ إلى ربّك في الدعاء، واسأله حاجتك وارغب اليه. ابن أبي نجيح، عن مجاهد: إذا قمت إلى الصلاة فَانْصَبْ في حاجتك إلى ربّك. الضحّاك: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فَانْصَبْ إلى ربّك في الدعاء، وأنت جالس قبل أن تسلم. قتادة: أمره أن يبالغ في دعائه إذا فرغ من صلاته. عن الحسن: إذا فرغت من جهاد عدوك، فَانْصَبْ في عبادة ربّك. عن زيد بن أسلم: إذا فرغت من جهاد العرب وانقطع جهادهم، فَانْصَبْ لعبادة الله وإليه فَارْغَبْ. عن منصور، عن مجاهد: إذا فرغت من أمر الدنيا فَانْصَبْ في عبادة ربّك وصلّ.\nوأخبرنا محمد بن عبوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الحميم قال: حدّثني الفراء قال: حدّثني قيس بن الربيع، عن أبي حصين قال: مرّ شريح برجلين يصطرعان فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله ﷿: فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ. قال الفراء: فكأنّه في قول شريح: إذا فرغ الفارغ من الصلاة أو غيرها.\nوقوله فَانْصَبْ من النصب، وهو التعب والدأب في العمل، وقيل: أمره بالقعود للتشهد إذا فرغ من الصلاة والانتصاب للدعاء. عن حيان، عن الكلبي: إذا فرغت من تبليغ الرسالة،\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٩/ ٢٢٠.","vol":"10","page":236},{"text":"فَانْصَبْ: أي اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. عن جنيد: فإذا فرغت من أمر الخلق، فاجتهد في عبادة الحق. عن أبو العباس بن عطاء: فَإِذا فَرَغْتَ من تبليغ الوحي، فَانْصَبْ في طلب الشفاعة.\nوَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ في جميع أحوالك [لا] إلى سواه، وقيل: إذا فرغت من أشغال الدنيا، ففرّغ قلبك لهموم العقبى.\nعن جعفر: اذكر ربّك على فراغ منك عن كل ما دونه\n، وقيل:\nإذا فرغت من العبادة، فَانْصَبْ إلى الإعراض عنها مخافة ردّها عليك، وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ، والاستغفار لعملك كالخجل المستحيي.\nأخبرنا الشيخ أبو الفضل محمد بن جعفر الخزاعي المقري قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله ابن محمد المزني قال: حدّثنا الوليد بن بيان ويحيى بن محمد بن صاعد ومحمد بن أحمد السطوي قال: حدّثنا ابن أبي برة قال: حدّثنا عكرمة بن سليمان قال: قرأت على إسماعيل بن عبد الله، فلمّا بلغت إلى وَالضُّحى قال: كبّر حتى نختم مع خاتمة كل سورة، فإني قرأت على شبل بن عباد وعلي بن عبد الله بن كثير، فأمراني بذلك.\nقال: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، فأمره بذلك، وأخبره مجاهد أنه قرأ على ابن عباس، فأمره بذلك وأخبره ابن عباس أنه قرأ على أبي بن كعب، فأمره بذلك، وأخبره أبيّ بن كعب أنه قرأ على النبي (صلى الله عليه وآله)، فأمره بذلك.","vol":"10","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-892>سورة التين</span>\nمكية، وهي ثمانمائة وخمسون حرفا، وأربع وثلاثون كلمة، وثماني آيات\nأخبرني أبو الحسين الخبازي غير مرّة قال: حدّثنا أبو بكر أحمد بن أبي ميثم الجرجاني وأبو الشيخ قال: حدّثنا أبو إسحاق بن ميثم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبيّ ابن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة وَالتِّينِ أعطاه الله سبحانه خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدنيا، فإذا مات أعطاه الله سبحانه من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة صيام يوم» [١٧٩] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>[سورة التين (٩٥): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)\nثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦) فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨)\nوَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبي: هو تينكم هذا الذي تأكلون، وزيتونكم هذا الذي تعصرون منه الزيت.\nأخبرني الحسين قال: حدّثنا السني قال: وجدت في كتاب أبي: حدّثنا القاسم بن أبي الحسين الزبيدي قال: حدّثنا سهل بن إبراهيم الواسطي، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني الثقة عن أبي ذر قال: أهدي للنبيّ ﷺ طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: «كلوا، ثم قال: لو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه، لأنّ فاكهة الجنة بلا عجم فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس» [١٨٠] «٢» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٩٢.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١١٠.","vol":"10","page":238},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا يوسف بن أحمد أبو يعقوب قال:\nحدّثنا العباس بن أحمد بن علي قال: حدّثنا معلل بن نقيل الحداني قال: حدّثنا محمد بن محصن، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن عبد الله بن الديلمي، عن عبد الرحمن بن غنم قال:\nسافرت مع معاذ بن جبل، [فكان يمرّ] بشجرة الزيتون فيأخذ منها القضيب فيستاك به ويقول:\nسمعت رسول الله ﷺ [يقول] نعم السواك الزيتون من الشجرة المباركة، يطيّب الفم، ويذهب بالجفر سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هي مسواكي ومسواك الأنبياء قبلي» [١٨١] .\nوقال كعب الأحبار وقتادة وابن زيد وعبد الرحمن بن غنيم: التِّينِ: مسجد دمشق، وَالزَّيْتُونِ: بيت المقدس. عن الضحّاك: هما مسجدان بالشام. عن محمد بن كعب: التِّينِ:\nمسجد أصحاب الكهف، وَالزَّيْتُونِ: مسجد إيليا، ومجازه على هذا التأويل: منابت التين والزيتون. أبو مكين، عن عكرمة: جبلان. عن عطية، عن ابن عباس: التِّينِ: مسجد نوح الذي [بناه] على الجودي، وَالزَّيْتُونِ: بيت المقدس. عن نهشل، عن الضحّاك: التِّينِ: المسجد الحرام.\nوَالزَّيْتُونِ: المسجد الأقصى.\nوسمعت محمد بن عبدوس يقول: سمعت محمد بن الحميم يقول: سمعت الفرّاء يقول:\nسمعت رجلا من أهل الشام وكان صاحب تفسير قال: التِّينِ: جبال ما بين حلوان إلى همدان، وَالزَّيْتُونِ: جبال الشام.\nوَطُورِ سِينِينَ يعني جبل موسى، قال عكرمة: السينين: الجسر بلغة الحبشة. الحكم والنضر عنه: كلّ جبل ينبت فهو طور سينين، كما ينبت في السهل كذلك ينبت في الجبل، وعن مجاهد: الطور الجبل، وسينين: المبارك. وعن قتادة: المبارك الحسن.\nعن مقاتل: كل جبل فيه شجرة مثمرة فهو سينين وسينا وهو بلغة النبط. عن الكلبي: يعني الجبل المشجر. عن شهر بن حوشب: التِّينِ: الكوفة، وَالزَّيْتُونِ: الشام، وَطُورِ سِينِينَ: جبل فيه ألوان الأشجار.\nقال عبد الله بن عمر: أربعة أجبال مقدّسة بين يدي الله سبحانه، طور تينا وطور زيتا وطور سينا وطور يتمانا، فأما طور تينا فدمشق، وأما طور زيتا فبيت المقدس، وأما طور سينا فهو الذي كان عليه موسى، وأما طور يتمانا فمكة.\nأخبرنا أبو سفيان الحسين بن محمد بن عبد الله المقري قال: حدّثنا البغوي ببغداد قال:\nحدّثنا ابن أبي شيبة قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدّثنا وكيع عن أبيه وسفيان، عن أبي إسحاق، عن عمرو قال: سمعت عمر بن الخطاب يقرأ بمكة في المغرب: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وطور سيناء، قال: فظننت أنه إنما يقرؤها ليعلم حرمة البلد.","vol":"10","page":239},{"text":"وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ الآمن، يعني مكة، وأنشد الفرّاء:\nألم تعلمي يا أسم ويحك أنني ... حلفت يمينا لا أخون أميني\nيريد آمني.\nلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ أعدل قامة وأحسن صورة، وذلك أنه خلق كل شيء منكبّا على وجهه إلّا الإنسان. وقال أبو بكر بن ظاهر: مزينا بالعقل، مؤدّبا بالأمر، مهذّبا بالتمييز، مديد القامة، يتناول مأكوله بيده.\nثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ يعني إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، ينقص عمره ويضعف بدنه ويذهب عقله.\nقال ابن عباس: [إنّ] نفرا ردوا إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ على عهد رسول الله ﷺ فأنزل الله عذرهم وأخبر أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم.\nقال عكرمة: لم يضرّ هذا الشيخ الهرم كبره إذا ختم الله تعالى له بأحسن ما كان يعمل.\nقال أهل المعاني: السافلون: الضعفى والهرمى والزمنى، فقوله (أَسْفَلَ سافِلِينَ) نكرة تعمّ الجنس، كما تقول: فلان أكرم قائم، فإذا عرّفت قلت: القائمين.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن مهران قال: حدّثنا جعفر بن محمد الفراي قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد قال: حدّثنا خالد الزيات قال: حدّثنا داود ابو سليمان، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن معمّر بن حزم الأنصاري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ «المولود حتى يبلغ الحنث ما عمل من حسنة كتبت لوالديه، فإن عمل سيئة لم تكتب عليه، ولا على والديه، فإذا بلغ الحنث وجرى عليه القلم، أمر الله الملكين اللذين معه يحفظانه ويسدّدانه، فإذا بلغ أربعين سنة في الإسلام آمنه الله سبحانه من البلايا الثلاث: من الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ خمسين خفف الله حسابه، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه فيما يحب، فإذا بلغ سبعين أحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين كتب الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وشفّعه في أهل بيته، وكان اسمه أسير الله في الأرض، فإذا بلغ أرذل الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا، كتب الله سبحانه له مثل ما كان يعمل في صحته من الخير، وإن عمل سيئة لم تكتب عليه» [١٨٢] «١» .\nوقال الحسن ومجاهد وقتادة: يعني ثُمَّ رَدَدْناهُ الى النار. وقال أبو العالية: يعني إلى النار في شر صورة، في صورة خنزير.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٣/ ٢١٧. كنز العمال: ١٥/ ٧٦٦ ح ٤٣٠١١.","vol":"10","page":240},{"text":"أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله قال:\nحدّثنا أحمد بن حواس قال: حدّثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن هبيرة، عن علي قال:\nأبواب جهنم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ، فهي أسفل السافلين\n، وفي مصحف عبد الله، (أسفل السافلين) بالألف. ثم استثنى فقال إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ، فزالت عقولهم وانقطعت أعمالهم، فلا تثبت لهم حسنة إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ منهم، فأنه يكتب لهم في حال هرمهم وخرفهم مثل الذي كانوا يعملونه في حال شبابهم وصحتهم وقوّتهم، فذلك قوله سبحانه فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قال الضحّاك: أجر بغير عمل، ثم قال: إلزاما للحجة وتوبيخا للكافر.\nفَما يُكَذِّبُكَ أيها الإنسان بَعْدُ هذه الحجة والبرهان بِالدِّينِ بالحساب والجزاء.\nأَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ\nقال قتادة: بلغنا أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية قال: «بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين»\n[١٨٣] .","vol":"10","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-894>سورة العلق</span>\nمكية، وهي مائتان وثمانون حرفا، واثنتان وسبعون كلمة، وتسع عشرة آية\nأخبرنا الجباري قال: حدّثنا ابن حيّان قال: أخبرنا الفرقدي قال: حدّثنا إسماعيل بن عمرو قال: حدّثنا يوسف بن عطية قال: حدّثنا هارون بن كثير قال: حدّثنا زيد بن أسلم، عن أبيه، عن أبي أمامة، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ «من قرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ فكأنّما قرأ المفصّل كله» [١٨٤] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>[سورة العلق (٩٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)\nاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ أي الدم، واحدتها علقة، وإنما جمع ولفظ الإنسان واحد، لأنه في معنى الجمع، وهذه أول سورة نزلت على رسول الله ﷺ من القرآن، وأول ما نزل منها خمس آيات من أولها إلى قوله ما لَمْ يَعْلَمْ، وعلى هذا أكثر العلماء.\nأخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون وعبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابن الشرقي قال:\nحدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة أنها قالت: أوّل ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب [الله] إليه الخلاء، فكان يأتي حراء فيتحنث فيه، وهو التعبد [في] الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده بمثلها، حتى فجأه الحق، وهو في غار حراء.\nقال: فجاءه الملك وقال: اقرأ فقال رسول الله ﷺ «فقلت له: ما أنا بقارئ قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٩٦.","vol":"10","page":242},{"text":"الثانية، حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقاري، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، حتى بلغ، ما لَمْ يَعْلَمْ» .\nفرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال: زمّلوني زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال: «يا خديجة ما لي؟» [١٨٥] وأخبرها الخبر وقال: قد خشيت عليّ؟ قالت له:\nكلّا ابشر، فو الله لا يحزنك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.\nثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزي بن قصي، وهو ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: أي ابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة بن نوفل: يا بن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ، ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذع، ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ «أو مخرجي هم؟» [١٨٦]، فقال ورقة: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلّا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا، ثم لم ينشب ورقة ان توفي وفتر الوحي فترة، حتى حزن رسول الله ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلّما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه منها تبدّى له جبرائيل (﵇) فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن بذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا بمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبرائيل فقال له مثل ذلك [١٨٧] «١» .\nقال الزهري: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت النبي ﷺ يحدّث عن فترة الوحي فقال في حديثه: «فبينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيّ بين السماء والأرض، فجثيت منه رعبا، فرجعت فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فدثّروني» [١٨٨] «٢» وأنزل الله سبحانه يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ إلى قوله سبحانه وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ. قبل: أن تفرض للصلاة، وهي الأوثان، ثم كان ما نزل على رسول الله ﷺ من القرآن بعد اقرأ والمدثر، ن وَالْقَلَمِ إلى قوله: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، ثم وَالضُّحى.\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٨/ ٦٨ ط. دار الفكر، والعجب من نسبة ذلك للرسول نبي الرحمة! فكيف يعقل أن يصل الاطمئنان إلى ورقة ولا يصل إلى من هو أفضل من ورقة بدرجات؟! كيف يعقل أن يفكر ويهمّ النبي الذي أرسل لتتميم الأخلاق ونبذ المحرمات، بالانتحار وقتل نفسه؟! والأعجب أنهم نسبوا ذلك له صلوات المصلين عليه عدة مرات، ثم يعود لما نهاه عنه جبرائيل! وكأنهم يريدون أن يصوّره كالطفل أو كالساذج!! أو ليس نبينا أفضل أهل زمانه؟ فما بال ورقة أحكم وأهدى وأوعى وأعقل منه؟! عصمنا الله من الزلل.\n(٢) صحيح البخاري: ١/ ٤، وتفسير الطبري: ٢٩/ ١٧٩.","vol":"10","page":243},{"text":"أخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم، عن ابن جرير قال: حدّثنا ابن أبي الشوارب قال:\nحدّثنا عبد الواحد قال: حدّثنا سليمان الشيباني قال: حدّثنا عبد الله بن شداد قال: نزلت على رسول الله ﷺ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ثم أبطأ عليه جبرائيل، فقالت له خديجة: ما أرى إلّا قد قلاك، فأنزل الله سبحانه وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشير قال: حدّثنا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: إن أول سورة نزلت اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال:\nحدّثنا أبو عامر العقدي، عن قرّة بن خالد، عن أبي رجاء العطاردي قال: كان أبو موسى يقرئنا القرآن في هذا المسجد فنقعد له حلقا حلقا، كأني أنظر إليه الآن في ثوبين أبيضين، فعنه أخذت هذه السورة: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «١» .\nوقال: كانت أول سورة نزلت على رسول الله ﷺ فاتحة الكتاب.\nأخبرنا محمد بن حمدويه وعبد الله بن حامد قالا: حدّثنا محمد قال: حدّثنا أحمد بن عبد الجبار قال: حدّثنا يونس بن بكير عن يونس بن عمرو عن أبيه عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنّ رسول الله ﷺ قال لخديجة: «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد والله خشيت أن يكون هذا أمرا» .\nفقالت: معاذ الله، ما كان الله ﷿ ليفعل بك ذاك، فو الله إنّك لتؤدّي الأمانة وتصل الرحم وتصدّق الحديث.\nفلمّا دخل أبو بكر ﵁ وليس رسول الله ﷺ [في الدار] ثم ذكرت خديجة له وقالت: يا عتيق اذهب مع محمد إلى ورقة بن نوفل، فلمّا دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده وقال:\nانطلق بنا إلى ورقة، فقال: «من أخبرك؟» فقال: خديجة. فانطلقا إليه فقصّ عليه فقال: «إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد فأنطلق هاربا في الأرض» .\nفقال له: لا تفعل، إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني فأخبرني، فلمّا خلا ناداه يا محمد قل: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «٢» حتّى بلغ وَلَا الضَّالِّينَ «٣» قل: لا إله إلّا الله، فأتى ورقة فذكر ذلك له، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر فأنا\n_________\n(١) سورة العلق: ١.\n(٢) سورة الفاتحة: ١- ٢.\n(٣) سورة الفاتحة: ٧.","vol":"10","page":244},{"text":"أشهد أنّك الذي بشّر به ابن مريم، وأنّك على مثل ناموس موسى، وأنّك نبي مرسل، وأنّك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا، ولئن أدركني ذلك لأجاهدنّ معك، فلمّا توفي ورقة قال رسول الله ﷺ: «لقد رأيت القس في الجنة، عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدّقني» [١٨٩] «١» يعني ورقة، قالوا: وقال ورقة:\nفإن يك حقا يا خديجة فاعلمي ... حديثك إيّانا فأحمد مرسل\nوجبريل يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل «٢»\nيفوز به من فاز عزّ لدينه ... ويشقى به الغاوي الشقيّ المضلل\nفريقان منهم فرقة في جنانه ... وأخرى بأغلال الجحيم تغلغل «٣»\nاقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ قال الكلبي: يعني الحليم عن جهل العبادة ولا يعجل عليهم بالعقوبة الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ يعني الخط والكتاب.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا ابن ماهان قال: حدّثنا محمد بن أيوب بن هشام المزني قال: حدّثنا أبو الحسن عاصم بن علي بن عاصم وعبد الله بن عاصم الجماني قالا: حدّثنا محمد بن راشد عن مسلم بن موسى قال: أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: قلت: يا نبي الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال: «نعم، فاكتب فإنّ الله عَلَّمَ بِالْقَلَمِ» [١٩٠] «٤» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>[سورة العلق (٩٦): الآيات ٥ الى ١٩]</span>\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى (٧) إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى (٩)\nعَبْدًا إِذا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى (١٤)\nكَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ (١٨) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)\nعَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ من البيان والعمل، قال قتادة: العلم نعمة من الله، لولا العلم لم يقم دين ولم يصلح عيش عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ من أنواع الهدى والبيان. وقيل: عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، وقيل: الإنسان هاهنا محمد ﷺ، بيانه وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ\n«٥» .\n_________\n(١) بتمامه في تفسير القرطبي: ١/ ١١٦. [.....]\n(٢) البداية والنهاية: ٣/ ١٦.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٣٩٨.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٢٠.\n(٥) سورة النساء: ١١٣.","vol":"10","page":245},{"text":"كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى «١» ليتجاوز حدّه ويستكبر على ربّه أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى قال الكلبي: يرتفع من منزلة إلى منزلة في اللباس والطعام وغيرهما،\nوكان رسول الله ﷺ يقول:\n«أعوذ بك من فقر ينسي ومن غنى يطغي» [١٩١] «٢» .\nإِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى\nالمرجع في الآخرة أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى. عَبْدًا إِذا صَلَّى نزلت في أبي جهل- لعنه الله- نهى النبيّ ﷺ عن الصلاة حتى فرضت عليه.\nأخبرنا عبد الله بن حامد فقال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله ابن يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال: حدّثنا معمر بن سليمان عن أبيه قال: حدّثنا نعيم بن أبي مهند عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: قال أبو جهل: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟\nقالوا: نعم، قال: فو الذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن رقبته.\nقال فما [فجأهم] منه إلّا يتقي بيديه وينكص على عقبيه، قال: فقالوا له: ما ذاك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة، [فقال رسول الله ﷺ: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا]\n[١٩٢] «٣» فأنزل الله سبحانه أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إِذا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ أبو جهل لعنه الله وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ لنأخذن بمقدم رأسه فلنذلّنّه، ثم قال على البدل: ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ.\nقال ابن عباس: لمّا نهى أبو جهل رسول الله ﷺ عن الصلاة انتهره رسول الله ﷺ وقال أبو جهل: أتهدّدني؟ فو الله لأملأن عليك إن شئت هذا خيلا جردا أو رجالا مردا، فأنزل الله سبحانه فَلْيَدْعُ نادِيَهُ «٤» أي قومه سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ قال النبي ﷺ: «لأخذته الزبانية عيانا» [١٩٣] «٥» .\nكَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ وصلّ واقترب من الله ﷾.\n_________\n(١) سورة العلق: ٦.\n(٢) مسند أبي يعلى: ٧/ ٣١٣ بتفاوت.\n(٣) تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٢٤ وما بين معكوفين منه، وصحيح مسلم: ٨/ ١٣٠ ط. دار الفكر.\n(٤) سورة العلق: ١٧.\n(٥) البداية والنهاية: ٣/ ٥٨، تفسير الجلالين: ٨١٥.","vol":"10","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-897>سورة القدر</span>\nمدنيّة في قول أكثر المفسرين، قال علي بن الحسين بن واقد: هي أوّل سورة نزلت بالمدينة، وروى شيبان عن قتادة أنها مكيّة، وهي رواية نوفل ابن أبي عقرب عن ابن عباس وهي مائة واثنا عشر حرفا وثلاثون كلمة وخمس آيات\nأخبرنا الجنازي قال: حدّثنا ابن خنيس قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدقّاق الرازي قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني [عن بكر] بن سواد قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن زيد عن زر بن حبيش عن أبي قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة القدر أعطي من الأجر كمن صام رمضان، وأعطي إحياء ليلة القدر» [١٩٤] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>[سورة القدر (٩٧): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)\nسَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)\nإِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ يعني القرآن كناية عن غير مذكور، جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، فوضعناه في بيت العزّة وأملاه جبرئيل على السّفرة ثم كان ينزله جبرئيل على محمد (﵉) بنحو ما كان، من أوّله إلى آخره بثلاث وعشرين سنة، ثم عجّب نبيّه (﵇) فقال: وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ.\nوالكلام في ليلة القدر على خمسة أبواب:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>الباب الأوّل: في مأخذ هذا الاسم ومعناه</span>\n، واختلف العلماء، فقال أكثرهم: هي ليلة الحكم والفصل يقضي الله فيها قضاء السنة، وهو مصدر من قولهم: قدر الله الشيء قدرا وقدرا لغتان كالنّهر والنّهر والشّعر والشّعر، وقدّره تقديرا له بمعنى واحد، قالوا: وهي الليلة التي قال الله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ «٢» وإنّما سمّيت ليلة القدر مباركة لأن الله سبحانه ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٠٣.\n(٢) سورة الدخان: ٣- ٤.","vol":"10","page":247},{"text":"وروى أبو الضحى عن ابن عباس أن الله ﷿ يقضي الأقضية في ليلة النصف من شعبان ويسلمها إلى أربابها فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.\nروي أنه تعالى يغفر لجميع المسلمين في تلك الليلة إلّا الكاهن أو الساحر أو مدمن خمر أو عاق لوالديه أو مصرّ على الزنا أو [مشاحن] أو قاطع رحم [١٩٥] «١» .\nوقيل للحسين بن الفضل: أليس قد قدّر الله سبحانه المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض؟ قال: نعم، قال: فما معنى لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قال: سوق المقادير إلى المواقيت وتنفيذ القضاء المقدّر.\nأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن ابن جبير قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان عن محمد بن سوقة عن سعيد بن جبير قال: يؤذن للحجاج فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فيكتبون بأسمائهم وأسماء آبائهم، فلا يغادر منهم أحد ولا يزاد ولا ينقص منهم.\nوقال الزهري: هي ليلة العظمة والشرف، من قول الناس لفلان عند الأمير قدر أي جاه ومنزلة، يقال: قدرت فلانا أي عظّمته قال الله سبحانه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ «٢» أي ما عظّموا الله حق عظمته وقال أبو بكر الورّاق: سمّيت بذلك لأنّ من لم يكن ذا قدر وخطر يصير في هذه الليلة ذا قدر إذا أدركها وأحياها.\nوقيل: إنّ كلّ عمل صالح يؤخذ فيها من المؤمن فيكون ذا قدر وقيمة عند الله لكونه مقبولا فيها.\nوقيل: لأنّه أنزل كتاب ذو قدر على رسول ذي قدر لأجل أمّة ذات قدر، وقال سهل بن عبد الله: لأنّ الله سبحانه يقدّر الرحمة فيها على عباده المؤمنين.\nوقيل: لأنه ينزّل فيها إلى الأرض ملائكة أولو قدر وذوو خطر.\nوقال الخليل بن أحمد: سمّيت بذلك لأنّ الأرض تضيق فيها بالملائكة من قوله:\nوَيَقْدِرُ ومَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ «٣» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>الباب الثاني: اختلاف العلماء في وقتها، وأي ليلة هي، وذكر اختلاف الصحابة فيها</span>.\nفقال بعضهم: إنّما كانت على عهد رسول الله ﷺ ثم رفعت.\nأخبرني عبد الله بن حامد إجازة قال: أخبرنا محمد بن الحسين بن الحسن قال: حدّثنا\n_________\n(١) تاريخ دمشق: ٥١/ ٧٢ ط. دار الفكر، وراجع تذكرة الموضوعات للفتني: ٤٥.\n(٢) سورة الأنعام: ٩١.\n(٣) سورة الطلاق: ٧. [.....]","vol":"10","page":248},{"text":"أحمد بن يوسف قال: حدّثنا عبد الله قال: أخبرنا سفيان عن الأوزاعي عن مرشد أو عن أبي مرشد قال: كنت جالسا مع أبي ذرّ عند خمرة الوسطى فسئل عن لَيْلَةِ الْقَدْرِ فقال: كنت أسأل الناس عنها رسول الله ﷺ- قال: قلت: يا رسول الله لَيْلَةُ الْقَدْرِ هل هي تكون على عهد الأنبياء (﵈)، فإذا مضوا رفعت؟ قال: «لا، بل هي إلى يوم القيامة» [١٩٦] «١» .\nوأخبرنا عبد الله بن حاطب قال: أخبرنا محمد بن عامر السمرقندي قال: أخبرنا عمر بن الحسين قال: حدّثنا عبد بن حميد عن روح بن عبادة قال: حدّثنا ابن جريج قال: أخبرني داود ابن أبي عاصم عن عبد الله بن عيسى مولى معاوية قال: قلت لأبي هريرة زعموا أنّ ليلة القدر قد رفعت قال: كذب من قال ذلك، قال: قلت هي في كلّ شهر رمضان استقبله؟ قال: نعم.\nوقال بعضهم: هي في ليالي السنة كلّها، وإنّ من علّق طلاق امرأته أو عتق عبده ليلة القدر لم يقع الطلاق ولم ينفذ العتاق إلى مضي سنة من يوم حلف، وهي إحدى الروايات عن ابن مسعود قال: من يقم الحول كلّه يصبها.\nقال: فبلغ ذلك عبد الله بن عمر، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن أما إنه علم أنها في شهر رمضان؟ ولكن أراد أن لا يتّكل الناس، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة أنها في جميع السنة، وحكي عنه أيضا أنّه قال: رفعت ليلة القدر، وروي عن ابن مسعود أيضا أنه قال: إذا كانت السنة في ليلة كانت العام المقبل في ليلة أخرى، والجمهور من أهل العلم على أنها في شهر رمضان في كل عام.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن عامر قال: أخبرنا عمر بن يحيى قال:\nحدّثنا عبد بن حميد عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن أبي عمير أنه سئل عن لَيْلَةِ الْقَدْرِ: أفي كل رمضان هي؟ قال: نعم.\nوأخبرنا عقيل أن المعافى أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثني يعقوب قال: حدّثنا ابن عليّة قال: حدّثنا ابن ربيعة بن كلثوم قال: قال رجل للحسين «٢» وأنا أسمع: أرأيت ليلة القدر أفي كل رمضان هي؟ قال: «نعم والله الذي لا إله إلّا هو إنها لفي كلّ رمضان، وإنّها ليلة يفرق فيها كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، فيها يقضى كلّ أجل وعمل، ورزق وخلق إلى مثلها» [١٩٧] «٣» .\nواختلفوا في أول ليلة هي منها، فقال أنور بن العقيلي: هي أول ليلة من شهر رمضان، وقال الحسن: هي ليلة سبع عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحتها وقعة بدر.\n_________\n(١) صحيح ابن خزيمة: ٣/ ٣٢١.\n(٢) في المصدر: للحسن.\n(٣) تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٢٩ والدر المنثور: ٦/ ٢٥.","vol":"10","page":249},{"text":"والصحيح أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، وإليه ذهب الشافعي ﵁، يدلّ عليه ما\nأخبرنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد الشيباني قال: أخبرنا عبد الله بن مسلم، قال:\nحدّثنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، وقال: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن ابن مسلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أريت ليلة القدر ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر» [١٩٨] «١» .\nوأخبرنا أبو بكر العباسي قال: أخبرنا أبو الحسن المحفوظي قال: حدّثنا عبد الله بن قاسم قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان وشعبة وإسرائيل عن ابن إسحاق عن هبيرة عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشرة الأواخر من رمضان.\nوأخبرنا أبو محمد المخلّدي وعبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا عمار بن رجاء قال: حدّثنا أحمد بن أبي طيبة عن عنبسة بن الأزهر عن أبي إسحاق عن الأسود بن يزيد قال: سمعت عليّا ﵁ يقول: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان دأب وأدأب أهله» [١٩٩] «٢»\nفدلّت هذه الأخبار على أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان.\nثم اختلفوا في أي ليلة فيها فقال أبو سعيد الخدري: هي الليلة الحادية والعشرون، واحتجّ في ذلك بما\nأخبرنا أبو نعيم الأزهري قال: حدّثنا أبو عوانة سنة ست عشرة وثلاثمائة، قال:\nأخبرنا المزني قال: قال الشافعي: وأخبرنا أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد المطوعي، وأبو علي السيوري، وأبو عبد الله محمد بن عبد الله المصيبي قالوا: حدّثنا أبو العباس الأصمّ قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الوسط من شهر رمضان، فلمّا كانت [ليلة] أحدى وعشرين وهي التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه قال ﷺ: «من كان اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر، فإني رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها- وقال- وأريتني أسجد في ماء وطين فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر» [٢٠٠] «٣» فأمطرت السماء في تلك الليلة وكان المسجد على عريش فوكف المسجد.\nقال أبو سعيد [فأبصرت عيناي] رسول الله ﷺ انصرف علينا وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين.\n_________\n(١) كنز العمال: ٨/ ٥٣٣ ح ٢٤٠٢١.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٠٦.\n(٣) سنن أبي داود: ١/ ٣١١.","vol":"10","page":250},{"text":"وقال بعضهم هي الليلة الثالثة والعشرون منها «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الهمداني قال: أخبرنا الحسين بن عبد الأعلى قال: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رأيت في النوم كأن ليلة القدر سابعة تبقى، فقال رسول الله ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، من كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين» [٢٠١] «٢» .\nقال معمر: كان أيوب يغتسل ليلة ثلاث وعشرين ويمسّ طيبا.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا أحمد بن حفص قال: حدّثني أبي قال: حدّثني إبراهيم عن عبّاد وهو ابن إسحاق عن الزهري عن ضمرة بن عبد الله بن أنيس عن أبيه قال: كنت في مجلس من بني سلمة وأنا أصغرهم فقالوا: من يسأل لنا رسول الله ﷺ عن لَيْلَةِ الْقَدْرِ؟ وذلك صبيحة إحدى وعشرين من رمضان، قال: فخرجت فوافيت مع رسول الله ﷺ صلاة المغرب ثم نمت بباب بيته فمرّ بي فقال: «ادخل» فدخلت فأتي بعشائه فرأيتني أكفّ عنه من قلته، فلمّا فرغ قال: «ناولني نعلي» فقام وقمت معه فقال: كان لك حاجة؟ فقلت: أرسلني إليك رهط من بني سلمة يسألونك عن ليلة القدر فقال: «كم الليلة؟» فقلت: اثنان وعشرون، فقال: «هي الليلة» ثم رجع فقال: «أو الثالثة» «٣» يريد ليلة ثلاث وعشرين [٢٠٢] «٤» .\nقال أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طفران قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل المحاملي قال: حدّثنا يعقوب الدورقي قال: حدّثنا عبد الله بن إدريس قال: سمعت عاصم بن كليب يروي عن أبيه عن خاله قال: قال رسول الله ﷺ: «إني رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها ورأيت مسيح الضلالة [فخرجت إليكم لأبيّنها] فرأيت رجلين يتلاحيان فحجزت بينهما فأنسيتهما وسأشدو لكم منها شدوا، فأمّا لَيْلَةُ الْقَدْرِ فاطلبوها في العشر الأواخر وترا، وأمّا مسيح الضلالة فرجل أجلى الجبهة، ممسوح العين اليسرى، عريض النحر، فيه دمامة «٥» كأنّه فلان بن عبد العزى أو عبد العزى بن فلان» [٢٠٣] «٦» .\nقال: فذكرت هذا الحديث لابن عباس قال: وما عجبك؟ سأل عمر بن الخطاب أصحاب\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٢/ ٢٥٦ باب الاعتكاف.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٣٦ بتفاوت يسير.\n(٣) في المصدر: أو القابلة.\n(٤) سنن أبي داود: ١/ ٣١١.\n(٥) في بعض المصادر: دماء، وفي بعضها: دفا، وفسّر بالانحناء.\n(٦) الدر المنثور: ٥/ ٣٥٤، والمعجم الكبير: ١٨/ ٣٣٥، وكنز العمال: ٨/ ٥٤١.","vol":"10","page":251},{"text":"رسول الله ﷺ وكان يسألني معهم مع الأكابر منهم ويقول لي: لا تتكلم حتى يتكلّموا، فقال:\nعلمتم أنّ رسول الله ﷺ قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ اطلبوها في العشر الأواخر وترا» [٢٠٤] «١» ففي أي الوتر ترون؟\nقال: فأكثر القوم في الوتر، فقال: ما لك لا تكلّم ابن عباس؟ قال: قلت: إن شئت تكلّمت، قال: عن رأيك أسألك؟ قال: قلت: رأيت الله سبحانه أكثر ذكر السبع، وذكر السماوات سبعا، والأرضين والطواف سبعة، والجمار سبعة، وما شاء الله من ذلك، خلق الإنسان من سبعة، وجعل رزقه من سبعة.\nقال: قلت: خلق الإنسان، فقال: فكلّما ذكرت عرقت، فما قولك خلق الإنسان من سبعة وجعل رزقه من سبعة؟ قال: قلت: خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ «٢» إلى قوله: خَلْقًا آخَرَ «٣» .\nثم قرأت أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا «٤» إلى قوله سبحانه: وَأَبًّا «٥» والأبّ ما أنبتت الأرض ممّا لا تأكله الناس، فما أراها إلّا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين، فقال عمر: غلبتموني أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الذي لم تجتمع شؤون رأسه.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد عن صالح بن محمد قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد عن مسلم الأعور عن مجاهد عن ابن عباس أنّ عمر بن الخطاب ﵁ قال له: أخبرني برأيك في لَيْلَةِ الْقَدْرِ، قال: فقلت: إن الله سبحانه وتر يحب الوتر، السماوات سبع، والأرضون سبع، وترزق من سبع، وتخرج من سبع، ولا أراها إلّا في سبع بقين من رمضان، فقال عمر: وافق رأيي رأيك، ثم ضرب منكبي وقال: ما أنت بأقل القوم علما.\nوقال زيد بن ثابت وبلال: هي ليلة أربع وعشرين، ودليلهما ما أخبرناه عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي سعيد قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا محمد بن معاوية قال: حدّثنا بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن يزيد بن عبد الله عن الضابحي عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ ليلة أربع وعشرين» [٢٠٥] «٦» .\nوقيل: هي الليلة الخامسة والعشرون، يدلّ عليها ما\nأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ في\n_________\n(١) المصنّف: ٢/ ٤٨٧.\n(٢) سورة المؤمنون: ١٢- ١٣. [.....]\n(٣) سورة المؤمنون: ١٤.\n(٤) سورة عبس: ٢٥.\n(٥) سورة عبس: ٣١.\n(٦) كنز العمال: ٨/ ٥٣٧ ح ٢٤٠٤٨.","vol":"10","page":252},{"text":"آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا بحر بن نصر قال: فرأى علي ابن وهب أخبرك خبر أحد منهم مالك بن أنس عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال:\n«التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» [٢٠٦] «١» .\nوقال قوم: هي الليلة السابعة والعشرون، وإليه ذهب علي وأبي وعائشة ومعاوية\n، يدل عليه ما\nأخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن عبدوس قال: أخبرنا أبو أحمد حمزة بن العباس ببغداد قال: حدّثنا أحمد بن الوليد الفحام قال: حدّثنا مسوّد بن عامر شاذان قال: أخبرنا شعبة قال:\nعبد الله بن دينار أخبرني قال: سمعت ابن عمر يحدّث عن النبي ﷺ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ قال: «من كان متحرّيا فليتحرّها في ليلة سبع وعشرين» [٢٠٧] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قراءة عليه قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا الحسن بن علي بن عفّان قال: حدّثنا عمرو العنقري قال: حدّثنا سفيان عن عاصم عن زر بن حبيش قال:\nأتينا بن مسعود فسألناه عن لَيْلَةِ الْقَدْرِ فقال: من يقم الحول يصبها، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن قد علم أنها في شهر رمضان وأنها في ليلة تسع وعشرين قال: فقال لنا أبا المنذر: إني قد علمت ذلك فقال: بالآية التي أنبأنا بها رسول الله ﷺ فحفظنا وعددنا، قال: فو الله فإنها لفي ما تستثني، قال: فقلنا: أبا المنذر ما الآية؟ قال: تطلع الشمس عندئذ كأنها طست ليس لها شعاع.\nوروي عن أبيّ بن كعب أيضا أنّه قال: سمعت النبي ﷺ بأذنيّ وإلّا فصمتا أنّه قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ ليلة سبع وعشرين» [٢٠٨] «٣» .\nوقال بعض الصحابة: قام بنا رسول الله ﷺ ليلة الثالث والعشرين ثلث الليل، فلمّا كانت ليلة الخامس والعشرين قام بنا نصف الليل، فلمّا كانت الليلة السابعة والعشرون قام بنا الليل كلّه.\nوقال أبو بكر الورّاق: إنّ الله ﷾ قسّم كلمات هذه السورة على ليالي شهر رمضان، فلما بلغ السابعة والعشرين أشار إليها فقال: هِيَ.\nوقال بعضهم: هي ليلة التاسع والعشرين،\nوروي عن رسول الله ﷺ قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ ليلة السابع والعشرين أو التاسع والعشرين وإن الملائكة في تلك الليلة بعدد الحصى» [٢٠٩] «٤» .\n_________\n(١) كنز العمال: ٨/ ٥٣٦ ح ٢٤٠٣٨.\n(٢) السنن الكبرى: ٤/ ٣١١.\n(٣) مسند أحمد: ٥/ ١٣٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٣٧.","vol":"10","page":253},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا محمد بن سعيد القطان قال:\nحدّثنا عيينة بن عبد الرحمن قال: حدّثني أبي قال: ذكرت ليلة القدر عند أبي بكرة فقال: ما أنا بطالبها بعد شيء سمعته من رسول الله ﷺ إلّا في العشر الأواخر، سمعت رسول الله ﷺ يقول:\n«التمسوها في العشر الأواخر في تسع بقين، أو سبع بقين، أو خمس بقين أو ثلاث بقين أو آخر ليلة» [٢١٠] «١» وكان أبو بكرة إذا دخل شهر رمضان ظلّ يصلي في سائر السنة، فإذا دخل العشر اجتهد.\nوفي الجملة، أخفى الله علم هذه الليلة على الأمّة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعا في إدراكها كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات، واسمه الأعظم في الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، وغضبه في المعاصي، ورضاه في الطاعات، وقيام الساعة في الأوقات، رحمة منه وحكمة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>الباب الثالث: في علامتها واماراتها</span>\nأخبرنا أبو عمر الفراتي قال: أخبرنا أبو نصر السرخسي قال: حدّثنا محمد بن الفضل قال: حدّثنا إبراهيم بن يوسف قال: حدّثنا النضر عن أشعث عن الحسين أن النبي ﷺ قال في لَيْلَةِ الْقَدْرِ: «من أماراتها أنها ليلة بلجة سمحة، لا حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها ليس لها شعاع» [٢١١] «٢» .\nوقال حميد بن عمر: كنت ليلة السابع والعشرين في البحر فأخذت من مائه فوجدته سلسا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>الباب الرابع: في فضائلها وخصائصها</span>.\nحدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد الجهني بها قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن ببغداد قال: حدّثنا أحمد بن محمد بن عيسى قال: حدّثنا محمد بن كثير عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي (﵇) قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» [٢١٢] «٣» .\nوفي الحديث: «إن الشيطان لا يخرج في هذه الليلة حتى يضيء فجرها، ولا يستطيع أن يصيب فيها أحد بخبل أو داء أو ضرب من ضروب الفساد، ولا ينفذ فيها سحر ساحر» [٢١٣] «٤» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٣٧ وقريب منه في كنز العمال: ٨/ ٥٣٨ ح ٢٤٠٥٢.\n(٣) سنن أبي داود: ١/ ٣٠٩.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٣٧.","vol":"10","page":254},{"text":"وروي عن ابن عباس أن النبي (﵇) قال: «إذا كانت لَيْلَةُ الْقَدْرِ ينزل الملائكة الذين هم سكّان سدرة المنتهى، ومنهم جبريل، فينزل جبريل ومعه ألوية ينصب لواء منها على قبري، ولواء منها على بيت المقدس، ولواء في المسجد الحرام، ولواء على طور سيناء، ولا يدع فيها مؤمنا ولا مؤمنة إلّا سلّم عليه إلّا مدمن الخمر وآكل الخنزير والمتضمخ بالزعفران» [٢١٤] «١» .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>الباب الخامس: في آدابها وفيما يستحب فيها</span>.\nحدّثنا أبو بكر بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا الحسين بن مكرم قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا كهمس عن عبد الله بن بريدة أنّ عائشة قالت للنبي ﷺ:\nإن وافت لَيْلَةُ الْقَدْرِ فما أقول؟ قال: «قولي: اللهمّ إنّك عفوّ تحب العفو فاعف عنّي» [٢١٥] «٢» .\nوروى شريح بن هانئ عن عائشة قالت: لو عرفت أيّ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ما سألت الله فيها إلّا العافية.\nوأخبرنا أبو عمر الفراتي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن سهل قال: حدّثنا سعيد بن عيسى قال: حدّثنا فارس بن عمر قال: حدّثنا صالح قال: حدّثنا العمري عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أنّ النبي ﷺ قال: «من صلّى المغرب والعشاء الآخرة من لَيْلَةِ الْقَدْرِ [في جماعة] فقد أخذ حظه من لَيْلَةِ الْقَدْرِ» [٢١٦] «٣» .\nلَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ «٤»\nأخبرنا أبو عمر الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال:\nأخبرنا موسى بن عبد الله: قال: حدّثنا أبو مصعب عن ملك أنه سمع من يثق به أن رسول الله ﷺ أري أعمار الناس تقاصر أعمار أمّته ألّا يبلغوا من الأعمال مثل الذي يبلغ غيره في طول العمر، فأعطاه الله سبحانه: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ.\nواختلفوا في الحكمة الموجبة لهذا العدد،\nفأخبرني الحسين قال: حدّثنا الكندي قال:\nحدّثنا عبد الرحمن بن حاتم قال: قرئ على [يونس] بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهبة قال:\nحدّثنا مسلمة عن علي بن لهيعة قال: ذكر رسول الله ﷺ يوما أربعة من بني إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاما، لم يعصوه طرفة عين فذكر: أيّوب، وزكريّا، وحزقيل ابن العجوز، ويوشع بن نون قال: فعجب أصحاب النبي ﷺ من ذلك وأتاه جبريل فقال: «يا محمد عجبت أمّتك من عبادة\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٣٧، والتضمخ: التلطخ بالطيب والإكثار منه.\n(٢) مسند أحمد: ٦/ ١٧١. [.....]\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٣٨.\n(٤) سورة القدر: ٣.","vol":"10","page":255},{"text":"هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين»، فقال: «أنزل الله تعالى عليك خيرا من ذلك»، ثم قرأ عليه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ لأن هذا أفضل مما عجبت أنت وأمّتك» قال:\nفسرّ بذلك النبي ﷺ والناس معه [٢١٧] «١» .\nوأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا محمد بن إسحاق قال: حدّثنا سعيد بن عيسى قال:\nحدّثنا فارس بن عمرو قال: حدّثنا صالح قال: حدّثنا مسلم بن خالد بن أبي نجح أن النبي ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السلاح في سبيل الله ألف شهر قال: فعجب المسلمون من ذلك فأنزل الله سبحانه: إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ الذي لبس ذلك الرجل السلاح في سبيل الله.\nويقال: إنّ ذلك الرجل كان شمشون (﵇)، وكانت قصته على ما ذكر وهب بن منبه أنّه كان رجلا مسلما وكانت أمّه قد جعلته نذيرا، وكان من أهل قرية من قرى الروم كانوا يعبدون الأصنام، وكان منزله منها على أميال غير كثيرة، فكان يغزوهم وحده، ويجاهدهم في الله فيصيب منهم وفيهم حاجته، ويقتل ويسبي ويصيب الأموال، وكان إذا لقيهم لقيهم بلحي بعير لا يلقاهم بغيره، فإذا قاتلوه وقاتلهم وتعب وعطش انفجر له من الحجر الذي في اللحي ماء عذب فيشرب منه حتى يروى.\nوكان قد أعطي قوّة في البطش، وكان لا يوثقه حديد ولا غيره، فكان كذلك، فجاهدهم في الله، يصيب منهم حاجته لا يقدرون منه على شيء حتى قالوا: لن تأتوه إلّا من قبل امرأته، فدخلوا على امرأته فجعلوا لها جعلا فقالت: نعم، أنا أوثقه لكم فأعطوها حبلا وثيقا، وقالوا لها: إذا نام فأوثقي يده إلى عنقه حتى نأتيه فنأخذه، فلمّا نام أوثقت يده إلى عنقه بذلك الحبل، فلما هبّ جذبه بيده فوقع من عنقه.\nفقال لها: لم فعلت ذلك؟ فقالت: أجرّب بها قوتك، ما رأيت مثلك، فأرسلت إليهم:\nإني قد ربطته بالحبل فلم أغن شيئا، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد، وقالوا: إذا نام فاجعليها في عنقه، فلمّا نام جعلتها في عنقه، فلمّا هبّ جذبها فوقعت من يده وعنقه، فقال لها: لم فعلت هذا؟ قالت: أجرّب بها قوتك، ما رأيت مثلك في الدنيا يا شمشون، أما في الأرض شيء يغلبك؟ قال: إلّا شيء واحد، قالت: وما هو؟ قال لها: ها أنا لمخبرك به، فلم تزل تسأله عن ذلك وكان ذا شعر كثير، فقال لها: ويحك إنّ أمّي كانت جعلتني نذيرا فلا يغلبني شيء أبدا، ولا يضبطني إلّا شعري، فلمّا نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه، فأوثقه ذلك وبعثت إلى القوم.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٦٧.","vol":"10","page":256},{"text":"فجاؤا فأخذوه فجدعوا أنفه وانفذوا أذنيه وفقأوا عينيه، ووقفوا بين ظهراني المدينة، وكانت مدينة ذات أساطين، وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمشون وما يصنع به، فدعا شمشون ربّه حين مثلوا ووقفوه أن يسلّطه عليهم، فأمر أن يأخذ بعمودين من عمد المدينة التي عليها الملك والناس الذين معه فاجتذبهما جميعا فجذبهما، فردّ الله تعالى إليه بصره وما أصابوا من جسده، ووقعت المئذنة بالملك ومن عليها من الناس، فهلكوا فيها هدما «١» .\nوقيل: هو أن الرجل فيما مضى كان لا يستحق أن يقال له: عابد، حتى يعبد الله ألف شهر وهي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، فجعل الله سبحانه لأمّة محمد (﵇) ليلة خيرا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ كانوا يعبدون فيها.\nوقال أبو بكر الورّاق: كان ملك سليمان خمسمائة شهر وملك ذي القرنين خمسمائة شهر، فيحتمل أن يكون معنى الآية: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ لمن أدركها مما ملكه سليمان وذو القرنين (﵉) .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن الأشقر قال:\nحدّثنا زيد بن أخرم قال: حدّثنا أبو داود قال: حدّثنا علقمة بن الفضل عن يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي فقال: سوّدت وجوه المؤمنين، عمدت إلى هذا الرجل فبايعته يعني معاوية فقال: «لا تؤنّبني [رحمك الله فإن] رسول الله ﷺ قد أري بني أميّة يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ونزلت إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تملكه بنو أميّة.\nقال القاسم: اللهمّ فحسبنا ملك بني أميّة فإذا هو ألف شهر لا يزيد ولا ينقص» [٢١٨] «٢» .\nوقال المفسّرون: عمل صالح في ليلة القدر خَيْرٌ مِنْ عمل أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها ليلة القدر، وروى الربيع عن أبي العالية قال: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ عمر أَلْفِ شَهْرٍ، وقال مجاهد: سلام الملائكة والروح عليك تلك الليلة خير من سلام الخلق عليك ألف شهر فذلك [قوله] سبحانه تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ.\nقرأ طلحة بن مصرف تنزل خفيفة، من النزول، وَالرُّوحُ يعني جبرئيل في قول أكثر المفسّرين يدلّ عليه ما\nروى قتادة عن أنس أن رسول الله (﵇) قال: «إذا كان لَيْلَةُ الْقَدْرِ نزل جبرئيل في كبكبة من الملائكة يصلّون ويسلّمون على كلّ عبد قائم أو قاعد يذكر الله سبحانه» [٢١٩] «٣» .\n_________\n(١) بطوله في تاريخ الطبري: ١/ ٤٦٥.\n(٢) مستدرك الصحيحين: ٣/ ١٧٠، وتحفة الأحوذي: ٩/ ١٩٧.\n(٣) زاد المسير: ٨/ ٢٨٧.","vol":"10","page":257},{"text":"وقال كعب ومقاتل بن حيان: الروح طائفة من الملائكة لا تراهم الملائكة إلّا تلك الليلة، ينزلون من لدن غروب الشمس إلى طلوع الفجر.\nوقال الواقدي: هو ملك عظيم [من أعظم الملائكة خلقا] «١» يخلق من الملائكة.\nفِيها أي في ليلة القدر بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ قدّره الله سبحانه وقضاه في تلك السنة إلى قابل، لقوله سبحانه في الرعد: يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ «٢» أي بأمر الله.\nوقد أخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا يحيى بن زياد الفرّاء قال: حدّثني أبو بكر بن عباس عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أنّه كان يقرأ من كل امرئ سلام، ورويت هذه القراءة أيضا عن علي بن أبي طالب وعكرمة\n، ولها وجهان:\nأحدهما: إنّه وجّه معناه إلى الملك أي من كلّ ملك سلام.\nوالثاني: أن يكون من بمعنى على تقديره: على كل امرئ من المسلمين سلام من الملائكة كقوله سبحانه: وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ «٣» أي على القوم، والقراءة الصحيحة ما عليه العامة لإجماع الحجّة من القراءة عليها ولموافقتها خطّ المصاحف لأنه ليس فيها ياء.\nوقوله: سَلامٌ هِيَ تمام الكلام عند قوله: مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ثم ابتدأ فقال سبحانه:\nسَلامٌ هِيَ أي ليلة القدر سلام وخير كلّها ليس فيها شر.\nقال الضّحاك: لا يقدر الله سبحانه في تلك الليلة إلّا السلامة، فأمّا في الليالي الأخر فيقضي الله تعالى فيهنّ البلاء والسلامة، قال مجاهد: هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أن يحدث فيها أذى.\nوقال الشعبي ومنصور بن زاذان: هو تسليم الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حين تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر، يمرون على كلّ مؤمن ويقولون: السلام عليك يا مؤمن.\nحَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ حتى حرف غاية، مجازها إلى مطلع الفجر. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي وخلف بكسر اللام، غيرهم بفتحه وهو الاختيار لأن المطلع بفتح اللام بمعنى الطلوع يقال: طلعت الشمس طلوعا ومطلعا، فأمّا المطلع بكسر اللام فإنّه موضع الطلوع، ولا معنى للاسم في هذا الموضع، إنّما هو لمعنى المصدر، والله أعلم.\n_________\n(١) عن تفسير ابن كثير: ٤/ ٤٩٦.\n(٢) سورة الرعد: ١١.\n(٣) سورة الأنبياء: ٧٧.","vol":"10","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-904>سورة البيّنة (المنفكّين)</span>\nمدنيّة، وهي ثلاثمائة وتسعة وتسعون حرفا وأربع وتسعون كلمة وثماني آيات\nأخبرنا السلمي والخبازي قالا: أخبرنا محمد بن محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن موسى بن النعمان قال: حدّثنا فهد بن سليمان قال: حدّثنا إسحاق بن بشير قال: حدّثنا مالك بن أنس عن محمد بن سعيد عن سعيد بن المسيّب عن أبي الهاد قال: قال رسول الله ﷺ: «لو يعلم الناس ما في الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لعطّلوا الأهل والمال وتعلّموها» فقال رجل من خزاعة: ما فيها من الأجر يا رسول الله؟ قال رسول الله (﵇): «لا يقرأها منافق أبدا ولا رجل في قلبه شكّ في الله ﷿، والله إن الملائكة المقرّبين ليقرأونها منذ خلق الله السماوات والأرض لا يفترون من قراءتها، وما من عبد يقرأها بليل إلّا بعث الله سبحانه ملائكة يحفظونه في دينه ودنياه، ويدعون الله له بالمغفرة والرحمة، فإن قرأها نهارا أعطي عليها من الثواب مثل ما أضاء عليه النهار وأظلم عليه الليل» .\nفقال رجل من قيس عيلان: زدنا من هذا الحديث فداك أبي وأمّي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «تعلّموا عَمَّ يَتَساءَلُونَ «١» وتعلّموا ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ «٢» وتعلّموا وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ «٣» وتعلّموا وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ «٤» وإنّكم لو تعلمون ما فيهن لعطّلتم ما أنتم فيه وتعلّمتموهنّ وتقرّبتم إلى الله سبحانه بهنّ فإن الله يغفر بهنّ كل ذنب إلّا الشرك بالله.\nواعلموا أنّ تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ «٥» [تجادل عن صاحبها] وتستغفر له من الذنوب» [٢٢٠] «٦» .\nوأخبرني الخبازي قال: حدّثنا ظفران قال: حدّثنا بن أبي داود قال: حدّثنا محمد بن\n_________\n(١) سورة النبأ: ١.\n(٢) سورة ق: ١.\n(٣) سورة البروج: ١.\n(٤) سورة الطارق: ١.\n(٥) سورة الملك: ١. [.....]\n(٦) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤١١.","vol":"10","page":259},{"text":"عاصم قال: حدّثنا شبابة بن سوار قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن زيد عن زر عن أبيّ قال: قال رسول الله (﵇): «من قرأ سورة لَمْ يَكُنِ كان يوم القيامة مع خير البرية مسافرا أو مقيما» [٢٢١] «١» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن علي قال: حدّثنا أبو يعلى الموصلي قال: حدّثنا محمد بن المثنى قال: حدّثنا عبد ربّه قال: حدّثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس قال: قال رسول الله (﵇) لأبيّ بن كعب: «إن الله ﷿ أمرني أن أقرأ عليك لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا» قال: وسمّاني؟ قال: «نعم» فبكى [٢٢٢] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>[سورة البينة (٩٨): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)\nوَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨)\nلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم اليهود والنصارى، والمشركون وهم عبدة الأوثان، مُنْفَكِّينَ منتهين عن كفرهم وشركهم، وقال أهل اللغة: زائلين، يقول: العرب: ما انفكّ فلان يفعل كذا، أي ما زال، وأصل الفكّ الفتح، ومنه فكّ الكتاب، وفكّ الخلخال، وفكّ البيالم وهي خورنق العطر، قال طرفة:\nوآليت لا ينفك كشحي بطانة ... لعضب رقيق الشفرتين منهد «٣»\nحَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ الحجّة الواضحة وهي محمد (﵇) أتاهم بالقرآن فبيّن لهم ضلالتهم وجهالتهم، وهداهم إلى الإيمان، وقال ابن كيسان معناه لم يكن هؤلاء الكفار تاركين صفة محمد (﵇) حتى بعث، فلمّا بعث تفرّقوا فيه.\nثم فسّر البيّنة فقال: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ. فأبدل النكرة من المعرفة كقوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ «٤» .\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤١١.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ١٣٠.\n(٣) لسان العرب: ٢/ ٥٧٢.\n(٤) سورة البروج: ١٥- ١٦.","vol":"10","page":260},{"text":"يَتْلُوا يقرأ صُحُفًا كتبا مُطَهَّرَةً من الباطل فِيها كُتُبٌ من الله قَيِّمَةٌ مستقيمة عادلة وَما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ في أمر محمد (﵇) فكذّبوه إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ البيان في كتبهم أنه نبيّ مرسل.\nقال العلماء: من أول السورة إلى قوله: فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ حكمها في من آمن من أهل الكتاب والمشركين، وَما تَفَرَّقَ حكمه في من لم يؤمن من أهل الكتاب بعد قيام الحجج عليها.\nقال بعض أئمّة أهل اللغة قوله: مُنْفَكِّينَ أي هالكين من قوله انفك صلا المرأة عند الولادة وهو أن تنفصل ولا يلتئم فهلك، ومعنى الآية: لم يكونوا هالكين أي معذّبين إلّا بعد قيام الحجّة عليهم بإرسال الرسول وإنزال الكتب.\nوقرأ الأعمش (والمشركون) رفعا، وفي مصحف عبد الله (لم يكن المشركون وأهل الكتاب منفكّين) وفي حرف أبيّ (ما كان الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكّين حتى تأتيهم البيّنة رسولا من الله) بالنصب على القطع والحال.\nوَما أُمِرُوا يعني هؤلاء الكفار إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ يعني إلّا أن يعبدوا الله مخلصين لَهُ الدِّينَ التوحيد والطاعة حُنَفاءَ مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام.\nوقال ابن عباس: حجاجا، وقال قتادة: الحنيفية هي الختان وتحريم الأمّهات والبنات والأخوات والعمّات والخالات، وإقامة المناسك.\nوقال سعيد بن حمزة: لا تسمي العرب حنيفا إلّا من حجّ واختتن وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ الذي ذكرت دِينُ الْقَيِّمَةِ المستقيمة فأضاف الدين إلى القيّمة وهو أمر فيه اختلاف اللفظين وأنّث القيّمة لأنّه رجع بها إلى الملّة والشريعة، وقيل: الهاء فيه للمبالغة.\nسمعت أبا القاسم الحنبلي يقول: سمعت أبا سهل محمد بن محمد بن الأشعث الطالقاني يقول: إن القيّمة هاهنا الكتب التي جرى ذكرها، والدين مضاف إليها على معنى: وَذلِكَ دِينُ الكتب الْقَيِّمَةِ فيما يدعو إليه ويأمر به، نظيرها قوله سبحانه: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ «١» .\nوقال النضر بن شميل: سألت الخليل بن أحمد عن قوله سبحانه: وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ فقال: القيّمة جمع القيّم، والقيّم [والقائم] واحد ومجاز الآية: وذلك دين القائمين لك بالتوحيد «٢» .\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢١٣.\n(٢) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤١٤.","vol":"10","page":261},{"text":"إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ الخليقة، قرأ نافع البرئة بالهمزة في الحرفين ومثله روى ابن ذكوان عن أهل الشام على الأصل لأنه من قولهم: برأ الله الخلق يبرؤهم برءا، قال الله سبحانه: مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها، وقرأ الآخرون بالتشديد من غير همزة، ولها وجهان:\nأحدهما أنه ترك الهمزة وأدخل الشبه به عوضا منه.\nوالآخر أن يكون (فعيلة) من البراء وهو التراب، تقول العرب: بفيك البراء فمجازه:\nالمخلوقون من التراب.\nإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ.\nقال الصادق ﵁: بما كان سبق لهم من العناية والتوفيق، ورضوا عنه بما منّ عليهم بمتابعتهم لرسوله، وقبولهم ما جاءهم به، أي أن بيان رضا الخلق عن الله رضاهم بما يرد عليهم من أحكامه ورضاه عنهم أن يوفّقهم للرضا عنه» [٢٢٣] .\nمحمد بن الفضيل: الرّوح والراحة في الرضا واليقين، والرضا باب الله الأعظم ومستراح العابدين. محمد بن حقيق: الرضا ينقسم قسمين: رضا به ورضا عنه، فالرضا به ربّا ومدبّرا، والرضا عنه فيما يقضي ويقدّر.\nوقيل: الرضا رفع الاختيار. ذي النون: الرضا: سرور القلب لمرّ القضاء. حارث: الرضا سكون القلب تحت جريان الحكم. أبو عمرو الدمشقي: الرضا نهاية الصبر. أبو بكر بن طاهر:\nالرضا خروج الكراهية من القلب حتى لا يكون إلّا فرح وسرور. الواسطي: هو النظر إلى الأشياء يعني الرضا حتى لا يسخطك شيء إلّا ما يسخط مولاك. ابن عطاء: هو النظر إلى قديم إحسان الله للعبد فيترك السخط عليه.\nسمعت محمد بن الحسين بن محمد يقول: سمعت محمد بن أحمد بن إبراهيم يقول:\nسمعت محمد بن الحسين يقول: سمعت علي بن عبد الحميد يقول: سمعت السهمي يقول: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تسأله الرضا عنك؟.","vol":"10","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-906>سورة الزلزلة</span>\nمكّيّة، وهي مائة وتسعة وأربعون حرفا، وخمس وثلاثون كلمة، وثماني آيات\nأخبرنا يعقوب بن أحمد بن السهمي العروضي في درب الحاجب قال: أخبرنا محمد بن عبد الله العثماني قال: حدّثنا أبا القاسم الطائي قال: حدّثني أبي قال: حدّثني علي بن موسى الرضا قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن علي قال: حدّثني أبي علي بن الحسين قال: حدّثني أبي الحسين بن علي قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ إِذا زُلْزِلَتِ أربع مرّات كان كمن قرأ القرآن كلّه» [٢٢٤] «١» .\nوأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثني أبو بكر محمد بن عبد الله قال: حدّثنا الحسن بن سفيان قال: حدّثنا علي بن حجر قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا اليمان بن المغيرة عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله (﵇): «إِذا زُلْزِلَتِ تعدل نصف القرآن، وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ «٢» تعدل ثلث القرآن وقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ «٣» تعدل ربع القرآن» [٢٢٥] «٤» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها (٢) وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها (٤)\nبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (٥) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦)\nإِذا زُلْزِلَتِ حرّكت الْأَرْضُ حركة شديدة لقيام الساعة زِلْزالَها تحركها وقراءة العامّة بكسر الزاي.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٤٦.\n(٢) سورة الإخلاص: ١.\n(٣) سورة الكافرون: ١.\n(٤) كنز العمال: ١/ ٥٨٤.","vol":"10","page":263},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا [الباقرجي] قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن ياسين البغدادي قال: حدّثنا جميل بن الحسن قال: حدّثنا أحمد بن موسى صاحب اللؤلؤ قال: سمعت عاصم الجحدري يقرأ: إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زَلْزالَها الزاي مفتوحة وهو مصدر أيضا كالوسواس والقلقال والجرجار، وقيل: الكسر المصدر والفتح الاسم.\nوَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها موتاها وكنوزها فيقلبها على ظهرها وَقالَ الْإِنْسانُ ما لَها وقيل: في الآية تقديم وتأخير تقديره يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها فيقول الْإِنْسانُ: ما لَها.\nقال المفسّرون: تخبر الأرض بما عمل عليها من خير أو شرّ فتقول للمؤمن يوم القيامة:\nجدّ عليّ وصام وصلّى واجتهد وأطاع ربّه، فيفرح المؤمن بذلك، وتقول للكافر: شرك عليّ وزنى [وسرق] وشرب الخمر فيوبّخ بالمشهد، وتشهد عليه الجوارح والملائكة مع علم الله سبحانه به حتى يودّ أنه سيق إلى النار مما يرى من الفضوح.\nحدّثنا أبو بكر محمد بن عبدوس المزكى إملاء قال: أخبرنا أبو نصر محمد بن حمدويه بن سهل المروزي قال: حدّثنا عبد الله بن حمّاد الآملي قال: حدّثنا سعيد بن أبي مريم قال: حدّثنا رشد بن سعد قال: حدّثنا يحيى بن أبي سلمى عن أبي حازم عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «إن الأرض لتخبر يوم القيامة بكل عمل عمل على ظهرها» قال: وتلا رسول الله ﷺ:\n«إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها» حتى بلغ «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» قال: «أتدرون ما أخبارها؟\nإذا كان يوم القيامة أخبرت بكل عمل عمل على ظهرها» [٢٢٦] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا علي بن الحسن بن مطرف الجراحي قال: حدّثنا أبو عيسى عبد الرحمن بن عبد الله الأنباري قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم قال: حدّثنا خالد بن يزيد العمري قال: حدّثنا شعبة عن يحيى بن سليم أبي بلج عن سعيد بن المسيّب عن أبي هريرة أن النبي (﵇) ذكر هذه الآية: «يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها» فقال: «تدري ما أخبارها؟» قال: الله ورسوله أعلم.\nقال: «فإن أخبارها أن تشهد على كلّ عبد وأمة بما عمل على ظهرها من شيء، تقول:\nعمل على ظهري كذا وكذا، أو حملت على ظهري كذا وكذا يوم كذا لكذا وكذا، فهذه أخبارها» [٢٢٧] «٢» .\nوفي حرف ابن مسعود يومئذ تبني أخبارها.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا المطرفي قال: حدّثنا بشر بن مطر قال: حدّثنا سفيان\n_________\n(١) الدر المنثور: ٦/ ٣٨٠، بتفاوت يسير.\n(٢) سنن الترمذي: ٤/ ٤١.","vol":"10","page":264},{"text":"عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه- وكان أبوه يتيما في حجر أبي سعيد الخدري- قال: قال لي يعني أبا سعيد: يا بنيّ إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالأذان فإني سمعت النبيّ ﷺ يقول: «لا يسمعه جنّ ولا إنس ولا حجر إلّا يشهد له» [٢٢٨] «١» .\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا محمد بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا ابن الحسين قال: حدّثنا علي بن حميد عن إبراهيم عن أبيه قال: رأيت أبا أميّة صلّى في المسجد الحرام المكتوبة، ثم تقدم فجعل يصلي هاهنا وهاهنا، فلمّا فرغ قلت: يا أبا أميّة ما هذا الذي رأيتك تصنع؟ قال قرأت هذه الآية: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها فأردت أن تشهد لي يوم القيامة.\nبِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها أي أمرها بالكلام واذن لها فيه، قال [العجاج يصف الأرض]:\nأوحى لها القرار فاستقرّت ... وشدّها بالراسيات الثبّت\nأي أمرها بالقرار.\nوقال ابن عباس والقرظي وابن زيد: أوحى إليها. ومجاز الآية: يوحي الله إليها.\nيَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا عن موقف الحساب، أشتاتا: متفرقين فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ قيل: في هذه الآية تقديم وتأخير تقديرها يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتًا! وقراءة العامّة لِيُرَوْا بضم الياء،\nوقرأ الحسن والأعرج بفتح الياء وروي ذلك عن النبي ﷺ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>[سورة الزلزلة (٩٩): الآيات ٧ الى ٨]</span>\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)\nفَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ أي يرى ثوابه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.\nقال ابن عباس: ليس مؤمن ولا كافر عمل خيرا ولا شرا في الدنيا إلّا أراه الله إياه، أما المؤمن فيرى حسناته وسيّئاته، فيغفر له سيئاته ويثيبه لحسناته، وأما الكافر فترد حسناته ويعذبه بسيّئاته.\nوقال محمد بن كعب في هذه الآية: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا من كافر يرى ثوابه في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا وليس له عند الله خير، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا من مؤمن يرى عقوبته في الدنيا في نفسه وأهله وماله وولده حتى يخرج من الدنيا، وليس له عند الله شر.\nودليل هذا التأويل ما\nأخبرنا عقيل أنّ أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثني أبو\n_________\n(١) مسند أحمد: ٣/ ٦، بتفاوت، تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤١٩، بدون تفاوت. [.....]","vol":"10","page":265},{"text":"الخطاب الجنائي قال: حدّثنا الهيثم بن الربيع قال: حدّثنا سماك بن عطية عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس قال: كان أبو بكر يأكل مع النبي (﵇) فنزلت هذه الآية: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ فرفع أبو بكر﵁- يده وقال:\nيا رسول الله أنّى أخبر بما عملت من مثقال ذرة من شر؟ فقال: «يا أبا بكر ما رأيت في الدنيا مما تكره فبمثاقيل ذرّ الشرّ، ويدّخر الله لك مثاقيل ذر «١» الخير حتى توفّاه يوم القيامة» [٢٢٩] «٢» .\nله عن محمد بن جرير قال: حدّثني يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا بن وهب قال:\nحدّثني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجيلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال:\nنزلت إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها وأبو بكر الصديق﵁- قاعد فبكى حين أنزلت، فقال له رسول الله (﵇): «ما يبكيك يا أبا بكر؟» قال: أبكتني هذه السورة، فقال له رسول الله (﵌): «والله لو أنكم لا تخطئون ولا تذنبون ويغفر الله لكم لخلق الله أمّة يخطئون ويذنبون فيغفر لهم» [٢٣٠] «٣» .\nوقراءة العامّة يَرَهُ بفتح الياء في الحرفين، وقرأ خالد بن نشيط وعاصم الجحدري بضم الياءين لقوله: لِيُرَوْا.\nقال مقاتل: نزلت هذه الآية في رجلين وذلك أنه لما نزل وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ «٤» كان أحدهما يأتيه السائل فيستقلّ أن يعطيه التمرة والكسرة والجوزة ونحوها ويقول: ما هذا بشيء إنّما نؤجر على ما نعطي ونحن نحبه يقول الله سبحانه: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ فما أحب لنا هذا فرده غفران، وكان الآخر يتهاون بالذنب اليسير، الكذبة والغيبة والنظرة وأشباه ذلك ويقول: ليس عليّ من هذا شيء إنّما وعد الله سبحانه النار على الكبائر، وليس في هذا إثم، فأنزل الله سبحانه يرغّبهم في القليل من الخير أن يعطوه، فإنّه يوشك أن يكثر، ويحذّرهم اليسير من الذنب فإنّه يوشك أن يكبر، فالإثم الصغير في عين صاحبه يوم القيامة أعلى من الجبال، وجميع محاسنه أقل في عينه من كل شيء فقال: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ.\nسئل ثعلبة عن الذرّة قال: إن مائة مثل وزن حبّة والذرّة واحد منها. وقال يزيد بن [مروان]: زعموا أن الذرّة ليس لها وزن، ومعنى المثقال الوزن، وهو مفعال من الثقل، وقال\n_________\n(١) في الأصل: مثاقيل الخير.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٧٧.\n(٣) مجمع الزوائد: ٧/ ١٤١، بتفاوت يسير.\n(٤) سورة الدهر: ٨.","vol":"10","page":266},{"text":"ابن مسعود: أحكم آية في القرآن فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وكان رسول الله ﷺ يسمّيها «الجامعة الفاذة» [٢٣١] «١»\n، وتصدق سعد بن أبي وقّاص بتمرتين وقبض السائل يده فقال سعد: ويحك تقبل الله منّا مثقال الذرّة والخردلة وكأين في هذه من مثاقيل.\nوتصدّق عمر بن الخطّاب وعائشة بحبة من عنب وقالا فيها مثاقيل ذرّ كثر.\nوروى المطّلب بن [عبد الله عن عائشة] أن رسول الله (﵌) قرأ في مجلس ومعهم أعرابي جالس فقال رسول الله (﵇): «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» فقال الأعرابي: يا رسول الله مثقال ذرّة؟ قال له: «نعم»، فقال الأعرابي: يا رسول الله مثقال ذرّة؟ قال له «نعم»، فقال الأعرابي: وا سوأتاه منّا إذا، ثم قام وهو يقولها فقال رسول الله (﵇): «لقد دخل قلب الأعرابي الإيمان» [٢٣٢] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حاطب قال: أخبرنا محمد بن عامر السمرقندي قال: حدّثنا عمر بن يحيى قال: حدّثنا عبد بن حميد عن وهب بن جرير عن أبيه قال: سمعت الحسن يقول: «قدم صعصعة عمّ الفرزدق على النبي (﵇) فلمّا سمع فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ قال: حسبي ما أبالي ولا أسمع من القرآن غير هذا» [٢٣٣] «٣» .\nوقال الربيع بن صبيح: مرّ رجل بالحسن وهو يقرأ هذه السورة، فلمّا بلغ آخرها قال:\n«حسبي قد أتممت الموعظة» فقال الحسن: «لقد فقه الرجل» [٢٣٤] .\nأنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد المفسّر قال: أنشدني أبو الفضل أحمد بن محمد بن حمدون الفقيه قال: أنشدني أبو بكر أحمد بن محمد بن إبراهيم الحواربي بواسط:\nإنّ من يعتدي ويكسب إثما ... وزن مثقال ذرّة سيراه\nويجازى بفعله الشر شرّا ... وبفعل الجميل أيضا جزاه\nهكذا قوله تبارك ربّي ... في إذا زلزلت جلّ ثناه «٤»\n_________\n(١) صحيح البخاري: ٣/ ٧٩.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٥٢ والدر المنثور: ٦/ ٣٨١.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٥٣ وتفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٢٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٥٢.","vol":"10","page":267},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-909>سورة العاديات</span>\nمكّيّة، وهي مائة وثلاثة وستون حرفا، وأربعون كلمة، وإحدى عشرة آية\nأخبرنا الجنازي قال: حدّثنا ابن حبيش قال: أخبرنا أبو العباس الدقّاق قال: حدّثنا عبد الله بن روح قال: حدّثنا شبابة قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد عن علي بن يزيد عن زر عن أبي قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة العاديات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات بالمزدلفة وشهد جمعا» [٢٣٥] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعادِياتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِياتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيراتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤)\nفَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥)\nوَالْعادِياتِ ضَبْحًا قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وعكرمة والحسن والكلبي وأبو العالية والربيع وعطية وقتادة ومقاتل وابن كيسان: هي الخيل التي تعدو في سبيل الله وتضبح وهو صوت أنفاسها إذا أجهدت في الجري فيكثر الربو في أجوافها من شدة العدو، قال ابن عباس:\nليس شيء من الدواب يضج غير الفرس والكلب والثعلب.\nقال أهل اللغة: أصل الضبح والضباح للثعالب فاستعير في الخيل، وهو من قول العرب:\nضبحته النار إذا غيّرت لونه، وإنّما تضبح هذه الحيوانات إذا تغيّرت حالها من تعب أو فزع أو طمع، ونصب قوله: ضَبْحًا على المصدر ومجازه: والعاديات تضبح ضبحا قال الشاعر:\nلست بالتبّع اليماني إن لم ... تضبح الخيل في سواد العراق «١»\nوقال آخر:\nوالعاديات أسابي الدماء بها ... كأن أعناقها أنصاب ترجيب «٢» «٣»\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٥٤.\n(٢) البيت لسلامة بن جندل، والاسابي: الطرق من الدم، وأسابي الدماء: طرائقها، والترجيب: دعم الشجرة إذا كثر حملها.\n(٣) لسان العرب: ١/ ٤١٣.","vol":"10","page":268},{"text":"يعني الخيل.\nقال مقاتل: بعث رسول الله ﷺ سرية إلى حي من كنانة واستعمل عليهم المنذر بن عمر الأنصاري أحد النقباء فتأخر خبرهم، وقال المنافقون: قتلوا جميعا فأخبره الله سبحانه عنها فقال: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا يعني تلك الخيول غدت حتى ضبحت\n، وهو صوت ليس بصهيل ولا حمحمة، وقال الحكماء: هو تقلقل الجرذان في القنب. وقيل: هو صوت إرخاء مشافرها إذا عدت، قال أبو الضحى: وكان ابن عباس يقول: ضباحها أج أج. وقال قوم: هي الإبل.\nأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن أبي سعيد قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح قال: حدّثنا مروان بن معاوية قال: حدّثنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله سبحانه: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا قال: ما رأى فيه عكرمة؟ فقال عكرمة: قال ابن عباس: هي الخيل في القتال، فقلت أنا: (قال علي: هي الإبل في الحجّ)، وقلت: مولاي أعلم من مولاك.\nوقال الشعبي تمارى علي ابن عباس في قوله: وَالْعادِياتِ ضَبْحًا فقال ابن عباس: هي الخيل، ألا تراه يقول: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فهل تثير إلّا بحوافرها، وهل تضبح الإبل؟ وإنما تضبح الخيل، فقال علي: ليس كما قلت لقد رأيتنا يوم بدر وما معنا إلّا فرس أبلق للمقداد بن الأسود.\nوفي رواية أخرى وفرس لمرثد بن أبي مرثد الغنوي.\nوأخبرني عقيل بن أبي الفرج، أخبرهم عن أبي جرير قال: حدّثني يونس قال: أخبرنا بن وهب قال: حدّثنا أبو صخر عن أبي لهيعة البجلي عن سعيد بن حسين عن ابن عباس حدّثه قال:\nبينما أنا في الحجر جالس أتاني رجل فسأل عن الْعادِياتِ ضَبْحًا، فقال له: الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم، فانفتل عني وذهب إلى علي بن أبي طالب وهو تحت سقاية زمزم وسأله عن العاديات ضبحا فقال: «سألت عنها أحدا قبلي» .\nقال: نعم، سألت عنها ابن عباس وقال: هي الخيل تغير في سبيل الله قال: «اذهب فادعه لي»، فلمّا وقف على رأسه قال: «تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام بدر، وما كان معنا إلّا فرسان: فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات الخيل، بل العاديات ضبحا الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى» [٢٣٦] «١» .\nقال ابن عباس: فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال علي\n، وإلى قول علي ذهب ابن مسعود ومحمد بن عمير ومحمد بن كعب والسدي.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٢٣.","vol":"10","page":269},{"text":"وقال بعضهم: من قال: هي الإبل قال ضبحا يعني ضبعا بمدّ أعناقها في السير وضبحت وضبعت بمعنى واحد، قالت صفية بنت عبد المطّلب:\nفلا والعاديات غداة جمع ... بأيديها إذا سطع الغبار\nفَالْمُورِياتِ قَدْحًا قال عكرمة وعطاء والضّحاك: هي الخيل توري النار بحوافرها إذا سارت في الحجارة والأرض المحصبة.\nوقال مقاتل والكلبي: والعرب تسمي تلك النار نار أبي حباحب.\nوكان أبي حباحب شيخا من مضر في الجاهلية وكان من أبخل الناس، وكان لا يوقد نارا لخبز ولا غيره حتى تنام كل ذي عين، فإذا نام أصحابه وقد نويرة تقد مرّة وتخمد مرّة، فإذا استيقظ بها أحد أطفأها كراهية أن ينتفع بها أحد، فشبّهت العرب هذه النار بناره، أي لا ينتفع به كما لا ينتفع بنار أبي حباحب.\nومجاز الآية: والقادحات قدحا فخالف بين الصدر والمصدر.\nوقال قتادة: هي الخيل تهيج للحرب ونار العداوة بين أصحابها وفرسانها.\nوروى سعيد بن حسن عن ابن عباس قال: هي الخيل تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم.\nمجاهد وزيد بن أسلم: هي مكر الرجل والعرب تقول إذا أراد الرجل أن يمكر لصاحبه قال: أما والله لأقدحنّ لك ثم لأورينّ لك.\nسعيد بن جبير: يعني رجال الحرب. عكرمة: هي ألسنة الرجال توري النار من عظيم ما تتكلّم به.\nابن جريج عن بعضهم: فالمنجّحات عملا كنجاح الوتد إذا أوريّ. محمد بن كعب: هي النيران بجمع.\nفَالْمُغِيراتِ صُبْحًا يعني الخيل، تغير بفرسانها على العدو وقت الصبح، هذا قول أكثر المفسّرين.\nقال القرظي: هي الإبل تدفع بركبانها يوم النحر من جمع إلى منى، والسنّة أن لا يدفع حتى يصبح، والإغارة سرعة السير، ومنه قولهم: أشرق ثبير كما نغير.\nفَأَثَرْنَ فيهيّجن. وقرأ أبو حيوة فأثرن بالتشديد من التأثير بِهِ أي بذلك المكان الذي انتهين إليه كناية عن غير مذكور لأن المعنى مفهوم مشهور.\nنَقْعًا أي غبارا فَوَسَطْنَ بِهِ أي دخلن به وسطهم يقال: وسطت القوم، بالتخفيف،","vol":"10","page":270},{"text":"ووسّطتهم بالتشديد، وتوسطتهم كلّها بمعنى واحد، وقرأ قتادة فوسّطن، بالتشديد جَمْعًا أي جمع العدو وهم الكتيبة، وقال القرظي: يعني جمع منى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>[سورة العاديات (١٠٠): الآيات ٦ الى ١١]</span>\nإِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨) أَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ ما فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ (١٠)\nإِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)\nإِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع: لكفور جحود لنعم الله تعالى. قال الكلبي: هو بلسان كندة وحضرموت، وبلسان معد كلهم: العاصي، وبلسان مضر وربيعة وقضاعة: الكفور، وبلسان بني مالك البخيل.\nوروى شعبة عن سماك أنه قال: إنما سميت كندة لأنها قطعت أباها.\nوقال ابن سيرين: هو اللوّام لربه. وقال الحسن: هو الذي يعدّ المصائب وينسى النعم، أخذه الشاعر فقال:\nيا أيها الظالم في فعله ... والظلم مردود على من ظلم\nإلى متى أنت وحتى متى ... تشكو المصيبات وتنسى النّعم «١»\nوأخبرنا أبو القمر بن حبيب في صفر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن سعد الرازي قال: حدّثنا العباس بن حمزة قال: حدّثنا أحمد بن محمد قال:\nحدّثنا صالح بن محمد قال: حدّثنا سلمة عن جعفر بن الزبير عن القميّ عن أبي أمامة عن رسول الله (﵇) في هذه الآية: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ قال رسول الله (﵇):\n«أتدرون ما الكنود؟»، فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «الكنود [قال: هو الكفور الذي] يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده» [٢٣٧] «٢» .\nوقال عطاء: الكنود الذي لا يعطي في النائبة مع قومه. وقال أبو عبيدة: هو قليل الخير، والأرض الكنود التي لا تنبت شيئا «٣» ! قال أبو ذبيان:\nإن نفسي ولم أطب عنك نفسا ... غير أنّي أمنى بدهر كنود «٤»\nوقال الفضيل بن عياض: الكنود الذي أنسته الخصلة الواحدة من الإحسان الخصال الكثيرة من الإساءة.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٦٠ مورد الآية.\n(٢) تفسير الدر المنثور: ٦/ ٣٨٤، وكنز العمال: ٢/ ٤٨ ح ٣٠٦٤. [.....]\n(٣) راجع تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٥٣.\n(٤) فتح القدير: ٥/ ٤٨٣ بتفاوت.","vol":"10","page":271},{"text":"وقال أبو بكر الورّاق: الكنود الذي يرى النعمة من نفسه وأعوانه. محمد بن علي الترمذي: هو الذي يرى النعمة ولا يرى المنعم، وقال أبو بكر الواسطي: هو الذي ينفق نعم الله سبحانه في معاصي الله، وقال بسّام بن عبد الله: هو الذي يجادل ربّه على عقد العوض. ذو النّون: تفسير الهلوع والكنود قوله: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا «١» .\nوقيل: هو الذي يكفر باليسير ولا يشكر الكثير، وقيل: الحقود، وقيل: الحسود. وقيل:\nجهول القدر. وفي الحكمة من جهل قدره هتك ستره. وقال بعضهم والحسن: رأسه على وسادة النعمة وقلبه في ميدان الغفلة. وقيل: يرى ما منه ولا يرى ما إليه، وجمع الكنود كند. قال الأعشى:\nأحدث لها [تحدث] لوصلك أنّها ... كند لوصل الزائر المعتاد «٢»\nوَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ قال أكثر المفسّرين: وإن الله على كنود هذا الإنسان وصنيعه لشاهد، وقال ابن كيسان: ال (هاء) راجعة إلى الإنسان، يعني أنّه شاهد على نفسه بما يصنع، وإِنَّهُ يعني الإنسان لِحُبِّ الْخَيْرِ أي المال.\nوقال ابن زيد: سمّى الله المال خيرا وعسى أن يكون خبيثا وحراما ولكن الناس يعدّونه خيرا فسمّاه الله خيرا لأن الناس يسمّونه خيرا وسمي الجهاد سوءا فقال: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ «٣» أي قتال. وليس هو عند الله بسوء ولكن سمّاه الله سوءا لأنّ الناس يسمّونه سوءا.\nومعنى الآية وإنه من أجل حبّ المال لَشَدِيدٌ بخيل، ويقال للبخيل: شديد ومتشدّد، قال طرفة:\nأرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد «٤»\nوالفاحش: البخيل أيضا قال الله سبحانه: وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ «٥» أي البخل، وقيل:\nمعناه: وإنّه لحب الخير لقويّ، وقال الفرّاء: كان موضع الحب أن يكون بعد شديد وأن يضاف شديد إليه فيقال: وإنّه لشديد الحبّ للخير، فلمّا يقدم الحبّ قبل شديد وحذف من آخره لمّا جرى ذكره في أوله، ولرؤوس الآيات كقوله سبحانه: فِي يَوْمٍ عاصِفٍ «٦» والعصوف لا يكون\n_________\n(١) سورة المعارج: ٢٠- ٢١.\n(٢) تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٥٣.\n(٣) سورة آل عمران: ١٧٤.\n(٤) لسان العرب: ٣/ ٢٣٤.\n(٥) سورة البقرة: ٢٦٨.\n(٦) سورة إبراهيم: ١٨.","vol":"10","page":272},{"text":"للأيّام إنّما يكون للريح، فلمّا جرى ذكر الريح قبل اليوم طرحت من آخره كأنه قيل: في يوم عاصف الريح.\nأَفَلا يَعْلَمُ إِذا بُعْثِرَ يحث وأثير، قال الفرّاء: وسمعت بعض أعراب بني أسد يقرأ: بحثر بالحاء وقال: هما لغتان.\nما فِي الْقُبُورِ فأخرجوا منها وَحُصِّلَ ما فِي الصُّدُورِ أي ميّز وأبرز ما فيها من خير أو شرّ، وقرأ عبيد بن عمير وسعيد بن جبير حَصَلَ بفتح الحاء وتخفيف الصاد أي ظهر.\nإِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ جمع الكناية لأنّ الإنسان اسم الجنس.\nيَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ عالم، والقراءة بكسر الألف لأجل اللام، ولولاها لكانت مفتوحة بوقوع العلم عليها. وبلغني أن الحجاج بن يوسف قرأ على المنبر هذه السورة يحضّ الناس على الغزو فجرى على لسانه: أنّ ربهم بفتح الألف ثم استدركها من جهة العربية فقال: خبير، وأسقط اللام.","vol":"10","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-912>سورة القارعة</span>\nمكّيّة، وهي مائة واثنان وخمسون حرفا، وست وثلاثون كلمة، واحدى عشرة آية\nأخبرني ابن المقري قال: أخبرنا ابن مطر قال: حدّثنا ابن شريك قال: حدّثنا ابن يونس قال: حدّثنا ابن سليم قال: حدّثنا ابن شبر عن ابن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ القارعة ثقّل الله سبحانه بها ميزانه يوم القيامة» [٢٣٨] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>[سورة القارعة (١٠١): الآيات ١ الى ١١]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nالْقارِعَةُ (١) مَا الْقارِعَةُ (٢) وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ (٣) يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ (٤)\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥) فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ (٩)\nوَما أَدْراكَ ما هِيَهْ (١٠) نارٌ حامِيَةٌ (١١)\nالْقارِعَةُ مَا الْقارِعَةُ وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ وهي الطير التي تتساقط في النار، المبثوث: المتفرّق. قال الفرّاء: الغوغاء: الجراد يركب بعضه بعضا من الهول.\nوَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ كالصوف المصبوغ المبلل.\nفَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ مرضيّة في الجنة.\nوَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ مسكنه ومأواه النار. قال قتادة: هي كلمة عربية، كان الرجل إذا وقع في أمر شديد قال: هوت أمّه، وقال بعضهم: أراد أمّ رأسه، يعني أنهم يهوون في النار على رؤوسهم، وإلى هذا التأويل ذهب قتادة وأبو صالح.\nوَما أَدْراكَ ما هِيَهْ أي من؟ فقال: نارٌ حامِيَةٌ.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٢٦.","vol":"10","page":274},{"text":"وأخبرنا ابن حامد قال [حدّثنا] صالح بن محمد قال: حدّثنا إبراهيم بن محمد عن جعفر ابن زيد عن أنس بن مالك قال: إن ملكا من ملائكة الله ﷿ موكّل يوم القيامة بميزان ابن آدم، فيجاء به حتى يوقف بين كفتي الميزان، فيوزن عمله فإن ثقل ميزانه نادى الملائكة بصوت يسمع جميع الخلق باسم الرجل: ألا سعد فلان سعادة لا شقاوة بعدها، وإن خفّت موازينه ينادي الملائكة: ألا شقي فلان شقاوة لا سعادة بعدها.","vol":"10","page":275},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-914>سورة التكاثر</span>\nمكّيّة، وهي مائة وعشرون حرفا، وثمان وعشرون كلمة، وثماني آيات\nأخبرني محمد بن القثم قال: حدّثنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال:\nحدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبي قال: قال رسول الله (﵌): «من قرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ لم يحاسبه بالنعيم الذي أنعم عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية» [٢٣٩] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>[سورة التكاثر (١٠٢): الآيات ١ الى ٨]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)\nكَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)\nأَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ يقول: شغلتكم المباهاة والمفاخرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربّكم وما ينجيكم من سخطه عليكم حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ أي متّم فدفنتم فيها.\nقال قتادة: نزلت في اليهود قالوا: نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلّالا. وقال ابن بريدة: نزلت في فخذ من الأنصار تفاخروا. مقاتل والكلبي: نزلت في حيّين من قريش: بني عبد مناف وبني قصي، وبني سهم بن عمرو بن هصيص ابن كعب، كان بينهم لحاء فتعادّوا السادة والأشراف أيّهم أكثر فقال بنو عبد مناف: نحن أكثر سيّدا وأعزّ عزيزا وأعظم نفرا وأكثر عددا.\nوقال بنو سهم مثل ذلك فكثرهم بنو عبد مناف ثم قالوا: نعدّ موتانا حتى زاروا القبور فعدّوهم، وقالوا: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان، فكثرهم بنو سهم بثلاثة أبيات لأنهم كانوا أكثر عددا في الجاهلية فأنزل الله سبحانه هذه الآية.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٣٠.","vol":"10","page":276},{"text":"أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن أحمد بن جعفر، وأبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحبريان قالا: أخبرنا أبو محمد حاجب بن أحمد بن [سفيان] قال: حدّثنا عبد الرحمن بن مسيّب قال: حدّثنا النضر بن شميل قال: أخبرنا شعبة عن قتادة عن مطرف بن عبد الله عن النخير عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله (﵇) وهو يقرأ هذه الآية: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال: يقول ابن آدم: ما لي ما لي، وهل لك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت.\nوروى زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب قال: ما زلنا نشكّ في عذاب القبر حتى نزلت أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ إلى كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني في القبر.\nكَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وعيد لهم ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ والتكرير على التأكيد، وقال الضحّاك: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ يعني الكفّار ثمّ كلّا سوف يعلمون يعني المؤمنين، وكذلك كان يقرأها: الأولى بالتاء والثانية بالياء ثم كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ أي علما يقينا فأضاف العلم إلى اليقين لقوله سبحانه: إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ «١» قال قتادة: كنّا نحدّث أن علم اليقين أن يعلم أن الله باعثه بعد الموت.\nثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ يصلح أن يكون في معنى المضي جوابا ل (لو)، تقديره: لو تعلمون العلم اليقين لرأيتم الجحيم بقلوبكم، ثم رأيتموها بالعين اليقين.\nوقيل: معناه لو تعلمون علم اليقين لشغلكم عن التكاثر والتفاخر، ثم استأنف لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ على نيّة القسم، وإلى هذا ذهب مقاتل، وقيل: معناه: لو علمتم يقينا أنكم ترون النار لشغلكم ذلك عما أنتم فيه.\nوقيل: ذكر (كلّا) ثلاث مرّات أراد: تعلمون عند النزوع، وتعلمون في القبر، وتعلمون في القيامة، ثم ذكر في الثالثة علم اليقين لأنّه صار عيانا ما كان مغيّبا.\nوقراءة العامّة لَتُرَوُنَّ بضم التاء في الحرفين،\nوضمّ الكسائي التاء في الأولى منهما وفتح الأخرى، ورواه عن علي ﵁.\nأخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الجهم قال:\nحدّثنا الفرّاء قال: أخبرني محمد بن الفضل عن عطاء عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي أنه قرأ لَتُرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها بضم التاء الأولى وفتح الثانية\n، وقال الفرّاء: الأول أشبه بكلام العرب لأنّه تغليظ فلا ينبغي أن يختلف لفظه.\n_________\n(١) سورة الواقعة: ٩٥.","vol":"10","page":277},{"text":"ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ «١» اختلفوا فيه وأكثروا،\nفأخبرنا أبو علي الحسين بن محمد ابن علي بن إبراهيم السراج بقراءتي عليه في الجامع يوم الجمعة في المحرم سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن علي بن مهران الخشّاب، قال حدّثنا علي بن سعيد العسكري قال: حدّثنا الحسين بن معاذ الأخفش مستملي أبي حفص الفلاس قال: حدّثنا إبراهيم ابن أبي سويد الذارع قال: حدّثنا سويد أبو حاتم عن قتادة عن عبد الله بن سفيان عن أبي هريرة عن النبي (﵇) لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال: «عن الماء البارد» [٢٤٠] «٢» .\nوحدّثنا أبو الحسن محمد بن علي بن الحسين بن القيّم الحسني السّني قال: حدّثنا أحمد ابن علي بن مهدي بن صدقة بالرملة قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا علي بن موسى الرضا قال:\nحدّثني أبي موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: حدّثني أبي محمد بن علي، قال حدّثني أبي علي بن الحسين قال: حدّثني أبي الحسين بن علي قال: حدّثني أبي علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله (﵇) في قول سبحانه: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال:\n«الرطب والماء البارد» «٣» .\nوقال عبد الله بن عمر: هو الماء البارد في الصيف، ودليل هذا التأويل\nالخبر المأثور:\n«أن أول ما يسأل الله سبحانه العبد يوم القيامة أن يقول له: ألم أصحّ جسمك وأروك من الماء البارد» [٢٤١] «٤» .\nوقال أنس بن مالك: ضاف رسول الله ﷺ إلى المقداد بن الأسود فقدم إليه طعاما فأكله ثم سقاه ماء باردا فاستطابه وقال: «يا بردها على الكبد»، ثم قال: «إذا شرب أحدكم الماء فليشرب أبرد ما يقدر عليه» قيل ولم؟ قال «أطيب للمعدة، وأنفع للعلّة، وأبعث على الشكر» [٢٤٢] «٥» .\nوسمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت أبا زكريّا العنبري يقول: سمعت أبا العباس الأزهري يقول: سمعت أبا حاتم يقول: الماء البارد العذب يستخرج الحمد من جوف القلب.\nوقال مالك بن دينار: قال رجل للحسن: إنّ لنا جارا لا يأكل الفالود ويقول: لا أقوم بشكره، فقال: ما أجهل جاركم بنعمة الله عليه بالماء البارد أكثر من نعمة بجميع الحلاوي!\nوأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد [بن محمد الرومي] قال: حدّثنا أبو حفص محمد بن حفص البصري قال: حدّثنا\n_________\n(١) سورة التكاثر: ٨.\n(٢) الدر المنثور: ٦/ ٣٩١.\n(٣) تفسير نور الثقلين: ٥/ ٦٦٥. [.....]\n(٤) المعجم الأوسط: ١/ ٢٦ وكنز العمال: ٣/ ٢٥٤ ح ٦٤١٦ بتفاوت يسير.\n(٥) سبيل الهدى والرشاد: ١٢/ ١٠٤ عن المصنف.","vol":"10","page":278},{"text":"عبد الله بن سلمة بن عياش قال: حدّثنا الأشعث بن نزار عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي (﵇) في قول الله جلّ ثناؤه ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال: «من أكل خبز البرّ، وشرب الماء المبرّد، وكان له ظل، فذلك النعيم الذي يسأل عنه» [٢٤٣] «١» «٢» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن مالك قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثني الوليد بن شجاع قال: حدّثنا محمد بن سعيد الأصبهاني عن ابن أبي ليلى عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال: «الأمن والصحة» «٣» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن برزة قال: حدّثنا محمد بن غالب بن حرب قال:\nحدّثني زكريّا بن يحيى الرقاشي المنقري قال: حدّثنا عبد الله بن عيسى بن خلف قال: حدّثنا يونس بن عبد عن عكرمة عن ابن عباس أنّه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج علينا رسول الله (﵇) عند الظهيرة فوجد أبا بكر في المسجد فقال: «يا أبا بكر ما أخرجك في هذه الساعة؟» قال: يا رسول الله أخرجني الذي أخرجك.\nقال: وجاء عمر فقال له رسول الله: «يا أبا الخطّاب ما أخرجك؟» قال: يا رسول الله الذي أخرجكما. وقعد معهما عمر قال: فأقبل رسول الله (﵇) يحدّثهما ثم قال: «هل لكما من قوّة فتنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعاما وشرابا وظلّا؟» قلنا: نعم، قال: «مرّوا بنا إلى أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري» فتقدّم رسول الله ﷺ بين أيدينا فاستأذن وسلّم عليهم ثلاث مرّات، وأمّ الهيثم تسمع الكلام من وراء الباب، وتريد أن يزيدهم رسول الله (﵇)، فلمّا أراد رسول الله (﵇) أن ينصرف خرجت أمّ الهيثم تسعى خلفهم فقالت: يا رسول الله لقد سمعت تسليمك ولكنّي أردت أن تزيدنا من سلامك.\nفقال لها رسول الله (﵇): «أين أبو الهيثم؟» قالت: يا رسول الله هو قريب، ذهب يستعذب لنا من الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله.\nوبسطت لهم بساطا تحت شجرة حتى جاء أبو الهيثم، ففرح بهم أبو الهيثم وقرّت عينه، وصعد أبو الهيثم على نخلة يصرم لهم عذقا، فقال له رسول الله ﷺ: «حسبك يا أبا الهيثم» قال: يا رسول الله تأكلون من بسره ومن رطبه وتذنوبه «٤» ثم أتاهم فشربوا عليه فقال رسول الله ﷺ: «هذا من النعيم الذي تسألون عنه» .\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٣٩.\n(٢) كنز العمال: ٢/ ٥٥٥ ح ٤٧١٥ وتفسير الدر المنثور: ٦/ ٣٨٨ مورد الآية وفيه: وشرب ماء الفرات باردا- وكان له منزل يسكنه.\n(٣) تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٦٥.\n(٤) التذنوب: الذي بدأ فيه الأرطاب من قبل ذنبه.","vol":"10","page":279},{"text":"ثم قام أبو الهيثم إلى شاة لهم ليذبحها، فقال رسول الله ﷺ: «إياك واللبون» وقامت أمّ الهيثم تعجن لهم وتخبز فوضع رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رؤوسهم للقائلة، فانتبهوا وقد أدرك طعامهم فوضع بين أيديهم الطعام فأكلوا وشبعوا وحمدوا الله ﷿، ثمّ ردّ عليهم أبو الهيثم بقية الأعذاق فأكلوا من رطبه [ومن تذنوبه] فسلّم عليهم رسول الله ﷺ ودعا لهم بخير [٢٤٤] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا منصور بن أبي مزاحم قال: حدّثنا أبو سعيد المؤذّن وهو محمد بن مسلم بن أبي للوضّاح عن محمد بن عمر عن صفوان بن سليم عن محمود بن لبيد قال: لمّا نزلت هذه الآية: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قالوا: يا رسول الله عن أيّ نعيم نسأل وإنّما هما هذان الأسودان التمر والماء، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: «إنّ ذاك لكائن» [٢٤٥] «٢» .\nوأخبرنا الفنجوي قال: حدّثنا القطيعي قال: حدّثنا ابن حنبل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا عنّان قال: حدّثنا يزيد بن إبراهيم قال: أخبرنا يوسف ابن أخت ابن سيرين عن أبي قلابة عن النبي ﷺ في قول الله سبحانه: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال: «ناس من أمّتي يعقدون السمن والعسل بالنقي فيأكلونه» [٢٤٦] «٣» .\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا الفريابي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله قال: أخبرنا هيثم قال: أخبرنا منصور بن زاذان عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: لا يدخل الحمّام فإنّه ممّا أحدثوا من النعيم، قال: وكان منصور لا يدخل الحمّام.\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا [أحمد بن جعفر بن حمدان] قال: حدّثنا محمود «٤» بن الفرج قال: حدّثنا ابن أبي الشوارب قال: حدّثنا أبو عوانة عن ابراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبد الله عن النبي (﵌) قال: «إن الله سبحانه ليعدد نعمه على العبد في المصدر: [يوم القيامة حتى يعد عليه]: سألتني فلانة أن أزوجكها، يسمّيها باسمها فزوجتكها» [٢٤٧] «٥» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا بن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب قال: حدّثني محمد بن عيسى قال: حدّثنا فضل بن سهل قال: حدّثنا حفص بن عمر قال: حدّثنا الحكم بن أبان عن عكرمة قال: لمّا نزلت ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قالت الصحابة: يا رسول الله\n_________\n(١) المعجم الكبير: ١٩/ ٢٥٤، مجمع الزوائد: ١٠/ ٣١٧، ومسند أبي يعلى: ١/ ٢١٥ ح ٢٥٠.\n(٢) مجمع الزوائد: ٧/ ١٤٢ بتفاوت يسير.\n(٣) الدر المنثور: ٦/ ٣٨٨ وفتح القدير: ٥/ ٤٩٠.\n(٤) رواه في غير موضع: أحمد بن الفرج.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٧٧.","vol":"10","page":280},{"text":"وأي نعيم نحن فيه. وإنما نأكل في أنصاف بطوننا الشبع؟ فأوحى الله سبحانه إلى نبيّه: قل لهم: «أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم» [٢٤٨] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال حدّثنا أبو زرعة الرازي قال: حدّثنا أبو الحسن الأشناني القاضي قال: حدّثنا أحمد بن الحسن بن سعيد الخراز قال: حدّثني أبي قال: حدّثني محمد بن مروان عن أبان بن تغلب عن أنس بن مالك قال: لما نزلت لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ جاء رجل محتاج فقال: يا رسول الله هل عليّ من النعمة شيء؟ قال: «نعم، النعلان، والظل، والماء البارد» [٢٤٩] «٢» .\nوأخبرنا محمد بن محمد بن هانئ قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن محمد الرواساني قال: حدّثنا أبو سعيد الأشجّ قال: حدّثنا ابن نمير عن ابن جريج عن مجاهد لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال: عن كل لذّة من لذات الدنيا.\nوأنبأني عبد الله بن حامد، قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: حدّثنا علي بن الحسن بن أبي عيسى قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: حدّثنا أبو عامر بن أساف اليمامي عن يحيى وهو عبد لابن أبي كثير قال: قرأ رسول الله ﷺ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ على أصحابه فلمّا بلغ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال: «هل تدرون ما ذاك النعيم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «بيت يقلّك، وخرقة تواري عورتك، وكسرة تشد بها صلبك ما سوى ذلك نعيم» [٢٥٠] «٣» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد إجازة قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يحيى المكّي قال: حدّثني أبو بكر محمد بن جعفر المقري بشمشاط قال: حدّثنا أحمد بن سفيان بن علقمة بن عبد الله المقدمي قال: حدّثنا عمرو بن خالد قال: حدّثنا النضر بن عربي عن عكرمة عن ابن عباس قال:\nقرأ رسول الله ﷺ: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ قال: «تكاثر الأموال: جمعها من غير حقّها، ومنعها عن حقّها، وشدّها في الأوعية، حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ حتى دخلتم قبوركم كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لو قد دخلتم قبوركم ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ لو قد خرجتم من قبوركم إلى محشركم كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لو قد تطايرت الصحف فشقيّ وسعيد لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ- قال: - وذلك حين يؤتى بالصراط فينصب بين حفرتي جهنم «٤» ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ قال عن خمس: عن شبع البطون، وبارد الشراب، ولذّة النوم، وظلال المساكن، واعتدال الخلق» [٢٥١] .\n_________\n(١) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٨٤ والدر المنثور: ٦/ ٣٨٨.\n(٢) ذكر أخبار أصبهان: ٢/ ٢٧٧ وفيه: الظلل بدل الظل.\n(٣) تفسير الطبري: ٢٠/ ١٧٦ بتفاوت. [.....]\n(٤) تفسير نور الثقلين: ٥/ ٦٦٢.","vol":"10","page":281},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله قال: حدّثنا محمد بن عبد الله قال: حدّثنا الحسن بن زياد قال: حدّثنا أبو خلد الأحمر عن مفضل عن مغيرة عن إبراهيم قال:\nمن أكل فسمّى الله وفرغ فحمد الله لم يسئل عن نعيم ذلك الطعام.\nوقال ابن عباس: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، قال: يسأل الله العباد فيما استعملوها وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله سبحانه: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «١»،\nأبو جعفر: العافية.\nوأنبأني عقيل قال: أخبرنا المعافى قال: أخبرنا ابن جرير قال: أخبرنا بن حميد قال:\nحدّثنا مهران عن إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن الحرث التميمي عن ثابت البناني عن النبي ﷺ قال: «النعيم المسؤول عنه يوم القيامة: كسرة تقوّيه، وماء يرويه، وثوب يواريه» [٢٥٢] «٢» .\nوبه عن مهران عن سفيان عن بكر بن [عتيق] العامري قال: أتي سعيد بن جبير بشربة عسل فقال: أما إنّ هذا من النعيم الذي يسئل عنه «٣» .\nوقال محمد بن كعب: يعني عمّا أنعم عليكم بمحمد (﵇)، ودليل هذا التأويل قوله سبحانه يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها، عكرمة: عن الصحة والفراغ.\nسعيد بن جبير: عن الصحة والفراغ والمال، ودليله ما\nروى ابن عباس عن النبي (﵇) أنّه قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» [٢٥٣] «٤» .\nوقال عروة بن محمد: كنّا مع وهب بن منبه فرأينا رجلا أصمّ أعمى مقعدا مجذوما مصابا فقلنا: هل بقي على هذا شيء من النعيم؟ قال: نعم، أعظمه بشبعه ما يأكل ويشرب ويسهل عليه إذا خرج لذلك.\nقال بكر عن عبد الله المزني: يا لها من نعمة يأكل لذّة ويخرج سرجا!. أبو العالية: عن الإسلام والستر. الحسين بن الفضل: تخفيف الشرائع وتيسير القرآن. أبو بكر الورّاق: عن الآلاء والنعماء.\n_________\n(١) سورة الإسراء: ٣٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٦٩ مورد الآية ح ٢٩٣٣٤.\n(٣) المصدر السابق.\n(٤) مسند أحمد: ١/ ٣٤٤.","vol":"10","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-916>سورة العصر</span>\nمكّيّة، وهي ثمانية وستون حرفا، وأربع عشرة كلمة، وثلاث آيات\nأخبرنا كامل بن أحمد قال: أخبرنا محمد بن مطر قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال:\nحدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير، عن زيد بن مسلم، عن أمّه، عن أبي أمامة، عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة وَالْعَصْرِ ختم الله له بالصبر، وكان مع أصحاب الحق يوم القيامة» [٢٥٤] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>[سورة العصر (١٠٣): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)\nوَالْعَصْرِ قال ابن عباس: والدهر. ابن كيسان: الليل والنهار ويقال لهما: العصران وللغداة والعشي أيضا: عصران. قال حميد بن ثور:\nولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما «٢»\nالحسن: بعد زوال الشمس إلى غروبها. قتادة: آخر ساعة من ساعات النهار. مقاتل:\nصلاة العصر وهي الوسطى.\nإِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فانّهم ليسوا في خسر.\nوَتَواصَوْا وتحاثّوا وأوصى بعضهم بعضا. بِالْحَقِّ بالقرآن عن الحسن وقتادة.\nمقاتل: بالإيمان والتوحيد. وقيل: على العمل بالحق.\nوَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ على أداء الفرائض وإقامة أمر الله، وروى ابن عون عن إبراهيم قال:\nأراد أن الإنسان إذا عمّر في الدنيا وهرم لفي نقص وضعف وتراجع إلّا المؤمنين فإنّهم يكتب لهم أجورهم والمحاسن التي كانوا يعملونها في حال شبابهم وقوّتهم وصحّتهم، وهي مثل قوله\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٣٤.\n(٢) لسان العرب: ٤/ ٥٧٦.","vol":"10","page":283},{"text":"سبحانه: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا «١» الآية\nقال: [كان علي ﵁ يقرأ ذلك]: إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ وإنه فيه إلى آخر الدهر\n، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود،\nوكان علي يقرأها: وَالْعَصْرِ، ونوائب الدهر، إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ، وإنّه فيه إلى آخر الدهر «٢» .\nوالقراءة الصحيحة ما عليه العامّة والمصاحف.\nأخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن حمدان الخطيب قراءة عليه في رجب سنة ست وثمانين وثلاثمائة قال: حدّثنا أبو حامد أحمد بن محمد بن دلان قال: أخبرنا القاضي منصور بن محمد قال: حدّثنا محمد بن أحمد البزاز قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن داود بن سليمان الدينوري قال: حدّثنا علي بن إسماعيل قال: حدّثنا الحسن بن علقمة قال:\nحدّثنا سباط بن محمد عن القاسم بن رفيعة عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قرأت على رسول الله (﵌) وَالْعَصْرِ فقلت: بأبي وأمّي يا رسول الله وما تفسيرها؟\nفقال: «وَالْعَصْرِ قسم من الله أقسم لكم بآخر النهار» إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ قال:\n«أبو جهل بن هشام» إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا «أبو بكر الصديق» وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ «عمر بن الخطّاب» وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ «عثمان بن عفّان» وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ «علي بن أبي طالب» [٢٥٥] «٣» .\nوأخبرنا عبد الخالق [بن علي] قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن يوسف بن حاتم بن نضر قال: حدّثنا الحسن بن عثمان قال: حدّثنا أبو هشام محمد بن يزيد بن رفاعة قال: حدّثنا عمّي علي بن رفاعة عن أبيه رفاعة قال: حججت فوافيت علي بن عبد الله بن عباس يخطب على منبر رسول الله ﷺ فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ أبو جهل ابن هشام إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا أبو بكر الصديق وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ عمر بن الخطّاب وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ عثمان بن عفّان وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ علي بن أبي طالب [٢٥٦] «٤» .\n_________\n(١) سورة التين: ٤- ٦.\n(٢) تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٧١ مورد الآية.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٨٠.\n(٤) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٨٠.","vol":"10","page":284},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>سورة الهمزة</span>\nمكّيّة، وهي مائة وثلاثون حرفا، وثلاث وثلاثون كلمة، وتسع آيات\nأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا إسماعيل بن نحيل قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن سعيد البوشنجي قال سعيد بن حفص قال: قرأت على معقل بن عبد الله عن عكرمة ابن خالد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله (﵌): «من قرأ سورة وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد وأصحابه» [٢٥٧] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>[سورة الهمزة (١٠٤): الآيات ١ الى ٩]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلاَّ لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)\nوَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩)\nوَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ قال ابن عباس: هم المشّاءون بالنميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون، البراء: العنت. سعيد بن جبير وقتادة: الهمزة الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة: الطعّان عليهم. مجاهد: الهمزة: الطعّان في الناس، واللمزة: الطعّان في أنساب الناس «١» .\nوقال أبو العالية والحسن وعطاء بن أبي رباح: الهمزة الذي يغيب ويطعن في وجه الرجل إذا أقبل، واللمزة الذي يغتابه من خلفه إذا أدبر وغاب. ضده مقاتل. مرّة: يعني كل طعّان عيّاب مغتاب للمرء إذا غاب، دليله قول زياد بن الأعجم:\nإذا لقيتك عن شحط تكاشرني ... وإن تغيّبت كنت الهامز اللمزة «٢»\nابن زيد: الهمزة الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمزة الذي يلمزهم بلسانه ويغيبهم.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٣٧٥.\n(٢) لسان العرب: ٥/ ٤٢٦، وتفسير القرطبي: ٢٠/ ١٨٢ مورد الآية.","vol":"10","page":285},{"text":"سفيان الثوري: يهمز بلسانه ويلمز بعينه. ابن كيسان: الهمزة الذي يؤذي جليسه بسوء اللفظ، واللمزة الذي يكسر عينه على جليسه، ويشير برأسه، ويومض بعينه، ويرمز بحاجبه، وهما لغتان للفاعل نحو سخرة وضحكة للذي يسخر ويضحك من الناس.\nوروي عن أبي جعفر والأعرج بسكون الميم فيهما، فإن صحّت القراءة فهي في معنى المفعول، وهو الذي يتعرّض للناس حين يهمزوه ويضحكون منه، ويحملهم على الاغتياب.\nوقرأ عبد الله والأعمش ويل للهمزة اللمزة، وأصل الهمز الكسر والعض على الشيء بالعنف، ومنه همز الحرف، ويحكى أنّ أعرابيّا قيل له: أتهمز الفارة؟ فقال: الهرّة تهمزها، وقال الحجاج:\nومن همزنا رأسه تهشما «١»\nواختلف المفسّرون فيمن نزلت هذه الآية، فقال قوم: نزلت في جميل بن عامر الجمحي، وإليه ذهب ابن أبي الجمح، وقال الكلبي: نزلت في الأخنس بن شريق ووهب بن عمرو الثقفي وكان يقع في الناس ويغتابهم مقبلين ومدبرين.\nوقال محمد بن إسحاق بن مسار: ما زلنا نسمع أن سورة الهمزة نزلت في أميّة بن خلف الجمحي.\nوقال مقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان يغتاب النبي ﷺ ويطعن في وجهه.\nوقال مجاهد وغيره: ليست بخاصّة لأحد، بل كل من كانت هذه صفته «٢» .\nالَّذِي جَمَعَ مالًا قرأ شيبة ونافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو وأيّوب بتخفيف الميم، واختاره أبو حاتم، غيرهم بالتشديد واختاره أبو عبيد، واختلف فيه عن يعقوب.\nوَعَدَّدَهُ أحصاه وقال مقاتل: استعدّه وذخره وجعله عتادا له، وقرأ الحسن وَعَدَدَهُ بالتخفيف وهو بعيد، وقد جاء مثل ذلك في الشعر لمّا أبرزوا التضعيف خفّفوه، قال الشاعر:\nمهلا أعاذل قد جربت من خلقي ... إني أجود الأقوام وإن ضننوا «٣»\nيَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ في الدنيا كَلَّا رد عليه.\nأخبرني بن فتحويه قال: حدّثنا خنيس قال: حدّثنا أبو الهيثم بن الفضل قال: حدّثنا أبو زرعة قال: حدّثنا ابن السرح قال: أخبرنا ابن وهب قال: حدّثني حرملة بن عمر أنه سمع عمر\n_________\n(١) لسان العرب: ٥/ ٤٢٥. [.....]\n(٢) راجع تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٨٣.\n(٣) الصحاح: ٦/ ٢١٥٦.","vol":"10","page":286},{"text":"ابن عبد الله مولى غفرة يقول: إذا سمعت الله سبحانه يقول: كَلَّا فإنما يقول: كذبت.\nلَيُنْبَذَنَّ ليقذفنّ ويطرحنّ، وقرأ الحسن لينبذان بالألف على التثنية يريد هو وماله فِي الْحُطَمَةِ وهي النار سمّيت بذلك لأنّها تحطم أي تكسر وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ نارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ يعني يبلغ ألمها ووجعها القلوب، والاطلاع والبلوغ قد يكونان بمعنى، وحكي عن بعض العرب سماعا: متى طلعت أرضنا بمعنى بلغت، ومعنى الآية أنها تأكل شيئا منه حتى تنتهي إلى فؤاده.\nقال القرظي والكلبي: إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ مطبقة مغلقة فِي عَمَدٍ، قرأ أهل الكوفة بضمّتين، غيرهم بالنصب، واختاره أبو حاتم لقوله: رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها «١» وهما جمعان للعمود مثل أديم وأدم، وأفيق وأفق، وقضيم وقضم، قال الفرّاء: وقال أبو عبيد: هو جمع عماد مثل أهاب وأهب وأهب.\nمُمَدَّدَةٍ قراءة العامّة بالخفض على نعت العمد، وقرأ عاصم الجحدري مُمَدَّدَةٌ بالرفع جعلها نعتا للموصدة.\nواختلفوا في معنى الآية، فقال ابن عباس: أدخلهم في عمد، فمدّت عليهم بعماد وفي أعناقهم السلاسل، فسدّت عليهم بها الأبواب.\nوقال قتادة: بلغنا أنّها عمد يعذّبون بها في النار، وقيل: هي عمد موتّدة على أبوابها [ليتأكد أياسهم] منها، وقيل: معناه إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ بعمد، وكذلك هي في قراءة عبد الله:\nبعمد، بالباء «٢» .\nعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «المؤمن كيّس فطن حذر وقاف ثبت، لا يعجل، عالم ورع، والمنافق همزة لمزة حطمة، [لا يقف عند شبهة ولا عند محرم] «٣» كحاطب الليل لا يبالي من أين كسب ولا فيما أنفق» [٢٥٨] «٤» .\n_________\n(١) سورة الرعد: ٢.\n(٢) راجع لتفصيل ذلك تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٨٦.\n(٣) في المصدر: لا يقف عند شبهة ولا عند محرم.\n(٤) كنز العمال: ١/ ١٦٢.","vol":"10","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-920>سورة الفيل</span>\nمكّيّة، وهي ستة وتسعون حرفا، وعشرون كلمة، وخمس آيات\nأخبرنا ناقل بن راقم قال: حدّثنا محمد بن شادة قال: حدّثنا أحمد بن الحسن قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال حدّثنا سالم بن قتيبة عن شعبة عن عاصم عن زر عن أبيّ قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفيل عافاه الله ﷿ أيام حياته في الدنيا من القذف والمسخ»\n[٢٥٩] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>[سورة الفيل (١٠٥): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)\nفَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ.\nالقصة وبالله التوفيق.\nقال محمد بن إسحاق: كان من قصة أصحاب الفيل فيما ذكر بعض أهل العلم عن سعيد ابن جبير وعكرمة عن ابن عباس، وعمّن لقي من علماء أهل اليمن وغيرهم أن ملكا من ملوك حمير يقال له زرعة ذو نواس كان قد تهوّد واستجمعت معه حمير على ذلك، إلّا ما كان من أهل نجران، فإنّهم كانوا على النصرانيّة على أصل حكم الإنجيل، ولهم رأس يقال له عبد الله بن التامر، فدعاهم إلى اليهوديّة فأبوا فخيّرهم فاختاروا القتل فخدّ له أخدودا وصنّف لهم أصناف القتل.\nفمنهم من قتل صبرا، ومنهم من خدّ لهم فألقاه في النار إلّا رجلا من أهل سبأ يقال له دوس بن ثعلبان، فذهب على فرس له فركض حتى أعجزهم في الرمل، فأتى قيصر فذكر له ما بلغ منهم واستنصره فقال: بعدت بلادك عنّا ولكنّي سأكتب لك إلى ملك الحبشة، فإنّه على ديننا فينصرك، فكتب إلى النجاشي يأمره بنصره.\nفلمّا قدم على النجاشي بعث معه رجلا من أهل الحبشة يقال له: ارياط، فلمّا بعثه قال:\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٤١.","vol":"10","page":288},{"text":"إن دخلت اليمن فاقتل ثلث رجالها، واضرب ثلث بلادها وابعث إليّ بثلث سباياها، فلمّا دخلها ناوش شيئا من قتال فتفرّقوا عن ذي نواس وخرج به فرسه، فاستعرض به البحر فضربه فهلكا جميعا فكان آخر العهد، ودخلها أرياط فعمل بما أمر به النجاشي، فقال ذو حدر الحميري فيما أصاب أهل اليمن وترابهم:\nوعيني لا أبا لك لم تطيقي ... نجاك الله قد أنزفت ريقي\nلدى عزف القيان إذ انتشينا ... وإذ نسقى من الخمر الرحيق\nوشرب الخمر ليس عليّ [عارا] ... إذا لم يشكني فيها رفيقي\nوغمدان الذي حدثت عنه ... بنوه ممسكا في رأس نيق\nمصابيح السليط تلوح فيه ... إذا يمسي كتوماض البروق\nفأصبح بعد جدّته رمادا ... وغيّر حسنه لهب الحريق\nواسلم ذو نواس مستميتا ... وحذّر قومه ضنك المضيق «١»\nقال: فأقام أرياط باليمن، وكتب إليه النجاشي: أن اثبت بجندك ومن معك، فأقام حينا ثم إنّ أبرهة بن الصباح ساخطة في أمر الحبشة حتى انصدعوا صدعين فكانت معه طائفة ومع أبرهة طائفة، ثم تراجفا، فلمّا دنا بعضهم من بعض أرسل أبرهة إلى أرياط: لا تصنع بأن تلقى الحبشة بعضها بعضا شيئا حتى تلقاني، ولكن اخرج إليّ فأيّنا قتل صاحبه انضمّ إليه الجند، فأرسل إليه:\nإنّك قد أنصفت.\nوكان أرياط جسيما عظيما وسيما، في يده حربته، وكان أبرهة رجلا قصيرا حاذرا لحيما، وكان ذا دين في النصرانيّة وخلّف إبراهة [فيها غلام] يقال له: عتودة، فلمّا دنوا رفع أرياط الحربة فضرب بها رأس أبرهة فوقعت على جبينه فشرمت عينه وجبينه وأنفه وشفته فبذلك سمّي الأشرم.\nوحمل عتودة على أرياط فقتله، فاجتمعت الحبشة لأبرهة وقال عتودة: أنا عتودة من خلفه أرده لا أب ولا أم بحده، وقال أبرهة: ما كان لك قبله يا عتودة ولا ديته قال: فبلغ النجاشي ما صنع أبرهة فغضب وحلف لا يدع أبرهة حتى يجرّ ناصيته ويطأ بلاده، وكتب إلى أبرهة: إنّك عدوت على أميري فقتلته بغير أمري.\nوكان أبرهة رجلا ماردا، فلمّا بلغه ما كان من قول النجاشي حلق رأسه وملأ جرابا من تراب أرضه وكتب إلى النجاشي: أيها الملك إنما كان أرياط عبدك وأنا عبدك، اختلفنا في أمرك وكنت أعلم بالحبشة وأسوس لها، وقد كنت أردته أن يعتزل وأكون أنا أسوسه فأبى فقتلته، وقد بلغني الذي حلف عليه الملك، وقد حلقت رأسي فبعثت به إليه، وبعثت إليه بجراب من تراب\n_________\n(١) الأبيات بتمامها في تفسير الطبري: ١/ ٥٤٧.","vol":"10","page":289},{"text":"أرضه ليضعه تحت قدمه [ومن يهينه]، فلمّا انتهى إليه ذلك رضي عنه فأقرّه على عمله، وكتب إليه أن يثبت بمن معه من الجند.\nثم إن أبرهة بنى كنيسة بصنعاء يقال لها: الفليس، وكتب إلى النجاشي: قد بنيت لك بصنعاء كنيسة لم يبن لملك مثلها قط، ولست منتهيا حتى أصرف إليها حجيج العرب. فسمع بذلك رجل من بني مالك بن كنانة فخرج إلى القليس فدخلها ليلا وقعد فيها، فبلغ أبرهة ذلك، ويقال: إنه أتاها ناظرا إليها فدخلها أبرهة فوجد تلك العذرة، فقال: من اجترأ عليّ؟ فقيل صنع ذلك رجل من العرب من أهل ذلك البيت، سمع بالذي قلت فصنع هذا، فحلف أبرهة عند ذلك ليسيرنّ إلى الكعبة حتى يهدمها.\nفخرج سائرا في الحبشة وخرج معه بالفيل، فسمعت بذلك العرب فأعظموه [وفظعوا به] ورأوا جهاده حقّا عليهم، فخرج ملك من ملوك حمير يقال له: ذو نفر بمن أطاعه من قومه، فقابله فهزمه وأخذ ذو نفر فأتى به، فقال: أيها الملك لا تقتلني فإنّ استبقائي خير لك من قتلي، فاستبقاه وأوثقه.\nوكان أبرهة رجلا حليما، ثم خرج سائرا حتى دنا من بلاد خثعم فخرج نفيل بن حبيب الخثعمي في قبيلتي خثعم شهدان وأهش ومن اجتمع إليه من قبايل اليمن فقاتلوه فهزمهم وأخذ النفيل، فقال نفيل: أيّها الملك إني دليل بأرض العرب فلا تقتلني وهاتان يداي على قومي بالسمع والطاعة، فاستبقاه، وخرج معه يدلّه حتى [إذا] مرّ بالطائف خرج إليه مسعود بن مغيث في رجال من ثقيف فقال: أيّها الملك إنّما نحن عبيدك ليس لك عندنا من خلاف، وليس بيتنا هذا البيت الذي تريد- يعنون اللّات- إنما تريد البيت الذي بمكّة، نحن نبعث من يدلّك عليه، فبعثوا أبا رغال مولى لهم فخرج حتى إذا كان بالمغمس مات أبو رغال، وهو الذي يرجم قبره.\nوبعث أبرهة من المغمس رجلا من الحبس يقال له: الأسود بن مقصود على مقدّمة خيله فجمع إليه أموال الحرم وأصاب لعبد المطّلب مائتي بعير، فقال عبد الله بن عمر بن مخزوم:\nاللهم اخز الأسود بن مقصود ... الآخذ الهجمة فيها التقليد\nبين حراء وبثير فالبيد ... يحبسها وهي أولات التطريد\nفضمها إلى طماطم سود ... قد أجمعوا أو يكون معبود\nويهدموا البيت الحرام المعمود ... والمروتين والمشاعر السود\nأضفره يا رب وأنت محمود «١»\n_________\n(١) الهجمة: القطعة الضخمة من الإبل، والتقليد: وضع علامة للهدي، والبيد: جمع البيداء هي الفلاة. وحراء وبثير: جبلان بمكة، وتطريد الإبل: تتابعها، والطماطم: العلوج.","vol":"10","page":290},{"text":"ثم إن أبرهة بعث حائلة الحميري إلى أهل مكّة فقال: سل عن شريفها، ثم أبلغه ما أرسلك به إليه، أخبره أني لم آت لقتال وإنّما لأهدم هذا البيت، فانطلق حتى دخل مكّة فلقي عبد المطّلب بن هاشم فقال: إنّ الملك أرسلني إليك لأخبرك أنه لم يأت لقتال إلّا أن تقاتلوه، وإنّما جاء لهدم هذا البيت ثم الانصراف عنكم.\nفقال عبد المطّلب: ما له عندنا وما لنا به نزال، سنخلّي بينه وبين ما جاء له، فإن هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم (﵇)، فإن يمسّه فهو بيته وحرمه وإن يخلّ بينه وبين ذلك فو الله ما لنا به قوّة، قال: فانطلق معي إلى الملك، فزعم بعض العلماء أنه أردفه على بغلة له كان عليها وركب معه بعض بنيه حتى قدم العسكر.\nوكان ذو نفر صديقا لعبد المطلب فأتاه فقال: يا ذا نفر هل عندك من غناء فيما نزل بنا؟\nفقال: ما غناء رجل أسير لا يأمن أن يقتل بكرة وعشية، ولكنّي سأبعث لك إلى أنيس سائس الفيل فإنّه لي صديق فاسأله أن يصنع لك مثل الملك ما استطاع من خير، ويعظّم خطرك ومنزلتك عنده.\nقال: فأرسل إلى أنيس فأتاه فقال له: إن هذا سيّد قريش وصاحب عير مكّة، يطعم الناس في السهل والوحوش وفي رؤوس الجبل، وقد أصاب له الملك مائتي بعير فإن استطعت أن تنفعه عنده فانفعه، فإنه صديق لي أحبّ ما يوصل إليه من الخير، فدخل أنيس على أبرهة فقال: أيّها الملك هذا سيّد قريش وصاحب عير مكّة الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رؤوس الجبال، يستأذن عليك، وأنا أحب أن تأذن له فيكلّمك، وقد جاء غير ناصب لك ولا مخالف عليك فأذن له.\nوكان عبد المطّلب جسيما وسيما عظيما، فلمّا رآه أبرهة أعظمه وأكرمه وكره أن يجلس معه على سريره وأن يجلس تحته، فهبط إلى البساط فجلس عليه، ثم دعاه فأجلسه معه، ثم قال لترجمانه قل له: حاجتك إلى الملك؟ فقال له الترجمان ذلك.\nفقال عبد المطّلب: حاجتي إلى الملك أن يردّ علي مائتي بعير أصابها لي، فقال أبرهة لترجمانه: أعجبتني حين رأيتك، ولقد زهدت فيك. قال: لم؟ قال: جئت إلى بيت هو دينك ودين آبائك وعصمتكم لأهدمه لم تكلّمني فيه، وتكلّمني في مائتي بعير أصبتها؟ قال عبد المطّلب: أنا ربّ هذه الإبل ولهذا البيت ربّ سيمنعه.\nقال: ما كان ليمنعه منّي، قال: فأنت وذاك. فأمر بإبله فردّت عليه.\nقال ابن إسحاق: وكان فيما زعم بعض أهل العلم قد ذهب إلى أبرهة بعمر بن ناثة «١» بن\n_________\n(١) هكذا في المخطوط، ولعله: ليث.","vol":"10","page":291},{"text":"عدي بن الويل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وهو يومئذ سيد بني كنانة، وخويلد بن وائلة الهذلي وهو يومئذ سيد بني هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال أهل تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت، فأبى عليه، فلمّا ردت الإبل على عبد المطّلب خرج فأخبر قريش الخبر، وأخبرهم أن يتفرّقوا في الشعاب، وتحرزوا في رؤوس الجبال تخوّفا عليهم من معرّة الجيش إذا دخل، ففعلوا وأتى عبد المطّلب الكعبة فأخذ بحلقة الباب وجعل يقول:\nيا ربّ لا أرجو لهم سواكا ... يا ربّ فامنع منهم حكاكا\nلا يغلبنّ صليبهم ... ومحالهم غدوا محالك\nجروا جموع بلادهم ... والفيل كي يسبوا عيالك\nعمدوا حماك بكيدهم ... جهلا وما رقبوا جلالك\nإن كنت تاركهم وكعبتنا ... فأمر ما بدا لك «١»\nثم ترك عبد المطّلب الحلقة وتوجّه في بعض تلك الوجوه مع قومه، وأصبح أبرهة بالمغمس قد تهيّأ للدخول وعبّأ جيشه وهيّأ فيله وكان اسم الفيل محمود، وكان فيل النجاشي بعثه إلى أبرهة، وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوّة.\nويقال: كانت معه اثنا عشر فيلا، فأقبل نفيل إلى الفيل الأعظم ثم أخذ بأذنه وقال: ابرك محمود وارجع راشدا من حيث جئت، فإنك في بلد الله الحرام فبرك الفيل فبعثوه فأبى، فضربوه بالمعول على رأسه فأبى، فأدخلوا محاجنهم تحت مراقه ومرافقه فنزعوه ليقوم فأبى، فوجّهوه راجعا إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، فصرفوه إلى الحرم فبرك وأبى أن يقوم، وخرج الفيل يشتد حتى أصعد في الجبل.\nوأرسل الله طيرا من البحر أمثال الخطاطيف مع كل طاير منها ثلاثة أحجار: حجران في رجليه وحجر في منقاره أمثال الحمّص والعدس، فلمّا أغشين أرسلها عليهم، فلم تصب تلك الحجارة أحدا إلّا هلك.\nوليس كلّ القوم أصابت وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألون عن نفيل بن حبيب ليدلّهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل بن حبيب حين رأى ما أنزل الله بهم من نقمته:\nأين المفر والإله الطالب ... والأشرم «٢» المغلوب غير الغالب؟ «٣»\n_________\n(١) زاد المسير: ٨/ ٣١٠، وتاريخ الطبري: ١/ ٥٥٤.\n(٢) الأشرم: هو أبرهة سمي بذلك لأنه جاءه حجر فشرم أنفه.\n(٣) تاريخ الطبري: ١/ ٥٥٥.","vol":"10","page":292},{"text":"وقال نفيل أيضا في ذلك:\nألا حييت عنا يا ردّينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا\nرديّنة لو رأيت ولم تريه ... لدى جنب المحصّب ما رأينا\nإذا لعذرتني وحمدت رأيي ... ولم تأسي على ما فات بينا\nحمدت الله إذ عاينت طيرا ... وخفت حجارة تلقى علينا\nفكلّ القوم يسأل عن نفيل ... كأن عليّ للحبشان دينا «١»\nونفيل ينظر إليهم من بعض الجبال وقد صرخ القوم وهاج بعضهم في بعض، وخرجوا يتساقطون بكلّ طريق ويهلكون على كل منهل، وبعث على أبرهة داء في جسده، فجعل تتساقط أنامله، كلّما سقطت أنملة أتبعتها مدة من قيح ودم، فانتهى إلى صنعاء وهو مثل فرخ الطير فيمن بقي من أصحابه، وما مات حتى انصدع صدره عن قلبه ثم هلك.\nوزعم مقاتل بن سليمان أنّ السبب الذي جرّ حديث أصحاب الفيل هو أنّ قبيلة من قريش خرجوا تجّارا إلى أرض النجاشي، فساروا حتى دنوا من ساحل البحر وفي حقف من أحقافها بيعة النصارى يسمّيها قريش: الهيكل، ويسمّى النجاشي وأهل أرضة: اطاسر حنان، فبرك القوم في سدّها فجمعوا حطبا ثم أجّجوا نارا فاشتووا، فلمّا ارتحلوا تركوا النار كما هي في يوم عاصف، فعجّت الرياح فاضطرم الهيكل نارا، فانطلق الصريخ إلى النجاشي فأخبره فأسف عند ذلك غضبا للبيعة، فبعث أبرهة لهدم الكعبة [وما لقيه] .\nوكان بمكّة يومئذ أبو مسعود الثقفي، وكان مكفوف البصر يصيّف بالطائف ويشتو بمكّة، وكان رجلا نبيها نبيلا يستسقم الأمور برأيه، وهو أول راتق وأول فاتق، وكان خليلا لعبد المطّلب، فقال عبد المطلب: يا أبا مسعود ماذا عندك؟ هذا يوم لا يستغنى فيه عن رأيك.\nفقال أبو مسعود لعبد المطّلب: اعمد إلى مائة من الإبل فاجعلها حرما لله، وقلّدها نعلا ثم أثبتها في الحرم لعلّ بعض هذه السودان تعقر منها فيغضب ربّ هذا البيت فيأخذهم، ففعل ذلك عبد المطّلب، فعمد القوم إلى تلك الإبل فحملوا عليها وعقروا بعضها فجعل عبد المطلب يدعو.\nفقال أبو مسعود: [قال عبد المطلب]: إنّ لهذا البيت لربّا يمنعه، فقد نزل تبع ملك اليمن بصخر هذا البيت وأراد هدمه، فمنعه الله وابتلاه وأظلم عليه ثلاثة أيام، فلمّا رأى ذلك تبّع كساه القباطي البيض وعظّمه ونحر له جزرا، فانظر نحو البيت.\n_________\n(١) المصدر السابق: ١/ ٥٥٥، وتفسير القرطبي: ٢٠/ ١٩٩، والبداية والنهاية: ٢/ ٢١٦. [.....]","vol":"10","page":293},{"text":"فنظر عبد المطّلب فقال: أرى طيرا بيضا نشأت من شاطئ البحر قال: ارمقها ببصرك أين قرارها؟ قال: أراها قد أزرّت على رؤوسنا. قال: هل تعرفها؟ قال: والله ما أعرفها ما هي نجديّة ولا تهاميّة ولا عربية ولا شامية وإنها لطير بأرضنا غير مؤنسة.\nقال: ما قدّها؟ قال: أشباه اليعاسيب في منقارها حصى كأنها حصى الحذق قد أقبلت كاليلل تكسع بعضها بعضا، أمام كل طير، يقودها أحمر المنقار أسود الرأس طويل العنق، فجاءت حتى إذا حاذت بعسكر القوم ركدت فوق رؤوسهم.\nفلمّا توافت الرعال كلها أهالت الطير ما في مناقيرها على من تحتها، مكتوب في كلّ حجر اسم صاحبه، ثم إنها انصاعت من حيث جاءت، فلمّا أصبحا انحطّا من ذروة الجبل، فمشيا رتوة فلم يؤنسا أحدا ثم دنيا رتوة فلم يسمعا حسّا فقالا: بات القوم سامدين فأصبحوا نياما، فلمّا دنيا من عسكر القوم فإذا هم خامدون.\nوكان يقع الحجر على بيضة أحدهم فيخرقها حتى تقع في دماغه وتخرق الفيل والدّابة ويغيب الحجر في الأرض من شدة وقعه، فعمد عبد المطّلب فأخذ فأسا من فؤوسهم فحفر حتى أعمق في الأرض فملأه من الذهب الأحمر والجوهر الجيّد، وحفر لصاحبه فملأه ثم قال لأبي مسعود: هات خاتمك فاختر، إن شئت أخذت حفرتي وإن شئت أخذت حفرتك وإن شئت فهما لك معا.\nفقال ابن مسعود: اخترتني على نفسك، فقال عبد المطّلب: إني لم آل أن أجعل أجود المتاع في حفرتي فهو لك، وجلس كل واحد منهم على حفرته ونادى عبد المطّلب في الناس فتراجعوا وأصابوا من فضلهما حتى ضاقوا به ذرعا، وساد عبد المطّلب بذلك قريش، وأعطته المقادة فلم يزل عبد المطّلب وأبو مسعود في أهلهما في غنى من ذلك المال، ودفع الله عن كعبته وقبلته، فسلّط جنودا لا قبل لهم بها.\nوقال الواقدي بأسانيده: وجّه أبرهة أرياط أبا ضخمة في أربعة آلاف إلى اليمن فغلب عليها فأكرم الملوك واستذلّ الفقراء، فقام رجل من الحبشة يقال له: أبرهة الأشرم أبو يكسوم فدعا إلى طاعته فأجابوه، فقتل أرياط وغلب على اليمن، فرأى الناس يتجهّزون للحج فقال: أين يذهب الناس؟ قال: يحجّون بيت الله بمكّة.\nقال مما هو؟ قال: من حجارة. قال فما كسوته؟ قال مما يأتي من هنا وهناك.\nقال: والمسيح لأبنينّ لكم خيرا منه فبنى لهم بيتا عمله بالرخام الأبيض والأحمر والأصفر والأسود، وحلّاه بالذهب والفضة، وحفّه بالجواهر وجعل فيها ياقوتة حمراء عظيمة، وجعل له حجّابا، وكان يوقد بالمندلي ويلطخ جدره بالمسك فيسودها حتى تغيب الجواهر، وأمر الناس بحجّه، فحجّه كثير من قبائل العرب سنين، ومكث فيه رجال يتعبّدون ويتألّهون ونسكوا له.","vol":"10","page":294},{"text":"وكان نفيل الخثعمي يورّض له ما يكره فأمهل، فلمّا كان ليلة من الليالي لم ير أحدا يتحرّك، فقام فجاء بعذرة فلطّخ بها جبهته، وجمع جيفا وألقاها فيه، فأخبر أبرهة بذلك فغضب غضبا شديد وقال: إنما فعلت العرب غضبا لبيتهم، لأنقضنّه حجرا حجرا، وكتب إلى النجاشي يخبره بذلك ويسأله أن يبعث إليه بفيله محمود، وكان فيلا لم ير مثله في الأرض عظما وجسما وقوة، فبعث به إليه.\nفلمّا قدم عليه الفيل سار أبرهة بالناس ومعه ملك حمير ونفيل بن حبيب الخثعمي، فلمّا دنا من الحرم أمر أصحابه بالغارة على نعم الناس، فأصابوا إبلا لعبد المطّلب، وكان نفيل صديقا لعبد المطّلب فكلّمه في إبله، فكلّم نفيل أبرهة فقال: أيّها الملك قد أتاك سيّد العرب وأفضلهم قدرا وأقدمهم شرفا، يحمل على الجياد، ويعطي الأموال، ويطعم الناس، فأدخله على أبرهة، فقال: حاجتك؟ قال: تردّ عليّ إبلي. فقال ما أرى ما بلغني عنك إلّا الغرور، وقد ظننت أن تكلّمني في بيتكم الذي هو شرفكم. فقال عبد المطّلب: اردد عليّ إبلي ودونك البيت فإن له ربّا سيمنعه.\nفأمر بردّ إبله عليه، فلمّا قبضها قلّدها النعال وأشعرها وجعلها هديا وثبتها في الحرم لكي يصاب منها شيء، فيغضب ربّ الحرم، وأوفى عبد المطّلب على خيل ومعه عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم بن مطعم بن عدي، وأبو مسعود الثقفي، فقال عبد المطّلب: اللهم إن المرء يمنع رحله وحلاله فامنع حلالك.\nقال: فأقبلت الطير من البحر أبابيل، مع كل طير ثلاثة أحجار: حجران في رجليه وحجر في منقاره، وقذفت الحجارة عليهم، لا تصيب شيئا إلّا هشمته إلّا فقط ذلك الموضع، فكان ذلك أوّل ما رؤي من الجدري والحصبة والأشجار المرّة فأهمدتهم الحجارة، وبعث الله سيلا عاتيا فذهب بهم إلى البحر فألقاهم فيه، وولّى أبرهة ومن بقي معه هرابا، فجعل أبرهة يسقط عضوا عضوا.\nوأما محمود فيل النجاشي فربض ولم يشجع على الحرم فنجا، وأمّا الفيل الآخر فشجع فحصب، ويقال: كانت اثني عشر فيلا.\nقال ابن إسحاق: ولمّا ردّ الله الحبشة عن مكّة عظمت العرب قريشا وقالوا: أهل الله، قاتل عنهم وكفاهم مؤونة عدوّهم، وقال عبد الله بن عمر بن مخزوم في قصة أصحاب الفيل:\nأنت الجليل ربنا لم تدنس ... أنت حبست الفيل بالمغمّس\nمن بعد ما هم بشر مبلس ... حبسته في هيئة المكركس\nوما لهم من فرج ومنفس","vol":"10","page":295},{"text":"والمكركس: المنكوس المطروح «١» . وقال أبو الصلت بن أميّة بن مسعود في ذلك أيضا:\nإن آيات ربنا باقيات ... ما يماري فيهنّ إلّا الكفور\nحبس الفيل بالمغمس حتى ... ظلّ يحبو كأنه معقور\nحوله من ملوك كندة [أبطال] ... ملاويث في الحروب صقور\nغادروه ثم انذعروا سراعا ... كلّهم عظم ساقه مكسور «٢»\nوقال الكلبي ومقاتل: كان صاحب الجيش أبرهة، وكان أبو يكسوم من وزرائه وندمائه، فلمّا أهلكهم الله سبحانه بالحجارة لم يفلت منهم إلّا أبو يكسوم، فسار وطاير يطير فوقه ولم يشعر به حتى دخل على النجاشي فأخبره بما أصابهم، فلمّا استتمّ كلامه رماه الطائر فسقط فمات، فأرى الله النجاشي كيف كان هلاك أصحابه «٣» .\nوقال الآخرون: أبو يكسوم هو أبرهة بن الصباح. وقال الواقدي: كان أبرهة جدّ النجاشي الذي كان في زمن رسول الله ﷺ.\nواختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال مقاتل: كان أمر الفيل قبل مولد رسول الله (﵇) بأربعين سنة، وقال الكلبي وعبيد بن عمير: كان قبل مولد النبي (﵇) بثلاث وعشرين سنة.\nوروي أنّه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله (﵇)، وعليه أكثر العلماء، يدل عليه ما\nأخبرنا أبو بكر الخورقي قال: أخبرنا أبو العباس الدعولي قال: أخبرنا أبو بكر بن أبي خيثمة، قال: حدّثنا إبراهيم بن المنذر الجراحي قال: حدّثنا عبد العزيز بن أبي ثابت قال: حدّثنا الزبير بن موسى عن أبي الحويرث قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول لقباث بن أشيم الكناني الليثي: يا قباث، أنت أكبر أم رسول الله؟ قال: رسول الله أكبر منّي، وأنا أسنّ منه، ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، ووقفت بي أمّي على روث الفيل.\nوقالت عائشة: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة عميين مقعدين يستطعمان.\nالتفسير:\nأَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ قال مقاتل: كان معهم فيل واحد، وقال الضّحاك: كانت ثمانية، وإنّما وجد على هذا التأويل لوفاق رؤوس الآي، أو يقال: نسبهم إلى الفيل الأعظم واسمه محمود.\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٩٦.\n(٢) تفسير ابن كثير: ٤/ ٥٩١.\n(٣) ذكرها الطبري في تفسيره بشكل مفصّل: ١/ ٥٥٠- ٥٥٧.","vol":"10","page":296},{"text":"أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ عما أرادوا من تخريب الكعبة: وقيل: في بطلان وأباطيل، وقال مقاتل: في خسار.\nوَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ من البحر طَيْرًا أَبابِيلَ كثيرة متفرقة، يتبع بعضها بعضا.\nقال عبد الرحمن بن ايزي: أقاطيع كالإبل المقبلة. قال الأعشى:\nطريق وجبار رواء أصوله ... عليه أبابيل من الطير تنعب «١»\nوقال امرؤ القيس:\nتراهم إلى الداعي سراعا كأنهم ... أبابيل طير تحت دجن مسخن «٢»\nوقال آخر:\nكادت تهدّ من الأصوات راحلتي ... أن سالت الأرض بالجرد الأبابيل «٣»\nواختلفوا في واحدها، فقال الفرّاء: لا واحد لها مثل الشماطيط والعباديد والشعارير، كل هذا لا يفرد له واجد، قال: وزعم أبو الرواسي وكان ثقة مأمونا أنه سمع واحدها إبالة ولقد سمعت من العرب من يقول: ضغث على إبالة يريدون خصب على خصب.\nقال: ولو قال قائل: واحدها إبالة كان صوابا مثل دينار ودنانير، ويقال: للفضلة التي تكون على حمل الحمار أو علف البعير إبالة، وقال الكسائي: كنت أسمع النحويين يقولون:\nواحدها إبّول مثل عجّول وعجاجيل. وحكى محمد بن جرير عن بعض النحويين أن واحدها أبيل، يقال: جاءت الخيل أبابيل من هاهنا وهاهنا.\nقال ابن عباس: لها خراطيم كخراطيم الطير وأكف كأكفّ الكلاب.\nعكرمة: لها رؤوس كرءوس السباع لم تر قبل ذلك ولا بعده.\nربيع: لها أنياب كأنياب السباع، وقالت عائشة: أشبه شيء بالخطاطيف.\nسعيد بن جبير: طير خضر لها مناقير صفر، قال أبو الجوزاء: أنشأها الله سبحانه في الهواء في ذلك الوقت.\nتَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ قراءة العامة بالتاء للطير، وقرأ طلحة وأشهب العقيلي يرميهم بالياء، وهو اختيار أبي حنيفة، يعنون الله سبحانه، كقوله: وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى «٤» ويجوز أن يكون راجعا إلى الطير لخلوّها من علامات التأنيث.\n_________\n(١) الصحاح: ٢/ ٦٠٨، والنعب: صوت الطائر، والجبار من النخل: ما طال.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ١٩٧.\n(٣) فتح القدير: ٥/ ٤٩٦.\n(٤) سورة الأنفال: ١٧.","vol":"10","page":297},{"text":"مِنْ سِجِّيلٍ قال ابن مسعود: صاحب الطير وترميهم بالحجارة، وبعث الله سبحانه ريحا فضربت الحجارة فزادتها شدّة، فما وقع منها حجر على رجل إلّا خرج من الجانب الآخر، وإن وقع على رأسه خرج من دبره.\nفَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ كزرع أكلته الدواب فراثته فيبس وتفرّقت أجزاؤه، شبّه تقطّع أوصالهم يفرق أجزاء الروث.\nقال مجاهد: العصف: ورق الحنطة. قتادة: هو التبن، قال الحسن: كنا ونحن غلمان بالمدينة نأكل الشعير إذا قصّب وكان يسمّى العصف. سعيد بن جبير: هو الشعير النابت الذي يؤكل ورقه.\nالفرّاء: أطراف الزرع قبل أن يسنبل ويبتك. عكرمة: كالجبل إذا أكل فصار أجوف. ابن عباس: هو القشر الخارج الذي يكون على حبّ الحنطة كهيئة الغلاف له.\nالمؤرّخ: هو ما يقصف من الزرع فسقطت أطرافه، وقال ابن السكّيت: هو العصف والعصيفة والجل، وقيل: كزرع قد أكل حبّه وبقي تبنه، وقال الضحّاك: كطعام مطعوم.","vol":"10","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-922>سورة قريش</span>\nمكّيّة، وهي ثلاثة وسبعون حرفا، وسبع عشرة كلمة، وأربع آيات\nأخبرني نافل بن راقم بن أحمد بن عبد الجبار البابي قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن محمد البلخي قال: حدّثنا عمر بن محمد بن محمد الكرمي قال: حدّثنا أسباط بن اليسع قال:\nحدّثنا يحيى بن عبيد الله السلمي قال: حدّثنا نوح بن أبي مريم عن علي بن زيد عن زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة لِإِيلافِ قُرَيْشٍ أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها» [٢٦٠] «١» .\nوأخبرني الحسين قال: حدّثنا حازم بن يحيى الحلواني قال: أخبرنا أبو مصعب عن إبراهيم بن يحيى بن ثابت قال: أخبرني عبد الله بن أبي عتيق عن سعيد بن عمر بن جعدة عن أبيه عن جدته أمّ هانئ بنت أبي طالب قالت: إن رسول الله ﷺ قال: «فضّل الله قريشا بسبع خصال لم يعطها أحدا قبلهم، ولا يعطاها أحدا بعدهم: فضلّ الله قريشا أني منهم، وأنّ النبوة فيهم وأنّ الحجابة فيهم، والسقاية فيهم، ونصرهم على الفيل، وعبدوا الله سبحانه عشرين سنة لا يعبده غيرهم، وأنزل الله سبحانه فيهم سورة لم يذكر فيها أحد غيرهم [٢٦١] «٢» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>[سورة قريش (١٠٦): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)\nلِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ.\nاختلفت القرّاء فيها فقرأ عبد الله بن عامر (لألاف) مهموزا مختلسا بلا ياء، وقرأ أبو جعفر (ايلاف) بغير همز وإنما ذهب إلى طلب الخفّة (لإيلاف) بالياء مهموزة مشبعة، وأما قولهم:\n(إيلاف) فروى العمري عن أبي جعفر والبلخي عن ابن كثير (إلفهم) ساكنة اللام يغير ياء وتصديق\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٤٩.\n(٢) كنز العمال: ١٢/ ٢٧.","vol":"10","page":299},{"text":"هذه القراءة ما\nأخبرنا الحسين بن فنجويه قال: حدّثنا ابن خنيس قال: حدّثنا أبو خديجة أحمد ابن داود قال: حدّثنا محمد بن حميد قال: حدّثنا مهران عن سفيان بن ليث عن شمر بن حوشب عن أسماء قالت: سمعت النبي ﷺ [يقرأ]: «إلفهم رحلة الشتاء والصيف» [٢٦٢] «١» .\nوروى الفضل بن شاذان بإسناده عن أبي جعفر، والوليد عن أهل الشام (إلافهم) مهموزة مختلسة بلا ياء\n، وروى محمد بن حبيب الحموي عن أبي يوسف الأعشى عن أبي بكر عن عاصم (إِأْلافهم) بهمزتين الأولى مكسورة والثانية ساكنة الباقون (إِيلافِهِمْ) .\nوأخبرني سعيد بن المعافى، أخبرهم عن محمد بن جرير قال: حدّثنا أبو كرنب قال:\nحدّثنا وكيع عن أبي مكّي عن عكرمة أنه كان يقرأ (إليالف قريش الفهم) .\nوعدّ بعضهم السورتين واحدة منهم أبيّ بن كعب ولا فصل بينهما في مصحفه.\nوقال سفيان بن عيينة: كان لنا امام لا يفصل بينهما ويقرأهما معا، وقال عمرو بن ميمون الأودي صلّيت المغرب خلف عمر بن الخطاب ﵁ فقرأ في الأولى وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وفي الثانية أَلَمْ تَرَ ولِإِيلافِ قُرَيْشٍ.\nواختلفوا في العلّة الجالبة لهذه اللام فقال الفرّاء: هي متّصلة بالسورة الأولى وذلك أنه [تعالى] ذكّر أهل مكّة عظيم نعمته عليهم في ما صنع بالحبشة، ثم قال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ فعلنا ذلك بأصحاب الفيل نعمة منّا على قريش أي نعمتنا عليهم في رحلتهم الشتاء والصيف، فكأنّه قال: نعمة إلى نعمة فتكون اللام بمعنى (إلى) .\nوقال الرازي والأخفش: هي لام التعجب يقول: عجبوا لإيلاف قريش رحلة الشتاء والصيف، وتركهم عبادة ربّ هذا البيت، ثم أمرهم بعبادته.\nوهذا كما يقول في الكلام: لزيد وإكرامنا إيّاه، على وجه التعجب أي: أعجب لذلك، والعرب إذا جاءت بهذه اللام اكتفوا بها دليلا على التعجّب لإظهار الفعل فيه كقول الشاعر:\nأغرّك أن قالوا لقرة شاعرا ... فيا أباه من عريف وشاعر\nأي أعجبوا لقرة شاعرا «٢» .\nوقيل هي لام (كي) مجازها فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ ليؤلف قريشا، فكان هلاك أصحاب الفيل سببا لبقاء إيلاف قريش، ونظام حالهم وأقوام مالهم، وقال الزجّاج: هي مردودة إلى ما بعدها، تقديره: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ\nلإيلاف رحلة الشتاء والصيف.\n_________\n(١) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٣٩٤.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٣٩٥.","vol":"10","page":300},{"text":"وقريش هم ولد النضر بن كنانة، فمن ولده النضر فهو قرشي، ومن لم يلده النضر فليس بقرشي.\nقال رسول الله ﷺ: «نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو أمّنا، ولا ننتفي من أبينا» [٢٦٣] «١» .\nوأخبرنا أبو بكر الجوزي قال: أخبرنا الرعولي قال: حدّثنا محمد بن يحيى قال: حدّثنا أبو المغيرة قال: حدّثنا الأوزاعي قال: حدّثنا أبو عمار شداد عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله (﵇): «إن الله ﷿ اصطفى بني كنانة من بني كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» [٢٦٤] «٢» .\nوسمّوا قريشا من التقرش، وهو التكسّب والتقلّب والجمع والطلب، وكانوا قوما على المال والإفضال حراصا.\nوسأل معاوية عبد الله بن عباس: لم سمّيت قريش قريشا؟ فقال: لدابّة في البحر يقال لها:\nالقرش، تأكل ولا تؤكل، وتعلو ولا تعلا. قال: وهل يعرف العرب ذلك في أشعارهم؟ قال:\nنعم:\nوقريش هي التي تسكن البحر بها ... سميت قريش قريشا\nسلطت بالعلو في لجّة البحر ... على ساير البحور جيوشا\nتأكل الغثّ والسمين ولا تترك فيه ... لذي جناحين ريشا\nهكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كميشا\nولهم آخر الزمان نبيّ ... يكثر القتل فيهم والخموشا\nيملأ الأرض خيله ورجالا ... يحسرون المطيّ حسرا كشيشا «٣»\nوقوله: إِيلافِهِمْ بدل من الإيلاف الأوّل ويرخمه له، ومن أسقط الياء من الإيلاف احتج بقول ابي طالب يوصي أبا لهب برسول الله ﷺ:\nولا تتركنه ما حييت لمعظم ... وكن رجلا ذا نجدة وعفاف\nتذود العدا عن عصبة «٤» هاشمية ... إلا فهم في الناس خير إلاف «٥»\n_________\n(١) مسند أحمد: ٥/ ٢١١.\n(٢) كتاب السنّة: ٦١٨، ومسند أبي يعلى: ١٣/ ٤٧٢.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٠٣، وفتح الباري: ٦/ ٣٨٨، والخموس: الخدوش في البدن، والكميش:\nالسريع. [.....]\n(٤) في التاريخ: ذروة.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٠٢.","vol":"10","page":301},{"text":"رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ اختلفوا في وجه انتصاب الرحلة فقيل: نصبت على المصدر أي ارتحالهم رحلة، وإن شئت نصبته بوقوع إيلافهم عليه، وإن شئت على الظرف بمعنى: على رحلة، وإن شئت جعلتهما في محل الرفع على معنى هما رحلتا الشتاء والصيف، والأول أعجب وأحبّ إليّ لأنّها مكتوبة في المصاحف بغير ياء.\nوأمّا التفسير: فروى عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كانوا يشتون بمكّة ويصيفون بالطائف، فأمرهم الله سبحانه أن يشتوا بالحرم ويعبدوا ربّ البيت.\nوقال أبو صالح: كانت الشام فيها أرض باردة وفيها أرض حارة، وكانوا يرتحلون في الشتاء إلى الحارة، وفي الصيف إلى الباردة وكانت لهم رحلتان كلّ عام للتجارة: أحدهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ، والأخرى في الصيف إلى الشام، وكان الحرم واديا جدبا لا زرع فيه ولا ضرع، ولا ماء ولا شجر، وإنّما كانت قريش تعيش بها بتجارتهم ورحلتهم، وكانوا لا يتعرض لهم بسوء.\nوكانوا يقولون: قريش سكان حرم الله وولاة بيته، فلولا الرحلتان لم يكن لأحد بمكّة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم يقدروا على التصرّف، فشقّ عليهم الاختلاف إلى اليمن والشام، وأخصبت تبالة وجرش والجند من بلاد اليمن، فحملوا الطعام إلى مكّة، أهل الساحل في البحر على السفن، وأهل البر على الإبل والحمر، فألقى أهل الساحل بجدّة وأهل البرّ بالمحصّب، وأخصبت الشام فحملوا الطعام إلى مكّة، فحمل أهل الشام إلى الأبطح، وحمل أهل اليمن إلى الجدّة، فامتاروا من قريب وكفاهم الله مؤونة الرحلتين وأمرهم بعبادة ربّ البيت.\nأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد قال: أخبرنا أبو الوليد حسان بن محمد قال: حدّثنا القاسم بن زكريّا المطرّز قال: حدّثنا محمد بن سليمان قال: حدّثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال: مرّ رسول الله (﵇) ومعه أبو بكر بملئهم ينشدون:\nيا ذا الذي طلب السماحة والندى ... هلّا مررت بآل عبد الدار «١»\nهلّا مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من جهد ومن إقتار\nفقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: «أهكذا قال الشاعر يا أبا بكر؟» [٢٦٥] قال: لا، والذي بعثك بالحق، بل قال:\nيا ذا الذي طلب السماحة والندى ... هلّا مررت بآل عبد مناف\nلو أن مررت بهم تريد قراهم ... منعوك من جهد ومن إيجاف\nالرائشين وليس يوجد رائش ... والقائلين هلمّ للأضياف\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٥٢.","vol":"10","page":302},{"text":"والخالطين غنيّهم بفقيرهم ... حتى يصير فقيرهم كالكافي\nوالقائلين بكل وعد صادق ... ورجال مكّة مسنتين عجاف\nسفرين سنّهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف\nقال الكلبي: وكان أوّل من حمل السمراء من الشام ورحل إليها الإبل هاشم بن عبد مناف.\nْيَعْبُدُوا\nلام الأمر رَبَّ هذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ.\nأخبرنا أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: حدّثنا أبو الفضل عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد قال: حدّثنا جعفر قال: سمعت ابن ملك بن دينار يقول: ما سقطت أمة من عين الله سبحانه إلّا ضرب أكبادها بالجوع.\nوَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ وذلك أنهم كانوا يقولون: نحن قطّان حرم الله سبحانه، فلا يعرض لهم أحد في الجاهلية، وإن كان الرجل ليصاب في الحي من أحياء العرب فقال: حرمي حرمي فيخلّى عنه وعن ماله تعظيما للحرم، وكان غيرهم من قبائل العرب إذا خرج أغير عليه.\nوقال الضحّاك والربيع وشريك وسفيان: وآمنهم من الجذام، فلا يصيبهم ببلدهم الجذام.\nوأخبرنا أيضا أبو الحسن المقري قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عيسى المقري البروجردي ببغداد قال: حدّثنا أبو سعيد عمر بن مرداس قال: حدّثنا محمد بن بكير الحضرمي قال: حدّثنا القاسم بن عبد الله عن [أبي] بكر بن محمد عن سالم قال: قال رسول الله ﷺ:\n«غبار المدينة يبرئ من الجذام» [٢٦٦] «١» .\nوقال علي كرم الله وجهه: وَآمَنَهُمْ مِنْ [خوف] أن تكون الخلافة إلّا فيهم [٢٦٧] «٢» .\n_________\n(١) كنز العمال: ١٢/ ٢٣٦ عن ابن السني وأبي نعيم في الطب.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٠٩، وما بين معكوفين منه.","vol":"10","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-924>سورة الماعون</span>\nمكية، وهي مائة وخمسة وعشرون حرفا، وخمس وعشرون كلمة، وسبع آيات\nأخبرني محمد بن القاسم الفقيه قال: حدّثنا أبو محمد بن أبي حامد قال: حدّثنا أبو جعفر محمد بن الحسن الأصفهاني قال: حدّثنا مؤمل بن إسماعيل قال: حدّثنا سفيان الثوري، قال:\nحدّثنا أسلم المنقري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزي عن أبيه عن أبي بن كعب قال: قال رسول ﷺ: «من قرأ سورة أَرَأَيْتَ غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا» [٢٦٨] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>[سورة الماعون (١٠٧): الآيات ١ الى ٧]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ (٣) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤)\nالَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُراؤُنَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ (٧)\nأَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ قال مقاتل والكلبي: نزلت في العاص بن وائل السهمي، السدي ومقاتل بن حيان وابن كيسان: يعني الوليد بن المغيرة، الضحاك: في عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم، وقيل: هيبرة بن أبي وهب المخزومي، ابن جريح: كان أبو سفيان بن حرب ينحر كل أسبوع جزورين فأتاه يتيم فسأله شيئا فقرعه بعصاه، فأنزل الله سبحانه فيه أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ أي يقهره ويزجره ويدفعه عن حقّه، الدع: الدفع في جفوة.\nقرأ أبو رجاء يَدَعُ الْيَتِيمَ أي يتركه ويقصر في حقه وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ\nحدّثنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابن الشرقي قال:\nحدّثنا محمد ابن إسحاق الصعالي ببغداد قال: حدّثنا عمرو بن الربيع بن طارق قال: حدّثنا عكرمة بن إبراهيم عن عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعيد عن سعيد قال: سألت رسول\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٥٤.","vol":"10","page":304},{"text":"الله ﷺ عن قوله سبحانه: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ قال ابن عباس: هم المنافقون يتركون الصلاة في السرّ إذا غاب الناس ويصلونها في العلانية إذا حضروا.\nبيانه قوله سبحانه:\nوَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النَّاسَ\n«١» الآية، مجاهد: لاهون غافلون عنها متهاونون بها، وقال قتادة: ساه عنها لا يبالي صلى أم لم يصل.\nوأخبرني عقيل أن أبا الفرج أخبرهم عن ابن جرير قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا معاوية بن هشام عن شيبان النحوي عن جابر الجعفي قال: حدّثني رجل عن أبي بردة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ لما نزلت هذه الآية الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ: «الله أكبر هذه خير لكم من أن لو أعطى كل رجل منكم مثل جميع الدنيا هو الذي إن صلى لم يرج خير صلواته وأن تركها لم يخف ربه»\n[٢٦٩] «٢» وبه عن ابن جرير قال: حدّثني أحمد بن عبد عبد الرحيم البرقي قال: حدّثنا عمرو بن أبي مسلمة قال سمعت عمر بن سليمان يحدّث عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ ولم يقل في صلاتهم، الحسن: هو الذي إن صلّاها صلاها رياء وأن فاتته لم يندم، أبو العالية: لا يصلونها لمواقيتها ولا يتمّون ركوعها ولا سجودها، وعنه أيضا: هو الذي إذا سجد قال برأسه هكذا وهكذا ملتفتا، الضحاك: هم الذين يتركون الصلاة. وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ\nأخبرنا أبو بكر الجمشادي حدّثنا أبو بكر القطيعي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال: حدّثنا أبو عمر الضرير قال: حدّثنا أبو عوانة عن إسماعيل السهمي عن أبي صالح عن علي ﵁ وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ قال: هي الزكاة\n، وإليه ذهب ابن عمر والحسن وقتادة وابن الحنفية والضحاك.\nوأخبرنا الجمشادي قال: أخبرنا العطيفي قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال:\nحدّثنا أبو عمر الضرير قال: حدّثنا حماد عن عاصم عن زر عن عبد الله في الماعون قال:\nالفاس والدلو والقدر وأشباه ذلك وهي رواية سعيد بن جبير عن ابن عباس، مجاهد عنه: هو العارية ومتاع البيت، عطية عنه: هو الطاعة، محمد بن كعب والكلبي: الماعون المعروف كله الذي يتعاطاه الناس فيما بينهم، سعيد بن المسيب والزهري ومقاتل: الماعون: المال بلغة قريش، قال الأعشى:\nبأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم «٣»\nوأخبرنا محمد بن عبدوس في آخرين قالوا: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: سمعت بعض العرب يقول: الماعون هو الماء، وأنشدني فيه:\n_________\n(١) سورة النساء: ١٤٢.\n(٢) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٤٠٤.\n(٣) لسان العرب: ١٣/ ٤١٠.","vol":"10","page":305},{"text":"يمج صبيرة الماعون صبا «١» والصبير: المنجاب.\nوقال أبو عبيد والمبرد: الماعون في الجاهلية: كلّ منفعة وعطية وعارية، وهو في الإسلام: الطاعة والزكاة، قال حسان بن قحافة: لا يحرم الماعون منه خابطا، ويقول العرب:\n[ولقد نزلنا لصنعت بناقتك صنيعا] «٢» تعطيك الماعون، أي الطاعة والانقياد، قال الشاعر:\nمتى يجاهدهن بالبرين ... يخضعن أو يعطين بالماعون «٣»\nوحكى الفراء أيضا عن بعضهم أنه قال: ماعون من الماء المعين، وقال قطرب: أصل الماعون من القلّة، يقول العرب: ماله سعنة ولا معنة أي شيء قليل، فسمّى الزكاة والصدقة والمعروف ماعونا، لأنه قليل من كثير، وقيل: الماعون ما لا يحل منعه مثل الماء والملح والنار، يدلّ عليه ما\nأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عمرو بن مرداس قال: حدّثنا محمد بن بكر قال: حدّثنا عثمان بن مطر عن الحسن بن أبي جعفر عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيّب عن عائشة أنّها قالت: يا رسول الله ما الذي لا يحلّ منعه قال: «الماء والملح والنار» .\nفقالت: يا رسول الله هذا الماء فما بال النار والملح؟ فقال لها: يا حميراء «من أعطى نارا فكأنما تصدّق بجميع ما طبخ بذلك «٤» النار، ومن أعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما طيّب بذلك الملح، ومن سقى شربة من الماء حيث يوجد الماء فكأنما أعتق (ستين نسمة) «٥»، ومن سقى «٦» شربه ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما أحيا نفسا»\n[٢٧٠] «٧» قال الراعي:\nقوم على الإسلام لمّا يمنعوا ... ماعونهم ويمنعوا التهليلا «٨»\n_________\n(١) الصحاح: ٦/ ٢٢٠٥، تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢١٤.\n(٢) عن تاج العروس: ٩/ ٣٤٧، وعبارة المخطوط مشوشة.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢١٥، وفيه متى تصادفهن.\n(٤) في المصدر: انضجت تلك.\n(٥) في المصدر: رقبة. [.....]\n(٦) في المصدر: مسلما.\n(٧) سنن ابن ماجة: ٢/ ٨٢٦.\n(٨) الصحاح: ٦/ ٢٢٠٥، ولسان العرب: ١١/ ٧٠٤.","vol":"10","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-926>سورة الكوثر</span>\nمكية وهي اثنان وأربعون حرفا، وعشر كلمات، وثلاث آيات\nأخبرني الأستاذ أبو الحسين الفارسي الماوردي قال: حدّثنا أبو محمد الشيباني قال:\nحدّثنا أبو عمرو الحبري وأبو عثمان البصري قالا: حدّثنا محمد بن عبد الوهاب العبدي قال:\nحدّثنا أحمد بن عبد الله بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ سقاه الله من أنهار الجنة وأعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل قربان قرّبة العباد في يوم عيد ويقربون من أهل الكتاب والمشركين» [٢٧١] «١» .\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا أبو علي حمزة بن محمد الكاتب قال: حدّثنا نعيم بن حماد قال: حدّثنا نوح بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول قال: قال رسول ﷺ: «من قرأ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ كان له ما بين المشرق والمغرب أبعرة على كل بعير كراريس، كل كراسة مثل الدنيا وما فيها كتب له بدقة الشعر ليس فيها إلّا صفة قصوره ومنازله في الجنة [٢٧٢] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>[سورة الكوثر (١٠٨): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣)\nإِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ\nقال ابن عباس: نزلت هذه السورة في العاص بن وائل ابن هشام بن سعيد بن سهم أنه رأى رسول الله ﷺ يخرج من المسجد وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدّثا وأناس من صناديد قريش في المسجد جلوس، فلما دخل العاص قالوا له: من الذي كنت تحدث؟ قال: ذاك الأبتر، يعني النبي ﷺ وكان قد توفى قبل ذلك عبد الله ابن رسول الله ﷺ وكان من خديجة، وكانوا يسمّون من ليس له ابن أبتر، فسمّته قريش عند موت ابنه أبتر وصنبورا فأنزل الله سبحانه إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٥٨.","vol":"10","page":307},{"text":"قراءة العامة بالعين، وقرأ الحسن وطلحة بن مصرف (أنطيناك) بالنون، وروى ذلك عن النبي ﷺ.\nأخبرناه أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن أحمد بن علي المطوعي بقراءتي عليه قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار الأصفهاني قال: أخبرنا أبو المثنى معادين المثنى بن معاد ابن نصر العبيدي قال: حدّثنا عمرو بن المحرّم أبو قتادة البصري قال: حدّثنا عبد الوارث بن عمرو عن الحسن عن أمّه عن أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ: إنّا أنطيناك الكوثر.\nوالكوثر فوعل من الكثرة كنوفل من النفل وحوقر من الحقر، والعرب يسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير في المقدار الخطر: كوثرا. قال سفيان بن عيينة: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر بم آب ابنك؟ قالت آب بكوثر، يعني بمال كثير «١» .\nواختلفوا في المراد به هاهنا\nفحدّثنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا أبو العباس الثقفي قال: حدّثنا أبو همام الوليد بن شجاع السكوني وعبد الله بن عمر بن أبان قالا: حدّثنا عبد الرحمن بن سلمان عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: بينا رسول الله ﷺ معنا إذ أغفى إغفاءة أو أغمى عليه، فرفع رأسه مبتسما فقال: «هل تدرون ممن ضحكت» فقالوا الله ورسوله أعلم، قال: «إنه نزل عليّ سورة» فقرأ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فقرأ حتى ختم السورة فلما قرأها قال: «أتدرون ما الكوثر؟ أنه نهر في الجنة وعدنيه ربّي ﷿ فيه خير كثير، لذلك النهر حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد الكواكب [فيختلج] منهم فأقول:\nربّ إنّه من أمتي فيقال: أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» [٢٧٣] «٢» .\nوأخبرنا أبو سعيد بن حمدون قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن حمدون بن خالد قال: حدّثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحمصي قال: حدّثنا أيوب بن سويد قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم عن عمّه العباس بن عبد الله بن معيد عن ابن عباس قال: لما نزلت إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ صعد رسول الله ﷺ فقرأها على الناس، فلما نزل قالوا: يا رسول الله ما هذا الذي قد أعطاكه الله سبحانه؟ قال: «نهر في الجنة أشدّ بياضا من اللبن، وأشد استقامة من القدح حافتاه قباب الدر الدر والياقوت ترده طير خضر لها أعناق كأعناق البخت» قالوا: يا رسول الله ما أنعم هذا لطائر؟\nقال «أفلا أخبركم بأنعم منه؟» قالوا بلى: قال: «من أكل الطائر وشرب الماء فاز «٣» برضوان الله سبحانه» [٢٧٤] «٤» .\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢١٦.\n(٢) السنن الكبرى: ٢/ ٤٣، صحيح مسلم: ١/ ١٢، بتفاوت.\n(٣) في المخطوط: وفاز.\n(٤) تفسير نور الثقلين: ٥/ ٦٨٠.","vol":"10","page":308},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر المطيري قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا ابن فضيل قال: حدّثنا عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: «الكوثر نهر في الجنة حافتاه من الذهب ومجراه على الدر والياقوت وتربته أطيب من المسك وماءه أحلى من العسل وأشد بياضا من الثلج»\n[٢٧٥] «١» وقالت عائشة ﵂:\nالكوثر نهر في الجنّة يخرخر «٢» في الحوض فمن أحب أن يسمع خريره فليجعل إصبعيه في أذنيه.\nوقال بعضهم: هو الحوض بعينه، وصفته على ما\nجاء في الأخبار أن رسول الله ﷺ:\nوصف حوض الكوثر فقال: «حصباؤه الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر والدر والمرجان وحمأته المسك الأذفر وترابه الكافور، وماءه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وأبرد من الثلج، يخرج: من أصل السدرة عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، حافتاه الزعفران وقباب الدر والمرجان، من دخله أمن من الغرق، ولا يشرب منه أحد فيظمأ، ولا يتوضأ منه أحد فيشعث، فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر» فقال أبو بكر وعمر: إنها لناعمة فقال: «أكلها أنعم منها» [٢٧٦] .\nوفي خبر آخر: «لتزدحمنّ هذه الأمة على الحوض ازدحام واردات الحمر» [٢٧٧] «٣» .\nوأخبرنا أبو القاسم بن حبيب في سنة ست وثلاثمائة: قال: حدّثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد الصفار الأصفهاني قال: أخبرنا أبو عبد الله العمري الكوفي بالكوفة قال:\nحدّثنا بشر بن داود القرشي قال: حدّثنا مسعود بن سابور عن علي بن عاصم عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لحوضي أربعة أركان: فأول ركن منها في يد أبي بكر والثاني في يد عمر والثالث في يد عثمان والرابع في يد علي، فمن أحب أبا بكر وأبغض عمر لم يسقه أبو بكر ومن أحب عمر وأبغض أبا بكر لم يسقه عمر ومن أحب عثمان وأبغض عليا لم يسقه عثمان ومن أحب عليا وأبغض عثمان لم يسقه علي، ومن أحسن القول في أبي بكر فقد أقام الدين، ومن أحسن القول في عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحسن القول في عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحسن القول في علي فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، من أحسن القول في أصحابي فهو مؤمن ومن أساء القول في أصحابي فهو منافق» [٢٧٨] .\nوقال قطر بن خليفة: سألت عطاء عن الكوثر ونحن نطوف في البيت فقال: حوض أعطي رسول الله ﷺ عليه وسلم في الجنة، وروى حميد عن أنس قال: دخلنا على عبيد الله بن زياد وهم يتذاكرون الحوض فقلت: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم يتمارون في الحوض،\n_________\n(١) كنز العمّال: ١٤/ ٤٢٣، ح ٣٩١٤٦.\n(٢) في المخطوط: يقرقر.\n(٣) كنز العمال: ١٤/ ٤٢٥، ح ٣٩١٥٥.","vol":"10","page":309},{"text":"لقد تركت خلفي عجائز ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله أن يسقيها من حوض محمد وفيه يقول الشاعر:\nيا صاحب الحوض من يدانيكا ... وأنت حقا حبيب باريكا «١»\nوقال سعيد بن جبير ومجاهد: هو الخير الكثير، وقال الحسن: هو القرآن العظيم، عكرمة: النبوة والكتاب، محمد بن إسحاق هو العظيم من الأمر وذكر بيت لبيد\nصاحب ملحوب فجعنا بفقده ... وعند الرداع بيت آخر كوثر «٢»\nيقول: أي عظيم.\nوقال أبو بكر بن عباس ويمان بن ذياب: هو كثرة الأصحاب والأشياع، ابن كيسان: هو كلمة من الكتب الأولى ومعناها الإيثار، الحسين بن الفضل: الكوثر شيئان تيسير القرآن وتخفيف الشرائع،\nجعفر الصادق: الكوثر نور في قبلك دلّك عليّ، وقطعك عما سواي\n، وعنه أيضا:\nالشفاعة\n، وقيل: معجزات أكثرت بها أهل الإجابة لدعوتك، هلال بن يساق: هو قول لا اله الله محمد رسول الله، وقيل: الفقه في الدين، وقيل: الصلوات الخمس.\nفَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال محمد بن كعب: يقول: إن ناسا يصلّون لغير الله وينحرون لغير الله ف إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فلا تكن صلاتك ونحرك إلّا لي، وقال عكرمة وعطاء وقتادة: فَصَلِّ لِرَبِّكَ صلاة العيد يوم النحر، قال سعيد بن جبير ومجاهد: فَصَلِّ لِرَبِّكَ صلاة الغداة المفروضة بجمع وَانْحَرْ البدن بمنى.\nوقال بعضهم: نزلت هذه الآية يوم الحديبية حين حضر النبي ﷺ وأصحابه وصدّوا عن البيت فأمره الله سبحانه أن يصلي وينحر البدن وينصرف، وفعل ذلك\n، وهو رواية أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن يوسف قال: حدّثنا حجاج قال: حدّثنا حماد عن عاصم الجحدري عن أبيه عن عقبة بن ظبيان عن علي ابن أبي طالب ﵁ أنه قال في هذه الآية فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: وضع اليد اليمنى على ساعده اليسرى ثم وضعها على صدره.\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا علي ابن إبراهيم بن أحمد العطار قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا هاشم بن الحرث المروزي قال: حدّثنا محمد بن ربيعة قال:\nحدّثنا يزيد بن ذياب بن أبي السعد عن عاصم الجحدري عن عقبة بن ظهير عن علي بن أبي\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢١٧.\n(٢) لسان العرب: ٢/ ١٥ وفيه: فجعنا بيومه.","vol":"10","page":310},{"text":"طالب في قوله فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة.\nوأخبرنا عبد الخالق قال: حدّثنا ابن جنب قال: حدّثنا يحيى بن أبي طالب قال: أخبرنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا روح بن المسيّب قال: أخبرني عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس في قول الله سبحانه فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: وضع اليمين على الشمال في الصلاة عند النحر.\nيدلّ عليه ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدثنا المعافى بن داود قال: حدثنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يضرب بإحدى يديه على الأخرى في الصلاة.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن قال: أخبرنا سفيان عن سماك عن قبيصة بن هلب عن أبيه قال: رأيت النبي ﷺ واضعا يمينه على شماله في الصلاة، هلب لقب وأسمه يزيد بن قتادة.\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدّثنا ابراهيم بن الحرث قال: حدّثنا يحيى بن أبي بكر قال: حدّثنا زهير بن معاوية قال: حدّثنا أبو إسحاق عن عبد الجبار بن وائل عن وائل بن حجر قال: رأيت النبي ﷺ يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة قريبا من الرفع، ويرفع يديه حتى يبلغا أذنيه.\nوأخبرنا عبد الله قال: أخبرنا محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن يوسف قال: حدّثنا حجاج قال: حدّثنا هشيم عن الحجاج بن أبي زينب السلمي قال: حدّثنا أبو عثمان النهدي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ رأى رجلا وهو يصلي واضعا يده اليسرى على اليمنى فنزع اليسرى عن اليمنى ووضع اليمنى على اليسرى.\nوأخبرنا أبو محمد المخلدي قال: أخبرنا أبو الفضل يعقوب بن يوسف بن عاصم البخاري الفقيه قال: حدّثنا الحسين بن الفضل النصراني قال: حدّثنا وهب بن إبراهيم الرازي قال: حدّثنا أبو عبد الله إسرائيل بن حاتم المروزي وكان ثقة مأمونا قال: أخبرنا مقاتل بن حيان عن أصبغ ابن نباتة عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لما نزلت هذه السورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال النبي ﷺ لجبرائيل: «ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي؟» [٢٧٩] «١» قال:\nليست بنحيرة ولكنه يأمرك إذا تحرمت للصلاة أن ترفع يدك إذا كبرت، وإذا ركعت، وإذا رفعت رأسك من الركوع، وإذا سجدت، فإنه صلاتنا وصلاة الملائكة الذين في السموات السبع وإن لكل شيء زينة وأن زينة الصلاة رفع الأيدي عند التكبيرة.\n_________\n(١) كنز العمال: ٢/ ٥٥٧، ح ٤٧٢١. [.....]","vol":"10","page":311},{"text":"وقال رسول الله ﷺ: «رفع الأيدي في الصلاة من الاستكانة» قلت: فما الاستكانة؟ قال:\n«ألا تقرأ هذه الآية: فَمَا اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وَما يَتَضَرَّعُونَ «١»» قال: هو الخضوع [٢٨٠] «٢» .\nيدل عليه ما\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن بلال قال:\nحدّثنا أبو زرعة الرازي قال: حدّثنا عبد الجبار بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحق العامري قال: حدّثنا ابن أبي الزياد عن موسى بن عقبة عن عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب عن رسول الله ﷺ أنّه كان إذا قام الى الصلاة المكتوبة كبّر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع ويضعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد.\nوأخبرنا الشيخ الصالح أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن علوية بن سلوس العبدوي في رجب سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن الأزهر الأزهري وعبد الله بن يحيى بن أحمد بن مهران المذكر قالا: سمعنا أبا إسماعيل الترمذي وحدّثنا أبو محمّد المخلدي إملاء قال: أخبرنا أبو محمّد عبد الله بن يحيى بن أحمد المذكر قال: حدّثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي قال: صلّيت خلف أبي عارم- أي النعمان- فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت ما هذا؟ فقال: صليت خلف حماد بن زيد فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ما هذا؟ فقال: صليت خلف أيوب السجستاني فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ما هذا؟ قال: صلّيت الى جنب عطاء بن أبي رياح فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ما هذا؟ قال: صليت خلف أبي بكر الصديق فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع، فقلت له: ما هذا؟ قال: صلّيت خلف النبي ﷺ فرأيته يرفع يديه حين أفتتح الصلاة وحين ركع وحين رفع رأسه من الركوع.\nوأنبأني عقيل قال: أخبرنا المعافى قال: أخبرنا ابن جرير قال: حدّثنا أبو كريب قال:\nحدّثنا وكيع عن إسرائيل عن جابر عن أبي جعفر فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قال: يرفع يديه أول ما يكبّر في الافتتاح الى النحر.\nوأخبرنا محمد بن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: أخبرنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفراء قال: يقال: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي أستقبل القبلة بنحرك، سمعت بعض العرب يقول: منازلنا تتناحر، أي هذا ينحر هذا، أي قبالته، وأنشدني بعض أسد:\n_________\n(١) سورة المؤمنون: ٧٦.\n(٢) كنز العمال: ٢/ ٥٥٧، ح ٤٧٢١، وتاريخ بغداد: ١٤/ ٤٢٢.","vol":"10","page":312},{"text":"أبا حكم هل أنت عم مجالد ... وسيّد أهل الأبطح المتناحر «١»\nأي ينحر بعضه بعضا، وإليه ذهب الضحاك والكلبي،\nوقال واصل بن السائب: سألت عطاء عن قوله سبحانه وَانْحَرْ قال: أمر رسول الله ﷺ أن يستوي بين السجدتين جالسا حتى يبدوا نحره\n، سليمان التيمي: يعني وأرفع يديك بالدعاء الى نحرك، ذو النون: أي أذبح هواك في قلبك.\nإِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني أن عدوك ومبغضك هو الأقل الأذلّ المنقطع دابره، نزلت في العاص بن وائل، وقال شمر بن عطية: هو عقبة بن أبي معيط، وقال عكرمة عن ابن عباس:\nنزلت في كعب بن الأشرف وجماعة من قريش، وذلك أنه لما قدم كعب مكّة قالت له قريش:\nنحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيّد أهل المدينة فنحن خير أم هذا الصنبور المنبتر من قومه؟\nفقال: بل أنتم خير منه. فنزلت في كعب أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتابِ «٢» الآية ونزلت في الذين قالوا للنبي ﷺ: أبتر.\nإِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني المنقطع من كل خير، قال الجنيد: المنقطع عن بلوغ أمله فيك.\n_________\n(١) لسان العرب: ٥/ ١٩٧.\n(٢) سورة آل عمران: ٢٣.","vol":"10","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-928>سورة الكافرون</span>\nمكية. وهي أربعة وتسعون حرفا، وست وعشرون كلمة، وست آيات\nأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو عمر الحرشي قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدّثنا يعقوب بن حميد قال: حدّثنا إسماعيل بن داود عن سليمان بن بلال عن أبي جبير عن الحكم بن عبد الله بن سعد أن محمد ابن سعيد بن جبير بن مطعم حدّثهم أنه سمع جبير بن مطعم يقول: قال لي رسول الله ﷺ:\n«أتحب يا جبير أن تكون إذا خرجت سفرا من أمثل أصحابك هيئة وأكثرهم زادا»؟ قال: قلت:\nنعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: «فأقرأ بهذه السور: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ وإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وأفتح قراءتك ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» [٢٨١] «١» قال: فقال جبير: وكنت غنيا كثير المال وكنت أخرج مع من شاء الله أن أخرج معه في السفر فأكون أبذّهم هيئة وأقلّهم زادا فما زالت منذ علمنيهن رسول الله ﷺ وقرأتهن أكون من أحسنهم هيئة وأكثرهم زادا حتى أرجع من سفري ذلك «٢» .\nوأخبرنا أبو العباس السليطي قال: أخبرنا ابن الشرقي قال: حدثنا أحمد بن يوسف قال:\nحدثنا عبد الرزاق ومحمد بن يوسف قالا: حدّثنا سفيان عن أبي إسحاق عن فروة بن نوفل الأشجعي يرفعه إلى النبي ﷺ أنه قال لرجل: «اقرأ عند منامك قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فإنها براءة من الشرك» [٢٨٢] «٣» .\nوأخبرنا أحمد بن أبي قال: أخبرنا منصور بن محمد قال: حدّثنا محمد بن أيوب قال:\nحدّثنا القصيني قال: حدّثنا سلمة بن وردان قال سمعت أنسا يقول: قال ﷺ: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ربع القرآن» [٢٨٣] «٤» .\n_________\n(١) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٢٤، مجمع الزوائد: ١٠/ ١٣٣، وفيه افتتح كلّ سورة، بدل أفتتح قراءتك.\n(٢) مسند أبي يعلى: ١٣/ ٤١٤.\n(٣) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٦٢.\n(٤) مجمع الزوائد: ٧/ ١٤٨.","vol":"10","page":314},{"text":"وأخبرنا محمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن زيد المعدل قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال: حدّثنا محمد بن منصور قال: حدّثنا محمد بن عمران بن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:\nحدّثني أبي عن مخالد عن الحجاج بن عبد الله عن أبي الجليل عن زر عن أبي قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ فكأنما قرأ ربع القرآن، وتباعدت عنه مردة الشياطين، وبرئ من الشرك ويعافى من الفزع الأكبر» [٢٨٤] «١» .\nوقال رسول الله ﷺ: «مروا صبيانكم فليقرءوها عند المنام فلا يعرض لهم شيء» [٢٨٥] .\nوقال ابن عباس: ليس في القرآن سورة أشد لغيظ إبليس من هذه السورة لأنها توحيد وبراءة من الشرك.\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>[سورة الكافرون (١٠٩): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤)\nوَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)\nقُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ الى آخر السورة\nنزلت في رهط من قريش منهم الحرث بن قيس السهمي والعاص بن وائل والوليد بن المغيرة والأسود بن عبد يغوث الزهري والأسود بن المطلب بن أسد وأميّة بن خلف قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك ونشركك في أمرنا كلّه تعبد آلهتنا سنة ونعبد الهك سنة فأن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وأن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك منه، فقال: «معاذ الله أن أشرك به غيره» [٢٨٦] «٢» .\nفقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدّقك ونعبد إلهك فقال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي فانزل الله سبحانه: قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ الى آخر السورة فغدا رسول الله ﷺ إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش فقام على رؤوسهم ثم قرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فيئسوا عنه عند ذلك وآذوه وآذوا أصحابه.\nوأما وجه تكرار الكلام فأن معنى الآية لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ في الحال وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ في الحال وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ في الاستقبال وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ في الاستقبال وهذا خطاب لمن سبق في علم الله سبحانه أنهم لا يؤمنون، وقال أكثر أهل المعاني:\nنزل القرآن بلسان العرب وعلى مجاري خطابهم ومن مذاهبهم التكرار إرادة التوكيد والإفهام،\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٦٢.\n(٢) أسباب نزول الآيات: ٣٠٧، تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٦٣.","vol":"10","page":315},{"text":"كما أن مذاهبهم الاختصار إرادة التخفيف والإيجاز لإن إتيان المتكلّم والخطيب وخروجه من شيء الى شيء آخر أفضل من اقتصاره في المقام على شيء واحد، قال الله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ «١» وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ «٢» في غير موضع من سورة واحدة وقال سبحانه:\nكَلَّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ «٣» وقال: تعالى وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ «٤» وقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا «٥» كل هذا أراد به التأكيد، ويقول القائل: ارم ارم، عجّل عجل، ومنه\nالحديث أن رسول الله ﷺ صعد المنبر ذات يوم فقال: «إن بني مخزوم استأذنوا أن ينكحوا فتاتهم عليا فلا آذن ثم لا آذن، لأنّ فاطمة بضعة مني يسرّها ما يسرّني ويسوءها ما يسوءني» [٢٨٧] .\nومنه قول الشاعر:\nهلا سألت جموع كندة ... يوم ولوا أين أينا «٦»\nوقال آخر:\nيا علقمه يا علقمه يا علقمه ... خير تميم كلّها وأكرمه «٧»\nوقال آخر:\nقربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيان «٨»\nثم قال في عدة أبيات من هذه القصيدة:\nلقحت حرب وائل عن حيان\nوأنشدني أبو القاسم بن حبيب قال: أنشدني أبو القاسم عبد الرحمن بن المظفر الأنباري قال: أنشدنا أبو بكر محمد بن أحمد بن القاسم الأنباري لبعض نساء الإعراب.\nيقول رجال زوجها لعلها ... تقر وترضى بعده بحليل\nفأخفت في النفس التي ليس دونها ... رجاء وان الصدق أفضل قيل\nأبعد ابن عمي سيد القوم مالك ... أزفّ الى بعل ألدّ كليل\n_________\n(١) سورة الرحمن.\n(٢) سورة المرسلات: ١٥.\n(٣) سورة النبأ: ٤- ٥.\n(٤) سورة الانفطار: ١٧. [.....]\n(٥) سورة الشرح: ٥- ٦.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٢٧.\n(٧) فتح القدير: ٥/ ٥٠٧.\n(٨) لسان العرب: ٧/ ٨٢.","vol":"10","page":316},{"text":"وحدّثني أصحابه أن مالكا ... أقام ونادى صحبه برحيل\nوحدّثني أصحابه أن مالكا ... صروم كماضي الشفرتين صقيل\nوحدّثني أصحابه أن مالكا ... جواد بما في الرحل غير بخيل\nوقال القتيبي: وفيه وجه آخر وهو أنّ قريشا قالوا: إن سرّك أن ندخل في دينك عاما فأدخل في ديننا عاما فنزلت هذه السورة، فتكرار الكلام لتكرار الوقت، وقال: فيه وجه آخر وهو أن القرآن نزل شيء بعد شيء وآية بعد آية فكأنهم قالوا اعبد آلهتنا سنة فقال الله سبحانه: لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ثم قالوا بعد ذلك: استلم بعض آلهتنا فانزل الله تعالى: وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ الشرك وَلِيَ دِينِ الإسلام.\nوهذه الآية منسوخة بآية السيف، وقرأ أهل المدينة وعيسى بن عمر وَلِيَ دِينِ بفتح الياء ومثله روى حفص عن عاصم وهشام عن أهل الشام، غيرهم بجزمه وأبو حاتم بجر.","vol":"10","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-930>سورة النصر</span>\nمدنيّة وهي سبعة وتسعون حرفا، وست عشر كلمة، وثلاث آيات\nأخبرني أبو الحسين الحياري عن مرة قال: أخبرنا الإمام أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني وأبو الشيخ الحافظ الأصبهاني قالا: حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أبي شريك قال: حدّثنا أبو عبد الله اليربوعي قال: حدّثنا سلام قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة الفتح فكأنما شهد مع محمد فتح مكّة» [٢٨٨] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>[سورة النصر (١١٠): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (٣)\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ على من عاداك وناوأك وَالْفَتْحُ قال يمان: فتح المدائن والقصور، وقال عامة المفسرين: فتح مكة،\nوكانت قصته على ما ذكره محمد بن إسحاق بن بشار والعلماء من أصحاب الأخبار: أن رسول الله ﷺ لما صالح قريش عام الحديبية كان فيما اشترطوا أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله ﷺ وعقده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فدخلت بنو بكر في عقد قريش ودخلت خزاعة في عقد رسول الله ﷺ، وكان بينهما شرّ قديم، وكان السبب الذي هاج ما بين بكر وخزاعة أن رجلا من الحضرمي يقال له مالك بن عماد خرج تاجرا، فلما توسّط أرض خزاعة عدوا عليه فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزين الديلي وهم من أشراف بكر فقتلوه بعرفة عند أنصاب الحرم، فبينا بكر وخزاعة على ذلك من الشر حجز بينهم الإسلام وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبيّة ووقعت تلك الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم بأولئك النفر الذين أصابوا منهم بني الأسود بن رزين، فخرج نوفل بن معونة الديلي في بني الديل، وهو يومئذ قائدهم حتى بيّت خزاعة وهم على الوتير- ماء لهم بأسفل مكة-، فأصابوا\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٦٦.","vol":"10","page":318},{"text":"منهم رجلا وتحاوروا واقتتلوا، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفيا حتى جاوزوا خزاعة الى الحرم، وكان ممن أعان من قريش بني بكر على خزاعة ليلتين بأنفسهم مشتركين صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو ومع عبيدهم قالوا: فلما انتهوا الى الحرم قالت بنو بكر: يا نوفل إنا دخلنا الحرم، إلهك إلهك، فقال كلمة عظيمة: أنه لا إله اليوم [يا بني بكر] أصيبوا ثأركم فيه فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم أفلا تصيبون ثأركم فيه «١» .\nفلما دخلت خزاعة مكة لجئوا الى دار بديل بن ورقاء الخزاعي ودار مولى لهم يقال له رافع، فلما تظاهرت قريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد لما استحلّوا من خزاعة، وكانوا في عقدة، خرج عمرو بن سالم الخزاعي حتى قدم على رسول الله ﷺ وكان ذلك مما هاج فتح مكة فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس فقال لهم: إني بايعت محمدا وذكر الأبيات كما ذكرها في سورة التوبة الى قوله:\nهم بيتونا بالوتير هجّدا ... فقتلونا ركعا وسجدا «٢»\nفقال رسول الله ﷺ: قد نصرت يا عمرو بن سالم، ثم عرض لرسول الله ﷺ عنان من السماء فقال: «إن هذه السحابة لتستهلّ بنصر بني كعب» [وأمر رسول الله الناس بالجهاز وكتمهم مخرجه]» .\nوقد قال حسن: بلغه إسلام أم هاني بنت أبي طالب وأسمها هند:\nأشاقتك هند أم ناك سؤالها ... كذاك النوى أسبابها وانفتالها «٣»\nالقصيدة.\nقال ابن إسحاق، وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف من بني غفار أربعمائة ومن أسلم أربعمائة ومن مزينة ألف ومن بني سلم سبعمائة ومن جهينة ألف وأربعمائة رجل وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من تميم وقيس واسد.\nقالوا: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان وأقام رسول الله ﷺ بمكة بعد فتحها خمس عشر ليلة يقصر الصلاة، ثم خرج الى هوازن وثقيف وقد نزلوا حنين.\nوَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا زمرا وأرسالا «٤» القبيلة بأسرها، والقوم بأجمعهم من غير قتال.\n_________\n(١) تاريخ الطبري: ٢/ ٣٢٤.\n(٢) تاريخ الطبري: ٢/ ٣٢٥.\n(٣) تاريخ الطبري: ٢/ ٣٤٠، والبداية والنهاية: ٤/ ٣١٨.\n(٤) الأرسال: فرقة بعد فرقة واحدها: رسل.","vol":"10","page":319},{"text":"قال الحسن: لمّا فتح رسول الله ﷺ مكة قالت العرب بعضها لبعض: أما إذ ظفر محمد بأهل الحرم وقد كان الله سبحانه أجارهم من أصحاب الفيل فليس لكم به يدان، فكانوا يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا\n، وقال عكرمة ومقاتل: أراد بالناس أهل اليمن،\nقال ابن عباس وأبو هريرة:\nلما نزلت هذه السورة قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ» [٢٨٩] «١» وجاء أهل اليمن قوم رقيقة قلوبهم لينة طاعتهم الإيمان يمان والفقه يمان والحكمة يمانية.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة قال: حدّثنا محمد بن مصفر قال: حدّثنا بقيّة بن الوليد قال: حدّثنا الأوزاعي قال: حدّثنا شدّاد أبو عمار قال: حدّثني جار لجابر قال: غدا جابر ليسلم عليّ فجعل يسألني عن حال الناس فجعلت أخبره نحوا مما رأيت من اختلافهم وفرقتهم فجعلت أخبره وهو يبكي فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أن الناس دخلوا فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا وسيخرجون من دين الله أفواجا» [٢٩٠] «٢» .\nفَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا فأنك حينئذ لاحق به وذائق الموت كما ذاق من قبلك من الرسل، وعند الكمال يرتقب الزوال كما قيل.\nإذا تم أمر «٣» نقصه ... توقع زوالا إذا قيل تم «٤»\nوروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب كان يأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم فقال عبد الرحمن بن عوف: أتأذن لهذا الفتى معنا ومن أبنائنا من هو مثله، فقال: إنه ممن قد علمتم، قال ابن عباس: فأذن لهم ذات يوم وأذن لي معهم فسألهم عن قول الله سبحانه:\nإِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ الآية ولا أراه سألهم إلّا من أجلي، فقال بعضهم: أمر الله نبيه ﷺ إذا فتح عليه أن يستغفره ويتوب إليه، فسألني فقلت: ليس كذلك ولكن أخبر نبي الله ﷺ بحضور أجله ونعيت إليه نفسه، فذلك علامة موته. فقال عمر: ما أعلم منها إلّا مثل ما تعلم، ثم قال:\nكيف تلومونني عليه بعد ما ترون «٥» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر المطيري قال: حدّثنا ابن فضل قال: حدّثنا عطاء عن سعيد عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال النبي ﷺ: «نعيت إليّ نفسي» بأنّه مقبوض في تلك السنة [٢٩١] «٦»\n، وقال مقاتل وقتادة: عاش النبي ﷺ بعد نزول هذه السورة سنتين.\n_________\n(١) موارد الظمآن: ٥٧٢، وفيه: الله أكبر الله أكبر.\n(٢) مسند أحمد: ٣/ ٣٤٣.\n(٣) في المصدر: بدا.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٦٧.\n(٥) مسند أحمد: ١/ ٣٣٨، بتفاوت بسيط. [.....]\n(٦) مسند أحمد: ١/ ٢١٧.","vol":"10","page":320},{"text":"وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا علي بن حرب قال:\nحدّثنا أبو عامر العقدي عن سفيان عن أبي إسحاق عن أبي عبدة عن عبد الله قال: لما نزلت فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا كان النبي ﷺ يكثر أن يقول «سبحانك اللهم وبحمدك «١» أغفر لي إنك أنت التواب» [٢٩٢] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله قال: أخبرني مكي قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل أن يموت: «سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك» فقلت: يا رسول الله ما هؤلاء الكلمات التي أراك قد أحدثتها بقولها؟ قال: «جعلتها علامة في أمتي «٣» أذا رأيتها قلتها إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ» [٢٩٣] «٤» الى آخر السورة.\nوبه عن ابن هاشم قال: حدّثنا عبد الله بن نمير قال: أخبرنا الأعمش عن مسلم وهو ابن صبيح عن مسروق عن عائشة ﵂ وعن أبيها قالت: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ الى آخرها ما رأيت النبي ﷺ صلّى صلاة ألا قال: «سبحانك اللهم وبحمدك اللهم أغفر لي» [٢٩٤] «٥» .\nوأخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حمدان قال: حدثنا إبراهيم بن سهلويه قال: حدثنا علي بن محمد الطنافسي قال: حدّثنا حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن الشعبي عن أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ بآخره لا يقوم ولا يقعد ولا يجيء ولا يذهب إلا قال: «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» فقلنا: يا رسول الله لا تقوم ولا تقعد ولا تجيء ولا تذهب إلا قلت: سبحان الله أستغفر الله وأتوب إليه قال: «فإني أمرت بها» [٢٩٥] «٦» ثم قرأ إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ حتى ختمها.\nوقال: مقاتل: لما نزلت هذه الآية قرأها رسول الله ﷺ على أصحابه وفيهم أبو بكر وعمر وسعيد بن أبي العاص ففرحوا واستبشروا، وسمعها العباس فبكى فقال له النبي ﷺ: «وما يبكيك يا عم» قال: نعيت إليك نفسك قال: «إنه لكما تقول» [٢٩٦] «٧» فعاش بعدها سنتين ما رئي فيهما ضاحكا مستبشرا\n، وهذه السورة تسمّى سورة التوديع.\n_________\n(١) في المصدر: اللهم اغفر.\n(٢) مسند أحمد: ١/ ٤٣٤.\n(٣) في المصدر: جعلت لي علامة لأمّتي.\n(٤) كنز العمّال: ٢/ ٥٦١، ح ٤٧٣١.\n(٥) مسند أحمد: ٦/ ٢٣٠.\n(٦) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٤٣٥.\n(٧) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٣٢.","vol":"10","page":321},{"text":"أخبرنا ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثنا محمد بن عمران قال:\nحدّثنا أبو الدرداء عبد العزيز بن منيب قال: حدّثنا إسحاق بن عبد الله بن كيسان قال: حدّثني أبي عن عكرمة عن ابن عباس قال: أقبل رسول الله ﷺ من غزوة حنين فنزل عليه إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ السورة، فقال رسول الله ﷺ: «يا علي ويا فاطمة بنت محمد قد جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ورأيت النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا سبحان ربي وبحمده وأستغفره إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا ويا علي بن أبي طالب إنه يكون من بعدي في المؤمنين الجهاد»، فقال على ما نجاهد المؤمنين الذين يقولون آمنا؟ قال: «على الإحداث في الدين إذا عملوا بالرأي، ولا رأي في الدين إنّما الدين من الرب أمره ونهيه» .\nفقال علي: يا رسول الله ﷺ أرأيت إن عرض لنا أمر لم يبيّن الله فيه قرآنا ولم ينصّ فيه سنّة منك؟ قال: «تجعلونه شورى بين العابدين «١» ولا تقضون برأي خاصة ولو كنت مستخلفا أحدا لم يكن أحد أحق منك لقدمك في الإسلام وقرابتك من رسول الله وصهرك وعندك فاطمة سيدة نساء المؤمنين، وقبل ذلك ما كان من بلاء أبي طالب إياي حين نزل القرآن فأنا حريص على أن أرعى ذلك في ولده» [٢٩٧] «٢» .\nوأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكّي قال: حدّثنا أحمد بن منصور المروزي أبو صالح قال: حدّثني أحمد بن المصعب المروزي قال: حدّثنا عمر بن إبراهيم قال: حدّثنا عيسى ابن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ جاء العباس الى علي ﵁ فقال: أدخل على رسول الله ﷺ فإن كان هذا الأمر من بعده لنا لم تشاحنا عليه قريش، وإن كان للغير سألته الوصاة بنا، قال: سأفعل، قال: فدخل العباس على رسول الله ﷺ مسرّا فذكر ذلك له فقال له النبي ﷺ: «يا عباس يا عم رسول الله إن الله جعل أبا بكر خليفتي على دين الله سبحانه ووحيه فاسمعوا له تفلحوا وأطيعوه ترشدوا» [٢٩٨] «٣» .\nقال ابن عباس: فقعدوا والله فرشدوا.\n_________\n(١) في المصدر: من المؤمنين.\n(٢) مجمع الزوائد: ١/ ١٨٠، المعجم الكبير: ١١/ ٢٩٥. بتفاوت بسيط.\n(٣) كنز العمّال: ١١/ ٥٥٠، ح ٣٢٥٨٦.","vol":"10","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-932>سورة تبت (المسد)</span>\nمكية، وهي سبعة وسبعون حرفا، وعشرون كلمة، وخمس آيات\nأخبرنا الحراثي قال: حدّثنا أبو الشيخ الحافظ قال: حدّثنا إبراهيم بن شريك قال: حدّثنا أحمد بن يونس قال: حدّثنا سلام بن سليم قال: حدّثنا هارون بن كثير عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ سورة تبّت رجوت أن لا يجمع الله سبحانه بينه وبين أبي لهب في دار واحدة» [٢٩٩] «١» .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>[سورة المسد (١١١): الآيات ١ الى ٣]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ (٢) سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ (٣)\nتَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ.\nأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا مكي قال: حدثنا عبد الله بن هاشم قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدّثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: لما أنزل الله سبحانه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ «٢» أتى رسول الله ﷺ الصفا فصعد عليه ثم نادى: يا صباحاه، فاجتمع إليه الناس بين رجل يجيء وبين رجل يبعث رسوله فقال رسول الله ﷺ: «يا بني عبد المطلب يا بني فهر يا بني عدي أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذ الجبل يريد أن تغير عليكم صدّقتموني؟» قالوا: نعم، قال: «فإني نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ» [٣٠٠] «٣» فقال أبو لهب: تبا لكم سائر هذا اليوم، وما دعوتموني إلا لهذا؟ فأنزل تَبَّتْ أي خابت وخسرت، يَدا أَبِي لَهَبٍ أي تب\nهو أخبر عن يديه والمراد به نفسه على عادة العرب في التعبير ببعض الشيء عن كلّه كقوله سبحانه: فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ «٤»\nو\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٧٤.\n(٢) سورة الشعراء: ٢١٤.\n(٣) تفسير جامع البيان للطبري ١٩/ ١٤٧ وصحيح البخاري: ٣/ ١٩٠. [.....]\n(٤) سورة الشورى: ٣٠.","vol":"10","page":323},{"text":"قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ «١» ونحوها، وقيل: اليد صلة يقول العرب: يد الدّهر ويد الرزايا والمنايا، قال الشاعر:\nلما أكبّت يد الرزايا ... عليه نادى ألا مجير «٢»\nوقيل: المراد به ماله وملكه يقال: فلان قليل ذات اليد، يعنون به المال.\nوالتباب الخسار والهلاك، سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سمعت محمد بن مسعود السوري قال: سمعت نفطويه قال: سمعت المنقري عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال:\nلما قتل عثمان ﵁ سمعوا صوت هاتف من الجن يبكي.\nلقد خلّوك وانصرفوا ... فما عطفوا «٣» ولا رجعوا\nولم يوفوا بنذرهم ... فتبّا للذي «٤» صنعوا «٥»\nوأبو لهب هو ابن عبد المطلب واسمه عبد العزي فلذلك لم يسمّه، وقيل اسمه كتيبة، قال: مقاتل كنّي أبا لهب لحسنه وإشراق وجهه، وكانت وجنتاه كأنهما تلتهبان.\nوَتَبَّ أبو لهب الواو فيه واو العطف، وقرأ عبد الله وأبي (وقد تب) فالأول دعاء والثاني كما يقال غفر الله لك، وقد فعل وأهلكه الله وقد فعل، والواو فيه واو الحال.\nوقراءة العامة أَبِي لَهَبٍ بفتح الهاء، وقرأ أهل مكة بجزمها، ولم يختلفوا في قوله:\nذاتَ لَهَبٍ أنه مفتوح الهاء لأنهم راعو فيه رءوس الآي.\nأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا السني قال: حدّثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي قال: حدّثنا شريح بن يونس قال: حدّثنا هشيم قال: أخبرنا منصور عن الحكم عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال: لما خلق الله القلم قال: أكتب ما هو كائن فكتب فمما كتب: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ.\nوأخبرنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحسن قال: أخبرنا أبو الطيب محمد بن عبد الله ابن المبارك الثعيري قال: حدّثنا محمد بن أشرس السلمي قال: حدّثنا عبد الصمد بن حسان المروّالروذيّ عن سفيان عن منصور قال: سئل الحسن عن قوله: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ هل كان في أم الكتاب وهل كان يستطيع أبو لهب أن لا يصلى النار؟ فقال الحسن: والله ما كان يستطيع أن لا يصليها وإنها لفي كتاب الله قبل أن يخلق أبو لهب وأبواه «٦» .\n_________\n(١) سورة البقرة: ٩٥.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٣٦، وفتح القدير: ٥/ ٥١١.\n(٣) في المصدر: آبوا.\n(٤) في المصدر: فيا تبّا لما.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٣٥.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٣٧.","vol":"10","page":324},{"text":"ويؤيد هذا ما\nأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة قال:\nأخبرنا جدّي أمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال حدّثنا محمد بن يحيى قال:\nحدثنا معاوية بن عمرو قال: حدثنا زائدة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ. قال: «احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله سبحانه بيده ونفخ فيك من روحه أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: وأنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه تلومني على عمل أعمله كتبه الله عليّ قبل أن يخلق السموات والأرض، قال: فحج آدم موسى» [٣٠١] «١» .\nوأخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا جدي قال: حضر مجلس إسحاق بن إبراهيم وأنا على نمير الركاب فقرأ علينا قال: أخبرنا النظر بن شميل قال: حدّثنا حماد بن سلمة عن عمار ابن أبي عمار مولى بني هاشم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لقي موسى آدم فقال: أنت آدم الذي خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وأسكنك جنته فأخرجت ولدك من الجنة، قال له: يا موسى أنت الذي اصطفاك برسالته وكلّمك، فأنا أقدّم أم الذكر؟ قال: الذكر، فحجّ آدم موسى فحج آدم موسى» [٣٠٢] «٢» .\nوأخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا جدّي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد الزهري قال:\nحدّثنا سفيان قال: حدّثنا أبو الزياد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «أحتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت أبونا خيّبتنا وأخرجتنا من الجنة قال: آدم: يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدّره الله تعالى قبل أن يخلقني بأربعين سنة، فحج آدم موسى فحج آدم موسى» [٣٠٣] «٣» .\nما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ\nقال: ابن مسعود: لما دعا رسول الله ﷺ أقرباءه الى الله سبحانه قال أبو لهب لأصحابه: إن كان ما يقول ابن أخي حقا فأني أفتدي نفسي وملكي وولدي، فأنزل الله سبحانه ما أَغْنى أي ما يغني، وقيل: أي شيء أغنى عَنْهُ مالُهُ من عذاب الله.\nقال: أبو العالية: يعني أغنامه، وكان صاحب سائمة ومواش، وَما كَسَبَ: يعني ولده.\nقرأ الأعمش (وما أكتسب)، ورواه عن ابن مسعود.\nأخبرنا الحسين بن محمد قال: حدّثنا أحمد بن حنبل قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٩٨.\n(٢) مسند ابن راهويه: ١/ ١٧٢، مسند ابن الجعد: ١٦٤، بتفاوت.\n(٣) صحيح البخاري: ٧/ ٢١٤.","vol":"10","page":325},{"text":"معمر عن ابن خيثم عن أبي الطفيل قال: كنت عند ابن عباس يوما فجاء بنو أبي لهب يختصمون في شيء بينهم فاقتتلوا عنده في البيت فقام يحجز بينهم فدفعه بعضهم فوقع على الفراش فغضب ابن عباس فقال: أخرجوا عني الكسب الخبيث، يعني ولده أنهم كسبة «١» .\nدليل هذا التأويل ما\nأخبرني ابن فنجويه [...] «٢» .\nأبو حمزة قال: حدّثني عمارة بن عمير التميمي عن عمته سودة قال: قالت لعائشة آكل من مال ولدي فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أطيب ما أكل أحدكم «٣» من كسبه وأن ولده من كسبه» [٣٠٤] «٤» .\nسَيَصْلى هو سين سوف وقيل سين الوعد.\nوقراءة العامة بفتح الياء الاولى وقرأ أبو رجاء بضم الياء، وقرأ شهب العقيلي بضم الياء وتشديد اللام.\nنارًا ذاتَ لَهَبٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>[سورة المسد (١١١): الآيات ٤ الى ٥]</span>\nوَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)\nوَامْرَأَتُهُ أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان، وكانت عوراء. حَمَّالَةَ الْحَطَبِ يقال: الحديث والكذب قال: ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: كانت تمشي بالنميمة، يقول العرب: فلان يحطب على فلان إذا ورشى «٥» وأغزى، قال: شاعرهم:\nمن البيض لم يصطد «٦» على ظهر لامة ... ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب «٧»\nيعني لم يمش بالنمائم، وقال آخر:\nفلسنا كمن يرجى المقالة شطره ... يفرق العصاة الرطب والغيل اليبس «٨»\nوروى معمر عن قتادة قال: كانت تعيّر رسول الله ﷺ بالفقر وكانت تحتطب فعيّرت\n_________\n(١) مستدرك الصحيحين: ٢/ ٥٣٩، وتفسير عبد الرزاق: ٣/ ٤٠٦.\n(٢) بياض في مصوّرة المخطوط.\n(٣) في المصدر الرجل بدل أحدكم.\n(٤) كنز العمال: ٤/ ٩، ح ٩٢٣٣. [.....]\n(٥) التوريش: التحريش.\n(٦) في المصدر: تصطه.\n(٧) لسان العرب: ١/ ٣٢٢، تاج العروس: ١/ ٢١٧.\n(٨) كذا في المخطوط.","vol":"10","page":326},{"text":"بذلك، وهذا قول غير قوي، لأن الله سبحانه وصفهم بالمال والولد وحمل الحطب ليس بعيب، وقال: الضحاك وابن زيد: كانت تأتي بالشوك والعصاة فتطرحها بالليل في طريق رسول الله ﷺ ليعقرهم، وهي رواية عطية عن ابن عباس، قال الربيع بن أنس: كانت تنشر السعدان على طريق رسول الله ﷺ فيطؤه كما يطأ الحرير والفرند.\nمرة الهمداني: كانت أم جميل تأتي كل يوم بإبالة من الحسك فتطرحه على طريق المسلمين فبينما هي ذات يوم حاملة حزمة أعيت فقعدت على حجر تستريح فأتاها ملك فحدّثها من خلفها فأهلكها.\nوقال سعيد بن جبير: حمالة الخطايا. دليله قوله سبحانه: وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ «١»، وقول العرب: فلان يحطب على ظهره إذا أساء، فلان حاطب قريته إذا كان الجاني فيهم، وفلان محطوب عليه إذا كان مجنيا عليه.\nوقراءة العامة بالرفع فيهما وأختاره أبو عبيد وأبو حاتم ولها وجهان: أحدهما: سَيَصْلى نارًا هو وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، والثاني: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ في النار أيضا.\nوحجّة الرافعين ما أخبرنا محمد بن نعيم قال: أخبرنا الحسين بن أيوب قال: أخبرنا علي ابن عبد العزيز قال: أخبرنا أبو عبيد قال: حدّثنا حجاج بن هارون قال: في قراءة عبد الله وامرأته حمالةُ للحطب، وقرأ الحسن وابن أبي إسحاق وابن محتضر والأعرج وعاصم حَمَّالَةَ بالنصب ولها وجهان: أحدهما الحال والقطع لأن أصله وامرأته الحمالة الحطب فلما ألقيت الألف واللام نصب الكلام، والثاني على الذم والشتم كقوله سبحانه: مَلْعُونِينَ «٢» .\nوروى ابن أبي الزياد عن أبيه قال: كان عامة العرب يقرءون حَمَّالَةَ الْحَطَبِ وقرأ أبو قلابة وامرأته حمالةُ الحطب على فاعله، والحطب جمع واحدتها حطبة.\nوقال: بعض أهل اللغة: الحطب ها هنا جمع الحاطب وهو الجانب المذنب يعني أنّها كانت تحملهم بالنميمة على معاداته، ونظيره من الكلام راصد ورصد وحارس وحرس وطالب وطلب وغائب وغيب، والعلة في تشبيههم النميمة بالحطب هي أن الحطب يوقد ويضرم كذلك النميمة، قال: أكثم بن صيفي لبنيه: أياكم والنميمة فإنّها نار محرقة وأن النمام ليعمل في ساعة ما لا يعمل الساحر في شهر، فأخذه الشاعر فقال:\nأن النميمة نار ويك محرقة ... فعد «٣» عنها وحارب «٤» من تعاطاها «٥»\n_________\n(١) سورة الأنعام: ٣١.\n(٢) سورة الأحزاب: ٦١.\n(٣) في المصدر: ففر.\n(٤) في المصدر: وجانب.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٣٩.","vol":"10","page":327},{"text":"ولذلك قيل: نار الحقد لا تخبوا.\nوالعلة الثانية: أن الحطب يصير نارا والنار سبب التفريق فكذلك النميمة، وأنشدني وأبو القاسم [الحبيبي] قال: أنشدني أبو محمد الهاراني الجويني قال:\nإنّ بني الأدرم حمالو الحطب ... هم الوشاة في الرضا وفي الغضب «١»\nعليهم اللعنة تترى والحرب «٢» .\nفِي جِيدِها عنقها، قال ذو الرمة:\nفعينك عينها ولونك لونها ... وجيدك الا أنها غير عاطل «٣»\nوجمعها أجياد، قال: الأعمش:\nوبيداء تحسب آرامها ... رجال إياد بأجيادها «٤»\nحَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ اختلفوا فيه فقال ابن عباس وعروة بن الزبير: سلسلة من حديد ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا يدخل من فيها فيخرج من دبرها ويلوى سائرها في عنقها، وقال السدي: خلق الحديد وهي السلسلة تختلف في جهنم كما يختلف الحبل والدلو في البئر، وروى الأعمش عن مجاهد: من حديد، منصور عنه: المسد: الحديدة التي تكون في البكرة، ويقال له المحور، وإليه ذهب عطاء وعكرمة، الشعبي ومقاتل: من ليف، ضحاك وغيره: في الدنيا من ليف وهو الحبل الذي كانت تحطب به فخنقها الله تعالى به فأهلكها، وفي الآخرة من نار، قتادة: قلادة من ردع، الحسن: إنما كانت خرزات في عنقها، سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة في عنقها فاخرة فقالت لأنفقها في عداوة محمد، ابن زيد: حبال من شجر ينبت في اليمن يقال لها:\nالمسد وكانت تفتل، المروج من شهر الحرم والسلم والمسد في كلام العرب كل حبل غيروا أمر ليفا كان أو غيره، وأصله من المسد وهو الفتل، ودابة ممسودة الخلق إذا كانت شديدة الأسر، قال: الشاعر:\nمسد أمر من أيانق ... ليس بأنياب ولا حقائق «٥»\nوجمعها أمساد قال: الأعشى:\nتمسي فيصرف بابها من دوننا ... غلقا صريف محالة الأمساد «٦»\n_________\n(١) فتح القدير: ٥/ ٥١٢، وفيه: الرضا والغضب.\n(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٣٩.\n(٣) جامع البيان للطبري: ٣٠/ ٤٤٣، وفيه: فعيناك عيناها.\n(٤) لسان العرب: ٣/ ١٣٨.\n(٥) لسان العرب: ٣/ ٤٠٢. [.....]\n(٦) تفسير الطبري: ٣٠/ ٤٤٥.","vol":"10","page":328},{"text":"وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد ابن ملجان البصري يقول: سمعت بشر بن موسى الأسدي يقول: سمعت الأصمعي يقول: صلّى أربعة من الشعراء خلف إمام اسمه يحيى فقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فيتعتع فيها فقال أحدهم:\nأكثر يحيى غلطا ... في قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ\nفقال الثاني:\nقام طويلا ساكتا ... حتى إذا أعيا سجد\nفقال الثالث:\nيزجر في محرابه ... زجير حبلى لولد\nفقال الرابع:\nكأنّما لسانه ... شدّ بحبل من مسد\nوفي هذه السورة دلالة واضحة على نبوة نبينا محمد ﷺ وذلك أن الله سبحانه أخبر عن مصير أبي لهب وامرأته الى النار وكانا من أحرص الناس على تكذيب النبي ﷺ فلم يحملهما ذلك على اظهار الإيمان حتى يكذبا رسول الله ﷺ بل داما على كفرهما حتى علم أن وعيد الله سبحانه إياهما وإخباره عن مصيرهما إلى النار حق وصدق.","vol":"10","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-935>سورة الإخلاص</span>\nمكية، وهي سبعة وأربعون حرفا، وخمس عشر كلمة، وأربع آيات\nأخبرنا الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الأصبهاني بقرائتي عليه قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن جعفر بن أحمد بن فارس قال: حدّثنا يونس بن حبيب قال: حدّثنا أبو داود الطيالسي قال: حدّثنا شعبة عن قتادة قال: سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن معد ابن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: «أيعجز أحدكم أن يقرأ ثلث القرآن في ليلة» قلت: يا رسول الله ومن يطيق ذاك؟ قال: «اقرءوا قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» [٣٠٥] «١» .\nوأخبرني أبو عبد الله الحسين محمد بن الفرج قال: حدّثنا محمد بن الزيرقان قال: حدّثنا مروان بن سالم عن أبي عمر مولى جرير بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ حين يدخل منزله نفت الفقر عن أهل ذلك المنزل والجيران» [٣٠٦] «٢»\nوأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن صقلاب قال: حدّثنا ابن أبي الخصيب قال: حدّثني أبي قال: حدّثنا سعيد بن المغيرة قال: حدّثنا محمد بن مروان عن أبان عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مرة بورك عليه، ومن قرأها مرّتين بورك عليه وعلى أهله، فإن قرأها ثلاث مرات بورك عليه وعلى أهله وعلى جميع جيرانه، فإن قرأها اثنتي عشر مرة بني له اثنتي عشر قصرا في الجنة ويقول الحفظة: انطلقوا بنا ننظر الى قصر أخينا، فإن قرأها مائة كفّر عنه ذنوب خمس وعشرون سنة ما خلا الدماء والأموال، فإن قرأها أربع مائة مرة كفّرت عنه ذنوب أربعمائة سنة ما خلاء الدماء والأموال، فإن قرأها ألف مرة لم يمت حتى يرى مكانه في الجنة أو يرى له» [٣٠٧] «٣» .\nوأخبرنا أبو عمر وأحمد بن أبي الفراتي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب قال:\nحدّثنا عبد الله بن جامع الحلواني قال: حدّثنا محمد بن العباس قال: حدّثنا عمر بن سعد العطار الفلزمي قال: حدّثنا ابن أبي ذئب قال: حدّثنا محمد بن غيلان عن أبي حازم عن سهل\n_________\n(١) مسند أحمد: ٦/ ٤٤٢.\n(٢) مجمع الزوائد: ١٠/ ١٢٨.\n(٣) بتمامه في تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٧٩.","vol":"10","page":330},{"text":"ابن سعد قال: جاء رجل الى النبي ﷺ فشكا إليه الفقر وضيق المعاش فقال له: رسول الله ﷺ:\n«إذا دخلت بيتك فسلم إن كان فيه أحد وان لم يكن فيه أحد فسلّم (عليّ) «١» وأقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مرة واحدة» [٣٠٨] «٢» ففعل الرجل فأدرّ الله عليه رزقا حتى أفاض على جيرانه.\nوأخبرنا أبو الحسين عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن يحيى قال: حدّثنا أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن بشر قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا العلاء أبو محمد الثقفي قال: سمعت أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور لم أرها طلعت فيما مضى فأتى جبريل رسول الله ﷺ فقال: يا جبريل مالي أرى الشمس اليوم طلعت بضياء ونور وشعاع لم أرها طلعت فيما مضى فقال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم فبعث الله سبحانه إليه سبعين ألف ملك يصلّون عليه قال: وفيم ذاك؟ قال: كان يكثر قراءة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بالليل والنهار وفي ممشاه وقيامه وقعوده، فهل لك يا رسول الله أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه قال: «نعم» [٣٠٩] «٣» فصلى عليه ثم رجع.\nوأخبرنا أحمد بن أبي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن عيسى بن يزيد قال: حدّثنا سليمان بن داود المنقري قال: حدّثنا عبد العزيز بن محمد عن عبد الله بن عمر عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رجلا كان يصلي على عهد النبي ﷺ فكان لا يقرأ في الصلاة إلا قرأ في أثرها قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: «ما حملك على لزومها»؟ فقال: يا رسول الله، إني أحبها.\nفقال له رسول الله ﷺ: «حبك إياها يدخلك الجنة» [٣١٠] «٤» .\nوأخبرنا ناقل بن راقم بن أحمد البابي قال: حدّثنا علي بن الحسن بن بختيار قال: حدّثنا أبو إبراهيم القطان قال: حدّثنا عثمان بن عبد الله القرشي قال: حدّثنا سلمة بن سنان عن محمد ابن المنكدر أن رسول الله ﷺ قال: «نزل ملك من السماء السابعة وخرج من الأرض السابعة ملك فالتقيا على هذه الأرض فقال الذي نزل من السماء: قد رفعت اليوم عملا لم أرفع مثله، قال: الذي خرج من تحت الأرض: ما ذاك؟ قال: قرأ رجل قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مائة مرة قال:\nما صنع به؟ قال: غفر الله له» [٣١١] .\nوأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا محمد بن يزيد قال: حدّثنا أبو يحيى البزاز قال:\n_________\n(١) غير موجودة في المصدر.\n(٢) تفسير نور الثقلين: ٥/ ٧٠٥.\n(٣) مجمع الزوائد: ٩/ ٣٧٧.\n(٤) سنن الترمذي: ٤/ ٢٤٣، بتفاوت بسيط.","vol":"10","page":331},{"text":"حدّثنا محمد بن الأزهر قال: حدّثنا أبو عامر العقدي عن مالك بن أنس عن عبد الله بن عبد الرحمن عن ابن جبير عن أبي هريرة أن النبي ﷺ سمع رجلا يقرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقال:\n«وجبت» قيل: يا رسول الله وما وجبت؟ قال: «وجبت له الجنة» [٣١٢] «١» .\nوأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن الدشت قال:\nحدّثنا أحمد بن محمد بن الحسن بن قريش قال: حدّثنا معاذ بن يوسف التاجر قال: حدّثنا مسدد ابن مسرهد قال: حدّثنا حمدان بن رزام قال: حدّثنا محمد بن عبد الله عن مالك بن دينار عن أنس بن مالك قال: قال: رسول الله ﷺ «من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ مرة واحدة أعطاه الله من الثواب ما يحمل ثوابه سبعين قنطارا من ياقوت فيفوح منه الروح يحملون كتبه كتبا واحدا أشد تقرطا من شعر الزنجي وأرق من الشعر» [٣١٣] .\nوأخبرني محمد بن القاسم قال: حدّثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن جعفر قال: أخبرنا أبو حسان العثماني قال: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال: حدثنا عمي عبد الله بن وهب قال:\nحدثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مكحول عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي ابن كعب قال: سئل النبي (﵇) عن ثواب قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقال: «من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تناثر الخير على مفرق رأسه من عنان السماء، ونزلت عليه السكينة وتغشّاه الرحمن وازدوي حول العرش، ونظر الله سبحانه إلى قارئها فلا يسأله شيء إلا أعطاه إياه ويجعله في كلائه وحرزه» [٣١٤] .\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>[سورة الإخلاص (١١٢): الآيات ١ الى ٤]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)\nقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ\nأخبرنا الشيخ أبو طاهر محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق المزكى قال: أخبرنا الإمام أبو بدر محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا أحمد بن منيع ومحمود بن خداش قالا: حدثنا أبو سعد الصغاني قال: حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب أن المشركين قالوا لرسول الله (﵇): انسب لنا ربك، فأنزل الله سبحانه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ الى آخر السورة.\nوروى أبو ضبيان وأبو صالح عن ابن عباس أن عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة أتيا النبي ﷺ فقال عامر: الى ما تدعونا يا محمد؟ قال: «الى الله سبحانه» فقالا: صفه لنا، أذهب\n_________\n(١) مسند أحمد: ٢/ ٣٠٢.","vol":"10","page":332},{"text":"هو أم فضة أم حديد أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة، فأرسل الله سبحانه الصاعقة إلى أربد فأحرقته وطعن عامر في خنصره فمات، وقد ذكرت قصتهما في سورة الرعد.\nوقال الضحاك وقتادة ومقاتل: جاء ناس من أحبار اليهود الى النبي ﷺ فقالوا: يا محمد صف لنا ربّك لعلنا نؤمن بك فإن الله أنزل نعته في التوراة فأخبرنا به من أي شيء هو من أي جنس أمن ذهب هو أو نحاس أم صفر أم حديد أم فضة؟ وهل يأكل ويشرب؟ وممّن ورث الدنيا؟ ومن يورثها؟ فأنزل الله سبحانه هذه السورة وهي نسبة الله خاصة.\nوأخبرني عقيل أن أبا فرج البغدادي أخبرهم عن أبي جعفر الطرفي قال: حدّثنا ابن حميد قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثني ابن إسحاق عن محمد بن سعيد قال: أتى رهط من اليهود للنبي ﷺ قالوا: يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب النبي حتى امتقع لونه ثم ساورهم غضبا لربه، فجاءه جبرائيل فسكّنه وقال: أخفض عليك جناحك يا محمد، وجاءه من الله سبحانه بجواب ما سألوه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ السورة، فلما تلا عليهم النبي ﷺ قالوا له:\nصف لنا ربك كيف خلق وكيف عضده وذراعه؟ فغضب النبي ﷺ أشد من غضبه الأوّل وساورهم، فأتاه جبرائيل فقال: له مثل مقالته وأتاه بجواب ما سألوه ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ «١» .\nوقال الضحاك عن ابن عباس: إنّ وفد نجران قدموا على رسول الله ﷺ سبعة أساقفة من بني الحرث بن كعب فيهم السيد والعاقب، فقالوا للنبي ﷺ: صف لنا ربك من أي شيء هو؟\nفقال النبي ﷺ: «إنّ ربي ليس من شيء وهو بائن من «٢» الأشياء» [٣١٥] فأنزل الله سبحانه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أي واحد.\nولا فرق بين الواحد والأحد عند أكثر أصحابنا يدل عليه قراءة عبد الله قُلْ هُوَ اللَّهُ [...] «٣» .\nوفرق قوم بينهما فقال بعضهم: الواحد للفصل والأحد للغاية، وقيل: واحد بصفاته أحد بذاته، وقيل: إنّ الواحد يدلّ على أزليته وأوّليته، لأنّ الواحد في الأعداد ركنها وأصلها وميدانها، والأحد يدل على بينونته من خلقه في جميع الصفات، ونفي أبواب الشرك عنه، فالأحد بني لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد أسم لمفتتح العدد، فأحد صلح في الكلام في موضع الجحود، والواحد في موضع الإثبات تقول: لم يأتني منهم أحد وجاءني منهم واحد،\n_________\n(١) سورة الزمر: ٦٧.\n(٢) في سبل الهدى للشامي (٣/ ٣٩٦): وهو بائن خالق الأشياء.\n(٣) بياض في مصوّرة المخطوط.","vol":"10","page":333},{"text":"فالمعنى أنه لم يأتني اثنان، وقال ابن الأنباري: أجد في الأصل واحد كما قالوا للمرأة أناة والأصل وناة من الوني وهو الفتور قال الشاعر:\nرمته أناة من ربيعة عامر ... نؤوم الضحى في مأتم أي مأتم «١»\nوقال النابغة في الواحد:\nكأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد «٢»\nسمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزاز يقول: سمعت ابن عطاء يقول في قوله سبحانه قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ: هو المنفرد بإيجاد المفقودات والمتّحد بإظهار الخفيّات.\nوقراءة العامة أَحَدٌ بالتنوين، وقرأ الحسن ونصر بن عاصم وابن إسحاق وأبان بن عثمان وهارون بن عيسى أحدُ الله بلا تنوين طلبا للخفة وفرارا من التقاء الساكنين كقراءة من قرأ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ «٣» بغير تنوين.\nوأما قوله: اللَّهُ الصَّمَدُ فأختلفوا فيه فقال ابن عباس ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير:\nالذي لا جوف له، وأما سعيد بن المسيب: الذي لا حشو له، الشعبي: الذي لا يأكل ولا يشرب، وإليه ذهب الفرضي، وقيل: يفتره ما بعده.\nأخبرنا محمد بن الفضل قال: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة قال: حدثنا أحمد بن منبع ومحمود بن خراش قال: حدّثنا أبو سعد الصعالي قال: حدّثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن أبيّ بن كعب قال: الصَّمَدُ الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، لأنه ليس شيء يولد إلا سيموت وليس يرث إلا سيورث وأن الله لا يموت ولا يورث.\nوقال أبو وائل شفيق بن سلمة: وهو السيّد الذي قد انتهى سؤدده، وهي رواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هو السيد الذي قد كمل في جميع أنواع الشرف والسؤدد.\nغيره: هو السيد المقصود في الحوائج، يقول العرب: صمّدت فلانا أصمده وأصمده صمدا بسكون الميم إذا قصدته، والمصمود صمد كالقبض والنفض، ويقال: بيت مصمود ومصمّد إذا قصده الناس في حوائجهم قال طرفة:\nوأن يلتقي الحي الجميع تلاقني ... الى ذروة البيت الرفيع المصمد «٤»\n_________\n(١) الصحاح: ٥/ ١٨٥٧.\n(٢) تاج العروس: ٧/ ٢٦١. [.....]\n(٣) سورة التوبة: ٣٠.\n(٤) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٨٣.","vol":"10","page":334},{"text":"وأنشد الأئمة في الصمد:\nألا بكر الناعي بخيري بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد «١»\nوقال قتادة: الصَّمَدُ: الباقي بعد خلقه، عاصم ومعمر: هو الدائم،\nعلي بن موسى الرضا:\nهو الذي أيست العقول عن الإطلاع على كيفيته\n، محمد بن علي الترمذي: هو الأزلي بلا عدد، والباقي بلا أمد، والقائم بلا عمد، الحسين بن الفضل: هو الأزلي بلا أبتداء، وقيل: هو الذي جلّ عن شبه المصورين وقيل: هو بمعنى نفي التجزؤ والتأليف عن ذاته، ميسرة: المصمت، ابن مسعود: الذي ليست له أحشاء،\nأبو إسحاق الكوفي عن عكرمة: الصَّمَدُ الذي ليس فوقه أحد، وهو قول علي ﵇.\nالسدي: هو المقصود إليه في الرغائب المستغاث به عند المصائب، يمان: الذي لا ينام، كعب الأحبار: الذي لا يكافئه من خلقه أحد. ابن كيسان: الذي لا يوصف بصفته أحد، مقاتل ابن حيان: الذي لا عيب فيه، ربيع: الذي لا تعتريه الآفات، سعيد بن جبير أيضا: الكامل في جميع صفاته وأفعاله، الصادق: وهو الغالب الذي لا يغلب، أبو هريرة: المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد، مرّة الهمداني: الذي لا يبلى ولا يغنى، الحسين بن الفضل أيضا: هو الذي يَحْكُمُ ما يُرِيدُ ويَفْعَلُ ما يَشاءُ ... لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا راد لقضائه.\nمحمد بن علي: الصَّمَدُ: الذي لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ ولا تحويه الأفكار ولا تبلغه الأقطار وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ.\nابن عطاء: الصَّمَدُ: الذي لم يتبيّن عليه أثر فيما أظهر،\nجعفر: الذي لم يعط لخلقه من معرفته الا الاسم والصفة\n، جنيد: الذي لم يجعل لأعدائه سبيلا الى معرفته، وقيل: هو الذي لا يدرك حقيقة نعوته وصفاته فلا يتسع له اللسان ولا يشير إليه البيان، ابن عطاء: هو المتعالي عن الكون والفساد، وقال الواسطي: الذي لا يسحر ولا يستغرق ولا تعترض عليه القواطع والغلل.\nوقال جعفر أيضا: الصَّمَدُ خمس حروف: فالألف دليل على أحديّته، واللام دليل على إلهيته وهما مدغمان لا يظهران على اللسان ويظهران في الكتابة، فدلّ على أحديته وإلهيّته خفية لا يدرك بالحواس، وأنّه لا يقاس بالناس فخفاءه في اللفظ دليل على أن العقول لا تدركه ولا تحيط به علما، وإظهاره في الكتابة دليل على أنه يظهر على قلوب العارفين، ويبدو لأعين المحبين في دار السلام، والصاد دليل على صدقه، فوعده صدق وقوله صدق وفعله صدق ودعا عباده الى الصدق، والميم دليل على ملكه فهو الملك على الحقيقة، والدال علامة دوامه في أبديته وأزليته.\n_________\n(١) لسان العرب: ٣/ ٢٥٨.","vol":"10","page":335},{"text":"لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أختلف القراء فيه، فقرأ حمزة ويعقوب ساكنة الفاء مهموزة ومثله روى العباس عن أبي عمرو وإسماعيل عن نافع، وقرأ شيبة مشبعة غير مهموزة ومثله روى حفص عن عاصم، وقرأ الآخرون مثقلا مهموزا وكلّها لغات صحيحة فصيحة ومعناه المثل.\nأَحَدٌ أي هو واحد، وقيل: على التقديم والتأخير مجازه: ولم يكن له أحد كفوا.\nوقال عبد خير: سأل رجل علي بن أبي طالب ﵇ عن تفسير هذه السورة قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ بلا تأويل عدد، اللَّهُ الصَّمَدُ لا يتبعض بدد، لَمْ يَلِدْ فيكون هالكا، وَلَمْ يُولَدْ فيكون إلها مشاركا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ من خلقه كُفُوًا أَحَدٌ [٣١٦] «١» .\nوأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي بقراءتي قال: سمعت أبا بكر الرازي يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول: وجدنا أنواع الشرك ثمانية: النقص والتقلّب والكثرة والعدد وكونه علّة أو معلولا، والأشكال والأضداد، فنفى الله تعالى عن صفته نوع الكثرة والعدد بقوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ونفى التنقّص والتقلّب بقوله: اللَّهُ الصَّمَدُ ونفى العلل والمعلول بقوله: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ونفى الأشكال والأضداد بقول: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فحصلت الوحدانية البحت لذلك سمّيت سورة الإخلاص.\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٨٩.","vol":"10","page":336},{"text":"(\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>سورة الفلق </span>والناس [المعوذتين])\nسورة الفلق\nمدنية، وهي أربع وسبعون حرفا، وثلاث وعشرون كلمة، وخمس آيات\nأخبرنا أبو عمرو الفراتي قال: أخبرنا أبو موسى قال: أخبرنا مكي بن عيدان قال: حدّثنا سليمان بن داود قال: حدّثنا أحمد بن نصر قال: حدّثنا أبو معاذ عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم عن زيد العمي عن أبي نصرة عن ابن عباس عن أبيّ بن كعب عن النبي ﷺ قال: «من قرأ المعوذتين فكأنما قرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى كلّها» [٣١٧] «١» .\nوأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد العدل قال: حدّثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مريد قال: أخبرني أبي قال: حدّثنا الأوزاعي قال:\nحدّثني يحيى بن أبي كثير قال: حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحرث التيمي عن عقبة بن عامر الجهني أن رسول الله ﷺ، قال له: «ألا أخبرك بأفضل ما تعوذت» «٢» قلت: بلى، قال: «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ» [٣١٨] «٣» .\nوأخبرنا الحباري قال: حدّثنا ابن عدي قال: حدّثنا إبراهيم بن رحيم قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الوليد بن مسلم قال: حدّثنا هشام بن الغانم عن يزيد بن يزيد بن جابر عن القاسم أبي عبد الرحمن عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عقبة ألا أعلمك سورتين هما أفضل القرآن أو من أفضل القرآن» قلت: بلى يا رسول الله، فعلّمني المعوذتين ثم قرأهما في صلاة الغداة، وقال: لي «اقرأهما كلما قمت ونمت» [٣١٩] «٤» .\nوأخبرنا أبو العباس أحمد بن عمرو العصفري قال: حدّثنا عمر بن عبد المجيد قال: حدّثنا عبد الحميد بن جعفر عن صالح بن أبي غريب عن كثير بن مرّة عن عبد العزيز بن مروان قال:\nسمعت عقبة بن عامر الجهني يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إنك لن تقرأ سورة أحب الى الله\n_________\n(١) تفسير مجمع البيان: ١٠/ ٤٩١.\n(٢) في المصدر: ما تعوّذ به المتعوّذون.\n(٣) السنن الكبرى: ٤/ ٤٤٠.\n(٤) المعجم الكبير: ١٧/ ٣٣٦.","vol":"10","page":337},{"text":"﷿ ولا أقرب عنده «١» من قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فأن استطعت أن لا تدعها في صلاة فأفعل» [٣٢٠] «٢» .\nوأخبرنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب المزكى قال: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن عبدوس الطرائفي قال: حدّثنا معاذ بن نجدة بن العريان قال: حدّثنا خلاد- يعني ابن يحيى- قال: حدّثنا سفيان عن إسماعيل عن قيس بن أبي حازم عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ: «أنزل علي الله سورتان لم أسمع لمثلهن ولم أرى مثلهن: المعوذتين» [٣٢١] «٣» .\nالقصة:\nقال ابن عباس وعائشة ﵄- دخل حديث بعضهما في بعض: كان غلام اليهود يخدم رسول الله ﷺ فدبّت إليه اليهود فلم يزلوا به حتى أخذ مشاطة رأس النبي ﷺ وعدّة أسنان من مشطه فأعطاها اليهود، فسحروه فيها، وكان الذي تولى ذلك رجل منهم يقال له لبيد بن أعصم ثم دسّها في بئر لبني زريق يقال له ذروان، فمرض رسول الله ﷺ وانتثر شعر رأسه، ولبث ست أشهر يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن، وجعل يذوب ولا يدري ما عراه، فبينما هو نائم إذ أتاه ملكان فقعد أحدهم عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: ما بال الرجل؟ قال: طب قال: وما طب؟ قال: سحر، قال: ومن سحره؟ قال: لبيد ابن أعصم اليهودي، قال: وبم طبّه؟ قال: بمشط ومشاطة قال: وأين هو؟ قال في [جفّ «٤» طلعة ذكر] تحت راعوفة في بئر ذروان «٥» .\nوالجف: قشر الطلع، والراعوفة: حجر في أسفل البئر ناتئ يقوم عليه الماتح، فانتبه رسول الله ﷺ مذعورا وقال: «يا عائشة أما شعرت أن الله سبحانه أخبرني بدائي» [٣٢٢] «٦» ثم بعث رسول الله ﷺ عليا والزبير وعمار بن ياسر فنزحوا ماء تلك البئر كأنه نقاعة الحنّاء، ثم رفعوا الصخرة وأخرجوا الجف فإذا فيه مشاطة رأسه وأسنان من مشطة وإذا فيه وتر معقود فيه إثنا عشر عقدة مغروزة بالإبر فأنزل الله سبحانه هاتين السورتين فجعل كلّما يقرأ آية أنحلت عقدة، ووجد رسول الله ﷺ خفّة حين أنحلت العقدة الأخيرة فقام كأنما أنشط من عقال، وجعل جبرائيل (﵇) يقول: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من حاسد وعين والله يشفيك، قال: فقالوا: يا رسول الله أفلا نأخذ الخبيث فنقلته، فقال ﷺ: «أما أنا فقد شفاني الله وأكره أن أثير على الناس شرا» [٣٢٣] «٧» .\n_________\n(١) في المصدر: ولا أبلغ.\n(٢) المعجم الأوسط: ٦/ ١٤٩.\n(٣) المعجم الكبير: ١٧/ ٣٥٠، وفيه: آيات بدل: سورتان.\n(٤) الجفّ: غشاء على الطلع للأنثى وللذكر.\n(٥) في تفسير القرطبي: أوران.\n(٦) زاد المسير: ٨/ ٣٣٢، تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٥٣. [.....]\n(٧) بطوله في تفسير ابن كثير عن الثعلبي: ٤/ ٦١٥، وصحيح مسلم: ٧/ ١٣.","vol":"10","page":338},{"text":"قالت عائشة: ما غضب رسول الله ﷺ غضبا ينتقم من أحد لنفسه قط إلّا أن يكون شيئا هو لله سبحانه، فيغضب لله ﷾ وينتقم.\n(التفسير:)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>[سورة الفلق (١١٣): الآيات ١ الى ٥]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)\nوَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥)\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ قال ابن عباس: هو سجن في جهنم، وحدّثنا يعقوب عن هشيم قال: أخبرنا العوام عن عبد الجبار الجولاني قال: قدم رجل من أصحاب النبي ﵇ الشام فنظر الى دور أهل الذمة وما فيها من العيش والنضارة، وما وسع عليهم في دنياهم فقال:\nلا أبالي، أليس من ورائهم الفلق؟ قال: قيل: وما الفلق؟ قال: بيت إذا انفتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه «١» .\nوقال أبو عبد الرحمن الحبلي: الفلق هي جهنم، وقال جابر بن عبد الله والحسن وسعيد ابن جبير ومجاهد وقتادة والقرظي وابن زيد: الفلق: الصبح، وإليه ذهب ابن عباس، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: فالِقُ الْإِصْباحِ.\nالضحّاك والوالبي عن ابن عباس: معنى الْفَلَقِ: الخلق. وهب: هو باب في جهنم «٢» .\nالكلبي: هو واد في جهنم، وقال عبد الله بن عمرو: شجرة في النار، وقيل: الفلق الجبال والصخور تنفلق بالمياه أي تتشقق «٣»، وقيل، هو الرحم تنفلق عن الحيوان، وقيل: الحبّ والنوى تنفلق عن التراب، دليله قوله ﷾: فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى والأصل فيه الشق.\nوقال محمد بن علي الترمذي في هذه: كشف الله تعالى على قلوب خواص عباده فقذف النور فيها، فانفلق الحجاب وانكشف الغطاء.\nمِنْ شَرِّ ما خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ.\nأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا أبو برزة أو أحد بني شريك البزار قال: حدّثنا آدم بن أبي أياس قال: حدّثنا ابن أبي ذئب عن الحرث بن عبد الرحمن عن عائشة قالت: أخذ رسول الله ﵇ بيدي فأشار الى القمر فقال: «يا عائشة استعيذي بالله من شرّ هذا فإنّ هذا الغاسق إِذا وَقَبَ» [٣٢٤] «٤» .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ٣٠/ ٤٥٥.\n(٢) المصدر السابق: ٣٠/ ٤٥٧.\n(٣) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٥٤.\n(٤) تفسير الطبري: ٣٠/ ٤٥٩.","vol":"10","page":339},{"text":"وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شنبه قال: حدّثنا عبد الرحمن بن خرزاد البصري بمكة قال: حدّثنا نصر بن علي قال: حدّثنا بكار بن عبد الله قال: حدّثنا ابن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله ﷾:\nوَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ قال: النجم إذا طلع.\nوقال ابن عباس والحسن ومجاهد والقرظي والفرّاء وأبو عبيدة وابن قتيبة والزجّاج «١»:\nالليل.\nقال ابن زيد: يعني والثريا إذ سقطت، قال: وكانت الأسقام والطواعين تكثر عند وقوعها وترتفع عند طلوعها «٢»، وأصل الغسق الظلمة والوقوف [...] «٣» إذا دخل وقال: أمان سكن نظلامه «٤» .\nوقيل: سمّي الليل غاسقا لأنه أبرد من النهار، والغاسق: البارد، والغسق: البرد «٥» .\nوَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ يعني الساحرات اللائي ينفثن في عقد الخيط حين يرقين عليها، والنفث: وشبه النفخ كما يعمل من يرقي. قال عنترة:\nفإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإنّ يفقد محقّ له العقود «٦»\nوقرأ عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن سابط: من شرّ النافثات في وزن: فاعلات «٧» .\nمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ قال الحسين بن الفضل: إنّ الله جمع الشرور في هذه الآية وختمها بالحسد ليعلم أنه أخسّ الطبائع.\n_________\n(١) مستدرك عن زاد المسير لابن الجوزي: ٨/ ٣٣٤.\n(٢) زاد المسير: ٨/ ٣٣٤.\n(٣) كلمة غير مقروءة.\n(٤) كذا في المخطوط.\n(٥) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٥٦.\n(٦) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٥٧.\n(٧) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٥٩.","vol":"10","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-939>سورة الناس</span>\nمدنية، وهي سبعة وسبعون حرفا، وعشرون كلمة، وست آيات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>[سورة الناس (١١٤): الآيات ١ الى ٦]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ (٤)\nالَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)\nقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ يعني الشيطان، ويكون مصدرا واسما «١» .\nبحمد الله تعالى ومننه تمّ كتاب «الكشف والبيان» للمفسّر المشهور الثعلبي\n_________\n(١) وهذا آخر المخطوط، والحمد لله.","vol":"10","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-941>محتوى الجزء العاشر من كتاب تفسير الثعلبي</span>\nسورة القلم ٥ سورة الحاقة ٢٥ سورة المعارج ٣٤ سورة نوح ٤٣ سورة الجن ٤٩ سورة المزمل ٥٨ سورة المدثر ٦٧ سورة القيامة ٨١ سورة الإنسان (الدهر) ٩٣ سورة المرسلات ١٠٨ سورة النبأ ١١٣ سورة النازعات ١٢٢ سورة عبس ١٣٠ سورة التكوير ١٣٦ سورة الإنفطار ١٤٥ سورة المطففين ١٤٩ سورة الإنشقاق ١٥٨ سورة البروج ١٦٤ سورة الطارق ١٧٧ سورة الأعلى ١٨٢ سورة الغاشية ١٨٧ سورة الفجر ١٩١ سورة البلد ٢٠٦ سورة الشمس ٢١٢ سورة والليل ٢١٦ سورة والضحى ٢٢٢","vol":"10","page":343},{"text":"سورة الشرح ٢٣٢ سورة التين ٢٣٨ سورة العلق ٢٤٢ سورة القدر ٢٤٧ سورة البيّنة (المنفكّين) ٢٥٩ سورة الزلزلة ٢٦٣ سورة العاديات ٢٦٨ سورة القارعة ٢٧٤ سورة التكاثر ٢٧٦ سورة العصر ٢٨٣ سورة الهمزة ٢٨٥ سورة الفيل ٢٨٨ سورة قريش ٢٩٩ سورة الماعون ٣٠٤ سورة الكوثر ٣٠٧ سورة الكافرون ٣١٤ سورة النصر ٣١٨ سورة تبت (المسد) ٣٢٣ سورة الإخلاص ٣٣٠ سورة الفلق والناس [المعوذتين] ٣٣٧ سورة الناس ٣٤١","vol":"10","page":344}]}